aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:42 pm

قال: وحدّثني إبراهيم بن أبي إسحاق العبسيّ - شيخ من غطفان - قال: أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سمعت الزبيريّ الذي قتله أبو جعفر - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: اجتمع مع محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه؛ إني لأحسب أنا قد كنا مائة ألف؛ فلما قرب عيسى خطبنا، فقال: يأيها الناس؛ إنّ هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدّة؛ وقد حللتكم من بيعتي؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف. فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثيرة.
قال: وحدّثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبي سليمان بن سمعان؛ أحد بني قريط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد؛ فلما سمع بعيسى وحميد بن قحطبة قد أقبلا، صعد المنبر، فقال: يأيها الناس؛ إنّا قد جمعناكم للقتال؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ منكم قريب؛ وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده؛ وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب؛ فمن أحبّ أن يقيم أقام، ومن أحبّ أن يظعن ظعن. قال أبي: فخرج عالمٌ من الناس؛ كنت فيهم؛ فلما كنا بالعريض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتنا مقدّمة عيسى بن موسى دون الرُّحبة؛ فما شبّهت رجالهم إلاّ رجلاً من جراد. قال: فمضينا وخالفونا إلى المدينة.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلمس، فردّ من قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني الغاضريّ، قال: قال لي محمد: أعطيك سلاحاً وتقاتل معي؟ قلت: نعم؛ إن أعطيتني رمحاً أطعنهم به؛ وهم بالأعوص وسيفاً أضربهم به وهم بهيفا. قال: ثمّ مكث غير كثير، ثم بعث إليّ فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتل وتمرّوا؛ فيقال: والله إن كان لبادياً! قال: ويحك! قد بيّض أهل الشأم وأهل العراق وخراسان، قال: قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص! قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمذ ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الأصمّ: ألا إنّ الخيل لا عمل لها مع الرّجالة؛ وإني أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكرهم. فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف ، وهي على أربعة أميال من المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن أبي الكرام، قال: لمّا نزل عيسى طرف القندوم أرسل إليّ نصف الليل، فوجدته جالساً والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرجل في ضعف؛ وأنا أخاف أن ينكشف؛ وقد ظننت ألاّ مسلك له إلاّ إلى مكة، فاضمم إليك خمسمائة رجل؛ فامض بهم معانداً عن الطريق حتى تأتيَ الشجرة فتقيم بها. قال: فأعطاهم على الشّمع، فخرجت بهم حتى مررت بالبصرة بالبطحاء - وهي بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛ فقلت: لا بأس عليكم؛ أنا محمد بن عبد الله، هل من سويق؟ قال: فأخرجوا إلينا سويقاً، فشربنا وأقمنا بها حتى قتل محمد.
قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل؛ عن الثقة عنده، قال: لما قرب عيسى أرسل إلى محمد القاسم بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرّجوع عمّا هو عليه، ويخبره أنّ أمير المؤمنين قال آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم: والله لولا أنّ الرّسل لا تقتل لضربت عنقك؛ لأني لم أرك منذ كنت غلاماً في فرقتين؛ خير وشرّ، إلاّ كنت مع الشرّ على الخير. وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول الله قرابةً قريبةً، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذّرك نقمته وعذابه؛ وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله، فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك، وأكثر لمأثمك. فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال: ارجع إلى صاحبك، فقل له: ليس بيننا إلاّ القتال.

قال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال: لما قرب عيسى من المدينة، أرسلني إلى محمد بأمانه، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلّون دمي، وإنما أنا رجل فرّ من أن يقتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلاّ قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليّق طلحة والزبير؛ على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم. قال: فأخبرت بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرّني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا.
قال: وحدّثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: لما صرنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله، ثم ولّى ذاهباً. قال: رعبنا منه والله رعباً شديداً؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قحطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مدى أبصارننا نظرنا إليه مقيماً بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حال الرجل؛ فإني أرى دابته واقفاً لا تزول؛ فوجّه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به؛ فصرعه فقوّس التنور عنقه. فأخذا سلبه، فأتينا بتنور - قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مذهب لم ير مثله قطّ.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، فف نزل عيسى بقصر سليمان بالجرف، صبيحة ثنتي عشرة من رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة، يوم السبت، ويوم الأحد وغدا يوم الاثنين، حتى استوى على سلع، فنظر إلى المدينة وإلى من دخلها وخرج منها، وشحن وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد أبي الجرّاح؛ وهو على بطحان؛ فإنه تركه لخروج من هرب، وبرز محمد في أهل المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا محمد بن زيد، قال: قدمنا مع عيسى، فدعا محمداً ثلاثاً: الجمعة والسبت والأحد.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدّثني زيد مولى مسمع، قال: لما عسكر عيسى أقبل عى دابة يمشي حواليه نحو من خمسمائة، وبين يديه راية يسار بها معه؛ فوقف على الثنيّة ونادى: يا أهل المدينة؛ إن الله قد حرّم دماء بعضنا على بعض؛ فهلمّوا إلى الأمان؛ فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن. خلّوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا أو له. قال: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاة، يا بن كذا، يا بن كذا. فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه؛ فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قطّ من الخيل والرجال والسلاح؛ فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره.
قال: وحدّثني إبراهيم الغفانيّ، قال: سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد ابن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيريّ - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألاّ أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك عليّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتعطى من المال كذا وكذا، ويقضى عنك دينك، ويفعل بك ويفعل! قال: فصاح: محمد أله عن هذا، فوالله لو علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع، ولا يقرّبني منكم طمع ما كان هذا. قال: ولجّ القتال، وترجّل محمد؛ فإني لأحسبه قتل بيده يومئذ سبعين رجلاً.

قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لما كان يوم الاثنين، وقف عيسى على ذباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان معه؛ وكان على مجفّفته، فقال: خذ عشرة من أصحابك؛ أصحاب التجافيف؛ فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب. قال: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن عليّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن عبد الله بن عقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، وعبد الله ابن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر؛ في عشرة منّا. فقال: انطلقوا إلى القوم، فادعوهم وأعطوهم أماناً؛ وبقي أمان الله. قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الخطّابين؛ فدعوناهم فسبّونا ورشقونا بالنبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛ فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد، فقال: وأنا ابن رسول الله؛ وأكثر من ترون بنو رسول الله؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم؛ فجعلوا يسبّوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القط هذه النّبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال: ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بن حميد قحطبة في مائة.
قال: حدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: حدّثني أخواي عثمان ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا: وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنيّة الوداع، فدعوا محمداً إلى الأمان، فسبّهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزارمرد عند حمّام بن أبس الصّعبة، وكثير بن حصين عند دار ابن أفلح التي ببقيع الغرقد، ومحمد بن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنيّة، فرموا بالنشاب والمقاليع ساعة.
وحدّثني أزهر، قال: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه.
قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: حدّثني عمر؛ شيخ من الأنصار، قال: جعل محمد ظلال المسجد خفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جهينة، فأعطى أحدهما خفتاناً ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخفتان، ولم يقاتل الآخر معه؛ فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخفتان نشابة، فقتلته، فقال صاحبه:
يا رب لا تجعلني كمن خان ... وباع باقي عيشه بخفتان
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدثني إسماعيل بن أبي عمرو، قال: إنا لوقوف على خندق بني غفار؛ إذ أقبل رجل على فرس؛ ما يُرى منه إلاّ عيناه، فنادى: الأمان، فأعطى الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم من يبلّغ عني محمداً؟ قلت: نعم، أنا، قال: فأبلغه عني - وحسر عن وجهه؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال: قل له: يقول لك فلان التميميّ، بآية أنّي وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك. قال: فأتيته قبل أن يغدو - وذلك يوم الاثنين في اليوم الذي قتل فيه - فوجدت بين يديه قربة عسل أبيض قد شقّت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفّه ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة؛ فأبلغته الرسالة فقال: قد أبلغت؛ فقلت: أخواي في يدك، قال: مكانهما خير لهما.
قال: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، قال: كانت راية محمد إلى أبي، فكنت أحملها عنه.
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كان مع الأفطس حسن بن عليّ بن حسين علم أصفر، فيه صورة حيّة، ومع كلّ رجل من أصحابه من آل عليّ بن أبي طالب علم، وشعارهم: أحد أحد، قال: وكذلك كان شعار النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حنين.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: أخبرنا جهم بن عثمان مولى بني سليم، ثم أحد بني بهز، قال: قال لي عبد الحميد بن جعفر يوم لقينا أصحاب عيسى: نحن اليوم على عدّة أهل بدر يوم لقوا المشركين - قال: وكنا ثلثمائة ونيّفاً.
قال: وحدّثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس، قال: سمعت أبي قول: ولد عيسى بن موسى في سنة ثلاث ومائة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدّمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى ميسرته داود بن كرّاز من أهل خراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبة.

قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: لقي أبو القلمّس محمد بن عثمان، أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفاً، وأخذ أبو القلّمس بأثفيّة، فوضعها على قربوس سرجه، وسترها بدرعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس في ركائبه؛ ثم ضرب بها صدره فصرعه، ونزل فاحتزّ رأسه.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله العمريّ، قال: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أر مثل كماله وعدّته؛ فلما رآه ابن وائل انصرف. قال: فوجدنا من ذلك وجداً شديداً، فإنا لعلى ذلك إذ سمعت خشف رجل وراثي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعته يقول: لعن الله أمير السفهاء، أن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألاّ يكون من شأنه. قال: ثم برز له فقتله.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزارمرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمّس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم ضربه على حبل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيراً من ألف فاروق.
قال: وحدّثني عليّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال: حدّثني مسعود الرّحال، قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّي لأنظر إليهم عند أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجبل - يعني سلعاً - إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل ممستلئماً في الحديد؛ لا يرى منه إلاّ عيناه، على فرس؛ حتى فصل من صفّ أصحابه، فوقف بين الصّفين، فدعا للبراز؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قباء أبيض، وكمّة بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليّاً، ظننت أنه استرجله لتستوي حالاهما، فنظرت إلى الفارس ثنى رجله، فنزل، ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خوذة حديدعلى رأسه، فأقعده على استه وقيذاً لا حراك به، ثم انتزع الخوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أن خرج من صفّ عيسى آخر؛ كأنه صاحبه، فبرز له الرّجل الأوّل، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفّه، وبرز ثالث فدعاهه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولّى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابه، فلم يبلغهم حتى خرّ صريعاً فقتلوه دونهم.
وحدّثني عيسى، قال: أخبرني محمد بن زيد، قال: لما أخبرنا عيسى برميهم إيانا، قال لحميد بن قحطبة: تقدّم، فتقدّم في مائة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حميد إلى عيسى بهدم الجدار. قال: فأرسل إلى فعلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق. فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها؛ حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بكرة حتى صار العصر.
وحدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: أقبل عيسى بن موسى بمن معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج إليه محمد ابن عبد الله ومن معه، فاقتتلوا أياماً قتالاً شديداً، وصبر نفر من جهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله، حتى قتلوا وكان لهم غناء.
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدّثني أزهر، قال: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطرحا على الخندق؛ فجازت الخيل، فالتقوا عند مفاتح خشرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.

حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مروان، فاغتسل وتحنّط، ثم خرج. قال عبد العزيز بن أبي ثابت: فحدّثني عبد الله بن جعفر، قال: دنوت منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛ فإنّ معه جلّة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ والله لو خرجت لقتل أهل المدينة؛ والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل؛ وأنت مني في سعة؛ فاذهب حيث شئت. فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضت فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقتل من كان معه بالنّشاب وجاءت العصر فصلّى.
حدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال: رأيت محمداً بين داري بني سعد، عليه جبّة ممشّقة، وهو على برذون، وابن خضير إلى جانبه يناشده الله إلاّ مضى إلى البصرة أو غيرها؛ ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ. قال ابن خضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رياحاً ثم لحقه بالثنيّة، فقاتل حتى قتل.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: خرج مع محمد بن عبد الله ابن خضير؛ رجل من ولد مصعب بن الزبير؛ فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأنّ السيف قد أفناهم؛ استأذن محمداً في دخول المدينة فأذن له؛ ولا يعلم ما يريد؛ فدخل على رياح بن عثمان بن حيّان المرّيّ وأخيه، فذبحهما ثم رجع؛ فأخبر محمداً، ثم تقدّم فاتل حتى قتل من ساعته.
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدّثني أزهر، قال: حدّثني أخي، قال: لما رجع ابن خضير قتل رياحاً وابن مسلم بن عقبة.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ذبح ابن خضير رياحاً ولم يجهز عليه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات؛ وقتل معه عباساً أخاه؛ وكان مستقيم الطريقة، فعاب الناس ذلك عليه؛ ثم مضى إلى ابن القسريّ وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذر به فردم بابي الدار دونه، فعالج البابين، فاجتمع من في الحبس فسدّوهما، فلم يقدر عليهم؛ فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قتل.
حدّثني مسكين بن حبيب بن محمد، قال: لما جاءت العصر صلاّها محمد في مسجد بني الديل، في الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته ربيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك! انج بنفسك، قال: إذاً لا يبقى بها ديك يصرخ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلع، نزل فعرقب دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غمد سيفه. قال مسكين: فلقد رأيتني وأنا غلام، جمعت من حليها نحواً من ثلثمائة درهم؛ ثم قال لهم: قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنت له، ثم أقبل على ابن خضير، فقال له: قد أحرقت الديوان؟ قال: نعم؛ خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قال: أصبت.
حدّثني أزهر، قال: حدّثني أخواي، قالا: لقد هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثاً، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة؛ ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فتحاً لو كان له رجال! حدّثني عيسى، قال: كان ممّن انهزم يومئذ وفّر عن محمد عبد العزيز ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتيَ به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: " ألا باقة بقبقبة " ، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشدّ ما أتى عليَّ لصياح الصبيان.
وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا مولى لهشام بن عمارة بن الوليد بن عديّ ابن الخيار، قال: كنا مع محمد، فتقدّم هشام بن عمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذلك من ترى، فأشهد أنّ غلامي هذا حرٌّ لوجه الله إن رمت أبدأ أو تقتل أو أقتل أو نغلب؛ فقلت: فوالله إنّي لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درعه، فالتفت إليّ فقال: فلان! قلت: لبيك! قال: ويلك! رأيت مثل هذا قطّ يا فلان! أيما أحبّ إليك؛ نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قال: فأنت حرّ لوجه الله، فانطلق هارباً.

وحدّثني متوكل بن أبي الفحوة، قال: حدّثني محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبي فروة، قال: إنّا لعلى ظهر سلع ننظر، وعليه أعاريب جهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رمح، قد نصب عليه رأس رجل متّصل بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه، قال: فرأيت منه منظراً هائلاً، وتطيّرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرّجل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه بالفارسية كوهبان؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعاً فنصبوا عليه راية سوداء، ثم انصبّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرت أسماء بنت حسن ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله ابن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلمّا رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: دخلت المدينة، وهربوا. قال: وبلغ محمداً دخول الناس من سلع، فقال: لكلّ قوم جبل يعصمهم؛ ولنا جبل لا نؤتى إلاّ منه.
وحدّثني محمد بن إسماعيل، عن الثقة عنده، قال: فتح بنو أبي عمرو الغفاريون للمسوّدة طريقاً في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاءوا من وراء أصحاب محمد.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران، قال: نادى محمد يومئذ حميد بن قحطبة: إن كنت فارساً وأنت تعتدّ ذاك على أهل خراسان فابرز لي، فأنا محمد بن عبد الله، قال: قد عرفتك وأنت الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يديّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغت منهم فسأبرز لك لعمري.
وحدّثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: حدّثني رجل من بني ثعلبة بن سعد، قال: كنت بالثنيّة يوم قتل محمد بن عبد الله ابن حسن ومعه ابن خضير، قال: فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى الأمان، ويشحّ به عن الموت، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلاً، يتمثل:
لا تسقه حزراً ولا حليباً ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... كالذئب يتلو طمعاً قريبا
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
قال: فخالط الناس، فضربه ضارب على أليته فخلّها، فرجع إلى أصحابه، فشقّ ثوباً فعصّبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حجاج عينه، فأغمض السيف في عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزوا رأسه؛ فلما قتل ترجّل محمد، فقاتل على جيفته حتى قتل.
وحدّثني مخلد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهليّ، قال: سمعت الفضل بن سليمان مولى بني نمير يخبر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع محمد - قال: كان الخراسانية إذا نظروا إلى ابن خضير تنادوا: " خضير آمد، خضير آمد! " ، وتصعصعوا لذلك.
وحدّثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: أتينا برأس ابن خضير؛ فوالله ما جعلنا نستطيع حمله لما كان به من الجراح؛ والله لكأنه باذنجاتة مفلّقة، وكنا نضمّ أعظمه ضمّا.
وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على منارة المسجد فتّ ذلك في أعضادهم، ودخل حميد بن قحطبة من زقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتيَ به عيسى، وقتل معه بشراً كثيراً.
قال: وحدّثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخبرني مسعود الرّحال، قال: رأيت محمداً يومئذ باشر القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وتعاوروا عليه، وصاح حميد بن قحطبة: لا تقتلوه، فكفّوا، وجاء حميد فاحتزّ رأسه.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: برك محمد يومئذ لركبتيه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرج مظلوم! وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني ابن أبي ثابت؛ عن عبد الله بن جعفر، قال: طعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل فاحتزّ رأسه، فأتى به عيسى.

وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني أبو الحجاج المنقريّ، قال: رأيت محمداً يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لما ذكر عن حمزة بن عبد المطلب، يهذّ الناس بسيفه هذاً؛ ما يقاربه أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يليق شيئاً؛ حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناس، فوجد الموت، فتحامل على سيفه فكسره؛ قال: فسمعت جدّي يقول: كان معه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الفقار.
وحدّثني هرمز أبو عليّ مولى باهلة، قال: حدّثني عمرو بن المتوكل - وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال: كان مع محمد يوم قتل سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم ذو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه رجلاً من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمائة دينار - فقال له: خذ هذا السيف؛ فإنك لا تلقى به أحداً من آل أبي طالب إلاّ أخذه وأعطاك حقك. قال: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، وأعطاه أربعمائة دينار، فلم يزل عنده حتى قام المهديّ، ووليَ جعفر المدينة، وبلغه مكان السيف؛ فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرّب به على كلب، فانقطع السيف.
وحدّثني عبد الملك بن قريب الأصمعيّ، قال: رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس، متقلداً سيفاً، فقال لي: يا أصمعيّ، ألا أريك ذا الفقار؟ قلت: بلى، جعلني الله فداك! قال: استلّ سيفي، فاستللته، فرأيت فيه ثمان عشرة فقارة.
وحدّثني أبو عاصم النبيل، قال: حدّثني أخو الفضل بن سليمان النّميريّ قال: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفاً، فكانوا حولنا كالحرّة السوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة. قال: فجعلنا نعيد ذلك عليه؛ فحمل، فالتفّوا عليه فقتلوه.
وحدّثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛ وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون، من أدباء الناس وعلمائهم - قال: حدّثني أبي عن الأسلميّ - يعني عبد الله بن عامر - قال: قال لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة؛ فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي على أحجار الزيت؛ قال: فوالله ما لبثنا أن أطلّتنا سحابة فأحالت حتى قلت: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلاً بين أحجار الزيت.
وحدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: قال عيسى لحميد بن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأت في أمر هذا الرجل، فولّ حمزة بن مالك حربَه، فقال: والله لو رمت أنت ذاك ما تركتك؛ أحين قتلت الرجال ووجدت ريح الفتح! ثم جدّ في القتال حتى قتل محمد.
وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، قال: أخبرني حميد مولى محمد بن أبي العباس، قال: اتّهم عيسى حميد بن قحطبة يومئذ - وكان على الخيل - فقال: يا حميد، ما أراك تبالغ، قال: أتتهمني! فوالله لأضربنّ محمداً حين أراه بالسيف أو أقتل دونه. قال: فمرّ به وهو مقتول؛ فضربه بالسيف ليبرّ يمينه.
وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: قتل محمد بعد العصر، يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني أبي، قال: بعث عيسى فدقّ السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه، حين أتيَ برأس محمد، فقلت لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له؛ فإنا نخاف أن نخطىء؛ فلما أتيَ به قال: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قال: انظرا، أهو هذا؟ قال أبي: فبدرت يوسف، فقلت: أرى دماً كثيراً وأرى ضرباً؛ فوالله ما أثبته، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنا كلها حتى أصبحنا. قال: ثم ولاّني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل والياً عليه حتى قدم جعفر بن سليمان، فحدرني إليه، وألزمني نفسه.
وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: حدّثني أبو كعب، قال: حضرت عيسى حين قتل محمداً، فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قال: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلاً، لما على هذا قاتلناه؛ ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين؛ وإن كان لصوّاماً قوّاماً. فسكت القوم.

وحدّثني ابن البوّاب عبد الله بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن الأسلميّ، قال: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال: كذبت! نحن أهل البيت لا نفرّ.
وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: حدّثني أبو الحجاج الجمّال، قال: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى قد هُزم - وكان متّكئاً فجلس - فضرب بقضيب معه مصلاّه، وقال: كلاّ، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أني لذلك بعد!.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: أصاب أبا القلمّس نشابة في ركبته، فبقي نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طلب بعد الهزيمة لحق بالحرّة، وأبطأ به ما أصاب ركبته، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا.
وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم، قال: لما انهزمنا يومئذ كنت في جماعة، فيهم أبو القلمّس، فالتفتّ إليه، فإذا هو مستغرب ضحكاً، قال: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضت بصري؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصه، فلم يبق منه إلا جربّانه وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر؛ قال: فجعلت أضحك لضحك أبي القلمّس.
فحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: لم يزل أبو القمّس مختفياً بالفرع، وبقي زماناً ثم عدا عليه عبد له، فشدخ رأسه بصخرة فقتله، ثم أتى أمّ ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيّدك فهلمّي أتزوّجك؟ قالت: رويداً أتصنّع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبد فشدخ رأسه.
حدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد، قال: أخبرني أبي، قال: لما دخلت خيل عيسى من شعب بني فزارة، فقتل محمد، اقتحم نفر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنته الناعمة بنت أبي الشدائد: وارجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومن رجالك؟ قالت: بنو فزارة، قال: والله لو علمت ما دخلت بيتك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من عشيرتك من باهلة؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها. قال: وأتي عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام ومحمد بن لوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحد، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بني فزارة مكفوف - قال: فأمر منادياً فنادى: من جاء برأس ضربنا رأسه.
وحدّثني عليّ بن زادان، قال: حدّثني عبد الله بن برقي، قال: رأيت قائداً من قوّاد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه. قال: فخرج وعليه قميص رياط، قال: فأنزلوا قائدهم، وحملوه على برذونه وخرجوا به يزفّونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه.
حدّثني قدامة بن محمد، قال: خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد ابن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كلّ واحد منهما قوساً، فظننّا أنهما أرادا أن يريا الناس أنهما قد صلحا لذلك.
وحدّثني عيسى، قال: حدّثني حسين بن يزيد، قال: أتيَ بابن هرمز إلى عيسى بعد ما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهك عن الخروج مع من خرج! قال: كانت فتنةً شملت الناس، فشملتنا فيهم، قال: اذهب راشداً.
وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: سمعت مالك بن أنس، يقول: كنت آتي ابن هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب، وترخي الستر، ثم يذكر أوّل هذه الأمّة، ثم يبكي حتى تخضلّ لحيته. قال: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قال: قد علمت؛ ولكن يراني جاهل فيقتدي بي.
حدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لمّا قتل محمد انخرقت السماء بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها، فنادى منادي عيسى: لا يبيتنّ بالمدينة أحدّ من الجند إلا كثير بن حصين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجرف؛ فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام.

وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما أصبح محمد في مصرعه، أرسلت أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنّي عميّ مما نيل منه فوالله ما أمرت ولا علمت؛ فوارياه راشدتين. فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حشي في مقطع عنقه عديله قطناً، ودفن بالبقيع، وكان قبره وجاه زقاق دار عليّ بن أبي طالب، شارعاً على الطريق أو قريباً من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية فوضع على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحد، وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهريّ آخر، وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغفاريّ آخر، وصاح مناديه: من دخل تحت لواء منها، أو دخل داراً من هذه الدور فهو آمن؛ ومطرت السماء مطراً جوداً، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجرف، فأقام بالمدينة أياماً، ثم شخص صبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة.
حدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفنه، وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر رن عبد العزيز. قال أزهر: فرأيتهم صفين؛ ووكل بخشبة ابن خضير من يحرسها، فاحتمله قومٌ في الليل فواروه، ولم يقدر عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثاً، ثم تأذّى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سلع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقوا في خندق بأصل ذباب.
حدّثني عيسى بن عبد الله قال: حدّثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين، قالت: قلت لعمّي جعفر بن محمد: إني - فديتك - ما أمر محمد بن عبد الله هذا؟ قال: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت روميّ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في ماء.
حدّثني عيسى، عن أبيه، قال: خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ - وكان عمه جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحّى جعفر.
حدّثني عيسى، قال: حدّثنا ابن أبي الكرام، قال: بعثني عيسى برأس محمد، وبعث معي مائة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النّجف كبّرنا - قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصر هارون ابن سعد العجليّ - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال: هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بن عبد الله، قال: ائذن له ولعشرة ممن معه، قال: فأذن لي، فوضعت الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قُتل معه من أهل بيته؟ قلت: لا والله ولا إنسان، قال: سبحان الله! هو ذاك. قال: فرفع رأسه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟ قال الربيع: زعم أنه قتل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد.
حدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: لما قدم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيف في طبق أبيض، فرأيته آدم أرقط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق.
وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل ينبع، قال: لما أتيَ أبو جعفر برءوس بني شجاع، قال: هكذا فليكن الناس، طلبت محمداً فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا.
قال عمر: أنشدني عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهم لعبد الله ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي محمداً:
تبكي مدلّه أن تقنّص حبلهم ... عيسى وأقصد صائباً عثمانا
هلاّ على المهديّ وابني مصعب ... أذريت دمعك ساكباً تهتاناً!
ولفقد إبراهيم حين تصدّعت ... عنه الجموع فواجه الأقرانا
سالت دموعك ضلّة قد هجت لي ... برحاء وجد تبعث الأحزانا
والله ما ولد الحواضن مثلهم ... أمضى وأرفع محتداً ومكانا
وأشد ناهضةً وأقول للّتي ... تنفي مصادر عدلها البهتانا
فهناك لو فقّأت غير مشوّه ... عينيك من جزع عذرت علانا
رزء لعمرك لو يصاب بمثله ... مبطان صدّع رزؤه مبطانا
وقال ابن مصعب:
يا صاحبيّ دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما

وقفا بقبر ابن النبيّ فسلّما ... لا بأس أن تقفا به فتسلّما
قبر تضمّن خير أهل زمانه ... حسباً وطيب سجيّةٍ وتكرّما
رجل نفي بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما
لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه، ولم يفتح بفاحشة فما
لو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبيّ به لكنت المعظما
أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قصاره أن يسلما
ضحّوا بإبراهيم خير ضحيّة ... فتصرّمت أيامه وتصرّما
بطلاً يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشاً رعشاً ولا مستسلما
حتى مضت فيه السيوف وربّما ... كانت حتوفهم السيوف وربّما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما
ونساؤهم في دورهنّ نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنّما
يتوسّلون بقتلهم ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما
والله لو شهد النبيّ محمّدٌ ... صلّى الإله على النبيّ وسلّما
إشراع أمّته الأسنّة لابنه ... حتى تقطّر من ظباتهم دما
حقاً لأيقن أنهم قد ضيّعوا ... تلك القرابة واستحلّوا المحرما
وحدّثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثني موسى بن عبد الله ابن حسن، قال: خرجت من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مخرج محمد ابن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجن من ديارنا؛ فأخذتني عليهنّ غيرة، فإني لأتبعهنّ أنظر أين يردن؛ حتى إذا كنّ بطرف الحميراء من جانب الغرس؛ التفتت إليّ إحداهنّ، فقالت:
سويقة بعد ساكنها يباب ... لقد أمست أجدّبها الخراب
فعرفت أنهنّ من ساكني الأرض، فرجعت.
وحدّثني عيسى، قال: لما قتل عيسى بن موسى محمداً قبض أموال بني حسن كلّها، فأجاز ذلك أبو جعفر.
وحدّثني أيوب بن عمر، قال: لقيَ جعفر بن محمد أبا جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، ردّ عليّ قطيعتي عين أبي زياد آكل من سعفها، قال: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهقنّ نفسك. قال: فلا تعجل عليّ؛ قد بلغت ثلاثاً وستين، وفيها مات أبي وجدّي عليّ بن أبي طالب؛ وعليّ كذا وكذا إن ربتك بشيء أبداً، وإن بقيت بعدك إن ربت الذي يقوم بعدك. قال: فرقّ له وأعفاه.
وحدّثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يرد أبو جعفر عين أبي زياد حتى مات فردّها المهديّ على ولده.
وحدّثني هشام بن إبراهيم، قال: لما قتل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمل إليهم من ناحية البحار شيء؛ حتى كان المهديّ فأمر بالبحر ففتح لهم، وأذن في الحمل.
وحدّثني محمد بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثتني أمّي أمّ سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر زوجة موسى بن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قتل أبوكم محمد فورثه عبد الله؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد؛ فإذا بلغك كتابي هذا فورّثهم من جدّهم، فإني قد رددت عليهم أموالهم صلةً لأرحامهم، وحفظاً لقرابتهم.
وحدّثني عيسى، قال: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحسين وعيسى ابنا زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ قال: فحدّثني عيسى، قال: بلغني أن أبا جعفر كان يقول: واعجبا لخروج ابني زيد بن عليّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه، وحمزة ابن عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين بن أبي طالب، وعليّ وزيد ابنا حسن ابن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب!

قال عيسى: قال أبو جعفر للحسن بن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفين على رأس محمد بسيفين، عليهما قباءان. قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قال: أجل فهذا من ذاك. والقاسم ابن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمرجّى عليّ بن جعفر بن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال عيسى: قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: من المرجّى هذا؟ فعل الله به وفعل! قال: يا أمير المؤمنين؛ ذاك ابني، والله لئن شئت أن أنتفي منه لأفعلنّ. ومن بني عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس.
قال: وحدثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدّثني عبّاد بن كثير، قال: خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقله، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصرة في رجل قيّد الحسن؟ قال: سيّئاً والله، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثمّ، فتركه. ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر ابن حفص بن عاصم خرج معه؛ فأتى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج عليّ مع محمد؟ قال: لم أجد إلاّ ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، قال عمر: هذا وهمٌ.
قال: وحدّثني عبد العزيز بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: كان عبيد الله قد أجاب محمداً إلى الخروج معه؛ فمات قبل أ، يخرج، وخرج معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم بن عبد العزّى ابن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن ابن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدّراورديّ وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بنى سباع، وابن سباع من خزاعة حليف بني زهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقو وعثمان وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء.
وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير. قال: وحدّثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: إنا لبالمُرّ من بطن إضم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير؛ إذ مرّ بنا رجل مصعد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قال: قتل، قالت: فما فعل ابن خضير؟ قال: قتل، فخرّت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قُتِل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفرّ ولم يؤسر! قال عيسى: حدّثني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: من استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومن؟ قال: وآل عمر، قال: أما والله لعن غير مودّة بهما له ولا محبّةلهولا لأهلبيته. قال: وكان أبو جعفر يقول: لو وجدت ألفاً من آل الزّبير كلهم محسن وفيهم مسىء واحدٌ لقتلتهم جميعاً، ولو وجدت ألفاً من آل عمر كلهم مسيء وفيهم محسنٌ واحد لأعفيتهم جميعاً.

قال عمر: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير، قال: لما قتل محمد، هرب أبي موسى بن عبد الله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنيّ، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيماً، فلما وردنا البصرة - وذلك بعد ثلث الليل - وجدنا الدروب مغلقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر؛ ثم دخلنا فنزلنا المربد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيماً يبتاع لنا طعاماً؛ فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جُعْله، فتسخّط علينا، فقلنا: زده، فتسخّط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتتصفّح وجوهنا. ثم خرج فلم ننشب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربّة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلاً من بني سعد يدعى نميلة بن مرّة، كان خرج مع إبراهيم، قال: فوالله ما راعنا إلاّ بالأسود قد دخل به علينا، قد غطّي رأسه ووجهه. فلما دُخل به كشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء؛ هذا موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه ؛ ولا أعرف الرابع غير أنه من أصحابهم. قال: فأخذنا جميعاً، فدخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحمك! أتركت البلاد جميعاً وجئتني! فإما أطلقتك فتعرّضت لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتك فقطعت رحمك. ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا. قال: فجاء الجواب أن احملهم إليّ، فوجّهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جنداً آخر ينتظروننا؛ ثم لم نزل نأتي على المسالح من الجند في طريقنا كله، حتى وردنا بغداد، فدُخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قال: هيه! أخرجت عليّ مع محمد! قال: قد كان ذاك؛ فأغلظ له أبو جعفر؛ فراجعه مليّاً، ثم أمر به فضربت عنقه. ثم أمر بموىس فضرب بالسياط، ثم أمر بي فقرّبت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه؛ فإذا نظر إليه فاضربوا عنقه على جيفته. قال: فكلمه عيسى بن عليّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت غلاماً حدثاً غراً أمرني أبي فأطعته، قال: فأمر بي فضربت خمسين سوطاً، ثم حبسني في المطبق وفيه يومئذ يعقوب بن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توفّي أبو جعفر، وقام المهديّ وأخرج يعقوب، فكلمه فيّ فأخرجني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:44 pm

قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن خالد، قال: أخبرني محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: إني لعند أبي جعفر، إذ أتى فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دخل به، فلما رآه أبو جعفر، قال: أين المال الذي عندك؟ قال: دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله، قال: ومن أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد الله، قال: أبايعته؟ قال: نعم كما بايعته، قال: يا بن اللخناء! قال: ذاك من قامت عنه الإماء، قال: اضرب عنقه، قال: فأخذ فضربت عنقه.

قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد ابن عثمان بن خالد الزبيريّ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من آل كثير بن الصلت، فلما قتل وهزم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبي والكثيريّ فيمن تغيّب، فلبثوا بذلك؛ حتى قدم جعفر بن سليمان والياً على المدينة، فاشتدّ في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيريّ إبلاً كانت له، فخرجنا متوجّهين نحو البصرة؛ وبلغ الخبر جعفراً، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتيَ بنا، فأقبل عليه أبي، فقال: يا هذا، اتّق الله في كريّنا هذا؛ فإنه أعرابيّ لا علم له بنا، إنما أكرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل؛ وأنت معرّضه لأبي جعفر؛ وهو من قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوجم محمد طويلاً، ثم قال: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُملنا جميعاً فدخلنا على أبي جعفر؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيريّ غير الحسن بن زيد، فأقبل على الكثيريّ، فقال: يا عدوّ الله، أتكرِي عدوّ المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قال: يا أمير المؤمنين، وما علمي بخبره وجريرته وعداوته إياك! إنما أكريته جاهلاً به، ولا أحسبه إلاّ رجلاً من المسلمين، برىء الساحة؛ سليم الناحية؛ ولو علمت حاله لم أفعل. قال: وأكبّ الحسن بن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه. قال: فأوعد أبو جعفر الكثيريّ وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيّب، ثم أقبل على أبي، فقال: هيه يا عثمان! أنت الخارج على أمير المؤمنين، والمعين عليه! قال: بايعت أنا وأنت رجلاً بمكة، فوفيت ببيعتي وغدرت ببيعتك. قال: فأمر به فضربت عنقه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتيَ أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال: إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتي بعثمان بن محمد ابن خالد فقتله، وأطلق ناساً من القرشيّين، فقال له عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين، ما أشقى هذا بك من بينهم! فقال: إن هذا يدي.
قال: وحدّثني عيسى، قال: سمعت حسن بن زيد يقول: غدوت يوماً على أبي جعفر؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالداً، وأتيَ بعليّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، فأمر به فضرب خمسمائة سوط، ثم أتيَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد خمسمائة سوط؛ فما تحرّك واحد منهما، فقال لي: هل رأيت أصبر من هذين قطّ! والله إنا لنؤتي بالذين قد قاسوا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكنّ والنعمة، قلت: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قومك أهل الشرف والقدر، قال: فأعرض عني، وقال: أبيت إلا العصبيّة! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أمير المؤمنين، الله الله فينا! فوالله إني لمكبّ على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صلّيت لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ قال: فالعفو والله إذاً، ثم خلّى سبيله.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن منحمد بن عمر، قال: كثروا محمداً وألحّوا في القتال حتى قتل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومائة، وحمل رأسه إلى عيسى بن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناس كلهم. وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوماً.
وفي هذه السنة: استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثير بن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن؛ فمكث والياً عليها شهراً، ثم قدم عبد الله بن الرّبيع الحارثي والياً عليها من قبل أبي جعفر المنصور.
وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع، فهرب منهم.
ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيّج ذلك

ذكر عمر بن شبة أنّ محمد بن يحيى حدثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة على صدقة أسد وطيّىء فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمّر معه، فلما استخلف عيسى كثير ابن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطاً وحّدده وحبسه. ثم قدم عبد الله بن الرّبيع والياً من قِبل أب جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاءوا دار مروان، وفيها ابن الربيع، فشكوا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي.
قال: وحدثني عمر بن راشد، قال: انتهب الجند شيئاً من متاع السوق، وغدوا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد، فغالبوه على كيسه؛ فاستغاث، فخلّص ماله منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوا ذلك إلى ابن الربيع فلم ينكره ولم يغيّره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار لحماً يوم الجمعة، فأبى أن يعطيه ثمنه، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه الجزّار من تحت الوضم بشفرة، فطعن بها خاصرته، فخرّ عن دابته، واعتوره الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد في كلّ ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوا؛ فلما كان الغد هرب ابن الربيع.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نفخ السودان في بوق لهم؛ فذكر لي بعض من كان في العالية وبعض من كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما في بعض عمله يسمع نفخ البوق، فيصغي له حتى يتيقّنه ثم يوحّش بما في يده، ويأتمّ الصوت حتى يأتيه. قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة. قال: فغدوا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة، وخرج إليهم فاستطردوا له؛ حتى أتى السوق فمّر بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصيبية على طنف دار، فظنّ أن القوم منهم؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم؛ فلما نزلوا ضرب أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحنّاطين، وحمل عليه السودان، فأجلى هارباً فاتّبعوه حتى صار إلى البقيع، ورهقوه فنثر لهم دارهم؛ فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل، عن ليلتين من المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: خرج السوّدان على ابن الربيع، ورؤساؤهم: وثيق وحديا وعنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطن نخل فأقام بها.
وحدّثني عمر بن راشد، قال: لما هرب ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سويق ودقيق وزيت وقسب، فانتهبوه، فكان حمل الدّقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أغاروا على دار مروان ودار يزيد؛ وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر، فلم يدعوا فيهما شيئاً. قال: وشخص سليمان بن فليح ين سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: وقتل السودان نفراً من الجند، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خرقتان على عورته ودرّاعة، فيولّيه دبره احتقاراً له، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من عمد السوق فيقتله: فكانوا يقولون: ما هؤلاء السودان إلا سحرة أو شياطين! قال: وحدّثني عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني المسور بن عبد الملك، قال: لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبي سبرة، وكان جاء بجباية طيّىء وأسد، فدفعها إىل محمد، أشفق القرشيّون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع، خرج ابن أبي سبرة من السجن، فخطب الناس، ودعاهم إلى الطاعة، وصلّى بالناس حتى رجع ابن الربيع.

قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد عليه، حتى أتى المسجد، فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما، فاجتمعوا عنده، فقال: أنشدكم الله وهذه البليّة التي وقعت! فوالله لئن تمّت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى، إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم؛ فأنشدكم الله إلاّ ذهبتم إليهم فكلمتموهم في الرّجعة والفيئة إلى رأيكم، فإنهم لا نظام لهم. ولم يقوموا بدعوة؛ وإنما هم قوم أخرجتهم الحميّة! قال: فذهبوا إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحباً بكم يا موالينا؛ والله ما قمنا إلا أنفةً لكم مما عمل بكم، فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد.
وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني الحسين بن مصعب، قال: لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرّقوا، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على ما نصبو له، قال: فقال لنا وثيق: إنّ الأمر قد وقع بما ترون؛ وهو غير مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفكم ونشتف أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا.
وحدّثني عمر بن راشد، قال: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار. قال: فدخل عليه ابن عمران، قال: إلى من تعهد يا وثيق؟ قال: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي؛ ثم الأمر شورى بينهم. قال: أسأل الله إن ولاك شيئاً من أمرنا أن يرزقنا عدلك، قال: قد والله ولاّنيه الله.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: حضر السوُّدان المسجد مع ابن أبي سبرة، فرقيَ المنبر في كبل حديد حتى استوى في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه محمد بن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان ابن عبد الله بن أبي سبرة، فكان تحتهم جميعاً؛ وجعل الناس يلغطون لغطاً شديداً، وابن أبي سبرة جالسٌ صامتٌ. فقال ابن عمران: أنا ذاهب إلى السوق، فانحدر وانحدر من دونه، وثبت ابن أبي سبرة، فتكلّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ. ومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بلاسٍ من بلس الحنطة، فتكلم هناك، فتراجع الناس؛ ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيّون في المقصورة، أقام الصلاة محمد بن عمار المؤذن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: من يصلّي بكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه أحد، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم ابن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس: استووا، فلما استوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه، ونادى بأعلى صوته: ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلّي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثاً، ثم كبّر فصلى، فلما أصبح الناس قال ابن أبي سبرة : إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم؛ نهبتم ما في دار عاملكم وطعام جند أمير المؤمنين، فلا يبقينّ عند أحد منكم شيء إلا ردّه، فقد أقعدت لكم الحكم بن عبد الله بن المغيرة بن موهب؛ فرفع الناس إليه ما انتهبوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار.
وحدّثني عثامة بن عمرو، قال: حدّثني المسور بن عبد الملك، قال: ائتمر القرشيون أن يدعو ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سبرة على المدينة، ليتحلّل ما في نفس أمير المؤمنين عليه؛ فلما أخرجه السودان، قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير وال استخلف! ولّها رجلاً، قال: من؟ قال: قدامة بن موسى، قال: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا من نصحك، ولا نظر لمن وراءه، ولا أراد إلاّ الفساد، ولأحقّ بهذا مني ومنه من قام بأمر الناس وهو جالس في بيته - يعني ابن أبي سبرة - ارجع أيّها الرجل؛ فوالله ما لك عذر في الخروج، فرجع ابن الربيع.

قال وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطن نخل إلاّ رجع إلى عمله، فتأبّى. قال: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجل وسكن الناس وهدءوا.
قال: وحدّثني عمر بن راشد، قال: ركب إليه ابن عمران وغيره وقد نزل الأعوص، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومسعر.
ذكر الخبر عن بناء مدينة بغدادوفي هذه السنة أسست مدينة بغداد، وهي التي تدعى مدينة المنصور.
ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بنى - فيما ذكر - حين أفضى الأمر إليه الهاشميّة، قبالة مدينة ابن هبيرة، بينهما عرض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشميّة إلى جانب الكوفة. وبنى المنصور أيضاً مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة، فلما ثارت الرّاوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمّى الهاشميّة؛ وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سكناها لاضطراب من اضطرب أمره عليه من الرّاوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعد من جوارهم؛ فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعاً يتخذه مسكناً لنفسه وجنده، ويبتنى به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جرجراياً ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كلّ ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة وما حول ذلك. فنزل وضرب عسكره على الصّراة، وخطّ المدينة، ووكل بكل ربع قائداً.
وذكر عمر بن شبّة أنّ محمد بن معروف بن سويد حدّثه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن مجالد، قال: أفسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلاً، والطريق يومئذ على المدائن، فخرجنا على ساباط، فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه، فأقام يعالج عينيه، فسأله الطبيب: أين يريد أمير المؤمنين؟ قال: يرتاد منزلاً؛ قال: فإنا نجد في كتاب عندنا، أن رجلاً يدعى مقلاصاً، يبنى مدينة بين دجلة والصّراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى عرقاً منها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها، وأقبل على إصلاح ذلك الفتق، فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر عليه منه؛ فلا يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمّه، ثم يعمّر عمراً طويلاً، ويبقى الملك في عقبه. قال سليمان: فإنّ أمير المؤمنين لبأطراف الجبال في ارتياد منزل؛ إذ قدم عليّ صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين، فدعا الرّجل فحدّثه الحديث، فكرّ راجعاً عوده على بدئه، وقال: أنا والله ذاك! لقد سميّت مقلاصاً وأنا صبيّ، ثم انقطعت عني.
وذكر عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: لمّا أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روّاداً يرتادون له موضعاً ينزله واسطاً، رافقاً بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من بارما، وذكر له عنه غذاء طيّب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرّر نظره فيه، فرآه موضعاً طيباً، فقال لجماعة من أصحابه؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزيّ وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: ما رأينا مثله، هو طيّب صالح موافق، قال: صدقتم؛ هو هكذا؛ ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات، وإنما أريد موضعاً يرتفق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعار، ولا تشتدّ فيه المؤونة، فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه من البرّ والبحر شيء غلت الأسعار، وقلّت المادّة، واشتدّت المؤونة، وشقّ ذلك على الناس؛ وقد مررت في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال؛ فأنا نازل فيه، وبائت به؛ فإذا اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليل والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه.

قال الهيثم بن عديّ: فخبّرت أنه أتى ناحية الجسر، فعبر في موضع قصر السلام، ثمّ صلى العصر - وكان في صيف، وكان في موضع القصر بيعة قس - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقه، وأقام يومه فلم ير إلا ما يحبّ، فقال: هذا موضع أبني فيه؛ فإنه تأتيه المادّة من الفرات ودجلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجند والعامّة إلاّ مثله، فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لَبنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله.
وذكر عن بشر بن ميمون الشرويّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدّثه عن الطبيب الذي أخبره عمّا يجدون في كتبهم من خبر مقلاص، ونزل الدّير الذي هو حذاء قصره المعروف بالخلد، فدعا بصاحب الدّير، وأحضر البطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان القسّ وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم، فوجّه رجالاً من قبله، وأمر كلّ واحد منهم أن يبيت في قرية منها، فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها. وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحّر أخبارهم؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساء له - فهو الدّهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يختار منها؛ فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طساسيج فى الجانب الغربىّ طسوجين وهما قطربّل وبادوريا، وفى الجانب الشرقىّ طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسّوج وتأخّرت عمارته كان فى الطسّوج الآخر العمارات وأنت يا أمير المؤمنين على الصّراة، تجيئك الميرة قى السفن من المغرب فى الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشأم، وتجيئك الميرة فى السفن من الصين والهند والبصرة وواسط فى دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها فى تأمرّا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل فى دجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدّوك ، وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلاّ احتاج إلى العبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّواد كله، وأنت قريب من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور عزماً على النزول في الموضع الذي اختاره. وقال له: يا أمير المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ الله قد منّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقوّاده وجنده؛ فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنوّ منه، والتدبير في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خنادق لمدينة أمير المؤمنين.
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حماداً التركيّ، قال: بعث المنصور رجالاً في سنة خمس وأربعين ومائة، يطلبون له موضعاً يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعاً، حتى جاء فنزل الدّير على الصّراة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة، ومن هذه الصراة.
وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر، عن أبيه، قال: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهباً، فناداه فأجابه، فقال: تجدون في كتبكم أنه تبنى ها هنا مدينة؟ قال الرّاهب: نعم، يبنيها مقلاص؛ قال أبو جعفر: أنا كنت أدعى مقلاصاً في حداثتي. قال: فأنت إذاً صاحبها، قال: وكذلك لما أراد أن يبني الرّافقة بأرض الروم امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهمّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصّومعة، فقال: هل عندك علم أن يبني ها هنا مدينة؟ فقال له: بلغني أنّ رجلاً يقال له مقلاص يبنيها، قال: أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بغداد، سوى السور وأبواب الحديد وخندق منفرد.

وذكر عن السريّ، عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور وجّه في حشر الصنّاع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة، فأحضروا، وأمر باختيار قوم من ذوي الفصل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة؛ فكان ممّن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخطّ المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللّبن وطبخ الآجرّ، فبدىء بذلك؛ وكان أول ما ابتدىء به في عملها سنة خمس وأربعين ومائة.
وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عياناً، فأمر أن يخطّ بالرّماد، ثم أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن، وينصب عليه النّفط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدىء في عملها.
وذكر عن حمّاد التركيّ أنّ المنصور بعث رجالاً يطلبون له موضعاً يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومائة، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد؛ قرية على شاطىء الصراة؛ مما يلي الخلد، وكان في موضع بناء الخلد دير، وكان في قرن الصراة مما يلي الخلد من الجانب الشرقيّ أيضاً قرية ودير كبير كانت تسمّى سوق البقر؛ وكانت القرية تسمى العتيقة؛ وهي التي افتتحها المثنّى بن حارثة الشيبانيّ، قال: وجاء المنصور، فنزل الدّير الذي في موضع الخلد على الصّراة، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة، ويصلح أن تبتنى فيه مدينة؛ فقال للراهب الذي في الدير: يا راهب، أريد أن أبني ها هنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يبنى ها هنا ملك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق. وأمر فخطّت المدينة، ووكّل بها أربعة قوّاد، كلّ قائد بربع.
وذكر عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولّى له، وحلف أبو حنيفة ألاّ يفعل، فولاّه القيام ببناء المدينة وضرب اللّبن وعدّه، وأخذ الرجال بالعمل. قال: وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه؛ قال: وكان أبو حنيفة المتولّي لذلك، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة ممايلي الخندق، وكان استتمامه في سنة تسع وأربعين ومائة.
وذكر عن الهيثم بن عديّ، أن المنصور عرض على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف ألاّ يقلع عنه حتى يعمل، فأخبر بذلك أبو حنيفة، فدعا بقصبة، فعدّ اللبن على رجل قد لبّنه، وكان أبو حنيفة أوّل من عد اللبن بالقصب؛ فأخرج أبا جعفر عن يمينه، واعتل فمات ببغداد.
وقيل: إنّ أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس؛ أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعاً، وقدّر أعلاه عشرين ذراعاً، وجعل في البناء جوائز قصب مكان الخشب، في كل طرقة؛ فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة - وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة - أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء.
وذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدّثني أبي، عن جدّي جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديّين، يقال لها المباركة، وكانت لستين نفساً منهم، فعوّضهم منها وأرضاهم، فأخذ جدّي قسمة منها.
وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أنّ حماداً التركيّ قال: كان حول مدينة أبي جعفر قرى قبل بنائها؛ فكان إلى جانب باب الشأم قرية يقال لها الخطابية، على باب درب النّورة، إلى درب الأقفاص، وكان بعض نخلها في شارع باب الشأم، إلى أيام المخلوع في الطريق، حتى قطع في أيام الفتنة، وكانت الخطّابية هذه لقوم من الدّهاقين، يقال لهم بنو فروة وبنو قنورا؛ منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم.
وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات أنّ القرية التي في مربّعة أبي العباس كانت قرية جدّه من قبل أمّه، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زرارى؛ وكانت القرية تسمى الوردانيّة، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم ممايلي مربعة أبي فروة.

وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب كانت قرية يقال لها شرفانيّة، ولها نخيل قائم إلى اليوةم ممايلي قنطرة أبي الجون، وأبو الجون من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية.
وذكر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رستاق الفروسيج من بادوريا.
وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات، أنه سمع أباه أو جدّه - شك راوي ذلك عنه - يقول: دخل عليّ رج من دهاقين بادوريا وهو مخرّق الطيلسان؛ فقلت له: من خرّق طيلسانك؟ قال: خرق والله في زحمة الناس اليوم، في موضع طالما طردت فيه الأرانب والظباء - يريد باب الكرخ.
ويقال: إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هي أقطاع المهديّ للربيع، وأنّ المنصور إنما كان أقطعه الداخلة.
وقيل: إن نهر طابق كسرويّ، وأنه نهر بابك من بهرام بن بابك، وأن بابك هذا هو الذي اتّخذ العقر الذي عليه قصر عيسى بن عليّ، واحتفر هذا النهر.
وذكر أنّ فرضة جعفر إقطاع من أبي جعفر لابنه جعفر، وأن القنطرة العتيقة من بناء الفرس.
وذكر عن حماد التركيّ، قال: كان المنصور نازلاً بالدّير الذي على شاطىء دجلة بالموضع المعروف بالخلد، ونحن في يوم صائف شديد الحرّ في سنة خمس وأربعين ومائة؛ وقد خرجت فجلست مع الربيع وأصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة، فاستأذن فآذنّا المنصور به، وكان معه سلم بن أبي سلم، فأذن له فخبّره بخروج محمد، فقال المنصور: نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحرمين المادة، ثم قال: إنما هم في مثل حرجة، إذا انقطعت عنهم المادّة والميرة من مصر. قال: وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد - وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد - وقال: إني راحل ساعة كتبت إلى الكوفة، فأمدّني في كلّ يوم بما قدرت عليه من الرجال من أهل الجزيرة. وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشأم، ولو أن يرد عليّ في كل يوم رجل واحد أكثر به من معي من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذّاب انكسر. قال: ثم نادى بالرّحيل من ساعته، فخرجنا في حرّ شديد حتى قدم الكوفة، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم، فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد.
وذكر عن أحمد بن ثابت، قال: سمعت شيخاً من قريش يحدّث أنّ أبا جعفر لما فصل من بغداد، متوجّهاً نحو الكوفة، وقد جاءه البريد بمخرج محمد بن عبد الله بالمدينة، نظر إليه عثمان بن عمارة بن حريم وإسحاق بن مسلم العقيليّ وعبد الله بن الربيع المدانيّ - وكانوا من صحابته - وهو يسير على دابّته وبنو أبيه حوله. فقال عثمان: أظنّ محمداً خائباً ومن معه من أهل بيته؛ إنّ حشو ثياب هذا العباسيّ لمكرٌ ونكر ودهاء؛ وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جذل الطّعان:
فكم من غارة ورعيل خيل ... تداركها وقد حميَ اللقاء
فردّ مخيلها حتّى ثناها ... بأسمر ما يرى فيه التواء
قال: فقال إسحاق بن مسلم: قد والله سبرته ولمست عوده فوجدته خشناً، وغمزته فوجدته صليباً، وذقته فوجدته مراً؛ وأنه ومن حوله من بني أبيه لكما قال ربيعة بن مكدّم:
سما لي فرسان كأن وجوههم ... مصابيح تبدو في الظلام زواهر
يقودهم كبش أخو مصمئلة ... عبوس السرى قد لوّحته الهواجر
قال: وقال عبد الله بن الربيع: هو ليث خيس، ضيغم شموس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس؛ وأنه يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث:
وإن لنا شيخاً إذا الحرب شمّرت ... بديهته الإقدام قبل النوافر
قال: فمضى حتى سار إلى قصر ابن هبيرة، فنزل الكوفة ووجّه الجيوش، فلما انقضت الحرب، رجع إلى بغداد فاستتمّ بناءها.
ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتلهوفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله ابن حسن بالبصرة؛ فحارب أبا جعفر المنصور. وفيها قتل أيضاً.
ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص، قال: حدّثني أبي، قال: لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن، أشفق محمد وإبراهيم من ذلك، فخرجا إلى عدن، فخافا بها، وركبا البحر حتى صارا إلى السِّند، فسعى بهما إلى عمر بن حفص، فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر.

وذكر عمر بن شبّه أنّ سعيد بن نوح الضّبعيّ؛ ابن ابنة أبي الساج الضبعيّ، حدّثه قال: حدّثتني منة بنت أبي المنهال، قالت: نزل إبراهيم في الحيّ من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكانت معه أم ولد له؛ فكنت أتحدث إليها، ولا ندري من هم؛ حتى ظهر فأتيتها، فقلت: إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي؛ لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين؛ مرّة بفارس، ومرّة بكرمان، ومرّة بالحجاز، ومرّة باليمن.
قال عمر: حدّثني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثني مطهر ابن الحارث، قال: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة؛ ونحن عشرة، فصحبنا أعرابيّ في بعض الطريق، فقلنا له: ما اسمك؟ قال: فلان بن أبي مصاد الكلبيّ، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة؛ فأقبل عليّ يوماً، فقال: أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ فقلت: لا، هذا رجل من أهل الشأم؛ فلما كنّا على ليلة من البصرة، تقدّم إبراهيم وتخلّفنا عنه، ثم دخلنا من غدٍ.
قال عمر: وحدّثني أبو صفوان نصر بن قديد بن نصر بن سيار؛ قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومائة، منصرف الناس من الحجّ؛ فكان الذي أقدمه وتولّى كراءه وعادله في محمله يحيى بن زياد ابن حسان النّبطيّ، فأنزله في داره في بني ليث، واشترى له جارية أعجمية سنديّة، فأولدها ولداً في دار يحيى بن زياد؛ فحدّثني ابن قديد ابن نصر؛ أنه شهد جنازة ذلك المولود، وصلى عليه يحيى بن زياد.
قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي، قال: نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خليد العبسيّ، فكتب الفضل بن صالح بن عليّ - وكان على قنّسرين - إلى أبي جعفر في رقعة أدرجها في أسفل كتابه، يخبره خبر إبراهيم، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدراً إلى البصرة؛ فورد الكتاب على أبي جعفر، فقرأ أوّله فلم يجد إلاّ السلامة، فألقى الكتاب إلى أبي أيّوب الموريانيّ، فألقاه في ديوانه؛ فلما أرادوا أن يجيبوا الولاة عن كتبهم فتح أبان بن صدقة - وهو يومئذ كاتب أبي أيوب - كتاب الفضل؛ لينظر في تأريخه، فأفضى إلى الرّقعة؛ فلما رأى أوّلها: أخبر أمير المؤمنين، أعادها في الكتاب، وقام إلى أبي جعفر، فقرأ الكتاب؛ فأمر بإذكاء العيون ووضع المراصد والمسالح.
قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل، قال: أخبرني أبي قال: سمعت إبراهيم يقول: اضطرّني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وذلك أنه قدمها يطلبني، فتحيّرت؛ فلفظتني الأرض؛ فجعلت لا أجد مساغاً، ووضع الطلب والمراصد؛ ودعا الناس إلى غدائه، فدخلت فيمن دخل، وأكلت فيمن أكل؛ ثم خرجت وقد كفّ الطلب. قال: وحدّثني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: قال رجل لمطهر بن الحارث: مرّ إبراهيم بالكوفة ولقيته، قال: لا والله ما دخلها قطّ؛ ولقد كان بالموصل، ثم مرّ بالأنبار، ثم ببغداد، ثم بالمدائن والنّيل وواسط.
قال: وحدّثني نصر بن قديد بن نصر، قال: كاتب إبراهيم قوماً من أهل العسكر كانوا يتشيّعون؛ فكتبوا يسألونه الخروج إليهم، ووعدوه الوثوب بأبي جعفر؛ فخرج حتى قدم عسكر أبي جعفر، وهو يومئذ نازل ببغداد في الدّير، وقد خطّ بغداد، وأجمع على البناء؛ وكانت لأبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه. قال: فزعم زاعمٌ أنه نظر فيها، فقال: يا مسيّب؛ قد والله رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض عدوّ أعدى لي منه، فانظر ما أنت صانع! قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن البوّاب، قال: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصّراة العتيقة، ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينه على إبراهيم، وخنس إبراهيم، فذهب في الناس، فأتى فامياً فلجأ إليه فأصعده غرفة له وجدّ أبو جعفر في طلبه، ووضع الرصد بكل مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذي هو به، وطلبه أبو جعفر أشدّ الطلب، وخفيَ عليه أمره.

قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي - وحدّثني نصر ابن قديد، قال: حدّثني أبي قال؛ وحدّثني عبد الله بن محمد بن البواب وكثير بن النّضر بن كثير وعمر بن إدريس وابن أبي سفيان العميّ؛ واتفقوا على جلّ الحديث، واختلفوا في بعضه - أنّ إبراهيم لما نشب وخاف الرّصد كان معه رجل من بني العمّ - قال عمر: فقال لي أبو صفوان، يدعى روح بن ثقف، وقال لي ابن البوّاب: يكنى أبا عبد الله، وقال لي الآخرون: يقال له سفيان بن حيّان بن موسى: قال عمر: وهو جد العمّيّ الذي حدّثني - قال: قلت لإبراهيم: قد نزل ما ترى، ولا بدّ من التغرير والمخاطرة، قال: فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع، فسأله الإذن، قال: ومن أنت؟ قال: أنا السفيان العمّيّ، فأدخله على أبي جعفر؛ فلما رآه شتمه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أنا أهلٌ لما تقول؛ غير أني أتيتك نازعاً تائباً، ولك عندي كل ما تحب إن أعطيتني ما أسألك، قال: وما لي عندك؟ قال: آتيك بإبراهيم ابن عبد الله بن حسن؛ إني قد بلوته وأهل بيته؛ فلم أجد فيهم خيراً، فما لي عندك إن فعلت؟ قال: :لّ ما تسأل؛ فأين إبراهيم؟ قال: قد دخل بغداد - أو هو داخلها عن قريب - قال عمر: وقال لي أبو صفوان، قال: هو بعبدسي، تركته في منزل خالد بن نهيك، فاكتب لي جوازاً ولغلام لي ولفرانق واحملني على البريد. قال عمر: وقال بعضهم: وجّه معي جنداً واكتب لي جوازاً ولغلام لي آتيك به. قال: فكتب له جوازاً، ودفع إليه جنداً، وقال: هذه ألف دينار فاستعن بها، قال: لا حاجة لي فيها فيها كلّها؛ فأخذ ثلثمائة دينار، وأقبل بها حتى أتى إبراهيم وهو في بيت، عليهه مدرّعة صوف وعمامة - وقيل بل عليه قباء كأقبية العبيد - فصاح به: قم؛ فوثب كالفزع؛ فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع إليه جوازه، فقال: أين غلامك؟ قال: هذا؛ فلما نظر في وجهه، قال: والله ما هذا غلامك؛ وإنه لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، ولكن اذهب راشداً. فأطلقهما وهرب. قال عمر: فقال بعضهم: ربكا البريد حتى صارا بعبدسي، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها. قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة، فجعل يأتي بهم الدار، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابين، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه، وبقي وحده، فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بن معاوية، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب العمّيّ فأعجزه.
قال عمر: وحدّثني ابن عائشة، قال: حدّثني أبي، قال: الذي احتال لإبراهيم حتى أنجاهما منه عمرو بن شداد.
قال عمر: وحدّثني رجل من أهل المدائن، عن الحسن بن عمرو بن شدّاد، قال: حدّثني أبي، قال: مرّ بي إبراهيم بالمدائن مستخفياً، فأنزلته داراً لي على شاطىء دجلة، وسعي بي إلى عامل المدائن؛ فضربني مائة سوط، فلم أقرر له؛ فلما تركني أتيت إبراهيم فأخبرته، فانحدر.
قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف - وكان يحيى بن زياد ممّن سبي من عسكر قطريّ بن الفجاءة - قال: لما ظهر إبراهيم كنت غلاماً ابن خمس سنين، فسمعت أشياخنا يقولون: إنه مرّ منحدراً يريد البصرة من الشأم؛ فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالي الحجاج، ممن سبي من عسكر قطريّ؛ قال: فمشى معه حتى عبّره المآصر؛ قال: فأقبل بعض من رآه، فقال: رأيت عبد الرحيم مع رجل شاطر، محتجز بإزار مورّد، في يده قوس جلاهق يرمي به؛ فلما رجع عبد الرحيم سئل عن ذلك فأنكره، فكان إبراهيم يتنكّر بذلك.
قال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: لما قدم إبراهيم منصرفه من بغداد، نزل على أبي فروة في كندة فاختفى، وأرسل إلى الناس يندبهم للخروج.

قال عمر: وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الأهوازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن حبيب، عن أبيه، قال: كان إبراهيم مختفياً عندي على شاطىء دجيل، في ناحية مدينة الأهواز؛ وكان محمد ابن حصين يطلبه، فقال يوماً: إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يخبرني أنّ المنجّمين يخبرونه أن إبراهيم بالأهواز نازل في جزيرة بين نهرين، فقد طلبته في الجزيرة حتى وثقت أنه ليس هناك - يعني بالجزيرة التي بين نهر الشاه جرد ودجيل - فقد اعتزمت أن أطلبه غداً في المدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعني بين دجيل والمسرقان، قال: فأتيت إبراهيم، فقلت له: أنت مطلوب غداً في هذه الناحية، قال: فأقمت معه بقيّة يومي، فلما غشيني الليل، خرجت به حتى أنزلته في أداني دشت أربك دون الكثّ؛ فرجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمداً أن يغدو لطلبه؛ فلم يفعل حتى تصرّم النهار، وقربت الشمس تغرب، فخرجت حتى جئت إبراهيم، فأقبلت به حتى وافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حمارين؛ فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع؛ لقينا أوائل خيل ابن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد؛ وجلس يبول، وطوتني الخيل، فلم يعرّج عليّ منهم أحد؛ حتى صرت إلى ابن حصين؛ فقال لي: أبا محمد؛ من أين في مثل هذا الوقت؟ فقلت: تمسّيت عند أهلي، قال: ألا أرسل معك من يبلغك؟ قلت: لا، قد قربت من أهلي؛ فمضى يطلب، وتوجّهت على سنني حتى انقطع آخر أصحابه، ثم كررت راجعاً إلى إبراهيم؛ فالتمست حماره حتى وجدته، فركب، وانطلقنا حتى بتنا في أهلنا، فقال إبراهيم: تعلم والله لقد بلت البارحة دماً؛ فأرسل من ينظر، فأتيت الموضع الذي بال فيه، فوجدته قد بال دماً.
قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن عليّ، قال: قال أبو جعفر: غمض عليّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوف البصرة.
قال: وحدّثني محمد بن مسعر بن العلاء، قال: لما قدم إبراهيم البصرة، دعا الناس، فأجابه مرسعي بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم، ثم ذهب بإبراهيم إلى النّضر بن إسحاق بن عبد الله بن خازم مختفياً، فقال للنضر بن إسحاق: هذا رسول إبراهيم، فكلّمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج، فقال له النّضر: يا هذا، كيف أبايع صاحبك وقد عند جدّي عبد الله بن خازم عن جده عليّ بن أبي طالب، وكان عليه فيمن خالفه، فقال له إبراهيم: دع سيرة الآباء عنك ومذاهبهم؛ فإنما هو الدّين؛ وأنا أدعوك إلى حقّ. قال: إني والله ما ذكرت لك ما ذكرت إلا مازحاً، وما ذاك الذي يمنعني من نصرة صاحبك، ولكني لا أرى القتال ولا أدين به. قال: وانصرف إبراهيم، وتخلّف موسى، فقال: هذا والله إبراهيم نفسه، قال: فبئس لعمر الله ما صنعت! لو كنت أعلمتني كلّمته غير هذا الكلام! قال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: دعا إبراهيم الناس وهو في دار أبي فروة، فكان أوّل من بايعه نميلة بن مرّة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد ابن زياد وعمر بن سلمة الهجيميّ وعبيد الله بن يحيى بن حضين الرّقاشيّ، وندبوا الناس له، فأجاب بعدهم فتيان من العرب؛ منهم المغيرة بن الفزع وأشباه له؛ حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة آلاف؛ وشهر أمره، فقالوا: لو تحوّلت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك وهو مريح؛ فتحوّل ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم - رجل من أهل نيسابور.
قال: وحدّثني يونس بن نجدة؛ قال: كان إبراهيم نازلاً في بني راسب على عبد الرحمن بن حرب؛ فخرج من داره في جماعة من أصحابه؛ منهم عفو الله بن سفيان وبرد بن لبيد؛ أحد بني يشكر، والمضاء التغلبيّ والطهويّ والمغيرة بن الفزع ونميلة بن مرّة ويحيى بن عمرو الهمانّي، فمرّوا على جفرة بني عقيل حتى خرجوا على الطفاوة، ثم مرّوا على دار كرزم ونافع إبليس، حتى دخلوا دار أبي مروان في مقبرة بني يشكر.
قال: وحدّثني ابن عفو الله بن سفيان، قال: سمعت أبي يقول: أتيت إبراهيم يوماً وهو مرعوب؛ فأخبرني أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر، ويأمره بالخروج. قال: فوجم من ذلك واغتمّ له، فجعلت أسهّل عليه الأمر وأقول: قد اجتمع لك أمرك، معك المضاء والطّهويّ والمغيرة؛ وأنا وجماعة، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه؛ فتصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس؛ فطابت نفسه.

قال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البهرانيّ - وكان ذا رأي - فقال: هات رأيك؛ قد ظهر محمد بالمدينة. قال: وجّه الأجنّاد إلى البصرة. قال: انصرف حتى أرسل إليك. فلما صار إبراهيم إلى البصرة، أرسل إليه، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، فقال: إيّاها خفت! بادره بالجنود، قال: وكيف خفت البصرة؟ قال: لأن محمداً ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشأم أعداء آل أبي طالب؛ فلم يبق إلا البصرة. فوجّه أبو جعفر ابني عقيل - قائدين من أهل خراسان من طيّىء - فقدما، وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما.
قال: وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، عن يحيى بن بديل بن يحيى بن بديل، قال: لما ظهر محمد، قال أبو جعفر لأبي أيوب وعبد الملك بن حميد: هل من رجل ذي رأي تعرفانه، نجمع رأيه على رأينا؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى - وقد كان أبو العباس يشاوره - فأرسل إليه، فأرسل إليه، فقال: إنّ محمداً قد ظهر بالمدينة، قال: فاشحن الأهواز جنداً، قال: قد فهمت؛ ولكن الأهواز بابهم الذي يؤتون منه، قال: فقبل أبو جعفر رأيه. قال: فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إلى بديل، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، قال: فعاجله بالجند وأشغل الأهواز عنه.
وحدّثني محمد بن حفص الدّمشقيّ، مولى قريش قال: لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخاً من أهل الشأم ذا رأي، فقال: وجّه إلى البصرة أربعة آلاف من جند أهل الشأم. فلها عنه، وقال: خرف الشيخ؛ ثم أرسل إليه، فقال: قد ظهر إبراهيم بالبصرة، قال: فوجّه إليه جنداً من أهل الشأم، قال: ويلك! ومن لي بهم! قال: اكتب إلى عاملك عليها يحمل إليك في كلّ يوم عشرة على البريد؛ قال: فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم. قال عمر بن حفص: فإنّي لأذكر أبي يعطي الجند حينئذ، وأنا أمسك له المصباح، وهو يعطيهم ليلاً، وأنا يومئذ غلام شابّ.
قال: وحدّثني سهل بن عقيل، قال: أخبرني سلم بن فرقد، قال: لما أشار جعفر بن حنظلة على أبي جعفر بحدر جند الشأم إليه، كانوا يقدمون أرسالاً؛ بعضهم على أثر بعض؛ وكان يريد أن يروّع بهم أهل الكوفة؛ فإذا جنّهم الليل في عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق، فإذا أصبحوا دخلوا، فلا يشك أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الأولين.
حدّثني عبد الحميد - وكان من خدم أبي العباس - قال: كان محمد بن يزيد من قوّاد أبي جعفر؛ وكان له دابّة شهريّ كميت، فربما مرّ بنا ونحن بالكوفة وهو راكبه، قد ساوى رأسه رأسه، فوجّهه أبو جعفر إلى البصرة، فلم يزل بها حتى خرج إبراهيم فأخذه فحبسه.
حدّثني سعيد بن نوح بن مجالد الضّبعيّ، قال: وجّه أبو جعفر مجالداً ومحمداً ابني يزيد بن عمران من أهل أبيورد قائدين، فقدم مجالد قبل محمد، ثم قدم محمد في الليلة التي خرج فيها إبراهيم، فثبّطهما سفيان وحبسهما عنده في دار الإمارة حتى ظهر إبراهيم فأخذهما، فقيّدهما؛ ووجّه أبو جعفر معهما قائداً من عبد القيس يدعى معمراً.
حدّثني يونس بن نجدة، قال: قدم على سفيان مجالد بن يزيد الضبعيّ من قبل أبي جعفر في ألف وخمسمائة فارس وخمسمائة راجل.
حدّثني سعيد بن الحسن بن تسنيم بن الحواري بن زياد بن عمرو بن الأشرف، قال: سمعت من لا أحصي من أصحابنا يذكرون أنّ أبا جعفر شاور في أمر إبراهيم، فقيل له: إن أهل الكوفة له شيعة، والكوفة قدر تفور؛ أنت طبقها، فاخرج حتى تنزلها. ففعل.
حدّثني مسلم الخصيّ مولى محمد بن سليمان، قال: كان أمر إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة؛ وأنا يومئذ لأبي جعفر، فأنزلنا الهاشميّة بالكوفة ونزل هو بالرّصافة في ظهر الكوفة؛ وكان جميع جنده الذين في عسكره نحواً من ألف وخمسمائة؛ وكان المسيّب بن زهير على حرسه، فجزّأ الجند ثلاثة أجزاء: خمسمائة، خمسمائة، فكان يطوف الكوفة كلّها في كلّ ليلة، وأمر منادياً فنادى: من أخذناه بعد عتمة فقد أحلّ بنفسه؛ فكان إذا أخد رجلاً بعد عتمة لفّه في عباءة وحمله، فبيّته عنده، فإذا أصبح سأل عنه، فإن علم براءته أطلقه، وإلا حبسه.
قال: وحدّثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخذ أبو جعفر الناس بالسّواد، فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد.

وحدّثني عليّ بن الجعد، قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلبس الثياب السود حتى البقّالين، إنّ أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس ثم يلبسه.
وحدّثني جوّاد بن غالب، قال: حدّثني العباس بن سلم مولى قحطبة، قال: كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتّهم أحداً من أهل اعلكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر أبي سلماً بطلبه؛ فكان يمهل حتى إذا غسق الليل، وهدأ الناس، نصب سلماً على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله؛ ويأخذ خاتمه. قال أبو سهل جوّاد: فسمعت جميلاً مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم: والله لو لم يورّثك أبوك إلا خواتيم من قتل من أهل الكوفة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:45 pm

وذكر نصر بن قديد، أنّ إبراهيم خرج ليلة الاثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر رجلاً فارساً، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشيّ. قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرص مدداً لسفيان في ألفي رجل، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا. فسار إبراهيم فكان أوّل شيء أصاب دوابّ أولئك الجند وأسلحتهم، وصلّى بالناس الغداة في المسجد الجامع، وتحصّن سفيان في الدّار، ومعه فيها جماعة من بني أبيه، وأقبل الناس إلى إبراهيم من بين ناظر وناصر حتى كثروا، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمان، فأجيب إليه، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السّدوسيّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقى له حصير في مقدّم الإيوان، فهبّت ريح فقلبته ظهراً لبطن؛ فتطيّر الناس لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيّر، ثم جلس عليه مقلوباً والكراهة ترى في وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى عن كلّ من كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية؛ فإنه حبسه في القصر وقيّده قيداً خفيفاً، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يرى أبا جعفر أنه عنده محبوس، وبلغ جعفراً ومحمداً ابني سليمان بن عليّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصير إبراهيم إلى دار الإمارة وحبسه سفيان، فأقبلا - فيما قيل - في ستمائة من الرّجالة والفرسان والنّاشبة يريدانه، فوجّه إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزريّ في ثمانية عشر فارساً وثلاثين راجلاً؛ فهزمهم المضاء. ولحق محمداً رجل من أصحاب المضاء فطعنه في فخذه، ونادى مناد لإبراهيم: لا يتبع مدبر؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان، فنادى بالأمان لآل سليمان، وألاّ يعرض لهم أحد.
وذكر بكر بن كثير؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد وأخذ البصرة، وجد في بيت المال ستمائة ألف، فأمر بالاحتفاظ بها - وقيل إنه وجد في بيت المال ألفي درهم - فقوى بذلك، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلاً يدعى الحسين ابن ثولاء، يدعوهم إلى البيعة، فخرج فأخذ بيعتهم؛ ثم رجع إلى إبراهيم. فوجه إبراهيم المغيرة في خمسين رجلاً، ثم اجتمع إلى المغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مائتي رجل. وكان عامل الأهواز يومئذ من قبل أبي جعفر محمد ابن الحصين، فلما بلغ ابن الحصين دنو المغيرة منه خرج إليه بمن معه، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له دشت أربك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز.
وقد قيل: إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخمري.
ذكر محمد بن خالد المربّعيّ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نميلة بن مرّة العبشميّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بني بهدلة بن عوف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبديّ، ووجّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملاً عليها، فمرّ برام هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن عليّ بن عبد الله عاملاً عليها من قبل أبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن عليّ، فلما بلغ إسماعيل بن عليّ وعبد الصمد إقبال عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطخر - بادرا إلى دارابجرد، فتحصّنا بها، فصارت فارس في يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل، فصارت البصرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم.
وحدّثت عن سليمان بن أبي شيخ، قال: لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبي غيلان اليشكريّ في سبعة عشر ألفاً حتى دخل واسطاً؛ وبها هارون بن حميد الإياديّ من قبل أبي جعفر، فدخل هارون تنوراً في القصر حتى أخرج منه، وأتى أهل واسط حفص بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له: أنت أولى من هذا الهجيميّ؛ فأخذها حفص، وخرج منها اليشكريّ، وولّى حفص شرطه أبا مقرن الهجيميّ.

وذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفقيمي، ابن أخي الفضل بن عمرو الفقيميّ، قال: كان إبراهيم واجداً على هارون بن سعد، لا يكلّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد، فأتى سلم بن أبي واصل، فقال له: أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا! قال: بلى لعمر الله. ثم قام فدخل على إبراهيم، فقال: هذا هارون بن سعد قد جاءك، قال: لا حاجة لي به، قال: لا تفعل؛ في هارون تزهّد؛ فلم يزل به حتى قبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفني أهمّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطاً، واستعمله عليها.
قال سليمان بن أبي شيخ: حدّثني أبو الصعديّ، قال: أتانا هارون بن سعد العجليّ من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة، وكان شيخاً كبيراً، وكان أشهر من معه من أهل البصرة الطهويّ، وكان معه ممنّ يشبه الطهويّ في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبيّ، وكان شجاعاً؛ وكان ممن قدم به - أو قدم عليه - عبدويه كردام الخراسانيّ. وكان من فرسانهم صدقة بن بكار، وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت! فوجّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلّي في خمسة آلاف في قول بعضهم، وقال بعضهم: في عشرين ألفاً، وكانت بينهم وقعات.
وذكر عن ابن أبي الكرام، أنه قال: قدمت على أبي جعفر برأس محمد، وعامر بن إسماعيل بواسط محاصر هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبي جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة، فذكر سليمان بن أبي شيخ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل من وراء النيل، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون، فضربه عبد سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صمغ عربيّ؛ وقال: داو بها جراحتك، فالتقوا غير مرّة، فقتل من أهل البصرة وأهل واسط خلق كثير؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال، ويقول: لو لقي صاحبنا صاحبهم تبيّن لنا الأمر، فاستبقوا أنفسكم؛ فكانوا لا يفعلون. فلما شخص إبراهيم إلى باخمري كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل؛ بعضهم عن بعض، وتوادعوا على ترك الحرب إلى أن يلتقى الفريقان، ثم يكونوا تبعاً للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخول واسط، فمانعه أهلها الدخول. قال سليمان: لما جاء قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهل واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم، فلم يثق كثير منهم بأمانه، فخرجوا منها، ودخلها عامر بن إسماعيل، وأقام بواسط فلم يهج أحداً.
وكان عامر - فيما ذكر - صالح أهل واسط على ألاّ يقتل أحداً بواسط، فكانوا يقتلون كلّ من يجدونه من أهل واسط خارجاً منها؛ ولما وقع الصلح بين أهل واسط وعامر بعد قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوفى قبل أن يبلغها فيما ذكر.
وقيل إن هارون بن سعد اختفى، فلم يزل مختفياً حتى ولى محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان، واستدرجه حتى ظهر، وأمره أن يفرض لمائتين من أهل بيته؛ فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له: أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، وهدم محمد بن سليمان داره.
قال: ولم يزل إبراهيم مقيماً بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال في النواحي ويوجّه الجيوش إلى البلدان؛ حتى أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قديد؛ قال: فرض إبراهيم فروضاً بالبصرة، فلما كان قبل الفطر بثلاثة أيام، أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فخرج بالناس إلى العيد، وهم يعرفون فيه الانكسار، وأخبر الناس بقتل محمد؛ فازدادوا في قتال أبي جعفر بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر، واستخلف نميلة على البصرة، وخلّف ابنه حسناً معه.
قال سعيد بن هريم: حدّثني أبي، قال: قال عليّ بن داود: لقد نظرت إلى الموت في وجه إبراهيم حين خطبنا يوم الفطر، فانصرفت إلى أهلي فقلت: قتل والله الرجل! وذكر محمد بن معروف، عن أبيه أن جعفراً ومحمداً ابني سليمان لما شخصاً من البصرة، أرسلاه إلى أبي جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال: فأخبرته خبرهما، فقال: والله ما أدري كيف أصنع! والله ما في عسكري إلا ألفا رجل؛ فرّقت جندي، فمع المهديّ بالرّيّ ثلاثون ألفاً، ومع محمد بن الأشعث بإفريقيّة أربعون ألفاً والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفاً.

وقال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كثير أحد؛ ما هم إلا سودان وناس يسير؛ وكان يأمر بالحطب فيحزم ثم يوقد باللّيل، فيراه الرائي فيحسب أن هناك ناساً؛ وما هي إلاّ نار تضرم، وليس عندها أحد.
قال محمد بن معروف بن سويد: حدّثني أبي، قال: لما ورد الخبر على أبي جعفر، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل ودع كلّ ما أنت فيه؛ قال: فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس. وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الرّيّ، فضمّه إلى جعفر ابن سليمان.
فذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم، قال: أخبرني أخي سلم بن قتيبة ابن مسلم، قال: لما دخلت على أبي جعفر قال لي: اخرج؛ فإنه قد خرج ابنا عبد الله، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه؛ فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعاً؛ فابسط يدك، وثق بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك. قال: فوالله ما هو إلا أن قتل إبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب.
قال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العقيليّ وأبا يحيى بن خريم وأبا هراسة سنان بن مخيّس القشيريّ، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة؛ عربها ومواليها، وكتب المنصور إلى المهديّ وهو يومئذ بالرّيّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهديّ - فيما ذكر - في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف إلى البصرة، ودخل خازم الأهواز، فأباحها ثلاثاً.
وذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السنديّ يقول: كنت وصيفاً أيام حرب محمد، أقوم على رأس المنصور بالمذبّة، فرأيته لما كثف أمر إراهيم وغلظ، أقام على مصلى نيّفاً وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها؛ فما غيّر الجبّة، ولا هجر المصلّى حتى فتح الله عليه؛ إلاّ أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته. قال: فأتته ريسانة في تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص؛ فلم ينظر إليهما، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لا سبيل لي إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيم! وذكر أن محمداً وجعفراً ابني سليمان كتبا إلى أبي جعفر يعلمانه بعد خروجهما من البصرة الخبر في قطعة جراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جراب بيد الرسول، قال: خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب، ودعا بعبد الرحمن الختّليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعّفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصرٍ هما فيه، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب في آخر كتابه:
أبلغ بني هاشم عنّي مغلغلةً ... فاستيقظوا إنّ هذا فعل نوّام
تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستنفر الحامي
وذكر عن جعفر بن ربيعة العامريّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم، قال: دخلت على المنصور أيام حرب محمد وإبراهيم، وقد جاءه فتق البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وهو ينكت الأرض بمخصرته ويتمثّل:
ونصبت نفسي للرّماح دريّة ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أدام إعزازك ونصرك على عدوّك! أنت كما قال الأعشى:
وإن حربهم أوقدت بينهم ... فحرّت لهم بعد إبرادها
وجدت صبوراً على حرّها ... وكر الحروب وتردادها

فقال: يا حجاج، إنّ إبراهيم قد عرف وعورة جانبي وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني؛ وإنما جرّأه على المسير إليّ من البصرة اجتماع هذه الكور المطلّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجّهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، في كثرة من العدد والعدّة، واستعنت بالله عليه، واستكفيته إياه؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به.
قال جعفر بن ربيعة: قال الحجاج بن قتيبة: لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلماً، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون؛ فوجدته صقراً أحوزياً مشمّراً، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه؛ وإنه لكما قال الأوّل:
نفس عصام سوّدت عاصما ... وعلّمته الكر والإقداما
وصيّرته ملكاً هماما وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجرميّ، وقد وجّه محمد بن عبد الله أخاه لحرب أبي جعفر، فقال يونس: قدم هذا يريد أن يزيل ملكاً، فألهته ابنة عمر بن سلمة عمّا حاوله، ولقد أهديت التيميّة إلى أبي جعفر في تلك الأيام، فتركها بمزجر الكلب، فما نظر إليها حتى انقضى أمر إبراهيم. وكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها.
فلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، دخل - فيما ذكر بشر بن سلم - عليه نميلة الطّهويّ وجماعة من قوّاده من أهل البصرة، فقالوا له: أصلحك الله! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقم بمكانك، ووجّه الأجناد، فإن هزم لك جند أمددتهم بجند، وإن هزم لك قائد أمددته بقائد، فخيف مكانك، واتّقاك عدوّك، وجبيت الأموال، وتبتت وطأتك؛ ثم رأيك بعد. فقال الكوفيّون: أصلحك الله! إن بالكوفة رجالاً لو قد رأوك ماتوا دونك، وإلاّ يروك تقعد بهم أسباب شتى فلا يأتونك، فلم يزالوا به حتى شخص.
وذكر عن عبد الله بن جعفر المدينيّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخمري، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالي، فقال: انطلق بنا نطف في عسكرنا. قال: فسمع أصوات طنابير وغناء فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى فقال: انطلق بنا، فانطلقت معه، فسمع مثل ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا.
وذكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيم افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكره، فحزرت أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف. فأما داود بن جعفر بن سليمان، فإنه قال: أحصيَ في ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف. ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى - في خمسة عشر ألفاً، وجعل على مقدّمته حميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف. فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريّين، ثم رجع أبو جعفر، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خريبة البصرة نحو الكوفة.
فذكر بعض بني تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعيّ، قال: مرّ بنا إبراهيم في طريقه ذلك، ومنزلنا بالقباب التي تدعى قباب أوس، فخرجت أتلقّاه مع أبي وعمّي، فانتهينا إليه وهو على برذون له يرتاد منزلاً من الأرض، قال: فسمعته يتمثّل أبياتاً للقطاميّ:
أمور لو تدبّرها حليم ... إذاً لنهى وهيب ما استطاعا
ومعصية الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرة منه استماعا
وخبر الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتّباعا
ولكن الأديم إذا تفرّى ... بلىً وتعيّباً غلب الصّناعا
فقلت للذي معي: إني لأسمع كلام رجل نادم على مسيره. ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له - فيما ذكر عن سليمان بن أبي شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلاد قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التي وجّهت إليك، ولكني أسلك بك إن تركتني طريقاً لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة. فأبى عليه. قال: فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى بياتاً، قال: إني أكره البيات.

وذكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره، قال: قلت لإبراهيم : إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولي بعد بها أهيل، فدعني أسر إليها مختفياً فأدعو إليك في السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعياً إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شيء دون حلوان. قال: فأقبل على بشير الرحّال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال: إنا لو وثقنا بالذي تصف لكان رأياً؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلاً فيطأ البريء والنّطف والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّت لمأثم ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلت. فقلت لبشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه؛ وأنت تتوقّى قتل الضّعيف والصغير والمرأة والرجل؛ أو ليس قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجّه السرّية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهل ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكمهم غير حكم أولئك؛ فاتبع إبراهيم رأيه ولم يأذن له، وسار إبراهيم حتى نزل باخمري.
وذكر خالد بن أسيد الباهليّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم ابن عبد الكريم: إنك قد أصحرت، ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتي إلا من مأتىً واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه.
قال: فدعا إبراهيم أصحابه، فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل. قال: فنأتيه؟ قالوا: ولم وهو في أيدينا متى أردناه! فقال إبراهيم لحكيم: قد تسمع، فارجع راشداً.
فذكر إبراهيم بن سلم أنّ أخاه حدّثه عن أبيه، قال: لما التقينا صف لهم أصحابنا، فخرجت من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصفّ إذا انهزم بعضه تداعى، فلم يكن لهم نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس، فتنادوا: لا، إلا قتال أهل الإسلام يريدون قوله تعالى: " يقاتلون في سبيله صفاً " .
وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخمري أتيت إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكراع، وإنما معك رجال عراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته، فوالله لأشتّتنّ جموعه، فقال: إني أكره القتل، فقلت: تريد الملك وتكره القتل! وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: لما بلغ إبراهيم قتل أخيه محمد بن عبد الله، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكوفة، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلمه ذلك، ويأمره أن يقبل إليه؛ فوافاه رسول أبي جعفر وكتابه - وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبي جعفر، فوجّهه في القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله، وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس؛ أكثر من جماعة عيسى ابن موسى، فالتقوا بباخمري - وهي على ستة عشر فرسخاً من الكوفة - فاقتتلوا بها قتالاً شديداً، وانهزم حميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه، ومرّوا منهزمين. وأقبل حميد بن قحطبة منهزماً، فقال له عيسى بن موسى: يا حميد، الله الله والطاعة! فقال: لا طاعة في الهزيمة. ومرّ الناس كلهم حتى لم يبق منهم أحد بين يدي عيسى بن موسى، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذي كان فيه لا يزول، وهو في مائة رجل من خاصّته وحشمه، فقيل له: أصلح الله الأمير! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّبهم! فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبداً حتى أقتل أو يفتح الله على يدي؛ ولا يقال: انهزم.

وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال: لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك لاقٍ الرجل، وأن لك جولةً حين تلقاه، ثم يفيء إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك. قال: فوالله لكان كما قال؛ ما هو إلاّ أن التقينا فهزمونا، فلقد رأيتني وما معي إلا ثلاثة أو أربعة؛ فأقبل عليّ مولىً لي - كان ممسكاً بلجام دابتي - فقال: جعلت فداك! علام تقيم وقد ذهب أصحابك! فقلت: لا والله، لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبداً وقد انهزمت عن عدّوهم. قال: فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مرّ بي ممن أعرف من المنهزمين: أقرئوا أهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم: إني لم أجد فداء أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، وقد بذلتها دونكم. قال: فوالله إنا لعلى ذلك والناس منهزمون ما يلوي أحدٌ على أحد. وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر من بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرّوا نحوه، وعقّبنا في آثارهم راجعين؛ فكانت إياها. قال: فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان من صنع الله أنّ أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترض لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب؛ ولم يجدوا مخاضة، فكرّوا راجعين بأجمعهم.
فذكر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخمري ناس من آل طلحة فمخروها على إبراهيم وأصحابه، وبثقوا الماء، فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء. وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هو الذي مخر ليكون قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، فلما انهزم أصحاب إبراهيم ثبت إبراهيم وثبت معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه، اختلف في مبلغ عددهم، فقال بعضهم: كانوا خمسمائة، وقال بعضهم: كانوا أربعمائة، وقال بعضهم: بل كانوا سبعين.
فحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعيد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله في عسكره يدنو ويدنو غبار عسكره؛ حتى يراه عيسى ومن معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعاً يجري نحو إبراهيم، لا يعرّج على شيء؛ فإذا هو حميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحد ممن كان انهزم إلا كرّ راجعاً، حتى خالطوا القوم، فقاتلوهم قتالاً شديداً حتى قتل الفريقان بعضهم بعضاً، وجعل حميد بن قحطبة يرسل بالرءوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتيَ برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد الله؛ فدعا عيسى ابن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ، فأراه إياه، فقال: ليس هذا؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يدرى من رمى به، فوقع في حلق إبراهيم بن عبد الله فنحره، فتنحّى عن موقفه، فقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه، وهو يقول: " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " ، أردنا أمراً وأراد الله غيره؛ فأنزل إلى الأرض وهو مثخن، واجتمع عليه أصحابه وخاصّته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حميد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه: شدّوا على تلك اعلجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدّوا عليهم، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، وخلصوا إليه فحزّوا رأسه؛ فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفريّ، فقال: نعم؛ هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبي جعفر المنصور، وكان قتلُه يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة. وكان يوم قتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.
وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة: كيف قتل إبراهيم؟ قال: إني لأنظر إليه واقفاً على دابّة ينظر إلى أصحاب عيسى قد ولّوا ومنحوه أكتافهم، ونكص عيسى بدابته القهقري وأصحابه يقتلونهم، وعليه قباء زرد، فآذاه الحرّ، فحلّ أزرار قبائه، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه، وحسر عن لّبته، فأتته نشّابة عائرة، فأصابته في لبّته، فرأيته اعتنق فرسه، وكرّ راجعاً، وأطافت به الزيديّة.

وذكر إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام؛ قال: حدّثني أبي، قال: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتهم رايات إبراهيم في آثارهم، فنادى منادي إبراهيم: ألا لا تتّبعوا مدبراً؛ فكرّت الرايات راجعةً، ورآها أصحاب عيسى فخالوهم انهزموا، فكرّوا في آثارهم؛ فكانت الهزيمة.
وذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولة أصحاب عيسى عزم على الرحيل إلى الرّيّ، فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد، أنه قال: لما التقوا هزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة، فأتاني صديق لي كوفيّ، فقال: أيّها الرجل، تعلّم والله لقد دخل أصحابك الكوفة؛ فهذا أخو أبي هريرة في دار فلان، وهذا فلان في دار فلان؛ فانظر لنفسك وأهلك ومالك؛ قال: فأخبرت بذلك سليمان بن مجالد، فأخبر به أبا جعفر، فقال: لا تكشفنّ من هذا شيئاً ولا تلتفتنّ إليه؛ فإنّي لا آمن أن يهجم عليّ ما أكره، وأعدد على كلّ باب من أبواب المدينة إبلاً ودوابّ؛ فإن أتينا من ناحية صرنا إلى الناحية الأخرى. فقيل لسلم: إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر؟ قال: كان عزم على إتيان الريّ، فبلغني أن نيبخت المنجّم دخل على أبي جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، الظّفر لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل ذلك منه، فقال له: احبسني عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثّل ببيت معقّر بن أوس ابن حمار البارقيّ:
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
فأقطع أبو جعفر نيبخت ألفى جريب بنهر جوبر؛ فذكر أبو نعيم الفضل ابن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التي أتيَ فيها برأس إبراهيم - وذلك ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة - أمر برأسه فنُصب رأسه في السوق.
وذكر أن أبا جعفر لما أتيَ برأسه فوضع بين يديه بكى حتى قطرت دموعه على خدّ إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنت لهذا لكارهاً، ولكنّك ابتليت بي وابتليت بك.
وذكر عن صالح مولى المنصور أنّ المنصور لما أتيَ برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه، وجلس مجلساً عاماً، وأذن للناس، فكان الدّاخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسىء القول فيه، ويذكر منه القبيح، التماساً لرضا أبي جعفر، وأبو جعفر ممسك متغيّر لونه؛ حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف سلّم، ثم قال: عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقك! فاصفرّ لون أبي جعفر وأقبل عليه، فقال: أبا خالد، مرحباً وأهلاً ها هنا! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة.
وفي هذه السنة خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة.
وحجّ بالناس في هذه السنة السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب. وكان عامل أبي جعفر على مكة.
وكان والي المدينة في هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثيّ، ووالي الكوفة وأراضيها عيسى بن موسى، ووالي البصرة سلم بن قتيبة الباهليّ. وكان على قضائها عبّاد بن منصور، وعلى مصر يزيد بن حاتم.
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر استتمام بناء بغداد وتحوّل أبي جعفر إليها فممّا كان فيها من ذلك استتمام أبي جعفر مدينته بغداد؛ ذكر محمد بن عمر أنّ أبا جعفر تحوّل من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد في صفر سنة ستّ وأربعين ومائة، فنزلها وبنى مدينتها.
ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها: قد ذكرنا قبل السبب الباعث كان لأبي جعفر على بنائها، والسبب الذي من أجله اختار البقعة التي بنى فيها مدينته، ونذكر الآن صفة بنائه إياها.
ذكر عن رشيد أبي داود بن رشيد أنّ أبا جعفر شخص إلى الكوفة حين بلغه خروج محمد بن عبد الله، وقد هيّأ لبناء مدينة بغداد ما يحتاج إليه من خشب وساج وغير ذلك؛ واستخلف حين شخص على إصلاح ما أعدّ لذلك مولىً له يقال له أسلم؛ فبلغ أسلم أنّ إبراهيم بن عبد الله قد هزم عسكر أبي جعفر، فأحرق ما كان خلّفه عليه أبو جعفر من ساج وخشب؛ خوفاً أن يؤخذ منه ذلك؛ إذا غلب مولاه؛ فلما بلغ أبا جعفر ما فعل من ذلك مولاه أسلم كتب إليه يلومه على ذلك؛ فكتب إليه أسلم يخبر أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئاً.

وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن أبيه، قال: لما أراد المنصور بناء مدينة بغداد، شاور أصحابه فيها؛ وكان ممّن شاوره فيها خالد بن برمك، فأشار بها؛ فذكر عن عليّ بن عصمة أن خالد بن برمك خطّ مدينة أبي جعفر له، وأشار بها عليه؛ فلما احتاج إلى الأنقاض، قال له: ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه؟ قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولمَ؟ قال: لأنه علمٌ من أعلام الإسلام، يستدلّ به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا؛ وإنما هو على أمر دين؛ ومع هذا يا أمير المؤمنين؛ فإن فيه مصلّى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: هيهات يا خالد! أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم! وأمر أن ينقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه، وحمل نقضه، فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثملن الجديد لو عمل، فرُفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد بن برمك، فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أرى قبل ألاّ تفعل، فأما إذ فعلت فإني أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده؛ لئلا يقال: إنك قد عجزت عن هدمه. فأعرض المنصور عن ذلك، وأمر ألاّ يهدم. فقال موسى بن داود المهندس: قال لي المأمون - وحدّثني بهذا الحديث: يا موسى إذا بنيت لي بناء فاجعله ما يعجز عن هدمه ليبقى طلله ورسمه.
وذكر أنّ أبا جعفر احتاج إلى الأبواب للمدينة؛ فزعم أبو عبد الرحمن الهمانيّ أن سليمان بن داود كان بني مدينةً بالقرب من موضع بناء الحجاج واسطاً يقال لها الزّندورد، واتّخذت له الشياطين لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عمل مثلها، فنصبها عليها، فلم تزل عليها إلى أن بنى الحاج واسطاً، وخربت تلك المدينة، فنقل الحجاج أبوابها فصيّرها على مدينته بواسط، فلمّا بنى أبو جعفر المدينة أخذ تلك الأبواب فنصبها على المدينة؛ فهي عليها إلى اليوم. وللمدينة ثمانية أبواب: أربعة داخلة وأربعة خارجة؛ فصار على الداخلة أربعة أبواب من هذه الخمسة، وعلى باب القصر الخارج الخامس منها، وصيّر على باب خراسان الخارج باباً جىء به من الشأم من عمل الفراعنة، وصيّر على باب الكوفة الخارج باباً جيء به من الكوفة، كان عمله خالد بن عبد الله القسريّ، وأمر باتّخاذ باب لباب الشأم، فعمل ببغداد، فهو أضعف الأبواب كلها. وبنيت المدينة مدوّرة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع، وجعل أبوابها أربعة؛ على تدبير العساكر في الحروب، وعمل لها سورين، فالسور الداخل أطول من السور الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع حول القصر.
وذكر أنّ الحجاج بن أرطاة هو الذي خطّ مسجد جامعها بأمر أبي جعفر، ووضع أساسه. وقيل إن قبلتها على غير صواب وإنّ المصلّى فيه يحتاج أن ينحرف إلى باب البصرة قليلاً، وإن قبلة مسجد الرصافة أصوب من قبلة مسجد المدينة؛ لأنّ مسجد المدينة بُني على القصر، ومسجد الرّصافة بُني قبل القصر وبُني القصر عليه؛ فلذلك صار كذلك.
وذكر يحيى بن عبد الخالق أنّ أباه حدّثه أن أبا جعفر ولّى كلّ ربع من المدينة قائداً يتولى الاستحثاث على الفراغ من بناء ذلك الرّبع.
وذكر هارون بن زياد بن خالد بن الصلت، قال: أخبرني أبي، قال: وليَ المنصور خالد بن الصلت النفقة على ربع من أرباع المدينة وهي تبنى. قال خالد: فلما فرغت من بناء ذلك الربع رفعت إليه جماعة النفقة عليه، فحسبها بيده، فبقي عليّ خمسة عشر درهماً، فحبسني بها في حبس الشرقية أياماً حتى أدّيتها، وكان اللبن الذي صنع لبناء المدينة اللبنة منها ذراع في ذراع.
وذكر عن بعضهم أنه هدم من السور الذي يلي باب المحوّل قطعة فوجد فيها لبنة مكتوباً عليها بمغرة وزنها مائة وسبعة عشر رطلاً. قال: فوزنّاها فوجدناها على ما كان مكتوباً عليها من الوزن. وكانت مقاصير جماعة من قوّاد أبي جعفر وكتابه تشرع أبوابها إلى رحبة المسجد.

وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق؛ خال الفضل بن الربيع، أنّ عيسى بن عليّ شكا إلى أبي جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن المشي يشقّ عليّ من باب الرّحبة إلى القصر، وقد ضعفت. قال: فتحمل في محفّة، قال: إني أستحيي من الناس، قال: وهل بقي أحد يستحيا منه! قال: يا أمير المؤمنين، فأنزلني منزلة راوية من الروايا، قال: وهل يدخل المدينةراوية أو راكب؟ قال: فأمر الناس بتحويل أبوابهم إلى فصلان الطاقات؛ فكان لا يدخل الرّحبة أحد إلاّ ماشياً. قال: ولمّا أمر المنصور بسدّ الأبواب ممّايلي الرحبة وفتحها إلى الفصلان صيرت الأسواق في طاقات المدينة الأربع، في كلّ واحد سوق، فلم تزل على ذلك مدّة حتى قدم عليه بطريق من بطارقة الرّوم وافداً، فأمر الرّبيع أن يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الرّبيع، فلمّا انصرف قال: كيف رأيت مدينتي - وقد كان أصعد إلى سور المدينة وقباب الأبواب؟ قال: رأيت بناء حسناً؛ إلاّ أني قد رأيت أعداءك معك في مدينتك، قال: ومن هم؟ قال: السوقة، قال: فأضبّ عليها أبو جعفر، فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة، وتقدّم إلى إبراهيم بن حبيش الكوفيّ، وضمّ إليه جوّاس بن المسيّب اليمانيّ مولاه، وأمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ، ويجعلاها صفوفاً وبيوتاً لكل صنف؛ وأن يدفعاها إلى الناس. فلما فعلا ذلك حوّل السوق من المدينة إليها، ووضع عليهم الغلة على قدر الذّرع؛ فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الأسواق لم يكن رغب في البناء فيها إبراهيم بن حبيش وجوّاس، لأنها لم تكن على تقديم الصّفوف من أموالهم؛ فألزموا من الغلة أقلّ مما ألزم الذين ننزلوا في بناء السلطان.
وذكر بعضهم أن السبب في نقل أبي جعفر التجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة، أنه قيل لأبي جعفر: إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها، ولا يؤمن أن يكون فيهم جواسيس، ومن يتعرّف الأخبار، أو أن يفتح أبواب المدينة ليلاً لموضع السوق، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشُّرَط والحرس، وبنى للتجار بباب طاق الحرّانيّ وباب الشأم والكرخ.
وذكر عن الفضل بن سليمان الهاشميّ، عن أبيه، أنّ سبب نقله الأسواق من مدينة السلام ومدينة الشرقيّة إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحوّل؛ أنّ رجلاً كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله، ولاّه المنصور حسبة بغداد والأسواق سنة سبع وخمسين ومائة، والسوق في المدينة؛ وكان المنصور يتبع من خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب، فجمع على المنصور جماعة استغواهم من السفلة، فشغبوا واجتمعوا، فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسيّ فسكّنهم، وأخذ أبا زكرياء فحبسه عنده، فأمره أبو جعفر بقتله، فقتله بيده حاجب كان لأبي العباس الطوسيّ يقال له موسى، على باب الذهب في الرّحبة بأمر المنصور، وأمر أبو جعفر بهدم ما شخص من الدّور في طريق المدينة، ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعاً، وهدم ما زاد على ذلك المقدار، وأمر بنقل الأسواق إلى الكرخ.
وذكر عن أبي جعفر أنه لما أمر بإخراج التجار من المدينة إلى الكرخ كلمه أبان بن صدقة في بقّال، فأجابه إليه على ألاّ يبيع إلا الخلّ والبقل وحده، ثم أمر أن يجعل في كلّ ربع بقّال واحد على ذلك المثال.

وذكر عن عليّ بن محمد أن الفضل بن الربيع، حدّثه أن المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة، دخله فطاف فيه، واستحسنه واستنظفه، وأعجبه ما رأى فيه؛ غير أنه استكثر ما أنفق عليه. قال: ونظر إلى موضع فيه استحسنه جداً، فقال لي: اخرج إلى الرّبيع فقل له: اخرج إلى المسيّب، فقل له: يحضرني الساعة بنّاء فارهاً. قال: فخرجت إلى المسيّب فأخبرته، فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه، فأدخله على أبي جعفر؛ فلمّا وقف بين يديه قال له: كيف عملت لأصحابنا في هذا القصر؟ وكم أخذت من الأجرة لكل ألف آجرّة ولبنة؟ فبقي البنّاء لا يقدر على أن يردّ عليه شيئاً، فخافه المسيّب، فقال له المنصور: مالك لا تكلّم! فقال: لا علم لي يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! قل وأنت آمن من كلّ ما تخافه. قال: يا أمير المؤمنين، لا والله ما أقف عليه ولا أعلمه. قال: فأخذ بيده، وقال له: تعال، لا علّمك الله خيراً! وأدخله الحجرة التي استحسنها، فأراه مجلساً كان فيها، فقال له: انظر إلى هذا المجلس وابنِ لي بإزائه طاقاً يكون شبيهاً بالبيت، لا تدخل فيه خشباً، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأقبل البنّاء وكل من معه يتعجّبون من فهمه بالبناء والهندسة، فقال له البنّاء: ما أحسن أن أجيء به على هذا، ولا أقوم به على الذي تريد! فقال له: فأنا أعينك عليه، قال: فأمر بالآجرّ والجصّ، فجيء به، ثم أقبل يحصي جميع ما دخل في بناء الطاق من الآجر والجصّ؛ ولم يزل كذلك حتى فرغ منه في يومه وبعض اليوم الثاني، فدعا بالمسيّب، فقال له: ادفع إليه أجره على حسب ما عمل معك، قال: فحاسبه المسيّب، فأصابه خمسة دراهم؛ فاستكثر ذلك المنصور، وقال: لا أرضي بذلك؛ فلم يزل به حتى نقصه درهماً، ثم أخذ المقادير، ونظر مقدار الطاق من الحجرة حتى عرفه، ثم أخذ الوكلاء والمسيّب بحملان النفقات، وأخذ معه الأمناء من البنائين والمهندسين حتى عرّفوه قيمة ذلك؛ فلم يزل يحسبه شيئاً شيئاً، وحملهم على ما رفع في أجرة بناء الطاق؛ فخرج على المسيّب مما في يده ستة آلاف درهم ونيّف، فأخذه بها واعتقله، فما برح من القصر حتى أدّاها إليه.
وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدت في خزائن أبي المنصور في الكتب، أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والأسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهماً، ومبلغها من الفلوس مائة ألف ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس؛ وذلك أن الأستاذ من البنّائين كان يعمل يومه بقيراط فضّة، والروزكاري بحبّتين إلى ثلاث حبّات.
ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة وفي هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة، وولاّها محمد بن سليمان بن عليّ.
ذكر الخبر عن سبب عزله إياهذكر عبد الملك بن شيبان أنّ يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشميّ، قال: كتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة لما ولاه البصرة: أما بعد، فاهدم دور من خرج مع إبراهيم، واعقر نخلهم. فكتب إليه سلم: بأيّ ذلك أبدأ؟ أبالدّور أم بالنخل؟ فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد، فقد كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم، فكتبت تستأذنني في أيّةٍ تبدأ به بالبرنيّ أم بالشهريز! وعزله وولّى محمد بن سليمان، فقدم فعاث.
وذكر عن يونس بن نجدة، قال: قدم علينا سلم بن قتيبة أميراً بعد الهزيمة وعلى شرطه أبو برقة يزيد بن سلم، فأقام بها سلم أشهراً خمسة، ثم عزل، وولّى علينا محمد بن سليمان.
قال عبد الملك بن شيبان: هدم محمد بن سليمان لما قدم دار يعقوب بن الفضل، ودار أبي مروان في بني يشكر، ودار عون بن مالك، ودار عبد الواحد ابن زياد، ودار الخليل بن الحصصين في بني عديّ، ودار عفو الله بن سفيان؛ وعقر نخلهم.
وغزا الصّائفة في هذه السنة جعفر بن حنظلة البهرانيّ.
وفي هذه السنة عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، وولّيَ مكانه جعفر ابن سليمان، فقدمها في شهر ربيع الأول.
وعزل أيضاً في هذه السنة عن مكة السريّ بن عبد الله، ووليها عبد الصمد ابن عليّ.
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال محمد بن عمر وغيره.
الجزء الثامن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:47 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة

ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها
فما كان فيها من ذلك إغارة إسترخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية إرمينية وسبيه من المسلمين وأهل الذمة خلقاً كثيراً، ودخولهم تفليس، وقتلهم حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان حرب هذا - فيما ذكر - مقيماً بالموصل في ألفين من الجند، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة . وكان أبو جعفر حين بلغه تحزب الترك فيما هناك وجه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، وكتب إلى حرب يأمره بالمسير معه؛ فسار معه حرب، فقتل حرب وهزم جبرئيل، وأصيب من المسلمين من ذكرت .
ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن علي بن عباسوفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن علي بن عباس. واختلفوا في سبب هلاكه، فقال بعضهم ما ذكره علي بن محمد النوفلي عن أبيه أن أبا جعفر حج سنة سبع وأربعين ومائة بعد تقدمته المهدي على عيسى بن موسى بأشهر، وقد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولى مكانه محمد بن سليمان ابن علي، وأوفده إلى مدينة السلام، فدعا به، فدفع إليه عبد الله ابن علي سراً في جوف الليل. ثم قال له: يا عيسى؛ إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت ولي عهدي بعد المهدي، والخلافة صائرة إليك؛ فخذه إليك فاضرب عنقه، وإياك أن تخور أو تضعف، فتنقض علي أمري الذي دبرت.ثم مضى لوجهه، وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله :ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه فيه ؟ فكتب إليه: قد أنفذت ما أمرت به؛ فلم يشك أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به، وأنه قد قتل عبد الله بن علي؛ وكان عيسى حين دفعه إليه ستره ؛ ودعا كاتبه يونس ابن فروة، فقال له: إن هذا الرجل دفع إلي عمه؛ وأمرني فيه بكذا وكذا. فقال له: أراد أن يقتلك و يقتله، أمرك بقتله سراً، ثم يدعيه عليك علانية ثم يقيدك به. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلع على أمره أحداً، فإن طلبه منك علانيةً دفعته إليه علانيةً، و لا تدفعه إليه سراً أبداً، فإنه وإن كان أسره إليك؛ فإن أمره سيظهر. ففعل ذلك عيسى.
وقدم المنصور ودسّ إلى عمومته من يحركهم على مسألته هبة عبد الله بن علي لهم، ويطمعهم في أنه سيفعل . فجاءوا إليه وكلموه ورققوه، وذكروا له الرحم وأظهروا له رقة، فقال : نعم، علي بعيسى بن موسى؛ فأتاه فقال له: يا عيسى؛ قد علمت أني دفعت إليك عمي وعمك عبد الله بن علي قبل خروجي إلى الحج، وأمرتك أن يكون في منزلك، قال: قد فعلت ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله؛ فأتنا به. فقال: يا أمير المؤمنين، ألم تأمرني بقتله فقتلته! قال: ما أمرتك بقتله إنما أمرتك بحبسه في منزلك. قال: قد أمرتني بقتله، قال له المنصور: كذبت، ما أمرتك بقتله. قال لعمومته: إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم، وادعى أني أمرته بذلك، وقد كذب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به، فأخرجوه إلى الرحبة، واجتمع الناس، وشهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه، وتقدم إلى عيسى ليضربه، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله، قال: لا تعجلوا، ردوني إلى أمير المؤمنين، فردوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلني؛ هذا عمك حي سوي، إن أمرتني بدفعه إليك دفعته. قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبرت علي أمراً فخشيته؛ فكان كما خشيت؛ شأنك وعمك. قال: يدخل حتى أرى رأيي. ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح، وأجري في أساسه الماء، فسقط عليه فمات؛ فكان من أمره ما كان. وتوفي عبد الله بن علي في هذه السنة ودفن في مقابر باب الشأم؛ وكان أول من دفن فيها.
وذكر عن ابراهيم بن عيسى بن المنصور بن بريه أنه قال: كانت وفاة عبد الله بن علي في الحبس سنة سبع وأربعون ومائة، وهو ابن اثنين وخمسين سنة.
قال إبراهيم بن عيسى: لما توفي عبد الله بن علي ركب المنصور يوماً ومعه عبد الله بن عياش، فقال له وهو يجاريه:

أتعرف ثلاثة خلفاء، أسماؤهم على العين مبدؤها، قتلوا ثلاثة خوارج مبدأ أسمائهم العين؟ قال: لا أعرف إلا ما تقول العامة؛ إن علياً قتل عثمان وكذبوا وعبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد وعبد الله بن علي سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله البيت، فأنا ما ذنبي؟ قال: ما قلت إن لك ذنباً.
ذكر خبر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسىوفي هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهدي، وجعله ولي عهد من بعده. وقال بعضهم: ثم من بعده عيسى بن موسى.
ذكر الخبر عن سبب نزعه إياه وكيف كان الأمر في ذلك اختلف في الذي وصل به أبو جعفر إلى خلعه. فقال بعضهم: السبب الذي وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقر عيسى بن موسى بعد وفاة أبي العباس على ما كان أبو العباس ولاه من ولاية الكوفة وسوادها، وكان له مكرماً مجلاً، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس المهدي عن يساره؛ فكان ذلك فعله به؛ حتى عزم المنصور على تقديم المهدي في الخلافة عليه. وكان أبو العباس جعل الأمر من بعده لأبي جعفر، ثم من بعد أبي جعفر لعيسى ابن موسى؛ فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين؛ فكيف بالأيمان والمواثيق التي علي وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الأيمان! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين. فلما رأى أبو جعفر امتناعه، تغير لونه وباعده بعض المباعدة، وأمر بالإذن للمهدي قبله؛ فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى، ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدي عن يمين المنصور أيضاً، ولا يجلس عن يسابه في المجلس الذي كان يجلس فيه المهدي، فيغتاظ من ذلك المنصور، ويبلغ منه، فيأمر بالإذن للمهدي ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى بن علي، فيلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى. فإذا كان بعد ذلك قدم في الإذن للمهدي على كل حال، ثم يخلط في الآخرين، فيقدم بعض من أخر ويؤخر بعض من قدم ويوهم عيسى بن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذاكرتهم بالشيء من أمره؛ ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم؛ وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئاً، ولا يستعتب . ثم صار إلى أغلظ من ذلك؛ فكان يكون في المجلس معه بعض ولده، فيسمع الحفر في أصل الحائط فيخاف أن يخر عليه الحائط، وينتثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحويل. ويقوم هو فيصلي، ثم يأتيه الإذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه؛ فإذا رآه المنصور قال له: يا عيسى، ما يدخل علي أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب! أفكل هذا من الشارع؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين؛ وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطعمه أن يشكو إليه شيئاً فلا يشكو؛ وكان المنصور قد أرسل إليه في الأمر الذي أراد منه عيسى بن علي، فكان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخله فيه؛ كأنه كان يغري به. فقيل: إنه دس لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه؛ فنهض من المجلس، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا موسى؟ قال: أجد غمزاً يا أمير المؤمنين، قال: ففي الدار إذاً! قال: الذي أجده أشد مما أقيم معه في الدار، قال: إلى المنزل؛ ونهض فصار إلى حراقته، ونهض المنصور في أثره إلى الحراقة متفزعاً له، فاستأذنه عيسى في المسير إلى الكوفة، فقال: بل تقيم فتعالج هاهنا، فأبى وألح عليه، فأذن له. وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرائيل، قال: إني والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة، وما آمن على نفسي. فأذن له المنصور، وقال له: أنا على الحج في سنتي هذه، فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق إن شاء الله.
وتقارب وقت الحج، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعى الرصافة، فأقام بها أياماً، فأجرى هناك الخيل، وعاد عيسى غير مرة، ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحج، واعتل بقلة الماء في الطريق. وبلغت العلة من عيسى بن موسى كل مبلغ؛ حتى تمعط شعره، ثم أفاق من علته تلك، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبي حزابة البرجمي أبو زياد:

أفلت من شربة الطبيب كما ... أفلت ظبي الصريم من قتره
من قانصٍ ينفذ الفريص إذا ... ركب سهم الحتوف في وتره
دافع عن المليك صولة لي ... ث يريد الأسد في ذرى خمره
حتى أتانا وفيه داخلة ... تعرف في سمعه وفي بصره
أزعر قد طار عن مفارقه ... وحف أثيث النبات من شعره
وذكر أن عيسى بن علي كان يقول للمنصور: إن عيسى بن موسى إنما يمتنع، البيعة للمهدي لأنه يربص هذا الأمر لابنه موسى، فموسى الذي يمنعه. فقال المنصور لعيسى بن علي: كلم موسى بن عيسى وخوفه على أبيه وعلى ابنه؛ فكلم عيسى بن علي موسى في ذلك، فأيأسه، فتهدده وحذره غضب المنصور. فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه، أتى العباس بن محمد، فقال: أي عم، إني مكلمك بكلامٍ، لا والله ما سمعه مني أحدٌ قط، ولا يسمعه أحد أبداً ؛ وإنما أخرجه مني إليك موضع ثقتي بك والطمأنينة إليك؛ وهو أمانة عندك؛ فإنما هي نفسي أنثلها في يدك. قال: قل يا ابن أخي؛ فلك عندي ما تحبه، قال: أرى ما يسام أبي من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدي؛ فهو يؤذى بصنوف الأذى والمكروه، فيتهدد مرة ويؤخر أذنه مرة، وتهدم عليه الحيطان مرة، وتدس إليه الحتوف مرة. فأبي لا يعطي على هذا شيئاً؛ لا يكون ذلك أبداً؛ ولكن هاهنا وجهاً، فلعله يعطي عليه إن أعطى وإلا فلا، قال: فما هو يا ابن أخي؟ فإنك قد أصبت ووفقت ، قال: يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: يا عيسى، إني أعلم أنك لست تضن بهذا الأمر على المهدي بنفسك؛ لتعالي سنك وقرب أجلك؛ فإنك تعلم أنه لا مدة لك تطول فيه؛ وإنما تضن به لمكان ابنك موسى؛ أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلي عليه! كلا والله لا يكون ذلك أبداً؛ ولأثبن على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه، وآمن أن يلي على ابني. أترى ابنك آثر عندي من ابني! ثم يأمر بي؛ فإما خنقت وإما شهر علي سيف. فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل بهذا السبب؛ فأما بغيره فلا. فقال العباس: جزاك الله يا ابن أخي خيراً، فقد فديت أباك بنفسك، وآثرت بقاءه على حظك، نعم الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت! ثم أتى أبا جعفر فأخبره الخبر، فجزى المنصور موسى خيراً؛ وقال: قد أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به إن شاء الله، فلما اجتمعوا وعيسى بن علي حاضر، أقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال: يا عيسى؛ إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره، ولا مداك الذي تجري إليه في الأمر الذي سألتك؛ إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشئوم عليك وعلى نفسه؛ فقال عيسى بن علي؟؟؟: يا أمير المؤمنين، غمزني البول، قال: فندعوا لك بإناء تبول فيه، قال: أفي مجلسك يا أمير المؤمنين! ذلك ما لا يكون، ولكن أقرب البلاليع مني أدل عليها فآتيها. فأمر من يدله، فانطلق. فقال عيسى بن موسى لابنه موسى: قم مع عمك، فاجمع عليه ثيابه من ورائه، وأعطه منديلاً إن كان معك ينشف به، فلما جلس عيسى يبول جمع موسى عليه ثيابه من ورائه وهو لا يراه، فقال: من هذا؟ فقال: موسى بن عيسى، فقال: بأبي أنت وبأبي أب ولدك! والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وإنكما لأحق به؛ ولكن المرء مغرى بما تعجل، فقال موسى في نفسه: أمكنني والله هذا من مقاتله؛ وهو الذي يغري بأبي، والله لأقتلنه بما قال لي، ثم لا أبالي أن يقتلني أمير المؤمنين بعده، بل يكون في قتله عزاء لأبي وسلو عني إن قتلت. فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى: يا أمير المؤمنين، أذكر لأبي أمراً! فسره ذلك، وظن أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم، فقال: قم، فقام إليه، فقال: يا أبت ؛ إن عيسى بن علي قد قتلك وإياي قتلات بما يبلغ عنا، وقد أمكنني من مقاتله، قال: وكيف؟ قال: قال لي كيت وكيت، فأخبر أمير المؤمنين فيقتله؛ فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياي ثم لا نبالي ما كان بعد. فقال: أفٍ لهذا رأياً ومذهباً! أئتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك بها،فجعلتها سبباً لمكروهه وتلفه! لا يسمعن هذا منك أحد، وعد إلى مجلسك. فقام فعاد، وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثراً فلم يره، فعاد إلى وعيده الأول وتهدده، فقال:

أما والله لأعجلن لك فيه ما يسوءك ويوئسك من بقائه بعدك، أيا ربيع، قم إلى موسى فاخنقه بحمائله، فقام الربيع فضم حمائله عليه، فجعل يخنقه بها خنقاً رويداً، وموسى يصيح: الله الله يا أمير المؤمنين في وفي دمي! فإني لبعيد مما تظن بي، وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر نفراً ذكراً - كلهم عنده مثلي - أو يتقدمني؛ وهو يقول: أشدد يا ربيع، ائت على نفسه، والربيع يوهم أنه يريد تلفه، وهو يراخي خناقه وموسى يصيح، فلما رأى ذاك عيسى قال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الأمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكف عنه؛ فإني لم أكن لأرجع إلى أهلي؛ وقد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي، فكيف بابني! فها أنا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل الله، تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين؛ وهذه يدي بالبيعة للمهدي. فأخذ بيعته له على ما أحب ثم قال: يا أبا موسى؛ إنك قد قضيت حاجتي هذه كارهاً، ولي حاجة أحب أن تقضيها طائعاً، فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تجعل هذا الأمر من بعد المهدي لك، قال: ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها. فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتى قال: ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. فقال بعض أهل الكوفة - ومر عليه عيسى في موكبه: هذا هذا الذي كان غداً، فصار بعد غدٍ.
وهذه القصة - فيما قيل - منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها.
وأما الذي يحكى عن غيرهم في ذلك؛ فهو أن المنصور أراد البيعة للمهدي، فكلم الجند في ذلك، فقال للجند: لا تؤذوا ابن أخي؛ فإنه جلدة بين عيني، ولو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم؛ فكانوا يكفون ثم يعودون؛ فمكث بذلك زماناً، ثم كتب إلى عيسى: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى. سلامٌ عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فالحمد لله ذي المن القديم، والفضل العظيم، والبلاء الحسن الجميل، الذي ابتدأ الخلق بعلمه، وأنفذ القضاء بأمره؛ فلا يبلغ مخلوق كنه حقه، ولا ينال في عظمته كنه ذكره، يدبر ما أراد من الأمور بقدرته، ويصدرها عن مشيئته؛ لا قاضي فيها غيره، ولا نفاذ لها إلا به، يجريها على أذلالها، لايستأمر فيها وزيراً ، ولا يشاور فيها معيناً ، ولا يلتبس عليه شيء أراده، يمضي قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا ؛ لا يستطيعون منه امتناعاً، ولا عن أنفسهم دفاعاً، رب الأرض ومن عليها، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

ثم إنك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولاية الظلمة، كيف كانت قوتنا وحيلتنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه، واجتمع رأيهم عليه، نسام الخسف، ونوطأ بالعسف، لا ندفع ظلماً، ولا نمنع ضيما ً، ولا نعطي حقاً، ولا ننكر منكراً، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعاً؛ حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى الأمر إلى مدته، وأذن الله في هلاك عدوه، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فابتعث الله لهم أنصاراً يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عدوهم، ويدعون إلى حبهم، وينصرون دولتهم، من أرضين متفرقة، وأسباب مختلفة، وأهواء مؤتلفة، فجمعهم الله على طاعتنا، وألف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا، وأعزهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلاً، ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم؛ حتى ابتعثهم لنا من بلادهم، ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقون الظفر، ويعودون بالنصر، وينصرون بالرعب، لا يلقون أحداً إلا هزموه، ولا واتراً إلا قتلوه؛ حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا، وإهلاك عدونا؛ كرامة من الله جل وعز لنا، وفضلاً منه علينا، بغير حول منا ولا قوة، ثم لم نزل من ذلك في نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ هذا الغلام، فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا، وأشرب قلوبهم مودته، وقسم في صدورهم محبته، فصاروا لا يذكرون إلا فضله، ولا ينوهون إلا باسمه، ولا يعرفون إلا حقه، فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته، وأجرى على ألسنتهم من ذكره، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه، ودعاء العامة إلى طاعته، أيقنت نفس أمير المؤمنين أن ذلك أمر تولاه الله وصنعه؛ لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة، ولا مؤامرة ولا مذاكرة؛ للذي رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة، وتتابع العامة؛ حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدي بحق الأبوة، لأفضت الأمور إليه. وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامة، ولا يجد مناصاً عن خلاص ما دعوا إليه، وكان أشد الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصته وثقاته من حرسه وشرطه؛ فلم يجد أمير المؤمنين بداً من استصلاحهم ومتابعتهم؛ وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحق من سارع إلى ذلك وحرص عليه، ورغب فيه وعرف فضله، ورجا بركته، وصدق الرواية فيه، وحمد الله إذ جعل في ذريته مثل ما سألت الأنبياء قبله؛ إذ قال العبد الصالح: " فهب لي من لدنك ولياً. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " فوهب الله لأمير المؤمنين ولياً، ثم جعله تقياً مباركاً مهدياً وللنبي صلى الله عليه وسلم سمياً، وسلب من انتحل هذا الاسم، ودعا إلى تلك الشبهة التي تحير فيها أهل تلك النية، وافتتن بها أهل تلك الشقوة، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السوء عليهم، وأقر الحق قراره، وأعلن للمهدي مناره، وللدين أنصاره، فأحب أمير المؤمنين أن يعلمك الذي اجتمع عليه رأي رعيته؛ وكنت في نفسه بمنزلة ولده، يحب من سترك ورشدك وزينك ما يحب لنفسه وولده، ويرى لك إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداء ذلك من قبلك، ليعلم أنصارنا من أهل خراسان وغيرهم أنك أسرع إلى ما أحبوا مما عليه رأيهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وإن ما كان عليه من فضلٍ عرفوه للمهدي، أو أملوه فيه، كنت أحظى الناس بذلك، وأسرهم به لمكانه وقرابته؛ فاقبل نصح أمير المؤمنين لك، تصلح وترشد. والسلام عليك ورحمة الله.
فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها:

" بسم الله الرحمن الرحيم " . لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى. سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما أجمعت عليه من خلاف الحق وركوب الإثم في قطيعة الرحم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لي من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله، وتفرق بين ما ألف الله جمعه ، وتجمع بين ما فرق الله أمره، مكابرةً لله في سمائه، وحولاً على الله في قضائه، ومتابعة للشيطان في هواه، ومن كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره عن شيء خدعه، ومن توكل على الله منعه، ومن تواضع لله رفعه. إن الذي أسس عليه البناء، وخط عليه الحذاء من الخليفة الماضي عهدٌ لي من الله، وأمر نحن فيه سواء، ليس لأحد من المسلمين فيه رخصة دون أحد؛ فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحق به من الآخر، وإن حل من الآخر شيء فما حرم ذلك من الأول؛ بل الأول الذي تلا خبره وعرف أثره، وكشف عما ظن به وأمل فيه أسرع؛ وكان الحق أولى بالذي أراد أن يصنع أولاً، فلا يدعوك إلى الأمن من البلاء اغترار بالله، وترخيص للناس في ترك الوفاء؛فإن من أجابك إلى ترك شيء وجب لي واستحل ذلك مني، لم يحرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنته الرخصة أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع، ويكون بالذي أسست من ذلك أبخع. فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوة، وكن من الشاكرين. فإن الله جل وعز زائدٌ من شكره، وعداً منه حقاً لا خلف فيه؛ فمن راقب الله حفظه، ومن أضمر خلافه خذله؛ والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور وبغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي؛ فإن تعجل بي أمرٌ كنت قد كفيت مؤونة ما اغتممت له، وسترت قبح ما أردت إظهاره؛ وإن بقيت بعدك لم تكن أوغرت صدري، وقطعت رحمي؛ ولا أظهرت أعدائي في اتباع أثرك، وقبول أدبك، وعملٍ بمثالك .
وذكرت أن الأمور كلها بيد الله؛ هو مدبرها ومقدرها ومصدرها عن مشيئته؛ فقد صدقت؛ إن الأمور بيد الله، وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء إليه. واعم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعاً، ولا دفعنا عنها ضراً، ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتنا؛ ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا؛ ولكن الله إذا أراد عزماً لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده، وإتمام عهده، وتأكيد عقده؛ أحكم إبرامه، وأبرم إحكامه، ونور إعلانه ، وثبت أركانه؛ حين أسس بنيانه؛ فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل، ولا تعجيل ما أخر؛ غي أن الشيطان عدوٌ مضل مبين؛ قد حذر الله طاعته، وبين عداوته، ينزع بين ولاة الحق وأهل طاعته، ليفرق جمعهم، ويشتت شملهم ، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم، ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور، ومضايق البلايا؛ وقد قال الله عز وجل في كتابه: " وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍّ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليمٌ حكيمٌ " . ووصف الذين اتقوا فقال: " إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " ؛ فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زين الله به جل وعز من كان قبله؛ فإنه قد سألتهم أبناؤهم، ونازعتهم أهواؤهم، إلى مثل الذي همّ به أمير المؤمنين؛ فآثروا الحق على ما سواه، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه؛ ولا مانع لعطائه؛ ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم وتعجيل النقم؛ فآثروا الآجلة، وقبلوا العاقبة، وكرهوا التغيير، وخافوا التبديل؛ فأظهروا الجميل؛ فتمم الله لهم أمورهم، وكفاهم ما أهمهم، ومنع سلطانهم، وأعز أنصارهم، وكرّم أعوانهم، وشرّف بنيانهم؛ فتمت النعم، وتظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتم أمر الله وهم كارهون. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله.
فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه أمسك عنه، وغضب غضباً شديداً، وعاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون؛ منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله؛ في جماعة؛ فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون من يدخل إليه؛ فإذا ركب مشوا خلفه وقالوا: أنت البقرة التي قال الله: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور:

يا ابن أخي، أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي؛ قد أشربوا حب هذا الفتى؛ فلو قدمته بين يديك فيكون بيني وبينك لكفوا. فأجاب عيسى إلى أن يفعل.
وذكر عن إسحاق الموصلي، عن الربيع، أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذي ذكرنا، وقع في كتابه: " اسل عنها تنل منها عوضاً في الدنيا، وتأمن تبعتها في الآخرة " .
وقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قولٌ غير هذين القولين؛ وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسواري بن عيسى الكاتب، قال: أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، ويقدم المهدي عليه، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وأعيا الآمر أبا جعفر فيه؛ فبعث إلى خالد بن برمك، فقال له: كلمه يا خالد؛ فقد ترى امتناعه من البيعة للمهدي؛ وما تقدمنا به في أمره؛ فهل عندك حيلة فيه، فقد أعيتنا وجوه الحيل،وضل عنا الرأي! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، تضم إلى ثلاثين رجلاً من كبار الشيعة ممن تختاره قال: فركب خالد بن برمك، وركبوا معه، فساروا إلى عيسى بن موسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور؛ فقال: ما كنت لأخلع نفسي وقد جعل الله عز وجل الأمر لي؛ فأداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر والطمع، فأبى عليه؛ فخرج خالد عنه وخرجت الشيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في أمره؟ قالوا: نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان منا ومنه؛ قال: لا، ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب، ونشهد عليه إن أنكره، قالوا له: افعل، فإنا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصواب، وأبلغ أمير المؤمنين فيما حاول وأراد.
قال: فساروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب، فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدي، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ قال: وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبر أبا جعفر منكراً لما ادعي عليه من الإجابة إلى تقديم المهدي على نفسه، وذكره الله فيما قد هم به. فدعاهم أبو جعفر، فسألهم فقالوا: نشهد عليه أنه قد أجاب؛ وليس له أن يرجع؛ فأمضى أبو جعفر الأمر، وشكر لخالد ما كان منه؛ وكان المهدي يعرف ذلك له، ويصف جزالة الرأي منه فيه.
وذكر عن علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن أبي سليم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: إني لأسير مع سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقد عزم أبو جعفر على أن يقدم المهدي على عيسى بن موسى في البيعة، فإذا نحن بأبي نخيلة الشاعر، ومعه ابناه وعبداه ؛ وكل واحد منهما يحمل شيئاً من متاع، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله،فقال: أبا نخيلة، ما هذا الذي أرى؟ وما هذه الحال التي أنت فيها؟ قال: كنت نازلاً على القعقاع - وهو رجل من آل زراره، وكان يتولى لعيسى بن موسى الشرطة - فقال لي: أخرج عني؛ فإن هذا الرجل قد اصطنعني، وقد بلغني أنك قلت شعراً في هذه البيعة للمهدي، فأخاف إن يبلغه ذلك أن يلزمني لائمة لنزولك علي، فأزعجني حتى خرجت. قال: فقال لي : يا عبد الله؛ انطلق بأبي نخيلة فبوئه في منزلي موضعاً صالحاً، واستوص به وبمن معه خيراً. ثم خبر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر أبي نخيلة الذي يقول فيه:
عيسى فزحلفها إلى محمد ... حتى تؤدى من يد إلى يد
فيكم وتغنى وهي في تزيد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد
قال: فلما كان في اليوم الذي بايع فيه ذكر عن حيان بن عبد الله بن حبران الحماني، قال: حدثني أبو نخيلة قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهراً لا أصل إليه، حتى قال لي ذات يومٍ عبد الله بن الربيع الحارثي : يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يرشح ابنه للخلافة والعهد، وهو على تقدمته بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئاً تحثه على ذلك، وتذكر فضل المهدي كنت بالحري أن تصيب منه خيراً ومن ابنه، فقلت:
دونك عبد الله أهلك ذاكا ... خلافة الله التي أعطاكا
أصفاك أصفاك بها أصفاكا ... فقد نظرنا زمناً أبكاكا
ثم نظرناك لها إياكا ... ونحن فيهم والهوى هواكا
نعم، فنستذري إلى ذراكا ... أسند إلى محمد عصاكا
فابنك ما استرعيته كفاكا ... فأحفظ الناس لها أدناكا
فقد جفلت الرجل والأوراكا ... وحكت حتى لم أجد محاكا

ودرت في هذا وذا وذاكا ... وكل قول قلت في سواكا
زور وقد كفر هذا ذاكا
وقلت أيضاً كلمتي التي أقول فيها:
إلى أمير المؤمنين فاعمدي ... سيري إلى بحر البحور المزبد
أنت الذي يا بن سمي أحمد ... ويا بن بيت العرب المشيد
بل يا أمين الواحد المؤبد ... إن الذي ولاك رب المسجد
أمسي ولي ععهدها بالأسعد ... عيسى فزحلفها إلى محمد
من قبل عيسى معهداً عن معهد ... حتى تؤدي من يد إلى يد
فيكم وتغنى وهي في تزيد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد
بل قد فرغنا غير أن لم نشهد ... وغير أن العقد لم يؤكد
فلو سمعنا قولك امدد امدد ... كانت لنا كدعقة الورد الصدي
فبادر البيعة ورد الحشد ... تبين من يومك هذا أو غد
فهو الذي تم فمامن عند ... وزاد ما شئت فده يزدد
ورده منك رداءً يرتد ... فهو رداء السابق المقلد
قد كان يروى أنها كأن قد ... عادت ولو قد فعلت لم تردد
فهي ترامي فدفداً عن فدفد ... حيناً، فلو قد حان ورد الورد
وحان تحويل الغوى المفسد ... قال لها الله هلم وارشدي
فأصبحت نازلةً بالمعهد ... والمحتد المحتد خير المحتد
لم يرم تذمار النفوس الحسد ... بمثل قرم ثابت مؤيد
لما انتحوا قدحاً بزند مصلد ... بلوا بمشزور القوي المستحصد
يزداد إيقاظاً على التهدد ... فداولوا باللين و التعبد
صمصامةً تأكل كل مبرد.
قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغت أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبر أنها لرجل من بني سعد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعاني فأدخلت عليه؛ وإن عيى بن موسى لعن يمينه، والناس عنده، ورءوس القواد والجند، فلما كنت بحيث يراني، ناديت : يا أمير المؤمنين، أدنني منك حتى أفهمك وتسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنيت حتى كنت قريباً منه، فلما صرت بين يديه قلت - ورفعت صوتي - أنشده من هذا الموضع، ثم رجعت إلى أول الأرجوزة؛ فأنشدتها من أولها إلى هذا الموضع أيضاً، فأعدت عليه حتى أتيت على آخرها، والناس منصتون، وهو يتسار بما أنشده، مستمعاً له؛ فلما خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبي، فالتفت فإذا عقال بن شبة يقول: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحب وقلت، فلعمري لتصيبن منه خيراً وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الري، فوجه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح وسلخ وجهه. وقيل: قتل بعد ما انصرف من الري؛ وقد أخذ الجائزة . وذكر عن الوليد بن محمد العنبري أن سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهدي عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له: أيها الرجل بايع، وقدمه على نفسك، فإنك لن تخرج من الأمر؛ قد جعل لك الأمر من بعده وترضي أمير المؤمنين. قال: أوترى ذلك! قال: نعم، قال: فإني أفعل؛ فأتى سلم المنصور فأعلمه إجابة عيسى، فسر بذلك وعظم قدر سلم عنده. وبايع الناس للمهدي ولعيسى بن موسى من بعده. وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهدي على عيسى، وخطب عيسى بعد ذلك فقدم المهدي على نفسه، ووفى له المنصور بما كان ضمن له. وقد ذكر عن بعض صحابة أبي جعفر أنه قال: تذاكرنا أمر أبي جعفر المنصور وأمر عيسى بن موسى في البيعة وخلعه إياها من عنقه وتقديمه المهدي، فقال له رجل من القواد سماه: والله الذي لا إله غيره؛ ما كان خلعه إياها منه إلا برضاً من عيسى وركونٍ منه إلى الدراهم، وقلة علمه بقدر الخلافة، وطلباً للخروج منها؛ أتى يوم خرج للخلع فخلع نفسه؛ وإني لفي مقصورة مدينة السلام؛ إذ خرج علينا أبو عبيد الله كاتب المهدي، في جماعة من أهل خراسان، فتكلم عيسى. فقال: إني قد سلمت ولاية العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين، وقدمته على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أعز الله الأمير؛ ولكن قل ذلك بحقه وصدقه؛ وأخبر بما رغبت فيه؛ فأعطيت، قال:

نعم، قد بعت نصيبي من تقدمة ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهدي بعشرة آلاف ألف درهم وثلاث مائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان - سماهم - وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نسائه - سماها - بطيب نفسٍ مني وحب، لتصيرها إليه، لأنه أولى بها وأحق، وأقوى عليها وعلى القيام بها؛ وليس لي فيها حق لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادعيته بعد يومي هذا فأنا فيه مبطل لا حق لي فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: والله وهو في ذلك؛ ربما نسى الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عبيد الله؛ حتى فرغ، حباً للإستيثاق منه. وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطه وخاتمه، والقوم جميعاً؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القصر. قال: وكسا أمير المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولده كسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيف ومائتي ألف درهم.
وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة؛ حتى عزله المنصور، واستعمل محمد بن سليمان بن علي حين امتنع من تقديم المهدي على نفسه.
وقيل: إن المنصور إنما ولى محمد بن سليمان الكوفة حين ولاه إياها ليستخف بعيسى؛ فلم يفعل ذلك محمد. ولم يزل معظماً له مبجلاً.
وفي هذه السنة ولى أبو جعفر محمد بن أبي العباس ابن أخيه البصرة فاستعفى منها فأعفاه، فانصرف عنها إلى مدينة السلام، فمات بها، فصرخت امرأته البغوم بنت علي بن الربيع : وا قتيلاه! فضربها رجل من الحرس بجلوبز على عجيزتها، فتعاوره خدم لمحمد بن أبي العباس فقتلوه؛ فطل دمه.
وكان محمد بن أبي العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عقبة بن سلم، فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة إحدى وخمسين ومائة.
وحج بالناس في هذه السنة المنصور.
وكان عامله فيها على مكة والطائف عمه عبد الصمد بن علي وعلى المدينة جعفر بن سليمان. وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان. وعلى البصرة عقبة بن سلم. وعلى قضائها سوار بن عبد الله. وعلى مصر يزيد بن حاتم.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور حميد بن قحطبة إلى أرمينية لحرب الترك الذين قتلوا حرب بن عبد الله، وعاثوا بتفليس، فسار حميد إلى أرمينية، فوجدهم قد ارتحلوا، فانصرف ولم يلق منهم أحداً.
في هذه السنة عسكر صالح بن علي بدابق - فيما ذكر - ولم يغز.
وحج بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر المنصور.
وكانت ولاة الأمصار في هذه السنة ولاتها في السنة التي قبلها.
ثم دخلت سنة تسعاً وأربعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداثفمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن محمد بن الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، فهلك محمد بن الأشعث في الطريق.
وفي هذه السنة استتم المنصور بناء سور مدينة بغداد، وفرغ من خندقها وجميع أمورها.
وفيها شخص إلى حديثة الموصل، ثم انصرف إلى مدينة السلام.
وحج في هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
وفي هذه السنة عزل عبد الصمد بن علي عن مكة، ووليها محمد بن إبراهيم.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها في سنة سبع وأربعين ومائة وسنة ثمان وأربعين ومائة؛ غير مكة والطائف؛ فإن واليهما كان في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
ثم دخلت سنة خمسين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خروج أستاذ سيس فمما كان فيها من ذلك خروج أستاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من عامة خراسان، وساروا حتى التقوا هم وأهل مرو الروذ، فخرج إليهم الأجثم المروروذي في أهل مرو الروذ، فقاتلوه قتالاً شديداً حتى قتل الأجثم، وكثر القتل فى اهل مرو الروذ، وهزم عدة من القواد؛ منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرائيل بن يحيى حماد ابن عمرو وأبو النجم السجستاني وداود بن كراز؛ فوجه المنصور وهو بالبردان خازم بن خزيمة الى المهدي؛ فولاه المهدي محارة أستاذ سيس؛ وضم القواد إليه.

فذكر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهدي كان يوهن أمر خازم، والمهدي يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة والى غيره من القواد بالمر والنهي،فاعتل خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهدي بنيسابور، فسلم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهدي: لاعيق عليك من أبي عبيد الله ، فقل ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبره أو يكلمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلما خلا به شكا إليه أمر معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيته وتحامله؛ وما كان يرد من كتبه عليه وعلى من قبله من القواد، وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتأمر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلة السمع والطاعة. وأن أمر الحرب لا يستقيم إلا برأس؛ وألا يكون في عسكره لواء يخفق على رأس أحد إلا لواؤه أو لواء هو عقده، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذ سيس ومن معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حمل ألوية القواد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع والطاعة. فأجابه المهدي إلى كل ما سأل.
فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحل لواء من رأى حل لوائه من القواد، وعقد لواء لمن أراد، وضم إليه من كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشواً يكثر بهم من معه في أخريات الناس، ولم يقدمهم لما في قلوب المغلوبين من روعة الهزيمة؛ وكان من ضم إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفاً، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفاً كانوا معه متخيرين؛ وكان بكار بن مسلم العقيلي فيمن انتخب، ثم تعبأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعدي على ميسرته؛ وكان بكار بن مسلم العقيلي على مقدمته وترار خدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خراسان؛ وكان لواؤه مع الزبرقان وعلمه مع مولاه بسام؛ فمكر بهم وراوغهم في تنقله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، و جعل مع بكار صاحب مقدمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفاً. وأقبل الآخرون ومعهم المروز والفؤوس والزبل، يريدون دفن الخندق ودخوله، فأتوا الخندق من الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدوا عليه شدة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.
فلما رأى ذلك بكار رمى بنفسه ، فترجل عن باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، من قبلي يؤتى المسلون! فترجل من معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلاً، فمنعوا بابهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبر أمرهم؛ فلما رآه خازم مقبلاً بعث إلى الهيثم بن شعبة، وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الذي أنت عليه؛ فخذ غير الطريق الذي يوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإن القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلفك، فكبروا وقولوا:

قد جاء أهل طخارستان. ففعل ذلك أهل الهيثم، وخرج خازم في القلب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلاداً شديداً، وضبر بعضهم لبعض؛ فبينا هم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر من كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شد عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموهم بالنشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابه من ناحية الميسرة، وبكار بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم ، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان من قتل منهم في تلك المعركة نحواً من سبعين ألفاً، وأسروا أربعة عشر ألفاً، ولجأ أستاذ سيس إلى جبل في عدة من أصحابه يسيرة ، فقدم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقهم، وسار حتى نزل بأستاذ سيس في الجبل الذي كان قد لجأ إليه، ووافى خازماً بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحية، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازم أستاذ سيس وأصحابه حتى نزلوا عن حكم أبي عونولم يرضوا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يوثق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفاً، فأنفذ ذلك خازم من حكم أبي عون، وكسا كل رجل منهم ثوبين؛ وكتب خازم بما فتح الله عليه، وأهلك عدوه إلى المهدي، فكتب بذلك المهدي إلى أمير المؤمنين المنصور.
وأما محمد بن عمر، فإنه ذكر أن خروج أستاذسيس والحريش كان في سنة خمسين ومائة، وأن أستاذسيس هزم في سنة إحدى وخمسين ومائة.
وفي هذه السنة عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة، وولاها الحسن ابن يزيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
وفيها توفي جعفر بن أبي جعفر المنصور، الأكبر بمدينة السلام، وصلى عليه أبوه المنصور، ودفن ليلاً في مقابر قريش؛ ولم تكن للناس في هذه السنة صائفة؛ قيل إن أبا جعفر كان ولي الصائفة في هذه السنة أسيداً، فلم يدخل بالناس أرض العدو، ونزل مرج دابق.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان العامل على مكة والطائف في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد - وعلى المدينة الحسن بن زيد العلوي، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك ما كان من إغارة الكرك فيها في البحر على جدة؛ ذكر ذلك محمد بن عمر. وفيها ولى عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إفريقية، وعزل عن السند وولي موضعه هشام ابن عمرو التغلبي.
ذكر الخبر عن سبب
عزل المنصور عمر بن حفص عن السند
وتوليته إياه إفريقية واستعماله على السند هشام بن عمرو
وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد بن سليمان بن علي العباسي عن أبيه - أن المنصور ولى عمر بن حفص الصفري الذي يقال له هزارمرد السند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، فوجه محمد بن عبد الله إليه ابنه عبد الله بن محمد الذي يقال له الأشتر، في نفر من الزيدية إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السند ليكون سبباً لهم إلى الوصول إلى عمر بن حفص؛ وإنما فعل ذلك به لأنه كان فيمن بايعه من قواد أبي جعفر، وكان له ميل إلى آل أبي طالب،فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهارةً - وليس في بلاد السند والهند شيء أنفق من الخيل العتاق - ومضوا في البحر حتى صاروا إلى السند، ثم صاروا إلى عمر بن حفص، فقالوا: نحن قوم نخاسون، ومعنا خيل عتاق، فأمرهم أن يعرضوا خيلهم، فعرضوها عليه؛ فلما صاروا إليه، قال له بعضهم: أدنني منك أذكر لك شيئاً، فأدناه منه، وقال له: إنا جئناك بما هو خير لك من الخيل، وما لك فيه خير الدنيا والآخرة، فأعطنا الأمان على خلتين:

إما أنك قبلت ما أتيناك به، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين. فأعطاهم الأمان، فقالوا: ما للخيل أتيناك؛ ولكن هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، أرسله أبوه إليك قد خرج بالمدينة، ودعا لنفسه بالخلافة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها، فقال: بالرحب والسعة، ثم بايعهم له، وأمر به فتوارى عنده، ودعا أهل بيته وقواده وكبراء أهل البلد للبيعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض والأقبية البيض والقلانس البيض، وهيأ لبسته من البياض يصعد فيها إلى المنبر، وتهيأ لذلك يوم خميس؛ فلما كان يوم الأربعاء إذا حراقة قد وافت من البصرة، فيها رسول لخليدة بنت المعارك - امرأة عمر بن حفص - بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على عبد الله فأخبره الخبر، وعزاه، ثم قال له: إني كنت بايعت لأبيك، وقد جاء من الأمر ما ترى. فقال له: إن أمري قد شهر، ومكاني قد عرف، ودمي في عنقك؛ فانظر لنفسك أودع. قال: قد رأيت رأياً ههنا ملك من ملوك السند، عظيم المملكة، كثير التبع؛ وهو على شركة أشد الناس تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو رجل وفي، فأرسل إليه، فاعقد بينك وبينه عقداً، وأوجهك إليه تكون عنده؛ فلست ترام معه. قال: افعل ما شئت؛ ففعل ذلك؛ فصار إليه، فأظهر إكرامه وبره براً كثيراً؛ وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر؛ فكان يركب فيهم فيصيد ويتنزه في هيئة الملوك وآلاتهم، فلما قتل محمد وإبراهيم انتهى خبر عبد الله الأشتر إلى المنصور؛ فبلغ ذلك منه، فكتب إلى عمر بن حفص يخبره بما بلغه، فجمع عمر بن حفص قرابته، فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقر بالقصة لم ينظره المنصور أن يعزله، وإن صار إليه قتله، وإن امتنع حاربه. قال له رجل من أهل بيته: ألق الذنب علي، واكتب إليه بخبري، وخذني الساعة فقيدني واحبسني؛ فإنه سيكتب:احمله إلي؛ فاحملني إليه، فلم يكن ليقدم علي لموضعك في السند، وحال أهل بيتك بالبصرة. قال: إني أخاف عليك خلاف ما تظن، قال: إن قتلت أنا فنفسي فداؤك فإني سخي بها فداء لنفسك؛ فإن حييت فمن الله. فأمر به فقيد وحبس، وكتب إلى المنصور يخبره بذلك؛ فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه؛ فلما صار إليه قدمه فضرب عنقه، ثم مكث يروي من يولي السند! فأقبل يقول: فلان فلان ؛ ثم يعرض عنه؛ فبينا هو يوماً يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبي، والمنصور ينظر إليه في موكبه، إذ انصرف إلى منزله، فلما ألقى ثوبه دخل الربيع فآذنه بهشام. فقال: أولم يكن معي آنفاً! قال: ذكر أن له حاجة عرضت مهمة. فدعا بكرسي فقعد عليه، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين؛ إني أنصرف إلى منزلي من الموكب، فلقيتني أختي فلانة بنت عمرو، فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين، فجئت لأعرضها عليه؛ فأطرق المنصور، وجعل ينكت الأرض بخيزرانة في يده، وقال: اخرج يأتك أمري؛ فلما ولى قال: يا ربيع؛ لولا بيت قاله جرير في بني تغلب لتزوجت أخته وهو قوله:
لاتطلبن خئولة في تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالا
فأخاف أن تلد لي ولداً، فيعير بهذا البيت؛ ولكن اخرج إليه، فقل له: يقول لك أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:48 pm

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك خروج المنصور إلى الشام ومسيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى أفريقية في خمسين ألفاً - فيما ذكر - لحرب الخوارج اللذين كانوا بها ، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص. وذكر انه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم .
وفي هذه السنة عزم المنصور - فيما ذكر - على بناء مدينة الرافقة ، وذكر عن محمد جابر، عن أبيه أن أبا جعفر لما أراد بناءها ، امتنع أهل الرقة،وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطل علينا أسواقنا وتذهب بمعايشنا ، وتضيق منازلنا؛ فهم بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصومعة هنالك، فقال له : هل لك علم بأن إنساناً يبني هاهنا مدينة؟ فقال : بلغني أن رجلاً يقال له مقلاص يبنيها، فقال: أنا والله مقلاص.
وذكر محمد بن عمر أن صاعقةً سقطت في هذه السنة في المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر.
وفيها هلك أبو أيوب المورياني وأخوه خالد، وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العباس الطوسي بقطع أيدي بنس آخى أبي أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم؛ وكتب بذلك إلى المهدي، ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به.
وفيها ولي عبد الملك بن ظبيان النميري على البصرة.
وغزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم، وهو عامل أبي جعفر على مكة والطائف .
وكان على المدينة الحسن بن يزيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى السند هشام بن عمرو، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقية وقتله أبا عاد وأبا حاتم ومن كان مع واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان.
وفيها وجه المنصور ابنه المهدي لبناء مدينة الرافقة، فشخص إليها، فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسور سورها وخندقها، ثم انصرف إلى مدينته.
وفيها - فيما ذكر محمد بن عمر - خندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة، وضرب عليهما سوراً، وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله. وعزل فيها المنصور عبد الملك بن أيوب بن ظبيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكي، وضم إليه سعيد بن دعلج، وأمره ببناء سور لها يطيف بها، وخندق عليها من دون السور من أموال أهلها، ففعل ذلك.
وذكر أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سور الكوفة وبحفر خندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم، على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم؛ فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهماً من كل إنسان، فجبوا، ثم أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر خندق لها، فقال شاعرهم:
يا لقومي ما لقينا ... من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا
وفيها طلب صاحب الروم الصلح إلى المنصور؛ على أن يؤدي إليه الجزية.
وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السلمي وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وغرمه مالاً، و غضب عليه وحبسه، فذكر عن بعض بني هاشم، أنه قال: كان المنصور ولى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أسيد، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطاً عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد علي بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن علي أو غيره فاعتوره أهله وعمومته ونساؤهم يكلمونه فيه ، وضيقوا عليه فرضي عنه، فقال عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين؛ إن آل علي بن عبد الله - وإن كانت نعمك عليهم سابغة - فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا ؛ فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن علي منذ أيام، فضيقوا عليك . وأنت غضبان على العباس بن محمد، منذ كذا وكذا، فما رأيت أحداً منهم كلمك فيه. قال: فدعا العباس فرضي عنه.
قال: وقد كان يزيد بن أسيد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة، شكا إلى أبي جعفر العباس، وقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أخاك أساء عزلي، وشتم عرضي، فقال له المنصور: اجمع بين إحساني إليك وإساءة أخي يعتدلا، فقال يزيد بن أسيد: يا أمير المؤمنين؛ إذا كان إحسانكم جزاء إساءتكم، كانت طاعتنا تفضلاً منا عليكم.
وفيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب.

وفي هذه السنة عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن علي، في قول بعضهم، و أستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير .
وأما عمر بن شبة فإنه زعم أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة في سنة ثلاث وخمسين ومائة ،وولاها عمرو بن زهير الضبي أخا المسيب بن زهير في هذه السنة .قال: وهو حفر الخندق بالكوفة .
ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن علي ذكر أن محمد بن سليمان أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوجاء - وكان خال معن بن زائدة - فأمر بحبسه. قال أبو زيد: فحدثني قثم بن جعفر والحسين بن أيوب وغيرهما أن شفعاءه كثروا بمدينة السلام، ثم ألحوا على أبي جعفر، فلم يتكلم فيه إلا ظنين، فأمر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه، فكلم ابن أبي العوجاء أبى الجبار - وكان منقطعاً إلى أبي جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما - فقال له: إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف، ولك أنت كذا وكذا، فأعلم أبو الجبار محمداً، فقال: أذكرتنيه والله وقد كنت نسيته؛ فإذا انصرفت من الجمعة فأذكرنيه. فلما انصرف أذكره، فدعى به وأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول، قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام؛ والله لقد فطرتكم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم، فضربت عنقه.
وورد على محمد رسول أبي جعفر بكتابه: إياك أن تحدث في أمر ابن أبي العوجاء شيئاً، فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت يتهدده. فقال محمد للرسول: هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنه مصلوباً بالكناسة، فأخبر أمير المؤمنين بما أعلمتك؛ فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته، تغيظ عليه وأمر بالكتاب يعزله وقال: والله لهممت أن أقيده به، ثم أرسل إلى عيسى بن علي فأتاه، فقال: هذا عملك أنت! أشرت بتولية هذا الغلام، فوليته غلاماً جاهلاً لا علم له بما يأتي؛ يقدم على رجل يقتله من غير أن يطلع رأيي فيه، ولا ينتظر أمري! وقد كتبت بعزله؛ وبالله لأفعلن به ولأفعلن يتهدده، فسكت عنه عيسى حتى سكن غضبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إن محمداً إنما قتل هذا الرجل على الزندقة، فإن قتله صواباً فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمد، والله يا أمير المؤمنين لئن عزلته على تفية ما صنع ليذهبن بالثناء والذكر، ولترجعن القالة من العامة عليك. فأمر بالكتب فمزقت وأقر على عمله. وقال بعضهم: إنما عزل المنصور محمد بن سليمان عن الكوفة لأمور قبيحة بلغته عنه، اتهمه فيها؛ وكان الذي أنهى ذلك إليه المساور بن سوار الجرمي صاحب شرطة، وفي مساور يقول حماد .
لحسبك من عجيب الدهر أني ... أخاف وأتقي سلطان جرم
وفي هذه السنة أيضاً عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة، واستعمل عليها عبد الصمد ابن علي. وجعل معه فليح بن سليمان مشرفاً عليه. وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ابن محمد، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد.
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد فمن ذلك ما كان من ظفر الهيثم بن معاوية عامل أبي جعفر على البصرة بعمرو بن بن شداد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس، فقتل بالبصرة وصلب.
ذكر الخبر عن سبب الظفر به ذكر عمر أن محمد بن معروف حدثه، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب عمرو بن شداد خادماً له، فأتى عامل البصرة - إما ابن دعلج، وإما الهيثم بن معاوية - فدله غليه، فأخذه فقتله وصلبه في المربد في موضع دار إسحاق بن سليمان. وكان عمرو مولى لبني جمح، فقال بعضهم: ظفر به الهيثم بن معاوية وخرج يريد مدينة السلام، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل، فأقبل بريد من عند أبي جعفر، ومعه كناب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه،فدفعه الهيثم إليه، فأقدمه البصرة، ثم أتى به ناحية الرحبة، فخلا به يسائله، فلم يظفر منه بشيء يحب علمه، فقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه وصلبه في مربد البصرة.

وفي هذه السنة عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها، واستعمل سوار بن عبد الله القاضي على الصلاة، وجمع له القضاء والصلاة. وولى المنصور سعيد بن دعلج شرط البصرة وأحداثها.
وفيها توفي الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجأة بمدينة السلام، وهو على بطن جارية له، فصلى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم.
وفي هذه السنة غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن علي.
وكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيماً بمدينة السلام، وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة؛ وكان إليه مع مكة الطائف. وعلى الكوفة عمر بن زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعلج، وعلى الصلاة بها والقضاء سوار بن عبد الله، وعلى كور دجلة والأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو، وعلى أفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصره الذي على شاطئ دجلة؛ الذي يدعى الخلد وقسم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدقة.
وفيها قتل يحيى أبو زكريا المحتسب؛ وقد ذكرنا قبل سبب قتله إياه.
وفيها حول المنصور الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكرخ وغيره من المواضع، وقد مضى أيضاً ذكرنا سبب ذلك قبل.
وفيها ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين، فلم يتم ولايته، ووجه مكانه أميراً عليها سعيد بن دعلج؛ فبعث سعيد ابنه تميماً عليها.
وفيها عرض المنصور جنده في السلاح والخبل على عينه في مجلس اتخذه على شط دجلة دون قطربل، وأمر أهل بيته وقرابته وصحابته يومئذ بلبس السلاح، وخرج وهو لابس درعاً وقلنسوة تحت البيضة سوداء لاطئة مضربة .
وفيها توفي عامر بن إسماعيل المسلى، بمدينة السلام، فصلى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم.
وفيها توفي سوار بن عبد الله وصلى عليه ابن دعلج، واستعمل المنصور مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري.
وفيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير، وجرى ذلك على يد حميد القاسم الصيرفي، بأمر الربيع الحاجب.
وفيها عزل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر، واستعمل عليها مطر مولى أبي جعفر المنصور.
وفيها ولي معبد بن الخليل السند، وعزل عنها هشاط بن عمرو، ومعبد يومئذ بخراسان؛ كتب إليه بولايته.
وغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيد السلمي، ووجه سناناً مولى البطال إلى بعض الحصون، فسبى وغنم.
وقال محمد بن عمر: الذي غزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
قال محمد بن عمر: كان على المدينة - يعني إبراهيم هذا.
وقال غيره: كان على المدينة في هذه السنة عبد الصمد بن علي، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند معبد بن الخليل، وعلى مصر مطر مولى المنصور.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره وإياه بعزل موسى بن كعب عن الموصل وتولية يحيى بن خالد بن برمك عليها وكان سبب ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال: كان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف، ونذر دمه فيها، وأجله ثلاثة أيام بها، فقال خالد لابنه يحيى: يا بني، إني قد أوذيت وطولبت بما ليس عندي، وإنما يراد بذلك دمي؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلك، فما كنت فاعلاً بهم بعد موتي فافعله. ثم قال له: يا بني لا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمر بعمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلى ومبارك التركي فتعلمهم حالنا.
قال: فذكر صالح بن عطية أن يحيى حدثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهمني وبعث بالمال سراً إلي ، ومنهم من لم يأذن لي، وبعث بالمال في إثري. قال: واستأذنت على عمارة بن حمزة، فدخلت عليه وهو في صحن داره، مقابل بوجههه الحائط؛ فما انصرف إلي بوجهه، فسلمت عليه، فرد علي رداً ضعيفاً، وقال: يا بني؛ كيف أبوك؟ قلت:

بخير، يقرأ عليك السلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغرم، ويستسلفك مائة ألف درهم. قال: فما رد علي قليلاً ولا كثيراً، قال: فضاق بي موضعي، ومادت بي الأرض. قال: ثم كلمته فيما أتيته له. قال: فقال: إن أمكنني شيْ فسيأتيك، قال يحيى: فانصرفت وأنا أقول في نفسي: لعن الله كل شيء يأتي من تيهك وعجبك وكبرك! وصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، ثم قلت له: وأراك تثق من عمارة بن حمزة بما لا يوثق به! قال: فوالله إني لكذلك؛ إذ طلع رسول عمارة بن حمزة بالمئة ألف. قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلاثمائة ألف بوجودها يتم ما سعينا له ، وبتعذرها يبطل. قال: فوالله إني لعلى الجسر ببغداد ماراً مهموماً مغموماً؛ إذ وثب إلي زاجر فقال: فرخ الطائر أخبرك! قال: فطويته مشغول القلب عنه، فلحقني وتعلق بلجامي، وقال لي: أنت والله مهموم، ووالله ليفرجن الله همك، ولتمرن غداً في هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلت أعجب من قوله. قال: فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم؟ قلت: نعم - ولو قال خمسون ألفاً لقلت نعم، لبعد ذلك عني من أن يكون - قال: ومضيت. وورد على المنصور انتقاض الموصل وانتشار الأكراد بها. فقال: من لها؟ فقال له المسيب بن زهير - وكان صديقاً لخالد بن برمك: عندي يا أمير المؤمنين رأي، أرى أنك لا تنتصحه ؛ وأنك ستلقاني بالرد، ولكني لا أدع نصحك فيه والمشورة عليك به، قال: قل، فلا أستغشك، قلت: يا أمير المؤمنين ما رميتها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما قومته لذلك وأنا الضامن عليه، قال: فهو لها والله، فليحضرني غداً. فأحضر، فصفح له عن الثلاث مائة ألف الباقية، وعقد له.
قال يحيى: ثم مررت بالزاجر، فلما رآني قال: أنا هاهنا أنتظرك منذ غدوة، قلت: امض معي، فمضى معي، فدفعت إليه الخمسة الآلاف. قال: وقال لي أبي: إلي بني؛ إن عمارة تلزمه حقوق، وتنوبه نوائب فأته، فأقرئه السلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأي أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقي علينا، وولاني الموصل؛ وقد أمر برد ما استسلفت منك. قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيته عليه. فسلمت فما رد السلام عليه، ولا زادني على أن قال : كيف أبوك؟ قلت: بخير ويقول كذا وكذا وقال: فاستوى جالساً، ثم قال لي: ما كنت إلا قسطاراً لأبيك؛ يأخذ مني إذا شاء، ويرد إذا شاء! قم عني لا قمت! قال: فرجعت إلى أبي فأعلمته، ثم قال لي أبي: يا بني، هو عمارة ومن لا يعترض عليه! قال: فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفى المنصور ويحيى على أذربيجان، فذكر عن أحمد بن محمد بن سوار الموصلي أنه قال: ما هبنا قط أمير هيبتنا خالد بن برمك من غير أن تشتد عقوبته، ولا نرى منه جبرية؛ ولكن هيبة كانت له في صدورنا.
وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، عن أبيه، قال: كان أبو جعغر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموصل - فوجه المهدي إلى الرقة لبناء الرافقة، وأظهر أنه يريد بيت المقدس، وأمره بالمرور والمضي على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى بن كعب فقيده، وولي خالد بن برمك الموصل مكانه، ففعل المهدي ذلك، وخف خالداً على الموصل، وشخص معه أخوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يحيى بن خالد، فقال له: قد أردتك لأمر مهم من الأمور، واخترتك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة؛ ولا يعلم بذلك أحد حتى أدعو يحيى بن خالد ! فقام فأخذه بيده، فأدخله على المنصور، فخرج على الناس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذربيجان، فأمر الناس بالمضي معه، فمضوا في موكبه، وهنئوه أباه خالداً بولايته، فاتصل عملهما.
وقال أحمد بن معاوية: كان المنصور معجباً بيحيى، وكان يقول ولد الناس ابناً وولد خالد أباً.
وفي هذه السنة نزل المنصور قصره الذي يعرف بالخلد.

وفيها سخط المنصور على المسيب بن زهير وعزله عن الشرطة، وأمر بحبسه وتقييده، وكان سبب ذلك انه قتل أبان بن بشير الكاتب بالسياط، لأمر كان وجد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجها، وولى مكان المسيّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلم المهدي أباه في المسيب، فرضى عنه بعد حبسه إياه أياماً، وأعاد إليه ما كان يلي من شرطه .
وفيها وجه المنصور نصر بن حرب التميمي والياً على ثغر فارس .
وفيها سقط المنصور عن دابته بجر جرايا، فانشج ما بين حاجبيه؛ وذلك أنه كان خرج لما وجه ابنه المهدي إلى الرقة مشيعاً له، حتى بلغ موضعاً يقال له جب سماقا، ثم عدل إلى حولايا، ثم أخذ على النهروانات فانتهى فيما ذكر إلى بشق من النهروانات يصب إلى نهر ديالى، فأقام على سكره ثمانية عشر يوماً، فأعياه، فمضى إلى جرجرايا، فخرج منها للنظر إلى ضيعة كانت لعيسى بن علي هناك، فصرع من يومه ذلك عن برذون له ديزج فشج في وجهه، وقدم عليه وهو بجرجرايا أسارى من ناحية عمان من الهند، بعث بهم إليه تسنيم بن الحواري مع ابنه محمد، فهم بضرب أعناقهم، فسألهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه؛ فأمسك عن قتلهم وقسمهم بين قواده ونوابه.
وفيها انصرف المهدي إلى مدينة السلام من الرقة فدخلها في شهر رمضان وفيها أمر المنصور بمرمة القصر الأبيض، الذي كان كسرى بناه، وأمر أن يغرم كل من وجد في داره شيء من الآجر الخرسواني، مما نقضه من بناء الأكاسرة، وقال: هذا فيء المسلين، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمة القصر.
وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقى العدو فإقتتلوا ثم تحاجزوا.
ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري وفي هذه السنة حبس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو أمير مكة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابن جريج وعباد بن كثير والثوري، ثم أطلقه من الحبس بغير إذن أبي جعفر،فغضب عليه أبو جعفر.
وذكر عمر بن شبة أن محمد بن عمران مولى محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حدثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمد بن إبراهيم - وهو أمير على مكة - يأمره بحبس رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة، ويحبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري وقال: فحسبهم؛ فكان له سمار يسامره بالليل؛ فلما كان وقت سمره جلس وأكب على الأرض ينظر إليها، ولم ينطق بحرف حتى تفرقوا. قال فدنوت منه فقلت له: قد رأيت ما بك، فمالك؟ قال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، وإلى عيون من عيون الناس فحسبتهم، فيقدم أمير المؤمنين ولا أدري ما يكون؛ فلعله أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتد سلطانه وأهلك ديني، قال: فقلت له: فتصنع ماذا؟ قال: أوثر الله، وأطلق القوم؛ اذهب إلى إبلي فخذ راحلةً منها، وخذ خمسين ديناراً فأت بها الطالبي وأقرئه السلام، وقل له: إن ابن عمك يسألك أن تحلله من ترويعه إياك، و تركب هذه الراحلة، وتأخذ هذه النفقة. قال: فلما أحس بي جعل يتعوذ بالله من شري، فلما أبلغته قال: هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة ولا إلى النفقة. قال: قلت: إن أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئت إلى ابن جريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال، قالوا: هو في حل، قال: فقلت لهم: يقول لكم: لا يظهرن أحد منكم مادام المنصور مقيماً. قال: فلما قرب المنصور وجهني محمد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبر المنصور أن رسول محمد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضربت وجوهها. قال: فلما صار إلى بئر ميمون لقية محمد، بن إبراهيم، فلما أخبر بذلك أمر بدوابه فضربت وجوهها، فعدل محمد، فكان يسير في ناحية. قال:وعدل بأبي جعفر عن طريق في الشق الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قبالته، ومعه طبيب له؛ فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديله الربيع أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر، فرأى نجوه، فقال لمحمد: رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة، فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسلم محمد.
ذكر الخبر عن وفاة أبي جعفر المنصور

وفيها شخص أبو جعفر من مدينة السلام، متوجهاً إلى مكة؛ وذلك في شوال، فنزل - فيما ذكر - عند قصر عبدويه، فانقض في مقامه هنالك كوكب، لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس، ثم مضى إلى الكوفة، فنزل الرصافة ثم أهل منها بالحج والعمرة، وساق معه الهدى وأشعره وقلده؛ لأيام خلت من ذي القعدة. فلما سار منازلاً عرض له وجعه الذي توفي منه.
واختلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته فذكر عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، إنه كان يقول: كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات ؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام، ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم في الحال، وتحدث من العلة ما هو أشد منه عليه؛ حتى قدم عليه طبيب من أطباء الهند، فقال له كما قال له غيره؛ فكان يتخذ له سفوفاً جوارشناً يابساً، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده. قال: فقال لي أبي: قال لي كثير من متطببي العراق: لا يموت والله أبو جعفر أبداً إلا بالبطن، قال: قلت له: وما علمك؟ قال: هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير معدته في كل يوم شيئاً، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لي: اضرب لذلك مثلاً، أرأيت لو أنك وضعت جراً على مرفع، ووضعت تحتها آجرة جديدة فقطرت، أما كان قطرها يثقب الآجرة على طول الدهر! أوما علمت أن لكل قطرة حداً! قال: فمات والله أبو جعفر - كما قال - بالبطن .
وقال بعضهم: كان بدء وجعه الذي مات فيه من حر أصابه من ركوبه في الهواجر، وكان رجلاً محروراً على سنه، يغلب عليه المرار الأحمر، ثم هاض بطنه، فلم يزل كذلك حتى نزل بستان ابن عامر، فاشتد به، فرحل عنه فقصر عن مكة، ونزل بئر ابن المرتفع، فأقام بها يوماً وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون، وهو يسأل عن دخوله الحرم، ويوصي الربيع بما يريد أن يوصيه، وتوفي بها في السحر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة، ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه؛ فكتم الربيع موته، ومنع النساء وغيرهن من البكاء عليه والصراخ، ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وجلسوا مجالسهم؛ فكان أول من دعى به عيسى بن علي ، فمكث ساعة، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدم في الإذن على عيسى بن علي، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان من أهل البيت، ثم لعامتهم؛ فأخذ الربيع بيعتهم لأمير المؤمنين المهدي ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهدي حتى فرغ من بيعة بني هاشم؛ ثم دعا بالقواد فبايعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلا علي بن عيسى بن ماهان؛ فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمد بن سليمان، وقال: ومن هذا العلج! وأمصه ، وهم بضرب عنقه، فبايع، وتتابع الناس بالبيعة. وكان المسيب بن زهير أول من استثنى في البيعة، وقال: عيسى بن موسى: إن كان كذلك. فأمضوه.
وخرج موسى بن المهدي إلى مجلس العامة، فبايع من بقي من القواد والوجوه، وتوجه العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايع أهلها بها؛ وكان عباس يومئذ المتكلم، فبايع الناس للمهدي بين الركن والمقام، وتفرق عدة من أهل بيت المهدي في نواحي مكة والعسكر فبايعه الناس، وأخذ في جهاز المنصور وغسله وكفنه، وتولى ذلك من أهل بيته العباس بن محمد والربيع والريان وعدة من خدمه ومواليه، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر، وغطي من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قصاص شعره، وأبدي رأسه مكشوفاً من أجل الإحرام، وخرج به أهل بيته والأخص من مواليه، وصلى عليه - فيما زعم الواقدي - عيسى بن موسى في شعب الخوز .
وقيل: إن الذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي. وقيل: إن المنصور كان أوصى بذلك؛ وذلك أنه كان خليفته على الصلاة بمدينة السلام.
وذكر علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، أن إبراهيم بن يحيى صلى عليه في المضارب قبل أن يحمل؛ لأن الربيع قال:

لا يصلي عليه أحد يطمع في الخلافة، فقدموا إبراهيم بن يحيى - وهو يومئذ غلام حدث - ودفن في المقبرة التي عند ثنية المدنيين التي تسمى كذا، وتسمى ثنية المعلاة؛ لأنها بأعلى مكة ونزل في قبره عيسى بن علي والعباس بن محمد وعيسى بن موسى، والربيع والريان مولياه، ويقطين بن موسى.
واختلف في مبلغ سنه يوم توفي، فقال بعضهم: كان يوم توفي ابن أربع وستين سنة.
وقال بعضهم: كان يومئذ ابن خمس وستين سنة.
وقال بعضهم: كان يوم توفي ابن ثلاث وستين سنة.
وقال هشام الكلبي: هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة.
وقال هشام: ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوماً. واختلف عن أبي معشر في ذلك، فحدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: توفي أبو جعفر قبل يوم التروية بيوم يوم السبت، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام.
وروي عن ابن بكار أنه قال: إلا سبع ليال.
وقال الواقدي: كانت ولاية أبي جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام.
وقال عمر بن شبة: كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي.
وفي هذه السنة هلك طاغية الروم.
ذكر الخبر عن صفة أبي جعفر المنصور ذكر أنه كان أسمر طويلاً، نحيفاً. خفيف العارضين. وكان ولد بالحميمة.
ذكر الخبر عن بعض سيرهذكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه، قال: بلغ المنصور أن عيسى بن موسى قتل رجلاً من ولد نصر بن سيار، كان مستخفياً بالكوفة، فدل عليه فضرب عنقه. فأنكر ذلك وأعظمه، وهم في عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهل عيسى بما فعل. فكتب إليه: أما بعد، فإنه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخرك عقوبة قتل ابن نصر بن سيار واستبدادك به بما يقطع أطماع العمال في مثله، فأمسك عمن ولاك أمير المؤمنين أمره؛ من عربي وأعجمي، وأحمر وأسود، ولا تستبن على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة ، فإنه لا يرى أن يأخذ أحداً بظنة قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحدثٍ كان منه في حرب أعقبه الله منها سلماً ستر به عن ذي غلة، وحجز به عن محنة ما في الصدور؛ وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من الله من إقبال مدير؛ كما أنه لا يأمن إدبار مقبل. إن شاء الله والسلام.
وذكر عن عباس بن الفضل، قال: حدثني يحيى بن سليم كاتب الفضل بن ربيع، قال: لم ير في دار المنصور لهو قط، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث إلا يوماً واحداً، فإنا رأينا ابناً له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبي جعفر من الطلحية، توفي وهو حدث، قد خرج على متنكباُ قوساً ، متعمماً بعمامة، متردياً ببرد في هيئة غلام إعرابي راكبا على قعود بين جوالفين، فيهما مقل ونعال ومساويات وما يهديه الأعراب ؛ فعجب الناس من ذلك وأنكروه. قال: فمضى الغلام حتى عبر الجسر،وأتى المهدي بالرصافة فأهدي إليه ذلك، فقبل المهدي ما في الجواليق وملأهما دراهم، فانصرف بين الجوالقين؛ فعلم أنه ضرب من عبث الملوك.
و ذكر عن حماد التركي، قال: كنت واقفاً على رأس المنصور، فسمع جلبةً في الدار، فقال: ما هذا يا حماد ؟ انظر ، فذهبت فإذا خادم له قد جلس بين الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور، وهن يضحكن، فجئت فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وأمرها ووصفتها له؛ فقال لي: أصبت صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور! قلت: رأيته بخراسان نعم هناك، ثم قال: هات نعلي، فأتيته بها فقام يمشي رويداً حتى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرقوا، فقال: خذوه ، فأخذ، فقال: اضرب به رأسه، فلم أزل أضرب به رأسه حتى كسرته، ثم قال : أخرجه من قصري، واذهب به إلى حمران بالكرخ، وقل له يبيعه.
وذكر العباس بن الفضل عن سلام الأبرش، قال: كنت أنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور داخلاً في منزله؛ وكانت له حجرة فيها بيت وفسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه، وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان؛ فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتبرد وجهه، واحمرت عيناه، فيخرج فيكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك؛ فنستقبله في ممشاه، فربما عاتبناه.
وقال لي يوما:

يا بني إذا رأيتني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي؛ فلا يدنون مني أحداً منكم مخافة أن أعره بشيء.
وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثني عبد الله بن محمد يلقب - بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال: كنا في الصحابة سبعمائة رجل؛ فكنا ندخل على المنصور كل يوم، قال: فقلت للربيع : اجعلني في آخر من يدخل، فقال لي: لست بأشرفهم فتكون في أولهم، ولا بأخسهم فتكون في آخرهم؛ وإن مرتبتك لتشبه نسبك. قال: فدخلت على المنصور ذات يوم وعلي دراعة فضفاضة وسيف حنفي، أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقدامي. قال: فسلمت عليه وخرجت، فلما صرت عند الستر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: إلي، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستل عموداً من بين فراشين، واستحال لونه ودرت أوداجه، فقال: إنك لصاحبي يوم واسط؛ لا نجوت إن نجوت مني. قال: قلت يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك! قال: فقال لي: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى رد العمود في مستقره، واستوى متربعاً، وأسفر لونه، فقال: يا معن، إن لي باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأي، قال: فقال: أنت صاحبي، فجلست، وأمر الربيع بإخراج كل من كان في القصر فخرج، فقال لي: إن صاحب اليمن قد هم بمعصيتي، وإني أريد أن آخذه أسيراً ولا يفوتني شيء من ماله، فما ترى؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ولني اليمن، وأظهر أنك ضممتني إليه، ومر الربيع يزيح علي في كل ما أحتاج إليه، ويخرجني من يومي هذا لئلا ينتشر الخبر، قال: فاستل عهداً من بين فراشين، فوقع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الربيع، فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا معناً إلى صاحب اليمن، فأزح علته فيما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ولا يمسي إلا وهو راحل. ثم قال: ودعني، فودعته وخرجت إلى الدهليز، فلقيني أبو الوالي، فقال: يا معن، اعزز على أن تضم إلى ابن أخيك! قال: فقلت: إنه لا غضاضة على الرجل أن يضمه سلطانه إلى ابن أخيه، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل، فأخذته أسيراً، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
وذكر حماد بن أحمد اليماني قال: حدثني محمد بن عمر اليمامي أبو الرديني، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفد إلى المنصور قوماً يسلون سخيمته، ويستعطفون قلبه عليه، وقال: قد أفنيت عمري في طاعته، وأتعبت نفسي وأفنيت رجالي في حرب اليمن، ثم يسخط علي أن أنفقت المال في طاعته! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة؛ فكان فيمن اختار مجاعة ابن الأزهر، فجعل يدعو الرجال واحداً واحداً، ويقول: ماذا أنت قائل لأمير المؤمنين إذا وجهتك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتى جاءه مجاعة بن الأزهر، فقال: أعز الله الأمير! تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن! أقصد لحاجتك؛ حتى أتأتى لها كما يمكن وينبغي، فقال: أنت صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني، فقال له: شد على عضد ابن عمك وقدمه أمامك؛ فإن سها عن شيء فتلافه. واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتى تموا عشرة، وودعهم ومضوا حتى صاروا إلى أبي جعفر، فلما صاروا بين يديه تقدموا، فابتدأ مجاعة بن الأزهر بحمد الله والثناء عليه والشكر، حتى ظن القوم أنه إنما قصد لهذا، ثم كر على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف اختاره الله من بطون العرب، ونشر من فضله؛ حتى تعجب القوم، ثم كر على ذكر أمير المؤمنين المنصور، وما شرفه الله به، وما قلده، ثم كر على حاجته في ذكر صاحبه. فلما انتهى كلامه، قال المنصور: أما ما وصفت من حمد الله، فالله أجل وأكبر من أن تبلغه الصفات، وأما ما ذكرت من النبي صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأكثر مما قلت، وأما ما وصفت به أمير المؤمنين؛ فإنه فضله الله بذلك، وهو معينه على طاعته إن شاء الله، وأما ما ذكرت من صاحبك فكذبت ولؤمت، اخرج فلا يقيل ما ذكرت. قال: صدق أمير المؤمنين، ووالله ماكذبت في صاحبي. فأخرجوا فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر برده مع أصحابه، فقال:

ما ذكرت؟ فكر عليه الكلام؛ حتى كأنه كان في صحيفة يقرؤه، فقال له مثل القول الأول، فأخرجوا حتى برزوا جميعاً، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلم حتى حسدته، وما منعني أن أتم على رده إلا أن يقال: تعصب عليه لأنه ربعي، وما رأيت كاليوم رجلاً أربط جأشاً، ولا أظهر بياناً؛ رده يا غلام، فلما صار بين يديه أعاد السلام، وأعاد أصحابه، فقال المنصور: اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك. قال: يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة عبدك وسيفك وسهمك، رميت به عدوك، فضرب وطعن ورمى، حتى سهل ما حزن، وذل ما صعب، واستوى ما كان معوجاً من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساعٍ أو واشٍ أو حاسد فأمير المؤمنين أولى بالتفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. فقبل وفادته، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه، فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضى قبل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم وأجازهم على إقدامهم، وأمرهم بالرحيل إلى منصور، فقال مجاعة:
آليت في مجلس من وائل قسما ... ألا أبيعك يا معن بأطماع
يا معن إنك قد أوليتني نعماً ... عمت لجيماً وخصت آل مجاع
فلا أزال إليك الدهر منقطعاً ... حتى يشيد بهلكي هتفة الناعي
قال : وكانت نعم معن على مجاعة، أنه سأله ثلاث حوائج؛ منها أنه كان يتعشق امرأة من أهل بيته، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجها أحد بعد؛ وكانت إذا ذكر لها قالت: بأي شيء يتزوجني؟ أبحبته الصوف، أم بكسائه! فلما رجع لإلى معن كان أول شيء أن يزوجه بها، وكان أبوها في جيش معن، فقال: أريد الزهراء، وأبوها في عسكرك أيها الأمير، فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده. فقال له معن: حاجتك الثانية، قال: الحائط الذي في منزلي بحجر وصاحبه في عسكر الأمير، فاشتراه منه وصيره له؛ وقال: حاجتك الثالثة؟ قال: تهب لي مالاً. قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم، تمام مائة ألف درهم، وصرفه إلى منزله.
وذكر عن محمد بن سالم الخوارزمي - وكان أبوه من قواد خراسان - قال: سمعت أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقاني يقول: سمعت أبا جعفر يقول: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، قيل له: يا أمير المؤمنين، من هم؟ قال: هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلا بهم؛ كما أن السرير لا يصلح إلا بأربعة قوائم، إن نقصت واحدة وهى؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية فإني عن ظلمها غني، والرابع - ثم عض على أصبعه السبابة ثلاثة مرات، يقول في كل مرة:آه آه - قيل له: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وقيل: إن المنصور دعا بعامل من عماله قد كسر خراجه، فقال له: أد ما عليك، قال: والله ما أملك شيئاً، ونادى المنادي: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: يا أمير المؤمنين، هب ما علي لله ولشهادة أن لا إله إلا الله، فخلي سبيله.
قال:وولى المنصور رجلاً من أهل الشام شيئاً من الخراج ، فأوصاه وتقدم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج من عندي الساعة، فتقول: الزم الصحة؛ يلزمك العمل. قال: وولي رجلاً من أهل العراق شيئاً من خراج السواد، فأوصاه، وتقدم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج الساعة فتقول: من عال بعدها فلا اجتبر . اخرج عني وامض إلى عملك؛ فو الله لئن تعرضت لذلك لأبلغن من عقوبتك ما تستحقه. قال: فوليا جميعاً وناصحا.
ذكر الصباح بن عبد الملك الشيباني، عن إسحاق بن موسى بن عيسى؛ أن المنصور ولى رجلاً من العرب حضر موت، فكتب إليه وإلى البريد أن يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة وكلاب قد أعدها، فعزله وكتب إليه: ثكلتك أمتك وعدمتك عشيرتك! ما هذه العدة التي أعددتها للنكاية في الوحش! إنا إنما استكفيناك أمور المسلمين، ولن نستكفك أمور الوحش، سل ما كنت تلي من عملنا إلى فلان بن فلان، والحق بأهلك ملوماً مدحوراً.
وذكر الربيع أنه قال:

أدخل على المنصور سهيل بن سلم البصري، وقد ولي عملاً فعزل، فأمر بحبسه واستئدائه، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين، قال: بئس العبد أنت! قال: لكنك يا أمير المؤمنين نعم المولى! قال: أما لك فلا.
قال: وذكر عن الفضل بن الربيع عن أبيه، أنه قال: بينا أنا قائماً بين يدي المنصور أو على رأسه؛ إذا أتي بخارجي قد هزم له جيوشاً، فاقام ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه، فقال: يابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش! فقال له الخارجي: ويلك وسوءة لك! بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسب! وما كان ويؤمنك أن أرد عليك وقد يأست من الحياة فلا تستقيلها أبداً! قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهاً حولاً.
ذكر عبد الله بن عمرو الملحي أن هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي أيوب المكي، عن أبيه، قال: حدثني عمارة بن حمزة، قال: كنت عند المنصور، فانصرفت من عنده في وقت انتصاف النهار، وبعد أن بايع الناس للمهدي، فجاءني المهدي في وقت انصرافي، فقال لي: قد بلغني أن أبي قد عزم أن يبايع لجعفر أخي، وأعطى لله عهداً لئن فعل لأقتلنه، فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فقلت: هذا أمر لا يؤخر، فقال الحاجب: الساعة خرجت! قلت: أمر حدث فأذن لي، فدخلت إليه، فقال لي: هيه يا عمارة! ما جاء بك؟ قلت: أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره، قال: فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهدي فقال: كيت وكيت، قلت: والله يا أمير المؤمنين لكأنك حاضر ثالثنا، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك.
وذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال: سمعت إبراهيم بن صالح، يقول: كنا في مجلس ننتظر الآذان فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجاج، فمنا من حمده ومنا من ذمه، فكان ممن حمده معن بن زائدة وممن ذمه الحسن بن زيد، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور، فانبرى الحسن بن زيد، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبني حتى يذكر الحجاج في دارك وعلى بساطك، فيشي عليه. فقال أبو جعفر: ما استنكرت من ذلك؟ رجل استكفاه قوم فكفاهم؛ والله لوددت أني وجدت مثل الحجاج حتى أستكفيه أمري، وأنزله أحد الحرمين.
قال: فقال له معن: يا أمير المؤمنين، إن لك مثل الحجاج عدة لو استكفيتهم كفوك، قال: ومنهم؟ كأنك تريد نفسك! قال: كلا لست كذلك؛ عن الحجاج ائتمنه قوم فأدى إليهم الأمانة، وإنا ائتمناك فخنتنا! ذكر الهيثم بن عدي، عن أبي بكر الهذلي، قال: سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكة، وسايرته يوماً، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الأرض، وعليه جب خز، وعمامة عدنية، في يده سوط يكاد يمس الأرض، سري الهيئة، فلما رآه أمرني فدعوته، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب،فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعراً لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمر بن تميم؛ وحدثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبري، وهو قوله:
إن قناتي لنبع لا يؤيسها ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفاً تأمن مسارحه ... وإن أخف آمناً تقلق به الدار
إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
فقال: ويحك! وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقل العرب على عدوه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبةً، وأعساهم قناة لمن رام هضمه، وأقرأهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره؛ اجتمعت العرب بعكاظ فكلهم أقر له بهذه الخلال؛ غي أن امرأ أراد أن يقصر به، فقال: والله ما أنت ببعيد النجعة، ولا قاصد الرمية، فدعاه ذلك إلى ان جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه، ولا ينزع كل عام عن غزوة يبعد فيها أثره، قال: يا أخي بني تميم؛ لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك ولكني أحق ببيتيه منه؛ أنا الذي وصف لا هو.

وذكر أحمد بن خالد الفقيمي أن عدت من بن هاشم حدثوه أن المنصور كان شغله في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور الأطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية لطرح عالتهم والتلطف لسكونهم وهدوئهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته إلا من أحب أن يسامر، فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سماره من ذلك فيما أرب؛ فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره، فإذا مضى الثلث الثاني قام إلى فراشه فأسبغ وضوءه وصف في محرابه حتى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه.
قال إسحاق: حدثت عن عبد الله بن الربيع، قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صف لي الناس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشأم حصن الأمة وأسنة الأئمة، وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال، والترك منابت الصخور وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم فاكنفوا بها عما يليهم، والروم أهل كتاب وتدين نحاهم الله من القرب إلى البعد، والأنباط كان ملكهم قديماً فهم لكل قوم عبيد. قال: فأي الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال: فأيهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتبعهم لها بالخرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أمير المؤمنين، الطاعة عند الخوف تسير الغدر وتبالغ عند المعاينة، والطاعة عند المحبة تضمر الإجتهاد وتبالغ عند الغفلة. قال: فأي الناس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرة والمنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذل النفس. قال: فمن ينبغي للملك أن يتخذه وزيراً؟ قال: أسلمهم قلباً، وأبعدهم عن الهوى.
وذكر عن أبي عبيد الله الكاتب، قال: سمعت المنصور يقول للمهدي حين عهد له بولاية العهد: يا أبا عبد الله، استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من الدنيا نصيبك من رحمة الله.
وذكر الزبير بن بكار، قال: حدثني مبارك الطبري، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: لا تبرم أمراً حتى تفكر فيه؛ فإن فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيئه.
وذكر الزبير أيضاً، عن مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله؛ لا يصلح السلطان إلا بالتقوى، ولا تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، ولاتدوم نعمة السلطان وطاعته إلا بالمال، ولا تقدم في الحياطة بمثل نقل الأخبار. وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه. واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره .
وعن المبارك الطبري أنه سمع أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلساً إلا ومعك من أهل العلم يحدثك؛ فإن محمد بن شهاب الزهري قال: الحديث ذكر ولا يحبه إلا ذكور الرجال، ولا يبغضه إلا مؤنثهم؛ وصدق أخو زهرة! وذكر عن علي بن مجاهد بن محمد بن علي، أن المنصور قال للمهدي: يا أبا عبد الله، من أحب الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض أحد الحمد إلا استذم، وما استذم إلا كره.
وقال المبارك الطبري: سمعت أبا عبيد الله يقول: قال المنصور للمهدي: يا أبا عبد الله، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتى يخرج منه؛ ولكنه الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه.
وذكر الفقيمي، عن عتبة بن هارون، قال: قال أبو جعفر يوماً للمهدي: كم راية عندك؟ قال: لا أدري، قال: هذا والله التضييع؛ أنت لأمر الخلافة أشد تضييعاً؛ ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت؛ فاتق الله فيما خولك.
وذكر علي بن محمد عن حفص بن عمر بن حماد، عن خالصة، قالت: دخلت على المنصور؛ فإذا هو يتشكى وجع ضرسه؛ فلما سمع حسي، قال: ادخلي؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صدغيه، فسكت ساعة ثم قال لي: يا خالصة، كم عندك من المال؟ قلت: ألف درهم، قال: ضعي يدك على رأسي واحلفي، قلت: عندي عشرة آلاف دينار؛ قال:

احمليها إلي، فرجعت فدخلت على المهدي والخيزران فأخبرتهما؛ فركلني المهدي برجله، وقال لي: ما ذهب بك إليه! ما به من وجع؛ ولكني سألته أمس مالاً فتمارض، احملي إليه ما قلت؛ ففعلت، فلما أتاه المهدي، قال: يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة! وقال علي بن محمد: قال واضح مولى أبي جعفر قال: قال أبو جعفر يوماً انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها، فإذا علمت بمجيء أبي عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل؛ وليكن معها رقاع. ففعلت، ودخل عليه المهدي وهو يقدر الرقاع، فضحك وقال: يا أمير المؤمنين، من هاهنا يقول الناس: نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دانق - فقال المنصور: إنه لا جديد لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر، ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد. قال: فقال المهدي:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:49 pm

وذكر أبو الجهم بن عطية، قال: حدثني أبو مقاتل الخراساني، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه وقال: هذا مالي، قال: ومن أين يكون مالك! فوالله ما وليت لك عملاً قط، ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة، قال: بلى، كنت تزوجت مولاة لعيينة بن موسى بن كعب فورثتك مالاً؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال! وذكر مصعب بن سلام، عن أبي حارثة النهدي صاحب بيت المال، قال: ولى أبو جعفر رجلاً باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلل عليه، لئلا يعطيه شيئاً، فقال له: أشركتك في أمانتي، ووليتك فيئاً من فيء المسلمين فخنته! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلا درهم، منه مثقال صررته في كمي، إذا خرجت من عندك اكتريت به بغلاً إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلا صادقاً؛ هلم درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لبده؟ فقال: ما مثلي ومثلك إلا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصة الضبع ومجيرها، قال: وإنما غالظه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئاً.
وذكر عن هشام بن محمد أن قثم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لم سميت قثم ؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القثم الذي يأكل ويزل، أما سمعت قول الشاعر:
وللكبراء أكل كيف شاءوا ... وللصغراء أكل واقتثام
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، تفضله علي وأنا أسن منه! قال: وأنت مثله! إنا لانلتفت إلى ناحية إلا وجدنا من أثر محمد فيها شيئاً، وفي منزلنا من هداياه بقية؛ وأنت لم تفعل من هذا شيئاً.
وذكر عن سوادة بن عمرو السلمي، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعت ابن هبيرة وهو يقول في مجلسه:

ما رأيت رجلاً قط في حرب، ولا سمعت به في سلم، أمكر ولا أبدع، ولا أشد تيقظاً من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كل الجهد أن ننال من عسكره شيئاً نكسره به؛ فما تهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء؛ فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى:
يقوم على الرغم من قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم
أخو الحرب لا ضرع واهنٌ ... ولم ينتعل بنعال خذم
وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلاً على رجل يقال له أزهر السمان - وليس بالمحدث - وذلك قبل خلافته؛ فلما ولي الخلافة صار إليه إلى مدينة السلام، فأدخل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، علي دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدمة، وابني محمد يريد البناء بأهله؛ فأمر له باثني عشر درهم، ثم قال: يا أزهر، لاتأتنا طالب حاجة: قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلماً يا أمير المؤمنين؛ قال: إنه ليقع في نفسي أشياء؛ منها أنك أتيتنا لما أتيتنا له في المرة الأولى؛ فأمر له باثني عشر درهم أخرى؛ ثم قال: يا أزهر، لاتأتنا طالب حاجة ولا مسلماً، قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ ثم لم يابث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده فإنه غير مستجاب؛ لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلفتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئاً.
وذكر الهيثم بن عدي أن بن عياش حدثه أن ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إني خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤ متعد طورك، جارٍ في عنان غيك، يعدك الله ما هو مصدقه، ويمنيك الشيطان ما هو مكذبه، ويقرب ما الله مباعده؛ فرويداً يتم الكتاب أجله؛ وقد ضربت مثلي ومثلك؛ بلغني أن أسداً لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل لي: قتلت خنزيراً؛ فلم أعتقد بذلك فخراً ولا ذكراً، وإن نالني منك شيء كان سبة علي، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتها أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر علي من لطخ شاربي بدمك.
وذكر عن محمد بن رياح الجوهري، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له، فيعث إلى رجل كان معه ينزل الرصافة - رصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال : أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا، ثم أتبع أن قال: فعل كذا رضي الله عنه؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي! فقام الشيخ وهو يقول: إن لعدوك قلادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلا غاسلي؛ فأمر المنصور برده، وقال:اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت : إنه كفاني الطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على باب غربي ولا أعجمي منذ رأيته، أفلا يجب أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أم نهضت عنك، وليلة أدتك، أشهد أنك نهيض حرة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلا أني أتشرف بحبائك، وأتبجح بصلتك. فأخذ الصلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الضبيعة، ويوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله! وذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عياش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلموا على أميرهم، وتكلموا كلاماً فيه طعن على سلطانهم؛ فرفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: اخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أمير المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقن رؤوسهما ولحاهما، ولأضربن ظهورهما، فالزموا منزلكم؛ وابقوا على أنفسكم. فخرج إليهم الربيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له:

والله يا أمير المؤمنين ما لنا بالضرب طاقة، فأما حلق اللحى فإذا شئت - وكان ابن عياش منتوفاً - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه! وقال موسى بن صالح: حدثني محمد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رفع إلى رجل قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصبغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتك وأحسنت إليك! قال: بلى، قال: فسعيت في نقض دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأت وأمير المؤمنين أولا بالعفو. قال: فدعى أبو جعفر عمارة - وكان حاضراً - فقال: يا عمارة؛ هذا أصبغ، فجعل يتثبت في وجهي، وكأن في عينيه سوءاً، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: علي بكيس عطائي، فأتى بكيس فيه خمسمائة درهم،فقال: خذها فإنك وضح، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحركها - قال عمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عنى أمير المؤمنين؟ قال: كنت وأنا غلام أعمل الحبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتى به ثانية، فأدخلته كما أدخلته قبل، فلما وقف بين يديه أحد النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقص عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقر به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه.
وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي، قال: كان خضاب المنصور زعفرانياً وذلك أن شعره كان ليناً لا يقبل الخضاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطي ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتى تكف لقلة الشعر ولينه.
وذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي السندي بن شاهك السندي، قال: ظفر المنصور برجل من كبراء بني أمية، فقال: إني أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: من أين أتى بنوا أمية حتى انتشر أمرهم؟ قال: من تضيع الأخبار، قال: فأي الأموال وجدتوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعند من وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضع من أقدارهم، فاستعان بمواليه.
وذكر علي بن محمد الهاشمي أن أباه محمد بن سليمان حدثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدواء في يوم شات شديد البرد فأتيته أسأله عن موافقة الدواء له، فأدخلت مدخلاً من القصر لم أدخله قط، ثم صرت إلى حجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورواق بين يديه في عرض البيت وعرض الصحن، على أسطوانة ساج، وقد سدل على وجه الرواق بواري كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مسح ليس فبه شيء غيره إلا فراشه ومرافقه ودثاره، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عم، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلا ما ترى.
قال: وسمعته يقول عمن حدثه، عن جعفر بن محمد، قال: قيل إن أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحداً يعزله إلا ألقاه في خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دجلة، ملاصقاً لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالاً، فما أخذ من شيء أمر به فعزل، وكسب عليه اسم من أخذ منه، وعزل في بيت المال، وسماه بيت مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال المهدي: إني قد هيأت لك شيئاً ترضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئاً، فإذا أنا مت فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الأموال التي سميتها المظالم، فاردد عليهم منهم؛ فإنك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهدي لما ولى. قال سليمان بن محمد: فكان المنصور ولى محمد بن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن محمد بن عبد المطلب بن ربيع بن الحارث البلقاء، ثم عزله،وأمر أن يإليه مع مال وجد عنده، فحمل إليه على البريد، وألفى معه ألفا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سوسنجرد ومضربة ومرفقه ووسادتين وطستاً وإبريقاً وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعاً كهيئته؛ إلا أن المتاع قد تأكل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال:

لا أعرفه، فتركه، ثم ولاه المهدي بعد ذلك اليمن، وولى الرشيد ابنها الملقب ربرا المدينة.
وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن علي، قال: حدثني صباح بن خانقان، قال: كنت عند المنصور حين أتى برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فوضع بين يديه في ترس، فأكب عليه بعض السيافة، فبصق في وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظراً شديداً، وقال لي: دق أنفه، قال: فضربت أنفه بالعمود ضربة لو طلب له أنف بألف دينار ما وجد، وأخذته أعمدة الحرص، فما زال يشهم بها حتى خمد، ثم جر برجله.
قال الأصمعي: حدثني جعفر بن سليمان، قال: قدم أشعب أيام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان بني هاشم فغناهم، فإذا ألحانه طربه وحلقه على حاله، فقال له جعفر: لمن هذا الشعر؟
لمن طلل بذات الجيش ... أمسى دارسا ًخلقا
علون بظاهر البيدا ... ء فالمحزون قد قلقاً
فقال: أخذت الغناء من معبد؛ ولقد كنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب؛ فإنه أحسن تأدية له مني.
قال الأصمعي: وقال جعفر بن سليمان: قال أشعب لابنه عبيدة: إني أراني سأخرجك من منزلي وأنتقي منك، قال: ولم يا أبه؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيف وأنت ابني قد بلغت هذا المبلغ من السن، وأنت في عيالي ما تكسب شيئاً، قال: بلى والله، إني لأكسب؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمها.
وذكر علي بن محمد بن سليمان الهاشمي؛ أن أباه محمداً حدثه أنه الأكاسرة كان يطين لها في الصيف سقف بيت في كل يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى القصب والطوالاً غلاظاً فترصف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العظام فتجعل ما بين أضعافها وكانت بنو أمية تفعل ذلك؛ وكان أول من أتخذ الجيش المنصور.
وذكر بعضهم: أن المنصور كان يطين له في أول خلافته بيت في الصيف يقيل فيه؛ فأتخذ له أبو أيوب الخوارزمي ثياب كثيفة تبل وتوضع على سبايك، فيجد بردها، فاستظرفها، وقال: ما أحسب هذه الثياب إن اتخذت أكثف من هذه إلا حملت من الماء أكثر مما تحمل؛ وكانت أبرد، فاتخذ له الخيش، فكان ينصب على قبة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج، واتخذها الناس.
وقال علي بن محمد بن أبيه: أن رجلاً من الراوندية كان يقال له الأبلق، وكان أبرص، فتكلم باللغو، ودعا بالراوندية إليه، فزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت في علي بن أبي طالب، ثم في الأئمة، في واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمد، وإنهم آله، واستحلوا الحرمات؛ فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فقتله وصلبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء، فألقوا أنفسهم، كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح، فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! قال: فخرج إليهم بنفسه، فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحكى لنا عن بعض مشيختنا أنه نظر إلى جماعة الراوندية يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يطيرون، فلا يبلغ أحدهم الأرض إلا وقد تفتت وخرجت روحه.
قال أحمد بن ثابت مولى محمد بن سليمان بن علي عن أبيه: إن عبد الله بن علي، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن علي أشرف يوماً ومعه بعض مواليه ومولى بن سليمان بن علي، فنظر إلى رجل له جمال وكمال، يمشي التخاجي، ويجر أثوابه من الخيلاء، فالتفت إلى مولى لسليمان بن علي، فقال: من هذا؟ قال له: فلان ابن فلان الأموي، فاستشاط غضباً وصفق يديه عجباً، وقال: إن طريقناً لنبك بعد، يا فلان - لمولى له - انزل فأتني برأسه، وتمثل قول سديف:
علام، وفيم نترك عبد شمس ... لها في كل راعية ثغاء!
فما بالرمس في حران منها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء
وذكر علي بن محمد المدائني أنه قدم علي أبي جعفر المنصور - بعد انهزام عبد الله بن علي وظفر المنصور به، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن، فقال:

أصلح الله أمير المؤمنين! إنا لسنا وفد مباهاة، ولكنا وفد توبة؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزت كريمنا، واستخفت حليمنا، فنحن بما قدمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فيما فيما أجرمنا وإن تعفو عنا فبفضلك علينا؛ فاصفح عنا إذا ملكت ، وامنن إذا قدرت، وأحسن إذ ظفرت، فطالما أحسنت! قال أبو جعفر: قد فعلت.
وذكر عن الهيثم ابن عدي عن زيد مولي بن نهيك، قال: دعاني المنصور بعد موت مولاي، فقال: يا زيد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كم خلف أبو زيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها، قال: فأين هي؟ قلت أنفقتها الحرة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت الحرة في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟ قلت: ستاً، فأطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب المهدي، فغدوت فقيل لي: أمعك بغال؟ فقلت: لم أومر بذلك ولا بغيره؛ ولا أدري لم دعيت! قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع إلى كل واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ثم دعاني المنصور، فقال: أقبضت ما أمرنا به لبنات أبي زيد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أغد علي بأكفائهن حتى أزوجهن منهم؛ قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيك من بني عمهن، فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن تحمل إليهن صدقاتهن من ماله، وأمرني أن أشتري بما أمر به لهن ضياعاً، يكون معاشهن منها، ففعلت ذلك.
وقال الهيثم: فرق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم، وأمر للرجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصل بها أحداً من الناس.
وقال العباس بن الفضل: أمر المنصور لعمومته: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، بني علي بن عبد الله بن عباس، لكل رجل منهم بألف ألف معونة له من بيت المال. وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال؛ فكانت تجري في الدواوين.
وذكر عن إسحاق بن إبراهيم المصلي، قال: حدثني الفضل بن ربيع، عن أبيه، قال: جلس أبو جعفر المنصور للمدنيين مجلساً عاماً ببغداد - وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كل من دخل علي منكم، فدخل عليه فيمن دخل شاب من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثم قال: يا أمير المؤمنين، قال الأحوص فينا شعراً، منعنا أموالنا من أجله منذ ستين سنة، فقال أبو جعفر: فأنشدني، فأنشده:
لاتأوين لحزميٍّ رأيت به ... فقراً وإن ألقي الحزميّ في النار
الناخسين بمروان بذي خشبٍ ... والداخلين على عثمان في الدار
قال: والشعر في المدح للوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد: أذكرتني ذنب آل حزم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال أبو جعفر: أعد علي الشعر، فأعاده ثلاثاً، فقال له أبو جعفر: لا جرم،إنك تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به، ثم قال لأبي أيوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا، ثم أمر أن يكتب إلى عماله أن ترد ضياع آل حزم عليهم، ويعطوا غلاتها في كل سنة من ضياع بني أمية، وتقسم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ، ومن مات منهم وفر على ورثته. قال: فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من الناس.
وحدثني جعفر بن أحمد بن يحيى، قال: حدثني أحمد بن أسد، قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل، وكثروا، فدخل عليه الربيع، فقال: يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء، والناس يقولون، قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: عليل؛ فأطرق قليلاً ثم قال: يا ربيع، ما لنا وللعامة ! إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم فينصف بعضهم من بغض، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسد ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيء عدوهم؛ وقد فعلنا ذلك بهم. ثم مكث أياماً، وقال: يا ربيع، اضرب الطبل؛ فركب حتى رآه العامة.
وذكر علي بن محمد، قال: حدثني أبي، قال:

وجه أبو جعفر مع محمد بن أبي العباس بالزنادقة والمجان، فكان فيهم حماد عجرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغضه إلى الناس، فأظهر محمد أنه يعشق بنت سليمان بن علي، فكان يركب إلى المربد، فيتصدى لها؛ يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه؛ فقال محمد لحماد: قل لي فيها شعراً، فقال فيها أبياتاً، يقول فيها:
يا ساكن المربد هجت لي ... شوقاً فما أنفك بالمربد
قال: فحدثني أبي فقال: كان المنصور نازلاً على أبي سنتين، فعرفت الخصيب المتطبب لكثرة إتيانه إياه؛ وكان الخصيب يظهر النصرانية وهو زنديق معطل لا يبالي من قتل، فأرسل إليه المنصور رسولاً يأمره أن يتوخى قتل محمد بن أبي العباس، فاتخذ سماً قاتلاً، ثم انتظر علة تحدث بمحمد، فوجد حرارة، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هيئها لي، فهيأها، وجعل فيها ذلك السم ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أم محمد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه أن الخصيب قتل ابنها. فكتب المنصور يأمر بحمله إليه؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطاً ضرباً خفيفاً، وحبسه أياماً، ثم وهب له ثلاثمائة درهم، وخلاه.
قال: وسمعت أبي يقول: كان المنصور شرط لأم موسى الحميرية ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتاباً أكدته وأشهدت عليه شهوداً، فعزب بها عشر سنين في سلطانه؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل الحجاز يستفتيه، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرض عليه الكتاب ليفتيه فيه برخصة؛ فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته فأرسلت إليه بمال جزيل، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برخصة، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد؛ فأتته وفاتها بحلوان، فأهديت له في تلك الليلة مائة بكر؛ وكانت أم موسى ولدت له جعفراً والمهدي.
وذكر عن علي بن الجعد أنه قال: لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس، ودخل عليه في قصره بباب الذهب ببغداد، أمر له بطعام يتغدى به، فلما وضعت المائدة بين يديه، قال: شراب، فقيل له: إن الشراب لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين، فقال: لا آكل طعاماً ليس معه شراب، فأخبر المنصور بذلك، فقال: دعوه، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب، فتعشى وشرب ماء دجلة، فلما كان من الغد نظر إلى مائه، فقال: ما كنت أحسب شيئاً يجزي من الشراب، فهذا ماء دجلة يجزي من الشراب.
وذكر عن يحيى بن الحسن أن أباه حدثه، قال: كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بع ثمار الضياع ولا تبعها إلا ممن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنما يغلبنا المفلس الذي لا مال له، ولا رأي لنا في عذابه، فيذهب بما لنا قبله ولو أعطاك جزيلاً، وبعها من الممكن بدون ذلك ممن ينصفك ويوفيك.
وذكر أبو بكر الهذلي أن أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسدي إليه معروف فنسيه دون الموت.
وقال الفضل بن ربيع: سمعت المنصور يقول: كانت العرب تقول: الغوى الفادح خير من الري الفاضح.
وذكر عن أبان بن يزيد العنبري أن الهيثم القارئ البصري قرأ عند المنصور " ولا تبذر تبذيرا " إلى آخر الآية، فقال له المنصور، وجعل يدعو: اللهم جنبني وبني التبذير فيما أنعمت علينا به من عطيتك. قال: وقرأ الهيثم عنده: " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " فقال للناس: لولا أن الأموال حسن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما وزينتهما ما بت ليلة وأنا أحرز منه ديناراً ولا درهماً لما أجد لبذل المال من اللذاذة؛ ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة.
ودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينه، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده، فازدراه واقتحمته عينه، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده، فقال له: أنى لك هذا العلم! قال: لم أبخل بعلم علمته، ولم أستح من علم أتعلمه. قال: فمن هناك! قال: وكان المنصور كثيراً ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال عن غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئاً ولا لاحياً.
وذكر عن قحطبة، قال: سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابها إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرمة، والقدح في الملك.
وذكر علي بن محمد أن المنصور كان يقول: سرك من دمك فانظر من تملكه.

وذكر الزبير بن بكار، عن عمر، قال: لما حمل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة! قال: تركتها وراءك يابن اللخناء! وذكر عن عمر بن شبة، أن قحطبة بن غدانة الجشمي - وكان من الصحابة - قال: سمعت أبا جعفر المنصور يخطب في مدينة السلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: يا عباد الله، لا تظالموا، فإنها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم؛ ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الأمر مني لأتيته حتى أدفعه إليه. وذكر إسحاق الموصلي، عن النضر بن جديد، قال: حدثني بعض الصحابة أن المنصور كان يقول: عقوبة الحليم التعريض، وعقوبة السفيه التصريح.
وذكر أحمد بن خالد، قال: حدثني يحيى بن أبي نصر القرشي، أن أبانا القارئ قرأ عند المنصور : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " ، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدبنا ربنا! قال: وقال المنصور: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف فقد شكر، ومن شكر كان كريماً، ومن علم أنه إنما صنع إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم، ولم يستزدهم من مودتهم، تلتمس من غيرك شكر ما آتيته إلى نفسك، ووقيت به عرضك. واعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن وجهك فأكرم وجهك عن رده.
وذكر عمر بن شبة أن محمد بن عبد الوهاب المهلبي، حدثه، فقال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: لم يكن أحد من بني العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة غير أبي جعفر وداود بن علي والعباس بن محمد.
وذكر عن أحمد بن خالد، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الفهري، قال: خطب المنصور ببغداد في يوم عرفة - وقال قوم: بل خطب في أيام - منى فقال في خطبته: أيها الناس؛ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه؛ أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه؛ قد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني؛ فارغبوا إلى الله أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به؛ إذ يقول تبارك وتعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " . أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، إنه سميع قريب.
وذكر عن داود بن رشيد عن أبيه، أن المنصور خطب فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. فاعترضه معترض عن يمينه، فقال: أيها الإنسان، أذكرك من ذكرت به... فقطع الخطبة ثم قال: سمعاً سمعاً؛ لمن حفظ عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أكون جباراً عنيداً، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القائل؛ فوالله ما أردت بها وجه الله ؛ ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها! ويلك لو هممت! فاهتبلها إذ غفرت. وإياك وإياكم معشر الناس أختها؛ فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت؛ فردوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، وتصدروه مصادره...ثم عاد في خطبته، فكأنه يقرؤها من كفه، فقال: وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
وذكر عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن ابن أبي الجوزاء، أنه قال: قمت إلي أبي جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فأخذت فأدخلت عليه، فقال: من أنت ويلك! إنما أردت أن أقتلك، فاخرج عني فلا أراك. قال: فخرجت من عنده سليماً.
وقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدثني إبراهيم بن عيسى، قال: خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد - يعني به مسجد المدينة ببغداد - فلما بلغ:اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل، فقال: وأنت يا عبد الله، فاتق الله حق تقاته...فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعاً سمعاً، لمن ذكر بالله؛ هات يا عبد الله، فما تقى الله؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئاً، فقال أبو جعفر:

الله الله أيها الناس في أنفسكم، لا تملونا من أموركم ما لا طاقة لكم به، لايقوم رجل هذا المقام إلا أوجعت ظهره، وأطلت حبسه. ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروهاً قال: خذه إليك يا مسيب - قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه، فاستحسن الناس ذلك منه، فلما فرغ من الصلاة دخل القصر؛ وجعل عيسى بن موسى يمشي على هيئته خلفه، فأحس به أبو جعفر، فقال: أبو موسى؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: كأنك خفتني على هذا الرجل! قال: والله لقد سبق إلى قلبي بعض ذلك؛ إلا أن أمير المؤمنين أكثر علماً، وأعلى نظراً من أن يأتي في أمره إلا الحق، فقال: لا تخفني عليه. فلما جلس قال: علي بالرجل، فأتى به؛ فقال: يا هذا؛ إنك لما رأيتني على المنبر، قلت؛ هذا الطاغية لا يسعني إلا أن أكلمه، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغيير قدميك في سبيل الله؛ أنطه يا ربيع أربع مائة درهم، واذهب فلا تعد. وذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى أمير المؤمنين أنه قال: حج المنصور بعد بناء بغداد، فقام خطيباً بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " ، أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل؛ والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعداً للقوم الظالمين؛ الذين اتخذوا الكعبة عرضاً، والفيء إرثاً، وجعلوا القرآن عضين؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد؛ أهملهم الله حتى بدلوا السنة، واضطهدوا العترة، وعندوا واعتدوا، واستكبروا وخاب كل جبار عنيد؛ ثم أخذهم؛ فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً! وذكر الهيثم بن عدي، عن ابن عياش قال: إن الأحداث لما تتابعت على أبي جعفر، تمثل:
تفرقت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد
قال: ثم أمر بإحضار القواد و الموالي والصحابة وأهل بيته، وأمر حماداً التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدم والمسيب بن زهير بأخذ الأبواب، ثم خرج في يوم من أيامه حتى علا المنبر. قال: فأزم عليه طويلاً لا ينطق. قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم! فإنه والله ممن يهون عليه صعاب القول، فما باله! قال: فافترع الخطبة، ثم قال:
ما لي أكفكف عن سعدٍ ويشتمني ... ولو شتمت بني سعدٍ لقد سكنوا
جهلاً علي وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
ثم جلس وقال:
فألقيت عن رأسي القناع ولم أكن ... لأكشفه إلا لإحدى العظائم
والله لقد عجزوا عن أمرٍ قمنا به، فما شكروا الكافي؛ ولقد مهدوا فاستوعروا وغمطوا الحق وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنقا على غصصٍ، أم أقيم على ضيم ومضض! والله لا أكرم أحداً بإهانة نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلبنه ثم لا يجدونه عندي؛ والسعيد من وعظ بغيره. قدم يا غلام، ثم ركب.
وذكر الفقيمي أن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن مولى محمد بن علي حدثه، أن المنصور لما أخذ عبد الرحمن بن حسن واخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:

يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب تركناهم والله الذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ فقام فيها علي بن أبي طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمين؛ فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده الحسن بن علي؛ فوالله ما كان فيها برجل؛ قد عرضت عليه الأموال، فقبلها، فدس إليه معاوية؛ إني أجعلك ولي عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غداً؛ فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة؛ أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن أهل هذه المدرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغروه؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه؛ وقد كان أتى محمد بن علي، فناشده في الخروج وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة، وقال له: إنا نجد في بعض علمنا، أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب؛ وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة فلم يقبل؛ وأتم على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة، ثم وثب علينا بنو أمية، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزنا؛ والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها؛ وما كان لهم ذلك كله إلا فيهم وبسبب خروجهم عليهم؛ فنفونا من البلاد، فصرنا مرة بالطائف، ومرة بالشام، ومرة بالشراة؛ حتى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصاراً، فأحيا شرفنا، وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فقر الحق مقره، وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها؛ من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا، ظلماً وحسداً منهم لنا، وبغياً لما فضلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه صلى الله عليه وسلم.
جهلاً علي وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
فإني والله يا أهل خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرم، وقد دسست لهم رجالاً فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالاً يعملون عليه؛ فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة، فدسوا إليهم تلك الأموال؛ فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب، ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعةً، استحللت بها دماءهم وأموالهم وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي؛ فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية: " وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شكٍ مريب " .
قال: وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم، فقال: أيها الناس؛ لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإنه لم يسر أحد قط منكرةً إلا ظهرت في آثار يده، أو فلتات لسانه، وأبداها الله لإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه. إنا لن نبخسكم حقوقكم، ولن نبخس الدين حقه عليكم. إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبي هذا الغمد. وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا، على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا؛ ولم تمنعنا إقامة الحق له من إقامة الحق عليه.
وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن الفضل بن الربيع أخبره عن أبيه، قال: قال المنصور: قال أبي: سمعت أبي؛ علي بن عبد الله يقول: سادة الدنيا الأسخياء، وسادة الآخرة الأنبياء.
وذكر عن إبراهيم بن عيسى، أن المنصور غضب على محمد بن جميل الكاتب - وأصله من الربذة - فأمر ببطحه، فقام بحجته، فأمر بإقامته، ونظر إلى سراويله، فإذا هو كتان، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درة، وقال لا تلبس سراويل كتان فإنه من الصرف.

وذكر محمد بن إسماعيل الهاشمي، إن الحسن بن إبراهيم حدثه، عن أشياخه، أن أبا جعفر لما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بياخمري وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمل إليه، كتب إلى بني علي بن أبي طالب بالمدينة كتاباً يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر، وأنه لم يفعل ذلك إلا عن رأيهم، وأنهم يدأبون في طلب السلطان، ويلتمسون بذلك القطيعة والعقوق، وقد عجزوا عن عداوة بني أمية لما نازعوهم السلطان، وضعفوا عن طلب ثأرهم؛ حتى وثب بنو أبيه غضباً على بني أمية، فطلبوا بثأرهم، فأدركوا بدمائهم، وانتزعوا السلطان عن أيديهم، وتمثل في الكتاب بشعر سبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعي:
فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم ... وبالله أحمي عنكم وأدافع
لضاعت أمور منكم لا أرى لها ... كفاةً وما لا يحفظ الله ضائع
فسموا لنا من طحطح الناس عنكم ... ومن ذا الذي تحنى عليه الأصابع!
ومازال منا قد علمتم عليكم ... على الدهر إفضال يرى ومنافع
ومازال منكم أهل غدرٍ وجفوةٍ ... وبالله مغتر وللرحم قاطع
وإن نحن غبنا عنكم وشهدتم ... وقائع منكم ثم فيها مقانع
وإنا لنرعاكم وترعون شأنكم ... كذاك الأمور؛ خافضات روافع
وهل تعلون أقدام قوم صدورهم ... وهل تعلون فوق السنام الأكارع!
ودب رجال للرياسة منكم ... كما درجت تحت الغدير الضفادع؟
وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: كان أرزاق الكتاب والعمال أيام أبي جعفر ثلاثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيام المأمون، فكان أول من سن زيادة الأرزاق الفضل بن سهل، فأما في أيام بني أمية وبني العباس فلم تزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها، كان الحجاج يجري على يزيد بن أبي مسلم ثلثمائة درهم في الشهر.
وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى، أن ولاة البريد في الآفاق كلها كانوا يكتبون إلى المنصور أيام خلافته في كل يوم بسعر القمح والحبوب والأدم، وبسعر كل مأكول، وبكل ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وبما يعمل به الوالي وبما يرد بيت المال من المال، وكل حدث، وكانوا إذا صلوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كل ليلة إذا صلوا الغداة؛ فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإذا رأى الأسعار على حالها أمسك، وإن تغير شيء منها عن حاله كتب إلى الوالي والعامل هناك، وسأل عن العلة التي نقلت ذلك عن سعره؛ فإذا ورد الجواب بالعلة تلطف لذلك برفقه حتى يعود سعره ذلك إلى حاله؛ وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه بذلك؛ وسأل من بحضرته عن عمله؛ فإن أنكر شيئاً عمل به كتب إليه يوبخه ويلومه.
وذكر إسحاق الموصلي أن الصباح بن خاقان التميمي، قال: حدثني رجل من أهلي، عن أبيه، قال: ذكر الوليد عند المنصور أيام نزوله ببغداد وفروغه من المدينة، وفراغه من محمد وإبراهيم ابني عبد الله، فقالوا:لعن الله الملحد الكافر - قال: وفي المجلس أبو بكر الهذلي وابن عياش المنتوف والشرقي بن القطامي، وكل هؤلاء من الصحابة - فقال أبو بكر الهذلي: حدثني ابن عم للفرزدق، عن الفرزدق، قال: حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغن بشعر ابن الزبعري:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
وقتلنا الضعف من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدل
فقال ابن عائشة: لا أغني هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: غنه وإلا جدعت لهواتك، قال: فغناه، فقال: أحسنت والله! إنه لعلي دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر.قال: فلعن المنصور ولعنه جلساؤه؛ وقال: الحمد لله على نعمته وتوحيده.
وذكر عن أبي بكر الهذلي، قال: كتب صاحب أرمينية إلى المنصور: إن الجند قد شغبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال، وأخذوا ما فيه، فوقع في كتابه: اعتزل عملنا مذموماً، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتهبوا.
وقال إسحاق الموصلي، عن أبيه: خرج بعض أهل العبث على أبي جعفر بفلسطين، فكتب إلى العامل هناك:

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:06 pm

دمه في دمك إلا توجهه إلي؛ فجد في طلبه، فظفر به فأشخص، فأمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال له أبو جعفر: أنت المتوثب على عمالي! لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك، فقال له - وقد كان شيخاً كبير السن - بصوت ضعيف ضئيل غير مستعلٍ:
أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
قال: فلم تتبين للمنصور مقالته، فقال يا ربيع، ما يقول؟ فقال: يقول:
العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم منصرف!
قال: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته. قال: ورفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنه أخذ حداً من ضيعته، فأضافه إلى ماله، فوقع إلى عامله في رقعة المتظلم: إن آثرت العدل صحبتك السلامة، فأنصف هذا المتظلم من هذه الظلامة.
قال: ورفع رجل من العامة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته، فوقع في رقعته: من أشراط الساعة كثرة المساجد فزد في خطاك تزدد من الثواب.
قال: وتظلم رجل من أهل السواد من بعض العمال في رقعة رفعها إلى المنصور، فوقع فيها: إن كنت صادقاً فجئ به ملبباً فقد أذنا لك في ذلك.
وذكر عمر بن شبة أن أبا الهذيل العلاف حدثه، أن أبا جعفر قال: بلغني أن السيد بن محمد مات بالكرخ - أو قال: بواسط - ولم يدفنوه،لأن حق ذلك عندي لأحرقنها. وقيل: إن الصحيح أنه مات في زمن المهدي بكرخ بغداد، وأنهم تحاموا أن يدفنوه، وأنه بعث بالربيع حتى ولي أمره، وأمره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازلهم، فدفع ربيع عنهم.
وقال المدائني: لما فرغ المنصور من محمد وإبراهيم وعبد الله بن علي وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد و استقامت له الأمور، كان يتمثل هذا البيت:
تبيت من البلوى على حد مرهفٍ ... مراراً ويكفي الله ما أنت خائف
قال: وأنشدني عبد الله بن الربيع، قال: أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء:
ورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
وقال الهيثم بن عدي: لما بلغ المنصور تفرق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هرباً من عقابه، تمثل:
إن قناتي لنبع لا يؤيسها ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفاً تأمن مسارحه ... وإن أخف آمناً تقلق به الدار
سيروا إلي وغضوا بعض أعينكم ... إني لكل امرئ من جاره جار
وذكر علي بن محمد عن واضح مولى أبي جعفر، قال: أمرني أبو جعفر أن أشتري له ثوبين لينين، فاشترينهما له بعشرين ومائة درهم، فأتيته بهما، فقال: بكم؟ فقلت: بثمانين درهماً، قال: صالحان، استحطه؛ فإن المتاع إذا أدخل علينا ثم رد على صاحبه كسره ذلك. فأخذت الثوبين من صاحبهما، فلما كان من الغد حملتهما إليه معي، فقال: ما صنعت؟ قلت: رددتهما عليه فحطني عشرين درهماً، قال: أحسنت؛ اقطع أحدهما قميصاً، واجعل الآخر رداء لي. ففعلت، فلبس القميص خمسة عشرة يوماً لم يلبس غيره. وذكر مولى لعبد الصمد بن علي، قال: سمعت عبد الصمد يقول: إن المنصور كان يأمر أهل بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشي والطيب؛ فإن رأى أحدهم قد أخل بذلك أو أقل منه، قال: يا فلان، ما أرى وبيص الغالية في لحيتك؛ وإني لأراها تلمع في لحية فلان؛ فيشحذهم بذلك على الإكثار من الطيب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرعية، ويزينهم بذلك عندهم؛ وإن رأى على أحدهم وشياً طاهراً عضه بلسانه.
وذكر عن أحمد بن خالد، قال: كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيراً عن حديث عجلان بن سهيل، أخي حوثرة بن سهيل، قال: كنا جلوساً مع عجلان، إذ مر بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجل من القوم: قد مر الأحول، قال: من تعني؟ قال: هشاماً، قال: تسمي أمير المؤمنين بالنبز! والله لولا رحمك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات.
وقال أحمد بن خالد: قال إبراهيم بن عيسى: كان للمنصور خادم أصفر إلى الأدمة، ماهر لا بأس به، فقال المنصور يوماً: ما جنسك؟ قال: عربي يا أمير المؤمنين، قال: ومن أي العرب أنت؟ قال: من خولان، سبيت من اليمن، فأخذني عدو لنا، فجبني فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أمية، ثم صرت إليك. قال:

أما إنك نعم الغلام؛ ولكن لا يدخل علي قصري عربي يخدم حرمي؛ اخرج عافاك الله؛ فاذهب حيث شئت! وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر - وكان من الصحابة - أن المنصور ضم رجلاً من أهل الكوفة، يقال له الفضيل بن عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبه، وولاه أمره، فكان منه بمنزلة أبي عبيد الله من المهدي، وكان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهدي، فنصبت أم عبيد الله حاضنة جعفر للفضيل بن عمران، فسعت به إلى المنصور، وأومأت إلى أنه يعبث بجعفر. قال: فبعث المنصور الريان مولاه وهارون بن غزوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفضيل - وهو مع جعفر بحديثه الموصل - وقال: إذا رأيتما فضيلاً فاقتلاه حيث لقيتماه، وكتب لهما كتاباً منشوراً، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به، وقال: لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى تفرغا من قتله. قال: فخرجا حتى قدما على جعفر، وقعدا على بابه ينتظران الإذن؛ فخرج عليهما فضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور، فلم يعرض لهما أحد؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتى فرغا منه - وكان الفضيل رجلاً عفيفاً ديناً - فقيل للمنصور: إن الفضيل كان أبرأ الناس مما رمي به، وقد عجلت عليه. فوجه رسولاً، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتل، فقدم الرسول قبل أن يجف دمه.
فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر، أن جعفراً أرسل إليه، فقال: ويلك! ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولا جناية! قال سويد: فقلت: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء؛ وهو أعلم بما يصنع؛ فقال : يا ماص بظر أمه، أكلمك بكلام الخاصة وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله فألقوه في دجلة. قال فأخذت، فقلت: أكلمك، فقال: دعوه، فقلت: أبوك إنما يسأل عن فضيل، ومتى يسأل عنه، وقد قتل عمه عبد الله بن عبد الله بن علي، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلماً، وقتل أهل الدنيا ممن لا يحصى ولا يعد! هو قبل أن يسأل عن فضيل جرذانة تجب خصى فرعون قال: فضحك، وقال: دعوه إلى لعنة الله.
وقال قعنب بن محرز: أخبرنا محمد بن عائد مولى عثمان بن عفان أن حفصاً الأموي الشاعر، كان يقال له حفص بن أبي جمعة، مولى عباد بن زياد، وكان المنصور صيره مؤدباً للمهدي في مجالسه، وكان مداحاً لبني أمية في أيام بني أمية وأيام المنصور، فلم ينكر عليه ذلك المنصور، ولم يزل مع المهدي أيام ولايته العهد؛ ومات قبل أن يلي المهدي الخلافة. قال: وكان مما مدح به بني أمية قوله:
أين روقا عبد شمسٍ أين هم ... أين أهل الباع منهم والحسب!
لم تكن أيد لهم عندكم ... ما فعلتم آل عبد المطلب!
أيها السائل عنهم أولو ... جثث تلمع من فوق الخشب
إن تجذوا الأصل منهم سفهاً ... يا لقوم للزمان المنقلب!
إن فاحلبوا ما شئتم في صحنكم ... فستسقون صرى ذاك الحلب
وقيل: إن حفصاً الأموي دخل على المنصور، فكلمه فاستخبره، فقال له: من أنت فقال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: مولى لي مثلك لا أعرفه! قال: مولى خادم لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم أنه مولى لبني أمية، فضمه إلى المهدي، وقال له: احتفظ به.
ومما رثي به قول سلم الخاسر:
عجباً للذي نعى الناعيان ... كيف فاهت بموته الشفتان!
ملك إن غدا على الدهر يوماً ... أصبح الدهر ساقطاً للجران
ليت كفاً حثت عليه تراباً ... لم تعد في يمينها بنان
حين دانت له البلاد على العس ... ف وأغضى من خوفه الثقلان
أين رب الزوراء قد قلدته ال ... ملك، عشرون حجة واثنتان
إنما المرء كالزناد إذا ما ... أخذته قوادح النيران
ليس يثني هواه زجر ولا يق ... دح في حبله ذوو الأذهان
قلدته أعنة الملك حتى ... قاد أعداءه بغير عنان
يكسر الطرف دونه وترى الأي ... دي من خوفه على الأذقان
ضم أطراف ملكه ثم أضحى ... خلف أقصاهم ودون الداني

هاشمي التشمير لا يحمل الثق ... ل على غارب الشرود الهدان
ذو أناة ينسى لها الخائف الخو ... ف وعزمٍ يلوي بكل جنان
وذهبت دونه النفوس حذاراً ... غير أن الأرواح في الأبدان
ذكر أسماء ولده ونسائهفمن ولده المهدي - واسمه محمد - وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت المنصور أخت يزيد بن المنصور الحمري؛ وكانت نكنى أم موسى؛ وهلك جعفر هذا قبل المنصور.
وسليمان وعيسى ويعقوب؛ وأمهم فاطمة بنت محمد، من ولد طلحة بن عبيد الله.
وجعفر الأصغر، أمه أم ولد كردية، كان المنصور اشتراها فتسراها، وكان يقال لابنها: ابن الكردية.
وصالح المسكين، أمه أم ولد رومية، يقال لها قالي الفراشة.
والقاسم، مات قبل المنصور، وهو ابن عشر سنين، وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم.
والعالية، أمها امرأة من بني أمية، زوجها المنصور من إسحاق بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن العباس. وذكر إسحاق بن سليمان أنه قال: قال لي أبي: زوجتك يا بني أشرف الناس؛ العالية بنت أمير المؤمنين.
قال: فقلت: يا أباه، من أكفاؤنا؟ قال: أعداؤنا من بني أمية.
ذكر الخبر عن وصاياهذكر عن الهيثم بن عدي أن المنصور أوصى المهدي في هذه السنة لما شخص متوجهاً إلى مكة في شوال، وقد نزل قصر عبدويه، وأقام بهذا القصر أياماً والمهدي معه يوصيه، وكان انقض في مقامه بقصر عبدويه كوكب، لثلاثٍ بقين من شوال بعد إضاءة الفجر، وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس، فأوصاه بالمال والسلطان؛ يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بالغداة والعشي، لا يفتر عن ذلك، ولا يفترقان إلا تحريكاً. فلما كان اليوم الذي أراد أن يرتحل فيه، دعا المهدي، فقال له: إني لم أدع شيئاً إلا قد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحداً، يصر مفتاحه في كم قميصه. قال: وكان حماد التركي يقدم إليه ذلك السفط إذا دعا به، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذي يليه سلمة الخادم - فقال للمهدي: انظر هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك. ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر؛ فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث؛ حتى بلغ سبعة ؛ فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة؛ فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة؛ فإياك أن تستبدل بها؛ فإنها بيتك وعزك، قد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور؛ فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك؛ أن تظهر كرامتهم وتقدمهم وتكثر الإحسان إليهم، وتعظم أمرهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر؛ فإن عزك عزهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليك، فأحسن إليهم وقربهم واتكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك. ، وما أظنك تفعل.
وأوصيك بأهل خراسان خيراً، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم؛ أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها، وما أظنك تفعل. وإياك أن تستعسن برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك، وأظنك ستفعل.
وقال غير الهيثم: إن المنصور دعا المهدي عند مسيره إلى مكة، فقال: يا أبا عبد الله، إني سائر وإني غير راجع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاسأل الله بركة ما أقدم عليه، هذا كتاب وصيتي مختوماً، فإذا بلغك أني قد مت، وصار الأمر إليك فانظر فيه، وعلي دين أحب أن تقضيه وتضمنه، قال: هو علي يا أمير المؤمنين، قال: فإنه ثلثمائة ألف درهم ونيف، ولست أستحلها من بيت مال المسلمين، فاضمنها عني، وما يفضي إليك من الأمر أعظم منها. قال: أفعل، هو علي. قال: وهذا القصر ليس هو لك، هو لي وقصري بنيته بمالي، فأحب أن تصير نصيبك منه لأخوتك الأصاغر.
قال: نعم، قال: ورقيقي الخاصة هم لك،فاجعلهم لهم، فإنك تصير إلى ما يغنيك عنهم، وبهم إلى ذلك أعظم

الحاجة. قال: أفعل، قال: أما الضياع، فلست أكلفك فيها هذا، ولو فعلت كان أحب إلي، قال: أفعل، قال: سلم إليهم ما سألتك من هذا، وأنت معهم في الضياع. قال: والمتاع والثياب، سلمه لهم قال: أفعل. قال: أحسن الله عليك الخلافة ولك الصنع! اتق الله فيما خولك وفيما خلفتك عليه.ومضى إلى الكوفة، فنزل الرصافة، ثم خرج منها مهلاً بالعمرة والحج، قد ساق هدية من البدن، وأشعر وقلد؛ وذلك لأيام خلت من ذي القعدة.
وذك أبو يعقوب بن سليمان،قال: حدثتني جمرة العطارة - عطارة أبي جعفر - قالت: لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي - وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر - فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدم إليها وأحلفها، ووكد الأيمان ألا تفتح بعض الخزائن، ولا تطاع عليها أحداً إلا المهدي؛ ولا هي؛ إلا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث؛ حتى يفتحا الخزانة. فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه إلا يفتحه ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته. فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولى الخلافة، فتح الباب ومعه ريطة؛ فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم؛ وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذاك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكان.
وذكر عن إسحاق بن عيسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت المنصور وهو متوجه إلى مكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو يقول للمهدي عند وداعه إياه: يا أبا عبد الله؛ إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة؛ وإنما حداني على الحج ذلك، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي؛ يجعل لك فيها كربك وحزنك مخرجاً، أو قال: فرجاً ومخرجاً - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب. احفظ يا بني محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدم الحرام، فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم. والزم الحلال فإن ثوابك في الآجل، وصلاحك في العاجل. وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور؛ فإن الله لو علم أن شيئاً أصلح لدينه وأزجر من معاصيه من الحدود لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه، أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فساداً مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً " الآية. فالسلطان يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودين الله القيم، فاحفظه وحطه وحصنه، وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمثلات بهم؛ ولا تتجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل ولا تشطط؛ فإن ذلك أقطع للشغب، واحسم للعدو، وأنجع في الدواء. وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة. وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية. واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل، وخص الواسطة، ووسع المعاش، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها. وإياك والتبذير؛ فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة؛ وهي من شيم الزمان. وأعد الرجال والكراع والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع. جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولاً فأولا، واجتهد وشمر فيها، وأعدد رجالاً بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار،ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل، واستعمل حسن الظن بربك، وأسئ الظن بعمالك وكتابك. وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من يبيت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة، ونفساً غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك.
قال: ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه.
وذكر عمر بن شبة عن سعيد بن هريم، قال:

لما حج المنصور في السنة التي توفي بها شيعة المهدي، فقال: يا بني، إني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها؛ ولست أخاف عليك إلا أحد رجلين: عيسى بن موسى، وعيسى بن زيد؛ فأما عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلته، و والله لو لم يكن إلا أن يقول قولاً لما خفت عليك، فأخرجه من قلبك. وأما عيسى بن زيد فأنفق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة حتى تظفر به، ثم لا ألومك.
وذكر عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه، قال: لما دخل المنصور آخر منزل نزله من طريق مكة، نظر في صدر البيت الذي نزل فيه، فإذا فيه مكتوب: " بسم الله الرحمن الرحيم " .
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لابد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنية مانع!
قال: فدعا بالمتولي لإصلاح المنازل، فقال له: يا أمير المؤمنين، والله ما دخلها أحد منذ فرغ منها، فقال: اقرأ ما في صدر البيت مكتوباً، قال: ما أرى شيئاً يا أمير المؤمنين، قال: فدعا برئيس الحجبة، فقال: اقرأ ما على صدر البيت مكتوباً، قال: ما أرى على صدر البيت شيئاً، فأملى البيتين فكتبا عنه، فالتفت إلى حاجبه فقال: اقرأ لي آية من كتاب الله جل وعز تشوقني إلى الله عز وجل، فتلا: " بسم الله الرحمن الرحيم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ، فأمر بفكيه فوجئا. وقال: ما وجدت شيئاً تقرؤه غير هذه الآية! فقال: يا أمير المؤمنين، محي القرآن من قلبي غير هذه الآية، فأمر بالرحيل عن ذلك المنزل تطيراً مما كان، وركب فرساً، فلما كان في الوادي الذي يقال له سقر - وكان آخر منزل بطريق مكة - كبا به الفرس، فدق ظهره، ومات فدفن ببئر ميمون.
وذكر عن محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: أخبرني رجل من العلماء وأهل الأدب، قال: هتف بأبي جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
عليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت بالقصد، كل ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا بنقل السلطان عن ملك ... إذا انقضى ملكه إلى ملك
حتى يصيرا به إلى ملك ... ما عز سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض والمر ... سي الجبال المسخر الفلك
فقال أبو جعفر: هذا والله أوان أجلي.
وذكر عبد الله بن عبيد الله، أن عبد العزيز بن مسلم حدثه أنه قال: دخلت على المنصور يوماً أسلم عليه؛ فإذا هو باهت لا يحير جواباً، فوثبت لما أرى منه، أريد الانصراف عنه، فقال لي بعد ساعة: إني رأيت فيما يرى النائم؛ كأن رجلاً ينشدني هذه الأبيات:
أخي أخفض من مناكا ... فكأن يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا
فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا
ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا
فهذا الذي ترى من قلقي لما سمعت ورأيت. فقلت: خيراً رأيت يا أمير المؤمنين. فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحج فمات لوجهه ذاك.
وفي هذه السنة بويع للمهدي بالخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بمكة؛ صبيحة الليلة التي توفي فيها أبو جعفر المنصور وذلك يوم السبت لست ليالٍ خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، كذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر وغيرهما.
وقال الواقدي: وبويع له ببغداد يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة.
وأم المهدي أم موسى بنت المنصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميري.
خلافة المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عقد للمهدي بالخلافة
حين مات والده المنصور بمكة

ذكر علي بن محمد النوفلي أن أباه حدثه، قال: خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة؛ وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة، فلقيته بذات عرق ثم سرت معه، فكان كلما ركب عرضت له فسلمت عليه، وقد كان أدنف وأشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكة، قضيت عمرتي، ثم كنت أختلف إلى أبي جعفر إلى مضربه، فأقيم فيه إلى قريب الزوال، ثم انصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميون - وأقبلت علته تشتد وتزداد، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم؛ فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبت في ثوبي متقلداً السيف عليهما، وأنا أساير محمد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بني هاشم ومشايخهم؛ وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان موردان قد أحرم فيهما، متقلداً السيف عليهما - قال: وكان مشايخ بني هاشم يحبون أن يحرموا في المورد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول علي بن أبي طالب فيه. فلما صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكة، فعدلنا إليهما، فسلمنا عليهما ثم مضينا، فقال لي محمد بن عون: ما ترى حال هذين ودخولهما مكة؟ قلت: أحسب الرجل قد مات؛ فأرادا أن يحصنا مكة؛ فكان ذلك كذلك، فبينا نحن نسير، إذا خفي الشخص في طمرين، ونحن بعد في غلس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا، فقال: مات والله الرجل! ثم خفي عنا، فمضينا نحن حتى أتينا العسكر، فدخلنا السرادق الذي كنا نجلس فيه كل يوم؛ فإذا بموسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، وإذا القاسم بن منصور في ناحية السرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرق، إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمر الناس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته ناحية السرادق ورأيت موسى مصدراً، علمت أن المنصور قد مات. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد، فجلس إلى جنبي، فصارت فخذه على فخذي، وجاء الناس حتى ملئوا السرادق، وفيهم ابن عياش المنتوف، فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همساً من بكاء. فقال لي الحسن: أترى الرجل مات! قلت: لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقيل، أو إصابته غشية، فما راعنا إلا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور، قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خلفه، وعلى رأسه التراب، فصاح: وا أمير المؤمنيناه! فما بقي في السرادق أحد إلا قام على رجليه، ثم أهووا نحو مضارب أبي جعفر يريدون الدخول، فمنعهم الخدم، ودفعوا في صدورهم. وقال بن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتم موت خليفة قط! اجلسوا رحمكم الله. فجلس الناس، وقام القاسم فشق ثيابه، ووضع التراب على رأسه، وموسى جالس على حاله. وكان صبياً رطباً ما يتحلحل.
ثم خرج الربيع، وفي يده قرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه، ثم قرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين - ثم ألقى القرطاس من يده، وبكى وبكى الناس، فأخذ القرطاس، وقال: قد أمكنكم البكاء؛ ولكن هذا عهد أمير المؤمنين، لا بد من أن نقرأه عليكم، فأنصتوا رحمكم الله، فسكت الناس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد: فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنكم بعدي، ولا يلبسكم شيعاً، ولا يذيق بعضكم بأس بعض. يا بني هاشم، ويا أهل خراسان...ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له، وحضهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب.
قال النوفل: قال أبي: وكان هذا شيئاً وضعه الربيع؛ ثم نظر في وجوه الناس، فدنا من الهاشميين، فتناول يد الحسن بن زيد، فقال: قم يا أبا محمد، فبايع، فقام معه الحسن، فانتهى به الربيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يد موسى، ثم التفت إلى الناس، فقال:

يا أيها الناس، إن أمير المؤمنين كان ضربني واصطفى مالي؛ فكلمه المهدي فرضي عني، وكلمه في رد مالي علي فأبى ذلك، فأخلفه المهدي من ماله وأضعفه مكان كل علق علقين، فمن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح مني! ثم بايع موسى للمهدي، ثم مسح على يده. ثم جاء الربيع بن عون، فقدمه للسن فبايع، ثم جاء الربيع إلي فأنهضني؛ فكنت الثالث؛ وبايع الناس؛ فلما فرغ دخل المضارب، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشميين، فقال: انهضوا، فنهضنا معه جميعاً، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكة والمدينة ممن حضر الحج، فدخلنا فإذا نحن بالمنصور على سريره في أكفانه، مكشوف الوجه؛ فحملناه حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال؛ فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله؛ فتحرك الريح، فتطير شعر صدغيه؛ وذلك أنه كان قد وفر شعره للحلق، وقد نصل خضابه؛ حتى أتينا به حفرته، فدليناه فيها.
قال: وسمعت أبي يقول: كان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان؛ أنه لما كان الليلة التي مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بيعة مجددة للمهدي - وكان القائم بذلك الربيع - فأبى عيسى بن موسى، فأقبل القواد الذين حضروا يقربون ويتباعدون؛ فنهض علي بن عيسى بن ماهان، فاستل سيفه، ثم جاء إليه، فقال: والله لتبايعن أو لأضربن عنقك! فلما رأى ذلك عيسى، بايع وبايع الناس بعده.
وذكر عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه أن موسى بن المهدي والربيع مولى المنصور وجها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة للمهدي. وبعثا بعد بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم وبردته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشروي، وبعث أبو العباس الطوسي بخاتم الخلافة مع منارة؛ ثم خرجوا من مكة، وسار عبد الله بن المسيب بن زهير بالحربة بين يدي صالح بن المنصور، على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك؛ وهو يومئذ على شرطة موسى بن المهدي، واندس علي بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى، وما صنع به للراوندية، فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم. وكان من رؤسائهم أبو خالد المروروزي، حتى كاد الأمر يعظم ويتفاقم، حتى لبس السلاح. وتحرك في ذلك محمد بن سلمان، وقام فيه وغيره من أهل بيته؛ إلا أن محمداً كان أحسنهم قياماً به حتى طفئ ذلك وسكن. وكتب به إلى المهدي،فكتب بعزل علي بن عيسى عن حرس موسى بن المهدي، وصير مكانه أبا حنيفة حري بن قيس، وهدأ أمر العسكر، وتقدم العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى المهدي، وسبق إليه العباس بن محمد. وقدم منارة على المهدي يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فسلم عليه بالخلافة، وعزاه، وأوصلوا الكتب إليه، وبايعه أهل مدينة السلام.
وذكر الهيثم بن عدي عن الربيع، أن المنصور رأى في حجته التي مات فيها وهو بالعذيب - أو غيره من منازل طريق مكة - رؤيا - وكان الربي عديله - وفزع منها، وقال: يا ربيع ما أحيبني إلى ميتاً في وجهي هذا؛ وأنك تؤكد البيعة لأبي عبد الله المهدي، قال الربيع: فقلت له: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويبلغ أبو عبد الله محبتك في حياتك إن شاء الله. قال: وثقل عند ذلك وهو يقول: بادر بي إلى حرم ربي وأمنه، هارباً من ذنوبي وإسرافي عل نفسي؛ فلم يزل كذلك حتى بلغ بئر ميمون، فقلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلت الحرم، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه. قال الربيع: فأمرت بالخيم فضربت، وبالفساطيط فهيئت، وعمدت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدراعة، وسندته، وألقيت في وجه كلة رقيقة يرى منها شخصه، ولا يفهم أمره، وأدنيت أهله من الكلة حيث لا يعلم بخبره، ويرى شخصه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنه يخاطبني، ثم خرجت فقلت: إن أمير المؤمنين مفيق بمن الله، وهو يقرأ عليكم السلام، ويقول: إني أحب أن يؤكد الله أمركم؛ ويكبت عدوكم، ويسر وليكم؛ وقد أحببت أن تجددوا بيعة أبي عبد الله المهدي؛ لئلا يطمع فيكم عدو ولا باغٍ، فقال القوم كلهم: وفق الله أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذلك أسرع . قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلموا للبيعة، فبايع القوم كلهم؛ فلم يبق أحد من خاصته والأولياء ورؤساء من حضره إلا بايع المهدي، ثم دخل وخرج باكياً مشقوق الجيب لاطم رأسه، فقال بعض من حضر:

ويلي عليك يا بن شاة! يريد الربيع - وكانت أمه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاة - قال: وحفر للمنصور مائة قبر، ودفن في كلها لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للناس، ودفن في غيرها للخوف عليه. وهكذا قبور خلفاء ولد العباس، لا يعرف لأحد منهم قبر. قال: فبلغ المهدي فلما قدم عليه الربيع قال: يا عبد؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت ما فعلت به! وقال قوم أنه ضربه؛ ولم يصح ذلك. قال: وذكر من حضر حجة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والناس معه؛ وإن موسى بن المهدي لقي تباعه، ثم رجع الناس وهم خلف موسى، وأن صالحاً معه.
وذكر عن الأصمعي أنه قال: أول من نعى أبو جعفر المنصور بالبصرة خلف الأحمر، وذلك أنا كنا في حلقة يونس، فمر بنا فسلم علينا، فقال: قد طرقت ببكرها أم طبق قال يونس: وماذا؟ قال:
تنتجوها خير أضخم العنق ... موت الإمام فلقة من الفلق
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وكان المنصور - فيما ذكر - أوصى بذلك.
وكان العامل في هذه السنة على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وعلى المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي أخو المسيب بن زهير - وقيل: كان العامل عليها إسماعيل بن أبي إسماعيل الثقفي. وقيل: إنه مولى لبني نصر من قيس - وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى، وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك ابن عبد الله.
وقيل: كان القاضي على بغداد يوم مات المنصور عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصة. وقيل: إن شريكاً كان إليه قضاء الكوفة، والصلاة بأهلها.
وكان على الشرط ببغداد يوم مات المنصور - فيما ذكر - عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن. وقيل كان موسى بن كعب.
وعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة. وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج.
وأصاب الناس - فيما ذكر محمد بن عمر - في هذه السنة وباء شديد
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة فيها حتى بلغ أنقرة؛ وكان على مقدمة العباس الحسن الوصيف في الموالي، وكان المهدي ضم إليه جماعة من قواد أهل خراسان وغيرهم. وخرج المهدي فعسكر بالبردان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد، ومن قطع عليه البعث معه، ولم يجعل للعباس على الحسن الوصيف ولاية في عزل ولا غيره، ففتح في غزاته هذه مدينة للروم ومطمورة معها، وانصرفوا سالمين لم يصب من المسلمين أحد.
وهلك في هذه السنة حميد بن قحطبة، وهو عامل المهدي على خراسان، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد.
وفيها ولي حمزة بن مالك سجستان، وولي جبرائيل بن يحيى سمرقند.
وفيها بنى المهدي مسجد الرصافة.
وفيها بنى حائطها، وحفر خندقها.
وفيها عزل المهدي عبد الصمد بن علي عن المدينة؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن موجدة، واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيري ثم عزله، واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي.
وفيها وجه المهدي عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر إلى بلاد الهند، وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد، وأشخصهم معه، وأشخص معه من المطوعة الذين كانوا يلزمون المرابطات ألفاً وخمسمائة رجل، ووجه معه قائداً من أبناء أهل الشام يقال له ابن الحباب المدحجي في سبعمائة من أهل الشام، وخرج معه من مطوعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل، فيهم - فيما ذكر - الربيع بن صبيح، ومن الأسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل، فولى عبد الملك بن شهاب المنذر بن الجارودي الألف الرجل المطوعة من أهل البصرة، وولى ابنه غسان بن عبد الملك الألفي الرجل الذين من فرض البصرة، وولى عبد الواحد بن عبد الملك الألف والخمسمائة الرجل من مطوعة المرابطات، وأفرد يزيد بن الحباب في أصحابه فخرجوا، وكان المهدي وجه لتجهيزهم حتى شخصوا أبا القاسم محرز بن إبراهيم، فمضوا لوجههم؛ حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند في سنة ستين ومائة.

وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي عليها، فاستعمل مكانه روح بن حاتم بمشورة أبي عبيد الله وزيره.
وفيها أمر المهدي بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل، ومن كان معروفاً بالسعي في الأرض بالفساد، أو من كان لأحد قبله مظلمة أو حق، فأطلقوا، فكان ممن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بني سليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوساً الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وفيها حمل المهدي الحسن بن إبراهيم من المطبق الذي كان فيه محبوساً إلى نصير الوصيف فحبسه عنده.
ذكر الخبر عن سبب تحول المهدي
الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نصير
ذكر أن السبب في ذلك، كان أن المهدي لما أمر بإطلاق أهل السجون. على ما ذكرت، وكان يعقوب بن داود محبوساً مع الحسن بن إبراهيم في موضع واحد، فأطلق يعقوب بن داود، ولم يطلق الحسن بن إبراهيم، ساء ظنه، وخاف على نفسه، فالتمس مخرجاً لنفسه وخلاصاً، فدس إلى بعض ثقاته، فحفر له سرباً من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف بابن علاثة - وهو قاضي المهدي بمدينة السلام - ويلزمه، حتى أنس به، وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علاثة، فأخبره أن عنده نصيحة للمهدي، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره بها، وحذره فوتها، فانطلق ابن علاثة إلى أبي عبيد الله فأخبره خبر يعقوب وما جاء به ، فأمره بإدخاله عليه؛ فلما دخل عليه سأله إيصاله إلى المهدي، ليعلمه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلما دخل على المهدي شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إياه ومنه عليه، ثم أخبره أن له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن علاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهدي ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما، فأقامهما وأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع عليه، وأن ذلك كائن من ليلته المستقبلة، فوجه المهدي من يثق به ليأتيه بخبره، فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال واحتيل له، فخرج هارباً، وافتقد، فشاع خبره، فطلب فلم يظفر به، وتذكر المهدي دلالة يعقوب إياه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله فأخبره أنه حاضر - وقد كان لزم أبا عبيد الله - فدعى به المهدي خالياً، فذكر له ما كان من فعله في الحسن بن إبراهيم أولاً، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فاخبره يعقوب أنه لا علم له بمكانه، وأنه إن أعطاه أماناً يثق به ضمن له أن يأتيه به، على أن يتم له على أمانه، ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهدي ذلك في مجلسه وضمنه له. فقال له يعقوب: فله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإن ذلك يوحشه، ودعني وإياه حتى أحتال فآتيك به؛ فأعطاه المهدي ذلك. وقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيتك، وأنصفتهم، وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك خلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك فعلت. فأعطاه المهدي ذلك، وجعله إليه، وصير سليمان الخادم الأسود خادم المنصور سببه في إعلام المهدي بمكانه كلما أراد الدخول، فكان يعقوب يدخل على المهدي ليلاً، ويفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزاب، وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء على الغارمين، والصدقة على المتعففين، فحظى بذلك عنده، وبما رجى أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخاً في الله، وأخرج بذلك توقيعاً، وأثبت في الدواوين، فتسبب مائة ألف درهم كانت أول صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعداً، إلى أن صير الحسن بن إبراهيم في يد المهدي بعد ذلك؛ وإلى أن سقطت منزلته، وأمر المهدي بحبسه، فقال علي بن الخليل في ذلك:
عجباً لتصريف الأمو ... ر مسرة وكراهيه
والدهر يلعب بالرجا ... ل له دوائر جاريه

رثت بيعقوب بن دا ... ود حبال معاويه
وعدت على ابن علاثة ال ... قاضي بوائق عافيه
قل للوزير أبي عبي ... د الله: هل لك باقيه!
يعقوب ينظر في الأمو ... رو أنت تنظر ناحيه
أدخلته فعلاً علي ... ك،كذاك شؤم الناصيه
وفي هذه السنة عزل المهدي إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها. واختلف فيمن ولي مكانه إسحاق بن الصباح الكندي ثم الأشعثي بمشورة شريك بن عبد الله قاضي الكوفة.وقال عمر بن شبة: ولى على الكوفة المهدي عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، فولى على شرطه ابن أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان. ويقال: إن شريك بن عبد الله كان على الصلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث ثم أفرد شريك بالولاية، فجعل على شرطه إسحاق بن الصباح الكندي، فقال بعض الشعراء:
لست تعدو بأن تكون ولو نل ... ت سهيلاً صنيعةً لشريك
قال: ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكاً قال له:
صلى وصام لدنيا كان يأملها ... فقد أصاب ولا صلى ولا صاما
وذكر أن جعفر بن محمد قاضي الكوفة، قال: ضم المهدي إلى شريك الصلاة مع القضاء، وولى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولى إسحاق بن الصباح الصلاة والأحداث بعد، ثم ولى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل ابن محمد بن الأشعث الكوفة، فولى شرطه النعمان بن جعفر الكندي، فمات النعمان، فولى على شرطه أخاه يزيد بن جعفر.
وفيها عزل المهدي عن أحداث البصرة سعيد بن دعلج، وعزل عن الصلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولى مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النمري، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف من تظلم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج، ثم صرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيوب إلى عمارة بن حمزة، فولاها عمارة رجلاً من أهل البصرة يقال له المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلي، وأقر عبد الملك على الصلاة.
وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخطة، فوصل كتاب عزله إلى اليمامة، وقد توفي فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي.
وفيها عزل يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه رجاء بن روح.
وفيها عزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح.
وفيها أعتق المهدي أم ولده الخيزران وتزوجها.
وفيها تزوج المهدي أيضاً أم عبد الله بنت صالح بن علي، أخت الفضل وعبد ابني صالح لأمهما.
وفيها وقع الحريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن علي، فاحترق ناس كثير، واحترقت السفن بما فيها.
وفيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل مكانه أبو ضمرة محمد بن سليمان.
وفيها كانت حركة من تحرك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بن المهدي؛ فلما تبين ذلك المهدي كتب - فيما ذكر - إلى عيسى بن موسى في القدوم عليه وهو بالكوفة، فأحس بالذي يراد به، فامتنع من القدوم عليه.
وقال عمر:

لما أفضى الآمر إلى المهدي سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولى على الكوفة روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب، فولي على شرطه خالد بن يزيد بن حاتم؛ وكان المهدي يحب أن يحمل روح على عيسى بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجة، وكان لا يجد إلى ذلك سبيلاً، وكان عيسى قد خرج إلى ضيعة له بالرحبة؛ فكان لا يدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة في شهر رمضان، فيشهد الجمع والعيد، ثم يرجع إلى ضيعته. وفي أول ذي الحجة، فإذا شهد العيد رجع إلى ضيعته، وكان إذا شهد الجمعة أقبل من داره على دوابه حتى ينتهي إلى أبواب المسجد فينزل على عتبة الأبواب، ثم يصلي في موضعه، فكتب روح إلى المهدي أن عيسى بن موسى لا يشهد الجمع، ولا يدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة؛ فإذا حضر أقبل على دوابه حتى يدخل رحبة المسجد؛وهو مصلى الناس، ثم يتجاوزها إلى أبواب المسجد، فتروث دوابه في مصلى الناس؛ وليس يفعل ذلك غيره؛ فكتب إليه المهدي أن اتخذ على أفواه السكك التي تلي المسجد خشباً ينزل عنده الناس، فاتخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك - فذلك الموضع يسمى الخشبة - وبلغ ذلك عيسى بن موسى قبل يوم الجمعة، فأرسل إلى ورثة المختار بن أبى عبيدة - وكانت دار المختار لزيقة المسجد، فابتاعها وأثمن بها، ثم إنه عمرها واتخذ فيها حماماً، فكان إذا كان يوم الخميس أتاها وأقام بها، فإذا أراد الجمعة ركب حماراً فدب به إلى باب المسجد فصلى في ناحية، ثم رجع إلى داره. ثم أوطن الكوفة وأقام بها، وألح المهدي على عيسى فقال: إنك إن لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتى أبايع لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك من العاصي، وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً. فأجابه، فبايع لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم - ويقال عشرين ألف ألف - وقطائع كثيرة.
وأما غير عمر فإنه فقال: كتب المهدي إلى عيسى بن موسى لما هم بخلعه يأمره بالقدوم عليه، فأحس بما يراد به، فامتنع من القدوم عليه، حتى خيف انتقاضه، فأنفذ إليه المهدي عمه العباس بن محمد، وكتب إليه كتاباً، وأوصاه بما أحب أن يبلغه، فقدم العباس على عيسى بكتاب المهدي ورسالته إليه، فانصرف إلى المهدي بجوابه في ذلك، فوجه إليه بعد قدوم العباس عليه محمد بن فروخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوي البصيرة في التشيع، وجعل مع كل رجل منهم طبلاً، وأمرهم أن يضربوا جميعاً بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلاً في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعاً شديداً، ثم دخل عليه أبو هريرة، فأمره بالشخوص، فاعتل بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه، وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام.
وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن منصور - خال المهدي - عند قدومه من اليمن؛ فحدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى؛ عن أبي معشر. كذلك قال محمد بن عمر الواقدي وغيره. وكان انصراف يزيد بن منصور من اليمن بكتاب المهدي إليه يأمره بالانصراف إليه وتوليته إياه الموسم وإعلامه اشتياقه إليه وإلى قربه.
وكان أمير المدينة في هذه السنة عبيد الله بن صفوان الجمحي، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وعلى أحداثها عمارة بن حمزة؛ وخليفته على ذلك المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلي؛ وعلى قضائها عبيد الله بن حسن. وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة. وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى اليمن رجاء بن روح. وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة.
ثم دخلت سنة ستين ومائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:07 pm

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خروج يوسف البرم

فمن ذلك ما كان من خروج يوسف بن إبراهيم، وهو الذي يقال له يوسف البرم بخراسان منكراً هو ومن تبعه ممن كان على رأيه على المهدي - فيما زعم - الحال التي هو بها وسيرته التي يسير بها، واجتمع معه - فيما ذكر - بشر من الناس كثير، فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه، واقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهدي، وبعث معه من وجوه أصحابه بعدة، فلما انتهى بهم إلى النهروان حمل يوسف البرمعلى بعير وقد حول وجهه إلى ذنب البعير وأصحابه على بعير، فأدخلوهم الرصافة على تلك الحال، فأدخلوه على المهدي، فأمر هرثمة بن أعين فقطع يدي يوسف ورجليه، وضرب عنقه وعنق أصحابه، وصلبهم على جسر دجلة الأعلى، مما يلي عسكر المهدي، وإنما أمر هرثمة بقتله؛ لأنه قتل أخاً لهرثمة بخراسان.
ذكر خبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة يوم الخميس لست خلون من المحرم - فيما ذكر - الفضل بن سليمان فنزل داراً كانت لمحمد بن سليمان على شاطئ دجلة في عسكر المهدي، فأقام أياماً يختلف إلى المهدي، ويدخل مدخله الذي كان يدخله؛ لا يكلم بشيء، ولا يرى جفوة ولا مكروهاً ولا تقصيراً به؛ حتى أنس به بعض الأنس، ثم حضر الدار يوماً قبل جلوس المهدي، فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة، وعليها باب، وقد أجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه؛ ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التي فيها مجلس الربيع، فأغلق دونهم المقصورة، فضربوا الباب بجرزهم، فهشموا الباب، وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح الشتم، وحصروه هنالك، وأظهر المهدي إنكاراً لما فعلوا، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم، بل شدوا في أمره، وكانوا بذلك هو وهم أياماً، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضرة المهدي، فأبوا إلا خلعه، وشتموه في وجهه؛ وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان.
فلما رأى المهدي ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته؛ دعاهم إلى العهد لموسى، فصار إلى رأيهم وموافقتهم، وألح على عيسى في إجابته إياهم إلى الخروج مما له من العهد في أعناق الناس وتحليلهم منه؛ فأبى؛ وذكر أن عليه أيماناً محرجة في ماله وأهله؛ فأحضر له من الفقهاء والقضاة عدة، منهم محمد بن عبد الله بن علاثة والزنجي بن خالد المكي وغيرهما؛ فأتوه بما رأوا، وصار إلى المهدي ابتياع ماله من البيعة في أعناق الناس بما يكون له فيه رضاً وعوض؛مما يخرج له من ماله لما يلزمه من الحنث في يمينه؛ وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر. فقبل عيسى، وبقي منذ فاوضه المهدي على الخلع إلى أن أجاب محتسباً عنده في دار الديوان من الرصافة إلى أن صار إلى الرضى بالخلع والتسليم، وإلى أن خلع يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم بعد صلاة العصر، فبايع للمهدي ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم لارتفاع النهار. ثم أذن المهدي لأهل بيته، وهو في قبة كان محمد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الأبواب، ثم أخذ بيعتهم رجلاً رجلاً لنفسه ولموسى بن المهدي من بعده، حتى أتى إلى آخرهم. ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرصافة فقعد على المنبر، وصعد موسى حتى كأنه دونه. وقال عيسى على أول عتبة المنبر، فحمد الله المهدي وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بما بما أجمع عليه أهل بيته وشيعته وقواده وأنصاره وغيرهم من أهل خراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق الناس لموسى بن أمير المؤمنين؛ لاختيارهم له ورضاهم به؛ وما رأى من إجاباتهم إلى ذلك؛ لما رجا مصلحتهم وألفتهم، وخاف مخالفتهم في نياتهم واختلاف كلمتهم، وأن عيسى قد خلع تقدمه، وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم، وأن ما كان له من ذلك فقد صار لموسى بن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك؛ وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأحسن السيرة وأعدلها،فبايعوا معشر من حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيركم؛ فإن الخير كله في الجماعة، والشر كله في الفرقة. وأنا أسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لي ولكم.

وجلس موسى دونه معتزلاً للمنبر؛ لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه، يبايعه ويمسح على يده، ولا يستر وجهه، وثبت عيسى قائماً في مكانه، وقرئ عليه كتاب ذكر الخلع له، وخروجه مما كان غليه من ولاية العهد وتحليله الجماعة من كان له في عنقه بيعة، مما عقدوا له في أعناقهم؛ وإن ذلك من فعله وهو طائع غير مكره، راض غير ساخط، محب غير مجبر. فأقر عيسى بذلك، ثم صعد فبايع المهدي، ومسح على يده، ثم انصرف، وبايع أهل بيت المهدي على أسنانهم؛ يبايعون المهدي ثم موسى، ويمسحون على أيديهما؛ حتى فرغ آخرهم؛ وفعل من أحضر من أصحابه ووجوه القواد والشيعة مثل ذلك، ثم نزل المهدي، فصار إلى منزله، ووكل ببيعته من بقي من الخاصة والعامة خاله يزيد بن منصور، فتولى ذلك حتى فرغ من جميع الناس، ووفى المهدي لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد، وكتب عليه بخلعه إياه كتاباً أشهد عليه فيه جماعة أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتابه وجنده في الدواوين؛ ليكون حجة على عيسى، وقطعاً لقوله ودعواه فيما خرج منه.
وهذه نسخة الشرط الذي كتبه عيسى على نفسه: " بسم الله الرحمن الرحيم " . هذا كتاب لعبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين ولولي عهد المؤمنين موسى بن المهدي، ولأهل بيته وجميع قواده وجنوده من أهل خراسان وعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ حيث كان كائن منهم، كتبته للمهدي محمد أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين موسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي؛ فيما جعل إليه من العهد إذ كان إلي، حتى اجتمعت كلمة المسلمين، واتسق أمرهم، وائتلفت أهواؤهم، على الرضى بولاية موسى بن المهدي محمد أمير المؤمنين، وعرفت الخط في ذلك علي والخط فيه لي، ودخلت فيما دخل المسلمون من الرضا بموسى بن أمير المؤمنين، والبيعة له، والخروج مما كان لي في رقابهم من البيعة، وجعلتكم في حل من ذلك وسعة، من غير حرج يدخل عليكم، أو على أحد من جماعتكم وعامة المسلمين، وليس في شيء من ذلك، قديم ولا حديث لي دعوى ولا طلبة ولا حجة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم، ولا على عامة المسلمين ولا بيعة في حياة المهدي محمد أمير المؤمنين ولا بعده ولا بعد ولي عهد المسلمين موسى، ولا ما كنت حياً حتى أموت. وقد بايعت محمد المهدي أمير المؤمنين ولموسى ابن أمير المؤمنين من بعده، وجعلت لهما ولعامة المسلمين من أهل خراسان وغيرهم الوفاء بما شرطت على نفسي في هذا الأمر الذي خرجت منه، والتمام عليه. علي بذلك عهد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد على السمع والطاعة والنصيحة للمهدي محمد أمير المؤمنين وولي عهده موسى بن أمير المؤمنين، في السر والعلانية، والقول والفعل، والنية والشدة والرجاء والسراء والضراء والموالاة لهمل ولمن والاهما، والمعاداة لمن عاداهما، كائناً من كان في هذا الأمر الذي خرجت منه. فإن أنا نكبت أو غيرت أو بدلت أو دغلت أو نويت غير ما أعطيت عليه هذه الأيمان، أو دعوت إلى خلاف شيء مما حملت على نفسي في هذا الكتاب للمهدي محمد أمير المؤمنين ولولي عهده موسى بن أمير المؤمنين ولعامة المسلمين، أو لم أف بذلك؛ فكل زوجة عندي يوم كتبت هذا الكتاب - أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة - طالق ثلاثاً البتة طلاق الحرج وكل مملوك عندي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وكل مالٍ لي نقد أو عرض أو قرض أو أرض، أو قليل أو كثير، تالد أو طارف أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة صدقة على المساكين، يضع ذلك الوالي حيث يرى، وعلي من مدينة السلام المشي حافياً إلى بيت الله العتيق الذي بمكة نذراً واجباً ثلاثين سنة، لا كفارة لي ولا مخرج منه؛ إلا الوفاء به. والله على الوفاء بذلك راع كفيل شهيد، وكفى بالله شهيداً. وشهيد على عيسى بن موسى بما في هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة.
وكتب في صفر سنة ستين ومائة. وختم عيسى بن موسى.
فقال بعض الشعراء:
كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاء وكرم
خلع الملك وأضحى ملبساً ... ثوب لوم ما ترى منه القدم

وفي سنة ستين ومائة وافى عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة باربد بمن توجه معه من المطوعة وغيرهم، فناهضوها بعد قدومهم بيوم، وأقاموا عليها يومين، فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة، وتحاشد الناس وحض بعضهم بعض بالقرآن والتذكير، ففتحها الله عليهم عنوة، ودخلت خيلهم من كل ناحية؛ حتى ألجئوهم إلى بدهم، فأشعلوا فيها النيران والنفط، فاحترق منهم من احترق، وجاهد بعضهم المسلمين، فقتلهم الله أجمعين، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً، وأفاءها الله عليهم. وهاج البحر فلم يقدروا على ركوبه والانصراف، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم في أفواههم داء يقال له حمام قر، فمات نحو من ألف رجل، منهم الربيع بن صبيح. ثم انصرفوا لما أمكنهم الانصراف حتى بلغوا ساحلاً من فارس، يقال له بحر حمران، فعصفت عليهم فيه الريح ليلاً، فكسرت عامة مراكبهم، فغرق منهم بعض ونجا بعض، وقدموا معهم بسبي من سبيهم - فيهم بنت ملك باربد - على محمد بن سليمان، وهو يومئذ والي البصرة.
وفيها صير أبان بن صدقة كاتباً لهارون بن المهدي ووزيراً له.
وفيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، وولي مكانه معاذ بن مسلم.
وفيها غزا ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة.
وفيها غزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشام ذكر خبر رد نسب آل بكرة وآل زياد وفيها رد المهدي آل بكرة من نسبهم في ثقيف إلى ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكان يبب ذلك أن رجلاً من آل أبي بكرة رفع ظلامة إلى المهدي وتقرب إليه فيها بولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المهدي: إن هذا نسب واعتزاء، ما تقرون به إلا عند حاجة تعرض لكم،وعند اضطراركم إلى التقرب به إلينا. فقال الحكم: يا أمير المؤمنين، من جحد ذلك فإنا سنقر؛ أنا أسألك أن تردني ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمر بآل زياد بن عبيد فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقهم به معاوية رغبة عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، فيردوا إلي نسبهم من عبيد في موالي ثقيف. فأمر المهدي في آل بكرة وآل زياد أن يرد كل فريق منهم إلى نسبه، وكتب إلى محمد بن سليمان كتاباً، وأمره أن يقرأ في مسجد الجماعة على الناس، وأن يرد آل أبي بكرة إلى ولائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبهم إلى نفيع ابن مسروح، وأن يرد على من أقر منهم ما أمر برده عليهم من أموالهم بالبصرة مع نظرائهم،ممن أمر برد ماله عليه،وألا يرد على من أنكر منهم، وأن يجعل الممتحن منهم والمستبرئ لما عندهم الحكم بن سمرقند. فأنفذ محمد ما أتاه في آل أبي بكرة إلا في أناس منهم غيب عنهم.
وأما آل زياد فإنه مما قوي رأي المهدي فيهم - فيما ذكر على بن سليمان - أن أباه حدثه، قال: حضرت المهدي وهو ينظر في المظالم إذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغدي بن سلم بن حرب،فقال له: من أنت؟ قال: ابن عمك، قال: أي ابن عمي أنت؟ فانتسب إلى زياد، فقال له المهدي: يا ابن سمية الزانية، متى كنت ابن عمي! وغضب وأمر به فوجئ في عنقه، وأخرج، قال: فلما خرجت لحقني عيسى بن موسى - أو موسى بن عيسى - فقال: أردت والله أن أبعث إليك، أن أمير المؤمنين التفت إلينا بعد خروجك، فقال: من عنده علم من آل زياد؟ فو الله ما كان عند أحد منا من ذاك شيء، فما عندك يا أبا عبد الله؟ فما زلت أحدثه في زياد وآل زياد حتى صرنا إلى منزله بباب المحول، فقال: أسألك بالله والرحم لما كتبت لي هذا كله حتى أروح به إلى أمير المؤمنين، وأخبره عنك. فانصرفت فكتبت ، وبعثت به إليه. فراح إلى المهدي، فأخبره، فأمر المهدي بالكتاب إلى هارون الرشيد؛ وكان والي البصرة من قبله يأمره أن يكتب إلى واليها يأمر أن يخرج آل زياد من قريش وديوانهم والعرب، وأن يعرض ولد أبي بكرة على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أقر منهم ترك ماله في يده، ومن انتمى إلى ثقيف اصطفى ماله. فعرضهم، فأقروا جميعاً الولاء، إلا ثلاثة نفر، فاصطفيت أموالهم.
ثم إن آل زياد بعد ذلك رشوا صاحب الديوان حتى ردهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار في ذلك:
إن زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب
ذا قرشي كما يقول، وذامولى، وهذا بزعمه عربي

نسخة كتاب المهدي إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن أحق ما حمل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصهم وعوامهم في أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما في كتاب الله والاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصبر على ذلك، والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم؛ للذي فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه، واتباع مرضاته، وإحراز جزائه وحسن ثوابه، ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبة الهوى لغيره من الضلال والخسار في الدنيا والآخرة.
وقد كان من رأي معاوية بن أبي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف، وادعائه ما أباه بعد معاوية عامة المسلمين وكثير من منهم في زمانه، لعلمهم بزياد وأبي زياد وأمه من أهل الرضا والفضل والورع والعلم، ولم يدع معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتباع سنة هادية، ولا قدوة من أئمة الحق ماضية، إلا الرغبة في هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة. والعجب بزياد في جلده ونفاذه، وما رجامن معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سيرته وأثاره وإعماله الخبيثة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، وقد قال: " من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه لا صرفاً ولا عدلا " .
ولعمري ما ولد زياد في حجر أبي سفيان ولا على فراشه، ولا كان عبيد عبداً لأبي سفيان، ولا سمية أمة له، ولا كانا في ملكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب. ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نصر بن الحجاج بن علاط السلمي ومن كان معه من موالي بني المغيرة المخزوميين وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعد لهم معاوية حجراً تحت بعض فرشه فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوغ لك ما فعلت في زياد، ولا تسوغ لنا ما فعلنا في صاحبنا، فقال: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم من قضاء معاوية. فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنع فيه وأقدم عليه، أمر الله جل وعز وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع في ذلك هواه رغبة عن الحق ومجانبة له، وقد قال الله عز وجل: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " ، وقال لداود صلى الله عليه وسلم وقد آتاه الحكم والنبوة والمال والخلافة: " يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض... " الآية إلى آخرها.
فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينه، وأن يعيذه من غلبة الهوى، ويوفقه في جميع الأمور لما يحب ويرضى؛ إنه سميع قريب.
وقد رأى أمير المؤمنين أن يرد زياداً ومن كان من ولده إلى أمهم ونسبهم المعروف ويلحقهم بأبيهم عبيد؛ وأمهم سمية، ويتبع في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان أمير المؤمنين أحق من أخذ بذلك وعمل به؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه آثاره وإحيائه سنة، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جل وعز: " فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون " .
فاعلم أن ذلك من رأي أمير المؤمنين في زياد، وما كان من ولد زياد فألحقهم بأبيهم زياد بن عبيد، وأمهم سمية، واحملهم عليه، وأظهره لمن قبلك من المسلمين حتى يعرفوه ويستقيم فيهم؛ فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضي البصرة وصاحب ديوانهم بذلك. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب معاوية بن عبيد الله في سنة تسع وخمسين ومائة.
فلما وصل الكتاب إلى محمد بن سليمان وقع بإنقاذه،ثم كلم فيهم، فكف عنهم؛ وقد كان كتب إلى عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري بمثل ما كتب به إلى محمد، فلم ينفذه لموضعه من قيس، وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم.
وفيها كانت وفاة عبيد الله بن صفوان الجمحي، وهو والٍ على المدينة، فولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيري، فلم يلبث إلا يسيراً حتى عزل وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي. وولى المهدي قضاء المدينة فيها عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي.
وفيها خرج عبد السلام الخارجي، فقتل.

وفيها عزل بسطام بن عمرو بن السند، واستعمل عليها روح بن حاتم. وحج بالناس في هذه السنة المهدي، واستخلف على مدينته حين شخص عنها ابنه موسى، وخلف معه يزيد بن منصور خال المهدي وزيراً له ومدبراً لأمره.
وشخص مع المهدي في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته؛ وكان ممن شخص معه يعقوب بن داود، على منزلته التي كانت له عنده؛ فأتاه حين وافى مكة الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي استأمن له يعقوب من المهدي على أمانه، فأحسن المهدي صلته وجائزته، وأقطعه مالاً من الصوافي بالحجاز وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة؛ وذلك أن حجبة الكعبة - فيما ذكر - رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر أن يكشف عنها ما عليها من الكسوة حتى بقيت مجردة، ثم طلي البيت كله بالخلوق، وذكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجاً ثخيناً جيداً، ووجدوا كسوة من كان قبله عامتها من متاع اليمن.
وقسم المهدي في هذه السنة بمكة في أهلها - فيما ذكر - مالاً عظيماً، وفي أهل المدينة كذلك؛ فذكر أنه نظر فيما قسم في تلك السفرة فوجد ثلاثين ألف ألف درهم، حملت معه، ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسم ذلك كله. وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بنزع المقصورة التي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فنزعت، وأراد أن ينقص منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعيده إلى ما كان عليه، ويلقي منه ما كان معاوية زاد فيه؛ فذكر عن مالك بن أنس أنه شاور في ذلك، فقيل له: إن المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية، وفي الخشب الأول وهو عتيق، فلا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن يتكسر، فتركه المهدي.
وأمر أيام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرساً له بالعراق وأنصاراً، وأجرى عليهم أرزاقاً سوى أعطياتهم، وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم.
وتزوج في مقامه بها برقية بنت عمرو العثمانية.
وفي هذه السنة حمل محمد بن سليمان الثلج للمهدي، حتى وافى به مكة، فكان المهدي أول من حمل له الثلج إلى مكة من الخلفاء.
وفيها رد المهدي على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم.
وكان على صلاة الكوفة وأحداثها في هذه السنة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى قضائها شريك. وعلى البصرة وأحداثها وأعمالها المفردة وكور دجلة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس محمد بن سليمان. وكان على قضاء البصرة فيها عبيد الله بن الحسن. وعلى خراسان معاذ بن مسلم، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى السند روح بن حاتم. وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان من ذلك خروج حكيم القنع بخراسان من قرية من قرى مرو، وكان - فيما ذكر - يقول بتناسخ الأرواح، يعود ذلك إلى نفسه، فاستغوى بشراً كثيراً، وقوي وصار إلى ما وراء النهر، فوجه المهدي لقتاله عدة من قواده؛ فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ومعه عقبة بن مسلم وجبرئيل بن يحيى وليث مولى المهدي، ثم أفرد المهدي لمحاربته سعيداً الحرشي، وضم إليه القواد؛ وابتدأ المقنع بجمع الطعام عدة للحصار في قلعة بكش.وفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام؛ فقدم به على المهدي قبل أن يوليه السند، فحبسه المهدي في المطبق؛ فذكر أبو الخطاب أن المهدي أتى بعبد الله بن مروان بن محمد - وكان يكنى أبا الحكم - فجلس المهدي مجلساً عاماً في الرصافة، فقال: من يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي، فصار معه قائماً، ثم قال له: أبو الحكم؟ قال: نعم ابن أمير المؤمنين، قال: كيف كنت بعدي؟ ثم التفت إلى المهدي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. فعجب الناس من جرأته، ولم يعرض له المهدي بشيء.

قال: ولما حبس المهدي عبد الله بن مروان احتيل عليه، فجاء عمرو بن سهلة الأشعري فادعى أن عبد الله بن مروان قتل أباه؛ كذب والله ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء. فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهدي لعبد العزيز بن مسلم لأنه قتله بأمر مروان.
وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل دابق، وجاشت الروم وهو مغتر، فأتت طلائعه وعيونه بذلك، فلم يحفل بما جاءوا به، وخرج إلى الروم، وعليها ميخائيل بسرعان الناس، فأصيب من المسلمين عدة، وكان عيسى بن علي مرابطاً بحصن مرعش يومئذ، فلم يكن للمسلمين في ذلك العام صائفة من أجل ذلك.
وفيها أمر المهدي ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان أبو العباس بناها من القادسية إلى زبالة، وأمر بالزيادة في قصور أبي العباس، وترك منازل أبي جعفر التي كان بناها على حالها، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل، وبتجديد الأميال والبرك، وحفر الركايا مع المصانع، وولي ذلك يقطين بن موسى، فلم يزل ذلك إليه إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، وكان خليفة يقطين في ذلك أخوه أبو موسى. وفيها أمر المهدي بالزيادة في مسجد الجامع بالبصرة، فزيد فيه من مقدمة مما يلي القبلة، وعن يمينه مما يلي رحبة بني سليم، وولى بناء ذلك محمد بن سليمان وهو يومئذٍ والي البصرة وفيها أمر المهدي بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتقصير المنابر وتصييرها إلى المقدار الذي عليه منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتب بذلك إلى الآفاق فعمل به.وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، فعمل به، فكان لا ينفذ للمهدي كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك.وفيها اتضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهدي، وضم يعقوب إليه من متفقه البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام عدداً كثيراً، وجعل رئيس البصريين والقائم بأمرهم إسماعيل بن علية الأسدي ومحمد بن ميمون العنبري، وجعل رئيس أهل الكوفة وأهل الشام عبد الأعلى بن موسى الحلبي. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟
ذكر السبب الذي من أجلهتغيرت منزلة أبي عبيد الله عند المهدي قد ذكرنا سبب اتصاله به الذي كان قبل في أيام المنصور وضم المنصور إياه إلى المهدي حين وجهه إلى الري عند خلع عبد الرحمن المنصور، فذكر أبو زيد عمر بن شبة، أن سعيد بن إبراهيم حدثه أن جعفر بن يحيى حدثه أن الفضل بن ربيع أخبره، أن الموالي كانوا يشنعون على أبي عبيد الله عند المهدي، ويسعون عليه عنده؛ فكانت كتب أبي عبيد الله تنفذ عند المنصور بما يريد من الأمور، وتتخلى الموالي بالمهدي؛ فيبلغونه عن أبي عبيد الله، ويحرضونه عليه.
قال الفضل: وكانت كتب أبي عبيد الله تصل إلى أبي تترى، يشكو الموالي وما يلقى منهم، ولا يزال يذكره عند المنصور ويخبره بقيامه، ويستخرج الكتب عنه إلى المهدي بالوصاة به، وترك القبول فيه. قال: فلما رأى أبو عبيد الله غلبة الموالي على المهدي، وخلوتهم به نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتى من أهل الأدب والعلم، فضمهم إلى المهدي، فكانوا في صحابته، فلم يكونوا يدعون الموالي يتخلون به.
ثم إن أبا عبيد الله كلم المهدي في بعض أمره إذ اعترض رجل من هؤلاء الأربعة في الأمر الذي تكلم فيه، فسكت عنه أبو عبيد الله، فلم يراده، وخرج فأمر أن يحجب عن المهدي فحجبه عنه؛ وبلغ ذلك من أخبره أبي.
قال: وحج أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي من أمر المهدي بما قام به من أمر البيعة وتجديدها على بيت المنصور والقواد والموالي؛ فلما قدم تلقيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله، وترك دار المهدي، ومضى إلى أبي عبيد الله، فقال: يا بني؛ هو صاحب الرجل؛ وليس ينبغي أن نعامله على ما كنا نعامله عليه؛ ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من نصرتنا له. قال: فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله؛ فما زال واقفاً حتى صليت العتمة، فخرج الحاجب،فقال: ادخل، فثنى رجله وثنيت رجلي. قال: إنما استأذنت لك يا أبا الفضل وحدك.قال: اذهب فأخبره أن الفضل معي. قال: ثم أقبل علي، فقال: وهذا أيضاً من لك! قال:

فخرج الحاجب، فأذن لنا جميعاً، فدخلن أنا وأبي وأبو عبيد الله في صدر المجلس، على مصل متكئ على وسادة،فقلت: يقوم إلى أبي إذا دخل إليه، فلم يقم إليه، فقلت: يستوي جالساً إذا دنا، فلم يعلم،فقلت: يدعو له بمصلى، فلم يفعل، فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقع أن يسأله عما كان منه في أمر المهدي وتجديد بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئه بذكره، فقال: قد بلغنا نبؤكم ، قال: فذهب أبي لينهض، فقال: لا أرى الدروب إلا وقد غلقت، فلو أقمت! قال: فقال أبي : إن الدروب لا تغلق دوني، قال: بلى قد أغلقت. قال: فظن أبي أنه يريد أن يحتبسه ليسكن من مسيره ، ويريد أن يسأله؛ قال: فأقيم. قال: يا فلان، اذهب فهيئ لأبي الفضل في منزل محمد بن أبي عبيد الله مبيتاً.فلما رأى انه يريد أن يخرج من الدار،قال: فليس تفلق دروبي دوني فاعتزم. ثم قام، فلما خرجنا من الدار أقبل علي فقال: يا بني،أنت أحمق ، قلت: وما حمقي أنا! قال: تقول لي: كان ينبغي لك ألا تجيئ، وكان ينبغي إذا جئت فحجبنا ألا تقيم حتى صليت العتمة، وان تنصرف ولا تدخل؛ وكان ينبغي إذا دخلت فلم يقم إليك أن ترجع ولا تقيم عليه؛ ولم يكن الصواب إلا ما عملت كله؛ ولكن والله الذي لا إله إلا هو - وأستغلق في اليمين - لأخلعن جاهي ، ولأنفقن مالي حتى أبلغ من عبيد الله. قال: ثم جعل يضرب بجهده، فلا يجد مساغاً إلى مكروهه، ويحنال الجد إذا ذكر القشيري الذي كان أبو عبيد الله حجره، فأرسل إليه فجائه، فقال: إنك قد عملت ما ركبك به أبو عبيد الله،و بلغ مني كل غاية من المكروه، وقد أرغت أمره بجهدي؛ فما وجدت عليه طريقاً، فعندك حيلة في أمره؟ فقال: إنما يؤتى أبو عبيد الله من أحد وجوه أذكرها لك... يقال:هو رجل جاهل بصناعته وأبو عبيد الله أحدق الناس، أو يقال:هو ظنين في الدين بتقليده، وأبو عبيد الله أعف الناس؛ لو كان بنات المهدي في حجره لكان لهم موضع،أو يقال: هو يميل إلى أن يخالف السلطان فيس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك، إلا أنه يميل إلى القدر بعض الميل؛ وليس يتسلق عليه بذلك أن يقول: هو متهم؛ ولكن هذا كله مجتمع لكفي ابن؛ قال: فتناول الربيع، فقبل بين عينيه، ثم دب لابن أبي عبيد الله؛ فوالله ما زال يحتال ويدس إلى المهدي ويتهمه ببعض حرم المهدي؛ حتى استحكم عند المهدي الظنة بمحمد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر، و أخرج أبو عبيد الله.فقال: يا محمد اقرأ، فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه القرآن، فقال: يا معاوية ألم تعلمني أن ابنك جامع للقرآن؟ قال: أخبرتك يا أمير المؤمنين، ولكن فارقني منذ سنين؛ وفي هذه المدة التي نأى فيها عني نسي القرآن، قال: قم فتقرب إلى الله في دمه، فذهب ليقوم فوقع،فقال العباس بن محمد: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفي الشيخ! قال: ففعل، وأمر به فأخرج، فضربت عنقه قال: فاتهمه المهدي في نفسه، فقال له الربيع: قتلت ابنه، وليس ينبغي أن يكون معك، ولا أن تثق به فأوحش المهدي ، وكان الذي كان من أمره وبلغ الربيع ما أراد، واشتفى وزاد.
وذكر محمد بن عبد الله يعقوب بن داود، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب المهدي رجلاً من الأشعريين، فأوجعه، فتعصب أبو عبيد الله - وكان مولى لهم،فقال: القتل أحسن من هذا يا أمير المؤمنين، فقال له المهدي: يا يهودي،اخرج من عسكري لعنك الله. قال: مت أدري إلى أين أخرج إلا إلى النار! قال: قلت: يا أمير المؤمنين،أحر بهذا أن لمثلها يتوقع، قال: فقال لي: سبحان الله يا أبا عبيد الله! وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر.
وفيها ولى نصر بن محمد بن الأشعث السند مكان روح بن حاتم، وشخص إليها حتى قدمها ثم عزل، وولي مكانه محمد بن سليمان، فوجه إليها عبد الملك ابن شهاب المسمعي، فقدمها على نصر، فبغته، ثم أذن له في الشخوص، فشخص حتى نزل الساحل على ستة فراسخ من المنصورة؛ فأتى نصر بن محمد عهده على السند، فرجع إلى عمله؛ وقد كان عبد الملك أقام بها ثمانية عشر يوما، فلم يعرض له، فرجع إلى البصرة.
وفيها استقضى المهدي عافية بن يزيد الأزدي؛ فكان هو وابن علاثة حبيب العدوى.
وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة،واستعمل عليها عبد الصمد ابن علي.

وفيها استعمل عيسى بن لقمان على مصر وفيها ولي يزيد بن المنصور سواد الكوفة وحسان الشروي الموصل و بسطام ابن عمرو التغلبي أذربيجان.
وفيها عزل أبا أيوب المسمى سليمان المكي عن ديوان الخراج، وولي مكانه أبو الزير عمر بن مطرف.
وفيها توفي نصر بن مالك من فالج أصابه، و دفن في المقابر بني هاشم وصلى عليه المهدي.
وفيها صرف أبان بن صدقة عن هارون بن المهدي إلى موسى، وجعله له كاتباً ووزيراً، وجعل مكانه مع هارون بن المهدي يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها عزل محمد بن سليمان أبا ضمر عن مصر في ذي الحجة المهدي وولاها سلمة بن رجاء.
وحج بالناس في هذه السنة موسى بن محمد بن عبد الله الهادي ،وهو ولى عهد أبيه.
وكان عامل الطائف ومكة واليمامة فيها جعفر بن سليمان،وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى سوادها يزيد بن المنصور.
ثم دخلت سنة اثنتين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر مقتل عبد السلام الخارجي فمن ذلك ما كان من مقتل عبد السلام الخارجي بقنسرين.
ذكر الخبر عن مقتله ذكر أن عبد السلام بن هاشم اليشكري هذا خرج بالجزيرة، وكثر بها أتباعه، واشتدت شوكته، فلقيه من قواد المهدي عدة، منهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدة ممن معه، وهزم جماعة من القواد، فوجه إليه المهدي الجنود، فنكب غير واحد من القواد، منهم شبيب بنواج المروروذي، ثم ندب إلى شبيب ألف فارس، أعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، وألحقهم بشبيب فوافوه ، فخرج شبيب في أثر عبد السلام، فهرب منهم حتى أتى قنسرين، فلحقه بها فقتله.
وفيها وضع المهدي دواوين الأزمة، وولي عليها عمر بن بزيع مولاه، فولى عمر بن يزيع النعمان بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق.
وفيها أمر المهدي أن يجري على المجذومين وأهل السجون في جميع الآفاق.
وفيها ولى ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة، فلم يتم ذلك.
وفيها خرجت الروم إلى الحدث فهدموا سوارها.
وغزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثلاثين ألف مرتزق سوى المطعة،فبلغ حمة أذرولية، فأكثر التخريب والتحريق في بلاد الروم نمن غير أن يفتح حصناً،ويلقى جمعاً، وسمته الروم التنين.وقيل: إنه إنما أتى هذه الحمة الحسن ليستنقع قيها للوضح الذي كان به؛ ثم قفل بالناس سالمين. وكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفئ حفص بن عامر السلمي. قال: وفيها غزا يزيد بن أسيد السلمي من باب قاليقلا، فغنم وفتح ثلاثة حصون، وأصاب سبيا كثيراً وأسرى.
وفيها عزل على بن سليمان عن اليمن، وولي مكانه عبد الله بن سليمان عن اليمن، وولى مكانه عبد الله بن سليمان.
وفيها عزل سلمة بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان، في المحرم، ثم عزل في جمادى الآخرة، ووليها واضح مولى المهدي، ثم في ذي القعدة ووليها يحيى الحرشي.
وفيها ظهرت المحمرة بجرجان، عليهم رجل يقال له عبد القهار، فغلب على جلجان، وقتل بشرأً كثيراً، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتل عبد القهار وأصحابه.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور؛ وكان العباس ابن محمد استأذن المهدي في الحج بعد ذلك، فعاتبه على ألا يكون استأذنه قبل أن يولي الموسم أحداً فيوليه إياه،فقال: يا أمير المؤمنين، عمداً أخرت ذلك لأني لم أرد الولاية.
وكانت عمال الأمصار عمالها في السنة التي قبلها. ثم إن الجزيرة كانت في هذه السنة إلى عبد الصمد بن علي وطبرستان والرويان إلى سعيد بن دعلج، وجرجان إلى مهلهل بن صفوان.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك ما كان فيها من هلاك المقنع؛وذلك أن سعيداً الحرشي حصر بكش، فاشتد عليه الحصار، فلما أحس بالهلكة شرب سما، وسقاه نساءه وأهله ، فمات وماتوا - فيما ذكر - جميعاً، ودخل المسلمون قلعته واحتزوا رأسه، ووجهوا به إلى المهدي وهو بجلب.
ذكر الخبر غزو الروم

وفيها قطع المهدي البعوث للصائفة على جميع الأجناد من أهل خراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبردان، وأقام به نحواً من شهرين يتعبأ فيه ويتهيأ، ويعطي الجنود،وأخرج بها صلات لأهل بيته الذين شخصوا معه، فتوفى عيسى بن علي في آخر جمادى الآخرة ببغداد. وخرج المهدي من الغد إلى البردان متوجهاً إلى الصائفة، واستخلف ببغداد موسى بن المهدي، وكاتبه يومئذ أيان بن صدقة؛ وعلى خاتمه عبد الله بن علاثة، وعلى حرسة علي بن عيسى، وعلى شرطه عبد الله بن خازم؛ فذكر العباس بن محمد أن المهدي لما وجه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين ومائة خرج يشيعه وأنا معه؛ فلما حاذى قصر مسلمة، قلت: يا أمير المؤمنين، إن لمسلمة في أعناقنا منة، كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: يا بن عم هذان ألفان لدينك، وألفان لمعونتك، فإذا فقدت فلا تحتشمتا. فقاللما حدثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق، ثم قال: يا أبا الفضل، كافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: نعم، وزدت يا أمير المؤمنين.
وذكر إبراهيم بن زياد، عن الهيثم بن عدي، أن المهدي أغزى هارون الرشيد بلاد الروم، وضم إليه الربيع الحاجب والحسن بن قحطبة.
قال محمد بن العباس: إني لقاعد في مجلس أبي في دار أمير المؤمنين وهو على الحرس؛ إذ جاء والحسن بن قحطبة، فسلم علي، وقعد على الفراش الذي يقعد أبي عليه، فسأل عنه فأعمته أنه راكب، فقال: يا حبيبي أعلمه أني جئت، وأبلغه السلام عني، وقل له: إن أحب أن يقول لأمير المؤمنين: يقول الحسن بن قحطبة: يا أمير المؤمنين؛ جعلني الله فداك! أغزيت هارون، وضممتني والربيع إليه، وأنا قريع قوادك، والربيع قريع مواليك، وليس تطيب نفسي بأن نخلي جميعاً بابك؛ فإما أغزيتني مع هارون وأقام الربيع، وإما أغزيت الربيع وأقمت ببابك. قال: فجاء أبي فأبلغته الرسالة، فدخل على المهدي فأعلمه، فقال: أحسن والله الإستعفاء؛ لا كما فعل الحجام ابن الحجام - يعني عامر بن إسماعيل - وكان استعفى من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه، واستصفى ماله.
وذكر عبد الله بن أحمد بن الوضاح، قال: سمعت جدي أبا بديل، قال: أغزى المهدي الرشيد، وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن علي وموليي أبيه: الربيع الحاجب والحسن الحاجب؛ فلما فصل ودخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ما خلفك عن ولي العهد، وعن أخويك خاصة؟ يعني الربيع والحسن الحاجب. قلت: أمر أمير المؤمنين ومقامي بمدينة السلام حتى يأذن لي. قال: فسر حتى تلحق به وبهما؛ واذكر ما تحتاج إليه. قال: قلت: ما أحتاج إلى شيء من العدة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في وداعه! فقال لي: متى تراك خارجاً؟ قال: قلت من غد، قال: فودعته وخرجت، فلحقت القوم. قال: فأقبلت أنظر إلى الرشيد يخرج، فيضرب بالصواجة، وانظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ وهما يتضاحكان منه. قال: فصرت إلى الربيع والحسن - وكنا لا نفترق - قال فقلت: لا جزاكما الله عمن وجهكما ولا عمن وجهتما معه خيراً؛ فقالا: إيه، وما الخبر؟ قال: قلت: موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين، أوما كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلساً يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القواد في الجمعة يدخلون عليه ويخلوه في سائر أيامه لما يريد! قال: فبينا نحن في ذلك المسير إذ بعثا إلي في الليل. قال: فجئت وعندهما رجل، فقالا لي: هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا معه كتاب الدولة. قال: ففتحت الكتاب، فنظرت فيه إلى سني المهدي فإذا هي عشر سنين. قال: فقلت ما في الأرض أعجب منكما! أتريان أن خبر هذا الغلام يخفى، وأن هذا الكتاب يستتر! قالا: كلا ، قلت: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنه ما نقص، أفلستم أول من نعى إليه نفسه! قال: فتبلدوا والله، وسقط في أيديهما، فقالا: فما الحيلة؟ قلت: يا غلام علي بعنبسة - يعني الوراق الأعرابي مولى آل أبي بديل - فأتى به، فقلت له: خط مثل هذا الخط، وورقة مثل هذه الورقة، وصير مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها في الورقة، قال:

فوالله لولا أني لولا أني رأيت العشر في تلك الأربعين في هذه ما شككت أن الخط ذلك الخط، وأن الورقة تلك الورقة. قال: ووجه المهدي خالد بن برمك مع الرشيد وهو ولي العهد حين وجهه لغزو الروم، وتوجه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يحيى بن خالد - وكان أمر هارون كله إليه - وصير الربيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهدي، وكان الذي بين الربيع ويحيى على حسب ذلك؛ وكان يشاورهما ويعمل برأيهما؛ ففتح الله عليهم فتوحاً كثيرة، وأبلاهم في ذلك الوجه بلاءً جميلاً، وكان لخالد في ذلك بسمالو أثر جميل لم يكن لأحد؛ وكان منجمهم يسمى البرمكي تبركاً به، ونظراً إليه. قال: ولما ندب المهدي هارون الرشيد لما ندبه له من الغزو، أمر أن يدخل عليه كتاب أبناء الدعوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلاً.
قال يحيى: فأدخلوني عليه معهم، فوقفوا بين يديه، ووقفت آخرهم، فقال لي: يا يحيى ادن، فدنوت، ثم قال لي: اجلس، فجلست فجثوت بين يديه، فقال لي: إني تصفحت أبناء شيعتي وأهل دولتي، واخترت منهم رجلاً لهارون ابني أضمه إليه ليقوم بأمر عسكره، ويتولى كتابته، فوقعت عليك خيرتي له، ورأيتك أولى به؛ إذ كنت مربيه وخاصته، وقد وليتك كتابته وأمر عسكره. قال: فشكرت ذلك له، وقبلت يده، وأمر لي بمائة ألف درهم معونةً على سفري، فوجهت في ذلك العسكر لما وجهت له.
قال: وأوفد الربيع بن سليمان بن برمك إلى المهدي، وأوفد معه وفداً، فأكرم المهدي وفادته وفضله، وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه، ثم انصرفوا من وجههم لذلك.
عزل عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارثوفي هذه السنة؛ سنة مسير المهدي مع ابنه هارون، عزل المهدي عبد الصمد بن علي عن الجزيرة، وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي.
ذكر السبب في عزله إياه ذكر أن المهدي سلك في سفرته هذه طريق الموصل، وعلى الجزيرة عبد الصمد بن علي، فلما شخص المهدي من الموصل، وصار بأرض الجزيرة، لم يتلقه عبد الصمد ولا هيأ له نزلاً، ولا أصلح له قناطر. فاضطغن ذلك عليه المهدي، فلما لقيه تجهمه وأظهر له جفاء، فبعث إليه عبد الصمد بألطاف لم يرضها، فردها عليه، وازداد عليه سخطاً، وأمر بأخذه بإقامة النزل له، فتعبث في ذلك، وتقنع، ولم يزل يربى ما يكرهه إلى أن نزل حصن مسلمة، فدعا به، وجرى بينهما كلام أغلظ له فيه القول المهدي، فرد عليه عبد الصمد ولم يحتمله، فأمر بحبسه وعزله عن الجزيرة، ولم يزل في حبسه في سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضي عنه. وأقام له العباس بن محمد النزل، حتى انتهى إلى حلب، فأتته البشرى بها بقتل المقنع، وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة. ففعل، وأتاه بهم وهو بدابق، فقتل جماعة منهم وصلبهم، وأتي بكتب من كتبهم فقطعت بالسكاكين ثم عرض بها جنده، وأمر بالرحلة، وأشخص جماعة من وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم، وشيع المهدي ابنه هارون حتى قطع الدرب، وبلغ جيحان، وارتاد بها المدينة التي تسمى المهدية، وودع هارون على نهر جيحان. فسار هارون حتى نزل رستاقاً من رساتيق أرض الروم فيه قلعة، يقال لها سمالو، فأقام عليها ثمانياً وثلاثين ليلة، وقد نصب عليها المجانيق، حتى فتحها الله بعد تخريبٍ لها، وعطش وجوع أصاب أهلها، وبعد قتل وجراحات كانت في المسلمين؛ وكان فتحها على شروط شرطوها لأنفسهم: لا يقتلوا ولا يرحلوا، ولا يفرق بينهم؛ فأعطوا ذلك، فنزلوا، ووفى لهم، وقفل هارون بالمسلمين سالمين إلا من كان أصيب منهم بها.
وفي هذه السنة وفي سفرته هذه، صار المهدي إلى بيت المقدس، فصلى فيه،ومعه العباس بن محمد والفضل بن صالح وعلي بن سليمان وخاله يزيد بن المنصور.
وفيها عزل المهدي إبراهيم بن صالح عن فلسطين، فسأله يزيد بن منصور حتى رده عليها.
وفيها ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، وولى مكانه عبد الله بن صالح بن علي، وكان المهدي نزل عليه في مسيره إلى بيت المقدس، فأعجب بما رأى من منزله بسلمية.
وفيها عزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولاها المسيب بن زهير.

وفيها عزل يحيى الحرشى عن أصبهان، وولى مكانه الحكم بن سعيد.
وفيها عزل سعيد بن دعلج عن طبرستان و الرويان، وولاهما عمر بن العلاء.
وفيها عزل مهلهل بن صفوان عن جرجان، وولاها هشام بن سعيد.
وحج بالناس في هذه السنة علي بن المهدي.
وكان على اليمامة والمدينة ومكة والطائف فيها جعفر بن سليمان، وعلى الصلاة والأحداث بالكوفة إسحاق بن الصباح، وعلى قضائها شريك، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والفرض وكور الأهواز وكور فارس محمد بن سليمان، وعلى خراسان المسيب بن زهير، وعلى السند نصر بن محمد بن الأشعث.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:08 pm

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غزوة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث، فأقبل إليه ميخائيل البطريق - فيما ذكر - في نحو من تسعين ألفاً، فيهم طازاذ الأرمني البطريق، ففشل عنه عبد الكريم ومنع المسلمين من القتال وانصرف، فأراد المهدي ضرب عنقه، فكلم فيه فحبسه في المطبق.
وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن أعماله، ووجه صالح بن داود على ما كان إلى محمد بن سليمان، ووجه معه عاصم بن موسى الخراساني الكاتب على الخراج وأمره بأخذ حماد بن موسى كاتب محمد بن سليمان وعبيد الله بن عمر خليفته وعماله وتكشيفهم.
وفيها بنى المهدي بعيساباذ الكبرى قصراً من لبن، إلى أن أسس قصره الذي بالآجر: الذي سماه قصر السلامة؛ وكان تأسيسه إياه يوم الأربعاء في آخر ذي القعدة.
وفيها شخص المهدي حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجاً، فأقام برصافة الكوفة أياماً، ثم خرج متوجهاً إلى الحج، حتى انتهى إلى العقبة، فغلا عليه وعلى من معه الماء، وخاف ألا يحمله ومن معه ما بين أيديهم، وعرضت له مع ذلك حمى، فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بسبب الماء؛ لأنه كان صاحب المصانع، واشتد على الناس العطش في منصرفهم وعلى ظهرهم حتى أشرفوا على الهلكة.
وفيها توفي نصر بن محمد بن الأشعث بالسند.
وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سخطة، ووجه من يستقبله ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، ثم أمر بحبسه عند الربيع حين قدم، حتى أقر من المال والجواهر والعنبر ما أقر به، فرده إليه، واستعمل مكانه منصور بن يزيد بن منصور.
وفيها وجه المهدي صالح بن أبي جعفر المنصور من العقبة عند انصرافه عنها إلى مكة ليحج بالناس. فأقام صالح للناس الحج في هذه السنة.
وكان العامل على المدينة ومكة والطائف واليمامة فيها جعفر بن سليمان، وعلى اليمن منصور بن يزيد بن منصور، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها هاشم بن سعيد بن منصور، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة وأحداثها وكور دجلة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس صالح بن داود بن علي، وعلى السند سطيح بن عمر، وعلى خراسان المسيب بن زهير، وعلى الموصل محمد بن الفضل. وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن، وعلى مصر إبراهيم بن صالح، وإفريقية يزيد بن حاتم، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي، وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى أمير المؤمنين، وعلى الري خلف بن عبد الله، وعلى سجستان سعيد بن دعلج.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
غزوة هارون بن المهدي الصائفة ببلاد الروم

فمن ذلك غزوة هارون بن المهدي الصائفة، ووجهه أبوه - فيما ذكر - يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازياً إلى بلاد الروم، وضم إليه الربيع مولاه، فوغل هارون في بلاد الروم، فافتتح ماجدة، ولقيته خيول نقيطا قومس القوامسة، فبادره يزيد بن مزيد، فأرجل يزيد، ثم سقط نقيطا، فضربه يزيد حتى أثخنه، وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم. وسار إلى الدمستق بنقمودية وهو صاحب المسالح، وسار هارون في خمسة وتسعين ألفاً وسبع مائة وثلاثة وتسعين رجلاً، وحمل لهم من العين مائة ألف دينار وأربعة وتسعين ألفاً وأربع مائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف وأربع مائة ألف وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم. وسار هارون حتى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ أغسطه امرأة أليون؛ وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينهما وبين هارون بن المهدي الرسل والسفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفدية، فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت له، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه؛ وذلك أنه دخل مدخلاً صعباً مخوفاً على المسلمين، فأجابته إلى ما سأل، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار، تؤديها في نيسان الأول في كل سنة، وفي حزيران، فقبل ذلك منها، فأقامت له الأسواق في منصرفه، ووجهت معه رسولاً إلى المهدي بما بذلك على أن تؤدي ما تيسر من الذهب والفضة والعرض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وسلمت الأسارى. وكان الذي أفاء على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأساً، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفاً، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً. ومما أفاء الله عليه من الدواب الذلل بأدراتها عشرون ألف دابة، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وكانت المرتزقة سوى المطوعة وأهل الأسواق مائة ألف، وبيع البرذون بدرهم، والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرين سيفاً بدرهم، فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:
أطفئت بقسطنطينية الروم مسنداً ... إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها ... بجزيتها، والحرب تغلي قدورها
وفيها عزل خلف بن عبد الله عن الري، وولاها عيسى مولى جعفر.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بن أبي جعفر المنصور.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم عمالها في السنة الماضية؛ غير أن العامل على أحداث البصرة والصلاة بأهلها كان روح بن حاتم، وعلى كور دجلة والبحرين وعمان وكسكر وكور الأهواز وفارس وكرمان كان المعلى مولى أمير المؤمنين المهدي، وعلى السند الليث مولى المهدي.
ثم دخلت سنة ست وستين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك قفول هارون بن المهدي؛ ومن كان معه من خليج قسطنطينية في المحرم لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقدمت الروم بالجزية معهم، وذلك - فيما قيل - أربعة وستون ألف دينار عدد الرومية وألفان وخمسمائة دينار عربية، وثلاثون ألف رطل مرعزي. وفيها أخذ المهدي البيعة على قواده لهارون بعد موسى بن المهدي، وسماه الرشيد. وفيها عزل عبيد الله بن الحسن عن قضاء البصرة، وولى مكانه خالد بن طليق بن عمران بن حصين خزاعي، فلم تحمد ولايته، فاستعفى أهل البصرة منه.
وفيها عزل جعفر بن سليمان عن مكة والمدينة، وما كان إليه من العمل.
وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود.
ذكر الخبر عن غضب المهدي على يعقوب

ذكر علي بن محمد النوفلي قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان داود بن طهمان - وهو أبو يعقوب بن داود - واخوته كتاباً لنصر بن سيار، وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان؛ فلما كانت أيام يحيى بن زيد كان يدس إليه وإلى أصحابه بما يسمع من نصر، ويحذرهم؛ فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يحيى بن زيد ويقتل قتلته والمعينين عليه من أصحاب نصر، أتاه داود بن طهمان مطمئناً لما كان يعلم مما جرى بينه وبينه، فآمنه أبو مسلم، ولم يعرض له في نفسه، وأخذ أمواله التي استفاد أيام نصر، وترك منازله وضيعه التي كانت له ميراثاً بمرو، فلما فلما مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليست لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر؛ فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيدية، ودنوا من آل الحسين، وطمعوا أن يكون لهم دولة فيعيشوا فيها. فكان يعقوب يجول البلاد منفرداً بنفسه، ومع إبراهيم بن عبد الله أحياناً، في طلب البيعة لمحمد بن عبد الله، فلما ظهر محمد وإبراهيم بن عبد الله كتب علي بن داود - وكان أسن من يعقوب - لإبراهيم بن عبد الله، وخرج يعقوب مع عدة من اخوته مع إبراهيم؛ فلما قتل محمد وإبراهيم تواروا من المنصور، فطلبهم، فأخذ يعقوب وعلياً فحبسهما في المطبق أيام حياته، فلما توفي المنصور من عليهما المهدي فيمن من عليه بتخلية سبيله، وأطلقهما. وكان معهما في المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - وكانا لا يفارقانه - واخوته الذين كانوا محتبسين معه، فجرت بينهم بذلك صداقة. وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أن الخلافة قد تجوز في صالح بني هاشم جميعاً، فكان يقول: كانت الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلح إلا في بني هاشم؛ وهي في هذا الدهر لا تصلح إلا فيهم؛ وكان يكثر في قوله للأكبر من بني عبد المطلب؛ وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك؛ فلما خلى المهدي سبيل يعقوب مكث المهدي برهة من دهره يطلب عيسى بن زيد والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب الحسن من حبسه، فقال المهدي يوماً: لو وجدت رجلاً من الزيدية له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد، وله فقه فأجتلبه إلي على طريق الفقه، فيدخل بيني وبين آل حسن وعيسى بن زيد! فدل على يعقوب بن داود، فأتى به فأدخل عليه، وعليه يومئذ فرو وخفا كبل وعمامة وكرابيس وكساء أبيض غليظ. فكلمه وفاتحه، فوجده رجلاً كاملاً، فسأله عن عيسى بن زيد؛ فزعم الناس أنه وعده الدخول بينه وبينه، وكان يعقوب ينتفي من ذلك؛ إلا أن الناس قد رموه بأن منزلته عند المهدي إنما كانت للسعاية بآل علي. ولم يزل أمره يرتفع عند المهدي ويعلو حتى استوزره، وفوض إليه أمر الخلافة؛ فأرسل إلى الزيدية، فأتى بهم من كل أوب، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس، والدنيا كلها في يديه، ولذلك يقول بشار بن برد:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا ... خلبفة الله بين الدف والعود
قال: فحسده موالي المهدي،فسعوا عليه.
ومما حظي به يعقوب عند المهدي، أنه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن الله، ودخل بينه وبينه حتى جمع بينهما بمكة. قال: ولما علم آل الحسن بن علي بصنيعه استوحشوا منه، وعلم يعقوب أنه إن كانت لهم دولة لم يعش فيها، وعلم أن المهدي لا يناظره لكثرة السعاية إليه، فمال يعقوب إلى إسحاق بن الفضل، وأقبل يربص له الأمور وأقبلت السعايات ترد على المهدي بإسحاق حتى قيل له: إن المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه؛ وقد كاتبهم؛ وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد على ميعاد، فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل؛ فكان ذلك قد ملأ قلب المهدي عليه.
قال علي بن محمد النوفلي: فذكر لي بعض خدم المهدي أنه كان قائماً على رأسه يوماً يذب عنه إذ دخل يعقوب، فجثا بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت اضطراب أمر مصر، وأمرتني أن ألتمس لها رجلاً يجمع أمرها، فلم أزل أرتاد حتى أصبت رجلاً يصلح لذلك. قال: ومن هو؟ قال: ابن عمك إسحاق بن الفضل، فرأى يعقوب في وجهه التغير ،فنهض فخرج، وأتبعه المهدي طرفه، ثم قال: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم رفع رأسه إلي وقال: اكتم علي ويلك! قال:

ولم يزل مواليه يحرضونه عليه ويوحشونه منه، حتى عزم على إزالة النعمة عنه.
وقال موسى بن إبراهيم المسعودي: قال المهدي: وصف لي يعقوب بن داود في منامي، فقيل لي أن أتخذه وزيراً. فلما رآه، قال: هذه والله الخلقة التي رأيتها في منامي، فاتخذه وزيراً، وحظي عنده غاية الحظوة، فمكث حيناً حتى بنى عيساباذ، فأتاه خادم من خدمه - وكان حظياً عنده - فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن علي ، قال لي: قد بنى متنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين، فحفظها عن الخادم، ونسي أحمد بن إسماعيل، وتوهمها على يعقوب بن داود، فبينا يعقوب بين يديه لببه، فضرب به الأرض، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين! قال: ألست القائل: إني أنفقت على متنزه خمسين ألف ألف! فقال يعقوب: والله ما سمعته أذناي، ولا كتبه الكرام الكاتبون؛ فكان هذا أول سبب أمره.
قال: كان يعقوب بن داود قد عرف عن المهدي خلعاً واستهتاراً بذكر النساء والجماع، وكان يعقوب بن داود يصف من نفسه في ذلك شيئاً كثيراً، وكذلك كان المهدي، فكانوا يخلون بالمهدي ليلاً فيقولون: هو على أن يصبح فيثور بيعقوب؛ فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسم، فيقول: إن عندك لخيراً! فيقول: نعم فيقول: اقعد بحياتي فحدثني، فيقول: خلوت بجاريتي البارحة، فقالت وقلت، فيصنع لذلك حديثاً، فيحدث المهدي بمثل ذلك، ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب، فيتعجب منه.
قال: وقال لي الموصلي: قال يعقوب بن داود للمهدي في أمر أراده: هذا والله السرف، فقال: ويلك! وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف! ويلك يا يعقوب، لولا السرف لم يعرف المكثرون من المقترين! وقال علي بن يعقوب بن داود عن أبيه، قال: بعث إلي المهدي يوماً فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد متناه في السرور على بستان فيه شجر، ورءوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفاح، فكل ذلك مورد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئاً أحسن منه؛ وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها، ولا أشط قواماً، ولا أحسن اعتدالاً، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك. فقال لي: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به، وهنأه إياه، فقال: هو لك، احمله بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به. قال: فدعوت له بما يجب. قال: ثم قال: يا يعقوب، ولي إليك حاجة، قال: فوثبت قائماً ثم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا إلا من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين! قال: لا، ولكن أحب أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة فإني لم أسألكها من حيث تتوهم، وإنما قلت ذلك على الحقيقة، فأحب أن تضمن لي هذه الحاجة وأن تقضيها لي، فقلت: الأمر لأمير المؤمنين وعلي السمع والطاعة، قال: والله - قلت والله ثلاثاً - قال: وحياة رأسي! قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه، وحلفتله به لأعلمنبما قال، ولآقضين حاجته. قال: فلما استوثق مني في نفسه، قال: هذا فلان بن فلان، من ولد علي، أحب أن تكفيني مؤونته، وتريحني منه، وتعجل ذلك. قال: قلت: أفعل، قال فخذه إليك، فحولتهإ لي، وحولت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم.
قال: فحملت ذلك جملة، ومضيت به، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلوي، فأدخلته على نفسي، وسألته عن حاله، فأخبرني بها وبجمل منها، وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إبانة.
قال: وقال لي في بعض ما يقول: ويحك يا يعقوب! تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد! قال: قلت: لا والله، فهل فيك خير؟ قال: إن فعلت خيراً شكرت ولك عندي دعاء واستغفار. قال: فقلت له أي الطريق أحب إليك؟ قال: طريق كذا وكذا، قلت: فمن هناك ممن تأنس به وتثق بموضعه؟ قال: فلان وفلان، قلت: فابعث إليهما، وخذ هذا المال، وامض معهما مصاحباً في ستر الله، وموعدك وموعدهما للخروج من داري إلى موضع كذا وكذا - الذي اتفقوا عليه - في وقت كذا وكذا من الليل؛ وإذا الجارية قد حفظت علي قولي؛ فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي، وقالت:

هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك؛ صنع وفعل كذا وكذا؛ حتى ساقت الحديث كله. قال:وبعث المهدي من وقته ذلك، فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوي برجاله، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوي بعينه وصاحبيه والمال، وعلى السجية التي حكتها الجارية. قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهدي يستحضرني - قال: وكنت خالي الذرع غير ملق إلى أمر العلوي بالاً حتى أدخل على المهدي، وأجده على كرسي بيده مخصرة - فقال: يا يعقوب، ما حال الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله، ثم قال: قم فضع يدك على رأسي؛ قال فوضعت يدي على رأسه، وحلفت له به. قال: فقال: يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت، قال: ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه والمال بعينه. قال: فبقيت متحيراً، وسقط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول! فقال المهدي: لقد حل لي دمك لو آثرت إراقته، ولكن احبسوه في المطبق؛ ولا أذكر به، فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئر فدليت فيها، فكنت كذلك أطول مدة لا أعرف عدد الأيام وأصبت ببصري، وطال شعري؛ حتى استرسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإني لكذلك، إذ دعي بي فمضي بي إلى حيث أيت هو، فلم أعد أن قيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فسلمت، فقال: أي أمير المؤمنين أنا؟ قلت: المهدي، قال: رحم الله المهدي، قلت: فالهادي؟ قال: رحم الله الهادي، قلت: فالرشيد؟ قال: نعم؛ قلت: ما أشك في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلتي وما تناهت إليه حالي، قال: أجل، كل ذلك عندي قد عرف أمير المؤمنين، فسل حاجتك، قال: قلت: المقام بمكة، قال: نفعل ذلك، فهل غير هذا؟ قال: قلت: ما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ، قال: فراشداً. قال: فخرجت فكان وجهي إلى مكة. قال ابنه: ولم يزل بمكة فلم تطل أيامه بها حتى مات.
قال محمد بن عبد الله: قال لي أبي: قال يعقوب بن داود: وكان المهدي لا يشرب النبيذ إلا تحرجاً؛ ولكنه كان لا يشتهيه؛ وكان أصحابه عمر بن بزيع والمعلى مولاه والمفضل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم، قال: وكنت أعظه في سقيهم النبيذ وفي السماع، وأقول: إنه ليس على هذا استوزرتني ولا على هذا صحبتك؛ أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع، يشرب عندك النبيذ وتسمع السماع! قال: كان يقول: قد سمع عبد الله بن جعفر، قال: قلت: ليس هذا من حسناته؛ لو أن رجلاً سمع في كل يوم كان ذلك يزيده قربة من الله أو بعداً! وقال محمد بن عبد الله: حدثني أبي قال: كان أبي يعقوب بن داود قد ألح على المهدي في حسمه عن السماع وإسقائه النبيذ حتى ضيق عليه؛ وكان يعقوب قد ضجر بموضعه، فتاب إلى الله مما هو فيه؛ واستقبل وقدم النية في تركه موضعه. قال: فكنت أقول للمهدي: يا أمير المؤمنين؛ والله لشربة خمر أشربها أتوب إلى الله منها أحب إلي مما أنا فيه؛ وإني لأركب إليك فأتمنى يداً خاطئة تصيبني في الطريق، فاعفني وول غيري من شئت؛ فإني أحب أن أسلم عليك أنا وولدي؛ ووالله إني لأتفزع في النوم؛ وليتني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضاً من آخرتي. قال: فكان يقول لي: اللهم غفراً! اللهم أصلح قلبه، قال: فقال شاعر له:
فدع عنك يعقوب بن داود جانباً ... وأقبل على صهباء طيبة النشر
قال عبد الله بن عمر: وحدثني جعفر بن أحمد بن زيد العلوي، قال: قال بن سلام: وهب المهدي لبعض ولد يعقوب بن داود جاريةً، وكان بضعف، قال: فلما كان بعد أيام، سأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت مثلها، ما وضعت بيني وبين الأرض مطية أوطأ منها حاشا سامع. فالتفت المهدي إلى يعقوب، فقال له: من تراه يعني؟ يعنيني أو يعنيك؟ فقال له يعقوب: من كل شيء تحفظ الأحمق إلا من نفسه.
وقال علي بن محمد النوفلي: حدثني أبي، قال:

كان يعقوب بن داود يدخل على المهدي فيخلو به ليلاً يحادثه ويسامره؛ فبينا هو ليلة عنده؛ وقد ذهب من الليل أكثره، خرج يعقوب من عنده، وعليه طيلسان مصبوغ هاشمي؛ وهو الأزرق الخفيف؛ وكان الطيلسان قد دق دقاً شديداً فهو يتقعقع، وغلام آخذ بعنان دابة له شهباء، وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوي طيلسانه فتقعقع، فنفر البرذون، ودنا منه يعقوب فاستدبره فضربه ضربةً على ساقه فكسرها، وسمع المهدي الوجبة، فخرج حافياً؛ فلما رأى ما به أظهر الجزع والفزع، ثم أمر به فحمل في كرسي إلى منزله، ثم غداً عليه المهدي مع الفجر؛ وبلغ ذلك الناس، فغدوا عليه، فعاده أياماً ثلاثةً متتابعة، ثم قعد عن عيادته، وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله؛ فلما فقد وجهه، تمكن السعاة من المهدي، فلم تأتي عليه عاشرة حتى أظهر السخط عليه، فتركه في منزله يعالج، ونادى في أصحابه : لا يوجد أحد عليه طيلسان يعقوبي، وقلنسوة يعقوبية إلا أخذت ثيابه. ثم أمر بيعقوب فحبس في سجن بصر.
قال النوفلي: وأمر المهدي بعزل أصحاب يعقوب عن الولايات في الشرق والغرب، وأمر ان يؤخذ أهل بيته، وأن يحبسوا ففعل ذلك بهم.
وقال علي بن محمد: لما حبس يعقوب بن داود وأهل بيته، وتفرق عماله واختفوا وتشردوا، أذكر المهدي قصته وقصة إسحاق بن الفضل، فأرسل إلى إسحاق ليلاً وإلى يعقوب، فأتى به من محبسه، فقال: ألم تخبرني بأن هذا وأهل بيته يزعمون أنهم أحق بالخلافة منا أهل البيت؛ وأن لهم الكبر علينا! فقال له يعقوب: ما قلت لك هذا قط، قال: وتكذبني وترد على قولي! ثم دعا له بالسياط فضربه اثني عشر سوطاً ضرباً مبرحاً، وأمربه فرد إلى الحبس.
قال: وأقبل إسحاق يحلف أنه لم يقل هذا قط، وأنه ليس من شأنه. وقال فيما يقول: وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين، وقد مات جدي في الجاهلية وأبوك الباقي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه! فقال: أخرجوه، فلما كان من الغد دعا بيعقوب، فعاوده الكلام الذي كلمه في ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي حتى أذكرك، أتذكر وأنت في طارمة على النهر؛ وأنت في البستان وأنا عندك؛ إذ دخل أبو الوزير - قال علي: وكان أبو الوزير ختن يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود - فخبرك هذا الخبر عن إسحاق؟ قال: صدقت يا يعقوب، قد ذكرت ذلك، فاستحى المهدي، واعتذر إليه من ضربه، ثم رده إلى الحبس، فمكثت محبوساً أيام المهدي وأيام موسى كلها حتى أخرجه الرشيد بميله كان إليه في حياة أبيه.
وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان، وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم.
وفيها تحول المهدي إلى عيساباذ فنزلها، وهي قصر السلامة ونزل الناس بها معه، وضرب بها الدنانير والدراهم.
وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مكة واليمن؛ بغالاً وإبلاً؛ ولم يقم هنالك بريد قبل ذلك.
وفيها اضطربت خرا سان على المسيب بن زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس، وضم إليه معها سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي.
وفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد بن أبي أيوب المكي ومحمد بن طيفور في الزندقة، فأقروا، فاستتابهم المهدي وخلي سبيلهم، وبعث بداود بن روح إلى أبيه روح؛ وهو يومئذ بالبصرة عاملاً عليها، فمن عليه، وأمره بتأديبه.
وفيها قدم الوضاح الشروي بعبد الله بن أبي عبيد الله الوزير - وهو معاوية ابن عبيد الله الأشعري من أهل الشام - وكان الذي يسعى به ابن شبابة وقد رمي بزندقة. وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل.
وفيها ولي إبراهيم بن يحيى بن محمد على المدينة؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الطائف ومكة عبيد الله بن قثم.
وفيها عزل المنصور بن يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي.
وفيها خلى المهدي عبد الصمد بن علي من حسبه الذي كان فيه.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد.

وكان عامل الكوفة من هذه السنة على الصلاة وأحداثها هاشم بن سعيد، وعلى صلاة البصرة وأحداثها روح بن حاتم، وعلى قضائها خالد بن طليق، وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى أمير المؤمنين، وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسي، وعلى نصر إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي. وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي، وعلى الري سعد مولى أمير المؤمنين. ولم يكن في هذه السنة صائفة؛ للهدنة التي كانت فيها.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك ما كان من توجيه المهدي ابنه موسى في جمع كثيف من الجند، وجهاز لم يجهز - فيما ذكر - أحد بمثله إلى جرجان لحرب ونداهرمز وشروين صاحبي طبرستان، وجعل المهدي حين جهز موسى إليها إبان بن صدقة على رسائله، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعاً مولى المنصور على حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان على حرسه، وعبد الله بن خازم على شرطه؛ فوجه موسى الجنود إلى وانداهرمز وشيروين، وأمر عليهم يزيد مزيد فحاصرهما.
وفيها توفي عيسى بن موسى بالكوفة، وولى الكوفة يومئذ روح بن حاتم، فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الوجوه، ثم دفن. وقيل إن عيسى بن موسى توفي وروح على الكوفة، لثلاث بقين من ذي الحجة، فحضر روح جنازته، فقيل له: تقدم فأنت الأمير، فقال: ما كان الله ليرى روحاً يصلي على عيسى بن موسى؛ فليتقدم أكبر ولده، فأبوا عليه وأبى عليهم، فتقدم العباس بن عيسى، فصلى على أبيه. وبلغ ذلك المهدي فغضب على روح، وكتب إليه: قد بلغني ما كان من نكوصك عن الصلاة على عيسى؛ أبنفسك، أم بأبيك، أم بجدك كنت تصلي عليه! أوليس إنما ذلك مقامي لو حضرت. فإذ غبت كنت أنت أولى به لموضعك من السلطان! وأمر بمحاسبته؛ وكان يلي الخراج مع الصلاة والأحداث.
وتوفي عيسى والمهدي واجد عليه وعلى ولده؛ وكان يكره التقدم عليه لجلالته.
وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم، وولى أمرهم عمر الكلواذي، فأخذ يزيد بن الفيض كاتب المنصور، فأقر - فيما ذكر - فحبس، فهرب من الحبس، فلم يقدر عليه.
وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل، وولاه الربيع الحاجب، فاستخلف عليه سعيد بن واقد؛ وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته.
وفيها فشا الموت، وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة.
وفيها توفي أبان بن صدقة بجرجان، وهو كاتب موسى على رسائله، فوجه المهدي مكانه أبا خالد الأحول يزيد خليفة أبي عبيد الله.
وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام؛ فدخلت فيه دور كثيرة. وولى بناء ما زيد فيه يقطين بن موسى، فكان في بنائه إلى أن توفي المهدي.
وفيها عزل يحيى الحرشي عن طبرستان والرويان؛ وما كان إليه من تلك الناحية، ووليها عمر بن العلاء، وولي جرجان فراشة مولى المهدي، وعزل عنها يحيى الحرشي.
وفيها أظلمت الدنيا لليالٍ بقين من ذي الحجة، حتى تعالى النهار.
ولم يكن فيها صائفة، للهدنة التي كانت بين المسلمين والروم.
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج وقدومه المدينة بأيام، وولي مكانه إسحاق بن عيسى بن علي.
وفيها طعن عقبة بن سلم الهنائي بعيساباذ، وهو في دار عمر بن بزيغ، اغتاله رجل، فطعنه بخنجر، فمات فيها.
وكان العامل على مكة والطائف فيها عبيد الله بن قثم، وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها روح بن حاتم، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمي، وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى المهدي.
وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسي.
وعلى مصر موسى بن مصعب. وعلى أفريقية موسى بن حاتم. وعلى طبرستان والرويان عمر بن العلاء، وعلى حرجان ودنباوند وقومس فراشة مولى المهدي، وعلى الري سعد مولى أمير المؤمنين.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك ما كان من نقض الروم الصلح الذي جرى بينهم وبين هارون بن المهدي الذي ذكرناه قبل وغدرهم؛ وذلك في شهر رمضان من هذه السنة؛ فكان بين أول الصلح وغدر الروم ونكثهم به اثنان وثلاثون شهراً، فوجه علي بن سليمان وهو يومئذٍ على الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر بن البطال في سرية إلى الروم فغنموا وظفروا.
وفيها وجه المهدي سعيداً الحرشي إلى طبرستان في أربعين ألف رجل. وفيها مات عمر الكلواذي صاحب الزنادقة. وولى مكانه حمدويه، وهو محمد بن عيسى من أهل ميسان.
وفيها قتل المهدي الزنادقة ببغداد.
وفيها رد المهدي ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها.
وفيها خرج المهدي إلى نهر الصلة أسفل واسط - وإنما سمي نهر الصلة فيما ذكر لأنه أراد أن يقطع أهل بيته وغيرهم غلته؛ يصلهم بذلك.
وفيها ولي المهدي على بن يقطين ديوان زمام الأزمة علي عمر بن بزيع.
وذكر أحمد بن موسى بن حمزة، عن أبيه، قال: أول من عمل ديوان الزمام عمر بن بزيع في خلافة المهدي؛ وذلك أنه لما جمعت له الدواوين تفكر؛ فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون على كل ديوان؛ فاتخذ دواوين الأزمة، وولي كل ديوان رجلاً، فكان واليه على زمام ديوان الخراج إسماعيل ابن صبيح؛ ولم يكن لبني أميه دواوين أزمة.
وحج بالناس في هذه السنة علي بن محمد المهدي الذي يقال له ابن رليطه.
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ذكر الخبر عن خروج المهدي إلى ماسبذان. فمما كان فيها من ذلك خروج المهدي في المحرم إلى ماسبذان.
ذكر الخبر عن خروجه إليها: ذكر أن المهدي كان في آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنه موسى الهادي، وبعث إليه وهو بجرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة، ويقدم الرشيد فلم يفعل، فبعث إليه المهدي بعض الموالي، فامتنع عليه موسى من القدوم، وضرب الرسول، فخرج المهدي بسبب موسى وهو يريده بجرجان فأصابه ما أصابه.
وذكر الباهلي أن أبا شاكر أخبره - وكان من كتاب المهدي على بعض دواوينه - قال: سأل علي بن يقطين المهدي أن يتغذى عنده، فوعده أن يفعل، ثم إعتزم على إتيان ماسبذان؛ فوالله لقد أمر بالرحيل كأنه يساق إليها سوقاً، فقال له علي: يا أمير المؤمنين؛ إنك قد وعدتني أن تتغذى عندي غداً، قال: فاحمل غداءك إلى النهروان. قال: فحمله فتغدى بالنهروان، ثم انطلق.
وفيها توفى المهدي.
ذكر الخبر عن موت المهدي
ذكر الخبر عن سبب وفاتهاختلف في ذلك، فذكر عن واضح قهرمان المهدي، قال :خرج المهدي يتصيد بقرية يقال لها الرذ بماسبذان، فلم أزل معه إلى بعد العصر، وانصرفت إلى مضربي - وكان بعيدا ً من مضربه - فلما كان في السحر الأكبر ركبت لإقامة الوظائف، فإني لأسير في برية، وقد انفردت عمن كان معي من غلماني وأصحابي؛ إذ لقيني أسود عريان على قتد رحل، فدنا مني؛ ثم قال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فهممت أن أعلوه بالسوط، فغاب من بين يدي؛ فلما انتهيت إلى الرواق لقيني مسرور، فقال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فدخلت فإذا أنابه مسجى في قبة، فقلت: فارقتكم بعد العصر؛ وهو أسر ما كان حالاً وأصحه بدناً، فما كان الخبر؟ قال: طردت الكلاب ظبياً، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة، فاقتحمت الكلاب خلفه، واقتحم الفرس خلف الكلاب، فدق ظهره في باب الخربة، فمات من ساعته.
وذكر أن علي بن أبي نعيم الروزي، قال:

بعثت جارية من جواري المهدي إلى ضرة لها بلبأ فيه سم؛ وهو قاعد في البستان، بعد خروجه من عيساباذ، فدعا به فأكل منه، ففرقت الجارية أن تقول له إنه مسموم. وحدثني أحمد بن محمد الرازي، أن المهدي كان جالساً في علية في قصر بماسبذان، ويشرف من منظرة فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة، قد عمدت إلى كمثراتين كبيرتين، فجعلتهما في صينية، وسمت واحدة منهما وهي أحسنهما وأنضجهما في أسفلها، وردت القمع فيها، ووضعتها في أعلى الصينية - وكان المهدي يعجبه الكمثرى - وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهدي - وكان يتخطاها - تريد بذلك قتلها، فمرت الوصيفة بالصينية التي فيها تلك الكمثرى، تريد دفعها إلى الجارية التي أرسلتها حسنة إليها، بحيث يراها المهدي من المنظرة، فلما رأى ورأى معها الكمثرى؛ دعا بها، فمد يده إلى الكمثراة التي في أعلى الصينية وهي المسمومة، فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صرخ: جوفي! وسمعت حسنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكي، وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك يا سيدي! فهلك من يومه.
وذكر عن عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب، قال: لما صرنا إلى ماسبذان دنوت إلى عنانه، فأمسكت به وما به علة،؛ فوالله ما أصبح إلا ميتاً، فرأيت حسنة وقد رجعت؛ وإن على قبتها المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك:
رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده ... ر له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عم ... رت ما عمر نوح
فعلى نفسك نح إن ... كنت لابد تنوح
وذكر صالح أن علي بن يقطين، قال: كنا مع المهدي بماسبذان فأصبح يوماً فقال: إني أصبحت جائعاً، فأتى بأرغفة ولحم بارد مطبوخ بالخل، فأكل منه ثم قال: إني داخل إلى البهو ونائم فيه، فلا تنبهوني حتى أكون أنا الذي أنتبه، ودخل البهو فنام، ونمنا نحن في الدار في الرواق؛ فانتبهنا ببكائه؛ فقمنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئاً، قال: وقف على الباب رجل، لو كان في ألف أو في مائة ألف رجل ما خفي علي، فأنشد يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجةٍ ... وملكٍ إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولاتٍ حلائله
قال: فما أتت عليه عاشرة حتى مات.
وكانت وفاته - فيما قال أبو معشر الواقدي - في سنة تسع وستين ومائة، ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم؛ وكانت خلافته عشر سنين وشهراً ونصف شهر.
وقال بعضهم: وكانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً؛ وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
وقال هشام بن محمد: ملك أبو عبد الله المهدي محمد بن عبد الله سنة ثمان وخمسين ومائة، في ذي الحجة لست ليالٍ خلون منه؛ فملك عشر سنين وشهراً واثنين وعشرين يوماً، ثم توفي سنة تسع وستين ومائة، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ذكر أن المهدي توفي بقرية من قرى ماسبذان، يقال لها الرذ؛ وفي ذلك يقول بكار بن رباح:
ألا رحمة الرحمن في كل ساعةٍ ... على رمةٍ رمت بماسبذان
لقد غيب القبر الذي تم سوددا ... وكفين بالمعروف تبتدران
وصلى عليه ابنه هارون؛ ولم توجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب، ودفن تحت شجرة جوز كان يجلس تحتها.
وكان طويلاً مضمر الخلق، جعداً. واختلف في لونه، فقال بعضهم: كان أسمر، وقال بعضهم: كان أبيض.
وكان في عينه اليمنى - في قول بعضهم - نكتة بياض. وقال بعضهم: كان ذلك بعينه اليسرى.
وكان ولد بإيذج.
ذكر بعض سيرة المهدي وأخبارهذكر عن هارون بن أبي عبيد الله، قال: كان المهدي إذا جلس للمظالم، قال: أدخلوا علي القضاة؛ فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى.
وذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: حدثني علي بن صالح، قال:

جلس المهدي ذات يوم يعطي جوائز تقسم بحضرته في خاصته ومن أهل بيته والقواد، وكان يقرأ عليه الأسماء، فيأمر بالزيادة؛ العشرة الآف والعشرين الألف، وما أشبه ذلك، فعرض عليه بعض القواد، فقال: يحط هذا خمسمائة، قال: لم حططتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لأني وجهتك إلى عدو لنا فانهزمت. قال: كان يسرك أن أقتل؟ قال: لا، قال: فوالذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثبت لقتلت، فاستحيا المهدي منه، وقال: زده خمسة آلاف.
قال الحسن: وحدثني علي بن صالح، قال: غضب المهدي على بعض القواد - وكان عتب عليه غير مرة - فقال له: إلى متى تذنب إلي وأعفو؟ قال: إلى أبدٍ نسيء، ويبقيك الله فتعفو عنا؛ فكررها عليه مرات، فاستحيا منه ورضي عنه.
وذكر محمد بن عمر، عن حفص مولى مزينة، عن أبيه، قال: كان هشام الكلبي صديقاً لي، فكنا نتلاقى فنتحدث ونتناشد؛ فكنت أراه في حالٍ رثة وفي أخلاق على بغلة هزيل، والضر فيه بين وعلى بغلته؛ فما راعني إلا وقد لقيني يوماً على بغلة شقراء من بغال الخلافة، وسرج ولجام من سروج الخلافة ولجمها، في ثياب جياد ورائحة طيبة، فأظهرت السرور، ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرةً، قال لي: نعم، أخبرك عنها، فاكتم؛ فبينما وأنا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر؛ إذ أتاني رسول المهدي فسرت إليه، ودخلت عليه وهو جالس خالٍ ليس عنده أحد؛ وبين يديه كتاب، فقال: ادن يا هشام، فدنوت فجلست بين يديه، فقال: خذ هذا الكتاب فاقرأه. ولا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه. قال: فنظرت في الكتاب؛ فلما قرأت بعضه استفظعته، فألقيته من يدي، ولعنت كاتبه، فقال لي: قد قلت لك إن استفظعته فلا تلقه؛ اقرأه بحقي عليك حتى تأتي على آخره! قال: فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلباً عجيبا، لم يبق له فيه شيئاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هذا الملعون الكذاب؟ قال: هذا صاحب الأندلس، قال: قلت: فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته. قال: ثم اندرأت أذكر مثالبهم، قال: فسر بذلك، وقال: أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب. قال: ودعا بكاتب من كتاب السر، فأمره فجلس ناحية، وأمرني فصرت إليه، فصدر الكتاب من المهدي جواباً، وأمللت عليه مثالبهم فأكثرت؛ فلم أبق شيئاً حتى فرغت من الكتاب، ثم عرضته عليه، فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب فختم وجعل في خريطة، ودفع إلى صاحب البريد، وأمر بتعجيله إلى الأندلس. قال: ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب وعشرة آلاف درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطاني ذلك، وقال لي: اكتم ما سمعت.
قال الحسن: وحدثني مسور بن مساور، قال: ظلمني وكيل للمهدي، وغصبني ضيعة لي، فأتيت سلاماً صاحب المظالم، فتظلمت منه وأعطيته رقعة مكتوبة، فأوصل الرقعة إلى المهدي، وعنه عمه العباس بن محمد وابن علاثة وعافية القاضي. قال: قال المهدي: ادنه، فدنوت، فقال: ما تقول؟ قلت: ظلمني، قال: فترضى بأحد هذين؟ قال: قلت: نعم، قال: فادن مني، فدنوت حتى التزقت بالفراش، قال: تكلم، قلت: أصلح الله القاضي! إنه ظلمني في ضيعتي هذا، فقال القاضي: ماتقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي وفي يدي، قال: قلت: أصلح الله القاضي! سله صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ قال: فسأله: ماتقول يا أمير المؤمنين؟ قال: صارت إلي بعد الخلافة. قال: فأطلقها له، قال: قد فعلت، فقال العباس بن محمد: والله يا أمير المؤمنين لذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم.
قال: وحدثني عبد الله بن الربيع، قال: سمعت مجاهداً الشاعر يقول: خرج المهدي متنزهاً، ومعه عمر بن بزيع مولاه، قال: فانقطعنا عن العسكر، والناس في الصيد، فأصاب المهدي جوع، فقال: ويحك! هل من شيء؟ قال: ما من شيء، قال: أرى كوخاً وأظنها مبقلة، فقصدنا قصده، فإذا نبطي في كوخ ومبقلة، فسلمنا عليه، فرد السلام، فقلنا له: هل عندك شيء نأكل؟ قال: نعم عندي ربيثاء وخبز شعير، فقال المهدي: إن كان عندك زيت فقد أكملت، قال: نعم، قال: وكراث؟ قال: نعم، ماشئت وتمر. قال: فعدا نحو المبقلة ، فأتاهم ببقل وكراث وبصل، فأكلا أكلاً كثيراً، وشبعاً، فقال المهدي لعمر بن بزيع: قل في هذا شعراً، فقال:

إن من يطعم الربيثاء بالزي ... ت وخبز الشعير بالكراث
لحقيق بصفعة أو بثنتي ... ن لسوء الصنيع أو بثلاث
فقال المهدي: بئس ما قلت، ليس هكذا...
لحقيق ببدرة أو بثنتي ... ن لحسن الصنيع أو بثلاث
قال: ووافى العسكر والخزائن والخدم فأمر للنبطي بثلاث بدر وانصرف.
وذكر محمد بن عبد الله، قال: أخبرني أبو غانم، قال: كان زيد الهلالي رجلاً شريفاً سخياً مشهوراً من بني هلال؛ وكان نقش خاتمه: " افلح يا زيد من زكا عمله " . فبلغ ذلك المهدي، فقال زيد الهلالي:
زيد الهلالي نقش خاتمه ... أفلح يا زيد من زكا عمله
قال: وقال حسن الوصيف: أصابتنا ريح في أيام المهدي حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب أمير المؤمنين، فوجدته واضعاً خده على الأرض، يقول: اللهم احفظ محمداً في أمته، اللهم لا تشمت بنا أعدائنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك؛ قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنا فيه.
وقال الموصلي: قال عبد الصمد بن علي: قلت للمهدي: يا أمير المؤمنين، إنا أهل بيت قد أشرب قلوبنا حب موالينا وتقديمهم؛ وإنك قد صنعت من ذلك ما أفرطت فيه؛ قد وليتهم أمورك كلها، وخصصتهم في ليلك ونهارك، ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوادك من أهل خراسان، قال: يا أبا محمد ، إن الموالي يستحقون ذلك؛ وليس أحد يجتمع لي فيه أن أجلس للعامة فأدعو به فأرفعه حتى تحك ركبته ركبتي، ثم يقوم من ذلك المجلس، فأستكفيه سياسة دابتي، فيكفيها، لا يرفع نفسه عن ذلك إلا موالي هؤلاء، فإنهم لا يتعاظمهم ذلك؛ ولو أردت هذا من غيرهم لقال: ابن دولتك والمتقدم في دعوتك، وأين من سبق إلى بيعتك، لا أدفعه عن ذلك.
قال علي بن محمد: قال الفضل بن الربيع: قال المهدي لعبد الله بن مالك: صارع مولاي هذا، فصارعه؛ فأخذ بعنقه، فقال المهدي: شد، فلما رأى ذلك عبد الله أخذ برجله فسقط على رأسه فصرعه. فقال عبد الله للمهدي: يا أمير المؤمنين، قمت من عندك وأنا أحب الناس إليك، فلم تزل علي مع مولاك. قال: أما سمعت قول الشاعر:
ومولاك لا يهضم لديك فإنما ... هضيمة مولى القوم جدع المناخر
قال أبو الخطاب: لما حضرت القاسم بن مجاشع التيمي - من أهل مرو بقرية يقال لها باران - الوفاة أوصى إلى المهدي، فكتب: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام ... " ، إلى آخر الآية. ثم كتب: والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارث الإمامة بعده. قال: فعرضت الوصية على المهدي، فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها. قال أبو الخطاب: فلم يزل في قلب أبي عبيد الله الوزير؛ فلما حضرته الوفاة كتب في وصيته هذه الآية. قال: وقال الهيثم بن عدي: دخل على المهدي رجل، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن المنصور شتمني وقذف أمي؛ فإما أمرتني أن أحله؛ وإلا عوضتني واستغفرت الله له. قال: ولم شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته؛ فغضب، قال: ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، قال: إن إبراهيم أمس به رحماً وأوجب عليه حقاً، فإن كان شتمك كما زعمت، فعن رحمه ذب، وعن عرضه دفع؛ وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنه كان عدواً له، قال: فلم ينتصر للعداوة؛ وإنما انتصر للرحم؛ فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولي، قال: لعلك أردت أمراً فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى! قال: نعم، قال: فتبسم وأمر له بخمسة آلاف درهم.
قال: وأتى المهدي برجل قد تنبأ، فلما رآه، قال: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: وإلى من بعثت؟ قال: وتركتموني أذهب إلى من بعثت إليه! وجهت بالغداة فأخذتموني بالعشي، ووضعتموني في الحبس! قال: فضحك المهدي منه، وخلى سبيله.
وذكر أبو الأشعث الكندي، قال: حدثني بن عبد الله، قال: قال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة؛ فما أدري أهو أحسن، أم البهو، أم ثيابه! قال: فقرأ هذه الآية:

" فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " ، قال: فتم صلاته والتفت إلي فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: علي بموسى، وقام إلى صلاته، قال: فقلت: من موسى؟ ابنه موسى، أو موسى بن جعفر، وكان محبوساً عندي! قال: فجعلت أفكر، قال: فقلت: ما هو إلاموسى بن جعفر، قال: فأحضرته، قال: فقطع صلاته، وقال: يا موسى، إني قرأت هذه الآية: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " ، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي. قال: فقال: نعم، فوثق له وخلاه.
وذكر إبراهيم بن أبي علي، قال: سمعت سليمان بن داود، يقول: سمعت المهدي يحدثنا في محراب المسجد على اللحن اليتيم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، في سورة النساء.
وذكر علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: حضرت المهدي وقد جلس للمظالم؛ فتقدم إليه رجل من آل الزبير؛ فذكر ضيعة اصطفاها عن أبيه بعض ملوك بني أميه، ولا أدري: الوليد، أم سليمان! فأمر أبا عبيد الله أن يخرج ذكرها من الديوان العتيق، ففعل، فقرأ ذكرها على المهدي؛ وكان ذلك أنها عرضت على عدة منهم لم يروا ردها؛ منهم عمر بن عبد العزيز، فقال المهدي: يا زبيري، هذا عمر بن عبد العزيز؛ وهو منكم معشر قريش كما علمتم لم يرد ردها، قال: وكل أفعال عمر ترضى؟ قال: وأي أفعاله لا ترضى؟ قال: منها أنه كان يفرض للسقط من بنى أمية في خرقه في الشرف من العطاء، ويفرض للشيخ من بني هاشم في ستين. قال: يا معاوية أكذلك كان يفعل عمر؟ قال: نعم؛ قال: اردد على الزبير ضيعته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:09 pm

وذكر عن عمر بن شبة أن أبا سلمة الغفاري حدثه، قال: كتب المهدي إلى جعفر بن سليمان وهو عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة تهم بالقدر، فحمل إليه رجالاً؛ منهم عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وعبد الله بن يزيد بن قيس الهذلي، وعيسى بن يزيد بن دأب الليثي، وإبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأسامي؛ فأدخلوا على المهدي، فانبرى له عبد الله بن أبي عبيدة بينهم؛ فقال: هذا دين أبيك ورأيه؟ قال: لا، ذاك عمي داود. قال: لا، إلا أبوك، على هذا فارقنا وكان به يدين. فأطلقهم.
وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية، كأني دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد بالفسيفساء فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك؛ وإذا قائل يقول: يمحو هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. قال: قلت: أنا محمد، وأنا من بني هاشم؛ فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن محمد، قلت: فأنا بن محمد، فابن من؟ قال: ابن علي، قلت: فأنا بن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله؛ فابن من؟ قال: عباس؛ فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر. قال: فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ونحن لا نعرف المهدي؛ فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي، فدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه فنظر فرأى اسم الوليد، فقال: إني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، فدعا بكرسي فألقي له في صحن المسجد وقال: ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه. وأمر أن يحضر العمال والسلاليم وما يحتاج إليه، فلم يبرح حتى غير وكتب اسمه.
وذكر أحمد بن الهيثم القرشي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عطاء، قال: خرج المهدي بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد وهي تقول: قومي مقترون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون؛ بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم؛ أبناء سبيل، وأنضاء طريق؛ وصية الله ووصية الرسول؛ فهل من آمر لي بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه الله في أهله! قال: فأمر نصيراً الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.
وذكر علي بن محمد بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول:

كان أول من افترش الطبري المهدي؛ وذلك أن أباه كان أمره بالمقام بالري، فأهدى إليه الطبري من طبرستان، وجعل الثلج والخلاف حوله؛ حتى فتح لهم الخيش، فطاب لهم الطبري فيه.
وذكر محمد بن زياد، قال: قال المفضل: قال لي المهدي: اجمع لي الأمثال مما سمعتها من البدو، وما صح عندك. قال: فكتبت له الأمثال وحروب العرب مما كان فيها؛ فوصلني وأحسن إلي.
قال علي بن محمد: كان الرجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة أراد الوثوب بالشام، فحمل إلى المهدي فخلى سبيله وأكرمه، وقرب مجلسه. فقال له يوماً: أنشدني قصيدة زهير التي هي على الراء، وهي: لمن الديار بقنة الحجر فأنشده، فقال السمري: ذهب والله من يقال فيه مثل هذا الشعر؛ فغضب المهدي واستجهله، ونحاه ولم يعاقبه، واستحمقه الناس.
وذكر أن أبا عون عبد الملك بن يزيد مرض، فعاده المهدي؛ فإذا منزل رث وبناء سوء؛ وإذا طاق صفته التي هو فيها لبن. قال: وإذا مضربة ناعمة في مجلسه، فجلس المهدي على وسادة، وجلس أبو عون بين يديه، فبره المهدي، وتوجع لعلته. وقال أبو عون: أرجو عافية الله يا أمير المؤمنين؛ وألا يميتني على فراشه حتى أقتل في طاعتك؛ وإني لواثق بألا أموت حتى أبلى الله في طاعتك ما هو أهله؛ فإنا قد روينا، قال: فأظهر له المهدي رأياً جميلاً، وقال: أوصني بحاجتك، وسلني ما أردت، واحتكم في حياتك ومماتك؛ فوالله لئن عجز مالك عن شيء توصي به لأحتملنه كائناً ما كان؛ فقل وأوص. قال: فشكر أبو عون ودعا، وقال: يا أمير المؤمنين؛ حاجتي أن ترضى عن عبد الله بن أبي عون، وتدعو به، فقد طالت موجدتك عليه. قال: فقال: يا أبا عون، إنه على غير الطريق، وعلى خلاف رأينا ورأيك؛ إنه يقع في الشيخين أبي بكر وعمر، ويسيء القول فيهما. قال: فقال أبو عون: هو والله يا أمير المؤمنين على الأمر الذي خرجنا عليه، ودعونا إليه؛ فإن كان قد بدا لكم فمرونا بما أحببتم حتى نطيعكم. قال: وانصرف المهدي، فلما كان في الطريق قال لبعض من كان معه من ولده وأهله: ما لكم لا تكونون مثل أبي عون! والله ما كنت أظن منزله إلا مبنياً بالذهب والفضة؛ وأنتم إذا وجدتم درهماً بنيتم بالساج والذهب.
وذكر أبو عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: خطب المهدي يوماً، فقال: عباد الله؛ اتقوا الله؛ فقام إليه رجل، فقال: وأنت فاتق الله؛ فإنك تعمل بغير الحق. قال: فأخذ فحمل، فجعلوا يتلقونه بنعال سيوفهم؛ فلما أدخل عليه قال: يا ابن الفاعلة، تقول لي وأنا على المنبر: اتق الله! قال: سوءة لك! لو كان هذا من غيرك كنت المستعدي بك عليه، قال: ما أراك إلا نبطياً، قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله. قال: فرئي الرجل بعد ذلك؛ فكان يحدث بما جرى بينه وبين المهدي. قال: فقال أبي: وأنا حاضره، إلا أني لم أسمع الكلام.
وقال هارون بن ميمون الخزاعي: حدثنا أبو خزيمة البادغيسي، قال: قال المهدي: ما توسل إلي أحد بوسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياي يداً سلفت مني إليه أتبعها أختها، فأحسن ربها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
قال: وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير، أن أباه حدثه، قال: كان بشار بن برد بن يرجوخ هجا صالح بن داود بن طهمان - أخا يعقوب بن داود - حين ولي البصرة، فقال:
هم حملوا المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر
فبلغ يعقوب بن داود هجاؤه، فدخل على المهدي، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين، قال: ويلك! وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاد ذلك، قال: فأبى عليه إلا أن ينشده، فأنشده:
خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران
قال: فوجه في حمله، فخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدي فيمتدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الخرارة.
وذكر عبد الله بن عمر. حدثني جدي أبو الحي العبسي، قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
أنى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثة الأعمام
فأجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان:

بسبعين ألفاً راشني من حبائه ... ومانالها في الناس من شاعر قبلي
وذكر أحمد بن سليمان، قال: أخبرني أبو عدنان السلمي، قال: قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس شعراً؟ قال: والبة بن الحباب الأسدي، وهو الذي يقول:
ولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح
في القلب يفدح والحشا ... فالقلب مجروح النواحي
قال: صدقت والله ، قال: فما يمنعك من منادمته يا أمير المؤمنين، وهو عربي شريف شاعر ظريف؟ قال: يمنعني والله من منادمته، قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسي
ونم على وجهك لي ساعةً ... إني امرؤ أنكح جلاسي
أفتريد أن يكون جلاسه على هذه الشريطة! وذكر محمد بن سلام أنه كان في زمان المهدي إنسان ضعيف يقول الشعر إلى أن مدح المهدي. قال: فأدخل عليه فأنشده شعراً يقول فيه: وجوارٍ زفرات، فقال له المهدي: أي شيء زفرات؟ قال: وما تعرفها أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا والله، قال: فأنت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعرفها، أعرفها أنا! كلا والله.
قال ابن سلام: أخبرني غير واحد أن طريح بن إسماعيل الثقفي دخل على المهدي فانتسب له، وسأله أن يسمع منه، فقال: ألست الذي يقول للوليد بن يزيد:
أنت بن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الخي والولج
والله لا تقول لي في مثل هذا أبداً، لا أسمع منك شعراً، وإن شئت وصلتك.
وذكر أن المهدي أمر بالصوم سنة ست وستين ليستسقي للناس في اليوم الرابع، فلما كان في الليلة الثالثة أصابهم الثلج، فقال لقيط بن بكير المحاربي في ذلك:
يا إمام الهدى سقينا بك الغي ... ث وزالت عنا بك اللأواء
بت تعنى بالحفظ والناس نوا ... م عليهم من الظلام غطاء
رقدوا حيث طال ليلك فيهم ... لك خوف تضرع وبكاء
وقد عنتك الأمور منهم على الغف ... لة من معشر عصوا وأساءوا
وسقينا وقد قحطنا وقلنا ... سنة قد تنكرت حمراء
بدعاء أخلصته في سواد ال ... ليل لله فاستجيب الدعاء
بثلوج تحيا بها الأرض حتى ... أصبحت وهي زهرة خضراء
وذكر أن الناس في أيام المهدي صاموا شهر رمضان في صميم الصيف، وكان أبو دلامة إذ ذاك يطالب بجائزة وعدها إياه المهدي، فكتب إلى المهدي رقعة يشكو إليه فيها ما لقي من الحر والصوم، فقال في ذلك:
أدعوك بالرحم التي جمعت لنا ... في القرب بين قريبنا والأبعد
إلا سمعت وأنت أكرم من مشى ... من منشدٍ يرجو جزاء المنشد
حل الصيام فصمته متعبدا ... أرجو ثواب الصائم المتعبد
وسجدت حتى جبهتي مشجوجة ... مما أكلف من نطاح المسجد
فلما قرأ المهدي الرقعة دعا به، فقال: أي قرابة بيني وبينك يا ابن اللخناء! قال: رحم آدم وحواء. فضحك منه وأمر له بجائزة.
وذكر علي بن محمد، قال: حدثني أبي، عن إبراهيم بن خالد بن المعيطي قال: دخلت على المهدي - وقد وصف له غنائي - فسألني عن الغناء وعن علمي به، وقال لي: تغني النواقيس؟ قلت: نعم والصليب يا أمير المؤمنين! فصرفني؛ وبلغني أنه قال: معيطي، ولا حاجة لي إليه فيمن أدنيه من خلوتي ولا آنس به.
ولمعبد المغني النواقيس في هذا الشعر:
سلا دار ليلى هل تجيب فتنطق ... وأنى ترد القول بيداء سملق
وأنى ترد القول دار كأنها ... لطول بلاها والتقادم مهرق
وذكر قعنب بن محرز أبو عمرو الباهلي أن الأصمعي حدثه، قال: رأيت حكماً الوادي حين مضى المهدي إلى بيت المقدس، فعرض له من في الطريق، وكان له شعيرات، وأخرج دفاً له يضربه، وقال: أنا القائل:
فمتى تخرج العرو ... س فقد طال حبسها
قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم تقض لبسها
فتسرع إليه الحرس فصيح بهم: كفوا، وسأل عنه فقيل: حكم الوادي، فأدخله إليه ووصله.
وذكر علي بن محمد أنه سمع أباه يقول:

دخل المهدي بعض دوره يوماً فإذا جارية له نصرانية، وإذا جيبها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها؛ وإذا صليب من ذهب معلق في ذلك الموضع؛ فاستحسنه، فمد يده إليه فجذبه، فأخذه، فولولت على الصليب، فقال المهدي في ذلك:
يوم نازعتها الصليب فقالت ... ويح نفسي أما تحل الصليبا!
قال: وأرسل إلى بعض الشعراء فأجازه، وأمر به فغنى فيه، وكان معجباً بهذا الصوت.
قال: وسمعت أبي يقول: إن المهدي نظر إلى جارية له عليها تاج فيه نرجس من ذهب وفضة، فاستحسنه فقال: يا حبذا النرجس في التاج فأرتج عليه، فقال: من بالحضرة؟ قالوا: عبد الله بن مالك، فدعاه، فقال: إني رأيت جارية لي فاستحسنت تاجاً عليها فقلت: يا حبذا النرجس في التاج فتستطيع أن تزيد فيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ ولكن دعني أخرج فأفكر، قال: شأنك، فخرج وأرسل إلى مؤدب لولده فسأله إجازته، فقال: على جبين لاح كالعاج وأتمها أبياتاً أربعة، فأرسل بها عبد الله إلى المهدي، فأرسل إليه المهدي بأربعين ألفاً، فأعطى المؤدب منها أربعة آلاف، وأخذ الباقي لنفسه، وفيها غناء معروف.
وذكر أحمد بن موسى بن مضر أبو علي، قال: أنشدني التوزي في حسنة جاريته:
أرى ماءً وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي
وذكر علي بن محمد، عن أبيه، قال: رأيت المهدي وقد دخل البصرة من قبل سكة قريش، فرأيته يسير والبانوقة بين يديه، وبينه وبين صاحب الشرطة، عليها قباء أسود، متقلدة سيفاً في هيئة الغلمان. قال: وإني لأرى في صدرها شيئاً من ثدييها.
قال علي: وحدثني أبي، قال: قدم المهدي إلى البصرة، فمر في سكة قريش، وفيها منزلنا؛ وكانت الولاة لا تمر فيها إذا قدم الوالي، كانوا يتشاءمون بها - قل والٍ مر فيها فأقام في ولايته إلا يسيراً حتى يعزل - ولم يمر فيها خليفة قط إلا المهدي، كانوا يمرون في سكة عبد الرحمن بن سمرة، وهي تساوي سكة قريش، فرأيت المهدي يسير، وعبد الله بن مالك على شرطه يسير أمامه، في يده الحربة، وابنته البانوقة تسير بينه وبين يديه وبين صاحب الشرطة في هيئة الفتيان، عليها قباء أسود ومنطقة وشاشية، متقلدة السيف، وإني لأرى ثدييها قد رفعا القباء لنهودهما.
قال: وكانت البانوقة سمراء حسنة القد حلوة. فلما ماتت - وذلك ببغداد - أظهر عليها المهدي جزعاً لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر ألا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس من التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة؛ فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الله خير لها منك، وثواب الله خير لك منها، وأنا أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك.
وقد ذكر صباح بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: توفيت البانوقة بنت المهدي، فدخل عليه شبيب بن شيبة، فقال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك صبراً، لا أجهد الله بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمةً؛ ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك؛ وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده.
خلافة الهادي وفي هذه السنة بويع لموسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة، يوم توفي المهدي، وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان؛ وكانت وفاة المهدي بماسبذان ومعه ابنه هارون، ومولاه الربيع ببغداد خلفه بها؛ فذكر أن الموالي والقواد لما توفي المهدي اجتمعوا إلى ابنه هارون، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، والرأي أن يحمل، وتنادي في الجند بالقفل حتى تواريه ببغداد. فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد البرمكي - وكان المهدي ولى هارون المغرب كله؛ من الأنبار إلى إفريقية؛ وأمر يحيى بن خالد أن يتولى ذلك، فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلفه على ما يتولى منها إلى أن توفي - قال: فصار يحيى بن خالد إلى هارون، فقال له: يا أبت، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضل؟ قال: وما قالوا؟ فأخبره، قال: ما أرى ذلك، قال: ولم؟ قال:

لأن هذا ما لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخليه حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكموا ويشتطوا؛ ولكن أرى أن يوارى رحمه الله ها هنا؛ وتوجه نصيراً إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية؛ فإن البريد إلى نصير؛ فلا ينكر خروجه أحد إذ كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز؛ مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالقفول؛ فإنهم إن قبضوا الدراهم لم تكن لهم همة سوى أوطانهم؛ ولا عرجة على شيء دون بغداد. قال: نفعل ذلك. وقال الجند لما قبضوا الدراهم: بغداد بغداد! يتبادرون إليها، ويبعثون على الخروج من ماسبذان؛ فلما وافوا بغداد، وعلموا خبر الخليفة، ساروا إلى باب الربيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق، وضجوا. وقدم هارون بغداد، فبعثت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك؛ فأمل الربيع فدخل عليها، وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدة غيرة موسى.
قال: وجمعت الأموال حتى أعطي الجند لسنتين، فسكتوا؛ وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الربيع كتاباً يتوعده فيه بالقتل، وكتب إلى يحيى بن خالد يجزيه الخير، ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به، وأن يتولى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولاه.
قال: فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد - وكان يوده، ويثق به، ويعتمد على رأيه: يا أبا علي، ما ترى؟ فإنه لاصبر لي على جر الحديد. قال: أرى ألا تبرح موضعك، وأن توجه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك؛ فإني لأرجو ألا يرجع إلا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. قال: وكانت أم الفضل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما؛ فقالت له: نصحك والله. قال: فإني أحب أن أوصي إليك؛ فإني لا أدري ما يحدث. فقال: لست أنفرد لك بشيء، ولا أدع لك ما يجب، وعندي في هذا وغيره ما تحب؛ ولكن أشرك معي في ذلك ابنك الفضل وهذه المرأة؛ فإنها جزلة مستحقة لذلك منك. ففعل الربيع ذلك وأوصى إليهم.
قال الفضل بن سليمان: ولما شغب الجند على الربيع ببغداد وأخرجوا من كان في حبسه، وأحرقوا أبواب دوره في الميدان، حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن إبراهيم ذلك؛ فرأى العباس أن يرضوا، وتطيب أنفسهم، وتفرق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم؛ فبذل ذلك لهم فلم يرضوا، ولم يثقوا مما ضمن لهم من ذلك؛ حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه وتفرقوا، فوفى لهم بذلك، وأعطوا رزق ثمانية عشر شهراً؛ وذلك قبل قدوم هارون. فلما قدم - وكان هو خليفة موسى الهادي - ومعه الربيع وزيراً له وجه الوفود إلى الأمصار، ونعى إليهم المهدي، وأخذ بيعتهم لموسى الهادي؛ وله بولاية العهد من بعده؛ وضبط أمر بغداد. وقد كان نصير الوصيف شخص من ماسبذان من يومه إلى جرجان بوفاة المهدي والبيعة له؛ فلما صار إليه نادى بالرحيل، وخرج من فوره على البريد جواداً ومعه من أهل بيته إبراهيم وجعفر، ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله، ومحمد بن جميل كاتب جنده. فلما شارف مدينة السلام استقبله الناس من أهل بيته وغيرهم؛ وقد كلن احتمل على الربيع ما كان منه وما صنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه؛ وقد كان الربيع وجه ابنه الفضل؛ فتلقاه بما أعد له من الهدايا؛ فاستقبله بهمذان، فأدناه وقربه، وقال: كيف خلفت مولاي؟ فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الربيع، فعاتبه الهادي فاعتذر إليه؛ وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك، فقبله، وولاه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى، وضم إليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزمام، وولى محمد بن جميل ديوان خراج العراقين، وولى عبيد الله بن زياد خراج الشام وما يليه، وأقر على حرسه علي بن عيسى بن ماهان، وضم إليه ديوان الجند، وولى شرطة عبد الله بن مالك مكان عبد الله بن خازم، وأقر الخاتم في يد علي بن يقطين.
وكانت موافاة موسى الهادي بغداد عند منصرفه من جرجان لعشر بقين من صفر في هذه السنة، سار - فيما ذكر عنه - من جرجان إلى بغداد في عشرين يوماً، فلما نزل القصر الذي يسمى الخلد؛ فأقام به شهراً، ثم تحول إلى بستان أبي جعفر، ثم تحول إلى عيساباذ.
وفي هذه السنة هلك الربيع مولى أبي جعفر المنصور.

وقد ذكر علي بن محمد النوفلي أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادي جارية، وكانت حظية عنده، وكانت تحبه وهو بجرجان حين وجهه إليها المهدي، فقالت أبياتاً، وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان، منها:
يا بعيد المحل أم ... سى بجرجان نازلا
قال: فلما جاءته البيعة وانصرف إلى بغداد؛ لم تكن له همة غيرها، فدخل عليها وهي تغني بأبياتها، فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس.
وفي هذه السنة اشتد طلب موسى الزنادقة؛ فقتل منهم فيها جماعة؛ فكان ممن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه علي بن يقطين من أهل النهروان؛ ذكر عنه أنه حج فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون، فقال: ما أشبههم إلا ببقر تدوس في البيدر. وله يقول العلاء بن حداد الأعمى:
أيا أمين الله في خلقه ... ووراث الكعبة والمنبر
ماذا ترى في رجل كافر ... يشبه الكعبة بالبيدر
ويجعل الناس إذا ما سعوا ... حمراً تدوس البر والدوسر!
فقتله موسى ثم صلبه، فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره. وقتل من بني هاشم يعقوب بن الفضل.
وذكر عن علي بن محمد الهاشمي، قال: كان المهدي أتى بابن لداود ابن على زنديقاً، وأتى بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقاً، في مجلسين متفرقين، فقال لكل واحد منهما كلاماً واحداً، وذلك بعد أن أقرا له بالزندقه، أما يقعوب بن الفضل فقال له: أقر بها بيني وبينك؛ فأما أن أظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض، فقال له: ويلك! لو كشفت لك السموات، وكان الامر كما تقول، كنت حقيقا أن تغضب لمحمد، ولولا محمد صلى الله عليه من كنت! هل كنت إلا إنساناً من الناس! أما والله لولا أني كنت جعلت لله على عهداً إذا ولاني هذا الامر ألا أقتل هاشمياً لما ناظرتك ولقتلتك. ثم التفت إلى موسى الهادي، فقال: يا موسى، أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الامر بعدي ألا تناظرهما ساعة واحدة. فمات ابن داود بن علي في الحبس قبل وفاة المهدي؛ وأما يعقوب فبقي حنى مات المهدي. وقدم موسى من جرجان فساعة دخل، ذكر وصية المهدي، فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشأً، واقعدت الرجال عليه حتى مات. ثم لها عنه ببيعته وتشديد خلافته؛ وكان ذلك في يوم شديد الحر، فبقي يعقوب حتى مضى من الليل هدء، فقيل لموسى: يا أمير المؤمنين، إن يعقوب قد انتفخ وأروح. قال: ابعثوا به إلى أخيه إسحاق بن الفضل، فخبروه أنه مات في السجن. فجعل في زورق واتي به إسحاق، فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل، فدفنه في بستان له من ساعته، وأصبح فأرسل إلى الهاشميين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة، وأمر بخشبة فعملت في قد الإنسان فغشيت قطنا، وألبسها أكفاناً، ثم حملها على السرير، فلم يشك من حضرها أنه شيء مصنوع.
وكان ليعقوب ولد من صلبه: عبد الرحمن والفضل وأروى فاطمة، فأما فاطمة فوجدت حبلى منه، وأقرت بذلك.
قال علي بن محمد: قال أبي: فأدخلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل - وليست بهاشمية، يقال لها خديجة - على الهادي - أو على المهدي من قبل - فأقرتا بالزندقة، وأقرت فاطمة أنها حامل من أبيها، فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبي العباس، فرأتهما مكتحلتين مختضبتين، فعذلتهما، وأكثرت على الابنة خاصة، فقالت : أكرهني، فقالت: فما بال الخضاب والكحل والسرور؛ إن كنت مكرهة! ولعنتهما. قال: وخبرت أنهما فزعتا فماتتا فزعاً، ضرب على رأسيهما بشيء يقال له الرعبوب. ففزعتا منه، فماتتا. وأما أروى فبقيت فتزوجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل؛ وكان رجلاً لا بأس به في دينه.
وفيها قدم ونداهرمز صاحب طبرستان إلى موسى بأمان، فأحسن صلته، ورده إلى طبرستان.
ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت سنة تسع وستين ومائةخروج الحسين بن علي بن الحسن بفخ ومما كان فيها خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بفخ.
ذكر الخبر عن خروجه ومقتلهذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال: كان بين موت المهدي وخلافة الهادي ثمانية أيام. قال:

ووصل إليه الخبر وهو بجرجان، وإلى أن قدم من مدينة السلام إلى خروج الحسين بن علي بن الحسن، وإلى أن قتل الحسين، تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً.
وذكر محمد بن صالح، أن أبا حفص السلمي حدثه، قال: كان إسحاق بن عيسى بن علي على المدينة، فلما مات المهدي واستخلف موسى، شخص إسحاق وافداً إلى العراق إلى موسى، واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إسحاق بن عيسى بن علي استعفى الهادي وهو على المدينة، واستأذنه في الشخوص إلى بغداد، فأعفاه، وولى مكانه عمر بن عبد العزيز. وإن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد بن أبي حفص السلمي - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الشاعر الهذلي وعمر بن سلام مولى آل عمر على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعاً، ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فكلم فيهم، وصار إليه الحسين بن علي فكلمه، وقال: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم؛ لأن أهل العراق لا يرون به بأساً، فلم تطوف بهم! فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردهم، وأمر بهم إلى الحبس، فحبسوا يوماً وليلة، ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعاً؛ وكانوا يعرضون، ففقد الحسن بن محمد، وكان الحسين بن علي كفيله.
قال محمد بن صالح: وحدثني عبد الله بن محمد الأنصاري أن العمري كان كفل بعضهم من بعض؛ فكان الحسين بن علي بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن؛ وكان قد تزوج مولاةً لهم سوداء ابنة أبي ليث مولى عبد الله بن الحسن؛ فكان يأتيها فيقيم عندها، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وعرضهم خليفة العمري عشية الجمعة، فأخذ الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله؛ فسألهما عن الحسن بن محمد؛ فغلظ عليهم بعض التغليظ، ثم انصرف إلى العمري فأخبره خبرهم، وقال له: أصلحك الله! الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث، فقال: ائتني بالحسين ويحيى؛ فذهب فدعاهما، فلما دخلا عليه، قال لهما: أين الحسن بن محمد؟ قالا: والله ما ندري؛ إنما غاب عنا يوم الأربعاء، ثم كان يوم الخميس؛ فبلغنا أنه اعتل، فكنا نظن أن هذا اليوم لا يكون فيه عرض؛ فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه، فحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره؛ حتى يعلم أنه قد جاءه به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسناً! حلفت له بشيء لا تقدر عليه. قال: إنما حلفت على حسن، قال: سبحان الله! فعلى أي شيء حلفت! قال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف. قال: فقال حسين: تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة، قال: قد كان الذي كان فلا بد منه.
وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة في الموسم - فيما ذكروا - وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم - وممن كان بايع الحسين - متكمنين في دار، فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيتهم ومن ليلتهم، حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا. وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمري، فلم يجده فيها، فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضاً فيها، وتوارى منهم، فجاءوا حتى اقتحموا المسجد حين أذنوا بالصبح؛ فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء؛ وجعل الناس يأتون المسجد؛ فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون، فلما صلى الغداة جعل الناس يأتونه، ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم للمرتضى من آل محمد. وأقبل خالد البربري؛ وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة، وأقبل فيمن معه، وجاء العمري ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشروي؛ ومعهم ناس كثير؛ فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار، واقتحم خالد البربري الرحبة، وقد ظاهر بين درعين، وبيده السيف، وعمود في منطقته، مصلتاً سيفه، وهو يصيح بحسين:

أنا كسكاس، قتلني الله إن لم أقتلك! وحمل عليهم حتى دنا منهم؛ فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن: يحيى وإدريس، فضربه يحيى على أنف البيضة فقطعها وقطع أنفه، وشرقت عيناه بالدم فلم يبصر، فبرك يذبب عن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه، وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه، وشد أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه، وانتزعوا سيفه وعموده، فجاءوا به. ثم أمروا به فجر إلى البلاط، وحملوا على أصحابه فانهزموا. قال عبد الله بن محمد: هذا كله بعيني.
وذكر عبد الله بن محمد أن خالداً ضرب يحيى بن عبد الله، فقطع البرنس، ووصلت ضربته إلى يد يحيى فأثرت فيها، وضربه يحيى على وجهه، واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خلفه، فضربه على رجليه، واعتوروه بأسيافهم فقتلوه.
قال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسودة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره، وشدت المبيضة فأخرجوهم، وصاح بهم الحسين: ارفقوا بالشيخ - يغني الحسين بن جعفر - وانتهب بيت المال، فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار، فضلت من العطاء - وقيل: إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك، يفرض بها من خزاعة - قال: وتفرق الناس، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابهم؛ فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزوراء، وجعل المسودة يحملون على المبيضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل، وتحمل المبيضة عليهم حتى يبلغ بهم الزوراء. وفشت الجراحات بين الفريقين جميعاً، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحد، جاء الخبر بأن مباركاً التركي ينزل بئر المطلب، فنشط الناس، فخرجوا إليه فكلموه أن يجيء، فجاء من الغد حتى أتى الثنية، واجتمع الناس إليه شيعة بني العباس ومن أراد القتال، فاقتتلوا بالبلاط أشد قتال إلى انتصاف النهار، ثم تفرقوا. وجاء هؤلاء إلى المسجد، ومضى الآخرون إلى مبارك التركي، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يقيل فيها، وواعد الناس الرواح، فلما غفلوا عنه، جلس على رواحله فانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فناوشوهم شيئاً من القتال إلى المغرب، ثم تفرقوا، وأقام حسين وأصحابه أياماً يتجهزون. وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوماً، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا؛ وعاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون الله عليهم، ففعل الله بهم وفعل.
قال محمد بن صالح: فحدثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجمحي، أن حسيناً لما انتهى إلى السوق متوجهاً إلى مكة التفت إلى أهل المدينة، وقال: لا خلف الله عليكم بخير! فقال الناس وأهل السوق: لا بل أنت؛ لا خلف الله عليك بخير، ولا ردك! وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فملؤوه قذراً وبولاً؛ فلما خرجوا غسل الناس المسجد.
قال: وحدثني ابن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد، فجعلوها خفاتين لهم، قال: ونادى أصحاب الحسين بمكة: أيما عبد أتانا فهو حر؛ فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبي؛ فكان معه؛ فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبي فكلمه، وقال له: عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم، بم تستحل ذلك! فقال حسين لأصحابه: اذهبوا به، فأي عبد عرفه فادفعوه إليه؛ فذهبوا معه، فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا.
وانتهى خبر الحسين إلى الهادي، وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته؛ منهم محمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى، سوى من حج من الأحداث. وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر، فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب، فقيل له: عمك العباس بن محمد! قال:

دعوني لا والله لا أخدع عن ملكي؛ فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن علي على الحرب، فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح والرجال؛ وذلك لأن الطريق كان مخوفاً معوراً من الأعراب؛ ولم يحتشد له الحسين؛ فأتاه خبرهم، فهم بصوبه، فخرج بخدمه وإخوانه. وكان موسى بن علي بن موسى قد صار ببطن نخل، على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم، وساروا إلى مكة فدخلوا، فأقبل محمد بن سليمان، وكانوا أحرموا بعمرة. ثم صاروا إلى ذي طوىً، فعسكروا بها، ومعهم سليمان بن أبي جعفر؛ فانضم إليهم من وافى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقوادهم. وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحج وكثروا جداً. ثم قدم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافراً ما بين فرس إلى بغل، وهو على نجيب عظيم، وخلفه أربعون راكباً على النجائب عليها الرحال وخلفهم مائتا راكب على الحمير، سوى من كان معهم من الرجالة وغيرهم، وكثروا في أعين الناس جداً وملئوا صدورهم فظنوا أنهم أضعافهم، فطافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، وأحلوا من عمرتهم، ثم مضوا فأتوا ذا طوىً ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجه محمد بن سليمان أبا كامل - مولى لإسماعيل بن علي - في نيفٍ وعشرين فارساً؛ وذلك يوم فلقيهم. وكان في أصحابه رجل يقال له زيد، كان انقطع إلى العباس، فأخرجه معه حاجاً لما رأى من عبادته، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه، وانقلب إليهم؛ وذلك ببطن مر، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدخاً بالأعمدة؛ فلما كان ليلة السبت وجهوا خمسين فارساً، كان أول من ندبوا صباح أبو الذيال، ثم آخر ثم آخر؛ فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامساً، فأتوا المفضل مولى المهدي، فأرادوا أن يصيروا عليهم، فأبى وقال: لا، ولكن صيروا عليهم غيري وأكون أنا معهم، فصيروا عليهم عبد الله بن حميد بن رزين السمرقندي - وهو يومئذ شاب بن ثلاثين سنة - فذهبوا وهم خمسون فارساً؛ وذلك ليلة السبت. فدنا القوم، وزحفت الخيل، وتعبأ الناس؛ فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة، ومحمد بن سليمان في الميمنة؛ وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشد ثلاثة من موالي سليمان بن علي - أحدهم زنجويه غلام حسان - فجاءوا برأس فطرحوه قدام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: من جاء برأس فله خمسمائة درهم - وجاء أصحاب محمد فعرقبوا الإبل، فسقطت محاملها. فقتلوهم وهزموهم؛ وكانوا خرجوا من تلك الثنايا، فكان الذين خرجوا مما يلي محمد بن سليمان أقلهم، وكان جلهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسى وأصحابه؛ فكانت الصدمة بهم؛ فلما فرغ محمد بن سليمان ممن يليه وأسفروا، نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى؛ فإذا هم مجتمعون كأنهم كبة غزل، والتفت الميمنة والقلب عليهم، وانصرفوا نحو مكة لا يدرون ما حال الحسين؛ فما شعروا وهم بذي طوىً أو قريباً منها إلا برجل من أهل خراسان، يقول: البشرى البشرى! هذا رأس حسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولاً، وعلى قفاه ضربة أخرى؛ وكان الناس نادوا بالأمان حيث فرغوا،فجاء الحسن بن محمد أبو الزفت مغمضاً إحدى عينيه، وقد أصابها شيء في الحرب، فوقف خلف محمد والعباس، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس. فأمر به فقتل، فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضباً شديداً. ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق، واحتزت الرؤوس؛ فكانت مائة رأس ونيفاً؛ فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية، وأخذت أخت الحسين، وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان، واختلطت المنهزمة بالحجاج، فذهبوا، وكان سليمان بن أبي جعفر شاكياً فلم يحضر القتال، ووافى عيسى بن جعفر الحج تلك السنة؛ وكان مع أصحاب حسين رجل أعمى يقص عليهم فقتل، ولم يقتل أحد منهم صبراً.
قال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة، ومولى لبنى عجل آخر.
قال محمد بن صالح: حدثني محمد بن داود بن علي، قال: حدثنا موسى بن عيسى، قال: قدمت معي بستة أسارى فقال لي الهادي: هيه! تقتل أسيري! فقلت يا أمير المؤمنين، إني فكرت فيه فقلت:

تجيء عائشة وزينب إلى أم أمير المؤمنين، فتبكيان عندها وتكلمانها، فتكلم له أمير المؤمنين فيطلقه. ثم قال: هات الأسرى، فقلت: إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق، فقال: ائتني بهم، وأمر باثنين فقتلا،وكان الثالث منكراً، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ هذا أعلم الناس بآل أبي طالب؛ فإن استبقيته دلك على كل بغية لك، فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ إني أرجو أن يكون بقائي صنعاً لك. فأطرق ثم قال: والله لإفلاتك من يدي بعد أن وقعت في يدي لشديد؛ فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخر، وأمره أن يكتب له طلبته، وأما الآخر فصفح عنه، وأمر بقتل عذافر الصيرفي وعلي بن السابق القلاس الكوفي، وأن يصلبا، فصلبوهما بباب الجسر، وكانا أسرا بفخ. وغضب على مبارك التركي، وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدواب، وغضب على موسى بن عيسى لقتله حسن بن محمد، وأمر بقبض أمواله.
وقال عبد الله بن عمر الثلجي: حدثني محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من وقعة فخ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر، وعلى بريد مصر على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها وليلة، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه.
ويقال: إن الرشيد الذي ضرب عنقه، وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي، وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقية، فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبب، وأنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه؛ وأقبل الشماخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكل منزلة. ثم إنه شكا إليه علة في أسنانه، فأعطاه سنوناً مسموماً قاتلاً، وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر لليلته؛ فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون، وجعل يرده في فيه، ويكثر منه، فقتله. وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس؛ فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولى الشماخ بريد مصر وأجاره، فقال بعض الشعراء - أظنه الهنازي:
أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يفيد فرار
فليدركنك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار
إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وقصر دونها الأعمار
ملك كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال: تطيعه الأقدار
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن الحسين بن علي لما خرج بالمدينة وعليها العمري لم يزل العمري متخفياً مقام الحسين بالمدينة، حتى خرج إلى مكة. وكان معه الهادي وجه سليمان بن أبي جعفر لولاية الموسم، وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحج العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة، ومحمد بن سلمان وعدة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة، ومن الموالي مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادي - وكان صاحب الأمر سليمان - ومن الوجوه المعروفين يقطين بن موسى وعبيد بن يقطين وأبو عمر بن مطرف؛ فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجه الحسين ومن معه إلى مكة، ورأسوا عليهم سليمان بن أبي جعفر لولايته؛ وكان قد جعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع، فلقوه بفخ، وخلفوا عبيد الله بن قثم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها؛ وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا، وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة لأرحامهم؛ وكان رسولهم في ذلك المفضل الخادم، فأبوا قبول ذلك، فكانت الوقعة، فقتل من قتل، وانهزم الناس، ونودي فيهم بالأمان، ولم يتبع هارب؛ وكان فيمن هرب يحيى بن وإدريس ابنا عبد الله بن حسن؛ فأما إدريس فلحق بتاهرت من بلاد المغرب، فلجأ إليهم فأعظموه؛ فلم يزل عندهم إلى أن تلطف له، واحتيل عليه، فهلك، وخلفه ابنه إدريس بن إدريس؛ فهم إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث.
قال المفضل بن سليمان: لما بلغ العمري وهو بالمدينة مقتل الحسين بفخ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممن خرج مع الحسين، فهدمها وحرق النخل، وقبض ما لم يحرقه، وجعله في الصوافي المقبوضة. قال:

وغضب الهادي على مبارك التركي لما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة، وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه؛ فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادي، وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبي الزفت؛ وتركه أن يقدم به أسيراً، فيكون المحكم في أمره، وأمر بقبض أمواله، فلم تزل مقبوضة إلى أن توفي موسى. وقدم على موسى ممن أسر بفخ الجماعة، وكان فيهم عذافر الصيرفيوعلي بن سابق القلاس الكوفي، فأمر بضرب أعناقهما وصلبهما بباب الجسر ببغداد؛ ففعل ذلك. قال: ووجه مهرويه مولاه إلى الكوفة، وأمره بالتغليظ عليهم لخروج من خرج منهم مع الحسين.
وذكر علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: حدثني يوسف البرم مولى آل الحسن - وكانت أمه مولاة فاطمة بنت حسن - قال: كنت مع حسين أيام قدم علي المهدي، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة؛ ووالله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئاً يلبسه إلا فرواً مل تحته قميص وإزار الفراش؛ ولقد كان في طريقه إلى المدينة؛ إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم. قال علي: وحدثني السري أبو بشر، وهو حليف بني زهرة، قال: صليت الغداة في اليوم الذي خرج فيه الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ، فصلى بنا حسين، وصعد المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه؛ إذ أقبل خالد البربري في أصحابه؛ فلما أراد أن يدخل المسجد بدره يحيى بن عبد الله، فشد عليه البربري؛ وإني لأنظر إليه، فبدره يحيى بن عبد الله، فضربه على وجهه، فأصاب عينيه وأنفه، فقطع البيضة والقلنسوة، حتى نظرت إلى قحفه طائراً عن موضعه، وحمل على أصحابه فانهزموا. ثم رجع إلى حسين، فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دماً، فتكلم حسين، فحمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس، فقال في آخر كلامه: يا أيها الناس، أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله، وفي مسجد رسول الله، وعلى منبر نبي الله، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لي في أعناقكم. قال: وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيراً، فكانوا قد ملئوا المسجد؛ فإذا رجل قد نهض، حسن الوجه، طويل القامة، عليه رداء ممشق، أخذ بيد ابن له شاب جميل جلد، فتخطى رقاب الناس؛ حتى انتهى إلى المنبر، فدنا من حسين، وقال: يا بن رسول الله، خرجت من بلد بعيد وابني هذا معي، وأنا أريد حج بيت الله وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يخطر ببالي هذا الأمر الذي حدث منك؛ وقد سمعت ما قلت، فعندك وفاء بما جعلت على نفسك؟. قال: نعم، قال: ابسط يدك فأبايعك، قال: فبايعه، ثم قال لابنه: ادن فبايع. قال: فرأيت والله رءوسهما في الرءوس بمنىً، وذلك أني حججت في ذلك العام.
قال: وحدثني جماعة من أهل المدينة أن مباركاً التركي أرسل إلى حسين بن علي: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أيسر علي من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة؛ ولكن لا بد من الإعذار؛ فبيتني فإني منهزم عنك. فأعطاه بذلك عهد الله وميثاقه. قال: فوجه إليه الحسين - أو خرج إليه - في نفر يسير، فلما دنوا من عسكره وصاحوا وكبروا، فانهزم أصحابه حتى لحق موسى بن عيسى.
وذكر أبو المضرحي الكلابي، قال: أخبرني المفضل بن محمد بن المفضل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، أن الحسين بن علي بن حسن بن حسن، قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه - وكان قد وعدوه أن يوافوه، فتخلفوا عنه - متمثلاً:
من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجباً ... موتاً على عجل أو عاش منتصفاً
لا تقربوا السهل إن السهل يفسدكم ... لن تدركوا المجد حتى تضربوا عنفاً
وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد الله بن محمد المنقري حدثه عن أبيه، قال: دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ، فوجده خائفاً يلتمس عذراً من قتل من قتل، فقال له: أصلح الله الأمير! أنشدك شعراً كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنه؟ قال: أنشدني، فأنشده، قال:

يا أيها الراكب الغادي لطيته ... على عذافرة في سيرها قحم
أبلغ قريشاً على شحط المزار بها ... بيني وبين الحسين الله والرحم
وموقفٍ بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما تعرى له الذمم
عنفتم قومكم فخراً بأمكم ... أم حصان لعمري برة كرم
هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت النبي وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل وغيركم ... من قومكم لهم من فضلها قسم
إني لأعلم أو ظناً كعالمه ... والظن يصدق أحياناً فينتظم
أن سوف يترككم ما تطلبون بها ... قتلى تهاداكم العقبان والرخم
يا قومن لا تشبوا الحرب إذ خمدت ... ومسكوا بحبال السلم واعتصموا
لا تركبوا البغي إن البغي مصرعة ... وإن شارب كاس البغي يتخم
قد جرب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً ... فرب ذي بذخ زلت به القدم
قال: فسرى موسى بن عيسى بعض ما كان فيه.
وذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أن العلاء حدثه أن الهادي أمير المؤمنين لما ورد عليه خلع أهل فخ خلا ليلة يكتب كتاباً بخطه، فاغتم بخلوته مواليه وخاصته، فدسوا غلاماً له، فقالوا: اذهب حتى تنظر إلى أي شيء انتهى الخبر، قال: فدنا من موسى، فلما رآه قال: ما لك؟ فاعتل عليه، قال: فأطرق ثم رفع رأسه إليه، فقال:
رقد الألى ليس السرى من شأنهم ... وكفاهم الإدلاج من لم يرقد
وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي؛ قال: حدثنا الأصمعي، قال: قال محمد بن سليمان ليلة فخ لعمرو بن أبي عمرو المدني - وكان يرمي بين يديه بين الهدفين: ارم، قال: لا والله لا أرمي ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إني إنما صحبتك لأرمي بين يديك بين الهدفين، ولم أصحبك لأرمي المسلمين.
قال: فقال المخزومي: ارم، فرمى فما فمات إلا بالبرص.
قال: ولما قتل الحسين بن علي وجاء برأسه يقطين بن موسى، فوضع بين يدي الهادي، قال: كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئاً.
وقال موسى الهادي: لما قتل الحسين متمثلاً:
قد أنصف القارة من رماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخراها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:11 pm

وغزا الصائفة في هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم أقبلت مع البطريق إلى الحدث؛ فهرب الوالي والجند وأهل الأسواق، فدخلها العدو، ودخل أرض العدو معيوف بن يحيى، فبلغ مدينة أشنة، فأصابوا سبايا وأسارى وغنموا.
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور.
وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم، وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة، وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني، وعلى عمان الحسن بن تسنيم الحواري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتها وبهقباذ الأسفل موسى بن عيسى، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان. وعلى قضائها عمر بن عثمان، وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي، وعلى قومس زياد بن حسان، وعلى طبرستان و الرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي، وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي.
ثم دخلت سنة سبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بإفريقية فيها، ووليها بعده روح بن حاتم.
وفيها مات عبد الله بن مروان بن محمد في المطبق.
ذكر الخبر عن وفاة موسى الهاديوفيها توفي موسى الهادي بعيساباذ. واختلف في السبب الذي كان بعد وفاته، فقال بعضهم: كانت وفاته من قرحة كانت في جوفه. وقال آخرون: كانت وفاته من قبل جوارٍ لأمه الخيزران؛ كانت أمرتهن بقتله لأسباب نذكر بعضها.
ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله كانت أمرتهن بقتلهذكر يحيى بن الحسن أن الهادي نابذ أمه ونافرها؛ لما صارت إليه الخلافة، فصارت خالصة إليه يوماً، فقالت: إن أمك تستكسيك، فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة. قال:

ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقر. قال: وكانت الخيزران في أول خلافة موسى تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي، فأرسل إليها ألا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل؛ فإنه ليس من قدر النياء الاعتراض في أمر الملك؛ وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك؛ ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. قال: وكانت الخيزران في خلافة موسى كثيراً ما تكلمه في الحوائج؛ فكان يجيبها إلى كل ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها، وطمعوا فيها؛ فكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ قال: فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلا، فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. قال: فغضب موسى وقال: ويل على بن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها؛ والله لا قضيتها لك، قالت: إذاً والله لا سألتك حاجة أبداً، قال: إذاً والله لا أبالي. وحمي وغضب. فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعي كلامي والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه؛ ولأقبضن ماله؛ فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم! أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك! إياك ثم إياك؛ ما فتحت بابك لملي أو لذمي. فانصرفت ما تعقل ما تطأ؛ فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها.
قال يحيى بن الحسن: وحدثني أبي، قال: سمعت خالصة تقول للعباس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمه الخيزران بأرزةٍ، وقال: استطبتها فأكلت منها، فكلي منها. قالت خالصة: فقلت لها: أمسكي حتى تنظري؛ فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه، فجاءوا بكلب فأكل منها، فتساقط لحمه؛ فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزة؟ فقالت: وجدتها طيبة، فقال: لم تأكلي؛ ولو أكلت لكنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أم! قال وحدثني بعض الهاشميين، أن سبب موت الهادي كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزران على هارون منه، دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه، ووجهت إلى يحيى بن خالد: إن الرجل قد توفي، فاجدد في أمرك ولا تقصر.
وذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أن الفضل بن سعيد حدثه، عن أبيه، قال: كان يتصل بموسى وصول القواد إلى أمه الخيزران، يؤملون بكلامها في قضاء حوائجهم عنده، قال: وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلبت على أمر المهدي؛ فكان يمنعها من ذلك ويقول: ما للنساء والكلام في أمر الرجال! فلما كثر عليه مصير من يصير إليها من قواده، قال يوماً وقد جمعهم: أيما خير؟ أنا أو أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين؛ قال: فأيما خير؛ أمي أو أمهاتكم؟ قالوا: بل أمك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا: فعلت أم فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟ قالوا: ما أحد منا يحب ذلك، قال: فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشق ذلك عليها فاعتزلته، وحلفت ألا تكلمه؛ فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة.
ذكر الخبر عما كان من خلع الهادي للرشيدوكان السبب في إرادة موسى الهادي خلع أخيه هارون حتى اشتد عليه في ذلك وجد - فيما ذكر صالح بن سليمان - أن الهادي لما أفضت إليه الخلافة أقر يحيى بن خالد على ما كان يلي هارون من عمل المغرب؛ فأراد الهادي خلع هارون الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادي، وتابعه على ذلك القواد؛ منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بم مالك وعلي بن عيسى ومن أشبههم؛ فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر بن موسى، ودسوا إلى الشيعة؛ فتكلموا في أمره، وتنقصوه في مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به، وصعب أمرهم حتى ظهر؛ وأمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه؛ فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه.

وكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرشيد ولا يفارقه هو وولده - فيما ذكر. قال صالح: وكان إسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد، فأحب أن يضعه موضعاً يستعلم له فيه الأخبار، وكان إبراهيم الحراني في موضع الوزارة لموسى، فاستكتب إسماعيل، ورفع الخبر إلى الهادي؛ وبلغ ذلك يحيى بن خالد، فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حران، فسار إليها؛ فلما كان بعد أشهر سأل الهادي إبراهيم الحراني: من كاتبك؟ قال: فلان كاتب، وسماه، فقال: أليس بلغني أن إسماعيل بن صبيح كاتبك؟ قال: باطل يا أمير المؤمنين؛ إسماعيل بحران.
قال: وسعى إلى الهادي بيحيى بن خالد، وقيل له: إنه ليس عليك من هارون خلاف؛ وإنما يفسده يحيى بن خالد، فابعث إلى يحيى، وتهدده بالقتل؛ وارمه بالكفر؛ فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد.
وذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى بن خالد حدثه، قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلاً، فأيس من نفسه، وودع أهله، وتحنط وجدد ثيابه، ولم يشك أنه يقتله؛ فلما أدخل عليه، قال: يا يحيى، ما لي ولك! قال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين؛ فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي! قال: يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما! إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره؛ فقمت بما أمرني به، ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك. قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئاً، ولا ذلك فيه ولا عنده. قال: فسكن غضبه. وقد كان هارون طاب نفساً بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي! وكان هارون يجد بأم جعفر وجداً شديداً، فقال له يحيى: وأين ذلك من الخلافة! ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع؛ ومنعه من الإجابة.
قال الكرماني: فحدثني صالح بن سليمان، قال: بعث الهادي إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلاً، فراعه ذلك، فدخل عليه وهو في خلوة، فأمر بطلب رجل كان أخافه، فتغيب عنه؛ وكان الهادي يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون، فنادمه وكلمه يحيى فيه، فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده، وقال: هذا أمانه، وخرج يحيى فطلب الرجل، وأتى الهادي به فسر بذلك.
قال: وحدثني غير واحد أن الرجل الذي طلبه كان إبراهيم الموصلي.
قال صالح بن سليمان: قال الهادي يوماً للربيع: لا يدخل علي يحيى بن خالد إلا آخر الناس. قال: فبعث إليه الربيع، وتفرغ له. قال: فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد، ودخل عليه يحيى، وعنده عبد الصمد بن علي والعباس بن محمد وجلة أهله وقواده، فما زال يدنيه حتى أجلسه بين يديه، وقال له: إني كنت أظلمك وأكفرك، فاجعلني في حل، فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله؛ فقبل يحيى يده وشكر له، فقال له الهادي: من الذي يقول فيك يا يحيى:
لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال
قال: تلك راحتك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك! قال: وقال يحيى للهادي في خلع الرشيد لما كلمه فيه: يا أمير المؤمنين؛ إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم؛ وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته، فقال: صدقت ونصحت؛ ولي في هذا تدبير.
قال الكرماني: وحدثني خزيمة بن عبد الله، أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلع الرشيد، فرفع إليه يحيى رقعة: إن عندي نصيحة، فدعا به، فقال: يا أمير المؤمنين، أخلني، فأخلاه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أرأيت إن كان الأمر - أسأل الله ألا نبلغه، وأن يقدمنا قبله - أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر؛ وهو لم يبلغ الحلم، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم! قال: والله ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، أفتأمن أن يسمو إليها أهلك وجلتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له: نبهتني يا يحيى - قال: وكان يقول: ما كلمت أحداً من الخلفاء كان أعقل من موسى - قال: وقال له:

لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له، فكيف بأن تحله عنه، وقد عقده المهدي له! ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله؛ فإذا بلغ جعفر، وبلغ الله به، أتيته بالرشيد فخلع نفسه، وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده. قال: فقبل الهادي قوله ورأيه، وأمر بإطلاقه. وذكر الموصلي عن محمد بن يحيى، قال: عزم الهادي بعد كلام أبي له على خلع الرشيد، وحمله عليه جماعة من مواليه وقواده؛ وأجابه إلى الخلع أو لم يجبه، واشتد غضبه منه، وضيق عليه. وقال يحيى لهارون: استأذنه في الخروج إلى الصيد، فإذا خرجت فاستبعد ودافع الأيام، فرفع هارون رقعة يستأذن فيها، فأذن له؛ فمضى إلى قصر مقاتل، فأقام به أربعين يوماً حتى أنكر الهادي أمره وغمه احتباسه، وجعل يكتب إليه ويصرفه، فتعلل عليه حتى تفاقم الأمر، وأظهر شتمه، وبسط مواليه وقواده ألسنتهم فيه؛ والفضل بن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه، والرشيد بالباب، فكان يكتب إليه بذلك، وانصرف وطال الأمر.
قال الكرماني: فحدثني يزيد مولى يحيى بن خالد، قال: بعثت الخيزران عاتكة - ظئراً كان لهارون - إلى يحيى، فشقت جيبها بين يديه، وتبكي إليه وتقول له: قالت لك السيدة: الله الله في ابني لا تقتله، ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه، فبقاؤه أحب إلي من الدنيا بجمع ما فيها. قال: فصاح بها وقال لها: وما أنت وهذا! إن يكن ما تقولين فإني وولدي وأهلي سنقتل قبله، فإن اتهمت عليه فلست بمتهم على نفسي ولا عليهم. قال: ولما لم ير الهادي يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذل له من إكرام وإقطاع وصلة، بعث إليه يتهدده بالقتل إن لم يكف عنه. قال: فلم تزل تلك الحال من الخوف والخطر، وماتت أم يحيى وهو في الخلد ببغداد؛ لأن هارون كان ينزل الخلد، ويحيى معه، وهو ولي العهد، نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره.
وذكر محمد بن القاسم بن الربيع، قال: أخبرني محمد بن عمرو الرومي، قال: حدثني أبي، قال: جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أول خلافته جلوساً خاصاً، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة الحراني، فجلسوا عن يساره، ومعهم خادم أسود يقال له أسلم، ويكنى أبا سليمان؛ وكان يثق به ويقدمه؛ فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلى، فقال: هارون بن المهدي، فقال: ائذن له، فدخل فسلم عليه، وقبل يده، وجلس عن يمينه بعيداً من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك، ثم التفت إليه، فقال: يا هارون، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت من بعيد، ودون ذلك خرط القتاد؛ تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه، وقال: يا موسى؛ إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت ختلت؛ وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي؛ فأنصف من ظلمت، وأصل من قطعت،وأصير أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي. قال: فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر؛ ادن مني، فدنا منه، فقبل يده، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل - أعني أباك المنصور - لا جلست إلا معي، وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حراني، احمل إلى أخي ألف ألف دينار؛ وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف منه، واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخذ من أهل بيت اللعنة؛ فيأخذ جميع ما أراد. قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: أدن دابته إلى البساط. قال عمر الرومي: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: يا سيدي، ما الرؤيا التي ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال الهادي: أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً وإلى هارون قضيباً، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلاً؛ فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخره. فدعا المهدي الحكم بن موسى الضمري - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له: عبر هذه الرؤيا، فقال: يملكان جميعاً، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة؛ وتكون أيامه أحسن أيام. قال: ولم يلبث إلا أياماً يسيرة، ثم اعتل موسى ومات، وكانت علته ثلاثة أيام.
قال عمرو الرومي: أفضت الخلافة إلى هارون، فزوج حمدونة من جعفر ابن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى؛ ووفى بكل ما قال؛ وكان دهره أحسن الدهور.

وذكر أن الهادي كان قد خرج إلى الحديثة؛ حديثة الموصل؛ فمرض بها، واشتد مرضه، فانصرف. فذكر عمرو اليشكري - وكان في الخدم - قال: انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عماله شرقاً وغرباً بالقدوم عليه؛ فلما ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا: إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعل أمير المؤمنين يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده! فأمسكوا. ثم بعثت الخيزران إلى يحيى تعلمه أن الرجل لمآبه، وتأمره بالاستعداد لما ينبغي؛ وكانت المستولية على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك؛ فأحضر الكتاب وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا لليلتهم كتباً إلى الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي، وأنهم قد ولاهم الرشيد ما كانوا يلون؛ فلما مات الهادي أنفذوها على البرد.
وذكر الفضل بن سعيد، أن أباه حدثه أن الخيزران كانت قد حلفت ألا تكلم موسى الهادي، وانتقلت عنه، فلما حضرته الوفاة ، وأتاها الرسول فأخبرها بذلك، فقالت: وما أصنع به؟ فقالت لها خالصة: قومي إلى ابنك أيتها الحرة؛ فليس هذا وقت تعتب ولا تغضب. فقالت: أعطوني ماء أتوضأ للصلاة، ثم قالت: أما إنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة، ويملك خليفة، ويولد خليفة؛ قال: فمات موسى، وملك هارون، وولد المأمون.
قال الفضل: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله، فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي، فقلت: فمن أين كان للخيزران هذا العلم؟ قال: إنها كانت قد سمعت من الأوزاعي.
ذكر يحيى بن الحسن أن محمد بن سليمان بن علي حدثه، قال: حدثتني عمتي زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتنا الخيزران الخبر، ونحن أربع نسوة؛أنا وأختي وأم الحسن وعائشة، بنيات سليمان، ومعنا ريطة أم علي، فجاءت خالصة، فقالت لها: ما فعل الناس؟ قالت: يا سيدتي، مات موسى ودفنوه؛ قالت: إن كان موت موسى، فقد بقي هارون، هات لي سويقا، فجاءت بسويق، فشربت وسقتنا، ثم قالت: هات لسادتي أربع مائة ألف دينار، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ قالت: حلف ألا يصلي الظهر إلا ببغداد. قالت هاتوا الرحائل، فما جلوسي ها هنا؛ وقد مضى! فلحقته ببغداد.
ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومن صلى عليه قال أبو معشر: توفي موسى الهادي ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول؛ حدثنا بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق. وقال الواقدي: مات موسى بعيساباذ للنصف من شهر ربيع الأول. وقال هشام بن محمد: هلك موسى الهادي لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ليلة الجمعة في سنة سبعين ومائة. وقال بعضهم: توفي ليلة الجمعة لستة عشر يوماً منه؛ وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر. وقال هشام: ملك أربعة عشر شهراً، وتوفي وهو ابن ست وعشرين سنة. وقال الواقدي: كانت ولايته سنة وشهراً واثنين وعشرين يوماً. وقال غيرهم: توفي يوم السبت، لعشر خلت من ربيع الأول - أو ليلة الجمعة - وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت خلافته سنة وشهراً وثلاثة وعشرين يوماً، وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد. وكان كنيتة أبو محمد، وأمه الخيرزان أم ولد، ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه.
وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلاً جسيماً جميلاً أبيض، مشباً حمرة؛ وكان بشفته العليا تقلص، وكان يلقب موسى أطبقن وكان قد ولد بالسيروان من الري.
ذكر أولاده وكان له من الأولاد تسعة؛ سبعة ذكور وابنتان، أما الذكور فأحدهم جعفر - وهو الذي يرشحه للخلافة - والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى كلهم من أمهات أولاد. وكان الأعمى - وهو موسى - ولد بعد موت أبيه. والابنتان؛ إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون، والأخرى أم العباس بنت موسى، تلقب نوتة.
ذكر بعض أخباره وسيرته ذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي الندي أبو طوطة، قال: حدثني السندي بن شاهك، قال: كنت مع موسى بجرجان، فأتاه نعي المهدي والخلافة، وركب البريد إلى بغداد؛ ومعه سعيد بن سلم، ووجهي إلى خراسان؛ فحدثني سعيد بن سلم، قال: سرنا بين أبات جرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتاً من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطتة:

علي بالرجل الساعة، قال: فقلت يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان بن عبد الملك في منتزه له ومعه حرمه؛ فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، فقال: علي بصاحب الصوت؛ فأتى به؛ فلما مثل بين يديه، قال له: ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي! أما علمت أن الرماك إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه! يا غلام جبه، فجب الرجل.فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المنتزه، فجلس مجلس الذي فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الذي كنا جببناه، فأحضره، فلما مثل بين يديه، قال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنه قال له: يا سليمان؛ الله الله! إنك قطعت نسلي، فذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك، وإما بعت فوفيناك! لا والله حتى أقف بين يدي الله. قال: فقال يا موسى: يا غلام، رد صاحب الشرطة، فرده فقال: لا تعرض للرجل.
وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى المهدي؛ أن على ابن صالح حدثه؛ أنه كان يوماً على رأس الهادي وهو غلام - وقد كان جفا المظالم عامة ثلاثة أيام - فدخل عليه الحراني، فقال له: يا أمير المؤمنين؛ إن العامة لا تنقاد على ما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام؛ فالتفت إلي، وقال: يا علي ، ائذن للناس، علي بالجفلي لا بالنقري، فخرجت من عنده أطير على وجهي. ثم وقفت فلم أدري ما قال لي، فقلت: أراجع أمير المؤمنين، فيقول: أتحجبني ولا تعلم كلامي! ثم أدركني ذهني؛ قبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجفلى النقري، فقال: الجفلى جفالة، والنقري ينقر خواصتهم. فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت، فدخل الناس على بكرة أبيهم؛ فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل؛ فلما تقوض المجلس مثلت بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئاً يا علي، قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتك، فتقول: أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابي كان عندنا، ففسر لي الكلام؛ فكافئه عني يا أمير المؤمنين، قال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنه أعرابي جلف، وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا علي! أجود وتبخل! قال: وحدثني علي بن صالح، قال: ركب الهادي يوماً يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت وجدتها، فاعرضه عمر بن بزيغ، فقال له: يا أمير المؤمنين؛ ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا؟ فقال: وما هو يا عمر؟ قال: الظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث، قال: فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه، وقال: قل لها أن عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك، فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غد إن شاء الله.
وذكر عن عبد الله بن مالك، أنه قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي، وكان المهدي يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه، ويأمرني بضرهم؛ وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم؛ ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهدي. قال: فلما ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف؛ فبعث إلي يوماً، فدخلت عليه متكفناً متحنطاً؛ وإذا هو على كرسي، والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر يوماً بعثت إليك في أمر الحراني، وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني؛ وفي فلان وفلان - وعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي، ولا أمري! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرك أنك ما ولاني أبوك، فأمرتني بأمر، فبعث إلي بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني، فقبلت يديه، فأمر بخلع فصبت علي، وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشداً فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكراً في أمري وأمره، وقلت:

حدث يشرب، والقوم الذي عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه؛ فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في ، وحملوه من أمري على ما كنت أكره وأتخوفه. قال: فإني لجالس وبين يديه بنية لي في وقتي ذلك، والكانون بين يدي، ورقاق أشطره بكامخ وأسنخه وأضعه للصبية؛ وإذا ضجة عظيمة، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوفت؛ فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم؛ فلما رأيته وثبت عن مجلس مبادراً، فقبلت يده ورجله وحافر حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني فكرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك إني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل؛ لتعلم أني قد تحرمت والسكرجة التي فيها الكامخ، فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. فأدخلت إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم، وقال: هذه زلتك، فاستعن بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال؛ لعلي أحتاج إليها يوماً لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعاً.
فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال؛ وكان هو يتولى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادي كلها.
وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السلمي. قال: أخبرنيأبي، قال: كان علي بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة، ويرضى رضا الخليفة؛ وكان أبي يقول: ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى؛ فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط، فقال: أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي أن أضربك مائة سوط، قال: فأقبل يضعه على يدي ومنكبي؛ يمسني به مساً إلى أن عد مائة، وخرج. فقال له: ما صنعت بالرجل؟ قال: صنعت به ما أمرت. قال: فما حاله؟ قال: مات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ويلك! فضحتني والله عند الناس؛ هذا رجل صالح، يقول الناس: قتل يعقوب بن داود! قال: فلما رأى شدة جزعه، قال: هو حي يا أمير المؤمنين لم يمت، الحمد لله على ذلك.
قال: وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنه الفضل، فقال له: لا تحجب عني الناس؛ فإن ذلك يزيل عني البركة، ولا تلق إلي أمراً إذا كشفته أصبته باطلا؛ فإن ذلك يوقع الملك، ويضر الرعية.
وقال موسى بن عبد الله: أتى موسى برجل، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري يوجب علي ذنباً؛ ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة رحمةً ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
قال: فأمر بإطلاقه.
وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادي، فدخل عليه وفد الروم وعلى سعيد بن سلم قلنسوة - وكان قد صلع وهو حدث - فقال له موسى: ضع قلنسوتك حتى تتشايخ بصلعتك.
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن أباه حدثه، قال: خرجت إلى عيساباذ أريد الفضل بن الربيع، فلقيت موسى أمير المؤمنين وهو خليفة؛ وأنا لا أعرفه؛ فإذا هو في غلالة على فرس، وبيده قناة لا يدرك أحداً إلا طعنه. فقال لي: يا بن الفاعلة! قال: فرأيت إنساناً كأنه صم، وكنت رأيته بالشام، وكان فخذاه كفخذي بعير، فضربت يدي إلى قائم السيف، فقال لي رجل: ويلك! أمير المؤمنين، فحركت دابتي - وكان شهرياً حملني عليه الفضل بن الربيع، وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم - فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس، فوقف على الباب، وبيده القناة، وقال: اخرج يا بن الفاعلة ! فلم أخرج، ومر فمضى. قلت للفضل: فإني رأيت أمير المؤمنين؛ وكان من القصة كذا وكذا، فقال: لا أرى لك وجهاً إلا ببغداد؛ إذا جئت أصلي الجمعة فالقني، قال: فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادي.
وذكر الهيثم بن عروة الأنصاري أن الحسين بن معاذ بن مسلم - وكان رضيع موسى الهادي - قال:

لقد رأيتني أخلو مع موسى، فلا أجد له هيبةً في قلبي عند الخلوة، لما كان يبسطني. وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فإذا تلبس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهي قمت على رأسه؛ فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة له.
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن محمد بن سعيد بن عمر بن مهران، حدثه عن أبيه، عن جده، قال: كانت المرتبة لإبراهيم بن سلم بن قتيبة عند الهادي، فمات ابن لإبراهيم يقال له سلم، فأتاه موسى الهادي يعزيه عنه على حمار أشهب، لا يمنع مقبل ولا يرد عنه مسلم؛ حتى نزل في رواقه، فقال له: يا إبراهيم، سرك هو عدو وفتنة، وحزنك وهو صلاة ورحمة. فقال: يا أمير المؤمنين، ما بقي مني جزء كان فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. قال: فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلم بعده.
وذكر عمر بن شبة أن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كان يلقب بالجرزي، تزوج رقية بنت عمرو العثمانية - وكانت تحت المهدي - فبلغ ذلك موسى الهادي في أول خلافته، فأرسل إليه فجهله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي صلى الله عليه وسلم؛ فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه خمسمائة سوط، فضرب، وأراده أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقى ناحية؛ وكان في يده خاتم سري فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب، فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح. وأتى موسى فأراه يده، فاستشاط وقال: يفعل هذا بخادمي، مع استخفافه بأبي، وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قل له وسله، ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك. ففعل ذلك موسى، فصدقه الخادم، فقال: أحسن والله، أنا أشهد أنه ابن عمي؛ لو لم يفعل لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه.
وذكر أبو إبراهيم المؤذن، أن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان، وكان النهدي يسميه ريحاني.
وذكر محمد بن عطاء بن الواسطي، أن أباه حدثه أن المهدي قال لموسى يوماً - وقد قدم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه: يا بني إن صار لك هذا الآمر فتجرد لهذه العصابة - يعني أصحاب ماني - فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن، كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجاً وتحوباً، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور؛ فارفع فيها الخشب، وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له؛فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الإثنين. قال: فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عيناً تطرف.
ويقال: إنه أمر أن يهيأ له ألف جدع، فقال: هذا في شهر كذا، ومات بعد شهرين.
وذكر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شيخ، حدثه أن عيسى بن دأب كان أكثر أهل الحجاز أدباً وأعذبهم ألفاظاً؛ وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن عنده لأحد؛ وكان يدعو له بمتكأ، وما كان يفعل ذلك بأحد غيره في مجلسه. وكان يقول: ما استطلت بك يوماً ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألا أرى غيرك. وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر حسن الانتزاع له. قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار؛ فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانة إلى باب موسى، وقال له: الق الحاجب، وقل له: يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب، فأبلغه رسالته؛ فتبسم وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج له كتاباً إلى الديوان، فتدبره هناك ثم تفعل فيه كذا وكذا. فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولا تعرض لها، ولا تسأل عنها. قال: فبينا موسى في مستشرف له ببغداد، إذ نظر إلى دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد! فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب؛ ما غير من حاله، ولا تزين لنا؛ وقد بررناه بالأمس ليرى أثرنا عليه! فقال له إبراهيم: فإن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا؛ قال:

لا، هو أعلم بأمره؛ ودخل ابن دأب، فأخذ في حديثه إلى أن عرض له موسى بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلاً، وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين، باعي قصير عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك! قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة، فقال: عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأحضرت وحملت بين يديه.
وذكر علي بن محمد، أن أباه حدثه عن علي بن يقطين، قال: إني لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه؛ إذ أتاه خادم فسار بشيء، فنهض سريعاً، وقال: لا تبرحوا، ومضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفس، فألقى بنفسه على فراشه يتنفس ساعة حتى استراح، ومعه خادم يحمل طبقاً مغطى بمنديل، فقام بين يديه، فأقبل يرعد، فعجبنا من ذلك. ثم جلس وقال للخادم: ضع ما معك، فوضع الطبق، وقال: ارفع المنديل، فرفعه فإذا في الطبق رأساً جاريتين؛ لم أراد والله أحسن من وجوههما قط ولا من شعورهما، وإذا على رءوسهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيبة تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: أتدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما تتحابان قد اجتمعتا على الفاحشة، فوكلت هذا الخادم بهما ينهي إلي أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعتا، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد على الفاحشة فقتلتهما، ثم قال: يا غلام، ارفع الرأسين قال: ثم رجع في حديثه كأنه لم يصنع شيئاً.
وذكر أبو العباس بن أبي مالك اليمامي أن عبد الله بن محمد البواب، قال: كنت أحجب الهادي خليفةً للفضل بن الربيع، قال: فإنه ذات يوم جالس وأنا في داره، وقد تغدى ودعا بالنبيذ، وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزران، فسألته أن يولي خاله الغطريف اليمن، فقال: أذكريني به قبل أن أشرب، قال: فلما عزم على الشرب وجهت إليه منيرة - أو زهرة - تذكره، فقال: اختاري له طلاق ابنته عبيدة أو ولاية اليمن، فلم تفهم إلا قوله: اختاري له فمرت، فقالت: قد اخترت له ولاية اليمن، فطلق ابنته عبيدة، فسمع الصياح، فقال: ما لكم؟ فأعلمته الخبر، فقال: أنت اخترت له، فقالت: ما هكذا أديت إلي الرسالة عنك. قال: فأمر صالحاً صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رءوس الندماء ليطلقوا نساءهم،فخرج إلي بذلك الخدم ليعلموني ألا آذن لأحد. قال: وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه، يراوح بين قدميه، فعن لي بيتان، فأنشدتهما وهما:
خليلي من سعد ألما فسلما ... على مريم، لا يبعد الله مريما
وقولا لها : هذا الفراق عزمته ... فهل من نوالٍ بعد ذلك فيعلما!
قال: فقال لي الرجل المتلفع بطيلسانه: فنعلما، فقلت: ما الفرق بين يعلما ونعلما؟ فقال: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن الشعر؟ قلت: للأسود بن عمارة النوفلي، فقال لي: فأنا هو؛ فدنوت منه فأخبرته خبر موسى، واعتذرت إليه من مراجعتي إياه. قال: فصرف دابته، وقال: هذا أحق منزل بأن يترك. قال مصعب الزبيري: قال أبو المعافي: أنشدت العباس بن محمد مديحاً في موسى وهارون:
يا خيزران هناك ثم هناك ... إن العباد يسوسهم إبناك
قال: فقال لي: إني أنصحك، قال اليماني: لا تذكر أمي بخير ولا بشر.
وذكر أحمد بن صالح بن أبي فنن، قال: حدثني يوسف الصقيل الشاعر الواسطي، قال: كنا عند الهادي بجرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد، فصعد مستشرفا له حسناً؛ فغنى بهذا الشعر:
واستقلت رجالهم ... بالرديني شرعا
فقال: كيف هذا الشعر؟ فأنشدوه، فقال: كنت أشتهي أن يكون هذا الغناء في شعر أرق من هذا، اذهبوا إلى يوسف الصقيل حتى يقول فيه، قال: فأتوني فأخبروني الخبر، فقلت:
لا تلمني أن اجزعا ... سيدس قد تمنعا
وابلائي إن كان ما ... بيننا قد تقطعا
إن موسى بفضله ... جمع الفضل أجمعا
قال: فنظر فإذا أمامه، فقال: أوقروا هذا دراهم ودنانير، واذهبوا بها إليه. قال: فأتوني بالبعير موقراً.
وذكر محمد بن سعد، قال: حدثني أبو زهير، قال: كان ابن دأب أحظى الناس عند الهادي، فخرج الفضل بن الربيع يوماً، فقال:

إن أمير المؤمنين يأمر من بابه بالانصراف؛ فأما أنت يا بن دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه؛ وإن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل، فقال لي: حدثني بحديث في الشراب، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، خرجت رجله من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم، فمات أخ لأحدهم، فجلسوا عند قبره يشربون، فقال أحدهم:
لا تصرد هامةً من شربها ... أسقه الخمر وإن كان قبر
أسق أوصالاً وهاماً وصدى ... قاشعاً يقشع قشع المبتكر
كان حراً فهوى فيمن هوى ... كل عود وفنون منكسر
قال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الحراني بأربعين ألف درهم، وقال: عشرة آلاف لك، وثلاثون ألفاً للثلاثة الأبيات. قال: فأتيت الحراني، فقال: صالحنا على عشرة آلاف، على أنك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألا أذكرها لأمير المؤمنين، حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد.
وذكر أبو دعامة أن سلم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادي، فقال:
بعيساباذ حر من قريش ... على جنباته الشرب الرواء
يعوذ المسلمون بحقوتيه ... إذا ما كان خوف أو رجاء
وبالميدان دور مشرفات ... يشيدهن قوم أدعياء
وكم من قائلٍ إني صحيح ... وتأبه الخلائق والرواء
له حسب يضن به ليبقى ... وليس لما يضن به بقاء
على الضبي لؤم ليس يخفي ... يغطيه فينكشف الغطاء
لعمري لو أقام أبو خديج ... بناء الدار ما انهدم البناء
قال: وقال سلم الخاسر لما تولى الهادي الخلافة بعد المهدي:
لقد فاز موسى بالخلافة والهدى ... ومات أمير المؤمنين محمد
فمات الذي عم البرية فقده ... وقام الذي يكفيك من يتفقد
وقال أيضاً:
تخفى الملوك لموسى عند طلعته ... مثل النجوم لقرن الشمس إذ طلعا
وليس خلق يرى بدراً وطلعته ... من البرية إلا ذل أو خضعا
وقال أيضاً:
لولا الخليفة موسى بعد والده ... ما كان للناس من مهديهم خلف
ألا ترى أمة الأمى واردةً ... كأنها من نواحي البحر تغترف
من راحتي ملك قد عم نائله ... كأنه نائله من جوده سرف
وذكر إدريس بن أبي حفصة أن مروان بن أبي حفصة حدثه، قال: لما ملك موسى الهادي دخلت عليه فأنشدته:
إن خلدت بعد الاٍمام محمد ... نفسي لما فرحت بطول بقائها
قال: ومدحت فقلت فيه:
بسبعين ألفاً شد ظهري وراشني ... أبوك وقد عاينت من ذاك مشهدا
وإني أمير المؤمنين لواثق ... بألا يرى شربي لديك مصردا
فلما أنشدته قال: ومن يبلغ مدى المهدي! ولكنا سنبلغ رضاك. قال: وعاجلته المنية فلم يعطني شيئاً، ولا أخذت من أحد درهماً حتى قام الرشيد.
وذكر هارون بن موسى الفروي، قال: حدثني أبو غزية، عن الضحاك بن معن السلمي، قال: دخلت على موسى فأنشدته:
يا منزلي شجو الفؤاد تكلما ... فلقد أرى بكما الرباب وكلثما
ما منزلان على التقادم والبلى ... أبكي لما تحت الجوانح منكما
ردا السلام على كبير شاقة ... طللان قد درسا فهاج فسلما
قال: ومدحته فيها، فلما بلغت:
سبط الأنامل بالفعال أخاله ... أن ليس يتركفي الخزائن درهماً
التفت إلى أحمد الخازن ، فقال: ويحك يا أحمد! كأنه نظر إلينا البارحة، قال: وكان قد أخرج تلك الليلة مالاً كثيراً ففرقه.
وذكر عن إسحاق الموصلي - أو غيره - عن إبراهيم، قال: كنا يوما عند موسى، وعنده ابن جامع ومعاذ بن الطيب - وكان أول يوم دخل علينا معاذ؛ حاذقاً بالأغاني، عارفاً بقديمها - فقال: من أطربني منكم فله حكمه؛ فغناه ابن جامع غناءً فلم يحركه، وفهمت غرضه في الأغاني، فقال هات يا إبراهيم، فغنيته:
سليمى أجمعت بينا ... فأين تقولها أينا!
فطرب حتى قام من مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعد، فأعدت، فقال:

هذا غرضي فاحتكم، فقلت يا أمير المؤمنين، حائط عبد الملك وعينه الخرارة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان، ثم قال: يا بن اللخناء، أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني وأني حكمتك فأقطعتك! أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك. ثم أطرق هنيهة، فرأيت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أكره. ثم دعا إبراهيم الحراني فقال: خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء، فأدخلني الحراني بيت المال، فقال: كم تأخذ؟ قلت: ماءة بدرة، قال: دعني أؤامره، قال: قلت: فثمانين، قال: حتى أؤامره، فعملت ما أراد، فقلت: سبعين بدرة لي، وثلاثين لك، قال: الآن جئت بالحق، فشأنك. فانصرفت بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهي.
وذكر علي بن محمد، قال: حدثني صالح بن علي بن عطية الأضخم عن حكم الوادي، قال كان الهادي يشتهي من الغناء الوسط الذي يقل ترجيعه، ولا يبلغ أن يستخف به جداً. قال: فبينا نحن ليلة عنده، وعنده ابن جامع والموصلي والزبير بن دحمان والغنوي إذ دعا بثلاث بدور وأمر بهن فوضعن في وسط المجلس، ثم ضم بعضهن إلى بعض، وقال: من غنائي صوتاً في الطريق الذي أشتهيه، فهن له كلهن. قال: وكان فيه خلق حسن؛ كان إذا كره شيئاً لم يوقف عليه، وأعرض عنه. فغناه ابن الجامع، فأعرض عنه، وغنى القوم كلهم؛ فأقبل يعرض حتى تغنيت، فوافقت ما يشتهي فصاح أحسنت أحسنت! اسقوني، فشرب وطرب، فقمت فجلست على البدور، وعلمت أني قد حويتها، فحضر ابن جامع، فأحسن المحضر، وقال: يا أمير المؤمنين، هو والله كما قلت، وما منا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيره، قال: هي لك، وشرب حتى بلغ حاجته على الصوت، ونهض، فقال: مروا ثلاثة من الفراشين يحملونها معه، فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين، فلحقني ابن جامع، فقلت: جعلت فداك يا أبا القاسم! فعلت ما يفعل مثلك في نسبك؛فانظر فيها بما شئت. فقال: هنأك الله، ووددنا أنا زدناك. ولحقنا الموصلي، فقال: أجزنا، فقلت: ولم لم تحسن محضرك! لا والله ولا درهماً واحداً.
وذكر محمد بن عبد الله، قال: قال لي سعيد القارئ العلاف - وكان صاحب أبان القارئ - : إنه كان عند موسى جلساؤه، فيهم الحراني وسعيد بن سلم وغيرهما؛ وكانت جارية لموسى تسقيهم؛ وكانت ماجنةً، فكانت تقول لهذا: يا جلفي؛ وتعبث بهذا وهذا؛ ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم، فقال لها: والله الكبير؛ لئن قلت لي مثل ما تقولين لهم لأضربنك ضربة بالسيف، فقال لها موسى: ويلك! إنه والله يفعل ما يقول؛ فإياك. قال: فأمسكت عنه ولم تعابثه قط. قال: وكان سعيد العلاف وأبان القارئ إباضيين.
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب، قال: حدثني ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية يقال لها أمة العزيز، فائقة الجمال، ناهدة الثديين، حسنة القوام، فأهداها لإلى المهدي، فلما رأى جمالها وهيئتها، قال: هذه لموسى أصلح، فوهبها له؛ فكانت أحب الخلق إليه، وولدت له بنيه الأكابر. ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى: إنه سمع الربيع يقول: ما وضعت بيني وبين الأرض مثل أمة العزيز، فغار موسى من ذلك غيرة شديدة، وحلف ليقتلن الربيع، فلما استخلف دعا الربيع في بعض الأيام، فتغدى معه وأكرمه، وناوله كأساً فيها شراب عسل؛ قال: فقال الربيع: فعلمت أن نفسي فيها، وأني إن رددت الكأس ضرب عنقي؛ مع ما قد علمت أن في قلبه علي من دخولي على أمه، وما بلغه عني، ولم يسمع مني عذراً. فشربتها. وانصرف الربيع إلى منزله، فجمع ولده، وقال لهم: إني ميت في يومي هذا أو من غد، فقال له ابنه الفضل: ولم تقول هذا جعلت فداك! فقال: إن موسى سقاني شربة سم بيده، فأنا أجد عملها في بدني، ثم أوصى بما أراد، ومات في يومه أو من غده. ثم تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادي، فأولدها علي بن الرشيد.

وزعم الفضل بن سليمان بن إسحاق الهاشمي أن الهادي لما تحول إلى عيساباذ في أول السنة التي ولي الخلافة فيها، عزل الربيع عما كان يتولاه من الوزارة وديوان الرسائل، وولى مكانه عمر بن بزيع، وأقر الربيع على الزمام؛وأوذن بموته فلم يحضر جنازته، وصلى عليه هارون الرشيد؛ وهو يومئذ ولي عهد، وولى موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذكوان الحراني، واستخلف على ما تولاه إسماعيل بن صبيح، ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم، وولى إسماعيل زمام ديوان الشام وما يليها.
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، خال الفضل بن الربيع، أن أباه حدثه، أن موسى الهادي قال: أريد قتل الربيع؛ فما أدري كيف أفعل به! فقال له سعيد بن سلم: تأمر رجلاً باتخاذ سكين مسموم، وتأمره بقتله، ثم تأمر بقتل ذلك الرجل. قال: هذا الرأي، فأمر رجلاً فجلس له في الطريق، وأمره بذلك، فخرج بعض خلفاء الربيع، فقال له: إنه قد أمر فيك بكذا وكذا، فأخذ في غير ذلك الطريق، فدخل منزله، فتمارض، فمرض بعد ذلك ثمانية أيام؛ فمات ميتة نفسه.
وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة؛ وهو الربيع بن يونس.
خلافة هارون الرشيدبويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي. وكانت سنة يوم ولي اثنتين وعشرين سنة. وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة. وأمه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران، وولد بالري لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة في خلافة المنصور.
وأما البرامكة فإنها - فيما ذكر - تزعم أن الرشيد ولد أول يوم من المحرم سنة تسع وأربعين ومائة؛ وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام، وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة، فجعلت أم الفضل ظئراً للرشيد، وهي زينب بنت منير، فأرضعت الرشيد بلبان الفضل، وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد.
وذكر سليمان بن أبي شيخ أنه لما كان الليلة التي توفي فيها موسى الهادي أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد ليلاً فأقعده للخلافة، فدعا هارون يحيى بن خالد بن برمك - وكان محبوساً، وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة - قال: فحضر يحيى، وتقلد الوزارة، ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره، وأمره بإنشاء الكتب؛ فلما كان غداة تلك الليلة، وحضر القواد قام يوسف بن القاسم، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم بكلام أبلغ فيه، وذكر موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده، وما أمر به للناس من الأعطيات.
وذكر أحمد بن القاسم، أنه حدثه عمه علي بن يوسف بن القاسم هذا الحديث، فقال: حدثني يزيد الطبري مولانا أنه كان حاضراً يحمل دواة أبي يوسف بن القاسم، فحفظ الكلام. قال: قال بعد الحمد لله عز وجل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وأتاكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التامة، أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم، وشد عضدكم، وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق؛ وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قوياً عزيزاً؛ فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى؛ عن أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم. وبكم استنقذكم من أيدي الظلمة، أئمة الجور، والناقضين عهد الله، والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به؛ فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة، واحذروا أن تغيروا فيغير بكم. وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولى بعده رش
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:13 pm

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فما كان فيها من ذلك قدوم أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي مدينة السلام منصرفاً عن خراسان، وكان خاتم الخلافة حين قدم مع جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم أبو العباس الطوسي أخذه الرشيد منه، فدفعه إلى أبي العباس، ثم لم يلبث أبو العباس إلا يسيراً حتى توفي. فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فاجتمعت ليحيى الوزارتان.
وفيها قتل هارون أبا هريرة محمد بن فروخ - وكان على الجزيرة - فوجه إليه هارون أبا حنيفة حرب بن قيس، فقدم به عليه مدينة السلام، فضرب عنقه في قصر الخلد.
وفيها أمر هارون بإخراج من كان في مدينة السلام من الطالبيين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب، وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخص.
وخرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبو خالد المروروذي.
وفي هذه السنة كان قدوم روح بن حاتم إفريقية، وخرجت في هذه السنة الخيزران إلى مكة في شهر رمضان، فأقامت بها إلى وقت الحج فحجت.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك شخوص الرشيد فيها إلى مرج القلعة مرتاداً بها منزلا ينزله.
ذكر السبب في ذلك ذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام، فكان يسميها البخار، فخرج إلى مرج القلعة، فاعتل بها، فانصرف، وسميت تلك السفرة سفرة المرتاد.
وفيها عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن إرمينية، وولاها عبيد الله بن المهدي.
وغزا الصائفة فيها إسحاق بن سليمان بن علي.
وحج بالناس في هذه السنة يعقوب بن أبي جعفر المنصور.
وفيها وضع هارون عن أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن وفاة سليمان فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها.
وذكر أنه لما مات محمد بن سليمان وجه الرشيد إلى كل ما خلفه رجلاً أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلاً، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدواب من الخيل والإبل، وإلى الطيب والجوهر وكل آلة برجلٍ من قبل الذي يتولى كل صنف من الأصناف، فقدموا البصرة، فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة، ولميتركوا شيئاً إلا الحرثي الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل، فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك؛ فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلا المال؛ فإنه أمر بصكاك فكتب للندماء، وكتب للمغنين صكاك صغار لم تدر في الديوان، ثم دفع إلى كل رجل صكاً بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن، فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع؛ لم يدخل منه بيت ماله دينار ولا درهم، واصطفى ضياعه؛ وفيها ضيعة يقال لها برشيد بالأهواز لها غلة كثيرة.
وذكر علي بن محمد، عن أبيه، قال: لما مات محمد بن سليمان أصيب في خزانة لباسه مذ كان صبياً في الكتاب إلى أن مات مقادير السنين؛ فكان من ذلك ما عليه آثار النقش. قال: وأخرج من خزائنه ما كان يهدى له من بلاد السند ومكران وكرمان وفارس والأهواز واليمامة والري وعمان؛ من الألطاف والأدهان والسمك والحبوب والجبن، وما أشبه ذلك، ووجد أكثره فاسداً. وكان من ذلك خمسمائة كنعدة ألقيت من دار جعفر ومحمد في الطريق؛ فكانت بلاء. قال: فمكثنا حيناً لا نستطيع أن نمر بالمربد من نتنها.
ذكر وفاة الخيزران أم الهادي والرشيد وفيها توفيت الخيزران أم هارون الرشيد وموسى الهادي.
ذكر الخبر عن وقت وفاتهاذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدثه، قال: رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وعليه جبة سعيدية وطيلسان خرق أزرق، قد شد به وسطه، وهو آخذ بقائمة السرير حافياً يعدو في الطين؛ حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه، ثم دعا بخف وصلى عليها، ودخل قبرها، فلما خرج من المقبرة وضع له كرسي فجلس عليه، ودعا الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهدي - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد - إني لأهم لك من الليل بالشيء من التولية وغيرها، فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جعفر. فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صبيح: أنا أجل أبا الفضل عن ذلك؛ بأن أكتب إليه وآخذه؛ ولكن إن رأى أن يبعث به! قال وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وباد وريا والكوفة، وهي خمسة طساسيج، فأقبلت حاله تنمي إلى سنة سبع وثمانين ومائة.
وقيا إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت في يوم واحد.
وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث.
وحج بالناس فيها هارون؛ وذكر أنه خرج محرماً من مدينة السلام.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان بالشام من العصبية فيها.
وفيها ولى الرشيد إسحاق بن سليمان الهاشمي السند ومكران.
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي.
وفيها هلك روح بن حاتم.
وفيها خرج الرشيد إلى باقردى وبازبدى، وبنى بباقردى قصراً، فقال الشاعر في ذلك:
بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود
وبغداد، ما بغداد، أما ترابها ... فخرء، وأما حرها فشديد

وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح.
وحج بالناس فيها هارون الرشيد، فبدأ بالمدينة، فقسم في أهلها مالاً عظيماً، ووقع الوباء في هذه السنة بمكة، فأبطأ عن دخولها هارون، ثم دخلها يوم التروية، فقضى طوافه وسعيه ولم ينزل بمكة.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن البيعة للأمين فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذه بيعة القواد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلم الخاسر:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخليفة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهداً عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر روح مولى الفضل بن يحيى، فقال له: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي - يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور - فإنه ولد لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجه الفضل على ذلك؛ وكانت جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد؛ فلما بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنه.
قال: وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد؛ فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان، فرق فيهم أموالاً، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد؛ فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النمري:
أمست بمرو على التوفيق قد صفقت ... على يد الفضل أيدي العجم والعرب
ببيعة لولي العهد أحكمها ... بالنصح منه وبالاٍشفاق والحدب
قد وكد الفضل عقداً لا انتقاض له ... لمصطفى من بني العباس منتخب
قال: فلما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمد، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقي في ذلك:
عزمت أمير المؤمنين على الرشد ... برأي هدى، فالحمد لله ذي الحمد
وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خاله الغطريف ابن عطاء.
وفيها صار يحي بن عبد الله بن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك.
وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية.وقال الوافدي: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح، قال: وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم.
وحج بالناس فيها هارون الرشيد.
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحي كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وإرمينية وأذربيجان. وفيها ظهر يحي بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم.
ذكر الخبر عن مخرج يحي بن عبد الله وما كان من أمرهذكر أبو حفص الكرماني، قال: كان أول خبر يحي بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه ظهر بالديلم، واشتدت شوكته، وقوي أمره، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، فاغتنم لذلك الرشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فندب إيه الفضل بن يحي في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاه كور الري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان، وحملت معه الأموال، ففرق الكور على قواده، فولى المثنى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طبرستان، وولى على بن الحجاج الخزاعي جرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم أكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرق فيهم أموالا كثيرة. وشخص الفضل بن يحي، واستحلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجري كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكنوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم؛ لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع؛ فكاتب يحي ورفق به واستماله، وناشده وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله. ونزل الفضل بطالقان الري ودستبي بموضع يقال له أشب؛ وكان شديد البرد كثير الثلوج؛ ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقي:

لدور أمس بالدولا ... ب حيث السيب ينعرج
أحب إلي من دور ... أشب إذا هم ثلجوا
قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواتر كتبه على يحي، وكاتب صاحب الديلم، وجعل له ألف ألف درهم؛ على أن يسهل له خروج يحي إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحي إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه عنده، وكتب أماناً ليحي بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بي هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن علي والعباس ابن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم، ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا، فوجه الفضل بذلك إليه، فقدم يحي بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقاً سنية، وأنزله منزلا سرياً بعد أن أقام في منزل يحي بن خالد أياماً، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحي والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل؛ ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
ظفرت فلا شلت يد برمكية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطة ... من المجد باق ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزاً ... لكم كلما ضمت قداح المساهم
قال: وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه:
للفضل يوم الطالقان وقبله ... يوم أناخ به على خاقان
ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين توالتا يومان
سد الثغور ورد ألفة هاشم ... بعد الشتات، فشعبها متدان
عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم النبأ وتفرق الحكمان
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنى إبراهيم به.
وذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدم يحي بن عبد الله من الديلم أتيته، وهو في دار علي بن أبي طالب، فقلت : يا عم، ما بعدك مخبر و لا بعدي مخبر؛ فأخبرني خبرك، فقال: يا أبن أخي، والله إن كنت إلا كما قال يحيى ابن خطب:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس حمدها ... وقلل يبغي العز كل مقلل
وذكر الضبي أن شيخاً من النوفليين، قال: دخلنا على عيسى بن جعفر، وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض؛ وهو قائم متكئ عليها؛ وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجباً منه ، فقلنا ما الذي يضحك الأمير أدام لله سروره! قال: لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قط، فقلنا تمم الله للأمير سروره، وزاده سروراً. فقال: والله لا أحدثكم به إلا قائماً - واتكأ على الفراش وهو قائم - فقال: كنت اليوم عد أمير المؤمنين الرشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله، فأخرج من السجن مكبلاً في الحديد، وعنده بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكار شديد البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسئ بأخبارهم، وكان الرشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم - قال: فلما دعي بيحيى قال له الرشيد: هيه هيه! متضاحكاً؛ وهذا يزعم أيضاً أنا سممناه! فقال يحي: ما معنا يزعم؟ ها هو ذا لساني - قال: وأخرج لسانه أخضر مثل السلق - قال: فتربد هارون! واشتد غضبه، فقال يحي: يا أمير المؤمنين؛ إن لنا قرابة ورحماً، لسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين؛ إنا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكرك الله وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم! علام تحبسني وتعذبني؟ فال: فرق له هارون، وأقبل الزبيري على الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرك كلام هذا؛ فإنه شاق عاصي؛ وإنما هذا منه مكر وخبث؛ إن هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فأقبل يحي عليه؛ فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال: أفسد عليكم مدينتكم! ومن أنتم عافاكم الله! قال الزبيري:

هذا كلامه قدامك؛ فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومن أنتم! استخفافاً بنا. قال: فأقبل عليه يحي، فقال: نعم، ومن انتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجر عبد الله ابن الزبير أم مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي هذا هاجر أبوك إلى المدينة. ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إنما الناس نحن وانتم؛ فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا؛ فوجدنا بذلك مقالاً فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالاً فينا؛ فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفضل. يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك؛ يسعى بهم عندك! إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحةً منهلك؛ وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا؛ إنما يريد أن يباعد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض. والله يا أمير المؤمنين؛ لقد جاء إلي هذا حيث قتل أخي محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله!وأنشدني فيه مرثيةً قالها نحواً من عشرين بيتاً وقال: إن تحركت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك! قال: فتغير وجه الزبيري وأسود، فأقبل عليه هارون ، فقال: أي شئ يقول هذا؟ قال: كاذب يا أمير المؤمنين؛ ما كان مما قال حرف قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال: تروي القصيدة التي رثاه بها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه، فقال الزبيري: والله يا أمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغموس - ما كان مما قاله شيء؛ ولقد تقول علي ما لم أقل. قال: فأقبل الرشيد على يحي ابن عبد الله، فقال: قد حلف، فهل من بينة سمعوا هذه المرثية منه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ ولكن أستحلفه بما أريد، قال: فاستحلفه، قال: فأقبل على الزبيري، فقال: قل: أن بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي، إن كنت قلته. فقال الزبيري: يا أمير المؤمنين، أي شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا ادري ما هو! قال يحي بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن كان صادقاً فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلف له ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلي حولي وقوتي؛ قال: فاضرب منها وأرعد، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أدري أي شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالله العظيم اعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفن له أو لأصدقن عليك ولأعاقبنك، قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكل إلي حولي وقوتي إن كنت قلته. قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته.
قال: فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرني أن يحي نقصه حرفاً مما كان جرى بينهما، ولا قصر في شيء من مخاطبته إياه.
قال: وأما الزبيريون فيزعمون أن امرأته قتلته؛ وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف.
وذكر إسحاق بن محمد النخعي أن الزبير بن هشام حدثه عن أبيه، أن بكار بن عبد الله تزوج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتخذ عليها جارية، وأغارها؛ فقالت لغلامين له زنجيين: أنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق - ولاطفتهما - فتعاوناني على قتله؟ قالا: نعم، فدخلت عليه وهو نائم، وهما جميعاً معها، فقعدا على وجهه حتى مات. قال: ثم إنها سقتها نبيذاً حتى تهوعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنينة؛ فلما أصبح اجتمع أهله، فقالت: سكر فقاء فشرق فمات. فأخذ الغلامان؛ فضربا ضرباً مبرحاً، فأقرا بقتله، وأنها أمرتهما بذلك؛ فأخرجت من الدار ولم تورث.
وذكر أبو الخطاب أن جعفر بن يحيى بن خالد حدثه ليلة وهو في سمره، قال: دعا الرشيد اليوم بيحيى بن عبد الله بن حسن، وقد أحضره أبو البختري القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قال: هو صحيح، فحاجه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع للأمان؟ لو كان محارباً ثم ولى كان آمناً. فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل البختري أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختري:

هذا منتقض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة؛ وأنت أعلم بذلك؛ فمزق الأمان، وتفل فيه أبو البختري - وكان بكار بن عبد الله بن مصعب حاضراً المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجهه، فقال: شققت العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا؛ وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومن أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالك الرشيد أن ضحك ضحكاً شديداً. قال: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرشيد: انصرف، أما ترون به أثر علة! هذا الآن إن مات قال للناس: سموه. قال يحيى: كلا ما زلت عليلاً منذ كنت في الحبس؛ وقبل ذلك أيضاً كنت عليلاً. قال أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهراً حتى مات.
وذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل، قال: سمعت عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي، الذي يعرف بالخطيب، قال: كنت يوماً على باب الرشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجند والقواد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قال: فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إلي، فقال: ادخل، فدخلت، فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إلى أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب؛ فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلاً عند الناس. فما مكثنا إلا قليلاً حتى جاء الفضل بن الربيع، فقال: إن عبد الله بن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول، فقال: إني لا أريد أن أدخل اليوم أحداً، فقال: قال: إن عندي شيئاً أذكره. فقال: قل له يقله لك، قال: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلا لك، قال: أدخله. وخرج ليدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل علي أبي، فقال: إنه ليس عنده شيء يذكره؛ وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم من على الباب أن أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصة خصصنا بها؛ وإنما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري.
وطلع الزبيري، فقال: يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: إنه سر، فقال: ما من العباس سر، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قل، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيابه وأخص خلق الله به من قواده، وأبعدهم منه. قال: فرأيته قد تغير لونه، وقال: مماذا؟ قال: جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبق على بابك أحداً إلا وقد أدخله في الخلاف عليك. قال: فتقول له هذا في وجهه! قال: نعم، قال الرشيد: أدخله، فدخل، فأعد القول الذي قال له، فقال يحيى بن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو أكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبداً، ولي رحم وقرابة، فلم لا تؤخر هذا الأمر ولا تعجل، فلعلك أن تكفي مؤنتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحمك من حيث لا تعلمه! أباهه بين يديك وتصبر قليلاً. فقال: يا عبد الله، قم فصل إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برك يحيى، ثم قال: ابرك، ثم شبك يمينه في يمينه. وقال: اللهم إن كنت تعلم أني دعوت عبد الله بن مصعب إلى خلاف على هذا - ووضع يده عليه، وأشار إليه - فاسحتني بعذاب من عندك وكلني إلى حولي وقوتي، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين رب العالمين. فقال عبد الله: آمين رب العالمين. فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبد الله: اللهم إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك ، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين رب العالمين! وتفرقا، فأمر بيحيى فحبس في ناحية من الدار؛ فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلت به كذا وكذا، وفعلت به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفاً على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فدخلت مع أبي أنزع عنه لباسه من السواد - وكان ذلك من عادتي - فبينما أنا أحل عنه منطقته؛ إذ دخل عليه الغلام، فقال:

رسول عبد الله بن مصعب، فقال: أدخله، فلما دخل قال له: ما وراءك؟ قال: يقول لك مولاي، أنشدك الله إلا بلغت إلي! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجهت إليك بعبد الله، فما أردت أن تلقيه إلي فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في إثرك؛ وقال لي: إنما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك؛ فإن أعنته قطعت رحمي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خالفته سعى بي؛ وإنما يتدرق الناس بأولادهم، ويتقون بهم المكاره؛ فاذهب إليه، فكل ما قال لك فليكن جوابك له: أخبر أبي؛ فقد وجهتك وما آمن عليك، وقد كان قال لي أبي حين انصرفا - وذلك أنا احتبسنا عند الرشيد: أما رأيت الغلام المعترض في الدار! لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه - يعني يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا. فخرجت مع الرسول، فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمره! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! قال عبد الله بن عباس: فما حفلت بهذا الكلام من قول الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين؛ فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور محتزمات بالحبال، يلطمن وجوههن وينادين بالويل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيت أمراً أعجب من هذا! وعطفت دابتي راجعاً أركض ركضاً لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشم ينتظرونني لتعلق قلب الشيخ بي؛ فلما رأوني دخلوا يتعادون، فاستقبلني مرعوباً في قميص ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه مات، قال: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيانا منه؛ فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرشيد يأمر أبي بالركوب وإياي معه. فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يدعى ليحيى نبوة لادعاها أهله، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشك في أنه قد قتل. فمضينا حتى دخلنا على الرشيد؛ فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع أرحامك. فقال الرشيد: الرجل والله سليم على ما يحب، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار! قال: الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوه علي، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أمير المؤمنين؛ لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلح له وأريده فكيف ولست بطالب له ولا مريده، ولو لم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقويت به عليك أبداً! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم، ثم طمع مني في زيادة نمرة لباعك بها. فقال: أما العباسي فلا تقل له إلا خيراً، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم. ثم قال أبو يونس: كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار.
ذكر الفتنة بين اليمانية والنزاريةوفي هذه السنة، هاجت العصبية بالشام بين النزارية واليمانية، ورأس النزارية يومئذ أبو الهيذام.
ذكر الخبر عن هذه الفتنة ذكر أن هذه الفتنة هاجت بالشام وعامل السلطان بها موسى بن عيسى، فقتل بين النزارية واليمانية على العصبية من بعضهم لبعض بشر كثير، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، وضم إليه من القواد والأجناد ومشايخ الكتاب جماعة. فلما ورد الشام أحلت لدخوله إلى صالح بن علي الهاشمي، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرها، فانتهى الخبر إلى الرشيد بمدينة السلام، ورد الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى، فعفا عنهم، وعما كان بينهم، وأقدمهم بغداد، وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخزيمي:
من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زأرت كل خنابسٍ همهام
يا راعي الإسلام غير مفرطٍ ... في لين مغتبط وطيب مشم
تعذى مشاربه وتسقى شربةً ... ويبيت بالربوات والأعلام

حتى تنخنخ ضارباً بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام
فلكل ثغر خارس من قلبه ... وشعاع طرف ما يفتر سام
وقال في موسى غير أبي يعقوب:
قد هاجت الشام هيجاً ... يشيب رأس وليده
فصب موسى عليها ... بخيله وجنوده
فدانت الشأم لما ... أتى نسيج وحيده
هو الجواد الذي ... بد كل جود بجوده
أعداه جود أبيه ... يحيى وجود جدوده
فجاد موسى بن يحيى ... بطارفٍ وتليده
ونال موسى ذرى المج ... د وهو حشو مهوده
خصصته بمديحي ... منشوره وقصيده
من البرامك عود ... له فأكرم بعوده
حووا على الشعر طراً ... خفيفه ومديده
وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان، وولاها حمزة بن مالك بن هيثم الخزاعي، وكان حمزة يلقب بالعروس.
وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولاها عمر بن مهران.
ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفراً مصر
وتولية جعفر عمر بن مهران إياهاذكر محمد بن عمر أن أحمد بن مهران حدثه أن الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلع - وكان على مصر - فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي. انظروا لي رجلاً، فذكر عمر بن مهران - وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها، وكان رجلاً أحول مشوه الوجه، وكان لباسه لباساً خسيساً، أرفع ثيابه طيلسانه، وكانت قيمته ثلاثين درهماً، وكان يشمر ثيابه ويقصر أكمامه، ويركب بغلاً وعليه رسن ولجام حديد، ويردف غلامه خلفه - فدعا به، فولاه مصر، خراجها وضياعها وحربها. فقال: يا أمير المؤمنين، أتولاها على شريطة، قال: وما هي؟ قال: يكون إذني إلي، إذا أصلحت البلاد انصرفت. فجعل ذلك له، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى؛ فكان يتوقع قدومه، فدخل عمر بن مهران مصر على بغل، وغلامه أبو درة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بن عيسى والناس عنده، فدخل فجلس في أخريات الناس، فلما تفرق أهل المجلس، قال موسى بن عيسى لعمر: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه، فقال: يقدم أبو حفص، أبقاه الله! قال: فأنا أبو حفص، قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم، قال: لعن الله فرعون حين يقول: أليس لي ملك مصر، ثم سلم له العمل ورحل، فتقدم عمر بن مهران إلى أبي درة غلامه، فقال له: لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب، لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاماً؛ فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فجعل يرد ما كان من الألطاف، ويقبل المال والثياب، ويأتي بها عمر؛ فيوقع عليها أسماء من بعث بها، ثم وضع الجباية؛ وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلواه، فقال: والله ما تؤدي ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال: فأنا أؤدي، فتحمل عليه، فقال: قد حلفت ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند - وكان العمال إذ ذاك يكاتبون الخليفة - فكتب معهم الرشيد: إني دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج؛ فلواني واستنظرني، فأنظرته ثم دعوته، فدافع ومال إلى الإلطاط، فآليت ألا يؤديه إلا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان و فلان بن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بن فلان؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلي بوصله فعل إن شاء الله تعالى.
قال: فلم يلوه أحد بشيء من الخراج، فاستأدى الخراج، النجم الأول والنجم الثاني، فلما كان في النجم الثالث، وقعت المطالبة والمطل، فأحضر أهل الخراج والتجار فطالبهم، فدافعوه وشكوا الضيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي بعث بها إليه، ونظر في الأكياس وأحضر الجهبذ؛ فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها. ثم قال:

يا قوم، حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فأدوا إلينا ما لنا؛ فأدوا إليه حتى أإلق مال مصر؛ فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درة على بغل - وكان إذنه إليه.
وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك، فافتتح حصناً.
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور، وحجت معه - فيما ذكر الواقدي - زبيدة زوجة هارون وأخوها معها.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فما كان فيها من ذلك عزل الرشيد - فيما ذكر - جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان، وعزله حمزة بن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل بن يحيى؛ إلى ما كان يليه من الأعمال من الري وسجستان.
وغزا الصائفة فيها عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي.
وكان فيها - فيما ذكر الواقدي - ريح وظلمة وحمرة ليلة الأحد لأربع ليال بقين من المحرم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة؛ ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر.
وحج بالناس فيها هارون الرشيد.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك وثوب الحوفية بمصر؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرشيد إليه هرثمة بن أعين في عدة من القواد المضمومين إليه مدداً لإسحاق بن سليمان؛ حتى أذعن أهل الحوف، ودخلوا في الطاعة، وأدوا ما كان عليهم من وظائف السلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامل الرشيد على فلسطين - فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولاها هرثمة نحواً من شهر، ثم صرفه وولاها عبد الملك بن صالح.
وفيها كان وثوب أهل إفريقية بعبدويه الأنباري ومن معه من الجند هنالك، فقتل الفضل بن روح بن حاتم، وأخرج من كان بها من آل المهلب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين، فرجعوا إلى الطاعة.
وقد ذكر أن عبدويه هذا لما غلب على إفريقية، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك، فوجه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زياد كاتبه؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعدة حتى قبل الأمان،وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه، وأخذ له أماناً من الرشيد، ووصله ورأسه.
وفي هذه السنة فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها خرج الوليد بن طريف الشاري بالجزيرة، وحكم بها، ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين، ثم مضى منها إلى إرمينية.
ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بهاوفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خراسان والياً عليها، فأحسن السيرة بها، وبنى بها المساجد والرباطات. وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة؛ وكان ممتنعاً.
وذكر أن الفضل بن يحيى اتخذ بخراسان جنداً من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسموا ببغداد الكرنبية، وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم؛ وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
ما الفضل إلا شهاب لا أفول له ... عند الحروب إذا ما تأفل الشهب
حامٍ على ملك قوم عز سهمهم ... من الوراثة في أيديهم سبب
أمست يد لبني ساقي الحجيج بها ... كتائب ما لها في غيرهم أرب
كتائب لبني العباس قد عرفت ... ما ألف الفضل منها العجم والعرب
أثبت خمس مئين في عدادهم ... من الألوف التي أحصت لك الكتب
يقارعون عن القوم الذين هم ... أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا
إن الجواد بن يحيى الفضل لا ورق ... يبقى على جود كفيه ولا ذهب
ما مر يوم له مذ شد مئزره ... إلا تمول أقوام بما يهب
كم غايةٍ في الندى والبأس أحرزها ... للطالبين مداها دونها تعب

يعطي الله حين لا يعطي الجواد ولا ... ينبو إذا سلت الهندية القضب
ولا الرضى والرضى لله غايته ... إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب
قد فاض عرفك حتى ما يعادله ... غيث مغيث ولا بحر له حدب
قال: وكان مروان بن أبي حفصة قد أنشد الفضل في معسكره قبل خروجه إلى خراسان:
ألم تر أن الجود من لدن آدمٍ ... تحدر حتى صار في راحة الفضل
إذا ما أبو العباس راحت سماؤه ... فيا لك من هطل ويا لك من وبل
إذا أم طفل راعها جوع طفلها ... دعته باسم الفضل فاستعصم الطفل
ليحيا بك الإسلام إنك عزه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل
وذكر محمد بن العباس بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة. قال: وسمعته يقول: أصبت في قدمتي هذه سبعمائة ألف درهم. وفيه يقول:
تخيرت للمدح بن يحيى بن خالد ... فحسبي ولم أظلم بأن أتخيرا
له عادة أن يبسط العدل والندى ... لمن ساس من قحطان أو من تنزرا
إلى المنبر الشرقي سار ولم يزل ... له والد يعلو سريراً ومنبرا
يعد ويحيى البرمكي ولا يرى ... لدى الدهر إلا قائداً أو مومرا
ومدحه سلم الخاسر، فقال:
وكيف تخاف من بؤسٍ بدارٍ ... تكنفها البرامكة البحور
وقوم منهم الفضل بن يحيى ... نفير ما يوازنه نفير
له يومان: يوم ندىً وبأسٍ ... كأن الدهر بينهما أسير
إذا ما البرمكي غدا ابن عشرٍ ... فهمته وزير أو أمير
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضل عليه. قال إبراهيم: فدعاني يوماً بعد ما أغفلني حيناً، فدخلت عليه؛ فلما صرت بين يديه سلمت، فما رد علي، فقلت في نفسي: شر والله - وكان مضطجعاً، فاستوى جالساً - ثم قال: ليفرخ روعك يا إبراهيم، فإن قدرتي عليك تمنعني منك؛ قال: ثم عقد لي على سجستان، فلما حملت خراجها، وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم.قال: وكان إبراهيم على شرطه وحرسه، فوجهه إلى كابل، فافتحها وغنم غنائم كثيرة. قال: وحدثني الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيين استزار الفضل ليريه نعمته عليه، وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف في ناحية من الدار. قال: فلما قعد الفضل بن يحي قدم إليه الهدايا والطرف، فأبى أن يقبل منها شيئاً، وقال: لم آتك لأسلبك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير. قال: ولك عندنا مزيد، قال: فلم بأخذ من جميع ذلك إلا سوطاً سجزياً، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوغه ذلك، وانصرف.
قال: ولما قدم الفضل بن يحي من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بالألف ألف، وبالخمسمائة ألف، ومدحه مروان بن أبي حفصة، فقال:
حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت ... بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا
وما هجعت حتى رأته عيوننا ... وما زلن حتى آب بالدمع حشدا
لقد صبحتنا خيله ورجاله ... بأروع بذ الناس بأساً وسوددا
نفى عن خراسان العدو كما نفى ... ضحى الصبح جلباب الدجى فتعردا
لقد راع من أمسى بمرو مسيره ... إلينا، وقالوا شعبنا قد تبددا
على حين ألقى قفل كل ظلامةٍ ... وأطلق بالعفو الأسير المقيدا
وأفشى بلا من مع العدل فيهم ... أيادي عرفٍ باقياتٍ وعودا
فأذهب روعات المخاوف عنهم ... وأصدر باغي الأمن فيهم وأوردا

وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه ... فكان من الآباء أحنى وأعودا
إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى ... وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا
سما صاعداً بالفضل يحيى وخالد ... إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا
يلين لمن أعطى الخليفة طاعةً ... ويسقي دم العاصي الحسام المهندا
أذلت مع الشرك النفاق سيوفه ... وكانت لأهل الدين عزاً مؤبدا
وشد القوى من بيعة المصطفى الذي ... على فضله عهد الخليفة قلدا
سمي النبي الفاتح الخاتم الذي ... به الله أعطى كل خير وسددا
أبحت جبال الكابلي ولم تدع ... بهن لنيران الضلالة موقدا
فأطلعتها خيلاً وطئن جموعه ... قتيلاً ومأسوراً وفلاً مشردا
وعادت على ابن البرم نعماك بعدما ... تحوب مخذ ولا يرى الموت مفردا
وذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم، مولى خالد بن عبد الله القسري - حدثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه خراسان، وبين يديه بدر تفرق بخواتيمها، فما فضت بدرة منها، فقلت:
كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالدٍ ... وجود يديه بخل كل بخيل
قال: فقال لي مروان بن أبي حفصة: وددت أني سبقتك إلى هذا البيت، وأن علي غرم عشرة آلاف درهم.
وغزا فيها الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية فيها ابن راشد، ومعه البيد بطريق صقلية.
وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وكان على مكة.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحبيل.
وفيها ولى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميري.
وفيها شري بخراسان حمزة بن أترك السجستاني.
وفيها عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة، وولاها الفضل بن الربيع.
وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته، وكثر تبعه، فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيباني، فراوغه يزيد، ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت، فقتله وجماعة كانوا معه، وتفرق الباقون، فقال الشاعر:
وائل بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد
وقالت الفارعة أخت الوليد:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوف
واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان، شكراً لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف، فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة، فأقام بها إلى وقت الحج، ثم حج بالناس، فمشى من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشياً، ثم انصرف على طريق البصرة.
وأما الواقدي فإنه قال: لما فرغ من عمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجهم.
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام فمما كان فيها من ذلك، العصبية التي هاجت بالشام بين أهلها.
ذكر الخبر عما صار إليه أمرهاذكر أن هذه العصبية لما حدثت بالشام بين أهلها، وتفاقم أمرها، اغتم بذلك من أمرهم الرشيد، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر بل أقيك بنفسي؛ فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، وجعل على شرطه العباس بن محمد بن المسيب بن زهير، وعلى حرسه شبيب بن حميد بن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم؛ وقتل زواقيلهم، والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحاً ولا فرساً، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة؛ وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمري لما شخص جعفر:
لقد أوقدت بالشام نيران فتنةٍ ... فهذا أوان الشأم تخمد نارها
إذا جاش موج البحر من آل برمكٍ ... عليها، خبت شهبانها وشرارها

رماها أمير المؤمنين بجعفرٍ ... وفيه تلاقى صدعها وانجبارها
رماها بميمون النقيبة ماجد ... تراضى به قحطانها ونزارها
تدلت عليهم صخرة برمكيةً ... دموغ لهام الناكبين انحدارها
غدوت تزجى غابة في رءوسها ... نجوم الثريا والمنايا ثمارها
إذا خفقت راياتها وتجرست ... بها الريح هال السامعين انبهارها
فقولوا لأهل الشأم: لا يسلبنكم ... حجاكم طويلات المنى وقصارها
فإن أمير المؤمنين بنفسه ... أتاكم وإلا نفسه فخيارها
هو الملك المأمول للبر والتقى ... وصولاته لا يستطاع خطارها
وزير أمير المؤمنين وسيفه ... وصعدته والحرب تدمى شفارها
ومن تطو أشرار الخليفة دونه ... فعندك مأواها وأنت قرارها
وفيت فلم تغدر لقوم بذمةٍ ... ولم تدن من حالٍ ينالك عارها
طبيب بإحياء الأمور إذا التوت ... من الدهر أعناق، فأنت جبارها
إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له ... ملمي خطب لم ترعه كبارها
لقد نشأت بالشأم منك غمامة ... يؤمل جدواها ويخشى دمارها
فطوبى لأهل الشأم يا ويل أمها ... أتاها حياها، أو أتاها بوارها
فإن سالموا كانت غمامة نائلٍ ... وغيثٍ، وإلا فالدماء قطارها
أبوك أبو الأملاك يحيى بن خالدٍ ... أخو الجود والنعمى الكبار صغارها
كأين ترى في البرمكيين من ندىً ... ومن سابقاتٍ ما يشق غبارها
غدا بنجوم السعد من حل رحله ... إليك، وعزت عصبة أنت جارها
عذيري من الأقدار هل عزماتها ... مخلفتي عن جعفرٍ واقتسارها
فعين الأسى مطروفة لفراقه ... ونفسي إليه ما ينام ادكارها
وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشأم عيسى بن العكي وانصرف، فازداد الرشيد له إكراماً. فلما قدم على الرشيد دخل عليه - فيما ذكر - فقبل يديه ورجليه، ثم مثل بين يديه، فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرعي، وأنسأ في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقربه، وامتن علي بتقبيل يده، وردني إلى خدمته؛ فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني؛ فاعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتني وخطايا أحاطت بي؛ ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - لخفت أن يذهب عقلي إشفاقاً على قربك، وأسفاً على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك؛ والحمد لله الذي عصمنيفي حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرفني الإجابة ومسكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية؛ فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك؛ ولم يخترمني أجل دونك. والله يا أمير المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت عليها قربك، ولما رأيتها عوضاً من المقام معك. ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إن الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع إلفتهم، ويلم شعثهم؛ حفظاً لك فيهم، ورحمة لهم؛ وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك؛ والله المحمود على ذلك وهو مستحقه. وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحلمك، مؤملون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم.

وأيم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مراقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم؛ فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته، ووقفتني عليه؛ ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك، وتوحد الله بالصنع لك، وتخوفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني - وإن كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي - قاضياً ببعض حقك علي؛ بل ما ازدادت نعمتك علي عظماً؛ إلا وازددت عن شكرك عجزاً وضعفاً وما خلق الله أحداً من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلاً مهجتي في طاعتك، وكل ما يقرب إلى موافقتك؛ ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري؛ فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي! أم كيف بشكري وإنما أقوى على شكري بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت كهفي دون كل كهف لي! وكيف بشكري وأ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: الفهرس رقم من كتاب تاريخ الطبري28   الجمعة ديسمبر 27, 2013 11:17 pm

:
منتدي الكتب التاريخية
::
كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الأربعاء يناير 01, 2014 3:21 pm

إن سلكتما الطريق الأعظم لم يخف ذلك عليهما؛ ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع، فإنه موضع سوق ومعسكر، فأنزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك وقد قربتما منهما، فوجه الرجال من الياسرية إلى فم الجامع. وبلغ الحارث وداود الخبر، فكبا في خيل مجرد، وتهيأ للرجالة، فعبرا من مخاضة في سوراء إليهم؛ وقد نزلوا إلى جنبها، فأوقعا بهم وقعة شديدة. ووجه الطاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مدداً للحارث وداود، فاجتمعت العساكر بالجامع، وساروا حتى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حماد فيما بين نهر درقيط والجامع، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم أهل بغداد، وهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهي، وعبر الفرات. وأخذ على طريق البرية إلى الأنبار، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد، وقال أبو يعقوب الخريمي في ذلك:
هما عدوا بالنكث كي يصدعا به ... صفا الحق فانفضا بجمع مبدد
وأفلتنا ابن البربري مضمر ... من الخيل يسمو للجياد ويهتدي
وذكر يزيد بن الحارث، أن محمد بن حماد البربري لما دخل بغداد، وجه محمد المخلوع الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى الكوفة، وولاه عليها، وضم إليه أبا السلاسل وإياس الحرابي وجمهوراً النجاري؛ وأمره بسرعة السير؛ فتوجه الفضل؛ فلما عبر نهر عيسى عثر به فرسه، فتحول منه إلى غيره وتطير، وقال: اللهم إني أسألك بركة هذا الوجه. وبلغ طاهر الخبر، فوجه محمد بن العلاء، وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له، فلقي محمد بن العلاء الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه الفضل: إني سامع مطيع لطاهر؛ وإنما كان مخرجي بالكيد مني لمحمد؛ فخل لي الطريق حتى أصير إليه، فقال له محمد: لست أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره؛ فإن أردت الأمير طاهراً فارجع وراءك؛ فخذ أسهل الطريق وأقصدها، فرجع وقال محمد لأصحابه: كونوا على حذر؛ فإني لست آمن مكر هذا؛ فلم يلبث أن كبر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمنه، فوجده على عدة وأهبة؛ واقتتلوا كأشد ما يكون من القتال، وكبا بالفضل فرسه؛ فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب وقال: أذكر هذا الموقف لأمير المؤمنين. وحمل أصحاب محمد بن العلاء على أصحاب الفضل فهزموه، ولم يزالوا يقتلونهم إلى كوثي، وأسر في تلك الوقعة إسماعيل بن محمد القرشي وجمهور النجاري، وتوجه طاهر إلى المدائن، وفيها جند كثير من خيول محمد؛ عليهم البرمكي قد تحصن بها، والمدد يأتيه في كل يوم. والصلات والخلع من قبل محمد. فلما قرب طاهر من المدائن - وكان منها على رأس فرسخين - نزل فصلى ركعتين، وسبح فأكثر التسبيح، فقال: اللهم إنا نسألك نصراً كنصرك المسلمين يوم المدائن. ووجه الحسن بن علي المأموني وقريش بن شبل، ووجه الهادي بن حفص على مقدمته وسار. فلما سمع أصحاب البرمكي صوت طبوله أسرجوا الدواب، وأخذوا في تعبيتهم، وجعل من في أوائل الناس ينضم إلى أواخرهم، وأخذ البرمكي في تسوية الصفوف؛ فكلما سوى صفاً انتقض واضطرب عليه أمرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان؛ ثم التفت إلى صاحب ساقته، فقال: خل سبيل الناس؛ فإني أرى جنداً لا خير عندهم؛ فركب بعضهم بعضاً نحو بغداد، فنزل طاهر المدائن، وقدم منها قريش بن شبل والعباس بن بخاراخذاه إلى الدرزيجان، وأحمد بن سعيد الحرشي ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديائي، فمنعا أصحاب البرمكي من الجواز إلى بغداد، وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن المنصور، فسير إليهما الرجال، فلم يجر بينهما كثير قتال حتى انهزموا، وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر، فعقد بها جسراً ونزلها.
ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى عامل مكة والمدينة محمداً - وهو عامله يومئذ عليها - وبايع المأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس له؛ وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون؛ ثم خرج بنفسه إلى المأمون.
ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الأمر فيه

ذكر أن الأمين لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعزل عامل الرشيد على مكة؛ وكان عامله عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي، وكان إليه الصلاة بها وأحداثها القضاء بين أهلها؛ فعزل محمد عن ذلك كله بداود بن عيسى؛ سوى القضاء فإنه أقره على القضاء. فأقام داود والياً على مكة والمدينة لمحمد، وأقام للناس أيضاً الحج سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة، فلما دخلت سنة ست وتسعين ومائة بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه، وما كان فعل طاهر بقواد محمد، وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما، فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود - وكان داود أحدهم - فقال داود: قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه؛ ولنكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغي عليه على الباغي، ومع المغدور به على الغادر؛ فقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن، وخلعهما وبايع لابنه الطفل؛ رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصياً ظالماً، فحرقهما بالنار. وقد رأيت خلعه، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة؛ إذ كان مظلوماً مبغياً عليه. فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك، ونحن خالعوه معك؛ فوعدهم صلاة الظهيرة؛ وأرسل في فجاج مكة صائح يصيح: الصلاة جامعة! فلما جاء وقت صلاة الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة - خرج داود بن عيسى، فصلى بالناس صلاة الظهر، وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام، فصعد فجلس عليه، وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر؛ وكان داود خطيباً فصيحاً جهير الصوت؛ فلما اجتمع الناس قام خطيباً، فقال: الحمد لله مالك الملك؛ يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمة للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين. أما بعد يا أهل مكة؛ فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم نفذ وفد الله، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم، والمبغي عليه على الباغي، والمغدور به على الغادر؛ ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام؛ وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه المغدور به. ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي - وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها - ثم قال: قد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم.
فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر، رجل فرجل، فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة، وخلع محمداً، ثم نزل عن المنبر، وحانت صلاة العصر، فصلى بالناس، ثم جلس في ناحية المسجد، وجعل الناس يبايعونه جماعة بعد جماعة؛ يقرأ عليهم كتاب البيعة، ويصافحونه على كفه، ففعل ذلك أياماً.

وكتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة؛ يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة؛ من خلع محمد والبيعة لعبد الله المأمون. فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة، رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمرو على طريق البصرة، ثم على فارس، ثم على كرمان؛ حتى صار إلى المأمون بمرو، فأعلمه ببيعته وخلعه محمداً ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك؛ فسر بذلك المأمون، وتيمن ببركة مكة والمدينة؛ إذ كانوا أول من بايعه، وكتب إليهم كتاباً ليناً لطيفاً يعدهم فيه الخير، ويبسط أملهم، وأمر أن يكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية، وزيد له ولاية عك، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم، وخرج داود بن عيسى مسرعاً مغذاً مبادراً لإدراك الحج، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم، فسار هو وعمه داود حتى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين، فأكرمهما وقربهما، وأحسن معونتهما، ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلاً كثيفة، وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم؛ ليخلعوا محمداً ويبايعوا عبد الله المأمون.
فساروا جميعاً حتى دخلوا مكة. وحضر الحج، فحج بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى؛ فلما صدروا عن الحج انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين - وهو على حصار محمد - وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة والمدينة؛ ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى خلع محمد وبيعة عبد الله المأمون، وقرأ عليهم كتاباً من طاهر بن الحسين يعدهم العدل والإنصاف، ويرغبهم في طاعة المأمون، ويعلمهم ما بسط المأمون من العدل في رعيته؛ فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون، واستبشروا بذلك، وبايعوا للمأمون، وخلعوا محمداً، فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة، وأظهر عدلاً وإنصافاً، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين.
وفي هذه السنة عقد محمد في رجب وشعبان منها نحواً من أربعمائة لواء لقواد شتى، وأمر على جميعهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا بجللتا في رمضان على أميال من النهروان، فهزمهم هرثمة، وأسر علي بن محمد ين عيسى بن نهيك، وبعث به هرثمة إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان.
ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين وفي هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة، وشغب الجند على طاهر، ففرق محمد فيمن صاروا إليه من أصحاب طاهر مالاً عظيماً وقود رجالاً وغلف لحاهم بالغالية، فسموا بذلك قواد الغالية ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الآمر فيه: ذكر عن يزيد بن الحارث، قال: أقام طاهر على نهر صرصر لما صار إليها، وشمر في محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال والكسا، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خراسان ومن التف إليهم، فسر بهم محمد، ووعدهم ومناهم، وأثبت أسماءهم في الثمانين. قال: فمكثوا بذلك أشهراً، وقود جماعة من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه، وعقد لهم، ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابي في أصحابه؛ فلم يكن بينهم كثير قتال، وندب محمد قواداً من قواد بغداد، فوجههم إلى الياسرية والكوثرية والسفينتين، وحمل إليهم الأطعمة، وقواهم بالأرزاق، وصيرهم ردءاً لمن خلفهم، وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودس إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى محمد، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنوا حتى أشرفوا على نهر صرصر، فعبى طاهر أصحابه كراديس، ثم جعل يمر على كل كردوس منهم، فيقول:

لا يغرنكم كثرة ما ترون، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم، فإن النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع الصبر، ورب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. ثم أمرهم بالتقدم، فتقدموا واضطربوا بالسيوف ملياً. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولوا منهزمين، وأخلوا موضع عسكرهم، فانتهب أصحاب طاهر كل ما كان فيه من سلاح ومال. وبلغ الخبر محمداً، فأمر بالعطاء فوضع، وأخرج خزائنه وذخائره، وفرق الصلات وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحداً وسيماً حسن الرواء إلا خلع عليه وقوده؛ وكان لا يقود أحداً إلا غلفت لحيته بالغالية؛ وهم الذين يسمون قواد الغالية. قال: وفرق في قواده المحدثين لكل رجل منهم خمسمائة رجل وقارورة غالية، ولم يعط جند القواد وأصحابه شيئاً. وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهراً بذلك؛ فراسلهم وكاتبهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك:
قل للأمين الله في نفسه ... ما شتت الجند سوى الغالية
وطاهر نفسي تقي طاهراً ... برسله والعدة الكافية
أضحى زمام الملك في كفه ... مقاتلاً للفئة الباغية
يا ناكثاً أسلمه نكثه ... عيوبه من خبثه فاشيه
قد جاءك الليث بشداته ... مستكلباً في أسد ضاريه
فاهرب ولا مهرب من مثله ... إلا إلى النار أو الهاويه
قال: فلما شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتلاف أمرك؛ فإن بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردوه عليك، وهم من قد عرفت نجدتهم وبأسهم. فلج في أمرهم وأمر قتالهم، فوجه إليهم التنوخي وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذل لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل من لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعاً بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القواد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها؛ وفتن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدعار والشطار، فعز الفاجر، وذل المؤمن، واختل الصالح، وساءت حال الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم؛ واشتد في ذلك عليهم، وغادي القتال ورواحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أول موسم دعي له فيه بالخلافة بمكة والمدينة.
ثم دخلت سنة يبع وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهدي بالمأمون من العراق، فوجه المأمون القاسم إلى جرجان.
ذكر خبر حصار الأمين ببغدادوفيها حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيب محمد بن هارون ببغداد.
ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها: ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذي، ونصب المجانيق والعرادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالعرادات من أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبى السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمره طاهراً وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كان يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق:
لا تقرب المنجنيق والحجرا ... فقد رأيت القتيل إذ قبرا
باكر كي لا يفوته خبر ... راح قتيلاً وخلف الخبرا
ماذا به كان من نشاط ومن ... صحة جسم به إذا ابتكرا

أراد ألا يقال كان له ... أمر فلم يدر من به أمرا
يا صاحب المنجنيق ما فعلت ... كفاك، لم تبقيا ولم تذرا
كان هواه سوى الذي قدرا ... هيهات لن يغلب الهوى القدرا
ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطاً وخندقاً، وأعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، ونزل طاهر البستان بباب الأنبار، فذكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولى طاهر البستان بباب الأنبار، دخل محمداً أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرق من كان في يده من الأموال، وضاق ذرعاً، وتحرق صبراً فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحربية بالنفط والنيران والمجانيق والعرادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العتري الوراق:
يا رماة المنجنيق ... كلكم غير شفيق
ما تبالون صديقاً ... كان أو غير صديق
ويلكم تدرون ما تر ... مون مرار الطريق
رب خودٍ ذات دلٍ ... وهي كالغصن الوريق
أخرجت من جوف دنيا ... ها ومن عيشٍ أنيق
لم تجد من ذاك بداً ... أبرزت يوم الحريق
وذكر عن محمد بن منصور الباوردي، قال: لما اشتدت شوكة طاهر على محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيين والأسواق هنالك وشاطئ دجلة؛ وما اتصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدور والدروب، وأمده بالنفقات والفعلة والسلاح، وأمر الحربية بلزومه على النوائب، ووكل بطريق دار الرقيق وباب الشأم واحداً بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثر الحراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العتري:
من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زماناً قرة العين!
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم ... وكان قربهم زيناً من الزين!
صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا ... ماذا لقيت بهم من لوعة البين!
أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر ماء العين من عيني
كانوا ففرقهم دهر وصدعهم ... والدهر يصدع ما بين الفريقين
قال: ووكل محمد علياً فراهمود؛ فيمن ضم إليه من المقاتة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قصور دجلة وما والاها، فألح في إحراق الدور والدروب وهدمها بالمجانيق والعرادات على يدي رجل كان يعرف بالسمرقندي؛ فكان يرمي بالمنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحه وأعلامه، ومن أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقواده وفرسانه ورجالته؛ حتى أوحشت بغداد ، وخاف الناس أن تبقى خراباً؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:
أتسرع الرجلة إغذاذا ... عن جانبي بغداذ أم ماذا!
ألم تر الفتنة قد ألفت ... إلى أولى الفتنة شذاذا
وانتقضت بغداذ عمرانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا
هدماً وحرقاً قد أبيد أهلها ... عقوبة لاذت بمن لاذا
ما أحسن الحالات إن لم تعد ... بغداذ في القلة بغداذا
قال: وسمى طاهر الأرباض التي خالفه أهلها ومدينة أبي جعفر الشرقية، وأسواق الكرخ والخلد وما والاها دار النكث، وقبض ضياع من لم ينحز إليه من بني هاشم والقواد والموالي وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلوا وانكسروا وانقادوا، وذلت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والأوباش والرعاع والطرارين وأهل السوق. وكان حاتم بن صقر قد أباحهم النهب، وخرج الهرش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفتر عن ذلك ولا يمله ، ولا يني فيه فقال الخريمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:
قالوا: ولم يلعب الزمان ببغ ... داد وتعثر بها عواثرها

إذ هي مثل العروس باطنها ... مشوق للفتى وظاهرها
جنة خلدٍ ودار مغبطةٍ ... قل من النائبات واترها
درت خلوف الدنيا لساكنها ... وقل معسورها وعاسرها
وانفرجت بالنعيم وانتجعت ... فيها بلذاتها حواضرها
فالقوم منها في روضة أنفٍ ... أشرق غب القطار زائرها
من غرة العيش في بلهنيةٍ ... لو أن دنيا يدوم عامرها
دار ملوكٍ رست قواعدها ... فيها وقرت بها منابرها
أهل العلا والندى وأندية ال ... فخر إذا عددت مفاخرها
أفراخ نعمى في إرث مملكةٍ ... شد عراها لها أكابرها
فلم يزل والزمان ذو غيرٍ ... يقدح في ملكها أصاغرها
حتى تساقت كأساً مثملةً ... من فتنةٍ لا يقال عاثرها
وافترقت بعد ألفةٍ شيعاً ... مقطوعةً بينها أواصرها
يا هل رأيت الأملاك ما صنعت ... إذ لم يرعها بالنصح زاجرها
أورد أملاكنا نفوسهم ... هوة غي أعيت مصادرها
ما ضرها لو وفت بموثقها ... واستحكمت في التقى بصائرها
ولم تسافك دماء شيعتها ... وتبتعث فتيةً تكابرها
وأقنعتها الدنيا التي جمعت ... لها ورعب النفوس ضائرها
ما زال حوض الأملاك يحفره ... مسجورها بالهوى وساجرها
تبغي فضول الدنيا مكاثرةً ... حتى أبيحت كرهاً ذخائرها
تبيع ما جمع الأبوة لل ... أبناء لا أربحت متاجرها
يا هل رأيت الجنان زاهرةً ... يروق عين البصير زائرها!
وهل رأيت القصور شارعةً ... تكن مثل الدمى مقاصرها
وهل رأيت القرى التي غرس ال ... أملاك مخضرة دساكرها
محفوفةً بالكروم والنخل والر ... يحان ما يستغل طائرها
فإنها أصبحت خلايا من ال ... إنسان قد أميت محاجرها
قفراً خلاءً تعوي الكلاب بها ... ينكر منها الرسوم زائرها
وأصبح البؤس ما يفارقها ... إلفاً لها والسرور هاجرها
بزند ورد والياسرية والشط ... ين حيث انتهت معابرها
ويا ترحلي والخيزرانية ال ... عليا التي أشرفت قناطرها
وقصر عبدويه عبرة وهدىً ... لكل نفس زكت سرائرها
فأين حراسها وحارسها ... وأين مجبورها وجابرها!
وأين خصيانها وحشواتها ... وأين سكانها وعامرها
أين الجرادية الصقالب وال ... أحبش تعدو هدلاً مشافرها
ينصدع الجند عن مواكبها ... تعدو بها سرباً ضوامرها
بالسند والهند والصقالب وال ... نوبة شيبت بها برابرها
طيراً أبابيل أرسلت عبثاً ... يقدم سودانها أحامرها
أين الظباء الأبكار في روضه ال ... ملك تهادي بها غرائرها!
أين غضاراتها ولذتها ... وأين محبورها وحابرها!
بالمسك والعنبر اليمان وال ... يلنوج مشبوبة مجامرها
يرفلن في الخز والمجاسد وال ... موشي محطومه مزامرها
فأين رقاصها وزامرها ... يجبن حيث انتهت حناجرها
تكاد أسماعهم تسك إذا ... عارض عيدانها مزاهرها
أمست كجوف الحمار خاليةً ... يسعرها بالجحيم ساعرها
كأنما أصبحت بساحتهم ... عاد ومستهم صراصرها
لا تعلم النفس ما يبايتها ... من حادث الدهر أو يباكرها

تضحي وتمسي درية غرضاً ... حيث استقرت بها شراشرها
لأسهم الدهر وهو يرشقها ... محنطاً مرةً وباقرها
يا بوس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها ... لما أحاطت بها كبائرها
بالخسف والقذف والحريق وبال ... حرب التي أصبحت تساورها
كم قد رأينا من المعاصي ببغدا ... د فهل ذو الجلال غافرها!
حلت ببغداد وهي آمنة ... داهية لم تكن تحاذرها
طالعها السوء من مطالعه وأدركت أهلها جرائرها
رق بها الدين واستخف بذي ال ... فضل وعز النساك فاجرها
وخطم العبد أنف سيده بالرغم ... واستعبدت حرائرها
وصار رب الجيران فاسقهم ... وابتز أمر الدروب ذاعرها
من ير بغداد والجنود بها ... قد ربقت حولها عساكرها
كل طحون شهباء باسلة ... تسقط أحبالها زماجرها
تلقى بغي الردى أوانسها ... يرهقها للقاء طاهرها
والشيخ يعدو حزماً كتائبه ... يقدم أعجازها يعاورها
ولزهير بالفرك مأسدة ... مرموقة صلبة مكاسرها
كتائب الموت تحت ألوية ... أبرح منصورها وناصرها
يعلم أن الأقدار واقعة ... وقعاً على ما أحب قادرها
فتلك بغداد ما يبني من الذ ... لة في دورها عصافرها
محفوفة بالردى منطقة ... بالصغر محصورة جبابرها
ما بين شط الفرات منه إلى ... دجلة حيث انتهت معابرها
بارك هادي الشقراء نافرة ... تركض من حولها أشاقرها
يحرقها ذا وذاك يهدمها ... ويشتفي بالنهاب شاطرها
والكرخ أسواقها معطلة ... يستن عيارها وعائرها
أخرجت الحرب من سواقطها ... آساد غيل غلباً تساورها
من البواري تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها
تغدو إلى الحرب في جواشنها ال ... صوف إذا ما عدت أساورها
كتائب الهرش تحت رايته ... ساعد طرارها مقامرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها للقاء حاشرها
في كل درب وكل ناحية ... خطارة يستهل خاطرها
بمثل هام الرجال من فلق الص ... خر يزود المقلاع بائرها
كأنما فوق هامها فرق ... من القطا الكدر هاج نافرها
والقوم من تحتها لهم زجل ... وهي ترامى بها خواطرها
بل هل رأيت السيوف مصلتةً ... أشهرها في الأسواق شاهرها
والخيل تستن في أزقتها ... بالترك مسنونة خناجرها
والنفط والنار في طرائقها ... وهابيا للدخان عامرها
والنهب تعدو به الرجال وقد ... أبدت خلاخيلها حرائرها
معصوصبات وسط الأزقة قد ... أبرزها للعيون ساترها
كل رقود الضحى مخبأة ... لم تبد في أهلها محاجرها
بيضة خدر مكنونة برزت ... للناس منشورة غدائرها
تعثر في ثوبها وتعجلها ... كبة خيل ريعت حوافرها
تسأل أين الطريق والهة ... والنار من خلفها تبادرها
لم تجتل الشمس حسن بهجتها ... حتى اجتلتها حرب تباشرها
يا هل رأيت الثكلى مولولة ... في الطرق تسعى والجهد باهرها!
في إثر نعش عيه واحدها ... في صدره طعنة يساورها
فرغاء ينقى الشنار مربدها ... يهزها بالسنان شاجرها
تنظر في وجهه وتهتف بالث ... كل وجارى الدموع حادرها

غرغر بالنفس ثم أسلمها ... مطلوبة لا يخاف ثائرها
وقد رأيت الفتيان في عرصة ال ... معرك مغفورة مناخرها
كل فتى مانع حقيقته ... تشقى به في الوغى مساعرها
باتت عليه الكلاب تنهشه ... مخضوبة من دم أظافرها
أما رأيت الخيول جائلة ... بالقوم منكوبة دوائرها
تعث بالأوجه الحسان من ال ... قتلى وغلت دماً أشاعرها
يطأن أكباد فتية نجد ... يفلق هاماتهم حوافرها
أما رأيت النساء تحت المجا ... نيق تعادي شعثاً ضفائرها
عقائل القوم والعجائز وال ... عنس لم تحتبر معاصرها
يحملن قوتاً من الطحين على ال ... أكتاف معصوبة مهاجرها
وذات عيش ضنك ومقعسة ... تشدخها صخرة تعاورها
تسأل عن أهلها وقد سلبت ... وابتز عن رأسها غفائرها
يا ليت شعري والدهر ذو دول ... يرجى وأخرى تخشى بوادرها
هل ترجعن أرضنا كما غنيت ... وقد تناهت بنا مصايرها
من مبلغ ذا الرياستين رسا ... لات تأتي للنصح شاعرها
بأن خير الولاة قد علم الن ... اس إذا عددت مآثرها
خليفة الله في بريته ال ... مأمون منتاشها وجابرها
سمت إليه آمال أمته ... منقادةً برها وفاجرها
شاموا حيا العدل من مخايله ... وأصحرت بالتقى بصائرها
وأحمدوا منك سيرة جلت ال ... شك وأخرى صحت معاذرها
واستجمعت طاعة برفقك للمأ ... مون نجديها وغائرها
وأنت سمع في العالمين له ... ومقلة ما يكل ناظرها
فاشكر لذي العرش نعمته ... وأوجب فضل المزيد شاكرها
واحذر فداءً لك الرعية وال ... أجناد مأمورها وآمرها
لا تردن غمرةً بنفسك لا ... يصدر عنها بالرأي صادرها
عليك ضحضاحها فلا تلج الغم ... رة ملتجةً زواخرها
والقصد إن الطريق ذو شعبٍ ... أشماخها وعثها وجائرها
أصبحت في أمةٍ أوائلها ... قد فارقت هديها أواخرها
وأنت سرسورها وسائسها ... فهل على الحق أنت قاسرها!
أدب رجالاً رأيت سيرتهم ... خالف حكم الكتاب سائرها
وامدد إلى الناس كف مرحمة ... تسد منهم بها مفاقرها
أمكنك العدل إذ هممت به ... ووافقت مده مقادرها
وأبصر الناس قصد وجههم ... وملكت أمةً أخايرها
تشرع أعناقها إليك إذ الس ... ادات يوماً جمت عشائرها
كم عندنا من نصيحة لك في الل ... ه وقربى عزت زوافرها
وحرمةٍ قربت أواصرها ... منك، وأخرى هل أنت ذاكرها!
سعى رجال في العلم مطلبهم ... رائحها باكر وباكرها
دونك غراء كالوذيلة لا ... تفقد في بلدةٍ سوائرها
لا طمعاً قلتها ولا بطراً ... لكل نفسٍ هوىً يؤامرها
سيرها الله بالنصيحة وال ... خشية فاستدنجت مرائرها
جاءتك تحكي لك الأمور كما ... ينشر بز التجار ناشرها
حملتها صاحباً أخا ثقةٍ ... يظل عجباً بها يحاضرها
وفي هذه السنة استأمن الموكلون بقصر صالح من قبل محمد.
ذكر خبر وقعة قصر صالحوفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر قصر صالح.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة

ذكر عن محمد بن الحسين بن مصعب، أن طاهراً لم يزل مصابراً محمداً وجنده على ما وصفت من أمره؛ حتى مل أهل بغداد من قتاله، وأن علي فراهمرد الموكل بقصر صالح وسليمان بن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرادات إليه؛ وأنه قبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي فيمن ضم إليه من قواده وذوي البأس من فرسانه ليلاً، فسلم إليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد؛ وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش؛ وكان محمد بن عيسى غير مداهن في أمر محمد؛ وكان مهيباً في الحرب، فلما استأمن هذان إلى طاهر، أشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم؛ وصار على باب أم جعفر يتوقع ما يكون؛ وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار.
قال: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجاً من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر؛ ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلاً وجريحاً معقوراً من أصحاب طاهر من تلك الوقعة؛ فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب. وقال فيها الغوغاء والرعاع، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع:
أمين الله ثق بالل ... ه تعط الصبر والنصره
كل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدره
لنا النصر بعون الل ... ه والكرة لا الفره
وللمراق أعدائ ... ك يوم السوء والدبره
وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مره
سقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحره
كذاك الحرب أحياناً ... علينا ولنا مره
فذكر عن بعض الأبناء أن طاهراً بث رسله، وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون؛ فلحق به جماعة، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائي واخوته، وولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العاص، وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه.
قال: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش؛ فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ. وفرض دجلة وباب المحول والكناسة؛ فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة؛ فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب.
قال: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم؛ فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على أهل الريب. وأمر محمد بن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم؛ فكان الرجل إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز؛ حتى قيل: إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره: " فضرب بينهم بسور له باب باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب " . فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم، وضاقوا به ذرعاً؛ وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد:
بكيت دماً على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموماً من سرورٍ ... ومن سعةٍ تبدلنا بضيق
أصابتها من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قسراً ... ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي واصباحاً ... وباكية لفقدان الشفيق

وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق
تفر من الحريق إلى انتهابٍ ... ووالدها يفر إلى الحريق
وسالبة الغزالة مقلتيها ... مضاحكها كلألأة البروق
حيارى كالهدايا مفكرات ... عليهن القلائد في الحلوق
ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشقيق من الشقيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب قريب الدار ملقىً ... بلا رأسٍ بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً ... فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديق
ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق
وذكر أن قائداً من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يوماً إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى؛ استهانة بأمرهم واحتقاراً لهم؛ فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة؛ فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعدة والقوة؛ ولكم ما لكم من الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم! فأوتر قوسه وتقدم، وأبصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار، فوقع في باريته أو قريباً منه؛ فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيهاً بالجعبة. وجعل كلما وقع سهم أخذه وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه؛ ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه؛ فأخرج من مخلاته حجراً؛ فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر؛ فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه؛ وكر راجعاً وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس؛ قال: فحدثت أن طاهراً حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب؛ فقال بعض شعراء بغداد في ذلك:
خرجت هذه الحروب رجالاً ... لا لقحطانها ولا لنزار
معشراً في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضواري
وعليهم مغافر الخوص تجزي ... هم عن البيض. والتراس البواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأب ... طال عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشد على أل ... فين عريان ما له من إزار
ويقول الفتى إذا طعن الطع ... نة: خذها من الفتى العيار
كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مقامر طرار
ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شيء إلى بغدادقال محمد بن جرير: وفي هذه السنة منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد إلا من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك.
ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك وعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر أما السبب في ذلك فإنه - فيما ذكر - كان أن طاهراً لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه؛ لأنه لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه؛ فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشأم وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء أبي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوي في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضر على أصحابهم من أصحاب طاهر تعدياً؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الوراق العتري - في ذلك:
لنا كل يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدموا داراً أخذنا سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص

وإن حرصوا يوماً على الشر جهدهم ... فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص
فقد ضيقوا من أرضنا كل واسعٍ ... وصار لهم أهل بها، وتعرصوا
يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا ... لهم وجه صيدٍ من قريب تقنصوا
لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص!
إذا حضروا قالوا بما يعرفونه ... وإن يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا
وما قتل الأبطال مثل مجربٍ ... رسول المنايا ليله يتلصص
ترى البطل المشهور في كل بلدة ... إذا ما رأى العريان يوماً يبصبص
إذا ما رآه الشمري مقزلاً ... على عقبيه للمخافة ينكص
يبيعك رأساً للصبي بدرهمٍ ... فإن قال إني مرخص فهو مرخص
فكم قاتلٍ منا لآخر منهم ... بمقتله عنه الذنوب تمحص
تراه إذا نادى الأمان مبارزاً ... ويغمرنا طوراً وطوراً يخصص
وقد رخصت قراؤنا في قتالهم ... وما قتل المقتول إلا المرخص
وقال أيضاً في ذلك:
الناس في الهدم وفي الانتقال ... قد عرض الناس بقيلٍ وقال
يأيها السائل عن شأنهم ... عينك تكفيك مكان السؤال
قد كان للرحمن تكبيرهم ... فاليوم تكبيرهم للقتال
اطرح بعينيك إلى جمعهم ... وانتظر الروح وعد الليال
لم يبق في بغداد إلا امرؤ ... حالفه الفقر كثير العيال
لا أم تحمي عن حماها ولا ... خال له يحمي ولا غير خال
ليس له مال سوى مطردٍ ... مطرده في كفه رأس مال
هان على الله فأجرى على ... كفيه للشقوة قتل الرجال
إن صار ذا الأمر إلى واحدٍ ... صار إلى القتل على كل حال
ما بالنا نقتل من أجلهم ... سبحانك اللهم يا ذا الحلال!
وقال أيضاً:
ولست بتاركٍ بغداد يوماً ... ترحل من ترحل أو أقاما
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ... نبالي بعد من كان الإماما
قال عمرو بن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات؛ ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا أو كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام.
وفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حيناً بالياسرية.
ذكر خبر وقعة الكناسة وفيها جعل طاهر قواداً من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بن الوضاح الأزدي في أصحابه ومن ضم إليه بالوضاحية على المحول الكبير، وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهراً، ثم صبر الفريقان جميعاً؛ فكانت لهم فيها وقعة بالكناسة؛ باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك:
وقعة يوم الأحد ... صارت حديث الأبد
كم جسد أبصرته ... ملقىً وكم من جسد
وناظر كانت له ... منية بالرصد
أتاه سهم عاثر ... فشك جوف الكبد
وصائحٍ يا والدي ... وصائحٍ يا ولدي
وكم غريقٍ سابحٍ ... كان متين الجلد!
لم يفتقده أحد ... غير بنات البلد
وكم فقيدٍ بئس ... عز على المفتقد
كان من النظارة ال ... أولى شديد الحرد

لم يبق من كهل لهم ... فات ولا من أمرد
وطاهر ملتهم ... مثل التهام الأسد
خيم لا يبرح في ال ... عرصة مثل اللبد
تقذف عيناه لدى ال ... حرب بنار الوقد
فقائل قد قتلوا ... ألفاً ولما يزد
وقائل أكثر بل ... ما لهم من عدد
وهارب نحوهم ... يرهب من خوف غد
هيهات لا تبصر مم ... ن قد مضى من أحد
لا يرجع الماضي إلى ال ... باقي طوال الأبد
قلت لمطعون وفي ... ه روحه لم تبد
من أنت يا ويلك يا ... مسكين من محمد
فقال لا من نسبٍ ... دانٍ ولا من بلد
لم أره قط ولم ... أجد له من صفد
قلت لا للغي قا ... تلت ولا للرشد
إلا لشيء عاجلٍ ... يصير منه في يدي
وذكر عن عمرو بن عبد الملك أن محمداً أمر زريحاً غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلاً، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالاً كثيرة، وأهلك خلقاً، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك:
أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب
كل من راد زريح بيته ... لقي الذل ووافاه الحرب
ذكر خبر وقعة درب الحجارة.
وفيها كانت وقعة درب الحجارة.
ذكر الخبر عنها: ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة؛ وكانت لأصحاب محمد على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير، فقال في ذلك عمرو بن عبد الملك العتري:
وقعة السبت يوم درب الحجاره ... قطعت قطعة من النظاره
ذاك من بعد ما تفانوا ولكن ... أهلكتهم غوغاؤنا بالحجاره
قدم الشورجين للقتل عمداً ... قال إني لكم أريد الإماره
فتلقاه كل لص مريبٍ ... عمر السجن دهره بالشطاره
ما عليه شيء يواريه منه ... أيره قائم كمثل المناره
فتولوا عنهم وكانوا قديماً ... يحسنون الضراب في كل غاره
هؤلاء مثل هولاك لدينا ... ليس يرعون حق جار وجاره
كل من كان خاملاً صار رأساً ... من نعيمٍ في عيشه وغضاره
حامل في يمينه كل يومٍ ... مطرداً فوق رأسه طياره
أخرجته من بيتها أم سوءٍ ... طلب النهب أمه العياره
يشتم الناس ما يبالي بإفصا ... حٍ لذي الشتم لا يشير إشاره
ليس هذا زمان حر كريم ... ذا زمان الأنذال أهل الزعاره
كان فيما مضى القتال قتالاً ... فهو اليوم يا علي تجاره
وقال أيضاً:
بارية قيرت ظاهرها ... محمد فيها ومنصور
العز والأمن أحاديثهم ... وقولهم قد أخذ السور
وأي نفع لك في سورهم ... وأنت مقتول ومأسور؟
قد قتلت فرسانكم عنوةً ... وهدمت من دوركم دور
هاتوا لكم من قائد واحد ... مهذب في وجهه نور
يأيها السائل عن شأننا ... محمد في القصر محصور
ذكر خبر وقعة باب الشماسية وفيها أيضاً كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة.
ذكر عن علي بن يزيد أنه قال:

كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحياناً، فيقف بباب خراسان مشفقا ًمن أهل العسكر، كارهاً للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به؛ فيقف ساعة ثم ينصرف. وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد؛ وكان قد واعد أصحابه الغزاة والعيارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزماًن فأصابوا له خيلاً وسلاحاً ومتاعاً كثيراً، وغلب على الشماسية حاتم ابن صقر. وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر إلى موضعه؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلصه، فمر منهزماً، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب؛ وما كانوا من النهب والأسر. فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم.
وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الوراق:
عريان ليس بذي قميص ... يغدو على طلب القميص
يعدو على ذي جوشنٍ ... يعمي العيون من البصيص
في كفه طرادة ... حمراء تلمع كالفصوص
حرصاً على طلب القتا ... ل أشد من حرص الحريص
سلس القياد كأنما ... يغدو على أكل الخبيص
ليثاً مغيراً لم يزل ... رأساً يعد من اللصوص
أجرى وأثبت مقدماً ... في الحرب من أسدٍ رهيص
يدنو على سنن الهوا ... ن وعيصه من شر عيص
ينجو إذا كان النجا ... ء على أخف من القلوص
ما للكمي إذا لمق ... تله تعرض من محيص
كم من شجاعٍ فارسٍ ... قد باع بالثمن الرخيص
يدعو: ألا من يشتري ... رأس الكمي بكف شيص!
وقال بعض أصحاب هرثمة:
يفنى الزمان وما يفنى قتالهم ... والدور تهدم والأموال تنتقص
والناس لا يستطيعون الذي طلبوا ... لا يدفعون الردى عنهم وإن حرصوا
يأتوننا بحديثٍ لا ضياء له ... في كل يوم لأولاد الزنا قصص
قال: ولما بلغ طاهراً ما صنع الغزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه؛ وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد، وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة.
قال: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهبة، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشراً كثيراً، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
ثقلان وطاهر بن الحسين ... صبحونا صبيحة الإثنين
جمعوا جمعهم بليل ونادوا ... اطلبوا اليوم ثأركم بالحسين
ضربوا طلبهم فثار إليهم ... كل صلب القناة والساعدين
يا قتيلا بالقاع ملقىً على الشط ... هواه بطيء الجبلين
ما الذي في يديك أنت إذا ما اص ... طلح الناس أنت بالخلتين
أوزير أم قائد، بل بعيد ... أنت من ذين موضع الفرقدين
كم بصير غدا بعينين كي يب ... صر ما حالهم فعاد بعين
ليس يخطون ما يريدون ما يع ... مد راميهم سوى الناظرين
سائلي عنهم هم شر من أب ... صرت في الناس ليس غير كذين
شر باقٍ وشر ماضٍ من النا ... س مضى أو رأيت في الثقلين
قال: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمداً، فاشتد عليه وغمه وأحزنه؛ فذكر كاتب لكوثر أن محمداً قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات:

منيت بأشجع الثقلين قلباً ... إذا ما طال ليس كما يطول
له مع كل ذي بدنٍ رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفلٍ أمراً عناداً ... إذا ما الأمر ضيعه الغفول
وفي هذه السنة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الأربعاء يناير 01, 2014 3:23 pm

ولكن خاف صولة ضيغمي ... هصور الشد مشهور العرام
فذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا: ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتاباً أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له؛ لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب ؛ فضلاً عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم طرق المسلمين؛ حتى إن الرجال الذين بلوا من حربه من جانبهم، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون. وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى أن الرجل ليستقبل المرأة في زحمة الناس فيلتثان قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفاً وحتى إن الحامل الكيس في حنجرته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة؛ ولا نملك لأنفسنا معهم شيئاً؛ وإن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفي الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد! فذكر أنهم كتبوا بهذا قصة، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لاتظنوا أن طاهراً غبي عن هذا أو قصر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم؛ حتى كأنه شاهدكم؛ والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا؛ فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم؛ والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفاً، بل لو كنتم من أهل الأثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله تبارك وتعالى وأمسكوا. فأجابوهم وأمسكوا. وقال ابن أبي طالب المكفوف:
دعوا أهل الطريق فعن قليل ... تنالهم مخاليب الهصور
فتهتك حجب أفئدة شداد ... وشيكاً ما تصير إلى القبور
فإن الله مهلكهم جميعاً ... بأسباب التمني والفجور
وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعاً للقتال؛ حتى كان الفتح منه؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبي يزيد الشروي. وخلف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار؛ فذكر أن طاهراً لما رأى ذلك وجه إليهم قائداً من أصحابه، وكان مشتغلاً بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد، فأوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول يوم عمرو الوراق:
نادى منادي طاهرٍ عندنا ... يا قوم كفوا واجلسوا في البيوت
فسوف يأتيكم غد فاحذروا ... ليثاً هريت الشدق فيه عيوت
فثارت الغوغاء في وجهه ... بعد انتصاف الليل قبل القنوت
في يوم سبتٍ تركوا جمعه ... في ظلمة الليل سموداً خفوت
وقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد:

كم قتيل قد رأينا ... ما سألناه لأيش
دارعاً يلقاه عريا ... ن بجهلٍ وبطيش
إن تلقاه برمحٍ ... يتلقاه بفيش
حبشياً يقتل النا ... س على قطعة خيش
مرتدٍ بالشمس راض ... بالمنى من كل عيش
يحمل الحملة لا يق ... تل إلا رأس جيش
كعلي أفراهمردٍ ... أو علاءٍ أو قريش
أحذر الرمية يا طا ... هر من كف الحبيشي
وقال أيضاً عمرو الوراق في ذلك:
ذهبت بهجة بغدا ... د وكانت ذات بهجه
فلها في كل يومٍ ... رجة من بعد رجه
ضجت الأرض إلى الل ... ه من المنكر ضجه
أيها المقتول ما أن ... ت على دين المحجه
ليت شعري ما الذي نل ... ت ووقد أدلجت دلجه
أإلى الفردوس وجه ... ت أم النار توجه
حجر أرداك أم أر ... ديت قسراً بالأزجه
إن تكن قاتلت براً ... فعلينا ألف حجه
وذكر عن علي بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمداً أمر ببيع ما بقي في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يوماً وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله عز وجل قتل الفريقين جميعاً، وأراح الناس منهم؛ فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا؛ أما هؤلاء فيريدون مالي؛ وأما أولئك فيريدون نفسي. وذكرت أبياتاً قيل أنه قالها:
تفرقوا ودعوني ... يامعشر الأعوان
فكلكم ذو وجوهٍ ... كخلقة الإنسان
وما أرى غير إفكٍ ... وترهات الأماني
ولست أملك شيئاً ... فسائلوا خزاني
فالويل لي ما دهاني ... من ساكن البستان
قال: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك. وكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائةذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر خبر استيلاء طاهر على بغدادفمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي.
ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر ذكر السبب في ذلك كان طاهراً كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته، لم يقصر في أمره. فلما وصل كتابه إليه شاور الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا؛ فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبع هو أمراً يؤثر رأيه ورضاه؛ وانه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات؛ وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب؛ إن في ذلك جرماً؛ فاستعد للدخول؛ فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور؛ وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله.
قال: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما أحببت؛ فلن أخالفك؛ قال: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة.
وقد ذكر أن طاهراً لما كتب أيضاً إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك. قيل:

فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمداً، ودعوا لعبد الله المأمون؛ وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك؛ ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهاً، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر:
علينا جميعاً من خزيمة منة ... بها أخمد الرحمن ثائرة الحرب
تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب وحامى عنهم أشرف الذب
ولولا أبو العباس ما انفك دهرنا ... يبيت على عتب ويغدو على عتب
خزيمة لم ينكر له مثل هذه ... إذا اضطربت شرق البلاد مع الغرب
أناخ بجسري دجلة القطع والقنا ... شوارع والأرواح في راحة العضب
وأم المنايا بالمنايا مخيلة ... تفجع عن خطب وتضحك عن خطب
فكانت كنار ما كرتها سحابة ... فأطفأت اللهب الملفف باللهب
وما قتل نفس في نفوس كثيرة ... إذا صارت الدنيا إلى الأمن والخصب
بلاء أبي العباس غير مكفر ... إذا فزع الكرب المقيم إلى الكرب
فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهراً غداً يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضاح، فهزمهم أصحاب محمد وردوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسراً بالسيف. وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الكرخ والأطراف قواداً وجنداً في كل موضع على قدر حاجته منهم؛ وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد وبأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
يا طاهر الظهر الذي ... مثاله لم يوجد
يا سيد بن السيد ب ... ن السيد بن السيد
رجعت إلى أعمالها الأ ... ولى غزاة محمد
من بين نطافٍ وسو ... اطٍ وبين مقرد
ومجردٍ يأوي إلى ... عيارةٍ ومجرد
ومقيدٍ نقب السجو ... ن فعاد غير مقيد
ومقيدٍ بالنهب سا ... د وكان غير مسود
ذلوا لعزك واستكا ... نوا بعد طول تمرد
وذكر عن علي بن يزيد، أنه قال: كنت يوماً عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه، فقال عمرو: ناولني قدحاً، وقال في ذلك:
خذها فللخمرة أسماء ... لهل دواء ولها داء
يصلحها الماء إذا صفقت ... يوماً وقد يفسدها الماء
وقائلٍ كانت لهم وقعة ... في يومنا هذا وأشياء
قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء
اشرب ودعنا من أحاديثهم ... يصطلح الناس إذا شاءوا
قال: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان. قال: فقال أيضاً:
أي دهر نحن فيه ... مات فيه الكبراء
هذه السفلة والغو ... غاء فينا أمناء
ما لنا شيء من الأش ... ياء إلا ما يشاء
ضجت الأرض وقد ضج ... ت إلى الله السماء
ورفع الدين وقد ها ... نت على الله الدماء
يا أبا موسى لك الخي ... رات قد حان اللقاء

هاكها صرفاً عقاراً ... قد أتاك الندماء
وقال أيضاً عمرو الوراق في ذلك:
إذا ما شئت أن تغض ... ب جندياً وتستامر
فقل: يا معشر الأجنا ... د قد جاءكم طاهر
قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.
فذكر عن الحسين بن أبي سعيد أن طارقاً الخادم - وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمد سأله يوماً من الأيام وهو محصور، أو قال في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئاً - قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئاً، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر - فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئاً؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوج في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه.
وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم بن المهدي أخبره أنه كان نازلاً مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة - أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل، ثم أرسل إلي فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذٍ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله. قال: فابتدأت أغنيه من غير أن يسألني؛ لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها؛ ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قال: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
قال: فاشتد ما غنت به عليه وتطير منه، وقال لها: عن غير هذا فتغنت:
أبكي فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئاً غير هذا! قالت: يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه؛ وما أردت ما تكرهه؛ وما هو إلا شيء جاءني. ثم أخت في غناء آخر:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل النعيم من ملك ... عان بحب الدنيا بلا ملك
وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفانٍ ولا مشترك
فقال لها: قومي غضب الله عليك! قال: فقامت. وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسميه زبرباح، وكان موضوعاً بين يديه، فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا هذا - فقال لي: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية؛ ثم ماكان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، ويديم لك، ويكبت عدوك. فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتاً من دجلة " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ، فقال: يا إبراهيم ما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله، ما سمعت شيئاً - وقد كنت سمعت - قال: تسمع حساً! قال: فدنوت من الشط فلم أر شيئاً، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ، فوثب من مجلسه ذلك مغتماً، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك ليوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر، سنة ثمان وتسعين ومائة.
وذكر عن أبي الحسن المدائني؛ قال:

لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هارباً من القصر الذي كان يقال له الخلد مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق، وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة؛ وذلك لأربع عشرة شهراً منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثنا عشر يوما.
ذكر الخبر عن قتل الأمين وفي هذه السنة قتل محمد بن هارون.
ذكر الخبر عن مقتله: ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة، وقر فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى؛ وقد رأينا رأياً نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه؛ فإنا نرجو أن يكون صواباً ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها؛ فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلاً على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله؛ ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض، وتجبى الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، وإلى ذلك ما قد أحدث الله عز وجل في مكر الليل والنهار. فقال لهم: نعم ما رأيتم؛ واعتزم على ذلك. وخرج الخبر إلى طاهر؛ فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السندي بن شاهك: والله لإن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه؛ فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها؛ ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيراً، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم؛ وضربوا له فيه الأمثال.
قال محمد بن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعوداً في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه. قال: فلما سمعوا كلامه، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له؛ هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج. فكفوا وأمسكوا.
قال محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرم عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج؛ فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا: إنما غايتك اليوم السلام واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى؛ وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة. فقال محمد بن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة؛ لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذا أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. قال محمد بن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهراً وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق لم أر حائطاً شبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعلى سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفتي؛ وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك؛ وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنساً وأشد ثقة.
وذكر عن محمد بن إسماعيل، عن حفص بن أرميائيل، أن محمداً لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيب. قال:

فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت؛ فسهرت ليلتي أنا وأعواني؛ ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاساً شديداً؛ ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون. وأعطيتها كانوناً من فضة عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا بالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي: قم يا حفص؛ فقد وقعت في بلاء، قلت: ما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة؛ فلم أشك أنه هو؛ فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد أقبل. قال: فشتمتها وعنفتها. قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت؛ وكان هذا من أوائل الإدبار.
وذكر علي بن يزيد، قال: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعاً بعسكر المهدي، ومكث محمد محصوراً في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمد أصحابه ومن بقي معه في طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر، فقال له السندي: والله يا سيدي؛ لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا؛ وما أرى فرجاً إلا هرثمة. قال له: وكيف بهرثمة؛ وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوض إليه ملكك؛ فلعله كان سيركن إليك. فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم؛ هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولي الأمور برأيه بالغاً عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به؛ ولا طمع فيما سواه؛ ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إلي ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه؛ ولكني لا أطمع في ذلك منه. فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هرثمة؛ فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إلي أنه مقاتل دونك إن هم عبد الله بقتلك؛ فاخرج ليلاً في ساعة قد نوم الناس فيها؛ فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا.
وقال أبو الحسن المدائني: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب؛ حتى صار إلى طلب الأمان؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني؛ فيكون الفتح له.
ولما رأى هرثمة والقواد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصته وقواده، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأداروا الرأي بينهم، وأداروا الرأي بينهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهراً أنه لا يخرج إليه أبداً، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في أمره مثله في أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فقالوا له: يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشاً منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة - وذلك الخلافة - ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضي به. ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة. فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول.
فذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: أخبرني طارق الخادم، قال: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده. قال: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه؛ ولبس ثياب الخلافة؛ دراعة وطيلساناً والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة. فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قال:

اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزاً من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه؛ وصار إلى هرثمة. فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد؛ فلما صار إلى الحراقة؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخي ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بن المهدي - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلاً من أصحابه خراسانياً ضم إليه قوماً - فعرفه محمد بن حميد - وهو المعروف بالطاهري؛ وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوه، فبادر محمداً لماً، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على برذون، وألقي عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان ينزل باب الكوفة، وأردف رجلاً خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير.
فذكر عن الحسن بن أبي سعيد، أن خطاب بن زياد حدثه أن محمداً وهرثمة لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة. قال: فلما انتهى طاهر ونحن معه في الموكب والحسن بن علي المأموني والحسن الكبير خادم الرشيد - إلى باب الشأم، لحقنا محمد بن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه أسر محمداً، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي. قال: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: مكن، أي لا تفعل فعل حسين بن علي. قال: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. قال: واتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع.
وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي؛ قال: لما تهيأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود؛ فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة. قال: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة؛ فإني رأيت في دجلة على الشط أمراً قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدي أو تذهب نفسك؛ ولكن أقم بمكانك حتى أرجع ثم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك؛ فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدني. قال: فقال محمد: ارجع إليه، فقل له لا تبرح؛ فإني خارج إليك الساعة لا محالة؛ ولست أقيم إلى غد. قال: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني. ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري، ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما، وقال: أستودعكما الله؛ ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر؛ حتى ركبنا دوابنا وبين يديه شمعة واحدة. فلما صرنا إلى الطاقات مما يلي باب خراسان، قال لي أبي: يا محمد ابسط يدك عليه؛ فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف؛ فإن ضرب كان الضرب بك دونه. قال: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقي إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر وضربه بالسوط وحمله عليها، حتى ركبها في دجلة فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق؛ وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب، فوقفنا فيها نسمع الصوت.
فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظاماً، وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي. قال: وجعل يتصفح وجوهنا، قال: ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قال: أنا عبيد الله بن الوضاح، قال:

نعم، فجزاك الله خيراً، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني. قال: فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب. قال: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح؛ وخرج كل واحد منا على حيله؛ ورأيت محمداً حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء. قال: فخرجت إلى الشط، فعلقني رجل من أصحاب طاهر؛ فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة؛ أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت فاصدقني، قال: قلت. قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع؟ قلت: قد رأيته حين شق ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قال: قدموا دابتي؛ فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب. قال: فجعل في عنقي حبل وجنبت؛ وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل؛ وليس يعدو، قال: انزل فحز رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم. قال: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولاً حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي. قال: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفاً لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب؛ فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره؛ فإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث - وفي رواية حصر مدرجة - قال: فقعدت في البيت، وصيروا فيه سراجاً، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون. قال: فلما ذهب من الليل ساعة؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون : يسر زبيدة. قال: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قوماً آخرين أيضاً منهم.
قال: فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي. قال: وجعل ينظر إلي، ثم قال: أيهم أنت؟ قال: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي؟ قلت: أحمد بن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟ قال: قلت نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيراً، لست مولاي بل أنت أخي ومني. ثم قال: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي؛ قال: ادن مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة. قال: فضممته إلي فإذا قلبه يخفق خفقاً شديداً كاد أن يفرج عن صدره فيخرج. قال: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قال: قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته؛ قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قال: لا تقل لوزرائي إلا خيراً، فما لهم ذنب؛ ولست بأول من طلب أمراً فلم يقدر عليه. ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلوني أو يفون لي بأيمانهم؟ قال: قلت: بل يفون لك يا سيدي. قال: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة. قال: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك. قال: ويحك! دعني، هذا من الله عز وجل، لي في هذا الموضع خير.
قال: فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتاً له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول. قال: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قال:

فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد، لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة. قال: فاقتربت منه؛ فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل، ودق الباب، ففتح، فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائماً، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء! قال: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون؛ وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدنداني مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني - بالفارسية قال: فدخل منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحاً من قفاه، وأخذوا رأسه، فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها. قال: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك. قال: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، بها، فدفعتها إليه. قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس، وخرج إلى دجلة يوم الأحد.
وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال: قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن: لاجزى الله وزراءك خيراً، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي؛ ليس بموضع عتاب. ثم قال: أخبرني عن المأمون أخي، أحي هو؟ قلت: نعم؛ هذا القتال عمن إذاً! هو إلا عنه! قال: فقال لي: أخبرني يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلي الخبر في عسكر هرثمة - أن المأمون مات، فقلت له: كذب. قال: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير. قال: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر. قال: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها؛ وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق، فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم هجموا عليه فحزوا رأسه. واستقبلوا به طاهراً، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له - وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية - فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قال: يا غلام، هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فأعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد.
وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه.
وذكر عن الحسن بن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد، لما كانوا يأخذون من الأموال.
وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد، فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى - وهو من سعف مبطن - مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمر له بألف ألف درهم، فرأيت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد.
قال الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قال: حدثني علي بن حمزة العلوي، قال:

قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنئونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله. قال: فقال لنا شيخ منهم: كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشاً يقتله؛ فذهبنا إلى القبيلة، فوافق الاسم الاسم! وذكر عن محمد بن أبي الوزير أن علي بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلاً، ثم قال:
عوجا بمغنى طلل دائر ... بالخلد ذات الصخر والآجر
والمرمر المسنون يطلى به ... والباب باب الذهب الناضر
عوجا بها فاستيقنا عندها ... على يقين قدرة القادر
وأبلغا عني مقالاً إلى ال ... مولى على المأمور والآمر
قولا له: يابن ولي الهدى ... طهر بلاد الله من طاهر
لم يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا بمدى الجازر
حتى أتى يسحب أوصاله ... في شطن يفني مدى السائر
قد برد الموت على جنبه ... وطرفه منكسر الناظر
قال: وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه.
وذكر المدائني أن طاهراً كتب إلى المأمون بالفتح: أما بعد، فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال، والملك والسلطان، الذي إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه في فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها في دجلة نواحي أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحد ري السفن والزواريق بالعرادات والمقاتلة، إلى ما واجه الخلد وباب خراسان، تحفظاً بالمخلوع، وتخوفاً من أن يروغ مراغاً، ويسلك مسلكاً يجد به السبيل إلى إثارة فتنة وإحياء ثائرة، أو يهيج قتالاً بعد أن حصره الله عز وجل وخذله، ومتابعة الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين، ويسألني من تخلية الطريق له في الخروج واجتماعي وهرثمة بن أعين؛ لنتناظر في ذلك، وكراهتي ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق، وانقطاع المنافع عنه؛ وحيل بينه وبين الماء؛ فضلاً عن غيره؛ حتى هم به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجا معه إليها، وتحزبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسرت لأمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - مما أرجو أن يكون قد أتاه.
وإني أخبر أمير المؤمنين أني رويت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة في تخلصه من موضعه الذي قد أنزله الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربص في الأطراف إلا طمعاً وانتشاراً، وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين، وكراهتي ما أطمعه فيه وأجابه إليه؛ فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه، فصادرته - بعد يأس من انصرافه - عن رأيه، على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه وقضيبه قبل خروجه؛ ثم أخلي له طريق الخروج إليه؛ كراهة أن يكون بيني وبينه اختلاف نصير منه إلى أمرٍ يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت.
فتوجهت في خاصة ثقاتي الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم، بربط الجأش، وصدق البأس، وصحة المناصحة؛ حتى طالعت جميع أمر كل من كنت وكلت بالمدينة والخلد براً وبحراً، والتقدمة إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حراقات وسفناً؛ سوى العدة التي كنت لأركبها بنفسي لوقت ميعادي بيني وبين هرثمة، فنزلتها في عدة ممن كان ركب معي من خاصة ثقاتي وشاكريتي، وصيرت عدة منهم فرساناً ورجالة بين باب خراسان والمشرعة وعلى الشط.

وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب خراسان معداً مستعداً؛ وقد خاتلني بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة، ليحمله فبل أن أعلم، أو يبعث إلي بالرداء والسيف والقضيب؛ على ما كان فارقني عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمري كان أتاهم، وتقدمي إليهم ألا يدعوا أحداً يجوزهم إلا بأمري. فبادرهم نحو المشرعة، وقرب هرثمة إليه الحراقة، فسبق الناكث أصحابي إليها، وتأخر كوثر، فظفر به قريش مولاي، ومعه الرداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابي منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حراقة هرثمة، فتكفأت بهم حتى أغرقت بالماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلصاً إلى الشط، نادماً على ما كان من خروجه، ناقضاً للعهد، داعياً بشعاره، فابتدره عدة من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة، فأخذوه عنوة قهراً بلا ولا عقد ؛ فدعا بشعاره وعاد في نكثه، فعرض عليهم مائة حبة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم وإيثاراً للحق الواجب عليهم، فتعلقوا به، قد أسلمه الله وأفرده؛ كل يرغبه، ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه؛ حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم منازعة فيه، وتشاحاً عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه وأتاني الخبر بذلك، فأمرت بحمل رأسه إلي، فلما أتيت به تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح، في لزوم مواضعهم، والاحتفاظ بما يليهم، إلى أن يأتيهم أمري. ثم انصرفت. فأعظم الله لأمير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الإسلام به وفيه.
فلما أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع، فمصدق بقتله، ومكذب وشاك وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة في أمره، فمضيتبرأسه لينظروا إليه فيصح بعينهم، وينقطع بذلك بعل قلوبهم، ودخل التياث المستشرفين للفساد والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقي ما يلي مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه؛ وقد وضعت الحرب أوزارها وتلافى بالسلام والإسلام أهله؛ وبعد الله الدغل عنهم، وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط؛ والصنع من الله جل وعز والخيرة، والحمد لله على ذلك.
فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله، وليس قبلي داعٍ إلى فتنة، ولا متحرك ولا ساعٍ في فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع حاضر؛ قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته؛ فهو يتقلب في ظلها، يغدو في متجره ويروح في معايشه؛ والله ولي ما صنع من ذلك، والمتمم له، والمان بالزيادة فيه برحمته.
وأنا أسأل الله أن تهنئ أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده ويوزعه عليها شكره؛ وأن يجعل منته لديه متوالية دائماً متواصلة؛ حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة، ولأوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه ولي ذلك منهم وفيه، إنه سميع لطيف لما يشاء.
وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.
وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله، وبعد ما صار في المدينة، ورأى الأمر قد تولى عنه، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر، قعد في الجناح الذي كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم في بنائه قبل ذلك - وأمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند، فجمعوا في الرحبة، فأشرف عليهم، وقال: الحمد لله الذي يرفع ويضع. ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط؛ وإليه المصير. أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب؛ حمداً يدخر لي به أجزل الجزاء، ويرفدني أحسن العزاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمداً عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين، صلى الله عليه وسلم، آمين رب العالمين.

أما بعد يا معشر الأبناء، وأهل السبق إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير علي ومشير، فمادت به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبهتموني فانتبهت، واسعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، وناولته مقدرتي، مما جمعته وورثته عن آبائي، فقودت من لم يجز، واستكفيت من لم يكف، واجتهدت - علم الله - في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه؛ من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم؛ فكان منكم ما يطول ذكره؛ فغفرت الذنب، وأحسنت واحتملت واحتملت، وعزيت نفسي عند معرفتي بشرود الظفر، وحرصي على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومن على يدي أبيه كان فخركم، وبه تمت طاعتكم: عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه. يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفاً؛ إلى عامدين، وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين. ثم وثبتم مع الحسين علي، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني، وقيدتموني؛ وأشياء منعتموني من ذكرها؛ حقد قلوبكم وتلكؤ طاعتكم أكبر وأكثر. فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورضي بقدره؛ والسلام.
وقيل: لما قتل محمد، وارتفعت الثائرة، وأعطي الأمان الأبيض والأسود، وهدأ الناس، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطبهم خطبة بليغة، نزع فيها من قوارع القرآن؛ فكان مما حفظ من ذلك أن قال: الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
في آي من القرآن أتبع بعضها بعضاً، وحض على الطاعة ولزوم الجماعة، ورغبتهم في التمسك بحبل الطاعة. وانصرف إلى معسكره.
وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة، وحضره من بني هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة، قال: الحمد لله مالك الملك، يؤتيه من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين؛ إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله الخلافة إذ جعلها عماداً لدينه، وقواماً لعباده، وضبط الأطراف وسد الثغور، وإعداد العدة، وجمع الفيء، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة؛ بعد إذبال البطالات، والتلذذ بموبق الشهوات. والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب درة نعمتها، ألف لزهرة روضتها، كلف برونق بهجتها. وقد رأيتم من وفاء موعود الل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الأربعاء يناير 01, 2014 3:24 pm

قال المدائني: وكان مع محمد رجل يقال له السمرقندي، وكان يرمي عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة؛ وربما كان يشتد أمر أهل الأرباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق، فكان يبعث إليه، فيجيء به فيرميهم - وكان رامياً لم يكن حجره يخطئ - ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل، فلما قتل محمد قطع الجسر، واحترقت المجانيق التي كانت في دجلة يرمي عنها، فأشفق على نفسه، وتخوف من بعض من وتره أن يطلبه، فاستخفى، وطلبه الناس، فتكارى بغلاً، وخرج إلى ناحية خراسان هارباً، فمضى حتى إذا كان في بعض الطريق استقبله رجل فعرفه؛ فلما جازه قال الرجل للمكاري: ويحك! أين تذهب مع هذا الرجل! والله لئن ظفر بك معه لتقتلن، وأهون ما هو مصيبك أن تحبس، قال:

إنا لله وإنا إليه راجعون! قد والله عرفت اسمه، وسمعت به قتله الله! فانطلق المكاري إلى أصحابه - أو مسلحة انتهى إليها - فأخبرهم خبره، وكانوا من أصحاب كندغوش من أصحاب هرثمة، فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة، وبعث به هرثمة إلى خزيمة بن خازم بمدينة السلام، فدفعه خزيمة إلى بعض من وتره فأخرجه إلى شاطئ دجلة من الجانب الشرقي فصلب حياً، فذكروا أنه لما أرادوا شده على خشبته، اجتمع خلق كثير، فجعل يقول قبل أن يشدوه: أنتم بالأمس تقولون: لا قطع الله يا سمرقندي يدك، واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم لترموني! فلما رفعت الخشبة أقبل الناس عليه رمياً بالحجارة والنشاب وطعناً بالرماح حتى قتلوه، وجعلوا يرمونه بعد موته، ثم أحرقوه من غد، وجاءوا بنار ليحرقوه بها، وأشعلوها فلم تشتعل، وألقوا عليه قصباً وحطباً، فأشعلوها فيه، فاحترق بعضه، وتمزقت الكلاب بعضه؛ وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر.
ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته
وقدر ما ولي ومبلغ عمره
قال هشام بن محمد وغيره: ولي محمد بن هارون وهو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقتل ليلة الأحد لست بقين من صفر سنة سبع وتسعين ومائة. وأمه زبيدة بنة جعفر الأكبر بن أبي جعفر؛ فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقد قيل: كانت كنيته أبا عبد الله.
وأما محمد بن موسى الخوارزمي فإنه ذكر عنه أنه قال: أتت الخلافة محمد بن هارون للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وحج بالناس في هذه السنة التي ولي فيها داود بن عيسى بن موسى، وهو على مكة وأبو البختري على ولايته، وبعد ولايته، بعشرة أشهر وخمسة أيام وجه عصمة بن أبي عصمة إلى ساوة، وعقد ولايته لابنه موسى بولاية العهد لثلاثون خلون من شهر ربيع الأول؛ وكان على شرطه علي بن عيسى بن ماهان.
وحج بالناس سنة أربع وتسعين ومائة علي بن الرشيد، وعلى المدينة إسماعيل بن العباس بن محمد، وعلى مكة داود بن عيسى، وكان بين أن عقد لابنه إلى التقاء علي بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل علي بن عيسى بن ماهان سنة خمس وتسعين ومائة، سنة وثلاثة أشهر وتسعة وعشرون يوماً. قال: وقتل المخلوع ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم، قال: فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام.
ولما قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون في خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة أظهر المأمون الخبر، وأذن للقواد فدخلوا عليه. وقام الفضل بن سهل فقرأ الكتاب بالخبر، فهنئ بالظفر، ودعوا الله له. وورد الكتاب من المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بن هارون، فأظهر ذلك ووجها كتبهما به، وقرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين ومائة، وكان عمر بن محمد كله - فيما بلغني - ثمانياً وعشرين سنة.
وكان سبطاً أنزع أبيض صغير العينين أقنى، جميلاً، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. وكان مولده بالرصافة.
وذكر أن طاهراً قال حين قتله:
قتلت الخليفة في داره ... وأنهبت بالسيف أمواله
وقال أيضاً:
ملكت الناس قسراً واقتدارا ... وقتلت الجبابرة الكبارا
ووجهت الخلافة نحو مروٍ ... إلى المأمون تبتدر ابتدارا
ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته فما قيل في هجائه:
لم نبكيك لماذا؟ للطرب! ... يا أبا موسى وترويج اللعب
ولترك الخمس في أوقاتها ... حرصاً منك على ماء العني
وشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تعرف ما حد الرضا ... لا ولا تعرف ما حد الغضب
لم تكن تصلح للملك ولم ... تعطلك الطاعة بالملك العرب
أيها الباكي عليه لا بكت ... عين من أبكاك إلا للعجب
لم نبكيك لما عرضتنا ... للمجانيق وطوراً للسلب
ولقومٍ صيرونا أعبداً ... لهم ينزو على الرأس الذنب
في عذاب وحصار مجهدٍ ... سدد الطرق ولا وجه طلب

زعموا أنك حي حاشر ... كل من قال بهذا قد كذب
ليت من قد قاله في وحدة ... من جميع ذاب حيث ذهب
أوجب الله علينا قتله ... فإذا ما أوجب الأمر وجب
كان والله علينا فتنةً ... غضب الله عليه وكتب
وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكي، بغداد، ويهجو طاهراً ويعرض به:
من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زماناً قرة العين!
ألم يكن فيك أقوام لهم شرف ... بالصالحات والمعروف يلقوني
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم ... وكان قربهم زيناً من الزين
صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا ... ماذا الذي فجعتني لوعة البين!
أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر ماء العين من عيني
كانوا ففرقهم دهر وصدعهم ... والدهر يصدع ما بين الفريقين
كم كان لي مسعد منهم على زمني ... كم كان منهم على المعروف من عون
لله در زمان كان يجمعنا ... أين الزمان الذي ولى ومن أين!
يا من يخرب بغداداً ليعمرها ... أهلكت نفسك مل بين الفريقين
كانت قلوب جميع الناس واحدةً ... عيناً، وليس لكون العين كالدين
لما أشتهم فرقتهم فرقاً ... والناس طراً جميعاً بين قلبين
وذكر عمرو بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه، أن لبانة ابنة علي بن المهدي قالت:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والترس
أبكي على هالكٍ فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
وقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر، وكانت مملكة بمحمد.
وقال الحسين بن الضحاك الأشقر، مولى باهلة، يرثي محمداً، وكان من ندمائه، وكان لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه:
يا خير أسرته وإن زعموا ... إني عليك لمثبت أسف
الله يعلم أن لي كبداً ... حرى عليك ومقلةً تكف
لئن شجيت بما رزئت به ... إني لأضمر فوق ما أصف
هلا بقيت لسد فاقتنا ... أبداً، وكان لغيرك التلف!
فلقد خلفت خلائفاً سلفوا ... ولسوف يعوز بعدك الخلف
لا بات رهطك بعد هفوتهم ... إني لرهطك بعدها شنف
هتكوا بحرمتك التي هتكت ... حرم الرسول ودونها السجف
وثبت أقاربك التي خذلت ... وجميعها بالذل معترف
لم يفعلوا بالشط إذ حضروا ... ما تفعل الغيرانة الأنف
تركوا حريم أبيهم نفلاً ... والمحصنات صوارخ هتف
أبدت مخلخلها على دهش ... أبكارهن ورنت النصف
سلبت معاجرهن واجتليت ... ذات النقاب ونوزع الشنف
فكأنهن خلال منتهب ... در تكشف دونه الصدف
ملك تخون ملكه قدر ... فوهى وصرف الدهر مختلف
هيهات بعدك أن يدوم لنا ... عز وأن يبقى لنا شرف
لا هيبوا صحفاً مشرفةً ... للغادلين وتحتها الجدف
أفبعد عهد الله تقتله ... والقتل بعد أمانه سرف
فستعرفون غداً بعاقبة ... عز الإله فأوردوا وقفوا
يا من يخون نومه أرق ... هدت الشجون وقلبه لهف
قد كنت لي أملاً غنيت به ... فمضى وحل محله الأسف
مرج النظام وعاد منكرنا ... عرفاً وأنكر بعدك العرف
فالشمل منتشر لفقدك والد ... نيا سدىً والبال منكسف
وقال أيضاً يرثيه:
إذا ذكر الأمين نعى الأمينا ... وإن رقد الخلي حمى الجفونا
وما برحت منازل بين بصرى ... وكلواذى تهيج لي شجونا
عراص الملك خاوية تهادى ... بها الأرواح تنسجها فنونا
تخون عز ساكنها زمان ... تلعب بالقرون الأولينا

فشتت شملهم بعد اجتماعٍ ... وكنت بحسن ألفتهم ضنينا
فلم أر بعدهم حسناً سواهم ... ولم ترهم عيون الناظرينا
فوا أسفاً وإن شمت الأعادي ... وآه على أمير المؤمنينا
أضل العرف بعدك متبعوه ... ورفه عن مطايا الراغبينا
وكن إلى جنابك كل يومٍ ... يرحن على السعود ويغتدينا
هو الجبل الذي هوت المعالي ... لهدته وريع الصالحونا
ستندب بعدك الدنيا جواراً ... وتندب بعدك الدين المصونا
فقد ذهبت بشاشة كل شيءٍ ... وعاد الدين مطروحاً مهينا
تعقد عز متصل بكسرى ... وملته وذل المسلمونا
وقال أيضاً يرثيه:
أسفاً عليك سلاك أقرب قربةً ... مني وأحزاني عليك تزيد
وقال عبد الحمن بن أبي الهداهد يرثي محمداً:
يا غرب جودي قد بت من وذمه ... فقد فقدنا العزيز من ديمه
ألوت بدنياك كف نائبةٍ ... وصرت مغضىً لنا على نقمه
أصبح للموت عندنا علم ... يضحك سن المنون من علوه
ما استنزلت درة المنون على ... أكرم من حل في ثرى رحمه
خليفة الله في بريته ... تقصر أيدي الملوك عن شيمه
يفتر عن وجهه سنا قمرٍ ... ينشق عن نوره دجى ظلمه
زلزلت الأرض من جوانبها ... إذ أولغ السيف من نجيع دمه
من سكت نفسه لمصرعه ... من عمم الناس أو ذوي رحمه
رأيته مثل ما رآه به ... حتى تذوق الأمر من سقمه
كم قد رأينا عزيز مملكةٍ ... ينقل عن أهله وعن خدمه
يا ملكاً ليس بعده ملك ... لخاتم الأنبياء في أممه
جاد وحيا الذي أقمت به ... سح غزير الوكيف عن ديمه
لو أحجم الموت عن أخي ثقة ... أسوي في العز مستوى قدمه
أو ملكٍ لا ترام سطوته ... إلا مرام الشتيم في أجمه
خلدك العز ما سرى سدف ... أو قام طفل العشي في قدمه
أصبح ملك إذا اتزرت به ... يقرع سن الشقاة من ندمه
أثر ذو العرش في عداك كما ... أثر في عاده وفي إرمه
لا يبعد الله سورة تليت ... لخير داعٍ دعاه في حرمه
ما كنت إلا كحلم ذي حلمٍ ... أولج باب السرور في حلمه
حتى إذا أطلقته رقدته ... عاد إلى ما اعتراه من عدمه
وقال أيضاً يرثيه:
أقول وقد دنوت من الفرار ... سقيت الغيث يا قصر القرار
رمتك يد الزمان بسهم عينٍ ... فصرت ملوحاً بدخان نار
أبن لي عن جميعك أين حلوا ... وأين مزارهم بعد المزار
وأين محمد وابناه ما لي ... أرى أطلالهم سود الديار!
كأن لم يؤنسوا بأنيس ملكٍ ... يصون على الملوك بخير جار
إمام كان في الحدثان عوناً ... لنا والغيث يمنح بالقطار
لقد ترك الزمان بني أبيه ... وقد غمرتهم سود البحار
أضاعوا شمسهم فجرت بنحسٍ ... فصاروا في الظلام بلا نهار
وأجلوا عنهم قمراً منيراً ... وداستهم خيول بني الشرار
ولو كانوا لهم كفواً مثلاً ... إذا ما توجوا تيجان عار
ألا بان الإمام ووارثاه ... لقد ضرما الحشا منا بنار
وقالوا الخلد بيع فقلت ذلاً ... يصير ببائعيه إلى صغار
كذاك الملك يتبع أوليه ... إذا قطع القرار من القرار
وقال مقدس بن صيفي يرثيه:
خليلي ما أتتك به الخطوب ... فقد أعطتك طاعته النحيب
تدلت من شماريخ المنايا ... منايا ما تقوم لها القلوب
خلال مقابر البستان قبر ... يجاور قبره أسد غريب
لقد عظمت مصيبته على من ... له في كل مكرمةٍ نصيب

على أمثاله العبرات تذرى ... وتهتك في مآتمه الجيوب
وما اذخرت زبيدة عنه دمعاً ... تخص به النسيبة والنسيب
دعوا موسى ابنه لبكاء دهرٍ ... على موسى ابنه دخل الحزيب
رأيت مشاهد الخلفاء منه ... خلاء ما بساحتها مجيب
ليهنك أنني كهل عليه ... أذوب، وفي الحشا كبد تذوب
أصيب به البعيد فخر حزناً ... وعاين يومه فيه المريب
أنادي من بطون الأرض شخصاً ... يحركه النداء فما يجيب
لئن نعت الحروب إليه نفساً ... لقد فجعت بمصرعه الحروب
وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر:
لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل سام فوق أعواد منبر
لوارث علم الأولين وفهمهم ... وللملك المأمون من أم جعفر
كتبت وعيني مستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري
وقد مسني ضر وذل كآبةٍ ... وأرق عيني يابن عمي تفكري
وهمت لما لاقيت بعد مصابه ... فأمري عظيم منكر جد منكر
سأشكو الذي لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المستهام المقهر
وأرجو لما قد مر بي مذ فقدته ... فأنت لبثي خير رب مغير
أتى طاهر لا طهر الله طاهراً ... فما طاهر فيما أتى بمطهر
فأخرجني مكشوفة الوجه حاسراً ... وأنهب أموالي وأحرق آدري
يعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص الخلق أعور
فإن كان ما أسدى بأمرٍ أمرته ... صبرت لأمرٍ من قدير مقدر
تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمةٍ متذكر
وقال أيضاً يرثيه:
سبحان ربك رب العزة الصمد ... ماذا أصبنا به في صبحة الأحد
وما أصيب به الإسلام قاطبةً ... من التضعضع في ركنيه والأود
من لم يصب بأمير المؤمنين ولم ... يصبح بمهلكةٍ والهم في صعد
فقد أصبت به حتى تبين في ... عقلي وديني وفي دنياي والجسد
يا ليلةً يشتكي الإسلام مدتها ... والعالمون جميعاً آخر الأبد
غدرت بالملك الميمون طائره ... وبالإمام وبالضرغامة الأسد
سارت إليه المنايا وهي ترهبه ... فواجهته بأوغادٍ ذوي عدد
بشورجين وأغتامٍ يقودهم ... قريش بالبيض في قمصٍ من الزرد
فصادفوه وحيداً لا معين له ... عليهم غائب الأنصار بالمدد
فجرعوه المنايا غير ممتنعٍ ... فرداً فيا لك من مستسلم فرد
يلقى الوجوه بوجهٍ غير مبتذلٍ ... أبهى وأنقى من القوهية الجدد
وا حسرتا وقريش قد أحاط به ... والسيف مرتعد في كف مرتعد
فما تحرك بل ما زال منتصباً ... منكس الرأس لم يبدئ ولم يعد
حتى إذا السيف وافى وسط مفرقة ... أذرته عنه يداه فعل متئد
وقام فاعتقلت كفاه لبته ... كضيغمٍ شرس مستبسل لبد
فاحتزه ثم أهوى فاستقل به ... للأرض من كف ليثٍ محرجٍ حرد
فكاد يقتله لو لم يكاثره ... وقام منفلتاً منه ولم يكد
هذا حديث أمير المؤمنين وما ... نقصت من أمره حرفاً ولم أزد
لا زلت أندبه حتى الممات وإن ... أخنى عليه الذي أخنى على لبد
وذكر عن الموصلي أنه قال: لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرياستين، وقال: سل علينا سيوف الناس وألسنتهم؛ أمرناه أن يبعث به أسيراً فبعث به عقيراً! وقال المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه؛ فكتب الناس فأطالوا، وجاء أحمد بن يوسف بشبرٍ من قرطاس فيه: أما بعد؛ فإن المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصم الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين؛ يقول الله عز وجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح:

" إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " ، فلا طاعة لأحد في معصية الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة في جنب الله . وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، ورداه رداء نكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، وما ينتظر من صادق وعده حين رد به الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها.
ذكر الخبر عن بعض سير المخلوع محمد بن هارون ذكر عن حميد بن سعيد، قال: لما ملك محمد، وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وابتاعهم، وغالى بهم. وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه؛ وفرض لهم فرضاً سماه الجرادية، وفرضاً من الحبشلن سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رمى بهن، ففي ذلك يقول بعضهم:
ألا يا مزمن المثوى بطوس ... عزيباً ما يفادى بنفوس
لقد أبقيت للخصيان بعلاً ... تحمل منهم شؤم البسوس
فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي بدرٍ، فيا لك من جليس!
وما العصمى بشار لديه ... إذا ذكروا بذي سهم خسيس
لهم من عمره شطر وشطر ... يعاقر فيه شرب الخندريس
وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس
إذا كان الرئيس كذا سقيماً ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس!
فلو علم المقيم بدار طوسٍ ... لعز على المقيم بدار طوس
قال حميد: ولما ملك محمد وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره الدواب، وأخذ الوحوش والسباع والطير وغير ذلك؛ واحتجب عن أخوته وأهل بيته، وقواده، واستخف بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه، وحمل إليه ما كان في الرقة من الجوهر والخزائن والسلاح، وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد والخيزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه وقصر المعلا ورقة كلواذى وباب الأنبار وبناوري والهوب؛ وأمر بعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيماً، فقال أبو النواس يمدحه:
سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سن براً ... سار في الماء راكباً ليث غاب
أسداً باسطاً ذراعيه يهوى ... أهرت الشدق كالح الأنياب
لا يعانيه باللجام ولا السو ... ط ولا غمز رجليه في الركاب
عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليثٍ تمر مر السحاب
سبحوا إذ رأوك صرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب
ذات زور ومنسر وجناح ... ين تشق العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذا ما اس ... تعجلوها بجيئة وذهاب
بارك الله للأمير وأبقا ... ه وأبقى له رداء الشباب
ملك تقصر المدائح عنه ... هاشمي موفق للصواب
وذكر عن الحسين بن الضحاك، قال: ابتنى الأمير سفينة عظيمة، أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له الدلفين، فقال في ذلك أبو نواس الحسن بن هانئ :
قد ركب الدلفين بدر الدجى ... مقتحماً في الماء قد لحجا
فأشرقت دجلة في حسنه ... وأشرق الشطان واستبهجا
لم ترى عيني مثله مركباً ... أحسن إن سار وإن أحنجا
إذا استحثثته مجاديفه ... أعتق فوق الماء أو هملجا
خص به الله الأمين الذي ... أضحى بتاج الملك قد توجا
وذكر عن احمد بن إسحاق بن برصومة المغني الكوفي أنه قال: كان العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر من رجالات بني هاشم جلداً

وعقلأ وصنيعاً؛ وكان يتخذ الخدم، وكان له خادم من آثر خدمه عنده يقال له المنصور، فوجد الخادم عليه، فهرب إلى محمد، وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظي عنده حظوةً عجيبة. قال: فركب الخادم يوماً في جماعة خدم كانو لمجمد يقال لهم السيافة، فمر بباب العباس هيئته وحاله التي هو عليها. وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج محضرا ًفي قميص حاسرأ، في يده عمود عليه كيمخت، فلحقه في سويقة أبي الورد، فعلق بلجامه، ونازعه أولئك الخدم، فجعل لا يضرب أحداً منهم إلا أوهنه، حتى تفرقوا عنه، وجاء به يقوده حتى أدخله داره. وبلغ الخبر محمداً، فبعث إلى داره جماعة، فوقفوا حيالها، وصف العباس غلمانه ومواليه على سور داره، ومعهم الترسة والسهام، فقام أحمد بن إسحاق: فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا؛ وذلك أنهم أرادوا أن يحرقوا دار العباس. قال: وجاء رشيد الهاروني، فاستأذن عليه فدخل غليه، فقال: ماتصنع! أتدري ما أنت فيه وما قد جاءك! لو أذن لهم لاقتلعوا دارك بالأسنه، ألست في الطاعة! قال: بلى، قال: فقم فاركب. قال: فخرج في سواده، فلما صار على باب داره، قال: يا غلام، هلم دابتي فقال رشيد: لا ولا كرامة! ولكن تمضي راجلاً. قال: فمضى، فلما صار إلى الشارع نظر؛ فإذا العالمون قد جاءوا، وجاءه الجلودي والإفريقي وأبو البط وأصحاب الهرش. قال: فجعل ينظر إليهم، وأنا أراه راجلاً ورشيد راكب. قال: وبلغ أم جعفر الخبر، فدخلت على محمد، وجعل تطلب إلى محمد، فقال لها: نفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم أقتله! وجعلت تلح عليه، فقال لها: والله إني لأظنني سأسطو بك. قال: فكشفت شعرها، وقالت: ومن يدخل علي وأنا حاسر! قال: فبينما محمد كذلك - ولم يأت العباس بعد - إذ قدم صاعد الخادم عليه بقتل علي بن عيسى بن ماهان، فاشتغل بذلك، وأقام العباس في الدهليز عشرة أيام، ونسيه ثم ذكره، فقال: يحبس في حجرة من حجر داره، ويدخل عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يخدمونه، ويجعل له وظيفة في كل يوم ثلاثة ألوان. قال: فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن علي بن عيسى بن ماهان، ودعا إلى المأمون وحبس محمد. قال: فمر إسحاق بن عيسى بن علي ومحمد بن محمد المعبدى بالعباس بن عبد الله وهو في منظره، فقالا له: ما قعودك؟ اخرج إلى هذا الرجل - يعنيان حسين بن علي - قال: فخرج فأتى حسيناً، ثم وقف عند باب الجسر؛ فما ترك لأم جعفر شيئاً من الشتم إلا قاله، وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون. قال: ثم لم يكن إلا يسيراً حتى قتل الحسين، وهرب العباس إلى نهر بين إلى هرثمة، ومضى ابنه العباس إلى محمد، فسعى إليه بما كان لأبيه، ووجه محمد إلى منزله، فأخذ منه أربعة ألف درهم وثلثمائة أف دينار، وكانت في قماقم في بئر، وأنسوا قمقمين من تلك القماقم، فقال: ما بقي من ميراث أبي سوى هذين القمقمين، وفيهما سبعون ألف دينار. فلما انقضت الفتنة وقتل محمد رجع إلى منزله فأخذ القمقمين وجعلهما ... وحج في تلك السنة، وهي سنة ثمان وتسعين ومائة.
قال أحمد بن إسحاق: وكان العباس بن عيد الله يحدث بعد ذلك؛ فيقول: قال لي سليمان بن جعفر ونحن في دار المأمون: أما قتلت ابنك بعد؟ فقالت: يل عم، جعلت فداك! ومن يقتل ابنه! فقال لي: اقتله؛ فهو الذي سعى بك وبمالك فأفقرك.
وذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما، قال: لما حصر محمد وضغطه الأمر، قال: ويحكم! ما أحد يستراح إليه! فقيل له: بلى، رجل من العرب من أهل الكوفة، يقال له وضاح بن حبيب بن بديل التميمي؛ وهو بقية من بقايا العرب، وذو رأي أصيل، قال: فأرسلوا إليه، قال: فقدم علينا، فلما صار إليه قال له: إني قد خيرت بمذهبك ورأيك، فأشر علينا في أمرنا، قال له: يا أمير المؤمنين، قد بطل الرأي اليوم وذهب؛ ولكن استعمل الأراجيف؛ فإنها من آلة الحرب؛ فنصب رجلاً كان ينزل دجيلاً يقال له بكير بن المعتمر؛ فكان إذا نزل بمحمد نازلة وحادثة هزيمة قال له: هات؛ فقد جاءنا نازلة، فيضع له الأخبار، فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها. قال أحد بن إسحاق: كأني أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم الخلق.
وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكاتب، قال: حدثنا إبراهيم بن الجراح، قال:

حدثني كوثر، قال: أمر محمد بن زبيدة يوماً أن يفرش له على دكان الخلد، فبسط له عليه بساط زرعي، وطرحت عليه نمارق وفرش مثله، وهيئ له من آنية الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشراً عشراً، بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد؛ فأصعدت إليه عشراً فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
قال: فتأفف من هذا، ولعنها ولعن الجواري، فأمر بهن فأنزلن، ثم لبث هنيهة وأمرها أن تصعد عشراً، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين:
من كان مسروراً بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن قبل تبلج الأسحار
قال: فضجر وفعل مثل فعلته الأولى، وأطرق طويلاً، ثم قال: أصعدي عشراً فأصعدتهن، فلما وقفن على الدكان، اندفعن يغنين بصوت واحد:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
قال: فقام من مجلسه، وأمر بهدم ذلك المكان تطيراً مما كان.
وذكر عن محمد بن عبد الرحمن الكندي، قال: حدثني محمد بن دينار، قال: كان محمد المخلوع قاعداً يوماً، وقد اشتد عليه الحصار، فاشتد اغتمامه، وضاق صدره؛ فدعا بندمائه والشراب ليتسلى به، فأتي به، وكانت له جارية يتحظاها من جواريه، فأمرها أن تغني، وتناول كأساً ليشربه؛ فحبس الله لسانها عن كل شيء، فغنت:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فرماها بالكأس الذي في يده، وأمر بها فطرحت للأسد، ثم تناول كأساً أخرى، ودعا أخرى فغنت:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
فرمى وجهها بالكأس، ثم تناول كأساً أخرى ليشربها، وقال لأخرى: غني، فغنت: قومي هم قتلوا أميم أخي فرمى وجهها بالكأس،، ورمى الصينية برجله، وعاد إلى ما كان فيه من همه، وقتل بعد ذلك بأيام يسيرة.
وذكر عن أبي سعيد أنه قال: ماتت فطيم - وهي أم موسى بن محمد بن هارون المخلوع - فجزع عليها جزعاً شديداً، وبلغ أم جعفر، فقالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، قال: فحملت إليه، فاستقبلها، فقال: يا سيدتي، ماتت فطيم، فقالت
نفسي فداؤك لا يذهب بك اللهف ... ففي بقائك ممن قد مضى خلف
عوضت موسى فهانت كل مرزئةٍ ... ما بعد موسى على مفقوده أسف
وقالت: أعظم الله أجرك، ووفر صبرك، وجعل العزاء عنها ذخرك! وذكر عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ، ابن أخي أبي نواس، قال: حدثني أبي قال: هجا عمك أبو نواس مضر في قصيدته التي يقول فيها:
أما قريش فلا افتخار لها ... إلا التجارات من مكاسبها
وإنها إن ذكرت مكرمةً ... جاءت قريش تسعى بغالبها
إن قريشاً إذا هي انتسبت ... كان لها الشطر من مناسبها
قال:يريد أن أكرمها يغالب. قال: فبلغ ذلك الرشيد في حياته، فأمر بحبسه؛ فلم يزل محبوساً حتى ولي محمد، فقال يمدحه، وكان انقطاعه إليه أيام إمارته، فقال:
تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضر
ونثري عليك الدر يا در هاشمٍ ... فيا من رأى دراً على الدر ينثر!
أبوك الذي لم يملك الأرض مثله ... وعمك موسى عدله المتخير
وجدك مهدي الهدى وشقيقه ... أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
وما مثل منصوريك: منصور هاشمٍ ... ومنصور قحطانٍ إذا عد مفخر
فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا ... وعبد منافٍ والداك وحمير
قال: فتغنت بهذه الأبيات جارية بين يدي محمد، فقال لها: لمن الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، فقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، فقال: ليس عليه بأس. قال: فبعث إليه إسحاق بن فراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة، فقالا: إن أمير المؤمنين ذكرك البارحة فقال: ليس عليه بأس، فقال أبياتاً وبعث بها إليه، وهي هذه الأبيات:
أرقت وطار من عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يواسوا

أمين الله قد ملكت ملكاً ... عليك من التقى فيه لباس
ووجهك يستهل ندى فيحيا ... به في كل ناحيةٍ أناس
كأن الخلق في تمثال روحٍ ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن السجن باس ... وقد أرسلت: ليس عليك باس
فلما أنشده قال: صدق، علي به، فجيء به في الليل، فكسرت قيوده؛ وأخرج حتى دخل عليه، فأنشأ يقول:
مرحباً مرحباً بخير إمامٍ ... صيغ من جوهر الخرفة نحتا
يا أمين الإله يكلؤك الل ... ه مقيماً وظاعناً حيث سرتا
إنما الأرض كلها لك دار ... فلك الله صاحب حيث كنتا
قال: فخلع عليه، وخلي سبيله، وجعله في ندمائه.
وذكر عن عبد الله بن عمرو التميمي، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الفارسي، قال: شرب أبو نواس الخمر، فرفع ذلك إلى محمد في أيامه، فأمر بحبسه، فحبسه أبو الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر، ثم ذكره محمد، فدعا به وعنده بنو هاشم وغيرهم، ودعا له بالسيف والنطع يهدده بالقتل، فأنشده أبو نواس هذه الأبيات:
تذكر أمين الله والعهد يذكر
الشعر الذي ذكرناه قبل، وزاد فيه:
تحسنت الدنيا بحسن خليفةٍ ... هو البدر إلا أنه الدهر مقمر
إمام يسوس الناس سبعين حجة ... عليه له منها لباس ومئزر
يشير إليه الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين ينظر
أيا خير مأمولٍ يرجى، أنا امرؤ ... رهين أسير في سجونك مقفر
مضى أشهر لي مذ حبست ثلاثة ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر
فإن كنت لم أذنب ففيم تعقبي! ... وإن كنت ذا ذنبٍ فعفوك أكثر
قال: فقال له محمد: فإن شربتها؟ قال: دمي لك حلال يا أمير المؤمنين، فأطلقه. قال: فكان أبو نواس يشمها ولا يشربها وهو قوله: لا أذوق المدام إلا شميما وذكر عن مسعود بن عيسى العبدي، قال: أخبرني يحيى بن المسافر القرقسائي، قال: أخبرني دحيم غلام أبي نواس؛ أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر، فطبق به - وكان للفضل بن الربيع خال يستعرض أهل السجون ويتعاهدهم ويتفقدهم - ودخل في حبس الزنادقة، فرأى فيه أبا نواس - ولم يكن يعرفه - فقال له: يا شاب، أنت مع الزنادقة! قال: معاذ الله، قال: فلعلك ممن يعبد الكبش! قال: أنا آكل الكبش بصوفه، قال: فلعلك ممن بعبد الشمس؟ قال: إني لأتجنب القعود فيها بغضاً لها، قال: فبأي جرم حبست؟ قال: حبست بتهمة أنا منها بريء، قال: ليس إلا هذا؟ قال: والله لقد صدقتك. قال: فجاء إلى الفضل، فقال له: يا هذا، لا تحسنون جوار نعم الله عز وجل! أيحبس الناس بالتهمة! قال: وما ذاك؟ فأخبره بما ادعى من جرمه، فتبسم الفضل، ودخل على محمد، فأخبره بذلك، فدعا به، وتقدم إليه أن يجتنب الخمر والسكر، قال: نعم، قيل له: فبعهد الله! قال: نعم، قال: فاخرج ، فبعث إليه فتيان من قريش فقال لهم: إني لا أشرب، قالوا: وإن لم تشرب فآنسنا بحديثك، فأجاب، فلما دارت الكأس بينهم، قالوا: ألم ترتح لها؟ قال: لا سبيل والله إلى شربها، وأنشأ يقول:
أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شمما
نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى في خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما
إن حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني وما أحسن منها ... قعدي يزين التحكيما
كل عن حملة السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطبق ألا يقيما
وذكر عن أبي الورد السبعي أنه قال: كنت عند الفضل بن سهل بخراسان، فذكر الأمين، فقال: كيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه:
ألا سقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
قال: فبلغت القصة محمداً، فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه.
وذكر كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبي نواس ورواته، قال: كان أبو نواس قال أبياتاً بلغت الأمين في آخرها:

وقد زادني تيهاً على الناس أنني ... أراني أغناهم إذا كنت ذا عسر
ولو لم أنل فخراً لكانت صيانتي ... فمي عن جميع الناس حسبي من الفخر
ولا يطمعن في ذاك مني طامع ... ولا صاحب التاج المحجب في القصر
قال: فبعث إليه الأمين - وعنده سليمان بن أبي جعفر - فلما دخل عليه، قال: يا عاض بظر أمه العاهرة! يابن اللخناء - وشتمه أقبح الشتم - أنت تكسب بشعرك أوساخ أيدي اللئام، ثم تقول: ولا صاحب التاج المحجب في القصر أما والله لا نلت مني شيئاً أبداً. فقال له سليمان بن أبي جعفر: والله يا أمير المؤمنين، وهو من كبار الثنوية، فقال محمد: هل يشهد عليه بذلك شاهد؟ فاستشهد سليمان جماعة، فشهد بعضهم أنه شرب في يوم مطير، ووضع قدحه تحت السماء، فوقع فيه القطر، وقال: يزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك، فكم ترى أني أشرب الساعة من الملائكة! ثم شرب ما في القدح، فأمر محمد بحبسه، فقال أبو نواس في ذلك:
يا رب إن القوم قد ظلموني ... وبلا اقتراف تعطل حبسوني
وإلى الجحود بما عرفت خلافه ... مني إليه بكيدهم نسبوني
ما كان إلا الجري في ميدانهم ... في كل جري والمخافة ديني
لا العذر يقبل لي فيفرق شاهدي ... منهم ولا يرضون حلف يميني
ولكان كوثر كان أولى محبساً ... في دار منقصة ومنزل هون
أما الأمين فلست أرجو دفعه ... عني، فمن لي اليوم بالمأمون!
قال: وبلغت المأمون أبياته فقال: والله لئن لحقته لأغنيه غنى لا يؤمله، قال: فمات قبل دخول المأمون مدينة السلام.
قال: ولما طال حبس أبي نواس، قال في حبسه - فيما ذكر - عن دعامة:
احمدوا الله جميعاً ... يا جميع المسلمينا
ثم قولوا لا تملوا ... ربنا أبق الأمينا
صير الخصيان حتى ... صير التعنين دينا
فاقتدى الناس جميعاً ... بأمير المؤمنينا
قال: وبلغت هذه الأبيات أيضاً المأمون وهو بخراسان، فقال: إني لأتوكفه أن يهرب إلي.
وذكر يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن كوثر خادم المخلوع، أن محمداً أرق ذات ليلة، وهو في حربه مع طاهر، فطلب من يسامره فلم يقرب إليه أحد من حاشيته، فدعى حاجبه، فقال: ويلك! قد خطرت بقلبي خطرات فأحضرني شاعراً ظريفاً أقطع به بقية ليلتي، فخرج الحاجب، فاعتمد أقرب من بحضرته، فوجد أبا نواس، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال له: لعلك أردت غيري! قال: لم أرد أحداً سواك. فأتاه به، فقال: من أنت؟ قال: خادمك الحسن بن هانئ، وطليقك بالأمس، قال: لا ترع؛ إنه عرضت بقلبي أمثال أحببت أن تجعلها في شعر، فإن فعلت ذلك أجزت حكمك فيما تطلب، فقال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قولهم: عفا الله عما سلف، وبئس والله ما جرى فرسي، واكسري عوداً على أنفك، وتمنعي أشهى لك. قال: فقال أبو نواس. حكمي أربع وصائف مقدودات، فأمر بإحضارهن، فقال:
فقدت طول اعتلالك ... وما أرى في مطالك
لقد أردت جفائي ... وقد أردت وصالك
ما ذا أردت بهذا! ... تمنعي أشهى لك
وأخذ بيد وصيفته فعزلها، ثم قال:
قد صحت الأيمان من حلفك ... وصحت حتى مت من خلفك
بالله يا سني احنثي مرة ... ثم اكسري عوداً على أنفك
ثم عزل الثانية، ثم قال:
فديتك ماذا الصلف ... وشتمك أهل الشرف!
صلي عاشقاً مدنفاً ... قد أعتب مما اقترف
ولا تذكري ما مضى ... عفا الله عما سلف
ثم عزل الثالثة، وقال:
وباعثاتٍ إلى من في الغلس ... أن ائتنا واحترس من العسس
حتى إذا نوم العداة ولم ... أخش رقيباً ولا سنا قبس
ركبت مهري وقد طربت إلى ... حورٍ حسان نواعم لعس
فجئت والصبح قد نهضت له ... فبئس والله ما جرى فرسي
فقال: خذهن لا بارك الله لك فيهن! وذكر عن الموصلي، عن حسين خادم الرشيد، قال:

لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزل على الشط، بفرش أجود مما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيدي؛ لم يكن لأبيك فرش يباهي بك الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا؛ فأحببت أن أفرشه لك، قال: فأحببت أن يفرش لي في أول خلافتي المرداج، وقال: مزقوه، قال: فرأيت والله الخدم والفراشين قد صيروه ممزقاً وفرقوه.
وذكر عن محمد بن الحسن. قال: حدثني أحمد بن محمد البرمكي أن إبراهيم بن المهدي غنى محمد بن زبيدة:
هجرتك حتى قيل لا يعرف القلى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فطرب محمد، وقال: أوقروا زورقه ذهباً.
وذكر عن علي بن محمد بن إسماعيل، عن مخارق، قال: إني لعند محمد بن زبيدة يوماً ماطراً، وهو مصطبح، وأنا جالس بالقرب منه، وأنا أغني وليس معه أحد، وعليه جبة وشي؛ لا والله ما رأيت أحسن منها. فأقبلت أنظر إليها، فقال: كأنك استحسنتها يا مخارق! قلت: نعم يا سيدي؛ عليك لأن وجهك حسن فيها، فأنا أنظر إليه وأعوذك. قال: يا غلام، فأجابه الخادم، قال: فدعا بجبة غير تلك، فلبسها وخلع التي عليه علي، ومكثت هنيهة ثم نظرت إليه، فعاودني بمثل ذلك الكلام، وعاودته، فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جباب ظاهرت بينها. قال: فلما رآها علي ندم وتغير وجهه، وقال: يا غلام، اذهب إلى الطباخين فقل لهم: يطبخون لن مصلية، ويجيدوا صنعتها، وأتني بها الساعة، فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء الخوان، وهو لطيف صغير، وفي وسطه غضارة ضخمة ورغيفان، فوضعت بين يديه، فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفة، ثم قال: كل يا مخارق، قلت: يا سيدي، اعفني من الأكل، قال: لست أعفيك فكل، فكسرت لقمة، ثم تناولت شيئاً، فلما وضعتها في فمي قال: لعنك الله! ما أشرهك! نغصتها علي وأفسدتها، وأدخلت يدك فيها؛ ثم رفع الغضارة بيده، فإذا هي في حجري، وقال: قم لعنك الله! فقمت وذاك الودك والمرق يسيل من الجباب، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي، ودعوت القصارين والوشائين، وجهدت جهدي أن تكون كما كانت فما عادت.
وذكر عن البحتري أبي عبادة عن عبيد الله بن أبي غسان، قال: كنت عند محمد في يوم شات شديد البرد؛ وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش؛ قلما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن، وأنا في ذلك اليوم طاو ثلاثة أيام ولياليهن إلا من النبيذ؛ والله لا أستطيع أن أتكلم ولا أعقل، فنهض نهضة البول، فقلت لخادم من خدمي الخاصة: ويلك! قد والله مت فهل من حيلة إلى شيء تلقيه في جوفي يبرد عني ما أنا فيه! فقال: دعني حتى أحتال لك وأنظر ما أقول، وصدق مقالتي، فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إلي نظرة، فتبسم، فرآه محمد، فقال: مم تبسمت؟ قال: لا شيء يا سيدي، فغضب. قال البحتري: فقال: شيء في عبيد الله بن أبي غسان؛ لا يستطيع أن يشم رائحة البطيخ ولا يأكله، ويجزع منه جزعاً شديدأً. فقال: يا عبيد الله هذا فيك؟ قال: قلت: إي والله يا سيدي ابتليت به، قال: ويحك! مع طيب البطيخ وطيب ريحه! قال: فقلت: أنا كذا. قال: فتعجب ثم قال: علي ببطيخ؛ فأتى منه بعدة، فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه، وتنحيت. قال: خذوه وضعوا البطيخ بين يديه، قال: فأقبلت أريه الجزع والاضطراب من ذلك، وهو يضحك، ثم قال: كل واحدة، قال: فقلت: يا سيدي، تقتلني وترمي بكل شيء في جوفي وتهيج علي العلل، الله الله في! قال: كل بطيخة ولك فرش هذا البيت؛ علي عهد الله بذلك وميثاقه، قلت: ما أصنع بفرش بيت وأنا أموت إن أكلت! قال: فتأبيت، وألح علي، وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة، فجعلوا يحشونها في فمي وأنا أصرخ وأضطرب؛ وأنا مع ذلك أبلع، وأنا أريه أني بكره أفعل ذلك وألطم رأسي، وأصبح وهو يضحك، فلما فرغت تحول إلى بيت آخر، ودعا الفراشين، فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلي ثم عاودني في فرش ذلك البيت في بطيخة أخرى، ثم فعل كفعله الأول، وأعطاني فرش البيت؛ حتى أعطاني فرش ثلاثة أبيات؛ وأطعمني ثلاث بطيخات، قال: وحسنت والله حالي واشتد ظهري.
قال: وكان منصور بن المهدي يريه أنه ينصح له، فجاء وقد قام محمد يتوضأ، وعلمت أن محمداً سيعقبني بشر ندامة على ما خرج من يديه؛ فأقبل علي منصور ومحمد غائب عن المجلس، وقد بلغه الخبر، فقال:

يابن الفاعلة، تخدع أمير المؤمنين، فتأخذ متاعه! والله لقد هممت أفعل وأفعل، فقلت: يا سيدي، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذا، فإن أحببت أن تقتلني فتأثم فشأنك، وإن تفضلت فأهل لذلك أنت، ولست أعود. قال: فإني أتفضل عليك. قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البركة، ففرشوا له عليها، فجلس وجلسنا وهي مملوءة ماء، فقال: يا عم، اشتهيت أن أصنع شيئاً؛ أرمي عبيد الله إلى البركة وتضحك منه. قال: يا سيدي إن فعلت هذا قتلته لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا؛ ولكني أدلك على شيء خيرت به، طيب، قال: ما هو؟ قال: تأمر به يشد في تخت، ويطرح على باب المتوضأ، ولا يأتي باب المتوضأ أحد إلا بال على رأسه. فقال: طيب والله؛ ثم أتى بتخت فأمر فشددت فيه، ثم أمر فحملت فألقيت على باب المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرباط عني، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون علي وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بي فحللت وأريته أني تنظفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه.
وذكر عب عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن أبيه - وكان حاجب المخلوع - قال: كنت قائماً على رأسه، فأتى بغداء فتغدى وحده، وأكل أكلاً عجيباً، وكان يوماً يعد للخلفاء قبله على هيئة ما كان يهيأ لكل واحد منهم يأكل من كل طعام، ثم يؤتى بطعامه. قال: فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبي العنبر - خادم كان لأمه - فقال: اذهب إلى المطبخ، فقل لهم يهيئون لي بزماورد، ويتركونه طوالاً لا يقطعونه، ويكون حشوه شحوم الدجاج والسمن والبقل والبيض والجبن والزيتون والجوز، ويكثرون منه ويعجلونه؛ فما مكث إلا يسيراً حتى جاءوا به في خوان مربع، وقد جعل البزماورد الطوال، على هيئة القبة العبد صمدية، حتى صير أعلاها بزماوردة واحدة، فوضع بين يديه، فتناول واحدة فأكلها، ثم لم يزل كذلك حتى لم يبق على الخوان شيئاً.
وذكر عن علي بن محمد أن جابر بن مصعب حدثه، قال: حدثني مخارق، قال: مرت بي ليلة ما مرت بي مثلها قط، إني لفي منزلي بعد ليلٍ إذ أتاني رسول محمد - وهو خليفة - فركض بي ركضاً، فانتهى بي إلى داره، فأدخلت فإذا إبراهيم بن المهدي قد أرسل إليه كما أرسل إلي، فوافينا جميعاً، فانتهى إلى باب مفض إلى صحن، فإذا الصحن مملوء شمعاً من شمع محمد العظام، وكأن ذلك الصحن في نهار، وإذا محمد في كرج، وإذا الدار مملوءة وصائف وخدماً، وإذا اللعابون يلعبون، ومحمد وسطهم في الكرج يرقص فيه، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلي الصحن، ثم ارفعا أصواتكما معبراً ومقصراً عن السورناي، واتبعاه في لحنه قال: وإذا السورناي والجواري واللعابون في شيء واحد: هذي دنانير تنساني وأذكرها تتبع الزمار. قال: فوالله ما زلت وإبراهيم قائمين نقولها، نشق بها حلوقنا حتى انفلق الصبح، ومحمد في الكرج ما يسأمه ولا يمله حتى أصبح يدنو منا، أحياناً نراه، وأحياناً يحول بيننا وبينه الجواري والخدم.
وذكر الحسين بن فراس مولى بني هاشم، قال: غزا الناس في زمان محمد على أن يرد عليهم الخمس، فرد عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير، وكان ذلك مالاً عظيماً.
وذكر عن ابن الأعرابي، قال: كنت حاضر الفضل بن الربيع، وأتي بالحسن بن هانئ، فقال: رفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق، فجعل يبرأ من ذلك ويحلف، وجعل الفضل يكرر عليه، وسأله أن يكلم الخليفة فيه، ففعل وأطلقه، فخرج وهو يقول:
أهلي أتيتكم من القبر ... والناس محتبسون للحشر
لولا أبو العباس ما نظرت ... عيني إلى ولدٍ ولا وفر
فالله ألبسني به نعماً ... شغلت حسابتها يدي شكري
لقيتها من مفهمٍ فهمٍ ... فمددتها بأناملٍ عشر
وذكر عن الرياشي أن أبا حبيب الموشى حدثه، قال: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال لي مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس! فدخلنا عليه السجن، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟ قال: أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال: فتبلغه رقعة أعطيكها؟ قال: نعم، قال: فأعطاه رقعة فيها:
ما من يدٍ في الناس واحدةٍ ... إلا أبو العباس مولاها

نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عني عفو مقتدرٍ ... وجبت له نقم فألغاها
قال: فكانت هذه الأبيات سبب خروجه من الحبس.
وذكر عن محمد بن خلاد الشروي، قال: حدثني أبي قال: سمع محمد شعر أبي نواس وقوله: ألا سقني خمراً وقل لي هي الخمر وقوله:
اسقنيها يا ذفافه ... مزة الطعم سلافه
ذل عندي من قلاها ... لرجاء أو مخافه
مثل ما ذلت وضاعت ... بعد هارون الخلافه
ثم أنشد له:
فجاء بها زيتيةً ذهبيةً ... فلم نستطع دون السجود لها صبرا
قال: فحبسه محمد على هذا، وقال: إيه! أنت كافر، وأنت زنديق. فكتب في ذلك إلى الفضل بن الربيع:
أنت يا بن الربيع علمتني الخي ... ر وعودتنيه والخير عاده
فارعوى باطلي وأقصر جه ... لي وأظهرت رهبةً وزهاده
لو تراني شبهت بي الحسن البص ... ري في حال نسكه وقتاده
بركوعٍ أزينه بسجودٍ واصفرارٍ مثل اصفرار الجراده
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمل بعينك السجاده
لو رآها بعض المرائين يوماً ... لاشتراها يعدها للشهاده
خلافة المأمون عبد الله بن هارونوفي هذه السنة وضعت الحرب - بين محمد وعبد الله بني هارون الرشيد - أوزارها، واستوسق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة.
وفيها خرج الحسن الهرش في ذي الحجة منها يدعو إلى الرضى من آل محمد - بزعمه - في سفلة الناس، وجماعة كثيرة من الأعراب؛ حتى أتى النيل، فجبى الأموال، وأغار على التجار، وانتهب القرى، واستاق المواشي.
وفيها ولى المأمون كل ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل؛ وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس في طاعة المأمون.
وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين، وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الأموال في البلدان كلها إلى خلفاء الحسن بن سهل، وأن يشخص عن ذلك كله إلى الرقة، وجعل إليه حرب نصر بن شبت، وولاه الموصل والجزيرة والشأم والمغرب.
وفيها قدم علي بن أبي سعيد العراق خليفةً للحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر علياً بتسليم الخراج إليه؛ حتى وفى الجند أرزاقهم، فلما وفاهم سلم إليه العمل.
وفيها كتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة
فمن ذلك قدوم الحسن بن سهل فيها بغداد من عند المأمون، وإليه الحرب والخراج، فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان.
وفيها شخص طاهر إلى الرقة في جمادى الأولى، ومعه عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها شخص أيضاً هرثمة إلى خراسان.
وفيها خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش، فقتله في المحرم.
وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا، واسمه السري بن منصور، وكان يذكر أنه ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان.
ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبااختلف في ذلك، فقال بعضهم:

كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي فتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن سهل؛ فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق بينهم أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده من الخاصة والعامة، وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي دونه. فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم ووجوه الناس، وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون، واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار؛ فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت.
وقيل كان سبب خروجه أن أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه وأخره بها فغضب أبو السرايا من ذلك، ومضى إلى الكوفة، واستوسق له أهلها بالطاعة، وأقام محمد بن إبراهيم بالكوفة، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب وغيرهم.
ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب وفيها وجه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة - وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبي جعفر المنصور من قبل الحسن بن سهل، وكان خليفة سليمان بن أبي جعفر بها خالد بن محجل الضبي - فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنف سليمان وضعفه، ووجه زهير بن المسيب في عشرة آلاف فارس وراجل؛ فلما توجه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 27/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري   الأربعاء يناير 01, 2014 3:26 pm

وكان الفضل بن الربيع مختفياً من حين قتل المخلوع، فلما رأى أن محمد بن أبي خالد قد بلغ واسط بعث إليه يطلب الأمان منه، فأعطاه إياه وظهر. ثم تعبأ محمد بن أبي خالد للقتال، فتقدم هو وابنه عيسى وأصحابهما، حتى صاروا على ميلين من واسط، فوجه إليهم الحسن أصحابه وقواده، فاقتتلوا قتالاً شديداً عند أبيات واسط. فلما كان بعد العصر هبت ريح شديدة وغبرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض؛ وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبي خالد، فثبت للقوم فأصابته جراح شديدة في جسده، فانهزم هو وأصحابه هزيمة شديدة قبيحة، فهزم أصحابه الحسن؛ وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين.
فلما بلغ محمد فم الصلح خرج عليهم أصحاب الحسن فصافهم للقتال، فلما جنهم الليل، ارتحل هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك؛ فأقاموا به؛ فلما أصبحوا غدا عليهم أصحاب الحسن فصافوهم، واقتتلوا.
فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل، فأقاموا بها، ووجه ابنه هارون إلى النيل، فأقام بها، وأقام محمد بجرجايا، فلما اشتدت به الجراحات خلف قواده في عسكره، وحمله ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر، فدخل أبو زنبيل ليلة الاثنين، ومات محمد بن أبي خالد من ليلته من تلك الجراحات، ودفن من ليلته في داره سراً.
وكان زهير بن المسيب محبوساً عند جعفر بن محمد بن أبي خالد، فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر، فأعلمه أمر أبيه، فبعث خزيمة إلى بني هاشم والقواد وأعلمهم ذلك، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبي خالد، وأنه يكفيهم الحرب. وفرضوا بذلك، فصار عيسى مكان أبيه على الحرب، وانصرف أبو زنبيل من عند خزيمة حتى أتى زهير بن المسيب، فأخرجه من حبسه، فضرب عنقه. ويقال إنه ذبحه ذبحاً وأخذ رأسه، فبعث به إلى عيسى في عسكره فنصبه على رمح وأخذوا جسده، فشدوا في رجليه حبلاً، ثم طافوا به في بغداد، ومروا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة، ثم طافوا به في الكرخ، ثم ردوه إلى باب الشأم بالعشي؛ فلما جنهم الليل طرحوه في دجلة، وذلك يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر.
ثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجهه عيسى إلى فم الصراة.
وبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن خالد، فخرج من واسط حتى انتهى إلى المبارك، فأقام بها. فلما كان جمادى الآخرة وجه حميد بن عبد الحميد الطوسي ومعه عركو الأعرابي وسعيد بن الساجور وأبو البط ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، وعدة سواهم من القواد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصراة فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فالتقوا عند بيوت النيل، فاقتتلوا ساعة، فوقعت الهزيمة على أصحاب هارون، وأبي زنبيل، فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن؛ وذلك يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة.
ودخل حميد وأصحابه النيل فانتهبوها ثلاثة أيام، فانتهبوا أموالهم وأمتعتهم، وانتهبوا ما كان حولهم من القرى؛ وقد كان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبي خالد تكلموا في ذلك؛ وقالوا: نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون، فكانوا يتراضون في ذلك؛ إذا بلغهم خبر هارون وأبي زنبيل وهزيمتهم، فجدوا فيما كانوا فيه، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزالوا به حتى صيروه أميراً خليفةً للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل، ونطرده حتى يرجع إلى خراسان.
وقد قيل: إن عيسى بن محمد بن أبي خالد لما اجتمع إليه أهل بغداد، وساعدوه على حرب الحسن بن سهل، رأى الحسن أنه لا طاقة له بعيسى، فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب، وبذل له المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته بغداد وولاية أي النواحي أحب، فطلب كتاب المأمون بذلك بخطة، فرد الحسن بن سهل وهباً بإجابته، فغرق وهب بين المبارك وجبل؛ فكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولوا رجلاً من بني هاشم،فولوا منصور بن المهدي، وعسكر منصور بن المهدي بكلواذى، وأرادوه على الخلافة فأبى، وقال:

أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يتولى من أحب، فرضى بذلك بنو هاشم والقواد الجند؛ وكان القيم بهذا الأمر خزيمة بن خازم، فوجه القواد في كل ناحية، وجاء حميد الطوسي من فوره في طلب بني محمد حتى انتهى إلى المدائن، فأقام بها يومه، ثم انصرف إلى النيل.
فلما بلغ منصوراً خبره خرج حتى عسكر بكلواذي، وتقدم يحيى بن علي بن عيسى بن ماهان إلى المدائن.
ثم إن منصوراً وجه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمي من الجانب الآخر، فعسكر بنهر صرصر، ووجه غسان بن عباد بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان ناحية الكوفة، فتقدم حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به. فلما بلغ حميداً الخبر لم يعلم إلا وحميد قد أحاط بالقصر، فأخذ غسان أسيراً، وسلب أصحابه، وقتل منهم؛ وذلك يوم الاثنين لأربع خلون من رجب.
ثم لم يزل كل قوم مقيمين في عساكرهم؛ إلا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل، فهرب منه إلى عيسى، فوجهه عيسى إلى منصور، فوجهه منصور إلى ناحية حميد؛ وكان حميداً مقيماً بالنيل إلا أن له خيلاً بالقصر.
وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان حتى أتى كوثي. وبلغ حميداً الخبر، فلم يعلم ابن اليقطين حتى أتاه حميد وأصحابه إلى كوثي، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من أصحابه، وأسروا، وغرق منهم بشر كثير، وانتهب حميد وأصحابه وما كان حول كوثي من القرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قدورا عليه من حلي ومتاع وغير ذلك؛ ثم أنصرف حتى النيل، وراجع ابن يقطين، فأقام بنهر صرصر.
وفي محمد بن أبي خالد قال أبو الشداخ:
هوى خيل الأبناء بعد محمد ... وأصبح منها كاهل العز أخضعا
فلا تشتموا يا آل سهل موته ... فإن لكم يوماً من الدهر مصرعاً
وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد ما كان في عسكره، فكانوا مائة ألف وخمس وعشرين ألفا بين فارس وراجل؛ فأعطى الفارس أربعين درهماً، ذكر خبر خروج المطوعة للنكير على الفساق وفي هذه السنة تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد، رئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان.
ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله فعلت المطوعة ما ذكرت: كان السبب في ذلك أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذىً شديداً، وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق؛ فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه، فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع؛ وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم؛ وكانوا يجتمعون فيأتون القرى، فيكاثرون أهلها، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك؛ لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتز بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه، وكانوا يحبسون المارة في الطريق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يعدو عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم؛ ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل، فانتهبوها علانيةً، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك، وأدخلوها بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم، فلم يمكنه أعداؤهم عليهم، ولم يرد عليهم شيئاً مما كان أخذ منهم، وذلك آخر شعبان.
فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم؛ وما بيع من متاع الناس في أسواقهم، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق، وأن السلطان لا يغير عليهم، قام صلحاء كل ربض وكل درب، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم؛ فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحداً، لقمعتم هؤلاء الفساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم.

فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان؛ إلا أنه كان يرى أن يغير السلطان شيئاً، ثم قام من بعده رجل من أهل الحربية، يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان؛ يكنى أبا حاتم؛ فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلق مصحفاً في عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأهل محلته، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعاً إلى ذلك؛ الشريف منهم والوضيع؛ بني هاشم ومن دونهم، وجعل له ديواناً يثبت فيه اسم من أتاه منهم، فبايعه على ذلك، وقتال من خالفه وخالف ما دعا إليه كائناً من كان؛ فأتاه خلق كثير، فبايعوا.
ثم إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها، ومنع كل من يخفر ويجبي المارة والمختلفة، وقال: لا خفارة في الإسلام - والخفارة أنه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول: بستانك في خفري، أدفع عنه من أراده بسوء، ولي في عنقك كل شهر كذا وكذا درهماً، فيعطيه ذلك شائياً وآبيا، فقوي على ذلك إلا أن الدريوش خالفه، وقال: أنا لا أعيب على السلطان شيئاً ولا أغيره، ولا أقاتله، ولا آمره بشيء ولا أنهاه. وقال سهل بن سلامة: لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائناً من كان؛ سلطاناً أو غيره؛ والحق قائم في الناس أجمعين، فمن بايعني على هذا قبلته، ومن خالفني قاتلته. فقام في ذلك سهل يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين في مسجد طاهر بن الحسين؛ الذي كان بناه في الحربية. وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة، وكان المنصور بن المهدي مقيماً بعسكره بجبل، فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان، وبلغ ذلك منصوراً وعيسى - وإنما كان عظم أصحابهما الشطار، ومن لا خير فيه - كسرهما ذلك، ودخل منصور بغداد.
وقد كان عيسى يكاتب الحسن بن سهل، فلما بلغه خبر بغداد، سأل الحسن بن سهل أن يعطيه الأمان له ولأهل بيته ولأصحابه، على أن يعطى الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت له الغلة، فأجابه الحسن، وارتحل عيسى من معسكره، فدخل بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شوال، وتقوضت جميع عساكرهم، فدخلوا بغداد، فأعلمهم عيسى ما دخل لهم فيه من الصلح، فرضوا بذلك.
ثم رجع عيسى إلى المدائن، وجاء يحيى بن عبد الله، ابن عم الحسن بن سهل، حتى نزل دير العاقول، فولوه السواد، وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية، وجعلوا لكل عدة من الطساسيج وأعمال بغداد. فلما دخل عيسى فيما دخل فيه - وكان أهل عسكر المهدي مخالفين له - وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل؛ فامتنع عليه سهل بن سلامة، وقال: ليس على هذا بايعتني.
وتحول منصور بن المهدي وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع - وكانوا يوم تحولوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إليه من العمل بالكتاب والسنة - فنزلوا بالحربية فراراً من الطلب، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن، وبعث إلى المطلب أن يأتيه، وقال: ليس على هذا ب