aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: خروج صالح بن مسرح   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:51 am


كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري

قال عمر عن أبي الحسن، قال: لما قرأ عليه كتاب عبد الملك قال القارىء: أما بعد، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله. فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام! هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلما بلغ إلى قوله: " أما بعد سلام عليكم " ، لم يبق منهم أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. قال عمر: حدثني عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع، قال: حدثني عمرو بن سعيد، قال: لما قدم الحجاج الكوفة خطبهم فقال: إنكم قد أخللتم بعسكر المهلب، فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد، فلما كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمى، فقال: من بك؟ قال: عمير بن ضابىء البرجمي، أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني - وكذب عليه. فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابىء، فأتي به شيخاً كبيراً، فقال له: ما خلفك عن معسكرك؟ قال: أنا شيخ كبير لا حراك بي، فأرسلت ابني بديلاً فهو أجلد مني جلداً، وأحدث مني سناً، فسل عما أقول لك، فإن كنت صادقاً وإلا فعاقبني. قال: فقال عنبسة بن سعيد: هذا الذي أتى عثمان قتيلاً؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجاج فضربت عنقه. قال عمرو بن سعيد: فوالله إني لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزاً مضرياً، فعدلت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قدم علينا رجل من شر أحياء العرب من هذا الحي من ثمود، أسقف الساقين، ممسوح الجاعرتين، أخفش العينين، فقدم سيد الحي عمير بن ضابىء فضرب عنقه.
ولما قتل الحجاج عمير بن ضابىء لقى إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر. فقال ابن الزبير:
أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى منصباً متشعباً
تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميراً وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا كره نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا
فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
فكائن ترى من مكره العدو ممسن ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا
وكان قدوم الحجاج الكوفة - فيما قيل - في شهر رمضان من هذه السنة، فوجه الحكم بن أبي الشقفي على البصرة أميراً، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالداً الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم، فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة، فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف. وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان، وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة. وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف. وعلى خراسان أمية بن عبد الله. وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة ابن أوفى. وفي هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ.
ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجاج بالبصرة

وفي هذه السنة ثار الناس بالحجاج بالبصرة.ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به: ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: خرج الحجاج بن يوسف من الكوفة بعد ما قدمها، وقتل ابن ضابىء في فوره ذلك حتى قدم البصرة. فقام فيها بخطبة مثل الذي قام بها في أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، فأتى برجل من بني يشكر فقيل: هذا عاص، فقال: إن بي فتقاً. وقد رآه بشر فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البصرة، فخرجوا حتى تداكئوا على العارض بقنطرة رامهرمز، فقال المهلب: جاء الناس رجل ذكر. وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة خمس وسبعين فثار الناس بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأساً فنصبت برامهرمز للناس، فاشتدت ظهور المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف، فانصرف الحجاج إلى البصرة. وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريباً من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخاً، فقام في الناس، فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق، ولست أجيزها. فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا. فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه وبرءوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرف إلى البصرة، وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن ابن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج؛ والسلام. نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز وفي هذه السنة نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: ناهض المهلب وابن مخنف الأزارقة برامهروز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها كازرون، وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه، فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل؛ وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنما خندقنا سيوفنا. وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلاً ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فتل، وقتلوا حوله، فقال شاعرهم:
لمن العسكر المكلل بالصر ... عى فهم بين ميت وقتيل
فتراهم تسفى الرياح عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول

وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف؛ أن ناهضاً الخوارج حين يأتيكما كتابي. فناهضاهم يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان سنة خمس وسبعين واقتتلوا قتالاً شديداً لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارج على المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى عسكره، فسرح إلى عبد الرحمن رجالاً من صلحاء الناس، فأتوه، فقالوا: إن المهلب يقول لك: إنما عدونا واحد، وقد ترى ما قد لقى المسلمون، فأمد إخوانك يرحمك الله. فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجئ من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب، وانصرفوا بحدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء، عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر ابن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديداً. ثم إن الناس انكشفوا عنه، فبقى في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارج بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتشته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلط العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه، فدفنه وصلى عليه، وكتب بمصابه إلى الحجاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فنعى عبد الرحمن بمنىً، وذم أهل الكوفة، وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء، وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بداً من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب، وهو في ذلك يقضي أموره، ولا يكاد يستشير المهلب في شئ. فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالاً من أهل الكوفة فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيره، فأغراهم بعتاب. قال أبو مخنف عن يوسف بن يزيد: إن عتابا أتى المهلب بسأله أن يرزق أصحابه، فأجلسه المهلب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالاً فيه غلظة وتحبهم، قال: فقال له المهلب: وإنك لها هنا بابن اللخناء! فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه، وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال: والله إنها لمعمة مخولة، ولوددت أن الله فرق بيني وبينك، قال: فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه، فوثب عليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب وقال: أصلح الله الأمير! شيخ من أشياخ العرب، وشريف من أشرافهم، إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له. فإنه لذلك منك أهل، ففعل، وقام عتاب فرجع من عنده، واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه، ويقع فيه فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر، ويسأله أن يضمه إليه، فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقى أشراف الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب، فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب. وقال حميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن بن مخنف:
إن يقتلوك أبا حكيم غدوة ... فلقد تشد وتقتل الأبطالا
أو يثكلونا سيدا لمسود ... سمح الخليقة ماجداً مفضالا
فلمثل قتلك هد قومك كلهم ... من كان يحمل عنهم الأثقالا
من كان يكشف غرمهم وقتالهم ... يوماً إذا كان القتال نزالا!
أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه ... حتى تدرع من دم سربالا
وتناجز الأبطال تحت لوائه ... بالمشرفية في الأكف نصالاً
يوماً طويلاً ثم آخر ليلهم ... حين استبانوا في السماء هلالا
وتكشفت عنه الصفوف وخيله ... فهناك نالته الرماح فمالا
وقال سراقة بن مرداس البارقي:
أعيني جودا بالدموع السواكب ... وكونا كواهي شنة مع راكب

على الأزد لما أن أصيب سراتهم ... فنوحا لعيش بعد ذلك خائب
نرحي الخلود بعدهم وتعوقنا ... عوائق موت أو قراع الكتائب
وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف ... وكل امرئ يوماً لبعض المذاهب
أمار دموع الشيب من أهل مصره ... وعجل في الشبان شيب الذوائب
وقاتل حتى مات أكرم ميتة ... وخر على خد كريم وحاجب
وضارب عنه المارقين عصابة ... من الأزد تمشي بالسيوف القواضب
فلا ولدت أنثى ولا آب غائب ... إلى أهله إن كان ليس بآيب
فيا عين بكى مخنفاً وابن مخنف ... وفرسان قومي قصرةً وأقاربي
وقال سراقة أيضاً يرثي عبد الرحمن بن مخنف:
ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة ... وأزد عمان رهن رمس بكازر
وضارب حتى مات أكرم ميتة ... بأبيض صاف كالعقيقة باتر
وصرع حول التل تحت لوائه ... كرام المساعي من كرام المعاشر
قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر
أمد فلم يمدد فراح مشمراً ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر
وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحواً من سنة. وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأى الصفرية، وقيل: إنه أول من خرج من الصفرية.
ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج
وما كان منه في هذه السنة
ذكر أن صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس حج سنة خمس وسبعين ومعه شبيب بن يزيد وسويد و البطين وأشباههم. وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان، فهم شبيب بالفتك به، وبلغه ذرء من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم، فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج، فتنكبها.
دخلت سنة ست وسبعين
ذكر الكائن من الأحداث فيها فمن ذلك
خروج صالح بن مسرح
ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه وكان سبب خروجه - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي - أن صالح بن مسرح التميمي كان رجلا ناسكاً مخبتاً مصفر الوجه، صاحب عبادة، و أنه كان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن وفقههم وقص عليهم، فكان قبيصة بن عبد الرحمن حدث أصحابنا أن قصص صالح بن مسرح عنده، وكان ممن يرى رأيهم، فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم، ففعل. وكان قصصه: " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " . اللهم إنا لا نعدل بك. ولا نحفد إلا إليك، ولا نعبد إلا إياك، لك الخلق والأمر، ومنك النفع والضر، وإليك المصير. ونشهد أن محمداً عبدك الذي اصطفيته، ورسولك الذي اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك، ونصيحة عبادك، ونشهد أنه قد بلغ الرسالة، ونصح للأمة، ودعا إلى الحق، وقام بالقسط، ونصر الدين. وجاهد المشركين، حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم. أوصيكم بتقوى الله والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين، وحب المؤمنين، فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله، وتفرغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت يخيف العبد من

ربه حتى يجأر إليه، ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " وإن حب المؤمنين للسبب الذي تنال به كرامة الله ورحمته وجنته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين. ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، حتى قبضه الله، صلوات الله عليه، ثم ولى الأمر من بعده التقي الصديق على الرضا من المسلمين، فاقتدى بهديه، واستن بسنته، حتى لحق بالله - رحمه الله - واستخلف عمر، فولاه الله أمر هذه الرعية، فعمل بكتاب الله، وأحيا سنة رسول الله، ولم يحنق في الحق على جرته، ولم يخف في الله لومة لائم، حتى لحق به رحمة الله عليه، وولى المسلمين من بعده عثمان، فاستأثر بالفئ، وعطل الحدود، وجار في الحكم، واستذل المؤمن، وعزز المجرم، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين؛ وولى أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب، فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وشك في أهل الضلال، وركن وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون، فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم. ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانقوا الحور العين، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة، قال: بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذات يوم: ما أدري ما تنتظرون! حتى متى أنتم مقيمون! هذا الجوار قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا، وتباعداً عن الحق، وجرأة على الرب؛ فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل و الدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون. قال: فتراسل أصحاب صالح، وتلاقوا في ذلك، فبيناهم في ذلك إذ قدم عليهم المحلل بن وائل اليشكري بكتاب من شبيب إلى صالح بن مسرح: أما بعد، فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص، وقد كنت دعوعتني إلى ذلك فاستجبت لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين، ولن نعدل بك منا أحداً، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني؛ فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تختر مني المنية ولما أجاهد الظالمين، فياله غبناً، وياله فضلا متروكاً! جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك، قال: فلما قدم على صالح المحلل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب كتب إليه صالح: أما بعد، فقد كان كتابك وخبرك أبطآ عني حتى أهمني ذلك، ثم إن امرأً من المسلمين نبأني بنبإ مخرجك ومقدمك، فنحمد الله على قضاء ربنا. وقد قدم على رسولك بكتابك، فكل ما فيه فهمته، ونحن في جهاز واستعداد للخروج، ولم يمنعني من الخروج إلا إنتظارك، فأقبل إلينا، ثم اخرج بنا متى ما أحببت، فإنك ممن لا يستغني عن رأيه، ولا تقضى دونه الأمور. والسلام عليك، فلما قدم على شبيب كتابه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه؛ منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم، والمحلل بن وائل اليشكري، والصقر ابن حاتم من بني تيم بن شيبان، وإبراهيم بن حجر أبو الصقير بن بني

محلم، والفضل بن عامر من بني ذهل بن شيبان، ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح بداراً، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله! فو الله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً، فبث صالح رسله في أصحابه، وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين، فاجتمع بعضهم إلى بعض، وتهيئوا، وتيسروا للخروج في تلك الليلة، واجتمعوا جميعاً عنده في تلك الليلة لميعاده. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط الأزدي، قال: والله إني لمع شبيب بالمدائن إذ حدثنا عن مخرجهم، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج، فكان رأيي استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الأرض، فقمت إليه فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة؟ أتقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك؛ أما أن فأرى أن نقتل كل من لا يرى رأينا فريباً كان أو بعيداً، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله، واستحوذ عليهم الشيطان. فقال: لا بل ندعوهم، فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يزري عليك، والدعاء أقطع لحجتهم، وأبلغ في الحجة عليهم. قال: فقلت له: فكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به؟ ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا. وقال: فأحسن القول وأصاب، رحمة الله عليه وعلينا. قال أبو مخنف: فحدثني رجل من بني محلم أن صالح بن مسرح لأصحابه ليلة خرج: اتقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس غلا أن يكونوا قوماً يريدونكم، وينصبون لكم، فإنكم إنما خرجتم غضباً لله حيث انتهكت محارمه، وعصى في الأرض، فسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حفها، فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها، فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤلون، وإن عظمكم رجالة، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق، فابدءوا بها، فشدوا عليها، فاحملوا أراجلكم، وتقووا بها على عدوكم فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحملوا رجالتهم عليها، وصارت رجالتها فرساناً، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار، وخرج صالح ليلة خرج في مائة وعشرين - وقيل في مائة وعشرة - قال: وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخف بأمرهم، وبعث إليهم عدى بن عدى بن عميرة من بني الحارث بن معاوية بن ثور في خمسمائة، فقال له: أصلح الله الأمير! أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج معه رجال من ربيعة قد سموا لي، كانوا يعازوننا، الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة رجل، قال له: فإني أزيدك خمسمائة أخرى، فسر إليهم في ألف، فسار من حران في ألف رجل، فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عدي، وكأنما يساق إلى الموت، وكان عدي رجلا يتنسك، فأقبل حتى إذا نزل دوغان نزل بالناس وسرح إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه من بني خالد من بني الورثة؛ يقال له: زياد بن عبد الله، فقال: إن عديا بعشي إليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأتي بلداً آخر فتقاتل أهله؛ فإن عديا للقائك كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف، ثم نحن مدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره، وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا، فإن شئنا بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا إلى غيرك، فانصرف إليه الرسول فأبلغه ما أرسل به، فقال له: ارجع إليه فقل له: إني والله ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك، فقاتل غيري، فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا وحبس الرجل عنده حتى خرجوا، ثم تركه ومضى بأصحابه حتى يأتي عدي بن عدي بن عميرة في سوق دوغان وهو قائم يصلي الضحى، فلم يشعر إلا والخيل طالعة عليهم، فلما بصروا بها تنادوا، وجعل صالح شبيباً في كتيبة في ميمنة أصحابه، وبعث سويد بن سليم الهندي من بني شيبان في كتيبة في ميسرة أصحابه، ووقف هو في كتيبة في القلب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبية، وبعضهم يجول في بعض، فأمر شبيباً فحمل عليهم، ثم حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يقاتلوا، وأتى عدي بن عدي بدابته وهو يصلي فركبها ومضى على وجهه، وجاء صالح

ابن مسرح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فل عدي وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان، فغضب، ثم دعا خالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جعونة من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعاهما، فقال: اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجلا الخروج، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه؛ فخرجا من عنده فأغذا السير، وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما: إنه توجه نحو آمد، فأتبعاه حتى انتهيا إليه، وقد نزل على أهل آمد فنزلا ليلا، فيخندقا وانتهيا إليه وهما متساندان كل واحد منهما في أصحابه على حدته، فوجه صالح شبيباً إلى الحارث بن جعونة العامري في شطر أصحابه، وتوجه هو نحو خالد بن جزء السلمي.
قال أبو مخنف: فحدثني المحلمي، قال: انتهوا إلينا في أول وقت العصر، فصلى بنا صالح العصر، ثم عبانا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلت خليهم لا تثبت لخيلنا.
فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل، فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذي نريد، إذا حملنا عليهم استقبلنا رجالتهم بالرماح، ونضحتنا رماتهم بالنبل، وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم، وقد أفشوا فينا الجراحة، وأفشيناها فيهم، وقد قتلوا منا نحواً من ثلاثين رجلاً، وقتلنا منهم أكثر من سبعين، ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعنا إلى عسكرنا فصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر. ثم إن صالحاً دعا شبيباً وروءس أصحابه فقال: يا أخلائي، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أرى أنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم، وقد اعتصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتهم سائرين، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثم دخلوا أرض الموصل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة. فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة، ألف من المقاتلة الأولى، وألفين من الفرض الذي فرض لهم الحجاج. فسار حتى إذا دنا من الدسكرة خرج صالح بن مسرح نحو جلولاء وخانقين، وأتبعه الحارث ابن عميرة حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج من أرض الموصل على تخوم ما بينها وبين أرض جوخى، وصالح يومئذ في تسعين رجلا، فعبي الحارث ابن عميرة يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرواغ الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الأروح التميمي، ثم شد عليهم - وذلك بعد العصر

وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس؛ فهو في كردوس، وشبيب في كردوس في ميمنته، وسويد بن سليم في كردوس في الميسرة، في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد ابن سليم، وثبت صالح وثبت صالح بن مسرح فقتل، وضارب شبيب حتى صرع، فوقع رجالة، فشد عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح ابن مسرح فأصابه قتيلا، فنادى: إلى يا معشر المسلمين؛ فلاذوا به، فقال لأصحابه: ليعجل كل واحد منكم ظهره إلى ظهره صاحبه، وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل هذا الحصن، ونرى رأينا، ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشبيب، وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسياً، وقال لأصحابه: احرقوا الباب، فإذا صار حمراً فدعوه فإنهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتى نصبحهم فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثم انصرفوا إلى عسكرهم، فأشرف شبيب عليهم وطائفة من أصحابه، فقال بعض أولئك الفرض: يا بني الزواني، ألم يخزكم الله! فقالوا: يافساق، نعم تقاتلوننا لقتالنا إياكم إذ أعماكم الله عن الحق الذي نحن عليه، فما عذركم عند الله في الفري على أمهاتنا! فقال له حلماؤهم إنما هذا من قول شباب فينا سفهاء، والله ما يعجبنا قولهم ولا نستحله. وقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تنظرون! فو الله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم، فقالوا له: مرنا بأمرك، فقال لهم : إن الليل أخفى للويل، بايعوني ومن شئم منكم، ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم، فإنهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجوا أن ينصركم الله عليهم. قالوا: فابسط يدك فلنبايعك، فبايعوه، ثم جاءوا ليخرجوا، وقد صار بابهم جمراً، فأتوا باللبود فبلوها بالماء، ثم ألقوها على الجمر، ثم قطعوا عليها، فلم يشعر الحارث بن عميرة ولا أهل العسكر إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، فضارب الحارث حتى صرع، واحتمله أصحابه وانهزموا، وخلوا لهم العسكر وما فيه، ومضوا حتى نزلوا المدائن، فكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب، وأصيب صالح بن مسرح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من سنته.
خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجاجوفي هذه السنة دخل الكوفة ومعه زوجته عزالة ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمره وأمر الحجاج بها و السبب الذي دعا شبيباً إلى ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخشعمي - أن شبيباً لما قتل صالح بن مسرح بالمدبج وبايعه أصحاب صالح، ارتفع إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سيار بن المضاء التيمي تيم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يعرفه قبل ذلك إذ كانا في الديوان والمغازي، فاشترط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارساً، ثم لا يغيب عنه إلا ثلاث ليال عدداً. ففعل، فانتخب ثلاثين فارساً، فانطلق بهم نحو عنزة، وإنما أرادهم ليشفي نفسه منهم لقتلهم أخاه فضالة، وذلك أن فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نفساً حتى نزل ماء يقال له الشجرة من أرض الجبال عليه أثلة عظيمة، وعليه عنزة، فلما رأته عنزة قال بعضهم لبعض: نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الأمير فنعطي ونجى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخواله: لعمر الله لا نساعدكم على قتل ولدنا. فنهضت عنزة إليهم فقاتلوهم فقتلوهم، وأتوا برءوسهم عبد الملك بن مروان، فلذلك أنزلهم بانقيا، وفرض لهم، ولم تكن لهم فرائض قبل ذلك إلا قليلة، فقال سلامة بن سيار، أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه:
وما خلت أخوال الفتى يسلمونه ... لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر

قال: وكان خروج أخيه فضالة قبل خروج صالح بن مسرح وشبيب. فلما بايع سلامة شبيباً اشترط عليه هذا الشرط، فخرج في ثلاثين فارساً حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة منهم بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته، وقد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم، فقالت و أخرجت ثديها إليه: أنشدك برحم هذا يا سلامة! فقال: لا و الله، ما رأيت فضالة مذ أناخ بعمر الشجرة - يعني أخاه - لتقومن عنه، أو لأجمعن حافتك بالرمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتله. قال أبو مخنف: فحدثني المفضل بن بكر من بني تيم بن شيبان أن شبيباً أقبل في أصحابه نحو راذان. فلما سمعت به طائفة من بني تيم ابن شيبان خرجوا هراباً منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل، فأقبلوا حتى نزلوا دير خرزاد إلى جنب حولايا، وهم نحو من ثلاثة آلاف، وشبيب في نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم؛ فهابوه وتحصنوا منه، ثم إن شبيباً سرى في اثنى عشر فارساً من أصحابه إلى أمه، وكانت في سفح ساتيد ما نازلة في مظلة من مظال الأعراب: فقال: لأتين بأمي فلأجعلنها في عسكري فلا تفارقني أبداً حتى أموت أو تموت. وخرج رجلان من بني تيم بن شيبان تخوفا على أنفسهما فنزلا من الدير، فلحقا بجماعة من قومهما وهم نزول بالجال منهم على مسيرة ساعة من النهار، وخرج شبيب، في أولئك الرهط في أولهم وهم اثنا عشر، يريد أمه بالسفح، فإذا هو بجماعة من بني تيم بن شيبان غارين في أموالهم مقيمين، لا يرون أن شبيباً يمر بهم لمكانهم الذي هم به، ولا يشعر بهم، فحمل عليهم في فرسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخاً؛ فيهم حوثرة بن أسد ووبرة بن عاصم الذان كانا نزلا من الدير، فلحقا بالجبال. ومضى شبيب إلى أمه فحملها من السفح، فأقبل بها، وأشرف رجل من أصحاب الدير من بكر بن وائل على أصحاب شبيب، وقد استخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلك الرجل الذي أشرف عليهم سلام بن حيان، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم. ألم تسمعوا قول الله: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " قالوا: بلى، قال لهم: فكفوا عنا حتى نصبح، ثم نخرج إليكم على أمان لنا منكم، لكيلا تعرضوا لنا بشئ نكرهه حتى تعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحن قبلناه حرمت عليكم أموالنا ودماؤنا، وكنا لكم إخواناً وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم؛ قالوا لهم: فهذا لكم. فلما أصبحوا خرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، ووصفوا لهم أمرهم، فقبلوا ذلك كله، وخالطوهم ونزلوا إليهم، فدخل بعضهم إلى بعض، وجاء شبيب وقد اصطلحوا، فأخبره أصحابه خبرهم، فقال: أصبتم ووفقتم وأحسنتم. ثم إن شبيباً ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامت طائفة جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيم بن حجر المحلمي أبو الصقير كان مع بني تيم بن شيبان نازلاً فيهم، ومضى شبيب في أداني أرض الموصل وتخوم أرض جوخى، ثم ارتفع نحو أذربيجان، وأقبل سفيان بن أبي العالية الخشعمي في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان، فأمر بالقفول، فأقبل راجعاً في نحو من ألف فارس، فصالح صاحب طبرستان. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة عن سفيان بن أبي العالية الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه: أما بعد، فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك، ثم أقيم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني بن ذي المشعار، وهو الذي قتل صالح بن مسرح وخيل المناظر، ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه، فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة، ونودي في جيش الحارث بن عميرة بالكوفة والمدائن: أن برئت الذمة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف سفيان بن أبي العالية بالدسكرة

قال: فخرجوا حتى أتوه، وأتته خيل المناظر، وكانوا خمسمائة، عليهم سورة بن أبجر التميمي من بني أبان بن دارم، فوافوه إلا نحواً من خمسين رجلا تخلفوا عنه، وبعث إلى سفيان بن أبي العالية ألا تبرح العسكر حتى آتيك. فعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب، فلحقه بخانقين في سفح جبل على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بني عمر بن شهران، وعلى ميسرته عدي بن عميرة الشيباني، وأصحر لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتى كأنه يكره لقاءه، وقد أكن له أخاه مصاداً معه خمسون في هزم من الأرض، فلما رأوه جمع أصحابه ثم مضى في سفح الجبل مشرفاً فقالوا: هرب عدو الله فاتبعوه، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني: أيها الناس، لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الأرض ونسير بها، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كميناً كنا قد حذرناه، وإلا فإن طلبهم لن يفوتنا. فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا في آثارهم. فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم ولما رأى الكمين أن قد جاوزهم خرجوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابن أبي العالية في نحو من مائتي رجل، فقاتلهم قتالا شديداً حسناً؛ حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سويد بن سليم لأصحابه: أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبي العالية؟ فو الله لئن عرفته لأجهدن نفسي في قتله، فقال شبيب: أنا من أعرف الناس به، أما ترى صاحب الفرس الأغر الذي دونه المرامية! فإنه ذلك، فإن كنت تريده فأمهله قليلاً، ثم قال: يا قعنب، اخرج في عشرين فأتهم من ورائهم فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم. فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا يتنقضون ويتسسللون، وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رمحاهما شيئاً، ثم اضطربا بسيفهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض يعتركان؛ ثم تحاجزوا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان، فنزل عن برذونة، وقال: اركب يا مولاي، فركب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتل دونه غزوان فقتل، وكانت معه رايته. وأقبل سفيان بن أبي العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني أتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقاتلتهم، فضرب الله وجوههم، ونصرنا عليهم، فبينا نحن كذلك إذ أتاهم قوم كانوا غيباً عنهم، فحملوا على الناس فهزموهم، فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم، حتى خررت بين القتلى، فحملت مرتثاً، فأتى بي بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الذين وجههم إلى الأمير وافوا إلا سورة بن أبجر فإنه لم يأتني ولم يشهد معي حتى إذا نزلت بابل مهروذ أتاني يقول ما لا أعرف، ويعتذر بغير العذر والسلام. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: من صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن. ثم كتب إليه: أما بعد: فقد أحسنت البلاء، وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجوراً إلى أهلك والسلام.
وكتب إلى سورة بن أبحر: أما بعد فيا بن أم سورة، ما كنت خليقاً أن تجترئ على ترك عهدي وخذلان جندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليباً إلى الخيل التي بالمدائن، فلينتخب منهم خمسمائة رجل، ثم ليقدم بهم عليك، ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة. واحزم في أمرك، وكد عدوك، فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة. والسلام. فلما أتى سورة كتاب الحجاج بعث عدي بن عميرة إلى المدائن. وكان بها ألف فارس، فانتخب منهم خمسمائة، ثم دخل على عبد الله بن أبي عصيفير - وهو أمير المدائن في إمارته الأولى - فسلم عليه، فأجازه بألف درهم، وحمله على فرس، وكساه أثواباً. ثم إنه خرج من عنده، فأقبل بأصحابه حتى قدم

بهم على سورة بن أبجر ببابل مهروذ، فخرج في طلب شبيب، وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه، فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن فتحصن منه أهل المدائن وتحرزوا. وهي أبنية المدائن الأولى، فدخل المدائن، فأصاب بها دواب جند كثيرة فقتل من ظهر له ولم يدخلوا البيوت. فأتى فقيل له: هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك. فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان، فنزلوا به وتوضئوا وصلوا، ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام، فاستغفروا لإخوانهم، وتبرءوا من علي وأصحابه، وبكوا فأطالوا البكاء، ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان، فنزلوا من جانبه الشرقي، وجاء سورة حتى نزل بقطراثا، وجاءته عيونه فأخبرته بمنزل شبيب بالنهروان، فدعا رءوس أصحابه فقال: إنهم قلما يلقون مصحرين أو على ظهر إلا انتصفوا منكم، وظهروا عليكم، وقد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل إلا قليلا، وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فآتيهم الآن إذ هم آمنون لبياتكم؛ فو الله إلى لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الذين صرعوا منهم بالنهروان من قبل فقالوا: اصنع ما أحببت. فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة الخثعمي، وانتخب من أصحابه ثلثمائة رجل من أهل القوة والجلد الشجاعة، ثم أقبل بهم نحو النهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحرس، فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم، فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم. فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا واستعدوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضاربوهم حتى صد عنهم سورة وأصحابه، ثم صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتى تركوا له العرصة، وحملوا عليهم معه، وجعل شبيب يضرب ويقول:
من ينك العير ينك نياكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا
فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم حتى أقبل بهم نحو المدائن، فدفع إليهم وقد تحمل وتعدى الطريق الذي فيه شبيب، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيصيب عسكره، ويصيب بهزيمته أهل المعسكر، فأخذ السير في طلبهم، فانتهوا إلى المدائن فدخلوها، وجاء شبيب حتى انتهى إلى بيوت المدائن. فدفع إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابن أبي عصيفير في أهل المدائن فرماهم الناس بالنبل، ورموا من فوق البيوت بالحجارة، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن، فمر على كلواذا فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها، ثم خرج يسير في أرض جوخى، ثم مضى نحو تكريت، فبينا ذلك الجند في المدائن إذ أرجف الناس بينهم، فقالوا: هذا شبيب قد دنا، وهو يريد أن يبيبت أهل المدائن الليلة، فارتحل عامة الجند. فلحقوا بالكوفة. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي، قال: والله لقد هربوا من المدائن وقالوا: نبيت الليلة، وإن شبيباً لبتكبريت، قال: ولما قدم الفل على الحجاج سرح الجزل بن سعيد بن شرحبيل بن عمرو الكندي. قال أبو مخنف: حدثنا النضر بن صالح العبسي وفضيل بن خديج الكندي أن الحجاج لما أتاه الفل قال: قبح الله سورة! ضيع العسكر والجند، وخرج يبيت الخوارج، أما والله لأسوءنه، وكان بعد قد حبسه ثم عفا عنه.

قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن الحجاج دعا الجزل - وهو عثمان بن سعيد - فقال له: تيسر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق، ول تحجم إحجام الواني الفرق، هل فهمت؟ لله أنت يا أخا بني عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت؛ قال له: فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس، فقال: أصلح الله الأمير! لاتبعثن معي أحداً من أهل هذا الجند المفلول المهزوم، فإن الرعب قد دخل قلوبهم، وقد خشيت ألا ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له: فإن ذلك لك، ولا أراك إلا قد أحسنت الرأي ووفقت. ثم دعا أصحاب الدواووين فقال: اضربوا على الناس البعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس، من كل ربع ألف رجل، وعجلوا ذلك، فجمعت العرفاء، وجلس أصحاب الدواوين، وضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم بالعسكر فعسكروا، ثم نودى فيهم بالرحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادي الحجاج: أن برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفاً؛ قال: فمضى الجزل بن سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكندي على مقدمته، فخرج حتى أتى المدائن، فأقام فيها ثلاثاً، وبعث إليه ابن أبي عصيفير بفرس وبرذون وبغلين وألفي درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا، فأصاب الناس ما شاؤوا من تلك الجزر والعلف الذي وضع لهم ابن عصيفير. ثم إن الجزل بن سعيد خرج بالناس في أثر شبيب، فطلبه في أرض جوخى، فجعل شبيب يريه الهيبة، فيخرج من رستاق إلى رستاق، ومن طسوج إلى طسوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرق الجزل أصحابه، ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقاً، فلما طال ذلك على شبيب أمر أصحابه ذات ليلة فسروا. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط أن شبيباً دعانا ونحن بدير بيرما ستون مائة رجل، فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلاً، وهو في أربعين، وجعل أخاه مصاداً في أربعين، وبعث سويد بن سليم في أربعين، وبعث المحلل بن وائل في أربعين، وقد أتته عيونه فأخبرته أن الجزل بن سعيد قد نزل دير يزيد جرد، قال: فدعانا عند ذلك فعبانا هذه التعبئة، وأمرنا على دوابنا، وقال لنا: تيسروا فإذا قضمت دوابكم فاركبوا، وليسر كل امرئ منكم مع أميره الذي أمرناه عليه، ولينظر كل امرئ منكم ما يأمره أميره فليتبعه. ودعا أمرائنا فقال لهم: إني أريد أن أبيت هذا العسكر الليلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفع من فوقهم حتى تأتيهم من ورائهم من قبل حلوان، وسآتيهم أنا من أمامي من قبل الكوفة، وأتهم أنت يا سويد من قبل المشرق، وأتهم أنت من قبل المغرب، وليلج كل امرئ منكم على الجانب الذي يحمل عليه، ولا تقلعوا عنهم، تحملون وتكرون عليهم، وتصيحون بهم حتى يأتيكم أمري. فلم نزل على تلك التعبئة، وكنت أنا في الأربعين الذين كانوا معه، حتى إذا قضمت دوابنا - وذلك أول الليل أول ما هدأت العيون - خرجنا حتى انتهينا إلى دير الحرارة، فإذا القوم مسلحة، عليهم عياض بن أبي لينة، فما هو إلا أن انتهينا إليهم، فحمل عليهم مصاد أخو شبيب في أربعين رجلاً، وكان أمام شبيب، وقد كان أراد أن يسبق شبيباً حتى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره، فلما لقى هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعة، وقاتلوهم. ثم إنا دفعنا إليهم جميعاً، فحملنا عليهم فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير جرد إلا قريب من ميل. فقال لنا شبيب: اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم؛ فأتبعناهم والله ملظين بهم، ملحين عليهم، ما نرفه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همة إلا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم، ورشقوا بالنبل، وكانت عيون لهم قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا، وكان الجزل قد خندق عليه، وتحرز ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الحرارة، ووضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان على الطريق

فلما أن دفعنا إلى هذه المسلحة التي كانت بدير الحرارة فألحقناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم: قاتلوا، وانضحوا عنكم بالنبل. قال أبو مخنف: وحدثني جرير بن الحسين الكندي، قال: كان على المسلحتين الأخريين عاصم بن حجر على التي تلي حلوان، وواصل ابن الحارث السكوني إلى الأخرى. فلما اجتمعت المسالح جعل شبيب يحمل عليها حتى اضطرها إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنبل حتى ردوهم عنهم. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم قال لأصحابه: سيروا ودعوهم، فمضى على الطريق نحو حلوان حتى إذا كان قريباً من موضع قباب حسين بن زفر من بني بدر بن فزارة - وإنما كانت قباب حسين بن زفر بعد ذلك - قال لأصحابه: انزلوا فاقضموا وأصلحوا نبلكم وتروحوا وصلوا ركعتين، ثم اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك. ثم إنه أقبل بهم راجعاً إلى عسكر أهل الكوفة أيضاً، وقال: سيروا على تعبيتكم التي عبأتكم عليها بدير بيرما أول الليل، ثم أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم، فأقبلوا. قال: فأقبلنا معهم وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إلهم، وقد أمنونا فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر خيولنا قريباً منهم، فانتهينا إليهم قبيل الصبح فأحطنا بعسكرهم، ثم صحنا بهم من كل جانب، فإذا هم يقاتلوننا من كل جانب، ويرموننا بالنبل. ثم إن شبيباً بعث إلى أخيه مصاب وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل إلينا وخل لهم سبيل الطريق إلى الكوفة، فأقبل إليه، وترك ذلك الوجه، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة، حتى أصبحنا، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئاً، فسرنا وتركناهم، فجعلوا يصيحون بنا: أين يا كلاب النار! أين أيتها العصابة المارقة! أصبحوا نخرج إليكم، فارتفعنا عنهم نحواً من ميل ونصف، ثم نزلنا فصلينا الغداة، ثن أخذنا الطريق على براز الروذ، ثم مضينا إلى جسر جسرايا وما يليها، فأقبلوا في طلبنا. قال أبو مخنف: فحدثني مولى لنا يدعى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجراً وهم في طلب الحرورية، وعلينا الجزل بن سعيد، فجعل يتبعهم فلا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج، وطال ذلك على الحجاج، فكتب إليه كتاباً، فقر على الناس: أما بعد، فأني بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس، وأمرتك بإتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها، فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضي لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم. والسلام. فقرئ الكتاب علينا ونحن بقطراثا ودير أبي مريم، فشق ذلك على الجنرال. وأمر الناس بالسير. فخرجوا في طلب الخوارج جادين، وأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل.
قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمذاني ثم البرسمي أن الحجاج بعث سعيد بن المجالد على ذلك الجيش، وعهد إليه أن لقيت المارقة فازحف إل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:52 am

يصب مني غرة، حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدة، ونهيته عن العجلة، وأمرته ألا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني، وتعجل إليهم في الخيل، فأشهد عليه أهل المصرين أني بريئ من رأيه الذي رأى، وأني لا أهوى ما صنع. فمضى فأصيب تجاوز الله عنه، ودفع الناس إلي، فنزلت ودعوتهم إلي، ورفعت لهم رايتي، وقاتلت حتى صرعت، فحملني أصحابي من بين القتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأس ميل من المعركة، فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها. فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوه، وعن موقفي يوم البأس، فإنه يستبين له عند ذلك أني قد صدقته ونصحت له. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد أتاني كتابك وقرأته، وفهمت كل ما ذكرت فيه، وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لأميرك، وحيطتك على أهل مصرك، وشدتك على عدوك، وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه، فقد رضيت عجلته وتؤدتك، فأما عجلته فإنها أفضت به الجنة، وأما تؤدتك فإنها لم تدع الفرصة إذا أمكنت، وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم، وقد أصبت وأحسنت البلاء، وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة، وقد أشخصت إليك حيان ابن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك، وبعثت إليك بألفي درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك. والسلام. فقدم عليه حيان بن أبجر الكناني من بني فراس - وهم يعالجون الكي وغيره - فكان يداويه، وبعث إليه عبد الله بن أبي عصيفير بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهده باللطف والهدية. قال: وأقبل شبيب نحو المدائن، فعلم أنه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ، فعبر دجلة إليه، وبعث إلى أهل سوق بغداد وهو بالكرخ أن اثبتوا في سوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنهم يخافونه قال: ويخرج سويد حتى جعل بيوت مزينة وبني سليم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة، وذلك عند المساء، فلم يقدر منهم على شئ، فأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وأتبعه سويد لا يفارقه حتى قطع بيوت الكوفة كلها إلى الحيرة، وأتبعه سويد حتى انتهى إلى الحيرة، فيجده قد قطع قنطرة الحيرة ذاهباً، فتركه وأقام حتى أصبح. وبعث إليه الحجاج أن أتبعه فأتبعه، ومضى شبيب حتى أغار في أسفل الفرات على من وجد من قومه، وارتفع في البر من وراء خفان في أرض يقال لها الغلظة، فيصيب رجالا من بني الورثة، فحمل عليهم، فاضطرهم إلى جدد من الأرض، فجعلوا يرمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولهم، فلما نفدت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران بن مالك؛ كلهم من بني الورثة. قال أبو مخنف: حدثني بذلك عطاء بن عرفجة بن زياد بن عبد الله الورثي. ومضى شبيب حتى يأتي بني أبيه على اللصف ماء لرهطه وعلى ذلك الماء الفرز بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، وهو الذي كان ينهي شبيباً عن رأيه، وأن يفسد بني عمه وقومه، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر. فلما غشيهم شبيب في الخيل سأل عن الفزر فاتقاه الفزر، فخرج على فرس لا تجارى من وراء البيوت، فذهب عليها في الأرض، وهرب منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهل البادية حتى أخذ على القطقطانة؛ ثم على قصر مقاتل، ثم أخذ على شاطئ الفرات حتى أخذ على الحصاصة، ثم على الأنبار، ثم مضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع إلى أداني أذربيجان. فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة،فما شعر الناس بشيء حتى جاء كتاب من ماذرواسب دهقان بابل مهروذ وعظيمها إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أن تاجراً من تجار الأنبار من أهل بلادي أتاني فذكر أن شبيباً يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك، ثم لم ألبث إلا ساعة حتى جاءني جابيان من جباتي فحدثاني أنه قد نزل خانيجار. فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرح به إلى الحجاج بالبصرة، فلما قرأه الحجاج أقبل جواداً إلى الكوفة، وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية يقال لها حربى على شاطئ دجلة فعبر منها، فقال: مااسم هذه القرية؟ فقالوا: حربى؛ فقال: حربى يصلى بها

عدوكم، وحرب تدخلونه بيوتهم، إنما يتطير من يقوف ويعيف، ثم ضرب رايته وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبل حتى نزل عقرقوفا، فقال له سويد بن سليم: يا أمير المؤمنين، لو تحولت بنا من هذه القرية المشؤومة الاسم! قال: وقد تطيرت أيضاً! والله لا أتحول عنها حتى أسير إلى عدوي منها، إنما شؤمها إن شاء الله على عدوكم تحملون عليهم فيها، فالعقر لهم. ثم قال لأصحابه: يا هؤلاء، إن الحجاج ليس بالكوفة، وليس دون الكوفة إن شاء الله شيء، فسيروا بنا. فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة، وكتب عروة إلى الحجاج أن شبيباً قد أٌقبل مسرعاً يريد الكوفة، فالعجل العجل. فطوى الحجاج المنازل، واستبقا إلى الكوفة، ونزلها الحجاج صلاة الظهر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب، فصلى المغرب والعشاء، ثم أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئاً يسيراً، ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة، فجاء شبيب حتى انتهى إلى السوق، ثم شد حتى ضرب باب القصر بعموده قال أبو المنذر: رأيت ضربة شبيب بباب القصر قد أثرت أثراَ عظيماً، ثم أقبل حتى وقف عند المصطبة، ثم قال:
وكأن حافرها بكل خميلة ... كيل يكيل به شحيح معدم
عبد دعى من ثمود أصله ... لا بل يقال أبو أيهم يقدم
ثم اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيراً لا يفارقه قوم يصلون به فقتل عقيل بن مصعب الوادعي وعدي بن عمر الثقفي وأبا ليث بن أبي سليم مولى عنبسة بن أبي سفيان، وقتلوا أزهر بن عبد الله العامري، ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فوقفوا على بابه وقالوا: إن الأمير يدعوا حوشباً، فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب ليركبه حوشب، فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتى يخرج صاحبك. فسمع حوشب الكلام، فأنكر القوم، فخرج إليهم، فلما رأى جماعتهم أنكرهم، وذهب لينصرف، فجعلوا نحوه، ودخل وأغلق الباب، وقتلوا غلامه ميموناً، وأخذوا برذونه ومضوا حتى مروا بالجحاف ابن نبيط الشيباني من رهط حوشب، فقال له سويد: إنزل إلينا، فقال له: ما تصنع بنزولي! قال له سويد: أقضيك ثمن البكرة التي كنت ابتعت منك بالبادية، فقال له الجحاف: بئس ساعة القضاء هذه الساعة، وبئس قضاء الدين هذا المكان! أما ذكرت أمانتك إلا والليل مظلم، وأنت على ظهر فرسك! قبح الله يا سويد ديناً لا يصلح ولا يتم إلا بقتل ذوي القرابة وسفك دماء هذه الأمة. قال: ثم مضوا فمروا بمسجد بن ذهل فلقوا ذهل بن الحارث، وكان يصلي في مسجد قومه فيطيل الصلاة، فصادفوه منصرفاً إلى منزله، فشدوا عليه ليقتلوه، فقال: اللهم إني أشكو إليك هؤلاء وظلمهم وجهلهم.
اللهم إني عنهم ضعيف، فانتصر لي منهم! فضربوه حتى قتلوه، ثم مضوا حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة. قال هشام: قال أبو بكر بن عياش: واستقبله النضر بن قعقاع ابن شور الذهلي، وأمه ناجية بنت هاني بن قبيصة بن الشيباني فأبطره حين نظر إليه - قال: يعني بقوله: أبطره أفزعه - فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد مبادراً: أمير المؤمنين، ويلك! فقال: أمير المؤمنين. حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة، وأمر الحجاج المنادي فنادى: يا خيل الله اركبي و أبشري، وهو فوق باب القصر، وثم مصباح مع غلام له قائم، فكان أول من جاء إليه من الناس عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة، ومعه مواليه، وناس من أهله، فقال: أنا عثمان بن قطن، أعلموا الأمير مكاني، فيليأمر بأمره، فقال له ذلك الغلام: قف مكانك حتى يأتيك أمر الأمير، وجاء الناس من كل جانب، وبات عثمان فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح. ثم إن الحجاج بعث بسر بن غالب الأسدي من بني والية في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألف من الموالي، وأعين - صاحب حمام أعين مولى بشر بن مروان - في ألف رجل، وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهز معه ألفي رجل إلى سجستان، وعجل سراحه. وأمر عبد الملك محمد بن موسى بمكاتبة الحجاج، فلما قدم محمد ابن موسى جعل يتحبس في الجهاز، فقال له نصحاؤه: تعجل أيها الأمير

إلى عملك؛ فإنك لا تدري ما يكون من أمر الحجاج! وما يبدو له. فأقام على حاله، وحدث من أمر شبيب ما حدث، فقال الحجاج لمحمد ابن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيباً وهذه الخارجة فتجاهدهم ثم تمضي إلى عملك، وبعث الحجاج مع هؤلاء الأمراء أيضاَ عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي وزيادة بن عمرو العشكي. وخرج شبيب حيث خرج من الكوفة. فأتى المردمة وبها رجل من حضرموت على العشور يقال له ناجية بن مرثد الحضرمي، فدخل الحمام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه، واستقبل شبيب النضر بن القعقاع بن شور - وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة، فلما طوى الحجاج المنازل خلفه وراءه - فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يانضر بن القعقاع، لاحكم إلا لله - وإنما أراد شبيب بمقالته له تلقينه. فلم يفهم النضر - فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقال أصحاب شبيب: يا أمير المؤمنين؛ كأنك إنما تريد بمقالتك أن تلقنه. فشدوا على نضر فقتلوه.
قال: واجتمعت تلك الأمراء في أسفل الفرات. فترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة أولئك القواد. وأخذ نحو القادسية، ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، وقال له: أتبع شبيباً حتى تواقعه حيثما أدركته، إلا أن يكون منطلقاً ذاهباً فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرح إن هو أقام حتى تواقعه، فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وبلغ شبيباً مسيره إليه، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز النهدي، وكان شجاعاً، وعلى ميسرته عدي بن عدي بن عميرة الكندي الشيباني، وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة ثم اعترض بها الصف، فوجف وجيفاً، واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس، فنزل زحر بن قيس، فقاتل زحر حتى صرع، وانهزم أصحابه، وظن القوم أنهم قد قتلوه، فلما كان في السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحة القطن، فأجلسه الحجاج معه على السرير وقال لمن حوله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فينظر إلى هذا وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زحراً: قد هزمنا لهم جنداً. وقتلنا لهم أميراً من أمرائهم عظيماً. انصرف بنا الآن وافرين، فقال لهم: إن قتلنا هذا الرجل، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرعبت هذه أرعبت هذه الأمراء والجنود التي بعثت في طلبكم فاقصدوا بنا قصدهم، فو الله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شئ وأخذ الكوفة إن شاء الله فقالوا: نحن لرأيك سمع تبع، ونحن طوع يديك قال: فانقض بهم جواداً حتى يأتي نجران - وهي نجران الكوفة ناحية عين التمر - ثم سأل عن جماعة القوم فخبر باجتماعهم بروذبار في أسفل الفرات في بهقباذ الأسفل، على رأس أربعة وعشرين فرسخاً من الكوفة. فبلغ الحجاج مسيره إليهم، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغرق مولى ابن أبي عقيل - وكان على الحجاج كريماً - فقال له: الحق بجماعتهم - يعني جماعة الأمراء - فأعلمهم بمسير المارقة إليهم، وقل لهم: إن جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرق فأعلمهم ذلك وانصرف عنهم. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: انتهى إلينا شبيب وفينا سبعة أمراء على جماعتهم زائدة بن قدامة، وقد عبى كل أمير أصحابه على حدة، ففي ميمنتنا زياد بن عمرو العتكي، وفي ميسرتنا بشر بن غالب الأسدي، وكل أمير واقف في أصحابه. فأقبل شبيب حتى وقف على تل، فأشرف على الناس وهو على فرس له كميت أغر. فنظر إلى تعبيتهم، ثم رجع إلى أصحابه، فأقبل في ثلاث كتائب يوجفون، حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم، فتقف في ميمنتنا، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفت على ميسرتنا، وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القلب. قال: وخرج زائدة ابن قدامة يسير في الناس فيما بن ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرض الناس ويقول: يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيبون وقد نزل بكم القليلون الخبيثون

فاصبروا - جعلت لكم الفداء - لكرتين أو ثلاث تكرون عليهم، ثم هو النصر ليس بينه حاجز ولا دونه شئ ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتي رجل، إنما هم أكلة رأس ، إنما هم السراق المراق، إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم، ويأخذوا فيثكم، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسنة، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم، ثم انصرف إلى موقفه. قال: ويحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صفهم، وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلاً، ثم كر عليهم ثانيةً، ثم اطعنوا ساعة. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: أنا والله فيهم يومئذ، قال: اطعنا ساعة وصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا، وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديداً، وجعل ينادي: ياخيلي، ويشد بالسيف فيقاتل قتالا شديداً، فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لأشجع العرب وأشده قتالاً وما يعرض له. قال: ثم إنا ارتفعنا عنهم آخراً فإذا هم يتقوضون، فقال له أصحابه: ألا تراهم يتقوضون! احمل عليهم، فقال لهم شبيب: خلوهم حتى يخفوا، فتركوهم قليلاً، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا. فنظرت إلى زياد ابن عمرو وإنه ليضرب بالسيف وما من سيف يضرب به إلا نبا عنه وهو مجفف، ولقد رأيته اعتوره أكثر من عشرين سيفاً فما ضره من ذلك شئ ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة. وذلك عند المساء قال: ثم شددنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه، وما قاتلنا كثير قتال، وقد ضارب ساعة، وقد بلغني أنه كان جرح ثم لحق بزياد بن عمرو، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلناه قتالاً شديداً وصبر لنا. ذكر هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط، أن أخا شبيب مصاداً حمل على بشر بن غالب وهو في الميسرة، فأبلى وكرم والله وصبر، فنزل ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو من خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتى قتلوا عن آخرهم. وكان فيهم عروة بن زهير بن ناجذ الأزدي، وأمه زارة امرأة ولدت في الأزد، فيقال لهم بنو زارة، فلما قتلوه وانهزم أصحابه مالوا فشدوا على أبي الضريس مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم شدوا عليه وعلى أعين جميعاً فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فلما انتهوا إ ليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إلى إلى! لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إمانكم؛ فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر. ثم إن شبيباً شد عليه في جماعة من أصحابه فقتله وأصحابه وتركهم ربضةً حوله من أهل الحفاظ.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعت زائدة ابن قدامة ليلتئذ رافعاً صوته يقول: يأيها الناس، اصبروا وصابروا، " يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ثم والله ما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل. قال أبو مخنف: وحدثني فروة بن لقيط أن أبا الصقير الشيباني ذكر أنه قتل زائدة بن قدامة، وقد حاجه في ذلك آخر يقال له الفضل ابن عامر. قال: ولما قتل شبيب زائدة بن قدامة دخل أبو الضريس وأعين جوسقاً عظيماً، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة، فدعوهم إلى البيعة عند الفجر. قال عبد الرحمن بن جندب: فكنت فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقف على فرس وخيله واقفة دونه، فكل من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه، وأخذ سلاحه منه، ثم يدنى من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين، ثم يخلى سبيله. قال: وإنا لكذلك إذ انفجر الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله في أقصى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلما انفجر الفجر أمر مؤذنه فأذن، فلما سمع شبيب الأذان قال: ماهذا؟ فقال: هذا محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله لم يبرح؛ فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا؛ نحواً هؤلاء عنا وانزلوا بنا فلنصل. قال: فنزل فأذن هو، ثم استقدم فصلى بأصحابه، فقرأ:

" ويل لكل همزة لمزة " ، و " أرأيت الذي يكذب بالدين " ، ثم سلم، ثم ركبوا فحمل عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه، وثبتت طائفة قال فروة: فما أنسى قوله وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: " آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " قال: وضارب حتى قتل. قال: فسمعت أصحابي يقولون: إن شبيباً هو الذي قتله. ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ، وهرب الذين كانوا بايعوا شبيباً، فلم يبق منهم أحد. وقد ذكر من أمر محمد بن موسى بن طلحة غير أبي مخنف أمراً غير الذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أن عبد الملك بن مروان كان ولي محمد بن موسى بن طلحة سجستان، فكتب إليه الحجاج: إنك عامل كل بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك. فعدل إليه محمد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتقى بك الحجاج، وأنت جار لك حق، فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيباً، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب، وقال: إني أنشدك الله في دمك، فإن لك جواراً. فأبى إلا قتاله، فحمل عليه شبيب فضربه بعصا حديد فيها أثنا عشر رطلا بالشأمى، فهشم بها بيضه عليه ورأسه فسقط، ثم كفنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة. قال عمر بن شبة: قال أبو عبيدة: كان محمد بن موسى مع عمر ابن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فديك وكان ميمنته، وشهر بالنجدة وشدة البأس وزوجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سجستان، فمر بالكوفة وبها الحجاج بن يوسف، فقيل للحجاج: إن صار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب، منعك منه؛ قال: فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأن شبيباً في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته. ففعل، فعدل إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمت خداع الحجاج، وإنما اغترك ووقى بك نفسه، وكأني بأصحابك لو قد التقت حلقتا البطان قد أسلموك، فصرعت مصرع أصحابك؛ فأطعني وانطلق لشأنك، فإني أنفس بك عن الموت؛ فأبى محمد بن موسى، فبارزه شبيب فقتله. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال عبد الرحمن: لقد كان فيمن بايعه تلك الليلة أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، فلما بايعه قال له شبيب: ألست أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلائي، أبو هذا أحد الحكمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إن هذا لاذنب له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل قال: وأصبح شبيب: فأتى مقبلا نحو القصر الذي فيه أبو الضريس وأعين فرموه بالنبل، وتحصنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثم شخص عنهم، فقال له أصحابه: مادون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابه قد جرحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر مما قد فعلتم، فخرج بهم على نفر، ثم على الصراة، ثم على بغداد ، ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها. قال: ولما بلغ الحجاج أن شبيباً قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجاج، وبعث إلى عثمان بن قطن، ودعاه وسرحه إلى المدائن، وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الأستان.
فخرج مسرعاً حتى نزل المدائن، وعزل الحجاج عبد الله بن أبي عصيفير؛ وكان بها الجزل مقيماً أشهراً يداوي جراحته، وكان ابن أبي عصيفير يعوده بكرمه، فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده، ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ، فقال الجزل: اللهم زد ابن عصيفير جوداً وكرماً وفضلا وزد عثمان بن قطن ضيقاً وبخلا، قال: ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن

محمد بن الأشعث فقال: انتخب الناس، واخرج في طلب هذا العدو، فأمره بنخبة ستة آلاف، فنتخب فرسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومه ستمائة من كندة وحضرموت، واستحثه الحجاج بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمنن فلما أراد الحجاج إشخاصهم كتب إليهم: أما بعد، فقد اعتدتم عادة الأذلاء. ووليتم الدبر يوم الزحف، وذلك دأب الكافرين، وإني قد صفحت عنكم مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة وإني أقسم لكم بالله قسماً صادقاً لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إ يقاعاً أكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية و الشعاب، وتسترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فخاف من له معقول على نفسه، ولم يجعل عليها سبيلاً، وقد أعذر من أنذر :
وقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
و السلام عليكم. قال: ثم سرح ابن الأصم مؤذنه، فأتى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحل الساعة وناد في الناس: أن برئت الذمة من رجل من هذا البعث وجدناه متخلفاً. فخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في الناس حتى مر بالمدائن فنزل يوماً وليلة، وتشرى أصحابه حوائجهم، ثم نادى في الناس بالرحيل، فارتحلوا، ثم أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجزل فسأله عن جراحته، وسأله ساعة وحدثه. ثم إن الجزل قال له: يا بن عم: إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب، وأحلاس الخيل، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها، ثم بنوا على ظهورها، ثم هم أسد الأجم، الفارس منهم أشد من مائة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هجهج أقدم، فإني قد قاتلتهم وبلوتهم، فإذا أصحرت لهم إنتصفوا مني، وكان لهم الفضل علي، وإذا خندقت علي وقاتلتهم في مديق نلت منهم بعض ما أحب، وكان لي عليهم الظفر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبية أو في خندق. ثم إنه ودعه، فقال له الجزل: هذه فرسي الفسيفساء، خذها فإنها لا تجارى. فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، فخرج عبد الله في طلبه، حتى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنما هو في أرض الموصل، فليقاتلوا عن بلادهم أو ليدعوه، فكتب إليه الحجاج بن يوسف: أما بعد، فاطلب شبيباً واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده. والسلام. فخرج عبد الرحمن حين قرأ كتاب الحجاج في طلب شبيب، فكان شبيب يدعه حتى إذا دنا منه بيته، فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيمضي ويدعه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنه قد تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى المرامية، فلا يصيب له غرة ولا له علة، فيمضي ويدعه. قال: ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه، جعل يخرج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرة عشرين فرسخاً، ثم يقيم في أرض غليظة حزنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب أرتحل شبيب فسار خمسة عشر أو عشرين فرسخاً، فنزل منزلاً غليظاً خشناً، ثم يقيم حتى يدنو عبد الرحمن. قال أبو مخنث: فحدثني عبد الرحمن بن جندب أن شبيباً كان قد عذب ذلك العسكر وشق عليهم، وأخفى دوابهم، ولقوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين ثم على جلولاء ثم على تامراً، ثم أقبل حتى نزل البت - قرية من قرى الموصل على تخوم الموصل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر يسمى حولايا - قال: وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جوخى، ونزل عواقيل من النهر، ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهي تعجبه، يرى أنها مثل الخندق والحصن. قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إن هذه الأيام أيام عيد لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فافعلوا، فقال له عبد الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة. قال: وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخى كلها خندقاً واحداً، وخلى شبيباً وكسر خراجها

وهو يأكل أهلها. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت لي عن عبد الرحمن، وقد لعمري فعل ما ذكرت، فسر إلى الناس فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتى تلقاهم، فإن الله إن شاء الله ناصرك عليه. والسلام. قال: وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمد ومعه من أهل الكوفة وهم معسكرون على نهر حولايا قريباً من البت. عشية الثلاثاء، وذلك يوم التروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيها الناس، أخرجوا إلى عدوكم. فوثب إليه الناس، فقالوا: ننشدك الله، هذا المساء قد غشينا، والناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال، فبت الليلة ثم اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأجازنهم، ولتكون الفرصة لي أولهم. فأتلهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابته، وناشده الله لما نزل، وقال له عقيل بن شداد السلولي: إن الذي تريد من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غداً، وهو غداً خيراً لك وللناس. إن هذه ساعة ريح وغبرة، وقد أمسيت فانزل، ثم أبكر بنا إليهم غدوة. فنزل، فسفت عليه الريح، وشق عليه الغبار، ودعا صاحب الخراج العلوج فبنوا له قبة فبات فيها، ثم أصبح يوم الأربعاء، فجاء أهل البت إلى شبيب - وكان قد نزل بيعتهم - فقالوا: أصلحك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهل الجزية، ويكلمك من تلي عليه، ويشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكف عنهم، وإن هؤلاء القوم جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر، والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا إن قضي لك أن ترتحل عنا، فإن رأيت جانب القرية ولا تجعل لهم علينا مقالاً، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثم خرج فنزل جانب القرية. قال: فبات عثمان ليلته كلها يحرضهم؛ فلما أصبح - وذلك يوم الأربعاء - خرج بالناس فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة، فصاح الناس إليه، فقالوا: ننشدك الله أن تخرج بنا هذا اليوم، فإن الريح علينا! فأقام بهم ذلك اليوم، وأراد شبيب قتالهم، وخرج أصحابه، فلما رآهم لم يخرجوا إليه أقام، فلما كان ليلة الخميس خرج عثمان فعبى الناس على أرباعهم، فجعل كل ربع في جانب العسكر، وقال لهم: أخرجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالد بن نهيك بن قيس الكندي، وكان على ميسرتنا عقيل بن شداد السلولي، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما التي كنتما بها، وليتكما المجنبتين، فاثبتا ولا تفرا، فوالله لا أزول حتى يزول نخل راذان على أصوله. فقالا: ونحن والله الذي لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل، فقال لهما: جزاكما الله خيراً. ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة، ثم خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهمدان نحو نهر حولايا في المسيرة، وجعل ربع كندة وربيعة ومذحج وأسد في الميمنة، ونزل يمشي في الرجال. وخرج شبيب وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلاً، فقطع إليهم النهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سويد بن سليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيد أخاه، وزحفوا وسما بعضهم لبعض.قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح العبسي أن عثمان كان يقول فيكثر: " لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لاتمتعون إلا قليلاً " . أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عقيل بن شداد بن حبشي السلولي: لعلي أن أكون أحدهم، قتل أولئك يوم روذبار. ثم قال شبيب لأصحابه: إني حامل على ميسرتهم مما ياي النهر، فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم، ولايبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ مالك بن عبد الله الهمداني ثم المرهبي، عم عياش بن عبد الله بن عياش المنتوف، وجعل يومئذ عقيل بن شداد يقول وهو يجالدهم:
لأضربن بالحسام الباتر ... ضرب غلام من سلول صابر
ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على ميمنة عثمان بن قطن فهزمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندي، فنزل خالد فقاتل قتالاً شديداً، وحمل عليه شبيب من ورائه وهو على ربع كندة وربيعة يومئذ، وهو صاحب الميمنة، فلم ينثني شبيب حتى علاه

بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلاً، فلما دنا منهم عثمان بن قطن شد عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتى فرقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم أيضاً في خيله، ورجع مصاد وأصحابه، وقد كان شبيب رجلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قطن فأحسن القتال. ثم إنهم شدوا عليهم فأحاطوا به، وحمل عليه مصاد أخو شبيب فضربه ضربة بالسيف استدار لها، ثم قال: " وكان أمر الله مفعولاً " . ثم إن الناس قتلوه، وقتل يومئذ الأبرد بن ربيعة الكندي، وكان على تل، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاه فرسه، وقاتل حتى قتل. ووقه عبد الرحمن فرآه ابن أبي سبرة الجعفي وهو على بغلة فعرفه، فنزل إليه فناوله الرمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن ابن محمد: أينا الرديف؟ قال ابن أبي سبرة: سبحان الله! أنت الأمير تكون المقدم، فركب وقال لابن أبي سبرة: ناد في الناس: الحقوا بدير أبي مريم، فنادى، ثم انطلقا ذاهبين، ورأى واصل بن الحارث السكوني فرس عبد الرحمن الذي حمل عليه الجزل يجول في المعسكر، فأخذها بعض أصحاب شبيب، فظن أنه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجده، وسأل عنه فقيل له: قد رأينا رجلاً قد نزل عن دابته فحمله عليها، فما أخلقه أن يكون إياه؛ وقد أخذ هاهنا آنفاً. فأتبعه واصل بن الحارث على برذونه ومع واصل غلامه على بغل، فلما دنوا منهما قال محمد بن أبي سبرة لعبد الرحمن: قد والله لحق بنا فارسان، فقال عبد الرحمن: فهل غير اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين. قال: وجعل يحدث ابن أبي سبرة وكأنه لا يكترث بهما، حتى لحقهما الرجلان، فقال له ابن أبي سبرة: رحمك الله! قد لحقنا الرجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفهما، ثم مضيا إليهما، فلما رآهما واصل عرفهما، فقال لهما: إنكما قد تركما النزول في موضعه، فلا تنزلا الآن، ثم حسر العمامة عن وجهه، فعرفاه فرحبا به، وقال لابن الأشعث: إني لما رأيت فرسك يجول في العسكر ظننتك رجلاً، فأتيتك ببردوني هذا لتركبه، فترك لابن أبي سبرة بغلته، وركب البرذون، وانطلق عبد الرحمن بن الأشعث حتى نزل دير اليعار، وأمر شبيب أصابه فرفعوا عن الناس السيف، ودعاهم إلى البيعة، فأتاه من بقي من الرجالة فبايعوه، وقال له أبو الصقير المحملي: قتلت من الكوفيين سبعة في جوف النهر كان آخرهم رجلاً تعلق بثوبي وصاح، ورهبني حتى رهبته، ثم إني أقدمت عليه فقتلته. وقتل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألف من سائر الناس أو ستمائة، وقتل عظم العرفاء يومئذ. قال أبو مخنف: حدثني قدامة بن حازم بن سفيان الخثعمي أنه قتل منهم يومئذ جماعة، وبات عبد الرحمن بن محمد تلك الليلة بدير اليعار، فأتاه فارسان فصعدا إليه فوق البيت، وقام آخر قريباً منهما فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلاً يناجيه، ثم نزل هو وأصابه، وقد كان الناس يتحدثون أن ذلك كان شبيباً، وأنه قد كان كاتبه، ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دير أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة صبر الشعير وألقت بعضه على بعض

كأنه القصور، ونحر لهم من الجزر ما شاءوا، فأكلوا يومئذ، وعلفوا دوابهم، واجتمع الناس إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرقوا وقتل خيارهم فالحق أيها الرجل بالكوفة. فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضاً، وجاء فاختبأ من الحجاج حتى أخذ منه الأمان بعد ذلك. نقش الدنانير والدراهم بأمر عبد الملك بن مروان وفي هذه السنة أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم. ذكر الواقدي: أن سعد بن راشد حدثه عب صالح بن كيسان بذلك. قل: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ، وهو أول من أحدث ضربها. قال: وحدثني خالد بن أبي ربيعة، عن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، وكان العشرة وزن السبعة. قال: وحدثني عبد الرحمن بن جرير الليثي عن هلال بن أسامة قال: سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير؟ قال: في كل عشرين مثقالاً بالشأمى نصف مثقال، قلت: ما بال الشأمي من المصري؟ قال: هو الذي تضرب عليه الدنانير. وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير، كانت اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، قال سعيد. قد عرفته، قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك. وفي هذه السنة: وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك بن مروان وولي أبان بن عثمان المدينة في رجب. وفيها استقضي أبان بن نوفل بن مساحق بن عمرو بن خداش من بني عامر بن لؤي. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وأقام الحج للناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى.
عن أبي معشر،وكذلك قال الواقدي. وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين
محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية
وقتلهما
ففي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما: مكان سبب ذلك فيما ذكر هشام عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن ابن جندب وفروة بن لقيط، أن شبيباً لما هزم الجيش الذي كان الحجاج وجهه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إليه، وقتل عثمان ابن قطن، ذلك في صيف وحر شديد، اشتد الحر عليه وعلى أصحابه. فأتى ماه بهزاذان فتصيف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا فلحقوا به. وناس ممن كان الحجاج يطلبهم الحجاج بمال أو تباعات؛ كان منهم رجل من الحي يقال له الحر بن عبد الله بن عوف. وكان دهقانان من أهل نهر درقيط قد أساءا إليه وضيقا عليه، فشد عليهما فقتلهما، ثم لحق بشبيب فكان معه بماه، وشهد معه مواطنه حتى قتل. فلما آمن الحجاج كل من كان خرج إلى شبيب من أصحاب المال والتباعات - و1لك بعد يوم السبخة - خرج إليه الحر فيمن خرج، فجاء أهل الدهقانين يستعدون عليه الحجاج. فأتى به فدخل. وقد أوصى ويئس من نفسه، فقال له الحجاج. يا عدو الله. قتلت رجلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا. فقال: وما هو؟ قال: خروجي من الطاعة وفراق الجماعة. ثم آمنت كل من خرج إليك، فهذا أماني وكتابك لي. فقال له الحجاج: أولى لك! قد لعمري فعلت، وخلى سبيله. قال: ولما انفسخ الحر عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمائة رجل. فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة. فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج: أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن شبيباً قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ولا أدري أين يريد! فلما قرأ الحجاج كتابه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأبصر على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيئكم.

فقام إليه الناس من كل جانب، وقالوا نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فليند بنا الأمير إليهم فإنا حيث سره. وقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستم قائماً حتى يؤخذ بيده. فقال له: أصلح الله الأمير! إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة فلينفروا إليهم كافة، وأبعث عليهم رجلاً ثبتاً شجاعاً مجرباً للحرب ممن يرى الفرار هضماً وعاراً والصبر مجداً وكرماً. فقال الحجاج: فأنت ذاك فاخرج، فقال: أصلح الله الأمير! إنما يصلح للناس في هذا رجل يحمل الرمح والدرع، ويهز السيف، ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئاً، وقد ضعف بصري وضعفت، ولكن أخرجني في الناس مع الأمير، فإني إما أثبت على الراحلة فأكون نع الأمير في عسكره وأشير عليه برأيي. فقال له الحجاج: جزاك الله عن الإسلام وأهله في أول الإسلام خيراً، وجزاك الله عن الإسلام في آخر الإسلام خيراً،فقد نصحت وصدقت، أنا مخرج الناس كافة. ألا فسيروا أيها الناس. فانصرف الناس وليس يدرون من هو أميرهم! وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن شبيباً قد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة، وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة، في كلها يقتل أمراءهم. ويفل جنودهم؛ فإن رأي أمير المؤمنين أن يبعث إلى أهل الشام فيقاتلوا عدوهم ويأكلوا بلادهم فليفعل. والسلام. فلما أتى عبد الملك كتابه بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف، وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ألفين . فسرحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجاج. وجعل أهل الكوفة يتجهزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرهم! وهم يقولون: يبعث فلاناً أو فلاناً، وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه وهو على خيل الكوفة مع المهلب، وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الذين كان بشر بن مروان بعث عبد الرحمن بن مخنف عليهم إلى قطري. فلم يلبث عبد الرحمن بن مخنف إلا نحواً من شهرين حتى قدم الحجاج على العراق. فلم يلبث عليهم عبد الرحمن بن مخنف بعد قدوم الحجاج إلا رجب وشعبان. وقتل قطري عبد الرحمن في آخر رمضان. فبعث الحجاج عتاب بن ورقاء على ذلك الجيش من أهل الكوفة الذين أصيب فيهم عبد الرحمن ابن مخنف، وأمر الحجاج عتاباً بطاعة المهلب، فكأن ذلك قد كبر على عتاب، ووقع بينه وبين المهلب شر، حتى كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك الجيش ويضمه إليه، فلما أن جاء كتاب الحجاج بإتيانه سر بذلك، قال: ودعا الحجاج أشراف أهل الكوفة؛ فيهم زهرة بن حوية السعدي من بني الأعرج، وقبيصة بن والق التغلبي، فقال لهم : من ترون أن أبعث على هذا الجيش؟ فقلوا: رأيك أيها الأمير أفضل؛ قال: فإني قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء؛ وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة فيكون هو الذي يسير في الناس؛ قال زهرة بن حوية: أصلح الله الأمير! رميتهم بحجرهم، لا والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل وقال له قبيصة بن والق: إني مشير عليك برأيي، فإن يكن خطأ فبعد اجتهادي في النصيحة لأمير المؤمنين وللأمير ولعامة المسلمين، وإن يك صواباً فا لله سد دني له؛ إنا قد تحدثنا وتحدث الناس أن جيشاً قد فصل إليك من قبل الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا وفلوا واستخفوا بالصبر، وهان عليهم عار الفرار، فقلوبهم كأنها ليست فيهم، كأنما هي في قوم آخرين، فإن رأيت أن تبعث إلى جيشك الذي أمددت به من أهل الشام فيأخذوا حذرهم، ولا يبيتوا إلا وهم يرون أنهم مبيتون فعلت، فإنك تحارب حولا قلباً، ظعاناً رحالا، وقد جهزت إليه أهل الكوفة ولست واثقاً بهم كل الثقة، وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الذين بعثوا إليك من الشام، إن شبيباً بينا هو في أرض إذ هو في أخرى، ولا آمن أن يأتيهم وهو غارون فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق، فقال: لله أنت! ما أحسن ما رأيت! وما أحسن ما أشرت به علي! قال: فبعث عبد الرحمن بن الغرق مولى عقيل إلى من أقبل من أهل الشام. فأتاهم وقد نزلوا هيت بكتاب من الحجاج: أما بعد، فإذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا على عين التمر حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم، وعجلوا السير. والسلام. فأقبل القوم سراعاً. قال: وقدم عتاب بن ورقاء في الليلة التي قال الحجاج

إنه قادم عليكم فيها. فأمره الحجاج فخرج بالناسفعسكر بهم بحمام أعين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذا فقطع منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بهر سير الدنيا. فصار بينه وبين مطرف بن المغيرة ابن شعبة جسر دجلة. فلما نزل شبيب مدينة بهرسير قطع مطرف الجسر، وبعث إلى شبيب: أن ابعث إلى رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن، وأنظر فيما تدعو إليه، فبعث إليه شبيب رجالا من وجوه أصحابه؛ فيهم قعنب وسويد والمحلل، فلما أرادوا أن ينزلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسول من عند مطرف، فرجع الرسول، وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى من أصحابك بعدد أصحابي يكونوا رهناً في يدي حتى ترد علي أصحابي. فقال مطرف لرسوله: القه وقل له: كيف آمنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتهم الآن إليك، وأنت لا تأمنني على أصحابك! فرجع الرسول إلى شبيب فأبلغه، فأرسل إليه شبيب: إنك قد علمت أنا لا نستحل الغدر في ديننا، وأنتم تفعلونه وتستحلونه، فبعث إليه مطرف الربيع بن يزيد الأسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبي زياد مولاه وصاحب حرمه، فلما صاروا في يدي شبيب سرح إليه أصحابه، فأتوا مطرف فمكثوا أربعة أيام يتراسلون، ثم لم يتفقوا على شئ، فلما تبين لشبيب أن مطرفاً غير تابعه ولا داخل معه تهيأ للمسير إلى عتاب بن ورقاء وإلى أهل الشام. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط أن شعيباً دعا رءوس أصحابه فقال لهم: إنه لم يثبطني على رأي قد كنت رأيته إلا هذا الثقفي منذ أربعة أيام، قد كنت حدثت نفسي أن أخرج في جريدة خيل حتى ألقى هذا الجيش المقبل من الشام رجاء أن أصادف غرتهم أو يحذروا فلا أبالي كنت ألقاهم منقطعين من المصر، ليس عليهم أمير كالحجاج يستندون إليه ولا مصر كالكوفة يعتصمون به؛ وقد جاءتني عيوني اليوم فخبروني أن أوائلهم قد دخلوا عين التمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاءتني عيوني من نحو عتاب بن ورقاء فحدثوني أنه قد نزل بجماعة أهل الكوفة الصراة، فما أقرب بيننا وبينهم! فتيسروا بنا للمسير إلى عتاب بن ورقاء. قال: وخاف مطرف أن يبلغ خبره وما كان من إرساله إلى شبيب الحجاج، فخرج نحو الجبال، وقد كان أراد أن يقيم حتى ينظر ما يكون بين شبيب وعتاب. فأرسل إليه شبيب: أما إذ لم تبايعني فقد نبذت إليك على سواء، فقال مطرف لأصحابه: اخرجوا بنا وافرين فإن الحجاج سيقاتلنا، فيقاتلنا وبنا قوة أمثل. فخرج ونزل المدائن؛ فعقد شبيب الجسر، وبعث إلى المدائن أخاه مصاداً، وأقبل إليه عتاب حتى نزل بسوق حكمة، وقد أخرج الحجاج جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم، ومن نشيط إلى الخروج من شبابهم، وكانت مقاتلتهم أربعين ألفاً سوى الشباب، ووافى مع عتاب يومئذ أربعون ألفاً من المقاتلة وعشرة آلاف من الشباب بسوق حكمة فكانوا خمسين ألفاً، ولم يدع الحجاج قرشياً ولا رجلا من بيوتات العرب إلا أخرجه. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: سمعت الحجاج وهو على منبر حين وجه عتاباً إلى شبيب في الناس وهو يقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا، ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة، ألا وإن للناكل الهارب الهوان والجفوة.
والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في المواطن التي كانت لأولينكم كنفاً خشناً، ولأعركنكم بكلكل ثقيل. ثم نزل، وتوافى الناس مع عتاب بسوق حكمة. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: عرضنا شبيب بالمدائن فكنا ألف رجل، فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر المسلمين، إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا، وأنقص منه قليلا، فأنتم اليوم مئون ومئون، ألا إني مصل الظهر ثم سائر بكم، فصلى الظهر ثم نودي في الناس: يا خيل الله اركبي وأبشري، فخرج في أصحابه، فأخذوا يتخلفون ويتأخرون، فلما جاوزنا ساباط ونزلنا معه قص علينا وذكرنا بأيام الله، وزهدنا في

الدنيا، ورغبنا في الآخرة ساعة طويلة، ثم أمر مؤذن فأذن، ثم تقدم فصلى بنا العصر، ثم أقبل حتى أشرف بناعلى عتاب بن روقاء وأصحابه، فلما أن رآهم من ساعته نزل وأمر مؤذنه فأذن، ثم تقدم فصلى بنا المغرب، وكان مؤذنه سلام بن سيار الشيباني. وكانت عيون عتاب بن ورقاء قد جاءوه فأخبروه أنه قد أقبل إليه، فخرج بالناس كلهم فعبأهم، وكان قد خندق أول يوم نزل، وكان يظهر كل أنه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن، فبلغ ذلك شبيباً، فقال: أسير إليه أحب إلى من أن يسير إلى، فأتاه، فلما صف عتاب الناس بعث على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وقال: يا بن أخي، إنك شريف فاصبر وصابر، فقال: أما أنا فوالله لأقاتلن ما ثبت معي إنسان. وقال لقبيصة بن والق - وكان يومئذ على ثلث بني تغلب: اكفني الميسرة فقال: أنا شيخ كبير، كثير من أن أثبت تحت رايتي، قد أنيت مني القيام، ما أستطيع القيام إلا أن أقام؛ ولكن هذا عبيد الله بن الحليس ونعيم بن عليم التغلبيان - وكان كل واحد منهما على ثلثي من أثلاث تغلب - فقال: ابعث أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:54 am

محجلة فركبها، وعارضه الوصفاء بالدواب، فأبى غيرها. وركب الناس. وركب قتيبة فرساً أغر محجلا كوميتاً كأنه في سرجه رمانة من عظم السرج، فأخذ في طريق دار السقاية حتى خرج إلى السبخة وبها عسكر شبيب، وذلك يوم الأربعاء، فتواقفوا، ثم غدوا يوم الخميس للقتال، ثم غادوهم يوم الجمعة. فلما كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج. قال أبو زيد: حدثني خلاد بن يزيد، قال: حدثنا الحجاج بن قتيبة، قال: جاء شبيب وقد بعث إليه الحجاج أميراً فقتله، ثم آخر فقتله. أحدهما أعين صاحب حمام أعين، قال: فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة، وقد كانت نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران. قال: ففعلت. قال: واتخذ شبيب في عسكره أخصاصاً، فقام الحجاج فقال: لا أراكم تناصحون في قتال هؤلاء القوم يا أهل العراق! وأنا كاتب إلى أمير المؤمنين ليمدني بأهل الشام. قال: فقام قتيبة فقال: إنك لم تنصح لله ولا لأمير المؤمنين في قتالهم. قال عمر بن شبة: قال خلاد: فحدثني محمد بن حفص بن موسى ابن عبيد الله بن معمر بن عثمان التميمي أن الحجاج خنق قتيبة بعمامته خنقاً شديداً. ثم رجع الحديث إلى حديث الحجاج وقتيبة. قال: فقال: وكيف ذاك؟ قال: تبعث الرجل الشريف وتبعث معه رعاعاً من الناس فينهزمون عنه. ويستحي فيقاتل حتى يقتل؛ قال: فما الرأي؟ قال: أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسونك بأنفسم. قال: فلعنه من ثم. وقال: والله لأبرزن له غداً؛ فلما كان الغد حضر الناس، فقال قتيبة: اذكر يمينك أصلح الله الأمير! فلعنوه أيضاً. وقال الحجاج: اخرج فارتد لي معسكراً، فذهب فتهيأ وهو وأصحابه فخزجوا، ف أتى على موضع فيه بعض القذر: موضع كناسة، فقال: ألقوا لي هاهنا. فقيل: إن الموضع قذر، فقال: ما تدعونني إليه أقذر، الأرض تحته طيبة، والسماء فوقه طيبة. قال: فنزل وصف الناس وخالد بن عتاب بن ورقاء مسخوط عليه فليس في القوم، وجاء شبيب وأصحابه فقربوا دوابهم، وخزجوا يمشون، فقال لهم شبيب: الهوا عن رميكم، ودبوا تحت تراسكم، حتى إذا كانت أسنتهم فوقها، فأصدقوها صعداً، ثم ادخلوا تحتها لتستقلوا فتقطعوا أقدامهم، وهي الهزيمة بإذن الله. فأقبلوا يدبون إليهم. وجاء خالد بن عتاب في شاكريته، فدار من وراء عسكرهم، فأضرم أخصاصهم بالنار. فلما رأوا ضوء النار وسمعوا معمعتها التفتوا فرأوها في بيوتهم، فولوا إلى خيلهم وتبعهم الناس، وكانت الهزيمة. ورضي الحجاج عن خالد، وعقد له على قتالهم. قال: ولما قتل شبيب عتاباً أراد دخول الكوفة ثانية، فأقبل حتى شارفها فوجه إليه الحجاج سيف بن هانىء ورجلاً معه ليأتياه بخبر شبيب، فأتيا عسكره، ففطن بهما، فقتل الرجل، وأفلت سيف، وتبعه رجل من الخوارج، فأوثب سيف فرسه ساقية، ثم سأل الرجل الأمان على أن يصدقه، فآمنه، فأخبره ان الحجاج بعثه وصاحبه ليأتياه بخبر شبيب. قال: فأخبره أنا نأتيه يوم الاثنين. فأتى سيف الحجاج فأخبره؛ فقال: كذب وماق، فلما كان يوم الاثنين توجهوا يريدون الكوفة، فوجه إليهم الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي، فلقيه شبيب بزرارة فقتله، وهزم أصحابه ودنا من الكوفة فبعث البطين في عشرة فوارس يرتاد له منزلاً على شاطىء الفرات في دار الرزق. فأقبل البطين وقد وجه الحجاج حوشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة، فأخذوا بأفواه السكك، فقاتلهم البطين فلم يقوى عليهم، فبعث إلى شبيب فأمده بفوارس، فعقروا فرس حوشب وهزموه ونجا، ومضى البطين إلى دار الرزق، وعسكر على شاطىء الفرات

وأقبل شبيب فنزل دون الجسر، فلم يوجه إليه الحجاج أحداً، فمضى فنزل السبخة بين الكوفة والفرات، فأقام ثلاثاً لا يوجه إليه الحجاج أحداً، فأشير على الحجاج ان يخرج بنفسه، فوجه قتيبة بن مسلم، فهيأ له عسكراً ثم رجع، فقال: وجدت المآتي سهلاً، فسر على الطائر الميمون؛ فنادى في أهل الكوفة فخرجوا، وخرج معه الوجوه حتى نزلوا في ذلك العسكر وتواقفوا، وعلى ميمنة شبيب البطين. وعلى ميسرته قعنب مولى بني أبي ربيعة بن ذهل، وهو في زهاء مائتين. وجعل الحجاج على ميمنته مطر بن ناجية الرياح. وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء الرياح في زهاء أربعة آلاف. وقيل له: لاتعرفه موضعك، فتنكر وأخفي مكانه، وشبه له أبا الورد مولاه، فنظر إليه شبيب، فحمل عليه، فضربه بعمود وزنه خمسة عشر رطلاً فقتله، وشبه له أعين صاحب حمام أعين بالكوفة، وهو مولىً لبكر بن وائل فقتله، فركب الحجاج بغلة غراء محجلة، وقال: إن الدين أغر محجل، وقال لأبي كعب: قدم لواءك، أنا ابن أبي عقيل. وحمل شبيب على خالد بن عتاب وأصحابه، فبلغ بهم الرحبة، وحملوا على مطر بن ناجية فكشفوه، فنزل عند ذلك الحجاج وأمر أصحابه فنزلوا، فجلس على عباءة ومع عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلول الضبي لجام شبيب؛ فقال: ما تقول في صالح بن مسرح؟ وبم تشهد عليه؟ قال: أعلى هذا الحال، وفي هذه الحزة؟؟! والحجاج ينظر، قال: فبرىء من صالح، فقال مصقلة: برىء الله منك. وفلرقوه إلا أربعين فارساً هم أشد أصحابه، وانحاز الآخرون إلى دار الرزق؛ وقال الحجاج: قد اختلفوا، وأرسل إلى خالد بن عتاب فأتاهم فقاتلهم، فقتلت غزالة، ومر برأسها إلى الحجاج فارس فعرفه شبيب، فأمر علوان فشد على الفارس فقتله وجاء بالرأس، فأمر به فغسل ودفنه وقال: هي أقرب إليكم رحماً - يعني غزالة.
ومضى القوم على حاميتهم، ورجع خالد إلى الحجاج فأخبره بانصراف القوم. فأمره أن يحمل على شبيب فحمل عليهم. وأتبعه ثمانية، منهم قعنب والبطين وعلوان وعيسى والمهذب وابن عويمر وسنان، حتى بلغوا به الرحبة، وأتى شبيب في موقفه بخطوط بني عمير السدوسي. فقال له شبيب: يا خوط، لاحكم إلا لله، فقال: لاحكم إلا لله، فقال شبيب: خوط من أصحابكم. ولكنه كان يخاف، فأطلقه. وأتى بعمير بن القعقاع، فقال له: لاحكم إلا لله يا عمير، فجعل لايفقه عنه، ويقول: في سبيل الله شبابي. فردد عليه شبيب: لاحكم إلا لله. ليتخلصه، فلم يفقه، فأمر بقتله، وقتل مصاد أخو شبيب، وجعل شبيب ينتظر النفر الذين تيعوا خالداً فأبطئوا. ونعس شبيب فأيقظه حبيب بن خدرة، وجعل أصحاب الحجاج لايقدمون عليه هيبة له، وسار إلى دار الرزق، فجمع رثة من قتل من أصحابه، وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه، فظنوا أنهم قتلوه، ورجع مطر وخالد إلى الحجاج فأمرهما فأتبعا الرهط الثمانية. واتبع الرهط شبيباً، فمضوا جميعاً حتى قطعوا جسر المدائن، فدخلوا ديراً هناك وخالد يقفوهم. فحصرهم في الدير، فخرجوا عليه فهزموه نحواً من فرسخين حتى ألقوا أنفسهم في دجلة بخيلهم، وألقى خالد نفسه بفرسه فمر به ولواؤه في يده، فقال شبيب: قاتله الله فارساً وفرسه! هذا أشد الناس، وفرسه أقوى فرس في الأرض؛ فقيل له: هذا خالد بن عتاب، فقال: معرق له في الشجاعة؛ والله لو علمت لأقحمت خلفه ولو دخل النار. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف، عن أبي عمرو العذري، أن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب، ثم صعد المنبر، فقال: والله ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها، ولى الله هارباً، وترك امرأته يكسر في أستها القصب. ثم دعا حبيب بن

عبد الرحمن الحكمي فبعثه في أثره ثلاثة آلاف من أهل الشام، فقال له الحجاج: احذر بياته، وحيثما لقيته فنازله، فإن الله قد فل حده، وقصم نابه. فخرج حبيب بن عبد الرحمن في أثر شبيب حتى نزل الأنبار، وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب أن من جاءنا منهم فهو آمن؛ فكان كل من ليست تلك البصيرة ممن قد هده القتال يجيء فيؤمن، وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجاج يوم هزموا: عن من جاءنا منكم فهو آمن، فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه، وبلغ شبيباً منزل حبيب بن عبد الرحمن الأنبار، فأقبل بأصحابه حتى إذا دنا من عسكرهم نزل فصلى بهم المغرب. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أنا والله في أهل الشام ليلة جاءنا شبيب بيتنا. قال: فلما أمسينا جميعاً حبيب بن عبد الرحمن فجعلنا أرباعاً. وقال لكل ربع منا: ليجزي كل ربع منكم جانبه، فإن قاتل هذا الربع فلا يغثهم هذا الربع الآخر، فإنه قد بلغني أن هذه الخوارج منا قريب، فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ومقاتلون؛ فما زلنا على تعبيتنا حتى جاءنا شبيب فبيتنا، فشد على ربع منا، عليهم عثمان بن سعيد العذري فضاربهم طويلاً، فما زالت قدم إنسان منهم، ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر، وقد جعل عليهم سعيدبن بحل العامري فقاتلهم، فما زالت قدم إنسان منهم، ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وعليهم النعمان بن سعيد الحميري فما قدر منهم على شيء، ثم أقبل على الربع الآخر وعليهم ابن أقيصر الخثعمي فقاتلهم طويلاً، فلم يظفر بشيء، ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، وألز بنا حتى قلنا، لايفارقنا، ثم نازلنا راجلاً طويلاً، فسقط والله بيننا وبينهم الأيدي، وفقئت الأعين، وكثرت القتلى، قتلنا منهم نحواً من ثلاثين، وقتلوا منا نحواً من مائة، والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مائة رجل لأهلكونا، وايم الله على ذلك ما فارقونا حتى مللناهم وملونا، وكرهونا وكرهناهم، ولقد رأيت الرجل منا يضرب بسيفه الرجل منهم فما يضره شئ من الإعياء والضعف، ولقد رأيت الرجل منا يقاتل جالساً ينفح بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الإعياء، فلما يأسوا منا ركب شبيب ثم قال لمن كان نزل من أصحابه: أركبوا، فلما استووا على متون خيولهم وجه منصرفاً عنا. قال أبو مخنف: حدثني فروة بن لقيط، عن شبيب، قال: لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة، وجراحة ظاهرة، قال لنا: ما أشد هذا الذي لو كنا إنما نطلب الدنيا! وما أيسر هذا في ثواب الله! فقال أصحابه: صدقت يا أمير المؤمنين، قال: فما أنسى منه إقباله على سويد بن سليم ولا مقاتلته له: قتلت منهم أمس رجلين: أحدهما أشجع الناس، ولآخر أجبن الناس، خرجت عشية أمس طليعة لكم فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم، فاشترى أحدهم حاجته، ثم خرج قبل أصحابه وخرجت معه، فقال: كأنك لم تشتر علفاً، فقلت: إن لي رفقاء قد كفوني ذلك، فقلت له: أين ترى عدونا هذا نزل؟ قال: بلغني أنه قد نزل منا قريباً، وايم الله لوددت اني قد لقيت شبيبهم هذا، قلت: فتحب ذلك؟ قال: نعم، قلت: فخذ حذرك، فأنا والله شبيب، وانتضيت سيفي، فخر والله ميتاً، فقلت له: ارتفع ويحك! وذهبت أنظر فإذا هو مات، فانصرفت راجعاً، فأستقبل الآخر خارجاً من القرية، قال: أين تذهب هذه الساعة؟ وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم! فلم أكلمه، ومضيت يقرب بي فرسي، وأتبعني حتى لحقني، فقطعت عليه فقلت له: ما لك؟ فقال: أنت والله من عدونا؟ فقلت: أجل والله، فقال: والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك، فحملت عليه وحمل علي، فاضربنا بسيفنا ساعة، فوالله ما فضلته في شدة نفس ولا إقدام إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه، فقتلته؛ قال: فمضينا حتى قطعنا دجلة، ثم أخذنا في أرض جوخى حتى قطعنا دجلة مرة أخرى من عند واسط، ثم أخذنا إلى الأهواز ثم إلى فارس، ثم ارتفعنا إلى كرمان.
ذكر الخبر عن مهلك شبيبوفي هذه السنة في قول هشام بن محمد، وفي قول غيره كان هلاكه سنة ثمان وسبعين.

ذكر سبب هلاكه: قال هشام: عن أبي مخنف: قال: حدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أقفلنا الحجاج إليه - يعني إلى شبيب - فقسم فينا مالاً عظيماً، وأعطى كل جريح منا وكل ذي بلاء، ثم أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إلى شبيب، فتجهز سفيان، فشق ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، وقال: تبعث سفيان إلى رجل قد فللته وقتلت فرسان أصحابه! فأمضى سفيان بعد شهرين، وأقام شبيب بكرمان، حتى إذا انجبر واستراش هو وأصحابه أقبل راجعاً، فيستقبله سفيان بجسر دجيل الأهواز، وقد كان الحجاج كتب إلى الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وهو زوج ابنة الحجاج وعامله على البصرة. أما بعد، فابعث رجلاً شجاعاً شريفاً من أهل البصرة في أربعة آلاف إلى شبيب، ومره فليلحق بسفيان بن الأبرد، وليسمع له وليطع.
فبعث إليه زياد بن عمرو العتكي في أربعة آلاف، فلم ينته إلى سفيان حتى التقى سفيان وشبيب، ولما أن التقيا بجسر دجيل عبر شبيب إلى سفيان فوجد سفيان قد نزل في الرجال، وبعث مهاصر بن صيفي العذري على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفهري، وبعث على ميسرته عمر بن هبيرة الفزاري، فأقبل شبيب في ثلاثة كراديس من أصحابه، وهو كتيبة وسويد في كتيبة، وقعنب المحلمي في كتيبة، وخلف المحلل بن وائل في عسكره. قال: قلما حمل سويد وهو في ميمنته على ميسرة سفيان، وقعنب وهو في ميسرته على ميمنته حمل هو على سفيان، فاضطربنا طويلاً من النهار، حتى انحازوا فرجعوا إلى المكان الذي كانوا فيه. فكر علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كرة، كل ذلك لا نزول من صفنا. وقال لنا سفيان بن الأبرد: لاتنصرفوا. ولكن لتزحف الرجال إليهم زحفاًن فوالله لازلنا نطاعنهم ونضاربهم حتى اضطررناهم إلى الجسر، فلما اتنهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو من مائة رجل، فقاتلناهم حتى المساء أشد قتال قاتله قوم قط، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من اطعن والضرب شيئاً ما رأينا مثله من قوم قط. فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم، ولا يأمن من ذلك ظفرهم. دعا الرماة فقال: ارشقوهم بالنبل، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصف النهار، فرماهم أصحاب النبل بالنبل عند المساء، وقد صفهم سفيان بم الأبرد على حدة، وبعث على المرامية رجلاً، فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم، فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم، فشغلناهم عنهم، فلما رموا بالنبل ساعة ركب شبيب وأصحابه ثم كروا على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلاً، ثم عطف بخيله علينا، فمشى عامداً نحونا؛ فطاعناه حتى اختلط الظلام، ثم انصرف عنا. فقال سفيان لأصحابه: أيها الناس، دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة. قال: فكففنا عنهم وليس شيء أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: فما هو إلا أن انتهينا إلى الجسر، فقال: اعبروا معاشر المسلمين، فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله، فعبرنا أمامه، وتخلف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه فرس انثى ماذيانة، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة، ونزل حافر رجل فرس شبيب على حرف السفينة، فسقط في الماء، فلما سقط قال: " ليقضي الله أمراً كان مفعولاً " . فارتمس في الماء، ثم ارتفع فقال: " ذلك تقدير العزيز العليم " . قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي بهذا الحديث - وكان ممن يقاتله من أهل الشام. وحدثني فروة بن لقيط، وكان ممن شهخد مواطنه - فأما رجل من بني رهطة من بني مرة بن همام فإنه حدثني انه كان معه قوم يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرة النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالاً كثيراً، فكأن ذلك قد أوجع قلوبهم، وأوغر صدورهم؛ وكان رجل يقال له مقاتل من بني تيم بن شيبان من أصحاب شبيب، فلما قتل شبيب رجالاً من بني تيم بن شيبان أغار هو على بني مرة بن همام فأصاب منهم رجلاً، فقال له شبيب: ما حملك على قتلهم بغير أمري!

فقال له: أصلحك الله! قتلت كفار قومي، وقتلت كفار قومك، قال: وأنت الوالي علي حتى تقطع الأمور دوني! فقال: أصلحك الله! أليس من ديننا قتل من كان على غير رأينا، منا كان أو من غيرنا! قال بلى، قال: فإنما فعلت ما كان ينبغي، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت م رهطك عشر ما أصبت من رهطي، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قتل الكافرين؛ قال: إني لا أجد من ذلك. وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا انه لما تخلف في أخريات أصحابه قال بعضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة! فقطعوا الجسر، فمالت السفن، ففزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرق. قال أبو مخنف: فحدثني ذلك المري بهذا الحديث، وناس من رهط شبيب يذكرون هذا أيضاً؛ وأما حديث العامة فالحديث الأول. قال أبو مخنف: وحدثني أبو يزيد السكسكي، قال: إنا والله لنتهيأ للانصراف إذ جاء صاحب الجسر فقال: أين اميركم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلحك الله! عن رجلاً منهم وقع في الماء فتنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبرنا، ثم أقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث مهاصر بن صيفي فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافر ولا آثر. فنزل فيه، فإذا أكثر عسكر خلق الله خيراً، وأصبحنا فطلبنا شبيباً حتى استخرجناه وعليه الدرع، فسمعت الناس يزعمون أنه ثق شق بطنه فأخرج قلبه، فكان مجتمعاً صلباً كأنه صخرة، وإنه كان يضرب به الأرض فيثب قامة إنسان؛ فقال سفيان: إحمدوا الله الذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا.
قال أبو زيد عمر بن شبة: حدثني خلاد بن يزيد الأرقط، قال: كان شبيب ينعى لأمه فيقال: قتل فلا تقبل قال: فقيل لها: إنه غرق، فقبلت، وقالت: إني أعلم أني لما ولدته أنه خرج مني شهاب من نار، فعلمت إنه لا يطفئه إلا الماء. قال هشام عن أبي مخنف: حدثني فروة بن لقيط الأزدي ثم الغامري أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سليمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن معه الوليد بن عقبة عن أمر عثمان إياه بذلك مدداً لأهل الشام أرض الروم، فلما قفل المسلمون أقيم السبي للبيع، فرأى يزيد ابن نعيم أبو شبيب جارية حمراء، لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين، فابتاعها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين اول السنة، فلما أدخلها الكوفة قال: أسلمي، فأبت عليه، فضربها فلم تزدد إلا عصياناً، فلما رأى ذلك امر بها فأصلحت، ثم دعا بها فأدخلت عليه، فلما تغشاها تلقت منه بحمل فولدت شبيباً، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجة في يوم النحر يوم السبت. وأحبت مولاها حباً شديداً - وكانت حدثة - وقالت: إن شئت أجبتك إلى ما سألتني من الإسلام، فقال لها: شئت، فأسلمت، وولدت شبيباً وهي مسلمة، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم انه خرج من قبلي شهاب فثقب يسطع حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جار فخبا، وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهرقون فيه الدماء، وإني قد أولت رؤياي هذه إني أرى ولدي هذا غلاماً، أراه سيكون صاحب دماء يهريقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعاً. قال: فكان أبوه يختلف به وبأمه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يدعى اللصف. قتال أبو مخنف: وحدثني موسى بن أبي سويد بن رادي أن أن جند أهل الشام الذين جاؤوا حملوا معهم الحجر فقالوا: لانفر من شبيب حتى يفر هذا الحجر؛ فبلغ شبيباً امرهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة. أذنابها ترسة في ذنب كل فرس ترسين، ثم ندب معه ثمانية نفر من أصحابه، وعه غلام له يقال له حيان، وأمره

أنيحمل معه إدواة من ماء، ثم سار حتى يأتي ناحية من المعسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كل رجلين فرساً، ثم يمسوها الحديد حتى تجد حره ويخلوها في العسكر، وواعدهم تلعة قريبة من العسكر، فقال: من نجا منكم فإن موعده هذه التلعة؛ وكره أصحابه الإقدام على ما أمرهم به، فنزل حيث رأى منهم حتى صنع بالخيل مثل الذي أمرهم، ثم وغلت في العسكر، ودخل يتلوها محكماً فضرب الناس بعضهم بعضاً، فقام صحبهم الذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فنادى: أيها الناس، إن هذه مكيدة، فالزموا الأرض حتى يتبين لكم الأمر، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا، وقد أصابته ضربة عمود وأوهنته، فلما أن هدأ الناس ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غمارهم حتى أتى التلعة، فإذا هو بحيان، فقال: أفرغ يا حيان على رأسي من الماء، فلما مد رأسه ليصب عليه الماء هم حيان أن يضرب عنقه، فقال لنفسه لا أجد لي مكرمة ولا ذكراً أرفع من قتلي هذا، وهو أماني عند الحجاج، فاستقبلته الرعدة حيث هم بما هم به، فلما أبطأ بحل الإدواة قال: ما يبطئك بحلها! فتناول السكين من موجزه فخرقها به، ثم ناولها إياه، فأفرغ عليه الماء. فقال حيان: منعني والله الجبن وما أخذني من الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممت به. ثم لحق شبيب بأصحابه في عسكره. خروج مطرف بن المغيرة على الحجاج وعبد الملك قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقتل. ذكر السبب الذي كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان: قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني يوسف بن يزيد بن بكر الأزدي أن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء نبلاء، أشرافاً بأبدانهم سوى شرف أبيهم ومنزلتهم في قومهم. قال: فلما قدم الحجاج فلقوه وشافههم علم أنهم رجال قومه وبنو أبيه، فاستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة، ومطرف بن المغيرة على المدائن، وحمزة بن المغيرة على همذان.
قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، قال: قدم علينا مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم، وأمرني بالحكم بالحق، والعدل في السيرة، فإن عملت بما أمرني فأنا أسعد الناس، وإن لم أفعل فنفسي أوبقت، وحظ نفسي ضيعت، ألا إني جالس لكم العصرين، فارفعوا إلى حوائجكم، وأشيروا علي بما يصلحكم ويصلح بلادكم، فإني لن آلوكم خيراً ماستطعت.ثم نزل. وكان بالمدائن إذ ذاك رجال من أشراف أهل المصر وبيتوتات الناس، وبها مقاتلة لا تسعها عدة، عن كان كون بأرض جوخى أو بأرض الأنبار فأقبل مطرف حين نزل حتى جلس للناس في الإيوان، وجاء حكيم بن الحارث الأزدي يمشي نحوه، وكان من وجوه الأزد وأشرافهم، وكان الحجاج قد استعمله بعد ذلك على بيت المال - فقال له: أصلحك الله! إني كنت منك نائياً حين تكلمت، وإني أقبلت نحوك لأجيبك، فوافق ذلك نزولك، إنا قد فهمنا ماذكرت لنا، أنه عهد إليك، فأرشد الله العاهد والمعهود إليه، وقد منيت من نفسك العدل، وسألت المعونة على الحق، فأعانك الله على ما نويت، إنك تشبه أباك في سرته برضا الله والناس، فقال له مطرف: هاهنا إلي؛ فأوسع له وجلس في جنبه. قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد انه كان من خير عامل قدم عليهم قط، أقمعه لمريب، وأشده إنكاراً للظلم، فقدم عليه بشر بن الأجدع الهمداني، ثم الثوري، وكان شاعراً فقال:
إني كلفت بخود غير فاحشة ... غراء وهنانة حسانة الجيد
كأنها الشمس يوم الدجن إذ برزت ... تمشي مع الآنس الهيف الأماليد
سل الهوى بعلنداة مذكرة ... عنها إلى المجتدي ذي العرف والجود
إلى الفتى الماجد الفياض نعرفه ... في الناس ساعة يحلى كل مردود
من الأكارم أنساباً إذا نسبوا ... والحامل الثقل يوم المغرم الصيد
إني أعيذك بالرحمن من نفر ... حمر السبال كأسد الغابة السود
فرسان شيبان لم نسمع بمثلهم ... أبناء كل كريم النجل صنديد

شدوا على ابن حصين في كتيبته ... فغادره صريعاً ليلة العيد
وابن المجالد أردته رماحهم ... كأنما زل عن خوصاء صيخود
وكل جمع بروذابار كان لهم ... قد فيض بالطعن بين النخل والبيد
فقال له: ويحك! ما جئت إلا لترغبنا. وقد كان شبيب أقبل من ساتيدما، فكتب مطرف إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أكرمه الله أن شبيباً قد أقبل نحونا، فإن رأى الأمير أن يمدني برجال أضبط بهم المدائن فقل، فإن المدائن باب الكوفة وحصنها. فبعث إليه الحجاج بن يوسف سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتين وعبد الله بن كناز في مائتين، وجاء شبيب فأقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ثم جاء حتى انتهى إلى كلواذا، فعبر منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بهرسير ومطرف بن المغيرة في المدينة العتيقة التي فيها منزل كسرى و القصر الأبيض، فلما نزل شبيب بهرسير قطع مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن، وأنظر ما تدعون إليه، فبعث إليه رجالا منهم سويد بن سليم وقعنب والمحلل بن وائل، فلما أدنى منهم المعبر وأرداوا أن ينزلوا فيه أرسل إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلي رسولي من عند مطرف، وبعث إلى مطرف: أن ابعث إلي بعدة من أصحابك حتى ترد علي أصحابي، فقال لرسوله: القه فقل له: فكيف أمنك على أصحابي إذا بعثتهم الآن إليك، وأنت لا تأمنني على أصحابك! فأرسل إليه شبيب: إنك قد علمت أنا لا نستحل في ديننا الغدر، وأنتم تفعلونه وتهونونه. فسرح إليه مطرف الربيع بن يزيد الأسدي، وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني، ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة - وكان على حرس مطرف - فلما وقعوا في يديه بعث أصحابه إليه. قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح، قال: كنت عند مطرف بن المغيرة بن شعبة فما أدري أقال: إني كنت في الجند الذين كانوا معهم، أو قال: كنت بإزائه حيث دخلت عليه رسل شبيب! وكان لي ولأخي وداً مكرماً، ولم يكن ليستر منا شيئاً، فدخلوا عليه وما عنده أحد من الناس غيري وغير أخي حلام بن صالح، وهم ستة ونحن ثلاثة، وهم شاكون في السلاح، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا، فلما دنوا قال سويد: السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله، فقال له مطرف: أجل، فسلم الله على أولئك، ثم جلس القوم، فقال لهم مطرف: قصوا على أميركم، وخبروني ماالذي تطلبون؟ وإلام تدعون؟ فحمد الله سويد بن سليم وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الذي ندعوا إليه كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفئ وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، ولا نقمتم إلا جوراً ظاهراً، أنا لكم على هذا متابع، فتابعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم، وتكون يدي وأيديكم واحدة، فقالوا: هات، اذكر ما تريد أن تذكر فإن يكن ما تدعون إليه حقاً نجبك؛ قال: فإني أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة العاصين على إحداثهم الذي أحدثوه، وأن ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمرون عليهم من يرضون لأنفسهم على مثل الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب؛

فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا، وكثر تبعكم منهم وأعوانكم على عدوكم، وتم لكم هذا الأمر الذي تريدون. قال: فوثبوا من عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبداً، فلما مضوا فكادوا أن يخرجوا من صفة البيت التفت إليه سويد بن سليم، فقال: يا بن المغيرة لو كان القوم عداةً غدراً كنت قد أمكنتهم من نفسك، ففزع لها مطرف، وقال: صدقت وإله موسى وعيسى. قال: ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بمقالته، فطمع فيه، وقال لهم: إن أصبحتم فليأته أحدكم؛ فلما أصبحوا بعث إليه سويداً وأمره بأمره، فجاء سويد حتى انتهى إلى باب مطرف، فكنت أنا المستأذن له، فلما دخل وجلس أردت أن أنصرف، فقال لي مطرف: اجلس فليس دونك ستر؛ فجلست وأنا يومئذ شاب أغيد، فقال له سويد: من هذا الذي ليس لك دونه ستر؟ فقال له: هذا الشريف الحسيب، هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة، فقال له: بخ أكرمت فارتبط، إن كان دينه على قدر حسبه فهو الكامل، ثم أقبل عليه فقال: إن لقينا أمير المؤمنين بالذي ذكرت لنا، فقال لنا: القوه فقولوا له: ألست تعلم أن إختيار المسلمين منهم خيرهم لهم فيما يرون رأي رشيد! فقد مضت به السنة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا قال لكم: نعم، فقولوا له: فإن قد اخترنا لأنفسنا أرضانا فينا، وأشدنا إضطلاعاً لما حمل، فما لم يغير ولم يبدل فهو ولي أمرنا. وقال لنا: قولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلت: إن العرب إذا علمت أنكم إنما تريدون بهذا الأمر قريشاً كان أكثر لتبعكم منهم؛ فإن أهل الحق لا ينقصهم عند الله أن يقلوا، ولا يزيد الظالمين خيراً أن يكثروا، وإن تركنا حقنا الذي خرجنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصر الظالمين ووهن، لأنا لا نرى أن قريشاً أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب. وقال: فإن زعم أنهم أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب فقولوا له: ولم ذاك؟ فإن قال: لقرابة محمد صلى الله عليه وسلم بهم فقولوا له: فوالله ما كان ينبغي إذاً لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأولين أن يتولوا على أسرة محمد، ولا على ولد أبي لهب لو لم يبقى غيرهم؛ ولو لا أنهم علموا أن خير الناس عند الله أتقاهم، وأن أولاهم بهذا الأمر أتقاهم وأفضلهم فيهم، وأشدهم اضطلاعاً بحمل أمورهم ما تولى أمور الناس. ونحن أول من أنكر الظلم وغير الجور وقاتل الأحزاب، فإن اتبعنا فله ما لنا وعليه ما علينا، وهو رجل من المسلمين وإلا يفعل، فهو كبعض من نعادي ونقاتل من المشركين. فقال له مطرف: قد فهمت ما ذكرت، ارجع يومك هذا حتى تنظر في أمرنا.
فرجع، ودعا مطرف رجالاً من أهل ثقاته وأهل نصائحه؛ منهم سليمان بن حذيفة المزني، والربيع بن يزيد الأسدي. قال النضر بن صالح: وكنت أنا ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة قائمين على رأسه بالسيف، وكان على حرسه، فقال لهم مطرف: يا هؤلاء، إنكم نصحائي

وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله مازلت لأعمال هؤلاء الظلمة كارهاً، أنكرها بقلبي، وأغيرها ما استطعت بفعلي وأمري، فلما عظمت خطيئتهم، ومر بي هؤلاء القوم يجاهدونهم، لم أر أنه يسعني إلا مناهضتهم وخلافهم إن وجدت أعواناً عليهم، وإني دعوت هؤلاء القوم فقلت لهم كيت وكيت، وقالوا لي كيت وكيت، فلست أرى القتال معهم، ولو تابعوني على رأيي وعلى ما وصفت لهم لخلعت عبد الملك والحجاج، ولسرت إليهم أجاهدهم . فقال له المزني: إنهم لن يتابعوك، وإنك لن تتابعهم فأخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد، وقال له الأسدي مثل ذلك، فجثا مولاه ابن أبي زياد على ركبتيه ثم قال: والله لا يخفى مما كان بينك وبينهم على الحجاج كلمة واحدة، وليزادن على كل كلمة عشرة أمثالها، والله أن لو كنت في السحاب هارباً من الحجاج ليلتمسن أن يصل إليك حتى يهلكك أنت ومن معك؛ فالنجاء النجاء من مكانك هذا، فإن أهل المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدثون بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومك هذا حتى يبلغ الخبر الحجاج؛ فاطلب داراً غير المدائن. فقال له صاحباه: ما نرى الرأي إلا كما ذكر لك، قال لهما مطرف: فما عندكما؟ قالا: الإجابه إلى ما دعوتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجاج وغيره. قال: ثم نظر إلي، فقال: ما عندك؟ فقلت: قتال عدوك، والصبر معك ما صبرت، فقال لي: ذاك الظن بك. قال: ومكث حتى إذا كان في اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له: إن تابعتنا فأنت منا، وإن أبيت فقد نابذناك، فقال: لا تعجلوا اليوم فإنا ننظر. قال: وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا الليلة من عندي آخركم حتى توفوا الدسكرة معي لحدث حدث هنالك. ثم أجدلج وخرج أصحابه معه حتى مر بدير يزد جرد فنزله، فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن القحافي من خثعم، فدعاه إلى صحبته، فصحبه فكساه وحمله. وأمر له بنفقة، ثم سار حتى نزل الدسكرة، فلما أراد أن يرتحل منها لم يجد بداً من أن يعلم أصحابه ما يريد، فجمع إليه رؤوس أصحابه، فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله، ثم قال لهم: أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب " وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فمن أحب منكم صحبي وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإن له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجود، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوا. قال: فوثب إليه أصحابه فبايعوه، ثم إنه دخل رحله وبعث إلى سبر بن عبد الرحمن بن مخنف وإلى عبد الله بن كناز النهدي فاستخلاهما، ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامة أصحابه، فأعطياه الرضا، فلما ارتحل انصرفا بمن معهما من أصحابه حتى أتيا الحجاج فوجداه قد نازل شبيباً، فشهدا معه وقعة شبيب. قال: وخرج مطرف بأصحابه من الدسكرة موجهاً نحو حلوان، وقد الحجاج بعث في تلك السنة سويد بن عبد الرحمن السعدي على حلوان وماسبذان؛ فلما بلغه أن مطرف بن المغيرة قد أقبل نحو أرضه عرف أنه إن رفق في أمره أو داهن لا يقبل ذلك منه الحجاج، فجمع له سويد أهل البلد والأكراد، فأما الأكراد فأخذوا عليه ثنية حلوان، وخرج إليه سويد وهو يحب أن يسلم من قتاله، وأن يعافى من الحجاج، فكان خروجه كالتعذير. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقم الخثعمي أن

الحجاج بن جارية الخثعمي حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل أتبعه في نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرهم. قال: وكنت فيهم فلحقناه بحلوان، فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرحمن. قال أبو مخنف: وحدثني بذلك أيضاً النضر. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة. قال: ما هو إلا أن قدمنا على مطرف بن المغيرة، فسر بمقدمنا عليه. وأجلس الحجاج ابن جارية معه على مجلسه. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح. وعبد الله بن علقمة، أن سويداً لما خرج إليهم بمن معه وقف في الرجال ولم يخرج بهم من البيوت، وقدم ابنه القعقاع في الخيل، وما خيله يومئذ بكثير. قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: أراهم كانوا مائتين، وقال ابن علقمة: أراهم كانوا ينقصون عن الثلثمائة. قال: فدعا مطرف الحجاج بن جارية فسرحه إليهم في نحو من عدتهم، فأقبلوا نحو القعقاع وهم جادون في قتاله، وهم فرسان متعالمون، فلما رآهم سويد قد تيسروا نحو ابنه أرسل إليهم غلاماً يقال له رستم - قتل معه بعد ذلك بدير الجماجم - وفي يده راية بني سعد، فانطلق وغلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية، فأسر إليه: إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا، فإنا لا نريد قتالكم، وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد من منع ما في أيدينا. فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية: إئت أميرنا فاذكر له ماذكرت لي، فخرج حتى أتى مطرفاً فذكر له مثل الذي ذكر للحجاج بن جارية، فقال له مطرف: ما أريدكم ولا بلادكم، فقال له: فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا، فإنا لا نجد بداً من أن يرى الناس وتسمع بذلك أنا قد خرجنا

إليك. قال: فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه، ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الأكراد بها، فنزل مطرف ونزل معه عامة أصحابه وصعد إليهم في الجانب الأيمن الحجاج بن جارية، وفي الجانب الأيسر سليمان بن حذيفة، فهزماهم وقتلاهم، وسلم مطرف وأصحابه فمضوا حتى دنوا من همذان، فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ما دينار، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان، فكره أن يدخلها فيتهم أخوه عند الحجاج، فلما دخل مطرف أرض ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة: أما بعد، فإن النفق قد كثرت والمؤنة قد اشتدت، فامدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح. وبعث إليه يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة، فجاء حتى دخل على حمزة بكتاب مطرف ليلاً، فلما رآه قال له: ثكلتك أمك! أنت قتلت مطرفاً؟ فقال له: ما أنا قتلته جعلت فداك! ولكن مطرفاً قتل نفسه وقتلني، وليته لا يقتلك، فقال له: ويحك! من سول له هذا الأمر! فقال: نفسه سولت هذا له. ثم جلس إليه فقص عليه القصص، وأخبره بالخبر، ودفع كتاب مطرف إليه، فقرأه ثم قال: نعم، وأنا باعث إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرني ترى ذلك يخفى لي؟ قال: ما أظن أن يخفى، فقال له حمزة: فوالله لئن أنا خذلته في أنفع النصرين له نصر العلانية، لا أخذله في أيسر النصرين نصر السريرة. قال: فسرح إليه مع يزيد بن أبي زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتى أتى مطرفاً ونحن نزول في رستاق من رساتيق ماه دينار، يقال له: سامان متاخم أرض أصبهان، وهو رستان كانت الحمراء تنزله. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، قال: والله ما هو إلا أن مضى يزيد بن أبي زياد، فسمعت أهل العسكر يتحدثون أن الأمير بعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيت مطرفاً فحدثته بذلك ، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله! قال الأول: ما يخفى إلا ما لا يكون، قال: وما هو إلا أن قدم يزيد بن أي زياد علينا. فسار مطرف بأصحابه حتى نزل قم وقاشان وأصبهان. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة أن مطرفاً حين نزل قم وقاشان واطمئن، دعا الحجاج بن جارية فقال له: حدثني عن هزيمة شبيب يوم السبخة أكانت وأنت شاهدها، أم كنت خرجت قبل الوقعة؟ قال : لا. بل شهدتها؛ قال: فحدثني حديثهم كيف كان؟ فحدثه، فقال: إني كنت أحب أن يظفر شبيب وإن كان ضالاً فيقتل ضالاً. قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجوا أن يتم له الذي يطلب لو هلك الحجاج، قال: ثم إن مطرفاً بعث عماله. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح أن مطرفاً عمل عملاً حازماً لو لا أن الأقدار غالبة. قال: كتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد ابن سرحان الثقفي، وإلى بكير بن هارون البجلي: أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى جهاد من عند عن الحق، واستأثر بالفئ، وترك حكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودمغ الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، جعلنا هذا الأمر شورى بين الأمة يرتضي المسلمون لأنفسهم الرضا، فمن قبل هذا منا كان أخانا في ديننا. وولينا في محيانا ومماتنا، ومن رد ذلك علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبناُ، وبمداهنة الظالمين في أمر الله وهناً! إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كرهاً، ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله، وجهاد أعداء الله، فأجيبوا رحمتكم الله إلى الحق. وادعوا إليه من ترجون إجابته، وعرفوه ما لا يعرفه، وليقبل إلى كل من رأى رأينا، وأجاب دعوتنا، ورأى عدوه عدونا. أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التواب الرحيم. والسلام. فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دباً في رجال من أهل الري ودعوا من تابعهما، ثم خرجا في نحو من مائة من أهل الري سراً لا يفطن بهم، فجاءوا حتى وافوا مطرفاً. وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على أصبهان: أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجة في أصبهان فليبعث إلى مطرف جيشاً كثيفاً يسأصله ومن معه، فإنه لا تزلا عصابة قد انتفحت له من بلدة من البلدان حتى توافيه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكشف وكثر تبعه، والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، إذا أتاك رسولي فعسكر بمن معك، فإذا مر بك عدي

ابن وتاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطع. والسلام. فلما قرأ كتابه خرج فعسكر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرح إلى البراء بن قبيصة الرجال على دواب البريد عشرين عشرين. وخمسة عشر خمسة عشر، وعشرة وعشرة، حتى سرح إليه نحواً من خمسمائة، وكان في ألفين. وكان الأسود بن سعد الهمذاني أتى الري في فتح الله على الحجاج يوم لقي شبيباً بالسبخة، فمر بهمذان والجبال، ودخل على حمزة فاعتذر إليه، فقال الأسود: فأبلغت الحجاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزله، فخشي أن يمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعيد العجلي - وهو يومئذ على شرطة حمزة بن المغيرة ولبني عجل وربيعة عدد بهمذان - فبعث إلى قيس بن سعد بعهده على همذان،وكتب إليه أن أوثق حمزة ابن المغيرة في الحديد، واحبسه قبلك حتى يأتيك أمري. فلما أتاه عهده وأمره أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر. فصلى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه قيس بن سعد العجلي صاحب شرطة، فأقرأه كتاب الحجاج إليه، وأراه عهده، فقال حمزة. سمعاً وطاعةً؛ فأوثقه وحبسه في السجن، وتولى أمر همذان، وبعث عماله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه؛ وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله، أني قد شددت حمزة بن المغيرة في الحديد، وحبسته في السجن وبعث عمالي على الخراج، ووضعت يدي في الجباية، فإن رأي الأمير أبقاه الله أن يأذن لي في المسير إلى مطرف أذن لي حتى أجاهده في قومي، ومن أطاعني من أهل بلادي؛ فإني أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجراً من جباية الخراج. والسلام. فلما قرأ الحجاج كتابه ضحك ثم قال: هذا جانب آثراً ما قد أمناه. وقد كان حمزة بهمذان أثقل ما خلق الله على الحجاج مخافة أن يمد أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعق، فلم يزل يكيده حتى عزله؛ فاطمأن وقصد قصد مطرف. قال أبو مخنف: فحدثني مطرف بن عامر بن واثل أن الحجاج لما قرأ كتاب قيس بن سعد العجلي وسمع قوله: إن أحب الأمير سرت إليه حتى أجاهده في قومي، قال: ما أبغض إلى أن تكثر العرب في أرض الخراج. قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجاج فعلمت أنه لو قد فرغ له قد عزله. قال: وحدثني النضر بن صالح أن الحجاج كتب إلى عدي بن وتاد الإيادي وهو على الري يأمره بالمسير إلى مطرف بن المغيرة وبالممر على البراء ابن قبيصة، فإذا اجتمعوا فهو أمير الناس. قال أبو مخنف: وحدثني أبي عند عبد الله بن زهير، عن عبد الله بن سليم الأزدي، قال: إني لجالس مع عدي بن وتاد على مجلسه بالري إذ أتاه كتاب الحجاج، فقرأه ثم دفعه إلي، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الري، ثم أقبل حتى تمر بالبراء بن قبيصة بجي، ثم سيرا جميعاً، فإذا لقيتهما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفاً، فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته فانصرف إلى عملك في كنف من الله وكلاءته وستره، فلما قرأته قال لي: قم وتجهز. قال: وخرج فعسكر، ودعا الكتاب فضربوا البعث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمعة حتى سرنا فانتهينا إلى جي، ويوافينا بها قبيص القحافي تسعمائة من أهل الشام، فيهم عمر بن هبيرة، قال: ولم نلبث بجي إلا يومين حتى نهض عدي بن وتاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من أهل الري وألف مقاتل مع البراء بن قبيص بعثهم إليه الحجاج من الكوفة، وسبعمائة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهل أصبهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مقاتل، ثم أقبل حتى دخل على مطرف بن المغيرة. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن عبد الله بن علقمة. أن مطرفاً لما بلغه مسيرهم إليه خندق على أصحابه خندقاً، فلم يزالوا فيه

حتى قدموا عليه. قال أبو مخنف: وحدثني يزيد مولى عبد الله بن زهير، قال: كنت مع مولاي إذ ذاك؛ قال: خرج عدي بن وتاد فعبى الناس، فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير، ثم قال للبراء بن قبيصة: قم في الميسرة، فغضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأن أمير مثلك! تلك خيلي في الميسرة، وقد بعثت عليها فارس مصر الطفيل بن عامر بن واثلة، قال: فأنهي ذلك إلى عدي بن وتاد، وقال لابن أقيصر الخثعمي: إنطلق فأنت على الخيل، وانطلق إلى البراء بن قبيص فقل له: إنك قد أمرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شئ، إنما عليك أن تؤمر فتطيع، ولا تعرض لي في شئ أكرهه فأتنكر لك - قد كان له مكرماً. ثم إن عدياً بعث على الميسرة عمر بن هبيرة، وبعث في مائة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطفيل بن عامر: خل رايتك وتنح عنا، فإنما نحن أصحاب هذا الموقف، فقال الطفيل: إني لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البراء من قبيصة، وهو أميرنا، وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس، فإن كان قد عقد لصاحبكم هذا فبارك الله له، ما أسمعنا وأطوعنا! فقال لهم عمر بن هبيرة: مهلاً، كفوا عن أخيكم وابن عمكم، رايتنا رايتك، فإن شئت آثرناك بها. قال: فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك. قال: ونزل عدي بن وتاد ثم زحف نحو مطرف. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح وعبد الله بن علقمة أن مطرفاً بعث على ميمنته الحجاج بن جارية، وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الأسدي، وعلى الحامية سليمان بن صخر المزني، ونزل هو يمشي في الرجال، ورأيته مع يزيد بن أبي زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة. قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانوا قال لبكير بن هارون البجلي: اخرج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وبكتم بأعماله الخبيثة. فخرج إليهم بكير بن هارون على فرس لهم أدهم أرح ذنوب عليه الدرع والمغفر والساعدان، في يده الرمح، شد درعه بعصابة حمراء من حواشي البرود، فنادى بصوت عال رفيع: يا أهل قبلتنا، وأهل ملتنا، وأهل دعوتنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تسرون مثل علمه بما تعلنون لما أنصفتمونا وصدقتمونا، وكانت نصيحتكم لله لا لخلقه، وكنتم شهداء لله على عباده بما يعلمه الله من عباده. خبروني عن عبد الملك بن مروان، وعب الحجاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبارين مستأثرين يتبعان الهوى، فيأخذان بالظنة، ويقتلان على الغضب. قال: فتنادوا من كل جانب: يا عدو الله كذبت، ليسا كذلك، فقال لهم: ويلكم " لا تفترون على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " ويلكم، أو تعلمون من الله ما لا يعلم، إني قد استشهدتكم وقد قال الله في الشهادة: " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " .
فخرج إليه صارم مولى عدي بن وتاد وصاحب رايته، فحمل على بكير ابن هارون البجلي، فاضربا بسيفهما، فلم تعمل ضربة مولى عدي شيئاً، وضربه بكير بالسيف فقتله، ثم استقدم، فقال: فارس لفارس، فلم يخرج إليه أحد، فجعل يقول:
صارم قد لاقيت سيفاً صارماً ... وأسداً ذا لبدة ضارماً
قال: ثم إن الحجاج بن جارية حمل وهو في الميمنة على عمر بن هبيرة وهو في الميسرة، وفيها الطفيل بن عامر بن واثلة، فالتقى هو والطفيل - وكانا صديقين متؤاخيين - فتعارفا، وقد رفع كل منهما السيف على صاحبه، فكفا أيديهما، واقتتلوا طويلاً، ثم إن ميسرة عدي بن وتاد زالت غير بعيد، وانصرف الحجاج بن جارية إلى موقفه. ثم إن الربيع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:55 am

إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا ... تساوك هزلى مخهن قليل
تعاورها القذاف من كل جانب ... بقومس حتى صعبهن ذلول
فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل
وقد كنا مما إن يقدن على الوجى ... لهن بأبواب القباب صهيل
فحاصرهم حتى جهدوا، وأكلوا دوابهم، ثم إنهم خرجوا إليه فقاتلوه، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج، ثم دخل إلى دنباوند و طبرستان، فكان هنالك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم.
ذكر الخبر عن
مقتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل بكير بن وشاح السعدي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ذكر سبب قتله إياه. وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد - أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن مروان على خراسان، ولى بكيراً غزو ما وراء النهر، وقد كان ولاه قبل ذلك طخارستان، فتجهز للخروج إليها، وأنفق نفقةً كثيرة، فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصريمي على ما بينت قبل، فأمره أمية بالمقام. فلما ولاه غزو ماوراء النهر تجهز وتكلف الخيل والسلاح، وادان من رجال السغد وتجارهم، فقال بحير لأمية: إن صار بينك وبينه النهر ولقي الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه أمية: أقم لعلي أغزو فتكون معي، فغضب بكير وقال: كأنه يضارني. وكان عتاب اللقوة الغداني استدان ليخرج مع بكير، فلما أقام أخذه غرماؤه، فحبس فأدى عنه بكير وخرج، ثم أجمع أمية على الغزو. قال: فأمر بالجهاز ليغزو بخارى، ثم يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ، فاستعد الناس وتجهزوا، واستخلف على الخراسان ابنه زياداً، وسار معه بكير فعسكر بكشماهن، فأقام أياماً، ثم أمر بالرحيل، فقال له بحير: إني لا آمن أن يتخلف الناس فقيل لبكير: فلتكن في الساقة ولتحشر الناس. قال: فأمره أمية فكان على الساقة حتى أتى النهر، فقال له أمية: إقطع يا بكير؛ فقال عتاب اللقوة الغداني: أصلح الله الأمير! إعبر ثم يعبر الناس بعدك. فعبر ثم عبر الناس، فقال أمية لبكير: قد خفت ألا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها فقد وليتكها، فزين ابني وقم بأمره. فانتخب بكير فرساناً من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم وعبر، ومضى أمية إلى بخارى وعلى مقدمته أبو خالد ثابت مولى خزاعة. فقال عتاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية: إن قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتى ضبطنا خراسان، ثم طلبنا أميراً من قريش يجمع أمرنا، فجاءنا أمير يلعب بنا يحولنا من سجن إلى سجن، قال: فما ترى؟ قال: إحرق هذه السفن. وامض إلى مرو فخلع أمية، وتقيم بمرو وتأكلها إلى يوم ما؛ قال: فقال الأحنف بن عبد الله العنبري: الرأي مارأى عتاب، فقال بكير: إني أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي، فقال: أتخاف عدم الرجال! أنا آتيك من أهل مرو بما شئت إن هلك هؤلاء الذين معك، قال: يهلك المسلون؛ قال: إنما يكفيك أن ينادي مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفاً من المصلين أسمع لك من هؤلاء وأطوع؛ قال: فيهلك أمية ومن معه؛ قال: ولم يهلكون ولهم عدة وعدد ونجدة وسلاح ظاهر وأداة كاملة، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فأخذ ابن أمية فحبسه، ودعا الناس إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ أمية،فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع فأمر باتخاذ السفن، فاتخذت له وجمعت، وقال لمن معه من وجوه تميم: ألا تعجبون من بكير! إني قدمت خراسان فحذرته، ورفع عليه وشكا منه، وذكروا أموالاً أصابها، فأعرضت عن ذلك كله، ثم لم أفتشه عن شيء ولا أحد من عماله، ثم عرضت عليه شرطتي فأبى، فعفيته، ثم وليته فحذرته، فأمرته بالمقام وما كان ذلك إلا نظراً له، ثم رددته إلى مرو، ووليته الأمر، فكفر ذلك كله، وكافأني بما ترون. فقال له قوم: أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه، إنما أشار عليه بإحراق السفن عتاب اللقوة، فقال: وما عتاب! وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة، فبلغ قوله عتاباً، فقال عتاب في ذلك:
إن الحواضن تلقاها مجففة ... غلب الرقاب على المنسوبة النجب
تركت أمرك من جبن ومن خور ... وجئتنا حمقاً يا ألأم العرب

لما رأيت جبال السغد معرضةً ... وليت موسى ونوحاً عكوة الذنب
وجئت ذيخاً مغذى ما تكلمنا ... وطرت من سعف البحرين كالخرب
أوعد وعيدك إني سوف تعرفني ... تحت الخوافق دون العارض اللجب
يخب بي مشرف عار نواهقه ... يغشى الكتيبة بين العدو والخبب
قال: فلما تهيأت السفن، عبر أمية وأقبل إلى مرو، وترك موسى بن عبد الله، وقال: اللهم إني أحسنت إلى بكير، فكفر إحساني، وصنع ما صنع، اللهم أكفنيه. فقال شماس بن دثار - وكان رجع من سجستان بعد قتل ابن خازم، فغزا مع أمية: أيها الأمير، أنا أكفيكه إن شاء الله. فقدمه أمية في ثمانمائة، فأقبل حتى نزل باسان وهي لبني نصر، وسار إليه بكير ومعه مدرك بن أنيف وأبوه مع شماس، فقال: أما كان في تميم أحد يحاربني غيرك! ولامه. فأرسل إليه شماس: أنت ألوم وأسوأ صنيع مني، لم تفي لأمية ولم تشكر له صنيعه بك؛ قدم فأكرمك ولم يعرض لك ولا لأحد من عمالك. قال: فبيته بكير ففرق جمعه وقال: لا تقتلوا منهم أحداً، وخذوا سلاحهم، فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وخلوا عنه، فتفرقوا، ونزل شماس في قرية لطيئ يقال لها: بوينة، وقدم أمية فنزل كشماهن، ورجع إليه شماس بن دثار فقدم أمية ثابت بن قطبة مولى خزاعة، فلقيه بكير فأسر ثابتاً وفرق جمعه، وخلى بكير سبيل ثابت ليد كانت له عنده. قال: فرجع إلى أمية، فأقبل أمية بالناس، فقاتله بكير وعلى شرطة بكير أبو رستم الخليل بن أوس العبشمي، فأبلى يومئذ، فنادوه: يا صاحب شرطة عارمة - وعارمة جارية بكير - فأحجم، فقال له بكير: لا أبالك، لا يهدك نداء هؤلاء القوم، فإن للعارم فحل يمنعها، فقدم لوائك، فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط، فنزل السوق العتيقة، ونزل أمية باسان فكانوا يلتقون في ميدان يزيد، فانكشفوا يوماً، فحماهم بكير، ثم التقوا يوماً آخر في الميدان، فضرب رجل من بني تميم على رجله فجعل يسحبها، وهريم يحميه، فقال الرجل: اللهم أيدنا فأمدنا بالملائكة، فقال له هريم: أيها الرجل، قاتل عن نفسك، فإن الملائكة في شغل عنك، فتحامل ثم أعاد قوله: اللهم أمدنا بالملائكة، فقال هريم: لتكفن عني أو لأدعنك والملائكة، وحماه حتى ألحقه بالناس. قال: ونادى رجل من بني تميم: يا أمية، يا فاضح قريش؛ فآلى أمية إن ظفر به أن يذبحه، فظفر به فذبحه بين شرفتين من المدينة، ثم التقوا يوماً آخر، فضرب بكير بن وشاح ثابت بن قطبة على رأسه وانتمى: أنا ابن وشاح؛ فحمل حريث من قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير، وانكشف أصحابه، وأتبع حريث بكيراً حتى بلغ القنطرة، فناداه: أين يا بكير؟ فكر عليه، فضربه حريث على رأسه، فقطع المغفر، وعض السيف برأسه، فصرع، فاحتمله أصحابه، فأدخلوه المدينة. قال: فكانوا على ذلك يقاتلونهم، وكان أصحاب بكير يغدون متفضلين في ثياب مصبغة، وملاحف وأزر صفر وحمر، فيجلسون على نواحي المدينة يتحدثون، وينادي مناد: من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله؛ فلا يرميهم أحد. قال: فأشفق بكير، وخاف إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلحة، وأحب ذلك أيضاً أصحاب أمية لمكان عيالاتهم بالمدينة، فقالوا لأمية: صالحه - وكان أمية يحب العافية - فصالحه على أن يقضي عنه أربعمائة ألف، ويصل أصحابه ويوليه أيضاً أي كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه منه ريب فهو آمن أربعين يوماً حتى يخرج عن مرو، فأخذ الآمان لبكير من عبد الملك، وكتب له كتاباً على باب سنجان، ودخل أمية بالمدينة. قال: وقوم يقولون: لم يخرج بكير مع أمية غازياً، ولكن أمية لما غزا استخلفه على مرو فخلعه، فرجع أمية فقاتله، ثم صالحه ودخل مرو ووفى أمية لبكير. وعاد إلى ما كان عليه من الإكرام وحسن الإذن، وأرسل

إلى عتاب اللقوة، فقال: أنت صاحب المشورة؛ فقال: نعم أصلح الله الأمير! قال: ولم؟ قال: خف ما كان في يدي، وكثر ديني، وأعديت على غرامائي؛ قال: ويحك! فضربت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدو، وما خفت الله! قال: قد كان ذلك، فاستغفر الله، قال: كم دينك؟ قال: عشرون ألفاً؛ قال: تكف عن غش المسلمين وأقضي دينك؟ قال: نعم، جعلني الله فداك! قال: فضحك أمية وقال: إن ظني بك غير ما تقول، وسأقضي عنك. فأدى عنه عشرين ألفاً. وكان أمية سهلاً ليناً سخياً، لم يعط أحد من عمال خراسان بها مثل عطاياه؛ قال: وكان مع ذلك ثقيلاُ عليهم، كان فيه زهو شديد، وكان يقول : ما أكتفي بخراسان وسجستان لمطبخي. وعزل أمية بحيراً عن شرطته، وولاها عطاء بن أبي السائب. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمر بكير وصفحه عنه. فضرب عبد الملك بعثاً إلى أمية بخراسان، فتجاعل الناس، فأعطى شقيق بن سليل الأسدي جعالته رجلاً من جرم، وأخذ أمية الناس بالخراج، واشتد عليهم فيه فجلس بكير يوماً في المسجد وعنده ناس من بني تميم، فذكروا شدة أمية على الناس، فذموه، وقالوا: صلت علينا الدهاقين في الجباية وبحير وضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية ابن قدامة في المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فادعى شهادة هؤلاء، وادعى شهادة مزاح بن أبي المجشر السلمي، فدعا أمية مزاحماً فسأله فقال: إنما كان يمزح، فأعرض عنه أمية، ثم أتاه بحير فقال: أصلح الله الأمير! إن بكيراً والله قد دعاني إلى خلعك، وقال: لو لا مكانك لقتلت هذا القرشي وأكلت خراسان؛ فقال أمية: ما أصدق بهذا وقد فعل ما فعل؛ فآمنته ووصلته. قال: فأتاه بضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية فشهدا أن بكيراً قال لهما: لو أطعتماني لقتلت هذا القرشي المخنث، وقد دعانا إلى الفتك بك. فقال أمية: أنتم أعلم وما شهدتم، وما أظن هذا به وإن تكركه، وقد شهدتم بما شهدتم عجز؛ وقال لحاجبه عبيدة ولصاحب حرسه عطاء بن أبي السائب: إذ دخل بكير، وبدل وشمردل ابنا أخيه، فنهضت فخذوهم. وجلس أمية للناس، وجاء بكير وابنا أخيه، فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل، وخرج الناس وخرج بكير، فحبسوه وابني أخيه، فدعا أمية ببكير فقال : أنت القائل كذاوكذا؟ قال: تثبت أصلحك الله ولا تسمعن قول ابن المحلوقة! فحبسه، وأخذ جاريته العارمة فحبسها، وحبس الأحنف ابن عبد الله العنبري، وقال: أنت ممن أشار على بكير بالخلع. فلما كان من الغد أخرج بكيراً فشهد عليه بحير وضرار وعبد العزيز بن جارية أنه دعاهم إلى خلعك والفتك به، فقال: أصلحك الله! تثبت فإن هؤلاء أعدائي، فقال أمية لزياد بن عقبة - وهو رأس أهل العالية - ولابن والآن العدوى - وهو يومئذ من رؤساء بني تميم - ليعقوب بن خالد الذهلي: أتقتلونه؟ فلم يجيبوه؛ فقال لبحير: أتقتله؟ قال: نعم، فدفعه إليه

فنهض يعقوب بن القعقاع الأعلم الأزدي من مجلسه - وكان صديقاً لبكير - فاحتضن أمية، وقال: أذكرك الله أيها الأمير في بكير، فقد أعطيته ما أعطيته من نفسك، قال: ما يقتله إلا قومه، شهدوا عليه، فقال: عطاء بن أبي السائب الليثي وهو على حرس أمية: خل عن الأمير؛ قال: لا، فضربه عطاء بقائم السيف، فأصاب أنفه فأدماه، فخرج، ثم قال لبحير: يا بحير، إن الناس أعطوا بكيراً ذمتهم في صلحه، وأنت منهم، فلا تخفر ذمتك؛ قال: يا بعقوب، ما أعطيته ذمة، ثم أخذ بحير سيف بكير الموصول الذي كان أخذه من أسوار الترجمان ترجمان ابن خازم، فقال له بكير: يا بحير، إنك تفرق أمر بني أسد إن قتلتني، فدع هذا القرشي يلي مني ما يريد؛ فقال بحير: لا والله يابن الأصبهانية لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيين، قال: فشأنك يا بن المحلوقة، فقتله، وذلك يوم جمعة. وقتل أمية ابني أخي بكير، ووهب جارية بكير العارمة لبحير، وكلم أمية في الأحنف بن عبد الله العنبري، فدعا به من السجن، فقال: وأنت من أشار على بكير، وشتمه، وقال: قد وهبتك لهؤلاء. قال: ثم وجه أمية رجلاً من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتله عمرو بن خالد بن حصين الكلابي غيلة، فتفرق جيشه؛ فاستأمن طائفة منهم موسى، فصاروا معه، ورجع بعضهم إلى أمية. وفي هذه السنة عبر النهر، نهر بلخ أمية للغزو، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعدما أشرفوا على الهلاك؛ فانصرف والذين معه من الجند إلى مرو. وقال عبد الرحمن بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجو أمية:
ألا أبلغ أمية أن سيجزي ... ثواب الشر إن له ثوابا
ومن ينظر عتابك أو يرده ... فلست بناظر منك العتابا
محا المعروف منك خلال سوء ... منحت صنيعها باباً فبابا
ومن سماك إذا قسم الأسامي ... أمية إذ ولدت فقد أصابا
قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أمير على المدينة، وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد.
وحدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة ست وسبعين وسنة سبع وسبعين. وقد قيل: إن هلاك شبيب كان في سنة ثمان وسبعين، وكذلك قيل في هلاك قطري وعبيدة بن هلال وعبد ربه الكبير. وغزا في هذه السنة الصائفة الوليد.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين
ذكر الخبر عن الكائن في هذه المدينة
من الأحداث الجليلة
في ذلك عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وضمه خراسان وسجستان إلى الحجاج بن يوسف. فلم ضم ذلك إليه فرق فيه عماله. ذكر الخبر عن العمال الذين ولاهم الحجاج خراسان وسجستان وذكر سبب في توليته من ولاه ذلك وشيئاً منه ذكر أن الحجاج لما فرغ من شبيب ومطرف شخص من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل - وقد قيل: إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، ثم عزله، وجعل مكانه المغيرة بن عبد الله - فقدم عليه المهلب بها، وقد فرغ من أمر الأزارقة. فقال هشام: حدثني أبو مخنف عن أبي المخارق الراسبي، أن المهلب بن أبي صفرة لما فرغ من الأزارقة قدم على الحجاج - وذلك سنة ثمان وسبعين - فأجلسه معه، ودعا بأصحاب البلاء من أصحاب المهلب، فأخذ الحجاج لا يذكر له المهلب رجلاً من أصحابه ببلاء حسن إلا صدقه الحجاج بذلك، فحملهم الحجاج وأحسن عطاياهم، وزاد في أعطياتهم، ثم قال: هؤلاء أصحاب الفعال، وأحق بالأموال، هؤلاء حماة الثغور، وغيظ الأعداء. قال هشام عن أبي مخنف: قال يونس بن أبي إسحاق: وقد كان الحجاج ولى المهلب سجستان مع خراسان، فقال له المهلب: إلا أدلك على رجل هو أعلم بسجستان مني، وقد كان ولي كابا وزابل، وجباهم وقاتلهم وصالحهم؟ قال له: بلى، فمن هو؟ قال عبيد الله بن أبي بكرة. ثم إنه بعث المهلب على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، وكان العامل هناك أمية بن هبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وكان عاملاً لعبد الملك بن مروان، لم يكن للحجاج شيء من أمره حين بعث على العراق حتى كانت تلك السنة، فعزله عبد الملك وجمع سلطانه للحجاج

فمضى المهلب إلى خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، فمكث عبيد الله بن أبي يكرة بقية سنته. فهذه رواية أبي مخنف عن أبي المخارق، وأما علي بن محمد فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن خراسان وسجستان جمعتا للحجاج مع العراق في أول سنو ثمان وسبعين بعد ما قتل الخوارج، فاستعمل عبيد الله بن أبي بكرة على خراسان، والمهلب بن أبي صفرة على سجستان، فكره المهلب سجستان، فلقي عبد الرحمن بن عبيد طارق العبشمي - وكان على شرطة الحجاج - فقال: إن الأمير ولاني سجستان، وولى ابن أبي بكرة خراسان، وأنا أعرف بخراسان منه، قد عرفتها أيام الحكم بن عمرو الغفاري، وابن أبي بكرة أقوى على سجستان مني، فكلم الأمير يحولني إلى خراسان، وابن أبي بكرة إلى سجستان؛ قال: نعم، وكلم زاذان فروخ يعينني؛ فكلمه، فقال: نعم، فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجاج: وليت المهلب سجستان وابن أبي بكرة أقوى عليها منه، فقال زاذان فروخ: صدق، قال: إنا قد كتبنا عهده؛ قال زاذان فروخ: ما أهون تحويل عهده! فحول ابن أبي بكرة إلى سجستان، والمهلب إلى خراسان، وأخذ المهلب بألف ألف من خراج الأهواز، وكان ولاها إياه خالد بن عبد الله، فقال المهلب لابنه المغيرة: إن خالداً ولاني الأهواز، وولاك إصطخر، وقد أخذني الحجاج بألف ألف، فنصف علي ونصف عليك، ولم يكن عند المهلب مال، كان إذا عزل استقرض؛ قال: فكلم أبا معاوية مولى عبد الله بن عامر - وكان أبو ماوية على بيت مال عبد الله بن عامر - فأسلف المهلب ثلثمائة ألف، فقالت خيرة القشيرية امرأة المهلب: هذا لا يفي بما عليك؛ فباعت حلياً لها ومتاعاً، فأكمل خمسمائة ألف، وحمل المغيرة إلى أبيه خمسمائة ألف فحملها إلى الحجاج، ووجه المهلب ابنه حبيباً على مقدمته، فأتى الحجاج فودعه، فأمر الحجاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء، قال: فسار حبيب على تلك البغلة حتى قدم خراسان هو وأصحابه على البريد، فسار عشرين يوماً، فتلقاهم حين دخلوا حمل حطب، فنفرت البغلة فتعجبوا منها ومن نفارها بعدذلك التعب وشدة السير. فلم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة تسع وسبعين. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان أمير المدينة في هذه السنة أبان بن عثمان، وامير الكوفة والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف، وخليفته بخراسان المهلب، وبسجستان عبيد الله ابن أبي بكرة، وعلى فضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة - فيما قيل - موسى بن أنس. وأغزى عبد الملك في هذه السنة يحيى بن الحكم.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة
في ذلك ما أصاب أهل الشام في هذه السنة من الطاعون حتى كادوا يفنون من شدته، فلم يغز في تلك السنة أحد - فيما قيل - للطاعون الذي كان بها وكثرة الموت. وفيها - فيما قيل - : أصابت الروم أهل أنطاكية.
ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيلوفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل.
ذكر الخبر عن غزوته إياه: قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن أبي المخارق الراسبي، قال: لما ولى الحجاج المهلب خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة سجستان، مضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، وذلك في سنة ثمان وسبعين، فمكث عبيد الله بن أبي بكرة بقية سنته. ثم إنه غزا رتبيل وقد كان مصالحاً، وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجاً، وربما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيح أرضه، وتهدم قلاعه، وتقتل مقاتلته، وتسبي ذريته. فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثي ثم الضباني، وكان من أصحاب علي، وكان عبيد الله على أهل البصرة، وهو أمير الجماعة، فمضى حتى وغل في بلاد رتبيل، فأصاب من البقر والغنم والأموال ماشاء

وهدم قلاعاً وحصوناً، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة، وأصحاب رتبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض، حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها ثمانية عشر فرسخاً، فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب، وخلوهم والرساتيق، فسقط في أيدي المسلمين، وظنوا أن قد هلكوا، فبعث ابن أبي بكرة إلى شريح بن هانئ: إني مصالح القوم على أن أعطيهم مالاً، ويخلوا بيني وبين الخروج، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة ألف درهم، فلقيه شريح فقال: إنك لا تصالح على شئ إلا حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم، قال: لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من هلاكنا؛ قال شريح: والله لقد بلغت سناً، وقد هلكت لداتي، ما تأتي على ساعة من ليل أو نهار فأظنها تمضي حتى أموت، ولقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان، ولئن فاتتني اليوم ما إخالني مدركها حتى أموت، وقال: يا أهل الإسلام، تعاونوا على عدوكم؛ فقال له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت، فقال شريح: إنما حسبك أن يقال: بستان ابن أبي بكرة وحمام ابن أبي بكرة، يا أهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلي. فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير، وفرسان الناس و أهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، فجعل شريح يرتجز مومئذ ويقول:
أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمت أدركت النبي المنذرا ... وبعده صيقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع في صفينهم والنهرا
وبا جميرات مع المشقرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا
فقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا، فخرجوا من بلاد رتبيل حتى خرجوا منها، فاستقبلهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالأطمعة، فإذا أكل أحدهم وشبع مات، فلما رأى ذلك الناس حذروا يطعمونهم، ثم جعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا، حتى استمرءوا. وبلغ ذلك الحجاج، فأخذه ما تقدم وما تأخر، وبلغ ذلك منه كل مبلغ، وكتب إلى عبد الملك: أما بعد، فإن جند أمير المؤمنين الذي بسجستان أصيبوا فلم ينج منهم إلا القليل، وقد اجترأ العدو بالذي أصابه على أهل الإسلام فدخلوا بلادهم، وغلبوا على حصونهم وقصورهم، وقد أردت أن أوجه إليهم جنداً كثيفاً من أهل المصرين، فأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين في ذلك، فإن رأى لي بعثة ذلك الجند أمضيته، وإن لم ير ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده، مع أني أتخوف إن لم يأت رتبيل ومن معه من المشركين جند كثيف عاجلا أن يستولوا على ذلك الفرج كله.
وفي هذه السنة قدم المهلب خراسان أميراً، وانصرف عنها أمية بن عبد الله، وقيل استعفى شريح القاضي من القضاء في هذه السنة، وأشار بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فأعفاه الحجاج وولى أبا بردة. وحج بالناس في هذه السنة - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر - أبان بن عثمان، وكذلك قال الواقدي وغيره من أهل السير.
وكان أبان هذه السنة أميراً على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف. وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج وقيل: إن المهلب كان على حربها، وابنه المغيرة على خراجها، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس
ثم دخلت سنة ثمانين
ذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة
وفي هذه السنة جاء - فيما حدثت عن ابن سعد، عن محمد بن عمر الواقدي - سيل بمكة ذهب بالحجاج، فغرقت بيوت مكة فسمى ذلك العام عام الجحاف، لأن ذلك السيل جحف كل شئ مر به. قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن رفاعة بن ثعلبة، عن أبيه، عن جده، قال: جاء السيل حتى ذهب بالحجاج ببطن مكة، فسمى لذلك عام الجحاف، ولقد رأيت الإبل عليها الحمولة والرجال والنساء تمر بهم ما لأحد فيهم حيلة، وإني لأنظر إلى الماء قد بلغ الركن وجاوزه.

وفي هذه السنة كان بالبصرة طاعون الجارف، فيما زعم الواقدي ذكر خبر غزو المهلب ما وراء النهرئ وفي هذه السنة قطع المهلب نهر بلخ فنزل على كس، فذكر على بن محمد، عن المفضل بن محمد وغيره أنه كان على مقدمة المهلب حين نزل على كس أبو الأدهم زياد بن عمرو الزماني في ثلاثة آلاف وهم خمسة آلاف إلا أن أبا الأدهم كان يغني غناء ألفين في البأس والتدبير والنصيحة. قال: فأتى المهلب وهو نازل على كس ابن عم ملك الختل، فدعاه إلى غزو الختل، فوجه معه ابنه يزيد، فنزل في عسكره، ونزل ابن عم الملك - وكان الملك يومئذ اسمه السبلي في عسكره على ناحية، فبيت السبل ابن عمه، فكبر عي عسكره، فظن ابن عم السبل أن العرب قد غدروا به، وأنهم خافوه. إلى الغدر حين اعتزل عسكرهم، فأسره السبل، فأتى به قلعته فقتله. قال: فأطاف يزيد بن المهلب بقلعة السبل، فصالحوه على فدية حملوها إليه، ورجع إلى المهلب فأرسلت أم الذي قتله السبل إلى أم السبل: كيف ترجين بقاء السبل بعد قتل ابن عمه، وله سبعة إخوة قد وترهم! وأتت أم واحد فأرسلت إليها: إن الأسد تقل أولادها، والخنازير كثير أولادها. ووجه المهلب ابنه حبيباً إلى ربنجن فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفاً، فدعا رجل من المشركين إلى المبارزة، فبرز له جبلة غلام حبيب، فقتل المشرك، وحمل على جمعهم، فقتل منهم ثلاثة نفر، ثم رجع ورجع العسكر، ورجع العدو إلى بلادهم، ونزلت جماعة من العدو قرية، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف، فقاتلهم فظفر بهم، فأحرقها، ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة. ويقال إن الذي أحرقها جبلة غلام حبيب قال: فمكث المهلب سنتين مقيماً بكس، فقيل له: لو تقدمت إلى السغد وما وراء ذلك! قال: ليت حظي من هذه الغزوة سلامة هذه الجند، حتى يرجعوا إلى مرو سالمين. قال: وخرج رجل من العدو بوماً فسأله البراز، فبرز إليه هريم بن عدي أبو خالد بن هريم وعليه عمامة قد شدها فوق البيضة، فانتهى إلى جدول، فجاوله المشرك ساعة فقتله هريم وأخذ سلبه، فلامه المهلب، وقال: لو أصبت ثم أمددت بألف فارس ما عد لوك عندي، واتهم المهلب وهو بكس قوماً من مضر فحبسهم بها، فلما قفل وصار صلح خلاهم، فكتب إليه الحجاج: إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت في تخليتهم؛ وإن كنت أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم. فقال المهلب: خفتهم فحبستهم، فلما أمنت خليتهم. وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبي شيخ القشيري. ثم صالح المهلب أهل كس على فدية ، فأقام ليقبضها، وأتاه كتاب ابن الأشعث بخلع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خلعه، فبعث بكتاب ابن الأشعث إلى الحجاج تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل وفي هذه السنة وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك؛ وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه إياه إليها، وأين كان عبد الرحمن يوم ولاه الحجاج سجستان وحرب رتبيل؛ فأما يونس بن أبي إسحاق - فيما حدث هشام، عن أبي مخنف عنه - فإنه ذكر أن عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجاج بن يوسف بخبر الجيش الذي كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في بلاد رتبيل وما لقوا بها كتب إليه: أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان، وأولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى الله ثوابهم وأما ما أردت أن يأتيك فيه من توجيه الجنود وإمضائها إلى ذلك الفرج الذي أصيب فيه المسلمون أو كفها، فإن رأيي في ذلك أن تمضي رأيك راشداً موفقاً. وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله. قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة الهمداني، ثم اليناعي عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج جالساً حين دخل عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مشيته، والله لهممت أن أضرب عنقه. قال: فلما خرج عبد الرحمن خرجت فسبقته وانتظرته على باب سعيد بن قيس السبيعي، فلما انتهى إلي قلت: ادخل بنا الباب، إني أريد أن أحدثك حديثاً هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجاج. فقال: نعم، فأخبرته بمقالة الحجاج له؛ فقال: وأنا كما زعم الحجاج إن لم

أحاول أن أزيله عن سلطانه، فأجهد الجهد إذ طال بي وبه بقاء. ثم إن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة، وجد في ذلك وشمر، وأعطى الناس أعطياتهم كملاً وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل، وأخذ في عرض الناس، ولا يرى رجلا تذكر منه شجاعة إلا أحسن معونته، فمر عبيد الله بن أبي محجن الثقفي على عباد بن الحصين الحبطي، وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، وهو يعرض الناس، فقال عباد: ما رأيت فرساً أروع ولا أحسن من هذا، وإن الفرس قوة وسلاح وإن هذه البغلة علنداة، فزاده الحجاج خمسين وخمسمائة درهم، ومر به عطية العنبري، فقال له الحجاج؛ يا عبد الرحمن، أحسن إلى هذا فلما استتب له أمر ذينك الجندين، بعث الحجاج عطارد بن عمر التميمي فعسكر بالأهواز، ثم بعث عبيد الله بن حجر بن ذي الجوشن العامري من بني كلاب. ثم بدا له، فبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعزل عبيد الله بن حجر، فأتى الحجاج عمه إسماعيل بن الأشعث، فقال له: لا تبعثه فإني أخاف خلافه، والله ما جاز جسر الفرات قط فرأى لوال من الولاة عليه طاعة وسلطاناً. فقال الحجاج: ليس هنالك، هولى أهيب وفي أرغب من أن يخالف أمري، أو يخرج من طاعتي؛ فأمضاه على ذلك الجيش، فخرج بهم حتى قدم سجستان ينة ثمانين؛ فجمع أهلها حين قدمها.
قال أبو مخنف: فحدثني أبو الزبير الأرحبي - رجل من همدان كان معه - أنه صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم وأباد خياركم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس. فعسكر الناس كلهم في معسركهم ووضعت له الأسواق، وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب، فبلغ ذلك رتبيل، فكتب إلى عبد الرحمن بن محمد يعتذر إليه من مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارهاً، وأنهم ألجئوه إلى قتالهم، ويسأله الصلح ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج، فلم يجبه، ولم يقبل منه. ولم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود حتى دخل أول بلاده، وأخذ رتبيل يضم إليه جنده، ويدع له الأرض رستاقاً رستاقاً، وحصناً حصناً، وطفق ابن الأشعث كلما حوى بلداً بعث إليه عاملا، وبعث معه أعواناً، ووضع البرد فيما بين كل بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى إذا جاز من أرضه أرضاً عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناس عن الوغول في أرض رتبيل وقال: نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، وتجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزل نتنقصهم في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم، وفي أقصى بلادهم، وممتنع حصونهم، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله.
ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم. وأما غير يونس بن أبي إسحاق وغير من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الأشعث فإنه قال في سبب ولايته سجستان ومسيره إلى بلاد رتبيل غير الذي رويت عن أبي مخنف، وزعم أن السبب في ذلك كان أن الحجاج وجه هميان بن عدى السدوسي إلى كرمان، مسلحة لها ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه، فوجه الحجاج بن الأشعث في محاربته، فهزمه، وأقام بموضعه. ومات عبيد الله بن أبي بكرة، وكان عاملاً على سجستان، فكتب الحجاج عهد ابن الأشعث عليها، وجهز إليها جيشاً أنفق عليهم ألفى ألف سوى أعطياتهم، كان يدعى جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رتبيل. وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، كذلك حدثن أجمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي. وقال بعضهم: الذي حج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك وكان على المدينة في هذه السنة آبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان المهلب بن أبي صفرة من قبل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة ابنه الوليد.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين

ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة كان فتح قاليقلا، حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي ابن محمد، قال: أغزى عبد الملك سنة إحدى وثمانين ابنه عبيد الله بن عبد الملك، ففتح قاليقلا. ذكر الخبر عن مقتل بحير بن ورقاء بخراسان وفي هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي بخراسان. ذكر الخبر عن مقتله: وكان سبب قتله أن بحيراً كان هو الذي تولى قتل بكير بن وشاح بأمر أمية بن عبد الله إياه بذلك، فقال عثمان بن رجاء بن جابر بن شداد أحد بني عوف بن سعد من الأبناء يحض رجلا من الأبناء من آل بكير بالوتر:
لعمري لقد أغضبت عيناً على القذى ... وبت بطينا من رحيق مروق
وخليت ثأراً طل واخترت نومة ... ومن شرب الصهباء بالوتر يسبق
فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... تركت بحيراً في دم متر قرق
فقل لبحير نم ولا تخش ثائراً ... بعوف فعوف أهل شاة حبلق
دع الضأن يوماً قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثاً بين غرب ومشرق
وهبوا فلوا أمسى بكير كعهده ... صحيحاً لغاداهم بجأواء فيلق
وقال أيضاً:
فلو كان بكر بارزاً في أداته ... وذي العرش لم يقدم عليه بحير
ففي الدهر إن أبقاني الدهر مطلب ... وفي الله طلاب بذاك جدير
وبلغ بحيراً أن الأنباء يتوعدونه، فقال:
توعدني الأنباء جهلاً كأنما ... يرون فنائي مقفراً من بني كعب
رفعت له كفي بحد مهند ... حسام كلون الملح ذي رونق عضب
فذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن سبعة عشر رجلا من بني عوف بن كعب بن سعد تعاقدوا على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له الشمردل من البادية حتى قدم خراسان، فنظر إلى بحير واقفاً، فشد عليه فطعنه فصرعه، فظن أنه قد قتله، وقال الناس: خارجي، فراكضهم، فعثر فرسه فندر عنه فقتل. ثم خرج صعصعة بن حرب العوفي، ثم أحد بني جندب، من البادية وقد باع غنيمات له، واشترى حماراً، ومضى إلى سجستان فجاور قرابةً لبحير هنالك ولا طفهم، وقال: أنا رجل من بني حنيفة من أهل اليمامة، فلم يزل يأتيهم ويجالسهم حتى أنسوا به، فقال لهم: إن لي بخراسان ميراثاً قد غلبت عليه، وبلغني أن بحيراً عظيم القدر بخراسان، فاكتبوا لي إليه كتاباً يعينني على طلب حقي، فكتبوا إليه، فخرج فقدم مرو والمهلب غاز. قال: فلقي قوماً من بني عوف، فأخبرهم أمره، فقام إليه مولى لبكير صيقل، فقبل رأسه، فقال له صعصعة: اتخذ لي خنجراً، فعمل له خنجراً وأحماه وغمسه في لبن أتان مراراً، ثم شخص من مرو فقطع النهر حتى أتى عسكر المهلب وهو بأخرون يومئذ، فلقى بحيراً بالكتاب، وقال: إني رجل من بني حنيفة، كنت من أصحاب ابن أبي بكرة، وقد ذهب مالي بسجستان، ولي ميراث بمرو، فقدمت لأبيعه، وأرجع إلى اليمامة قال: فأمر له بنفقة وأنزله معه، وقال له: استعن بي على ما أحببت، قال: أقيم عندك حتى يقفل الناس، فأقام شهراً أو نحواً من شهر يحضر معه باب المهلب ومجلسه حتى عرف به، قال: وكان بحير يخاف الفتك به، ولا يأمن أحداً، فلما قدم صعصعة بكتاب أصحابه قال: هو رجل من بكر بن وائل، فأمنه، فجاء يوماً وبحير جالس في مجلس المهلب، عليه قميص ورداء ونعلان، فقعد خلفه، ثم دنا منه، فأكب عليه كأنه يكلمه، فوجأه بخنجره في خاصرته، فغيبه في جوفه، فقال الناس: خارجي!، فنادى: يا لثارات بكير، أنا ثائر ببكير! فأخذه أبو العجفاء بن أبي الخرقاء، وهو يومئذ على شرط المهلب، فأتى به المهلب فقال له: بؤساً لك! ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس، فقال: لقد طعنته طعنةً لو قسمت بين الناس لماتوا، ولقد وجدت ريح بطنه في يدي، فحبسه فدخل عليه السجن قوم من الأبناء فقبلوا رأسه. قال: ومات بحير من غد عند ارتفاع النهار، فقيل لصعصعة: مات بحير، فقال: اصنعوا بي الآن ما شئتم، وما بدا لكم، أليس قد حلت نذور نساء بني عوف، وأدركت بثأري! لا أبالي ما لقيت، أما والله لقد أمكني ما صنعت خالياً غير مرة، فكرهت أن أقتله سراً؛ فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفساً بالموت

صبراً من هذا؛ وأمر بقتله أبا سويقة ابن عم لبجير، فقال له أنس بن طلق: ويحك! قتل بحير فلا تقتلوا هذا، فأبى وقتله، فشمه أنس وقال آخرون: بعث به المهلب إلى بحير قبل أن يموت، فقال له أنس ابن طلق العبشمي: يا بحير، إنك قتلت بكيراً، فاستحي هذا، فقال بحير: أدنوه مني، لا والله لا أموت وأنت حي، فأدنوه منه، فوضع رأسه بين رجليه وقال: اصبر عفاق، إنه شر باق، فقال ابن طلحة لبحير: لعنك الله! أكلمك فيه وتقتله بين يدي! فطعنه بحير بسيفه حتى قتله ومات بحير، فقال المهلب: إنا لله وإنا إليه راجعون، غزوة أصيب فيها بحير؛ فغضب عوف بن كعب والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما طلب بثأره! فنازعتهم مقاعس والبطون حتى خاف الناس أن يعظم البأس، فقال أهل الحجي: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير بواءً ببكير فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة:
لله در فتى تجاوز همه ... دون العراق مفاوزاً وبحوراً
ما زال يدأب نفسه ويكدها ... حتى تناول في خرون بحيرا
قال: وخرج عبد ربه الكبير أبو وكيع، وهو من رهط صعصعة إلى البادية، فقال لرهط بكير: قتل صعصعة بطلبه بدم صاحبكم، فودوه، فأخذ لصعصعة ديتين. ذكر الخبر عن خلاف ابن الأشعث على الحجاج قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجاج ومن معه من جند العراق، وأقبلوا إليه لحربه في قول أبي مخنف، وروايته لذلك عن أبي المخارق الراسبي، وأما الواقدي فإنه زعم أن ذلك كان في سنة اثنتين وثمانين. ذكر الخبر عن السبب الذي دعا عبد الرحمن بن محمد إلى ما فعل من ذلك وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجاج في هذه السنة: قد ذكرنا فيما مضى قبل ما كان من عبد الرحمن بن محمد في بلاد رتبيل، وكتابه إلى الحجاج بما كان منه هناك، وبما عرض عليه من الرأي فيما يستقبل من أيامه في سنة ثمانين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وثمانين في رواية أبي مخنف، عن أبي المخارق. ذكر هشام عن أبي مخنف قال: قال أبو المخارق الراسبي: كتب الحجاج إلى عبد الرحمن بن محمد جواب كتابه: أما بعد، فإن كتابك أتاني، وفهمت ما ذكرت فيه، وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدواً قليلاً ذليلاً، قد أصابوا من المسلمين جنداً كان بلاؤهم حسناً، وغناؤهم في الإسلام عظيماً. لعمرك يا بن أم عبد الرحمن؛ إنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي وحدي لسخى النفس عمن أصيب من المسلمين. إني لم أعدد رأيك الذي زعمت أنك رأيته رأى مكيدة، ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك، والتياث رأيك، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم. ثم أردفه كتاباً فيه: أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم. ثم أردفه كتاباً آخر فيه: أما بعد، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، وإلا فإن إسحاق ابن محمد أخاك أمير الناس، فخله وما وليته. فقال حين قرأ كتابه: أنا أحمل ثقل إسحاق؛ فعرض له، فقال:

لا تفعل، فقال: ورب هذا - يعني المصحف - لئن ذكرته لأحد لأقتلنك. فظن أنه يريد السيف، فوضع يده على قائم السيف، ثم دعا الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحكم محب، ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر، وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأى استشرت فيه ذوي أحلامكم، وأولى التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأياً، ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج، فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني، ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم. فثار إليه الناس فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع قال أبو مخنف: فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكناني أن أباه كان أول متكلم يومئذ، وكان شاعراً خطيباً، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، فإن الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن، فإني أشهدكم أني أول خالع. فنادى الناس من كل جانب، فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله، وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانياً - وكان على شرطته حين أقبل - فقال: عباد الله، إنكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم، وجمركم تجمير فرعون الجنود، فإنه بلغني أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة فيما أرى أو يموت أكثركم بايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعوني على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه الله من أرض العراق فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشيء قال أبو مخنف: حدثني عمر بن ذر القاص أن أباه كان معه هنالك، وأن ابن محمد كان ضربه وحبسه لا نقطاعه كان إلى أخيه القاسم بن محمد، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف دعاه فحمله وكساه وأعطاه، فأقبل معه فيمن أقبل، وكان قاصاً خطيباً قال أبو مخنف: حدثني سيف بن بشر العجلي، عن المنخل بن حابس العبدي أن ابن محمد لما أقبل من سجستان أمر على بست عياض ابن هميان البكري، من بني سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ثم الدارمي، ثم بعث إلى رتبيل، فصالحه على أن ابن الأشعث إن ظهر فال خراج عليه أبداً ما بقي، وإن هزم فأراده ألجأه عنده.
قال أبو مخنف: حدثني خشينة بن الوليد العبسي أن عبد الرحمن لما خرج من سجستان مقبلا إلى العراق سار بين يديه الأعشى على فرس، وهو يقول:
شطت نوى من داره بالإيوان ... إيوان كسرى ذي القرى والريحان
من عاشق أمسى بزابلستان ... إن ثقيفاً منهم الكذابان
كذابها الماضي وكذاب ثان ... أمكن ربي من ثقيف همدان
يوماً إلى الليل يسلى ما كان ... إنا سمونا للكفور الفتان
حين طغى في الكفر بعد الإيمان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن
سار بجمع كالدبى من قحطان ... ومن معد قد أتى ابن عدنان
بجحفل جم شديد الإرنان ... فقل لحجاج ولي الشيطان
يثبت لجمع مذحج وهمدان ... فإنهم ساقوه كأس الذيقان
وملحقوه بقرى ابن مروان
قال: وبعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يلقى خيلا إلا هزمها، فقال الحجاج: من هذا؟ فقيل له: عطية ، فذلك قول الأعشى:
فإذا جعلت دروب فا ... رس خلفهم درباً فدربا
فابعث عطية في الخيو ... ل يكبهن عليك كباً

ثم إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس، فسأل عن أبي إسحاق السبيعي، وكان قد كتبه في أصحابه، وكان يقول: أنت خالي، فقيل له: ألا تأتيه فقد سأل عنك! فكره أن يأتيه، ثم أقبل حتى مر بكرمان فبعث عليهم خرشة ابن عمرو التميمي، ونزل أبو إسحاق بها، فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم، ولما دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس. قال أبو مخنف فيما حدثني أبو الصلت التيمي: خلع عبد الملك بن مروان تيحان بن أبجر من تيم الله بن ثعلبة، فقام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي، فخلعه الناس إلا قليلاً منهم، ووثبوا إلى ابن محمد فبايعوه، وكانت بيعته: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين، فإذا قالوا: نعم بايع. فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ويسأله أن يعجل بعثه الجنود إليه، وبعث كتابه إلى عبد الملك يتمثل في آخره بهذه الأبيات، وهي للحارث بن وعلة:
سائل مجاور جرم جنيت لهم ... حرباً تفرق بين الجيرة الخلط
وهل سموت بجرار له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط
وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في ساحة الدار يستوقدون بالغبط
وجاء حختى نزل البصرة. وقد كان بلغ المهلب شقاق عبد الرحمن وهو بسجستان، فكتب إليه: أما بعد، فإنك وضعت رجلك يا بن محمد في غرز طويل الغي على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها؛ ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت: أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس، فلا تعرضها لله في سفك دم، ولا استحلال محرم والسلام عليك. وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحدر من عل، و ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم، ويثموا أولادهم، ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إنا شاء الله. فلما قرأ كتابه قال: فعل الله به وفعل، لا والله مالي نظر. ولكن لابن عمه نصح. لما رقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد ين معاوية، ودعاه فأقرأه الكتاب، ورأى ما به من الجزع، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من قبل سجستان، فلا تخفه، وإن كان من قبل خراسان تخوفته. قال: فخرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أهل العراق طال عليهم عمري فاستعجلوا قدري. اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشام حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سخطك. ثم نزل. وأقام الحجاج بالبصرة وتجهز ليلقى ابن محمد. وترك رأي المهلب وفرسان الشام يسقطون إلى الحجاج، في كل يوم مائة وخمسون وعشرة وأقل على البرد من قبل عبد الملك، وهو في كل يوم تسقط إلى عبد الملك كتبه ورسله بخبر ابن محمد أي كورة نزل، ومن أي كورة يرتحل، وأي الناس إليه أسرع. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج أن مكتبه كان بكرمان، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلما مر بهم ابن محمد بن الأشعث، انجلفوا معه، وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فسار بأهل الشام حتى نزل تستر، وقدم بين يديه مطهر بن حر العكي - أو الجذامى - وعبد الله بن رميشه الطائي، ومطهر على الفريقين، فجاءوا حتى انتهوا إلى دجيل، وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خيلا له، عليها عبد الله بن أبان الح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:56 am

ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها
خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد من الحروب بالزاوية، ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني قال: كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذات يوم، فاشتد قتالهم. ثم إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادقهم، وانهزمت عامة قريش وثقيف، حتى قال عبيد بن موهب مولى الحجاج وكاتبه:
فر البراء وابن عمه مصعب ... وفرت قريش غير آل سعيد

ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره في اليوم الذي هزم فيه أهل العراق أهل الشام، فنكصت ميمنتهم وميسرتهم، واضطربت رماحهم، وتقوض صفهم، حتى دنوا منا، فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه، وانتضى نحواً من شبر من سيفه، وقال: لله در مصعب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل! فعلمت أنه والله لايريد أن يفر قال: فغمزت أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربه بسيفي، فغمزني غمزةً شديدة، فسكنت وحانت مني التفاتة، فإذا سفيان بن الأبرد الكلبي قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة، فقلت: أبشر أيها الأمير، فإن الله قد هزم العدو. فقال لي: قم فانظر؛ قال: فقمت فنظرت؛ فقلت: قد هزمهم الله، قال: قم يا زياد فانظر؛ قال: فقام فنظر فقال: الحق أصلحك الله يقيناً قد هزموا، فخر ساجداً، فلما رجعت شتمني أبي وقال: أردت أن تهلكني وأهل بيتي. وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عوسجة أبو سفيان النهمي، وقتل عقبة ابن عبد الغافر الأزدي ثم الجهضي، في أولئك القراء في ربضة واحدة وقتل عبد الله بن رزام الحارثي، وقتل المنذر بن الجارود، وقتل عبد الله ابن عامر بن مسمع، وأتى الحجاج برأسه، فقال: ما كنت أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه؛ وبارز سعيد بن يحيى ين سعيد بن العاص رجلاً يومئذ فقتله، وزعموا أنه كان مولى للفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب، كان شجاعاً يدعى نصيراً، فلما رأى مشيته بين الصفين، وكان يلومه على مشيته قال: لا ألومه على هذه المشية أبداً. وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة، وقد كان وهو بفارس يقبل مع عبد الرحمن من كرمان إلى الحجاج:
ألا طرقتنا بالغريين بعدما ... كللنا على شحط المزار جنوب
أتوك يقودون المنايا وإنما ... هدتها بأولانا إليك ذنوب
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار القرار نصيب
ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله ... عذاب بأيدي المؤمنين مصيب
متى نهبط المصرين يهرب محمد ... وليس بمنجي ابن اللعين هروب
قال: منيتنا أمراً كان في علم الله أنك أولى به، فعجل لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة. وانهزم الناس، فأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة، وتبعه أهل القوة من أصحاب الخيل من أهل البصرة. ولما مضى عبد الرحمن نحو الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال الحجاج أشد قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث وتبعه طائفة من أهل البصرة فلحقوا به، وخرج الحريش بن هلال السعدي وهو من بني أنف الناقة - وكان جريحاً - إلى سفوان فمات من جراحته، وقتل في المعركة زياد بن مقاتل بن مسمع من بني قيس بن ثعلبة، فقامت حميدة ابنته تندبه، وكان على خمس بكر بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرجال، فقالت:
وحامي زياد على رايته ... وفر جدي بني العنبر
فجاء البلتع السعدي فسمعها وهي تندب أباها، وتعيب التميمي، فجاء وكان يبيع سمناً بالمربد، فترك سمنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال:
علام تلومين من لم يلم ... تطاول ليلك من معصر!
فإن كان أردى أباك السنان ... فقد تلحق الخيل بالمدير
وقد تنطح الخيل تحت العجا ... ج غير البرى ولا المعذر
ونحن منعنا لواء الحريش ... وطاح لواء بني جحدر
فقال عامر بن واثلة يرثي ابنه طفيلا:
خلى طفيل على الهم فانشعبا ... وهد ذلك ركني هدة عجبا
وابني سمية لا أنساهما أبداً ... فيمن نسيت وكل كان لي نصبا
وأخطأتني المنايا لا تطالعني ... حتى كبرت ولم يتركن لن نشبا
وكنت بعد طفيل كالذي نضبت ... عنه المياه وفاض الماء فأنقضبا
فلا بعير له في الأرض يركبه ... وإن سعى إثر من قد فاته لغبا
وسار من أرض خاقان التي غلبت ... أبناء فارس في أربائها غلبا
ومن سجستان أسباب تزينها ... لك المنية حيناً كان مجتلبا

حتى وردت حياض الموت فانكشفت ... عنك الكتائب لا تخفى لها عقبا
وغادروك صريعاً رهن معركة ... ترى النسور على القتلى بها عصبا
تعاهدوا ثم لم يوفوا بما عهدوا ... وأسلموا للعدو السبي والسلبا
يا سوءة القوم إذ تسبى نساؤهم ... وهم كثير يرون الخزي والحربا
قال أبو مخنف: فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي أن الحجاج أقم بقية المحرم وأول صفر، ثم استعمل على البصرة أيوب ابن الحكم بن أبي عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، حليف حرب ابن أمية على الكوفة. قال أبو مخنف - كما حدثني يونس بن أبي إسحاق: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشام قالأبو مخنف: فحدثن سهم بن عبد الرحمن الجهني أنهم كانوا ألفين، وكان حنظلة بن الوراد من بني رياح ين يربوع التميمي وابن عتاب ابن ورقاء على المدائنن وكان مطر بن ناجية من بني يربوع على المعونة، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبل حتى دنا من الكوفة، فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر، ووثب أهل الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام فحاصرهم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلوه والقصر، فصالحهم. قال أبو مخنف: فحدثني يونس بن أبي إسحاق أنه رآهم ينزلون من القصر على العجل، وفتح باب القصر باب القصر لمطر بن ناجية، فازدحم الناس على باب القصر، فزحم مطر على باب القصر، فاخترط سيفه، فضرب به جحفلة بغل من بغال أهل الشام وهم يخرجون من القصر، فألقى جحفلته ودخل القصر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مائتي درهم. قال يونس: وأنا رأيتها تقسم بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطيها. وأقبل ابن الأشعث منهزماً إلى الكوفة، وتبعه الناس إليها.
وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعثقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث في قول بعضهم. قال الواقدي: كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة، وفي قول بعضهم: كانت في سنة ثلاث وثمانين ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دير الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجاج بها: ذكر هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني ثم الأرحبي، قال: كنت قد أصابتني جراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه بعدما جاز قنطرة زبارا، فلما دنا منها قال لي: إن رأيت أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناس جراحتك فإني لا أحب أن يستقبلهم الجرحى - فافعل. فعدلت ودخل الناس، فلما دخلى الكوفة مال إليه أهل الكوفة كلهم، وسبقت همدان إليه، فحفت به عند

دار عمرو بن حريث إلا طائفة من تميم ليسوا بالكثير قد أتوا مطر بن ناجية، فأرادوا أن يقاتلوا دونه، فلم يطيقوا قتال الناس. فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعجل، فوضعت ليصعد الناس القصر، فصعد الناس القصر فأخذوه، فأتى به عبد الرحمن بن محمد، فقال له: استبقني فإني أفضل فرسانك وأعظمهم عنك غناء؛ فأمر به فحبس، ثم دعا به بعد ذلك فعفا عنه. وبايعه مطر، ودخل الناس إليه فبايعوه، وسقط إليه أهل البصرة وتقوضت إليه المسالح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن ابن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرف بذلك، وكان قد قاتل الحجاج بالبصرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثاً، فبلغ ذلك عبد الملك ابن مروان، فقال: قاتل الله عدى الرحمن، إنه قد فر! وقاتل غلمان من غلمان قريش بعده ثلاثاً. وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب، ومنعوه من نزول القادسية، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية، ثم سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة، ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، ثم جاء ابن الأشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قرة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رآني نزلت دير قرة، ونزل دير الجماجم! واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم. وجاءت الحجاج أيضاً أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل دير قرة أن يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيه المدد من الشام من قريب، ويقترب من رفاغة سعر الجزيرة، فلما مر بدير قرة قال: ما بهذا المنزل بعد من أمير المؤمنين، وإن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا. فنزل فكان في عسكره مخندقاً وابن محمد في عسكره مخندقاً، والناس يخرجون في كل يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه، فإذا رآه الآخر خندق أيضاً، وأدنى خندقه من صاحبه. واشتد القتال بينهم. فلما بلغ ذلك رءوس قريش وأهل الشام قبل عبد الملك ومواليه قالوا: إن كان إنما يرضى أهل العراق أن ينزع عنهم الحجاج، فإن نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق، فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم، وتحقن به دماءنا ودماهم. فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض الموصل يأمره بالقدوم عليه، فاجتمعنا جميعاً عنده؛ كلاهما في جند بهما، فأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطائهم كما تجري على أهل الشام، وأن ينزل ابن محمد أي بلد من عراق شاء، يكون عليه والياً ما دام حياً، وكان عبد الملك والياً؛ فإن هم قبلوا ذلك عزل عنهم الحجاج، وكان محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبوا أن يقبلوا فالحجاج أمير جماعة أهل الشام وولى القتال، محمد بن مروان وعبد الملك في طاعته. فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، فلما سألهم ما يريدون قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه! إن الحديد بالحديد يفلح. خار الله لك فيما ارتأيت. والسلام عليك. فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية

من الحرب. فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا عبد الله بن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذاو كذا، فذكر هذه الخصال التي ذكرنا. وقال محمد بن مروان: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال. قالوا: نرجع العشية، فرجعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه، فحمد الله ابن الأشعث وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد أعطيتم أمراً انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة، وإنكم اليوم على النصف وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء، والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله لا زلتم عليهم جراء، ولا زلتم عندهم أعزاء، إن أنتم قبلتم أبداً ما بقيتم. فوثب الناس من كل جانب، فقالوا: إن الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والسعر الرفيغ والمادة القريبة، لا والله لا نقبل. فأعادوا خلعه ثانية. وكان عبد الله بن ذواب السلمي وعمير بن تيجان أول من قام بخلعه في الجماجم، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس، فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا: شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع فقال: قد قلت لكما: إنه لا يراد بهذا الأمر غيركما، ثم قال: إنما أقاتل لكما، وإنما سلطاني سلطانكما، فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة. وقد زعم أبو يزيد السكسكي أنه إنما كان أيضاً يسلم عليهما بالإمرة إذا لقيهما، وخلياه والحرب فتولاها قال أبو مخنف: فحدثني الكلبي محمد بن السائب أن الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعت عبد الرحمن بن محمد وهو يقول: ألا إن بني مروان يعيرون بالزرقاء، والله مالهم نسب أصح منه إلا أن بني أبي العاص أعلاج من أهل صفورية، فإن يكن هذا الأمر في قريش فعنى فقئت بيضة قريش، وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس - ومد بها صوته يسمع الناس - وبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن ابن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى خيله سفيان ابن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله عبد الرحمن بن حبيب الحكمي، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى مجففته عبد الله بن رزام الحارثي، وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان معه خمسة عشر رجلا من قريش، وكان فيهم عامر الشعبي، وسعيد ابن جبير، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ثم إنهم أخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون؛ وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ومن سوادها فيما شاءوا من خصبهم، وإخوانهم من أهل البصرة وأهل الشام في ضيق شديد، وق غلت عليهم الأسعار، وقل عندهم، الطعام، وفقدوا اللحم، وكانوا كأنهم في حصار، وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم، فيقتتلون أشد القتال، وكان الحجاج يدني خندقه مرة وهؤلاء أخرى، حتى كان اليوم الذي أصيب فيه جبلة بن زحر. ثم إنه بعث إلى كميل بن زياد النخعي وكان رجلاً ركيناً وقوراً عند الحرب، له بأس وصوت في الناس، وكانت كتيبته تدعى كتيبة القراء، يحمل عليهم فلا يكادون يبرحون، ويحملون فلا يكذبون، فكانوا قد عرفوا بذلك، فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وخرج الناس، فعبى الحجاج أصحابه، ثم زحف في صفوفه، وخرج ابن محمد في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض، وعبى الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب، وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمي، فأقبلوا نحوهم. قال أبو مخنف: حدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أنا والله في الخيل التي عبيت لجبلة بن زحر، قال: حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات؛ كل كتيبة تحمل حملة، فلا والله ما استنقصنا منهم شيئاً.
ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلبوفي هذه السنة توفى المغيرة بن المهلب بخراسان.

ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، قال: كان المغيرة بن المهلب خليفة أبيه بمرو على عمله كله، فمات فر رجب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد، وعلمه أهل العسكر فلم يخبروا المهلب، وأحب يزيد أن يبلغه، فأمر النساء فصرخن، فقال المهلب: ماهذا؟ فقيل: مات المغيرة، فاسترجع، وجزع حتى ظهر جزعه عليه، فلامه بعض خاصته، فدعى يزيد فوجهه إلى مرو، فجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته. وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة، وكان سيداً، وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيماً بكس وراء النهر لحرب أهلها.
قال: فسار يزيد في ستين فارساً - ويقال: سبعين - فيهم مجاعة بن عبد الرحمن العتكي وعبد الله بن معمر بن سمير اليشكري، ودينار السجستاني، والهيثم بن منخل الجرموزي، وغزوان الإسكاف صاحب زم - وكان أسلم على يد المهلب - وأبو محمد الزمى، وعطية - مولى العتيك - فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة نسف، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجار؛ قالوا: فأين الأثقال؟ قالوا: قدمناها؛ قالوا: فأعطونا شيئاً، فأبى يزيد، فأعطاهم مجاعة ثوباً وكرابيس وقوساً، فانصرفوا ثم غدروا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنت أعلم بهم فقاتلوهم، فاشتد القتال بينهم، ويزيد على فرس قريب من الأرض، ومعه رجل من الخوارج كان يزيد أخذه، فقال: استبصقني! فمن عليه، فقال له: ما عندك؟ فحمل عليهم حتى خالطهم وصار من وراءهم وقد قتل رجلاً، ثم كر فخالطهم حتى تقدمه وقتل رجلاً ثم رجع إلى يزيد. وقتل يزيد عظيماً من عظمائهم. ورمى يزيد في ساقه، واشتدت شوكتهم، وهرب أبو محمد الزمى، وصبر لهم يزيد حتى حاجزوهم، وقالوا: قد غدرنا، ولكن لا ننصرف حتى نموت جميعاً أو تموتوا أو تعطونا شيئاً، فحلف يزيد لا يعطيهم شيئاً، فقال مجاعة: أذكرك الله، قد هلك المغيرة، وقد رأيت ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشدك الله أن تصاب اليوم! قال: إن المغيرة لم يعد أجله، ولست أعدوا أجلي. فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها وانصرفوا، وجاء أبو محمد الزمى بفوارس وطعام، فقال له يزيد: أسلمتنا يا أبا محمد؛ فقال: إنما ذهبت لأجيئكم بمدد وطعام، فقال الراجز:
يزيد يا سيف أبا سعيد ... قد علم الأقوام والجنود
والجمع يوم المجمع المشهود ... أنك يوم الترك صلب العود
وقال الأشقري:
والترك تعلم إذ لاقى جموعهم ... أن قد لقوه شهاباً يفرج الظلمى
بفتية كأسود الغاب لم يجدوا ... غير التأسى وغير الصبر معتصما
نرى شرائج تغشى القوم من علق ... وما أرى نبوة منهم ولا كزمى
وتحتهم قرح يركبن ماركبوا ... من الكريهة حتى ينتلعن دما
في حازة الموت حتى جن ليلهم ... كلا الفريقين ما ولى ولا انهزما
وفي هذه السنة صالح المهلب أهل كس على فدية، ورحل عنها يريد مرو.
ذكر الخبر عن سبب إنصراف المهلب عن كسذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن المهلب اتهم قوماً من مضر فحبسهم وقفل من كس وخلفهم، وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة، وقال: إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن. وقطع النهر فلما صار ببلخ أقام بها وكتب إلى حريث: إني لست آمن إن رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك، فإذا قبضت الفدية فلا تخلى الرهن حتى تقدم أرض بلخ. فقال حريث لملك كس: إن المهلب كتب إلي أن أحبس الرهن حتى أقدم أرض بلخ، فإن عجلت لي ما عليك سلمت إليك رهائنك، وسرت فعجل لهم صلحهم، ورد عليهم من كان في أيديهم منهم. وأقبل فعرض لهم الترك، فقالوا: افد نفسك ومن معك، فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه. فقال حريث: ولدتني إذاً أم يزيد! وقاتلهم فقتلهم، وأسر منهم أسرى ففدوهم، فمن عليهم وخلاهم، ورد عليهم الفداء. وبلغ المهلب قوله: ولدتني أم يزيد إذاً، فقال: يا أنف العبد أن تلده رحمه! وغضب. فلما قدم عليه بلخ قال له: أين الرهن؟ قال: قبضت ماعليهم وخليتهم، قال: ألم أكتب إليك ألا تخليهم! قال: أتاني كتابك وقد خليتهم، وقد كفيت ما خفت؛ قال: كذبت، ولكنك تقربت إليهم وإلى ملكهم فأطلعته على كتابي إليك. وأمر بتجريده، فجزع من التجريد حتى ظن

المهلب أن به برصا، فجرده وضربه ثلاثين صوتاً. فقال حريث: وددت أنه ضربني ثلثمائة صوت ولم يجردني، أنفاً واستحياء من التجريد، وحلف ليقتلن المهلب فركب المهلب يوماً وركب حريث، فأمر غلامين له وهو يسير خلف المهلب أن يضرباه، فأبى أحدهما وتركه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لما صار وحده أن يقدم عليه، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه؟ قال: الإشفاق والله عليك، ووالله ما جزعت على نفسي، وعلمت أنا إن قتلناه أنك ستقتل ونقتل، ولكن كان نظري لك، ولو كنت أعلم أنك تسلم من القتل لقتلته. قال: فترك حريث إتيان المهلب وأظهر أنه وجع، وبلغ المهلب، أنه تمارض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جئني بأخيك، فإنما هو كبعض ولدي عندي، وما كان ما كان من إليه إلا نظراً له وأدباً، ولربما ضربت بعض ولدي أؤدبه. فأتى ثابت أخاه فناشده، وسأله أن يركب. إلى المهلب، فأبى وخافه وقال: والله لا أجيئه بعد ما صنع بي ما صنع، ولا آمنه ولا يأمنني فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له: أما إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، وخاف ثابت أن يفتك حريث بالمهلب فيقتلون جميعاً؛ فخرجا في ثلثمائة من شاكريتهما والمنقطعين إليها من العرب.
خبر وفاة المهلب بن أبي صفرةقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة. ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته: قال علي بن محمد: حدثني المفضل، قال: مضى المهلب منصرفه من كس يريد مرو، فلما كان بزاغول من مرو الروذ أصابته الشوصة - وقوم يقولون: الشوكة - فدعا حبيباً ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: أفتروكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم؛ قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتشري المال، وتكثر العدد؛ وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا، وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم؛ إن بني الأم يختلفون، فكيف ببني العلات! وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من قولكم، فإن أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك. إعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصطنعوا العرف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإن كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل: أتى الأمر من وجهه، ثم ظفر فحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن، وأدب الصالحين، وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفت عليكم يزيد، وجعلت حبيباً على الجند حتى يقدم بهم على يزيد، فلا تخالفوا يزيد، فقال له المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه. ومات المهلب وأوصى إلى حبيب، فصلى عليه حبيب، ثم سار إلى مرو.
وكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه، فأقره الحجاج ويقال: إنه قال عند موته ووصيته: لو كان الأمر إلي لوليت سيد ولدي حبيباً. قال: وتوفى في ذي الحجة سنة إثنتين وثمانين، فقال نهار بن توسعة التميمي:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقام بمرو الروذ رهني ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب
إذا قيل أي الناس أولى بنعمة ... على الناس؟ قلناه ولم نتهيب
أبح لنا سهل البلاد وحزنها ... بخيل كأرسال القطا المتسرب
يعرضها للطعن حتى كأنما ... يجللها بالأرجوان المخضب
تطيف به قحطان قد عصبت به ... وأحلافها من حي بكر وتغلب
وحيا معد عوذ بلوائه ... يفدونه بالنفس والأم والأب

وفي هذه السنة ولى الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب خراسان بعد موت المهلب. وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة؛ قال الواقدي: عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخر. قال: وفيها ولى عبد الملك هشام بن إسماعيل المخزومي المدينة. وعزل هشام بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفل بن مساحق العامري، وكان يحيى بن الحكم هو الذي استقضاه على المدينة، فلما عزل يحيى ووليها أبان ابن عثمان أقره على قضائها؛ وكانت ولاية أبان المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاث عشرة ليلة، فلما عزل هشام بن إسماعيل نوفل بن مساحق عن القضاء ولى مكانه عمرو بن خالد الزرقي. وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عم إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان على الكوفة والبصرة والمشرق الحجاج، وعلى خراسان يزيد ابن المهلب من قبل الحجاج.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
خبر هزيمة ابن الأشعث بدير الجماجم فمما كان فيها من ذلك هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم. ذكر الخبر عن سبب انهزامه: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني، قال: كنت في خيل جبلة بن زحل، فلما حمل عليه أهل الشام مرة بعد مرة، نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشر القراء، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم؛ إني سمعت علياً - رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين - يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، ونور في قلبه اليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه، وقال أبو البختري: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم. وقال الشعبي: يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار. وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة. قال أبو مخنف، قال أبو الزبير: فتهيأنا للحملة عليهم، فقال لنا جبلة: إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة، ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. قال: فحملنا عليهم حملة بجد منا في قتالهم، وقوة منا عليهم، فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترت، ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه، ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعاً لا ندري كيف قتل. قال: فهدنا ذلك وجبنا فوقفنا موقفنا الذي كنا به، وإن قراءنا لمتوافرون، ونحن نتناعى جبلة بن زحر بيننا، كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه، بل هو في ذلك الموطن كان أشد علينا فقداً، فقال لنا أبو البختري الطائي: لا يستبينن فيكم قتل جبلة بن زحر، فإنما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها، فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه، وكلكم ذائق ما ذاق، ومدعو فمجيب. قال: فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة، وإذا ألسنتهم منقطعة، وإذا الفشل فيهم قد ظهر، وإذا أهل الشام قد سروا وجذلوا، فنادوا: يا أعداء الله، قد هلكتم، وقد قتل الله طاغوتكم. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي أن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا، وتبعونا، وافترقت منا فرقة فكانت ناحية، فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا، وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة، فقال بعضنا، هذا والله جبلة بن زجر، إحملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه. قال: فحملنا عليه، فأشهد ما ولى، ولكن حنل علينا بالسيف. فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلاً، ورجع أصحابه، قلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنهم، فلما رأوه قتيلاً رأينا من إسترجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا؛ قال: فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخوجهم إلينا

قال أبو مخنف: حدثني سهم بن عبد الرحمن الجهني، قال: لما أصيب جبلة هد الناس مقتله، حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، فشجع الناس مقدمه، وقالوا: هذا يقوم مقام جبلة، فسمع هذا القول من بعضهم أبو البختري، فقال: قبحتم! إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم، فإن قتل الآن ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، وقلتم: لم يبق أحد يقاتل معه! ما أخلقكم أن يخلف رجاؤنا فيكم! وكان مقدم بسطام من الري، فالتقى هو وقتيبة في الطريق، فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشام، ودعاه بسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه، وقال بسطام: لأن أموت مع أهل العراق أحد إلي من أن أعيش مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسبذان؛ فلما قدم قال لابن محمد: أمرني على خيل ربيعة؛ ففعل، فقال لهم: يا معشر ربيعة، إن في شرسفة عند الحرب فاحتملوها لي - وكان شجاعاً - فخرج الناس ذات يوم ليقتتلوا، فحمل في خيل ربيعة حتى دخل عسكرهم، فأصابوا فيهم نحواً من ثلاثين امرأة من بين أمة وسرية، فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردهن، فجئن ودخلن عسكر الحجاج، فقال: أولى لهم! منع القوم نساءهم، أما لو لم يردوهن لسبيت نساؤهم غداً إذا ظهرت. ثم اقتتلوا يوماً آخر بعد ذلك، فحمل عبد الله بن مليل الهمداني في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثماني عشر امرأة، وكان معه طارق بن عبد الله الأسدي - وكان رامياً - فخرج شيخ من أهل الشام من فسطاطة، فأخذ الأسدي يقول لبعض أصحابه: استر مني هذا الشيخ لعلني أرميه أو أحمل عليه فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعاً صوته: اللهم لمنا وإياهم بعافية؛ فقال الأسدي: ما أحب أن أقتل مثل هذا، فتركه، وأقبل ابن مليل بالنساء غير بعيد؛ ثم خلى سبيلهن أيضاً، فقال الحجاج مثل مقالته الأولى. قال هشام: قال أبي: أقبل الوليد بن نحيت الكلبي من بني عامر في كتيبة إلى جبلة بن زحر، فانحط عليه الوليد بن رابية - وكان جسيماً، وكان جبلة رجلا ربعة - فالتقيا، فضربه على رأسه فسقط، وانهزم أصحابه وجيء برأسه.
قال هشام: فحدثني بهذا الحديث أبو مخنف وعوانة الكلبي،قال: لما جيء برأس جبلة بن زحر إلى الحجاج حمله على رمحين ثم قال: يا أهل الشام، أبشروا؛ هذا أول الفتح، لا والله ما كانت فتنة قط فخبت حتى يقتل فيها عظيم من عظماء أهل اليمن، وهذا من عظمائهم. ثم خرجوا ذات يوم فخرج رجل من أهل الشام يدعوا إلى المبارزة، فخرج إليه الحجاج ابن جارية، فحمل عليه، فطعنه فأذاره وحمل أصحابه فاستنقذوه، فإذا هو رجل من خثعمة يقال له أبو الدرداء فقال الحجاج بن جارية: أما إني لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفته ما بارزته ما أحب أن يصاب من قومي مثله. وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عم له من أهل الشام، فاضطربا بسيفيهما، فقال كل واحد منهما: أنا الغلام الكلابي، فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ فلما تساءلا تحاجزا. وخرج عبد الله بن رزام الحارثي إلى كتيبة الحجاج، وقال: اخرجوا لي رجلا رجلا، فأخرج إليه رجل، فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام، يقتل كل يوم رجلاً، حتى إذا كان اليوم الرابع أقبل، فقالوا: قد جاء لا جاء الله به! فدعا إلى المبارزة، فقال الحجاج للجراح: اخرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبد الله بن رزام - وكان له صديقاً: ويحك يا جراح! ما أخرجك إلي! قال: قد ابتليت بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأما أنا فإني أحتمل مقالة الناس في إنهزامي عنك حباً لسلامتك، فإني لا أحب أن أقتل من قومي مثلك؛ قال: فافعل، فحمل عليه فأخذ يستطرد له - وكان الحارثي قد قطعت لهاته، وكان يعطش كثيراً، وكان معه غلامه له معه إدواة من ماء، فكلما عطش سقاه الغلام - فاطرد له الحارثي، وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلا قتله، فصاح به غلامه: إن الرجل جاد في قتلك! فعطف عليه فضربه

بالعمود على رأسه فصرعه، فقال لغلامه: إنضح على وجهه من ماء الإدواة، واسقه؛ ففعل ذلك به، فقال: يا جراح، بئسما ما جزيتني، أردت بك العافية وأردت أن تزريني المنية! فقال: لم أرد ذلك، فقال: انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن صالح بن كيسان، قال: قال سعيد الحرشي: أنا في صف القتال يومئذ إذ خرج رجل من أهل العراق، يقال له: قدامة بن الحريش التميمين فوقف بين الصفين، فقال: يا معشر جرامقة أهل الشام، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إلي رجل، فخرج إليه رجل من أهل الشام فقتله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر منادياً فنادى: لا يخرج إلى هذا الكلب أحد، قال: فكف الناس. قال سعيد الحبشي: فدنوت من الحجاج فقلت: أصلح الله الأمير! إنك رأيت ألا يخرج إلى هذا الكلب أحد، وإنما هلك من هلك من هؤلاء النفر بآجالهم، ولهذا الرجل آجل، وأرجو أن يكون قد حضر، فأذن لأصحابي الذين قدموا معي فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجاج: إن هذا الكلب لم يزل هذا له عادة وقد أرعب الناس، وقد أذنت لأصحابك، فمن أحب أن يقوم فليقم. فرجع سعيد الحرشي إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز برز إليه رجل من أصحاب الحرشي، فقتله قدامة، فشق ذلك على سعيد، وثقل عليه لكلامه الحجاج، ثم نادى قدامة: من يبارز؟ فدنا سعيد من الحجاج، فقال: أصلح الله الأمير! إئذن لي في ا لخروج إلى هذا الكلب. فقال: وعندك ذلك؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحب؛ فقال الحجاج: أرني سيفك، فأعطاه إياه، فقال الحجاج: معي سيف أثقل من هذا، فأمر له بالسيف، فأعطاه إياه، فقال الحجاج - ونظر إلى سعيد فقال: ما أجود درعك وأقوى فرسك! ولا أدري كيف تكون مع هذا الكلب! قال سعيد: أرجو أن يظفرني الله به؛ قال الحجاج: اخرج على بركة الله. قال سعيد: فخرجت إليه، فلما دنوت منه، قال: قف يا عدو الله، فوقفت، فسرني ذلك منه، فقال: إختر إما أن تمكني فأضربك ثلاثاً، وإما أن أمكنك فتضربني ثلاثاً، ثم تمكنني. قلت: أمكني، فوضع صدره على قربوسه ثم قال: إضرب، فجمعت يدي على سيفي، ثم ضربت على المغفر متمكناً، فلم يصنع شيئاً، فساءني ذلك من سيفي ومن ضربتي، ثم أجمع رأيي أن أضربه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يده عن ضربته، فضربته فلم أصنع شيئاً؛ فساءني ذلك ومن غاب عني ممن هو في ناحية العسكر حين بلغه ما فعلت، والثالثة كذلك. ثم اخترط سيفاً ثم قال: أمكني، فأمكنته، فضربني ضربةً صرعني منها، ثم نزل عن فرسه وجلس على صدري، وانتزع من خفيه خنجراً أو سكيناً فوضعها على حلقي يريد

ذبحي، فقلت له: أنشدك الله! فإنك لست مصيباً من قتلي الشرف والذكر مثل ما أنت مصيب من تركي، قال: ومن أنت؟ قلت: سعيد الحرشي، قال: أولى يا عدو الله! فانطلق فأعلم صاحبك ما لقيت. قال سعيد: فانطلقت أسعى حتى أنتهيت إلى الحجاج، فقال: كيف رأيت! فقلت: الأمير كان أعلم بالأمر. رجع الحديث إلى الحديث أبي مخنف، عن أبي يزيد، قال: وكان أبو البختري الطائي وسعيد بن جبير يقولان: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً " إلى آخر الآية، ثم يحملان حتى يواقعا الصف. قال أبو المخارق: قاتلناهم مائة يوم سواء أعدها عداً. قال: نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد غداة الثلاثاء ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وهزمنا يوم الأربعاء بأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة عند إمتداد الضحى ومتوع النهار، وما كنا قط أجرأ عليهم ولا هم أهون علينا منهم في ذلك اليوم. قال: خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الأربعاء، لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة، فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط، ونحن أمنون من الهزيمة، عالون بالقوم، إذ خرج سفيان بن الأبرد الكلبي في الخيل من قبل ميمنة أصحابه، حتى دنا من الأبرد بن قرة التميمي، وهو على ميسرة عبد الرحمن بن محمد، فوالله ما قاتله كبير كبير قتال حتى انهزم، فأنكرها الناس منه، وكان شجاعاً ولم يكن الفرار له بعادة، فظن الناس أنه قد كان أومن، وصولح على أن ينهزم بالناس، فلما فعلها تقوضت الصفوف من نحوه، وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه، وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر، فأخذ ينادي الناس: عباد الله، إلي أنا ابن محمد؛ فأتاه عبد الله بن رزام الحارثي، فوقف تحت منبره، وجاء عبد الله بن ذؤاب السلمي في خيل له، فوقف منه قريباً، وثبت حتى دنا منه أهل الشام، فأخذت نبلهم تحوزه، فقال: يا بن رزام، احمل على هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا. ثم جاءت خيل لهم أخرى ورجال، فقال: احمل عليهم يا بن ذؤاب، فحمل عليهم حتى أمعنوا، وثتب لا يبرح منبره، ودخل أهل الشام العسكر، فكبروا، فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدي - وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن - فقال: إنزل، فإني أخاف عليك إن لم تنزل أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعاً يهلكهم الله به بعد اليوم. فنزل وخلى أهل العراق العسكر، وانهزموا لا يلوون على شيء، ومضا عبد الرحمن بن محمد مع ابن جعدة بن هبيرة ومعه أناس من أهل بيته؛ حتى إذا حاذوا قرية بني جعدة بالفلوجة دعوا بمعبر، فعبروا فيه، فانتهى إليهم بسطام بن مصقلة، فقال: هل في السفينة عبد الرحمن بن محمد؟ فلم يكلموه، وظن أنه فيهم، فقال: " لا وألت نفس عليها تحاذر "
ضرم قيس على البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما
ثم جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح وهو على فرسه لم ينزل عنه، فخرجت إليه ابنته فالتزمها، وخرج إليه أهله يبكون، فأوصاهم بوصية وقال: لا تبكوا، أرأيتم إن لم أترككم، كم عسيت أن أبقى معكم حتى أموت! وإن أنا مت فإن الذي رزقكم الآن حي لا يموت، وسيرزقكم بعد وفاتي كما رزقكم في حياتي؛ ثم ودع أهله وخرج من الكوفة. قال أبو مخنف: فحدثني الكلبي محمد بن السائد، أنهم لما هزموا ارتفاع النهار حين امتد ومتع، قال: جئت أشتد ومعي الرمح والسيف والترس حتى بلغت أهلي من يومي، ما ألقيت شيئاً من سلاحي، فقال الحجاج:

اتركوهم فليتبدلوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادي من رجع فهو آمن. ورجع محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخليا الحجاج والعراق، وجاء الحجاج حتى دخل الكوفة، وأجلس مصقلة ابن كرب بن رقبة العبدي إلى جنبه، وكان خطيباً فقال: إشتم كل امرئ بما فيه ممن كنا أحسنا إليه، فاشتمه بقلة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمت منه عيباً فعبه بما فيه، وصغر إليه نفسه. وكان لا يبايعه أحد إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرت؟ فإذا قال: نعم، بايعه وإلا قتله، فجاء إليه رجل من خثعم ق كان معتزلاً للناس جميعاً من وراء الفرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلت معتزلاً وراء هذه النطفة، منتظراً أمر الناس حتى ظهرت، فأتيتك لأبايعك مع الناس؛ قال: أمتربص! أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر؛ قال: إذاً أقتلك؛ قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلا ظمء حمار، وإني لأنتظر الموت صباح مساء، قال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه، فزعموا أنه لم يبقى حوله قرشي ولا شامي ولا أحد من الحزبين إلا رحمه ورثى له من القتل.
ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين؟ قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً، فقال: والله ماأدري على أينا أشد غضباً؟ عليه حين أقاد من نفسه، أم على حين عفوت عنه؟ ثم قال: أيها الرجل من ثقيف، لا تصرف عن أنيابك، ولا تهدم على تهدم الكثيب، ولا تكثر كثران الذئب، والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار، فإنه يشرب غدوة ويموت عشية، ويشرب عشية ويموت غدوة، اقض ما أنت قاض، فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب، قال الحجاج إن الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى كنت فيمن قتل عثمان، وخلعت أمير المؤمنين، اقتلوه. فقدم فقتل، قتله أبو الجهم بم كنانة الكلبي من بني عامر بن عوف، ابن عم منثور بن جمهور. وأتى بآخر من بعده، فقال الحجاج: إني أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال: أخادعي عن نفسي! أنا أكفر أهل الأرض، واكفر من فرعون ذي الأوتاد، فضحك الحجاج وخلى سبيله. وأقام بالكوفة شهراً، وعزل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة
هزيمة ابن الأشعث وأصحابه في وقعة مسكنوفي هذه السنة كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث بعدما انهزم من دير الجماجم.
ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها: قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن أبي يزيد السكسكي، قال: خرج محمد بن سعيد بن أبي وقاص بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناس كثير، وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن شمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي حتى أتى البصرة وبها أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ابن عم الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها، فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن ونزل، فأقبل عبيد الله حينئذ إلى ابن محمد بن الأشعث، وقال له: إني لم أرد فراقك، وإنما أخذتها لك. وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خمساً حتى هيأ الرجال في المعابر، فلما بلغ محمد بن سعد عبورهم إليهم خرجوا حتى لحقوا بابن الأشعث جميعاً. وأقبل نحو الحجاج، فخرج الناس معه إلى مسكن على دجيل، وأتاه أهل الكوفة والفلول من الأطراف، وتلاوم الناس على الفرار، وبايع أكثرهم بسطام بن مصقلة على الموت، وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وبشق الماء من جانب، فجعل القتال من وجه واحد، وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القسري من خراسان في ناس من بعث الكوفة ، فاقتتلوا خمس عشرة ليلة من شعبان أشد القتال حتى قتل زياد بن غنيم القيني، وكان على مسالح الحجاج، فهده ذلك واصحابه هداً شديداً.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جهضم الأزدي، قال: بات الحجاج ليله كله يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، وأنتم تسعون في رضوان الله، وهم يسعون في سخط الله، وعادة الله عندكم فيهم حسنة؛ ما صدقتموهم في موطن قط ولا صبرتم إلا أعقبكم الله النصر عليهم والظفر بهم؛ قأصبحوا إليهم عادين جادين، فإني لست أشك في النصر إن شاء الله.

قال: فأصبحنا، وقد عبأنا في السحر، فباكرناهم فقاتلناهم أشد قتال قاتلناهموه قط، وقد جاءنا عبد الملك بن المهلب مجففاً، وقد كشفت خيل سفيان بن الأبرد، فقال له الحجاج: ضم إليك يا عبد الملك هذا النشر لعلي أحمل عليهم، ففعل، محمل الناس من كل جانب، فانهزم أهل العراق أيضاً، وقتل أبو البختري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقالا قبل أن يقتلا: إن الفرار كل ساعة بنا لقبيح. فأصيبا. قال: ومشى بسطام بن مصقلة الشيباني في أربعة آلاف من أهل الحفاظ من أهل المصرين، فكسروا جفون السيوف، وقال لهم ابن مصقلة: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه فررنا، ولكنا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل، فأين المحيد عما لابد منه! يا قوم إنكم محقون، فقاتلوا على الحق، والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيراً من حياة في ذل. فقاتل هو وأصحابه قتالاً شديداً كشفوا فيه أهل الشام مراراً، حتى قال الحجاج: علي بالرماة لايقاتلهم غيرهم، فلنا جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلا قليلاً، وأخذ بكير بن ربيعة بن ثروان الضبي أسيراً، فأتى به الحجاج فقتله. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الجهضم، قال: جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صنع الله لكم أن هذا غلام من الغلمان جاء بفارس أهل العراق أسيراً، اضرب عنقه، فقتله. قال: ومضى ابن الأشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان فأتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج وعمارة أمير على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرحمن فأدركه بالسوس، فقاتله ساعة من نهار، ثم إنه انهزم هو وأصحابه فمضوا حتى أتوا سابور، واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمد الأكراد مع من كان من الفلول، فقاتلهم عمارة بن تميم قتالاً شديداً على العقبة حتى جرح عمارة وكثير من أصحابه، ثم انهزم عمارة وأصحابه وخلوا لهم عن العقبة، ومضى عبد الرحمن مر بكرمان. قال الواقدي: كانت وقعة الزاوية بالبصرة في المحرم سنة ثلاث وثمانين. قال أبو مخنف: حدثني سيف الله بن بشر العجلي، من المنخل بن حابس العبدي، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمد كرمان تلقاه عمرو بن لقيط العبدي - وكان عامله فيها - فهيأ له نزلاً فنزل، فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل: والله لقد بلغنا عنك يا بن الأشعث أن قد كنت جباناً، فقال عبد الرحمن: والله ما جبنت، والله لقد دلفت الرجال بالرجال، ولففت الخيل بالخيل، ولقد قاتلت فارساً، وقاتلت راجلاً، وما انهزمت، ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلاً ولا أرى معي مقاتلاً، ولكني زاولت ملكاً مؤجلاً. ثم إنه مضى بمن معه حتى فوز في مفازة كرمان. قال أبو مخنف: فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، قال: لما مضى ابن محمد في مفازة كرمان وأتبعه أهل الشام دخل بعض أهل الشام قصراً في المفازة، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر أبي جدة اليشكري، وهي قصيدة طويلة:
أيا لهفاً ويا حزناً جميعاً ... ويا حر الفؤاد لما لقينا!
تركنا الدين والدنيا جميعاً ... وأسلمنا الحلال والبنينا
فما كنا أناساً أهل دين ... فنصبر في البلاء إذا ابتلينا
وما كنا أناساً أهل ديناً ... فنمنعها ولو لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك ... وأنباط القرى والأشعرينا
ثم إن ابن محمد مضى حتى خرج من زرنج مدينة سجستان، وفيها رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعمله عليها، يقال له عبد الله بن عامر البعار من بني مجاشع بن دارم، فلما قدم عليه عبد الرحمن بن محمد منهزماً أغلق باب المدينة دونه، ومنه دخولها، فأقام عليها عبد الرحمن أياماً رجاء افتتاحها ودخولها. فلما رأى أنه لا يصل إليها خرج حتى أتى بست، وقد كان استعمل عليها رجلاً من بكر بن وائل يقال له عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسي، فاستقبله، وقال له: انزل، فجاء حتى نزل به، وانتظر حتى غفل أصحاب عبد الرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه فأوثقه، وأراد أن يأمن به عند الحجاج. ويتخذ بها عنده مكاناً.وقد كان رتيبل سمع يم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 7:58 am

موسى بن عبيد الله بن معمر، وعياش بن الأسود بن عوف الزهري والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز حصين، وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر، ورجل من آل أبي عقيل، وسوار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف، وعبد الله بن فضالة الزهراني. ولحق الهاشمي بالسند، وأتى ابن سمرة مرو، ثم انصرف يزيد إلى مرو وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نخف بن أبي صفرة، وخلى عن ابن طلحة وعبد الله بن فضالة، وسعى قوم بعبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، فأخذه يزيد فحبسه. وأما هشام فإنه ذكر أنه حدثه القاسم بن محمد الحضرمي، عن حفص ابن عمرو بن قبيصة، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة، أن يزيد بن المهلب حبس عنده عبد الرحمن بن طلحة وآمنه، وكان الطلحي قد آلى على يمين ألا يرى يزيد بن المهلب في موقف إلا أتاه حتى يقبل يده شكراً لما أبلاه. قال: وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيد: أسألك بدعوة أبي لأبيك! فخلى سبيله. ولقول محمد بن سعد ليزيد: " أسألك بدعوة أبي لأبيك " حديث فيه بعض الطول. قال هشام: حدثني أبو مخنف، قال: حدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى إلى الحجاج بن يوسف؛ بعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، فقال: أنت صاحب شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنه شملت البر والفاجر، فدخلنا فيها، فقد أمكنك الله منا، فإن عفوت فبحلمك وفضلك وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين، فقال الحجاج: أما قولك: " إنها شملت البر والفاجر " فكذبت، ولكنها شملت الفجار، وعوفي منها الأبرار، وأما اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك، فعزل، ورجا الناس له العافية حتى قدم بالهلقام بن نعيم، فقال له الحجاج: أخبرني عنك، مارجوت من إتباع عبد الرحمن بن محمد؟ أرجوت أن يكون خليفة؟ قال: نعم، رجوت ذلك، وطمعت أن ينزلني منزلتك من عبد الملك، قال: فغضب الحجاج وقال: اضربوا عنقه، فقتل: قال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن معمر وقد نحى عنه فقال: اضربوا عنقه، وقتل بقيتهم. وقد كان آمن عمرو بن أبي قرة الكندي ثم الحجري وهو شريف وله بيت قديم، فقال: يا عمرو، كنت تفضي إلي وتحدثني أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله، ثم تبعت عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله م بك عن اتباعهم رغبة، ولا نعمة عين لك ولا كرامة. قال: وقد كان الحجاج حين هزم الناس بالجماجم نادي مناديه: من لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو أمانه، فلحق ناس كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشعبي، فذكر الحجاج الشعبي يوماً فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقال له يزيد بن أبي مسلم: بلغني أيها الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالري، قال: فابعث إليه فلنؤت به، فكتب الحجاج إلى قتيبة: أما بعد، فابعث إلى بالشعبي حين تنظر في كتابي هذا؛ والسلام عليك؛ فسرح إليه. قال أبو مخنف: فحدثني السري بن إسماعيل عن الشعبي، قال: كنت لابن أبي مسلم صديقاً، فلما قدم بي على الحجاج لقيت ابن أبي مسلم فقلت: أشر علي؛ قال: ما أدري ما أشير به عليك غير أن أعتذرما استطعت من عذر! وأشار بمثل ذلك نصحائي وإخواني، فلما دخلت عليه رأيت والله غير ما رأوا لي، فسلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقاً، قد والله سودناه عليك، وحرضنا وجهدنا عليك كل الجهد، فما آلونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا الأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد الحجة لك علينا، فقال له الحجاج: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت ولا شهدت؛ قد أمنت عندنا يا شعبي، فانصرف قال: فانصرفت، فلما مشيت قليلاً قال: هلم يا شعبي؛ قال: فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت قوله: قد أمنيت ياشعبي، فاطمأنت نفسي، قال:

كيف وجدت الناس يا شعبي بعدنا؟ قال - وكان لي مكرماً: فقلت: أصلح الله الأمير! اكتحلت والله بعدك السهر، واستوعرت الجناب، واستحلست الخوف، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً قال: انصرف يا شعبي، فانصرفت. قال أبو مخنف: قال خالد بن قطن الحارثي: أتى الحجاج بالأعشى، أعشى همدان، فقال: إيه يا عدو الله! أنشدني قولك: " بين الأشج وبين قيس " ، أنفذ بيتك، قال: بل أنشدك ما قلت لك؛ قال: بل أنشدني هذه؛ فأنشده:
أبى الله إلا أن يتمم نوره ... ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا
ويظهر أهل الحق في كل موطن ... ويعد وقع السيف من كان أصيدا
وينزل ذلا بالعراق وأهله ... لما نقضوا العهد الوثيق الموكدا
وما أحدثوا من بدعة وعظيمة ... من القول لم تصعد إلى الله مصعدا
وما نكثوا من بيعة بعد بيعة ... إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا
وجبناً حشاه ربهم في قلوبهم ... فما يقربون الناس إلا تهددا
فلا صدق في قول ولا صبر عندهم ... ولكن فخراً فيهم وتزيدا
فكيف رأيت الله فرق جمعهم ... ومزقهم عرض البلاد وشردا!
فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة ... وحيهم أمسى ذليلا مطردا
ولما زحفنا لابن يوسف غدوة ... قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا
فكا فحنا الحجاج دون صفوفنا ... كفاحاً ولم يضرب لذلك موعدا
بصف كأن البرق في حجراته ... إذا ما تجلى بيضه وتوقدا
دلفنا إليه في صفوف كأنها ... جبال شروري لو تعان فتنهدا
فما لبث الحجاج أن سل سيفه ... علينا فولى جمعنا وتبددا
وما زاحف الحجاج إلا رأيته ... معاناً ملقى للفتوح معودا
وإن ابن عباس لفى مرجحنة ... نشبهها قطعاً من الليل أسودا
فما شرعوا رمحاً ولا جردوا له ... ألا ربما لا في الجبان فجردا
وكرت علينا خيل سفيان كرةً ... بفرسانها والسمهرى مقصدا
وسفيان يهديها كأن لواءه ... من الطعن سندبات بالصبغ مجسدا
كهول ومرد من قضاعة حوله ... مساعير أبطال إذا النكس عردا
إذ قال شدوا شدة حملوا معاً ... فأنهل خرصان الرماح وأوردا
جنود أمير المؤمنين وخيله ... وسلطانه أمسى عزيزاً مؤيدا
فيهنى أمير المؤمنين ظهوره ... على أمة كانوا بغاة وحسدا
نزوا يشتكون البغا من أمرائهم ... وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا
وجدنا بني مروان خير أئمة ... وأفضل هذي الناس حلماً وسوددا
وخير قريش في قريش أرومةً ... وأكرمهم إلا النبي محمدا
إذا ما تدبرنا عواقب أمره ... وجدنا أمير المؤمنين مسددا
سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضاً ومن وإلى النفاق وألحدا
فقد تركوا الأهلين والمال خلفهم ... وبيضاً عليهن الجلابيب خردا
يناديهم متعبرات إليهم ... ويذرين دمعاً في الخدود وإثمدا
فإلا تناولهن منك برحمة ... يكن سبايا والبعولة أعبدا
أنكثاً وعصياناً وغدراً وذلةً ... أهان الإله من أهان وأبعدا
لقد شام المصرين فرخ محمد ... بحق وما لاقى من الطير أسعدا
كما شام الله النجير وأهله ... بجد له قد كان أشقى وأنكدا
فقال أهل الشام: أحسنوا، أصلح الله الأمير! فقال الحجاج: لا، لم يحسن، إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثم قال: يا عدو الله إنا لسنا نحمدك على هذا القول إنما قلت: تأسف ألا يكون ظهر وظفر، وتحريضاً لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألناك، أنفذ لنا قولك: بين الأشج وبين قيس باذخ

فأنفذها، فلما قال: بخ بخ لوالده وللمولود قال: الحجاج: لا والله لا تبخبخ بعدها لأحد أبداً، فقدمه فضرب عنقه. وقد ذكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسرهم يزيد بن المهلب ووجههم إلى الحجاج ومن فلول ابن الأشعث الذين انهزموا يوم مسك أمر غير ما ذكره أبو مخنف عن أصحابه. والذي ذكر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابن الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفل إلى الري، وقد غلب عليهم عمر بن أبي الصلت بن كنارة مولى بني نصر بن معاوية، وكان من أفرس الناس، فانضموا إليه، فأقبل قتيبة بن مسلم إلى الري من قبل الحجاج وقد ولاه عليها.
فقال النفر الذين ذكرت أن يزيد بن المهلب وجههم إلى الحجاج مقيدين وسائر فل ابن الأشعث الذين صاروا إلى الري لعمر بن أبي الصلت: نوليك أمرنا وتحارب بنا قتيبتة؛ فشاور عمر أباه أبا الصلت، فقال له أبوه: والله يا بني ما كنت أبالي إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تقتل من غد. فعقد لواءه، وسار فهزم وهزم أصحابه، وانكشفوا إلى سجستان، واجتمعت بها الفلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رتبيل، ثم كان من أمرهم وأمر يزيد ين المهلب ما قد ذكرت. وذكر أبو عبيدة أن يزيد لما أراد أن يوجه الأسرى إلى الحجاج قال له أخوه حبيب: بأي وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيد: هو الحجاج ، ولا يتعرض له! وقال: وطن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإن له عندنا بلاء، قال: وما بلاءه؟ قال لزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف، فأداها طلحة عنه. فأطلقه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق:
وجد ابن طلحة يوم لاقى قومه ... فحطان يوم هراة خير المعشر
وقال: إن الحجاج لما أتى بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال الجاجبة: إذا دعوتك بسيدهم فآتني بفيروز، فأبرز سريره - وهوحينئذ بواسط الصب قبل أن تبنى مدينة واسط - ثم قال لحاجبه: جئني بسيدهم؛ فقال لفيروز: قم؛ فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء، فوالله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم! قال: فتنة عمت الناس، فكنا فيها، قال: أكتب لي أموالك، قال: ثم ماذا، قال: أكتبها أول؛ قال: ثم أنا آمن على دمي، قال: اكتبها، ثم أنظر؛ قال: اكتب يا غلام ألف ألف ألفي ألف، فذكر مالاً كثيراً، فقال: الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي، قال: فأدها؛ قال: وأنا آمن على دمي، قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك؛ قال: والله لاتجمع مالي ودمي، فقال الحجاج للحاجب: نحه، فنحاه. ثم قال: أتني بمحمد بن سعد بن أبي وقاص، فدعاه، فقال له الحجاج: إيهن يا ظل الشيطان أعظم الناس تيهاً وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية، وتشبه بحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذناً لابن كنارة عبد بني نصر - يعني عمر بن أبي الصلت - مجعل يضرب بعود في يده رأسه حتى أدماه؛ فقال له محمد: أيها الرجل، ملكت فأسجح! فكف يده، فقال: إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنت شريكاً في ذلك محموداً، وإن جاءك غير ذلك كنت قد أعذرت فأطرق ملياً ثم قال: اضرب عنقه، فضربت عنقه. ثم دعا بعمر بن موسى فقال: يا عبد المرأة، أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك، وتشرب معه الشراب في حمام فارس، وتقول المقالة التي قلت! أين الفرزدق؟ قم فأنشده ما قلت فيه، فأنشده:
وخضبت أيرك للزناء ولم تكن ... يوم الهياج لتخضب الأبطالا
فقال: أما والله لقد رفعته عن عقائل نسائك، ثم أمر بضرب عنقه. ثم دعا ابن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، فإذا غلام حدث، فقال: أصلح الله الأمير! ما لي ذنب إنما كنت غلاماً صغيراً مع أبي وأمي لا أمر لي ولا نهي، وكنت معهما حيث كانا، فقال: وكانت أمك مع أبيك في هذه الفتن كلها؟ قال: نعم، قال: على أبيك لعنة الله. ثم دعا بالهلقام بن نعيم فقال: جعل ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذي أملت أنت معه؟ قال: أمنت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك. قال: قم يا حوشب فاضرب عنقه، فقام إليه، فقال له الهلقام: يا بني لقيطة، أتنكأ القرح! فضرب عنقه. ثم أوتي بعبد الله بن عامر، فلما قام بين يديه قال: لا رأت عيناك يا حجاج الجنة إن أقلت ابن المهلب بما صنع. قال: وما صنع؟ قال:
لآنه كاس في إطلاق أسرته ... وقاد نحوك في أغلالها مضرا
وقى بقومك ورد الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطرا

فأطرق الحجاج ملياً ووقرت في قلبه، وقال: وما أنت وذاك! اضرب عنقه. فضربت عنقه. ولم تزل في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه. ثم أمر بفيروز فعذب، فكان فيما عذب به أن كان يشد عليه القصب الفارسي المشقوق، قم يجر عليه حتى يخرق جسده، ثم ينضح عليه الخل والملح، فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس لايشكون أني قد قتلت، ولي ودائع وأموال عند الناس، لا تؤدى إليكم أبداً، فأطهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال. فأعلم الحجاج، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا فيروز حصين؛ إن لي عند أقوام مالاً، فمن كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حل، فلا يؤدين منه أحد درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب. فأمر به الحجاج فقتل. وكان ذلك مما روى الوليد بن هشام بن قحذم، عن أبي بكر الهذلى. وذكر ضمرة بن ربيعة، عن أبي شوذب، أن عمال الحجاج كتبوا إليه: إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد ألموا ولحقوا بالأمصار، فكتب إلى البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها. وجعلوا لا يدرون أين يذهبون! فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم مقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون. قال: فقدم ابن الأشعث على تفيئة ذلك، واستبصر قراء أهل البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث. وذكر عن ضمرة بن ربيعة عن الشيباني، فقال: قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفاً، ما استحيا منهم إلا واحداً، كان ابنه في كتاب الحجاج، فقال له: أتحب أن نعفو لك عن أبيك؟ قال: نعم، فتركه لابنه؛ وإنما خدعهم بالأمان، أمر منادياً فنادى عند الهزيمة: ألا لا أمان لفلان ولا فلان،فسمى رجالاً من أولئك الأشراف، ولم يقل: الناس آمنون، فقالت العامة: قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر، فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم، ثم قال: لآمرن بكم اليوم رجلاً ليس بينكم وبينه قرابة، فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم. وروي عن النضر بن شمير، عن هشام بن حسان، أنه قال: بلغ ما قتل الحجاج صبراً مائة وعشرين، أو مائة وثلاثين ألفاً.
وقد ذكر في هزيمة ابن الأشعث بمسكن قول غير الذي ذكره أبو مخنف والذي ذكر من ذلك أن ابن الأشعث والحجاج اجتمعا بمسكن من أرض أبزقباذ، فكان عسكر ابن الأشعث على نهر يدعى خداج مؤخر النهر، نهر تيري، ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعاً بين دجلة و السيب والكرخ، فاقتتلوا شهراً - وقيل: دون ذلك - ولم يكن الحجاج يعرف إليهم طريقاً إلا الطريق الذي يلتقون فيه، فأتى بشيخ كان راعياً يدعى زورقاً فدله على طريق من وراء الكرخ طوله ستة فراسخ، في أجمة وضحضاح من الماء، فانتخب أربعة آلاف من جلة أهل الشام، وقال لقائدهم: ليمن هذا العلج أمامك، وهذه أربعة آلاف درهم معك، فإن أقامك على عسكرهم فادفع المال إليه، وإن كان كذباً فاضرب عنقه، فإن رأيتهم فاحمل عليهم فيمن معك، وليكن شعاركم: يا حجاج يا حجاج. فانطلق القائد صلاة العصر، وذلك مع صلاة العصر، فاقتتلوا إلى الليل، فانكشف الحجاج حتى عبر السيب - وكان قد عقده - ودخل ابن الأشعث عسكره فانتهب ما فيه. فقيل له: لو اتبعته؟ فقال: قد تعبنا ونصبنا، فرجع إلى عسكره فألقى أصحابه السلاح، وباتوا آمنين في أنفسهم لهم الظفر. وهم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم، فجعل الرجل من أصحاب ابن الأشعث لا يدري أين يتوجه! دجيل عن يساره ودجلة أمامه، ولها جرف منكر، فكان من غرق أكثر ممن قتل. وسمع الحجاج الصوت فعبر السيب إلى عسكره، ثم وجه خيله إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الأشعث، وانحز في ثلثمائة، فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلاً فعبره في السفن، وعقروا دوابهم، وانحدروا في السغن إلى البصرة، ودخل الحجاج عسكرهم فانتهب ما فيه، وجعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف؛ فيقال: إن فيمن قتل عبد الله ابن شداد بن الهاد؛ وقتل بسطام بن مصقلة بن هبيرة، وعمر ابن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر بن الجارود والحكم بن مخرمة العبديين، وبكير بن ربيعة بن ثروان الضبي؛ فأتى الحجاج برؤوسهم على ترس، فجعل ينظر إلى رأس بسطام ويتمثل:
إذا مررت بوادي حية ذكر ... فاذهب ودعني أقاسي حية الوادي

ثم نظر إلى رأس بكير، فقال: ما ألقى هذا الشقي مع هؤلاء. خذ بإذنه يل غلام فألقه عنهم. ثم قال: ضع هذا الترس بين يدي مسمع بن مالك ابن مسمع، فوضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجاج: ما أبكاك؟ أحزناً عليهم؟ قال: بل جزعاً لهم من النار. ذكر خبر بناء مدينة واسط وفي هذه السنة: بنى الحجاج واسطاً، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذكر - أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمام عمر. وكان فتى من أهل الكوفة من بني أسد حديث عهد بعرس بابنه عم له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلاً، فطرق الباب طارق ودق دقاً شديداً، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت للرجل ابنة عمه: لقد لقينا من هذا الشامي شراً، يفعل بنا كل ليلة ما ترى، يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه وعرفوا ذلك فقال: إذنوا له، ففعلوا فأغلق الباب وقد كانت المرأة نجدت منزلها وطيبته، فقال الشامي: قد آن لكم، فاستقنأه الأسدي فأندر رأسه، فلما أذن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر وقال لامرأته إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين أن أخرجوا صاحبكم، فسيأتون بك الحجاج، فاصدقيه الخبر على وجهه؛ ففعلت، ورفع القتيل إلى الحجاج، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنبسة ابن سعيد على سريره، فقال لها: ما خطبك؟ فأخبرته، فقال: صدقتني. ثم قال لولاية الشامي إدفنوا صاحبكم فإنه قتيل الله إلى النار، لا قود له ولا عقل، ثم نادى مناديه: لا ينزلن أحد على أحد، واخرجوا فعسكروا. وبعث رواداً يرتادون له منزلاً، وأمعن حتى نزل أطراف كسكر، فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حمار له وعبر دجلة، فلما كان في موضع واسط تفاجت الآتان فبالت، فنزل الراهب، فاحتفر ذلك البول، ثم احتمله فرمى به في دجلة،وذلك بعين الحجاج، فقال: علي به، فأتى به، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الوضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع. وفي هذه السنة عزل عبد الملك - فيما قال الواقدي - عن المدينة أبان بن عثمان، واستعمل عليها هشام بن اسماعيل المخزومي.
وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر وكان العمال في هذه السنة على الأمصار سوى المدينة هم العمال الذين كانوا عليها في السنة التي قبلها؛ وأما المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها
ثم دخلت سنة أربع وثمانين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كانت غزوة عبد الله بن عبد الملك بن مروان الروم، ففتح فيها المصيصة، كذلك ذكر الواقدي. خبر قتل الحجاج أيوب بن القرية وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية، وكان ممن كان مع ابن الأشعث. وكتان سبب قتله إياه - فيما ذكر - أنه كان يدخل على حوشب بن يزيد بعد انصرافه من دير الجماجم - وحوشب على الكوفة عامل للحجاج - فيقول حوشب: انظروا إلى هذا الواقف معي، وغداً أو بعد غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا نفاذه، فبينا هو ذات يوم واقف إذ آتاه كتاب من الحجاج: اما بعد، فإنك قد صرت كهفاً لمنافقي أهل العراق ومأوى، فإذا نظرت في كتابي هذا فابعث إلي بابن القرية مشدودة يده إلى عنقه، مع ثقة من قبلك. فلما قرأ حوشب الكتاب رمى به إليه، فقرأه فقال: سمعاً وطاعة؛ فبعث به إلى الحجاج موثقاً، فلما دخل الحجاج قال له: يا بن القرية، ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير! ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف، دنيا، وآخرة، ومعروف. قال: إخرج مما قلت، قال: أفعل، أما الدنيا فمال الحاضر، يأكل منه البر والفاجر، وأما الآخرة فميزان عادل ومشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان علي اعترفت، وإن كان لي إغترفت. قال: إما لا فاعترف بالسيف إذا وقع بك. قال: أصلح الله الأمير! أقلني عشرتي، وأسغني رقيقي؛ فإنه ليس جواد إلا له

كبوة، ولا شجاع إلا هبوة. قال الحجاج: كلا والله لأرينك جهنم، قال: فأرحني فإني أجد جرها، قال: قدمه يا حرسي فاضرب عنقه، فلما نظر إليه الحجاج يتشحط في دمه قال: لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه! ثم أمر به فاخرج فرمى به. قال هشام: قال عوانة: حين منع الحجاج من الكلام ابن قرية، قال له ابن القرية: أما والله لو كنت أنا وأنت على السواء لسكنا جميعاً، أو لألفيت منيعاً. فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس وفي هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس. ذكر سبب فتحه إياها: ذكر علي بن محمد، عن المضل بن محمد، قال: كان نيزك ينزل بقلعة باذغيس، فتحين يزيد عزوه، ووضع عليه العيون، فبلغه خروجه، فخالفه يزيد إليها، وبلغ نيزك فرجع، فصالحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحل عنها بعياله، فقال كعب بن معدان الأشقري:
وباذغيس التي من حل ذروتها ... عز الملوك فإن شا جار أو ظلما
منعة لم يكدها قبله ملك ... إلا إذا واجهت جيشاً له وجما
تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما
لما أطاف بها ضاقت صدورهم ... حتى أقروا له بالحكم فاحتكما
فذل ساكنها من بعد عزته ... يعطي الجزية عارفاً بالذل مهتضما
وبعد ذلك أياماً نعددها ... وقبلها ما كشفت الكرب والظلما
أعطاك ذاك ولى الرزق يقسمه ... بين الخلائق والمحروم من حرما
يداك إحداهما تسقي العدو بها ... سماً وأخرى نداها لم يزل ديما
فهل كسيب يزيد أو كنائله ... إلا الفرات وإلا النيل حين طما
ليسا بأجود منه حين مدهما ... إذ يعلوان حداب الأرض والأكما
وقال:
ثنائي على حي العتيك بأنها ... كرام مقارها، كرام نصابها
إذا عقدوا للجار حل بنجوة ... عزيز مراقيها، منيع هضابها
نفى نيزكاً عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك أغتصابها
محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زل عنها سحابها
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها
وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها
تمنيت أن ألقي العتيك ذوي النهى ... مصلة تحمى بملك ركابها
كما يتمنى صاحب الحرث أعطشت ... مزارعه غيثاً غزيراً ربابها
فأسقى بعد اليأس حتى تحيرت ... جداولها رياً وعب عبابها
لقد جمع الله النوى وتشعبت ... شعوب من الآفاق شتى مآبها
قال: وكان نيزك يعظم القلعة إذا رآها سجد لها. وكتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بالفتح، وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يعمر العدواني، وكان حليفاً لهذيل، فكتب: إن لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الأودية، وأهضام الغيطان وأثناء الأنهار؛ فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ فقيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد فحمله على البريد، فقدم عليه أفصح الناس، حفظت كلام أبي وكان فصيحاً. قال: من هناك فأخبرني هل يلحن عنبس ين سعيد؟ قال: نعم كثيراً، قال: ففلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عنى أألحن؟ قال: نعم تلحن لحنا خفياً؛ تزيد حرفاً وتنقص حرفاً، وتجعل أن في موضع إن، وإن في موضع أن. قال: قد أجلتك ثلاثاً، فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك. فرجع إلى خراسان. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل المخزومي، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين سميت قبل في سنة ثلاث وثمانين.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين
ذكر ما فيها من الأحداث

خبر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ففيها كان هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.ذكر السبب الذي به هلك، وكيف كان: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: لما انصرف ابن الأشعث من هراة راجعاً إلى رتبيل كان معه رجل من أود يقال له علقمة بن عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لم؟ قال: لأني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء، فوقع إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك سلماً أو قتلكم. ولكن هنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها، ونقاتل حتى نعطى أماناً أو نموت كراماً. فقال له عبد الرحمن: أما لو دخلت معي لآسيتك وأكرمتك، فأبى عليه علقمة، ودخل عبد الرحمن بن محمد إلى رتبيل. وخرج هؤلاء الخمسمائة فبعثوا عليهم مودوداً النضري، وأقاموا حتى قدم عليهم عمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فوفى لهم. قال: وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إلي، وإلا فوالذي لا إله إلا هو لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل. وكان عند رتبيل رجل من بني تميم ثم من بني يربوع يقال له عبيد بن أبي سبيع، فقال لرتبيل: أنا آخذ لك من الحجاج عهداً ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن بن محمد، قال رتبيل لعبيد: فإن فعلت فإن لك عندي ما سألت. فكتب إلى الحجاج يخبره أن رتبيل لا يعصيه، وأنه لن يدع رتبيل حتى بعث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجاج على ذلك مالاً وأخذ من رتبيل عليه مالاً، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن بن محمد إلى الحجاج، وترك له الصلح الذي كان يأخذه منه سبع سنين. وكان الحجاج يقول: بعث إلى رتبيل بعدو الله . فألقى نفسه من فوق إجار فمات. قال أبو مخنف: وحدثني سليمان بن أبي راشد. أنه سمع مليكة ابنة يزيد تقول:والله لما مات عبد الرحمن وإن رأسه لعلى فخذي، كان السل قد أصابه. فلما مات وأرادوا دفنه بعث إليه رتبيل فحز رأسه، فبعث به إلى الحجاج، وأخذ ثمانية رجلاً من آل الأشعث فحبسهم عنده، وترك جميع من كان معه من أصحابه. وكتب إليه الحجاج بأخذه الثمانية عشر رجلاً من أهل بيت عبد الرحمن، فكتب إليه: أن اضرب رقابهم، وابعث إلي برؤوسهم، وكره أن يؤتى بهم إليه أحياء فيطلب فيهم إلى عبد الملك، فيترك منهم أحداً. وقد قيل في أمر بن أبي سبيع وابن الأشعث غير ما ذكرت عن أبي مخنف، وذلك ما ذكر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه كان يقول: زعم أن عمارة بن تميم خرج من كرمان فأتى سجستان وعليها رجل من بني العنبر يدعى مودوداً، فحصره ثم آمنه، ثم استولى على سجستان، وأرسل إلى رتبيل. وكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني قد بعثت إليك عمارة بن تميم في ثلاثين ألفاً من أهل الشام لم يخلفوا طاعة، ولم يخلعوا خليفة، ولم يتبعوا إمام ضلالة، يجري على كل رجل منهم في كل شهر مائة درهم، يستطعمون الحرب استطعاماً، يطلبون ابن الأشعث. فأبى رتبيل أن يسلمه. وكان مع ابن الأشعث عبيد بن أبي سبيع التميمي قد خص به، وكان رسوله إلى رتبيل، فخص بريتبيل أيضاُ، وخف عليه. فقال القاسم ابن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إني لا آمن غدر التميمي، فأقتله، فهم به، وبلغ ابن أبي سبيع، فخافه فوشى به إلى رتبيل، وخوفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث فأجابه، فخرج سراً إلى عمارة بن تميم، فاستعجل في ابن الأشعث، فجعل له ألف ألف، فأقام عنده، وكتب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب إليه أن أعط عبيداً ورتبيل ما سألاك واشترط، فاشترط رتبيل ألا تغزي بلاده عشر سنين، وأن يؤدي بعد العشر سنين قي كل سنة تسعمائة ألف، فأعطى رتبيل وعبيداً ما سألا، وأرسل رتبيل إلى ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته، وقد أعد لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقه جامعة، وفي عنق القاسم جامعة، وأرسل بهم إلى أدنى مسالح عمارة منه، وقل لجماعة من كان مع ابن الأشعث من الناس: تفرقوا إلى حيث شئتم، ولما قرب ابن الأشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قصر فمات، فاحتز رأسه، فأتى به وبالأسرى عمارة، فضرب أعناقهم، وأرسل برأس ابن الأشعث وبرؤوس أهله وبامرأته إلى الحجاج، فقال في ذلك بعض الشعراء:
هيهات موضع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة بالرخج

وكان الحجاج أرسل به إلى عبد الملك، فأرسل به إلى عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مصر. وذكر عمر بن شبة أن ابن عائشة حدثه قال: أخبرني سعد بن عبيد الله قال: لما أتاني عبد الملك برأس ابن الأشعث أرسل به مع خصي إلى امرأة منهم كانت تحت رجل من قريش، فلما وضع بين يديها قالت: مرحباً بزائر لايتكلم؛ ملك من الملوك طلب ما هو أهله فأيت المقادير. فذهب الخصي يأخذ الرأس فاجتذبته من يده، قالت: لا والله حتى أبلغ حاجتي، ثم دعت بخطمي فغلته وغلفته ثم قالت: شأنك به الآن. فأخذه، ثم أخبر عبد الملك، فلما دخل عليه زوجها، قال: إن استطعت أن تصيب منها سخلة. وذكر أن ابن الأشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارب إلى بلاد رتبيل فتمثل:
يطرده الخوف فهم تائه ... كذاك من يكره حر الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
فالتفت إليه فقال: يالحية، هلا ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك، فكان خيراً مما صرت إليه! قال هشام: قال أبو مخنف: خرج الحجاج في أيامه تلك يسير ومعه حميد الأرقط وهو يقول:
مازال يبني خندقاً ويهدمه ... عن عسكر يقوده فيسلمه
حتى يصير في يديك مقسمه ... هيهات من مصفه منهزمه
إن أخ الكظاظ من لا يسأمه
فقال الحجاج: هذا أصدق من قول الفاسق أعشى همدان:
نبئت أن بني يو ... سف خر من زلق فتباً
قد تبين له من زلق وتب ودحض فانكب، وخاف وخاب، وشك وارتاب؛ ورفع صوته فما أبقى أحد إلا فزع لغضبه، وسكت الأرقط، فقال له الحجاج: عد فيما كنت فيه، مالك يا أرقط! قال: إني جعلت فداك أيها الأمير وسلطان الله عزيز، ما هو إلا أن رأيتك غضب فأرعدت خصائلي، واجزألت مفاصلي، واظلم بصري، ودالات بي الأرض. قال له الحجاج: أجل، إن سلطان الله عزيز، عد فيما كنت فيه، ففعل. وقال الحجاج وهو ذات يموم يسير معه زياد بن جرير بن عبد الله البجلي وهو أعور، فقال الحجاج للأريقط: كيف قلت لابن سمرة؟ قال: قلت:
يا أعور العين فديت العورا ... كنت حبست الخندق المحفورا
يرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات السوء أن تدورا
وقد قيل: أن مهلك عبد الرحمن بن محمد كان في سنة أربع وثمانين. عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وفي هذه السنة عزل الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها المفضل بن المهلب أخا يزيد. ذكر السبب الذي من أجله عزله الحجاج عن خراسان واستعمل المفضل: ذكر علبي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن الحجاج وفد إلى عبد الملك، فمر في منصرفه بدير فنزله، فقيل له: إن في هذا الدير شيخاً من أهل الكتب عالماً، فدعا به فقال: يا شيخ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال: نعم، نجد ما مضى من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن؛ قال: أفمسمي كان أم موصوفاً؟ قال: كل ذلك؛ موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه؛ مللك أقرع، من يقم لسبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ماذا؟ قال: رجل اسمه اسم نبي يفتح على الناس، قال: أتعرفني؟ قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعلم ما ألي؟ قال: نعم، قال: فمنيليه بعدي؟ قال: رجل يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي؟ قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفته؟ قال: يغدر غدرة؛ لا أعرف غير هذا. قال: فوقع في نفسه يزيد بن المهلب، وارتحل فسار سبعاً وهو وجل من قول الشيخ؛ وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق، فكتب إليه: يا بن أم الحجاج، قد علمت الذي تغزو، وأنك تريد أن تعلم رأيي فيك، ولعمري إني لأرى مكان نافع بن علقمة، فاله عن هذا حتى يأتي الله بما هو آت؛ فقال الفرزدق تذكر مسيره:
لو أن طيراً كلفت مثل سيره ... إلى واسط من إيلياء لملت
سرى بالمهاري من فلسطين بعدما ... دنا الليل من شمس النهار فولت
فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها ... بميسان قد ملت سراها وكلت
كأن قطامياً على الرحل طاوياً ... إذا غمرة الظلماء عنه تجلت

قال فبينا الحجاج يوماً خال إذ دعا عبيد بن موهب، فدخل وهو ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: ويحك يا عبيد! إن أهل الكتب يذكرون أن ما تحت يدي يليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة، ويزيد بن حصين بن نمير، ويزيد بن دينار، فليسوا هناك، وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلب؛ فقال عبيد: لقد شرفتهم و أعظمت ولا يتهم، وإن لهم لعدداً وجلداً، وطاعة وحظاً، فأخلق به، فأجمع على عزل يزيد فلم يجد له شيئاً حتى قدم الخيار بن أبي سبرة بن ذؤيب بن عرفجة بن محمد بن سفيان بن مجاشع - وكان من فرسان المهلب - وكان مع يزيد - فقال له الحجاج: أخبرني عن يزيد، قال: حسن الطاعة، لين السيرة، قال: كذبت، أصدقني عنه، قال: الله أجل وأعظم، قد أسرج ولم يلجم، قال: صدقت، واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك قال: ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب بالزبيرية، فكتب إليه عبد الملك: إني لا أرى نقصاً بآل المهلب طاعتهم لآل الزبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإن وفاءهم يدعوهم إلى الوفاء لي، فكتب إليه الحجاج يخوفه غدرهم لما أخبره به الشيخ. فكتب إليه عبد الملك: قد أكثرت في يزيد وآل المهلب، فسم لي رجلاً يصلح لخراسان؛ فسمى له مجاعة بن سعر السعدي، فكتب إليه عبد الملك: إن رأيك الذي دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذي دعاك إلى مجاعة بن سعر، فانظر لي رجلاً صارماً، ماضياً لأمرك، فسمى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: وله وبلغ يزيد أن الحجاج عزله، فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولى خراسان؟ قالوا: رجلا من ثقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلاً من قيس، وأخلق بقتيبة! قال: فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف المفضل وأقبل، فاستشار يزيد حضين بن المنذر، فقال له: أقمم واعتل، فإن أمير المؤمنين حسن الرأي فيك، وإنما أتيت من الحجاج، فإن أقمت ولم تعجل رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد، قال: إنا أهل بيت بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف؛ فأخذ في الجهاز، وأبطأ ذلك على الحجاج، فكتب إلى المفضل: إني قد وليتك خراسان، فعجل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: إن الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، قال: بل حسدتني، قال يزيد: يا بن بهلة، أنا أحسدك! ستعلم. وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. فعزل الحجاج المفضل، فقال الشاعر للمفضل وعبد الملك وهو أخوه لأمه:
يا بني بهلة إنما أخزاكما ... ربي غداة غدا الهمام الأزهر
أحفرتم لأخيكم فوقعتم ... في قعر مظلمة أخوها المعور
جودوا بتوبة مخلصين فإنما ... يأبى ويأنف أن يتوب الأخسر
وقال حضين ليزيد:
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما
فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: كيف قلت ليزيد؟ قال: قلت:
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فنفسك أول اللوم إن كنت لائما
فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته ... فإنك تلقى أمره متفاقما
قال: فماذا أمرته به فعصاك؟ قال: أمرته ألا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير، فقال رجل لعياض بن حضين: أما أبوك فوجده قتيبة حين فره قارحاً بقوله: " أمرته ألا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير " قال علي: حدثنا كليب بن خلف، قال: كتب الحجاج إلى يزيد أن اغز خوارزم، فكتب إليه: أيها الأمير، إنها قليلة السلب، شديدة الكلب. فكتب إليه الحجاج: استخلف واقدم، فكتب إليه: إني أريد أن أغزو خوارزم فكتب إليه: لا تغزها فإنها كما وصفت؛ فغزا ولم يطعه، فصالحه أهل خوارزم، وأصاب سبياً مما صالحوه، وقفل في الشتاء، فاشتد عليهم البرد، فأخذ الناس ثياب الأسرى فلبسوها، فمات ذلك السبي من البرد. قال: ونزل يزيد بلستانة، وأصاب أهل مرو الروذ طاعون ذلك العام، فكتب إليه الحجاج: أن اقدم، فقدم، فلم يمر

ببلد إلا فرشوا له الرياحين. وكان يزيد ولي سنة اثنتين وثمانين، وعزل سنة خمس وثمانين، وخرج من خراسان في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وولى قتيبة وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف في عزل الحجاج يزيد عن خراسان سبباً غير الذي ذكره على بن محمد، والذي ذكر من ذلك عن أبي مخنف أن أبا المخارق الراسبي وغيره حدثوه أن الحجاج لم يكن له حين فرغ من عبد الرحمن بن محمد هم إلا يزيد ين المهلب وأهل بيته - وقد كان الحجاج أذل أهل العراق كلهم إلا يزيد وأهل بيته ومن معهم من أهل المصرين بخراسان، ولم يكن يتخوف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غير يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاج في مواربة يزيد ليسبخرجه من خراسان، فكان يبعث إليه يلأتيه، فيعتل عليه بالعدو وحرب خراسان، فمكث بذلك حتى كان آخر سلطان عبد الملك، ثم إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد بن المهلب، ويخبره بطاعة آل المهلب لا بن الزبير، وأنه لا وفاء لهم؛ فكتب إليه عبد الملك: إني لا أرى تقصيراً بولد المهلب طاعتهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإن طاعتهم ووفاءهم لهم، هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لي. ثم ذكر بقية الخبر نحو الذي ذكره على بن محمد،
غزو المفضل باذغيس وأخرونوفي هذه السنة غزا المفضل باذغيس ففتحها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، قال: عزل الحجاج يزيد، وكتب إلى المفضل بولايته على خراسان سنة خمس وثمانين، فوليها تسعة أشهر، فغزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنماً، فقسمه بين الناس، فأصاب كل رجل منهم ثمانمائة درهم، ثم غزا خرون وشومان، فظفر وغنم، وقسم ما أصاب بين الناس. ولم يكن للمفضل بيت مال، كان يعطي الناس كلما جاءه شيء. وإن غنم شيئاً قسمه بينهم، فقال كعب الأشقري يمدح المفضل:
ترى ذا الغنى والفقر من كل معشر ... عصائب شتى ينتوون المفضلا
فمن زائر يرجو فواضل سيبه ... وآخر يقضى حاجة قد ترحلا
إذا ما انتوينا غير أرضك لم نجد ... بها منتوى خيراً ولا متعللا
إذا ما عددنا الأكرمين ذوي النهى ... وقد قدموا من صالح كنت أولا
لعمري لقد صال المفضل صولة ... أباحت بشومان المناهل والكلا
ويوم ابن عباس تناولت مثلها ... فكانت لنا بين الفريقين فيضلا
صفت لك أخلاق المهلب كلها ... وسربلت من مسعاته ما تسربلا
أبوك الذي لم يسع ساع كسعيه ... فأورث مجداً لم يكن متنحلا
خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ وفي هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمي بالترمذ ذكر سبب قتله ومصيره إلى الترمذ حتى قتل بها: ذكر أن سبب مصيره إلى الترمذ كان أن أباه عبد الله بن خازم لما قتل من قتل من بني تميم بفرتنا - وقد مضى ذكري خبر قتله إياهم - تفرق عنه عظم من كان بقي معه منهم، فخرج إلى نيسابور وخاف بني تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: حول ثقلي عن مرو، واقطع نهر بلخ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه. فشخص موسى من مرو في عشرين ومائتي فارس، فأتى آمل وقد ضوى إليه قوم من الصعاليك، فصار في أربعمائة، وانضم إليه رجال من بني سليم، منهم زرعة بن علقمة فأتى زم فقاتلوه، فظفر بهم وأصاب مالا، وقطع النهر، فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه، وقال: رجل فاتك، وأصحابه مثله أصحاب حرب وشر، فلا آمنه. وبعث إليه بصلة عين ودواب وكسوة، ونزل على عظيم من عظماء أهل بخارى في نوقان، فقال له: إنه لا خير في المقام في هذه البلاد، وقد هابك القوم وهم لا يأمنونك. فأقام

عند دهقان نوقان أشهراً، ثم خرج يلتمس ملكا يلجأ إليه أو حصناً، فلم يأت بلداً إلا كرهوا مقامه فيهم، وسألوه أن يخرج عنهم. قال علي بن محمد: فأتى سمرقند فأقام بها، وأكرمه طرخون ملكها، وأذن له في المقام، فأقام ما شاء الله، ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم ودك وخبز وإبريق شراب، وذلك في كل عام يوماً، يجعل ذلك لفارس الصغد فلا يقر به أحد غيره، هو طعامه في ذلك اليوم، فإن أكل منه أحد غيره بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له، فقال رجل من أصحاب موسى: ما هذه المائدة؟ فأخبر عنها، فسكت، فقال صاحب موسى: لأكلن ما على هذه المائدة، ولأبارزن فارس الصغد، فإن قتلته كنت فارسهم فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة، فجاء معضباً، فقال: يا عربي، بارزني، قال: نعم، وهل أريد إلا المبارزة! فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارس الصغد! لو لا أني أعطيتك وأصحابك الآمان لقتلتكم، اخرجوا عن بلدي، ووصله. فخرج موسى فأتى كس فكتب صاحب كس إلى طرخون يستنصره، فأتاه، فخرج إليه موسى في سبعمائة فقاتلهم حتى أمسوا، وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثيرة، فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلقوا رءوسهم كما يصنع الخوارج، وقطعوا صفينات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا وقال موسى لزرعة بن علقمة: انطلق إلى طرخون فاحتل له. فأتاه، فقال له طرخون: لم صنع أصحابك ما صنعوا؟ قال: استقتلوا فما حاجتك إلى أن تقتل أيها الملك موسى وتقتل! فإنك لا تصل إليه حتى بقتل مثل عدتهم منكم، ولو قتلته وإياهم جميعاً ما نلت حظاً، لأن له قدراً في العرب، فلا يلي أحد خراسان إلا طالبك بدمه، فإن سلمت من واحد لم تسلم من آخر؛ قال: ليس إلى ترك كس في يده سبيل؛ قال: فكف عنه حتى يرتحل، فكف وأتى موسى الترمذ وبها حصن يشرف على النهر إلى جانب منه، فنزل موسى على بعض دهاقين الترمذ خارجاً من الحصن و الدهقان مجانب لتر مذشاه، فقال لموسى: إن صاحب الترمذ متكرم شديد الحياء، فإن ألطفته وأهديت إليه أدخلك حصنه، فإنه ضعيف، قال: كلا، ولكني أسأله أن يدخلني حصنه، فسأله فأبى، فما كره موسى وأهدى له وألطفه، حتى لطف الذي بينهما، وخرج فتصيد معه، وكثر إلطاف موسى له، فصنع صاحب الترمذ طعاماً وأرسل إليه: إني أحب أن أكرمك، فتغد عندي، وائتني في مائة من أصحابك، فانتخب موسى من أصحابه مائةً، فدخلوا على خيولهم، فلما صارت في المدينة تصاهلت، فتطير أهل الترمذ وقالوا لهم: انزلوا، فنزلوا، فأدخلوا بيناً، خمسين في خمسين، وغدوهم، فلما فرغوا من الغداء اضطجع موسى، فقالوا له: اخرج، قال:

لا أصيب منزلا مثل هذا، فلست بخارج منه حتى يكون بيتي أو قبري، وقاتلوهم في المدينة، فقتل من أهل الترمذ عدة، وهرب الأخرون فدخلوا منازلهم، وغلب موسى على المدينة، وقال لترمذ شاه: اخرج فإني لست أعرض لك ولا لأحد من أصحابك. فخرج الملك وأهل المدينة فأتوا الترك يستنصرونهم، فقالوا: دخل إليكم مائة رجل أخرجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بكس، فنحن لا نقاتل هؤلاء. فأقام ابن خازم بالترمذ، ودخل إليه أصحابه، وكانوا سبعمائة، فأقام، فلما قتل أبوه انضم إليه من أصحاب أبيه أربعمائة فارس، فقوى، فكان يخرج فيغير على من حوله. قال: فأرسل الترك قوماً إلى أصحاب موسى ليعلموا علمه، فلما قدموا قال موسى لأصحابه: لا بد من مكيدة لهؤلاء - قال: وذلك في أشد الحر - فأمر بنار فأججت، وأمر أصحابه فلبسوا ثياب الشتاء، ولبسوا فوقها لبوداً، ومدوا أيديهم إلى النار كأنهم يصطلون. وأذن موسى للترك فدخلوا، ففزعوا مما رأوا، وقالوا: لم صنعتم هذا؟ قالوا: نجد البرد في هذا الوقت، ونجد الحر في الشتاء، فرجعوا وقالوا: جن لا نقاتلهم، قال: وأراد صاحب الترك أن يغزو موسى، فوجه إليه رسلا، وبعث بسم ونشاب في مسك، وإنما أراد بالسم أن حربهم شديدة، والنشاب الحرب، والمسك السلم، فاختر الحرب أو السلم، فأحرق السم، وكسر النشاب، ونثر المسك، فقال القوم: لم يريدوا الصلح، وأخبر أن حربهم مثل النار، وإنه يكسرنا، فلم يغزهم، قال: فولى بكير بن وشاح خراسان فلم يعرض له، ولم يوجه إليه أحداً، ثم قدم أمية فسار بنفسه يريده، فخالفه بكير، وخلع، فرجع إلى مرو، فلما صالح أمية بكيراً أقام عامة ذلك، فلما كان في قابل وجه إلى موسى رجلاً من خزاعة في جمع كثير، فعاد أهل الترمذ إلى الترك فاستنصروهم فأبوا، فقالوا لهم: قد غزاهم قوم منهم وحصروهم، فإن أعناهم عليهم ظفرنا بهم، فسارت الترك مع أهل الترمذ في جمع كثير، فأطاف بموسى الترك والخزاعي، فكان يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة، فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابي - وكان فارساً: قد طال أمرنا وأمر هؤلاء، وقد أجمعت أن أبيت عسكر الخزاعي، فإنهم للبيات آمنون، فما ترى؟ قال: البيات نعما هو، وليكن ذلك بالعجم، فإن العرب أشد حذراً، وأسرع فزعاً، وأجراً على الليل من العجم، فبيتهم فإني أرجو أن ينصرنا الله عليهم، ثم ننفرد

لقتال الخزاعي فنحن في حصن وهم بالعراء، وليسوا بأولى بالصبر، ولا أعلم بالحرب منا، قال: فاجمع موسى على بيات الترك، فلما ذهب من الليل ثلثه خرج في أربعامائة، وقال لعمرو بن خالد: أخرجوا بعدنا وكونوا منا قريباً؛ فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا، أخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر، ثم أخذ من ناحية كفتان، فلما قرب من عسكرهم جعل أصحابه أرباعاً، ثم قال: أطيفوا بعسكرهم؛ فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا، وأقبل وقدم عمراً بين يديه مشوا خلفه، فلما رأته أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟ قالوا: عابري سبيل. قال: فلما جازوا الرصد تفرقوا وأطافوا بالعسكر وكبروا، فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف، فثاروا يقتل بعضهم بعضاً وولوا، وأصيب من المسلمين ستة عشر رجلاً، وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحاً ومالاً، وأصبح الخزاعي وأصحابه قد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها من البيات، فتحذروا فقال لموسى عمرو بن خالد: إنك لا تظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون، فدعني آتهم لعلي أصيب من صاحبهم فرصة؛ إني إن خلوت به قتلته، فتناولني بضرب، قال: تتعجل الضرب وتتعرض للقتل! قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له، وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد، فقناوله بضرب؛ ضربه خمسين سوطاً، فخرج من عسكر موسى فأتى عسكر الخزاعي مستأمناً وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فلم أزل معه، وكنت أول من أتاه، فلما قدمت اتهمني، وتعصب على، وتنكر لي وقال لي: قد تعصبت لعدونا، فأنت عين له، فضربني، ولم آمن القتل، وقلت: ليس بعد الضرب إلا القتل، فهربت منه، فآمنه الخزاعي وأقام معه. قال: فدخل يوماً وهو خال ولم ير عنده سلاحاً، فقال كأنه ينصح له: أصلحك الله! إن م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:00 am

ذكر الواقدي أن عبد الملك هم بذلك، فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب، وقال: لا تفعل هذا، فإنك باعث على نفسك صوت نعار، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه! فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه. ودخل عليه روح بن زنباع الجذامي - وكان أجل الناس عند عبد الملك - فقال: يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان، فقال: ترى ذلك يا أبا زرعة؟ قال: أي والله، وأنا من أول من يجيبك إلى ذلك؛ فقال: نصيح إن شاء الله. قال: فبينى هو على ذلك وقد نام عبد الملك وروح ابن زنباع إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب طروقاً، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابة فقال: لا يحجب عني قبيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار، إذا كنت خالياً أو عندي رجل واحد، وإن كنت عندي النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه فدخل، وكان الخاتم إليه، وكان السكة إليه، تأتيه الأخبار قبل عبد الملك، ويقرأ الكتب قبله، ويأتي بالكتاب إلى عبد الملك منشوراً فيقرؤه، إعظاماً لقبيصة - فدخل عليه فسلم عليه وقال: أجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: وهل توفى؟ قال: نعم، فاسترجع عبد الملك، ثم أقبل على روح فقال: كفانا الله أبازرعة ما كنا نريد وما أجمعنا عليه وكان ذلك مخالفاً لك يا أبا إسحاق، فقال: قبيصة: ماهو؟ فأخبره بما كان؛ فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إن الرأي كله في الأناة والعجلة فيها ما فيها، فقال عبد الملك: ربما كان في العجلة خير كثير، رأيت أمر عمر بن سعيد، ألم تكن العجلة فيه خيراً من التأني! خبر موت عبد العزيز بن مروان وفي هذه السنة توفى عبد العزيز بن مروان بمصر في جمادى الأولى، فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولاه مصر. وأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدثنا به أبو زيد عنه، أن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد، وأفد وفداً في ذلك عليهم عمران ابن عصام العنزي، فقام عمران خطيباً، فتكلم وتكلم الوفد وحثوا عبد الملك وسألوه ذلك فقال عمران بن عصام:
أمير المؤمنين إليك نهدي ... على نأي التحية والسلاما
أجبني في بنيك يكن جوابي ... لهم عادية ولنا قواما
فلو أن الوليد أطاع فيه ... جعلت له الخلافة والذماما
شبيهك حول قبته قريش ... به يستمطر الناس الغماما
ومثلك في التقى لم يصب يوماً ... لدن خلع القلائد والتماما
فإن تأثر أخاك بها فإن ... وجدك لا نطيق لها إتهاما
ولكنا نحاذر من بنيه ... بني العلات مأثرة سماما
ونخشى إن جعلت الملك فيهم ... سحاباً أن تعود لهم جهاما
فلا يك ما حلبت غداً لقوم ... وبعد غد بنوك هم العياما
فأقسم لو تخطاني عصام ... بذلك ما عذرت به عصاما
ولو أني حبوت أخاً بفضل ... أريد به المقالة والمقاما
لعقب في بني على بنيه ... كذلك أو لرمت مراما
فمن يك في أقاربه صدوع ... فصدع الملك أبطؤه التئاما
فقال عبد الملك: يا عمران، إنه عبد العزيز، قال: احتل له يا أمير المؤمنين. قال علي: أراد عبد الملك بيعة الوليد قبل أمر الأشعث، لأن الحجاج بعث في ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبد العزيز أعرض عبد الملك عما أراد حتى مات عبد العزيز، ولما أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصير هذا الأمر لابن أخيك! فأبى، فكتب إليه: فاجعلها له من بعدك، فإنه أعز الخلق على أمير المؤمنين. فكتب إليه عبد العزيز: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد، فقال عبد الملك: اللهم إن عبد العزيز قطعني فاقطعه. فكتب إليه عبد الملك: احمل خراج مصر. فكتب إليه عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إني وإياك قد بلغنا سناً لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلاً، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولاً! فإن رأيت ألا تفنث على بقية عمري فافعل. فرق له عبد الملك وقال: لعمري لا أغثث عليه بقية عمره، وقال لابنيه: إن يرد الله أن يعطيكموها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك. وقال لابنيه: الوليد وسليمان: هل قارفتما حراماً قط؟ قالا: لا والله

قال: الله أكبر، نلتماها ورب الكعبة! قال: فلما أبى عبد العزيز أن يجيب عبد الملك إلى ما أراد، قال عبد الملك: اللهم قد قطعني فاقطعه، فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه، فاستجيب له. قال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الأنصاري، وكتب إليه: إن أردت رجلاً مأموناً فاضلاً عاقلاً وديعاً مسلماً كتوماً تتخذه لنفسك، وتضع عنده سرك، وما لا تحب أن يظهر، فاتخذ محمد بن يزيد. فكتب إليه عبد الملك: احمله إلي. فحمله، فاتخذه عبد الملك كاتباً. قال محمد: فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلي، ولا يستر شيئاً إلا أخبرني به وكتمه الناس، ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه، فإني لجالس يوماً نصف النهار إذا ببرد قد قدم من مصر، فقال: الأذن على أمير المؤمنين. قلت: ليست هذه ساعة إذن، فأعلمني ما قد قدمت له، قال: لا. قلت: فإن كان معك كتاب فادفعه إلي. قال: لا، قال: فأبلغ بعض من حضرني أمير المؤمنين، فخرج فقال: ما هذا؟ قلت: رسول قدم من مصر، قال: فخذ الكتاب، قلت: زعم أنه ليس معه كتاب، قال: فسله عما قدم له، قلت: قد سألته فلم يخبرني، قال أدخله، فأدخلته، فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز! فاسترجع وبكى ووجم ساعة ثم قال: يرحم الله عبد العزيز! مضى والله عبد العزيز لشأنه، وتركنا وما نحن فيه، ثم بكى النساء وأهل الدار، ثم دعاني من غد، فقال: إن عبد العزيز رحمه الله قد مضى لسبيله، ولا بد للناس من علم وقائم يقوم بالأمر من بعدي، فمن ترى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سيد الناس وأرضاهم وأفضلهم الوليد بن عبد الملك، قال: صدقت وفقك الله! فمن ترى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أين تعدلها عن سليمان فتى العرب! قال: وفقت، أما إنا لو تركنا الوليد وإياها لجعلها لبنيه، اكتب عهداً للوليد وسليمان من بعده، فكتب بيعة الوليد ثم سليمانمن بعده. فغضب علي الوليد فلم يولني شيئاً حين أشرت بسليمان من بعده. قال علي، عن أبي جعدية: كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غير سعيد بن المسيب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حي؛ فضربه هشام ضرباً مبرحاً وألبسه المسوح، وسرحه إلى ذباب - ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون فظن أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح، ولكن قلت: يصلبوني فيسترني، وبلغ عبد الملك الخبر، فقال: قبح الله هشاماً! إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى يضرب عنقه، أو يكف عنه. بيعة عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان وفي هذه السنة بايع عبد الملك لابنيه: الوليد، ثم من بعده سليمان، وجعلهما وليي عهد المسلمين، وكتب بيعته لهما البلدان، فبايع الناس، وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب، فضربه هشام بن إسماعيل - وهو عامل عبد الملك على المدينة - وطاف به وحبسه، فكتب عبد الملك إلى هشام يلومه على ما فعل من ذلك، وكان ضربه ستين سوطاً، وطاف به فيد تبان سعر حتى بلغ به رأس الثنية.
وأما الحارث فقد قال: حدثني ابن سعيد، عن محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل عبد الله ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس؛ فضربه ستين سوطاً، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه، وقال: مالنا ولسعيد، دعه! وحدثني الحارث، عن ابن سعد، أن محمد بن عمر أخبره قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر في جمادى سنة أربع وثمانين، فعقد عبد الماك لابنيه الوليد وسليمان العهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعامله يومئذ هشام بن اسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة، فبايع الناس، ودعا سعيد بن المسيب أب يبايع لهما، فأبى وقال: لا حتى أنظر، فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطاً

وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال: أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن؛ قال: والله لولا أني، ظننت أنه الصلب لما لبست هذا التبان أبداً. فرده إلى السجن، وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه، وما كان من أمره، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع ويقول: سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده من شقاق وخلاف. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي، كذلك حدثنا أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي.
وكان العامل على المشرق في هذه السنة كم العراق الحجاج بن يوسف.
ثم دخلت سنة ست وثمانين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر وفاة عبد الملك بن مروان
فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الملك بن مروان، وكان مهلكه في النصف من شوال منها. حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفي عبد الملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين، فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر. وأما الحارث فإنه حدثني عن أبي سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: أجمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين. قال ابن عمر: وحدثني أبو معشر نجيح، قال: مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس اانصف من شوال سنة ست وثمانين، فكانت ولايته منذ يوم بويع إلى يوم توفي إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً، كان تسع سنين منها يقاتل عبد الله بن الزبير، ويسلم عليه بالخلافة بالشام، ثم بالعراق بعد مقتل مصعب، وبقي بعد مقتل عبد الله بن الزبير واجتماع الناس عليه ثلاث عشر سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال. وأما علي بن محمد المدائني، فإنه - فيما حدثنا أبو زيد عنه - قال: مات عبد الملك سنة ست وثمانين بدمشق، وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوماً. ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفي اختلف أهل السير في ذلك، فقال أبو معشر فيه - ما حدثني الحارث عن أبي سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو معشر نجيح، قال: مات عبد الملك بن مروان وله ستون سنة.
قال الواقدي: وقد روى لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قال: والأول أثبت. وهو على مولده، قال: وولد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه،وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين. وقال المدائني علي بن محمد - فيما ذكر، أبو زيد عنه: مات عبد الملك وهو ابن ثلاث وستين سنة. ذكر نسبه وكنيته أما نسبه، فإنه عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف. وأما كنيته فأبو الوليد. وأمه عائشة بنت معاوية بنت المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وله يقول ابن قيس الرقيات:
أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها
لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها
ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر - درج - وعائشة؛ أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض. ويزيد، ومروان، ومعاوية - درج - وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وهشام، وأمه أم هشام بنت هشام إسماعيل بن هشامبن الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال المدائني: اسمها عائشة بنت هشام. وأبو بكر، واسمه بكار، أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله، والحكم - درج - أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان. وفاطمة بنت عبد الملك، أمها أم المغيرة بنت المغير بن خالد بن العاص ابن هشام بم المغيرة. وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج؛ لأمهات أولاد. قال المدائني: وكان له من النساء - سوى من ذكرنا - شقراء بنت سلمة ابن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأم أبيها بنت عبد الله بم جعفر.

وذكر المدائني، عن عوانة وغيره أن أم سلمة بن يزيد بن وهب بن نباتة الفهمي دخل على عبد الملك فقال له: أي الزمان أدركت أفضل؟ وأي الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر إلا ذاماً وحامداً؛ وأما الزمان فيرفع أقواماً ويضع أقواماً، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم، ويهرم صغيرهم، وكل ما فيه منقطع غير الأمل؛ قال: فأخبرني عن فهم، قال: هم كما قال من قال:
درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم
وخلت دارهم فأضحت يباباً ... بعد عز وثروة ونعيم
كذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغنى من الرجال
وإن كان الغنى قليل خير ... بخيلاً بالقليل من النوال
فما أدرى علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال
أللدينا؟ فبيس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي
قال: أنا. قال علي: قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معبط لعبد الملك بن مروان:
نبئت أن ابن القلمس عابني ... ومن ذا من الناس الصحيح المسلم!
فأبصر سبل الرشد سيد قومه ... وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم
فمن أنتم؟ ها خبرونا من أنتم ... وقد جعلت أشياء تبدو وتكتم
فقال عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال له: من أنتم! أما والله لولا ما تعلم لقلت قولاً ألحقكم بأصلكم الخبيث حتى تموت. وقال عبد الله بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك:
يا بن العاص ويا خير فتى ... أنت سداد الدين إن دين وهى
أنت الذي لا يجعل الأمر سدى ... جيبت قريش عنكم جوب الرحى
إن أبا العاصي وفي ذاك اعتصى ... أوصى بنيه فوعوا منه الوصى
إن يسعروا الحرب ويأبوا ما أبى ... الطاعنين في النحور والكلى
شزراً ووصلاً للسيوف بالخطا ... إلى القتال فحووا ما قد حوى
وقال أعشى بن شيبان:
عرفت قريش كلها ... لبني أبي العاص الإمارة
لأبرها وأحقها ... عند المشورة بالإشارة
المانعين لما ولوا ... والنافعين ذوي الضرارة
وهم أحقهم بها ... عند الحلاوة والمرارة
وقال عبد الملك: ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الأمر مني. وإن ابن الزبير لطويل الصلاة، كثير الصيام، ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائساً.
خلافة الوليد بن عبد الملكوفي هذه السنة بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة، فذكر أنه لما دفن أباه وانصرف عن قبره. دخل المسجد فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فخطب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله المستعان بمصيبتا بوت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام لبيعته عبد الله بن هشام السولي، فإنه قام وهو يقول:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
فبايعه، ثم تتابع الناس على البيعة. وأما الواقدي فإنه ذكر أن الوليد لما رجع من دفن أبيه، ودفن خارج باب الجابية، لم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت. وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة الذي يحق عليه لله من الشدة على المريب، واللين لأهل الحق والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه؛ من حج هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشن هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزاً ولم يكن مفرطاً. أيها الناس، عليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل، فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه، وكان جباراً عنيداً.

ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قبل الحجاج
وفي هذه السنة قدم قتيبة بن مسلم خراسان والياً عليها من قبل الحجاج، فذكر علي بن محمد أن كليب بن خلف، أخبره عن طفيل ابن مرداس العمي والحسن بن رشيد، عن سليمان بن كثير العمي، قال: أخبرني عمي قال: رأيت قتيبة بن مسلم حين قدم خراسان في سنة ست وثمانين، فقدم والمفضل يعرض الجند، وهو يريد أن يغزو أخرون وشومان، فخطب الناس قتيبة، وحثهم على الجهاد، وقال: إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقماً، ووعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " . ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب، وأعظم الذخر عنده فقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله " ، إلى قوله " أحسن ما كانوا يعملون " . ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حي مرزوق، فقال " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " . فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم، وإياي والهوينى. ذكر ما كان من أمر قتيبة بخراسان في هذه السنة ثم عرض قتيبة الجند في السلاح والكراع، وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان بن السعدي، فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائهم فساروا معه، فلما قطع النهر تلقاه تيش الأعور ملك الطغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب، فدعاه إلى بلاده، فأتاه وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال، ودعا إلى بلاده، فمضى مع بيش إلى الصغانيان، فسلم إليه بلاده، وكان ملك آخرون وشومان قد أساء جوار تيش وغزاه وضيق عليه، فسار قتيبة إلى أخرون وشومان - وهما من طخارستان، فجاءه غشتاسبان فصالحه على فدية أداها إليه، فقبلها قتيبة ورضي، انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم، وتقدم جنده فسبقهم إلى مرو، وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسارا، وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ؛ فوهب له قرية تدعى تنجانة، ثم قدم صالح على قتيبة فاستعمله على الترمذ. قال: واما الباهليون فيقولون: قدم قتيبة خراسان سنة خمس وثمانين فعرض الجند، فكان جميع ما أحصوا من الدروع في جند خراسان ثلثمائة وخمسين درعاً، فغزا أخرون وشومان، ثم قفل فركب السفن فانحدر إلى آمل، وخلف الجند، فأخذوا طرق بلخ إلى مرو، وبلغ الحجاج، فكتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند، وكتب إليه: إذا غزوت فكن في مقدم الناس، وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم. وقد قيل: إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة على بلخ، لأن بعضها كان منتقداً عليه ، وقد ناصب المسلمين، فحارب أهلها، فكان ممن سبى امرأة برمك، أبا خالد بن برمك - وكان برمك على النوبهار - فسارت لعبد الله بن مسلم الذي يقال له الفقير، أخى قتيبة بن مسلم، فوقع عليها، وكان به شيء من الجذام. ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذي حاربهم قتيبة، فأمر قتيبة برد السبى، فقالت امرأة برمك لعبد الله بن مسلم: يا تازي، إني قد علقت منك. وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة، فأوصى أن يلحق به ما في بطنها، وردت إلى برمك، فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي حين قدم الري إلى خالد، فادعوه، فقال لهم مسلم بن قتيبة: إنه لا بد لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه، فتركوه وأعرضوا عن دعواهم. وكان برمك طبيباً، فداوى بعد ذلك مسلمة من علة كانت به.
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. وفيها حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان، وعبد الملك بن المهلب عن شرطته. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان الأمير على العراق كله والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى الصلة بالكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل. وعلى الحرب بها من قبل الحجاج زياد بن جرير بن عبد الله. وعلى البصرة أيوب بن الحكم. وعلى خراسان قتيبة بن مسلم.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث في هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة، وورد عزله عنها - فيما ذكر - ليلة الأحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين. وكانت إمرته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه.
خبر إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة وفي هذه السنة ولي الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة. قال الواقدي: قدمها والياً في شهر ربيع الأول؛ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وولد سنة اثنتين وستين. قال: وقدم على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان. قال: فحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة ونزل دار مروان دخل عليه الناس فسلموا، فلما صلى الظهر دعا عشرة م فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله ابن عمرو، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد؛ فدخلوا عليه فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني. فخرجوا يجزونه خيراً، وافترقوا.
قال: وكتب الوليد إلى عمر يأمره أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، وكان فيه سيء الرأي.
قال الواقدي: فحدثني داود بن جبير، قال: أخبرتني أمولد سعيد بن المسيب أن سعيداً دعا أبنه ومواليه فقال: إن هذا الرجل يوقف للناس أوقد وقف - فلا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة، فإنا سنترك ذلك لله وللرحيم، فإن كان ما علمت لسيء النظر لنفسه، فأما كلامه فلا أكلمه أبداً.
قال: وحدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، عن أبيه، قال: كان هشام بن إسماعيل يسيء جوارنا ويؤذينا، ولقى منه على بن الحسين أذى شديداً، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس، فقال ما أخاف إلا من علي بن الحسين. فمر به علي وقد وقف عند دار مروان، وكان علي قد تقدم إلى خاصته ألا يعرض له أحد منهم بكلمة؛ فلما مر ناداه هشام بن إسماعيل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. خبر صلح قتيبة ونيزك وفي هذه السنة قدم نيزك على قتيبة ، وصالح قتيبة أهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد أن أبا الحسن الجشمي أخبره عن أشياخ من أهل خراسان، وجبلة بن فروخ عن محمد بن المثنى، أن نيزك طرخان كان في يديه أسراء من المسلمين، وكتب إليه قتيبة حين صالح ملك شومان فيمن في يديه من أسرى المسلمين أن يطلقهم، ويهدده في كتابه، فخافه نيزك، فأطلق الأسرى، وبعث بهم إلى قتيبة، فوجه إليه قتيبة سلياً الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، وكتب إليه كتاباً يحلف فيه بالله: لئن لم يقدم عليه ليغزونه، ثم ليطلبنه حيث كان ، لا يقلع منه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك. فقدم سليم على نيزك بكتاب قتيبة - وكان يستنصحه - فقال له: يا سليم، ما أظن عند صاحبك خيراً، كتب إلي كتاباً لايكتب إلى مثلي! قال له سليم: يا أبا الهياج، إن هذا رجل شديد في سلطانه، سهل إذا سوهل، صعب إذا عوسر، فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك، فما أحسن حلك عنده وعند جميع مضر! فقدم نيزك مع سليم على قتيبة، فصالحه أهل باذغيس في سنة سبع وثمانين على ألا يدخل باذغيس.

خبر غزو مسلمة بن عبد الملك أرض الروم وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ومعه يزيد بن جبير، فلقى الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة. قال الواقدي: فيها لاقى مسلم ميموناً الجرماني ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل انطاكية عند طوانة، فقتل منهم بشراً كثيراً، وفتح الله على يديه حصوناً. وقيل: إن الذي غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح الله على يديه حصن بولق وحصن الأخرم وحصن بولس وقمقم، وقتل ممن المستعربة نحواً من ألف مقاتل، وسبى ذراريهم ونسائهم. خبرغزو قتيبة بيكند وفي هذه السنة غزا قتيبة بيكند. ذكر الخبر عن غزوته هده: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس. عن أبيه، عن حسين بن مجاهد الرازي وهارون بن عيسى، عن يونس ابن أبي إسحاق وغيرهم، أن قتيبة لما صالح نيزك أقام إلى وقت الغزو،ثم غزا في تلك السنة - سنة سبع وثمانين - بيكند، فسار من مرو وأتى مرو الروذ، ثم أتى آمل! ثم مضى إلى زم فقطع النهر، وسار إلى بيكند - وهي أدنى مدائن بخاري إلى النهر، يقال لها مدينة التجار على رأس المفازة من بخاري - فلما نزل بعقوتهم استنصروا الصغد، واستمدوا من حولهم، فآتوهم في جمع كثير، وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول، ولم يصل إليه رسول، ولم يجر له خبر شهرين، وأبطأ خبره على الحجاج، فأشفق الحجاج على الجند، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد، وكتب بذلك إلى الأمصار وهم يقتتلون في كل يوم. قال: وكان لقتيبة عين يقال له تنذر من العجم، فأعطاه أهل بخاري الأعلى مالاً على أن يفشأ عنهم قتيبة؛ فآتاه، فقال: أخلني، فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبي، فقال تنذر: هذا عامل يقدم عليك، وقد عزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو! فدعا قتيبة سياه مولاه، فقال: اضرب عنق تنذر، فقتله، ثم قال لضرار: لم يبق أحد يعلم هذا الخبر غيري وغيرك، وإني أعطي الله عهداً إن ظهر هذا الحديث من أحد حتى تنقضي حربنا هذه لألحقنك به؛ فاملك لسانك، فإن انتشار هذا الحديث يفت في أعضاد الناس. ثم أذن للناس. قال: فدخلوا، فراعهم قتل تنذر، فوجموا وأطرقوا، فقال قتيبة: ما يروعكم من قتل عبد أحانه الله! قالوا: إنا كنا نظنه ناصحاً للمسلمين، قال: بل كان غاشاً فأحانه الله بذنبه، فقد مضى لسبيله، فاغدوا على قتال عدوكم، والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به. فغدا الناس متأهبين، وأخذوا مصافهم، ومشى قتيبة قحض أهل الريات، فكانت بين الناس مشاولة، ثم تزاحفوا والتقوا، وأخذت السيوف مأخذها، وأنزل الله على المسلمين الصبر، فقاتلوهم حتى زالت الشمس، ثم منح الله المسلمين أكتافهم، فانهزموا يريدون المدينة، واتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول فتفرقوا، وركبهم المسلمون قتلا وأسراً كيف شاءوا، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة، وهم قيل، فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح فصالحهم، واستعمل عليهم رجلا من بني قتيبة. وارتحل عنهم يريد الرجوع، فلما سار مرحلة أو ثنتين، وكان منهم عل خمسة فراسخ نقضوا وكفروا، فقتلوا العامل وأصحابه، وجدعوا آنفهم وآذانهم، وبلغ قتيبة فرجع إليهم، وقد تحصنوا، فقاتلهم شهراً، ثم وضع الفعلة في أصل المدينة فعلقوها بالخشب، وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدم، فسقط الحائط وهم يعلقونه، فقتل أربعين من الفعلة، فطلبوا الصلح، فأبى وقاتلهم، فظفر بهم عنوة، فقتل من كان فيها من المقاتلة، وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور كان هو الذي استجاش الترك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا افدي نفسي، فقال له سليم الناصح: ما تبذل؟ قال: خمسة آلاف حريرة صينية قيمتها ألف ألف، فقال قتيبة: ما ترون؟ قالوا: نرى أن فداءه زيادة في غنائم المسلمين، وما عسى أن يبلغ من كيد هذا! قال: لا والله لا تروع بك مسلمة أبداً، وأمر به فقتل قال علي: قال أبو الذيال، عن المهلب بن إياس، عن أبيه والحسن ابن رشيد، عن طفيل بن مرداس، أن قتيبة لما فتح بيكند أصابوا فيها

من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى، فولى الغنائم والقسم عبد الله بن وألان العدوي أحد بني ملكان - وكان قتيبة يسميه الأمين ابن الأمين - وإياس بن بيهس الباهلي، فأذابا الآنية والأصنام فرفعاه إلى قتيبة، ورفعا إليه خبث ما أذابا، فوهبه لهما، فأعطيا به أربعين ألفاً، فأعلماه فرجع فيه وأمرهما أن يذيباه فأذاباه، فخرج منه خمسون ومائة ألف مثقال - أو خمسون ألف مثقال - وأصابوا في بيكند شيئاً كثيراً، وصار في أيدي المسلمين من بيكند شيء لم يصيبوا مثله بخراسان، ورجع قتيبة إلى مرو وقوى المسلمون، فاشتروا السلاح والخيل، وجلبت إليهم الدواب. وتنافسوا في حسن الهيئة والعدة، وغالوا بالسلاح حتى بلغ الرمح سبعين؛ وقال الكميت:
ويوم بيكند لا تحصى عجائبه ... وما بخاراء مما أخطأ العدد
وكان في الخزائن سلاح وآلة من آلة الحرب كثير، فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند، فأذن له، فأخرجوا ما كان في الخزائن من عدة الحرب وآلة السفر، فقسمه في الناس فاستعدوا، فلما كان الربيع ندب الناس وقال: إني أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد، وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الإدفاء؛ فسار في عدة حسنة من الدواب والسلاح، فأتى آمل؛ ثم عبر من زم إلى بخارى، فأتى نومشكث - وهي من بخارى - فصالحوه.
قال علي: حدثنا أبو الذيال، عن أشياخ من بني عدي، أن مسلماً الباهلي قال لو ألان: إن عندي مالاً أحب أن أستودعكه، قال: أتريد أن يكون مكتوماً أو لا تكره أن يعلمه الناس؟ قال: أحب أن تكتمه؛ قال: ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا و كذا ومره إذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف؛ قال: نعم، فجعل مسلم المال في خرج، ثم حمله على بغل وقال لمولى له: انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا، فإذا رأيت رجلاً جالساً فخل عن البغل وانصرف. فانطلق الرجل بالبغل، وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده. فأبطأ عليه رسول مسلم، ومضى الوقت الذي وعده، فظن أنه قد بدا له، فانصرف وجاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك الموضع، وجاء مول مسلم فرأى الرجل جالساً، فخلى عن البغل ورجع، فقام التغلبي إلى البغل، فلما رأى المال ولم ير مع البغل أحداً قاد البغل إلى منزله، فأخذ البغل وأخذ المال، فظن مسلم أن المال قد صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه، فلقيه فقال: مالي! فقال: ماقبضت شيئاً، ولا لك عندي مال. قال: فكان مسلم يشكوه ويتنقصه. قال: فأتى يوماً مجلس بني ضبيعة فشكاه والتغلبي جالس، فقام إليه فخلا به وسأله عن المال، فأخبره فانطلق به إلى منزله، وأخرج الخرج فقال: أتعرفه؟ قال: نعم، قال: والخاتم؟ قال: نعم؛ قال: اقبض مالك، وأخبره الخبر، فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التي كان يشكو إليهم وألان فيعذره ويخبرهم الخبر، وفي وألان يقول الشاعر:
ولست كو ألان الذي ساد بالتقى ... ولست كعمران ولا كالمهلب
وعمران: ابن الفصيل البرجمي. وحج بالناس في هذه السنة - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى،عن أبي معشر - عمر بن عبد العزيز، وهو أمير على المدينة.
وكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حزم من قبل عمر بن عبد العزيز. وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف، وخليفته على البصرة في هذه السنة - فيما قيل - الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الله ابن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم.
ثم دخلت سنة ثمان ثمانين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
خبر فتح حصن طوانة من بلاد الروم فمن ذلك ما كان من فتح الله على المسلمين حصناً من حصون الروم يدعى طوانة في جمادى الآخرة وشتوا بها، وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك.
فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ثور بن يزيد حدثه عن أصحابه قال: كان فتح طوانة على يدي مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، وهزم المسلمون العدو يومئذ هزيمة صاروا إلى كنيستهم، ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا ألا يجتبروها أبداً، وبقي العباس معه نفير؛ منهم

ابن محيريز الجمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال ابن محيريز: نادهم يأتوك؛ فنادى العباس: يا أهل القرآن! فأقبلوا جميعاً، فهزم الله العدو حتى دخلوا طوانة. وكان الوليد بن عبد الملك ضرب البعث على أهل المدينة في هذه السنة. فذكر محمد بن عمر، عن أبيه، أن مخرمة بن سليم الوالبي قال: ضرب عليهم بعث ألفين. وأنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة، وتخلف خمسمائة، فغزوا الصائفة مع مسلمة والعباس، وهما على الجيش. وإنهم شتوا بطوانة وافتتحوها. وفيها ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
ذكر عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدخالها في المسجد، فذكر محمد بن عمر، أن محمد بن جعفر بن وردان البناء قال: رأيت الرسول الذي بعثه الوليد بن عبد الملك قدم في شهر ربيع الأول سنة ثمان و ثمانين، قدم معتجراً، فقال الناس: ما قدم به الرسول! فدخل على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد يأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله، وأن يشتري ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوموا له قيمة عدل، ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الأثمان، فإن لك في ذلك سلف صدق؛ عمر وعثمان فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده، فأجاب القوم إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناء المسجد، فلم يمكث إلا يسيراً حتى قدم الفعلة، بعث بهم الوليد. قال محمد بن عمر: وحدثني موسى بن يعقوب، عن عمه، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، يرونه أعلاماً في المسجد ويقرونه، فأسسوا أساسه. قال محمد بن عمر: وحدثني يحيى ين النعمان الغفاري، عن صالح بن كيسان، قال: لما جاء كتاب الوليد من دمشق وسار خمس عشرة بهدم المسجد، تجرد عمر بن عبد العزيز، قال صالح: فاستعملني على هدمه وبنائه، فهدمناه بعمال المدينة، فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد.
قال محمد: وحدثني موسى بن أبي بكر، عن صالح بن كيسان، قال: ابتدأنا بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر من سنة ثمان وثمانين، وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعينه فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، وبعث إليه بمائة عالم، وبعث من الفسيفساء بأربعين حملا، وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خربت، فبعث بها إلى الوليد فبعث بذلك الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، وفي هذه السنة ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد. وفيها غزا أيضاً مسلمة الروم، ففتح على يديه حصون ثلاثة: حصن قسطنطينة، وغزالة، وحصن الأخرم، وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبي الذرية وأخذ الأموال. ذكر غزو قتيبة نومشكث وراميثنه وفي هذه السنة غزا قتيبة نومشكث وراميثنه، ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه: ذكر على بن محمد، أن المفضل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن حيان، عن مولى لهم أدرك ذلك، أن غزا نومشكث في سنة ثمان وثمانين، واستخلف على مرو بشار بن مسلم، فتلقاه أهلها، فصالحهم، ثم صار إلى راميثنه فصالحه أهلها، فانصرف عنهم وزحف إليه الترك، معهم السغد وأهل فرغانة، فاعترضوا المسلمين في طريقهم، فلحقوا عبد الرحمن ابن مسلم الباهلي وهو على الساقة، بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فلما قربوا منه أرسل رسولاً إلى قتيبة بخبره، وغشيه الترك فقاتلوه، وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس، فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلهم، وقد كاد الترك يستعملونهم، فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصبروا، وقاتلوهم

إلى الظهر، وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة، فهزم الله الترك، وفض جمعهم، ورجع قتيبة يريد مرو، وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ، ثم أتى مرو. وقال الباهليون: لفي الترك المسلمين عليهم كور مغانون التركي ابن أخت ملك الصين في مائتي ألف، فأظهر الله المسلمين عليهم، ذكر ما عمل الوليد من المعروف وفي هذه السنة كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في البلدان. قال محمد بن عمر: حدثني ابن أبي سبرة، قال: حدثني صالح بن كيسان، قال: كتب الوليد إلى عمر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة، وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك، وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله بذلك، قال: وحبس المجذمين عن أن يخرجوا على الناس، وأجرى عليهم أرزاقاً، وكانت تجري عليهم. وقال. ابن أبي سبرة، عن صالح بن كيسان؛ قال: كتب الوليد إلى عمر ابن عبد العزيز أن يعمل الفوارة التي عند دار يزيد بن عبد الملك اليوم، فعملها عمر وأجرى ماءها فلما حج الوليد وقف عليها، فنظر إلى بيت الماء والفوارة، فأعجبته، وأمر لها بقوام يقومون عليها، وأن سقى أهل المسجد منها، ففعل ذلك وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز في رواية محمد بن عمر ذكر أن محمد بن عبد الله بن جبير - مولى لبني العباس - حدثهعن صالح بن كيسان، قال: خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة - يعني سنة ثمان وثمانين - بعدة من قريش، أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة، وأحرموا معه من ذي الحليفة، وساق معه بدنا، فلما كان بالتنعيم لقيهم نفر من قريش، منهم ابن أبي مليكة وغيره. فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش. وذلك أن المطر قل، فقال عمر: فالمطلب هاهنا بين، تعالوا ندع الله. قال: فرأيتهم دعوا ودعا معهم، فألحوا في الدعاء. قال صالح: فلا والله إن وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل، وسكبت السماء، وجاء سيل الوادي، فجاء أمر خافه أهل مكة، ومطرت عرفه ومنى وجمع؛ فما كانت إلا عبراً، قال: ونبتت مكة تلك السنة للخصب.
وأما أبو معشر فإنه قال: حج بالناس سنة ثمان و ثمانين عمر بن الوليد ابن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى عنه. وكانت العمال على الأمصار في هذه السنة العمال الذين ذكرنا أنهم كانوا عمالها في سنة سبع ثمانين.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
خبر غزو مسلمة أرض الروم
فمن ذلك افتتاح المسلمين في هذه السنة حصن سورية، وعلى الجيش مسلمة بن عبد الملك، زعم الواقدي أن مسلمة غزا في هذه السنة أرض الروم، ومعه العباس بن الوليد ودخلاها جميعاً ثم تفرقا، فافتتح مسلمة حصن سورية، وافتتح العباس أذرولية، ووافق من الروم جميعاً فهزمهم. وأما غير الواقدي فإنه قال: قصد مسلمة عمورية فوافق بها للروم جمعاً كثيراً، فهزمهم الله، وافتتح هرقلة وقمودية. وغزا العباس الصائفة من ناحية البد ندون خبر غزو قتيبة بخارى وفي هذه السنة غزا قتيبة بخارى، ففتح راميثنه. ذكر علي بن محمد عن الباهليين أنهم قالوا ذلك، وأن قتيبة رجع بعد ما فتحها في طريق بلخ، فلما كان بالفارياب أتاه كتاب الحجاج: أن رد وردان خذاه. فرجع قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زم، فقطع النهر، فلقيه السغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السفلي عن يمين وردان، فلقوه بجمع كثير، ففاتلهم يومين وليلتين، ثم أعطاه الله الظفر عليهم؛ فقال نهار بن توسعة:
وباتت لهم منا بخرقان ليلة ... وليلتنا كانت بخرقان أطولا
قال علي: أخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس، وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة، أن قتيبة غزا وردان خذاه ملك بخارى سنة تسع وثمانين فلم يطقه، ولم يظفر من البلد بشيء، فرجع إلى مرو، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج: أن صورها لي، فبعث إليه بصورتها، فكتب إليه الحجاج: أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله مما كان منك، وأتها من مكان كذا وكذا

وقيل: كتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسف ورد وردان، وإياك و التحويط، ودعني من بنيات الطريق خبر ولاية خالد القسري على مكة وفي هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسري مكة فيما زعم الواقدي، وذكر أن عمر بن صالح حدثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول على منبر مكة وهو يخطب: أيها الناس، أيهما أعظم؟ أخليفة الرجل على أهله، أم رسوله إليهم؟ و الله لو لم تعلموا فضل الخليفة، إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحاً أجاجاً، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً، بئراً حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين - ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال: ثم غارت البئر فذهبت فلا يدري أين هي اليوم. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصوناً ومدائن هنالك وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان العمال في هذه السنة على الأمصار العمال في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل.
ثم دخلت سنة تسعين
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ففي هذه السنة غزا مسلمة أرض الروم - فيما ذكر محمد بن عمر - من ناحية سورية، ففتح الحصون الخمسة التي بسورية، وغزا فيها العباس بن الوليد؛ قال بعضهم: حتى بلغ الأرزن؛ وقال بعضهم: حتى بلغ سورية. وقال محمد بن عمر: قول من قال: حتى بلغ سورية أصح.
وفيها قتل محمد بن القاسم الثقفي داهر بن صصة ملك السند، وهو على جيش من قبل الحجاج بن يوسف. وفيها استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبد الله بن عبد الملك.
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فذهبوا به إلى ملكهم، فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك.
خبر فتح بخارىوفيها فتح قتيبة بخارى، وهزم جموع العدو بها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس؛ وأبا العلاء عن إدريس بن حنظلة؛ أن كتاب الحجاج لما ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان، من انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى قبل الظفر به والمصير إليه، ويعرفه الموضع الذي ينبغي له أن يأتي بلده منه، خرج قتيبة إلى بخارى في سنة تسعين غازياً، فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرونهم، فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة فحصرهم، فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلوهم، فقالت الأزد: اجعلونا على حدة وخلوا بيننا وبين قتالهم. فقال قتيبة: تقدموا؛ فتقدموا يقاتلونهم وقتيبة جالس، عليه رداء أصفر فوق سلاحه، فصبروا جميعاً ملياً، ثم جال المسلمون، وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين، فكروا راجعين، وانطوت مجنبتاً المسلمين على الترك، فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم، فوقف الترك على نشز، فقال قتيبة: من يزيلهم لنا عن هذا الموضع؟ فلم يقدم عليهم أحد، والأحياء كلها وقوف. فمشى قتيبة إلى بني تميم، فقال: يا بني تميم، إنكم أنتم بمنزلة الحطمية، فيوم كأيامكم، أبى لكم الفداء! قال: فأخذ وكيع اللواء بيده، وقال: يا بني تميم، أتسلمونني اليوم؟ قالوا: لا يا أبا مطرف - وهريم بن أبي طلحة المجاشعي على خيل بني تميم ووكيع رأسهم، والناس وقوف - فأحجموا جميعاً، فقال وكيع: يا هريم، قدم، ودفع إليه الراية، وقال: قدم خيلك فتقدم هريم، ودب وكيع في الرجال، فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدو فوقف، فقال له وكيع: اقحم يا هريم؛ قال: فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصئول وقال: أنا أقحم خيلي هذا النهر، فإن انكشفت كان هلاكها! والله إنك لأحمق؛ قال: يا بن اللخناء، ألا أراك ترد أمري! وحذفه بعمود كان معه، فضرب هريم فرسه فأقحمه، وقال: ما بعد هذا أشد من هذا، وعبر هريم في الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فدعا بخشب؛ فقنطر النهر وقال لأصحابه: من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر، ومن لا فليثبت مكانه؛ فما عبر معه إلا ثمانمائة

راجل، فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدو، فجعل الخيل مجنبتين، وقال لهريم: إني مطاعن القوم، فاشغلهم عنا بالخيل، وقال للناس: شدوا، فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم، وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرماح، فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم، ونادى قتيبة: أما ترون العدو منهزمين! فما عبر أحد ذلك النهر حتى ولى العدو منهزمين، فأتبعهم الناس، ونادى قتيبتة: من جاء برأس فله مائة. قال: فزعم موسى بن المتوكل القريعي، قال: جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني قريع، كل رجل يجيء برأس، فيقال له: من أنت؟ فيقول: قريعي. قال: فجاء رجل من الأزد برأس فألقاه، فقالوا له: من أنت؟ قال: قريعي؛ قال: وجههم بن زحر قاعد، فقال: كذب والله أصلحك الله! إنه لابن عمي؛ فقال له قتيبة: ويحك! ما دعاك إلى هذا؟ قال: رأيت كل من جاء قريعي: فظننت أنه ينبغي لكل من جاء برأس أن يقول: قريعي. قال: فضحك قتيبة. قال: وجرح يومئذ خاقان وابنه، ورجع قتيبة إلى مرو، وكتب إلى الحجاج: إني بعثت عبد الرحمن بن مسلم، ففتح الله على يديه. قال: وقد كان شهد الفتح مولى للحجاج، فقدم فأخبره الخبر، فغضب الحجاج على قتيبة، فاغتم لذلك، فقال له الناس. ابعث وفداً من بني تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الأمير أن الأمر على ما كتبت، فبعث رجالاً فيهم عرام بن شتير الضبي، فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعاتبهم ودعا بالحجام بيده مقراض فقال: لأقطعن ألسنتكم أو لتصدقني، قالوا: الأمير قتيبة، وبعث عليهم عبد الرحمن، فالفتح للأمير والرأس الذي يكون على الناس، وكلمه بهذا عرام بن شتير، فسكن الحجاج خبر صلح قتيبة مع السغد وفي هذه السنة جدد قتيبة الصلح بينه وبين طرخون ملك السغد. ذكر الخبر عن ذلك: قال علي: ذكر أبو ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:05 am

فادفعها إليه، وخذ منه البراءة بما تدفع إليه. ثم أقبل فمضى حتى قدم عليه وبين يديه المصحف، وهو يقرأ، فدخل عليه فسلم، فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من قراءته ثم رفع رأسه إليه فكلمه بكل شيء أمره به الوليد فتمعر وجهه، ثم قال: أما والله لئن قدرت عليك يوماً من الدهر لأقطعن منك طابقاً! فقال له: إنما كانت على الطاعة. ثم خرج من عنده. فلما أتى بذلك الذي بعث به الوليد إلى سليمان، دخل عليه الحارث بن ربيعة الأشعري وقال له: أعطني البراءة بهذا الذي دفعت إليك، فقال: كيف قلت لي؟ قال: لا أعيده عالماً أبداً، إنما كان على فيه الطاعة. فسكن، وعلم أن قد صدقه الرجل، ثم خرج وخرجوا معه، فقال: خذوا نصف هذه الأعدال وهذه الأسفاط وابعثوا بها إلى يزيد قال: فعلم الرجل أنه لا يطيع في يزيد أحداً، ومكث يزيد بن المهلب عند سليمان تسعة أشهر. وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في رمضان لتسع بقين منه في يوم الجمعة.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها غزا - فيما ذكر محمد بن عمر وغيره - الصائفة عبد العزيز بن الوليد، وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك. وفيها غزا أيضاً مسلمة الترك؛ حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح على يديه مدائن وحصون. وفيها غزا موسى بن نصير الأندلس، ففتح على يديه أيضاً مدائن وحصون. وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم نيزك طرخان. تتمة خبر قتيبة مع نيزك رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد رقصة نيزك وظفر قتيبة به حتى قتله. ولما قدم من كان قتيبة كتب إليه يأمره بالقدوم عليه من أهل أبرشهر وبيورد وسرخس وهراة على قتيبة، سار بالناس إلى مروروذ واستخلف على الحرب حماد بن مسلم، وعلى الخراج عبد الله بن الأهتم. وبلغ مرزبان مروروذ إقباله إلى بلاده، فهرب إلى بلاد الفرس. وقدم قتيبة مروروذ فأخذ ابنين له فتلهما وصلبهما، ثم سار إلى الطالقان فقام صاحبها ولم يحاربه، فكف عنه، وفيها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، واستعمل على الطالقان عمرو بن مسلم، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملك الفارياب مذعناً مقراً بطتاعته، فرضى عنه، ولم يقتل بها أحداً، واستعمل عليها رجلا من باهلة. وبلغ صاحب الجوزجان خبرهم، فترك أرضه وخرج إلى الجبال هارباً، وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقبل منهم، فلم يقتل فيها أحداً، واستعمل عليها عامر بن مالك الحماني، ثم أتى بلخ فلقيه الأصبهبذ في أهل بلخ، فدخلها فلم يقيم بها إلا يوماً واحداً. ثم مضى يبتع عبد الرحمن حتى أتى شعب خلم، وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان، وخلف مقاتلةً على فم الشعب ومضايقة يمنعونه، ووضع مقاتلةً في قلعة حصينة من وراءالشعب، فأقام قتيبة أياماًيقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر منهم على شيء، ولا يقدر على دخوله، وهو مضيق الوادي يجري وسطه، ولا يعرف طريقاً يفضي به إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتمل العساكر، فبقي متلدداً يلتمس الحيل. قال: فهو في ذلك إذ قدم عليه الروب خان ملك الروب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي وراء هذا الشعب، فآمنه قتيبة، وأعطاه ما سأله، وبعث معه رجالا ليلاً، فانتهى بهم إلى القلعة التي من وراء شعب خلم، فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم، وهرب من بقي منهم ومن كان في الشعب، فدخل قتيبة والناس الشعب، فأتى القلعة ثم مضى إلى سمنجان ونيزك ببغلان بعين تدعى فنج جاه، وبين سمنجان وبغلان مفازة ليست بالشديدة قال: فأقام قتيبة بسمنجان أياماً، ثم سار نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن، وبلغ نيزك فارتحل من منزله حتى قطع وادي فرغانة، ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن بن مسلم يتبعه، فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قتيبة أسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فرسخان. فتحرز نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد، وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدري وجدر جبغويه، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليماً الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك واحتل لأن تأتيني به بغير أمان، فإن أعياك وأبى فآمنه، واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك؛ فاعمل لنفسك. قال: فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يخالفني؛ قال: نعم. فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم

عليه، فقال له: ابعث رجالاً فليكونوا على فم الشعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب. قال: فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث أمرهم سليم، ومضى سليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقى أياماً والأخبصة أو قاراً، حتى أتى نيزك، فقال له نيزك: خذلتني يا سليم، قال: ما خذلتك، ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك، خلعت وغدرت، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تأتيه فقد أمحكته، وليس ببارح موضعه هذا، قد اعتزم على أن يشتو بمكانه؛ هلك أو سلم؛ قال: آتيه على غير أمان! قال: ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك، فإنك قد ملأته غيظاً، ولكني أرى ألا يعلم بك حتى تضع يدك في يده، فإني أرجو إن فعلت ذاك أن يستحي ويعفو عنك، قال: أترى ذلك؟ قال: نعم؛ إن نفسي لتأبى هذا، وهو إن رآني قتلني، فقال له سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت؛ فأما إذ أبيت فإني منصرف. قال: فنغديك إذاً، قال: إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام، ومعنا طعام كثير قال: ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغم ذلك نيزك، وقال سليم: يا أبا الهياج، أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم أمنهم أن يستأمنوا بك، فانطلق وأت قتيبة، قال: ما كنت لآمنه على نفسي، ولا آتيه على غير أمان؛ فإن ظني به أنه قاتلي وإن آمني، ولكن الأمان أعذر لي وأرجي، قال: فقد آمنك أفتتهمني! قال: لا، قال: فانطلق معي، قال له أصحابه: اقبل قول سليم، فلم يكن ليقول إلا حقاً، فدعا بدوابه وخرج مع سليم، فلما انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض قال: ياسليم، من كان لا يعلم متى يموت فإني أعلم متى أموت، أموت إذا عاينت قتيبة؛ قال: كلا أيقتلك مع الأمان! فركب ومضى معه جبغويه - وقد برأ من الجدري - وصول وعثمان ابنا أخي نيزك - وصول طرخان خليفة جبغوية، وخنس طرخان صاحب شرطه - قال: فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم على فوهة الشعب؛ فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزك لسليم: هذا أول الشر؛ قال: لا تفعل، تخلف هؤلاء عنك خير لك. وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم، فأرسل رسولاً إلى قتيبة يعلمه، فأرسل قتيبة عمرو بن أبي مهزم إلى عبد الرحمن: أن اقدم بهم على، فقدم بهم عبد الرحمن عليه، فحبس أصحاب نيزك، ودفع إلى ابن بسام الليثي، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، فجعل ابن بسام نيزك في قبته، وحفر حول القبة خندقاً، ووضع عليه حرساً. ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمي، فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه، وقدم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوماً يأمره بقتل نيزك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم؛ قال: كذبت، وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه، فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس، قال: فقام المهلب ابن إياس العدوي، وتكلم في أمر نيزك، فقال بعضهم: ما يحل له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحل له تركه، وكثرت الأقاويل فيه. وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما ترون في قتل نيزك؟ فاختلفوا، فقال قائل: اقتله، وقال قائل: أعطيته عهداً فلا تقتله؛

وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين. ودخل ضرار بن حصين الضبي فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إني سمعتك تقول: أعطيت الله عهداً إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبداً. فأطرق قتيبة طويلا، ثم قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلت: اقتلوه، اقتلوه، وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة. وأما الباهليون فيقولون: لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم، فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفي فانتضاه وطول كمية ثم ضرب عنقه بيده، وأمر عبد الرحمن فضرب عنق صول، وأمر صالحاً فقتل عثمان - ويقال: شقران ابن أخي نيزك - وقال لبكر بن حبيب السهمي من باهلة: هل بك قوة؟ قال: نعم، وأريد - وكانت في بكر أعرابية - فقال: دونك هؤلاء الدهاقين. قال: وكان إذا أتى برجل ضرب عنقه وقال: أوردوا ولا تصدروا، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفاً في قول الباهليين، وصلب نيزك وابني أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشانفي أسكيمشت، فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة:
لعمر لنعمت غزوة الجند غزوةً ... قضت نحبها من نيزك وتعلت
قال علي: أخبرنا مصعب بن حيان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن بن جزء الكلابي، وسوار بن زهدم الجرمي، فقال الحجاج: إن كان قتيبة لحقيقاً أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم، فقال سوار:
أقول لمحفن وجرى سنيح ... وآخر بارح من عن يميني
وقد جعلت بواثق من أمور ... ترفع حوله وتكف دوني
نشدتك هل يسرك أن سرجي ... وسرجك فوق أبغل باذيين
قال: فقال محفن: نعم و بالصين. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم وعلى بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة؛ عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يوماً بنيزك وهو محبوس، فقال: ما رأيك في السبل والشذ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلت إليهما؟ قال: لا؛ قال: فأرسل إليهما قتيبة فقد ما عليه، ودعا نيزك وجبغويه فدخلا، فإذا السبل والشذ بين يديه على كرسيين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لي عدواً - فهو أسن مني، وهو الملك وأنا كعبده، فأذن لي أدن منه، فأذن له، فدنا منه، فقبل يده وسجد له، قال: ثم استأذنه في السبل، فأذن له فدنا منه فقبل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أدن من الشذ، فإني عبده، فأذن له، فدنا منه فقبل يده، ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما، وضم إلى الشذ الحجاج القيني، وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك، فأخذ الزبير مولى عابس الباهلي خفاً لنيزك فيه جوهر، وكان أكثر من في بلاده مالاً وعقاراً؛ من ذلك الجوهر الذي أصابه في خفه. فسوغه إياه قتيبة، فلم يزل موسراً حتى هلك بكابل في ولاية أبي داود. قال: وأطلق قتيبة جبغوية ومن عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد. ورجع قتيبة إلى مرو، واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ، فكان الناس يقولون: غدر قتيبة بنيزك، فقال ثابت قطنة:
لا تحسبن الغدر حزماً فربما ... ترقت به الأقدام يوماً فزلت
وقال: وكان الحجاج يقول: بعثت قتيبة فتى غراً فما زدته ذراعاً إلا زادني باعاً. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم، عن أشياخ من أهل خراسان، وعلى بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة بن مسلم لما رجع إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان - وكان قد هرب عن بلاده - فأرسل يطلب الأمان، فآمنه على أن يأتيه فيصالحه، فطلب رهناً يكونون في يديه ويعطى رهائن، فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان وهائن من أهل بيته، فخلف ملك الجوزجان حبيباً بالجوزجان في بعض حصونه، وقدم على قتيبة فصالحه، ثم رجع فمات بالطالقان.
فقال أهل الجوزجان: سموه، فقتلوا حبيباً، وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده، فقال نهار بن توسعة لقتيبة:
أراك الله في الأتراك حكماً ... كحكم في قريظة والنضير
قضاء من قتيبة غير جور ... به يشفى الغليل من الصدور
فإن بر نيزك خزياً وذلاً ... فكم في الحرب حمق من أمير!
وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة ويذكر قتل نيزك ووصول ابن أخي نيزك وعثمان - أو شقران:

لمن الديار عفت بسفح سنام ... إلا بقية أيصر وثمام
عصف الرياح ذيولها فمحونها ... وجرين فوق عراصها بتمام
دار لجارية كأن رضابها ... مسك يشاب مزاجه بمدام
أبلغ أبا حفص قتيبة مدحتي ... واقرأ عليه تحيتي وسلامي
يا سيف أبلغها فإن ثنائها ... حسن وإنك شاهد لمقامي
يسمو فتتضع الرجال إذا سما ... لقتيبة الحامي حمى الإسلام
لأغر منتجب لكل عظيمة ... نحر يباح به العدو لهام
يمضي إذا هاب الجبان وأحمشت ... حرب تسعر نارها بضرام
تروي القناة مع اللواء أمامه ... تحت اللوامع والنحور دوام
والهام تفريه السيوف كأنه ... بالقاع حين تراه قيض نعام
وترى الجياد مع الجياد ضوامراً ... بفنائه لحوادث الأيام
وبهن أنزل نيزكا من شاهق ... والكرز حيث يروم كل مرام
وأخاه شقراناً سقيت بكأسه ... وسقيت كأسهما أخا باذام
وتركت صولا حين صال مجدلا ... يركبنه بدوابر وحوام
خبر غزو قتيبة شومان وكس ونسفوفي هذه السنة - أعنى سنة إحدى وتسعين - غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طوخان. ذكر الخبر عنذلك: قال علي: أخبرنا بشر بن عيسى عن أبي صفوان، وأبو السري وجبلة بن فروخ عن سليمان بن مجالد، والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمي، وأبو السرى المروزي عن عمه، وبشر بن عيسى وعلي ابن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان، وعياش ابن عبد الله الغنوي، عن أشياخ من أهل خراسان، قال: وحدثني ظئري - كل قد ذكر شيئاً، فألفته، وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض - أن فيلسنشب باذق - وقال بعضهم: فيسبشتان ملك شومان - طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التي صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قتيبة عياشاً الغنوي ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدي الفدية على ما صالح عليه قتيبة، فقدما البلد، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوي فقال: أما هاهنا مسلم! فخرج إليه رجل من المدينة فقال: أنا مسلم، فما تريد؟ قال: تعينني على جهادهم، قال: نعم، فقال له عياش: كن خلفي لتمنع لي ظهري، فقام خلفه - وكان اسم الرجل المهلب - فقاتلهم عياش، فحمل عليهم، فتفرقوا عنه، وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله، فوجدوا به ستين جراحةً، فغمهم قتله، وقالوا: قتلنا رجلاً شجاعاً وبلغ قتيبة، فسار إليهم بنفسه، وأخذ طريق بلخ، فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن، واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم، وكان ملك شومان صديقاً لصالح بن مسلم، فأرسل إليه رجلاً يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: ما تخوفني به من قتيبة، وأنا أمنع الملوك حصناً أرمي أعلاه، وأنا أشد الناس قوساً وأشد الناس رمياً، فلا تبلغ نشابي نصف حصني، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر، ثم أتى شومان و قد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق، ورمى حصنه فهشمه، فلما خاف أن يظهر عليه، ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك قعرها. قال: ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة وسبي الذرية، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف، وكتب إليه الحجاج، أن كس بكس وانسف نسف، وإياك والتحويط. ففتح كس ونسف، وامتنع عليه فرياب فحرقها فسميت المحترقة. وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد، إلى طرخون، فسار حتى نزل بمرج قريباً منهم، وذلك في وقت العصر، فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا، فأمر عبد الرحمن أبا مرضية - مولى لهم - أن يمنع الناس من شرب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم، فسال في الوادي، فسمى مرج النبيذ، فقال بعض شعرائهم:
أما النبيذ فلست أشربه ... أخشى أبا مرضية الكلب
متعسفاً يسعى بشكته ... يتوثب الحيطان للشرب

فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئاً كان قد صالحه عليه قتيبة، ودفع إليه رهناً كانوا معه، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى، فرجعوا إلى مرو، فقالت السغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك، قال: فولوا من أحببتم. قال: فولوا غوزك، وحبسوا طرخون؛ فقال طرخون: ليس بعد سلب الملك إلا القتل، فيكون ذلك بيدي أحب إلي من أن يليه مني غيري، فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره. قال: وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك. وأما الباهليون فيقولون: حصر قتيبة ملك شومان، ووضع على قلعته المجانيق، ووضع منجنيقاً كان يسميها. الفحجاء، فرمى بأول حجر فأصاب الحائط ورمى بأخر فوقع في المدينة، ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك، فأصاب رجلاً فقتله، ففتح القلعة عنوةً، ثم رجع إلى كس ونسف، ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهه، وكان فيها طواويس، فسموه منزل الطواويس، ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه، فلما أشرف على وادي السغد فرأى حسنه تمثل:
واد خصيب عشيب ظل يمنعه ... من الأنيس حذار اليوم ذا الرهج
وردته بعنانيج مسومة ... يردين بالشعث سفاكين للمهج
قال: فقبض من طرخون صلحه، ثم رجع إلى بخاري فملك بخاري خذاه غلاماً حدثاً، وقتل من خاف أن بضاده، ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو. قال: وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو، عن رجل من باهلة، قال: لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة. ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسري فلم يزل والياً عليها إلى أن مات الوليد. فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول: يا أيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمه، وهي التي اختار الله من البلدان، فوضع بها بيته، ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلاً. أيها الناس، فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم. إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيت وكيت. إنه لا أرى فيما كتب به الخليفة أو رأه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قوماً من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادكم، فإياكم أن تنزلوا أحداً ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحداً منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة الطاعة فإن الفرقة هي البلاء العظيم. قال محمد بن عمرو: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة، قال: اعتمرت فنزلت دور بني أسد في منازل الزبير، فلم أشعر به يدعوني، فدخلت عليه، فقالت: من أنت؟ قلت: من أهل المدينة؛ قال: ما أنزلك في منازل مخالف للطاعة! قلت: إنما مقامي إن أقمت يوماً أو بعضه، ثم ارجع منزلي وليس عندي خلاف، أنا ممن يعظم أمر الخلافة، وأزعم أن من جحدها فقد هلك. قال: فلا عليك ما أقمت، إنما يكره أن يقيم من كان زارياً على الخليفة. قلت: ما عاذ الله! وسمعته يوماً يقول: والله لو أعلم هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها من الحرم. إنه لا يسكن حرم الله وآمنه مخالف للجماعة، زار عليهم . قلت: وفق الله الأمير. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين. وكذلك قال محمد بن عمر: حدثني موسى بن أبي بكر، قال: حدثنا صالح بن كيسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلاً من قريش يخرجون معه، فيتلقون الوليد بن عبد الملك. منهم

أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام، وأخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، فخرجوا حتى بلغوا السويداء، وهم مع عمر بن عبد العزيز - وفي الناس يومئذ دواب وخيل - فلقوا الوليد وهو على ظهر، فقال لهم الحاجب: انزلوا لأمير المؤمنين، فنزلوا، ثم أمرهم فركبوا، فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذى خشب، ثم أحضروا، فدعاهم رجلاً رجلا فسلموا عليه، ودعا بالغداء فتغدوا عنده، وراح من ذى خشب، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بناءه فأخرج الناس منه، فما ترك فيه أحد، وبقي سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت! قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه. قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين! قال: والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيداً حتى يقوم، فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة، فقال: من ذالك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فجعل عمر يقول: نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك فسلم عليك، وهو ضعيف البصر.
قال الوليد: قد علمت حاله، ونحن نأتيه فنسلم عليه، فدار في المسجد حتى وقف على القبر، ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ قال الوليد: خير والحمد لله. فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فقلت أجل يا أمير المؤمنين. قال: وقسم الوليد بالمدينة رفيقاً كثيراً عجماً بين الناس، وآنية من ذهب وفضة، وأموالاً وخطب بالمدينة في الجمعة وصلى بهم قال محمد بن عمر: وحدثني إسحاق بن يحيى قال: رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عام حج، قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، في أيديهم، الجرزة وعمد الحديد على العواتق، فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة، ما عليه رداء، فصعد المنبر فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذن، ثم سكتوا، فخطب الخطبة الأولى وهو جالس، ثم قام فخطب الثانية قائماً، قال إسحاق: فلقيت رجاء بن حيوة وهو معه، فقلت: هكذا يصنعون! قال: نعم، وهكذا صنع معاوية فلهم جرا، قلت: أفلا تكلمه؟ قال: أخبرني قبيضة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان فأبى أن يفعل؛ وقال: هكذا خطب عثمان، فقلت: والله ما خطب هكذا، ما خطب عثمان إلا قائماً. قال رجاء: روي لهم هذا فأخذوا به. قال إسحاق: لم نر منهم أحداً أشد تجبراً منه. قال محمد بن عمر: وقدم بطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمرة وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط، فنشرها يوماً وطوى ورفع. قال: وأقام الحج الوليد بن عبد الملك.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين، غير مكة فإن عاملها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القسري في قول الواقدي. وقال غيره : كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضاً إلى عمر بن عبد العزيز.
ثم دخلت سنة إثنتين وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم، ففتح على يد مسلمة حصون ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم. فتح الأندلس وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثنى عشر ألفاً، فلقى ملك الأندلس زعم الواقدي أنه يقال له أدرينوق، وكان رجلا من أهل أصبهان، قال: وهم ملوك عجم الأندلس - فزحف

له طارق بجميع من معه، فزحف الأدرينوق في سرير الملك وعلى الأدرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قتل الله الأدرينوق، وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. وفيها غزا - فيما زعم بعض أهل السير - قتيبة سجستان يريد رتبيل الأعظم والزابل، فلما نزل السجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح، فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه عبد الله بن عمير الليثي. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي وغيره. وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، ففتح الله على يديه سمسطية.
وفيها كانت أيضاً غزوة مروان بن الوليد الروم. فبلغ خنجرة وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، فافتتح ماسا وحصن الحديد وغزالة وبرجمة من ناحية ملطية.
صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جود وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالح ملك خوارزم صلحاً مجدداً ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد، عن طفيل بن مرداس العمي وعلى بن مجاهد، عن حنبل ابن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم - وقد ذكر بعضهم مالم يذكر بعض فألفته - أن ملك خوارزم كان ضعيفاً، فغلبه أخوه خرزاذ على أمره - وخرزاذ أصغر منه - فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعاً فاخراً أرسل فأخذه، أو بلغه أن لأحد منهم بنتاً أو أختاً أو امرأةً جميلة أرسل إليه فغصبه، وأخذ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يمتنع عليه أحد، ولا يمنعه الملك، فإذا قيل له، قال: لا أقوى عليه، وقد ملأه مع هذا غيظاً، فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه، وبعث إليه بمافتيح مدائن خوارزم، ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده، يحكم فيه بما يرى، وبعث في ذلك رسلا، ولم يطلع أحداً من مرازبته ولا دهاقنه على ما كتب به إلى قتيبة، فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو، وقد تهيأ للغزو، فأظهر قتيبة أنه يريد السغد، ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة، وسار واستخلف على مرو ثابتاً الأعور مولى مسلم قال: فجمع ملوكه أحباره ودهاقينه فقال: إن قتيبة يريد السغد، وليس بغازيكم، فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم، وأمنوا عند أنفسهم الغزو، قال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزارسب دون النهر، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله، قال:

لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة؛ ولكني أرى أن نصرفه بشيء نؤديه إليه، فنصرفه عامنا هذا، ونرى رأينا قالوا: ورأينا رأيك. فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر قال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل أحصنهن، فنزلها خوارزم شاه - وقتيبة في هرازسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ - فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومتاع، وعلى أن يعينه على ملك خام جرد، وأن يفي له بما كتب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووفى له. وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد، وكان يعادي خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقد منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، وأمر قتيبة لما جاءه بهم عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس. قال: وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف. قال: قال المهلب بن إياس: أخذت يومئذ سيوف الأشراف فضرب بها الأعناق، فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح، فأخذوا سيفي فلم يضرب به شيء إلا أبانه، فحسدني بعض آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلا، فوقع في ضرس المقتول فثلمه قال أبو الذيال: والسيف عندي. قال: ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم، واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينة فيل، فقبل من خورازم شاه ما صالحه عليه، ثم رجع إلى هزارسب، وقال كعب الأشقري:
رمتك فيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف
لا يجزئ الثغر خوار القناة ولا ... هش المكاسر والقلب الذي يجف
هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم ... ما دون كازه الفجفاج ملتحف
لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف
أنتم شباس ومرداذان محتقر ... وبسخراء قبور حشوها القلف
إني رأيت أبا حفص تفضله ... أيامه ومساعي الناس تختلف
قيس صريح وبعض الناس يجمعهم ... قرى وريف فمنسوب ومقترف
لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفاً وعز السغد مؤتنف
وفي سمرقند أخرى أتت قاسها ... لئن تأخر عن حوبائك التلف
ما قدم الناس من خير سبقت به ... ولا يفوتك مما خلفوا شرف
قال: أ نشدني على بن مجاهد: رمتك فيل بما دون كاز قال: وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوز جاني؛ وأما غيرهما فقال: رمتك فيل بما فيها وقالوا: فيل مدينة سمرقند؛ قال: وأثبتها عندي قول على بن مجاهد. قال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس. قال: وكان خاصة قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانوا قدموا من سجستان فأجمه عامهم هذا، فأبى. قال: فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد، فقال الأشقزي:
لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفاً أعز السغد مؤتنف
فتح سمرقند قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند، فافتتحها. ذكر الخبر عن ذلك: قد تقدم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر علي بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم، ثم ذكر مدرجاً في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال: إن لي حاجة، فأخلني، فأخلاه، فقال: إن أردت السغد يوماً من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمته أحداً؟ قال: لا، قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك. فأقام يومه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال: سر في الفرسان والمرامية، وقدم الأثقال إلى مرو، فوجهت الأثقال إلى مرو، ومضى عبد الرحمن

يتبع الأثقال يريد مرو يومه كله، فلما أمسى كتب إليه: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغد، واكتم الأخبار، فإني بالأثر. قال: فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الأثقال أن يمضوا إلى مرو، وسار حيث أمرهم، وخطب قتيبة الناس فقال: إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن، وهذه السغد شاغرة برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، منعوناً ما كنا صالحنا عليه طرخون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة، وقال الله: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " . قال: فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفاً، وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخارى بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم " فساء صباح المنذرين " . فحصرهم شهراً، فقاتلوا في حصارهم مراراً من وجه واحد. وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة: إن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم. فأجمعوا على أن يأتوهم، وأرسلوا إليهم: أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم. قال: وانتخبوا فرساناً من أبناء المرازبة والأساورة والأشداء الأبطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم، وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم .
فانتخب قتيبة ثلثمائة أو ستمائة من أهل النجدة، واستعمل عليهم صالح ابن مسلم، فصيره في الطريق الذي يخاف أن يؤتى منه. وبعث صالح عيوناً يأتونه بخبر القوم، ونزل على فرسخين من عسكر القوم، فرجعت إليه عيونه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم، ففرق صالح خيله ثلاث فرق؛ فجعل كميناً في موضعين، وأقام على قارعة الطريق، وطرقهم المشركون ليلاً، ولا يعلمون بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر، فلم يعلموا بصالح حتى غشوه. قال: فشدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا. قال: وقال رجل من البراجم: حصرتهم فما رأيت قط قوماً كانوا أشد قتالاً من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر، فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير، وحوينا سلاحهم، واحترزنا رءوسهم، وأسرنا منهم أسرى، فسألناهم عمن قتلنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك، أو عظيماً من العظماء، أو بطلاً من الأبطال؛ ولقد قتلتم رجالاً إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل، فكتبنا على آذانهم، ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأساً معروفاً بإسمه، وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة، فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد، ووضع قتيبة عليهم المجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم، فقاتلوا قتالاً شديداً، وبذلوا أنفسهم. فأرسل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي من العجم، فأخرج إلي العرب، فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال: أعرض الناس، وميز، أهل البأس فجمعهم، ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه، ودعا العرفاء وجعل

يدعو برجل رجل. فيقول: ما عندك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول: ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ماهذا؟ فيقول: جبان، فسمى قتيبة الجبناء الأنتان، وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين، وترك لهم رفث السلاح، ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرساناً ورجالاً، ورمى المدينة بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن، وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة، وكان مع قتيبة قوم رماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيكمايرمي هذا الرجل، فإن أصابه فله عشرة آلاف، وإن أخطأه قطعت يده، فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر، فرماه فلم يخطئ عينه، فأمر له بعشرة آلاف. قال: وأخبرنا الباهليون، عن يحيى بن خالد عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو، قال: كنت في رماة قتيبة، فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه فوجدته ميتاً على الحائط، وما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه، ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة، فثلموا فيها، وقال قتيبة: ألحوا حتى تعبروا الثلمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة، ورماهم السغد بالنشاب، فوضعوا ترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه، ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غداً. فأما باهل فيقولون: قال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة، ومجانيقنا تخطر على رؤوسهم ومدينتهم. قال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جزع العبيد، فانصرفوا على ظفركم، فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب، على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون فهم فيها مقاتل، فيبني له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويوضع له فيها منبر فيخطب، ويتغدى ويخرج، قال: فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة، من كل خمس برجلين، فقبضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم، ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجداً ووضعوا منبراً، ودخلها في أربعة آلاف انتخبهم، فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى، وأرسل إلى أهل السغد: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذه؛ فإني لست خارجاً منها، وإنما صنعت هذا لكم، ولست أخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها، قال: أما الباهليون فيقولون: صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسلبت؛ ثم وضعت بين يديه، فكانت كالقصر العظيم حين جمعت، فأمر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إن فيها أصناماً من حرقها هلك. فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، فجاء غوزك، فجثا بين يديه وقال: أيها الأمير. إن شكرك علي واجب، لا تعرض لهذه الأصنام؛ فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده، وخرج فكبر، ثم أشعلها، وأشعل الناس فاضطرمت، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال، قال: وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض، عن أبيه،قال: حدثني من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدوراً عظاماً من نحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسان، أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور؟ قال: لا، لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور، فضحك قتيبة وقال: أدركت بثأرك. قال: وقال محمد بن أبي عيينة لسلم بن قتيبة بين يدي سليمان بن على: إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر إنه غدر بخوارزم وسمرقند، قال: فأخبرنا شيخ من بني سدوس عن حمزة بن بيض قال: أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزد جرد، فقال: أترون ابن هذه يكون هجيناً؟ فقالوا: نعم، يكون هجيناً من قبل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجاج إلى الوليد، فولدت له يزيد ابن الوليد. قال: وأخبرنا بعض الباهلين، عن نهشل بن يزيد، عن عمه - وكان قد أدرك ذلك كله - قال: لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى

ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان: إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها؛ فنظروا في أمرهم فقالوا: إنما نؤتي من سفلتنا، وإنهم لا يجدون كوجدنا، ونحن معشر ا لملوك المعنيون بهذا ا لأمر، فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت، فإنه مشغول بحصار السغد، ففعلوا، ولوا عليهم ابناً لخاقان، وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب، فكانوا أربعمائة، فقال لهم: إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم، كل ذلك يفلجكم الله عليهم، فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم، واختاروا دهاقينهم وملوكهم، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم، وقد فضلكم الله بدينه، فأبلوا الله بلاء حسناً تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم. قال: ووضع قتيبة عيوناً على العدو حتى إذا قربوا منه ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم، فكلمهم وحضهم، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا فتزلوا على

فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم، ففرق صالح خيله، وأكمن كميناً عن يمينه، وكميناً عن يساره، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت، وصالح واقف في خيله، فلما رأوه شدوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال، فلم نسمع إلا الاعتزاء، فلم نر قوماً كانوا أشد منهم. قال: وقال رجل من البراجم: حدثني زهير أو شعبة قال: إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة، وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة، فقلت : كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكت دق الله فاك! قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد، وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرءوس حتى أصبحنا، ثم أقبلنا إلى المعسكر، فلم أر جماعة قط جاءوا بمثل ما جئنا به، ما منا رجل إلا معلق رأساً معروفاً باسمه، وأسير في وثاقه. قال: وجئنا قتيبة بالرءوس، فقال: جزاكم الله عن الدين والأعراض خيراً وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء، وقرن بي في الصلة والإكرام حيان العدوي وحليساً الشيباني، فظنت أنه رأى منهما مثل الذي رأى مني، وكسر ذلك أهل السغد، فطلبوا الصلح، وعرضوا الفدية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طرخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي. قالوا: حدث عمرو بن مسلم، عن أبيه. قال: أطال قتيبة المقام، وثلمت الثلمة في سمرقند. قال: فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة؛ قال: فقال عمرو بن أبي زهدم: ونحن حول قتيبة، فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين، فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم، فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت، فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فانصرفت إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبيه ستموت غداً منا ومنهم! وأخبرتهم الخبر. قال: وأما باهلة فيقول: سار قتيبة فجعل النهر يمينه حتى ورد بخاري، فاستنهضهم معه، حتى إذا كان بمدينة أربنجن، وهي التي تجلب منها اللبود الأربنجنية، لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة، فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة، كل ذلك يظهر المسلمون، ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند، فتزاحفوا يومئذ، فحمل السغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم، ثم كر المسلون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل الله من المشركين عدداً كثيراً، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم. قال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صغيرة؛ قال: رأيت خيلاً يومئذ تطاعن خيل المسلمين وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز، وقعد عليه، وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجتنبا المسلمين على الذين هزموا القلب، فهزموهم حتى ردوهم إلى سكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاماً ودعا قتيبة، فأتاه في عدد من أصحابه فلما تغدى استوهب منه سمرقند فقال للملك: انتقل عنها، فانتقل عنها، وتلى قتيبة: " وإنه أهلك عاد الأولى وثمود فما أبقى " قال: وأخبرنا أبو الذيال، عن عمر بن عبد الله التميمي، قال: حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند، قال: قدمت إلى الحجاج فوجهني إلى الشام فقدمتها فدخلت مسجدها، فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير فسألته عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلت: أجل؛ قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان قال: ما أقدمك؟ فأخبرته؛ فقال: والذي بعث محمداً بالحق ما افتتحتموها إلا غدراً، وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم، وتنقضون دمشق حجراً حجراً. قال: وأخبرنا العلاء بن جرير، قال: بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد، فتمثل قول طرفة:
وأرتع أقوام ولولا محلنا ... بمخشية ردوا الجمال فقوضوا
قال: وأخبرنا خالد بن الأفصح، قال: قال الكميت:
كانت سمرقند أحقاباً يمانيةً ... فاليوم تنسبها قيسية مضر
قال: وقال أبو الحسن الجشمي: فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد، فقال: يا نهار، أين قولك:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقام بمرور الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب

أفغزو هذا يا نهار؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول:
وما كان مذكنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
أعم لأهل الترك قتلاً بسيفه ... وأكثر فينا مقسماً بعد مقسم
قال: ثم ارتحل قتيبة راجعاً إلى مرو، واستخلف على سمرقند عبد الله ابن مسلم، وخلف عنده جنداً كثيفاً، وآلة من آلة الحرب كثيرة، وقال: لا تدعن مشركاً يدخل باب من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد. وإن جفت الطينة قبل أن يخرج فقتله، وإن وجدت معه حديدة؛ سكيناً فما سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلاً فوجدت فيها أحداً منهم فاقتله، فقال كعب الأشقري - ويقال رجل من جعفى:
كل يوم يحوي قتيبة نهباً ... ويزيد الأموال مالاً جديدا
باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا
دوخ السغد بالكتائب حتى ... ترك السغد بالعراء قعودا
فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا
كلما حل بلدة أو آتاهها ... تركت خيله بها إخدودا
قال: وقال قتيبة: هذا العداء لا عداء عيرين، لأنه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد؛ وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادي بين عيرين. ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو. وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها، وكان ضعيفاً. وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم. قال: فاستضعف أهل خوارزم إياساً، وجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا، وقال: اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة، واحلقهما، وضم إليك عبيد الله بن أبي عبيد الله، مولى بني مسلم واسمع منه فإنا له وفاء. فمضى حتى إذا كان من خورازم على سكة، فدس إلى إياس فأنذره فتنحى، وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه. قال: ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة بن عبد الله في الجنود إلى خوارزم، فبلغهم ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه. لا نعينك، فهرب إلى بلاد الترك. وقدم المغيرة فسبا وقتل.
وصالحه الباقون، فأخذ الجزية. وقدم على قتيبة. فاستعمله على نيسابور. فتح طليطلة وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس وجهه إلى مدينة طليطلة ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشخص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري، واستخلف حين شخص على إفريقيا ابنه عبد الله بن موسى بن نصير، وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه، فترضاه فرضي عنه. وقبل منه عذره، ووجهه منها إلى مدينة طليطلة - وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوماً - فأصاب فيها مائدة سليمان بن داود، فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. قال: أجدب أهل إفريقيا جدباً شديداً، فخرج موسى بن نصير فاستصقى، ودعا يومئذ حتى انتصف النهار. وخطب الناس، فلما أراد أن ينزل قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك. فسقوا سقياً كفاهم حيناً.
خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة.
ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها: وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حق ولا جناية، وأن ذلك بلغ الحجاج، فاضطغنه على عمر، وكتب إلى الوليد: إن من قبلي من مرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:06 am

إياك - وشق والله عليه - فاتبعناه نشيعه، فانتهينا به إلى الجسر، فقال الحرسيان: لا نعبر به أبداً حتى يعطينا كفيلاً، نخاف أن يغرق نفسه. قال: قلنا: سعيد يغرق نفسه! فما عبروا حتى كفلنا به. قال وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت الفضل بن سويد قال: بعثني الحجاج في حاجة، فجيء بسعيد بن جبير، فرجعت فقلت: لأنظرن ما يصنع فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد، ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك! ألم أفعل! حتى ظننت أنه يخلى سبيله؛ قال: بلى، قال: فما حملك على خروجك على؟ قال: عزم على، قال: فطار غضباً وقال: هيه! رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقاً، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقاً! اضربا عنقه، فضربت عنقه، فندر رأسه عليه كمة بيضاء لا طية صغيرة. وحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل سعيد بن جبير فندر رأسه لله، هلل ثلاثاً: مرة يفصح بها، وفي الثنتين يقول. مثل ذلك فلا يفصح بها.
وذكر أبو بكر الباهلي، قال: سمعت أنس بن أبي شيخ، يقول: لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير، قال: لعن الله ابن النصرانية - قال: يعني خالداً القسري، وهو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه! بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة. ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد، ما أخرجك على؟ فقال: أصلح الله الأمير! إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة، قال: فطابت نفس الحجاج، وتطلق وجهه، ورجا أن يتخلص من أمره، قال: فعاوده في شيء، فقال له: إنما كانت له بيعة في عنقي؛ قال: فغضب وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه، فقال: يا سعيد. ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير، ثم أخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك! قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة والياً على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذت بيعتك له ثانية! قال: بلى؛ قال: فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين، وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك! اضربا عنقه؛ قال: فإياه عني جرير بقوله:
يارب ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دم الأوداج
وذكر عتاب بن بشر، عن سالم الأفطس، قال: أتى الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز - أو الركاب - فقال: والله لا أركب حتى تبوء مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه، فالتبس مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه قال: القيود التي على سعيد بن جبير: فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. قال محمد بن حاتم: حدثنا عبد الملك بن عبد الله عن هلال بن خباب قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: أكتبت إلى مصعب ابن الزبير؟ قال: بل كتب إلى مصعب؛ قال: والله لأقتلنك؛ قال: إتي إذاً لسعيد كما سمتني أمي! قال: فقتله؛ فلم يلبث بعده إ لا نحواً من أربعين يوماً، فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه فيقول: يا عدو الله، لم قتلتني؟ فيقول: مالي ولسعيد بن جبير! مالي ولسعيد ابن جبير! قال أبو جعفر: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، مات فيها عامة فقهاء أهل المدينة، مات في أولها على بن الحسين عليه السلام ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. واستقضى الوليد في هذه السنة بالشام سليمان بن حبيب واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه - قال: حج بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة أربع وتسعين وقال الواقدي: حج بالناس سنة أربع وتسعين عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك - قال: ويقال: مسلمة بن عبد الملك. وكان العامل فيها على مكة خالد بن عبد الله القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيان المري، وعلى الكوفة زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر ابن أبي موسى، وعلى البصرة الجراح بن عبد الله. وعلى قضائها عبد الرحمن ابن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرة بن شريك، وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها

ففيها كانت غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم، ففتح الله على يديه ثلاثة حصون فيما قبل، وهي: طولس، والمرزبانين، وهرقلة. وفيها فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل. وفيها بنيت واسط القصب في شهر رمضان وفيها انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الأندلس، وضحى بقصر الماء - فيما قيل - على ميل من القيروان. بقية الخبر عن غزو الشاش وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش ذكر الخبر عن غزوته هذه: رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد، قال: وبعث الحجاج جيشاً من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا فلما كان بالشاش - أو بكشماهن - أتاه موت الحجاج في شوال، فغمه ذلك، وقفل راجعاً إلى مرو، وتمثل:
لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل
قال: فرجع بالناس ففرقهم، فخلف في بخارى قوماً، ووجه قوماً إلى كس ونسف، ثم أتى مرو فأقام بها، وأتاه كتاب الوليد: قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كالذي يجب لك، فالمم مغازيك، وانتظر ثواب ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبك؛ حتى كأني أنظر إلى بلادك والثغر الذي أنت به وفيها مات الحجاج بن يوسف في شوال - وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة - وقيل: كانت وفاته في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان وفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاة على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج وكانت إمرة الحجاج على العراق فيما قال الواقدي عشرين سنة وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد قنسرين. وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو من ألف رجل معه. وفيها - فيما ذكر - ولد المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وفيها ولي الوليد بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين: الكوفة والبصرة، وولى خراجهما يزيد بن أبي مسلم. وقيل: إن الحجاج كان استخلف حين حضرته الوفاة على حرب البلدين والصلاة بأهلهما يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موت الحجاج على ما كان الحجاج استخلفهما عليه، وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم، أقرهم بعده على أعمالهم التي كانوا عليها في حياته. وحج بالناس في هذه السنة بثر بن الوليد بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، إلا ما كان من الكوفة والبصرة، فإنهما ضمتا إلى من ذكرت بعد موت الحجاج.
ثم دخلت سنة ست وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
ففيها كانت - فيما قال الواقدي - غزوة بشر بن الوليد الشاتية، فقفل ومات الوليد، ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك وفيها كانت وفاة الوليد بن عبد الملك، يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين في قول جميع أهل السير. واختلف في قدر مدة خلافته، فقال الزهري في ذلك - ما حدثت عن ابن وهب عن يونس عنه: ملك الوليد عشر سنين إلا شهراً. وقال أبو معشر فيه، ما حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت خلافة الوليد تسع سنين وسبعة أشهر، وقال هشام بن محمد: كانت ولاية الوليد ثمان سنين وتسعة أشهر. وقال الواقدي: كانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين. واختلف أيضاً في مبلغ عمره، فقال محمد بن عمر: توفي بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة وأشهر.
وقال هشام بن محمد: توفي وهو ابن خمس وأربعين سنة. وقال عليبن محمد: توفي وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأشهر. وقال علي: كانت وفاة الوليد بدير مران، ودفن خارج باب الصغير. ويقال: في مقابر الفراديس. ويقال: إنه توفي وهو ابن سبع وأربعين سنة. وقيل: صلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكان له - فيما قال علي - تسعة عشر ابناً: عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر، وروح، وبشر، ويزيد، ويحيى؛ أم عبد العزيز ومحمد وأم البنين بنت عبد العزيز ابن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم لأمهات شتى.

ذكر الخبر عن بعض سيره: حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنار، وأعطى الناس، وأعطى المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس. وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوح عظام؛ فتح موسى بن نصير الأندلس، وفتح قتيبة كاشغر. وفتح محمد بن القاسم الهند. قال: وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عنده فيأخذ حزمة البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول بفلس فيقول زد فيها. قال: أتاه رجل من بني مخزوم يسأله عن دينه، فقال: نعم، إن كنت مستحقاً لذلك، قال:يا أمير المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقاً لذلك مع قرابي! لذلك، قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادن مني، فدنا منه، فنزع عمامته بقضيب كان في يده، وقرعه قرعات بالقضيب، وقال لرجل ضم هذا إليك، فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام إليه عثمان ابن يزيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن على ديناً، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشر آيات من الأنفال، وعشر آيات من براءة، فقرأ، فقال: نعم، نقضي عنكم، قال: مرض الوليد فرهقته غشية، فمكث عامه يومه عندهم ميتاً، فبكى عليه، وخرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج، فاسترجع، ثم أمر بحبل فشد في يديه، ثم أوثق إلى اسطوانة، وقال: اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له، فقد طالما سألتك أن تجعل منيتي قبل منيته! وجعل يدعو، فإنه لكذلك إذ قدم عليه بريد بإفاقته. قال علي: ولما أفاق الوليد قال: ما أحد أسر بعافية أمير المؤمنين من الحجاج؛ فقال عمر بن عبد العزيز: ما أعظم نعمة الله علينا بعافيتك، وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خر الله ساجداً، وأعتق كل مملوك له، وبعث بقوارير من أنبج الهند. فما لبث إلا أياماً حتى جاء الكتاب بما قال. قال: ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، فقال خادم للوليد: إني لأوضئ الوليد يوماً للغداء، فمد يده، فجعلت أصب عليه الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أستطيع أن أتكلم، ثم نضح الماء في وجهي، وقال: أناعس أنت! ورفع رأسه إلي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ قلت: لا؛ قال: ويحك! مات الحجاج! فاسترجعت. فقال: أسكت ما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها.
قال علي: وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن البناء والمصانع. فولى سليمان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان يسأل الناس بعضهم بعضاً عن التزويج والجواري. فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟ ورثى جرير الوليد فقال:
يا عين جودي بدمع هاجه الذكر ... فما لدمعك بعد اليوم مدخر
إن الخليفة قد وارت شمائله ... غبراء ملحدة في جولها زور
أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
كانوا جميعاً فلم يدفع منيته ... عبد العزيز ولا روح ولا عمر
حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حج الوليد بن عبد الملك، وحج محمد بن يوسف من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين للوليد: يا أمير المؤمنين، اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فجاءت رسل من أم البنين إلى محمد فيها، فأبى وقال: ينظر إليها أمير المؤمنين فيرى رأيه - وكانت هدايا كثيرة - فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت بهدايا محمد أن تصرف إلي، ولا حاجة لي بها، قال: ولم؟ قالت: بلغني أنه غصبها الناس، وكلفهم عملها، وظلمهم. وحمل محمد المتاع إلى الوليد، فقال: بلغني أنك أصبتها غصباً، قال: معاذ الله! فامر فاستخلف بين الركن والمقام خمسين يميناً بالله ما غصب شيئاً منها، ولا ظلم أحداً، ولا أصابها إلا من طيب؛ فحلف، فقبلها الوليد ودفعها إلى أم البنين، فمات محمد بن يوسف باليمين، أصابه داء تقطع منه. وفي هذه السنة كان الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان لخلعه، واراد

البيعة لابنه من بعده، وذلك قبل مرضته التي مات فيها. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: كان الوليد وسليمان وليي عهد عبد الملك، فلما أفضى الأمر إلى الوليد، أراد أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان، فأبى سليمان، فأراده أن يجعله له من بعده، فأبى، فعرض عليه أموالاً كثيرة، فأبى، فكتب إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك؛ فلم يجبه أحد إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس. فقال عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمنهم على الغدر بابنك، فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك، فإن لك عليه طاعة، فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده، فإنه لا يقدر على الامتناع وهو عندك، فإن أبى كان الناس عليه. فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم، فأبطأ، فاعتزم الوليد على المسير إليه وعلى أن يخلعه، فأمر الناس بالتأهب، وأمر بحجره فأخرجت، فمرض، ومات قبل أن يسير وهو يريد ذلك. قال عمر: قال علي: وأخبرنا أبو عاصم الزيادي عن الهلواث الكلبي، قال: كنا بالهند مع محمد بن القاسم، فقتل الله داهراً، وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلعوا سليمان، فلما ولى سليمان جاءنا كتاب سليمان، أن ازرعوا واحرثوا، فلا شام لكم، فلم نزل يتلك البلاد حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقفلنا. قال عمر: قال علي: أراد الوليد أن يبني مسجد دمشق، وكانت فيه كنيسة، فقال الوليد لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل رجل منكم بلبنة، فجعل كل رجل يأتيه بلبنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق؛ قال: يا أهل العراق، تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة! وهدموا الكنيسة وبناها مسجداً، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا ذلك إليه، فقيل: أن كل ما كان خارجاً من المدينة افتتح عنوة، فقال لهم عمر: نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما، فإنها فتحت عنوة، نبنيها مسجداً، فلما قال لهم ذلك قالوا: بل ندع لكم هذا الذي هدم الوليد، ودعوا لنا كنيسة توما. ففعل ذلك عمر.
فتح قتيبة كاشغر وغزو الصينوفي هذه السنة افتتح بن مسلم كاشغر، وغزا الصين. ذكر الخبر عن ذلك: رجع الحديث إلى حديث على بن محمد بالإسناد الذي ذكرت قبل. قال: ثم غزا قتيبة في سنة ست وتسعين، وحمل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يحرز عياله في سمرقند خوفاً من سليمان. فلما عبر النهر استعمل رجلاً من مواليه يقال الخوارزمي على مقطع النهر، وقال: لا يجوزن أحد إلا بجواز؛ ومضى إلى فرغانة، وأرسل إلى شعب عصام من يسهل له الطريق إلى كاشغر، وهي أدنى مدائن الصين، فأتاه موت الوليد وهو بفرغانة. قال: فأخبرني أبو الذيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زهير: لما عبر قتيبة النهر أتيته فقلت له: إنك خرجت ولم أعلم رأيك في العيال فنأخذ أهبة ذلك، وبني الأكابر معي، ولي عيال قد خلفتهم وأم عجوز، وليس عندهم من يقوم بأمرهم، فإن رأيت أن تكتب لي كتاباً مع بعض بني أوجهه فيقدم علي بأهلي! فكتب، فأعطاني الكتاب فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخر، فألويت بيدي، فجاء قوم في سفينة فقالوا: من أنت؟ أين جوازك؟ فأخبرتهم، فقعد معي قوم ورد قوم السفينة إلى العامل، فأخبروه. قال: ثم رجعوا إلي فحملوني، فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائع، فرميت بنفسي، فسألني عن الأمر، وأنا آكل لا أجيبه، فقال: هذا أعرابي قد مات من الجوع، ثم ركبت فمضيت فأتيت مرو، فحملت أمي، ورجعت أريد العسكر، وجاءنا موت الوليد، فانصرفت إلى مرو.

وقال: وأخبرنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبة كثير بن فلان إلى كاسغر، فسبى منها سبياً، فختم أعناقهم مما أفاء الله على قتيبة، ثم رحع قتيبة وجاءهم موت الوليد. قال: وأخبرنا يحيى بن زكريا الهمداني عن أشياخ من أهل خراسان والحكم بن عثمان، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان. قال: وغل قتيبة حتى قرب من الصين. قال: فكتب إليه ملك الصين أن ابعث لنا رجلاً من أشراف من معكم يخبرنا عنكم، ونسائله عن دينكم. فانتخب قتيبة من عسكره اثنا عشر رجلاً - وقال بعضهم: عشرة - من أفناء القبائل، لهم جمال وأجسام وشعور وبأس، بعدما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه. فكلمهم قتيبة، وفاطنهم فرأى عقولاً جمالاً، فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الحز والوشى واللين من البياض والرقيق والنعال والعطر، وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم، ودواب يركبونها. قال: وكان هبيرة بن المشمرج الكلابي مفوهاً بسيط اللسان، فقال: يا هبيرة كيف أنت صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كفيت الأدب وقل ماشئت اقله. وآخذ به، قال: سيروا على بركة الله، وبالله التوفيق.
لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد، فإذا دخلتم عليه فأعلموه أني قد حلفت ألا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبي خراجهم. قال: فساروا، عليهم هبيرة بن المشمرج، فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم، فدخلوا الحمام، ثم خرجوا فلبسوا ثياباً بيضاً تحتها الغلائل، ثم مسوا الغالية، وتدخنوا ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا، فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوماً ما هم إلا نساء، ما بقي منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده. قال: فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشي وعمائم الحز والمطارف، وغدوا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الأولى،وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدوا عليهم سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر. وتقلدوا السيوف، وأخذوا الرماح، وتنكبوا القسي، وركبوا خيولهم، وغدوا فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما دنوا ركزوا رماحهم، ثم أقبلوا نحو مشمرين، فقيل لهم قبل أن يدخلوا: ارجعوا، لما دخل قلوبهم من خوفهم. قال: فانصرفوا فركبوا خيولهم، واختلجوا رماحهم،ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء قط، فلما أمسى أرسل إليهم الملك، أن ابعثوا إلى زعيمكم وأفضلكم رجلاً، فبعثوا إلى هبيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفي. وأنا سائلك عن أمر فإن لم تصدقني قتلتكم. قال: سل؛ قال: لم صنعتم ما صنعتم من الزي في اليوم الأول والثاني والثالث؟ قال: أما زينا الأول فلبسناه في أهالينا وريحنا عندهم، وأما اليوم الثاني فإذا أتينا أمراءنا، وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا، فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا. قال: ما أحسن ما دبرتم دهركم! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب من أول خليه في بلادك وآخرها في منابت الزيتون! وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها وغزاك! وأما تخويفك إلينا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها بالقتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه؛ قال: فما الذي يرضي صاحبك؟ قال: إنه قد حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطى الجزية، قال: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها، قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجاز فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعث به، فقبل الجزية وختم الغلمة وردهم، ووطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السلولي:
لا عيب في الوفد الذين بعثتهم ... للصين إن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف الردى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج

لم يرض غير الختم في أعناقهم ... ورهائن دفعت بحمل سمرج
أدى رسالتك التي استرعيته ... وأتاك من حنث اليمين بمخرج
قال: فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس، فرثاه سوادة، فقال:
لله قبر هبيرة بن مشمرج ... ماذا تضمن من ندى وجمال!
وبديهة يعيا بها أبناؤه ... عند احتفال مشاهد الأقوال
كان الربيع إذا السنون تتابعت ... والليث عند تكعكع الأبطال
فسقت بقرية حيث أمسى قبره ... غر يرحن بمسبل هطال
بكت الجياد الصافنات لفقده ... وبكاه كل مثقف عسال
وبكته شعث لم يجدن مواسياً ... في العام ذي السنوات والإمحال
قال: وقال: الباهليون: كان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثنى عشر فرساً من جياد الخيل؛ واثنى عشر هجيناً، لا يجاوز بالفرس أربعة آلاف، فيقام عليها وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعسكر قيدت وأضمرت، فلا يقطع نهراً بخيل حتى تخف لحومها، فيحمل عليها من يحمله في الطلائع. وكان يبعث في الطلائع الفرسان من الأشراف، ويبعث معهم رجالاً من العجم ممن يستنصح على تلك الهجن، وكان إذا بعث بطليعة أمر بلوح فنقش، ثم يشقه شقين فأعطاه شقة، واحتبس شقة، لئلا يمثل مثلها، ويأمره أن يدفنها في موضع يصفه له من مخاضة معروفة، أو تحت شجرة معلومة، أو خربة، ثم يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادق في طليعته أم لا. وقال ثابت قطنة العتكي يذكر من قتل من ملوك الترك:
أقر العين مقتل كارزنك ... وكشبيز وما لاقى بيار
وقال كميت يذكر غزوة السغد وخوارزم:
وبعد في غزوة كانت مباركة ... تردى زراعة أقوام وتحتصد
نالت غمامتها فيلاً بوابلها ... والسغد حين دنا شؤبوبها البرد
إذ لا يزال له نهب ينفله ... من المقاسم لا وخش ولا نكد
تلك الفتوح التي تدلي بحجتها ... على الخليفة إنا معشر حشد
لم تثن وجهك عب قوم غزوتهم ... حتى يقال لهم: بعداً وقد بعدوا
لم ترض من حصنهم إن كان ممتنعاً ... حتى يكبر فيه الواحد الصمد
خلافة سليمان بن عبد الملكقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك بالخلافة، وذلك في اليوم الذي توفي فيه الوليد بن عبد الملك، وهو بالرملة. وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة، ذكر محمد بن عمر، أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وتسعين. قال: وكان عمله على المدينة ثلاث سنين. وقيل: كانت امرأته عليها سنتين غير سبع ليال. قال الواقدي: وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قد استأذن عثمان أن ينام في غد، ولا يجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين، فأذن له. وكان أيوب بن سلمة المخزومي عنده، وكان الذي بين أيوب بن سلمة وبين أبي بكر بن عمرو بن حزم سيئاً، فقال أيوب لعثمان: ألم تر إلى ما يقول هذا؟ إنما هذا منه رثاء؛ فقال عثمان: قد رأيت ذلك، ولست لأبى إن أرسلت إليه غدوة ولم أجده جالساً لأجلدنه مائة، ولأحلقن رأسه ولحيته. قال أيوب: فجاءني أمر أحبه، فعجلت من السحر، فإذا شمعة في الدار، فقلت: عجل المري، فإذا رسول سليمان قد قدم على أبي بكر بتأميره وعزل عثمان وحده. قال أيوب: فدخلت دار الإمارة، فإذا لبن حيان جالس، وإذا بأبي بكر على كرسي يقول للحداد: اضرب في رجل هذا الحديد، ونظر إلى عثمان فقال:
آبوا على أدبارهم كشفاً ... والأمر يحدث بهده الأمر
وفي هذه السنة عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق، وأمر عليه يزيد بن المهلب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره أن يقتل آل أبي عقيل وبسط عليهم العذاب. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: قدم صالح العراق على الخراج

ويزيد على الحرب، فبعث يزيد زياد بن المهلب على عثمان، وقال له: كاتب صالحاً، وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب. خبر مقتل قتيبة بن مسلم وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم بخراسان. ذكر الخبر عن سبب مقتله: وكان سبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز ابن الوليد ولي عهده، ودس في ذلك إلى القواد والشعراء، فقال جرير في ذلك:
إذا قيل أي الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
رأوه أحق الناس كلهم بها ... وما ظلموا، فبايعوه وسارعوا
وقال أيضاً جرير يحضن الوليد على بيعة عبد العزيز:
إلى عبد العزيز سمت عيون الر ... عية إذ تحيرت الرعاء
إليه دعت دواعيه إذا ما ... عماد الملك خرت والسماء
وقال أولو الحكومة من قريش ... علينا البيع إن بلغ الغلاء
رأوا عبد العزيز ولي عهد ... وما ظلموا بذاك ولا أساؤوا
فماذا تنظرون بها وفيكم ... جسور بالعظائم واعتلاء!
فزحلفها بأزملها إليه ... أمير المؤمنين إذا تشاء
فإن الناس قد مدوا إليه ... أكفهم وفي برح الخفاء
ولو قد بايعوك ولي عهد ... لقام الوزن واعتدل البناء
فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف وقتيبة، ثم هلك الوليد وقام سليمان بن عبد الملك، فخافه قتيبة. قال علي بن محمد: أخبرنا بشر بن عيسى والحسن بن رشيد وكليب ابن خلف. عن طفيل بن مرداس، وجبلة بن فروخ، عن محمد بن عزيز الكندي، وجبلة بن أبي رواد ومسلمة بن محارب، عن السكن بن قتادة؛ أن قتيبة لما أتاه موت الوليد بن عبد الملك وقيام سليمان. أشفق من سليمان لأنه كان يسعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج. وخاف أن بولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان. قال: فكتب إليه كتاباً يهنئه بالخلافة، ويعزيه على الوليد، ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان. وكتب إليه كتاباً آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته في صدورهم، وعظم صوته فيهم، ويذم المهلب وآل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه. وكتب كتاباً ثالثاً في خلعه، وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة، وقال له: ادفع إليه هذا الكتاب. فإن كان يزيد بن المهلب حاضراً، فقرأه ثم ألقاه إليه، فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين. فقد قام رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد ين المهلب دفع إليه الكتاب، فقرأه، ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه كتاباً آخر فقرأه، ثم رمى به إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث، فقرأه فتمعر لونه، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده. وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى، فإنه قال - فيما حدثت عنه: كان في الكتاب الأول وقيعة في يزيد بن المهلب، وذكر غدره وكفره وقلة شكره، وكان في الثاني ثناء على يزيد، وفي الثالث: لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمني لأخلعنك خلع النعل، ولأملأنها عليك خيلا ورجالا. وقال أيضاً: لما قرأ سليمان الكتاب الثالث وضعه بين مثالين من المشل التي تحته ولم يحر في ذلك مرجوعاً. رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد. قال: ثم أمر - يعني سليمان

برسول قتيبة أن ينزل، فحول إلى دار الضيافة، فلما أمسى دعا به سليمان فأعطاه صرة فيها دنانير، فقال: هذه جائزتك. وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر، وهذا رسولي معك بعهده. قال: فخرج الباهلي، وبعث معه سليمان رجلاً من عبد القيس، ثم أحد بني ليث يقال له صعصعة - أو مصعب - فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة، فرجع العبدي، ودفع العهد إلى رسول قتيبة، وقد خلع؛ واضطرب الأمر، فدفع إليه عهده، فاستشار إخوته، فقالوا: لا يثق بك سليمان بعد هذا. قال علي: وحدثني بعض العنبريين، عن أشياخ منهم، أن توبة ابن أبي أسيد العنبري، قال: قدم صالح العراق، فوجهني إلى قتيبة ليطلعني طلع ما في يده، فصحبني رجل من بني أسد، فسألني عما خرجت فيه، فكاتمته أمري، فإنا لنسير إذ سنح لنا سانح؛ فنظر إلى رفيقي فقال: أراك في أمر جسيم وأنت تكتمني! فمضيت، فلما كنت بحلوان تلقاني الناس بقتل قتيبة. قال علي: وذكر أبو الذيال وكليب بن خلف وأبو علي الجوزجاني عن طفيل بن مرداس، وأبو الحسن الجثمي ومصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان، وأبو مخنف وغيرهم، أن قتيبة لما هم بالخلع استشار إخوته، فقال له عبد الرحمن: اقطع بعثاً فوجه فيه كل من تخافه، ووجه قوماً إلى مرو، وسر حتى تنزل سمرقند، ثم قل لمن معك: من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء، فلا يقم معك إلا مناصح. وقال له عبد الله: اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعه. فليس يختلف عليك رجلان. فأخذ برأي عبد الله، فخلع سليمان، ودعا الناس إلى خلعه، فقال للناس: إني قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر فضممت الأخ إلى أخيه، والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة ولا مؤخرة، وقد جربتم الولاة قبلي؛ أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين إن خراج خراسان لا يقوم بمطبخي، ثم جاءكم أبو سعيد فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية! لم يجب فيئاً، ولم ينكأ عدواً، ثم جاءكم بنوه بعده؛ يزيد، فحل تباري إلى النساء، وإنما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنقة القيسي قال: فلم يجبه أحد، فغضب فقال: لا أعز الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافلة - ولا أقول أهل العالية - يا أوباش الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفخ والكذب والبخل، بأي يوميكم تفخرون؟ بيوم حربكم، أن بيوم سلمكم! فوالله لأنا أعز منكم. يا أصحاب مسيلمة، يا بني ذميم - ولا أقول تميم - يا أهل الخور والقصف والغدر، كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سجاح، يا معشر عبد القيس القساة، تبدلتم بأبر النحل أعنة الخيل، يا معشر الأزد، تبدلتم بقلوس السفن أعنه الخيل الحصن؛ إن هذا لبدعة في الإسلام! والأعراب، وما الأعراب! لعنة الله على الأعراب! يا كناسة المصرين، جمعتكم من منابت الشيخ والفيصوم ومنابت القلقل، تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان، حتى إذا جمعتكم كما تجمع قزع الخريف قلتم كيت وكيت! أما والله إني لابن أبيه! وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عصب السلمة. إن حول الصليان الزمزمة يا أهل خراسان، هل تدرون من وليكم؟ وليكم يزيد بن ثروان. كأني بأمير مزجاء، وحكم قد جاءكم فغلبكم على فيئكم وأظلالكم. إن ها هنا ناراً ارموها أرم معكم، ارموا غرضكم الأقصى. قد استخلف عليكم

أبو نافع ذو الودعات. إن الشام أب مبرور، وإن العراق أب مكفور. حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنيتكم وظلال دياركم! يا أهل خراسان، انسبوني تجدوني عراقي الأم، عراقي الأب، عراقي المولد، عراقي الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من الأمن والعافية قد فتح الله لكم البلاد، وآمن سبلكم، فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا الله على النعمة وسلوه الشكر والمزيد قال: ثم نزل فدخل منزله، فأتاه أهل بيته فقالوا: ما رأينا كاليوم قط، والله ما اقتصرت على أهل العالية وهم شعارك ودثارك، حتى تناولت بكراً وهم أنصارك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولت تميماً وهم إخوتك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولت الأزد وهم يدك! فقال: لما تكلمت فلم يجيبني أحد غضبت، فلم أدر ما قلت؛ إن أهل العالية كإبل الصدقة قد جمعت من كل أوب، وأما بكر فإنها أمة لا تمنع يد لامس وأما تميم فجمل أجرب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بذنبه، وأما الأزد فأعلاج، شرار من خلق الله ، لو ملكت أمرهم لو سمتهم قال: فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان، وغضبت القبائل من شتم قتيبة، فأجمعوا على خلافه وخلعه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حضين بن المنذر فقالوا: إن هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خلع الخليفة، وفيه فساد الدين والدنيا، ثم لم يرض بذلك حتى قصر بنا وشتمنا، فما ترى يا أبا حفص؟ وكان يكتني في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كنيته أبو محمد - فقال لهم: حضين: مضر بخراسان تعدل هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسين، وهم فرسان خراسان، ولا يرضون أن يصير الأمر في غير مضر، فإن أخرجتموهم من الأمر أعانوا قتيبة؛ قالوا: إنه قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم، قال: لا تنظروا إلي هذا فإنهم يتعصبون للمضربة، فانصرفوا رادين لرأي حضين، فأرادوا أن يولوا عبد الله بن حوذان الجهضمي، فأبى وتدافعوها، فرجعوا إلى حضين، فقالوا: قد تدافعنا الرياسة، فنحن نوليك أمرنا، وربيعة لا تخالفك، قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل؛ قالوا: ما ترى؟ قال: إن جعلتم هذه الرياسة في تميم تم أمركم؛ قالوا: فمن ترى من تميم؟ قال: ما أرى أحداً غير وكيع، فقال حيان مولى بني شيبان: إن أحداً لا يتقلد هذا الأمر فيصلي بحره، ويبذل دمه، ويتعرض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما جنى وكان المهنأ لغيره إلا هذا الأعرابي وكيع؛ فإنه مقدام لا يبالي ما ركب، ولا ينظر في عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التي صرفها عنه وصيرها لضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي. فمشى الناس بعضهم إلى بعض سراً، وقيل لقتيبة: ليس يفسد أمر الناس إلا حيان، فأراد أن يغتاله - وكان حيان يلاطف حشم الولاة فلا يخفون عنه شيئاً - قال: فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان، وسمعه بعض الخدم، فأتى حيان فأخبره، فأرسل إليه يدعوه، فحذر وتمارض، وأتى الناس وكيعاً فسألوه أن يقوم بأمرهم؛ فقال: نعم، وتمثل قول الأشهب بن رميلة:
سأجني ما جنيت وإن ركني ... لمعتمد إلى نضد ركين
قال: وبخراسان يومئذ من المقاتلة من أهل البصرة من أهل العالية تسعة آلاف، وبكر سبعة آلاف، رئيسهم الحضين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضرار بن حصين الضبي، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن علوان عوذي، والأزد عشرة آلاف رأسهم عبد الله ابو حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جهم بن زحر - أو عبيد الله بن علي - والموالي سبعة آلاف عليهم حيان - وحيان يقال إنه من الديلم، ويقال: إنه من خراسان، وإنما قيل له نبطي للكنته - فأرسل حيان إلى وكيع: أرأيت إن كففت عنك وأعنتك تجعل في جانب

نهر بلخ وخراجه ما دمت حيا، وما دمت والياً؟ قال: نعم، فقال للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضاً؛ قالوا: نعم، فبايعوا وكيعاً سراً، فأتى ضرار بن حصين قتيبة، فقال: إن الناس يختلفون إلى وكيع، وهم يبايعونه - وكان وكيع يأتي منزل عبد الله بن مسلم الفقير فيشرب عنده - فقال عبد الله: هذا يحسد وكيعاً، وهذا الأمر باطل، هذا وكيع في بيتي يشرب ويسكر ويسلح في ثيابه؛ وهذا يزعم أنهم يبايعونه. قال: وجاء وكيع إلى قتيبة فقال: احذر ضراراً فإني لا آمنه عليك، فأنزل قتيبة ذلك منهما على التحاسد. وتمارض وكيع ثم إن قتيبة دس ضرار بن سنان الضبي إلى وكيع فبايعه سراً، فتبين لقتيبة أن الناس يبايعونه، فقال لضرار: قد كنت صدقتني، قال: إن لم أخبرك إلا يعلم، فأنزلت ذلك مني على الحسد، وقد قضيت الذي كان علي، قال: صدقت. وأرسل قتيبة إلى وكيع يدعوه فوجده رسول قتيبة قد طلى على رجله مغرةً، وعلى ساقه خرزاً وودعاً، وعنده رجلان من زهران يرقيان رجله، فقال له: أجب الأمير، قال: قد ترى ما برجلي. فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه، قال: يقول لك: ائتني محمولاً على سرير، قال: لا أستطيع. قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلي أحد بني وائل - وكان على شرطته - ورجل من غني انطلقا إلى وكيع فأتياني به. فإن أبى فاضربا عنقه؛ ووجه معهما خيلا، ويقال: كان على شرطه بخراسان ورقاء بن نصر الباهلي. قال علي: قال أبو الذيال: قال ثمامة بن ناجذ العدوي: أرسل قتيبة إلى وكيع من يأتيه به، فقلت: أنا آتيك به أصلحك الله! فقال: ائتني به، فأتيت وكيعاً - وقد سبق إليه الخبر أن الخيل تأتيه - فلما رآني قال: يا ثمامة، ناد في الناس؛ فناديت: فكان أول من أتاه هريم بن أبي طحمة في ثمانية. قال: وقال الحسن بن رشيد الجوزجاني: أرسل قتيبة إلى وكيع. فقال هريم: أنا آتيك به، قال: فانطلق. قال هريم: فركبت برذوني مخافة أن يردني، فأتيت وكيعاً وقد خرج قال: وقال كليب بن خلف: أرسل قتيبة إلى وكيع شعبة بن ظهير أحد بني صخر بن نهشل، فأتاه، فقال: يا بن ظهير: لبث قليلاً تلحق الكتائب ثم دعا بسكين فقطع خرزاً كان على رجليه. ثم لبس سلاحه، وتمثل:
شدوا على سرتي لا تنقلف ... يوم لهمدان ويوم للصدف
وخرج وحده ونظر إليه نسوة فقلن: أبو مطرف وحده؛ فجاء هريم بن أبي طحمة في ثمانية، فيهم عميرة البريد بن ربيعة العجيفي. قال حمزة بن إبراهيم وغيره: إن وكيعاً خرج فتلقاه رجل، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسد؛ قال: ما اسمك؟ قال: ضرغامة؛ قال: ابن من؟ قال: ابن ليث، قال: دونك هذه الراية. قال المفضل بن محمد الضبي: ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازني؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم، قالوا: فخرج وكيع وأمر غلمانه، فقال: اذهبوا بثقلي إلى بني العم، فقالوا: لا نعرف موضعهم، قال: انظروا رمحين مجموعين أحدهما فوق الآخر، فوقهما مخلاة، فهم بنو العم، قال: وكان في العسكر منهم خمسمائة؛ قال: فنادى وكيع في الناس، فأقبلوا أرسالا من كل وجه، فأقبل في الناس يقول:
قرم إذا حمل مكروهة ... شد الشراسيف لها الحزيم
وقال قوم: تمثل وكيع حين خرج:
أنخن بلقمان بن عاد فجسنه ... أريني سلاحي لن يطيروا بأعزل
واجتمع إلى قتيبة أهل بيته، وخواص من أصحابه وثقاته، فيهم إياس ابن بيهس بن عمرو، ابن عم قتيبة دنيا، وعبد الله بن وألان العدوي، وناس من رهطه، بني وائل. وأتاه حيان بن إياس العدوي في عشرة، فيهم عبد العزيز بن الحارث، قال: وأتاه ميسرة الجدلي - وكان شجاعاً - فقال: إن شئت أتيتك برأس وكيع، فقال: قف مكانك. وأمر قتيبة رجلا، فقال: ناد في الناس، أين بنو عامر؟ فنادى: أين بنو عامر؟ فقال محفن بن جزء الكلابي - وقد كان جفاهم: حيث وضعتهم؛ قال: ناد أذكركم الله والرحم! فنادى محفن: أنت قطعتها، قال: ناد لكم العتبي، فناداه محفن أو غيره: لا أقالنا الله إذا، فقال قتيبة:
يا نفس صبراً على ما كان من ألم ... إذ لم أجد لفضول القوم أقرانا

ودعا بعمامة كانتأمه بعثت بها إليه، فاعتم بها، كان يعتم بها في الشدائد، ودعا بيرذون له مدرب، كان يتطير إليه في الزحوف، فقرب إليه ليركبه، فجعل يقمص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فقعد عليه وقال: دعوه؛ فإن هذا أمر يراد. وجاء حيان النبطي في العجم، فوقف وقتيبة واجد عليه، فوقف معه عبد الله بن مسلم، فقال عبد الله لحيان: احمل على هذين الطرفين، قال: لم يأن لذلك، فغضب عبد الله، وقال: ناولني قوسي، قال حيان: ليس هذا يوم قوس، فأرسل وكيع إلى حيان: أين ما وعدتني؟ فقال حيان لابنه: إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي، ومضيت نحو عسكر وكيع. فمل بمن معك في العجم إلى. فوقف ابن حيان مع العجم، فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعجام إلى عسكر وكيع، فكبر أصحابه، وبعث قتيبة أخاه صالحاً إلى الناس فرماه رجل من بني ضبة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الخرنوب، ويقال: بل رماه رجل من بلعم فأصاب هامته - فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل، فوضع في مصلاه، فتحول قتيبة فجلس عنده ساعة، ثم تحول إلى سريره. قال: وقال أبو السرى الأزدي: رمى صالحاً رجل من بني ضبة فأثقله، وطعنه زياد بن عبد الرحمن الأزدي، من بني شريك بن مالك قال: وقال أبو مخنف: حمل رجل من غنى علي الناس فرأى رجلا مجففاً فشبهه بجهم بن زحر بن قيس فطعنه، وقال:
إن غنيا أهل عز ومصدق ... إذا حاربوا والناس مفتتنونا
فإذا الذي طعن علج، وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمن بن مسلم نحوهم، فرماه أهل السوق والغوغاء، فقتلوه، وأحرق الناس موضعاً كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه، ودنوا منه فقاتل عنه رجل من باهلة من بني وائل، فقال له قتيبة: انج بنفسك، فقال له: بئس ما جزيتك إذاً، وقد أطعمتني الجردق وألبستني النرمق قال: فدعا قتيبة بدابة، فأتى ببرذون فم يقر ليركبه، فقال: إن له لشأناً؛ فلم يركبه. وجلس وجاء الناس حتى بلغوا الفسطاط، فخرج إياس بن بيهس وعبد الله بن وألان حين بلغ الناس الفسطاط وتركا قتيبة. وخرج عبد العزيز بن الحارث يطلب ابنه عمراً - أو عمر - فلقيه الطائي فحذره، ووجد ابنه فأردفه. قال: وفطن قتيبة للهيثم بن المنخل وكان ممن يعين عليه، فقال:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
قال: وقتل معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم، بنو مسلم، وقتل ابنه كثير بن قتيبة وناس من أهل بيتهن ونجا أخوه ضرار، استنقذه أخواله، وأمه غراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال قوم: قتل عبد الكريم بن مسلم بقزوين. وقال أبو عبيدة: قال أبو مالك: قتلوا قتيبة سنة ست وتسعين، وقتل من بني مسلم أحد عشر رجلاً فصلبهم وكيع، سبعة منهم لصلب مسلم وأربعة من بني أبنائهم: قتيبة، وعبد الرحمن، وعبد الله الفقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد بنو مسلم. وكثير بن قتيبة، ومغلس بن عبد الرحمن، لم ينج من صلب مسلم غير عمرو - وكان عامل الجوزجان - وضرار، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، فجاء أخواله فدفعوه حتى نحوه، ففي ذلك يقول الفرزدق:
عشية ما ود ابن غرة أنه ... له من سوانا إذ دعا أبوان
وضرب إياس بن عمرو - ابن أخي مسلم بن عمرو - على ترقوتة فعاش. قال: ولما غشى القوم الفسطاط قطعوا أطنابه. قال زهير: فقال جمهم ابن زحر لسعد: انزل، فحز رأسه، وقد أثخن جراحاً، فقال: أخاف أن تجول الخيل، قال: تخاف وأنا إلى جنبك! فنزل سعد فشق صوقعة الفسطاط؛ فاحتز رأسه، فقال حضين بن المنذر:
وإن ابن سعد وابن زحر تعاورا ... بسيفهما رأس الهمام المتوج
عشية جئنا بابن زحر وجئتم ... بأدغم مرقوم الذراعين ديزج
أصم غداني كأن جبينه ... لطاخة نقس في أديم ممجمج
قال: فلما قتل مسلمة يزيد بن المهلب استعمل على خراسان سعيد بن خذينبة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فحبس عمال يزيد، وحبس فيهم جهم بن زحر الجعنفي، وعلى عذابه رجل من باهلة، فقيل له: هذا قاتل قتيبة، فقتله في العذاب، فلامه سعيد، فقال:

أمرتني أن أستخرج منه المال فعذبته فأتى على أجله. قال: وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزمية، فلما قتل خرجت، فأخذها بعد ذلك يزيد بن المهلب، فهي أم خليده. قال علي: قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليقظان: لما قتل قتيبة صعد عمارة بن جنية الرياحي المنبر فتكلم فأكثر، فقال له وكيع: دعنا من قذرك هذرك، ثم تكلم وكيع فقال: مثلي ومثل قتيبة كما قال الأول: من ينك العير ينك نياكا أراد قتيبة أن يقتلني وأنا قتال.
قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين
حتى إذا شبت وشيبوني ... خلوا عناني وتنكبوني
أنا أبو مطرف قال: وأخبرنا أبو معاوية، عن طلحة بن إياس، قال: قال وكيع يوم قتل قتيبة:
أنا ابن خندف تنميني قبائلها ... للصالحات وعمي قيس عيلانا
ثم أخذ بلحيته ثم قال:
شيخ إذا حمل مكروهة ... شد الشراسف لها والحزيم
والله لأقتلن، ثم لأقتلن، ولأصلبن، ثم لأصلبن؛ إني والغ دماً، إن مر زبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى عليكم أسعاركم، والله ليصيرن القفيز في السوق غداً بأربعة أو لأصلبنه، صلوا على نبيكم. ثم نزل. قال علي: وأخبرنا المفضل بن محمد وشيخ من بني تميم، ومسلمة بن محارب، قالوا: طلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له: إن الأزد أخذته فخرج وكيع وهو يقول: ده درين، سعد القين:
في أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
لا خير في أحزم جياد القرع ... في أي يوم لم أرع ولم أرع
والله الذي لا إله غيره لا أبرح حتى أوتي بالرأس، أو يذهب برأسي مع رأس قتيبة. وجاء بخشب فقال: إن هذه الخيل لا بد لها من فرسان - يتهدد بالصلب - فقال له حضين: يا أبا مطرف، تؤتي به فاسكن وأتى حضين الأزد فقال: أحمقى أنتم! بايعناه وأعطيناه المقادة، وعرض نفسه، ثم تأخذون الرأس! أخرجوه لعنه الله من رأس! فجاءوا بالرأس فقالوا: يا أبا مطرف، إن هذا هو احتزه، فاشكمه؛ قال: نعم، فأعطاه ثلاثة آلاف، وبعث بالرأس مع سليط بن عبد الكريم الحنفي ورجال من القبائل وعليهم سلط، ولم يبعث من بني تميم أحداً. قال: قال:أبو الذيال: كان فيمن ذهب بالرأس أنيف بن حسان أحد بني عدي. قال أبو مخنف: وفي وكيع لحيان النبطي بما كان أعطاه. قال: قال خريم بن أبي يحيى، عن أشياخ من قيس، قالوا: قال سليمان للهذيل ابن زفر حين وضع رأس قتيبة ورءوس أهل بيته بين يديه: هل ساءت هذا يا هذيل؟ قال: لو ساءني ساء قوماً كثيراً؛ فكلمه خريم بن عمرو والقعتاع ابن خليد، فقال: ائذن في دفن رءوسهم، قال: نعم، وما أردت هذا كله. قال علي: قال أبو عبد الله السلمي، عن يزيد ني سويد، قال: قال رجل من عجم أهل خراسان: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة والله لو كان قتيبة من فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا، وما صنع أحد قط بخراسان ما صنع قتيبة، إلا أنه قد غدر، وذلك أن الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلهم في الله. قال: وقال الحسن بن رشيد: قال الإصبهبذ لرجل: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيدا العرب! قال: فأيهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ قال: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به في الأرض مكبلا بالحديد، ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد.
قال علي: قال المفضل بن محمد الضبي جاء رجل إلى قتيبة يوم قتل وهو جالس، فقال: اليوم يقتل ملك العرب - وكان قتيبة عندهم ملك العرب - فقال له: اجلس. قال: وقال كليب بن خلف: حدثني رجل ممن كان مع وكيع حين قتل قتيبة، قال: أمر وكيع رجلا فنادى: لا يسلبن قتيل، فمر ابن عبيد الهجري على أبي الحجر الباهلي فسلبه، فبلغ وكيعاً فضرب عنقه. قال أبو عبيدة: قال عبد الله بن عمر، من تيم اللات: ركب وكيع ذات يوم، فأتوه بسكران، فأمر به فقتل، فقيل له: ليس عليه القتل، إنما عليه الحد، قال: ل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:07 am

أوجب شكراً، ولا أعظم عندي يداً من وكيع، لقد أدرك بثأري، وشفاني من عدوى، ولكن أمير المؤمنين أعظم وأوجب على حقاً، وإن النصيحة تلزمني لأمير المؤمنين؛ إن وكيعاً لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة؛ خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذاً ممن نستعين به - وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع - فاستعمل سليمان يزيد ابن المهلب على حرب العراق، وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يداً من طاعة، أن يقيد وكيعاً به. فغدر يزيد، فلم يعط عبد الله ابن الأهتم ما كان ضمن له، ووجه ابنه مخلد بن يزيد إلى وكيع، رجع الحديث إلى حديث علي. قال علي: أخبرنا أبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن، وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني، قال: وجه يزيد ابنه مخلداً إلى خراسان فقدم مخلد عمرو بن عبد الله بن سنان العتكي، ثم الصنابحي حين دنا من مرو، فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن القني، فأبى، فأرسل إليه عمرو، يا أعرابي أحمق جلفاً جافياً، وتثاقل وكيع عن الخروج، فأخرجه عمرو الأزدي، فلما بلغوا مخلداً نزل الناس كلهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعدي وعباد بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فأنزلوهم، فلما قدم مرو حبس وكيعاً فعذبه، وأخذ أصحابه فعذبهم قبل قدوم أبيه. قال علي عن كليب بن خلف، قال: أخبرنا إدريس بن حنظلة، قال: لما قدم مخلد خراسان حبسني، فجاءني ابن الأهتم فقال لي: أتريد أن تنجو؟ قلت: نعم، قال: أخرج الكتب التي كتبها القعقاع بن خليد العبسي وخريم بن عمرو المري إلى قتيبة في خلع سليمان، فقلت له: يا بن الأهتم، إياي تخدع عن ديني! قال: فدعا بطومار وقال: إنك أحمق، فكتب كتباً عن لسان القعقاع ورجال من قيس إلى قتيبة، أن الوليد بن عبد الملك قد مات، وسليمان باعث هذا المزوني على خراسان فاخلعه. فقلت: يا بن الأهتم تهلك والله نفسك! والله لئن دخلت عليه لأعلمنه أنك كتبتها. وفي هذه السنة شخص يزيد بن المهلب إلى خراسان أميراً عليها، فذكر علي بن محمد، عن أبي السري المروزي الأزدي، عن عمه، قال: ولى وكيع سنة سبع وتسعين. قال علي: فذكر المفضل بن محمد عن أبيه، قال: أدنى يزيد أهل الشام وقوماً من أهل خراسان، فقال نهار بن توسعة:
وما كنا نؤمل من أمير ... كما كنا نؤمل من يزيد
فأخطأ ظننا فيه وقدما ... زهدنا في معاشرة الزهيد
إذا لم يعطنا نصفاً أمير ... مشينا نحوه مثل الأسود
فمهلاً يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد
نجيئ فلا نرى إلا صدودا ... على أنا نسلم من بعيد
ونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهم والصدود!
قال علي: أخبرنا زياد بن الربيع، عن غالب القطان، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز واقفاً بعرفات من خلافة سليمان، وقد حج سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العجب لأمير المؤمنين، استعمل رجلا على أفضل ثغر للمسلمين! فقد بلغني عمن يقدم من التجار من ذلك الوجه أنه يعطي الجارية من جواريه مثل سهم ألف رجل. أما والله ما الله أراد بولايته - فعرفت أنه يعني يزيد والجهنية - فقلت: يشكر بلاءهم أيام الأزارقة.
قال: ووصل يزيد عبد الملك بن سلام السلولي فقال:
ما زال سيبك يا يزيد بحوبتي ... حتى ارتويت وجودكم لا ينكر
أنت الربيع إذا تكون خصاصة ... عاش السقيم به وعاش المقتر
عمت سحابته جميع بلادكم ... فرووا وأغدقهم سحاب ممطر
فسقاك ربك حيث كنت مخيلةً ... ريا سحائبها تروح وتبكر
وفي هذه السنة حج بالناس سليمان بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن ذكرهم، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وفيها عزل سليمان طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي مليكة. قال: لما صدر سليمان ابن عبد الملك من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، وكان عمله عليها ستتة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان

فإن عاملها الحرب والخراج والصلاة يزيد بن المهلب. وكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حرملة بن عمير اللخمي أشهراً، ثم عزله وولاها بشير بن حسان النهدي.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين؟؟؟؟؟؟؟
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه، فشتا بها وصاف. فذكر محمد بن عمر أن ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى، قال: لما دنا مسلمة من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مديين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، فأمر بالطعام فألقى فيه ناحية مثل الجبال، ثم قال للمسلمين لا تأكلوا منه شيئاً، أغيروا في أرضهم، وازدرعوا وعمل بيوتاً من خشب، فشتا فيها، وزرع الناس، ومكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنه شيء، والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع، فأقلم مسلمة بالقسطنطينية قاهراً لأهلها، معه وجوه أهل الشام: خالد بن معدان وعبد الله بن أبي زكرياء الخزاعي، ومجاهد بن جبسر؛ حتى آتاه موت سليمان فقال القائل: تحمل مدييها ومديي مسلمة حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: فلما ولى سليمان غزا الروم فنزل دابق، وقدم مسلمة فهابه الروم، فشخص إليون من أرمينية، فقال لمسلمة: ابعث لي رجلا يكلمني، فبعث ابن هبيرة، فقال له ابن هبيرة: ما تعدون الأحمق فيكم؟ قال: الذي يملأ بطنه من كل شيء يجده، فقال له ابن هبيرة: إنا أصحاب دين، ومن ديننا طاعة أمرائنا تعجب؛ قال: صدقت كنا وأنتم نقاتل على الدين ونغضب له، فأما اليوم فإنا نقاتل على الغلبة والملك، نعطيك عن كل رأس ديناراً. فرجع ابن هبيرة إلى الروم من غده، وقال: أبا أن يرضى، أتيته وقد تغدى وملأ بطنه ونام، فانتبه وقد غلب عليه البلغم، فلم يدر ما قلت.
وقالت البطارقة لإليون: إن صرفت عنا مسلمة ملكناك. فوثقوا له فأتى مسلمة فقال: قد علم القوم أنك لا تصدقهم القتال، وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، ولو أحرقت الطعام أعطوا بأيديهم فأحرقه، فقوى العدو وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون، فكانوا على ذلك حتى مات سليمان. قال: وكان سليمان بن عبد الملك لما نزل دابق أعطى الله عهداً ألا ينصرف حتى يدخل الجيش الذي وجهه إلى الروم القسطنطينية. قال: وهلك ملك الروم، فأتاه إليون فأخبره، وضمن له أن يدفع إليه أرض الروم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بها، وجمع كل طعام حولها وحصر أهلها وأتاهم إليون فملكوه فكتب إلى مسلمة يخبره بالذي كان، ويسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم، ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم وأن يأذن ليلة في حمل الطعام، وقد هيأ إليون السفن والرجال، فأذن له، فما بقى في تلك الحظائر إلا مالا يذكر؛ حمل في ليلة، وأصبح إليون محارباً، وقد خدعه خديعة لو كان امرأة لعيب بها، فلقى الجند ما لم يلق جيش؛ حتى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وسليمان مقيم بدابق، ونزل الشتاء فلم يقدر يمدهم حتى هلك سليمان. مبايعة سليمان لابنه أيوب وليا للعهد وفي هذه السنة بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب بن سليمان

وجعله ولي عهده، فحدثني عمر بن شبة، عن علي بن محمد، قال: كان عبد الملك أخذ على الوليد وسليمان أن يبايعا لابن عاتكة ولمروان بن عبد الملك من بعده، قال: فحدثني طارق بن المبارك قال: مات مروان بن عبد الملك في خلافة سليمان منصرفة من مكة، فبايع سليمان حين مات مروان لأيوب، وأمسك عن يزيد وتربص به، ورجا أن يهلك، فهلك أيوب وهو ولي عهده. وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة، قال محمد بن عمر: أغارت برجان في سنة ثمان وتسعين على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس، فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة - أو عمرو بن قيس - في جمع فمكرت بهم الصقالبة، ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبد ابن عبدة. وفي هذه السنة - فيما زعم الواقدي - غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل إنطاكية، وأصاب الوليد ناساً من ضواحي الروم وأسر منهم بشراً كثيراً. غزو جرجان وطبرستان وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان، فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن يزيد بن المهلب لما قدم خراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم أقبل إلى دهستان وجرجان، وبعث ابنه مخلدا على خراسان، وجاء حتى نزل بدهستان، وكان أهلها طائفة من الترك، فأقام عليها، وحاصر أهلها معه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ووجوه من أهل خراسان والري، وهو في مائة ألف مقاتل سوى الموالي و المماليك والمتطوعين، فكانوا يخرجون فيقاتلون الناس، فلا يلبثهم الناس أن يهزموهم فيدخلون حصنهم، ثم يخرجون أحياناُ فيقاتلون فيشتد قتالهم وكان جهم وجمال ابنا زحر من يزيد بمكان، وكان يكرمهما، وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفى له لسان وبأس، غير أنه كان يفسد نفسه بالشراب،وكان لا يكثر غثيان يزيد وأهل بيته، وكأنه أيضاً حجزه عن ذلك ما رأى من حسن أثرهم على ابني زحر جهم وجمال. وكان إذا نادى المنادي: يا خيل الله اركبي وأبشري كان أول فارس من أهل العسكر يبدر إلى موقف البأس عند الروع محمد بن عبد الرحمن ب أبي سبرة، فنودي ذات يوم في الناس، فبدر الناس ابن أبي سبرة، فإنه لواقف على تل إذ مر به عثمان بن المفضل، فقال له: يا بن أبي سبرة، ما قدرت على أن أسبقك إلى الموقف قط، فقال: وما يغني ذلك عني، وأنتم ترشحون غلمان مذحج، وتجهلون حق ذوي الأسنان والتجارب والبلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نعدل عنك ما أنت له أهل.
قال: وخرج الناس فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل محمد بن أبي سبرة على تركي قد صد الناس عنه، فاختلفا ضربتين، فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبي سبرة، وضربه ابن أبي سبرة فقتله، ثم أقبل وسيفه في يده يقطر دماً، وسيف التركي في بيضته، فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السيفين والبيضة والسلاح فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أبي سبرة، فقال: لله أبوه! أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه! وخرج يزيد بعد ذلك يوماً وهو يرتاد مكاناً يدخل منه على القوم، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه جماعة من الترك - وكان معه وجوه الناس وفرسانهم، وكان في نحو من أربعمائة، والعدو في نحو من أربعة آلاف فقاتلهم ساعة، ثم قالوا ليزيد: أيها الأمير، انصرف ونحن نقاتل عنك، فأبى أن يفعل، وعشي القتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل ابن أبي سبرة وابنا زحر والحجاج بن جارية الخثعمي وجل أصحابه فأحسنوا القتال، حتى إذا أرادوا الانصراف جعل الحجاج بن جارية عن الساقة، فكان يقاتل من وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عطشوا فشربوا، وانصرف عنهم العدو، ولم يظفروا منهم بشيء، فقال سفيان ابن صفوان الخثعمي:
لولا ابن جارية الأغر جبينة ... لسقيت كأساً مرة المتجرع
وحماك في فرسانه وخيوله ... حتى وردت الماء غير متعتع
ثم إنه ألح عليها وأنزل الجنود من كل جانب حولها، وقطع عنهم المواد، فلما جهدوا، وعجزوا عن قتال المسلمين، واشتد عليهم الحصار والبلاء. وبعث صول دهقان إلى يزيد: أني أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها. فصالحه، وقبل منه، ووفى له، ودخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الموال والكنوز ومن السبي شيئاً لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبراً، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك.

ثم خرج حتى أتى جرجان، وقد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف، ومائتي ألف أحياناً، وثلثمائة ألف، وصالحوا عليها، فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح، وهابوه وزادوه. واستخلف عليهم رجالاً من الأزد يقال له: أسد بن عبد الله، ودخل يزيد إلى الإصبهبذ في طبرستان فكان معه الفعلة يقطعون الشجر، ويصلحون الطرق، حتى انتهوا إليه، فنزل به فحصره وغلب على أرضه، وأخذ الإصهبذ يعرض على يزيد الصلح ويريده على ما كان يؤخذ منه، فيأبى رجالاً افتتاحها. فبعث ذات يوم أخاه أبا عيينة في أهل المصرين، فأصعد في الجبل إليهم، وقذ بعث الإصبهبذ إلى الديلم، فاستجاش بهم، فاقتتلوا. فحازهم المسلمون ساعة وكشفوهم، وخرج رأس الديلم يسأل المبارزة، فخرج إليه ابن أبي سبرة فقتله، فكانت هزيمتهم حتى انتهى المسلمون إلى فم الشعب؛ فذهبوا ليصعدوا فيه، وأشرف عليهم العدو يرشقونه بالنشاب، يرمونه بالحجارة، فانهزم الناس من فم الشعب من غير كبير قتال ولا قوة من عدوهم على إتباعهم وطلبهم، وأقبلوا يركب بعضهم بعضاً، حتى أخذوا يتساقطون في اللهوب، ويتدهدى الرجل من رأس الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يعبئون بالشر شيئاً. وأقام يزيد بمكانه على حاله، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهل جرجان ويسألهم أن يثبوا بأصحاب يزيد، وأن يقطعوا عليه مادته والطرق فيما بينه وبين العرب، ويعدهم أن يكافئهم على ذلك، فوثبوا بمن كان يزيد خلف من المسلمين، فقتلوا منهم من قدروا عليه، واجتمع بقيتهم فتحصنوا من جانب، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد، وأقام يزيد على الإصبهبذ في أرضه حتى صالحه سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف نقداً ومائتي ألف وأربعمائة حمار موقرة زعفراناً، وأربعمائة رجل، على رأس كل رجل برنس، على البرنس طيلسان ولجام من فضة وسرقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مائتي ألف درهم، ثم خرج منها يزيد وأصحابه كأنهم فل، ولولا ما صنع أهل جرجان لم يخرج من طبرستان حتى يفتحها. وزاما غير أبي مخنف، قال في أمر يزيد وأمر أهل جرجان ما حدثني أحمد بن زهير، علي بن محمد، عن كليب بن خلف وغيره؛ أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجران، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحيته أحد إلا وعلى وجل وخوف من أهل جرجان؛ كان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. ثم غزا مصقلة خراسان أيام معاوية في عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرويان، وهي متاخمة طبرستان فهلكوا في واد من أوديتها، أخذ العدو عليهم بضايقه، فقتلوا جميعاً، فهو يسمي وادي مصقلة. قال: وكان يضرب به المثل؛ حتى يرجع مصقلة من طبرستان، قال علي، عن كليب بن خلف العمي، عن طفيل بن مرداس العمي وإدريس بن حنظلة: إن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، فكانوا يجيئون أحياناً مائة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلثمائة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجاً، حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها، فلما صالح صول وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص. حدثني أحمد، عن علي، عن كليب بن خلف العمي، عن طفيل بن مرداس، وبشر بن عيسى عن أبي صفوان، قال علي: وحدثني أبة حفص الأردي عن سليمان بن كثير، وغيرهم؛ أن صولاً التركي كان ينزل دهستان والبحيرة - جزيرة في البحر بينها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهما من جرجان مما يلي خوارزم - فكان صول يغير على فيروز بن قول، مرزبان جرجان، وبينهم خمسة وعشرون فرسخاً، فيصيب من أطرافهم ثم يرجع إلى البحيرة ودهستان، فوقع بين فيروز وبين ابن عم له يقال له المرزبان منازعة، فاعتزله المرزبان، فنزل البياسان

فخاف فيروز أن يغير عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخراسان، وأخذ صول جرجان، فلما قدم على يزيد بن المهلب قال له: ما أقدمك؟ قال: خفت صولاً، فهربت منه، قال له يزيد: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيئ واحد، إن ظفرت به قتلته، او أعطي بيده، قال: ماهو؟ قال: إن خرج من جرجان حتى ينزل البحيرة، ثم أتيته ثم فحاصرته بها ظفرت به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتاباً تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان، واجعل له على ذلك جعلاً، ومنه، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب به إليه لأنه يعظمه، فيتحول عن جرجان، فينزل البحيرة. فكتب يزيد بن المهلب إلى صاحب طبرستان: إني أريد أن أغزو صولا وهو بجرجان، فخفت أن بلغه أني أريد ذلك أن يتحول إلى البحيرة فينزلها، فإن تحول إليها لم أقدر عليه؛ وهو يسمع منك ويستنصحك، فإن حبسته العام بجرجان فلم يأت البحيرة حملت إليك خمسين ألف مثقال؛ فاحتل له حيلة؛ تحبسه بجرجان، فإنه إن أقام بها ظفرت به. فلما رأى الإصبهبذ الكتاب أراد أن يتقرب إلى صول، فبعث بالكتاب إليه، فلنا أتاه الكتاب أمر الناس بالرحيل إلى البحيرة وحمل الأطعمة ليتحصن فيها. وبلغ يزيد أنه قد سار من جرجان إلى البحيرة، فاعتزم على السير إلى الجرجان، فخرج في ثلاثين ألفاً، ومعه فيروز ابن قول، واستخلف على خراسان مخلد بن يزيد، واستخلف على سمرقند وكس ونسف وبخارى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب، وأقبل حتى أتى جرجان - ولم تكن يومئذ مدينة غنما هي جبال محيطة بها، وأبواب ومخارم، يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد - فدخلها يزيد لم يعازه أحد، وأصاب أموالاً، وهرب المرزبان، وخرج يزيد بالناس إلى البحيرة، فأناخ على الوصول، وتمثل حين نزل بهم:
فخر السيف وارتعشت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس
قال: فحاصرهم، فكان يخرج إليه صول في الأيام فيقاله ثم يرجع إلى حصنه، ومع يزيد أهل الكوفة وأهل البصرة. صم ذكر من فصة جهم ابن زحر وأخيه محمد نحواً مما ذكره هشام، غير أنه قال في ضربة التركي ابن أبي سبرة: فنشب سيف التركي في درقة ابن أبي سبرة.
قال علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، عن عنبسة، قال: قاتل محمد بن أبي سبرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتوروه بأسيافهم، فانقطع في يده ثلاث أسياف. ثم رجع إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعني الترك - محصورين يخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون إلى حصنهم ستة شهر، حتى شربوا ماء الأحساء، فأصابهم داء يسمى السؤاد، فوقع فيهم الموت، وأرسل صول في ذلك يطلب الصلح، فقال يزيد بن المهلب: لا، إلا أن ينزل على حكمي، فأبى فأرسل إليه: إني أصالحك على نفسي ومالي وثلثمائة من أهل بيتي وخاصتي، على أن تؤمنني فننزل البحيرة، فأجابه إلى ذاك يزيد، فخرج بماله وثلثمائة ممن أحب، وصار مع يزيد، فقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفاً صبراً، ومن على الآخرين فلم يقتل منهم أحداً. وقال الجند ليزيد: أعطنا أرزاقنا، فدعا إدريس بن حنظلة العمي، فقال: يل بن حنظلة، أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطي الجند، فدخلها إدريس، فلم يقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: فيها مالا أستطيع إحصاءه، وهو في ظروف، فنحصي الجواليق ونعلم ما فيها، ونقول للجند: ادخلوا فخذوا، فمن أخذ شيئاً عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعسل. قال: نعم ما رأيت، فأحصوا الجواليق عدداً، وعلموا كل الجواليق ما فيه، وقالوا للجند: خذوا، فكان الرجل يخرج وقد أخذ ثياباً أو طعاماً أو ما حمل من شيء فيكتب على كل رجل ما أخذ، فأخذوا شيئاً كثيراً.
قال علي: قال أبو بكر الهذلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة، فسأله يزيد عنها، فأتاه بها، فدعا يزيد الذي رفع عليه فشتمه؛ وقال لشهر: هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، فقال الطامي الكلبي - ويقال: سنان بن مكمل النميري:
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهراً؟!
أخذت به شيئاً طفيفاً وبعته ... من ابن جونبوذ إن هذا هو الغدر
وقال مرة النخعي لشهر:
يا بن المهلب ما أردت إلى امرئ ... لولاك كان كصالح القراء

قال علي: قال أبو محمد الثقفي: أصاب يزيد بن المهلب تاجاً بجرجان فيه جوهر، فقال: أترون أحداً يزهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع الأزدي، فقال: خذ هذا التاج فهو لك؛ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمت عليك، فأخذه، وخرج فأمر يزيد رجلاً ينظر ما يصنع به، فلقي سائلاً فدفعه إليه، فأخذ الرجل السائل، فاتى به يزيد وأخبره الخبر، فأخذ يزيد التاج، وعوض السائل مالاً كثيراً. قال علي: وكان سليمان بن عبد الملك كلما افتتح قتيبة فتحاً قال ليزيد بن المهلب: أما ترى ما يصنع الله على يدي قتيبة؟ فيقول ابن المهلب: ما فعلت جرجان التي حالت بين الناس وبين الطريق الأعظم، وأفسدت قومس وأبرشهر! ويقول: هذه الفتوح ليست بشيء، الشأن في جرجان. فلما ولي يزيد بن المهلب لم يكن له همة غير جرجان. قال: ويقال: كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف، معه أهل الشام ستون ألفاً. قال علي في حديثه، عمن ذكر خبر جرجان عمنهم: وزاد فيه على ابن مجاهد، عن خالد بن صبيح أن يزيد بن المهلب لما صالح صولا طمع في طبرستان أن يفتحها، فاعتزم على أن يسير إليها، استعمل عبد الله بن المعمر اليشكري على البياسان ودهستان، واستعمل على أندرستان أسد ابن عمرو - او ابن عبد الله بن الربعة - وهي مما يلي طبرستان، وخلفه في أربعة آلاف، ودخل يزيد بلاد الإصبهبذ، فأرسل إليه يسأله الصالح، وأن يخرج من طبرستان، فأبى يزيد ورجا أن يفتحها، فوجهأخاه أبا عيينة من وجه، وخالد بن يزيد من وجه، وأبا الجهم الكلبي من

وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس. فسار أبو عيينة في أهل المصرين ومعه هريم بن أبي طحمة. وقال يزيد لأبي عيينة: شاور هريماً فإنه ناصح. وأقام يزيد معسكراً. قال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جيلان وأهل الديل، فأتوه فالتقوا في سند جب، فانهزم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب فدخله المسلمون، فصعد المشركون في الجبل، وأتبعهم المسلمون، فرماهم العدو بالنشاب والحجارة، فانهزم أبو عيينة والمسلمون، فركب بعضهم بعضاً يتساقطون من الجبل، فلم يثبتوا حتى انتهوا إلى عسكر يزيد، وكف العدو عن اتباعهم، وخافهم الإصبهبذ، فكتب إلى المرزبان ابن عم فيروز بن قول وهو بأقصى جرجان مما يلي البياسان: إنا قد قتلنا يزيد وأصجابه فاقتل ممن في البياسان من العرب. فخرج على أهل البياسان والمسلمون غارون في منازلهم، قد أجمعوا على قتلهم، فقتلوا جميعاً في ليلة، فأصبح عبد الله بن المعمر مقتولاً وأربعة آلاف من المسلمين لم ينج منهم أحد، وقتل من بني العم خمسين رجلاً؛ قتل الحسين بن عبد الرحمن وإسماعيل ابن إبراهيم بن شماس. وكتب إلى الأصبهبذ يأخذ بالمضايق والطرق. وبلغ يزيد قتل عبد الله بن المعمر وأصحابه، فأعظموا ذلك، وهالهم، ففزع يزيد إلى حيان النبطي. وقال: ر يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، قد جاءنا عن جرجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطريق، فأعمل في الصلح؛ قال: نعم، فأتى حيان الإصبهبذ فقال: أنا رجل منكم، وإن كان الدين قد فرق بيني وبينكم، فإني لكم ناصح، وأنت أحب إلي من يزيد، وقد بعث يستمد، وأمداده منه قريبة، وإنما أصابوا منه طرفاً، وليس آمن أن يأتيك ما لا تقوم له، فأرح نفسك منه، وصالحه فإنك إن صالحته صيره حده على أهل جرجان، بغدرهم وقتلهم من قتلوا، فصالحه على سبعمائة ألف - وقال علي بن مجاهد: على خمسمائة ألف - وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل، على كل رجل برنس وطيلسان،ومع كل رجل جام فضة وسرقة خز وكسوة. ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال: ابعث من يحمل صلحهم الذي صالحتهم عليه، قال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم. وكان يزيد قد طابت نفسه على أن يعطيهم ما سألوا، ويرجع إلى جرجان فأرسل يزيد من يحمل ما صالحهم عليه حيان، وانصرف إلى جرجان، وكان يزيد قد غرم حياناُ مائتي ألف، فخاف ألا يناصحه. والسبب الذي له أغرم حيان فيه ما حدثني علي بن مجاهد، عن خالد بن صبيح، قال: كنت مؤدباً لولد حيان، فدعاني فقال لي:اكتب كتاباً إلى مخلد بن يزيد - ومخلد يومئذ ببلخ، ويزيد بمرو - فتناولت القرطاس، فقال: اكتب: من حيان مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيد، فغمرني مقاتل ابن حيان ألا تكتب، وأقبل على أبيه فقال: يا أبت تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك! قال: نعم يا بني، فإن لم يرض لقي ما لقي قتيبة. ثم قال لي: اكتب، فكتبت، فبعث مخلد بكتابه إلى أبيه، فأغرم يزيد حيان مائتي ألف درهم. فتح جرجان وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد، قال علي، عن الرهط الذين ذكر أنهم حدثوه بخبر جرجان وطبرستان: ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان، فأعطى الله عهداً؛ لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم، ولا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم، ويختبز من ذلك الطحين، ويأكل منه، فلما بلغ المزربان أنه قد صالح الإصبهبذ وتوجه إلى جرجان، جمع أصحابه وأتى وجاه، فتحصن فيها، وصاحبها لا يحتاج إلى عدة من طعام ولا شراب. وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها. وحولها غياض فليس يعرف لها إلا طريق واحد، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء، ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد، فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم، فبيناهم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان كان مع يزيد يتصيد ومعه شاكرية له. وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: فخرج رجل من عسكره من طيئ يتصيد، فأبصر وعلاً يرقى في الجبل، فأتبعه، وقال لمن معه: قفوا مكانكم، ووقل في الجبل يقتص الأثر، فما شعر بشيء حتى هجم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، فخاف ألا يهتدي، فجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات، حتى وصل إلى أصحابه، ثم رجع إلى العسكر. ويقال: إن الذي كان يتصيد الهياج بن عبد الرحمن

الأزدي من أهل طوس، وكان منهوماً بالصيد، فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أيم الواشجي صاحب شرطة يزيد، فمنعوه من الدخول، فصاح: إن عندي نصيحة. وقال هشام عن أبي مخنف: جاء حتى رفع ذلك إلى ابني زحر بن قيس، فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد، فأعلمه، فضمن له بضمان الجهنية - أم ولد كانت ليزيد - على شيء قد سماه.
وقال علي بن محمد في حديثه عن أصحابه: فدعا به يزيد فقال: ما عندك؟ قال: أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال؟ قال: نعم، قال: جعالتي؟ قال: احتكم، قال: أربعة آلاف؛ قال: لد دية، قال: عجلوا لي أربعة آلاف، ثم أنتم بعد من وراء الإحسان. فأمر له بأربعة آلاف، وندب الناس، فانتدب أف وأربعمائة، فقال: الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض، فاختار منهم ثلثمائة، فوجههم، واستعمل عليهم جهم بن زحر. وقال بعضهم: استمل عليهم ابنه خالد بن يزيد، وقال له: أن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي منهزماً، وضم إليه جهم بن زحر، وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه: متى تصل إليهم؟ قال: غداً عند العصر فيما بين الصلاتين، قال: امضوا على بركة الله؛ فإني سأجهد على مناهضتهم غداً عند صلاة الظهر. فساروا، فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصارهم إياهم، فصيره آكاماً، فأضرموه ناراً؛ فلم تزل الشمس حتى صار عسكره أمثال الجبال من النيران، ونظر العدو إلى النار، فهالهم ما رأوا من كثرتها، فخرجوا إليهم. وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا، فجمعوا بين الصلاتين، ثم زحفوا إليهم فاقتتلوا، وسار الآخرون بقية يومهم والغد، فهجموا على عسكر الترك قبيل العص ر، وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتل في هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم، فانقعوا جميعاً إلى حصنهم، وركبهم المسلمون، فأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم، وقتل مقاتليهم، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى الأندرهز - وادي جرجان - وقال: من طلبهم بثأر فليقتل، فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة في الوادي، وأجرى الماء في الوادي على الدم، وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم، ولتبر يمينه، فطحن واختبز وأكل وبنى مدينة جرجان. وقال بعضهم: قتل يزيد من أهل جرجان أربعين ألفاً، ولم تكن من قبل ذلك مدينة ورجع إلى خراسان واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفي. واما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف أنه قال: دعا يزيد جهم ابن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال: إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا، حتى إذا كان في السحر فكبروا، ثم انطلقوا نحو باب المدينة، فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها؛ فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التي أمره ينهض فيها مشى بأصحابه، فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحداً إلا قتله. وكبر، ففزع أهل المدينة فزعاً لم يدخلهم مثله قط فيما مضى، فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون! غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر، فقاتلوا ساعة، فدقت يد جهم، وصبر لهم هو وأصحابه، فلم يلبثوا أن قتلوهم إلا قليلاً. سمع يزيد بن المهلب التكبير، فوثب في الناس إلى الباب، فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب، فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع، ففتح الباب، فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع كبير دفع ، ففتح الباب ودخلها من ساعته، فأخرج من كان فيها من المقاتلة، فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره، فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها، وأصاب ما كان فيها. قال علي في حديثه، عن شيخوخة، الذين قد ذكرت أسمائهم قبل. وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك:

أما بعد، فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحاً عظيماً، وصنع للمسلمين أحسن الصنع، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسى بن قباذ وكسرى بن هرمز، وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين؛ كرامة من الله له، وزيادة في نعمه عليه. وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفئ والغنيمة ستة آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.فقال له كاتبة بن المغيرة بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تكتب بسمية مال، فأنك من ذلك بين أمرين: إما استكثره فأمرك بحمله، وأما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية فلا يأتيه من قبلك شيء إلا استقبله، فكان بك قد استغرقت ماسميت لم يقع منه موقعاً، ويبق المال الذي سميت مخلداً عندهم عليك في دواوينهم، فإن ولى وال بعده أخذك به، وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمض كتابك، ولكن اكتب بالفتح، سله القدوم فتشافهه بما أحببت مشافهة، ولا تقصر، فإنك أن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر. فأبى يزيد وأمضى. وقال: بعضهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك، فحدثت عن علي بن محمد، قال: حدثنا علي بن مجاهد، عن شيخ من أهل الري أدرك يزيد، قال: أتى يزيد بن المهلب الري حين فرغ من جرجان، فبلغه وفاة أيوب بن سليمان وهو يسير في باغ أبي صالح على باب الري، فارتجز راجز بين يديه فقال:
إن يك أيوب مضى لشأنه ... فإن داوود لفي مكانه
يقيم ما قد زال من سلطانه
وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة. وفيها غزا داوود بن سليمان بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصن المرأة مما يلي ملطية. وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أمير على مكة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سبع، وقد ذكرناهم قبل، غير أن عامل يزيد بن المهلب على البصرة في هذه السنة كان - فيما قيل - سفيان بن عبد الله الكندي.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وفاة سليمان بن عبد الملك فمن ذلك وفاة سليمان بن عبد الملك، توفي - فيما حدثت عن هشام. عن أبي مخنف - بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر، فكانت ولايته سنتين لعشر أشهر إلا خمسة أيام. وقد قيل: توفى لعشر ليال مضين من صفر. وقيل: كانت خلافته سنتين وسبعة أشهر وقيل: سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقد حدث الحسن بن حماد، عن طلحة أبي محمد، عن أشياخه، أنهم قالوا: استخلف سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين. وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفى سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر. ذكر الخبر عن بعض سيره: حدثت عن علي بن محمد، قال: كان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجاج، فولى سليمان، فأطلق الأسارى، وخلى أهل السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز، فقال ابن بيض:
حاز الخلافة والداك كلاهما ... من بين سخطة ساخط او طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثاً ... وعلى جبينك نور ملك الرابع
وقال علي: قا المضل بن المهلب: دخلت على سليمان بدابق يوم جمعة، فدعا بثياب فلبسها، فلم تعجبه، فدعا، بغيرها بثياب خضر سوسية بعث بها يزيد بن المهلب، فلبسها واعتم وقال: يا بن المهلب أعجبتك؟ قلت: نعم، فحسر عن ذراعيه ثم قال: أنا الملك الفتى، فصلى الجمعة، ثم لم يجمع بعدها، وكتب وصيته، ودعا ابن أبي نعيم صاحب الخاتم فختمه. قال علي: قال بعض أهل العلم: إن سليمان لبس يوماً حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرأة فقال: أنا الملك الفتي، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعاً قال علي: وحدثنا سحيم بن حفص، قال: نظرت إلى سليمان جارية له يوم، فقال: ما تنظرين؟ فقالت:

أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
فنفض عمامته.
قال علي: كان قاضي سليمان سليمان بن حبيب المحاربي، وكان ابن أبي عيينة يقص عنده.
وحدثت عن أبي عبيدة، رؤبة بن العجاج، قال: حج سليمان بن عبد الملك، وحج الشعراء معه، وحجت معهم، فلما كان بالمدينة راجعاً تلقوه بنحو من أربعمائة أسير من الروم، فقعد سليمان،وأقربهم منه مجلساً عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، فقدم بطريقهم فقال: يا عبد الله، اضرب عنقه، فقام فما أعطاه أحد سيفاً حتى دفع إليه حرسي سيفه فضربه فأبان الرأس، وأطن الساعد وبعض الغل فقال سليمان: أما والله ما من جودة السيف جادت الضربة، ولكن لحسبه، وجعل يدفع البقية إلى الوجوه وإلى الناس يقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا منهم، فدست إليه بنو عبس سيفاً في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسي فلم يجد سيفاً، فدسوا له سيفاً ددانا مثنياً لا يقطع، فضرب به الأسير ضربات، فلم يصنع شيئاً فضحك سليمان والقوم، وشمت بالفرزدق بنو عبس أخوال سليمان، فألقى السيف وأنشأ يقول، ويعتذر إلى سليمان، ويأتسى بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد:
إن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتأخير نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد
وورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر بن كلاب، وخالد مكب على أبيه زهير، قد ضربه بالسيف وصرعه، فأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالداً، فلم يسمع شيئاً، فقال ورقاء ابن زهير:
رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلت يميني يوم أضرب خالداً ... ويحصنه مني الحديد المظاهر
وقال الفرزدق في مقامه ذلك:
أيعجب الناي أن أضحكت خيرهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
فما نبا السيف عن جبن ولا دهش ... عند الإمام ولكن آخر القدر
ولو ضربت على عمرو مقلده ... لخر جثمانه ما فوقه شعر
وما يعجل نفساً قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر
وقال جرير في ذلك:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك، وقالوا محدث غير صارم
حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي خالد: حدثني سليمان قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عيينة، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس، قال: شهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق، فدفنت فيه حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسن هذه التربة! ما أطيبها! فما أتى عليه جمعة - أو كما قال - حتى دفن إلى جنب ذلك القبر.
خلافة عمر بن عبد العزيزوفي هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد ابن عمر، قال: حدثني الهيثم بن واقد، قال: استخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر مضين من صفر سنة تسع وتسعين. قال محمد بن عمر : حدثني داود بن خالد بن دينار، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حيوة، يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثياباً خضراً من خز، ونظر في المرأة فقال: أنا والله الملك الشاب. فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة. فلم يرجع حتى وعك. فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلغ فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر فيه. ولم أعزم عليه؛ قال: فمكث يوماً أو يومين ثم خرقه، فدعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أو ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيك يا أمير المؤمنين،وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت:

أعلمه والله خيراً فاضل مسلماً؛ فقال: هو والله على ذلك ثم قال: والله لئن وليته ولم أول أحداً سواه لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبداً يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده، ويزيد بن عبد الملك غائب عن الموسم، قال: فيزيد ابن عبد الملك أجعله بعده. فإن ذلك مما يسكنهم ويرضون به؛ قلت: رأيك. قال: فكتب. بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوه، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم. وختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب شرطه فقال: مر أهل بيتي فليجتمعوا؛ فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتمعاعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أن هذا كتابي، وأمرهم فليبايعوا من وليت فيه؛ ففعل رجاء، فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا: ندخل فنسلم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ فدخلوا فقال لهم سليمان في هذا الكتاب - وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء ابن حيوة - عهدى، فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، فبايعوه رجلا رجلا، ثم خرج بالكتاب محتوماً في يد رجاء بن حيوة. قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئاً من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الأن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة! قال رجاء لا والله ما أنا بمخبرك حرفاً؛ قال: فذهب عمر غضبان. قال رجاء: لقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء، إن لي بك حرمة ومودة قديمة، وعندي شكر فأعلمني هذا الأمر، فإن كان إلي علمت، وإن كان إلى غيري تكلمت، فليس مثلي قصر به، فأعلمني فلك الله على ألا أذكر من ذلك شيئاً أبدا قال رجاء: فأبيت فقلت: والله لا أخبرك حرفاً واحداً مما أسر إلي. قال: فانصرف هشام وهو قد يئس، ويضرب بإحدى يديه على الأخرة وهو يقول: فإلى من إذاً نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال: رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة، فجعل يقول حين يفيق: لم يأن لي ذلك بعد يا رجاء ففعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال: فحرفته ومات؛ فلما غمضته سجيته بقطيفة خضراء، وأغلقت الباب. وأرسلت إلى زوجته تقول: كيف أصبح؟ فقلت: نائم، وقد تغطى، فنظر الرسول إليه مغطى بالقطيفة فرجع فأخبرها فقبلت ذلك، وظنت أنه نائم، قال رجاء: وأجلست على الباب من أثق به، وأوصيته ألا يبرح حتى آتيه، ولا يدخل على الخليفة أحد. قال: فخرجت فأرسلت إلى كعب بن حامد العبسي فجمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا، فقالوا: قد بايعنا مرة ونبايع أخرى! قلت: هذا عهد أمير المؤمنين، فبايعوا على ما أمر به ومن سمى في هذا الكتاب المختوم، فبايعوا الثانية؛ رجلا رجلا. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيت أني قد أحكمت الأمر، قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون قرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك: لا نبايعه أبداً، قلت: أضرب والله عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه. قال رجاء: وأخذت بضبع عمر بن عبد العزيز فأجلسته لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! حين صارت إلى لكراهته إياها

و الآخر يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث نحيت عني. قال: وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز؛ قال رجاء: فلما فرغ من دفنه أتى بمراكب خلافة: البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس. فقال: ما هذا! قالوا: مركب الخلافة، قال: دابتي أوفق لي، وركب دابته. قال: فصرفت تلك الدواب، ثم أقبل سائراً، فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، فأقام في منزله حتى فرغوه بعد؛ قال:رجاء فلما كان المساء من ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعو لي كاتباً، فدعوته وقد رأيت منه كل ما سرني، صنع في المراكب ما صنع، وفي منزل سليمان؛ فقلت: كيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيصنع نسخاً أم ماذا؟ فلما جلس الكاتب أملى عليه كتاباً واحداً من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب أن ينسخ إلى كل بلد. وبلغ عبد العزيز بن الوليد - وكان غائباً - موت سليمان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس عمر بن عبد العزيز، وعهد سليمان إلى عمر، فقعد لواء، ودعا إلى نفسه فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك، وأردت دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أن الخليفة سليمان لم يكن عقد لأحد، فخفت على الأموال أن تنهك، فقال عمر: لو بويعت وقمت بالأمر ما نازعتك ذلك، ولقعدت في بيتي، فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولى هذا الأمر غيرك. وبايع عمر بن عبد العزيز. قال: فكان برجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده. وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا عتاقاً وطعاماً كثيراً، وحث الناس على معونتهم، وكان الذي وجه إليه الخيل العتاق - فيما قيل - خمسمائة فرس. وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعة، ونالوا منهم، فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فقتل أولئك الترك، فلم يفلت منهم إلا اليسير، فقدم منهم على عمر بخناصرة بخمسين أسيراً.
وفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق، ووجه على البصرة وأرضها عدي بن أرطاة الفزازي، وبعث على الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن يزيد بن الخطاب الأعرج القرشي، من بني عدي بن كعب، وضم إليه أبا الزناد، فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري.
وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن خزم، وكان عامل عمر على المدينة.
وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى البصرة وأرضها عدي بن أرطاة وعلى خراسان الجراح بن عبد الله. وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني، وقد ولى فيما ذكر قبله الحسن بن أبي الحسن، فشكا، فاستقصى إياس بن معاوية. وكان على قضاء الكوفة - في هذه السنة فيما قيل - عامر الشعبي. وكان الواقدي يقول: كان الشعبي على قضاء الكوفة أيام عمر بن عبد العزيز من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن، والحسن بن أبي الحسن البصري على قضاء البصرة من قبل عدي بن أرطاة، ثم إن الحسن استعفى من القضاء عدياً، فأعفاه وولى إياساً.
ثم دخلت سنة مائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك خروج الخارجة التي خرجت على عمر بن عبد العزيز بالعراق. ذكر محمد بن عمر أن ابن أبي الزناد حدثه، قال: خرجت حرورية بالعراق، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشاً فهزمتهم الحرورية، فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخل بينه وبينهم. فلقيهم مسلمة في أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:12 am

خبر خروج شوذب الخارجي وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب - واسمه بسطام من بني يشكر - فكان مخرجه بجوخي في ثمانين فارساً أكثرهم من ربيعة، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد؛ ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دماً، أو يفسدوا في الأرض فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلاً صليباً حازماً فوجهه إليهم، ووجه معه جنداً، وأوصه بما أمرتك به. فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم عليه محمد بن جرير. فقام بإزائه لا يحركه ولا يهيجه، فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني، فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا. فلم يحرك بسطام شيئاً، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك - قال أبو عبيدة: أحد الرجلين اللذين بعثهما شوثب إلى عمر ممزوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر - قال: فيقال: أرسل نفراً فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين؛ فاختاروهما، فدخلا عليه فناظراه، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري؛ قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت الأمانة إلى من اتمنك! قال: فقال: أنظراني ثلاثاً، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد، فدسوا إليه من سقاه سماً، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثاً حتى مات. وفي هذه السنة أغزا عمر بن عبد العزيز الوليد بن هاشم المعيطي وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة. وفيها شخص عمر بن هبيرة الفزاري إلى الجزيرة عاملا لعمر عليها.
خبر القبض على يزيد بن المهلبوفي هذه ا لسنة حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر بن عبد العزيز. ذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه: اختلف أهل ا لسير في ذلك فأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف أن عمر بن عبد العزيز لما جاء يزيد بن المهلب فنزل واسطاً، ثم ركب السفن يريد البصرة، بعث عدي بن أرطاة إلى البصرة أميراً، فبعث عدي موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في نهر معقل عند الجسر، جسر البصرة فأوثقه، ثم بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فقدم به عليه موسى ابن الوجيه، فدعا به عمر بن عبد العزيز - وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة، ولا أحب مثلهم، وكان يزيد بن المهلب يبغض عمر ويقول: إني لأظنه مرائياً، فلما ولى عمر عرف يزيد أن عمر كان من ا لرياء بعيداً. ولما دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، فقال: كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد علمت أن سليمان

لم يكن ليأخذني بشيء سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني تركها، فرده إلى محبسه، وبعث إلى الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان، وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ولا يمر بكورة إلا أعطاهم فيها أموالا عظاماً. ثم خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد ابتلينا بك، فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ! أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل، فقال عمر: لا. إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينه فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه. فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال. فلما خرج مخلد قال: هذا خير عندي من أبيه، فلم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات، فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئاً ألبسه جبة من صوف، وحمله على جمل، ثم قال: سيروا به إلى دهلك، فلما أخرج فمر به على الناس أخذ يقول: مالي عشيرة، مالي يذهب بي إلى دهلك! إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الخارب سبحان الله! أما لي عشيرة! فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولاني، فقال: يا أمير المؤمنين، أردد يزيد إلى محبسه؛ فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه؛ فإني قد رأيت قومه غضبوا له. فرده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر. وأما غير أبي مخنف فإنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي ابن أرطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب، ودفعه إلى من بعين التمر من الجند، فوجهه عدي بن أرطاة مع وكيع بن حسان بن أبي سود التميمي مغلولا مقيداً في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان، عرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع فانتضى سيفه، وقطع قلس السفينة، وأخذ سيف يزيد ابن المهلب، وحلف بطلاق امرأته ليضرين عنقه إن لم يتفرقوا فناداهم يزيد بن المهلب، فأعلمهم يمين وكيع، فتفرقوا، ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر، ورجع وكيع إلى عدي بن أرطاة، ومضى الجند الذين بعين التمر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز فحبسه في السجن، عزل جراح بن عبد الله عن خراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين وخرج منها لأيام لقيت من شهر رمضان من سنة مائة. ذكر سبب عزل عمر إياه: وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد عن كليب بن خلف، عن إدريس بن حنظلة، والمفضل عن جده، وعلي بن مجاهد عن خالد ابن عبد العزيز؛ أن يزيد بن المهلب ولى جهم بن زحر جرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجه عامل العراق من العراق والياً على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جهم فقيده وقيد رهطاً قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجراح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أسوغك هذا، فقال له جهم: ولو لا أنك ابن عمي لم آتك - وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنة حصين بن الحارث وابن عمه، لئن الحكم وجعفي ابن سعد - فقال له الجراح خالفة إمامك، وخرجت عاصياً، فاغزو لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك. فوجهه إلى الختل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكراً في ثلاثة، وخلف في عسكره ابن عمه القاسم بن حبيب - وهو ختنه على ابنته أم الأسود - حتى دخل على صاحب الختل فقال له: أخلني، فأخلاه، فاعتزا، فنزل صاحب الختل عن سريره وأعطاه حاجته - ويقولون: الختن موالي النعمان وأصاب مغنماً؛ فكتب الجراح إلى عمر: وأوفد وفداً؛ رجلين من العرب، ورجلا من الموالي من بني ضبة، ويكني أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلا في دينه. وقال بعضهم: المولى سعيد أخو خالد أو يزيد النحو. فتكلم العربيان والآخر جالس فقال له عمر: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، فما يمنعك من الكلام!قال: يا أمير المؤمنينعشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق ومثلهم

قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج منه، وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا، فيقول آتيتك حفياً، وأنا اليوم عصبي! والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم. وبلغ من جفائه أن كم درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد علم بالظلم والعدوان. فقال عمر: إذاً مثلك فيلوفد. وكتب عمر إلى الجراح: إنظر من صلى قبلك إلى القبلة، فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح إ ن الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفوراً من الجزية؛ فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه داعياً ولم يبعثه خاتناً. وقال عمر: ابغوني رجلاً صدوقاً، أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدته، عليك بأبي مجلس. فكتب إلى الجراح: أن أقبل واحمل أبا مجلس وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدي وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب. فخطب الجراح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي على وعلى فرسي لم أصب من مالكم إلا حلية سيفي - ولم يكن عنده إلا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها؛ فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق من وصفك بالجفاء هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج! وكان الجراح يقول: أنا والله عصبي عقبي - يريد من العصبية. وكان الجراح لما قد خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قوماً قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزواً، أحب الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم إلا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك. فكتب إليه عمر: يا بن أم الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم؛ لا تضربن مؤمناً ولا معاهداً سوطاً إلا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور، وتقرأ كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ولما أراد الجراح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفاً. وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال. وقال: هي على سلفاً حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال: لأيام بقين من شهر رمضان وعلي دين فاقده؛ قال: لو أقمت حتى تفطر ثم خرجت قضيت عنك. فأدى عنه قومه في أعطياتهم.
ذكر الخبر عن سبب
تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم
وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراسان وكان سبب ذلك - فيما ذكر لي - أن الجراح بن عبد الله لما شكى، واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فقدم عليه عزله من خراسان لما قد ذكرت قبل. ثم إن عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان، قال - فيما ذكر على ابن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعي وعبد الله بن المبارك وغيرهما: ابغوني رجلا صدوقاً أسأله عن خراسان، فقيل له: أبو مجلس لاحق بن حميد. فكتب فيه، فقدم عليه - وكان رجلا لا تأخذه العين - فدخل أبو مجلس على عمر في جفة الناس، فلم يثبته عمر، وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل: دخل مع الناس ثم خرج فدعا به عمر ثم قال: يا أبا مجلس، لم أعرفك، قال: فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني! قال: أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: يكافئ الأكفاء، ويعادي الأعداء وهو أمير يفعل ما يشاء ويقدم إن وجد من يساعده. قال: عبد الرحمن بن نعيم، قال: ضعيف لين يحب العافية، وتأتي له، قال: الذي يحب العافية وتأتي له أحب إ لي، فولاه الصلاة والحرب وولى عبد الرحمن القشيري، ثم أخذ بني الأعور بن قشير الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: إني استعملت عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة مني بهما ولا اختيار، إلا ما أخبرت عنهما؛ فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال علي: وحدثنا أبو السرة الأزدي، عن إبراهيم الصائغ، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:

أما بعد، فكن عبداً ناصحاً لله في عباده، ولا يأخذك في الله لومة لائم؛ فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، فلا تولين شيئاً من أمر المسلمين إلا بالمعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى. وإياك أن يكون ميلك ميلاً إلى غير الحق، فإن والله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهباً؛ فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. قال علي، عن محمد الباهلي وأبي نهيك بن زياد وغيرهما: إن عمرو بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشي، فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان وحتى مات عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليها في شهر رمضان من سنة مائة، وعزل سنة اثنتين ومائة، بعد ما قتل يزيد بن المهلب. قال علي: كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهراً. أول الدعوة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعني سنة مائة - وجه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أرض الشراة ميسرة إلى العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج - وهو أبو محمد الصادق - وحيان العطار خال إبراهيم ابن سلمة إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي من قبل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا، ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن علي، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي إثنى عشر رجلاً، نقباء، منهم سليمان ابن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود، من بني عمرو بن شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن إسماعيل أبو النجم، مولى لآل أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي وطلحة ابن زريق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى الخزاعة. وشبل بن طهمان أبو علي الهروي؛ مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة؛ واختار. سبعين رجلاً، فكتب إليهم محمد بن علي كتاباً ليكون لهم مثالاً وسيرة يسيرون بها. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن مروان بن حزم، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان عمال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل ما خلا عامل خراسان؛ فإن عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج.
ثم دخلت سنة إحدى ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه في ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز. ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن عمر بن عبد العزيز لما كلم في يزيد بن المهلب حين أراد نفيه إلى دهلك، وقيل له: إنا نخشى أن ينتزعه قومه، رده إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر، فأخذ يعمل في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك؛ لأنه كان قد عذب أصهاره آل أبي عقيل - كانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول - فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقاً فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه، فأعدوا له إبلاً؛ وكان مرض عمر في دير سمعان، فلما اشتد مرض عمر أمر بإبله فأتى بها، فلما تبين له أنه قد ثقل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذي واعدهم فيه؛ فلم يجدهم جاؤوا، فجزع أصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: أترونني أرجع إلى السجن! لا والله لا أرجع إليه أبداً. ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل، فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات

ابن معاوية العامرية من بني البكاء في دمشق المحمل، فمضى. فلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي؛ ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك. فقال عمر: اللهم إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شراً فاكفهم شره، واردد كيده في نحره. ومضى يزيد بن المهلب حتى مر بحدث الزقاق، وفيه الهذيل بن زفر معه قيس، فاتبعوا يزيد بن المهلب حيث مر بهم، فأصابوه طرفاً من ثقله وغلمة من وصفائه، فأرسل الهذيل بن زفر في آثارهم، فردهم فقال: ما تطلبون؟ أخبروني، أتطلبون يزيد بن المهلب أو أحداً من قومه بتبل؟ فقالوا: لا، قال: فما تريدون؟ إنما هو رجل كان في إسار، فخاف على نفسه فهرب.
وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر. خبر وفاة عمر بن عبد العزيز وفي هذه السنة توفي عمر بن عبد العزيز، فحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عبيى، عن أبي معشر، قال: توفي عمر بن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وكذلك قال محمد بن عمر، حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: اخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمرو بن عثمان، قال: مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وقال هشام عن أبي مخنف: مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان في سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. ومات بدير سمعان. حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمي الهيثم بن واقد ، قال: ولدت سنة سبع وتسعين، واستخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير، وتوفي بخناصرة يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكان شكوه عشرين يوماً، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير سمعان. وقد قال بعضهم: كان له يوم توفي تسع وثلاثون سنة، وخمسة أشهر. وقال بعضهم: كان له أربعون سنة. وقال هشام: توفي عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر، وكان يكنى أبا حفص وله يقول عويف القوافي. وقد حضره في جنازة شهدها معه:
أحبني أبا حفص لقيت محمدا ... على حوضه مستبشراً ورآكا
فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة ... شمالك خير من يمين سواكا
وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له : أشج بني أمية، وذلك أن دابة من دواب أبيه كانت شجته فقيل له: أشج بني أمية. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: كنت أسمع ابن عمر كثيراً يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلا ! وحدثت عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتيت به أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضمته إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه. ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه، وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادماً ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا! فقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إذ كان أشج بني أمية! ذكر بعض سيره ذكر علي بن محمد أن كليب بن خلف حدثهم عن إدريس بن حنظلة، والمفضل، عن جده، وعلي بن مجاهد عن خالد: أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب: أما بعد، فإن سليمان كان عبداً من عبيد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس على بهيم، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال، كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً، ومسألة غليظة، إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.

فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب، ألقاه إلى أبي عيينة، فلما قرأه قال: لست من عماله، قال: ولم؟ قال: ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته، وليس يريد أن يسلك مسلكهم. فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه. قال: ثم كتب إلى عمر إلى يزيد استخلف على خراسان، وأقبل، فاستخلف ابنه مخلداً. قال علي: وحدثنا علي بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن منصور، عن ميمون بن مهران، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أن العمل والعلم قريبان، فكن عالماً بالله عاملا له، فإن أقواماً علموا ولم يعملوا، فكان علمهم عليهم وبالاً. قال وأخبرنا مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن: أما بعد، فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين. قال علي: أخبرنا كليب بن خلف، عن طفيل بن مرداس، قال: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السرة، أن اعمل خانات في بلادك فمن مر بك من المسلمين فقروهم يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعاً به فقووه بما يصل به إلى بلده. فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان: إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فأذن لهم، فوجهوا منهم قوماً، فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبي السرة: إن أهل سمرقند قد شكوا إلى ظلماً أصابهم. وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل السغد: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حرباً. فتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وآمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر. وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازع. فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا. قال: وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم. قال: فأبوا وقالوا: لا يسعنا مرو. فكتب إلي عمر بذلك، فكتب إليه عمر: اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين. فحسبهم الذي قد فتح الله عليهم.
قال: وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائي - وكان قد ولاه الخراج بعد القشيري: إن للسلطان أركاناً لايثبت إلا بها، فا لوالي ركن، والقاضي ركن وصاحب بيت المال ركن والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي، ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرز في غير ظلم، فإن يك كفافاً لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم. قال: فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم، فكتب إلى عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر: أن اقسم الفضل في أهل الحاجة. وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة، عن داود ابن سليمان الجعفي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد، سلام عليك؛ أما بعد؛ فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة استنهى عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن

شيء أهم إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم. ولا تحمل خراباً على عامر. ولا عامراً على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطاق. وأصلحه حتى يعمر. ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان. ولا ثمن الصحف. ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض؛ فاتبع في ذلك أمري؛ فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب؛ حتى تراجعني فيه. وانظر من أراد من الذرية أن يحج، فعجل له مائتى يحج بها، والسلام. حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن شهاب بن شريغة المجاشعي، قال: الحق عمر بن عبد العزيز ذراري الرجال الذين في العطايا أقرع بينهم، فمن أصابته القرعة جعله في المائة، ومن لم تصبه القرعة جعله في الأربعين، وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم ؛ فأعطى الزمني خمسين خمسين. قال: وأراه رزق الفطم. حدثني عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الفضيل، عن عبد الله قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشام: سلام عليكم ورحمة الله، أما بعد؛ فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه، ومن علم أن الموت حق رضي باليسير، والسلام. قال علي بن محمد: وقال أبو مجلس لعمر: إنك وضعتنا بمنقطع التراب، فاحمل إلينا الأموال. قال: يا أبا مجلس: قلبت الأمر، قال: يا أمير المؤمنين أهو لنا أم لك؟ قال: بل هو لكم إذا قصر خراجكم عن أعطياتكم، قال: فلا أنت تحمله إلينا، ولا نحمله إليك، وقد وضعت بعضه على بعض قال: أحمله إليكم إن شاء الله. ومرض من ليلته فمات من مرضه. وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهراً. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي عمارة بن أكيمة الليثي، ويكني أبا الوليد، وهو ابن تسع وسبعين. زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبي جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان روى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، قال: حدثنا رجل في مسجد الجنابذ أن عمر بن عبد العزبز خطب الناس بخناصرة، فقال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سداً؛ وإن لكم عاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض ألا واعلموا أنما الأمان غداً لمن حذر الله وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلة بكثير وخوفاً بأمان. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين! وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة، وخلع الأسباب، فسكن التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدم، غنى عما ترك. فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه. ويم الله إني لا أقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي؛ فاستغفر الله وأتوب إليه. وما منكم من أحد تبلغن عنه حاجة إلى أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه، وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددت أنه سداي ولاحمى، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء. وايم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش؛ لكان اللسان مني به ذلولا عالماً بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل فيها على طاعته، وينهى عن معصيته. ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله. روى خلف بن تميم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعد، قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز مات ابن له، فكتب عامل له يعزيه عن ابنه فقال لكاتبه: أجبه عني، قال: فأخذ الكاتب يبري القلم، قال: فقال للكاتب: أدق القلم، فإنه أبقى للقرطاس، وأوجز للحروف، واكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فإن هذا الأمر أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه، فلما نزل لم ننكره، والسلام. روى منصور بن مزاحم، قال: حدثنا شعيب - يعني ابن صفوان

عن ابن عبد الحميد، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه؛ فاتقوا الله، فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منجية في العواقب فالزموها. الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له، فأجعل في الطلب، فإن في القنوع سعى وبلغى وكفافاً، إن أجل الدنيا في أعناقكم، وجهم أمامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى فكأن لم يكن، وكل أموات عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق؛ وبعد فراغه وقد ذاق الموت، والقوم حوله يقولون: قد فرغ رحمه الله! وعاينتم تعجيل إخراجه، وقسمة تراثه ووجهه مفقود، وذكره منسى، وبابه مهجور، وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين.
روى سهل بن محمود؛ قال: حدثنا حرملة بن عبد العزيز، قال: حدثني أبي، عن ابن العمر بن عبد العزيز، قال: أمرنا عمر أن نشتري موضع قبره، فاشتريناه من الراهب، قال: فقال بعض الشعراء:
أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لا يبعدن قوام العدل والدين
قد غادر القوم بالحد الذي لحدوه ... بدير سمعان قسطاس الموازين
روى عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر، وما أنعم الله عليه عبد نعمت ثم انتزها منه فأعاضه ممن انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيراً ممن انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقدم كتابه على عبد الرحمن بن نعيم: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه، ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار، ولا تجر الشاة إلا مذبحها، ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة، ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر. روى عفان بن مسلم، عن عثمان بن عبد الحميد، قال: حدثنا أبي، قال: بلغنا أن فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: اشتد علزه ليلة، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفاً له يقال له مرثد، فقلت له: يا مرثد، كن عند أمير المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنت قريباً منه. ثم انطلقنا فضربنا برءوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثداً خالجاً من البيت نائماً، فأيقظته فقلت: يا مرثد، ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، قال: يا مرثد؛ اخرج عني! فوالله إني لا أرى شيئاً ماهو بالإنس ولا جان، فخرجت وسمعته يتلو هذه الآية: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوة في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " ، قال: فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه، وأغمض عينيه وإنه لميت رحمه الله.
خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروانوفيها ولى يزيد بن عبد الملك بن مروان، وكنيته أبو خالد وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن محمد؛ ولما ولى الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، فقدمها - فيما زعم الواقدي - يوم الأربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبد الرحمن سلمى بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي. وذكر محمد بن عمر أن عبد الجبار بن عمارة حدثه عن أبي بكر بن حزم، أنه قال: لما قدم عبد الرحمن بن الضحاك ا لمدينة وعزلني، دخلت عليه، فسلمت فلم يقبل على، فقلت: هذا شيء لا تملكه قريش للأمصار، فرجعت إلى منزلي وخفته - وكان شاباً مقداماً فإذا هو يبلغني عنه أنه يقول: ما يمنع ابن حزم أن يأتيني إلا الكبر، وإني لعالم بخيانته؛ فجاءني ماكنت أحذر وما استيقن من كلامه، فقلت للذي جاءني بهذا: قل له: ما الخيانة لي

بعادة، وما أحب أهلها، والأمير يحدث نفسه بالخلود في سلطانه، كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الأمير فخرجوا منها وبقيت أثارهم أحاديث إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً! فاتق الله ولا تسمع قول ظالم أو حاسد على نعمة. فلم يزل الأمر يترقى بينهما، حتى خاصم إليه رجل من بني فهرو أخر من بني النجار - وكان أبو بكر قضى للنجار على الفهر في أرض كانت بينهما نصفين، فدفع أبو بكر الأرض إلى النجار - فأرسل الفهري إلى النجار وإلى أبي بكر بن حزم، فأحضرهما ابن الضحاك، فتظلم الفهري من أبي بكر بن حزم، وقال: أخرج مالي من يدي، فدفعه إلى هذا النجاري، فقال أبو بكر: اللهم غفراً! أما رأيتني سألت أياماً في أمرك وأمر صاحبك، فاجتمع لي علي اخراجها من يدك، وأرسلتك إلى من أفتاني بذلك: سعيد بن المسيب وأبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألتهما؟ فقال الفهري: بلى، وليس يلزمني قولهما. فانكسر ابن الضحاك فقال: قوموا، فقاموا، فقال للفهري: تقر له أنك سألت من أفتاه بهذا، ثم تقول ردها علي! أنت أرعن، إذهب فلاحق لك؛ فكان أبو بكر يتقيه ويخافه، حتى كلم ابن حيان يزيد أن نقيده من أبي بكر؛ فإنه ضربه حدين، فقال يزيد: لا أفعل، رجل اصتنعه أهل بيتي؛ ولكني أوليك المدينة. قال: لا أريد ذلك، لو ضربته بسلطاني لم يكن لي قوداً. فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتاباً: أما بعد فانظر فيما ضرب ابن حزم بن حيان، فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه، وإن كان ضربه في أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه، فإن كان ضربه في أمر غير ذلك فأقده منه. فقدم بالكتاب على عبد الرحمن بن الضحاك، فقال عبد الرحمن: ما جئت بشيء، أترى ابن حزم ضربك في أمر لا يختلف فيه ! فقال عثمان لعبد الرحمن: إن أردت أن تحسن أحسنت، قال: الآن أصبت المطلب، فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حزم فضربه حدين في مقام واحد، ولم يسأله عن شيء. فرجع أبو المغراء بن حيان وهو يقول: أنا أبو المغراء بن الحيان، والله ما قربت النساء من يوم صنع بي ابن أبي حزم ما صنع حتى يومي هذا، واليوم أقرب النساء! مقتل شوذب الخارجي قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل شوذب الخارجي. ذكر الخبر عن مقتله: قد ذكرنا قبل الخبر عما كان من مراسلة شوذب عمر بن عبد العزيز لمناظرته في خلافه عليه، فلما مات عمر أحب - فيما ذكر معمر بن المثنى - عبد الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلي محمد بن جيرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه، ولم يرجع رسول شوذب، ولم يعلم بموت عمر،فلما رأوا أن محمد بن جرير يستعد للحرب،أرسل إليه شوذب: ما أعجلك قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع رسول شوذب! فأرسل إليهم محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة - قال غير أبي عبيدة: فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح. قال معمر بن المثنى: فبرز لهم شوذب، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، وأكثروا في أهل القبلة القتل، وتولوا منهزمين، والخوارج في أعقابهم تقتل حتى بلغوا أخصاص الكوفة، ولجئوا إلى عبد الحميد، وجرح محمد بن جرير في أستة، ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه، فجاءاه فأخبراه بما صار عليه عمر، وأن قد مات. فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة، ووجه كم قبله تميم بن الحباب في ألفين، فراسلهم وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد، فحاربهم فقتلوه وهزموا أصحابه، فلجأ إلى الكوفة ورجع الآخرون إلى يزيد، فوجه إليهم نجدة بن الحكم الأزدي في جمع فقتلوه، وهزموا أصحابه، فوجه إليهم الشحاج بن وداع في ألفين، فراسلهم وراسلوه، فقتلوه، وقتل منهم نفراً فيهم هدبة اليشكري؛ ابن عم بسطام - وكان عابداً - وفيهم أبو شبيل مقاتل ابن شيبان - وكان فاضلاً عندهم - فقال أبو ثعلبة أيوب بن خولى يرثيهم:
تركنا تميماً في الغبار ملحباً ... تبكى عليه عرسه وقراشبه
وقد أسلمت قيس تميماً ومالكاً ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه
وأقبل من حران يحمل راية ... يغالب أمر الله والله غالبه
فيا هدب للهيجا، ويا هدب للندى ... ويا هدب للخصم الألد يحاربه!

ويا هدب كم من ملحم قد أجبته ... وقد أسلمت للرياح جوالبه
وكان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى ويخشى بأسه من يحاربه
ففاز ولاقى الله بالخير كله ... وخذمه بالسيف في الله اربه
تزود من دنياه درعاً ومغفراً ... وعصباً حساماً لم تخنه مضاربه
واجرد محبوك السراة كأنه ... إذا انقضوا في الريش حجن مخالبه
فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه مكان شوذب، وخوفهم منه وما قد قتل منهم، فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي - وكان فارساً - فعقد لع على عشرة آلاف، ووجهه إليه وهو مقيم بموضعه، فأتاه ما لا طاقة له به. فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنما البقاء في الدار الآخرة؛ فكسروا أغماد السيوف وحملوا. فكشفوا سعيداً وأصحابه مراراً؛ حتى خاف الفضيحة فذمر أصحابه، وقال لهم: أمن هذه الشرذمة لا أبالكم تفرون! يا أهل الشام يوماً كأيامكم! قال: فحملوا عليهم فطحنوهم طحناً لم يبقوا منهم أحداً، وقتلوا بسطاماً وهو شوذب وفرسانه، منهم الريان بن عبد الله اليشكري، وكان من المخبتين، فقال أخو شمر بن عبد الله يرثيه:
ولقد فجعت بسادة وفوارس ... للحرب سعر من بني شيبان
أعتاقهم ريب الزمان فغالهم ... وتركت فرداً غير ذي إخوان
كمدا تجلجل في فؤادي حسره ... كالنار من وجد على الريان
وفوارس باعوا الإله نفوسهم ... من يشكر عند الوغى فرسان
وقال حسان بن جعدة يرثيهم:
يا عين أذري دموعاً منك تسجاما ... وأبكي صحابة بسطام وبسطاما
فلن ترى أبداً ماعشت مثلهم ... أتقي وأكمل في الأحلام أحلاما
بسيهم قد تأسوا عند شدتهم ... ولم يريدوا من الأعداء إحجاما
حتى مضوا للذي كانوا له خرجوا ... فأورثونا منارات وأعلاما
إني لأعلم أن قد أنزلوا غرفاً ... من الحنان ونالوا ثم خداما
أسقى الإله بلاداً كان مصرعهم ... فيها سحاباً من الوسمى سجاما
خبر خلع يزيد بن المهلب يزيد بن عبد الملكقال أبو جعفر: وفي هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عدي بن أرطاة الفزاري، فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك.
ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك
وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة
قد مضى ذكرى خبر يزيد بن المهلب من محبسه الذي كان عمر بن عبد العزيز حبسه فيه، ونذكر الآن ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة - أعني سنة إحدى ومائة. ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه عمر، وبلغه هرب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلب ويستقبله، وكتب إلى عدي بن أرطاة يعلمه هربه، ويأمره أن يتهيأ لاستقباله، وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته.
فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن عدي بن أرطاة أخذهم وحبسهم، وفيهم المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب حتى مر بسعيد بن عبد الملك بن مروان، فقال يزيد لأصحابه: ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا! فقال لأصحابه: لا بل امض بنا ودعه.وأقبل يسير حتى ارتفعفوق القطقطانة، وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام ابن مساحق بن عبد الله بن محرمة بن عبد العزيز بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي، في ناس من أهل الكوفة من الشرط ووجوه الناس وأهل القوة، فقال له: انطلق حتى تستقبله فإنه اليوم يمر بجانب العذيب. فمشى هشام قليلاً، ثم رجع إلى عبد الحميد، فقال: أجيئك به أسيراً أم آتيك برأسه؟ فقال: أي ذلك ما شئت، فكان يعجب لقوله ذلك من سمعه، وجاء هشام حتى نزل العذيب، ومر يزيد منهم غير بعيد، فاتقوا الإقدام عليه، ومضى يزيد نحو البصرة، ففيه يقول الشاعر:
وسار ابن المهلب لم يعرج ... وعرس ذو القطيفة من كنانه
وياسر والتياسر كان حزماً ... ولم يقرب قصور القطقطانة

ذو القطيفة هو محمد بن عمرو، وهو أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن
أبي معيط، وهو أبو قطيفة؛ وإنما سما ذا القطيفة، لنه كان كثير شعر اللحي والوجه والصدر. ومحمد يقال له ذو الشامة. فلما جاء يزيد بن المهلب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد، ومضى يزيد إلى البصرة، وقد جمع عدي بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي. وكان عدي بن أرطاة رجلاً من بني فزارة. وقال عبد الملك بن المهلب لعدي بن أرطاة: خذ ابني حميداً فاحبسه مكاني، وأنا أضمن لك أن أرد يزيد عن البصرة حتى يأتي فارس، ويطلب لنفسه الأمان ولا يقربك فأبى عليه، وجاء يزيد ومعه أصحابه الذين أقبل فيهم، والبصرة محفوفة بالرجال، وقد جمع محمد بن المهلب - ولم يكن ممن حبس - رجالاً وفتية من أهل بيته وناساً من مواليه، فخرج حتى استقبله، فأقبل في كتيبة تهول من رآها، وقد دعا عدي أهل البصرة، فبعث على كل خمس من أخماسها رجلاً، فبعث على خمس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو التكي، وبعث على خمس بني تميم محرز بن حمران السعدي من بني منقر، وعلى خمس بكر بن وائل عمران بن عامر ابن مسمع من بني قيس بن ثعلبة. فقال أبو منقر - رجل من قيس بن ثعلبة - : إن الراية لا تصلح إلا في بني مالك بن مسمع، فدعا عدي نوح بن شيبان ابن مالك بن مسمع، فعقد له على بكر بن وائل، فدعا مالك بن المنذر بن الجارود، فعقد له على عبد القيس، ودعا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، فعقد له على أهل العالية - والعالية قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة - وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة وبالبصرة خمس أهل العالية، وكانوا بالكوفة أخماساً، فجعلهم زياد بن عبيد أرباعاً. قال هشام عب أبي مخنف: وأقبل يزيد بن المهلب لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن السبيل حتى يمضي، واستقبله المغيرة ابن عبد الله الثقفي في الخيل، فحمل عليه محمد بن المهلب في الخيل، فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه، وأقبل يزيد حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، واخذ يبعث إلى عدي بن أرطاة أن أدفع إلى إخوتي وأنا أصالحك على البصرة، وأخليك إياها حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك، فلم يقبل منه، وخرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلب، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بم عبيد الله القسري وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته، وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه من الناس، فكان يقطع لهم الذهب وقطع الفضة، فمال الناس إليه، ولحق به عمران بن عامر بن مسمع ساخطاً على عدي بن أرطاة حين نزع منه رايته، راية بكر بن وائل، وأعطاها ابن عمه، ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس؛ فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشام، وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين، ويقول: لا يحل لي أن أعطيكم من بيت المال درهماً إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذا حتى يأتي الأمر في ذلك، فقال الفرزدق في ذلك:
أظن رجال الدرهمين يسوقهم ... إلى الموت آجال لهم ومصارع
فأحزمهم من كان في قعر بيته ... وأيقن أن الأمر لا شك واقع
وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي، فنزلوا المربد، فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس؛ فحمل عليهم فهزمهم، فقال الفرزدق في ذلك:
تفرقت الحمراء إذ صاح دارس ... ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم
جزى الله قيساً عن عدى ملامة ... ألا صبروا حتى تكون ملاحم

وخرج بزبد بن المهلب حين أجمع الناس له الناس حتى نزل جبانة بني يشكر - وهو المنصف فيما بينه وبين القصر - وجاءته بنو تميم وقيس وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة، فحمل عليهم محمد بن المهلب، فضرب مسور بن عباد الحبطي بالسيف فقطع أنف البيضة، ثم أسرع السيف إلى أنفه، وحمل على هريم بن أبي طلحة من بني نهشل بن دارم، فأخذ بمنطقته، فحذفه عن فرسه فوقع؛ فيما بينه وبين الفرس، وقال: هيهات هيهات! عمك أثقل من ذلك. وانهزموا، وأقبل يزيد بن المهلب إثر القوم يتلوهم حتى دنا من القصر، فقاتلوهم وخرج إليه عدي بنفسه فقتل من أصحابه الحارث نب مصرف الأودي - وكان من أشراف أهل الشام وفرسان الحجاج - وقتل موسى بن الوجيه الحميري ثم الكلاعي، وقتل راشد المؤذن، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد وهم في محبس عدي الأصوات تدنو، والنشاب تقع في القصر، فقال لهم عبد الملك: إني أرى النشاب يقع في القصر، وأرى الأصوات تدنو، ولا أرى يزيد إلا قد ظهر، وإني لا آمن من مع عدي من مضر ومن أهل الشام أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار، فأغلقوا الباب ثم أغلقوا عليه ثياباً. ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عمر، وكان على حرس عدي - فجاء يشتد إلى الباب هو واصحابه، وقد وضع بنو المهلب متاعاً على الباب، ثم اتكوا عليه، فأخذ الآخرون يعالجون الباب، فلم يستطيعوا الدخول، وأعجلهم الناس فخلوا عنهم.وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سلم بن زياد بن أبي سفيان إلى جانب القصر، وأتى بالسلاليم، فلم يلبث عثمان أن فتح القصر، وأتى بعدي ابن أرطاة، فهنئ وهو يبتسم، فقال له يزيد: لم تضحك؟ فوالله إنه لينبغي أن يمنعك من الضحك خصلتان: إحداهما الفرار من القتلة الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها، فهذه واحدة، الأخرى أني أتيت بك تتل كما يتل العبد الآبق إلى أربابه، وليس معك مني عهد ولا عقد، فما يؤمنك أن أضرب عنقك! فقال عدي: أما أنت فقد قدرت علي، ولكني أعلم أن بقائي بقائك، وأن هلاكي مطلوب به من جرته يده؛ إنك قد رأيت جنود الله بالمغرب، وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث، فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة، قبل أن يرمي إليك البحر بأمواجه، فإن طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل، وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين، وما لم يشخص القوم إليك فلم يمنعوك شيئاً طلبت الأمان على نفسك وأهلك ومالك. فقال له يزيد: أما قولك: إن بقاءك بقائي؛ فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور أن كنت لا يبقيني إلا بقاؤك؛ وأما قولك: إن هلاكي مطلوب به من جرته يده؛ فوالله لو كان في يدي من أهل الشام عشرة آلاف إنسان ليس فيهم رجل أعظم منزلة منك فيهم، ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد، لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم في صدورهم من قتل أولئك، ثم لو شئت أن تهدر لي دمائهم، وأن أحكم في بيوت أموالهم، ولن يجوزن لي عظيماً من سلطانهم، على أن أضع الحرب بيني وبينهم لفعلوا؛ فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخبارنا إليهم. وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لأنفسهم، لا يذكرونك ولا يحلفون بك. وأم قولك: تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل؛ فوالله ما استشرتك، ولا أنت عندي بواد ولا نصيح؛ فما كان ذلك منك إلا عجزاً وفضلاً؛ فانطلقوا به، فلما ذهبوا به ساعة قال: ردوه، فلما رد قال: أما حبسي ليس إياك لحبسك بني المهلب ويضييقك عليهم فيما منا نسألك التسهيل فيع عليهم، فلم تكن تألوا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:15 am

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان فيها من مسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة ابن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إياهما لحربه. وفيها قتل يزيد بن المهلب، في صفر.
ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن ا لمهلب ذكر هشام، عن أبي مخنف: أن معاذ بن سعيد حدثه أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنه معاوية، وجعل عنده بيت المال والخزائن والأسراء، وقدم بين يديه أخاه عبد الملك، ثم سار حتى مر بفم النيل، ثم سار حتى نزل العقر. وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الأنبار، ثم عقد عليها الجسر. فعبر من قبل قرية يقال لها فارط، ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب، وقد قدم يزيد أخاه نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد بسورا، فاصطفوا، ثم اقتتل القوم، فشد عليهم أهل البصرة شدة كشوفهم فيها، وقد كان معهم ناس من بني تميم وقيس ممن انهزم من يزيد بالبصرة، فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس، فيهم هريم بن أبي طحمة المجاشعي. فلما انكشف أهل الشام تلك الإنكشافة، ناداهم هريم بن أبي طحمة: يا أهل الشام، الله الله أن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نهر فأخذوا ينادونه: لا بأس عليك؛ إن لأهل الشام جولة في أول القتال، أتاك الغوث. قال: ثم إن أهل الشام كروا عليهم، فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا، وقتل المنتوف بن بكر بن وائل، مولى لهم، فقال الفرزدق يحرض بكر بن وائل:
تبكي على المنتوف بكر بن وائل ... وتنهى عن ابن مسمع من بكاهما
غلامين شبا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حياً مالك وابن مالك ... إذاً أوقدوا نارين يعلو سناهما
وابنا مسمع: مالك وعبد الملك ابنا مسمع، قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب فأجابه الجعد بن درهم مولى من همدان:
نبكي على المنتوف في نصر قومه ... ولسنا نبكي الشائدين أباهما
أراد فناء الحي بكر بن وائل ... فعز تميم لو أصيب فناهما

فلا لقيا روحاً من الله ساعة ... ولا رقأت عينا شجي بكاهما
أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما ... وقد لقيا بالغش فينا رداهما
وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلىأخيه بالعقر، وأمر عبد الله ابن حيان العبدي، فعبر إلى جانب الصراة الأقصى - وكان الجسر بينه وبينه - ونزل هو وعسكره وجمع من جموع يزيد، وخندق عليه، وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمرو الحرشي، ويقال: عبر إ ليهم الوضاح، فكانوا بإزائهم. وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير، ومن الجبال، وأقبل إليه ناس من الثغور، فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي وبعث على ربع مذ حج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، وبعث على ربع كندة وربيعة محمد ابن إسحاق بن محمد بن الأشعث، وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعاً مع المفضل بن المهلب.
قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: حدثني العلاء بن زهير، قال: والله إنا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال: ترون أن في هذا العسكر ألف سيف يضرب به؟ قال حنظلة بن عتاب: إي والله وأربعة آلاف سيف، قال: إنهم والله ما ضربوا ألف سيف قط، والله لقد أحصى ديواني مائة وعشرين ألفاً. والله لوددت أن مكانهم ا لساعة معي من بخراسان من قومي قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إنه قام ذات يوم فحرضنا ورغبنا في القتال ثم قال لنا فيما يقوله: إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية على هامهم، ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجراده الصفراء - يعني مسلمة بن عبد الملك - وعاقر ناقة ثمود؛ يعني العباس ابن الوليد، وكان العباس أزرق أحمر، كانت أمه رومية - والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه؛ فبلغني أن ليس همهما إلا التماس في الأرض، والله لو جاء أهل الأرض جميعاً وليس إلا أنا، ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم. قالوا: نخاف أن تعنينا كما عنانا عبد الرحمن ابن محمد، قال: إن عبد الرحمن فضح الذمار، وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله! ثم نزل. قال: ودخل علينا عامر بن العميشل - رجل من الأزد - قد جمع جموعاً فأتاه فبايعه؛ فكانت بيعة يزيد: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى ألا تطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا، ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجاج، فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن أبي جاهدناه، وجعلنا الله بيننا وبينه، ثم يقول: تبايعونا؟ فإذا قالوا: نعم، بايعهم وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة، وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب، لئلا يصل إلى الكوفة، ووضع على الكوفة مناظر وأرصاداً لتجس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد، وبعث عبد الحميد بعثاً من الكوفة عليهم سيف بن هانئ الهمداني حتى قدموا على مسلمة، فألطفهم مسلمة، وأثنى عليهم بطاعتهم، ثم قال: والله لقل ما جاءنا من أهل الكوفة. فبلغ ذلك عبد الحميد، فبعث بعثاً هم أكثر من ذلك، وبعث عليهم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف الأرذي، فلما قدم أثنى عليه، وقال: هذا رجل لأهل بيته طاعة وبلاء، ضموا إليه من كان ها هنا من أهل الكوفة. وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله، وبعث محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة - وهو ذو الشامة - مكانه. فدعا يزيد بن المهلب رءوس أصحابه فقال لهم: قد رأيت أن أجمع اثنى عشر ألف رجل، فأبعثم مع محمد

ابن المهلب حتى يبيتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والأكف والزبل لدفن خندقهم، فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقية ليلتهم، وأمده بالرجال حتى أصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس. فنناجزهم. فإني أرجوعند ذلك أن ينصرنا الله عليهم. قال السميدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد زعموا أنهم قايلوا هذا منا، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر، ولا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. قال أبو رؤبة - وكان رأس طائفة من المرجئة. ومعه أصحاب له: صدق. هكذا ينبغي. قال يزيد: ويحكم ! أتصدقون بني أمية! أنهم يعملون بالكتاب والسنة، وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا! إنهم يقولون لكم: إنا نقبل منكم، وهم يريدون ألا يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به، وتدعونهم إليه؛ لكنهم أرادوا أن يكفوكم عنهم؛ حتى يعملوا في المكر، فلا يسبقوكم إلى تلك، إبدءوهم بها، إني قد لقيت بني مروان فوالله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غوراً من هذه الجرادة الصفراء - يعني مسلمة - قالوا: لا نرى أن نفعل ذلك. حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، ويسرح الناس إلى يزيد، وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد ابن المهلب. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الحميد البصري، أن الحسن البصري كان يقول في تلك الأيام: أيها الناس، الزموا رحالكم، وكفوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضاً على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير ليس لأهلها بباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض؛ إنه لم تكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف التقى، فمن كان منكم خفياً فليلزم الحق، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفاً؛ وكفى له بها من الدنيا خلفاً؛ ومن كان منكم معروفاً شريفاً، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك، فواهاً لهذا! ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله! فهذا غداً - يعني يوم القيامة - القرير عيناً، الكريم عند الله مآباً. فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيباً كما يقوم، فأمر الناس بالجد والاحتشاد، ثم قال لهم: لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس، والله لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه؛ أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب حقنا، وأن ننكر مظلمتنا! أما والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إلينا سقاط الأبلى وعلوج فرات البصرة - قوماً ليسوا من أنفسنا، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا - أو لأنحين عليه مبرداً خشناً. فلما بلغ ذلك الحسن قال: والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه. فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: فقد خالفتكم إذاً إلى ما نهيتكم عنه! آمركم ألا يقتل بعضكم بعضاً مع غير، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضاً دوني! فبلغ ذلك مروان بن الهلب، فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا. ولم يدع الحسن كلامه ذلك، وكف عنه مروان بن المهلب. وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع هو ومسلمة ثمانية أيام، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر، بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضاحية والسفن حتى يحرق الجسر، ففعل. وخرج مسلمة فعبى جنود أهل الشام، ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب ، وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وجعل على ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث العامري، وجعل عباس على ميمنته سيف بن هاني الهمداني. وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي ومسلمة على الناس، وخرج يزيد بن المهلب، وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته المفضل بن المهلب، وكان مع المفضل أهل الكوفة وهو عليهم، ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن، وكان مما يلي العباس بن الوليد. قال أبو مخنف: فحدثني الغنوى - قال هشام: وأظن الغنوى العلاء ابن المنهال - أن رجلاً من الشام خرج فدعاه إلى المبارزة، فلم يخرج إليه

أحد، فبرز له محمد بن المهلب، فحمل عليه، فاتقاه الرجل بيده، وعلى كفه كف من حديد، فضربه محمد فقطع كف الحديد وأسرع السيف في كفه، واعتنق فرسه، وأقبل محمد يضربه، ويقول: المنجل أعود عليك. قال: فذكر لأنه حيان النبطي. قال: فلما دنى الوضاح من الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه؛ وقد اقتتل الناس ونشبت الحرب، ولم يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان، وقيل هم: أحرق الجسر انهزموا، فقالوا ليزيد: قد انهزم الناس قال: ومم انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم من مثله! فقيل له: قالوا: أحرق الجسر فلم يثبت أحد، قال: قبحهم الله! بق دخن عليه فطار فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه، فقال: اضربوا وجوه من ينهزم، ففعلوا ذلك بهم، حتى كثروا عليه فاستقبلهم منهم مثل الجبال، فقال: دعوهم، فوالله إني لأرجو ألا يجمعني الله وإياهم في مكان واحد أبداً؛ دعوهم يرحمهم الله، غنم عبدا في نواحيها الذئب، وكان يزيد لايحدث نفسه بالفرار، وقد كان يزيد بن الحكم بنأبي العاص - وأمه ابنت الزبرقان السعدي - آتاه وهو بواسط قبل أن يصل إلى العقر، فقال:
إن بني مروان قد باد مهلكهم ... فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر
قال يزيد: ما شعرت. قال: فقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي:
فعش ملكاً أو مت كريماً وإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر
قال: أما هذا فعسى. ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة، فقال: يا سميدع، أرأيي أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم! قال: بلى والله، والرأي كان رأيك، وأناذا معك لا أزايلك، فمرني بأمرك؛ قال: إما لا فانزل، فنزل في أصحابه، وجاء يزيد بن المهلب جاء فقال: إن حبيباً قد قتل قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير بن سلمى الأزدي، قال: أشهد أني أسمعه حين قال له ذلك: قال: لا خبر في العيش بعد حبيب! قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة؛ فوالله ما ازددت له إلا بغضاً، امضوا قدماً. فعلمنا والله أن قد استقتل ؛ فأخذ من يكره القتال ينقص، وأخذوا يتسللون، وبقيت معه جماعة حسنة، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن أصحابه، فجاء أبو رؤبة المرجئ، فقال: ذهب الناس - وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه - فقال: هل لك أن تنصرف إلى واسط؛ فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة، ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن، وتضرب خندقاً؟ فقال له: قبح الله رأيك! ألي تقول هذا! الموت أيسر علي من ذلك، فقال له: فإني أتخوف عليك لما ترى، أما ترى ما حولك من جبال الحديد! وهو يشير إليه، فقال له: أما أنا فما أباليها؛ جبال حديد كانت أم جبال نار، اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالاً معنا. قال: وتمثل قول حارثة بن بدر الغداني - قال أبو جعفر أخطأ هذا؛ هو للأعشى - :
أبالموت خشتنى عباد وإنما ... رأيت منايا الناس يشقى ذليلها
فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
وكان يزيد بن المهلب على برذون له أشهب، فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره؛ حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، فعطف عليه خيول أهل الشام، وعلى أصحابه، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه السميدع، وقتل معه محمد بن المهلب. وكان رجل من كلب من بني جابر بن زهير بن جناب الكلبي يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال: يا أهل الشام، هذا والله يزيد، والله لأقتلنه أو ليقتلني، وإن دونه ناساً، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه؟ فقال له ناس من أصحابه: نحمل نحن معك، ففعلوا، فحملوا بأجمعهم، واضطربوا ساعة، وسطع الغبار، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن القحل بن عياش بآخر رمق. فأومى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد؛ يقول لهم: أنا قتلته، ويومي إلى نفسه إنه هو قتلني. ومر مسلمة على القحل بن عياش صريعاً إلى جنب يزيد، فقال: أما إني أظن هذا هو الذي قتلني. وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته؟ فقال: لا، فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر، فقال له الحواري بن زياد ابن عمرو العتكي: مر برأسه فليغسل ثم ليعمم، ففعل ذلك به، فعرفه، فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير، قال: لقد قتل يزيد وهزم الناس، وإن المفضل بن المهلب ليقاتل أهل الشام ما يدري بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس؛ وإنه لعلى برذون شديد قريب من الأرض، وإن معه لمجففة أمامه، فكلما حمل عليها نكصت وانكشفت وانكشف، فيحمل في ناس من أصحابه يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه، وكان لا يرى منا ملتفتاً إلا أشار إليه بيده ألا يلتفت ليقبل القوم بوجوههم على عدوهم، ولا يكون لهم هم غيرهم.
قال: ثم اقتتلنا ساعة؛ فكأني أنظر إلى عامر بن العميشل الأرذي وهو يضرب بسيفه، ويقول:
قد علمت أم الصبي المولود ... أني بنصل السيف غير رعديد
قال: واضطربنا والله ساعة، فانكشفت خيل ربيعة؛ والله ما رأيت عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال، فاستقبل ربيعة بالسيف يناديهم: أي معشر ربيعة، الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولا لئام، ولا هذه لكم بعادة، فلا يأتين أهل العراق اليوم من قبلكم. أي ربيعة، فدتكم نفسي، اصبروا ساعة من النهار. قال: فاجتمعوا حوله، وثابوا إليه، وجاءت كويفتك. قال: فاجتمعنا ونحن نريد الكرة عليهم، حتى أتى، فقيل له: ما تصنع ها هنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ وأخبر الناس بعضهم بعضاً، فتفرقوا ومضى المفضل، فأخذ الطريق إلى واسط، فما رأيت رجلاً من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه، ولا أضرب بسيفه، ولا أحسن تعبئة لأصحابه منه. قال أبو مخنف: فقال لي ثابت مولى زهير: مررت بالخندق، فإذا عليه حائط، عليه رجال معهم النبل، وأنل مجفف، وهم يقولون: يا صاحب التجفاف، أين تذهب؟ قال: فما كان شئ أثقل علي من تجفافي، قال: فما هو إلا أن جزتهم، فنزلت فألقيته لأخفف عن دابتي. وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب، فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عظمهم، وأسر أهل الشام نحواً من ثلثمائة رجل، فسرحهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بن الوليد فحبسهم. وكان على شرطه العريان بن الهيثم. وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى محمد بن عمرو: أن اضرب رقاب الأسراء، فقال للعريان بن الهيثم: أخرجهم عشرين عشرين، وثلاثين ثلاثين. قال: فقام نحو من ثلاثين رجلاً من بني تميم، فقالوا: نحن انهزمنا بالناس، فاتقوا الله وابدءوا بنا، أخرجونا قبل الناس، فقال لهم العريان: اخرجوا على اسم الله، فأخرجهم إلى المصطبة، وأرسل إلى محمد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم، فبعث إليه أن اضرب أعناقهم. قال أبو مخنف: فحدثني نجيج أبو عبد الله مولى زهير، قال: والله إني لأنظر إليهم يقولون: إنا لله! انهزمنا بالناس، وهذا جزاؤنا، فما هو إلا أن فرغ منهم، حتى جاء رسول من عند مسلمةفيه عافية الأسراء والنهي عن قتلهم. فقال حاجب بن ذبيان من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم:
لعمري لقد خاضت معيط دماءنا ... بأسيافها حتى انتهى بهم الوحل
وما حمل الأقوام أعظم من دم ... حرام ولا ذحل إذا التمس الذحل
حقنتم دماء المصلتين عليكم ... وجر على فرسان شيعتك القتل
وقى بهم العريان فرسان قومه ... فيا عجباً أين الأمان والعدل!
وكان العريان يقول: والله ما اعتمدتهم ولا أردتهم حتى قالوا: أبعد بنا، أخرجنا ، فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمت المأمور بقتلهم، فما يقبل حجتهم، وأمر بقتلهم، والله على ذلك ما أحب أن قتل من قومي مكانهم رجل. ولئن لاموني ما أنا بالذي أحفل لا ئمتهم، ولا تكبر عليه.

وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة، فأتى بنحو من خمسين أسيراً، ولم يكونوا فيمن بعث به إلى الكوفة، كان أ قبل بهم معه، فلما رأى الناس أنه يريد أن يضرب رقابهم، قام إليه الحصين بن حماد الكلبي فاستوهبه ثلاثة: زياد بن عبد الرحمن القشيري، وعتبة بن مسلم، وإسماعيل مولى آل بني عقيل بن مسعود، فوهبهم له، ثم استوهب بقيتهم أصحابه، فوهبهم لهم، فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط، أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيراً كانوا في يده، فضرب أعناقهم: منهم عدي بن أرطاة، ومحمد بن عدي بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عذرة البصري، وعبد الله بن وائل وابن أبي حاضر التميمي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد قال له القوم: ويحك! إنا لا نراك إلا تقتلنا؛ إلا أن أباك قد قتل، وإن قتلنا ليس بنافع لك في الدنيا، وهو ضارك في الآخرة؛ فقتل الأسارى كلهم غير ربيع بن زياد بن الربيع ابن أنس بن الريان، تركه، فقال له ناس: نسيته؟ فقال: مانسيته؛ ولكن لم أكن لأقتله؛ وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف وبيت عظيم، ولست أتهمه في ود، ولا أخاف بغيه. فقال ثابت قطنة في قتل عدي بن أرطاة:
ماسرني قتل الفزاري وابنه ... عديً ولا أحببت قتل ابن مسمع
ولكنها معاوي زلة ... وضعت بها أمري على غير موضع
ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة، وقد كانوا يتخوفون الذي كان من يزيد، وقد أعدوا السفن البحرية، وتجهزوا بكل الجهاز، وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الأسدي على قندابيل أميراً، وقال له: إني سائر إلى هذا العدو، ولوقد لقيتهم لم أبرح العرصة حتى تكون إلي أولهم، فإن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت بقندابيلحتى يقدم عليك أهل بيتي، فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أماناً، أما إني قد اخترتك لأهل بيتي من بين قومي؛ فكن عند حسن ظني، وأخذ عليه أيماناً غلاظاً ليناصحن أهل بيته، إن هم احتاجوا ولجئوا إليه، فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية، ثم لججوا في البحر حتى مروا بهرم ابن القرار العبدي - وكان يزيد استعمله على البحرين - فقال لهم: أشير عليكم ألا تفارقوا سفنكم، فإن ذلك هو بقاؤكم، وإني أتخوف عليكم إن خرجتم من هذه السفن أن يتخطفكم الناس، وأن يتقربوا بكم إلى بني مروان. فمضوا حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم، وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب. وكان معاوية بن يزيد بن المهلب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت المال؛ فكأنه أراد أن يتأمر عليهم، فاجتمع أهل المهلب وقالوا للمفضل: أنت أكبرنا وسيدنا، وأنما أنت غلام حديث السن كبعض فتيلن أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان، وبكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمو بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في طلب آل المهلب وفي أثر الفل. فأدرك مدرك المفضل بن المهلب، وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس فتبعهم، فأدركهم في عقبة، فعطفوا عليه، فقاتلوه واشتد قتالهم إياه، فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي ومحمد بن إسحاق ابن محمد بن الأشعث، وأخذ ابن صول ملك قهستان أسيراً، وأخذت سرية

المفضل العلية، وجرح عثمان بن إسحاق بن محمد بن الاشعث جراحة شديدة وهرب حتى انتهى إلى حلوان، فدل عليه، فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة، ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب، فطلبوا الأمان، فأومنوا؛ منهم مالك بن إبراهيم بن الاشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي من تميم، وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن محمد مواطنه وأيامه كلها، فطلب له الامان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك عمه وابنة مسلمة تحته - فأمنه، فلما آتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائماً، فقال: صاحب خلاف شقاق ونفاق ونفار في كل فتنة، مرة مع حائك كندة، ومرة مع ملاح الأزد؛ ما كنت بأهل أن تؤمن؛ قال: ثم انطلق. وطلب الأمان لمالك بن إبراهيم بن الأشتر الحسن بن عبد الرحمن بن شراحيل - وشراحيل يلقب رستم الحضرمي - فلما جاء ونظر إليه، قال له الحسن بن عبد الرحمن الحضرمي هذا مالك بن إبراهيم بن الأشتر، قال له: انطلق، قال له الحسن: أصلحك الله! لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه ! قال: أجللتكم عن ذلك، وكنتم أكرم علي من أصحاب الآخر وأحسن طوعا. قال: فإنه أحب إلينا أن تشتمه، فهو والله أشف أباً وجداً، وأسوأ أثراً من أهل الشام من الورد بن عبد الله؛ فكان الحسن يقول بعد أشهر: ما تركه إلا حسداً من أن يعرف صاحبنا، فأراد أن يرينا أنه قد حقره. ومضى آل المهلب ومن سقط منهم من الفلول حتى انتهوا إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب الكلبي فرده، وسرح في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، من بني مازن بن عمرو بن تميم فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخول قندابيل، فمنعهم وداع بن حميد وكاتبه هلال بن أحوز، ولم يباين آل المهلب فيفارقهم، فتبين لهم فراقه لما التقوا وصفوا، كان وداع بن حميد على الميمنة، وعبد الملك بن هلال على الميسرة وكلاهما أزدى، فرفع لهم راية الأمان، فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك ابن هلال، وارفض عنهم الناس فخلوهم. فلما رأى ذلك مروان بن المهلب ذهب يريد أن ينصرف إلى النساء فقال له المفضل: أين تريد؟ قال: أدخل إلى نسائنا فأقتلهن، لئلا يصل إليهم هؤلاء الفساق، فقال: ويحك! أتقتل أخواتك ونساء أهل بيتك! إنا والله ما نخاف عليهم منهم. قال: فرده عن ذلك ثم مشوا بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، إلا أبا عيين ابن المهلب، وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا، فلحقا بخاقان ورتبيل وبعث بنسائهم وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة، وبعث برءوسهم إلى مسلمة، فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك، وهو على حلب، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم، فقال لأصحابه: هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل، والله لكأنه جالس معي يحدثني. وقال مسلمة: لأبيعن ذريتهم وهو في دار الرزق، فقال الجراح بن عبد الله: فأنا أشتريهم منك لأبر يمينك، فاشتراهم منه بمائة ألف،قال: هاتها، قال: إذا شئت فخذها، فلم يأخذ منه شيئاً وخلا سبيلهم، إلا تسعة فتية منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فقدم بهم عليه، فضرب رقابهم، فقال ثابت قطنة حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه:
ألا يا هند طال على ليلي ... وعاد قصيره ليلى تماما
كأني حين حلقت الثريا ... سقيت لعاب أسود أو سماما
أمر على حلو العيش يوم ... من الأيام شيبني غلاماً
مصاب بني أبيك وغبت عنهم ... فلم أشهدهم ومضوا كراما
فلا والله لا أنسى يزيداً ... ولا القتلى التي قتلت حراما
فعلي أبو بأخيك يوماً ... يزيداً أو أبوء به هشاما
وعلي أن أقود الخيل شعثاً ... جوازب ضمراً تقص الإكاما
قأصبحهن حمير من قريب ... وعكا أو أرع بهما جذاما
ونسقي مذحجاً والحي كلباً ... من الذيفان أنفاساً قواما
عشائرنا التي تبغي علينا ... تجربنا زكا عاماً فعاما
ولولاهم وما جلبوا علينا ... لأصبح وسطنا ملكا هماما
وقال أيضاً يرثي يزيد بن المهلب:
أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما
أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولاً مجرما

على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما
على ملك يا صاح بالعقر جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما
أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهداً ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما
وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما
فعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما
أمسلم إن يقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قئ الأساود مسلما
وإن نلق للعباس في الدهر عثرة ... نكافئه باليوم الذي كان قدما
قصاصاً ولا نعدو الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما
ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء مجمجا
من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما
وإن لعطافون بالحلم بعد ما ... نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما
وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكناً إلا الخميس العرمرما
نرى أن للجيران حاجاً وحرمة ... إذا الناس لم يرعوا لذى الجار محرما
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجثما
وراحت بصراد ملث جليده ... على الطلح أرماكاً من الشهب صيما
أبونا أبو الأنصار عمرو بن عامر ... وهم ولدوا عوفاً وكعباً وأسلما
وقد كان في غسان مجد يعده ... وعادية كانت من المجد معظما
ولاية مسلمة بن عبد الملك على العراق وخراسان فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فلما ولاه يزيد ذلك، ولى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بم عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب - فيما قيل - شبيب بن الحارث التميمي، فضبطها، فلما ضمت إلى مسلمة بعث عاملاه عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمر بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهل البصرة، وأفشى ذلك إلى عمر بن يزيد، فقال له عمر: أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تمن حصناً بكويفة، وتدخل من تحتاج إليه! فوالله لو رماك أهل البصرة وأصحابك بالحجارة لتخوفت أن يقتلونا؛ ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك. ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما هم به عبد الرجمن، فوجه مسلمة عبد الملك ابن بشر بن مروان على البصرة، وأقر عمر بن يزيد على الشرطة والأحداث. ذكر استعمال مسامة سعيد خذينة على خراسان.
قال أبو حعفر: وفي هذه السنة وحه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز اب الحارث بن الحكم بن أبي العاص وهو الذي يقام له خذينة - وإنما لقب بذلك - فيما ذكر - أنه كان رجلاً ليناً يهلاً متنعماً، قدم خراسان على بختيه معلقاً سكيناً في منطقته، فدخل عليه ملك أبغل، وسعيد متفضل في ثياب مصبغة، حوله مرافق مصبغة فلما خر من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينية، لمته سكينية؛ فلقب خذينة وخذينة هي الدهقانة ربة البيت، وإنما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان لأنه كان ختنه على ابنته، كان سعيد متزوجاً بابنة مسلمة. ولما ولى مسلمة سعيد خذينة خراسان، قدم إليها قبل شخوصه سورة ابن الحر من بني دار، فقدمها قبل سعيد - فيما ذكر - بشهر، فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند، فخرج إليها في وخمسة وعشرين رجلاً من أهل بيته، فأخذ على آمل، فأتى بخارى، فصحبه منها مائتا رجل، فقدم السغد، وقد كان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن بن نعيم الغامدي، ووليها ثمانية عشر شهراً، ثم عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل السغد، ووبخ سكانها من العرب وعيرهم بالجبن، فقال: ما أرى فيكم جريحاً،ولا أسمع فيكم أنة. فاعتذروا إليه بأن جبنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدي، وكانت على الحرب. ثم قدم سعيد، فأخذ عمال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري الذين ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم، فكلمه فيهم عبد الرحمن بن عبد الله

القشيري، فقال له سعيد: قد رفع علهم أن عندهم أموالاً من الخوارج. قال: فأنا أضمنه، فضمن عنهم سبعمائة ألف، ثم لم يأخذه بها. ثم إن سعيداً رفع إليه - فيما ذكر علي بن محمد - أن جهم بن زحر الجعفي وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدي والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي والقعقاع الأزدي ولوا ليزيد بن المهلب وهم ثمانية، وعندهم أموال قد أختانوها من فئ المسلمين. فأرسل إليهم، فحبسهم في قهندز مرو، فقيل له: إن هؤلاء لا يؤدون إلا أن تبسط عليهم. فأرسل إلى جهم بن زحر، فحمل على حمار من قهندز مرو، فمرو به على الفيض بن عمران، فقام إليه فوجأ أنفه، فقال له جهم: يا فاسق، هلا فعلت هذا حين أتوني بك سكران قد شربت الخمر، فضربتك حداً! فغضب سعيد على جهم فضربه مائتى سوط، فكبر أهل السوق حين ضرب جهم بن زحر، وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانواط في السجن فدفعوا إلى ورقاء بن نصر الباهلي، فاستعفاه فأعفاه. وقال عبد الحميد بن دثار - أو عبد الملك بن دثار - والزبير بن نشيط مولى باهلة، وهو زوج أم سعيد خذينة: ولنا محاسبتهم، فولاهم فقتلوا من العذاب جهماً، وعبد العزيز بن عمر والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقوماً حتى أشرفوا على الموت قال: فلم يزالوا في السجن حتى غزتهم الترك وأهل السغد، فأمر سعيد بإخراج من بقي منهم، فكان سعيد يقول: قبح الله الزبير، فإنه قتل جهما! وفي هذه السنة غزا المسلمون السغد والترك، فكان فيها الوقعة بينهم بقصر الباهلي. وفيها عزل سعيد خذينة شعبة بن ظهير عن سمرقند.
ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شعبى وسبب هذه الوقعة وكيف كانت: ذكر علي بن محمد عن الذي تقدم ذكرى خبره عنهم، أن سعيد خذينة لما قدم خراسان، دعا قوماً من الدهاقين، فاستشارهم فيمن يوجه إلى الكور، فأشاروا إليه بقوم من العرب، فولاهم، فشكوا إليه، فقال للناس يوماً وقد دخلوا عليه: إني قدمت البلد، وليس لي علم بأهله، فاستشرت فأشاروا علي بقوم، فسألت عنهم فحمدوا، فوليتهم، فأحرج عليكم لما أخبرتموني عن عمالي. فأثنى عليهم القوم خيراً، فقال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري: لو لم تحرج علينا لكففت، فأما إذ حرجت علينا فإنك شاورت المشركين فأشاروا عليك بمن لا يخالفهم وبأشباههم، فهذا علمنا فيهم.
قال: فاتكأ سعيد ثم جلس، فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " ، قوموا.
قال: وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السغد، وولى حربها عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير، وولى الخراج سليمان بن أبي السري مولى بني عوافة، واستعمل على هراة معقل بن عروة القشيري، فسار إليها. وضعف الناس سعيداً وسموه خذينة، فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك، ووجههم إلى السغد، فكان على الترك كورصول، وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي. وقال بعضهم: أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة، وكانت في ذلك القصر، فأرسل إليها يخطبها. فأبت، فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر، فيأخذ المرأة، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله وخافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفاً، وأعطوهم سبعة عشر رجلاً رهينة، وندب عثمان بن عبد الله الناس، فانتدب المسيب بن بشر الرياحي وانتدب أربعة آلاف من جميع القبائل، فقال شعبة بن ظهير: لو كان ها هنا خيول خراسان ما وصلوا إلى غايتهم. قال: وكان فيمن انتدب من بني تميم شعبة بن ظهير النهشلي وبلعاء بن مجاهد العنزي، وعميرة بن ربيعة أحد بني العجيف - وهو عميرة الثريد - وغالب بن المهاجر الطائي - وهو أبي العباس الطوسي - وأبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وثابت قطنة وأبو المهاجر بن دارة من غطفان، وحليس الشيباني، والحجاج بن عمرو الطائي، وحسان بن معدان الطائي، والأشعث أبو حطامة وعمرو بن حسان الطائيان. فقال المسيب بن بشر لما عسكروا:

إنكم تقدمون على حلبة الترك، حلبة خاقان وغيرهم، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب النار إن فررتم، فمن أراد الغزو والصبر فليقدم. فانصرف عنه ألف وثلثمائة، وسار في الباقين، فلما سار فرسخاً قال للناس مثل مقالته الأولى، فاعتزل ألف، ثم سار فرسخاً آخر فقال لهم مثل ذلك، فاعتزل ألف. ثم سار - وكان دليلهم الأشهب بن عبيد الحنظلي - حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل فآتاهم ترك خاقان ملك قي فقال: إنه لم يبق هاهنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري، وأنا في ثلثمائة مقاتل فهم معك، وعندي الخبر، قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفاً؛ فأعطوهم سبعة عشر رجلاً؛ ليكونوا رهناً في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم؛ فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن. قال: وكان فيهم نهشاً بن يزيد الباهلي فنجا لم يقتل، والأشهب بن عبيد الله الحنظلي وميعادهم أن يقاتلوهم غداً أو يفتحوا القصر، فبعث المسيب رجلين: رجلاً من العرب ورجلاً من العجم من ليلته على خيولهم، وقال لهم: إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر، واعلموا علم القوم. فأقبلا في ليلة مظلمة؛ وقد أجرت الترك الماء في نواحي القصر؛ فليس يصل إليه أحد. ودنوا من القصر؛ فصاح بهما الربيئة، فقلا: لا تصح وادعوا لنا عبد الملك ابن دثار، فدعاه فقالا له: أرسلنا المسيب، وقد آتاكم الغياث، قال: أين هو؟ قال: على فرسخين؛ فهل عندكم امتناع ليلتك وغداً؟ فقال: قد أجمعنا على تسليم نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا؛ حتى نموت جميعاً غداً فرجعا إلى المسيب، فأخبراه، فقال المسيب للذين معه: إني سائر إلى هذا العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب فلم يفارقه أحد؛ وبايعوه على الموت. فسار وقد زاد الماء الذي أجروه حول المدينة تحصيناً، فلما كان بينهم وبينهم نصف فرسخ نزل، فأجمع على بياتهم؛ فلما أمسى أمر الناس فشدوا على خيولهم، وركب فحثهم على الصبر، ورغبهم فيما يصير إليه أهل الأحتساب والصبر، وما لهم في الدنيا من الشرف والغنيمة إن ظفروا، وقال لهم: أكعموا دوابكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها وشدوا شدة صادقة وكبروا، وليكن شعاركم: يا محمد؛ ولا تتبعوا مولياً، وعيكم بالدواب فاعقروها، فإن الدواب إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، القليل الصابر خير من الكثير الفشل؛ وليست بكم قلة، فإن سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وأن كثر أهله. قال: وعبأهم وجعل على الميمنة كثير بن الدبوسي، وعلى الميسرة رجلاً من ربيعة يقال له ثابت قطنة وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين كبروا وذلك في السحر، وثار الترك، وخالط المسلمون العسكر فعقروا الدواب، وصابرهم الترك، فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيب، وتبعهم الترك وضربوا عجز دابة المسيب فترجل رجال من المسلمين، فيهم البختري أبو عبد الله المرائي، ومحمد بن قيس الغنوة - ويقال: محمد بن قيس العنبري - وزياد الأصبهاني، ومهاوية بن الحجاج، وثابت قطنة. فقات البختري فقطعت يمينه، فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذب بيده حتى استشهد. واتشهد أيضاً محمد بن قيس العنبري أو الغنوة وشبيب بن الحجاج الطائي. قال: ثم انهزم المشركون، وضرب ثابت قطنة عظيماً من عظمائهم، فقتله، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم؛ فأنهم لا يدرون من الرعب، اتبعتموهم أم لا! واقصدوا القصر، ولا تحملوا شيئاً من المتاع إلا المال، ولا تحملوا من يقدر على المشي. وقال المسيب: من حمل امرأة او صبية أو ضعيفأ حسبة فأجره على الله، ومن أبي فلة أربعون درهماً، وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه قال: فاقصدوا جميعاً القصر فحملوا من كان فيه، وانتهى رجل من بني فقيم إلى امرأة. فقالت: أغثني أغاثك الله! فوقف وقال: دونك وعجز الفرس، فوثبت فإذا هي على عجز الفرس؛ فإذا هي أفرس من رجل، فتناول فقيمي بيد أبنها، غلاماً صغيراً، فوضعه بين يديه، وآتوا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وآتاهم بطعام، وقال: الحقوا بسمرقند، لا يرجعوا في آثاركم. فخرجوا نحو سمرقند، فقال لهم: هل بقي أحد؟ قالوا: هلال الحريري، قال: لا أسلمه فآتاه وبه بضع وثلاثون جراحة، فاحتمله، فبرأ، ثم أصيب يوم الشغب مع الجنيد. قال: فرجع الترك من الغد، فلم يروا في القصر أحداً، رأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين جاؤوا من الإنس، فقال ثابت قطنة:

فددت نفسي فوارس من تميم ... غداة الروع في ضنك المقام
فددت نفسي فوارس أكنفوني ... على الأعداء في رهج القتام
بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضمن به المحام
بسيفي بعد حطم الرمح قدماً ... أذودهم بذي شطب جسام
أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام
أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق بها مقامي
فلولا الله ليس له شريك ... وضربى قونس الملك الهمام
إذاً لسعت النساء بني دثار ... أما الترك بادية الخدام!
فمن مثل المسيب في تميم ... أبى بشر كقدامة الحمام
وقال جرير يذكر المسيب:
لولا حماية يربوع نساءكم ... كانت لغيركم منهن أطهار
حامى المسيب والخيلان في رهج ... إذ مازن ثم لا يحمى لها جار
إذ لا عقال يحامى عن ذماركم ... ولا زرارة يحميها ووزار
قال: وعور تلك الليلة أبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وشلت يده، وقد كان ولي ولاية قبل سعيد، فخرج عليه شيء مما كان بقي عليه فأخذ به، فدفعه سعيد إلى شداد بن خليد الباهلي ليحاسبه ويستأديه فضيق عليه شداد، فقال: يا معشر قيس، سرت إلى قصر الباهلي وأنا شديد البطش، حديد البصر؛ فعورت وشلت يدي، وقاتلت مع من قاتل حتى استنقذناهم بعد أن أشرفوا على القتل والأسر والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع، فكفوه عني، فخلاه. قال: وقال عبد الله بن محمد عن الرجل شهد ليلة قصر الباهلي قال: كنا في القصر، فلما التقوا ظننا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد وصهيل الخيل. ذكر الخبرعن غزو سعيد خذينة السغد وفي هذه السنة قطع سعيد خذينة نهر بلخ وعزا السغد، وكانوا نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين. ذكر الخبر عما كان من أمر سعيد والمسلمين في هذه الغزوة: وكان سبب غزو سعيد هذه الغزوة - فيما ذكر - إن الترك عادوا إلى السغد، فكلم الناس سعيداً وقالوا: تركت الغزو فقد أغار الترك، وكفر أهل السغد فقطع النهر، وقصد للسغد، فلقي الترك وطائفة من أهل السغد فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم؛ فإن السغد بستان أمير المؤمنين وقد هزمتموهم؛ أفتريدون بوارهم! وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل أباروكم! وسار المسلمون، فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقال عبد الرحمن ابن صبح: لا يقطعن هذا الوادي مجفف ولا راجل، وليعبر من سواهم. فعبروا، ورأيهم الترك فأكمنوا كميناً، وظهرت لهم خيل المسلمين فقاتلوهم، فانحاز الترك فاتبعوهم حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي فقال لهم عبد الرحمن بن صبح: سابقوهم، ولا تقطعوا فإن أن قطعتم أبادوكم. فاصبروا لهم حتى انكشفوا عنهم فلم يتبعوهم، فقال قوم: قتل يومئذ شعبة بن زهير وأصحابه، وقال قوم: بل انكشف الترك منهم يومئذ منهزمين، ومعهم من أهل السغد. فلما كان الغد، خرجت مسلحة للمسلمين - والمسلحة يومئذ من بني تميم فما شعروا إلا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة وعلى خيل بني تميم شعبة بن زهير، فقاتلهم شعبة فقتل؛ أعجلوه عن الركوب. وقتل رجل من العرب، فأخرجت جاريته حناء، وهو تقول: حتى متى أعد لك مثل هذا الخطاب، وأنت مختضب بالدم! مع كلام كثير فأبكت أهل العسكر. وقتل نحو من خمسين رجلاً وانهزم أهل المسلحة، وأتى الناس الصريخ، فقال عبد الرحمن بن المهلب العدوي: كنت أنا أول من آتاهم لما آتانا الخبر، وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة كأنه قنفذ من النشاب؛ وقد قتل وركب الخليل بن أوس العبشري أحد بني ظالم وهو شاب - ونادى: يا بني تميم أنا الخليل؛ إلي! فانضمت إليه جماعة - فحمل بهم على العدو، فكفوهم ووزعوهم عن الناس حتى جاء الأمير والجماعة فانهزم العدو، فصار الخليل على خيل بني تميم يومئذ حتى ولى نصر بن سيار؛ ثم صارت رياسة بني تميم لأخيه الحكم بن أوس. وذكر علي بن محمد، عن شيوخه؛ أنسورة بن الحر قال لحيان: انصرف يا حيان، قال: عقيرة الله أدعها وأنصرف قال: يا نبطي قال: أمبط الله وجهك! قال: وكان حيان النبطي يكنف الحرب أبا الهياج، وله يقول الشاعر:

أن أبا الهياج أريحى ... للريح في أثوابه دوي
قال: وعبر سعيد النهر مرتين، فلم يجاوز سمرقند، نزل في الأولى بإيزاء العدو، فقال له حيان مولى مصقلة بن هبيرة الشيباني: أيها الأمير ناجذ أهل السغد فقال: لا، هذه بلاد أمير المؤمنين، فرأى دخاناً ساطعاً، فسأل عنه فقيل له: السغد قد كفروا ومعهم بعض الترك. قال: فناوشهم، فانهزموا فألحوا في طلبهم، فنادى منادي سعيد: لا تطلبوهم؛ إنما السغد بستان أمير المؤمنين، وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم! وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرة فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع، فلما كان العام المقبل بعث رجالاً من بني تميم إلى ورغسر، فقال: ليتنا نلقى العدو فنطاردهم - وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا ردذراري السبي وعاقب السرية، فقال الهجري وكان شاعراً:
سريت إلى الأعداء تلهو بلعبة ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد
وأنت لمن عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند
فلله در السغد لما تحزبوا ... ويا عجباً من كيدك المتردد!
قال: فقال سورة بن الحر لعيد - وقد كان حفظ عليه، وحقد عليه قوله: أنبط الله وجهك - : إن هذا العبد أعد الناس للعرب والعمال، وهو أفسد خراسان على قتيبة بن مسلم وهو واثب بك، مفسد عليك خراسان؛ ثم يتحصن في بعض هذه القلاع. فقال: يا سورة لا تسمعن هذا أحداً. قم مكث أياماً ثم دعا في مجلسه بلبن، وقد أمر بذهب فسحق، والقى في إناء حيان فشربه، وقد خلط بالذهب، ثم ركب، فركب الناس أربعة فراسخ إلى باركث؛ كأنه يطلب عدواً، ثم رجع فعاش حيان أربعة أيام ومات في اليوم الرابع، فثقل سعيد على الناس وضعفوه، وكان رجل من بني أسد يقال له إسماعيل منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر إسماعيل عند خذينة ومودته لمروان، فقال سعيد: وما ذاك الملط! فهجاه إسماعيل، فقال:
زعمت خزيمة أنني ملط ... لخذينة المرآة والمشط
ومجامر ومكاحل جعلت ... ومعازف وبخدها نقط
أفذاك أم زغف مضاعفة ... ومهند من شانه القط
لمقرس ذكر أخي ثقة ... لم يغذه التأنيث واللقط
أغبضت أن بات ابن أمكم ... بهم وأن أباكم سقط
إني رأيت نبالهم كسيت ... ريش اللؤام ونبلكم مرط
ورأيتهم جعلوا مكاسرهم ... عند الندى وأنتم خلط
عزل مسلم عن العراق وخراسان وفي هذه السنة عزل مسلم بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام.
ذكر الخبر عن سبب عزله وكيف كان ذلكوكان شبب ذلك - فيما ذكر على بني محمد - أن مسلماً لما ولى ما ولى من أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئاً، وأن يزيد بن عاتكة أرداد عزظله فاستحيا منه، وكتب إليه أن استخلف على عملك وأقبل. وقد قيل أن مسلم عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى ابن عاتكة ليزوره، فقال له : أمن شوق بك إليه! أنك لطروب، وإن عهدك به لقريب، قال: لا بد من ذلك، قال: إذاً لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه، فشخص؛ فلما بلغ دورين لقيه عمر بن هبيرة على خمس من دواب البريد، فدخل عليه ابن هبيرة، فقال: إلى أين يا ابن هبيرة؟ فقال: وجهني أمير المؤمنين غي حيازة أموال بني المهلب. فلما خرج من عنده أرسل إلى عبد العزيز فجاءه، فقال: هذا ابن هبيرة قد لقيناه كما ترى، قال: قد أنبأتك، قال: فإنه إنما وجهه لحيازة أموال بني المهلب، قال: هذا أعجب من الأول؛ يصرف عن الجزيرة ويوجه في حيازة أموال بني المهلب، قال: فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم فقال الفرزدق:
راحت بمسلمة الركاب مودعا ... فارعى فزارة لا هناك المرتع
عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع
ولق دعلمت لئن فزارة أمرت ... أن سوف تطمع في الإمارة أشجع
من خلق ربك ما هم ولمثلهم ... في مثل ما نالت فزارة يطمع

يعني بابن بشر عبد الملك بن بشر بن مراون، وبابن عمرو محمداً ذا الشامة بن عمرو بن الوليد، وبأخي هارة سعيد خذينة بن عبد العزيز، كان عامل لمسلمة على خراسان. وفي هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الرزم بأرمينية، فهزمهم وأسر منهم بشراً كثيراً قيل سبعمائة أسير.
بدء ظهور الدعوة وفيها وجه - فيما ذكر ميسرة - رسله من العراق إلى خراسان وظهر أمر الدعوة بها، فجاء رجل من بني تميم يقال له عمرو بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينة، فقال له : إن هاهنا قوماً قد ظهر منهم كلام قبيح، فبعث إليهم سعيد فأتى بهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: أناس من التجار؟ قال: فما هذا الذي يحكى عنكم؟ قالوا: لا ندري، قال: جئتم دعاة؟ فقالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلا عن هذا، فقال: من يعرف هؤلاء؟ فجاء أناس من أهل خراسان جلهم ربيعة واليمن، قالوا: نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه، فاخلي سبيلهم.
ذكر خبر قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيةوفيها - أعني سنة اثنتين ومائة - قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية وهو وال عليها.
ذكر الخبر عن سبب قتله: وكان سبب ذلك أنه كان - فيما ذكر - عزم أن يسير بهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:17 am

ذكر الخبر عما كان فيا من الأحداث
عزل سعيد خذينة عن خراسان فمما كان فيها من ذلك عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، وكان سبب عزله عنها - فيما ذكر علي بن محمد عن أشياخه أن المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة، فشكواه فعزله، واستعمل سعيد بن عمرو بن الأسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وخذينة غاز بباب سمرقند، فبلغ الناس عزله، فقفل خذينة، وخلف بسمرقند ألف فارس، فقال نهار بن توسعة:
فمن ذاك مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش
بأن الله أبدل من سعيد ... سعيداص لا المخنث من قريش
قال: ولم يعرض سعيد الحرشي لأحد من عمال خذينة، فقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال سعيد: صه مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه بريء، فقال الشاعر يضعف الحرشي في هذا الكلام:
تبدلنا سعيداً من سعيد ... لجد السوء والقدر المتاح
قال الطبري: وفي هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة. وفيها أغارت الترك عن اللان. وفيها ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهري، فجمعت له مع المدينة. وفيها ولى عبد الواحد بن عبد الله النضري، الطائف وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن مكة وفيها أمر عبد الرحمن بن الضحاك أن يجمع بين أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعثمان بن حيان النوري، وكان من أمره وأمرهما ما قد مضى ذكره. وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري كذلك قال أبو معشر والواقدي. وكان عمل يزيد بن عاتكة في هده السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن

بن الضحاك، وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري. وعلى العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشي من قبل عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.
استعمال ابن هبيرة سعيداً الحرشي على خراسان وفيها استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي على خراسان.
ذكر الخبر عن سبب استعماله الحرشي على خراسانذكر علي بن محمد عن أصحابه عن ابن هبيرة لما ولى العراق، كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر، ولم يذكر الحرشي، فقال يزيد بن عبد الملك: لما لم يذكر الحرشي؟ فكتب إلى ابن هبيرة: ول الحرشي خراسان. فولاه، فقدم الحرشي على مقدمته المجشر بن مزاحم السلمى سنة ثلاث ومائة، ثم قدم الحرشي خراسان، والناس بإيزاء العدو، وقد كانوا نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد، فقال: أنكم لا تقاتلون عدو الإسلام بكثرة ولا بعدة، ولكن بنصر الله وعز الإسلام فقولوا لاحول ولا قوة إلا بالله. وقال:
فلست لعامر إن لم تروني ... أما الخيل أطعن بالعوالي
فأضرب هامة الجبار منهم ... بغضب الحد حودث بالصقال
فما أنا في الحروب بمستكين ... وأخشى مصاولة الرجال
أبى لي والدي من كل ذنب ... وخالي في الحوادث خير خال
إذا خطرت أماي حي كعب ... وزافت الجبال بنو هلال
ارتحال أهل السغد عن بلادهم إلى فرغانة وفي هذه السنة ارتحل أهل السغد عن بلادهم عند مقدم سعيد بن عمرو الحرشي فلحقوا بفرغانة فسألوا ملكها معونتهم على المسلمين.
ذكر الخبر عما كان منهم ومن صاحب فرغانةذكر علي بن محمد عن أصحابه أن السغد كانوا قد أعانوا الترك أيام خذينة، فلما وليهم الحرشي خافوا على أنفسهم، فأجمع عظمائهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم لا تفعلوا أقيموا واحملوا إليه خراج مامضى، واضمنوا له خراج ما تستقبلون، واضمنوا له عمارة أرضيكم والغزو معه إن أراد ذلك . واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن يكونون في يديه.
قالوا: نخاف ألا يرضى ولا يقبل منا، ولكنا نأتي خجنده، فنستجير ملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح كما كان منا ونوثق له ألا يرى أمراً يكرهه، فقال: أنا رجل منكم، وما أشرت به عليكم كان خيراً لكم، فأبوا فخرجوا إلى خجندة، وخرج كارزنج وكشين وبياركث وثابت بأهل إشتيخاً، فأرسلوا إلى ملك فرغانة الطار يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينته. فهم أن يفعل، فقالت له أمه: لا تدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ولكن فرغ لهم رستاقاً يكونون فبه، فأرسل إليهم: سموا لي رستاقاً أفرغه لكم، وأجلوني أربعين يوماً - ويقال: عشرين يوماً - وإن شئتم فرغت لكم شعب عصام بن عبد الله الباهلي - وكان قتيبة خلفه فيهم - فقبلوا شعب عصام. فأرسلوا إليه : فرغه لنا، قال: نعم، وليس لكم علي عقد ولا جوار حتى تدخلوه؛ وإن أتتكم العرب قبل أن تدخلوه لم أمنعكم، فرضوا؛ ففرغ لهم الشعب. وقد قيل: إن ابن هبيرة بعث إليهم قبل أن يخرجوا من بلادهم يسألهم أن يقيموا، ويستعمل عليهم من أحبوا، فأبوا وخرجوا إلى خجندة وشعب عصام بن رستاق أسفرة - وأسفرة يومئذ ولي عهد ملك فرغانا بلاذا، وبيلاذا أنوجور ملكها. وقيل: قال لهم كارزنج: أخيركم ثلاث خصال، إن تركتموها هلكتم: إن سعيداً فارس العرب، وقد توجه على مقدمته عبد الرحمن بن عبد الله القشيري في حماة أصحابه، فبيتوه فاقتلوه؛ فإن الحرشي إذا أتاه خبره لم يغزكم، فأبوا عليه، قال: فاقطعوا نهر الشاش، فسلوهم ماذا تريدون؟ فإن أجابوكم وإلا مضيتم إلى سوياب، قالوا: لا قال: فأعطوهم. قال: فارتحل كارزنج وجلنج بأهل قي، وأباربن ماخنون وثابت بأهل إشتيخن، وارتحل أهل بياكرث وأهل سسكث بألف رجل عليهم مناطق الذهب مع دهاقين بزماجن، فارتحل الديواشني بأهل بنجيكث إلى حصن أبغر، ولحق كارزنج وأهل السغد بخجندة.
الجزء السابع
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة أربع ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الوقعة بين الحرشيّ والسُّغد ففي هذه السنة كانت وقعة الحرشي بأهل السغد وقتله من قتل من دهاقينها
ذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة

ذكر عليّ عن أصحابه أن الحرشيّ غزا في سنة أربع ومائة فقطع النهر، وعرض الناس، ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده.
قال: فأمر الناس بالرحيل، فقال له هلال بن عليم الحنظليّ: يا هناه، إنك وزيراً خير منك أميراً الأرض حرب شاغرة برجلها، ولم يجتمع لك جندك، وقد أمرت بالرحيل! قال: فكيف لي؟ قال: تأمر بالنزول، ففعل.
وخرج النّيلان ابن عمّ ملك فرغانة إلى الحرشيّ، وهو نازل على مغون فقال له: إن أهل السغد بخجندة؛ وأخبره خبرهم وقال: عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشِّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل. فوجّه الحرشيّ مع النيلان عبد الرحمن القشيريّ وزياد بن عبد الرحمن القشيريّ في جماعة، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني علج لا أدري صدق أم كذب، فغرّرت بجند من المسلمين. وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشروسنة، فصالحهم بشيء يسير فبينا هو يتعشىّ إذ قيل له: هذا عطاء الدبوسيّ وكان فيمن وجهه مع القشيريّ ففزع وسقطت اللُّقمة من يده، ودعا بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحداً؟ فقال: لا، قال: الحمد للّه، وتعشّى، وأخبره بما قدم له عليه. فسار جواداً مغذّاً، حتى لحق القشيريّ بعد ثالثة، وسار فلما انتهى إلى خجندة، قال للفضل بن بسام: ما ترى؟ قال: أرى المعالجة، قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجلٌ فإلى أين يرجع! أو قتل قتيل فإلى من يحمل! ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب، فنزل فرفع الأبنية وأخذ في التأهب، فلم يخرج أحد من العدوّ، فجبَّن الناس الحرشيّ، وقالوا كان هذا يذكر بأسه بالعراق ورأيه، فلما صار بخرسان ماق. قال: فحمل رجلٌ من العرب، فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وقد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقاً، وغطوه بقصب، وعلّوه بالتراب مكيدة، وأرادوا إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق.
قال: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطئوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فأخرجوا من الخندق أربعين رجلاً، على الرّجل درعان درعان، وحصرهم الحرشيّ، ونصب عليهم المجانيق، فأرسلوا إلى ملك فراغانة: غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال لهم: لم أغير ولا أنصركم؛ فانظروا لأنفسكم؛ فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري. فلما أيسوا من نصره طلبوا الصلح، وسألوا الأمان وأن يردّهم إلى السُّغد، فاشترط عليهم أن يردّوا من في أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الحراج، ولا يغتالوا أحداً، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثاً حلت دماؤهم.

قال: وكان السَّفير فيما بينهم موسى بن مشكان مولى آل بسام، فخرج إليه كارزنج، فقال له: إنّ لي حاجةً أحب أن تشفِّعني فيها، قال: وما هي؟ قال: أحب إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح ألاّ تأخذني بما جنى، فقال الحرشيّ: ولي حاجة فاقضها، قال: وما هي؟ قال: لا يلحقني في شرطي ما أكره. قال: فأخرج الملوك والتجار من الجانب الشرقيّ، وترك أهل خجندة الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحرشيّ: ما تصنع؟ قال: أخاف عليكم معرّة الجند، قال: وعظماؤهم مع الحرشيّ في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان، فبلغ الحرشيّ أنهم قتلوا امرأة من نساء كنَّ في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتأَ الأشتيخنيّ قتل امرأة ودفنها تحت حائط، فجحدوا فأرسل الحرشيّ إلى قاضي خجندة، فنظروا فإذا المرأة المقتولة. قال فدعا الحرشيّ بثابت، فأرسل كارزنج غلامه إلى باب السرادق ليأتيه بالحبر، وسأل الحرشيّ ثابتاً وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقن الحرشيّ أنه قتلها فقتله، فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت، فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيوب بن أبي حسان: إني ضيفك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خلق، قال: فخذ سروالي. قال: وهذا لا يجمل، أقتل في سرويلاتكم! فسرّح غلامك إلى جلنج ابن أخي يجيئوني بسراويل جديد وكان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطّعها عصائب، وعصبها برءوس شاكريّته، ثم خرج هو وشاكرّيته، فاعترض الناس فقتل ناساً، ومرّ بيحي بن حضين فنفحه نفحه على رجله، فلم يزل يخمع منها وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شراً؛ حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود. وكان في أيدي السُّغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومائة، ويقال: قتلوا منهم أربعين؛ قال: فألفت منهم غلام فأخبرالحرشيّ ويقال: بل أتاه رجل فأخبره - فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم من علم علمهم، فوجد الخبر حقاً، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم - وكان التجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصين - قال: فامتنع أهل السُّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم. فلما كان الغد دعا الحراثين - ولم يعلموا ما صنع أصحابهم - فكان يختم في عنق الرجل ويخرج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف - ويقال سبعة آلاف - فأرسل جرير بن هميان والحسين بن أبي العمرطة ويزيد بن أبي زينب فأحصوا أموال التجار - وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل - فاصطفى أموال السغد وذراريّهم، فأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن بديل العدويّ؛ عديّ الرباب، فقال: قد وليتك المقسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة! ولِّه غيري؛ فولاه عبيد الله بن زهير بن حيان العدوي، فأخرج الخمس، وقسّم الأموال؛ وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد فيه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:
أقرَّ العين مصرع كارزنج ... وكشَّينٍ وما لاقى بيار
وديواشنى وما لاقى جلنجٌ ... بحصن خجند إذ دمروا فباروا
ويروى: " أقر العين مصرع كارزنج، وكشكيش " ؛ ويقال: إن ديواشني دهقان أهل سمرقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني.
ويقال: كان على أقباض خجندة علباء بن أحمر اليشكريّ، فاشترى رجل منه جونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضعٌ يده على عينه كأنه رمد، فردَّ الجونة، وأخذ الدرهمين، فطلب فلم يوجد.
قال: وسرّح الحرشيّ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوافة إلى قلعة لا يطيف بها وادي السُّغد إلاّ من وجه واحد. ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان؛ فوجّه سليمان بن أبي السريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ، فتلقوه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيّب حتى ردهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودهقانها يقال له ديواشني.

قال: فكتب إليه الحرشيّ فعرض عليه أن يمدّه، فأرسل إليه: ملتقانا ضيق فسر إلى كسّ؛ فإنا في كفاية الله إن شاء الله فطلب الديواشني أن ينزل على حكم الحرشيّ، وأن يوجّهه مع المسيّب بن بشر إلى الحرشيّ، فوفى له سليمان ووجّهه إلى سعيد الحرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدةً، فطلب أهل القلعة الصُّلح بعد مسيره على ألا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلمون القلعة. فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة.
قال: فبعث محمد بن عزيز الكنديّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ، فباعوا ما في القلعة مزايدةً، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم. وخرج الحرشيّ إلى كسّ فصالحوه على عشرة آلاف رأس. ويقال: صال دهقان كسّ، واسمه ويك - على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يوماً على ألا يأتيه فلما فرغ من كسّ خرج إلى ربنجن، فقتل الديواشنيّ، وصلبه على ناووس وكتب على أهل ربنجن كتاباً بمائة إن فقد من موضعه؛ وولّى نصر بن يسار قبض صلح كسّ، ثم عزل سورة بن الحرّ وولّى نصر بن يسار، واستعمل سليمان بن أبي السري على كسّ، ونسف حربها وخراجها، وبعث برأس الديواشنيّ إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بن أبي السريّ إلى طخارستان.
قال: وكانت خزار منيعة، فقال المجشّر بن مزاحم لسعيد بن عمر الحرشيّ: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى قال: المسربل بن الخرّيت بن راشد الناجيّ، فوجهه إليها - وكان المسربل صديقاً لملكها، واسم الملك سبقري. وكانوا يحبّون المسربل - فأخبر الملك ما صنع الحرشيّ بأهل خجندة وخوّفه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، قال: فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ الناس؟ قال: نصيّرهم معك في أمانك ، فصالحهم فأمنوه وبلاده.
قال: ورجع الحرشيّ إلى مرو ومعه سبقري، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن زيد الحرشيّ، وأمره أن يوافيه ببرذون بن كشانيشاه قتل سبقري وصلبه ومعه أمانه - ويقال: كان هذا دهقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أماناً لأهل السُّغد، فحبسه الحرشيّ في قهندر مرو، فلما قدم مرو دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز:
إذا سعيدٌ سار في الأخماس ... في رهج يأخذ بالأنفاس
دارت على الترك أمرُّ الكاس ... وطارت الترك على الأحلاس
ولو فراراً عطل القياس وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضّحاك بن قيس الفهريّ عن المدينة ومكة، وذلك للنصف من شهر ربيع الأول، وكان عامله على المدينة ثلاث سنين.
وفيها ولّي يزيد بن عبد الملك المدينه عبد الواحد النضريّ.
ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن ابن الضاحك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال وكان سبب ذلك - فيما ذكر محمد بمن عمر، عن عبد الله بن محمد بن أبي يحي - قال: خطب عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهريّ فاطمة ابنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنيّ هؤلاء؛ وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه. قال: وألح عليها وقال: والله لئن لم تفعلي لأجلدنّ أكبر بنيك في الخمر - يعني عبد الله بن الحسن - فبينا هو كذلك؛ وكان على ديوان المدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودّعها، فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحّاك، وما يتعرّض منّي. قال: وبعثت رسولاً بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابن الضحاك منه، وما يتوعدها به.
فقال: فقدم ابن هرمز والرّسول معاً. قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر ابن هرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير؟؟؟؟؟! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إن فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حمَّلتني رسالة إليك فأخبره الخبر.

قال: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أم لك! ألم أسألك هل من مغرّبة خبر، وهذا عندك لا تخبرينه! قال: فاعتذر بالنسيان. قال: فأذن للرسول فأدخله، فأخذ الكتاب، فاقترأه. قال: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضّحاك! هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضريّ.
قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده: إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضريّ وهو بالطائف: سلام عليك؛ أما بعد فإني قد وليّتك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي.
قال: وأخذ البريد الكتاب، وقدم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضّحاك وقد أوجست نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دبنار لك ولك العهد والميثاق؛ لئن أنت أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثاً حتى يسير، ففعل. ثم خرج ابن الضحاك، فأغذّ السُّير حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرققه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كل حاجة تكلمت فيها فهي يدك مالم يكن ابن الضحاك، فقال هو والله ابن الضحاك! فقال: والله لا أعفيه أبداً وقد فعل ما فعل، قال: فردّه إلى المدينة إلى النَّضريّ.
قال عبد الله بن محمد: فرأيته في المدينة عليه جبة من صوف يسأل الناس، وقد عذِّب ولقي شراًّ، وقدم النَّضريّ يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومائة.
قال محمد بن عمر: حدثّني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فروة، عن الزّهريّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: إنك تقدم على قومك وهم ينكرون كل شيء خالف فعلهم، فلزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم ابن محمد وسالم بن عبد الله؛ فإنهما لا يألوانك رشداً. قال الزهريّ: فلم يأخذ بشيء من ذلك، وعادى الأنصار طراً، وضرب أبا بكر بن حزم ظلماً وعدواناً في باطل، فما بقي منهم شاعر إلا هجاه، ولا صالح إلا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيته ذليلاً.
وولي المدينه عبد الواحد بن عبد الله بن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم والٍ أحب عليهم منه، وكان يذهب مذاهب الخير، لا يقطع أمراً إلا استشار فيه القاسم وسالماً.
وفي هذه السنة غزا الجرّاح بن عبد الله الحكميّ - وهو أمير على أرمينية وأذربيجان - أرض الترك ففتح على يديه بلنجر، وهزم الترك وغرقهم وعامة ذراريهم في الماء، وسبوا ما شاءوا، وفتح الحصون التي تلي بلنجر وجلا عامة أهلها.
وفيها ولد - فيما - ذكر أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ في شهر ربيع الآخر.
وفيها دخل أبو محمد الصادق وعدة من أصحابه من خرسان إلى محمد ابن عليّ، وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خرقة، وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدّوكم.
وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ عن خراسان، وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي.
ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ عن خراسان

ذكر أنّ سبب ذلك كان من موجدة وجدها عمر على الحرشي في أمر الديواشنيّ، وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرسول إذا ورد من العراق قال له: كيف أبو المثنى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنّى ولا يقول: " الأمير " ، ويكثر أن يقول: قال أبو المثنى وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعا جميل بن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحرشي، فأخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه. فقدم جميل، فقال له الحرشيّ: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين. فقيل للحرشيّ ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلا ليعلم علمك، فسم بطيخة، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض، وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبلّ وصحّ، فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك؛ ما يرى سعيد إلا أنك عامل من عماله. فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفخ في بطنه النمل، وكان يقول حين عزله: لو سألني عمر درهماً يضعه في عينه ما أعطيته؛ فلما عذب أدّى، فقال له رجل: ألم تزعم أنك لا تعطيه درهماً! قال: لا تعنّفني؛ إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أذينة بن كليب - أو كليب بن أذينة:
تصبر أبا يحيى فقد كنت علمنا ... صبوراً ونهاضاً بثقل المغارم
وق عليّ بن محمد: إنّما غضب عليه ابن هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هراة؛ إما عاملاً وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمرّ علي الحرشيّ، وأتى هراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحرشي، فكتب الحرشي إلى عامله: أن احمل إليّ معقلاً، فحمله، فقال له الحرشي: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هراة؟ قال: أنا عامل لابن هبيرة ولاني كما ولاك، فضربه مائتين وحلّقه. فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة، فكتب إلى الحرشي يلخنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللّخناء. وكتب إلى مسلم أن احمل إليّ الحرشي مع معقل بن عروة، فدفعه إليه، فأساء به وضيّق عليه، ثم أمره يوماً فعذبه، وقال: اقتله بالعذاب. فلما أمسى ابن هبيرة سمر فقال: من سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال: دعوا هذا، سيد قيس الكوثر بن زفر، لو بوّق بليل لوافاه عشرون ألفاً، لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبس - قد أمرت بقتله - فارسها؛ وأما خير قيس لها فعسى أن أكونه؛ إنه لم يعرض إليّ أمرٌ أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلا جررته إليهم، فقال له أعرابيّ من بني فزارة: ما أنت كما تقول، لو كنت كذلك ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل أن كف عما كنت أمرتك به.
قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: لمّا هرب ابنُ هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحرشيّ، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قبيض، فعرفه الحرشي فقال له: قبيض؟ قال: نعم، قال: أفي السفينة أبو المثنى؟ قال: نعم. قال: فخرج إليه ابنُ هبيرة، فقال له الحرشي: أبا المثنى، ما ظنك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلاً من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنّجاء.

قال عليّ: قال أبو إسحاق بن ربيعة: لما حبس ابن هبيرة الحرشيّ دخل عليه معقل بن عروة القشيري، فقال: أصلح الله الأمير! قيّدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براض عنه؛ غير أني لم أحبّ أن تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني وبينه، قدمت العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إليّ ببرذون حطم واستخف بأمري، وخان فعزلته، وقلت له: يا بن نَسْعة، فقال لي: يا بن بُسرة. فقال معقل: وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحرشي السجن، فقال: يا بن نسعة أمك دخلت واشتريت بثمانين عنزاً جرباً، كانت مع الرّعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها نداً لبنت الحارث بن عمرو بن حرجدة! وافترى عليه، فلما عزل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدى الحرشي على معقل ابن عروة، وأقام البينة أنه قذفه، فقال للحرشي: اجلده، فحده، وقال: لولا أنّ ابن هبيرة وهّن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأت إلى ابن عمك وقذفته، فأداله الله منك، فصرت لا شهادة لك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحدّ قذف الحرشي أيضاً، فأمر خالد بإعادة الحدّ، فقال القاضي: لا يُحدّ. قال: وأم عمر ابن هبيرة بُسرة بنت حسان، عدويّة من عديّ الرباب.
ولاية مسلم بن سعيد على خراسان وفي هذه السنة ولّى عمرُ بن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة بن عمرو بن خويلد الصعق خراسان بعد ما عزل سعيد بن عمرو الحرشي عنها.
ذكر الخبر عن سبب توليته إياها: ذكر عليّ بن محمد أنّ أبا الذيّال وعليّ بن مجاهد وغيرهما حدّثوه، قالوا: لما قتل سعيد بن أسلم ضمّ الحجاج ابنه مسلم بن سعيد مع ولده، فتأدّب ونبل، فلما قدم عديّ بن أرطاة أراد أن يوليه، فشاور كاتبه، فقال: وله ولايةً خفيفة ثم ترفعه، فولاه ولاية، فقام بها وضبطها وأحسن؛ فلما وقعت فتنة يزيد بن المهلب حمل تلك الأموال إلى الشام، فلما قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يولّيَه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، فنظر فرأى شيبةً في لحيته، فكبّر.
قال: ثم سمر ليلة ومسلم في سَمَرِه، فتخلف مسلم بعد السمار، وفي يد ابن هبيرة سفرجلة، فرمى بها، وقال: أيسرك أن أوليك خراسان؟ قال: نعم، قال: غدوة إن شاء الله. قال: فلما أصبح جلس، ودخل الناس؛ فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد، ودعا بجبلة بن عبد الرحمن مولى باهلة فولاّه كرمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولوية! كان مسلم يطمع أن ألي ولاية عظيمة فأوليه كورة، فعقد له على خراسان وعقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومائة - أو ثلاث ومائة - نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقاً، فأتى دار الدوابّ فوجد الباب مغلقاً فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقاً، فصلى. وخرج وصيفٌ من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلم الحرشي، وقيل له: قدم مسلم بن سعيد بن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميراً أو وزيراً أو زائراً؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائراً ولا وزيراً، فأتاه الحرشي فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهاراً قتل، فأمر بحبسه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلاً وقيّده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قيداً. فأتاه حزيناً، فقال: مالك؟ فقال: أمرت أن أزيدك قيداً، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيداً، فإن كان أمراً ممنّ فوقك فسمعاً وطاعةً، وإن كان رأياً رأيته فسيرك الحقحقة، وتمثل:
هم إن يثقفوني يقتلوني ... ومن أثقف فليس إلى خلود
ويروى:
فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود
هم الأعداء إن شهدوا وغابوا ... أولوا الأحقاد والأكباد سود
أريغوني إراغتكم فإني وحذقة كالشجا تحت الوريد
ويروى: " أريدوني إرادتكم " .
قال: وبعث مسلم على كوره رجلاً من قبله على حربها.

قال: وكان ابن هبيرة حريصاً، أخذ قهرماناً ليزيد بن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يدع منهم شريفاً إلا قرفه، فبعث أبا عبيدة العنبريّ ورجلاً يقال له خالد، وكتب إلى الحرشيّ وأمره أن يدفع الذين سمّاهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فردّ رسول ابن هبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلمّا قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي قرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان؛ لأنّ هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قرفوا بالباطل؛ إنما كان على مهزم بن جابر ثلثمائة ألف فزادوا مائة ألف فصارت أربعمائة ألف، وعامة من سموا لك ممن كثر عليه بمنزله.
فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفداً فيهم مهزم بن جابر، فقال له مهزم بن جابر: أيها الأمير؛ إن الذي رفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلا القليل الذي لو أخذنا به أديناه، فقال ابن هبيرة: " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، فقال: اقرأ ما بعدها: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " . فقال ابن هبيرة لا بد من هذا المال، قال: أما والله لئن أخذته لتأخذنه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك، وليضرّنّ ذلك بأهل خراسان في عدّتهم وكراعهم وحلقتهم؛ ونحن في ثغر نكابد فيه عدواً لا ينقضي حربهم؛ إنّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادم التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذي تخدمه لريح الحديد؛ وأنتم في بلادكم متفضلون في الرقاق وفي المعصفرة؛ والذين قرفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي: وقبلنا قوم قدموا علينا من كلّ فجّ عميق، فجاءوا على الحرمات، فولوا الولايات، فاقتطعوا الأموال؛ فهي عندهم موقرة جمة.
فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموالممن ذكر الوفد أنها عندهم. فلما أتى مسلماً كتابُ ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمروا الحارثيّ أن يعذّبهم، ففعل وأخذ منهم ما فرّق عليهم.
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي.
وكان العامل على مكة والمدينة والطائف في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري، وعلى العراق والمشرق عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة حسين بن الحسن الكندي، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.
ثم دخلت سنة خمس ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوة الجرّاح بن عبد الله الحكميّ اللاّن؛ حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بلَنجر، ففتح بعض ذلك، وجلى عنه بعض أهله، وأصاب غنائم كثيرة.
وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعاً.
وفيها غزا مسلم بن سعيد الترك، فلم يفتح شيئاً، فقفل ثم غزا أفشينة مدينة من مدائن السغد بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها.
ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مرزب بهرام سيس فجعله المرزبان. وأنّ مسلماً غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومائة، فلم يفتح شيئاً وقفل، فاتّبعه الترك فلحقوه، والنّاس يعبرون نهر بلْخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا. ومات يزيد بن عبد الملك، وقام هشام، وغزا مسلم أفشين فصالح ملكهاعلى ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومائة.
ذكر موت يزيد بن عبد الملكوفي هذه السنة مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، لخمس ليال بقين من شعبان منها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي.
وقال الواقديّ: كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق، وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة.
وقال بعضهم: كان ابن أربعين سنة.
وقال بعضهم: ابن ست وثلاثين سنة؛ فكانت خلافته في قول أبي معشر وهشام بن محمد وعليّ بن محمد أربعَ سنين وشهراً، وفي قول الواقديّ أربع سنين.

وكان يزيد بن عبد الملك يكنى أبا خالد؛ كذلك قال أبو معشر وهشام بن محمد والواقديّ وغيرهم.
وقال عليّ بن محمد: توفّي يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة خمس ومائة.
وقال: ومات بأربد من أرض البلقاء، وصلّى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بحمص؛ حدثني بذلك عمر ابن شبّة، عن عليّ.
وقال هشام بن محمد: توفّي يزيد بن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قال عليّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال رجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قصبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة.
ذكر بعض سيره وأموره حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: كان يزيد بن عاتكة من فتيانهم، فقال يوماً وقد طرب، وعنده حبابة وسلاّمة: دعوني أطير، فقالت حبابة: إلى من تدع الأمّة! فلما مات قالت سلاّمة القس:
لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بالخشوعِ
قد لعمري بت ليلى ... كأخي الداء الوجيع
ثم بات الهم مني ... دون من لي من ضجيع
للذي حل بنا اليو ... م من الأمر الفظيع
كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي
قد خلا من سيد كا ... ن لنا غير مضيع
ثم نادت: وا أمير المؤمنيناه! والشعر لبعض الأنصار.
قال عليّ: حجّ يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك فاشترى حبابة - وكان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال سليمان: هممت أن أحجر على يزيد؛ فردّ يزيد حبابة فاشتراها رجل من أهل مصر، فقالت سعدة ليزيد: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه بعد؟ قال: نعم حبابة، فأرسلت سعدة رجلاً فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وصنّعتها حتى ذهب عنها كلال السفر، فأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، فقالت: يا أمير المؤمنين، أبقي شيء من الدنيا تتمناه؟ قال: ألم تسأليني عن هذا مرّة فأعلمتُك! فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وخلتها عنده، فحظيت سعدة عند يزيد وأكرمها وحباها. وسعدة امرأة يزيد، وهي من آل عثمان بن عفان.
قال عليّ عن يونس بن حبيب: إن حبابة جارية يزيد بن عبد الملك غنت يوماً:
بين التراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئنّ وما تسوغ فتبرد
فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة، فمرضت وثقلت، فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال:
لئن تسل عنك النفس أو تذهل الهوى ... فباليأس يسلو القلب لا بالتجلد
وسمع جارية لها تتمثل:
كفى حزناً بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوي معطلة قفرا
فكان يتمثل بهذا.
قال عمر: قال عليّ: مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس؛ أشار عليه بذلك مسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناسِ.
خلافة هشام بن عبد الملكوفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان منها، وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني عليّ، قال: حدثنا أبو محمد القرشيّ وأبو محمد الزياديّ والمنهال بن عبد الملك وسحيم بن حفص العجيفي، قالوا: ولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين. وأمّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت حمقاء، أمرها أهلها ألاّ تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثني الوسائد وتركب الوسادة وتزجرها كأنها دابّة، وتشتري الكندر فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمت كل تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة؛ فطلقها عبد الملك لحمقها. وسار عبد الملك إلى مصعب فقتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسمّاه منصوراً، يتفاءل بذلك، وسمّته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، وكان هشام يكنى أبا الوليد.
وذكر محمد بن عمر عمّن حدّثه أنّ الخلافة أتت هشاماً وهو بالزيّتونة في منزله في دُويرة له هناك.

قال محمد بن عمر: وقد رأيتها صغيرة، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلّم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرصافة حتى أتى دمشق.
وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند - وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجماناً له - فلما عزل الجنيد بن عبد الرحمن، قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالماً الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة؛ فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم، ودخل إلى محمد بن عليّ. ومات ميسرة فوجه محمد بن عليّ بكير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه.
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، والنضريّ على المدينة.
قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن أبيه، قال: كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حجّ، فأرسل إلى عطاء بن أبي رباح: متى أخطب بمكة؟ قال: بعد الظهر، قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته إلاّ بعد الظهر، قال: فاستحيا إبراهيم بن هشام يومئذ، وعدّوه منه جهلاً.
ذكر ولاية خالد القسريّ على العراق
وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق، وولّى ذلك كلّه خالد بن عبد الله القسريّ في شوال.
ذكر محمد بن سلام الجمحيّ، عن عبد القاهر بن السريّ، عن عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده خالد بن عبد الله القمريّ، وهو يذكر طاعة أهل اليمن، قال: فصفّقت تصفيقةً بيدي دقّ الهواء منها، فقلت: تالله ما رأيتُ هكذا خطأ ولا مثله خطلاً! والله ما فتحت فتنة في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا أمير المؤمنين عثمان، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإنّ سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب، قال: فلما قمت تبعني رجلٌ من آل مروان كان حاضراً، فقال: يا أخا بني تميم، ورتْ بك زنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين مولٍّ خالداً العراق، وليست لك بدار.
ذكر عبد الرزاق أنّ حماد بن سعيد الصنعانيّ أخبره قال: أخبرني زياد بن عبيد الله، قال: أتيت الشأم، فاقترضت؛ فبينا أنا يوماً على الباب باب هشام، إذ خرج عليّ رجل من عند هشام، فقال لي: ممن أنت يا فتى؟ قلت: يمان، قال: فمن أنت؟ قلت: زياد بن عبيد الله بن عبد المدان، قال: فتبسم، وقال: قم إلى ناحية العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عني، وأمرني بالمسير، ووكّل بي من يخرجني قال: قلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبد الله القسريّ، قال: ومرهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر. فلما جزت قليلاً ناداني، فقال: يا فتى، وإن سمعت بي قد وليت العراق يوماً فالحق بي. قال: فذهبت إليهم، فقلت: إنّ الأمير قد أرسلني إليكم بأنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ وأمره بالمسير. فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبل رأسي، فلما رأيت ذلك منهم، قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، قالوا: إي والله وكرامة، قال: فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجود ثياباً منّي، ولا أجود مركباً منّي، فلم ألبث إلا يسيراً حتى قيل: قد وليَ خالد العراق، فركبني من ذلك همّ، فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهموماً! قلت: أجل قد وليّ خالد كذا وكذا، وقد أصبت ها هنا رزيقا عشت به، وأخشى أن أذهب إليه فيتغير عليّ فيفوتني ها هنا وها هنا، فلست أدري كيف أصنع! فقال لي: هل لك في خصلة؟ قلت: وما هي؟ قال: توكلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبت ما تحبّ فلي أرزاقك، وإلاّ رجعت فدفعتها إليك، فقلت نعم.
وخرجت، فلما قدمت الكوفة ليست من صالح ثيابي. وأذن للناس، فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت ودعوت وأثنيت، فرفع رأسه، فقال: أحسنت بالرّحب والسعة، فما رجعت إلى منزلي حتى أصبت ستمائة دينار بين نقد وعرض.

ثم كنت أختلف إليه، فقال لي يوماً: هل تكتب يا زياد؟ فقلت: أقرأ ولا أكتب، أصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك، وبقي لك واحدة فيها غنى الدّهر قال: قلت: أيها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: وماذا حينئذ! قلت: تشتري غلاماً كاتباً تبعث به إليّ فيعلّمني، قال: هيهات! كبرت عن ذلك، قال: قلت: كلاّ، فاشترى غلاماً كاتباً حاسباً بستين ديناراً، فبعث به إليّ، فأكببتُ على الكتاب، وجعلت لا آتيه إلا ليلاً، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبت ما شئت وقرأت ما شئت. قال: فإني عنده ليلة، إذ قال: ما أدري هل أنجحت من ذلك الأمر شيئاً؟ قلت: نعم، أكتب ما شئت، وأقرأ ما شئت، قال: إني أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذكونه، فإذا طومار، فقال: اقرأ هذا الطومار، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الريّ، فقال: اخرج فقد ولّيتك عمله، فخرجت حتى قدمت الريّ، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إليّ: إن هذا أعرابيّ مجنون، فإنّ الأمير لم يولّ على الخراج عربياً قطّ، وإنما هو عامل المعونة، فقل له: فليرّني على عملي وله ثلثمائة ألف، قال: فنظرتُ في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لا انكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الرّيّ، فظننت أنك جمعتها لي. فأرسل إليّ صاحب الخراج أن أقرّه على عمله ويعطيني ثلثمائة ألف درهم. فكتب إليّ أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنّك مغبون. فأقمت بها ما أقمت، ثم كتبت: إني قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولاّني الشرطة.
وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النضْريّ وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكنديّ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس. وقد قيل إن هشاماً إنما استعمل خالد بن عبد الله القسري على العراق وخراسان في سنة ست ومائة، وإن عامله على العراق وخراسان في سنة خمس ومائة كان عمر بن هبيرة.
ثم دخلت سنة ست ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضريّ وعن مكة والطائف، وولّى ذلك كله خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة ست ومائة، فكانت ولاية النضريّ على المدينة سنة وثمانية أشهر.
وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة.
وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللاّن، فصالح أهلها، وأدوا الجزية.
وفيها ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب.
وفيها مات الإمام طاوس مولى بخير بن ريسان الحميريّ بمكة وسالم بن عبد الله بن عمر، فصلى عليهما هشام. وكان موت طاوس بمكة وموت سالم بالمدينة.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، قال: مات سالم بن عبد الله سنة خمس ومائة في عقب ذي الحجة، فصلى عليه هشام بن عبد الملك بالبقيع، فرأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر جالساً عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا درّاعة، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام إليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قال: بخير، قال: إني أحب والله أن يجعلكم بخير. ورأى في الناس كثرة، فضرب عليهم بعث أربعة آلاف؛ فسمّي عام الأربعة الآلاف.
وفيها استقضى إبراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجمحيّ ثم عزله، واستقضى الصّلت الكنديّ.
ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعةوفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبروقان من أرض بلخ.
ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة

وكان سبب ذلك - فيما قيل - أنّ مسلم بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ الناس عنه؛ وكان ممن تباطأ عنه البختري بن درهم، فلما أتى النهر رد نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ وأبا حفص بن وائل الحنظليّ وعقبة بن شهاب المازني وسالم بن ذرابة إلى بلخ، وعليهم جميعاً نصر بن سيار، وأمرهم أن يخرجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البختري وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم من دخول بلخ - وكان عليها - وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البروقان، فأتاه أهل صغانيان، وأتاه مسلمة العقفانيّ من بني تميم، وحسان بن خالد الأسديّ؛ كلّ واحد منهما في خمسمائة، وأتاه سنان الأعرابيّ وزرعة بن علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميريّ في أهل بيته، وتجمّعت بكر والأزد بالبروقان، رأسهم البختري، وعسكر بالروقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصر إلى أهل بلخ: قد أخذتم أعطياتكم فألحقوا بأميركم، فقد قطع النهر. فخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم، وقال قوم من ربيعة: إن مسلم بن سعيد يريد أن يخلع؛ فهو يكرهنا على الخروج. فأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه شعراً قاله رجل عزا باهلة إلى تغلب - وكان بنو قتيبة من باهلة - فقالوا: إنّا من تغلب، فكرهت بكر أن يكونوا في تغلب فتكثر تغلب، فقال رجل منهم:
زعمت قتيبة أنها من وائل ... نسب بعيد يا قتيبة فاصعدي
وذكر أن بني معن من الأزد يدعون باهلة، وذكر عن شريك بن أبي قيلة المعنيّ أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بني معن، فيقول: لئن لمم نكن منكم ما نحن بعرب؛ وقال عمرو بن مسلم حين عزاه التغلبي إلى بني تغلب: أما القرابة فلا أعرفها، وأما المنع فإني سأمنعكم؛ فسفر الضّحاك بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني، وكلما نصراً وناشداه فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري على نصر، ونادوا: يا لَ بكر! وجالوا، وكر نصر عليهم؛ عليهم؛ فكان أوّل قتيل رجلٌ من باهلة، ومع عمرو بن مسلم البحتري وزياد بن طريف الباهليّ، فقتل من أصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلاً، وقتل كردان أخو الفرافصة ومسعدة ورجل من بكر بن وائل يقال له إسحاق، سوى من قتل في السكك، وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر: ابعث إلى بلعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال: خذْ لي أماناً منه، فآمنه نصر، وقال: لولا أني أشمت بك بكر بن وائل لقتلتك.
وقيل: أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة، فأتوا به نصراً في عنقه حبل، فآمنه نصر، وقال له ولزياد بن طريف والبختري بن درهم: الحقوا بأميركم.
وقيل: بل التقى نصر وعمرو بالبروقان، فقتل من بكر بن وائل واليمن ثلاثون، فقالت بكر: علام نقاتل إخواننا وأميرنا، وقد تقرّبنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا. وقاتلت الأزد، ثم انهموا ودخلوا حصناً فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم والبختريّ أحد بني عباد وزياد بن طريف الباهلي، فضربهم نصر مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:18 am

قال: وكان ينزل برزن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، وكان على خراج مرو الحسن بن شيخ، فبلغه أمره، فأخبر به أسد بن عبد الله، فدعا به - وكان معه رجل يكنى أبا موسى - فلما نظر إليه أسد، قال له: أعرّفك؟ قال: نعم، قال له أسد: رأيتك في حانوت بدمشق، قال: نعم، قال لزياد: فما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: رفع إليك الباطل، إنما قدمت خراسان في تجارة، وقد فرّقت مالي على الناس، فإذا صار إليّ خرجت. قال له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد إلى أمره، فعاود الحسن أسداً، وعظم عليه أمره، فأرسل إليه، فلما نظر إليه، قال: ألم أنهك عن المقام بخراسان! قال: ليس عليك أيها الأمير مني بأس، فأحفظه وأمر بقتلهم، فقال له أبو موسى: فاقض ما أنت قاض. فازداد غضباً، وقال له: أنزلتني منزلة فرعون! فقال له: ما أنزلتك ولكن الله أنزلك. فقتلوا، وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة، فلم ينجُ منهم يومئذ إلا غلامان استصغرهما، وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه.
وقال قوم: أمر أسد بزياد أن يحط وسطه، فمد بين اثنين، فضرب فنبا السيف عنه، فكبّر أهل السوق، فقال أسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحك السيف فيه، فأعطى أبا يعقوب سيفاً، فخرج في سراويل، والناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، فضربه ضربة أخرى، فقطعه باثنتين.
وقال آخرون: عرض عليهم البراءة، فمن تبرّأ منهم مما رفع عليه خلى سبيله، فأبى البراءة ثمانية منهم، وتبرأ اثنان.
فلما كان الغد أقبل أحدههما وأسد في مجلسه المشرف على السوق بالمدينة العتيقة، فقال: أليس هذا أسيرنا بالأمس! فأتاه، فقال له: أسألك أن تلحقني بأصحابي، فأشرفوا به على السوق، وهو يقول: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً؛ فدعا أسد بسيف بخاراخداه، فضرب عنقه بيده قبل الأضحى بأربعة أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيراً، فنزل على أبي النجم، فكان يأتيه الذين لقوا زياداً فيحدّثهم ويدعوهم، فكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان كثير أمياً، فقدم عليه خدّاش، وهو في قرية تدعى مرعم، فغلب كثيراً على أمره. ويقال: كان اسمه عمار فسمّى خدّاشاً، لأنه خَدش الدين.
وكان أسد استعمل عيسى بن شداد البرجمي إمرته الأولى في وجه وجّهه على ثابت قطنة، فغضب، فهجا أسداً، فقال:
أرى كل قوم يعرفون أباهم ... وأبو بجيلة بينهم يتذبذب
إني وجدت أبي أباك فلا تكن ... إلباً عليّ مع العدوّ تجلب
أرمي بسهمي من رماك بسهمه ... وعدو من عاديت غير مكذب
أسد بن عبد الله جلل عفوه ... أهل الذنوب فكيف من لم يذنب!
أجعلتني للبرجمي حقيبة ... والبرجمي هو اللئيم المحقب
عبد إذا استبق الكرام رأيته ... يأتي سكيناً حاملاً في الموكب
إني أعوذ بقبر كرز أن أرى ... تبعاً لعبد من تميم محقب
ولاية أشرس بن عبد الله على خراسانوفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس ابن عبد الله السلميّ، فذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذيّال العدويّ ومحمد بن حمزة، عن طرخان ومحمد بن الصلت الثقفيّ أن هشام بن عبد الملك عزل أسد بن عبد الله عن خراسان، واستعمل اشرس بن عبد الله السلميّ عليها، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسريّ - وكان أشرس فاضلاً خيّراً، وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم - فسار إلى خراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شرطته عميرة أبا أمية اليشكريّ ثم عزله وولّى السمط، واستقضى على مرو أبا المبارك الكنديّ، فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بن حيان، فأشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضياً حتى عزل أشرس.
وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهليّ، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه.
قال: وكان أشرس لما قدم خراسان كبّر الناس فرحاً به، فقال رجل:
لقد سمع الرحمن تكبير أمة ... غداة أتاها من سليم إمامها
إمام هدى وقوى لهم أمرهم به ... وكانت عجافاً ما تمخ عظامها

وركب حين قدم حماراً، فقال له حيان النبيطّ: أيها الأمير، إن كنت تريد أن تكون والي خراسان فاركب الخيل، وشدّ حزام فرسك، وألزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، وإلاّ فارجع. قال: أرجع إذن، ولا أقتحم النار يا حيّان. ثم أقام وركب الخيل.
قال عليّ: وقال يحيى بن حضين: رأيت في المنام قبل قدوم أشرس قائلاً يقول: أتاكم الوعر الصدر، العضيف الناهضة، المشئوم الطائر، فانتبهت فزعاً ورأيت في الليلة الثانية: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضة، المشئوم الطائر، الخائن قومه؛ غر، ثم قال:
لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم ... فهل من تلاف قبل دوس القبائل!
فإن صرفت عنهم به فلعله ... وإلا يكونوا من أحاديث قائل
وكان أشرس يلقب جغراً بخراسان.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره.
وقال الواقديّ: خطب الناس إبراهيم بن هشام بمنىً في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر. فقال سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحداً أعلم مني. فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية؛ أواجبة هي أم لا؟ فما درى أيّ شيء يقول له! فنزل.
وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هسام، وعلى البصرة والكوفة خالد بن عبد الله، وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة اليزني، وعلى شرطتها بلال بن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاريّ؛ من قبل خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بن عبد الله.
ثم دخلت سنة عشر ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك التّرك؛ سار إليهم نحو باب اللاّن حتى لقي خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريباً من شهر، وأصابهم مطر شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مسلمة فسلك على مسجد ذي القرنين.
وفيها غزا - فيما ذكر - معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبدالله بن عقبة الفهريّ. وكان على جيش البحر - فيما ذكر الواقديّ - عبد الرحمن بن معاوية بن حديج.وفي هذه السنة دعا الأشرس أهل الذّمة من أهل سمرقند ومن وراء النهر إلى الإسلام، على أن موضع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب.
ذكر الخبر عمّا كان من أمر أشرس
وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلكذكر أن الأشرس قال في عمله بخرسان: ابغوني رجلاً له ورع وفضل أوجهّه إلى من وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام. فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف، مولى بني ضبّة، فقال: لست بالماهر بالفارسية، فضموا معه الربيع بن عمران التميميّ، فقال أبو الصيداء: أخرج على شريطة أن من أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال، فقال أشرس: نعم قال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم.

فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بن أبي العمرّطة الكنديّ على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس: إن الخراج قد انكسر؛ فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوة للمسلمين؛ وقد بلغني أن أهل السُّغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام بعوّذاً من الجزية؛ فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن إسلامه، وقرأ سورة من القرآن، فارفع عنه خراجه. ثم عزل أشرس ابن أبي العمرّطة عن الخراج، وصيره إلى هانئ بن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابن أبي العمرطة لأبي الصيداء: لست من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئاً ولأشحيذ؛ فقام أبوا الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. فجاء دهاقين بخارى إلى أشرس فقالوا: ممن تأخذ الخراج، وقد صار الناس كلهم عرباً؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا؛ واعتزل من أهل السُّغد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميميّ والقاسم الشيبانيّ وأبو فاطمة الأزديّ وبشر بن جرموز الضِّبيّ وخالد بن عبد الله النحويّ وبشر بن زنبور الأزديّ وعامر بن قشير - أو بشير الخجنديّ وبيان العنبريّ وإسماعيل بن عقبة، لينصروهم.
قال: فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشرّ بن مزاحم السلميّ، وضم إليه عميرة بن سعد الشيبانيّ.
قال: فلما قدم المجشَّر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليس بغدر ما كان فبه حقن الدماء. وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده؛ فلما أبو الصيداء اجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقتاوا هانئاً، فقال لهم: كفوا حتى أكتب إلى أشرس فيأتينا رأيه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء، فضعف أمرهم، فتتبِّع الرّؤساء منهم فأخذوا، وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت محبوساً، وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوافة في الخراج، فألحّ هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم، وسلّط المجشر عميررة بن سعد على الدّهاقين، فأقيموا وخرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء، فكفرت السُّغد وبخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة فيحبس المجشر، حتى قدم نصر بن سيّار والياً على المجسر، فحمل ثابتاً إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثيّ فحبسه. وكان نصر بن سيّار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قطنة، وهو محبوس عند أشرس فقال:
ما هاج شوقك من نؤي وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار!
لم يبق منها ألام عرصتها ... ألا شجيج وإلا موقد النار
ومائل في ديار الحيّ بعدهم ... مثل الربيئة في أهدامه العارى
ديار ليلى قفار لا أنيس بها ... دون الحجون وأين الحجن من دارى!
بدلت منها وقد شطّ المزار بها ... وادى المخافة لا يسرى بها السارى
بين السماوة في حزم مشرقة ... ومعنق دوننا آذيه جار
نقارع الترك ما تنفك نائحةٌ ... منا ومنهم على ذي نجدة شار
إن كان ظني بنصر صادقاً أبداً ... فيما أدبّر من نقضي وإمراري
يصرف الجند حتى يستفئ بهم ... نبهاً عظيماً ويحوي ملك جبّار
وتعثر الخيل في الأقياد آونةً ... تحوي النّهاب إلى طلاّب أوتار
حتى يروها دوين السرح بارقة ... فيها لواء كظل الأجدل الضاري
لا يمنع الثغر إلا ذو محافظة ... من الخضارم سبّاق بأوتار
إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الوارى
لذاكر منك أمراً قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيّار

ناضلت عني نضال الحرِّ إذ قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري
وصار كل صديق كنت آمله ... ألباً على ورثَّ الحبل من جاري
وما تلَّبست بالأمر الذي وقعوا ... به علىّ ولا دنست أطماري
ولاعصيت إماماً كان طاعته ... حقّاً عليَّ ولا قارفت من عار
قال عليّ: وخرج أشرس غازياً فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر، وقّدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل السُّغد وأهل بخارى؛ معهم خاقان والترك، فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه، وجعل خاقان ينتخب كل يوم فارساً، فيعبر في قطعة من الترك النهر. وقال قوم: أقحموا دوابّهم عرياً، فعبروا وأغاروا على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمر فوجّهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمل حتى استنفذوا ما بأيديهم؛ ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلاً يقال له مسعود - أحد بني حيّان - في سريّة، فلقيهم العدو، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزم مسعود؛ حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم:
خابت سريّة مسعود وما غنمت ... إلا أفانين من شدٍّ وتقريب
حلُّوا بأرض قفار لا أنيس بها ... وهن بالسًّفح أمثال اليعاسيب
وأقبل العدو، فلما كانوا بالقرب لقيهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جولة، فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين، ثم كرّ المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون. ومضى أشرس بالناس؛ حتى نزل بيكند، فقطع العدوّ عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعواعنهم المياه منها، وعلى مقدمة المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبق في صف الرّباب إلا سبعة فكاد ضرار بن حصين يؤسر من الجهد الذي كان به، فحضّ الحارث بن سريج الناس فقال: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجراً عند الله من الموت عطشاً. فتقدّم الحارث بن سريج وقطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع، في فوارس من بني تميم وقيس، فقالوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا.
قال: فمر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهليّ، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في أثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنّط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقتل ثابت في عدّة من المسلمين؛ منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبديّ وعبد الملك بن دثار الباهليّ والوجيه الخراسانيّ والعقار بن عقبة العوديّ. فضم قطن بن قتيبه وإسحاق بن محمد بن حسان خيلاً من بني تميم وقيس؛ تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم فكشفوهم؛ وركبهم المسلمون يقاتلونهم؛ حتى حجزهم الليل، وتفرق العدوّ. فأتى أشرس بخارى فحصر أهلها.
قال عليّ بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدّثني هشام بن عمارة ابن القعقاع الضبيّ عن فضيل بن غزوان، قال: حدثّني وجيه البنانيّ ونحن نطوف بالبيت، قال: لقينا الترك، فقتلوا منّا قوماً، وصرعت وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقون حتى انتهوا إلىّ، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثراً هو واطئه، وأجلاً هو بالغه؛ فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة. فرجع إلى خرسان؛ فاستشهد مع ثابت.
قال: فقال الوزاع بن مائق: مرّ بي الوجيه في بلغين يوم أشرس، فقلت: كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قال: أصبحت بين حائر وحائز؛ اللهم لف بين الصفين؛ فخالطا القوم وهو منتكب قوسه وسيفه، مشتمل في طيلسان واستشهد واستشهد الهيثم بن المنخل العبديّ.

قال عليّ عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى أشرس والترك، قال ثابت قطنة: اللهم إنّي كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة؛ والله لا ينظر إلى بنو أمية مشدوداً في الحديد؛ فحمل وحمل أصحابه؛ فكذب أصحابه ثبت؛ فرمى برذونه فشبّ، وضربه فأقدم، وضرب فارتثّ؛ فقال وهو صريع: اللهم إني أصبحتُ ضيفاً لابن بسطام؛ وأمسيت ضيفك؛ فاجعل قراي من ثوابك الجنة.
قال عليّ: ويقال إن أشرس قطع النهر، ونزل بيكند؛ فلم يجد بها ماء؛ فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوا من قصر بخاراخداه - وكان منزله منهم على ميل - تلقّاهم ألف فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رهج الغبار، فلم يكن الرّجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه. قال فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بن قتيبة وغوزك من الدهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بخارى، وهم يرون أن أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى؛ فلم يلتقواإلا بعد يومين، ولحق غزوك في تلك الواقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قطن، فأرسل إليه قطن رجلاً،فصاحوا برسول قطن؛ ولحق بالترك.
قال: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بداً من اللحاق بهم. ويقال إن أشرس أرسل إلى غوزك يطلب منه طاساً، فقال لرسول أشرس: إنه لم يبق معي شيء أتدهن به غير الطاس، فاصفح عنه. فأرسل إليه: اشرب في قرعة، وابعث إلى بالطاس، ففارقه.
قال: وكان على سمرقند نصر بن سيار، وعلى خراجها عميرة بن سعيد الشيبانيّ، وهم محصورون وكان عميرة ممن قدم مع أشرس وأقبل قريش لبن أبي كهمس على فرس، فقال لقطن: قد نزل الأمير والناس؛ فام يفقد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر؛ وكان بينهم ميل.
ذكر وقعة كمرجةقال: ويقال إن أشرس نزل قريباً من مدينة بخارى على قدر فرسخ؛ وذلك المنزل يقال له المسجد؛ ثم تحول منه إلى مرج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة - أو شبابة - مولى قيس بن عبد الله الباهلي، وهم نزول بكمرجة - وكانت كمرجة من أشرف مدن خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته - فقال لهم: إن خاقان مار بكم غداً، فأرى لكم أن تظهروا عدتكم، فيرى جداً واحتشاداً، فينقطع طعمه منكم. فقال له رجل منهم: استوثقوا من هذا فإنه جاء ليفتّ في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه وفعلوا ما أمرهم به المولى، وصبّحهم خاقان، فلما حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى كأنه يريدها، فتحدر بجنوده من وراء تل بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهم، فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التلّ، فإذا جبل حديد: أهل فرغانة والطار بند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى. قال فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قنان الذهلي: هم يريدون مزاحفتكم فسربوا دوابكم المجففة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جردتموها فخذوا طريق الباب، وتسربوا الأول فالأول؛ فلما رآهم الترك يتسربون شدٌّوا عليهم في مضايق؛ وكانوا هم أعلم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلاً كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم عل الباب الخارج من الخندق فدخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجلٌ من العرب بحزمة قصب قد أشعلها فرمى بها وجوههم قال: فتنحوا، وأخلوا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوا انصرف الترك وأحرق العرب القنطرة، فأتاهم خسرو بن يزد جرد في ثلاثين رجلاً، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد على مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف.

قال: وجاءهم بازغرى في مائتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمنونا حتى ندنو منكم، وأشرفوا عليه ومعه أسراء من العرب، فقال بازغرى: يا معشر العرب، أحدروا إليّ رجلاً منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيباً مولى مهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم فقال: أحدروا إليّ رجلاً يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدو شدواً من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل من كان عطاؤه منكم ستمائة ألفاً، ومَن كان عطاؤه ثلثمائة ستمائة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم؛ كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغرى، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغرى إلاّ أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النصف معه؛ فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال، فقال له: أعرض على القوم ما تراضينا به، وأقبل فأخذ بطرف الحبل فجذبوه حتى صار على سور المدينة، فنادى: يا أهل كمرجة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين، قالوا: نموت جميعاً قبل ذلك. قال: فأعلموهم.

قال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادي بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أ،تم عندنا إلاّ بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حميد النضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تكلَّم؟ قال: عليّ رقباء، وأمر خاقان بقطع الشجر، فجعلوا يلقون الحطب الرطب، ويلقى أهل كمرجة الحطب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريح شديدة - صنعاً من الله عزّ وجلّ - قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فأوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابت بازغرى نشابة في سرّته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رءوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم. فلما امتدّ النهار جاءوا بالأسرى وهم مائة؛ فيهم أبو العوجاء العتكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورموا إليهم برأس الحجاج ابن حميد النضريّ. وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: من لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم؛ فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلفي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجب أنه لم يبق ملك فيما وراء النهر إلاّ قاتل بكمرجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهل كمرجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فرغانة. فعير خاقان أهل السغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حماراً، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهرين. وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جهداً، ولكن أحضرنا غداً فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطاربند؛ فاستأذنه في القتال والدّحول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتين من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثلمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خرق يفضي إلى الثلمة، وفي البيت رجل من بني تميم مريض، فرماه بكلوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجل يحجر؛ فأصاب أصل أذنه فصرع، وطعنه رجل فقتله. وجاء شاب أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صناعاً، وألصقوها بحائط الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبواباً له؛ فأقعدوا الرماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائيّ عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجيّ فلم يخطىء قصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبتية، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب ابن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقان شيء أشد منه.
قال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو ترحلهم عنها. فقال له كليب بن قنان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سمرقند أو الدبوسية، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خروجكم من هذه المدينة.

قال: ورأى أهل كمرجة ما هم فيه من الحصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سمرقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطائيّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بعثت إلى سمرقند؛ فاحملني، فقال: ما أجد دابة إلا بعض دواب خاقان، فإن له في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعاً إلى تلك الروضة، فأخذ برذوناً فركبه، وكان إلفه برذون آخر، فتبعه فأتى سمرقند من ليلته، فأخبرهم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدبوسية، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألاّ يعرضوا لهم، وسألوهم رجلاً من الترك يتقوّون به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا من شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حيث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السغد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطهم أماناً يخرجون عنها، ويرون أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه؛ فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.
قال: فصار الرهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سمرقند - وكان الرهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال كورصول للعرب: ارتحلوا، قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب.
قال: فكفّ عنهم؛ حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقال: إنما الشدة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسباع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خلف كل رجل من الترك رجلاً من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قباء، فساروا بهم.
ثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبوسية فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدبوّسية قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمع. فظنوا أن كمرجة قد فتحت. وأن خاقان قصد لهم. قال: وقرينا منهم وقد تأهبوا للحرب؛ فوجه كليب بن قنان رجلاً من بني ناجية يقال له الضّحاك على برذون يركض، وعلى الدبوسية عقيل بن ورّاد السغذي، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبوسية يركضون، فحمل من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحاً.
ثم إن كليباً أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درهم ليعلما سباع ابن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلّوا عن الرهن؛ فجعلت العرب ترسل رجلاً من الرهن الذين في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلاً من الرهن الذين في أيديهم من العرب؛ حتى بقي سباع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر، فقال سباع: خلوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقت برأيك فيّ، وقلت: ترفع نفسك عن الغدر في مثل هذا؛ فوصله وسلّحه وحمله على برذون، وردوه إلى أصحابه.
قال: وكان حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوماً، فيقال إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوماً.
قال: وكان خاقان قسم في أصحابه الغنم، فقال: كلوا لحومها واملئوا جلودها تراباً، واكبسوا خندقكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم.
وكان مع أهل كمرجة قوم من الخوارج، فيهم ابن شنجٍ مولى بني ناجية.
ذكر ردّة أهل كردر
وفي هذه السنة ارتدّ أهل كردر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم؛ وقد كان الترك أعانوا أهل كردر؛ فوجّه أشرس إلى من قرب من كردر من المسلمين ألف رجل ردءاً لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفروا بأهل كردر. وقال عرفجة الدارميّ:
نحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر
فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر

وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بردة؛ فجمع ذلك كله له، وعزل به ثمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء.
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بن عبد الله.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيساريّة.
قال الواقديّ: غزا سنة إحدى عشرة ومائة على جيش البحر عبد الله بن أبي مريم، وأمّر هشام على عامّة الناس من أهل الشام ومصر الحكم بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف.
وفيها سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم.
وفيها ولّى هشام الجرّاح بن عبد الله الحكميّ على أرمينية.
وفيها عزل هشام أشرس بن عبد الله السلمي عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن المرّيّ.
ذكر السبب الذي من أجله
عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد
ذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذّيال، قال: كان سبب عزل أشرس أنّ شدّاد بن خالد الباهليّ شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان سنة إحدى عشرة ومائة.
قال: وكان سبب استعماله إيّاه أنه أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشاماً، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد؛ فسأله أكثر من تلك الدوابّ فلم يفعل؛ فقدم خراسان في خمسمائة - وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارى والسغد - فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر، فدل على الخطاب بن محرز السلميّ خليفة أشرس، فلما قدم آمل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من يزم ومن حوله؛ فيقدموا عليه، فأبى وقطع النهر، وأرسل إلى أشرس أن أمدني بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانيّ، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسغد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجنيد، فدخل عامر حائطاً حصيناً، فقاتلهم على ثلمة الحائط، ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم؛ ابن أخي الأسود بن كلثوم؛ فرماه رجل من العدوّ بنشابة، فأصاب عرض منخره، فأنفذ المنخرين، فقال له عامر بن مالك: يا أبا الزاهرية؛ كأنك دجاجة مقرّق. وقتل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة، وخاقان على تلّ خلفه أجمةٌ، فخرج عاصم بن عمير السمرقندي وواصل بن عمرو القيسيّ في شاكريّة، فاستدارا حتى صارا من وراء ذلك الماء، فضمّوا خشباً وقصباً وما قدروا عليه، حتى اتخذوا رصفاً، فعبروا عليه فلم يشعر خاقان إلا بالتكبير، وحمل واصل والشاكرية على العدو فقاتلوهم؛ فقتل تحت واصل برذون، وهزم خاقان وأصحابه.
وخرج عامر بن مالك من الحائط، ومضى إلى الجنيد وهو في سبعة آلاف؛ فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعليّ مقدّمة الجنيد عمارة بن حريم. فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند، تلقته خيل الترك فقاتلهم؛ فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه، ثم أظهره الله؛ فسار حتى قدم العسكر. وظفر الجنيد، وقتل الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند؛ وقطن ابن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارى - وكان ينزلها - فأسر ملك الشاش، وأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة؛ فبعث به إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشّر بن مزاحم على مرو، وولّى سورة بن الحر من بني أبان بن دارم بلخ، وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عمارة بن معاوية العدويّ ومحمد بن الجرّاح العبديّ وعبد ربه بن أبي صالح السلميّ إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا؛ فتواقفوا بالترمذ، فأقاموا بها شهرين.

ثم أتى الجنيد مرو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام مترف، هزمني العام وأنا مهلكه في قابل؛ فاستعمل الجنيد عمّاله، ولم يستعمل إلا مضرياً؛ استعمل قطن بن قتيبة على بُخارى، والوليد بن القعقاع العبسيّ على هراة، وحبيب بن مرّة العبسيّ على شرطه، وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن الباهليّ. وكان نصر بن سيار على بلخ؛ والذي بينه وبين الباهليين متباعد لما كان بينهم بالبروقان، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائماً، فجاءوا به في قميص ليس عليه سراويل، ملبياً، فجعل يضمّ عليه قميصيه، فاستحيا مسلم، وقال: شيخ من مضر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجنيد مسلماً عن بلخ، وولاها يحيى بن ضبيعة، واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خالد الباهليّ، وكان مع الجنيد السمهريّ بن قعنب.
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ؛ وكان إليه من العمل في هذه السنة التي قبلها؛ وقد ذكرت ذلك قبل.
وكان العامل على العراق خالد بن عبد الله، وعلى خراسان الجنيد بن عبد الرحمن.
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة، وحرق فرنديّة من ناحية ملطية.
ذكر خبر قتل الجراح الحكميوفيها سار الترك من الّلاّن فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحكميّ فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان، فلم يتتامّ إليه جيشه؛ فاستشهد الجرّاح ومن كان معه بمرج أردبيل؛ وافتتحت الترك أردبيل؛ وقد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية.
ذكر محمد بن عمر أنّ الترك قتلت الجراح بن عبد الله ببلنجر، وأن هشاماً لما بلغه خبره دعا سعيد بن عمرو الحرشيّ، فقال له: إنه بلغني أن الجرّاح قد انحاز عن المشركين، قال: كلاّ يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، ولكنه قتل، قال: فما الرأي؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دوابّ البريد؛ ثم تبعث إليّ كلّ يوم أربعين دابّة عليها أربعون رجلاً، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونني. ففعل ذلك هشام.
فذُكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثة جموع وفوداً إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذمّة، فاستنقذ الحرشي ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم.
وذكر عليّ بن محمد أنّ الجنيد بن عبد الرحمن قال في بعض ليالي حربه الترك بالشعب: ليلة كليلة الجراح ويوم كيومه؛ فقيل له: أصلحك الله! إن الجرّاح سير إليه فقتل أهل الحجى والحفاظ، فجنّ عليه الليل، فانسل الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذربيجان، وأصبح الجرّاح في قلة فقتل.
وفي هذه السنة وجه هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار في شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم - فيما ذكر - حتى جاز الباب في آثارهم، وخلّف الحارث بن عمرو الطائيّ بالباب.
ذكر وقعة الجنيد مع التركوفي هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشعب. وفيها قتل سورة بن الحر؛ وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازياً في سنة اثنتي عشرة ومائة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة ابن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفاً وإبراهيم بن بسام الليثيّ في عشرة آلاف في وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ أحد بني أبان بن دارم، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم فما قدرتُ أن أمنع حائط سمرقند؛ فالغوث! فأمر الجنيد الناس بالعبور، فقام إليه المجشر بن مزاحم السلميّ وابن بسطام الأزديّ وابن صبح الخرقيّ، فقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفاً ولا زحفاً، وقد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ والبختريّ بهراة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بن حريم غائب. وقال له المجشّر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقلّ من خمسين ألفاً؛ فاكتب إلى عمارة فليأتك، وأمهل ولا تعجل، قال: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين! لو لم أكن إلاّ في بني مرة، أو من طلع معي من أهل الشام لعبرت. وقال:
أليس أحقّ الناس أن يشهد الوغى ... وأن يقتل الأبطال ضخم على ضخم.
وقال:

ما علّتي ما علّتي ما علّتي! ... إنْ لم أقاتلهم فجزوا لمتي
قال: وعبر فنزل كسّ؛ وقد بعث الأشهب بن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم، فرجع إليه وقال: قد أتوك فتأهب للمسير.
وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كسّ وما فيه من الركايا فقال الجنيد: أيّ الطريقين إلى سمرقند أمثل؟ قالوا: طريق المحترقة. قال المجشر بن مزاحم السلميّ: القتل بالسيف أمثل من القتل بالنار؛ إن طريق المحترقة فيه الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيت خاقان أحرق ذلك كله، فقتلنا بالنار والدخان؛ ولكن خذ طريق العقبة، فهو بيننا وبينهم سواء.
فأخذ الجنيد طريق العقبة، فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته، وقال: إنه كان يقال: إنّ رجلاً من قيس مترفاً يهلك على يديه جند من جنود خراسان؛ وقد خفنا أن تكونه. قال: أفرخ روعك، فقال المجشر: أمّا إذا كان بيننا مثلك فلا يفرخ. فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حين أصبح؛ فصار الجنيد بين مرتحل ومقيم؛ فتلقى فارساً ، فقال: ما اسمك؟ فقال: حرب؛ قال: ابن من؟ قال: ابن محربة، قال: من بني من؟ قال: من بني حنظلة، قال: سلط الله عليك الحرب والحرَب والكلَب. ومضى بالناس حتى دخل الشعب وبينه وبين مدينة سمرقند أربعة فراسخ، فصبّحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه أهل السغد والشاش وفرغانة وطائفة من الترك. قال: فحمل خاقان على المقدّمة وعليها عثمان ابن عبد الله بن الشخير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم؛ وجاءوهم من كلّ وجه؛ وقد كان الإخريد قال للجنيد: ردّ الناس إلى العسكر؛ فقد جاءك جمع كثير؛ فطلع أوائل العدوّ والناس يتغدون، فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيان، فكره أن يعلم الناس حتى يفرغوا من غدائهم؛ والتفت أبو الذيّال، فرآهم، فقال: العدوّ! فركب النّاس إلى الجنيد، فصبّر تميماً والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة ممايلي الجبل؛ وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حبان، وعلى المجرّدة عمر - أو عمرو - بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقري، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو المعنيّ؛ وعلى خيلهم: المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله بن حوذان؛ أحدهما على المجفّفة، والآخر على المجرّدة - ويقال: بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضميّ - فالتقوا وربيعة ممّايلي الجبل في مكان ضيق؛ فلم يقدم عليهم أحد؛ وقصد العدوّ للميمنة وفيها تتميم والأزد في موضع واسع فيه مجال للخيل. فترجّل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيان، انطلق إلى أخيك فإنه حدث وأخاف عليه. فأبى، فقال: يا بني، إنك إن قتلت على حالك هذه قتلت عاصياً. فرجع إلى الموضع الذي خلّف فيه أخاه والبرذون؛ فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شدّ البرذون، فقطع حيان مقوده وركبه؛ فأتى العدوّ؛ فإذا العدوّ قد أحاط بالموضع الذي خلف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجنيد بنصر بن سيار في سبعة معه؛ فيهم جميل بن غزوان العدويّ، فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدّوا على العدوّ فكشفوهم ثم كرّوا عليهم؛ فقتلوا جميعاً، فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك الموضع، وقتل عبيد الله بن زهير وابن حوذان وابن جرفاس والفضيل بن هناد.
وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزد - وقد كان جفاهم - فقال له صاحب راية الأزد: ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا؛ ولكنك قد علمت أنه لا يوصل إليك ومنّا رجل حيّ؛ فإن ظفرنا كان لك؛ وإن هلكنا لم تبك علينا. ولعمري لئن ظفرنا وبقيت لا أكلمك كلمة أبداً. وتقدّم فقتل. وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل، فتداول الراية ثمانية عشر رجلاً منهم فقتلوا، فقتل يومئذ ثمانون رجلاً من الأزد.

قال: وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا؛ فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئاً، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، حتى مل الفريقان فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بن مجاعة العتكيّ ومحمد بن عبد الله بن حوذان الجهضميّ، وعبد الله بن بسطام المعنيّ وأخوه زنيم والحسن بن شيخ والفضيل الحارثيّ - وهو صاحب الخيل - ويزيد بن المفضّل الحدانيّ؛ وكان حجّ فأنفق في حجه ثمانين ومائة ألف؛ فقال لأمه وحشيّة: ادعى الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له، وغشي عليه؛ فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوماً، وقاتل معه عبدان له؛ وقد كان أمرهما بالانصراف فقتلا؛ فاستشهدا.
قال: وكان يزيد بن المفضل حمل يوم الشعب على مائة بعير سويقاً للمسلمين؛ فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل؛ فاستقدم وهو يقول: لا إله إلا الله؛ فقاتل حتى قتل.
وقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حوذان وهو على فرس أشقر، عليه تجفاف مذهب، فحمل سبع مرات يقتل في كلّ حملة رجلاً، ثم رجع إلى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه ترجمان للعدوّ: يقول لك الملك: لا تقبل وتحوّل إلينا؛ فنرفض صنمنا الذي نعبده ونعبدك؛ فقال محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده. فقاتل واستشهد.
وقتل جشم بن قرط الهلاليّ من بني الحارث، وقتل النضر بن راشد العبديّ؛ وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرّجاً بالدماء؟ فشقّت جيبها ودعت بالويل؛ فقال: حسبك، لو أعولت عليّ كلّ أنثى لعصيتها شوقاً إلى الحور العين؛ ورجع فقاتل حتى استشهد رحمه الله. قال: فبينا النّاس كذلك إذ أقبل رهج، فطلعت فرسان؛ فنادى منادي الجنيد: الأرض، الأرض! فترجّل وترجّل الناس، ثم نادى منادي الجنيد: ليخندق كلّ قائد على حياله؛ فخندق الناس. قال: ونظر الجنيد إلى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدوّ، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكية، قال: ألسان البقرة! لله درّه أيّ رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزد مائة وتسعون.
وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة، فأرسل الجنيد إلى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكريّ أن يقف في الناحية التي تلي كس ويحبس من مرّ به، ويحوز الأثقال والرّجالة؛ وجاءت الموالي رجّالة، ليس فيهم غير فارس واحد والعدوّ يتبعونهم؛ فثبت عبد الله بن معمر للعدوّ، فاستشهد في رجال من بكر، وأصبحوا يوم السبت، فأقبل خاقان نصف النهار؛ فلم ير موضعاً للقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كثرونا، فخلّ عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنة، إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم؛ ولكن دعوهم حتى يقبوا. ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجنيد، وقال خاقان يومئذ: إنّ العرب إذا أحرجوا استقتلوا؛ فخلوهم حتى يخرجوا؛ ولا تعرضوا لهم؛ فإنكم لا تقومون لهم.
وخرج جوار للجنيد يولولن؛ فانتدب رجال من أهل الشام، فقالوا: الله الله يأهل خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد: ليلة كليلة الجراح، ويوم كيومه.
ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ
وفي هذه السنة قتل سورة بن الحر التميمي.
ذكر الخبر عن مقتله ذكر عليّ عن شيوخه، أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد: اختر بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سورة أهون عليّ، قال: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند؛ فإن الترك إن بلغهم أن سورة قد توجه إليك انصفروا إليه فقاتلوه. فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم - وقيل: كتب أغثني - فقال عبادة بن السليل المحاربيّ أبو الحكم بن عبادة لسورة: انظر أبرد بيت بسمرقند فنم فيه، فإنك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير أم رضي. وقال له حليس بن غالب الشيبانيّ: إن الترك بينك وبين الجنيد؛ فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك.
فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج؛ فكتب إليه الجنيد: يا بن اللخناء، تخرج وإلا وجهت إليك شدّاد بن خالد الباهليّ - وكان له عدواً - فاقدم وضع فلاناً بفرخشاذ في خمسمائة ناشب، والزم الماء فلا تفارقه.

فأجمع على المسير، فقال الوجف بن خالد العبديّ: إنك لمهلك نفسك والعرب بمسيرك؛ ومهلك من معك، قال: لا يخرج حملي من التنور حتى أسير؛ فقال له عبادة وحليس: أما إذ أبيت إلا المسير فخذ على النهر، فقال: أنا لا أصل إليه على النهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه؛ فإذا سكنت الزّجل سرت فأعبره.
فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سورة بالرحيل؛ واستخلف على سمرقند موسى بن أسود؛ أحد بني ربيعة بن حنظلة، وخرج في اثني عشر ألفاً، فأصبح على رأس جبل؛ وإنما دلّه على ذلك الطريق علج يسمى كارتقبد؛ فتلقّاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ: فقال أبو الذيّال: قاتلهم في أرض خوارة، فصبر وصبروا حتى اشتدّ الحرّ.
وقال بعضهم: قال له غوزك: يومك يوم حار فلا تقاتلهم حتى تحمى عليهم الشمس وعليهم السلاح تثقلهم. فلم يقاتلهم خاقان؛ وأخذ برأي غوزك، وأشعل النار في الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء، فقال سورة لعبادة: ما ترى يا أبا السليل؟ قال: أرى والله أنه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة؛ فاعقر هذه الدوابّ وأحرق هذا المتاع، وجرّد السيف؛ فإنهم يخلّون لنا الطريق. قال أبو الذيّال: فقال سورة لعبادة: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي، قال: فما ترى الآن؟ قال: أن ننزل فنشرع الرماح، ونزحف زحفاً، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر، قال: لا أقوى على هذا؛ ولا يقوى فلان وفلان... وعدّد رجالاً؛ ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكّهم؛ سلمت أم عطيت؛ فجمع الناس وحملوا فانكشفت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:20 am

قال: فأخذ برأيه فخلّف في سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في ثمانمائة: أربعمائة فارس وأربعمائة راجل، وأعطاهم سلاحاً. فشتم الناس عبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم، وقالوا: عرّضنا لخاقان والترك، ما أراد إلا هلاكنا! فقال عبيد الله بن حبيب لحرب بن صبح: كم كانت لكم الساقة اليوم؟ قال: ألف وستمائة، قال: لقد عرضنا للهلاك. قال: فأمر الجنيد بحمل العيال.
قال: وخرج والناس معه، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسيّ وزياد ابن خبران الطائيّ، فسرح الجنيد الأشهب بن عبيد الحنظليّ، ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له: كلما مضيت مرحلة فسرح إلى رجلاً يعلمني الخبر.
قال: وسار الجنيد؛ فلما صار بقصر الريح أخذ عطاء الدبوسي بلجام الجنيد وكبحه، فقرع رأسه هارون الشاشيّ مولى بني حازم بالرمح حتى كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خلّ عن الدبوسيّ، وقال له: مالك يا دبوسيّ؟ فقال: انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلحه سلاحاً تاماً، وقلده سيفاً وجعبة وترساً، وأعطه رمحاً، ثم سر بنا على قدر مشيه؛ فإنا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجّالة. ففعل ذلك الجنيد؛ فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكرمينية، أوّل يوم من رمضان. فلما ارتحل الجنيد من كرمينية قدم محمد بن الرنديّ في الأساورة آخر الليل؛ فلما كان في طرف مفازة كرمينية رأى ضعف العدوّ؛ فرجع إلى الجنيد فأخبره؛ فنادى منادي الجنيد: ألا يخرج المكتبون إلى عدوّهم؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادى رجل: أيها الناس، صرتم حرورية فاستقتلتم. وجاء عبد الله بن أبي عبد الله إلى الجنيد يضحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: إنه ضحك تعجباً، فالحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطّشة؛ فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار، كالتين وأنت معك الزّاد؛ فقاتلوا قليلاً ثم رجعوا. وكان عبد الله بن أبي عبد الله قال للجنيد وهم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: وهل من حيلة؟ قال: نعم، تمضي برايتك قدر ثلاث غلاء، فإنّ خاقان ودّ أنك أقمت فينطوي عليك إذا شاء. فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبي عبد الله على الساقة. فأرسل إليه: انزل، قال: أنزل على غير ماء! فأرسل إليه: إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك؛ فنزل وأمر الناس أن يسقوا، فذهب الناس الرجّالة والناشبة؛ وهم صفّان؛ فاستقوا وباتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله بن أبي عبد الله: إنكم معشر العرب أربعة جوانب؛ فليس يعيب بعضهم بعضاً؛ كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدّمة - وهم القلب - ومجنبتان وساقة؛ فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانباً منكم - وهم الساقة - كان بواركم، وبالحري أن يفعل؛ وأنا أتوقع ذلك في يومي، فشدوا الساقة بخيل. فوجه الجنيد خيل بني تميم والمجفّفة، وجاءت الترك فمالت على الساقة؛ وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلم بن أحوز على رجل من عظماء الترك فقتله. قال: فتطيّر الترك، وانصرفوا من الطواويس؛ ومضى المسلمون؛ فأتوا بخارى يوم المهرجان. قال: فتلقونا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشرة عشرة، فقال عبد المؤمن بن خالد: رأيت عبد الله بن أبي عبد الله بعد وفاته في المنام، فقال: حدّث الناس عني برأيي يوم الشعب.
قال: وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله، ويقول: ربذة من الربذ، صنبور ابن صنبور، قل ابن قلّ، هيفة من الهيف - وزعم أن الهيفة الضبع، والعجرة الخنزيرة، والقلّ: الفرد - قال: وقدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهليّ في أهل البصرة وعبد الرحمن بن نعيم الغامديّ في أهل الكوفة وهو بالصغانيان، فسرح معهم الحوثرة بن يزيد العنبريّ فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم، وأمرهم أن يحملوا ذراريّ أهل سمرقند، ويدعوا فيها المقاتلة. ففعلوا.
قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة.
وقال نصر بن سيّار يذكر يوم الشعب وقتال العبيد:
إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن تحسدوني على مثل البلاء لكم ... يوماً فمثل بلائي جرّ لي الحسدا

يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا
أرمي العدو بأفراس مكلمة ... حتى اتخذن على حسادهن يدا
من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا!
فما حفظتم من الله الوصاة ولا ... أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا
ولا نهاكم عن التوثاب في عتب ... إلا العبيد بضرب يكسر العمدا
هلا شكرتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا!
وقال ابن عرس العبديّ، يمدح نصراً يوم الشعب ويذم الجنيد؛ لأن نصراً أبلى يومئذ:
يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع
فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا
يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع
ما زلت ترميهم بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا
فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع
وقال الشرعبيّ الطائيّ:
تذكرت هنداً في بلاد غريبة ... فيا لك شوقاً، هل لشملك مجمع!
تذكرتها والشاش بيني وبينها ... وشعب عصام والمنايا تطلع
بلاد بها خاقان جم زحوفه ... ونيلان في سبعين ألفاً مقنع
إذا دب خاقان وسارت جنوده ... أتتنا المنايا عند ذلك شرع
هنالك هند مالنا النصف منهموما إن لنا يا هند في القوم مطمع
ألا رب خود خدلة قد رأيتها ... يسوق بها جهم من السغد أصمع
أحامي عليها حين ولى خليلها ... تنادي إليها المسلمين فتسمع
تنادي بأعلى صوتها صف قومها ... ألا رجل منكم يغار فيرجع!
ألا رجل منكم كريم يردني ... يرى الموت في بعض المواطن ينفع!
فما جاوبوها غير أن نصيفها ... بكف الفتى بين البرازيق أشنع
إلى الله أشكو نبوة في قلوبها ... ورعباً ملا أجوافها يتوسع
فمن مبلغ عني ألوكاً صحيفة ... إلى خالد من قبل أن نتوزع
بأن بقايانا وأن أميرنا ... إذا ما عددناه الذليل الموقع
هم أطمعوا خاقان فينا وجنده ... ألا ليتنا كنا هشيماً يزعزع
وقال ابن عرس - واسمه خالد بن المعارك من بني غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى. وذكر عليّ بن محمد عن شيخ من عبد القيس أنّ أمه كانت أمة، فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بني عامر بن الحارث؛ فأعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب؛ كم لي عندك من المال؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: أنت حر وما في يديك لك. قال: فكان عمرو ينزل مرو الروذ؛ وقد اقتتلت عبد القيس في ابن عرس؛ فردوّه إلى قومه، فقال ابن عرس للجنيد:
أين حماة الحرب من معشر ... كانوا جمال المنسر الحارد!
بادوا بآجال توافوا لها ... والعائر الممهل كالبائد
فالعين تجري دمعها مسبلاً ... ما لدموع العين من ذائد
انظر ترى للميت من رجعة ... أم هل ترى في الدهر من خالد!
كنا قديماً يتقى بأسنا ... وندرأ الصادر بالوارد
حتى منينا بالذي شامنا ... من بعد عز ناصر آئد
كعاقر الناقة لا ينثني ... مبتدئاً ذي حنق جاهد
فتقت ما لم يلتئم صدعه ... بالجحفل المحتشد الزائد
تبكي لها إن كشفت ساقها ... جدعاً وعقراً لك من قائد!
تركتنا أجزاء معبوطة ... يقسمها الجازر للناهد
ترقت الأسياف مسلولة ... تزيل بين العضد والساعد
تساقط الهامات من وقعها ... بين جناحي مبرق راعد
إذ أنت كالطفلة في خدرها ... لم تدر يوماً كيدة الكائد

إنا أناس حربنا صعبة ... تعصف بالقائم والقاعد
أصحت سمرقند وأشياعها ... أحدوثة الغائب والشاهد
وكم ثوى في الشعب من حازم ... جلد القوى ذي مرة ماجد
يستنجد الخطب ويغشى الوغى ... لا هائب غس ولا ناكد
ليتك يوم الشعب في حفرة ... مرموسة بالمدر الجامد
تلعب بك الحرب وأبناؤها ... لعب صقور بقطاً وارد
طار لها قلبك من خيفة ... ما قلبك الطائر بالعائد
لا تحسبن الحرب يوم الضحى ... كشربك المزاء بالبارد
أبغضت من عينك تبريجها ... وصورة في جسد فاسد
جنيد ما عيصك منسوبة ... نبعاً ولا جدك بالصاعد
خمسون ألفاً قتلوا ضيعة ... وأنت منهم دعوة الناشد
لا تمرين الحرب من قابل ... ما أنت في العدوة بالحامد
قلدته طوقاً على نحره ... طوق الحمام الفرد الفارد
قصيدة حيزها شاعر ... تسعى بها البرد إلى خالد
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وقد قيل: إن الذي حجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام.
وكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها الذين كانوا في سنة إحدى عشرة ومائة، وقد ذكرناهم قبل.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
قتل عبد الوهاب بن بخت فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بخت، وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم؛ فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر؛ أن عبد الوهاب بن بخت غزا مع البطّال سنة ثلاث عشرة ومائة، فانهزم الناس عن البطّال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكرّ فرسه وهو يقول: ما رأيت فرساً أجبن منه، وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك. ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت؛ أمن الجنة تفرّون! ثم تقدّم في نحور العدوّ؛ فمرّ برجل وهو يقول: واعطشاه! فقال: تقدّم؛ الريّ أمامك؛ فخالط القوم فقتل وقتل فرسه.
ومن ذلك ما كان من تفريق مسلمة بن عبد الملك الجيوش في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبى، وحرّق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار؛ ودان لمسلمة من كان وراء جبال بلنجر وقتل ابن خاقان.
ومن ذلك غزوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع.
وفي هذه السنة صار من دعاة بني العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلاً منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدر.
وحجّ بالناس في هذه السنة - في قول أبي معشر - سليمان بن هشام بن عبد الملك؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ.
وقال بعضهم: الذي حجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم الذيّن كانوا عمّالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة؛ وقد مضى ذكرنا لهم.
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام على الصائفة اليمنى؛ فذكر أنّ معاوية بن هشام أصاب ربض أقرن، وأن عبد الله البطال التبقى وقسطنطين في جمع فهزمهم؛ وأسر قسطنطين؛ وبلغ سليمان ابن هشام قيساريّة.
وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن المدينة ، وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم. قال الواقديّ: قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الأول؛ وكان إمرة إبراهيم ابن هشام على المدينة ثماني سنين.
وقال الواقدي: في هذه السنة ولي محمد بن هشام المخزوميّ مكة.
وقال بعضهم: بل وليَ محمد بن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومائة، فما عزل إبراهيم أقرّ محمد بن هشام على مكة.
وفي هذه السنة وقع الطاعون - فيما قيل - بواسط.
وفيها قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان وبني الباب فأحكم ما هنالك.

وفي هذه السنة ولي هشام مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان.
واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه: حج بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم؛ وهو على المدينة.
وقال بعضهم: حج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام؛ وهو أمير مكة، فأقام خالد بن عبد الملك تلك السنة، لم يشهد الحجّ.
قال الواقديّ: حدثني بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، عن صالح بن كيسان.
قال الواقديّ: وقال لي أبو معشر: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك، ومحمد بن هشام على مكة. قال الواقديّ: وهو الثبت عندنا.
وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال الذين كانوا في السنة التي قبلها؛ غير أنّ عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بن عبد الملك، وعامل مكة والطائف محمد بن هشام، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد.
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
ذكر الإخبار عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرضَ الروم.
وفيها وقع الطاعون بالشام.
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل؛ وهو أمير مكة والطائف، كذلك قال أبو معشر، فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وكان عمّال الأمصار في هذه السنة، فقال المدائنيّ: كان عاملها الجنيد بن عبد الرحمن، وقال بعضهم. كان عاملها عمارة بن حريم المريّ. وزعم الذي قال ذلك أنّ الجنيد مات في هذه السنة، واستخلف عمارة بن حريم. وأما المدائنيّ فإنه ذكر أنه وفاة الجنيد كانت في سنة ست عشرة ومائة.
وفي هذه السنة أصاب الناس بخراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجنيد إلى الكور: إنّ مرو كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان، فكفرت بأنعم الله، فاحملوا إليها الطعام.
قال عليّ بن محمد: أعطى الجنيد في هذه السنة رجلاً درهماً، فاشترى به رغيفاً، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتُني بالهند وإن الحبة من الحبوب لتباع عدداً بالدرهم؛ وقال: إنّ مرو كما قال الله عز وجل: " وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة " .
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الروّم الصائفة.
وفيها كان طاعون شديد بالعراق والشام؛ وكان أشدّ ذلك - فيما ذكر - بواسط.
وفاة الجنيد بن عبد الرحمن
وولاية عاصم بن عبد الله خراسان
وفيها كانت وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلاليّ خراسان.
ذكر الخبر عن أمرهما: ذكر عليّ بن محمد، عن أشياخه، أنّ الجنيد بن عبد الرحمن تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام على الجنيد، وولّى عاصم بن عبد الله خراسان؛ وكان الجنيد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد.
قال: وذكروا أن جبلة بن أبي روّاد دخل على الجنيد عائداً، فقال: يا جبلة، ما يقول الناس؟ قال: قلت يتوجّعون للأمير؛ قال: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشام بيده. قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرهاويّ، قال: ذلك سيّد أهل الشام، قال: ومن؟ قلت: عصمة أو عصام، وكنّيت عن عاصم، فقال: إن قدم عاصم فعدوّ جاهد؛ لا مرحباً به ولا أهلاً.
قال: فمات في مرضه ذلك في المحرّم سنة ست عشرة ومائة، واستخلف عمارة بن حريم. وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذّبهم. وكانت وفاته بمرو، فقال أبو الجويرية عيسى ابن عصمة يرثيه:
هلك الجود والجنيد جميعاً ... فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في أرض مرو ... ما تغنت على الغصون الحمام
كنتما نزهة الكرام فلما ... متّ مات الندى ومات الكرام
ثم إن أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسريّ وامتدحه، فقال له خالد: ألست القائل: هلط الجود والجنيد جميعاً مالك عندنا شيء، فخرج فقال:
تظل لامعة الآفاق تحملنا ... إلى عمارة والقود السراهيد
قصيدة امتدح بها عمارة بن حريم، ابن عم الجنيد؛ وعمارة هو جدّ أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام.

قال: وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذّبهم.
ذكر خلع الحارث بن سريجوفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله.
ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان والياً، أقبل الحارث ابن سريج من النخذ حتى وصل إلى الفارياب، وقدم أمامه بشر بن جرموز. قال: فوجه عاصم الخطّاب بن محرز السلمي ومنصور بن عمر بن أبي الخرفاء السلميّ وهلال بن عليم التميميّ والأشهب الحنظلي وجرير بن هميان السدوسيّ ومقاتل بن حيّان النبطيّ مولى مصقلة إلى الحارث؛ وكان خطّاب ومقاتل بن حيّان قالا: لا تلقوه إلا بأمان، فأبى عليهما القوم؛ فلما انتهوا إليه بالفارياب قيّدهم وحبسهم، ووكل بهم رجلاً يحفظهم. قال: فأوثقوه وخرجوا من السّجن، فركبوا دوابّهم، وساقوا دواب البريد، فمروا بالطالقان فهمّ سهرب صاحب الطالقان بهم، ثم أمسك وتركهم. فلما قدموا مرو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدوه. ثم مضى الحارث إلى بلخ وعليها نصر، فقاتلوه؛ فهزم أهل بلخ ومضى نصر إلى مرو.
وذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التجينيّ بن ضبيعة المرّي ونصر بن سيار، وولاّهما الجنيد. قال: فانتهى إلى قنطرة عطاء وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، فتلقّى نصر بن سيار في عشرة آلاف والحارث بن سريج في أربعة آلاف، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرضا؛ فقال قطن بن عبد الرحمن بن جزيّ الباهليّ: يا حارث؛ أنت تدعو إلى كتاب الله والسنّة؛ والله لو أنّ جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتك؛ فقاتلهم فأصابته رمية في عينه؛ فكان أوّل قتيل. فانهزم أهل بلخ إلى المدينة، وأتبعهم الحارث حتى دخلها؛ وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكفّ عنهم، فقال رجل من أصحاب الحارث: إني لأمشي في بعض طرق بلخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول: يا أبتاه! ليت شعري من دهاك! وأعرابيّ إلى جنبي يسير؛ فقال: من هذه الباكية؟ فقيل له: ابنة قطن بن عبد الرحمن بن جزيّ، فقال الأعرابيّ: أنا وأبيك دهيتك، فقلت: أنت قتلته؟ قال: نعم.
قال: ويقال: قدم نصر والتجيبيّ على بلخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوساً حتى هزم الحارث نصراً؛ وكان التجيبي ضرب الحارث أربعين سوطاً في إمْرة الجنيد، فحوّله الحارث إلى قلعة باذكر بزم، فجاء رجل من بني حنيفة فادّعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هراة، فدفعه الحارث إلى الحنفيّ، فقال له التجيبيّ: أفتدي منك بمائة ألف، فلم يقبل منه وقتله. وقوم يقولون: قتل التجيبي في ولاية نصر قبل أن يأتيه الحارث.
قال: ولما غلب الحارث على بلخ استعمل عليها رجلاً من ولد عبد الله ابن خازم، وسار، فلما كان بالجوزجان دعا وابصة بن زرارة العبديّ، ودعا دجاجة ووحشاً العجليين وبشر بن جرموز وأبا فاطمة، فقال: ما ترون؟ فقال أبو فاطمة: مرو بيضة خراسان؛ وفرسانهم كثير؛ لو لم يلقوك إلاّ بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإنْ أتوْك قاتلتهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم، قال: لا أرى ذلك، ولكن أسير إليهم. فأقبل الحارث إلى مرو، وقد غلب على بلخ والجوزجان والفارياب والطالقان ومرو الروذ، فقال أهل الدين من أهل مرو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرق جماعتنا، وإن أتانا نكب.
قال: وبلغ عاصماً أن أهل مرو يكاتبون الحارث، قال: فأجمع على الخروج وقال: يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، لا يقصد مدينة إلا خليتموها له، إني لاحق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدّني بعشرة آلاف من أهل الشام. فقال له الكجشّر بن مزاحم: إن أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق فأقم، وإن أبوا فسرحتي تنزل أبرشهر، وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدّك بأهل الشام. فقال خالد بن هريم أحد بني ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عليم: والله لا نخليك والذهاب، فيلزمنا دينك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. قال: أفعل، قال يزيد بن قرّان الريّاحيّ: إن لم أقاتل معك ما قاتلت فابنة الأبرد بن قرة الرياحيّ طالق ثلاثاً - وكانت عنده - فقال عاصم: أكلّكم على هذا؟ قالوا: نعم. وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حرّسه يحلفهم بالطلاق.

قال: وأقبل الحارث بن سريج إلى مرو في جمع كثير - يقال في ستين ألفاً - ومعه فرسان الأزد وتميم؛ منهم محمد بن المثنّى وحمّاد بن عامر بن مالك الحمانيّ وداود الأعسر وبشر بن أنيف الرياحيّ وعطاء الدبوسي. ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب وسهرب ملك الطالقان، وقرياقس دهقان مرو، في أشباههم.
قال: وخرج عاصم في أهل مرو وفي غيرهم؛ فعسكر بجياسر عند البيعة، وأعطى الجند ديناراً ديناراً، فخفّ عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، وأعطى الجند وغيرهم؛ فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسرت، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البرّيّة! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبوا وذهب رجّالتهم يصلحون القناطر، فأتاهم رجّالة أهل مرو فقاتلوهم؛ فمال محمد بن المثنّى الفراهيديّ برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الأزْد؛ ومال حماد بن عامر بن مالك الحمّانيّ إلى عاصم، وأتى بني تميم.
قال سلمة الأزديّ: كان الحارث بعث إلى عاصم رسلاً - منهم محمد ابن مسلم العنبريّ - يسألونه العمل بكتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم. قال: والحارث بن سريج يومئذ على السواد. قال: فلمّا مال محمد بن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى الناس؛ فكان أوّل قتيل غياث بن كلثوم من أهل الجارود، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مرو والنهر الأعظم، ومضت الدّهاقين إلى بلادهم؛ فضرب يومئذ خالد بن علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه، وأرسل عاصم بن عبد الله المؤمن بن خالد الحنفيّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ ويحيى بن عقيل الخزاعيّ ومقاتل بن حيّان النّبطي إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمد بن مسلم العنبريّ وحده، فقال لهم: إنّ الحارث وإخوانكم يقرءونكم السلام، ويقولون لكم: قد عطشنا وعطشت دوابّنا، فدعونا ننزل الليلة، وتختلف الرّسل فيما بيننا ونتناظر؛ فإن وافقناكم على الذي تريدون وإلاّ كنتم من وراء أمركم؛ فأبوا عليه وقالوا مقالاً غليظاً؛ فقال مقاتل ابن حيّان النبطيّ: يا أهل خراسان؛ إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد؛ ويدنا على عدوّنا واحدة؛ وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم؛ وجّه إليه أميرنا بالفقهاء والقرّاء من أصحابه، فوجّه رجلاً واحداً. قال محمد: إنما أتيتكم مبلغاً، نطلب كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيأتيكم الذي تطلبون من غد إن شاء الله تعالى.
وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصماً، فلما أصبح سار إليه فالتقوا، وعلى ميمنة الحارث رابض بن عبد الله بن زرارة التغلبيّ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل يحيى بن حضين - وهو رأس بكر بن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج - فقتلوا قتلاً ذريعاً، فقطع الحارث وادي مرو؛ فضرب رواقاً عند منازل الرهبان، وكفّ عنه عاصم. قال: وكانت القتلى مائة، وقتل سعيد بن سعد بن جزء الأزديّ، وغرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم - وكان مع الحارث بن سريج - واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بن مسلم: لما هزم الحارث كفّ عنه عاصم، ولو ألحّ عليه لأهلكه. وأرسل إلى الحارث: إني رادّ عليك ما ضمنت لك ولأصحابك؛ على أن ترتحل؛ ففعل.
قال: وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم، وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث، وقالوا: ألم تزعم أنه لا يردّ لك راية! فأتاهم فسكّنهم.
وكان عطاء الدّبوسيّ من الفرسان، فقال لغلامه يوم زرق: أسرج لي برذوني لعلي ألاعب هذه الحمارة، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من أهل الطالقان، فقال بلغته: إي كيرخر.
قال أبو جعفر الطبريّ رحمه الله: وحجّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ العهد؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في التي قبلها إلاّ ما كان من خراسان فإن عاملها في هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلاليّ.
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرى وغزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرّق سراياه في أرض الروم.

وفيها بعث مروان بن محمد - وهو على أرمينية - بعثين، فافتتح أحدهما حصوناً ثلاثة من اللاّن ونزل الآخر على تومانشاه، فنزل أهلها على الصلح.
وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله، فولاها خالد أخاه أسد بن عبد الله.
وقال المدائنيّ: كان عزل هشام عاصماً عن خراسان وضمّ خراسان إلى خالد بن عبد الله في سنة ستّ عشرة ومائة.
ذكر الخبر عن سببعزل هشام عاصماً وتوليته خالداً خراسان
وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ عن أشياخه - أنّ عاصم بن عبد الله كتب إلى هشام بن عبد الملك: أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الرائد لا يكذب أهله؛ وقد كان من أمر أمير المؤمنين إليّ ما يحقّ به عليّ نصيحته؛ وإنّ خراسان لا تصلح إلاّ أن تضمّ إلى صاحب العراق؛ فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب؛ لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عنها.
فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حضين والمجشّر بن مزاحم وأصحابهم، فأخبرهم، فقال له المجشّر بعد ما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك. فقدم أشد بن عبد الله؛ بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكميت بن زيد الأسديّ إلى أهل مرو بهذا الشعر:
ألا أبلغ جماعة أهل مرو ... على ما كان من نأى وبعد
رسالة ناصح يهدى سلاماً ... ويأمر في الذي ركبوا بجد
وأبلغ حارثاً عنا اعتذاراً ... إليه بأن من قبلي بجهد
ولولا ذاك قد زارتك خيل ... من المصرين بالفرسان تردي
فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف ... ولا يغرركم أسد بعهد
وكونوا كالبغايا إن خدعتم ... وإن أقررتم ضيماً لوغد
وإلا فارفعوا الرايات سوداً ... على أهل الضلالة والتعدي
فكيف وأنتم سبعون ألفاً ... رماكم خالد بشبيه قرد
ومن ولى بذمته رزيناً ... وشيعته ولم يوف بعهد
ومن غشي قضاعة ثوب خزيٍ ... بقتل أبي سلامان بن سعد
فمهلاً يا قضاع فلا تكوني ... توابع لا أصول لها بنجد
وكنت إذا دعوت بني نزار ... أتاك الدهم من سبط وجعد
فجدع من قضاعة كل أنف ... ولا فازت على يوم بمجد
قال: ورزين الذي ذكر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة، فأعطاه الأمان ثم لم يف به.
وقال فيه نصر بن سيّار حين أقبل الحارث إلى مرو وسوّد راياته - وكان الحارث يرى رأي المرجئة:
دع عنك دنيا وأهلاً أنت تاركهم ... ما خير دنيا وأهل لا يدومونا!
إلا بقية أيام إلى أجل ... فاطلب من الله أهلاً لا يموتونا
أكثر تقى الله في الإسرار مجتهداً ... إن التقى خيره ما كان مكنونا
واعلم بأنك بالأعمال مرتهن ... فكن لذاك كثير الهم محزونا
إني أرى الغبن المردي بصاحبه ... من كان في هذه الأيام مغبونا
تكون للمرء أطواراً فتمنحه ... يوماً عثاراً وطوراً تمنح اللينا
بينا الفتى في نعيم العيش حوله ... دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا
تحلو له مرة حتى يسر بها ... حيناً وتمقره طعماً أحايينا
هل غابر من بقايا الدهر تنظره ... إلا كما قد مضى فيما تقضونا
فامنح جهادك من لم يرج آخرةً ... وكن عدواً لقوم لا يصلونا
واقتل مواليهم منا وناصرهم ... حيناً تكفرهم والعنهم حينا
والعائبين علينا ديننا وهم ... شر العباد إذا خابرتهم دينا
والقائلين سبيل الله بغيتنا ... لبعد ما نكبوا عما يقولونا
فاقتلهم غضباً لله منتصراً ... منهم به ودع المرتاب مفتونا
إرجاؤكم لزكم والشرك في قرن ... فأنتم أهل إشراك ومرجونا
لا يبعد الله في الأجداث غيركم ... إذ كان دينكم بالشرك مقرونا
ألقى به الله رعباً في نحوركم ... والله يقضي لنا الحسنى ويعلينا

كيما نكون الموالي عند خائفة ... عما تروم به الإسلام والدينا
وهل تعيبون منا كاذبين به ... غال ومهتضم، حسبي الذي فينا
يأبى الذي كان يبلي الله أولكم ... على النفاق وما قد كان يبلينا
قال: ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلمّا بلغ عاصماً أن أسد بن عبد الله قد أقبل، وأنّه قد سيّر على مقدمته محمد بن مالك الهمدانيّ، وأنه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتاباً على أن ينزل الحارث أيّ كورخراسان شاء، وعلى أن يكتبا جميعاً إلى هشام؛ يسألانه كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن أبى اجتمعا جميعاً عليه. فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى ابن حضين أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين؛ فقال خلف بن خليفة ليحيى:
أبى هم قلبك إلا اجتماعا ... ويأبى رقادك إلا امتناعاً
بغير سماع ولم تلقني ... أحاول من ذات لهو سماعا
حفظنا أمية في ملكها ... ونخطر من دونها أن تراعى
ندافع عنها وعن ملكها ... إذا لم نجد بيديها امتناعا
أبى شعب ما بيننا في القديم ... وبين أمية إلا انصداعا
ألم نختطف هامة ابن الزبير ... وننتزع الملك منه انتزاعا
جعلنا الخلافة في أهلها ... إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا
نصرنا أمية بالمشرفيّ ... إذا انخلع الملك عنها انخلاعا
ومنا الذي شد أهل العراق ... ولو غاب يحيى عن الثغر ضاعا
على ابن سريج نقضنا الأمور ... وقد كان أحكمها ما استطاعا
حكيم مقالته حكمة ... إذا شتت القوم كانت جماعا
عشية زرق وقد أزمعوا ... قمعنا من الناكثين الزماعا
ولولا فتى وائل لم يكن ... لينضج فيها رئيس كراعا
فقل لأمية ترعى لنا ... أيادي لم نجزها واصطناعا
أتلهين عن قتل ساداتنا ... ونأبى لحقك إلا اتباعا
أمن لم يبعك من المشترين ... كآخر صادف سوقاً فباعا!
أبى ابنُ حضين لما تصنع ... ين إلا اضطلاعا وإلاّ اتّباعا
ولو يأمن الحارث الوائلين ... لراعك في بعض من كان راعا
وقد كان أصعر ذا نيرب ... أشاع الضلالة فيما أشاعا
كفينا أمية مختومة ... أطاع بها عاصم من أطاعا
فلولا مراكز راياتنا ... من الجند خاف الجنود الضياعا
وصلنا القديم لها بالحديث ... وتأبى أمية إلا انقطاعا
ذخائر في غيرنا نفعها ... وما إن عرفنا لهن انتفاعا
ولو قدمتها وبان الحجا ... ب لارتعت بين حشاك ارتياعا
فأين الوفاء لأهل الوفاء ... والشكر أحسن من أن يضاعا!
وأين ادخار بني وائل ... إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا!
ألم تعلمي أن أسيافنا ... تداوي العليل وتشفي الصداعا!
إذا ابن حضين غدا باللواء ... أسلم أهل القلاع القلاعا
إذا ابن حضين غدا باللواء ... أشار النسور به والضباعا
إذا ابن حضين غدا باللواء ذكى وكانت معد جداعا
قال: وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شراحيل اليشكريّ من أهل الرأي، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة؛ وقال له: " غمراتٌ ثم ينجلين " ، وهي المغمضات، فغمّض.

قال: وكان عاصم بن عبد الله في قرية بأعلى مرو لكندة، ونزل الحارث قرية لبني العنبر؛ فالتقوا بالخيل والرّجال، ومع عاصم رجل من بني عبس في خمسمائة من أهل الشام وإبراهيم بن عاصم العقيليّ في مثل ذلك؛ فنادى منادي عاصم: من جاء برأس فله ثلمائة درهم؛ فجاء رجل من عماله برأس وهو عاض على أنفه، ثم جاءه رجل من بني ليث - يقال له ليث بن عبد الله - برأس، ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: إن طمع الناس في هذا لم يدعوا ملاّحاً ولا علجاً إلا أتوك برأسه؛ فنادى مناديه: لا يأتنا أحد برأس؛ فمن أتانا به فليس له عندنا شيء؛ وانهزم أصحاب الحارث فأسروا منهم أسارى، وأسروا عبد الله بن عمرو المازنيّ رأس أهل مرو الروذ، وكان الأسراء ثمانين؛ أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندانقان. وكانت اليمانية بعثت من الشام رجلاً يعدل بألف يكنى أبا داود، أيّام العصبية في خمسمائة؛ فكان لا يمرّ بقرية من قرى خراسان إلا قال: كأنكم بي قد مررت راجعاً حاملاً رأس الحارث بن سريج؛ فلما التقوا دعا إلى البراز، فبرز له الحارث بن سريج؛ فضربه فوق منكبه الأيسر فصرعه، وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط؛ فكان يقول: يا أبرشهر الحارث بن سريجاه! يا أصحاب المعموراه! ورمي فرس الحارس بن سريج في لبانه، فنزع النشابة؛ واستحضره وألحّ عليه بالضّرب حتى نزّقه وعرّقه، وشغله عن ألم الجراحة.
قال: وحمل عليه رجل من أهل الشام؛ فلما ظنّ أن الرمح مخالطه؛ مال عن فرسه واتّبع الشأميّ، فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! قال: انزل عن فرسك؛ فنزل وركبه الحارث، فقال الشأميّ: خذ السرج؛ فوالله إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس:
تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا
فليت قريشاً أصبحوا ذات ليلة ... يعومون في لج من البحر أخضرا
قال: وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في أمر الكتاب الذي كتبه عاصم، وكتبوا كتاباً، وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبريّ ورجل من أهل الشام، فلقوا أسد بن عبد الله بالرّيّ - ويقال: لقوه بيهق - فقال: ارجعوا فإني أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم: هدمت داري، فقال: أبنيها لك، وأردّ عليكم كل مظلمة.
قال: وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى. قال: فأجاز خالد يحيى بن حضين بعشرة آلاف دينار وكساه مائة حلة. قال: وكانت ولاية عاصم أقل من سنة - قيل كانت سبعة أشهر - وقدم أسد بن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصماً وسأله عمّا أنفق، وحاسبه فأخذه بمائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز ولم تخرج من مرو، ووافق عمارة بن حريم وعمّال الجنيد محبوسين عنده؛ فقال لهم: أسير فيكم بسيرتنا أم بسيرة قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلى سبيلهم.
قال عليّ عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشام بن عبد الملك أمر الحارث ابن سريج، كتب إلى خالد بن عبد الله: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية فلتكن به. قال: فوجّه أخاه أسداً إلى خراسان، فقدم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلا مرو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريح بمرو الروذ وخالد بن عبيد الله الهجري بآمل، ويخاف إن قصد للحارث بمرو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مرو من قبل آمل، وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قبل مرو الروذ، فأجمع على أن يوجه عبد الرحمن بن نعيم الغامديّ في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث إلى ناحية مرو الروذ. وسار أسد بالناس إلى آمل، عليهم زياد القرشيّ مولى حيان النبطي عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوا إلى باب المدينة، ثم كروا على الناس، فقتل غلام لأسد بن عبد الله يقال له جبلة؛ وهو صاحب علمه، وتحصنوا في ثلاث مدائن لهم.

قال: فنزل عليهم أسد وحصرهم، ونصب عليهم المجانيق، وعليهم خالد ابن عبيد الله الهجريّ من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فخرج إليهم رويد ابن طارق القطعيّ ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: فلكم ذلك، قالوا: على ألاّ تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا. فأعطاهم ذلك، واستعمل عليهم يحيى ين نعيم الشيبانيّ أحد بني ثعلبة بن شيبان، ابن أخي مصقلة بن هبيرة. ثم أقبل أسد في طريق زمّ يريد مدينة بلخ؛ فتلقاه مولى لمسلم بن عبد الرحمن، فأخبره أنّ أهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم. فقدم بلخ، واتّخذ سفناً وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصراً سناناً الأعرابيّ السُّلميّ، ومعه بنو الحجّاج بن هارون النميريّ، وبنو زرعة وآل عطية الأعور النضري في أهل التّرمذ، والسل مع الحارث، فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدّهم، وخرج أهل الترمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالاً شديداً، وكان الحارث استطرد لهم، ثم كرّ عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن المنخّل وعاصم بن معوّل النّجليّ في خمسين ومائة من أهل الشام وغيرهم؛ وكان بشر بن جرموز وأبو فاطمة الأياديّ ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب التّرمذ، فيبكون ويشكون بني مروان وجورهم؛ ويسألونهم النزول إليهم على أن يمالئوهم على حرب بني مروان فيأبون عليهم؛ فقال السبل وأتى بلاده.
قال: وكان أسد حين مرّ بأرض زمّ تعرض للقاسم الشيبانيّ وهو في حصن بزم يقال له باذكر؛ ومضى حتى أتى الترمذ، فنزل دون النهر، ووضع سريره على شاطىء النهر؛ وجعل الناس يعبرون؛ فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة؛ فالتقوا في سفينة فيها أصحاب أسد، فيهم أصغر بن عيناء الحميريّ، وسفينة أصحاب الحارث فيها داود الأعسر، فرمى أصغر فصكّ السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمريّ، فقال داود الأعسر: لأمرٍ ما انتميت إليه، لا أرض لك! وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا؛ وأقبل الأشكند - وقد أراد الحارث الانصراف - فقال له: إنما جئتك ناصراً لك؛ وكمن الأشكند وراء دير؛ وأقبل الحارث بأصحابه؛ وخرج إليه أهل الترمذ، فاستطرد لهم فاتّبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر؛ فأظهر الكراهية، وعرف أنّ الحارث قد كادهم، فظنّ أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولّى؛ وفأراد أسد معاتبة نصر؛ فإذا الأشكند قد خرج عليهم؛ فحمل على أهل الترمذ فهربوا. وقتل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخّل الجرموزي من الأزد وعاصم بن معوّل - وكان من فرسان أهل الشأم - ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل الترمذ إلى الحارث فهزموه؛ وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وقوماً من أهل البصائر، ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم؛ فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانيّ - وهو في باذكر؛ وهو من أصحاب الحارث - فقال: إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم؛ ولم يبلغ ذلك النّساء ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند؛ وأنا أريد سمرقند، وعليّ عهد الله وذمته ألاّ يبدأك مني شر؛ ولك المؤاساة واللطف والكرامة والأمان ولمن معك؛ وأنت إن غمصت ما دعوتك إليه فعليّ عهد الله وذمة أمير المؤمنين وذمّة الأمير خالد إن أنت رميت بسهم ألاّ أؤمنك بعده؛ وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به. فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان فآمنه، وسار معه إلى سمرقند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان من دواب ساقها معه، وحمل معه طعاماً من بخارى، وساق معه شاء كثيرة من شاء الأكراد قسمها فيهم؛ ثم ارتفع إلى ورغسر وماء سمرقند منها، فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند؛ وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السكر، ثم قفل من سمرقند حتى نزل بلخ.
وقد زعم بعضهم أن الذي ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث كان في سنة ثمان عشرة.
وحجّ بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك.
وكان العامل فيها على المدينة، وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد.
وفيها توفّيت فاطمة بنت عليّ وسكينة ابنة الحسين بن عليّ.
أمر أسد بن عبد الله مع دعاة بني العباس

وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم، ومثّل ببعضهم، وحبس بعضهم؛ وكان فيمن أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن رزيق؛ فأتى بهم، فقال لهم: يا فسقة، ألم يقل الله تعالى: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " ! فذكر أن سليمان بن كثير قال: أتكلم أم أسكت؟ قال: بل تكلم، قال: نحن والله كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان؛ بالماء اعتصاري
تدري ما قصتنا؟ صيدت والله العقارب بيدك أيّها الأمير؛ إنا أناس من قومك، وإن هذه المضرية إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشدّ الناس على قتيبة بن مسلم؛ وإنما طلبوا بثأرهم. فتكلم ابن شريك بن الصامت الباهلي، وقال: إنّ هؤلاء القوم قد أخذوا مرة بعد مرة، فقال مالك بن الهيثم: أصلح الله الأمير! ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره؛ فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشدّ الناس عليه؛ فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نعيم فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تمنّ بهم على عشائرهم؛ قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلّي سبيلهما، قال: أنا إذاً من عبد الله بن يزيد نفي، قال: فكيف تصنع بالرّبعيّ؟ قال: أخلّي والله سبيله. ثم دعا بموسى بن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطمت أسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدق أنفه، ووجأ لحيته، فندر ضرس له. ثم دعا بلاهز بن قريط، فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانيين والربعيين، فضربه ثلثمائة سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزديّ: هو لي جار وهو برىء مما قذف به؛ قال: فالآخرون؟ قال: أعرفهم بالبراءة، فخلى سبيلهم.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك أرض الروم.
ولاية عمار بن يزيد على شيعة بني العباس بخراسانوفيها وجّه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان والياً على شيعة بني العباس؛ فنزل - فيما ذكر - مرو، وغيّر اسمه وتسمى بخداش ودعا إلى محمد بن عليّ؛ فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به؛ وسمعوا إليه وأطاعوا، ثم غيّر ما دعاهم إليه، وتكذّب وأظهر دين الخرمية؛ ودعا إليه ورخّص لبعضهم في نساء بعض؛ وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن عليّ؛ فبلغ أسد بن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتى به؛ وقد تجهز لغزو بلخ؛ فسأله عن حاله، فأغلظ خداش له القول، فأمر به فقطعت يده، وقلع لسانه وسملت عينه.
ذكر م