aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأربعاء فبراير 19, 2014 8:50 am

ووصل خبرهم إلى هارون الشاري فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد الحصن أولأن فإذا فرغوا منه ساروا إلى محمد بن عباده، فجمع أصحابه، فبلغوا مائة راجل وألفاً ومائتي فارس، وسار إليه مبادرأن وأحدق به وحصره؛ ومحمد بن عبادة في قيراثا لا يعلم بذلك.
وجد هارون في قتال الحصن، وكان معه سلاليم قد أخذهأن وزحف إليه، وكان أصحابه قد منعوا أحداً يخرج رأسه من أعلى السور، فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني زهير الأمان بغير أمر هارون، فشق عليه، ولم يقدر على تغيير ذلك، إلا أنه قتل أبا هلال بن محمد بن عبادة ونفراً معه قبل الأمان، وفتحوا الحصن وملكوا ما فيه.
وساروا إلى محمد، وهوبقبراثأن فلقوه وهوفي أربعة آلاف رجل، فاقتتلوأن فانهزم هارون ومن معه، فوقف بعض أصحابه ونادى رجالاً بأسمائهم فاجتمعوا نحوأربعين رجلأن وحملوا على ميمنة محمد بن عبادة، فانهزمت الميمنة، وعادت الحرب، فانهزم محمد ومن معه، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم ألفاً وأربع مائة رجل، وحجز بينهم الليل، وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه، وانهزم محمد إلى آمد، فأخذه صاحبها أحمد ابن عيسى بن الشيخ، بعد حرب، فظفر به، فأخذه أسيرأن وسيره إلى المعتضد، فسلخ جلده كما يسلخ الشاة.
ذكر عدة حوادثلما افتتح محمد بن أبي الساج مراغة، بعد حرب شديدة وحصار عظيم، أخذ عبد الله الحسين، بعد أن أمنه وأصحابه، وقيده وحبسه، وقرره بجميع أمواله ثم قتله.
وفيها مات أحمد بن ثور عمان وبعث برؤوس جماعة من أهلها.
وفيها توفي جعفر بن المعتمد في ربيع الآخر، وكان ينادم المعتضد.
وفيها دخل عمروبن الليث نيسابور في جمادى الأولى.
وفيها وجه محمد بن أبي الساج ثلاثين نفساً من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق أكثرهم، وحبس الباقون.
وفيها دخل أحمد بن أبا طرسوس للغزاة من قبل خمارويه بن أحمد ابن طولون، ودخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعاً مع العجيفي أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسون.
وفيها غزا إسماعيل بن أحمد الساماني بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم، وأسر أباه وامرأته خاتون ونحواً من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وغمن من الدواب ما لا يعلم عددأن وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم.
وفيها توفي راشد مولى الموفق بالدينور، وحمل إلى بغداد في رمضان.
وفي شوال مات مسرور والبلخي.
وفيها غارت المياه بالري وطبرستان، حتى بلغ الماء أرطال بدرهم، وغلت الأسعار.
وفي شوال انكسف القمر، وأصبح أهل دبيل والدنيا مظلمة، ودامت الظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل، فلما كان ثلث الليل زلزلوا فخربت المدينة، ولم يبق من منازلهم إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك مس مرار، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفاً كلهم موتى.
وحج بالناس هذه السنة أبوبكر محمد بن هارون بن إسحاق المعروف بابن ترنجة.
وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن يوسف أبوإسماعيل الترمذي في رمضان، وله تصنيف حسنة؛ واحمد بن سيار بن أيوب الفقيه المروزي، وكان زاهداً عالماً؛ وأبوجعفر أحمد بن أبي عمران الفقيه الحنفي بمصر.
حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر مسير المعتضد إلى ما ردين
وملكه إياها
وفيها خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل، قاصداً لحمدان بن حمدون، لأنه بلغه أن حمدان مال إلى هارون الشاري، ودعا له، فلما بلغ الأعراب والأكراد مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوأن وعبوا عسكرهم، وسار المعتضد إليهم في خيله جريدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق منهم في الزاب خلق كثير.
وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين، وكانت لحمدان بن حمدون، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بهأن فنازلها المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك، فلما كان من الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة، وصاح: يا بن حمدان! فأجابه، فقال: افتح الباب، ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمهأن ثم وجه خلف ابن حمدون، وطلب اشد الطلب، وأخذت أموال له، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده إلى بغداد.
وفي عوده قصد السنية وبها رجل كردي يقال له شداد، في جيش كثير، قيل كانوا عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة، فظفر به المعتضد وهدم قلعته.

ذكر عدة حوادث
وفيها ورد ترك بن العباس، عامل المعتضد على ديار مضر، من الجزيرة إلى بغداد، ومعه نيف وأربعون من أصحاب ابن الأغر، صاحب سميساط، على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير، فمضى بهم إلى الحبس، وعاد إلى داره.
وفيها كانت وقعة لوصيف خادم ابن أبي الساج لعمر بن عبد العزيز، فهزمه، ثم سار وصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج.
وفيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزوالصائفة من قبل خمارويه ابن احمد بن طولون فبلغ طرابزون، وفتح بلودية في جمادى الآخرة.
وفيها مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى.
وفيها غارت المياه بالري وطبرستان.
وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل، وقصد الدينور، وولى ابنه عليأن وهوالمكتفي، الري، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وهمذان، والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز ابن أبي دلف أصبهان، ونهاوند، والكرج، وعاد إلى بغداد لأجل غلاء السعر.
وفيها استأمن الحسن بن علي كورة، عامل رافع على الري، إلى علي بن المعتضد في زهاء ألف رجل، فوجهه ومن معه إلى أبيه.
وفيها دخل الأعراب سامرأن فقتلوا ابن سيما في ذي القعدة.
وفيها غزا المسلمون الروم، فدامت الحرب بينهم اثني عشر يومأن فظفر المسلمون وغمنوا غنيمة كثيرة وعادوا.
وفيها توفي عبيد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيأن صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة.
حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائتين
ذكر النيروز المعتضدي
فيها أمر المعتضد بالكتابة إلى الأعمال كلها جميعها بترك افتتاح الخراج في النيروز العجمي، وتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسماه النيروز المعتضدي، وأنشئت الكتب بذلك من الموصل، والمعتضد بهأن وأراد بذلك الترفيه عن الناس، والرفق بهم.
ذكر قصد حمدان وانهزامه
وعوده إلى الطاعة
في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب، وحمدان بن حمدون، بالمسير إليه، وهوفي الموصل، فبادر إسحاق، وتحصن حمدان بقلاعه، وأودع أمواله وحرمه، فسير المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير، ونصر القشوري، وغيرهمأن فصادفوا الحسن بن علي كورة وأصحابه متحصنين بموضع يعرف بدير الزعفران، من أرض الموصل.
وفيها وصل الحسين بن حمدان بن حمدون، فلما رأى الحسين أوائل العسكر طلب الأمان، فأمن، وسير إلى المعتضد، وسلم القلعة، فأمر المعتضد بهدمهأن وسار وصيف في طلب حمدان، وكان بباسورين، فواقعه وصيف، وقتل من أصحابه جماعة، وانهزم حمدان في زورق كان له في دجلة، وحمل معه مالاً كان له، وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة، فصار في ديار ربيعة.
وعبر نفر من الجند، فاقتصوا أثره، حتى أشرفوا على دير قد نزله، فلما رآهم هرب، وترك ماله، فأخذ وأتي به المعتضد، وسار أولئك في طلب حمدان، فضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق بن أيوب، وهومع المعتضد، واستجار به، فأحضره إسحاق عند المعتضد، فأمر بالاحتفاظ به، وتتابع رؤساء الأكراد في طلب الامان، وكان ذلك في المحرم.
ذكر انهزام هارون الخارجي من عسكر الموصلكان المعتضد بالله قد خلف بالموصل نصراً القشوري يجبي الأموال ويعين العمال على جبايتهأن فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج، فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل وفرق بينهم، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهومن أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه قتله، وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد.
فكتب نصر القشوري إلى هارون الخارجي كتاباً يتهدده بقرب الخليفة، وأنه إن هم به أهلكه وأهلك أصحابه، وأنه لا يغتر بمن سار إلى حربه، فعاد عنه بمكر وخديعة، فكتب إليه هارون كتاباً منه: أما ما ذكرت ممن أراد قصدي، ورجع عني، فإنهم لما رأوا جدنا واجتهادنا كانوا بإذن الله فراشاً متتابعأن وقصباً أجوف، ومن صبر لنا منهم ما زاد على الاستتار بالحيطان، ونحن على فرسخ منهم، وما غرك إلا ما أصبت به صاحبنأن فظننت أن دمه مطلول أوأن وتره متروك لك، كلا إن الله تعالى من ورائك، وآخذ بناصيتك، ومعين على إدراك الحق منك، ولم تعيرنا بغيرك وتدع أن يكون ذلك إبداء صفحتك، وإظهار عداوتك؟ وإنا كما قيل:
فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا ... إلينا سواداً نلقه بسواد

ولعمر الله ما ندعوإلى البراز ثقة بأنفسنأن ولا عن ظن أن الحول والقوة لنأن لكن ثقة بربنأن واعتماداً على جميل عوائده عندنا.
وأما ما ذكرت من أمر سلطانك، فإن سلطانك لا يزال منا قريبأن وبحالنا عالمأن فلا قدم أجلاً ولا أخره، ولا بسط رزقاً ولا قبضه قد بعثنا على مقابلتك، وستعلم عن قريب إن شاء الله تعالى.
فعرض نصر كتاب هارون على المعتضد، فجد في قصده، وولى الحسن بن علي كورة الموصل، وأمره بقصد الخوارج، وأمر مقدمي الولايات والأعمال كافة بطاعته، فجمعهم، وسار إلى أعمال الموصل، وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلاتهم، ثم سار إلى الخوارج، وعبر الزاب إليهم، فلقيهم قريباً من المغلة، وتصافوا للحرب، فاقتلوا قتالاً شديدأن وانكشف الخوارج عنه ليفرقوا جمعيته ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم، ففعلوأن فرجع الخوارج وحملوا عليهم سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن، وقتل من أصحابه، وثبت هو، فحمل الخوارج عليه حملة رجل واحد، فثبت لهم وضرب على رأسه عدة ضربات فلم تؤثر فيه.
فلما رأى أصحابه ثباته تراجعوا إليه وصبروأن فانهزم الخوارج أقبح هزيمة وقتل منهم خلق كثير، وفارقوا موضع المعركة، ودخلوا أذربيجان.
وأما هارون فإنه تحير في أمره، وقصد البرية، ونزل عند بني تغلب، ثم عاد إلى معلثايأن ثم عاد إلى البرية، ثم رجع عبر دجلة إلى حزة، وعاد إلى البرية.
وأما وجوه أصحابه، فإنهم لما رأوا إقبال دولة المعتضد وقوته، وما لحقهم في هذه الوقعة، راسلوا المعتضد يطلبون الأمان فأمنهم، فأتاه كثير منهم، يبلغون ثلاثمائة وستين رجلأن وبقي معه بعضهم يجول بهم في البلاد، إلى أن قتل سنة ثلاث وثمانين على ما نذكره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة في ربيع الأول قبض على تكتمر بن طاشتمر، وقيد وأخذ ماله؛ وكان أميراً على الموصل، واستعمل بعده عليها الحسن بن علي الخراساني، ويعرف بكورة.
وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه، زوجة المعتضد، ومعها أحد عمومتها، وكان المعتضد بالموصل.
وفيها عاد المعتضد إلى بغداد، وزفت إليه ابنة خمارويه في ربيع الآخر.
وفيها سار المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالاً لابن أبي دلف، وكتب إلى عمروبن عبد العزيز يطلب منه جوهراً كان عنده، فوجه به إليه، وتنحى من بين يديه.
وفيها أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون، وحمل على دواب وبغال.
وفيها وجه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مدداً لفتح القلانسي، غلام الموفق، فهرب يوسف فيمن أطاعه إلى أخيه محمد بمراغة، ولقي مالاً للمعتضد فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إمام الهدى أنصاركم آل طاهر ... بلا سبب تخفون والدهر يذهب
وقد خلطوا شكراً بصبر ورابطوا ... وغيرهم يعطي ويجبي ويهرب
وفيها وجه المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه الري وعاد منها.
وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ببغداد، والكوفة، والمدينة، فسعي به إلى المعتضد، فأحضر محمد عنه بدر، وسئل عن ذلك، فأقر أنه يوجه إليه كل سنة مثل ذلك، ففرقه، وأنهى بدر إلى المعتضد ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ قال: لا ، يا أمير المؤمنين؛ قال: رأيت في النوم كأني أريد ناحية انهروان، وأنا في جيشي، إذ مررت برجل واقف على تل يصلي ولا يلتفت إلي، فعجبت، فلما فرغ من صلاته قال لي: أقبل، قأقبلت إليه، فقال لي: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا علي بن أبي طالب، خذ هذه فاضرب بها الأرض، بمسحاة بين يديه، فأخذتهأن فضربت بها ضربات، فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بعدد الضربات، فأوصهم بولدي خيراً.
وأمر بدراً بإطلاق المال والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يريد ظاهرأن وأن يفرق ما يأتيه ظاهرأن وتقدم بمعونته على ذلك.
وفيها توفي أبوطلحة منصور ين مسلم في حبس المعتضد.
وفيها ولدت جارية اسمها شغب للمعتضد ولداً سماه جعفرأن وهوالمقتدر.
وفيها قتل خمارويه بن احمد بن طولون، ذبحه بعض خدمه على فراشه في ذي الحجة بدمشق، وقتل من خدمه الذين اتهموا نيف وعشرون نفساً.

وكان سبب قتله أنه سعى إليه بعض الناس وقال له إن جواري داره قد اتخذت كل واحدة منهم خصيأن من خصيان داره، لها كالزوج، وقال: إن شئت أن تعلم صحة ذلك فأحضر بعض الجواري فاضربهأن وقررهأن حتى تعلم صحة ذلك. فبعث من وقته إلى نائبه بمصر يأمره بإحضار عدة من الجواري ليعلم الحال منهن، فاجتمع جماعة من الخدم، قرروا بينهم الاتفاق على قتله، خوفاً من ظهور ما قيل له، وكانوا خاصته، فذبحوه ليلاً وهربوا.
فلما قتل اجتمع القواد وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه في الإمارة، وكان معه بدمشق، وهوأكبر ولده، فبايعوه ففرقت فيهم الأموال، وكان صبياً غراً.
وفيها توفي عثمان بن سعيد بن خالد أبوسعيد الداري، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي، والأجرب عن ابن الأعرابي.
وفيها توفي أبوحنيفة أحمد بن داود الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات وغيره.
وفيها توفي الحارث بن أبي أسامة، وله مسند يروى غالباً في زماننا هذا؛ وأبوالعيناء محمد بن القاسم وكان يروي عن الأصمعي.
حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائتين
ذكر الظفر بهارون الخارجي
في هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري وظفر به.
وسبب الظفر به أنه وصل إلى تكريت وأقام بهأن وأحضر الحسين بن حمدان التغلبي وسيره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعة من الفرسان والرجالة، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين؛ قال: اذكرها! قال: إحداهن إطلاق أبي، وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به. فقال له المعتضد: لك ذلك. فانتخب ثلاثمائة فارس، وسار بهم، معهم وصيف بن موشكير، فقال به الحسين: تأمره بطاعتي، يا أمير المؤمنين. فأمره بذلك.
وسار بهم الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن معه: ليقفوا هناك، فإنه ليس له طريق إن هرب غير هذأن فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه عن العبور، وأجيء أنأن أويبلغكم أني قتلت.
ومضى حسين في طلب هارون، فلقيه، وواقعه وقتل بينهما قتلى، وأنهزم هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنأن ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري، فيكون له الفتح دوننأن والصواب أن منضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى.
وجاء هارون منهزماً إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفاً وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهم خبرأن فعبر في أثر هارون، وجاء إلى حي من أحياء العرب، فسأل عنه، فكتموه، فتهددهم، فاعلموه أنه اجتاز بهم، فتبعه حتى لحقه بعد أيام، وهارون في نحومائة رجل، فناشده الشاري ووعده، وأبى حسين إلا محاربته، فحاربه، فألقى الحسين نفسه عليه، فأخذه أسيراً وجاء به إلى المعتضد، فانصرف المعتضد إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من ربيع الأول.
وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان وطوقه، وخلع على إخوته، وأدخل هارون على الفيل، وأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه والإحسان إليه، ووعد بإطلاقه.
ولما أركبوا هارون على الفيل أرادوا أن يلبسوه ديباجاً مشهرأن فامتنع وقال: هذا لا يحل؛ فألبسوه كارهأن ولما صلب نادى بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، ولوم كره المشركون؛ وكان هارون صفرياً.
ذكر عصيان دمشق على جيش بن خمارويه وخلاف جنده عليه وقتلهفي هذه السنة خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه عليه، وجاهروا بالمخالفة، وقالوا: لا نرضى بك أميرأن فاعتزلنا حتى نولي عمك الإمارة.
وكان سبب ذلك أنه لما ولي وكان صبياً قرب الأحداث والسفل، وأخلد إلى استماع أقوالهم، فغيروا نيته على قواده وأصحابه، وصار يقع فيهم ويذمهم، ويظهر العزم على الاستبدال بهم، وأخذ نعمهم وأموالهم؛ فاتفقوا عليه ليقتلوه ويقيموا عمه، فبلغه ذلك، فلم يكتمه بل أطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، وخلعه طغج بن جف أمير دمشق.

وسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وخاقان المفلحي وبدر بن جف، أخوطغج،وغيرهم من قواد مصر، فسلكوا البرية، وتركوا أهاليهم وأموالهم، فتاهوا أيامأن ومات من أصحابهم جماعة من العطش، وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، واحسن إليهم، وبقي سائر الجنود بمصر على خلافهم ابن خمارويه، فسألهم كاتبه علي بن أحمد الماذرائي أن ينصرفوا يومهم ذلك، فرجعوأن فقتل جيش عمين له، وبكر الجند إليه، فرمى بالراسين إليهم، فهجم الجند عليه فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وأحرقوهأن وأقعدوا أخاه هارون في الإمرة بعده، فكانت ولايته تسعة أشهر.
ذكر حصر الصقالبة القسطنطينيةوفي هذه السنة سارت الصقالبة إلى الروم، فحصروا القسطنطينية، وقتلوا من أهلها خلقاً كثيرأن وخربوا البلاد، فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصاً جمع من عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبة، ففعلوا وكشفوا الصقالبة وأزاحوهم عن القسطنطينية، ولما رأى ملك الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه، فردهم، وأخذ السلاح منهم، وفرقهم في البلاد حذراً من جنايتهم عليه.
ذكر الفداء بين المسلمين والرومفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فكان جملة من فدي به من المسلمين الرجال، والنساء، والصبيان، ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس.
ذكر الحرب بين عسكر المعتضد وأولاد أبي دلفوفيها سار عبيد الله بن سليمان إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بالجبل، فسار عمر إليه بالأمان في شعبان، فأذعن بالطاعة، فخلع عليه وعلى أهل بيته.
وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز بالأمان إلى عبيد الله بن سليمان، وبدر، فولياه عمل أخيه على أن يسير إليه فيحاربه، فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في الطاعة، وإمنا وليناك عمله على أنه عاص، والمعتضد يفعل في أمركما ما يراه، فامضيا إلى بابه.
وولي النوشري أصبهان، وأظهر أنه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز، فكتب عبيد الله إلى المعتضد بذلك، فكتب إلى بدر ليقيم بمكانه إلى أن يعرف حال بكر.
وسار الوزير إلى علي بن المعتضد بالري، ولحق بكر بن عبد العزيز بالأهواز، فسير المعتضد إليه وصيف بن موشكير، فسار إليه، فلحقه بحدود فارس، وباتا متقابلين، وارتحل بكر إلى أصبهان ليلأن فلم يتبعه وصيف، بل رجع إلى بغداد، وسار بكر إلى أصبهان، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه، فأمر بدر عيسى النوشري بذلك، فقال بكر:
عني ملامك ليس حين ملام ... هيهات أجدب زائد الأيام
ظأرت عنايات الصبا عن مفرقي ... ومضى أوان شراستي وغرامي
ألقى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام
وتقاذفت بأخي النوى ورمت به ... رمي العبيد قطيعة الأرحام
فلأقرعن صفاة دهر نابهم ... قرعاً يهز رواسي الأعلام
ولأضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار نقيعة القدام
ولأتركن الواردين حياضهم ... بقرارة لمواطئ الأقدام
يا بدر إنك لوشهدت مواقفي ... والموت يلحظ والسيوف دوامي
لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ... ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي
حركتني بعد السكون وإمنا ... حركت من حصن جبال تهام
وعجمتني فعجمت مني من حمى ... خشن المناكب كل يوم زحام
قل للأمير أبي محمد الذي ... يجلوبغرته دجى الإظلام
أسكنتني ظل العلا فسكنته ... في عيشة رغد وعز نام
حتى إذا خليت عني نابني ... نوب أتت وتنكرت أيامي
فلأشكرن جميل ما أوليتني ... ما غردت في الأيك ورق حمام
هذا أبوحفص يدي وذخيرتي ... للنائبات وعدتي وسنامي
ناديته فأجابني وهززته ... فهززت حد الصارم الصمصام

من رام أن يغضي الجفون على القذى ... أويستكين يروم غير مرام
ويخيم حين يرى الأسنة شرعاً ... والبيض مصلتة لضرب الهام
ثم إن النوشري انهزم عن بكر، فقال بكر يذكر هربه، ويعير وصيفاً بالإحجام عنه، ويتهدد بدراً في أبيات منها:
قد أرى النوشري حين التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفر
جاء في قسطل لهام فصلنا ... صولة دونها الكماة تهر
ولواء النوشري آثار نار ... رويت عند ذاك بيض وسمر
غر بدراً حلمي وفضل آتاني ... واحتمالي للعبء مما يغر
سوف يأتيه من خيولي قب ... لاحقات البطون جون وشقر
يتنادون كالسعالي عليها ... من بني وائل اسود تكر
لست بكراً إن لم أدعهم حديثاً ... ما سرى كوكب وما كر دهر
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أمر المعتضد بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث.
وفيهأن في شوال مات علي بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وكانت ولايته لقضاء بمدينة المنصور ستة أشهر.
وفيها قدم عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بغداد، فأمر المعتضد الناس والقواد باستقباله، وقعد له المعتضد، فدخل عليه، وأكرمه وخلع عليه.
وفيهأن في رمضان، تحارب عمروبن الليث الصفار ورافع بن هرثمة، فانهزم رافع، وكان سبب ذلك أن عمراً فارق نيسابور، فخالفه إليها رافع وملكها وخطب فيها لمحمد بن زيد العلوي، فرجع عمرومن مروإلى نيسابور فحصرهأن فانهزم رافع منهأن ووجه عمروفي طلبه عسكراً فلحقوه بطوس، فانهزم منهم إلى خوارزم، فلحقوه بهأن فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى المعتضد، فوصله سنة أربع وثمانين في المحرم، أمر بنصبه ببغداد وخلع على القاصد به.
وفيها مات البحتري الشاعر، واسمه الوليد بن عبادة، بمنبج، أوحلب، وكان مولده سنة ست ومائتين.
وفيها توفي محمد بن سليمان أبوبكر المعروف بابن الباغندي، وأبوالحسن علي بن العباس بن جريج الشاعر المعروف بابن الرومي، وقيل: توفي سنة أربع وثمانين، وديوانه معروف، رحمه الله تعالى.
وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع السري، ومولده سنة مائتين، وقيل ومائتين.
حوادث سنة أربع وثمانين ومائتينفي هذه السنة كان فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة.
وكان سبب ذلك أن راغباً ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، ودعا لبدر مولى المعتضد، واختلف هووأحمد بن طوغان، فلما انصرف أحمد بن طوغان من الفداء سنة ثلاث وثمانين ركب البحر ومضى، ولم يدخل طرسوس، وخلف دميانة بها لقيام بأمرهأن وأمده ابن طوغان، فقوي بذلك، وأنكر ما كان يفعله راغب، فوقعت الفتنة، فظفر بهم راغب، فحمل دميانة إلى بغداد.
وفيها أوقع عيسى بن النوشري ببكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بنواحي أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، ونجا بكر في نفر يسير من أصحابه، فمضى إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان، وأقام عنده إلى سنة خمس وثمانين ومات، ولما وصل خبر موته إلى المعتضد أعطى القاصد به ألف دينار.
وفيهأن في ربيع الأول، قلد أبوعمر يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة المنصور مكان علي بن أبي الشوارب.
وفيها أخذ خادم نصراني لغالب النصراني وشهد عليه أنه شتم النبي، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهل بغداد، وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، فلم يفعل، فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد، فسئلوا عن حالهم، فذكروه للمعتضد، فأرسل معهم إلى القاضي أبي عمر، فكادوا يقتلونه من كثرة ازدحامهم، فدخل باباً وأغلقه، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا للعامة ذكر اجتماع في أمره.
وفيها قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم واليأن وكانوا قد أخرجوا عامل ابن طولون، فسير إليهم المعتضد ابن الإخشيد أميراً.
وفيهأن في ربيع الآخر، ظهرت بمصر ظلمة وحمرة في السماء شديدة، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمد، فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه.

وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، وهوكتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا تصح وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بني أمية، وعملت به نسخ قرئت بجانبي بغداد، ومنع القضاة والعامة من القعود بالجامعين ورحابهمأن ونهى عن الاجتماع على قاض لمناظرة، أوجدل في أمر الدين، ونهى الذين يسقون الماء في الجامعين أن يترحموا على معاوية أويذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنا نخاف اضطراب العامة وإثارة الفتنة، فلم يسمع منه، وحذره اضطراب العامة، فلم يلتفت، فقال: يا أمير المؤمنين! فما نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس لقرابتهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من إطرائهم كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة وأظهر حجة فيهم اليوم. فامسك المعتضد، ولم يأمر في الكتاب بعد ذلك بشيء، وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي، عليه السلام.
وفيها سير المعتضد إلى عمروبن الليث الخلع والواء بولاية الري وهدايا.
وفيها فتحت قرة من بلد الروم على بد راغب مولى الموفق وابن كلوب في رجب.
وفيهأن في شعبان، ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه، وهر بالخادم، ودخل الشخص في زرع البستان فتوارى فيه، فطلب باقي ليلته، ومن الغد، فلم يعرف له خبر، فاستوحش المعتضد، وكثر الناس في أمره بالظنون حتى قالوا: إنه من الجن، وظهر مراراً كثيرة، حتى وكل المعتضد بسور داره، وأحكمه بالظنون حتى قالوا: ثم أحضر المجانين والمعزمين بسبب ذلك الشخص، فسألهم عنه فقال المعزمون: نحن نعزم على بعض المجانين، فإذا سقط الجني عنه فاخبره خبره؛ فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعاضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف.
وفيها وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة، فقروا بالضرب فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم، فقبض عليه وحبسه.
وفيها وثب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز قد أخذه وقيده وحبسه في قلعته زر، ووكل به شفيعاً الخادم، ومعه جماعة من غلمان عمر، فلما استأمن عمر إلى المعتضد وهرب بكر بقيت القلعة بما فيها من الأموال بيد شفيع، فكلمه أبوليلى في إطلاقه، فلم يفعل، وطلب من غلام كان يخدمه مبردأن فادخله في الطعام، فبرد مسمار قيده.
وكان شفيع في كل ليلة يأتي إلى أبي ليلى يفتقده ويمضي ينام وتحت رأسه سيف مسلول، فجاء شفيع في ليلة إليه، فحادثه، فطلب منه أن يشرب معه أقداحأن وقام الخادم لحاجته، فجعل أبوليلى في فراشه ثياباً تشبه إنساناً نائمأن وغطاها باللحاف، وقال لجارية كانت تخدمه: إذا عاد شفيع قولي له هونائم. ومضى أبوليلى فاختفى ظاهر الدار، وقد اخرج قيده من رجله، فلما عاد شفيع قالت له الجارية: هونائم! فأغلق الباب ومشى إلى داره ونام فيها. فخرج أبوليلى وأخذ السيف من عند شفيع وقتله، فوثب الغلمان، فقال لهم أبوليلى: قد قتلت شفيعأن ومن تقدم إلي قتلته، فأنتم آمنون! فخرجوا من الدار، واجتمع الأنس إليه فكلمهم، ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الإيمان، وجمع الأكراد وغيرهم، وخرج مخالفاً على المعتضد، وكان قتل شفيع في ذي القعدة.
ولما خرج أبوليلى على اللطان قصده عيسى النوشري، فاقتتلوأن فأصاب أبا ليلى في حلقه سهم فنحره، فسقط عن دابته، وانهزم أصحابه، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد.
وفيها كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير، وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة الأنهار والعيون، فقحط الناس، وقلت الأمطار، وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، فاستسقوا ببغداد مرات.

وفيها ظهر اختلال حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلفت القواد، وطمعوأن فانحل النظام، وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا على أن جعلوا مدير دولته أبا جعفر بن أبأن وكان عند والده وجده مقدمأن كبير القدر، فأصلح من الأحوال ما استطاع، وكم جهد الصناع إذ اتسع الخرق، وكان من بدمشق من الجند قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنأن فلما تولى أبوجعفر الأمور سير جيشاً إلى دمشق عليهم بدر الحمامي، والحسين بن أحمد الماذرائي، فأصلحا حالها وقررا أمور الشام، واستعملا على دمشق طغج بن جف واستعملا على سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر والأمور فيها اختلال، والقواد قد استولى كل واحد منهم على طائفة من الجند وأخذهم إليه، وهكذا يكون انتقاض الدول، وإذا أراد الله أمراً فلا مرد لحكمه وهوسريع الحساب.
وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبويعقوب الاسفرايني، الفقيه الشافعي، والغياثي واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد غياث بن أسيد، بفتح الهمزة وكسر السين.
وفيها أيضاً توفي أبوعبد الله محمد بن الوضاح بن ربيع الأندلسي، وكان من العلماء المشهورين.
حوادث سنة خمس وثمانين ومائتينفيها قطع صالخ بن مدرك الطائي الطريق على الحاج بالأجفر في المحرم، فحاربه حبي الكبير، وهوأمير القافلة، فلم يقوبه وبمن معه من الأعراب، وظفر بالحج ومن معه بالقافلة، فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، وأخذوا جماعة من النساء، والجواري، والمماليك، فكانت قيمة ما أخذوه ألفي ألف دينار.
وفيها ولي عمروبن الليث ما وراء النهر، وعزل إسماعيل بن أحمد.
وفيها كان بالكوفة ريح صفراء، فبقيت إلى المغرب ثم اسودت، فتضرع الناس، ثم مطروا مطراً شديداً برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمداباذ ونواحيها أحجار بيض وسود مختلة الألوان، في أوساطها طبق، وحمل منها إلى بغداد فرآه الناس.
وفيها سار فاتك مولى المعتضد إلى الموصل لينظر في أعمالها وأعمال الجزيرة والثغور الشامية والجزرية وإصلاحهأن مضافاً إلى ما كان يتقلده من البريد بها.
وفيها كان بالبصرة ريح صفراء، ثم عادت خضراء، ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثله، ثم وقع برد كبار، وزن البردة مائة وخمسون درهماً فيما قيل.
وفيها مات الخليل بن رمال بحلوان.
وفيها ولى المعتضدمحمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها وخالف؛ وبعث إليه بخلع.
وفيها غزا راغب مولى الموفق في البحر، فغمن مراكب كثيرة، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم كانوا فيهأن وأحرق المراكب، وفتح حصوناً كثيرة، وعاد سالماً ومن معه.
وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليهأن على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد بالعساكر، ومعه ابنه أبومحمد علي المكتفي في ذي الحجة، وجعل طريقه على الموصل، فوصل آمد، وحصرها إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ومائيتن، ونصب عليها المجانيق، فأرسل محمد بن أحمد بن عيسى يطلب الأمان لنفسه، ولمن معه، ولأهل البلد، فأمنهم المعتضد، فخرج إليه وسلم البلد، فخلع عليه المعتضد وأكرمه، وهدم سورها.
ثم بلغه أن محمد بن الشيخ يريد الهرب، فقبض عليه وعلى آله.
وفيها وجه هارون بن خمارويه إلى المعتضد ليسأله أن يقاطعه على ما في يده ويد نوابه من مصر والشام، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد، ويحمل كل سنة أربع مائة ألف وخمسين ألف دينار، وفأجابه إلى ذلك، وسار من آمد، واستخلف فيها ابنه المكتفي، ووصل إلى قنسرين والعواصم، فتسلمها من أصحاب هارون، وكان ذلك سنة ست وثمانين ومائيتن.
وفيها غزا ابن الأخشيد بأهل طرسوس، فتح اله على يديه، وبلغ إسكندرون؛ وحج بالناس محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي.
وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق الحربي ببغداد، وهومن أعيان المحدثين، وإسحاق بن إبراهيم الديري صاحب عبد الرزاق بصنعاء، وهوآخر من روى عن عبد الرزاق.
الدبري بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء.
وفيها توفي أبوالعباس محمد بن يزيد الأزدي اليماني الخوي، المعروف بالمبرد، وكان قد أخذ النحوعن أبي عثمان المازني.
حوادث سنة ست وثمانين ومائيتن

وفي هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج المعروف بأبي المسافر إلى بغداد برهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة.
وفيها أرسل عمروبن الليث هدية إلى المعتضد من نيسابور، فكانت قيمتها أربعة آلاف درهم.
ذكر ابتداء أمر القرامطة بالبحرينوفيها ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وقوي أمره، فقتل ما حوله من أهل القرى، ثم سار إلى القطيف فقتل ممن بهأن واظهر أنه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي، وكان متولي البصرة، إلى المعتضد بذلك، فأمره بعمل سورة على البصرة، وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار.
وكان ابتداء القرامطة بناحية البحرين أن رجلاً يعرف بيحيى بن المهدي قصد القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلي بن حمدان، مولى الزياديين، وكان مغالياً في التشيع، فاظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب؛ فوجه علي بن المعلي إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم، وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي، فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا اظهر أمره، ووجه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه.
وكان فيمن أجابه أبوسعيد الجنابي، وكان يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم بيعهم، ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة، ثم رجع معه كتاب يزعم أنه من المهدي إلى شيعته؛ فيه: قد عرفني رسولي يحيى بن امهدي مسارعتكم إلى أمري، فليدفع إليه كل منكم ستة دنانير وثلثين؛ ففعلوا ذلك.
ثم غاب عنهم وعاد ومعه كتاب فيه: أن ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا إليه الخمس، وكان يحيى يتردد في قبائل قيس ويورد إليهم كتباً يزعم أنها من المهدي، وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة.
وحكى إنسان منهم يقال له إبراهيم الصائغ أنه كان عند أبي سعيد الجنابي، وأتاه يحيى، فأكلوا طعامأن فلما فرغوا خرج أبوسعيد من بيته، وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى وأن لا تمنعه إن أراد، فانتهى هذا الخبر إلى الوالي، فأخذ يحيى فضربه، وحلق رأسه ولحيته، وهرب أبوسعيد الجنابي إلى جنابأن وسار يحيى بن المهدي إلى بني كلاب وعقيل والخريس، فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد، فعظم أمر أبي سعيد وكان منه ما يأتي ذكره.
ذكر عدة حوادثوفيها سار المعتضد من آمد بعد أن ملكهأن كما ذكرناه، إلى الرقة، فولى ابنه علياً المكتفي قنسرين، والعواصم، والجزيرة، وكاتبه النصراين واسمه الحسين بن عمرو، فكان ينظر في الأموال، فقال الخليع في ذلك:
حسين ن عمروعدوالقرآن ... يصنع في العرب ما يصنع
يقوم لهيبته المسلمون ... صفوفاً لفرد إذا يطلع
فإن قيل قد أقبل الجاثليق ... تحفى له ومشى يظلع
وفيها توفي ابن الإخشيد أمير طرسوس واستخلف أبا ثابت على طرسوس.
وفيها سار إلى الأنبار جماعة أعراب من بني شيبان، وأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، وأخذوا المواشي، فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشجور متوليهأن فلم يطقهم، فكتب إلى المعتضد بذلك، فأمده بجيش، فأدركوا الأعراب وقاتلوهم، فهزمهم الأعراب وقتلوا فيهم، وغرق أكثرهم وتفرقوأن وعاث الأعراب في تلك الناحية. وبلغ خبر الهزيمة إلى المعتضد، فسير جيشاً آخر، فرحل الأعراب إلى عين التمر فأفسدوا وعاثوأن وذلك في شعبان وشهر رمضان، فوجه إليهم عسكراً آخر إلى عين التمر، فسلكوا البرية إلى نواحي الشام، فعاد العسكر إلى بغداد ولم يلقهم.
وفيها استدعى المعتضد راغباً مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وهوبالرقة، فحبسه وأخذ جميع ما كان له، فمات بعد أيام من حبسه، وكان ذلك في شعبان، وقبض على بكنون غلام راغب، وأخذ ما له بطرسوس. وفيها قلد المعتضد ديوان المشرق محمد بن داود بن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود ابن الجراح.
وفيها توفي أبوجعفر بن إبراهيم الأمناطي، المعروف بمربع، صاحب يحيى بن معين، وكان حافظاً لحديث؛ ومحمد بن يونس الكريمي البصري.
حوادث سنة سبع وثمانين ومائتين
ذكر قتل أبي ثابت أمير طرسوس
وولاية ابن الأعرابي

في هذه السنة اجتمعت الروم، وحشدت في ربيع الآخر، ووافت باب قلمية من طرسوس، فنفر أبوثابت أمير طرسوس بعد كوت ابن الإخشيد، وكان استخلفه عند موته، فبلغ أبوثابت في نفيره إلى نهر الرجان في طلبهم، فاسر أبوثابت، وأصيب الناس معه.
وكان ابن كلوب غازياً في ردب السلامة، فلما عاد جمع مشايخ الثغر ليتراضوا بأمير، فأجمعوا رأيهم على ابن الأعرابي، فولوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر ظفر المعتضد بوصيف ومن معهفي هذه السنة هرب وصيف خادم محمد بن أبي الساج من برذعة إلى ملطية من أعمال مولاه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور، فأخذ رسله وقررهم عن سبب مفارقة وصيف مولاه، فذكروا له أنه فارقه على مواطأة منهما أنه متى ولي وصيف الثغور سار إليه مولاه، وقصدا ديار مصر وتغلبا عليها.
فسار المعتضد نحوه، فنزل العين السوداء وأراد الرحيل في طريق المصيصة، فأتته العيون فأخبروه أن وصيفاً يريد عين زربة، فسأل أهل المعرفة بذلك الطريق، وسألهم عن أقرب الطرق إلى لقاء وصيف، فأخذوه وساروا به نحوه، وقدم جمعاً من عسكره بين يديه، فلقوا وصيفاً فقاتلوه، وأخذوه أسيرأن فأحضروه عند المعتضد فحبسه، وأمر فنودي في أصحاب وصيف بالأمان، وأمر العسكر برد ما نهبوه منهم، ففعلوا ذلك.
وكانت الوقعة لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة؛ فلما فرغ منه رحل إلى المصيصة، واحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفأن وأمر بإحراق مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيهأن وجميع آلاتهأن وكان من جملتها نحومن خمسين مركباً قديمة قد أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، ولا يمكن عمل مثلهأن فأضر ذلك المسلمين، وفت في أعضادهم، وأمر الروم أن يغزوا في البحر، وكان إحراقها بإشارة دميانة غلام بازمار لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة، وسار المعتضد إلى أنطاكية وحلب وغيرهمأن وعاد إلى بغداد.
وفيها توفيت ابنة خمارويه زوج المعتضد.
ذكر أمر القرامطة وانهزام العباس الغنوي منهمفي هذه السنة، في ربيع الآخر، عظم أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد، فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل، وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى البصرة، وعزل العباس بن عمرواللغوي عن بلاد فارس، وأقطعه اليمامة والبحرين، وأمره بمحاربة القرامطة وضم إليه زهاء ألفي رجل، فسار إلى البصرة، واجتمع إليه جمع كثير من المتطوعة والجند والخدم.
ثم سار إلى أبي سعيد الجنابي، فلقوه مساء، وتناوشوا القتال، وحجز بينهم الليل، فلما كان الليل انصرف عن العباس من كان معه من أعراب بني ضبة وكانوا ثلاثمائة إلى البصرة، وتبعهم مطوعة البصرة، فلما أصبح العباس باكر الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديدأن ثم حمل نجاح غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل على ميمنة أبي سعيد، فتوغلوا فيهم، فقتلوا عن آخرهم، وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب العباس، فانهزموا وأسر العباس، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره، فلما كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعاً وحرقهم، وكانت الوقعة آخر شعبان.
ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة، فدخلها وأمن أهلهأن وانصرف من سلم من المنهزمين، وهم قليل، نحوالبصرة بغير زاد، فخرج إليهم من البصرة نحوأربعمائة رجل على الرواحل، ومعهم الطعام والكسوة والماء، فلقوا بها المنهزمين، فخرج عليهم بنوأسد وأخذوا الرواحل وما عليهأن وقتلوا من سلم من المعركة، فاضطربت البصرة لذلك، وعزم أهلها على الانتقال منهأن فمنعهم الواثقي.
وبقي العباس عند الجنابي أياماً ثم أطلقه، وقال له: امض إلى صاحبك وعرفه ما رأيت؛ وحمله على رواحل، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافى الأبلة، ثم سار منها إلى بغداد فوصلها في رمضان، فدخل على المعتضد فخلع عليه.
بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: عجائب الدنيا ثلاث: جيش العباس بن عمرو يؤسر وحده، وينجووحده، ويقتل جميع جيشه؛ وجيش عمروبن الصفار يؤسر وحده، ويسلم جميع جيشه؛ وأنا أنزل في بيتي، وتولى ابني أبوالعباس الجسرين ببغداد.

ولما أطلق أبوسعيد العباس أعطاه درجاً ملصقاً وقال له: أوصله إلى المعتضد فإن لي فيه أسراراً. فلما دخل العباس على المعتضد عاتبه المعتضد، فأوصل إليه العباس الكتاب، فقال: والله ليس فيه شيء، وإمنا أراد أن يعلمني أني أنفذتك إليه في العدد الكثير، فردك فردتً؛ وفتح الكتاب وإذ ليس فيه شيء.
وفيهأن في ذي القعدة، أوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة، على غرة منهم، فنواحي ميسن وغيرهمأن وقتل منهم مقتلة، ثم تركهم خوفاً أن تخرب السواد، وكانوا فلاحية، وطلب رؤساءهم فقتل من ظفر به منهم.
ذكر أسر عمرو الصفار
وملك إسماعيل خراسان
في هذه السنة، في ربيع الأول، أسر عمروبن الليث الصفار؛ وكان سبب ذلك أن عمراً أرسل إلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة، وطلب منه أن يوليه ما وراء النهر، فوجه إليه الخلع والواء بذلك، وهوبنيسابور، فوجه لمحاربة إسماعيل بن أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، محمد بن بشير، وكان خليفته وحاجبه، وأخص أصحابه بخدمته، وأكبرهم عنده، وغيره من قواده إلى آمل، فعبر إليهم إسماعيل جيجون، فحاربهم، فهزمهم، وقتل محمد بن بشير في نحوستة آلاف رجل.
وبلغ المنهزمون إلى عمرو، وهو بنيسابور، وعاد إسماعيل إلى بخارى فتجهز عمرولقصد إسماعيل، فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش، ولا يخاطر بنفسه، فلم يقبل منهم، وسار عن نيسابور نحوبلخ، فأرسل إليه إسماعيل: أنك قد وليت دنيا عريضة، وأما في يدي ما وراء النهر، وأنا في يغر، فاقنع بما في يدك، واركني في هذا الثغر. فأبى، فذكر لعمرووأصحابه شدة العبور بنهر بلخ، فقال: لوشئت أن أسكره ببذر الأموال واعبره لفعلت.
فسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمروفنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي لكثرة جمعه، وصار عمروكالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه، فاقتتلوأن فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم عمروفولى هاربأن ومر بأجمة في طريقه، فقيل له: إنها أقرب الطرق، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح؛ وسار هوفي نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت به دابته فلم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يعرجوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرأن فسيره إسماعيل إلى سمرقند.
ولما وصل الخبر إلى المعتضد ذم عمراً ومدح إسماعيل، ثم إن إسماعيل خبير عمراً بين مقامه عنده، أوإنفاذه إلى المعتضد، فاختار المقام عند المعتضد، فسيره إليه، فوصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين، فلما وصل ركب على جمل وأدخل بغداد، ثم حبس، فبقي محبوساً حتى قتل سنة تسع وثمانين على ما نذكره.
وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بالخلع، وولاه ما كان بيد عمرو، وخلع على نائبه بالحضرة المعروف بالمرزباني، واستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده.
وكان عمروأعور شديد السمرة، عظيم السياسة، قد منع أصحابه وقواده أن يضرب أحد منهم غلاماً إلا بأمره، أويتولى عقوبة الغلام نائبه، أوأحد حجابه، وكان يشتري المماليك الصغار، ويربيهم، ويهبهم لقواده ويجري عليهم الجرايات الحسنة سرأن ليطالعوا بأحوال قواده، ولا ينكتم عنه من أخبارهم شيء، ولم يكونوا يعلمون من ينقل إليه عنهم، فكان أحدهم يحذره وهووحده.
حكي عنه أنه كان له عامل بفارس يقال له أبوحصين، فسخط عليه بمرو، وألزمه أن يبيع أملاكه ويوصل ثمنها إليه، ففعل ذلك، ثم طلب منه مائة ألف درهم، فإن أداها في ثلاثة أيام وإلا قتله، فلم يقدر على شيء منهأن فأرسل إلى أبي سعيد الكاتب يطلب منه أن يجتمع به، فأذن له، فاجتمع به، وعرفه ضيق يده وسأله أن يضمنه ليخرج من محبسه ويسعى في تحصيل المبلغ المطلوب منه، ففعل وأخرجه، فلم يفتح عليه بشيء، فعاد إلى أبي سعيد الكاتب، فبلغ خبره عمرأن فقال: والله ما أدري من أيهما أعجب، من أبي سعيد فيما فعل من بذل مائة ألف درهم، أم من أي حصين كيف عاد وقد علم أنه القتل! ثم أمر بإطلاق ما عليه ورده إلى منزله.

وحكي عنه أنه كان يحمل أحمالاً كثيرة من الجرب، ولا يعلم أحد ما مراده، فاتفق في بعض السنين أنه قصد طائفة من العصاة عليه للإيقاع بهم، فسلك طريقاً لا تظن العصاة أنهم يؤتون منه، وكان في طريقه واد، فأمر بتلك الجرب فملئت تراباً وحجارأن ونضد بعضها إلى بعض، وجعلها طريقاً في الوادي، فعبر أصحابه عليهأن وأتاهم وهم آمنون فأثخن فيهم وبلغ منهم ما أراد.
وحكي أيضاً أن أكفر حجابه كان اسمه محمد بن بشير، وكان يخلفه في كثير من أموره العظام، فدخل عليه يومأن وأخذ يعدد عليه ذنوبه، فحلف محمد بالله والطلاق والعتق أنه لا يملك إلا خمسين بدرة، وهويحملها إلى الخزانة، ولا يجعل له ذنباً لم يعلمه، فقال عمرو: ما أعقلك من رج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأربعاء فبراير 19, 2014 8:52 am

ذكر أخبار القرامطة بالشام
في هذه السنة ظهر بالشام رجل من القرامطة، وجمع جموعاً من الأعراب، وأتى دمشق، وأميرها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، وكانت بينهما وقعات.
وكان ابتداء حال هذا القرمطي أن زكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه داعية قرمط هذأن لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد الكوفة من القرامطة، فإن القتل قد أبادهم، سعي باستغواء من قرب من الكوفة عن الأعراب: أسد وطي وغيرهم، فلم يجبه منهم أحد، فأرسل أولاده إلى كلب بن وبرة فاستعوزهم، فلم يجبهم منهم إلا الفخذ المعروف ببني العليص بن ضمضم بن عدي بن خباب ومواليهم خاصة، فبايعوا في سنة تسع وثمانين ومائتين، بناحية السماوة، ابن زكرويه، المسمى بيحيى، المكنى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله، وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا تبعوها في مسيرها نصروأن وأظهر عضداً له ناقصة وذكر أنه ابنه، وأتاه جماعة من بني الأصبع، وسموا الفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم شبل غلام المعتضد من ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه، وأحرقوا مسجد الرصافة، واعترضوا كل قرية اجتازوا بهأن حتى بلغوا هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جف، فأكثروا القتل بها والغارة، فقاتلهم طغج، فهزموه غير مرة.
ذكر أخبار القرامطة بالعراقوفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة، فوجه المعتضد شبلاً غلام أحمد بن محمد الطائي، وظفر بهم، وأخذ رئيساً لهم يعرف بأبي الفوارس، فسيره إلى المعتضد، فأحضره بين يديه وقال له: أخبرني! هل تزعمون أن روح الله تعالى وروح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا إن حلت روح الله فينا فيما يضرك؟ وإن حلت روح إبليس فما ينفعك؟ فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك.
فقال: ما تقول فيما يخصني؟ قال أقول: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ت وأبوكم العباس حي، فهل طالب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبوبكر فاستخلف عمر، وهويرى موضع العباس، ولم يوص إليه، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق الصحابة على دفع جدل عنها.
فأمر به المعتضد فعذب، وخلعت عظامه، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم قتل.
ذكر وفاة المعتضدفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي المعتضد بالله أبوالعباس أحمد بن الموفق بن المتوكل ليلة الاثنين لثمان بقين منه، وكان مولده في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
ولما اشتد مرضه اجتمع القواد منهم يونس الخادم، وموشكير وغيرهمأن وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله ليجدد البيعة للمكتفي، وقالوا: إنا لا نأمن فتنة، فقال: إن هذا المال لأمير المؤمنين ولولده من بعده، وأخاف أن أطلق فيبرأ من علته فينكر علي ذلك.
فقال: إن برئ من مرضه فنحن المحتجون، والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنأن ونحن نطلب الأمر له.

فأطلق المال وجدد عليه البيعة، وأحضر عبد الواحد بن الموفق وأخذ عليه البيعة فوكل به وأحضر ابن المعتز، ومضى ابن المؤيد وعبد العزيز بن المعتمد ووكل بهم.
فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب وأبا حازم وأبا عمر محمد بن يوسف بن يعقوب، فتولى غسله محمد بن يوسف، وصلى عليه الوزير، ودفن ليلاً في دار محمد بن طاهر، وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء. وجدد البيعة للمكتفي.
وكانت أم المعتضد، واسمها ضرار، قد توفيت قبل خلافته، وكانت خلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً؛ وخلف من الولد الذكور: علياً وهوالمكتفي، وجعفراً وهوالمقتدر، وهارون، ومن البنات إحدى عشرة بنتأن وقيل سبع عشرة، ولما حضرته الوفاة أنشد:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمن الدهر إن قد أمتنه فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقاً
قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدواً ولم أمهل على طغيه خلقا
وأخلبت دار الملك من كل نازع ... فشردتهم غرباً ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت راقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلاً ألقي
ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي الملك والأحياء في حسنها رفقا
فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى؟ ... إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى
ذكر صفته وسيرتهكان المعتضد اسمر، نحيف الجسم، معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، وكان شهمأن شجاعأن مقدامأن وكان ذا عزم، وكان فيه شح بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج وعليه قباء اصفر، فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد، فدخل أنطاكية وعليه القباء، فقال بعض أهلها: الخليفة بغير سواد؛ فقال بعض أصحابه: إنه سار فيه، ولم ينزعه إلى الآن. وكان عفيفاً.
حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود فجلست، فلما تفرق الناس قال: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي على غير حلال قط.
وكان مهيباً عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفاً منه.
ذكر خلافة المكتفي باللهولما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي بن المعتضد، وهوالمكتفي بالله، يعرفه بذلك بأخذ البيعة له، وكان بالرقة، فلما وصله الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، ووضع لهم العطاء وسار إلى بغداد، ووجه إلى النواحي من ديار ربيعة ومضر ونواحي العرب من يحفظهأن ودخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأولى، فلما سار إلى منزله أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم.
ذكر قتل عمرو بن الليث الصفاروفي هذا اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداد قتل عمروبن الليث بن الصفار، ودفن من الغد. وكان المعتضد، بعدما امتنع من الكلام، أمر صافياً الخرمي بقتل عمروابن الليث بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه بأن اذبح الأعور، وكان عمروأعور، فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بقرب وفاة المعتضد، وكره قتل عمرو، فلما وصل المكتفي بغداد سأل الوزير عنه، فقال، هوحي، فسر بذلك، وأراد الإحسان إليه لأنه كان يكثر من الهدية إليه لما كان بالري، فكره الوزير ذلك، فبعث إليه من قتله.
ذكر استيلاء محمد بن هارون على الريوفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد ابن زيد العلوي، وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد، وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة إسماعيل، فسأله أهل الري المسير إليهم ليسلموها إليه.
وكان سبب ذلك أن الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم، فسار محمد بن هارون إليهم فحاربه واليها وهوالدتمش التركي، فقتله محمد وقتل ابنين وأخا كيغلغ، وهومن قواد الخليفة، ودخل محمد بن هارون الري، واستولى عليها في رجب.
ذكر قتل بدر

وفيها قتل بدر غلام المعتضد؛ وكان سبب ذلك أن القاسم الوزير كان قد هم بنقل الخلافة عن ولده المعتضد بعده، فقال لبدر في ذلك في حياة المعتضد بعد أن استخلفه واستكتمه، فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي؛ فلم يمكنه مخالفة بدر، إذ كان صاحب الجيش، وحقدها على بدر، فلما مات المعتضد كان بدر بفارس، فعقد القاسم البيعة لمكتفي، وهوبالرقة.
وكان المكتفي أيضاً مباعداً لبدر في حياة أبيه، وعمل القاسم في هلاك بدر خوفاً على نفسه أن يذكر ما كان منه للمكتفي، فوجه المكتفي محمد بن كشتمر برسائل إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر، ففارقه جماعة منهم العباس بن عمروالغنوي، ومحمد بن إسحاق بن كنداج، وخاقان المفلحي وغيرهم، فاحسن إليهم المكتفي، وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره، وقبض على أصحابه وقواده وحبسهم، وأمر بمحواسم بدر من التراس والأعلام، وسير الحسين بن علي كورة في جيش إلى واسط.
وأرسل إلى بدر يعرض عليه أي النواحي شاء، فأبى ذلك، وقال: لا بد لي من المسير إلى باب مولاي؛ فوجد القاسم مساغاً للقول، وخوف المكتفي عائلته، وبلغ بدراً ما فعل بأهله وأصحابه، وأرسل من يأتيه بولده هلال سرأن فعلم الوزير بذلك، فاحتاط عليه، ودعا أبا حازم، قاضي الشرقية، وأمره بالمسير إلى بدر، وتطيب نفسه عن المكتفي، وإعطائه الأمان عنه لنفسه وولده وماله، فقال أبوحازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين؛ فصرفه ودعا أبا عمر القاضي، وأمره بمثل ذلك فأجابه، وسار ومعه كتاب الأمان، فسار بدر عن واسط نحوبغداد، فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما أيقن بالقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، فصلاهمأن ثم ضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ رأسه وتركت جثته هنالك، فوجه عياله من أخذها سراً وجعلوها في تابوت، فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة، فدفنوها بهأن وكان أوصى بذلك وأعتق قبل أن يقتل كل مملوك كان له.
ورجع أبوعمر إلى داره كئيباً حزيناً لما كان منه، وقال الناس فيه أشعارأن وتكلموا فيه، ففما قيل فيه:
قل لقاضي مدينة المنصور ... بم أحللت أخذ رأس الأمير
عند إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور
أين أيمانك التي شهد الل ... ه على أنها يمين فجو
إن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى ، ترى عليل السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الام ... ة يا شاهداً شهادة زور
ليس هذا فعل القضاة ولا يح ... سن أمثاله ولاة الجسور
أي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء منه في خير هذي الشهور
قد مضى من قتلت في رمضا ... ن صائماً بعد سجدة التعفير
يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور
بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياة هذا الوزير
فأعدوا الجواب للحكم العد ... ل ومن بعد منكر ونكير
أنتم كلكم فدىً لأبي حا ... زم المستقيم كل الأمور
ذكر ولاية أبي العباس إفريقيةقد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد، أمير إفريقية، عهد إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين، وتوفي فيهأن فلما توفي والده قام بالملك بعده، وكان أديبأن لبيبأن شجاعأن أحد الفرسان المذكورين، مع علمه بالحرب وتصرفها.
وكان عاقلأن عالمأن له نظر حسن في الجدل، وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي فأرسل أخاه الأحول، ولم يكن أحول، وإمنا لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائماً ربما كسر جفنه، فلقب بالأحول، إلى قتال أبي عبد الله الشيعي، فلما بلغه حركته إليهم في جموع كثيرة والتقوا عند كموشة، فقتل بينهم خلق عظيم، وانهزم الأحوال، إلا أنه أقام في مقابلة أبي عبد الله.

وكان أبوالعباس أيام أبيه على خوف شديد منه بسوء أخلاقه، واستعمله أبوه على صقلية، ففتح فيها مواضع متعددة، وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده، ولما ولي أبوالعباس إفريقية كتب إلى العمال كتاباً يقرأ على العامة يعدهم فيه الإحسان، والعدل، والرفق، والجهاد، ففعل ما وعد من نفسه، وأحضر من العلماء ليعينوه على أمر الرعية.
وله شعر، فمن ذلك قوله بصقلية، وقد شرب دواء:
شربت الدواء على غربة ... بعيداً من الأهل والمنزل
وكنت إذا ما شربت الدوا ... أطيب بالمسك والمندل
وقد صار شربي بحار الدما ... ونقع العجاجة والقسطل
واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على اللهو، وإدمانه شرب الخمر، فعزله وولى محمد بن السرقوسي، وحبس ولده، فلما كان ليلة الأرعاء آخر شعبان من سنة تسعين ومائتين قتل أبوالعباس، قتله ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده، وحملوا رأسه إلى ولده أبي مضر، وهوفي الحبس، فقتل الخدم وصلبهم، وكان هوالذي وضعهم، فكانت إمارته سنة اثنين وخمسين يوماً، وكان سكناه وقتله، رحمه الله، بمدينة تونس.
وكان كثير العدل، أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل، ويعرفوه من أحوال الناس ما يفعل فيه على سبيل الإنصاف، وأمر الحاكم في بلده أن يقضي عليه، وعلى جميع أهله، وخواص أصحابه، ففعل ذلك، ولما قتل ولي ابنه أبومضر، وكان من أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ومائتين.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، منتصف رمضان، قتل عبد الواحد بن الموفق، وكانت والدته إذا سألت عنه قيل لها إنه في دار المكتفي، فلما مات المكتفي أيست منه، فأقامت عليه مأتماً.
وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين ابن جستان الديلمي بطبرستان، فانهزم ابن جستان.
وفيها لحق إسحاق الفرغاني، وهومن أصحاب بدر، بالبادية، واظهر الخلاف على الخليفة المكتفي، فحاربه أبوالأغر، فهزمه إسحاق، وقتل من أصحابه جماعة.
وفيها سير خاقان المفلحي إلى الري في جيش كثيف ليتولاها.
وفيها صلى الناس العصر بحمص وبغداد في الصيف، ثم هب هواء من ناحية الشمال، فبرد الوقت، واشتد البرد حتى احتاج الناس إلى النار ولبس الجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء.
وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد وبين محمد بن هارون بالري، فانهزم محمد، ولحق بالديلم مستجيراً بهم، ودخل إسماعيل الري.
وفيها زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعاً.
وفيها خلع المكتفي على هلال بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى.
وفيها هبت ريح عاصف بالبصرة، فقلعت كثيراً من نخلهأن وخسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس، وزلزلت بغداد، في رجب، عدة مرات، فتضرع أهلها في الجامع فكشف عنهم.
وفيها مات أبوحمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي، وهومن أقران سري السقطي.
حوادث سنة تسعين ومائتين
ذكر أخبار القرامطة
في هذه السنة، في ربيع الآخر، سير طغج بن جف جيشاً من دمشق إلى القرمطي، عليهم غلام له اسمه بشير، فهزمهم القرمطي وقتل بشيراً.
وفيها حصر القرمطي دمشق، وضيق على أهلهأن وقتل أصحاب طغج، ولم يبق منه إلا القليل، واشرف أهلها على الهلكة، فاجتمع جماعة من أهل بغداد، وانهوا ذلك إلى الخليفة فوعدهم النجدة، وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد، فقاتلوا الشيخ مقدم القرامطة، فقتل على باب دمشق، رماه بعض المغاربة بمزراق، وزرقه نفاط بالنار فاحترق، وقتل منهم خلق كثير.
وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه انهزموا؛ ولما قتل يحيى المعروف بالشيخ، وقتل أصحابه، اجتمع من بقي منهم على أخيه الحسين، وسمى نفسه أحمد، وكناه أبا العباس، ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم، فاشتدت شوكته، وأظهر شامة في وجه، وزعم أنها آيته، فسار إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه وانصرف عنهم.
ثم سار إلى أطراف حمص، فغلب عليهأن وخطب له على منابرها، وتسمي المهدي أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن المهدي، المسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، فلقبه المدثر، وعهد إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ولقب غلاماً من أهله المطوق، وقلده قتل أسرى المسلمين.

ولما أطاعه أهل حمص، وفتحوا له بابها خوفاً منه، سار إلى حماه، ومعرة النعمان، وغيرهمأن فقتل أهلهأن وقتل النساء والصبيان، ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلهأن ولم يبق منهم إلا اليسير، ثم سار إلى سلمية فمنعه أهلهأن ثم صالحهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابهأن فبدأ بمن فيها من بني هاشم، وكانوا جماعة، فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم، والصبيان بالمكاتب ثم خرج منها وليس بها عين تطرف.
وسار فيها حولها من القرى يسبي، ويقتل، ويخيف السبيل، فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد، وقالت: أريد أن تعالج جرحاً في كتفي؛ فقلت: ها هنا امرأة تعالج النساء، فانتظرتهأن فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها قالت: كان لي ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره، فخرجت من الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، فشكوت إليه حالي وحال أخواته، فقال: دعيني من هذأن أخبريني ما دينك؟ فقلت: أما تعرف ما ديني؟ فقال: ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه اليوم؛ فعجبت من ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ولحم، فلم أمسه حتى عاد فأصلحه.
وأتاه رجل من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئأن فقلت: نعم، فأدخلني دارأن فإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديهأن وجعلت أكلمها ولا تكلمني، حتى ولدت غلامأن فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني، فسألتها عن حالهأن فقالت: أنا امرأة هاشمية، أخذنا هؤلاء أقوام، فذبحوا أبي وأهلي جميعأن وأخذني صاحبهم، فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من قواده، فوهبني لهم، وكنت معهم، فوالله ما ادري ممن هذا الولد منهم.
قالت: فجاء رجل فقالت لي: هنيه، فهنيته، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهني كل واحد منهم، ويعطيني سبيكة فضة، ثم جاء الرابع ومعه جماعة، فهنيته، فأعطاني ألف درهم، وبتنأن فلما أصبحنا قلت للمرأة: قد وجب حقي عليك فالله الله خلصني! قالت: ممن أخلصك؟ فأخبرتها خبر ابني، فقالت: عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم، فأقمت يومي، فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له، وقبلت يده ورجله، ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي؛ فدعا قوماً من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكن ذكره، وقال: اتركوها فيه وارجعوا؛ فساروا بين عشرة فراسخ، فلحقنا ابني، فضربني بالسيف فجرحني، ومنعه القوم، وساروا بي إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم، وتركوني وجئت إلى هاهنا.
قالت: ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأساري رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس، وهويبكي، فقلت: لا خفف الله عنك ولا خلصك! ثم إن كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من القتل، والسبي، وتخريب البلاد، فأمر الجند بالتأهب، وخرج من بغداد ف برمضان، وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل، فنزل قريباً من حلب، فكبسهم القرمطي، صاحب الشامة، فقتل منهم خلقاً كثيرأن وسلم أبوالأغر، فدخل حلب في ألف رجل، وكانت هذه الوقعة في رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب، فحاربه أبوالأغر بمن بقي معه، وأهل البلد، فرجع عنهم.
وسار المكتفي حتى نزل الرقة، وسير الجيوش إليه، وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب.
وفيهأن في شوال تحارب القرمطي صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطي وقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى من سلم منهم نحوالبادرية، فوجه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان وغيره من القواد.
وفيها كبس ابن بانوا أمير البحرين حصناً للقرامطة، فظفر بمن فيه، وواقع قرابة أبي سعيد الجنابي، فهزمه ابن بانوأن وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف، وهوولي عهد أبي سعيد، ثم إنه وجد بعدما انهزم أصحابه قتيلاً فاخذ رأسه وسار ابن بانوا إلى القطيف فافتتحها.
ذكر أسر محمد بن هارون

وفيها اخذ محمد بن هارون أسيراً؛ وكان سبب ذلك أن المكتفي أنفذ عهداً إلى إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الري، فسار إليهأن وبها محمد بن هارون، فسار عنها إلى محمد إلى قزوين وزنجاز، ثم عاد إلى طبرستان، فاستعمل إسماعيل ابن احمد على جرجان بارس الكبير، وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسرأن أوصلحأن وكاتبه بارس وضمن له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل، فقبل محمد قوله، وانصرف عن جستان الديلمي، وقصد بخارى، فلما بلغ مروقيد بهأن وذلك في شعبان سنة تسعين ومائتين، ثم حمل إلى بخارى فأدخلها على جمل وحبس بها فمات بعد شهرين محبوساً.
وكان ابتداء أمره أنه كان خياطأن ثم جمع جمعاً من الرعاع وأهل الفساد، فقطع الطريق بمفازة سرخس مدة، ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة، وبقي معه إلى أن انهزم عمروالصفار، فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، بعد قتل رافع، فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن زيد، على ما تقدم ذكره، وقد ذكره الخوافي في شعره فقال:
كان ابن هارون خياطاً له إبر ... وراية سامها عشراً بقيراط
فانسل في الأرض يبغي الملك في عصب ... زط ونوب وأكراد وأنباط
أنى ينال الثريا كف ملتزق ... بالترب عن ذروة العلياء هباط
صبراً أميرك إسماعيل منتقم ... منه ومن كل غدار وخياط
رأيت عيراً سما جهلاً على أسد ... يا عين ويحك ما أشقاك من شاطي
ذكر عدة حوادثوفيهأن في ربيع الآخر، خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه.
وفيها قوطع طاهر بن محمد بن عمروبن الليث على مال يحمله عن بلاد فارس، وعقد له المكتفي عليها.
وفيهأن في جمادى الأولى، هرب القائد أبوسعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى الخليفة، وأخذ نحوطريق الموصل، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون بتكريت، وهويتولى تلك النواحي، فعارضه عبد الله، واجتمع به، فخدعه أبوسعيد وقتله، وسار نحوشهرزور، واجتمع هووابن الربيع الكردي على عصيان الخليفة.
وفيها أراد المكتفي البناء بسامرأن وخرج إليها ومعه الصناع، فقدروا له ما يحتاج، وكان مالاً جليلأن وطولوا له مدة الفراغ، فعظم الوزير ذلك عليه، وصرفه إلى بغداد.
وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الواحد ين عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
وفيها توفي محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني، وكان قد تفقه على المزني صاحب الشافعي؛ وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حوادث سنة إحدى وتسعين ومائيتن
ذكر أخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة
قد ذكرنا مسير المكتفي إلى الرقة، وإرساله الجيوش إلى صاحب الشامة، وتولية حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب، فلما كانت هذه السنة أمر محمد بن سليمان بمناهضة صاحب الشامة، فسار إليه في عساكر الخليفة، حتى لقوه وأصحابه بمكان بينهم وبين حماة اثنا عشر ميلاً لست خلون من المحرم، فقدم القرمطي أصحابه إليهم، وبقي في جماعة من أصحابه، معه مال كان جمعه، وسواد عسكره والتحمت الحرب بين أصحاب الخليفة والقرامطة، واشتدت، وانهزمت القرامطة وقتلوا كل قتلة وأسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادي، وتبعهم أصحاب الخليفة.

فلما رأى صاحب الشامة ما نزل بأصحابه حمل أخاً له يكنى أبا الفضل مالأن وأمره أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر بمكان فيسير إليه، وركب هووابن عمه المسمى بالمدثر، والمطوق صاحبه، وغلام له رومي، واخذ دليلاً وسار يريد الكوفة عرضاً في البرية، فانتهى إلى الدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض أصحابه إلى الدالية المعروفة بابن طوق ليشتري لهم ما يحتاجون إليه، فأنكروا رأيه، فسألوه عن حاله فكتمه، فرفعوه إلى متولي تلك الناحية خليفة أحمد بن محمد بن كشمرد، فسأله عن خبره، فأعلمه أن صاحب الشامة خلف رابية هناك مع ثلاثة نفر، فمضى إليهم وأخذهم، وأحضرهم عند ابن كشمرد، فوجه بهم إلى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروأن وكان أكثر الأنس أثراً في الحرب الحسين بن حمدان، وكتب محمد بن سليمان يثني عليه وعلى بني شيبان، فإنهم اصطلحوا الحرب، وهزموا القرامطة، واكثروا القتل فيهم والأسر، حتى لم ينج منهم إلا قليل.
وفي يوم الاثنين لأربع بقين من المحرم أدخل صاحب الشامة الرقة ظاهراً على فالج وهوالجمل ذوالسنامين وبين يديه المدثر والمطوق؛ وسار المكتفي إلى بغداد ومعه صاحب الشامة وأصحابه، وخلف العساكر مع محمد بن سليمان، وأدخل القرمطي بغداد على فيل، وأصحابه على الجمل، ثم أمر المكتفي بحبسهم إلى أن يقدم محمد بن سليمان، فقدم بغداد، وقد استقصى في طلب القرامطة، فظفر بجماعة من أعيانهم ورؤوسهم، فأمر المكتفي بقطع أيديهم وأرجلهم، وضرب أعناقهم بعد ذلك، واخرجوا من الحبس، وفعل بهم ذلك، وضرب صاحب الشامة مائتي سوط، وقطعت يداه، وكوي، فغشي عليه، وأخذوا خشباً وجعلوا فيه نارأن ووضعوه على خواصره، فجعل يفتح عينه ويغمضهأن فلما خافوا موته ضربوا عنقه، ورفعوا رأسه على خشبة، فكبر الناس لذلك، ونصب على الجسر.
وفيها قدم رجل من بني العليص من وجوه القرامط، يسمى إسماعيل ابن النعمان، وكان نجا في جماعة لم ينج من رؤسائهم غيره، فكاتبه المكتفي وبذل له الأمان، فحضر في الأمان هوونيف ومائة وستون نفسأن فأمنوا واحسن إليهم ووصلوا بمال، وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيمأن وهي من عمله، فأقاموا معه مدة، ثم أرادوا الغدر بالقاسم، وعزموا على أن يثبوا بالرحبة يوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة، وكان قد صار معهم جماعة كبيرة، فعلم بذلك، فقتلهم، فارتدع من كان بقي من موالي بني العيص، وذلوأن وألزموا السماوة، حتى جاءهم كتاب من الخبيث زكرويه يعلمهم أنه مما أوحي إليه أن صاحب الشامة وأخاه المعروف بالشيخ يقتلان، وأن إمامه الذي هوحي يظهر بعدهما ويظفر.
ذكر عدة حوادثوفيها جاءت أخبار أن حوى وما يليها جاءها سيل فغرق نحومن ثلاثين فرسخأن وغرق خلق كثير، وغرقت المواشي والغلات وخربت القرى، واخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم.
وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان، كاتب الجيش، وعلى جماعة من القواد، وأمرهم بالمسير إلى الشام ومصر لأخذ الأعمال من هارون بن خمارويه، لما ظهر من عجزه، وذهاب رجاله بقتل القرمطي، فسار عن بغداد في رجب وهوفي عشرة آلاف رجل، وجد في السير.
وفيها خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر، وكان في عسكرهم سبع مائة قبة تركية، ولا يكون إلا للرؤساء منهم، فوجه إليهم إسماعيل بن احمد جيشاً كثيرأن وتبعهم من المتطوعة خلق كثير، فساروا نحوالترك، فوصلوا إليهم وهم غارون، فكبسهم المسلمون مع الصبح، فقتلوا منهم خلقاً عظيماً لا يحصون، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وعاد المسلمون سالمين غامنين.
وفيها خرج من الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور، فقصد جماعة منهم إلى الحدث فأغاروا وسبوا واحرقوا.
وفيها سار المعروف بغلام زرافة من طرسوس نحوبالد الروم، ففتح مدينة أنطاكية، وهي تعادل القسطنطينية، فتحها بالسيف عنوة، فقتل خمسة آلاف رجل، وأسر مثلهم، واستنقذ من الأسارى خمسة آلاف، وأخذ لهم ستين مركباً فحمل فيها ما غمن لهم من الأموال والمتاع والرقيق، وقدر نصيب كل رجل ألف دينار، وهذه المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمون بذلك.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس.

وفيها توفي القاسم بن عبيد الله، وزير الخليفة، في ذي القعدة، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً، ولما مات قال ابن سيار:
أمات ليحيأن فما إن حيي، ... وأفنى ليبقى، فما إن بقي
ومازال في كل يوم يرى ... أمارة حتف وشيك وحي
وما زال يسلح من دبره ... إلى أن خزي النفس فيما خري
وفيها مات أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد ين عبد الرحمن الماستواي الفقيه بنيسابور، ومحمد بن الجزوعي، قاضي الموصل ببغداد.
وفيها توفي أبوالعباس أحمد بن يحيى الشيباني النحوي، وكان عالماً بنحوالكوفيين، وكان موته ببغداد.
حوادث سنة اثنتين وتسعين ومائتين
ذكر استيلاء المكتفي على الشام ومصر
وانقراض ملك الطولونية
وفي المحرم منها سار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون.
وسبب ذلك أن محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي، وعاد عن محاربة القرامطة، واستقصى محمد في طلبهم، فلما بلغ ما أراد عزم على العود إلى العراق، فأتاه كتاب بدر الحمامي غلام ابن طولون، وكتاب فائق، وهما بدمشق، يدعوانه إلى قصد البلاد بالعساكر بساعداه على أخذهأن فلما عاد إلى بغداد أنهى ذلك إلى المكتفي، فأمره بالعود، وسير معه الجنود، والأموال، ووجه المكتفي دميانة غلام بازمار، وأمره بركوب البحر إلى مصر، ودخول النيل، وقطع المواد عن مصر، ففعل، وضيق عليهم.
وزحف إليهم محمد بن سليمان في الجوش، في البر، حتى دنا من مصر وكاتب من بها من القواد، وكان أول من خرج إليه بدر الحمامي، وكان رئيسهم، فكسرهم ذلك، وتتابعه المستأمنة من قواد المصريين، فلما رأى ذلك هارون، في بعض الأيام، عصبية، فاقتتلوأن فخرج هارون يسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمرزاق معه فقتله، فلما قتل قام عمه شيبان بالأمر من بعده، وبذل المال للجند، فأطلقوه وقاتلوا معه، فأتتهم كتب بدر يدعوهم إلى الأمان، فأجابوه إلى ذلك.
فلما علم محمد ين سليمان الخبر سار إلى مصر، فأرسل إليه شيبان يطلب الأمان، فأجابه، فخرج إليه ليلاً، ولم يعلم به أحد من الجند، فلما أصبحوا قصدوا داره ولم يجدوه، فبقوا حيارى، ولما وصل محمد مصر دخلهأن واستولى على دور طولون وأموالهم، وأخذهم جميعأن وهم بضعة عشر رجلأن فقيدهم، وحبسهم واستقصى أموالهم، وكان ذلك في صفر، وكتب بالفتح إلى المكتفي، فأمره بإشخاص آل طولون وأسبابهم من مصر والشام إلى بغداد، ولا يترك منهم أحدأن ففعل ذلك، وعاد إلى بغداد، وولى معونة مصر عيسى النوشري.
ثم ظهر بمصر إنسان يعرف بالخلنجي، وهومن قوادهم، وكان تخلف عن محمد بن سليمان، فاستمال جماعة، وخالف على السلطان، وكثر جمعه وعجز النوشري عنه، فسار إلى الإسكندرية، ودخل إبراهيم الخلنجي مصر، وكتب النوشري إلى المكتفي بالخبر، فسير إليه الجنود مع فاتك، مولى المعتضد، وبدر الحمامي، فساروا في شوال نحومصر.
ذكر عدة حوادثوفيها أخذ بالبصرة رجل ذكروا أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده وتسعة وثلاثون رجلأن وحملوا إلى بغداد، فكانوا يبكون، ويستغيثون، ويحلفون انهم برآء، فأمر بهم المكتفي فحبسوا.
وفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ونواحيهأن فنفر أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب أبوالرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين، فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور، واستعمل عليهم رستم بن بردوا.
وفيها كان الفداء على ي رستم، فكان جملة من فودي به من المسلمين ألف نفس ومائتي نفس.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عباس بن محمد.
وفيها زادت دجلة زيادة مفرطة، حتى تهدمت الدور التي على شاطئها بالعراق.
وفيهأن في العشرين من أيار، طلع كوكب له ذنب عظيم جداً في برج الجوزاء.
وفيها وقع الحريق ببغداد بباب الطاق من الجانب الشرقي إلى طرق الصفارين، فاحترق ألف دكان مملوءة متاعاً للتجار.
وفيها توفي أبومسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، ويقال الكشي.
وفيها توفي القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز أبوحازم، قاضي المعتضد بالله، ببغداد، وكان من أفاضل القضاة.
حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائتين
ذكر أول إمارة بني حمدان بالموصل
وما فعلوه بالأكراد

في هذه السنة ولى المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي، فسار إليهأن فقدمها أول المحرم، فأقام بها يومه، وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه، والذين بالموصل، فأتاه الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية، ومقدمهم محمد بن بلال، قد أغاروا على البلد، وغمنوا كثيراً منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه، فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما الحمداني، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة، فأتته النجدة بعد شهور كثيرة، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين.
ففي ربيع الأول منها سار فيمن معه إلى الهدباينة، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلما رأوا جدة في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق، وهومضيق في جبل عال مشرف على شهرزور، فامتنعوا وغار مقدمهم محمد بن بلال، وقرب من ابن حمدان، وراسله في أن يطيعه، ويحضر هووأولاده، ويجعلهم عنده يكونون رهينة، ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك، فرجع محمد ليأتي بمن ذكر، فحث أصحابه على المسير نحوأذربيجان، وغمنا أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد في الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيروا آمنين.
فلما تأخر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده، فجرد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان، وداود، وسعيد، وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن يسيروا معه، فتثبطوأن فتركهم وسار يقفوا أثرهم، فلحقهم وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وصعدوا ذروة الجبل، وانصرف ابن حمدان عنهم، ولحق الأكراد بأذربيجان، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السلق، وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد، فدخله ابن حمدان، والجواسيس بين يديه، خوفاً من كمين يكون فيه، وتقدم من بين يدي أصحابه، وهم يتبعونه، فلم يتخلف منهم أحد، وجاوزوا الجبل، وقاربوا الأكراد، وسقط عليهم الثلج، واشتد البرد، وقلت الميرة والعلف عندهم، وأقام على ذلك عشرة أيام، وبلغ الحمل التبن ثلاثين درهمأن ثم عدم عندهم وهوصابر.
فلما رأى الأكراد صبرهم وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال وأولاده ومن لحق به، واستولى ابن حمدان على بيوتهم، وسوادهم، وأهلهم، وأموالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم، وأبقى عليهم، وردهم إلى بلد حزة، وورد عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل منهم غير رجل واحد، وهوالذي قتل صاحبه سيما الحمداني، وأمنت البلاد معه، واحسن السيرة في أهلها.
ثم إن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمنه وحضر عنده، وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميدية، وأهل جبل داسن إليه بالأمان، فأمنت البلاد واستقامت.
ذكر الظفر بالخلنجيفي هذه السنة، في صفر، وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر، وتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب جماعة من القواد إليهم ببغداد، وفيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا في ربيع الأول وساروا نحومصر.
واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي، فبرز المكتفي إلى باب الشماسية ليسير إلى مصر في رجب، فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى الخلنجي، وكانت بينهم حروب كثيرة قتل بينهم فيها خلق كثير، فإن آخر حرب كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخلنجي، وانهزم الباقون، وظفروا بهم، وغمنوا عسكرهم، وهرب الخلنجي، فدخل فسطاط مصر، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، فدخلنا المدينة، فدلونا عليه، فأخذناه ومن استتر عنده، وهم في الحبس.
فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى بغداد، وعاد المكتفي بغداد، وأمر برد خزائنه، وكانت قد بلغت تكريت، فوجه فاتك الخلنجي إلى بغداد، فدخلها هوومن معه في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم.
ذكر أمر القرامطة

فيها انفذ زكروية بن مهرويه، بعد قتل صاحب الشامة، رجلاً كان يعلم الصبيان بالرافوفة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غامن، فسمي نصرأن وقيل كان المنفذ ابن زكرويه، فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد، إلا رجلاً من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال، واستقوى بطوائف من الأصبغيين المنتمين إلى الفواطم، وغيرهم من العليصيين، وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، والعامل بدمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وهوبمصر يحارب الخلنجي، فاغتمن ذلك عبد الله بن سعيد، وسار إلى بصرى وأذرعات والبثينة، فحارب أهلهأن ثم أمنهم، فلما استسلموا إليه قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم واخذ أموالهم.
ثم قصد دمشق، فخرج إليهم نائب ابن كيغلغ، وهوصالح بن الفضل، فهزمه القرامطة، وأثخنوا فيهم، ثم أمنوهم وغدروهم بالأمان، وقتلوا صالحأن وفضوا عسكره، وساروا إلى دمشق، فمنعهم أهلهأن فقصدوا طبرية، وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتتنوا به، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي، وهوخليفة أحمد بن كيغلغ بالأردن، فهزموه، وبذلوا له الأمان، وغدروا به، وقتلوه، ونهبوا طبرية، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها وسبوا النساء.
فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم، فوردوا دمشق، فلما علم بهم القرامطة رجعوا نحوالسماوة، وتبعهم الحسين في السماوة وهم ينتقلون في المياه ويغورونهأن حتى لجؤوا إلى ماءين يعرف أحدهما بالدمعانة، والآخر بالحبالة، وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، وعاد إلى الرحبة، وأسرى القرامطة مع نصر إلى هيت وأهلها غافلون، فنهبوا ربضهأن وامتنع أهل المدينة بسورهم، ونهبوا السفن، وقتلوا من أهل المدينة مائتي نفس، ونهبوا الأموال والمتاع، وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة.
وبلغ الخبر إلى المكتفي فسير محمد بن إسحاق بن كنداج، فلم يقيموا لمحمد، ورجعوا إلى الماءين فنهض محمد خلفهم، فوجدهم قد غوروا المياه، فأنفذ إليه من بغداد الأزواد والدواب، وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرحبة ليجتمع هوومحمد على الإيقاع بهم، ففعل ذلك.
فلما أحس الكبيون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه، قتله رجل منهم يقال له الذئب ابن القائم، وسار برأسه إلى المكتفي متقرباً بذلك، مستأمنأن فأجيب إلى ذلك، وأجيز بجائزة سنية، وأمر بالكف عن قومه.
واقتتلت القرامطة بعد نصر حتى صارت بينهم الدماء، وسارت فرقة كرهت أمورهم إلى بني أسد بنواحي عين التمر، واعتذروا إلى الخليفة، فقبل عذرهم، وبقي على المائين بقيتهم ممن له بصيرة في دينه، فكتب الخليفة إلى ابن حمدان يأمره بمعاودتهم، واجتثاث أصلهم، فأرسل إليهم زكرويه ابن مهرويه داعية له يسمى القاسم بن أحمد، ويعرف بأبي محمد، وأعلمهم أن فعل الذئب قد نفره منهم، وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفأن وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في شأن موسى، صلى الله عليه وسلم، وعدوه فرعون إذ (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) طه: 59، ويأمرهم أن يخفوا أمرهم، وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة يوم النحر سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منهأن وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذي يعدهم إياه، وأن يحملوا إليه القاسم بن احمد.
فامتثلوا رأيه، ووافوا باب الكوفة وقد انصرف عن مصلاهم، وعاملهم إسحاق بن عمران، ووصلوها في ثماني مائة فارس عليهم الدروع، والجواشن، والآلات الحسنة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد قبة، وقالوا هذا أثر رسول الله. ونادوا: يا لثارات الحسين، يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداد، وشعارهم: يا أحمد، يا محمد، يعنون ابني زكرويه المقتولين، فأظهروا الأعلام البيض، وأرادوا استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك، فلم يمل إليهم أحد، فأوقع القرامطة من أهل الكوفة، وقتلوا نحواًمن عشرين نفساً.
وبادر الناس الكوفة، وأخذوا السلاح، ونهض بهم إسحاق، ودخل مدينة الكوفة القرامطة مائة فارس، فقتل منهم عشرون نفسأن وأخرجوا عنهأن وظهر إسحاق، وحاربهم إلى العصر، ثم انصرفوا نحوالقادسية، وكان فيمن يقاتلهم مع إسحاق جماعة من الطالبية.

وكتب إسحاق إلى الخليفة يستمده، فأمده بجماعة من قواده، منهم: وصيف بن صوارتكين التركي، والفضل بن موسى بن بغأن وبشر الخادم الأفشيني، ورائق الحري، مولى أمير المؤمنين، وغيرهم من الغلمان الحجرية، فساروا منتصف ذي الحجة حتى قاربوا القادسية فنزلوا بالصوان، فلقيهم زكرويه.
وأما القرامطة فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعاً فيه سنين كثيرة، بقرية الدرية، وكان على الجب باب حديد محكم العمل، وكان زكرويه إذا خاف الطلب جعل تنوراً هناك على باب الجب، وقامت امرأة تسجره، فلا يفطن إليه، وكان ربما أخفي في بيت خلف باب الدار التي كان بها ساكنأن فإذا انفتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل الدار فلا يرى شيئأن فلما استخرجوه حملوه على أيديهم، وسموه ولي الله، ولما رأوه سجدوا له، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصته، وأعلمهم أن القاسم بن أحمد من أعظم الناس عليهم ذمة ومنة، وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم عنه، وأنهم إن امتثلوا أوامره أنجز موعدهم وبلغوا آمالهم، ورمز لهم رموزاً ذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، فاعترف له من رسخ حب الكفر في قلبه أنه رئيسهم وكهفهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل.
وسار بهم وهومحجوب يدعونه ولا يبرزونه، والقاسم يتولى الأمور، وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام بسقي الفرات عدة أيام، فلم يصل إليه منهم إلا خمس مائة رجل، ثم وافته الجنود المذكورة من عند الخليفة، فلقيهم زكرويه بالصوان، وقالتهم واشتدت الحرب بينهم، وكانت الهزيمة أول النهار على القرامطة، وكان زكرويه قد كمن لهم كميناً من خلفهم، فلم يشعر أصحاب الخليفة إلا والسيف فيهم من ورائهم، فانهزموا أقبح هزيمة، ووضع القرامطة السيف فيهم، فقتلوهم كيف شاءوأن وغمنوا سوادهم، ولم يسلم من أصحاب الخليفة إلا من دابته قوية، أومن أثخن بالجراح، فوضع نفسه بين القتلى، فتحاملوا بعد ذلك، وأخذ للخليفة في هذا العسكر أكثر من ثلاثمائة جمازة عليها المال والسلاح، وخمس مائة بغل، وقتل من أصحاب الخليفة، سوى الغلمان ألف وخمس مائة رجل، وقوي القرامطة بما غمنوا.
ولما ورد خبر هذه الوقعة إلى بغداد أعظمها الخلفة والناس، وندب إلى القرامطة محمد بن إسحاق بن كنداج، وضم إليه من الأعراب بني شيبان وغيرهم أكثر من ألفي رجل، وأعطاهم الأرزاق، ورحل زكرويه من مكانه إلى نهر المثنية لنتن القتلى.
ذكر عدة حوادثوفيهأن في ربيع الآخر، قدم إلى بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمد ابن عمروبن الليث مستأمنأن ويعرف بأبي قابوس.
وسبب ذلك أن طاهراً تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سجستان للصيد والتنزه، فغلب على الأمر بفارس الليث بن علي بن الليث، وسبكرى مولى عمروبن الليث، فوقع بينهما وبين هذا القائد تباعد، ففارقهم، ووصل إلى بغداد، فخلع عليه الخليفة وأحسن إليه، فكتب طاهر بن محمد يسأل رد أبي قابوس، ويذكر أنه جبى المال وأخذه، ويقول له: إما أن ترد إليه، أوتحتسب له بما ذهب معه من المال من جملة القرار الذي عليه، لم يجبه الخليفة إلى ذلك.
وفيها صارت الداعية التي للقرامطة باليمن إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلهأن فظفر بهم وقتلهم، فلم يفلت إلا اليسير، وتغلب على سائر مدن اليمن، ثم اجتمع أهل صنعاء وغيرهأن فحاربوا الداعية، فهزموه، فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، وبلغ الخبر الخليفة، فخلع على المظفر بن حاج في شوال، وسيره إلى عمله باليمن، وأقام بها إلى أن مات.
وفيها أغارت الروم على قورس، من أعمال حلب، فقاتلهم أهلها قتالاً شديدأن ثم انهزموأن وقتلوا أكثرهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعهأن وساقوا من بقي من أهلها.
وفيها فتح إسماعيل بن أحمد الساماني، ملك ما وراء النهر، مواضع من بلاد الترك ومن بلاد الديلم؛ وحج بالناس محمد بن عبد الملك الهاشمي.
وفيها توفي نصر بن احمد الحافظ في رمضان، وأبوالعباس عبد الله بن محمد الناشي الشاعر الكاتب الأنباري.
حوادث سنة أربع وتسعين ومائتين
ذكر أخبار القرامطة وأخذهم الحاج

في هذه السنة، في المحرم، أرتحل زكرويه من نهر المثنية يريد الحاج، فبلغ السلمان، وأقام ينتظرهم، فبلغت القافلة الأولى واقصة سابع المحرم، فأنذرهم أهلها وأخبروهم بقرب القرامطة، فارتحلوا لساعتهم.
وسار القرامطة إلى واقصة، فسألوا أهلها عن الحاج، فأخبروهم أنهم ساروأن فاتهمهم زكرويه، فقتل العلافة، وأحرق العلف، وتحصن أهل واقصة في حصنهم، فحصرهم أياماً ثم ارتحل عنهم نحوزبالة، وأغار في طريقه على جماعة من بني أسد.
ووصلت العساكر المنفذة من بغداد إلى عيون الطف، فبلغهم مسير زكرويه من السلمان، فانصرفوأن وسار علان بن كشمرد جريدة، فنزل واقصة بعد أن جازت القافلة الأولى، ولقي زكرويه القرمطي قافلة الخراسانية بعقبة الشيطان راجعين من مكة، فحاربهم حرباً شديدة، فلما رأى شدة حربهم سألهم: هل فيكم نائب للسلطان؟ فقالوا: ما معنا أحد. قال: فلست أريدكم؛ فاطمأنوا وساروأن فلما ساروا أوقع بهم، وقتلهم عن آخرهم، ولم ينج إلا الشريد، وسبوا من الناس ما أرادوأن وقتلوا منهم.
ولقي بعض المنهزمين علان بن كشمرد، فأخبروه خبرهم، وقالوا له: ما بينك وبينهم إلا القليل، ولورأوك لقوزويت نفوسهم، فالله الله فيهم! فقال: لا أعرض أصحاب السلطان للقتل. ورجع هووأصحابه. وكتب من نجا من الحجاج من هذه القافلة الثانية إلى رؤساء القافلة الثالثة من الحجاج يعلمونهم ما جرى من القرامطة، ويأمرونهم بالتحذر، والعدول عن الجادة نحوواسط والبصرة، والرجوع إلى فيد والمدينة إلى أن تأتيهم جيوش السلطان، فلم يسمعوأن ولم يقيموا.
وسارت القرامطة من العقبة بعد اخذ الحاج، وقد طموا الآبار والبرك بالجيف، والأراب، والحجارة، بواقصة، والثعلبية، والعقبة، وغيرها من المناهل في جميع طريقهم، وأقام بالهيبر ينتظر القافلة الثالثة، فساروا فصادفوه هناك، فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيام، وهم على غير ماء، فاستسلموا لشدة العطش، فوضع فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم، وجمع القتلى كالتل، وأرسل خلف المنهزمين من يبذل لهم الأمان، فلما رجعوا قتلهم، وأن في القتلى مبارك القمي، وولده أبوالعشائر بن حمدان.
وكان نساء القرامطة يطفن بالماء بين القتلى يعرضن عليهم الماء، فمن كلمهن قتلنه، فقيل إن عدة القتلى بلغت عشرين ألفأن ولم ينج إلا من كان بين القتلى فلم يفطن له فنجا بعد ذلك، ومن هرب عند اشتغال القرامطة بالقتل والنهب، فكان من مات من هؤلاء أكثر ممن سلم ومن استعبدوه، وكان مبلغ ما أخذوه من هذه ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأربعاء فبراير 19, 2014 8:54 am

بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين
ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز
وفي هذه السنة اجتمع القوّاد، والقضاة، والكتّاب، مع الوزير العبّاس بن الحسن، على خلع المقتدر، والبيعة لابن المعتزّ، وأرسلوا إلى ابن المعتز في ذلك، فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم، ولا حرب، فأخبروه باجتماعهم عليه، وأنّهم ليس لهم منازعٌ ولا محاربٌ.
وكان الرأس في ذلك العبّاس بن الحسن، ومحمّد بن داود بن الجَرّاح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي؛ ومن القوّاد الحسين بن حمدان، وبدر الأعجميُّ، ووصيف بن صوارتكين.
ثمّ إنّ الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر، وأنّه على ما يحبّ، فبدا له في ذلك، فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولى قتله منهم الحسين ابن حّمدان، وبدر الأعجميّ، ووصيف، ولحقوه، وهو سائر إلى بستان له، فقتلوه في طريقه، وقتلوا معه فاتكاً المعتضديَّ، وذلك في العشرين من ربيع الأوّل، وخُلع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتّز.
وركض الحسين بن حَمدان إلى الحَلبة ظنّاً منه أنّ المقتدر يلعب هناك بالكرة، فيقتله، فلم يصادفه، لأنّه كان هناك، فبلغه قتل الوزير وفاتك، فركض دابّته فدخل الدار، وغُلّقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر.
وأحضروا ابن المعتّز وبايعوه بالخلافة، وكان الذي يتولّى أخذ البيعة له محمّد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس، والقوّاد، وأصحاب الدواوين، سوى أبي الحسن بن الفُرات، وخواصّ المقتدر، فإنّهم لم يحضروا، ولُقّب ابنُ المعتزّ المرتضي بالله، واستوزر محمّد بن داود بن الجرّاح، وقلّد عليّ بن عيسى الدواوين، وكُتبت الكتبُ إلى البلاد من أمير المؤمنين المرتضي بالله أبي العبّاس عبدالله بن المعتزّ بالله، ووجّه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر التي كان مقيماً فيها، لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى الليل.
وعاد الحسين بن حَمدان بُكرة غد إلى دار الخلافة، فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء الستور عامّة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار، فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وكلّ ما له إلى الموصل، لا يُدرى لِمَ فعل ذلك؛ ولم يكن بقي مع المقتدر من القوّاد غير مُؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغريب الخال وحاشية الدار.
فلمّا همّ المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نُبلي عّذراً، ونجتهد في دفع ما أصابنا؛ فأجمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتزّ بالحرم يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديّات وغير ذلك، وركبوا السُّمَيريّات، وأصعدوا في الماء، فلمّا رآهم مَن عند ابن المعتزّ هالهم كثرتهم، واضطربوا، وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه.
ولمّا رأى ابن المعتزّ ذلك ركب ومعه وزيره محمّد بن داود وهربا، وغلام له ينادي بين يديه: يا معشر العامّة، ادعوا لخليفتكم السنّيّ البربهاريّ، وإنّما نسبت هذه النسبة لأنّ الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهاريّ كان مقدّم الحَنابلة والسُّنّة من العامّة، ولهم فيه اعتقاد عظيم، فأراد استمالتهم بهذا القول.

ثمّ إنّ المعتزّ ومَن معه ساروا نحو الصحراء، ظنّاً منهم أنّ مَن بايعه من الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد، فكانوا عزموا أن يسيروا إلى سُرَّ من رأى بمن يتبعهم من الجند، فيشتدّ سلطانهم، فلمّا رأوا أنّهم لم يأتهم أحدٌ رجعوا عن ذلك الرأي، واختفى محمّد بن داود في داره ونزل ابن المعتزّ عن دابّته، ومعه غلامه يَمِن، وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصّاص، فاستجار به، واستتر أكثر مَن بايع ابن المعتزّ، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيّارون والسُّفّل ينهبون الدور.
وكان ابن عمرَويْه، صاحب الشُّرطة، ممّن بايع ابن المعتزّ، فلمّا هرب جمع ابن عمرّويْه أصحابه، ونادى بشعار المقتدر، يدلّس بذلك، فناداه العامّة: يا مرائي، يا كذّاب ! وقاتلوه، فهرب واستتر، وتفرّق أصحابه، فهجاه يحيى بن عليّ بأبياتٍ منها:
بايعوه فلم يكن عند الأن ... وك إلاّ التغييرُ والتخبيط
رافضيّون بايعوا أنْصَبَ الأ ... مَة هذا لعَمْريَ التخليطُ
ثمّ ولَّى من زَعْقَةٍ ومحامو ... ومن خلفهم لهم تَضريطُ
وقلّد المقتدر، تلك الساعة، الشُّرطة مؤنساً الخازن، وهُو غير مؤنس الخادم، وخرج بالعسكر، وقبض على وصيف بن صُوارتكين وغيره، فقتلهم، وقبض على القاضي أبي عُمر، وعليّ بن عيسى، والقاضي محمّد ابن خلف وكيع، ثمّ أطلقهم، وقبض على القاضي المثنّى أحمد بن يعقوب، فقتله لأنّه قيل له: بايع المقتدر، فقال: لا أبايع صبيّاً، فذُبح.
وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن بن الفُرات، وكان مختفياً، فاحضره واستوزره، وخلع عليه.
وكان في هذه الحادثة عجائب منها: أنّ الناس كلّهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لأبن المعتزّ، فلم يتمّ ذلك، بل كان على العكس من إرادتهم، وكان أمر الله مفعولاً.
ومنها أنّ ابن حَمدان، على شدّة تشيّعه وميله إلى عليّ، عليه السلام، وأهل بيته، يسعى في البيعة لابن المعتزّ على انحرافه عن عليّ وغلوّه في النصْب إلى غير ذلك.
ثمّ إنّ خادماً لابن الجَصّاص، يُعرف بسوسن، أخبر صافياً الحرميَّ بأنّ ابن المعتزّ عند مولاه، ومعه جماعة، فكُبست دار ابن الجَصّاص، وأُخذ ابن المعتزّ منها، وحُبس إلى الليل، وعُصِرتْ خصيتاه حتّى مات، ولُفّ في كساء، وسُلّم إلى أهله.
وصودر ابن الجَصّاص على مال كثير، وأُخذ محمّد بن داود وزير ابن المعتزّ، وكان مستتراً، فقُتل، ونُفي عليُّ بن عيسى إلى واسط، فأرسل إلى الوزير ابن الفُرات يطلب منه أن يأذن له في المسير إلى مكّة، فأذن له في ذلك فسار إليها على طريق البصرة وأقام بها.
وصودر القاضي أبو عُمر على مائة ألف دينار، وسُيّرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حَمدان فتبعوه إلى الموصل، ثمّ إلى بَلَد فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن حمدان، وهو الأمير على الموصل، يأمره بطلبه، فسار إليه إلى بَلَد، ففارقها الحسين إلى سِنجار، وأخوه في أثره، فدخل البرّيّة فتبعه أخوه عشرة أيّام، فادركه، فاقتتلوا، فظفر أبو الهيجاء، وأسر بعض أصحابه، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وعاد عنه إلى الموصل، ثمّ انحدر إلى بغداد، فلمّا كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين، فبيّته، فقتل منهم قتلى، وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد.
وأرسل الحسين إلى ابن الفُرات، وزير المقتدر، يسأله الرضى عنه، فشفع فيه إلى المقتدر بالله ليرضى عنه، وعن إبراهيم بن كَيْغَلَغ، وابن عمرَوَيْه صاحب الشُّرطة وغيرهم، فرضي عنهم، ودخل الحسين بغداد، فرد عليه أخوه ما أخذ منه، وأقام الحسين ببغداد إلى أن وليّ قُمّ فسار إليها، وأخذ الجرائد التي فيها أسماء مَن أعان على المقتدر، فغرَّقها في دجلة، وبسط ابن الفُرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للعبّاسيّين والطالبيّين، وأرضى القوّاد بالأموال، ففرّق معظم ما كان في بيوت الأموال.
ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط من مثلها ويفعل فيها مثل فعل صاحبها

كان سليمان بن الحسن بن مخلَّد متّصلاً بابن الفرات، وبينهما مودّة وصداقة، فوجد الوزير كتب البيعة لابن المعتزّ بخطّ سليمان، وقلّده الأعمال، فسعى سليمان بابن الفرات إلى المقتدر، وكتب بخطّه مطالعة تتضمّن ذكر أملاك الوزير وضياعه ومستغلاته وما يتعلّق بأسبابه، وأخذ الرقعة ليوصلها إلى المقتدر، فلم يتهيّأ له ذلك.
وحضر دارَ الوزير وهي معه، وسقطت من كمّه، فظفر بها بعضُ الكتّاب فأوصلها إلى الوزير، فلمّا قرأها قبض على سليمان، وجعله في زورق، وأحضره إلى واسط، ووكّل به هناك، وصادره، ثمّ أراد العفو عنه، فكتب إليه: نظرتُ، أعزّك الله، في حقّك عليّ وجرمك إليّ، فرأيتُ الحقّ مُوفياً على الجرم، وتذكّرتُ من سالف خدمتك ما عطفني عليك، وثناني إليك وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت؛ وأطلق له عشرة آلاف درهم، وعفا عنه، واستعمله وأكرمه.
ذكر ولاية أبي مضر إفريقية وهربه إلى العراق وما كان من أمرهفي هذه السنة، مستهلّ شهر رمضان، وليّ أبو مُضر زيادة الله بن أبي العبّاس بن عبدالله إفريقية، بعد قتل أبيه، فعكف على اللذّات والشهوات وملازمة الندماء والمضحكين، وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعيّة، وأرسل كتاباً يوم وُلّي إلى عمّه الأحول على لسان أبيه يستعجله في القدوم عليه، ويحثّه على السُّرعة، فسار مجدّاً ولم يعلم بقتل أبي العبّاس، فلمّا وصل قتله، وقتل مَن قدر عليه من أعمامه وإخوته.
واشتدّت شوكة أبي عبدالله الشيعيّ في أيّامه، وقوي أمرُه، وكان الأحوال قبالته، فلمّا قُتل صفتْ له البلاد، ودانت له الأمصار والعباد، فسيّر إليه زيادة الله جيشاً مع إبراهيم بن أبي الأغلب، وهو من بني عمّه، بلغت عدّتهم أربعين ألفاً سوى من انضاف إليه، فهزمه أبو عبدالله الشيعيُّ على ما ذكرناه آنفاً؛ فلمّا اتّصل بزيادة الله خبر الهزيمة علم أنّه لا مقام له لأن هذا الجمع هو آخر ما انتهت قدرته إليه، فجمع ما عزّ عليه من أهل ومال وغير ذلك، وعزم على الهرب إلى بلاد الشرق، وأظهر للناس أنّه قد جاءه خبرُ هزيمة أبي عبدالله الشيعيّ، وأمر بإخراج رجال من الحبس، فقتلهم، وأعلم خاصّته حقيقة الحال، وأمرهم بالخروج معه.
فأشار عليه بعض أهل دولته بأن لا يفعل ولا يترك ملكه. قال له: إنّ أبا عبدالله لا يجسر عليك، فشتمه، وردّ عليه رأيه، وقال: أحبّ الأشياء إليك أن يأخذني بيدي. وانصرف كلّ واحد من خاصّته وأهله يتجهّز للمسير معه، وأخذ ما أمكنه حمله.
وكانت دولة آل الأغلب بإفريقية قد طالت مدّتها، وكثرت عبيدها وقوي سلطانها، وسار عن إفريقية إلى مصر في سنة ستّ وتسعين ومائتين، واجتمع معه خلق عظيم، فلم يزل سائراً حتّى وصل طرابلس، فدخلها، فأقام بها تسعة عشر يوماً، ورأى بها أبا العبّاس أخا أبي عبدالله الشيعيّ، وكان محبوساً بالقيروان، حبسه زيادة الله، فهرب إلى طرابلس، فلمّا رآه أحضره وقرّره: هل هو أخو أبي عبدالله ؟ فأنكر وقال: أنا رجل تاجر قيل عنّي إنّني أخو أبي عبدالله فحبستَني. فقال له زيادة الله: أنا أطلقك، فإن كنت صادقاً في أنّك تاجر فلا نأثم فيك، وإنّ كنتَ كاذباً، وأنت أخو أبي عبدالله، فليكن للصنيعة عندك موضع، وتحفظنا فيمن خلّفناه. وأطلقه.
وكان من كبار أهله وأصحابه إبراهيم بن أبي الأغلب، فأراد قتله وقتل رجل آخر كانا قد عرضا أنفسهما على ولاية القيروان، فعلما ذلك، وهربا إلى مصر، وقدما على العامل بها وهو عيسى النُّوشريُّ، فتحدّثا معه، وسعيا بزيادة الله، وقالا له: إنّه يُمنيّ نفسه بولاية مصر، فوقع ذلك في نفسه، وأراد منعه عن دخول مصر إلاّ بأمر الخليفة من بغداد، فوصل زيادة الله ليلاً، وعبر الجسر إلى الجيزة قهراً، فلمّا رأى ذلك النُّوشريُّ لم يمكنه منعه، فأنزله بدار ابن الجصّاص، ونزل أصحابه في مواضع كثيرة، فأقام ثمانية أيّام، ورحل يريد بغداد، فهرب عنه بعض أصحابه، وفيهم غلام له، وأخذ منه مائة ألف دينار، فأقام عند النُّوشريِّ، فأسرل النُّوشريُّ إلى الخليفة، وهو المقتدر بالله، يعرّفه حال زيادة الله وحال من تخلّف بمصر، فأمره بردّ من تخلّف عنه إليه مع المال، ففعل.

وسار زيادة الله حتّى بلغ الرَّقّة وكتب إلى الوزير، وهو ابن الفرات، يسأله في الإذن له لدخول بغداد، فأمره بالتوقّف، فبقي على ذلك سنة، فتفرّق عنه أصحابه، وهو مع هذا مُدمن الخمر، واستماع الملاهي، وسُعي به إلى المقتدر، وقيل له يُرَدّ إلى المغرب يطلب بثأره، فكتب إليه بذلك وكتب إلى النوشري بإنجاده بالرجال والعُدد والأموال من مصر ليعود إلى المغرب، فعاد إلى مصر، فأمره النُّوشريُّ بالخروج إلى ذات الحمّام ليكون هناك إلى أن يجتمع إليه ما يحتاج إليه من الرجال والمال، ففعل، ومطله، فطال مُقامه، وتتابعت به الأمراض، وقيل بل سمّه بعض غلمانه، فسقط شعر لحيته، فعاد إلى مصر، وقصد البيت المقدّس، فتوفّي بالرملة ودُفن بها.
فسبحان الحيّ الذي لا يموت، ولا يزول ملكه، ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد، وكانت مدّة ملكهم مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وكانوا يقولون: إنّنا نخرج إلى مصر والشام، ونربط خيلنا في زيتون فلسطين؛ فكان زيادة الله هو الخارج إلى فلسطين على هذه الحال لا على ما ظّنوه.
ذكر ابتداء الدولة العلويّة بإفريقية
هذه دولة اتّسعت أكناف مملكتها، وطالت مدّتها، فإنّها ملكت إفريقية هذه السنة، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة، فنحتاج أن نستقصي ذكرها فنقول: أوّل مَن وليَ منهم أبو محمّد عبيد الله، فقيل هو محمّد بن عبد الله بن ميمون بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب، رضي الله عنهم، ومَن ينسب هذا النسب يجعله عبد الله بن ميمون القدّاح الذي يُنسب إليه القدّاحيّة، وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني ابن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب، رضي الله عنهم.
وقد اختلف العلماء في صحّة نسبه، فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته: إنّ نسبه صحيح على ما ذكرناه، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويّين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضاً، ويشهد بصحّة هذا القول ما قاله الشريف الرَّضيُّ:
ما مُقامي على الهوان وعندي ... مِقْوَلٌ صارمٌ، وأنْفٌ حميُّ
ألبَسُ الذُّلّ في بلاد الأعادي؛ ... وبمصر الخليفةُ العَلَويُّ
مَنْ أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيدُ القَصيُّ
لفّ عرقي بعرقه سيّدَا النّا ... س جميعاً: محمّدٌ، وعليُّ
إنّ ذُلّي بذلك الجَوّ عزٌّ ... وأُوامي بذلك النّقْعِ ريُّ
وإنّما لم يودعها في بعض ديوانه خوفاً، ولا حجّة بما كَتبه في المحضر المتضمّن القدح في أنسابهم، فإنّ الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنّه قد ورد ما يصدّق ما ذكرتُه، وهو أنّ القادر بالله لمّا بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر بن الباقلانيّ، فأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسويّ، والد الشريف الرضيّ، يقول له: قد عرفتَ منزلتك منّا، وما لا نزال عليه من الاعتداد بك بصدق الموالاة منك، وما تقدّم لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه، ويكون ولدك على ما يضادّها، وقد بلغنا أنّه قال شعراً، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعري على أيّ مقام ذلٍّ أقام، وهو ناظر في النّقابة والحجّ، وهما من أشرف الأعمال، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا؛ وأطال القول، فحلف أبو أحمد أنّه ما علم بذلك.
وأحضر ولده وقال له في المعنى فأنكر الشعر، فقال له: اكتب خطّك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أنّ نسب المصريّ مدخولٌ، وأنّه مدّع في نسبه؛ فقال: لا أفعل ! فقال أبوه: تكذّبني في قولي ؟ فقال: ما أكذبك، ولكنيّ أخاف من الديلم، أخاف من المصريّ ومن الدُّعاة في البلاد؛ فقال أبوه: أتخاف ممّن هو بعيد عنك، وتراقبه، وتُسخط من هو قريب، وأنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك ؟ وتردّد القول بينهما، ولم يكتب الرضيُّ خطّه، فحرد عليه أبوه وغضب وحلف أنّه لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أنّ حلف الرضيُّ أنّه ما قال هذا الشعر واندرجت القصّة على هذا.
ففي امتناع الرضيّ من الاعتذار، ومن أن يكتب طعناً في نسبهم مع الخوف، دليلٌ قويٌّ على صحّة نسبهم.

وسألتُ أنا جماعة من أعيان العلويّين في نسبه، فلم يرتابوا في صحّته، وذهب غيرهم إلى أنّ نسبه مدخول ليس بصحيح، وعدا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديّاً، وقد كُتب في الأيّام القادريّة محضر يتضمّن القدح في نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويّين وغيرهم أنّ نسبه إلى أمير المؤمنين عليّ غير صحيح.
فممن كتب فيه من العلويّين المرتضى، وأخوه الرضيُّ، وابن البطحاوي، وابن الأزرق العلويّان، ومن غيرهم ابن الأكفانيّ وابن الخرزيّ، وأبو العبّاس الأبيورديُّ، وأبو حامد، والكشفليُّ، والقدوريُّ، والصَّيْمريُّ، وأبو الفضل النسويُّ، وأبو جعفر النسفيُّ، وأبو عبدالله بن النُّعمان، فقيه الشيعة.
وزعم القائلون بصحّة نسبه أنّ العلماء ممّن كتب في المحضر إنّما كتبوا خوفاً وتقيّة، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله.
وزعم الأمير عبد العزيز، صاحب تاريخ إفريقية والمغرب، أنّ نسبه مُعرِقٌ في إليهوديّة، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذكر ابتداء دولتهم، وبالغ.
وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال: لّما بعث الله تعالى سيّد الأوّلين والآخرين محمّداً، صلى الله عليه وسلم، عظم ذلك على إليهود والنصارى والروم والفرس وقريش، وسائر العرب، لأنّه سفَّه أحلامهم، وعاب أديانهم وآلهتهم، وفرَّق جمعهم، فاجتمعوا يداً واحدةً عليه، فكفاه الله كيدهم، ونصره عليهم، فأسلم منهم مَن هداه الله تعالى؛ فلمّا قُبض، صلى الله عليه وسلم، نجم النفاق، وارتدّت العرب، وظنّوا أنّ الصحابة يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر، رضي الله عنه، في سبيل الله، فقتل مُسَيْلمة، وردّ الرِّدّة، وأذلّ الكفر، ووطّأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلمّا حضرتْه الوفاة ظنّوا أن بوفاته ينتقص الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطّاب، فأذلّ فارس والروم، وغلب على ممالكها، فدسّ عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنّاً منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام، فوليَ بعده عثمان، فزاد في الفتوح، واتّسعت مملكة الإسلام، فلمّا قُتل ووليَ بعده أمير المؤمنين عليٌّ قام بالأمر أحسن قيام، فلمّا يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوّة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم، بأمور قد ضبطها المحدّثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه.
فكان أوّل من فعل ذلك أبو الخطّاب محمّج بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان، صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة، وغيرهما، فألقوا إلى من وثقوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطناً، وأنّ الله تعالى لم يوجب على أوليائه، ومن عرف الأئمّة والأبواب، صلاة، ولا زكاة، ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئاً، وأباحوا لهم نكاح الأمّهات والأخوات، وإنّما هذه قيود للعامّة ساقطة عن الخاصّة.
وكانوا يظهرون التشيّع لآل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامّة، وتفرّق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرّون الناس بذلك وهم على خلافه، فقُتل أبو الخطّاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: إنّا نخاف الجند؛ فقال لهم: إنّ أسلحتهم لا تعمل فيكم؛ فلمّا ابتدأوا في ضرب أعناقهم قال له أصحابه: ألم تقُلْ إنّ سيوفهم لا تعمل فينا ؟ فقال: إذا كان قد أراد اللهُ فما حيلتي ؟ وتفرّقت هذه الطائفة في البلاد وتعلّموا الشعبذة، والنارنجيات، والزرق، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما يتّفق عليهم وعلى العامّة بإظهار الزهد.
ونشأ لأبن ديصان ابن يقال له عبدالله القدّاح، علّمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النِّحلة، فحذق وتقدّم.

وكان بنواحي كرْخ وأصبهان رجل يُعرف بمحمّد بن الحسين ويلقّب بدندان يتولّى تلك المواضع، وله نيابة عَظيمة، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القدّاح، وعرّفه من ذلك ما زاد به محلّه، وأشار عليه أن لا يُظهر ما في نفسه، إنّما يكتمه، ويُظهر التشيّع والطعن على الصحابة، فإنّ الطعن فيهم طعن في الشريعة، فإنّ بطريقهم وصلتَ إلى من بعدهم. فاستحسن قوله وأعطاه مالاً عظيماً ينفقه على الدُّعاة إلى هذا المذهب، فسيّره إلى كُوَر الأهواز، والبصرة، والكوفة، وطالقان، وخُراسان، وسلميّة، من أرض حِمص، وفرّقه في دعاته؛ وتوفّي القدّاح، ودندان.
وإنّما لُقّب القدّاح لأنّه كان يعالج العيون ويقدحها. فلمّا توفّي القدّاح قام بعده ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين ابن حوشب بن داذان النجّار، من أهل الكوفة، فكانا يقصدان المشاهد، وكان باليمن رجل اسمه محمّد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجَنَد، يتشيّع، فجاء إلى مشهد الحسين بن عليّ يزوره، فرآه أحمد ورستم يبكي كثيراً، فلمّا خرج اجتمع به أحمد، وطمع فيه لما رأى من بكائه، وألقى إليه مذهبه، فقبله، وسيّر معه النّجّار إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعوة الناس إلى المهديّ وأنّه خارج في هذا الزمان باليمن، فسار النّجار إلى اليمن، ونزل بعدن، بقرب قوم من الشيعة يُعرفون ببني موسى، وأخذ في بيع ما معه.
وأتاه بنو موسى، وقالوا له: فِيمَ جئتَ ؟ قال: للتجارة. قالوا: لستَ بتاجر، وإنّما أنت رسول المهديّ، وقد بلغنا خبرُك، ونحن بنو موسى، ولعلّك قد سمعتَ بنا، فانبسطْ، ولا تحتشم، فإنّا إخوانك. فأظهر أمره، وقوّي عزائمهم، وقرب أمر المهديّ فأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح، وأخبرهم أنّ هذا أوان ظهور المهديّ، ومن عندهم يظهر.
واتّصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه فكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى مَن بالكوفة من ولد عبدالله القدّاح هدايا عظيمة، وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلينْ أحدهما يُعرف بالحلوانيّ، والآخر يعرف بأبي سفيان، وقالوا لهما: إنّ المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجيء صاحب البدر؛ فسارا فنزل أحدهما بأرض كُتامة ببلد يسمّى مَرْمجَنّة والآخر بسوق حمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة، وماتا، وكان أحدهما قريب الوفاة من الآخر.
ذكر إرسال أبي عبد الله الشيعيّ إلى المغرب
كان أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّاء الشيعيُّ من أهل صنعاء، وقد سار إلى ابن حوشب النجّار، وصحبه بعدن، وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلمّا أتى خبر وفاة الحلوانيّ وأبي سفيان إلى ابن حوشب قال لأبي عبد الله الشيعيّ: إنّ أرض كُتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيُّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادِرْ، فإنّها موطَّأة ممهّدة لك.
فخرج أبو عبدالله إلى مكّة، وأعطاه ابن حوشب مالاً، وسيّر معه عبد الله بن أبي ملاحف، فلمّا قدم أبو عبدالله مكّة سأل عن حُجّاج كُتامة فأُرشد إليهم، فاجتمع به، ولم يعرّفهم قصده، وجلس قريباً منهم، فسمعهم يتحدّثون بفضائل أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدثهم بما لم يُعلموه، فلمّا أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والأنبساط معه، فأذن لهم في ذلك، فسألوه أين مقصده، فقال: أُريد مصر؛ ففرحوا بصحبته.
وكان من رؤساء الكُتاميّين بمكّة رجل اسمه حُرَيْث الجُميليُّ، وآخر اسمه موسى بن مكاد، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر لهم العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبةً، وخدموه، وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيّام. قال: أفتحملون السلاح ؟ قالوا: هو شغلنا؛ ولم يزل يتعرّف أحوالهم، حتّى وصلوا إلى مصر، فلمّا أراد وداعهم قالوا له: أيّ شيء تطلب بمصر ؟ قال: أطلب التعليم بها، قالوا: إذا كنتَ تقصد هذا فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقّك؛ ولم يزالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع والسؤال، فسار معهم.

فلمّا قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبره، فرغبوا في نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيفه منهم ثم رحلوا حتّى وصلوا إلى أرض كُتامة، منتصف شهر ربيع الأوّل سنة ثمانين ومائتين، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتّى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فجّ الأخيار ؟ فتعجّبوا من ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان. فقال: إليه نقصد، ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم؛ فأرضى بذلك الجميع.
وسار إلى جبل يقال له إنْكِجان، وفيه فجّ الأخيار، فقال: هذا فجّ الأخيار، وما سُمّي إلاّ بكم، ولقد جاء في الآثار: إنّ للمهديّ هِجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم مشتقٌ اسمهم من الكِتمان، فإنّهم كُتامة، وبخروجكم من هذا الفجّ يسمّى فجّ الأخيار.
فتسامعتِ القبائل، وصنع من الحيل والمَكِيدات والنارنجيات ما أذهل عقولهم، وأتاه البربر من كلّ مكان، وعظم أمره إلى أن تقاتلتْ كُتامة عليه مع قبائل البربر، وسلم من القتل مراراً، وهو في كلّ ذلك لا يذكر اسم المهديّ، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فلم يتركه الكُتاميّون يناظرهم، وكان اسمه عندهم أبا عبدالله المشرقيّ.
وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل إلى عامله على مدينة ميْلَةَ يسأله عن أمره، فصغّره وذكر له أنّه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه.
ثمّ إنّه قال للكُتاميّين. أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلوانيُّ؛ فازدادت محبّتهم له، وتعظيمهم لأمره، وتفرّقت كلمة البربر وكُتامة بسببه، فأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتّصل الخبر بإنسان اسمه الحسن بنهارون، وهو من أكابر كُتامة، فأخذ أبا عبدالله إليهن ودافع عنه، ومضيا إلى مدينة ناصرون، فأتته القبائل من كلّ مكان وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبدالله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهر الحروب، فكان الظفر له فيها، وغنم الأموال، وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها، فزحفت قبائل البربر إليها، واقتتلوا، ثمّ اصطلحوا، ثمّ أعادوا القتال، وكان بينهم وقائع كثيرة، وظفر بهم، وصارت إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامّة كُتامة.
ذكر ملكه مدينة مِيْلَةَ وانهزامه
فلمّا تمّ لأبي عبد الله ذلك زحف إلى مدين مِيْلة، فجاءه منها رجل اسمه الحسن بن أحمد، فأطلعه على غرّة البلد، فقاتل أهله قتالاً شديداً، وأخذ الأرباض، فطلبوا منه الأمان فأمّنهم، ودخل مدينة مِيلة، وبلغ الخبر أمير إفريقية، وهو حينئذٍ إبراهيم بن أحمد، فنفّذ ولده الأحول في اثني عشر ألفاً، وتبعه مثلهم، فالتقيا، فاقتتل العسكران، فانهزم أبو عبد الله، وكثر القتل في أصحابه، وتبعه الأحول، وسقط ثلج عظيم حال بينهم، وسار أبو عبد الله إلى جبل إنِكجَان، فوصل الأحوال إلى مدينة ناصرون، فأحرقها، وأحرق مدينة مِيلَة، ولم يجد بها أحداً.
وبنى أبو عبد الله بإنْكِجَانَ دار هجرة، فقصدها أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية، فسار أبو عبد الله بعد رحيلهم، فغنم ما رأى ممّا تخلّف عنهم؛ وأتاه خبر وفاة إبراهيم، فسُرّ به، ثمّ أتاه خبر قتل أبي العبّاس ولده، وولاية زيادة الله، واشتغاله باللهو اللعب، فاشتدّ سروره.
وكان الحول قد جمع جيشاً كثيراً أيّام أخيه أبي العبّاس، ولقي أبا عبد الله، فانهزم الأحول.
وبقي الأحول قريباً منه يقاتله ويمنعه من التقدّم، فلمّا وليَ أبو مُضر زيادة الله إفريقية أحضر الأحولَ وقتله، كما ذكرناه؛ ولم يكن أحولَ، وإنّما كان يكسر عينه إذا أدام النظر فلُقّب بهِ، فلمّا قُتل انتشرت حينئذ جيوش أبي عبدالله في البلاد، وصار أبو عبدالله يقول: المهديُّ يخرج في هذه الأيّام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني ! ويغري الناس بأبي مُضر، ويعيبه.
وكان كلّ مَن عنده زيادة الله من الوزراء شيعة، فلا يسوءهم أن يظفر أبو عبدالله لا سيّما مع ما كان يُذْكَر لهم من الكرامات التي للمهديّ من إحياء الموتى، وردّ الشمس من مغربها، وملكه الأرض بأسرها ! وأبو عبد الله يرسل إليهم، ويسحرهم، ويعدهم.
ذكر سبب اتّصال المهديّ عبيد الله بأبي عبد الله الشيعيّ ومسيره إلى سِجِلْماسة

لمّا توفّي عبد الله بن ميمون القدّاح ادّعى ولده أنهم من ولد عَقِيل بن أبي طالب، وهم مع هذا يسترون، ويُسِرّون أمرهم، ويخُفون أشخاصهم.
وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفّي وخلّف ولَدهُ محمّداً، وكان هو الذي يكاتبه الدعاة في البلاد، وتوفّي محمّد وخلّف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سَلَمِيّة من أرض حِمص، وله بها ودائع وأموال من ودائع جدّه عبدالله القدّاح، ووكلاء، وغلمان، وبقي ببغداد من أولاد القدّاح أبو الشلَغْلَغ.
وكان الحسين يدّعي أنّه الوصيّ وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه؛ واتّفق أنّه جرى بحضرته حديث النساء بسَلَمِيّة، فوصفوا له امرأة رجل يهوديّ حدّاد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الحسن، فتزوّجها، ولها ولد من الحدّاد يماثلها في الجمال، فأحبّها وحسُن موقعها معه، وأحبّ ولدها، وأدّبه، وعلّمه، فتعلّم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمّة كبيرة.
فمن العلماء من أهل هذه الدعوة مَن يقول: إنّ الإمام الذي كان بسَلَمِيّة، وهو الحسين، مات ولم يكن له ولدٌ، فعهد إلى ابن إليهوديّ الحدّاد، وهو عبيدالله، وعرّفه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدُّعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدّم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنّه الإمام والوصيّ، وزوّجه ابنة عمّه أبي الشلَغْلَغ. وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلويّ وغيره، وجعل لنفسه نسباً، وهو عبيدالله بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ ابن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
وبعض الناس يقولون، وهم قليل: إنّ عبيدالله هذا من ولد القدّاح، وهذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعري ما الذي حمل أبا عبدالله الشيعيّ وغيره ممّن قام بإظهار هذه الدعوة، حتّى يخرجوا هذا الأمر من أنفسهم، ويسلّموه إلى ولد يهوديّ، وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده ديناً يثاب عليه ؟ قال: فلمّا عهد الحسين إلى عبيدالله قال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محناً شديدةً؛ فتوفّي الحسين، وقام بعده عبيدالله، وانتشرت دعوته، وبذل الأموال خلاف مَن تقدّم، وأرسل إليه أبو عبدالله رجالاً من كُتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنّهم ينتظرونه.
وشاع خبره عند الناس أيّام المكتفي فطُلب، فهرب هو وولده أبو القاسم نزار الذي وليّ بعده، وتلقّب بالقائم، وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصّته وموإليه يريد المغرب، وذلك أيّام زيادة الله، فلمّا انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزيّ التجار، وكان عامل مصر حينئذ عيسى النُّوشريّ، فأتته الكتب من الخليفة بصفته وحليته، وأمر بالقبض عليه وعلى كلّ مَن يشبهه.
وكان بعض خاصّة عيسى متشيّعاً، فأخبر المهديَّ وأشار عليه بالانصراف، فخرج من مصر مع أصحابه، ومعه أموال كثيرة، فأوسع النفقة على مَن صحبه، فلمّا وصل الكتاب إلى النُّوشريّ فرّق الرسل في طلب المهديّ وخرج بنفسه فلحقه، فلمّا رآه لم يشكّ فيه، فقبض عليه، ونزل ببستان، ووكّل به، فلمّا حضر الطعام دعاه ليأكل، فأعلمه أنّه صائم، وفرّق له، وقال له: أعلمني بحقيقة حالك حتّى أُطلقك؛ فخوّفه بالله تعالى، وأنكر حاله، ولم يزل يخوّفه ويتلطّفه فأطلقه، وخلّى سبيله، وأراد أن يرسل معه مَن يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة بي إلى ذلك، ودعا له.
وقيل: إنّه أعطاه في الباطن مالاً حتّى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النُّوشريّ عليه اللوم، فندم على إطلاقه، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردّوه، وكان المهديُّ لمّا لحق أصحابه رأى أبنه أبا القاسم قد ضيّع كلباً كان له يصيد به، وهو يبكي عليه، فعرّفه عبيده أنّهم تركوه في لبستان الذي كانوا فيه، فرجع المهديُّ بسبب الكلب، حتّى دخل البستان ومعه عبيده، فرآهم لنُّوشريُّ فسأل عنهم فقيل: إنّه فلان، وقد عاد بسبب كذا وكذا؛ فقال النُّوشريُّ لأصحابه: فبحكم الله ! أردتم أن تحملوني على قتل هذا حتّى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو كان مُريباً كان يطوي المراحل، ويخفي نفسه، وما كان رجع في طلب كلب؛ وتركه.
وجدّ المهديُّ في الهرب، فلحقه لصوصٌ بموضع يقال له الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه، فأُخذت، فعظم أمرها عليه، فيقال إنّه لمّا خرج ابنه أبو القاسم في المرّة الأولى إلى الديار المصريّة أخذها من ذلك المكان.

وانتهى المهديُّ وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرّق مَن صحبه من التجار، وكان في صحبته أبو العبّاس أخو أبي عبدالله الشيعيّ، فقدّمه المهديًُّ إلى القَيروان ببعض ما معه، وأمره أن يلحق بكُتامة. فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القَيروان وجد الخبر قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهديّ، فسأل عنه رفقته، فأخبروا أنّه تخلّف بطرابلس، وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقَيروان، فأُخذ أبو العبّاس، وقُرّر فأنكر وقال: إنّما أنا رجل تاجر صحبتُ رجلاً في القفل؛ فحبسه.
وسمع المهديُّ، فسار إلى قَسطيلة، ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بأخذه، وكان المهديُّ قد أهدى له واجتمع به، فكتب العامل يخبره أنّه قد سار ولم يدركه، فلمّا وصل المهديُّ إلى قَسطيلة ترك قصد أبي عبد الله الشيعيّ، لأن أخاه أبا العبّاس كان قد أُخذ، فعلم أنّه إذا قصد أخاه تحقّقوا الأمر وقتلوه، فتركه وسار إلى سِجِلْماسة، ولّما سار من قَسطيلة وصل الرسل في طلبه فلم يوجد، ووصل إلى سِجِلماسة، فأقام بها؛ وفي كلّ ذلك عليه العيون في طريقه.
وكان صاحب سِجِلماسة رجلاً ألِيْسَع بن مدرار، فأهدى له المهديُّ، وواصله، فقرّب ألِيْسَع، وأحبّه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرّفه أنّه الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعيُّ، فقبض عليه وحبسه، فلم يزل محبوساً حتّى أخرجه أبو عبد الله على ما نذكره.
ذكر استيلاء أبي عبد الله على إفريقية وهرب زيادة الله أميرهاقد ذكرنا من حال أبي عبد الله ما تقدّم، ثمّ إنّ زيادة الله لما رأى استيلاء أبى عبد الله على البلاد، وأنّه قد فتح مدينة مِيْلة ومدينة سَطيف، وغيرهما، أخذ في جمع العساكر، وبذل الأموال، فاجتمعت إليه عساكر عظيمة، فقدّم عليهم إبراهيم بن خُنَيْش وهو من أقاربه، وكان لا يعرف الحرب، فبلغت عدّة جيشه أربعين ألفاً، وسلّم إليه الأموال والعُدد، ولم يترك بإفريقية شجاعاً إلاّ أخرجه معه، وسار إليه، فانضاف إليه مثل جيشه، فلّما وصل قسطنطينية الهواء، وهي مدينة قديمة حصينة، نزل بها، وأتاه كثير من كُتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، فقتل في طريقه كثيراً من أصحاب أبي عبدالله، وخاف أبو عبد الله منه، وجميع كُتامة، وأقام بقُسطنطينية ستّة أشهر، وأبو عبدالله متحصّن في الجبل.
فلمّا رأى إبراهيم أنّ أبا عبد الله لا يتقدّم إليه بادر وزحف بالعساكر المجتمعة إلى بلد اسمه كرمة، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلاً اختارها ليختبر نزوله، فوافاها بالموضع المذكور، فلمّا رأى إبراهيم الخيل قصد إليها بنفسه، ولم يصحبه إليها أحدٌ من جيشه، وكانت أثقال العسكر على ظهور الدوابّ لم تحطّ، ونشبت الحرب، واقتتلوا قتالاً شديداً.
واتّصل الخبر بأبي عبدالله، فزحف بالعساكر، فوقعت الهزيمة على إبراهيم ومَن معه، فجُرح، وعُقر فرسه، وتمّت الهزيمة على الجيش جميعه، وأسلموا الأثقال بأسرها، فغنمها أبو عبدالله، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وتمّ أمر إبراهيم إلى القَيروان، فشاشت بلاد إفريقية، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرّت دولته، وكتب أبو عبد الله كتاباً إلى المهديّ، وهو في سجن سِجِلماسة، يبشّره، وسيّر الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل السجن في زيّ قصّاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرّفه ذلك.
وسار أبو عبد الله إلى مدينة طُبْنَة، ونصب عليها الدبابات، ونقب برجاً وبدنة، فسقط السور بعد قتال شديد، وملك البلد، فاحتمى المقدّمون بحصن البلد، فحصرهم، فطلبوا الأمان، فأمّنهم، وأمّن أهل البلد، وسار إلى مدينة بَلَزْمة، وكان قد حصرها مراراً كثيرة فلم يظفر بها، فلمّا حصرها الآن ضيّق عليها، وجدّ في القتال، ونصب عليها الدبابات، ورماها بالنار، فأحرقها، وفتحها بالسيف وقتل الرجال، وهدم الأسوار.

واتّصلت الأخبار بزيادة الله، فعظم عليه وأخذ في الجمع والحشد، فجمع عسكراً عدّتهم اثنا عشر ألفاً، وأمرّ عليهم هارونَ بن الطُّبنيّ، فسار، واجتمع معه خلق كثير، وقصد مدينة دار ملوك، وكان أهلها قد أطاعوا أبا عبدالله، فقتل هارون أهلها، وهدم الحصن، ولقيه في طريقه خيل لأبي عبدالله كان قد أرسلها ليختبروا عسكره، فلمّا رآها العسكر اضطربوا، وصاحوا صيحة عظيمة، وهربوا من غير قتال، فظنّ أصحاب أبي عبدالله أنّها مكيدة، فلمّا ظهر أنّها هزيمة استدركوا الأمر، ووضعوا السيف، فما يحصى مَن قتلوا، وقُتل هارون أمير العسكر، وفتح أبو عبدالله مدينة تيجس صلحاً، فاشتدّ الأمر حينئذ على زيادة الله، وأخرج الأموال، وجيّش الجيوش، وخرج بنفسه إلى محاربة أبي عبدالله، فوصل إلى الأُرْبُس في سنة خمس وتسعين ومائتين، فقال له وجوه دولته: إنّك تغرّر بنفسك، فإن يكن عليك لا يبقى لنا ملجأ والرأي أن ترجع إلى مستقرّ ملكك، وترسل الجيش مع مَن تثق به، فإن كان الفتح لنا فنصل إليك، وإن كان غير ذلك فتكون ملجأ لنا.
ورجع ففعل ذلك، وسيّر الجيش، وقدّم عليه رجلاً من بني عمّه يقال له إبراهيم بن أبي الأغلب، وكان شجاعاًن وبلغ أبا عبدالله الخبر، وكان أهل باغاية قد كاتبوه بالطاعة، فسار إليهم، فلمّا قر منها هرب عاملها إلى الاُربُس، فدخلها أبو عبدالله، وترك بها جنداً، وعاد إلى إنكِجَان، ووصل الخبر إلى زيادة الله، فزاده غمّاً وحوناً، فقال له إنسان كان يضحّكه: يا مولانا لقد عملتُ بيت شعر، فعسى تجعل من يلحّنه وتشرب عليه واترك هذا الحزن؛ فقال: ما هو ؟ فقال المضحك للمغّنين: غنّوا شعراً كذا، وقولوا بعد فراغ كلّ بيت:
اشرب واسقينا من القرن يكفينا
فلمّا غنّوا طرب زيادة الله، وشرب، وانهمك في الأكل والشرب والشهوات، فلمّا رأى ذلك أصحابه ساعدوه على مراده.
ثمّ إنّ أبا عبدالله أخرج إلى مدينة مَجَانةَ فافتتحها عنوةً، وقتل عاملها، وسيّر عسكراً آخر إلى مدينة تيفاش، فملكها وأمّن أهلها.
وقصد جماعة من رؤساء القبائل أبا عبدالله يطلبون منه الأمان فأمّنهم، وسار بنفسه إلى مسكيانة ثمّ إلى تَبِسّةَ، ثم إلى مدبرة، فوجد فيها أهل قصر الإفريقي ومدينة مَرمَجَنّة، ومدينة مَجَانَة، وأخلاطاً من الناس قد التجأوا إليها وتحصّنوا فيها، وهي حصينة، فنزل عليها، وقاتلها، فأصابه علّة الحصى، وكانت تعتاده، فشغل بنفسه، وطلب أهلها الأمان فأمّنهم بعض أهل العسكر، ففتحوا الحصن، فدخلها العسكر، ووضعوا السيف، وانتهبوا.
وبلغ ذلك أبا عبدالله، فعظم عليه، ورحل، فنزل على القصرين من قمودة وطلب أهلها الأمان فأمّنهم، وبلغ إبراهيم بن أبي الأغلب، أمير الجيش الذي سيره زيادة الله، أنّ أبا عبدالله يريد أنت يقصد زيادة الله برَقّادةَ، ولم يكن مع زيادة الله كبير عسكر، فخرج من الأُربُس ونزل دردمين، وسيّر أبو عبدالله سرّية إلى دردمين، فجرى بينهما وبين أصحاب زيادة الله قتال، فقُتل من أصحاب أبي عبدالله جماعة، وانهزم الباقون.
واستبطأ أبو عبدالله خبرهم، فسار في جميع عساكره، فلقي أصحابه منهزمين، فلمّا رأوه قويت قلوبهم، ورجعوا، وكرّوا على أصحاب إبراهيم، وقتلوا منهم جماعة، وحجز الليل بينهم.
ثمّ سار أبو عبدالله إلى قَسطيلة، فحصرها، فقاتله أهلها، ثمّ طلبوا الأمان فأمّنهم، وأخذ ما كان لزيادة الله فيها من الأموال والعُدد، ورحل إلى قَفْصَةَ، فطلب أهلها الأمان فأمّنهم، ورجع إلى باغاية، فترك بها جيشاً، وعاد إلى جبل إنكِجَان.
فسار إبراهيم بن أبي الأغلب في جيشه إلى باغاية وحصرها، فبلغ الخبر أبا عبدالله، فجمع عسكره وسار مجدّاً إليها، ووجّه اثني عشر ألف فارس، وأمر مقدّمهم أن يسير إلى باغاية، فإن كان إبراهيم قد رحل عنها فلا يجاوز فجّ العَرعار، فمضى الجيشُ، وكان أصحاب أبي عبد الله الذين في باغاية قد قاتلوا عسكر إبراهيم قتالاً شديداً، فلمّا رأى صبرهم عجب هو وأصحابه منهم، فأرعب ذلك قلوبهم؛ ثمّ بلغهم قرب العسكر منهم، فعاد إبراهيم بعساكره، فوصل عسكر أبي عبدالله، فلم يرَ واحداً، فنهبوا ما وجدوا وعادوا.

ورجع إبراهيم إلى الأُربُس. ولمّا دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبدالله عساكره، فبلغت مائتَيْ ألف فارس وراجل، واجتمع من عساكر زيادة الله بالأُربُس مع إبراهيم ما لا يُحصى، وسار أبو عبدالله، أوّل جُمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين ومائتين، فالتقوا، واقتتلوا أشدّ قتال، وطال زمانه، وظهر أصحاب زيادة الله، فلمّا رأى ذلك أبو عبدالله اختار من أصحابه ستّمائة راجل، وأمرهم أن يأتوا عسكر زيادة الله من خلفهم، فمضوا لما أمرهم في الطريق الذي أمرهم بسلوكه.
واتّفق أنّ إبراهيم فعل مثل ذلك، فالتقى الطائفتان، فاقتتلوا في مضيق هناك فانهزم أصحاب إبراهيم، ووقع الصوت في عسكره بكمين أبي عبدالله وانهزموا، وتفرّقوا، وهرب كلّ قوم إلى جهة بلادهم، وهرب إبراهيم وبعض من معه إلى القَيروان، وتبعهم أصحاب أبي عبدالله يقتلون ويأسرون، وغنموا الأموال والخيل والعُدَد، ودخل أصحابه مدينة الأُربُس فقتلوا بها خلقاً عظيماً، ودخل كثير من أهلها الجامع فقُتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد، وكانت الوقعة أواخر جمادى الآخرة، وانصرف أبو عبدالله إلى قمودة.
فلمّا وصل خبر الهزيمة إلى زيادة الله هرب إلى الديار المصريّة، وكان من أمره ما تقدّم ذكره، ولمّا هرب زيادة الله هرب أهل مدينة رقّادة على وجوههم، في الليل، إلى القصر القديم، وإلى القيروان، وسُوسة، ودخل أهل القَيروان رقّادة ونهبوا ما فيها، وأخذ القويُّ الضعيفَ، ونُهبت قصور بني الأغلب، وبقي النهب ستّة أيّام.
ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القَيروان، فقصد قصر الإِمارة، واجتمع إليه أهل القَيروان، ونادى مناديه بالأمان، وتسكين الناس، وذكر لهم أحوال زيادة الله، وما كان عليه، حتّى أفسد ملكه؛ وصغّر أمر أبي عبد الله الشيعيّ، ووعدهم أن يقاتل عنهم، ويحمي حريمهم وبلدهم، وطلب منهم المساعدة بالسمع والطاعة والأموال، فقالوا: إنّما نحن فقهاء، وعامّة، وتجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، وليس لنا بالقتال طاقة؛ فأمرهم بالانصراف، فلمّا خرجوا من عنده وأعلموا الناس بما قاله صاحوا به: اخرج عنّا، فما لك عندنا سمع ولا طاعة ! وشتموه، فخرج عنهم وهم يرجمونه.
ولمّا بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سَبِيبَةَ، ورحل فنزل بوادي النمل، وقدّم بين يديه عروبة بن يوسف، وحسن بن أبي خنزير، في ألف فارس إلى رقّادة، فوجدوا الناس ينهبون ما بقي من الأمتعة والأثاث، فأمّنوهم ولم يتعرّضوا لأحد، وتركوا لكلّ واحد ما حمله، فأتى الناس إلى القَيروان، فأخبروه الخبر، ففرح أهلها.
وخرج الفقهاء ووجوه البلد إلى لقاء أبي عبدالله، فلقوه، وسلّموا عليه، وهنّأوه بالفتح، فردّ عليهم ردّاً حسناً، وحدّثهم، وأعطاهم الأمان، فأعجبهم ذلك وسرّهم، وذمّوا زيادة الله، وذكروا مساوئه، فقال لهم: ما كان إلاّ قويّاً، وله مَنَعة، ودولة شامخة، وما قصرّ في مدافعته، ولكنّ أمر الله لا يُعانَد ولا يُدافَع ! فأمسكوا عن الكلام، ورجعوا إلى القَيروان.
ودخل رقّادة يوم السبت، مستهلّ رجب من سنة ستّ وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرّق دورها على كُتامة، ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها، وأمر فنودي بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمّال إلى البلاد، وطلب أهلَ الشرّ فقتلهم، وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال، والسلاح، وغير ذلك، فاجتمع كثير منه، وفيه كثير من الجواري لهنّ مقدار وحظّ من الجمال، فسأل عمّن يكفلهنّ، فذُكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله، فأحضرها، وأحسن إليها، وأمر بحفظهنّ، وأمر لهنّ بما يصلحهنّ ولم ينظر إلى واحدة منهنّ.
ولمّا حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقَيروان ورَقّادة، فخطبوا ولم يذكروا أحداً، وأمر بضرب السكّة، وأن لا يُنقش عليها اسمٌ، ولكنّه جعل مكان الاسم من وجه: بلغت حجّة الله؛ ومن الوجه الآخر: تفرّق أعداء الله؛ ونقش على السلاح: عُدّةٌ في سبيل الله؛ ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله؛ وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن، والقليل من الطعام الغليظ.
ذكر مسير أبي عبد الله إلى سِجِلماسة وظهور المهديّ

لمّا استقرّت الأمور لأبي عبد الله في رقّادة وسائر بلاد أفريقية أتاه أخوه أبو العبّاس محمّد، ففرح به، وكان هو الكبير، فسار أبو عبد الله في رمضان من السنة من رقّادة، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العبّاس، وأبا زاكي، وسار في جيوش عظيمة، فاهتزّ المغرب لخروجه، وخافته زَناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وجاءته رسلهم ودخلوا في طاعته.
فلمّا قر من سِجِلْماسة، وانتهى خبره إلى ألِيْسَع بن مِدرار، أمير سجلماسة، أرسل إلى المهديّ، وهو في حبسه، على ما ذكرناه، يسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبو عبد الله ؟ فحلف له المهديّ أنّه ما رأى أبا عبدالله؛ ولا عرفه، وإنّما أنا رجل تاجر؛ فاعتُقل في دار وحدة، وكذلك فعل بولده أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس، وقرّر ولده أيضاً، فما حال عن كلام أبيه، وقرّر رجلاً كانوا معه، وضربهم، فلم يقرّوا بشيء.
وسمع أبو عبد الله ذلك، فشقّ عليه، فأرسل إلى ألِيْسَع يتلطّ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأربعاء فبراير 19, 2014 8:56 am

وكان معهم رجل يُظهر أنّه منهم، وينقل ما يجري إلى المهديّ، ودخلوا عليه مراراً فلم يجسروا على قتله، فاتّفق أنّهم اجتمعوا ليلة عند أبي زاكي، فلمّا أصبحوا لبس أبو عبدالله ثوبه مقلوباً ودخل على المهديّ، فرأى ثوبه، فلم يعرّفه به، ثمّ دخل عليه ثلاثة أيّام والقميص بحاله، فقال له المهديُّ: ما هذا الأمر الذي أذهلك عن إصلاح ثوبك ؟ فهو مقلوب منذ ثلاثة أيّام فعلمتُ أنّك ما نزعتَه؛ فقال: ما علمتُ بذلك إلاّ ساعتي هذه؛ قال: أين كنتَ البارحة والليالي قبلها ؟ فسكت أبو عبدالله؛ فقال: أليس بتّ في دار أبي زاكي ؟ قال: بلى. قال: وما الذي أخرجك من دارك ؟ قال: خفتُ. قال: وهل يخاف الإنسان إلا من عدوّه ؟ فعلم أنّ أمره ظهر للمهديّ، فخرج وأخبر أصحابه، وخافوا، وتخلّفوا عن الحضور.
فذُكر ذلك للمهديّ، وعنده رجل يقال له ابن القديم، كان من جملة القوم، وعنده أموال كثيرة، من أموال زيادة الله، فقال: يا مولاي إن شئتِ أتيتُك بهم، ومضى فجاء بهم، فعلم المهديُّ صحّة ما قيل عنه، فلاطفهم وفرّقهم في البلاد، وجعل أبا زاكي والياً على طرابلس، وكتب إلى عاملها أن يقتله عند وصوله، فلمّا وصلها قتله عاملها، وأرسل رأسه إلى المهديّ، فهرب ابن القديم، فأُخذ، فأمر المهديُّ بقتله فقُتل.
وأمر المهديُّ عُرُوبة ورجالاً معه أن يرصدوا أبا عبدالله وأخاه أبا العبّاس، ويقتلوهما، فلمّا وصلا إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبدالله، فقال: لا تفعل يا بنيّ ! فقال: الذي أمَرتَنا بطاعته أمرنا بقتلك؛ فقُتل هو وأخوه، وكان قتلهما في اليوم الذي قُتل فيه أبو زاكي، فقيل: إنّ المهديّ صلّى على أبي عبدالله، وقال: رحمك الله: أبا عبدالله، وجزاك خيراً بجميل سعيك.
وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرّد أصحابهما السيوف، فركب المهديُّ وأمّن الناس، فسكنوا، ثمّ تَتّبعهم حتّى قتلهم.
وثارت فتنة ثانية بين كُتامة وأهل القَيروان، قُتل فيها خلق كثير، فخرج المهديُّ وسكّن الفتنة، وكفّ الدعاة عن طلب التشيّع من العامّة.
ولمّا استقامت الدولة للمهديّ عهد إلى ولده أبي القاسم نِزار بالخلافة، ورجعت كُتامة إلى بلادهم، فأقاموا طفلاً وقالوا: هذا هو المهديُّ، ثمّ زعموا أنّه نبيّ يوحى إليه، وزعموا أنّ أبا عبدالله لم يمُتْ، وزحفوا إلى مدينة مِيلة، فبلغ ذلك المهديَّ فأخرج ابنه أبا القاسم، فحصرهم، فقاتلوه فهزمهم واتّبعهم حتّى أجلاهم إلى البحر، وقتل منهم خلقاً عظيماً، وقتل الطفل الذي أقاموه.
وخالف عليه أهل صقلّية مع ابن وهب، فأنفذ إليهم أسطولاً، ففتحها وأتى بابن وهب فقتله.

وخالف عليه أهل تاهَرت، فعزاها، ففتحها، وقتل أهل الخلاف، وقتل جماعة من بني الأغلب برقّادة كانوا قد رجعوا إليها بعد وفاة زيادة الله.
ذكر عدّة حوادث
فيها سُيّر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلب الحسين بن حَمدان، فساروا حتّى بلغوا قَرِقِيسياء والرَّحَبة، فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وهو الأمير بالموصِل، يأمره بطلب أخيه الحسين، فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تَكريت، فانهزم الحسين، فأرسل أخاه إبراهيم بن حَمدان يطلب الأمان، فأُجيب إلى ذلك، ودخل بغداد، وخُلع عليه، وعُقد له على قُمّ وقاشان، فسار غليها وصرف عنها العبّاس بن عمرو.
وفيها وصل بارس غلام إسماعيل السامانيّ، وقُلّد ديار ربيعة، وقد تقدّم ذكره.
وفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث وبين سُبكرى غلام عمرو، فأسر طاهراً ووجّهه وأخاه يعقوب بن محمّد بن عمرو إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ، فأُدخلا بغداد أسيرين، فحُبسا، وكان سُبكرى قد تغلّب على فارس بغير أمر الخليفة، فلمّا وصل كاتبه قرّر أمره على مال يحمله، وكان وصوله إلى بغداد سنة سبع وتسعين.
وفيها خُلع على مؤنس المظفَّر الخادم، وأُمر بالمسير إلى غزو الروم، فسار في جمع كثيف، فغزا من ناحية مَلَطْية، ومعه أبو الأغر السلميُّ، فظفر وغنم وأسر منهم جماعة وعاد.
وفيها قّلّد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار، فسار إليها من الدَّينَور.
وفيها سقط ببغداد ثلج كثير من بُكرة إلى العصر، فصار على الأرض أربع أصابع، وكان معه برد شديد، وجمد الماء والخلّ والبيض والأدهان، وهلك النخل، وكثير من الشجر؛ وحجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها توفّي محمّد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر.
وفيها قُتل سَوْسَن حاجب المقتدر، وسبب ذلك أنّه كان له أثر في أمر ابن المعتزّ، فلمّا بويع ابن المعتّز واستحجب غيره لزم المقتدر، فلمّا استوزر ابن الفرات تفرّد بالأمور، فعاداه سوسن، وسعى في فساد حاله، فأعلم ابنُ الفرات المقتدر بالله بحال سوسن، وأنّه كان ممّن أعان ابن المعتّز فقبض عليه وقتله.
وفيها توفّي محمّد بن داود بن الجرّاح عمّ عليّ بن عيسى الوزير، وكان عالماً بالكتابة.
وفيها توفّي عبدالله بن جعفر بن خاقان، وأبو عبد الرحمن الدهكانيُّ.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين
ذكر استيلاء الليث على فارس وقتله
في هذه السنة سار الليث بن عليّ بن الليث من سِجِستان إلى فارس في جيش وأخذها، واستولى عليها، وهرب سُبكرى عنها إلى أرّجان، فلمّا بلغ الخبر المقتدر جهّز مؤنساً الخادم وسيّره إلى فارس، معونة لسُبكرى، فاجتمعا بأرّجان.
وبلغ خر اجتماعهما الليثَ، فسار إليهما، فأتاه الخبر بمسير الحسين ابن حَمدان من قُمّ إلى البيضاء، معونة لمؤنس، فسيّر أخاه في بعض جيشه إلى شيراز ليحفظها، ثمّ سار في بعض جنده في طريق مختصر ليواقع الحسين ابن حَمدان، فأخذ به الدليل في طريق الرجّالة، فهلك أكثر دوابّه، ولقي هو وأصحابه مشقّة عظيمة، فقتل الدليل، وعدل عن ذلك الطريق، فأشرف على عسكر مؤنس، فظنّه هو وأصحابه أنّه عسكره الذي سُيّر مع أخيه إلى شيراز، فكبّروا، فثار إليهم مؤنس وسُبكرى في جندهما، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الليث، وأُخذ هو أسيراً.
فلمّا أسره مؤنس قال له أصحابه: إنّ المصلحة أن نقبض على سُبكرى، ونستولي على بلاد فارس، ونكتب إلى الخليفة ليقرّها عليك؛ فقال: سأفعل غداً، إذا صار إلينا على عادته، فلمّا جاء الليل أرسل مؤنس إلى سُبكرى سرّاً يعرّفه ما أشار به أصحابه، وأمره بالمسير من ليلته إلى شِيراز، ففعل، فلمّا أصبح مؤنس قال لأصحابه: أرى سُبكرى قد تأخّر عنّا، فتعرّفوا خبره؛ فسار إليه بعضهم، وعاد فأخبره أنّ سُبكرى سار من ليلته إلى شِيراز، فلام أصحابه، وقالب: من جهتكم بلغه الخبر حتّى استوحش؛ وعاد مؤنس ومعه الليث إلى بغداد، وعاد الحسين بن حَمدان إلى قمّ.
ذكر أخذ فارس من سُبكرى

لمّا عاد مؤنس عن سُبكرى استولى كاتبه عبد الرحمن بن جعفر على الأمور، فحسده أصحاب سُبكرى، فنقلوا عنه أنّه كاتب الخليفة، وأنّه قد حلّف أكثر القوّاد له، فقبض عليه وقيّده وحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل ابن إبراهيم البمّيّ، فحمله على العصيان ومَنْع ما كان يحمله إلى الخليفة، ففعل ذلك.
فكتب عبد الرحمن بن جعفر إلى ابن الفرات، وزير الخليفة، يعرّفه ذلك، وأنّه لمّا نهى سُبكرى عن العصيان قبض عليه، فكتب ابن الفرات إلى مؤنس، وهو بواسط، يأمره بالعود إلى فارس، ويعجزه حيث لم يقبض على سُبكرى، ويحمله مع الليث إلى بغداد؛ فعاد مؤنس إلى الأهواز.
وأرسل سُبكرى مؤنساً، وهاداه، وسأله أن يتوسّط حاله مع الخليفة، فكتب في أمره، وبذل عنه مالاً، فلم يستقرّ بينهم شيء؛ وعلم ابن الفرات أنّ مؤنساً يميل إلى سُبكرى، فأنفذ وصيفاً كاتبه، وجماعة من القوّاد، ومحمّد بن جعفر الفريابيّ، وعوّل عليه في فتح فارس، وكتب إلى مؤنس يأمره باستصحاب الليث معه إلى بغداد، فعاد مؤنس.
وسار محمّد بن جعفر إلى فارس، وواقع سُبكرى على باب شيراز، فانهزم سُبكرى إلى بمّ وتحصّن بها، وتبعه محمّد بن جعفر وحصره بها، فخرج إليه سُبكرى وحاربه مرة ثانية، فهزمه محمّد ونهب ماله ودخل سُبكرى مفازة خراسان، فظفر به صاحب خُراسان، على ما نذكره، واستولى محمّد ابن جعفر على فارس فاستعمل عليها قنبجاً خادم الأفشين، والصحيح أنّ فتح فارس كان سنة ثمان وتسعين.
ذكر عدّة حوادث
وفيها وجّه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة؛ وحجّ بالناس الفضل ابن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها توفّي عيسى النُّوشريُّ في شعبان بمصر، بعد موت أبي العبّاس ابن بِسطام بعشرة أيّام، ودُفن بالبيت المقدّس، واستعمل المقتدر مكانه تكين الخادم، وخلع عليه منتصف شهر رمضان.
وفيها توفّي أبو عبدالله محمّد بن سالم، صاحب سهل بن عبد الله التُّستريّ.
وفيها توفّي الفيض بن الخضر، وقيل ابن محمّد أبو الفيض الأولاشيُّ الطَّرسوسيُّ، وأبو بكر محمّد بن داود بن عليّ الأصفهانيُّ الفقيه الظاهريُّ، وموسى بن إسحاق القاضي، والقاضي أبو محمّد يوسف بن يعقوب بن حمّاد وله تسع وثمانون سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتينذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سِجِستان
في هذه السنة، في رجب، استولى أبو نصر أحمد بن إسماعيل السامانيُّ على سِجِستان.
وسبب ذلك أنّه لمّا استقرّ أمره، وثبت ملكه، خرج في سنة سبع وتسعين ومائتين إلى الرَّيّ، وكان يسكن بخارى، ثمّ سار إلى هراة، فسيّر منها جيشاً في المحرّم سنة ثمان وتسعين إلى سِجِستان، وسيّر جماعة من أعيان قوّاده وأمرائه، منهم أحمد بن سهل، ومحمّد بن المظفَّر، وسيمجور الدواتيُّ، وهو والد آل سيمجور ولاة خُراسان للسامانيّة، وسيرد ذكرهم، واستعمل أحمد على هذا الجيش الحسينَ بن عليّ المَروَرُوذيَّ، فساروا حتّى أتوا سجستان، وبها المعدَّل بن عليّ بن الليث الصَّفّار وهو صاحبها.
فلمّا بلغ المعدَّل خبرهم سيّر أخاه أبا عليّ محمّد بن عليّ بن الليث إلى بُست والرُخَّج ليحمي أموالها، ويرسل منها الميرة إلى سجستان، فسار المير أحمد بن إسماعيل إلى أبي عليّ ببُست، وجاذبه، وأخذه أسيراً، وعاد به إلى هَراة.
وأمّا الجيش الذي بسجستان فإنّهم حصروا المُعدَّل، وضايقوه، فلمّا بلغه أنّ أخاه أبا عليّ محمّداً قد أُخذ أسيراً، صالح الحسينَ بن عليّ، واستأمن إليه، فاستولى الحسين على سجستان، فاستعمل عليها الأميرَ أحمد أبا صالح منصور بن إسحاق، وهو ابن عمّه، وانصرف الحسين عنها ومعه المعدّل إلى بخارى؛ ثمّ إنّ سجستان خالف أهلها سنة ثلاثمائة على ما نذكره.
ولمّا استولى السامانيّة على سجستان بلغهم خبر مسير سُبكرى في المفازة من فارس إلى سجستان، فسيّروا إليه جيشاً، فلقوه وهو وعسكره قد أهلكهم التعب، فأخذوه أسيراً، واستولوا على عسكره، وكتب الأمير أحمد إلى المقتدر بذلك، وبالفتح، فكتب إليه يشكره على ذلك، ويأمره بحمل سُبكرى، ومحمّد بن عليّ بن الليث، إلى بغداد، فسيّرهما، وأُدخلا بغداد مشهورَيّن على فيلَينْ، وأعاد المقتدر رسل أحمد، صاحب خُراسان، ومعهم الهدايا والخلع.؟
ذكر عدّة حوادث

فيها أطلق الأمير أحمد بن إسماعيل عمّه إسحاق بن أحمد من محبسه، وأعاده إلى سَمَرْقَنْد وفَرْغانة.
وفيها توفّي محمّد بن جعفر الفريابيُّ، وقنبج الخادم أمير فارس، فاستعمل عليها عبدَ الله بن إبراهيم المِسْمعيَّ، وأضاف إليه كَرْمان.
وفيها جُعلت أمُّ موسى الهاشميّة قَهرمانة دار المقتدر بالله، فكانت تؤدّي الرسائل من المقتدر وأمّه إلى الوزير، وإنّما ذكرناها لأنّ لها فيما بعد من الحكم في الدولة ما أوجب ذكرها، وإلاّ كان الإضراب عنها أولى.
وفيها غزا القاسم بن سيما الصائفة.
وفيها، في رجب، توفّي المظفَّر بن جاخ، أمير اليمن، وحُمل إلى مكّة ودُفن بها، واستعمل الخليفة على اليمن بعده ملاحظاً؛ وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها، في شعبان، أُخذ جماعة ببغداد، قيل إنّهم أصحاب رجل يدّعي الربوبيّة، يُعرف بمحمّد بن بشر.
وفيها هبّت ريح شديدة حارة صفراء بحديثة الموصل، فمات لشدّة حرّها جماعة كثيرة.
وفيها توفّي أبو القاسم جُنَيْد بن محمّد الصُّوفُّي، وكان إمام الدنيا في زمانه، وأخذ الفقه عن أبي ثور، صاحب الشافعيّ، والتصوّف عن سريّ السقطيّ.
وفيها توفّي أبو برزة الحاسب، واسمه الفضل بن محمد.
وفيها توفّي القاسم بن العبّاس أبو محمّد المعشريُّ، وإنّما قيل له المعشريُّ لأنّه ابن بنت أبي معشر نجيح المدنيّ، وكان زاهداً فقيهاً.
وفيها توفّي أحمد بن سعيد بن مسعود بن عصام أبو العبّاس، ومحمّد بن إياس والد أبي زكرياء، صاحب تاريخ الموصل، وكان خيّراً فاضلاً، وهو أزديّ.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين
ذكر القبض على ابن الفرات
ووزارة الخاقاني
ّ
في هذه السنة قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجّة، وكان قد ظهر، قبل القبض عليه بمدة يسيرة، ثلاثة كواكب مذنّبة، أحدها ظهر آخر رمضان في بُرج الأسد، والآخر ظهر في ذي القعدة في المشرق، والثالث ظهر في المغرب في ذي القعدة أيضاً في برج العقرب.
ولمّا قبض على الوزير وكّل بداره، وهتك حُرمه، ونهب ماله، ونُهبت دور أصحابه ومَن يتعلّق به، وافتتنت بغداد لقبضه، ولقي الناس شدّة ثلاثة أيّام، ثمّ سكنوا.
وكانت مدّة وزارته هذه السنة، وهي الوزارة الأولى، ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوماً، وقُلّد أبو عليّ محمّد بن يحيى بن عبيدالله بن يحيى بن خاقان الوزارة، فرتّب أصحاب الدواوين؛ وتولّى مناظرة ابن الفرات أبو الحسين أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وكان أخوه أبو الحسن بن أبي البغل مقيماً بأصبهان، فسعى أخوه له في الوزارة هو وأمّ موسى القهرمانة، فأذن المقتدر في حضوره ليتولّى الوزارة، فحضر، فلّما بلغ ذلك الخاقانيَّ انحلّت أموره، فدخل على الخليفة وأخبره بذلك، فأمره بالقبض على أبي الحسن، وأبي الحسين أخيه، فقبض على أبي الحسن وكتب في القبض على أبي الحسين، فقُبض أيضاً، ثمّ خاف القهرمانة، فأطلقهما واستعملهما.
ثمّ إنّ أمور الخاقانيّ انحلّتْ لأنّه كان ضجوراً، ضيّق الصدر مهملاً لقراءة كتب العُمّال، وجباية الأموال، وكان يتقرّب إلى الخاصّة والعامّة، فمنع خدم السلطان وخواصّه أن يخاطبوه بالعبد، وكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامّة يصلّون جماعة، ينزل ويصلّي معهم، وإذا سأله أحدٌ حاجةً دقّ صدره وقال، نعم وكرامة، فسُمّي: دقّ صدره، إلاّ أنّه قصّر في إطلاق الأموال للفرسان والقوّاد، فنفروا عنه واتّضعت الوزارة بفعله ما تقدّم.
وكان أولاده قد تحكّموا عليه، فكلّ منهم يسعى لمن يرتشي منه، وكان يولّي في الأيّام القليلة عدّة من العُمّال، حتّى إنّه ولَّى بالكوفة، في مدّة عشرين يوماً، سبعةً من العُمّال، فاجتمعوا في الطريق، فعرَضوا توقيعاتهم، فسار الخير منهم، وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فيه:
وزيرٌ قد تكاملَ في الرّقاعهْ ... يولّي ثمّ يَعْزِلُ بَعْدَ ساعَهْ
إذا أهل الرُّشى اجتمعوا لدَيهِ ... فخَيرُ القَومِ اوفَرُهُم بضاعَهْ
وليسَ يُلامُ في هذا بحالٍ ... لأنّ الشيخَ أفلَتَ من مَجَاعَهْ

ثمّ زاد الأمر، حتّى تحكّم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال، فانحلّت القواعد، وخبثت النيّات، واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم، والرجوع إلى قول النساء والخدم، والتصرّف على مقتضى آرائهم، فخرجت الممالك، وطمع العمّال في الأطراف، وكان ما نذكره فيما بعد.
ثمّ إنّ الخليفة أحضر الوزر ابن الفُرات من محبسه، فجعله عنده في بعض الحُجر مكرماً، فكان يَعِرض عليه مطالعات العمّال وغير ذلك، وأكرمه، وأحسن إليه، بعدَ أن أخذ أمواله.
ذكر عدّة حوادث
فيها غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طَرَسُوس، ومعه دميانة، فحصر حصن مَليح الأرمنيّ، ثمّ دخل بلده وأحرقه.
وفيها دخل بغداد العظيم والأغبر وهما من قوّاد زكرويه القُرمطيّ، دخلا بالأمان؛ وحجّ بالناس الفضل بن عبد الملك.
وفيها جاء نفر من القَرامطة من أصحاب أبي سعيد الجنّابيّ إلى باب البصرة، وكان عليها محمّد بن إسحاق بن كنداجيق، وكان وصولهم يوم الجمعة، والناس في الصلاة، فوقع الصوت بمجيء القَرامطة، فخرج إليهم الموكَّلون بحفظ باب البصرة، فرأوا رجلَيْن منهم، فخرجوا إليهما، فقتل القرامطة منهم رجلاً وعادوا فخرج إليهم محمّد بن إسحاق في جمع، فلم يرهم، فسيّر في أثرهم جماعة، فأدركوهم، وكانوا نحو ثلاثين رجلاًن فقاتلوهم، فقُتل بينهم جماعة، وعاد ابن كنداجيق وأغلق أبواب البصرة، ظنّاً منه أنّ أولئك القرامطة كانوا مقدّمة لأصحابهم، وكاتب الوزير ببغداد يعرّفه وصول القرامطة ويستمدّه، فلمّا أصبح ولم يرَ للقرامطة أثراً ندم على ما فعل، وسيّر إليه من بغداد عسكراً مع بعض القوّاد.
وفيها خالف أهل طرابلس الغرب على المهديّ، عبيدالله العلويّ، فسيّر إليها عسكراً فحاصرها، فلم يظفر بها، فسيّر إليها المهديُّ ابنَهُ أبا القاسم في جُمادى الآخرة سنة ثلاثمائة، فحاصرها، وصابرها، واشتدّ في القتال، فعدمت الأقوات في البلد حتّى أكل أهله الميتة. ففتح البلد عنفاً، وعفا عن أهله، وأخذ أموالاً عظيمة من الذين أثاروا الخلاف وغرّم أهل البلد جميع ما أخرجه على عسكره، وأخذ وجوه البلد رهائن عنده، واستعمل عليه عاملاً وانصرف.
وفيها كانت زلازل بالقَيروان لم يُرَ مثلها شدّة وعظمة، وثار أهل القَيروان، فقتلوا من كُتامة نحو ألف رجل.
وفيها توفّي محمّد بن أحمد بن كَيسان أبو الحسن النحويُّ، وكان عالماً بنحو البصريّين والكوفيّين، لأنّه أخذه عن ثعلب والمبرّد.
وفيها توفّي محمّد بن السريّ القنطريُّ، وأبو صالح الحافظ، وأبو عليّ ابن سيبويه، وأبو يعقوب إسحاق بن حُنَينْ الطبيب.
ثم دخلت سنة ثلاثمائةذكر عزل الخاقانيّ عن الوزارة
ووزارة عليّ بن عيسى
في هذه السنة ظهر للمقتدر تخليط الخاقانيّ، وعجزه في الوزارة، فأراد عزله، وإعادة أبي الحسن بن الفرات إلى الوزارة، فمنعه مؤنس الخادم عن ابن الفرات لنفوره عنه لأمور، منها: إنفاذ الجيش إلى فارس مع غيره، وإعادته إلى بغداد، وقد ذكرناه، فقال للمقتدر: متى أعدتَه ظنّ الناس أنّك إنّما قبضتَ عليه شرهاً في ماله، والمصلحة أن تستدعي عليَّ بن عيسى من مكّة وتجعله وزيراً، فهو الكافي الثقة، الصحيح العمل، المتين الدين.

فأمر المقتدر بإحضاره، فأنفذ مَن يحضره، فوصل إلى بغداد أوّل سنة إحدى وثلاثمائة، وجلس في الوزارة، وقُبض على الخاقانيّ وسُلّم إليه، فأحسن قبضه، ووسّع عليه، وتولّى عليُّ بن عيسى، ولازم العمل والنظر في الأمور، وردّ المظالم، وأطلق من المكوس شيئاً كثيراً بمكّة وفارس، وأطلق المواخير والمُفسدات بدوْبق، وأسقط زيادات كان الخاقانيُّ قد زادها للجند، لأنّه عمل الدخل والخرج، فرأى الخرج أكثر، فأسقط أولئك، وأمر بعمارة المساجد والجوامع، وتبييضها وفرشها بالحصر، وإشعال الأضواء فيها، وأجرى للأئمة، والقراء، والمؤذنين، أرزاقاً، وأمر بإصلاح البيمارستانات، وعمل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وقرّر فيها فضلاء الأطبّاء، وأنصف المظلومين، وأسقط ما زيد في خراج الضياع، ولمّا عُزل الخاقانيُّ أكثر الناس التزوير على خطّه بمسامحات وإدرارات، فنظر عليُّ بن عيسى في تلك الخطوط، فأنكرها، وأراد إسقاطها، فخاف ذمّ الناس، ورأى أن ينفذها إلى الخاقانيّ ليميّز الصحيح من المزوّر عليه، فيكون الذمّ له، فلمّا عُرضت تلك الخطوط عليه قال: هذه جميعها خطّي وأنا أمرتُ بها؛ فلمّا عاد الرسول إلى عليّ بن عيسى بذلك قال: والله لقد كذب، وقد علم المزوَّر من غيره، ولكنّه اعترف بها ليحمده الناس ويذمّوني؛ وأمر بها فأُجيزتْ.
وقال الخاقانيُّ لولده: يا بنيّ هذه ليست خطّي، ولكنّه أنفذها أليّ وقد عرف الصحيح من السقيم، ولكنّه أراد أن يأخذ الشوك بأيدينا، ويبغّضنا إلى الناس، وقد عكست مقصوده.
ذكر خلاف سجستان وعودها إلى طاعة أحمد ابن إسماعيل السامانيّ
وفي هذه السنة أنفذ الأمير أبو نصر أحمد بن إسماعيل السامانيُّ عسكراً إلى سِجِستان ليفتحها ثانياً، وكانت قد عصتْ عليه، وخالف مَن بها.
وسبب ذلك أنّ محمَد بن هُرمُز، المعروف بالمولى الصندليّ، كان خارجيّ المذهب، وكان قد أقام ببخارى وهو من أهل سِجِستان، وكان شيخاً كبيراً، فجاء يوماً إلى الحسين بن عليّ بن محمّد العارض يطلب رزقه، فقال له: إنّ الأصلح لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطاً يعبد الله فيه، حتّى يوافيه أجله؛ فغاظه ذلك، فانصرف إلى سِجِستان والوالي عليها منصور بن إسحاق، فاستمال جماعةً من الخوارج، ودعا إلى الصَّفّار، وبايع في السرّ لعمرو بن يعقوب بن محمّد بن عمرو بن الليث، وكان رئيسهم محمّد بن العبّاس، المعروف بابن الحَفّار، وكان شديد القوّة، فخرجوا، وقبضوا على منصور بن إسحاق أميرهم وحبسوه في سجن أرْكٍ وخطبوا لعمرو بن يعقوب، وسلّموا إليه سجستان.
فلمّا بلغ الخبر إلى المير أحمد بن إسماعيل سيّر الجيوش مع الحسين ابن عليّ، مرّةً ثانية إلى زَرَنْجَ، في سنة ثلاثمائة، فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوماً محمّد بن هُرمُز الصندليُّ إلى السور، وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ لا يصلح إلا للزوم رباط ؟ يذكرهم بما قاله العارض ببخارى؛ واتّفق أنّ الصندلي مات، فاستأمن عمرو بن يعقوب الصَّفّار وابن الحفّار إلى الحسين بن عليّ، وأطلقوا عن منصور بن إسحاق، وكان الحسين بن عليّ يكرم ابن الحفّار ويقرّبه، فواطأ ابن الحفّار جماعة على الفتك بالحسين، فعلم الحسين ذلك، وكان ابن الحفّار يدخل على الحسين، لا يحجب عنه، فدخل إليه يماً وهو مشتمل على سيف، فأمر الحسين بالقبض عليه، وأخذه معه إلى بخارى.
ولمّا انتهى خبر فتح سِجِستان إلى المير أحمد استعمل عليها سيمجورَ الدواتيَّ، وأمر الحسينَ بالرجوع إليهن فرجع ومعه عمرو بن يعقوب وابن الحفّار وغيرهما، وكان عوده في ذي الحجّة سنة ثلاثمائة، واستعمل الأمير أحمدُ منصوراً ابن عمّه إسحاق على نَيسابور وأنفذه إليها، وتوفّي ابن الحفّار.
ذكر طاعة أهل صقلّية للمقتدر
وعودهم إلى طاعة المهديّ العلويّ
قد ذكرنا سنة سبع وتسعين ومائتين استعمال المهديّ عليَّ بن عمر على صِقلّية، فلمّا وليها كان شيخاً ليّناً، فلم يرض أهل صِقلّية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولّوا على أنفسهم أحمد بن قرهب، فلمّا وليّ سيّر سريّة إلى أرض قِلُّورِيَةَ، فغنموا منها، وأسروا من الروم وعادوا.

وأرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليّاً إلى قلعة طَبَرْمين في جيش، وأمره بحصرها، وكان غرضه إذا ملكها أن يجعل بها ولده وأمواله وعبيده، فإذا رأى من أهل صقلّية ما يكره امتنع بها، فحصرها ابنه ستّة أشهر، ثمّ اختلف العسكر عليه، وكرهوا المُقام، فأحرقوا خيمته، وسواد العسكر، وأرادوا قتله، فمنعهم العرب.
ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخَطب له بصِقلّية، وقَطع خطبة المهديّ، وأخرج ابن قرهب جيشاً في البحر إلى ساحل أفريقية، فلقوا هناك أسطول المهديّ ومقدّمه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلّيُّ إلى مدينة سَفَاقُس، فخرّبوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهديّ، فعادوا.
ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثمّ أخرج مراكب فيها جيش إلى قِلُّورِيَةَ، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا؛ وسيّر أيضاً اسطولاً إلى إفريقية، فخرج عليه أسطول المهديّ، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه.
وخاف منه أهل جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهديّ، فلمّا رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهديَّ أيضاً، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيراً سنة ثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهديّ مع جماعة من خاصّته، فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير، فقُتلوا، واستعمل على صقلّية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسيّر معه جماعة كثيرة من شيوخ كُتامة، فوصلوا إلى طَرَابُنُش.
وسبب إرسال العسكر معه أنّ ابن قرهب كان قد كتب إلى المهديّ يقول له: إنّ أهل صقلّية يكثرون الشغب على أمرائهم، ولا يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا يزول ذلك إلاّ بعسكر يقهرهم ويزيل الرئاسة عن رؤسائهم، ففعل المهديُّ ذلك، فلمّا وصل معه العسكر خاف منه أهل صقلّية، فاجتمع عليه أهل جرجنت وأهل المدينة وغيرها، فتحصّن منهم أبو سعيد وعمل على نفسه سوراً إلى البحر، وصار المرسى معه، فاقتتلوا، فانهزم أهل صقلّية، وقُتل جماعة من رؤسائهم، وأُسر جماعة، وطل أهل المدينة الأمان، فأمّنهم إلا رجلَيْن هما أثارا الفتنة، فرضوا بذلك وتسلّم الرجلَيْن، وسيّرهما إلى المهديّ بإفريقية، وتسلّم المدينة، وهدم أبوابها، وأتاه كتاب المهديّ يأمره بالعفو عن العامّة.
ذكر وفاة عبد الله بن محمّد صاحب الأندلس وولاية عبد الرحمن الناصر
وفيها توفّي عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأمويُّ، صاحب الأندلس، في ربيع الأوّل، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وكان أبيض، أصهب، أزرق، ربعة، يخضب بالسواد، وكانت ولايته خمساً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً، وخلّف أحد عشر ولداً ذكراً، أحدهم محمّد المقتول، قتله في حدّ من الحدود، وهو والد عبد الرحمن الناصر.
ولمّا توفّي وليَ بعده ابن ابنه هذا محمّد، واسمه عبد الرحمن بن محمّد ابن عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هِشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ابن معاوية بن هِشام بن عبد الملك بن مَروان بن الحاكم الأمويّ، وأمّه أمّ ولد تسمّى مرتة، وكان عمره لمّا قُتل أبوه عشرين يوماً.
وكانت ولايته من المستطرف لأنّه كان شاباً، وبالحضرة أعمامه وأعمام أبيه، فلم يختلفوا عليه، ووُلِّيَ الإمارة والبلاد كلّها، وقد اختلف عليهم قبله، وامتنع حصون بكورة رَيّة وحصن بُبَشْتَر فحاربه، حتّى صلحت البلاد بناحيته، وكان مَن بطُليطُلة أيضاً قد خالفوا، فقاتلهم حتّى عادوا إلى الطاعة، ولم يزل يقاتل المخالفين حتّى أذعنوا له، وأطاعوه نيّفاً وعشرين سنة، فاستقامت البلاد، وأمنت في دولته، ومضى لحال سبيله.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة عُزل عبد الله بن إبراهيم المِسْمعيُّ عن فارس وكَرمان واستُعمل عليها بدر الحمّاميُّ، وكان بدر يتقلّد أصبهان، واستُعمل بعده على أصبهان عليُّ بن وهسوذان الديلميُّ.
وفيها ورد الخبر إلى بغداد، ورسوله من عامل بَرقة، وهي من عمل مصر وما بعدها بأربعة فراسخ لمصر وما وراء ذلك من عمل المغرب، بخبر خارجيّ خرج عليهم، وأنهم ظفروا به وبعسكره، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ووصل على يد الرسول من أنوفهم وآذانهم شيء كثير.

وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد.
وفيها كلبت الكلاب والذئاب بالبادية، فأهلكت خلقاً كثيراً.
وفيها وُلِّيَ بشر الأفشينيُّ طَرَسُوس.
وفيها قُلّد مؤنس المظفَّر الحرمَينْ والثغور.
وفيها انقضّت الكواكب انقضاضاً كثيراً إلى جهة المشرق.
وفيها مات أسكندروس بن لاون ملك الروم، وملك بعده ابنه، واسمه قسطنطين، وعمره اثنتا عشرة سنة.
وفيها توفّي عبيدالله بن عبدالله بن طاهر بن الحسين، وكان مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وفيها توفّي أحمد بن عليّ الحدّاد، وقيل سنة تسع وتسعين ومائتين، وهو الصحيح.
وفيها توفّي أحمد بن يعقوب ابن أخي العرق المقرئ، والحسين بن عمر بن أبي الأخوص، وعليُّ بن طيفور النشويُّ، وأبو عمر القتّات.
وفيها، في ربيع الآخر، توفّي يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم المعروف بالنديم.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائةفي هذه السنة خُلع على الأمر أبي العبّاس بن المقتدر بالله، وقُلد أعمال مصر والمغرب، وعمره أربع سنين، واستخلف له على مصر مؤنس الخادم، وأبو العبّاس هذا هو الذي وليَ الخلافة بعد القاهر بالله، ولُقّبَ الراضي بالله.
وخُلع أيضاً على الأمير عليّ بن المقتدر، ووليَ الرّيّ، ودنباوند، وقزوين، وزنجان، وأبهر.
وفيها أُحضر بدار عيسى رجل يُعرف بالحلاّج ويكنّى أبا محمّد، وكان مشعبذاً في قول بعضهم، وصاحب حقيقة في قول بعضهم، ومعه صاحب له، فقيل، إنّه يدّعي الربوبيّة، وصُلب هو وصاحبه ثلاثة أيّام، كلّ يوم من بُكرة إلى انتصاف النهار، ثمّ يؤمَرُ بهما إلى الحبس، وسنذكر أخباره واختلاف الناس فيه عند صلبه.
وفيها، في صفر، عُزل أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان عن الموصل، وقُلّد يُمن الطولونيُّ المعونة بالموصل، ثمّ صُرف عنها في هذه السنة، واستُعمل عليها نحرير الخادم الصغير.
وفيها خالف أبو الهيجاء عبدُ الله بن حَمدان على المقتدر فسُيّر إليه مؤنس المظفَّر، وعلى مقدّمته بنّيّ بن نفسي، خرج إلى الموصل منتصف صفرٍ ومعه جماعة من القوّاد، وخرج مؤنس في ربيع الأوّل، فلمّا علم أبو الهيجاء بذلك قصد مؤنساً مستأمناً من تلقاء نفسه، وورد معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه.
وفيها توفّي دميانة أمير الثغور وبحر الروم، وقُلّد مكانه ابن بلك.
ذكر قتل الأمير أبي نصر الساماني
وولاية ولده نصر
وفي هذه السنة قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد السامانيُّ صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مولعاً بالصيد، فخرج إلى فربر متصيّداً، فلمّا انصرف أمر بإحراق ما اشتمل عليه عسكره، وانصرف، فورد عليه كتاب نائبه بطبرستان، وهو أبو العبّاس صعلوك، وكان يليها بعد وفاة ابن نوح بها، يخبره بظهور الحسن بن عليّ العلويّ الأطروش بها، وتغلّبه عليها، وأنّه أخرجه عنها، فغمّ ذلك أحمد، وعاد إلى معسكره الذي أحرقه فنزل عليه فتطيّر الناس من ذلك.
وكان له أسدٌ يربطه كلّ ليلة على باب مبيته، فلا يجسر أحد أن يقربه، فأغفلوا إحضار الأسد تلك الليلة، فدخل إليه جماعة من غلمانه، فذبحوه على سريره وهربوا، وكان قَتْله ليلة الخميس لسبع بقين من جُمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة، فحُمل إلى بخارى فدُفن بها، ولُقّب حينئذ بالشهيد، وطُلب أولئك الغلمان، فأُخذ بعضهم فقُتل.
ووليَ الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر بن أحمد، وهو ابن ثماني سنين، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوماً، وكان موته في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ولُقّب بالسعيد، وبايعه أصحاب أبيه ببخارى بعد دفن أبيه، وكان الذي تولّى ذلك أحمد بن محمّد بن الليث، وكان متولّي أمر بخارى، فحمله على عاتقه، وبايع له الناس، ولّما حمله خدم أبيه ليظهر للناس خافهم وقال: أتريدون أن تقتلوني كما قتلتم أبي ؟ فقالوا: لا إنّما نريد أن تكون موضع أبيك أميراً؛ فسكن روعه.

واستصغر الناس نصراً، واستضعفوه، وظنّوا أنّ أمره لا ينتظم مع قوّة عمّ أبيه الأمير إسحاق بن أحمد، وهو شيخ السامانيّة، وهو صاحب سَمَرْقند، ومَيْل الناس بما وراء النهر سوى بخارى إليه وإلى أولاده، وتولّى تدبير دولة السعيد نصر بن أحمد أبو عبدالله محمّد بن أحمد الجَيْهانيُّ، فأمضى الأمور، وضبط المملكة، واتّفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه، ومع هذا، فإنّ أصحاب الأطراف طمعوا في البلاد، فخرجوا من النواحي على ما نذكره.
فممنّ خرج عن طاعته سِجِستان، وعمّ أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد بسَمرقند، وابناه منصور وإلياس ابنا إسحاق، ومحمّد بن ا لحسين بن مت، وأبو الحسن بن يوسف، والحسين بن عليّ المَرْورُوذيُّ، ومحمّد بن جيد، وأحمد بن سهل، وليلى بن نعمان، صاحب العلويّين بَطَبِرستان، ووقّعه سيمجور مع أبي الحسن بن الناصر، وقراتكين، وما كان بن كالي، وخرج عليه إخوته يحى ومنصور وإبراهيم، أولاد أحمد بن إسماعيل، وجعفر بن أبي جعفر، وابن داود، ومحمّد بن إلياس، ونصر بن محمّد بن مت، ومرداويج ووشمكير ابنا زيار، وكان السعيد مظفَّراً منصوراً عليهم.
ذكر أمر سجستانولّما قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل خالف أهل سجِستان على ولده نصر، وانصرف عنها سيمجور الدواتيٌّ، فولاّها المقتدر بالله بدراً الكبير، فأنفذ إليها الفضلَ بن حميد، وأبا يزيد خالد بن محمد المروزيّ، وكان عُبيد الله بن أحمد الجَيْهانيُّ ببُستَ، والرُّخَّج، وسعد الطالقانيُّ بغَزنة من جهة السعيد نصر بن أحمد، فقصدهما الفضل خالد، وانكشف عنهما عبيدالله، وقبضا على سعد الطالقانيّ وأنفذاه إلى بغداد، واستولى الفضل وخالد على غزنة وبُست، ثمّ اعتلَّ الفضل، وانفرد خالد بالأمور، وعصى على الخليفة، فأنفذ إليه دركاً أخا نجح الطولونيّ، فقاتله فهزمه خالد.
وسار خالد إلى كَرمان، فأنفذ إليه بدر جيشاً، فقاتلهم خالد، فجُرح، وانهزم أصحابه، وأُخذ هو أسيراً، فمات، فحُمل رأسه إلى بغداد.
ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابن إلياسوفي هذه السنة، وهي إحدى وثلاثمائة، خرج على السعيد نصر بن أحمد ابن إسماعيل عمّ أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد وابنه إلياس، وكان إسحاق بسَمَرْقَنْد لّما قُتل أحمد بن إسماعيل ووليَ ابنه نصر بن أحمد، فلمّا بلغه ذلك عصى بها، وقام ابنه إلياس يأمر الجيش، وقوي أمرهما، فساروا نحو بخارى، فسار إليه حمويه بن عليّ في عسكر، وكان ذلك في شهر رمضان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم إسحاق إلى سَمَرْقَنْد، ثمّ جمع وعاد مرّة ثانية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم إسحاق أيضاً، وتبعه حموية إلى سَمَرْقَنْد فملكها قهراً.
واختفى إسحاق، وطلبه حموية، ووضع عليه العيون والرصد، فضاق بإسحاق مكانه، فأظهر نفسه، واستأمن إلى حموية فأمّنه وحمله إلى بخارى فأقام بها إلى أن مات.
وأمّا ابنه إلياس فإنّه سار إلى فرغانة، وبقي بها إلى أن خرج ثانياً.
ذكر ظهور الحسن بن عليّ الأطروش
وفيها استولى الحسن بن عليّ بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب على طَبَرِسْتان، وكان يلقّب بالناصر.
وكان سبب ظهوره ما نذكره، وقد ذكرنا فيما تقدّم عصيان محمّد ابن هارون على أحمد بن إسماعيل، وهربه منه، وغير ذلك، ثمّ إنّ الأمير أحمد بن إسماعيل استعمل على طبرستان أبا العبّاس عبدالله بن محمّد بن نوح، فأحسن فيهم السيرة، وعدل فيهم، وأكرم مَن بها من العلويّين، وبالغ في الإحسان إليهم، وراسل رؤساء الديلم، وهاداهم، واستمالهم.
وكان الحسن بن عليّ الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمّد بن زيد، وأقام بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويقتصر منهم على العشر، ويدافع عنهم ابن حسّان ملكهم، فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا عليه، وبنى في بلادهم مساجد.
وكان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل: قَزوين، وسالوس، وغيرهما، وكان بمدينة سالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل؛ ثمّ إنّه جعل يدعوهم إلى الخروج معه إلى طبرستان، فلا يجيبونه إلى ذلك لإحسان ابن نوح، فاتّفق أنّ الأمير أحمد عزل ابنَ نوح عن طبرستان وولاّها سلاماً، فلم يحسن سياسة أهلها، وهاج عليه الديلم، فقاتلهم وهزمهم، واستقال عن ولايتها، فعزله الأمير أحمد، وأعاد إليها ابن نوح، فصلحت البلاد معه.

ثمّ إنّه مات بها، واستعمل عليها أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم صُعلوك، فغيّر رسوم ابن نوح، وأساء السيرة، وقطع عن رؤساء الديلم ما كان يهديه إليهم ابن نوح، فانتهز الحسن بن عليّ الفرصة، وهيّج الديلم عليه ودعاهم إلى الخروج معه، فأجابوه وخرجوا معه، وقصدهم صُعلوك، فالتقوا بمكان يسمّى نَوْرُوز وهو على شاطئ البحر، على يوم من سالوس، فانهزم ابن صُعلوك، وقُتل من أصحابه نحو أربعة آلاف رجل، وحصر الأطروش الباقين ثمّ أمّنهم على أموالهم وأنفسهم وأهليهم، فخرجوا إليه، فأمّنهم وعاد عنهم إلى آمل، وانتهى إليهم الحسن بن القاسم الداعي العلويُّ، وكان ختَن الأطروش، فقتلهم عن آخرهم لأنّه لم يكن أمّنهم، ولا عاهدهم، واستولى الأطروش على طبرستان.
وخرج صعلوك إلى الرَّيّ، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، ثمّ سار منها إلى بغداد، كان الأطروش قد أسلم على يده من الديلم الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ناحية آمل، وهم يذهبون مذهب الشيعة.
وكان الأطروش زيديَّ المذهب، شاعراً مفلقاً، ظريفاً، علاّمة، إماماً في الفِقه والدين، كثير المُجون، حسن النادرة.
حُكي عنه أنّه استعمل عبدالله بن المبارك على جُرجان، وكان يُرمى بالأُبنة، فاستعجزه الحسن يوماً في شغل له وأنكره عليه، فقال: أيّها الأمير ! أنا أحتاج إلى رجال أجلاد يعينونني؛ فقال: قد بلغني ذلك.
وكان سبب صممه أنّه ضُرب على رأسه بسيف في حرب محمّد بن زيد فطرش؛ وكان له من الأولاد أبو الحسن، وأبو القاسم، وأبو الحسين، فقال يوماً لأبنه أبي الحسن: يا بنيّ ! ها هنا شيء من الغراء نلصق به كاغداً ؟ فقال: لا، إنّما ها هنا بالخاء، فحقدها عليه، ولم يولّه شيئاً، وولّى ابنيه أبا القاسم والحسين، وكان أبو الحسن ينكر تركه معزولاً، ويقول: أنا أشرف منهما لأنّ أمّي حسنيّة، وأمّهما أمَة.
وكان أبو الحسن شاعراً، وله مناقضات مع ابن المعتزّ، ولحق أبو الحسن بابن أبي الساج، فخرج معه يوماً متصيّداً، فسقط عن دابّته فبقي راجلاً، فمرّ به ابن أبي الساج فقال له: اركب معي على دابّتي ! فقال: أيّها الأمير لا يصلح بطلان على دابّة.
ذكر القرامطة وقتل الجُنّابيّ
في هذه السنة قُتل أبو سعيد الحسن بن بَهرام الجُنّابيُّ كبير القرامطة، قتله خادم له صَقلبيّ، في الحمّام، فلمّا قتله استدعى رجلاً من أكابر رؤسائهم وقال له: السيّد يستدعيك؛ فلمّا دخل قتله، ففعل ذلك بأربعة نفر من رؤسائهم، واستدعى الخامس، فلمّا دخل فطن لذلك، فأمسك بيد الخادم وصاح، فدخل الناس، وصاح النساء، وجرى بينهم وبين الخادم مناظرات ثمّ قتلوه.
وكان أبو سعيد قد عهد إلى ابنه سعيد، وهو الأكبر، فعجز عن الأمر، فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان، وكان شهماً شجاعاً، ويرد من أخباره ما يُعلم به محلّه.
ولّما قُتل أبو سعيد كان قد استولى على هَجَر والإحساء والقَطيف والطائف، وسائر بلاد الحرين؛ وكان المقتدر قد كتب إلى أبي سعيد كتاباً ليّناً في معنى مَن عندّه من أسرى المسلمين، ويناظره، ويقيم الدليل على فساد مذهبه، ونفّذه مع الرسل، فلمّا وصلوا إلى البصرة بلغهم خبر موته، فأعلموا الخليفة بذلك، فأمرهم بالمسير إلى ولده، فأتوا أبا طاهر بالكتاب، فأكرم الرسل، وأطلق الأسرى، ونفّذهم إلى بغداد، وأجاب عن الكتاب.
ذكر مسير جيش المهديّ إلى مصر
في هذه السنة جهّز المهديُّ العساكر من إفريقية، وسيّرها مع ولده أبي القاسم إلى الديار المصريّة، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجّة، وساروا إلى مصر، فملك الإسكندريّة والفيّوم، وصار في يده أكثر البلاد، وضيّق على أهلها، فسيّر إليها المقتدر بالله مؤنساً الخادم في جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر، فعادوا إلى المغرب مهزومين.
ذكر عدّة حوادث
وفي هذه السنة كثرت الأمراض الدموية بالعراق، ومات بها خلق كثير، وأكثرهم بالحربيّة، فإنّها أُغلقت بها دور كثيرة لفناء أهلها.
وفيها توفّي جعفر بن محمّد بن الحسن الفريابيُّ ببغداد، والقاضي أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن محمّد بن أبي بكر المقدّميُّ الثقفيُّ.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة

في هذه السنة أُمر عليُّ بن عيسى الوزير بالمسير إلى طَرَسُوس لغزو الصائفة، فسار في ألفَيْ فارس معونةً لبشر الخادم والي طَرَسُوس، فلم يتيسّر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج.
وفيها تنحّى الحسن بن عليّ الأطروش العلويُّ عن آمل، بعد غلبته عليها، كما ذكرناه، وسار إلى سالوس، ووجّه إليه صُعلوك جيشاً من الرَّيّ، فلقيهم الحسن، وهزمهم، وعاد إلى آمل.
وكان الحسن بن عليّ حسن السيرة، عادلاً، ولم يرَ الناس مثله في عدله، وحُسن سيرته، وإقامته الحقّ، وقد ذكره ابن مِسكويه في كتاب تجارب الأمم فقال: الحسن بن عليّ الداعي، وليس به، إنّما الداعي عليُّ بن القاسم، وهو ختَن هذا على ما ذكرناه.
وفيها قبض المقتدر على أبي عبدالله الحسين بن عبدالله المعروف بابن الجصّاص الجوهريّ، وأخذ ما في بيته من صنوف الأموال، وكان قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وكان هو يدّعي أنّ قيمة ما أُخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ذلك.
ذكر مخالفة منصور بن إسحاقوفي هذه السنة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد على الأمير نصر بن أحمد، ووافقه على المخالفة الحسينُ بن عليّ المَرْورُوذيُّ، ومحمّد ابن حَيد.
وكان سبب ذلك أنّ الحسين بن عليّ لّما افتتح سِجِسْتان، الدفعة الأولى على ما ذكرناه، للأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولاها، فوليها منصور بن إسحاق هذا، فخالف أهلها، وحبسوا منصوراً، فأنفذ الأمير أحمد عليّاً أيضاً، فافتتحها ثانياً، وطمع أن يتولاّها فوليها سيمجور، وقد ذكرنا هذا جميعه.
فلمّا وليها سيمجور استوحش عليٌّ لذلك، ونفر منه، وتحدّث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد، وتكون إمارة خراسان لمنصور، ويكون الحسين بن عليّ خليفته على أعماله، فاتّفقا على ذلك فلمّا قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل كان منصور بن إسحاق بنيسابور، والحسين بهرَاة، فأظهر الحسين العصيان، وسار إلى منصور يحثّه على ما كانا اتّفقا عليه، فخالف أيضاً، وخطب لمنصور بنيسابور فتوجه إليها من بخارى حموية بن علي في عسكر ضخم لمحاربتهما، فاتّفق أنّ منصوراً مات، فقيل إنّ الحسين بن عليّ سمّه، فلمّا قاربه حموية سار الحسين بن عليّ عن نَيسابور إلى هَراة وأقام بها.
وكان محمّد بن حَيد على شُرطة بخارى مدّة طويلة، فسُيّر من بخارى إلى نَيسابور لشغل يقوم به، فوردها، ثمّ عاد عنها بغير أمر، فكتب إليه من بخارى بالإنكار عليه، فخاف على نفسه، فعدل عن الطريق إلى الحسين بن عليّ بهراة، فسار الحسين بن عليّ من هراة إلى نَيسابور، واستخلف بهراة أخاه منصور بن عليّ، واستولى على نَيسابور، فسُيّر من بخارى إليه أحمد بن سهل لمحاربته، فابتدأ أحمد بهراء فحصرها وأخذها، واستأمن إله منصور بن عليّ، وسار أحمد من هراة إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في ربيع الأوّل سنة ستّ وثلاثمائة، فنازل الحسين، وحصره، وقاتله، فانهزم أصحاب الحسين، وأُسر الحسين بن عليّ، وأقام أحمد بن سهل بنَيسابور.
وكان ينبغي أن نذكر استيلاء أحمد على نَيسابور، وأسر الحسين سنة ستّ وثلاثمائة، لكن رأينا أن نجمع سياق الحادثة لئلاّ يُنسى أوّلها.
وأمّا ابن حَيد فإنّه كان بمرو، فلمّا بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نَيسابور، وأسره الحسين بن عليّ، سار إليه، فقبض عليه أحمد وأخذ ماله وسواده، وسيّره والحسين بن عليّ إلى بخارى، فأمّا ابن حَيد فإنّه سُيّر إلى خُوارزم فمات بها.
وأمّا الحسين بن عليّ فإنّه حُبس ببخارى إلى أن خلَّصه أبو عبدالله الجيهانيُّ، وعاد إلى خدمة الأمير نصر بن أحمد، فبينما هو يوماً عنده إذ طلب الأمير نصر ماء، فأُتي بماء في كوز غير حسن الصنعة، فقال الحسين بن عليّ لأحمد بن حموية، وكان حاضراً: ألا يهدي والدك إلى الأمير من نَيسابور من هذه الكيزان اللطاف النظاف ؟ فقال أحمد: إنّما يُهدي أبي إلى الأمير مثلك ومثلَ أحمد بن سهل، ومثلَ ليلة الديلميّ، لا الكيزان؛ فأطرق الحسين مُفحَماً، وأعجب نصراً قوله.
ذكر خبر مصر مع العلويّ المهديّ
وفيها أنفذ أبو محمّد عبيدُ الله العلويُّ الملقّب بالمهديّ جيشاً من إفريقية مع قائد من قوّاده يقال له حُباسة إلى الإسكندريّة، فغلب عليها.

وكان مسيره في البحر، ثمّ سار منها إلى مصر، فنزل بين مصر والإسكندريّة، فبلغ ذلك المقتدر، فأرسل مؤنساً الخادم في عسكر إلى مصر لمحاربة حُباسة، وأمدّه بالسلاح والمال، فسار إليها، فالتقى العسكران في جُمادى الأولى، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقُتل من الفريقَيْن جمع كثير، وجُرح مثلهم، ثمّ كان بينهم وقعة أخرى بنحوها، ثمّ وقعة ثالثة ورابعة، فانهزم فيها المغاربة أصحاب العلويّ، وقُتلوا، وأُسروا، فكان مبلغ القتلى سبعة آلاف مع الأسرى وهرب الباقون.
وكانت هذه الوقعة سلخ جمادى الآخرة، وعادوا إلى الغرب، فلمّا وصلوا إلى الغرب قتل المهديُّ حُباسةَ.
وفيها خالف عروبة بن يوسف الكُتاميُّ على المهديّ بالقَيروان، واجتمع إليه خلق كثير من كُتامة والبرابر، فأخرج المهديُّ إليهم مولاه غالباً، فاقتتلوا قتالاً شديداً في محضر القَيروان، فقُتل عروبة وبنو عمّه، وقُتل معهم عالم لا يحصون، وجُمعت رؤوس مقدّميهم في قفّة وحُملت إلى المهديّ، فقال: ما أعجب أمور الدنيا ؟؟؟! قد جمعت هذه القفّة رؤوس هؤلاء، وقد كان يضيق بعساكرهم فضاء المغرب.
ذكر عدة حوادثفيها غزا بشر الخادم والي طَرَسُوس بلاد الروم، ففتح فيها وغنم وسبى، وأسر مائة وخمسين بطريقاً، وكان السبي نحواً من ألفَيْ رأس.
وفيها أوقع مؤنس الخادم بناحية وادي الذئاب بمن هنالك من الأعراب من بني شيبان، فقتل منهم خلقاً كثيراً، ونهب بيوتهم فأصاب فيها من أموال التجار التي كانوا أخذوها بقطع الطريق ما لا يحصى.
وفيها في ذي الحجّة ماتت بدعة المغنّية، مولاة عَريب مولى المأمون.
وفيها، في ذي الحجّة، خرجت الأعراب من الحاجر على الحجّاج، فقطعوا عليهم الطريق، وأخذوا من العين وما معهم من الأمتعة والجمال ما أرادوا، وأخذوا مائتين وخمسين امرأة؛ وحجّ بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك.
وفيها قُلّد أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان الموصل.
وفيها مات الشاه بن ميكال.
وفيها، في ليلة الأضحى، انقضّ ثلاثة كواكب كبار اثنان أوّل ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأربعاء فبراير 19, 2014 8:57 am

ثمّ وثب أحمد بن مسافر، صاحب الطرم، على ابن أخيه عليّ بن وهسوذان وهو مقيم بناحية قزوين، فقتله على فراشه، وهرب إلى بلده، فاستعمل مكان عليّ بن وهسوذان وصيفاً البكتمريَّ، وقلّد محمّد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج بها.
وسار أحمد بن عليّ بن صعلوك من قُمّ إلى الريّ، فدخلها، فأنفذ الخليفة ينكر عليه ذلك ويأمره بالعود إلى قمّ فعاد، ثمّ إنّه أظهر الخلاف، وصرف عمّال الخراج عن قمّ، واستعدّ للمسير إلى الريّ، فكوتب نحرير الصغير، وهو على هَمذان، ليسير هو ووصيف إلى الريّ لمنع أحمد بن عليّ عنها فساروا إليها، فلقيهم أحمد بن عليّ على باب الريّ، فهزمهم أحمد، وقُتل محمّد ابن سليمان، واستولى أحمد على الريّ، وكاتب نصراً الحاجب ليصلح أمره مع الخليفة، ففعل ذلك، وأصلح أمره، وقرّر عليه عن الريّ ودنباوند وقَزوين وزنجان وأبهر مائة وستّين ألف دينار محمولة كلّ سنة إلى بغداد، فنزل أحمد عن قمّ، فاستعمل الخليفة عليها من ينظر فيها.

ذكر تغلّب كثير بن أحمد على سجستان ومحاربته
كان كثير بن أحمد بن شهفور قد تغلّب على أعمال سجستان، فكتب الخليفة إلى بدر بن عبدالله الحمّاميّ، وهو متقلّد أعمال فارس، يأمره أن يرسل جيشاً يحاربون كثيراً، ويؤمّر عليهم دردا، ويستعمل على الخراج بها زيد ابن إبراهيم، فجهّز بدر جيشاً كثيفاً وسيّرهم، فلمّا وصلوا قاتلهم كثير، فلم يكن له بهم قوّة، وضعف أمره وكادوا يملكون البلد، فبلغ أهل البلد أنّ زيداً معه قيود وأغلال لأعيانهم، فاجتمعوا مع كثير، وشدّوا منه، وقاتلوا معه، فهزموا عسكر الخليفة، وأسروا زيداً، فوجدوا معه القيود والأغلال، فجعلوها في رجليه وعنقه.
وكتب كثير إلى الخليفة يتبرّأ من ذلك، ويجعل الذنب فيه لأهل البلد، فأرسل الخليفة إلى بدر الحمّاميّ يأمره أن يسير بنفسه إلى قتال كثير، فتجهّز بدر، فلمّا سمع كثير ذلك خاف، فأرسل يطلب المقاطعة على مال يحمله كل سنة، فأُجيب إلى ذلك، وقوطع على خمسمائة ألف درهم، وقُرّرت البلاد عليه.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في الصيف، خافت العامّة ببغداد من حيوان كانوا يسمّونه الزبزب، ويقولون إنّهم يرونه في الليل على سطوحهم، وإنّه يأكل أطفالهم، وربّما عضّ يد الرجل وثَدْيَ المرأة فقطعهما وهرب بهما، فكان الناس يتحارسون، ويتزاعقون، ويضربون بالطشوت والصوانيّ وغيرها ليفزعوه، فارتجَّتْ بغداد لذلك. ثم إنّ أصحاب السلطان صادوا ليلة حيواناً أبلق بسواد، قصير اليدين والرجلين، فقالوا: هذا هو الزبزب، وصلبوه على الجسر، فسكن الناس، وهذه دابّة تسمّى طبرة، وأصحاب اللصوص حاجتهم لاشتغال الناس عنهم.
وفيها توفّي الناصر العلويُّ، صاحب طَبَرِسْتان، في شعبان وعمره تسع وسبعون سنة، وبقيت طبرستان في أيدي العلويّة إلى أن قُتل الداعي، وهو الحسن بن القاسم، سنة ستّ عشرة وثلاثمائة على ما نذكره.
وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمّد المادرائيُّ على المقتدر بالله بكرمان، وكان يتولّى الخراج، وسار منها إلى شيراز يريد التغلّب على فارس، فخرج إله بدر الحمّاميُّ فحاربه وقتله، وحُمل رأسه إلى بغداد وطيف به.
وفيها سار مؤنس المظفَّر إلى بلاد الروم لغزاة الصائفة، فلمّا صار بالموصل قلّد سُبُك المفلحي بازَبْدَى وقَرْدَى، وقلّد عثمانَ العنزيَّ مدينة بلد، وباعيناثا، وسنجار، وقلّد وصيفاً البكتمريَّ باقي بلاد ربيعة، وسار مؤنس إلى مَلَطْية وغزا فيها، وكتب إلى أبي القاسم عليّ بن أحمد ابن بِسطام أن يغزو من طَرَسُوس في أهلها، ففعل.
وفتح مؤنس حصوناً كثيرة من الروم، وأثر آثاراً جميلة، وعتب عليه أهل الثغور وقالوا: لو شاء لفعل أكثر من هذا؛ وعاد إلى بغداد، فأكرمه الخليفة وخلع عليه.
وفيها توفّي يَمُوتُ بن المزرّع العبديُّ، وهو ابن أخت الجاحظ، وسليمان بن محمّد بن أحمد أبو موسى النحويُّ المعروف بالحامض أخذ العلم عن ثعلب، وكانت وفاته في ذي الحجّة، وكان من أصحاب ثعلب، ويوسف ابن الحسين بن عليّ، أبو يعقوب الرازيّ، وهو من أصحاب ذي النون المصريّ، وهو صاحب قصّة الفأرة معه.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرّم، وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء، فأُكرما إكراماً كثيراً، وأُدخلا على الوزير وهو في أكمل أُبّهة، وقد صفّ الأجناد بالسلاح والزينة التامّة، وأدّيا الرسالة إليه؛ ثمّ إنّهما دخلا على المقتدر، وقد جلس لهما، واصطفّ الأجناد بالسلاح والزينة التامّة، وأدّيا الرسالة، فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، وسيّر مؤنساً الخادم ليحضر الفداء، وجعله أميراً على كلّ بلد يدخله يتصرّف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وسيّر معه جمعاً من الجنود، وأطلق لهم أرزاقاً واسعة، وأنفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسرى المسلمين، وسار مؤنس والرسل، وكان الفداء على يد مؤنس.
وفيها أُطلق أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان، وإخوته، وأهل بيته من الحبس، وكانوا محبوسين بدار الخليفة، وقد تقدّم ذكر حبسهم وسببه.
وفيها مات العبّاس بن عمرو الغنويُّ وكان متقلّداً أعمال الحرب بديار مضر، فجُعل مكانه وصيف البكتمريُّ، فلم يقدر على ضبط العمل، فعُزل، وجُعل مكانه جنّي الصفوانيُّ، فضبطه أحسن ضبط.

وفي هذه السنة كانت بالبصرة فتنة عظيمة، وسببها أنّه كان الحسن ابن الخليل بن رمال متقلّداً أعمال الحرب بالبصرة، وأقام بها سنين، وجرت بينه وبين العامّة من مضر وربيعة فتن كثيرة، وسكنت، ثمّ ثارت بينهم فتنة اتّصلت، فلم يمكنه الخروج من منزله برحبة بني نمر، واجتمع الجند كلّهم معه، وكان لا يوجد أحد منهم في طريق إلاّ قُتل، حتّى حوصرت، وغُوّرت القناة التي يجري فيها الماء إلى بني نُمير، فاضطّر إلى الركوب إلى المسجد الجامع، فقتل من العامّة خلقاً كثيراً.
فلمّا عجز عن إصلاحهم خرج هو ومعه الأعيان من أهل البصرة إلى واسط، فعُزل عنها، واستعمل أبو دلف هاشم بن محمّد الخزاعيُّ عليها فبقي نحو سنة وصُرف عنها، ووليها سُبُك المفلحيُّ نيابة عن شفيع المقتدريّ.
وفيها عُقد لثمال الخادم على الغزاة في بحر الروم، وسار.
وفيها غزا جنّي الصفوانيُّ بلاد الروم، فغنم ونهب وسبَى وعاد سالماً.
وفي هذه السنة مات أبو خليفة المحدّثُ البصريُّ.
وفيها، في جُمادى الأولى، مات أبو جعفر بن محمّد بن عثمان العسكريُّ المعروف بالسَّمّان، ويُعرف أيضاً بالعمريّ، رئيس الإماميّة، وكان يدّعي أنّه الباب إلى الإمام المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن الحسين بن روح.
وفي آخرها توفّي أحمد بن محمّد بن شُريح وكان عالماً بمذهب الشافعيَّ.
ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة
ذكر عزل ابن الفرات
ووزارة حامد بن العبّاس
في هذه السنة، في جُمادى الآخرة، قُبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات، وكانت مدّة وزارته هذه، وهي الثانية، سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً.
وكان سبب ذلك أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتجّ عليهم بضيق الأموال، وأنّها أُخرجت في محاربة ابن أبي الساج، وأنّ الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال الريّ وأعمالها، فشغب الجند شغباً عظيماً، وخرجوا إلى لمصلّى، والتمس ابن الفرات من المقتدر إطلاق مائتَيْ ألف دينار من بيت المال الخاص ليضيف إليها مائتَيْ ألف دينار يحصلها، ويصرف الجميع في أرزاق الجند، فاشتدّ ذلك على المقتدر، وأرسل إليه: إنّك ضمنتَ أنّك ترضي جميع الأجناد، وتقوم بجميع النفقات الراتبة على العادة الأولى وتحمل بعد ذلك ما ضمنت أنّك تحمله يوماً بيوم، فأراك تطلب من بيت المال الخاص؛ فاحتجّ بقلّة الارتفاع، وما أخذه ابن أبي الساج من الارتفاع وما خرج على محاربته؛ فلم يسمع المقتدر حجّته وتنكّر له عليه.
وقيل: كان سبب قبضة أنّ المقتدر قيل له: إنّ ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه، وإذا صار عنده اتّفقا عليك؛ ثمّ إنّ ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج، فقتل ابنَ حمدان في جمادى الأولى، وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة.
ثمّ إنّ بعض العُمّال ذكر لابن الفرات ما يتحصّل لحامد بن العبّاس من أعمال واسط زيادة على ضمانه، فاستكثره، وأمره أن يكاتبه بذلك، فكاتبه، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب بذلك المال، فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والدة المقتدر، وضمن لهما مالاً ليتحدّثا له في الوزارة، فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه، وكثرة أتباعه، وأنّه له أربع مائة مملوك يحملون السلاح؛ واتّفق ذلك عند نفرة المقتدر عن ابن الفرات، فأمره بالحضور من واسط، فحضر، وقبض على ابن الفرات وولده المحسن وأصحابهما وأتباعهما.
ولّما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيّام في دار الخليفة، فكان يتحدّث مع الناس، ويضاحكهم، ويقوم لهم، فبان للخدم ولأبي القاسم بن الحواريّ وحاشية الدار قلّة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه: يا مولانا ! الوزير يحتاج إلى لُبْسه، وجَلْسه، وعَبْسه؛ فقال له: تعني أن تلبس، وتقعد، فلا تقوم لأحد، ولا تضحك في وجه أحد، ولا تحدّث أحداً ؟ قال: نعم.
قال حامد: إنّ الله أعطاني وجهاً طلقاً، وخَلقاً حسناً، وما كنتُ بالذي أعبس وجهي، وأقبح خَلقي لأجل الوزارة؛ فعابوه عند المقتدر، ونسبوه إلى الجهل بأمور الوزارة، فأمر المقتدر بإطلاق عليّ بن عيسى من محبسه، وجعله يتولّى الدواوين شبه النائب عن حامد، فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه، ثمّ إنّه استبدّ بالأمر دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعليّ، حتّى قيل فيهما:
هذا وزيرٌ بلا سوادٍ ... وذا سوادٌ بلا وزير

ثمّ أنّ حامداً أحضر ابن الفرات ليقابله على أعماله، ووكّل بمناظرته عليَّ ابن أحمد المادرائي ليصحّح عليه الأموال، فلم يقدر على إثبات الحجّة عليه، فانتدب له حامد، وسبّه، ونال منه، وقام إليه فلكمه.
وكان حامد سفيهاً فقال له ابن الفرات: أنت على بساط السلطان، وفي دار المملكة، وليس هذا الموضع ممّا تعرفه من بَيْدَرٍ تقسمه، أو غلّة تستفضل في كيلها، ولا هو مثل أكار تشتمه؛ ثمّ قال لشفيع اللؤلؤيّ: قل لأمير المؤمنين عني أنّ حامداً إنّما حمله على الدخول في الوزارة، وليس من أهلها، إنّني أوجبت عليه أكثر من ألفَيّ ألف دينار من فضل ضمانه، وألححت في مطالبته بها، فظنّ أنّها تندفع عنه بدخوله في الوزارة، وأنه يضيف إليها غيرها، فاستشاط حامد، وبالغ في شتمه، فأنفذ المقتدر، فأقام ابن الفرات من مجلسه، وردّه إلى محبسه، وقال عليُّ بن عيسى، ونصر الحاجب لحامد: قد جنَيتَ علينا وعلى نفسك جناية عظيمة بما فعلتَه بابن الفرات، وأيقظت منه شيطاناً لا ينام.
ثمّ إنّ ابن الفرات صودر على مال عظيم، وضرب ولده المحسن وأصحابه، وأخذ منهم أموالاً جمة.
وفي هذه السنة عُزل نِزال عن شُرطة بغداد، وجُعل فيها نجح الطولونيُّ، وجُعل في الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشُّرطة بفتواهم، فضعفت هيبة السلطنة بذلك، وطمع اللصوص والعيّارون، وكثرت الفتن وكُبست دور التجار، وأُخذت بنات الناس في الطريق المنقطعة، وكثر المفسدون.
ذكر إرسال المهديّ العلويّ العساكر إلى مصر
وفي هذه السنة جهّز المهديُّ صاحب إفريقية جيشاً كثيفاً مع ابنه أبي القاسم، وسيّرهم إلى مصر، وهي المرّة الثانية، فوصل إلى الإِسكندريّة في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة، فخرج عامل المقتدر عنها، ودخلها القائم، ورحل إلى مصر، فدخل الجيزة، وملك الأشمونين وكثيراً من الصعيد، وكتب إلى أهل مكّة يدعوهم إلى الدخول في طاعته فلم يقبلوا منه.
ووردت بذلك الأخبار إلى بغداد، فبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في شعبان، وجدّ في السير فوصل إلى مصر، وكان بينه وبين القائم عدّة وقعات، ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم، فأرست بالإِسكندريّة، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكُتاميُّ، وكانا شجاعين، فأمر المقتدر بالله أنّ يسيّر مراكب طَرَسُوس إليهم، فسار خمسة وعشرون مركباً، وفيها النفط والعُدد، ومقدّمها أبو اليمن، فالتقت المراكب بالمراكب، واقتتلوا على رشيد، فظفر أصحاب مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيراً من مراكب إفريقية، وهلك أكثر أهلها، وأُسر منهم كثير، وفي الأسرى سليمان الخادم، ويعقوب، فقُتل من الأسرى كثير، وأُطلق كثير، ومات سليمان في الحبس بمصر، وحُمل يعقوب إلى بغداد، ثمّ هرب منها وعاد إلى أفريقية.
وأمّا عسكر القائم فكان بينه وبين مؤنس وقعات كثيرة، وكان الظفر لمؤنس فلُقّب حينئذ بالمظفَّر.
ووقع الوباء في عسكر القائم، والغلاء، فمات منهم كثير من الناس والخيل، فعاد من سلم إلى إفريقية. وسار عسكر مصر في أثرهم، حتّى أبعدوا، فوصل القائم إلى المهديّة في رجب من السنة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا بشر الأفشينيُّ بلاد الروم، فافتتح عدّة حصون، وغنم، وسلم؛ وغزا ثمل في بحر الروم، فغنم، وسبى، وعاد؛ وكان على الموصل أبو أحمد بن حماد الموصليُّ.
وفيها دخل جنّيّ الصفوانيُّ بلاد الروم، فنهب، وخرّب، وأحرق، وفتح وعاد، فقرئت الكتب على المنابر ببغداد بذلك.
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين العامّة والحنابلة، فأخذ الخليفة جماعة منهم وسيّرهم إلى البصرة فحُبسوا.
وفيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان، فبُني، وأُجري عليه النفقات الكثيرة، وكان يسمّى البيمارستان المقتدريّ.
وفيها توفّي القاضي محمّد بن خلف بن حيّان أبو بكر الضَّبّيُّ المعروف بوكيع، وكان عالماً بأخبار الناس وغيرها، وله تصانيف حسنة؛ والقاضي أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج الفقيه الشافعيُّ وله سبع وخمسون سنة.
وفيها مات كُنَيْز المغنّي، وهو مشهور بالحذق في الغناء. كُنيز بضمّ الكاف وفتح النون وآخرها زاي.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائةفي هذه السنة ضمن حامد بن العبّاس أعمال الخراج، والضياع الخاصّة، والعامّة، والمستحدثة، والفراتيّة بسواد بغداد، والكوفة، وواسط، والبصرة، والأهواز، وأصبهان.

وسبب ذلك أنّه لمّا رأى أنّه قد تعطّل عن الأمر والنهب وتفرّد به عليُّ ابن عيسى شرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي، واستأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ليدبّر أمر ضمانه الأوّل، فأذن له في ذلك، فانحدر إليها واسم الوزارة عليه، وعليُّ بن عيسى يدبّر الأمور، وأظهر حامد زيادة ظاهرة في الأموال، وزاد زيادة متوفّرة، فسُرّ المقتدر بذلك، وبسط يد حامد في الأعمال، حتّى خافه عليُّ بن عيسى.
ثمّ إنّ السعر تحرّك ببغداد، فثارت العامّة والخاصّة لذلك، واستغاثوا، وكسروا المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القوّاد، ونُهبت عدّة من دكاكين الدقّاقين، فأمر المقتدر بإحضار حامد بن العبّاس، فحضر من الأهواز، فعاد الناس إلى شغبهم، فأنفذ حامد لمنعهم، فقاتلوهم، وأحرقوا الجسرين، وأخرجوا المحبَّسين من السجون، ونهبوا دار صاحب الشُّرطة، ولم يتركوا له شيئاً، فأنفذ المقتدر جيشاً مع غريب الخال، فقاتل العامّة، فهربوا من بين يديه، ودخلوا الجامع بباب الطاق، فوكّل بأبواب الجامع، وأخذ كلّ من فيه فحبسهم، وضرب بعضهم،، وقطع أيدي من يُعرف بالفساد.
ثمّ أمر المقتدرُ من الغد، فنودي في الناس بالأمان، فسكنت الفتنة، ثمّ إنّ حامداً ركب إلى دار المقتدر في الطيّار، فرجمه العامّة، ثمّ أمر المقتدرُ بتسكينهم فسكنوا، وأمر المقتدرُ بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد، ولأمّ المقتدر، وغيرهما، وبيع ما فيها، فرخصت الأسعار، وسكن الناس، فقال عليُّ بن عيسى للمقتدر: إنّ سبب غلاء الأسعار إنما هو ضمان حامد لأنّه منع من بيع الغلال في البيادر وخزنها، فأمر بفسخ الضمان عن حامد، وصرف عُمّاله عن السواد، وأمر عليَّ بن عيسى أن يتولّى ذلك، فسكن الناس واطمأنّوا؛ وكان أصحاب حامد يقولون إنّ ذلك الشغب كان بوضع من عليّ بن عيسى.
ذكر أمر أحمد بن سهلفي هذه السنة ظفر الأمير نصر بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر بأحمد بن سهل، ونحن نذكر حاله من أوّله.
كان أحمد بن سهل هذا من كبار قوّاد الأمير إسماعيل بن أحمد، وولده أحمد بن إسماعيل، وولده نصر بن أحمد، وقد تقدّم من ذكر تقدُّمه على الجيوش في الحروب ما يدلّ على علوّ منزلته.
وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن جبَلة بن كامكار بن يزدجرد ابن شهريار الملك، وكان كامكار دهقاناً بنواحي مرو، وإليه يُنسب الورد الكامكاريُّ، وهو الشديد الحمرة، وهو الذي يسمّى بالرَّيّ القصرانيّ، وبالعراق والجزيرة والشام الجُوريّ، يُنسب إلى قصران، وهي قرية بالرَّيّ، وإلى مدينة جور، وهي من مدن فارس.
وكان لأحمد إخوة يقال لهم محمّد، والفضل، والحسين، قُتلوا في عصبية العرب والعجم بمَرو، وكان أحمد خليفة عمرو بن الليث على مَرو، فقبض عليه عمرو، ونقله إلى سِجِسْتان، فحبسه بها، فرأى وهو في السجن كأنّ يوسف النبيّ، عليه السلام، على باب السجن، فقال له: ادعُ الله أن يخلّصني ويولّيني ! فقال له: قد أذن الله في خلاصك، لكنّك لا تلي عملاً برأسك.
ثمّ إنّ أحمد طلب الحمّام فأُدخل إليه، فأخذ النورة فطلى بها رأسه ولحيته فسقط شعره، وخرج من الحمّام ولم يعرفه أحد، فاختفى، فطلبه عمرو فلم يظفر به، ثمّ خرج من سِجِسْتان نحو مرو، فقبض على خليفة عمرو واستولى عليها، واستأمن إلى إسماعيل بن أحمد بخارى، فأكرمه، وقدّمه، ورفع قدره، وكان عاقلاً كتوماً لأسراره.
فلمّا عصى الحسين بن عليّ سيّر إليه أحمد، فظفر به على ما ذكرناه، وضمن له الأمير نصر أشياء لم يفِ له بها، فاستوحش من ذلك، فأتاه يوماً بعض أصحاب أبي جعفر صعلوك، فحادثه، فأنشده أحمد بن سهل، وقد ذكر حاله، وأنّهم لم يفوا له بما وعدوه:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتَني ... يميَنك، فانظر أيّ كفّيْك تُبدلُ
وفي الناس أن رثّت حبالُك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار العُلى متحوَّلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاك وجدتَه ... على طرَف الهِجران إن كان يعقِلُ
وتركبُ حدّ السيفِ من أن تُضيمَه ... إذا لم يكن عن شَفرَةِ السيفِ مرحلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشيء لم تكدْ ... إليه بوجهٍ، آخرَ الدهرِ، تُقُبِلُ

قال: فعلمت أنّه قد أضمر المخالفة، فلم تمض إلا أيّام حتّى خالفه بنَيسابور واستولى عليها وأسقط خطبة السعيد نصر بن أحمد، وأنفذ رسولاً إلى بغداد يخطب له أعمال خُراسان.
وسار من نَيسابور إلى جُرجان وبها قراتكين، فحاربه، واستولى عليها، وأخرج قراتكين عنها، ثمّ عاد إلى خُراسان، وقصد مرو فاستولى عليها، وبنى عليها سوراً وتحصّن بها، فأرسل إليه السعيد نصر الجيوش مع حموية بن عليّ من بخارى، فوافى مرو الرُّوذ، فأقام بنواحيها ليخرج إليه أحمد بن سهل منها، فلم يفعل.
ودخل بعض أصحاب أحمد عليه يوماً، وهو يفكر بعد نزول حموية عليه، فقال له صاحبه: لا شكّ أنّ الأمير مشغول القلب لهذا الخطب، فما هو رأي الأمير ؟ فقال: ليس بي ما تظنّ، ولكن ذكرتُ رؤيا رأيتُها في حبس سِجِسْتان، وذكر قول يوسف الصِّدِّيق، عليه السلام: إنّك لا تلي عملاً برأسك. قال: فقلت له: إنّ القوم يغتنمون سلمك، ويعطونك ما تريد، فإن رأيت أن يتوسّط الحال فعلنا؛ فأنشد:
سأغسلُ عنّي العارَ بالسيفِ جالباً ... عليَّ قضاءُ الله ما كانَ جالبا
ولّما رأى حموية أنّه لا يخرج إليه من مرو عمل الحيلة في ذلك، فجعل يقول: قد أدخلتُ ابن سهل في جحر فأرٍ، وسددتُ عليه وجوه الفرار؛ وأشباه هذا من الكلام ليغضب أحمد فيخرج، فلم يفعل ذلك، فحينئذ أمر حموية جماعة من ثقات قوّاده، فكاتبوا أحمد بن سهل سرّاً، وأظهروا له الميل، ودعوه إلى الخروج من مَرْو ليسلّموا إليه حموية، فأجابهم إلى ذلك، لما في نفسه من الغيظ على حموية، فخرج عن مَرْو نحو حموية، فالتقوا على مرحلة من مرو الرُّوذ في رجب سنة سبع وثلاثمائة، فانهزم أصحاب أحمد، وحارب هو إلى أن عجزت دابّته، فنزل عنها واستأمن، فأخذوه أسيراً، وأنفذوه إلى بخارى، فمات بها في الحبس في ذي الحجّة من سنة سبع وثلاثمائة.
وكان الأمير احمد بن إسماعيل بن أحمد يقول: لا ينبغي لأحمد بن سهل أن يغيب عن باب السلطان، فإنّه أن غاب عنه أثار شغلاً عظيماً، كأنّه كان يتوسّم فيه ما فعل، فهكذا ينبغي أن تكون فراسة الملك.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة وقع حريق بالكرخ من بغداد، فاحترق فيه كثير من الدور والناس.
وفيها قُلّد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وقُلّد بنّيّ بن نفسي شهرزور، فامتنعت عليه، فاستمدّ المقتدر، فسيّر إليه جيشاً، فحصرها ولم يفتحها، وقُلّد القتال بالموصل وأعمالها.
وفيها أوقع ثمل متولِّي الغزو في البحر بمراكب للمهديّ العلويّ، صاحب إفريقية، وقتل جماعة ممّن فيها، وأسر خادماً له.
وفيها انقضّ كوكب عظيم فاشتدّ ضوءُه وعظم، وتفرّق ثلاث فرق، وسمع عند انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم.
وفيها كانت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين الأساكفة، واحترق سوق الأساكفة وما فيه، وكان الوالي على الموصل وأعمالها العبّاس بن محمّد بن إسحاق بن كنداج، وكان خارجاً عن البلد، فسمع بالفتنة، فرجع ليوقع بأهل الموصل، فعزموا على قتاله، وحصنوا البلد، وسدّوا الدروب، فلمّا علم بذلك ترك قتالهم، وأمر الأعراب بتخريب الأعمال، فصاروا يقطعون الطريق على الجسر وفي الميدان، ويقاسمونه، فخرب البلد، فبلغ الخبر إلى الخليفة، فعزله سنة ثمان وثلاثمائة، واستعمل بعده عبدالله بن محمّد الفتّان، وكان عفيفاً، صارماً، كفّ الأعراب عن البلد.
وفيها توفّي أبو يعلى أحمد بن عليّ بن المُثنّى الموصليُّ، صاحب المسند بها.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائةفي هذه السنة خلع المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقُلّد طريق خُراسان والدِّيَنور، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا.
وفيها وصل رسول أخي صعلوك بالمال، والهدايا، والتُّحف، ويخبر باستمراره على الطاعة للمقتدر بالله.
وفيها توفّي إبراهيم بن حَمدان في المحرم.
وفيها قُلّد بدر الشرابيُّ دقوقا، وعُكْبَرا، وطريق الموصل.
وفيها توفّي إبراهيم بن محمّد بن سفيان صاحب مسلم بن الحجّاج، ومن طريقه يُروى صحيح مسلم إلى اليوم.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائةذكر قتل ليلى بن النُّعمان الديلميّ

في هذه السنة قُتل ليلى بن النُّعمان الديلميُّ، وكان ليلى هذا أحد قوّاد أولاد الأُطروش العلويّ، وكان إليه ولاية جُرجان، وكان قد استعمله عليها الحسن ابن القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة، وكان أولاد الأُطروش يكاتبونه: المؤيِّد لدين الله المنتصر لآل رسول الله، صلى الله علية وسلم، ليلى بن النُّعمان؛ وكان كريماً، بذّالاً للأموال، شجاعاً، مقداماً على الأهوال.
وسار من جُرجان إلى الدَّامغان، فحاربه أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد إلى جُرجان، فابتنى أهل الدَّامغان حصناً يَحميهم، وسار قراتكين إليه بجُرجان، فحاربه على نحو عشرة فراسخ من جُرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه بارس إلى ليلى ومعه ألف فارس، فأكرمه ليلى، وزوّجه أخته، واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت أحمد بن سهل، فأكرمه ليلى.
ثمّ إنّ الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان، فضاقت الأموال عليه، فسار نحو نَيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي، وتحريض أبي القاسم بن حفص، وكان بها قراتكين، فوردها في ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثمائة، وأقام بها الخطبة للداعي، وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حموية بن عليّ، فالتقوا بطوس، واقتتلوا، فانهزم أكثر أصحاب حموية بن عليّ حتّى بلغوا مَرْو، وثبت حموية، ومحمّد بن عبدالله البلغميُّ، وأبو جعفر صعلوك، وخوارزم شاه، وسيمجور الدواتيُّ فاقتتلوا، فانهزم بعض أصحاب ليلى، ومضى ليلى منهزماً، فدخل ليلى سكّة لم يكن له فيها مخرج، ولحقه بغرا فيها، فلم يقدر ليلى على الهرب، فنزل وتوارى في دار، فقبض عليه بغرا، وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك، فأنفذ من قطع رأس ليلى، ونصبه على رمح، فلمّا رآه أصحابه طلبوا الأمان فأُمّنُوا.
ثمّ قال حموية للجند: قد مكّنكم الله من شياطين الجيل والدَّيلم، فأبيدوهم واستريحوا منهم أبد الدهر؛ فلم يفعلوا، وحامى كلّ قائد جماعة، فخرج منهم من خرج بعد ذلك، وكان قتل ليلى في ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثمائة، وحُمل رأسه إلى بغداد، وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان.
وقيل إنّ حموية لمّا سار إلى قتال ليلى قيل له: أنّ ليلى يستبطئك في قصده، فقال: إنّي البس أحدَ خُفَّيّ للحرب العامَ، والآخر في العام المقبل؛ فبلغ قوله ليلى، فقال: لكنّي ألبس أحد خُفّيّ للحرب قاعداً، والثاني قائماً وراكباً، فلمّا قُتل قال حموية: هكذا مَن تعجّل إلى الحرب.
ذكر قتل الحسين الحلاّج
في هذه السنة قُتل الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ وأُحرق، وكان ابتداء حاله أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف، ويُظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسمّيها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه السلام، فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ، ويدّعي فيه الربوبيّة، ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى، وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومِن قائل إنّه مشعبذ، وممَخرق، وساحر كذّاب، ومتكهّن، والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.
وكان قدم من خُراسان إلى العراق وسار إلى مكّة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظلّ تحت سقف شتاءً ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له القوّام كوز ماء، وقرصاً، فيشربه، وبعض من القرص ثلاث عضّات من جوانبه، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى الغد آخر النهار.
وكان شيخ الصوفيّة يومئذ بمكّة عبدالله المغربيّ، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاّج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل أبي قُبَيس؛ فصعد إليه، فرآه على صخرة حافياً، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلّمه، فقال: هذا يتصبّر ويتقوّى على قضاء الله، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد.

وأمّا سبب قتله فإنّه نُقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد ابن العبّاس أنّه أحيا جماعة، وأنّه يحيي الموتى، وأنّ الجنّ يخدمونه، وأنّهم يُحضرون عنده ما يشتهي، وأنّه قد موّه على جماعة من حواشي الخليفة، وأنّ نصراً الحاجب قد مال إليه وغيره، فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلّم إليه الحلاّج وأصحابه، فدفع عنه نصر الحاجب، فألحّ الوزير، فأمر المقتدر بتسليمه إليه، فأخذه، وأُخذ معه إنسان يُعرف بالشمريّ، وغيره، قيل إنّهم يعتقدون أنّه إلهٌ، فقرّرهم، فاعترفوا أنّهم قد صحّ عندهم أنّه إلهٌ، وأنّه يحيي الموتى، وقابلوا الحلاّج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادّعي الربوبيّة، أبو النّبّوة، وإنّما أنا رجل أعبد الله، عزّ وجلّ! فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا جعفر بن البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء، إلاّ أن يصحّ عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول مَن يدّعي عليه ما ادعاه إلا ببيّنة إقرار.
وكان حامد يخرج الحلاّج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة.
وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجدّ في أمره، وجرى له معه قصص يطول شرحها، وفي آخرها أنّ الوزير رأى له كتاباً حكى فيه أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ، ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاجّ بمكّة، ثمّ يجمع ثلاثين يتيماً، ويعمل أجود طَعامٍ يمكنه، ويُطعمُهُم في ذلك البيت، ويَخدُمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، وأعطى كلّ واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمَنْ حجّ.
فلمّا قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاّج: من أين لك هذا ؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصريّ؛ قال له القاضي: كذبتَ يا حلالَ الدم ! قد سمعناه بمكّة وليس فيه هذا؛ فلمّا قال له: يا حَلالَ الدمِ، وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا؛ فدافعه أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس.
ولّما سمع الحلاّج ذلك قال: ما يحلّ لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السُّنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي ! وتفرّق الناس.
وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلّمه الوزير إلى صاحب الشّرطة، فضربه ألف سوط فما تأوّه، ثمّ قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثمّ رجله، ثمّ قُتل وأُحرق بالنار، فلمّا صار رماداً أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنّه لم يُقتل، وإنّما أُلقي شبه على دابّة، وإنّه يجيء بعد أربعين يوماً؛ وبعضهم يقول: لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان، وإنّه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلتُ.
ذكر عدّة حوادث
وفيها، في ربيع الأوّل، وقع حريق كبير في الكرخ، فاحترق فيه بشر كثير.
وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمّد بن نصر الحاجب، في جُمادى الأولى، وسار إلها فيه، فلمّا وصل إليها أوقع بمن خالفه من الأكراد المارانيّة، فقتل، وأسر، وأرسل إلى بغداد نيّفاً وثمانين أسيراً، فشُهروا.
وفيها قُلّد داود بن حمدان ديار ربيعة.
وفيها توفّي أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سهل بن عطاء الآدميُّ الصوفيُّ من كبار مشايخهم وعُمائهم، وأبو إسحاق إبراهيم بن هارون الحرّانيُّ الطبيب، وأبو محمّد عبدالله بن حمدون النديم.
ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة
ذكر حرب سيمجور
مع أبي الحسين بن العلوي
ّ
قد ذكرنا قتل ليلى بن النُّعمان، وأنّ جُرجان تخلّف بها بارس غلام قراتكين، فلمّا قُتل ليلى بن النُّعمان عاد قراتكين إلى جُرجان، فاستأمن إليه غلامه ارس، فقتله قراتكين، وانصرف عن جُرجان، وقدمها أبو الحسين ابن الحسن بن عليّ الأُطروش العلويّ، الملقّب والده بالناصر، وأقام بها، فأنفذ إليه السعيد نصر بن أحمد سيمجورَ الدواتيَّ في أربعة آلاف فارس، فنزل على فرسخين من جُرجان، وحاصر أبا الحسين نحو شهر من هذه السنة.

وخرج إليه أبو الحسين في ثمانية آلاف رجل من الدَّيلم، والجُرجانيّة، وصاحب جيشه سُرخاب بن وهسوذان ابن عمّ ما كان بن كالي الديلميّ، فتحاربا حرباً عظيمة، وكان سيمجور قد جعل كميناً من أصحابه، فأبطأوا عنه، فانهزم سيمجور، ووقع أصحاب أبي الحسين في عسكر سيمجور، واشتغلوا بالنهب والغارة، فخرج عليهم الكمين بعد الظفر، فقتلوا من الديلم والجُرجانيّة نحو أربعة آلاف رجل، وانهزم أبو الحسين، وركب في البحر ثمّ عاد إلى أسّتراباذ، واجتمع إليه فلّ أصحابه.
وكان سُرخاب قد تبع سيمجور في هزيمته، فلمّا عاد رأى أصحابه مقتّلين مشرّدين، فسار إلى استراباذ، واستصحب معه عيال أصحابه ومخلّفيهم، وأقام بها مع أبي الحسين بن الناصر، ثم سمع سيمجور بظفر أصحابه، فعاد إليهم، وأقام بجرجان، ثمّ اعتلّ سُرخاب ومات، ورجع ابن الناصر إلى سارية، واستخلف ما كانَ بن كالي على استراباذ، فاجتمع إليه الديلم، وقدّموه، وأمّروه على أنفسهم.
ثمّ سار محمّد بن عبيد الله البلغميُّ وسيمجور إلى باب استراباذ، وحاربوا ما كان بن كالي، فلمّا طال مقامهم اتّفقوا معه على أن يخرج عن استراباذ إلى سارية، وبذلوا له على هذا مالاً ليظهر للناس أنّهم قد افتتحوها، ثمّ ينصرفون عنها ويعود إليها، ففعل وسار إلى سارية، ثمّ رحلوا عن استراباذ إلى جُرجان، ثمّ إلى نَيسابور، وجعلوا بُغرا باستراباذ، فلمّا ساروا عنها عاد إليها ما كان بن إلى، ففارقها بغرا أليلأ جُرجان، وأساء السيرة في أهلها، وخرج إليه ما كان، فرجع بُغرا إلى نَيسابور، وأقام ما كان بجرجان؛ ونحن نذكر ابتداء حال ما كان، وننقلها عند قتله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أحمد بن أسد السامانيّ
ثمّ خرج إلياس بن إسحاق بن أحمد، المقدَّم ذكره أنّه خرج مع أبيه، وانهزم إلى فرغانة، فلمّا بلغ فرغانة أقام بها إلى أن خرج ثانياً، واستعان عند خروجه بمحمّد بن الحسين بن متّ، وجمع من الترك، فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد سَمَرْقَنْد مشاقّاً للسعيد نصر بن أحمد، فسيّر إليه نصر أبا عمرو محمّد بن أسد وغيره في ألفين وخمسمائة رجل، فكمنوا خارج سَمَرْقَنْد يوم ورود إلياس، فلمّا وردها، واشتغل هو ومَن معه بالنزول، خرج الكمين عليه من بين الشجر، ووضعوا السيوف فيهم، فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة، ووصل ابن متّ إلى اسبيجاب، ومنها إلى ناحية طراز، فكوتب دهقان الناحية التي نزلها، وأُطمع، وقَبض عليه، وقتلهن وأنفذ رأسه إلى بخارى.
وكان ابن متّ شجاعاً، وكان قد سخّر جمالاً عند خروجه، فجاء أصحابه يطلبونها منه، فقال: سأردّها عليكم ببغداد، يعني أنّه لا يردّ شيئاً من بغداد، ثقةً بكثرة جمعه وقوّته، فجاءت الأقدار بما لم يكن في الحسا.
ثمّ عاد إلياس فخرج مرّة ثالثة، وأعانه أبو الفضل بن أبي يوسف، صاحب الشاش، فسيّر إليه محمّد بن ألِيسَع، فحاربهم، فانهزم إلياس إلى كاشْغَر، وأُسر أبو الفضل، وحُمل إلى بخارى فمات بها.
وأمّا إلياس فصاهر دهقان كاشْغَر طغانتكين، واستقرّ بها، ثمّ وليَ محمّد بن المظفَّر فرغانة، فرجع إليها إلياس بن إسحاق معانداً، فحاربه محمّد ابن المظفَّر، فهزمه مرّة أخرى، فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمّد بن المظفّر، واستماله، ولطف به، فأمن إلياس إليهن وحضره إلى بخارى، فأكرمه السعيد، وصاهره، وأقام معه.
ذكر وفاة محمّد بن جرير الطبريّ
وفي هذه السنة توفّي محمّد بن جرير الطبريُّ، صاحب التاريخ، ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلاً بداره، لأنّ العامّة اجتمعت، ومنعت من دفنه نهاراً، وادعو عليه الرفض، ثمّ ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان عليٌّ بن عيسى يقولك والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، وهكذا ذكره ابن مِسكويه صاحب تجارب الأمم، وحُوشي ذلك الإمام عن مثل هذه الأشياء.
وأمّا ما ذكره عن تعصّب العامّة، فليس الأمر كذلك، وأنّما بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبَب، وهو أنّ الطبريّ جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حَنبَل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً، وإنّما كان محدّثاً، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا:

حَسدوا الفَتى إذ لم ينالوا سَعيّة ... فالناسُ أعداءٌ له وخُصومُ
كضرائرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها ... حسَداً وبَغياً إنّه لَدَمِيمُ
وقد ذكرت شيئاً من كلام الأئمّة في أبي جعفر يُعلم منه محلّه في العلم، والثقة، وحسن الاعتقاد، فمن ذلك ما قاله الإمام أبو بكر الخطيب، بعد أن ذكر مَن روى الطبريُّ عنه، ومَن روى عن الطبريّ، فقال: وكان أحد أئمّة العلماء يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقاويل الصحابة والتابعين، ومَن بعدّهم في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، خبيراً بأيّام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، والكتاب الذي في التفسير لم يصنّف مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وأخبار من أقاويل الفقهاء؛ وتفرّد بمسائل حُفظتْ عنه.
وقال أبو أحمد الحسين بن عليّ بن محمّد الرازيُّ: أوّل ما سألني الإمام أبو بكر بن خُزَيمة قال لي: كتبتَ عن محمّد بن جرير الطبريّ ؟ قلتُ: لا ! قال: لِمَ ؟ قلتك لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه؛ فقال: بئس ما فعلت ! ليتك لم تكتب عن كلّ مَن كتبت عنه؛ وسمعت عن أبي جعفر، وقال حسين: واسمه الحسين بن عليّ التميميُّ، عن ابن خُزَيمة نحو ما تقدم.
وقال ابن خُزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبريّ: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبي جعفر، ولقد ظلمتْه الحنابلة.
وقال أبو محمّد عبدالله بن أحمد الفرغانيُّ، بعد أن ذكر تصانيفه: وكان أبو جعفر ممّن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يعدل، في علمه وتبيانه، عن حقّ يلزمه لربّه للمسلمين، إلى باطل لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل، وحاسد، وملحد.
وأمّا أهل الدين والورع فغير منكرين علمه، وفضله، وزهده، وتركه الدنيا مع إقبالها عليه، وقناعته بما كان يرد عليه من قرية خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة؛ ومناقبه كثيرة لا يحتمل ها هنا أكثر من هذا.
ذكر عدة حوادثفيها أطلق المقتدر يوسفَ بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم وحُمل إليه، ودخل إلى المقتدر، وخلع عليه، ثمّ عقد له على الرّيّ، وقَزوين، وأبهر، وزنجان، وأذربيجان، وقرّر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة كلّ سنة إلى بيت المال سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد.
وخلع في هذا اليوم على وصيف البكتمريّ، وعلى طاهر ويعقوب ابنَيْ محمّد بن عمرو بن الليث.
وتجهّز يوسف، وضمّ إليه المقتدرُ بالله العساكر مع وصيف البكتمريّ، وسار عن بغداد في جمادى الآخرة إلى أذربيجان، وأمر أن يجعل طريقه على الموصل، وينظر في أمر ديار ربيعة، فقدم إلى الموصل، ونظر في الأعمال، وسار إلى أذربيجان، فرأى غلامه سُبُكاً قد مات.
وفيها قُلّد نازوك الشُّرطة ببغداد.
وفيها وصلت هدية إلى أبي زبور الحسين بن أحمد الماذرائي من مصر وفيها بغلة، ومعها فِلْوٌ يتبعها، ويرضع منها، وغلام طويل اللسان، ويلحق لسانه أرنبة أنفه.
وفيها قبض المقتدر على أمّ موسى القهرمانة، وكان سبب ذلك أنّها زوّجت ابنة أختها من أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان محسناً، له نعمة ظاهرة، ومروءة حسنة، وكان يرشّح للخلافة، فلمّا صاهرتْه أكثرت من النثار والدعوات، وخسّرت أموالاً جليلة، فتكلّم أعداؤها، وسعوا بها إلى المقتدر، وقالوا إنّها قد سعت لأبي العبّاس في الخلافة، وحلّفت له القوّاد؛ وكثر القول عليها، فقبض عليها، وأخذ منها أموالاً عظيمة وجواهر نفيسة. وفيها غزا المسلمون في البرّ والبحر، فغنموا وسلموا.
وفيها كان بالموصل شغب من العامّة، وقتلوا خليفة محمّد بن نصر الحاجب بها، فتجهّز العسكر من بغداد إلى الموصل.
وفيها، في جُمادى الآخرة، انقضّ كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج السنبلة، طوله نحو ذراعَينْ.
وفيها سار محمّد بن نصر الحاجب من الموصل إلى الغزاة على قَالِيقَلا، فغزا الروم من تلك الناحية، ودخل أهل طَرَسُوس ملَطْية، فظفروا، وبلغوا من بلاد الروم والظفر بهم ما لم يظنّوه وعادوا.

وفيها توفّي أبو عبد الله محمّد بن العبّاس بن محمّد بن أبي محمّد اليزيديُّ الأديب، أخذ العلم عن ثعلب والرياشيّ. وحج بالناس هذه السنة إسحاق عبد الملك الهاشمي.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
ذكر عزل حامد وولاية ابن الفرات
في هذه السنة، في ربيع الآخر، عزل المقتدرُ حامدَ بن العبّاس عن الوزارة، وعليَّ بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبي الحسين بن الفرات، وأعيد إلى الوزارة.
وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد، والحُرَم، والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم، فإنّ عليّ بن عيسى كان يؤخّرها، فإذا اجتمع عدّة شهور أعطاهم البعض، وأسقط البعض، وحطّ من أرزاق العمّال في كلّ سنة شهرَيْن، وغيرهم ممّن له رزق، فزادت عداوة الناس له.
وكان حامد بن العبّاس قد ضجر من المُقام ببغداد، وليس إليه من الأمر شيء غير لبس السواد، وأنف من طّراح عليّ بن عيسى بجانبه، فإنّه كان يُهينه في توقيعاته بالإطلاق عليه لضامنه بعض الأعمال، وكان يكتب: ليطلق جهبذ الوزير أعزّه الله، وليبادر نائب الوزير.
وكان إذا شكا إليه بعض نوّاب حامد يكتب على القصّة: إنّما عقد الضمان، على النائب الوزيريّ، عن الحقوق الواجبة السلطانيّة، فليتقدّم إلى عمّاله بكفّ الظلم عن الرعيّة. فاستأذن حامد، وسار إلى واسط لينظر في ضمانه، فأذن له، وجرى بين مفلح الأسود وبين حامد كلام، قال له حامد: لقد هممتُ أن أشتري مائة خادم أسود، وأسمّيهم مُفلحاً، وأهبهم لغلماني؛ فحقده مُفلح، وكان خصّيصاً بالمقتدر، فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة، وضمن أموالاً جليلة، وكتب على يد رقعة يقول: أن يُسلّم الوزير، وعليّ بن عيسى، وابن الحواريّ، وشفيع اللؤلؤيّ، ونصر الحاجب، وأمّ موسى القهرمانة، والمادرانيّون يستخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار.
وكان المحسن مطلقاً، وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواريّ كلّ سنة من المال، فاستكثره، فقبض على عليّ بن عيسى في ربيع الآخر، وسُلّم إلى زيدان القهرمانة، فحبسته في الحجرة التي كان ابن الفرات محبوساً فيها، وأُطلق ابن الفرات، وخُلع عليه، وتولّى الوزارة، وخُلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات.
وكان أبو عليّ بن مقلة قد سعى بابن الفرات، وكان يتقلّد بعض الأعمال أيّام حامد، فحضر عند ابن الفرات، وكان ابن الفرات هو الذي قدّم ابن مقلة، وربّاه، وأحسن إليه، ولّما قيل عنه إنّه سعى به لم يصدق ذلك، حنّى تكرّر ذلك منه.
ثمّ إنّ حامداً صعد من واسط، فسيّر إليه ابن الفرات من يقبض عليه في الطريق وعلى أصحابه، فقبض على بعض أصحابه، وسمع حامد فهرب واختفى ببغداد؛ ثمّ إنّ حامداً لبس زيّ راهب، وخرج من مكانه الذي اختفى فيه، ومشى إلى نصر الحاجب، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل عليه، وسأله إيصال حاله إلى الخليفة، فاستدعى نصر مفلحاً الخادم وقال: هذا يستأذن إلى الخليفة، إذا كان عند حرمه.
فلمّا حضر مُفلح فرأى حامداً قال: أهلاً بمولانا الوزير؛ أين مماليكك السودان الذين سمّيتَ كلّ واحد منهم مُفلحاً ؟ فسأله نصر أن لا يؤاخذه، وقال له: حامد يسأل أن يكون محبسه في دار الخليفة، ولا يُسلّم إلى ابن الفرات.

فدخل مُفلح، وقال ضدّ ما قيل له، فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، فأُرسل إليه، فحبسه في دار حسنة، وأجرى عليه من الطعام، والكسوة، والطيب، وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثمّ أحضره، وأحضر الفقهاء والعمّال، وناظره على ما وصل إليه من المال، وطالبه به، فأقرّ بجهات تقارب ألف ألف دينار وضمنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من المقتدر بخمسمائة ألف دينار، فسلّمه إليه، فعذّبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ما له بواسط، وأمرهم بأن يسقوه سمّاً، فسقوه سمّاً في بيض مشوي، وكان طلبه، فأصابه إسهال، فلمّا وصل إلى واسط أفرط الإغيام به، وكان قد تسلّمه محمّد بن علي البَزَوْفريُّ، فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أن ليس له في أمره صنع، فلمّا حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقوني سمّاً في بيض مشوي، فأنا أموت منه، وليس لمحمّد في أمري صنع، لكنّه قد أخذ قطعة من أموالي وأمتعتي، وجعل يحشوها في المَساور، وتباع المِسْوَرةُ في السوق بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم، ووضع عليها مَن يشتريها ويحملها إليه، فيكون فيها أمتعة تساوي ثلاثة آلاف دينار، فاشهدوا على ذلك.
وكان صاحب الخبر حاضراً، فكتب ذلك، وسيّره، وندم البزوفريُّ على ما فعل، ثمّ مات حامد في رمضان من هذه السنة، ثمّ صودر عليُّ بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار، فأخذه المحسن بن الفرات ليستوفي منه المال، فعذّبه وصفعه فلم يؤدّ إليه شيئاً.
وبلغ الخبر الوزير أبا الحسن بن الفرات، فأنكر على ابنه ذلك، لأنّ عليّاً كان محسناً إليهم أيّام ولايته، وكان قد أعطى المحسن، وقت نكبته، عشرة آلاف درهم، وأدّى عليُّ بن عيسى مال المصادرة، وسيّره ابن الفرات إلى مكّة وكتب إلى أمير مكّة لِيُسيّره إلى صنعاء، ثمّ قبض ابن الفرات على أبي عليّ بن مقلة، ثمّ أطلقه؛ وقبض على ابن الحواريّ، وكان خِصّيصاً بالمقتدر، وسلّمه إلى ابنه المحسن، فعذّبه عذاباً شديداً، وكان المحسن وقحاً، سيئ الأدب ظالماً، ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمّونه الخبيث بن الطيّب؛ وسيّر ابن الحواريّ إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال التي له، فضربه الموكَّل به حتّى مات.
وقبض أيضاً على الحسين بن أحمد، ومحمّد بن عليّ المادرانيّين، وكان الحسين قد تولّى مصر والشام، فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، ثمّ صادر جماعة من الكتّاب ونكبهم.
ثمّ إنّ ابن الفرات خوّف المقتدر من مؤنس الخادم، وأشار عليه بأن يسيّره عن الحضرة إلى الشام ليكون هنالك، فسمع قوله، وأمره بالمسير، وكان قد عاد من الغزاة، فسأل أن يقيم عدّة أيّام بقيت من شهر رمضان، فأُجيب إلى ذلك، وخرج في يوم شديد المطر.
وسبب ذلك أنّ مؤنساً لمّا قدم ذكر للمقتدر ما اعتمده ابن الفرات من مصادرات الناس، وما يفعله ابنه من تعذيبهم وضربهم، إلى غير ذلك من أعمالهم، فخافه ابن الفرات، فأبعده عن المقتدر،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 1:49 am

ومن محاسنه أنّه جرى ذكر أصحاب الأدب، وطلبة الحديث، وما هم عليه من الفقر والتعفّف، فقال: أنا أحقّ مَن أعانهم؛ وأطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم، وللشعراء عشرين ألف درهم، ولأصحاب الأدب عشرين ألف درهم، وللفقهاء عشرين ألف درهم، وللصوفيّة عشرين ألف درهم، فذلك مائة ألف درهم.
وكان إذا وليَ الوزارة ارتفعت أسعار الثلج، والشمع، والسكر، والقراطيس، لكثرة ما كان يستعملها ويخرج من داره للناس، ولم يكن فيه ما يعاب به إلاّ أن أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون، ويظلمون، فلا يمنعهم، فمن ذلك أنّ بعضهم ظلم امرأة في ملك لها، فكتبت إليه تشكو منه غير مرّة، وهو لا يردّ لها جواباً، فلقيته يوماً، وقالت له: أسألك بالله أن تسمع منيّ كلمة ! فوقف لها، فقالت: قد كتبتُ إليك في ظُلامتي غير مرّة، ولم تُجبني، وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعالى. فلمّا كان بعد أيّام، ورأى تغيّر حاله، قال لمن معه من أصحابه: ما أظن إلاّ جواب رقعة تلك المرأة المظلومة قد خرج؛ فكان كما قال.
ذكر دخول القرامطة الكوفةوفي هذه السنة دخل أبو طاهر القُرمطيُّ إلى الكوفة، وكان سبب ذلك أنّ أبا طاهر أطلقَ مَن كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحّجّاج، وفيهم ابن حمدان وغيره، وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من هَجَر يريد الحاجّ.
وكان جعفر بن ورقاء الشيبانيُّ متقلّداً أعمال الكوفة وطريق مكّة، فلمّا سار الحُجّاج من بغداد سار جعفر بين أيديهم خوفاً من أبي طاهر، ومعه ألف رجل من بني شيبان، وسار مع الحُجّاج من أصحاب السلطان ثَمل صاحب البحر، وجنّيّ الصفوانيُّ، وطريف السبكريُّ وغيرهم، في ستّة آلاف رجل، فلقي أبو طاهر القُرمطيُّ جعفراً الشيبانيَّ، فقاتله جعفر.
فبينما هو يقاتله إذ طلع جمع من القرامطة عن يمينه، فانهزم من بين أيديهم، فلقي القافلة الأولى وقد انحدرت من العقبة، فردّهم إلى الكوفة ومعهم عسكر الخلفية، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة، فقاتلهم، فانهزم عسكر الخليفة، وقتل منهم، وأسر جنّيّاً الصفوانيَّ، وهرب الباقون والحُجّاج من الكوفة، ودخلها أبو طاهر، وأقام ستّة أيّام بظاهر الكوفة يدخل البلد نهاراً فيقيم في الجامع إلى الليل، ثمّ يخرج يبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك، وعاد إلى هَجَر.
ودخل المنهزمون بغداد، فتقدّم المقتدر إلى مؤنس المظفَّر بالخروج إلى الكوفة، فسار إليها، فبلغها وقد عاد القرامطة عنها، فاستخلف عليها ياقوتاً، وسار مؤنس إلى واسط خوفاً عليها من أبي طاهر، وخاف أهل بغداد، وانتقل الناس إلى الجانب الشرقيّ؛ ولم يحجّ في هذه السنة من الناس أحد.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة خلع المقتدر على نُجح الطولونيّ، ووليّ أصبهان.
وفيها ورد رسول ملك الروم بهدايا كثيرة، ومعه أبو عمر بن عبد الباقي، فطلبا من المقتدر الهدنة وتقرير الفداء، فأجيبا إلى ذلك بعد غزاة الصائفة.
وفي هذه السنة خُلع على جنّيّ الصفوانيّ بعد عوده من ديار مصر.
وفيها استُعمل سعيد بن حمدان على المعاون والحرب بنهاوند.
وفيها دخل المسلمون بلاد الروم، فنهبوا، وسبوا، وعادوا.
وفيها ظهر عند الكوفة رجل ادّعى أنه محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وهو رئيس الإسماعيليّة، وجمع جمعاً عظيماً من الأعراب وأهل السواد، واستفحل أمره في شوّال، فسُيّر إليه جيش من بغداد، فقاتلوه، فظفروا به وانهزم، وقُتل كثير من أصحابه.
وفيها، في شهر ربيع الأوّل، توفّي محمّد بن نصر الحاجب، وقد كان استعمل على الموصل، وتقدّم ذلك.
وفيها توفّي شفيع اللؤلؤيُّ وكان على البريد وغيره من الأعمال، فوليَ ما كان عليه شفيع المقتدريُّ.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائةذكر عزل الخاقانيّ عن الوزارة
ووزارة الخصيبيّ
في هذه السنة، في شهر رمضان، عُزل أبو القاسم الخاقانيُّ عن وزارة الخليفة.

وكان سبب ذلك أنّ أبا العبّاس الخصيبيَّ علم بمكان امرأة المحسن بن الفرات، فسأل أن يتولّى النظر في أمرها، فأذن له المقتدر في ذلك، فاستخلص منها سبع مائة ألف دينار وحملها إلى المقتدر، فصار له معه حديث، فخافه الخاقانيُّ، فوضع مَن وقع عليه وسعى به، فلم يصغ المقتدر إلى ذلك، فلمّا علم الخصيبيُّ بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معايب الخاقانيّ وابنه عبد الوهّاب وعجزهما، وضياع الأموال، وطمع العمّال.
ثمّ إنّ الخاقانيَّ مرض مرضاً شديداً، وطال به، فوقفت الأحوال، وطلب الجند أرزاقهم، وشغبوا، فأرسل المقتدر إليه في ذلك، فلم يقدر على شيء، فحينئذ عزله، واستوزر أبا العبّاس الخصيبيَّ وخلع عليه، وكان يكتب لأمّ المقتدر، فلمّا وزَر كتب لها بعده أبو يوسف عبد الرحمن بن محمّد، وكان قد تزهّد وترك عمل السلطان، ولبس الصوف والفوط، فلمّا أُسند إليه هذا العمل ترك ما كان عليه من الزهد، فسمّاه الناس المرتدّ.
فلمّا وليَ الخصيبيُّ أقرّ عليَّ بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام، فكان يتردّد من مكّة إليها في الأوقات، واستعمل العُمّال في الأعمال، واستعمل أبا جعفر محمّد بن القاسم الكرخيَّ بعد إن صادره بثمانية وخمسين ألف دينار على الإشراف على الموصل وديار ربيعة.
ذكر ما فتحه أهل صقلّية
في هذه السنة سار جيش صِقلّية مع أميرهم سالم بن راشد وأرسل إليهم المهديُّ جيشاً من إفريقية، فسار إلى أرض انكبردة، ففتحوا غيران وأبرجة، وغنموا غنائم كثيرة، وعاد جيش صقلّية، وساروا إلى أرض قِلَّوريَة، وقصدوا مدينة طارنت، فحصروها وفتحوها بالسيف في شهر رمضان ووصلوا إلى مدينة أدرنت، فحصروها، وخرّبوا منازلها، فأصاب المسلمين مرض شديد كبير، فعادوا، ولم يزل أهل صقلّية يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلّية، وقِلّوريَة، وينهبون ويخربون.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة فتح إبراهيم المِسْمعيُّ ناحية القُفص، وهي من حدود كَرْمان، وأسر منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس وباعهم.
وفيها كثرت الأرطاب ببغداد، حتّى عملوا منها التمور، وحُملت إلى واسط والبصرة، فنُسب أهل بغداد إلى البغي.
وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه، فإن فعلوا، وإلاّ قصدهم فقتل الرجال، وسبى الذريّة، وقال: إنّني صحّ عندي صعف ولاتكم؛ فلم يفعلوا ذلك، فسار إليهم، وأخرب البلاد، ودخل مَلَطْيَة في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فأخربوها، وسبوا منها، ونهبوا، وأقام فيها ستة عشر يوماً.
وفيها اعترض القرامطة الحاجَّ بزبالة فقاتلهم أصحاب الخليفة، فانهزموا، ووضع القرامطة على الحاجّ قطيعة، فأخذوها، وكفوا عنهم، فساروا إلى مكّة.
وفيها انقضّ كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد، وضوء عظيم أضاءت له الدنيا.
وفيها توفّي محمّد بن محمّد بن سليمان الباغنديُّ في ذي الحجّة، وهو من حفّاظ المحدّثين، وأبو العبّاس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السرّاج النَّيسابوريُّ وعمره تسع وتسعون سنة، وكان من العلماء الصالحين، وعبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البَغَويُّ، توفّي ليلة الفِطر، وكان عمره مائة سنة وسنتين، وهو ابن بنت أحمد بن منيع.
وفيها توفّي عليُّ بن محمّد بن بشّار أبو الحسن الزاهد.
ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة
ذكر مسير ابن أبي الساج إلى واسط
وفي هذه السنة قلّد المقتدرُ يوسفَ بن أبي الساج نواحي المشرق، وأذن له في أخذ أموالها وصرفها إلى قوّاده وأجناده، وأمره بالقدوم إلى بغداد من أذربيجان، والمسير إلى واسط، ليسير إلى هَجَر لمحاربة أبي طاهر القُرمطيّ، فسار إلى واسط، وكان بها مؤنس المظفَّر، فلمّا قاربها يوسف صعد مؤنس إلى بغداد ليقيم بها، وجعل له أموال الخراج بنواحي هَمذان، وساوةَ، وقُمّ، وقَاشان، وماه البَصرة، وماه الكوفة، وماسَبَذان، لينفقها على مائدته، ويستعين بذلك على محاربة القرامطة؛ وكان هذا كلّه من تدبير الخصيبيّ.
ذكر الحرب بين عبد الله بن حَمدان والأكراد والعرب

وفي هذه السنة أفسد الأكراد والعرب بأرض الموصل وطريق خُراسان، وكان عبد الله بن حَمدان يتولّى الجميع وهو ببغداد، وابنه ناصر الدولة بالموصل، فكتب إليه أبوه يأمره بجمع الرجال، والانحدار إلى تكريت، ففعل وسار إليها، فوصل إليها في رمضان، واجتمع بأبيه، وأحضر العرب، وطالبهم بما أحدثوا في عمله بعد أن قتل منهم، ونكّل ببعضهم، فردّوا على الناس شيئاً كثيراً، ورحل بهم إلى شَهرزور، فوطئ الأكراد الجلالّية فقاتلهم، وانضاف إليهم غيرهم، فاشتدّت شوكتهم، ثمّ إنّهم انقادوا إليه لّما رأوا قوّته، وكفّوا عن الفساد والشرّ.
ذكر عزل الخصيبيّ
ووزارة عليّ بن عيسى
في هذه السنة، في ذي القعدة، عزل المقتدر أبا العبّاس الخصيبيَّ عن الوزارة.
وكان سبب ذلك أنّ الخصيبيّ أضاف إضافة شديدة، ووقفت أمور السلطان لذلك، واضطرب أمر الخصيبيّ.
وكان حين وليَ الوزارة قد اشتغل بالشرب كلّ ليلة؛ وكان يصبحُ سكران لا قصد فيه لعمل وسماع حديث؛ وكان يترك الكتب الواردة الدواوين لا يقرأها إلاّ بعد مدة ويهمل الأجوبة عنها، فضاعت الأموال، وفاتت المصالح، ثمّ إنّه لضجره وتبرُّمه بها وبغيرها من الأشغال، وكَل الأمورَ إلى نوابه، وأهمل الاطلاع عليها، فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم.
فلمّا صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفَّر بعزله، وولاية عليّ ابن عيسى، فقَبض عليه، وكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحُبسوا، وأرسل المقتدر بالله بالغد إلى دمشق يستدعي عليَّ بن عيسى، وكان بها. وأمر المقتدر أبا القاسم عبيدالله بن محمّد الكلوذانيَّ بالنيابة عن عليّ ابن عيسى إلى أن يحضر، فسار عليُّ بن عيسى إلى بغداد، فقدمها أوائل سنة خمس عشرة، واشتغل بأمور الوزارة، ولازم النظر فيها، فمشت الأمور، واستقامت الأحوال.
وكان من أقوم الأسباب في ذلك أنّ الخصيبيّ كان قد اجتمع عند رقاع المصادرين، وكفالات مَن كفل منهم، وضمانات العمّال بما ضمنوا من المال بالسواد، والأهواز، وفارس، والمغرب، فنظر فيها عليٌّ، وأرسل في طلب تلك الأموال، فأقبلت إليه شيئاً بعد شيء، فأدّى الأرزاق، وأخرج العطاء، وأسقط من الجند مَن لا يحمل السلاح، ومن أولاد المرتزقة من هو في المهد، فإنّ آباءهم أثبتوا أسماءهم، ومن أرزاق المغنّين، والمساخرة، والندماء، والصفاعنة، وغيرهم، مثل الشيخ الهرم، ومن ليس له سلاح، فإنّه أسقطهم، وتولّى الأعمال بنفسه ليلاً ونهاراً، واستعمل العمّال في الولايات، واختار الكفاة.
وأمر المقتدر بالله بمناظرة أبي العبّاس الخصيبيّ، فأحضره، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتّاب وغيرهم، وكان عليٌّ وقوراً لا يسفه، فسأله عما صحّ من الأموال من الخراج، والنواحي، والأصقاع والمصادرات والمتكلّفين بها، ومن البواقي القديمة إلى غير ذلك، فقال: لا أعلمه.
وسأله عن الإخراجات، والواصل إلى المخزن، فقال: لا أعرفه؛ وقال له: لِمَ أحضرت يوسف بن أبي الساج، وسلّمت إليه أعمال المشرق، سوى أصبهان، وكيف تعتقد أنّه يقدر هو وأصحابه، وهم قد ألفوا البلاد الباردة الكثيرة المياه، على سلوك البرية القفراء، والصبر على حرّ بلاد الإحساء والقطيف، ولِمَ لَمْ تجعل معه منفقاً يخرج المال على الأجناد ؟ فقال: ظننتُ أنّه يقدر على قتال القرامطة، وامتنع من أن يكون معه منفق.
فقال له: كيف استجزتَ في الدين والمروءة ضرب حُرِمَ المصادَرين وتسليمهنّ إلى أصحابك، كامرأة ابن الفرات وغيره، فإن كانوا فعلوا ما لا يجوز ألستَ أنت السبب في ذلك ؟ ثمّ سأله عن الحاصل له، وعن إخراجاته، فخلّط في ذلك، فقال له: غرّرت بنفسك، وغرّرتَ بأمير المؤمنين، ألا قلت له إنّني لا أصلح للوزارة، فقد كان الفُرس، إذا أرادوا أن يستوزروا وزيراً، نظروا في تصرّفه لنفسه فإن وجدوه حازماً، ضابطاً، ولّوه، وإلاّ قالوا: من لا يحسن يدبّر نفسه فهو من غير ذلك أعجز، وتركوه؛ ثم أعاده إلى محبسه.
ذكر استيلاء السامانيّة على الرَّيّ

لّما استدعى المقتدرُ يوسفَ بن أبي الساج إلى واسط كتب إلى السعيد نصر ابن أحمد السامانيّ بولاية الرَّيّ، وأمره بقصدها، وأخذها من فاتك، غلام يوسف، فسار نصر بن أحمد إليها، أوائل سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فوصل إلى جبل قارن، فمنعه أبو نصر الطبريُّ من العبور، فأقام هناك، فراسله، وبذل له ثلاثين ألف دينار حتّى مكّنه من العبور، فسار حتّى قارب الرَّيّ، فخرج فاتك عنها، واستولى نصر بن أحمد عليها في جمادى الآخرة، وأقام بها شهرَيْن، وولّى عليها سيمجور الدواتيَّ وعاد عنها.
ثمّ استعمل عليها محمّد بن عليّ صعلوك، وسار نصر إلى بخارى، ودخل صعلوك الرَّيّ، فأقام بها إلى أوائل شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة فمرض، فكاتب الحسنَ الدَّاعي، وما كان بن كالي في القدوم عليه ليسلّم الريّ إليهما، فقدما عليه، فسلّم الريّ إليهما وسار عنها، فلّما بلغ الدامغان مات.
ذكر عدّة حوادث
وفي هذه السنة ضمن أبو الهيجاء عبدُ الله بن حمدان أعمال الخراج والضِّياع بالموصل، وقَرْدَى، وبازَبْدَى، وما يجري معها.
وفيها سار ثمل إلى عمله بالثغور، وكان في بغداد.
وفيها، في ربيع الآخر، خرجت الروم إلى مَلَطْية وما يليها مع الدُّمُسْتُق، ومعه مليح الأرمنيُّ صاحب الدُّروب، فنزلوا على مَلَطْية، وحصروها، فصبر أهلها، ففتح الروم أبواباً من الربض، فدخلوا، فقاتلهم أهله، وأخرجوهم منه، ولم يظفروا من المدينة بشيء، وخرّبوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الموتى، ومثلوا بهم، ورحلوا عنهم؛ وقصد أهل مَلَطْية بغداد مستغيثين، في جُمادى الأولى، فلم يعانوا، فعادوا بغير فائدة، وغزا أهل طَرَسُوس صائفة، فغنموا وعادوا.
وفيها جمدت دجلة عند الموصل من بلدَ إلى الحَدِيثة، حتّى عبر عليها الدّواب لشدّة البرد.
وفيها توفّي الوزر أبو القاسم الخاقانيُّ، وهرب ابنه عبد الوهّاب، ولم يحضر غسل أبيه ولا الصلاة عليه، وكان الوزير قد أُطلق من محبسه قبل موته.
وفيها توجّه أبو طاهر القُرمُطيُّ نحو مكّة،؛ فبلغ خبره إلى أهلها، فنقلوا حُرَمَهم وأموالهم إلى الطائف وغيره خوفاً منه.
وفيها كتب الكلوذانيُّ إلى الوزير الخصيبيّ، قبل عزله، بأنّ أبا طالب النُّوبَنْدَجَانيَّ قد صار يجري مجرى أصحاب الأطراف، وأنّه قد تغلّب على ضياع السلطان، واستغل منها جملة عظيمة، فصودر أبو طالب على مائة ألف دينار.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة
ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر ومؤنس
في هذه السنة هاجت الروم، وقصدوا الثغور، ودخلوا سُمَيساط، وغنموا جميع ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك، وضربوا في الجامع بالناقوس أوقاتَ الصلوات.
ثمّ إنّ المسلمين خرجوا في أثر الروم، وقاتلوهم، وغنموا منهم غنيمة عظيمة، فأمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفَّر، وخلع المقتدر عليه، في ربيع الآخر، ليسير، فلمّا لم يبق إلاّ الوداع امتنع مؤنس من دخول دار الخليفة للوداع، واستوحش من المقتدر بالله وظهر ذلك.
وكان سببه أنّ خادماً من خدّام المقتدر حكى لمؤنس أنّ المقتدر بالله أمر خواصّ خدمه أن يحفر واجُبّاً في دار الشجرة، ويغطوه ببُراية وتراب، وذكر أنّه يجلس فيه لوداع مؤنس، فإذا حضر وقاربها ألقاه الخدم فيها، وخنقوه، وأظهروه ميّتاً، فامتنع مؤنس من دخول دار الخليفة، وركب إليه جميع الأجناد، وفيهم عبدالله بن حَمدان وإخوته، وخلت دار الخليفة، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك إلى أن تنبت لك لحية، فوجّه إليه المقتدر رقعة بخطّة يحلف له على بطلان ما بلغه، فصرف مؤنس الجيش، وكتب الجواب أنه العبد المملوك، وأنّ الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه مَن يريد إيحاشه من مولاه، وأنّه ما استدعى الجند، وإنّما هم حضروا، وقد فرَّقهم.
ثمّ إنّ مؤنساً قصد دار المقتدر في جمع من القوّاد، ودخل غليه، وقبّل يده، وحلف المقتدر على صفاء نيّته له، وودّعه وسار إلى الثغر في العشر الآخر من ربيع الآخرة، وخرج لوداعه أبو العبّاس بن المقتدر، وهو الراضي بالله، والوزير عليُّ بن عيسى.
ذكر وصول القرامطة إلى العراق
وقتل يوسف بن أبي الساج

في هذه السنة وردت الأخبار بمسير أبي طاهر القُرامُطيّ من هَجَر نحو الكوفة، ثم وردت الأخبار من الصرة بأنّه اجتاز قريباً منهم نحو الكوفة. فكتب المقتدر إلى يوسف بن أبي الساج يعرّفه هذا الخبر، ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة، فسار إليها عن واسط، آخر شهر رمضان، وقد أعدّ له بالكوفة الأنزال له ولعسكره، فلمّا وصلها أبو طاهر الهجَريُّ هرب نوّاب السلطان عنها، واستولى عليها أبو طاهر، وعلى تلك الأنزال والعلوفات، وكان فيها مائة كرّ دقيقاً، وألف كرّ شعيراً، وكان قد فني ما معه من الميرة والعلوفة، فقووا بما أخذوه.
ووصل يوسف إلى الكوفة بعد وصول القُرمُطيّ بيوم واحد، فحال بينه وبينها، وكان وصوله يوم الجمعة ثامن شوّال، فلمّا وصل إليهم أرسل إليهم يدعوهم إلى طاعة المقتدر، فإن أبوا فموعدهم الحرب يوم الأحد؛ لا طاعة علينا إلاّ لله تعالى، والموعد بيننا للحرب بُكرة غد.
فلمّا كان الغد ابتدأ أوباش العسكر بالشتم ورمي الحجارة، ورأى يوسف قلّة القَرامطة، فاحتقرهم، وقال: إنّ هؤلاء الكلاب بعد ساعة في يدي ! وتقدّم بأن يكتب كتاب الفتح والبشارة بالظفر قبل اللقاء تهاوناً بهم.
وزحف الناس بعضهم إلى بعض، فسمع أبو طاهر أصوات البوقات والزعقات، فقال لصاحب له: ما هذا ؟ فقال: فشل ! قال: أجَلْ، لم يزد على هذا. فاقتتلوا من ضحوة النهار، يوم السبت، إلى غروب الشمس، وصبر الفريقان، فلمّا رأى أبو طاهر ذلك باشر الحرب بنفسه، ومعه جماعة يثق بهم، وحمل بهم، فطحن أصحاب يوسف، ودقّهم، فانهزموا بين يديه، وأسر يوسفَ وعدداً كثيراً من أصحابه، وكان أسره وقت المغرب، وحملوه إلى عسكرهم، ووكّل به أبو طاهر طبيباً يعالج جراحه.
وورد الخبر إلى بغداد بذلك، فخاف الخاصّ والعامّ من القرامطة خوفاً شديداً، وعزموا على الهرب إلى حُلوان وهَمَذان، ودخل المنهزمون بغداد، أكثرهم رجّالة، حفاة، عراة، فبرز مؤنس المظفَّر ليسير إلى الكوفة، فأتاهم الخبر بأنّ القرامطة قد ساروا إلى عين التمر، فأنفذ من بغداد خمس مائة سُمَيريّة فيها المقاتلة لتمنعهم من عبور الفرات، وسيّر جماعة من الجيش إلى الأنبار لحفظها، ومنع القرامطة من العبور هنالك.
ثمّ إنّ القرامطة قصدوا الأنبار، فقطع أهلها الجسر، ونزل القرامطة غرب الفرات، وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن، ولم يعلم أهل الأنبار بذلك، وعبر فيها ثلاثمائة رجل من القرامطة، فقاتلوا عسكر الخليفة، فهزموهم، وقتلوا منهم جماعة، واستولى القرامطة على مدينة الأنبار، وعقدوا الجسر، وعبر أبو طاهر جريدة وخلّف سواده بالجانب الغربيّ.
ولّما ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار، خرج نصر الحاجب في عسكر جرّار، فلحق بمؤنس المظفَّر، فاجتمعا في نيّف وأربعين ألف مقاتل، سوى الغلمان ومَن يريد النَّهب، وكان ممّن معه أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان، ومن إخوته أبو الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم، وساروا حتّى بلغوا نهر زبارا، على فرسخين من بغداد، عند عَقْرَقُوف، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القَنطرة التي عليه، فقطعوها، وسار أبو طاهر ومَن معه نحوهم، فبلغوا نهر زبارا، وفي أوائلهم رجل أسود، فما زال الأسود يدنو من القنطرة، والنشاب يأخذه، ولا يمتنع، حتّى أشرف عليها، فرآها مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ.
وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم لأن النهر لم يكن فيه مخاضة، ولّما أشرفوا على عسكر الخليفة هرب منهم خلق كثير إلى بغداد من غير أن يلقوهم، فلّما رأى ابن حَمدان ذلك قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم ؟ فوالله لو عبر القرامطة النهر لأنهزم كلّ مَن معك ولأخذوا بغداد؛ ولّما رأى القرامطة ذلك عادوا إلى الأنبار، وسيّر مؤنس المظفَّر صاحبَهُ بُليقاً، في ستّة آلاف مقاتل، إلى عسكر القرامطة، غربيّ الفرات، ليغنموه ويخلصوا ابن أبي الساج، فبلغوا إليهم، وقد عبر أبو طاهر الفرات في زورق صيّاد، وأعطاه ألف دينار، فلمّا رآه أصحابه قويت قلوبهم، ولّما أتاهم عسكر مؤنس كان أبو طاهر عندهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الخليفة.

ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج وهو قد خرج من الخيمة ينظر ويرجو الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج ! فلّما انهزموا أحضره وقتله، وقتل جميع الأسرى من أصحابه. وسلمت بغداد من نهب العيّارين، لأنّ نازوك كان يطوف هو وأصحابه ليلاً ونهاراً، ومَن وجدوه بعد العَتمة قتلوه، فامتنع العيّارون، واكترى كثير من أهل بغداد سفناً، ونقلوا إليها أموالهم، وربطوها لينحدروا إلى واسط، وفيهم مَن نقل متاعه إلى واسط إلى حُلوان ليسيروا إلى خُراسان. وكان عدّة القرامطة ألف رجل وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل، وقيل كانوا ألفَينْ وسبعمائة.
وقصد القرامطة مدينة هَيت، وكان المقتدر قد سيّر إليها سعيد بن حمدان، وهارون بن غريب، فلّما بلغها القرامطة رأوا عسكر الخليفة قد سبقهم، فقاتلوهم على السور، فقتلوا من القرامطة جماعة كثيرة، فعادوا عنها.
ولّما بلغ أهلَ بغداد عودهم من هَيت سكنت قلوبهم؛ ولّما علم المقتدر بعدّة عسكره وعسكر القرامطة قال: لعن الله نيّفاً وثمانين ألفاً يعجزون عن ألفين وسبعمائة.
وجاء إنسان إلى عليّ بن عيسى، وأخبره أنّ في جيرانه رجلاً من شِيراز على مذهب القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار، فأحضره، وسأله واعترف، وقال: ما صحبتُ أبا طاهر إلا لما صحّ عندي أنّه على الحقّ وأنت وصاحبك كفّار تأخذون ما ليس لكم، ولا بدّ لله من حجّة في أرضه، وإمامنا المهديُّ محمّد بن فلان بن فلان بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب، ولسنا كالرافضة والاثني عشريّة الذين يقولون بجهلهم إن لهم إماماً ينتظرونه، ويكذب بعضهم لبعض فيقول: قد رأيتُه وسمعتُه وهو يقرأ، ولا ينكرون بجهلهم وغباوتهم أنه لا يجوز أن يعطى من العمر ما يظنّونه، فقال له: قد خالطتَ عسكرنا وعرفتهم، فمن فيهم على مذهبك ؟ فقال: وأنت بهذا العقل تدبّر الوزارة، كيف تطمع مني أنّني أسلّم قوماً مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم ؟ لا أفعل ذلك. فأمر به فضرب ضرباً شديداً، ومُنع الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة أيّام.
وقد كان ابن أبي الساج قبل قتاله القرامطة قد قبض على وزيره محمّد ابن خلف النِّيرَمانيّ وجعل مكانه أبا عليّ الحسن بن هارون، وصادر محمّداً على خمسمائة ألف دينار، وكان سبب ذلك أنّ النِّيرَمانيَّ عظم شأنه، وكثر ماله، فحدّث نفسه بوزارة الخليفة، فكتب إلى نصر الحاجب يخطب الوزارة، ويسعى بابن أبي الساج، ويقول له: إنّه قُرمُطيٌّ يعتقد إمامة العلويّ الذي بإفريقية، وإنّني ناظرتُه على ذلك، فلم يرجع عنهن وإنّه لا يسير إلى قتال أبي طاهر القُرمُطيّ، وإنّما يأخذ المال بهذا السبب، ويقوى به على قصد حضرة السلطان، وإزالة الخلافة عن بني العبّاس؛ وطوّل في ذلك وعرّض.
وكان لمحمّد بن خلف أعداء قد أساء إليهم من أصحاب ابن أبي الساج فسعوا به، فأعلموا يوسفَ بن أبي الساج ذلك، وأروه كتباً جاءته من بغداد في المعنى من نصر الحاجب، وفيها رموز إلى قواعد قد تقدّمت وتقرّرت، وفيها الوعد له بالوزارة، وعزْل عليّ بن عيسى الوزير، فلمّا علم ذلك ابن أبي الساج قبض عليه، فلمّا أُسر ابن أبي الساج تخلّص من الحبس؛ وكان ابن أبي الساج يسمّى الشيخ الكريم لما جمع الله فيه من خلال الكمال والكرم.
ذكر استيلاء أسفار على جرجانفي هذه السنة استولى أسفار بن شيرويه الدّيلَميُّ على جُرجان، وكان ابتداء أمره أنّه كان من أصحاب ما كان بن كالي الديلميّ، وكان سيئ الخُلق والعِشْرة، فأخرجه ما كان من عسكره، فاتّصل ببكر بن محمّد بن ألِيسَعَ، وهو بنَيسابور، وخدمه، فسيّره بكر بن محمّد إلى جُرجان ليفتحها.

وكان ما كان بن كالي، ذلك الوقت، بطَبرِستان، وأخوه أبو الحسن بن كالي بجُرجان، وقد اعتقل أبا عليّ بن أبي الحسين الأطروش العلويّ عنده، فشرب أبو الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرّقهم، وبقي في بيت هو والعلويُّ، فقام إلى العلويُّ ليقتله، فظفر به العلويُّ وقتلهن وخرج من الدار واختفى، فلّما أصبح أرسل إلى جماعة من القوّاد يعرّفهم الحال، ففرحوا بقتل أبي الحسن بن كالي، وأخرجوا العلويَّ، وألبسوه القَلَنْسُوة وبايعوه، فأمسى أسيراً، وأصبح أميراً، وجعل مقدّم جيشه عليَّ بن خرشيد، ورضي به الجيش، وكاتبوا أسفار بن شيرويه، وعرّفوه الحال، واستقدموه إليهم، فاستأذن بكرَ بن محمّد وسار إلى جُرجان، واتّفق مع عليّ بن خرشيد، وضبطوا تلك الناحية، فسار إليهم ما كان بن كالي، من طبرستان، في جيشه، فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طَبَرستان، وأقاموا بها ومعهم العلويُّ، فلعب يوماً بالكرة، فسقط عن دابّته فمات.
ثمّ مات عليُّ بن خرشيد صاحب الجيش، وعاد ما كان بن كالي إلى أسفار، فحاربه، فانهزم أسفار منه، ورجع إلى بكر بن محمّد بن ألِيسَعَ، وهو بجُرجان، وأقام بها إلى أن توفّي بكر بها، فولاّها الأميرُ السعيد نصرُ بن أحمد أسفارَ بن شيرويه، وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وأرسل أسفار إلى مَرداويج بن زيار الجيليّ يستدعيه، فحضر عنده، وجعله أمير الجيش، وأحس إليه، وقصدوا طَبرستان واستولوا عليها.
ونحن نذكر حال ابتداء مرداويج وكيف تقلّبت به الأحوال.
ذكر الحرب بين المسلمين والرومفي هذه السنة خرجت سَرِيّة من طَرَسُوس إلى بلاد الروم، فوقع عليها العدوّ، فاقتتلوا فاستظهر الروم وأسروا من المسلمين أربعمائة رجل، فقُتلوا صبراً.
وفيها سار الدُّمُسْتُق في جيش عظيم من الروم إلى مدينة دَبيل، وفيها نصر السُّبُكيُّ في عسكر يحميها، وكان مع الدُّمُستُق دَبابات ومجانيق معه مِزراق يزرق بالنار عدّة اثنى عشر رجلاً، فلا يقر بين يديه أحد من شدّة ناره واتّصاله، فكان من أشدّ شيء على المسلمين.
وكان الرامي به، مباشرُ القتال من أشجعهم، فرماه رجل من المسلمين بسهم فقتله، وأراح الله المسلمين من شرّه.
وكان الدمستق يجلس على كرسي عالٍ يشرف على البلد وعلى عسكره، فأمرهم بالقتال على ما يراه، فصبر له أهل البلد، وهو ملازم القتال، حتى وصلوا إلى سور المدينة، فنقبوا فيه نقوباً كثيرة، ودخلوا المدينة، فقاتلهم أهلها ومَن فيها من العسكر قتالاً شديداً، فانتصر المسلمون، وأخرجوا الروم منها، وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل.
وفيها، في ذي القعدة، عاد ثمل إلى طَرَسُوس من الغزاة الصائفة سالماً هو ومَن معه فلقوا جمعاً كثيراً من الروم، فاقتتلوا فانتصر المسلمون عليهم وقتلوا من الروم كثيراً، وغنموا ما لا يحصى.
وكان من جملة ما غنموا أنّهم ذبحوا من الغنم في بلاد الروم ثلاثمائة ألف رأس، سوى ما سلم معهم، ولقيهم رجل يُعرف بابن الضحّاك، وهو من رؤساء الأكراد، وكان له حصن يُعرف بالجعفريّ، فارتدّ عن الإسلام وصار إلى ملك الروم فأجزل له العطية، وأمره بالعود إلى حصنه، فلقيه المسلمون، فقاتلوه، فأسروه، وقتلوا كلّ مَن معه.
ذكر مسير جيش المهديّ إلى المغرب
في هذه السنة سيّر المهديُّ العلويُّ، صاحب أفريقية، ابنه أبا القاسم من المهديّة إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، لسبب محمّد بن خرز، الزناتيّ، وذلك أنّه ظفر بعسكر من كُتامة، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فعظم ذلك على المهديّ، فسيّر ولده، فلمّا خرج تفرّق الأعداء، وسار حتّى وصل إلى ما وراء تاهَرت، فلّما عاد من سفرته هذه خطّ برُمحه في الأرض صفة مدينة وسمّاها المحمدّية، وهي المسيلة.
وكانت خطّته لبني كملان، فأخرجهم منها، ونقلهم إلى فَحص القَيروان، كالمتوقّع منهم أمراً، فلذلك أحبذ أن يكونوا قريباً منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجيّ، وانتقل خلق كثير إلى المحمّديّة، وأمر عاملها أن يُكثر من الطعام ويخزنه ويحتفظ به ففعل ذلك، فلم يزل مخزناً إلى أن خرج أبو يزيد ولقيه المنصور، ومن المحمّديّة كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها.
ذكر عدّة حوادث

في هذه السنة مات إبراهيم بن المسمعي من حمّى حادّة، وكان موته بالنُّوبَنْدَجان، فاستعمل المقتدر مكانه على فارس ياقوتاً، واستعمل عوضه على كَرْمان أبا طاهر محمّد بن عبد الصمد، وخلع عليهما.
وفيها شغب الفرسان ببغداد، وخرجوا إلى المصلّى، ونهبوا القصر المعروف بالثريا، وذبحوا ما كان فيه من الوحش، فخرج إليهم مؤنس، وضمن لهم أرزاقهم، فرجعوا إلى منازلهم.
وفيها ظفر عبد الرحمن بن محمّد بن عبدالله الناصر لدين الله الأمويُّ، صاحب الأندلس، بأهل طُليطُلة وكان قد حصرها مدّة لخلاف كان عليه فيها، فلّما ظفر بهم أخرب كثيراً من عماراتها وشعّثها، وكانت حينئذ دار إسلام.
وفيها قصد الأعراب سواد الكوفة فنهبوه خرّبوه، ودخلوا الحيرة فنهبوها، فسيّر إليهم الخليفة جيشاً فدفعوهم عن البلاد.
وفيها، في ربيع الأوّل، انقضّ كوكب عظيم، وصار له صوت شديد على ساعتين بقيتا من النهار.
وفيها، في جُمادى الآخرة، احترق كثير من الرُّصافة ووصيف الجوهريُّ ومُرَبّعة الخُرسي ببغداد.
وفيها توفّي أبو بكر محمّد بن السرّيّ، المعروف بابن السرّاج النحويَّ، صاحب كتاب الأصول في النحو وقيل توفّي سنة ست عشرة.
وفيها، في شعبان، توفّي أبو الحسن عليُّ بن سليمان الأخفش فجأة.
ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة
ذكر أخبار القرامطة
لّما سار القرامطة من الأنبار عاد مؤنس الخادم إلى بغداد، فدخلها ثالث المحرّم، وسار أبو طاهر القُرمُطيُّ إلى الدالية من طريق الفرات، فلم يجد فيها شيئاً، فقتل من أهلها جماعة، ثم سار إلى الرحبة، فدخلها ثامن المحرّم، بعد أن حاربه أهلها، فوضع فيهم السيف بعد أن ظفر بهم، فأمر مؤنس المظفَّر بالمسير إلى الرَّقّة، فسار إليها في صفر، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في ربيع الأوّل، ونزل بها، وأرسل أهل قَرقِيسيا يطلبون من أبي طاهر الأمان، فأمّنهم وأمرهم أ، لا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوه إلى ذلك.
وسيّر أبو طاهر سريّة إلى الأعراب بالجزيرة، فنهبوهم، وأخذوا أموالهم، فخافه الأعراب خوفاً شديداً وهربوا من بين يديه، وقرّر عليهم إتاوة على كلّ رأس دينار يحملونه إلى هَجَر، ثمّ أصعد أبو طاهر من الرَّحبة إلى الرَّقّة، فدخل أصحابه الربض وقتلوا منهم ثلاثين رجلاً، وأعان أهلُ الرّقّة أهلّ الربض، وقتلوا من القرامطة جماعة، فقاتلهم ثلاثة أيّام، ثمّ انصرفوا آخر ربيع الآخر.
وبثّت القرامطة سريّة إلى رأس عين، وكفر توثا، فطلب أهلها الأمان، فأمّنوهم، وساروا أيضاً إلى سنجار، فنهبوا الجبال، ونازلوا سِنجار، فطلب أهلها الأمان، فأمّنوهم.
وكان مؤنس قد وصل إلى الموصل، فبلغه قصد القرامطة إلى الرَّقّة فجدّ السير إليها، فسار أبو طاهر عنها، وعاد إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرّقّة بعد انصراف القرامطة عنها، ثمّ إنّ القرامطة ساروا إلى هَيت، وكان أهلها قد أحكموا سورها، فقاتلوه، فعاد عنهم إلى الكوفة؛ فبلغ الخبر إلى بغداد، فأُخرج هارون بن غريب، وبنّيّ بن نفيس ونصر الحاجب إليها، ووصلت خيل القُرمُطيّ إلى قصر ابن هُبَرة، فقتلوا منه جماعة.
ثمّ إنّ نصراً الحاجب حُمّ في طريقه حمّى حادّى، فتجلّد وسار، فلمّا قاربهم القُرمطيُّ لم يكن في نصر قوة على النهوض والمحاربة، فاستخلف أحمد بن كَيْغَلَغ، واشتدّ مرض نصر، وأمسك لسانه لشدّة مرضهن فردّوه إلى بغداد، فمات في الطريق أواخر شهر رمضان، فجُعل مكانه على الجيش هارون بن غريب، ورُتّب ابنه أحمد بن نصر في الحجبة للمقتدر مكان أبيه، فانصرف القرامطة إلى البرّية، وعاد هارون إلى بغداد في الجيش، فدخلها لثمان بقين من شوّال.
ذكر عزل عليّ بن عيسى
ووزارة أبي عليّ بن مقلة
في هذه السنة عُزل عليُّ بن عيسى عن وزارة الخليفة، ورُتّب فيها أبو عليّ بن مقلة.
وكان سبب ذلك أنّ عليّاً لّما رأى نقص الارتفاع، واختلال الأعمال بوزارة الخاقانيّ والخُصيبيّ، وزيادة النفقات، وأنّ الجند لّما عادوا من الأنبار زادهم المقتدر في أرزاقهم مائتَيْ ألف وأربعين ألف دينار في السنة، ورأى أيضاً كثرة النفقات للخدم والحُرَم، لا سيّما والدة المقتدر، هاله ذلك، وعظم عليه.

ثمّ إنّه رأى نصراً الحاجب يقصده، وينحرف عنه لميل مؤنس إليه، فإنّ نصراً كان يخالف مؤنساً في جميع ما يشير به، فلمّا تبينّ له ذلك استعفى من الوزارة، واحتجّ بالشيخوخة وقلّة النهضة، فأمره المقتدر بالصبر، وقال له: أنت عندي بمنزلة والدي المعتضد؛ فألحّ عليه في الاستعفاء، فشاور مؤنساً في ذلك، وأعلمه أنّه قد سُمّي للوزارة ثلاثة نفر: الفضل بن جعفر بن الفُرات الذي أمّه حيرانة، وأخته زوجة المحسن بن الفرات، وأبو عليّ بن مقلة، ومحمّد بن خلف النِّيرَمانيّ الذي كان وزير ابن أبي الساج؛ فقال مؤنس: أمّ الفضل فقد قتلنا عمّه الوزير أبا الحسن، وابن عمّه زوج أخته المحسن ابن الوزير، وصادرنا أخته فلا نأمنه؛ وأمّا ابن مقلة فحدَثٌ غِرٌ لا تجربَة له بالوزارة، ولا يصلح لها؛ وأمّا محمّد بن خلف فجاهل متهوّر لا يُحسن شيئاً، والصواب مداراة عليّ بن عيسى.
ثمّ لقي مؤنس عليَّ بن عيسى، وسكّنه، فقال عليٌّ: لو كنتَ مقيماً لاستعنتُ بك، ولكنّك سائرٌ إلى الرَّقّة ثمّ إلى الشام.
وبلغ الخبر أبا عليّ بن مقلة، فجدّ في السعي، وضمن على نفسه الضمانات، وشاور المقتدرُ نصراً الحاجب في هؤلاء الثلاثة، فقال: أمّا الفضل بن الفرات فلا يُدفع عن صناعة الكتابة، والمعرفة، والكفاية، ولكنّك بالأمس قتلتَ عمّه وابن عمّه وصهره، وصادرتَ اخته وأمّه؛ ثمّ إنّ بني الفرات يدينون بالرفض، ويُعرفون بولاء آل عليّ وولده، وأمّا أبو عليّ بن مقلة فلا هيبة له في قلوب الناس، ولا يُرجَع إلى كفاية، ولا تجربة، وأشار بمحمّد بن خلف لمودّة كانت بينهما، فنفر المقتدر من محمّد بن خلف لما علمه من جهله وتهوّره، وواصل ابن مقلة بالهديّة إلى نصر الحاجب، فأشار على المقتدر به، فاستوزره.
وكان ابن مقلة لّما قرب الهَجَريُّ من الأنبار قد أنفذ صاحباً له معه خمسون طائراً، وأمره بالمقام بالأنبار، وإرسال الأخبار إليه وقتاً بوقت، ففعل ذلك، فكانت الأخبار ترد من جهته إلى الخليفة على يد نصر الحاجب، فقال نصر: هذا فعله فيما لا يلزمه، فكيف يكون إذا اصطنعته ! فكان ذلك من أقوى الأسباب في وزارته.
وتقدّم المقتدر في منتصف ربيع الأوّل بالقبض على الوزير عليّ بن عيسى، وأخيه عبد الرحمن، وخلع على أبي عليّ بن مقلة، وتولّى الوزارة، وأعانه عليها أبو عبدالله البريديُّ لمودّة كانت بينهما.
ذكر ابتداء حال أبي عبد الله البريديّ وإخوته
لّما وليَ عليُّ بن عيسى الوزارة كان أبو عبد الله بن البريديّ قد ضمن الخاصّة، وكان أخوه أبو يوسف على سُرّق، فلمّا استعمل عليُّ بن عيسى العمّال، ورتّبهم في الأعمال، قال أبو عبد الله: تُقلِّد مثل هؤلاء على هذه الأعمال الجليلة، وتقتصر بي على ضمان الخاصّة بالأهواز، وبأخي أبي يوسف على سُرق ! لعن الله مَن يقنع بهذا منك، فإنّ لطبلي صوتاً سوف يُسْمع بعد أيّام.
فلمّا بلغه اضطراب أمر عليّ بن عيسى أرسل أخاه أبا الحسين إلى بغداد وأمره أن يخطب له أعمال الأهواز وما يجري معها إذا تجدّدت وزارة لمن يأخذ الرّشى، ويرتفق؛ فلمّا وزَر أبو عليّ بن مقلة بذل له عشرين ألف دينار على ذلك، فقلّد أبا عبد الله الأهواز جميعها، سوى السُّوس وجُنْدَيْسابور، وقلّد أخاه أبا الحسين الفراتيّة، وقلّد أخاهما أبا يوسف الخاصّة والأسافل، على أن يكون المال في ذمّة أبي أيّوب السمسار إلى أن يتصرّفوا في الأعمال.
وكتب أبو عليّ بن مقلة إلى أبي عبد الله في القبض على ابن أبي السلاسل، فسار بنفسه فقبض عليه بتُستَر، وأخذ منه عشرة آلاف دينار ولم يوصلها، وكان متهوّراً لا يفكّر في عاقبة أمر، وسيرد من أخبراه ما يُعلم به دهاؤه، ومكره، وقلّة دينه، وتهوّره.
ثمّ إنّ أبا عليّ بن مقلة جعل أبا محمّد الحسين بن أحمد الماذرائي مشرفاً على أبي عبدالله، فلم يلتفت إليه.
البريديُّ بالباء الموحدة والراء المهملة منسوب إلى البَريد، هكذا ذكره الأمي ابن ماكولا، وقد ذكره ابن مِسكويه بالياء المعجمة باثنتين من تحت، والزي، وقال: كان جدّه يخدم يزيد بن منصور الحميريّ، فنُسب إليه، والأوّل أصحّ، وما ذكرنا قول ابن مِسكويه إلاّ حتّى لا يظنّ ظانّ أنّنا لم نقف عليه، وأخطأنا الصواب.
ذكر من ظهر بسواد العراق من القرامطة

لّما كان من أمر أبي طاهر القُرمُطيّ ما ذكرناه، اجتمع من كان بالسواد ممّن يعتقد مذهب القرامطة فيكتم اعتقاده خوفاً، فأظهروا اعتقادهم، فاجتمع منهم بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف رجل، وولّوا أمرَهم رجلاً يُعرف بحُرَيث بن مسعود، واجتمع طائفة أخرى بعين التمر ونواحيها في جمع كثير، وولّوا أمرَهم إنساناً يسمّى عيسى بن موسى، وكانوا يدعون إلى المهديّ.
وسار عيسى إلى الكوفة، ونزل بظاهرها، وجبى الخراج، وصرف العمّال عن السواد.
وسار حُريث بن مسعود إلى أعمال الموفقي وبنى بها داراً سمّاها دار الهجرة، واستولى على تلك الناحية، فكانوا ينهبون، ويسبون، ويقتلون، وكان يتقلّد الحرب بواسط بنّيّ بن نفيس، فقاتلهم، فهزموه، فسيّر المقتدر بالله إلى حُريث ابن مسعود ومَن معه هارونَ بن غريب، وإلى عيسى بن موسى ومَن معه بالكوفة صافياً البصريَّ، فأوقع بهم هارون، وأوقع صافي بمن سار إليهم، فانهزمت القرامطة، وأُسر منهم كثير، وقُتل أكثر ممّن أُسر، وأُخذت أعلامهم، وكانت بيضاً، وعليها مكتوب: (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين) القصص:5 فأُدخلت بغداد منكوسة، واضمحل أمر من بالسواد منهم، وكفى الله الناس شرّهم.
ذكر الحرب بين نازوك وهارون بن غريبوفيها وقعت الفتنة بين نازوك، صاحب الشُّرطة، وهارون بن غريب.
وسبب ذلك أنّ ساسة دوابّ هارون بن غريب وساسة نازوك تغايروا على غلام أمرد، وتضاربوا بالعصى، فحبس نازوك ساسة دوابّ هارون، بعد أن ضربهم، فسار أصحاب هارون إلى محبس الشُّرطة، ووثبوا على نائب نازوك به، وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب نازوك، وشكا إلى المقتدر وقال: كلاكما عزيز عليّ ولست أدخل بينكما؛ فعاد وجمع رجاله، وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون، فأغلق بابه، وبقي بعض أصحابه خارج الدار، فقتل منهم أصحاب نازوك، وجرحوا، ففتح هارون الباب، وخرج أصحابه، فوضعوا السلاح في أصحاب نازوك فقتلوا منهم، وجرحوا، واشتبكت الحرب بينهم، فكفّ نازوك أصحابه.
وأرسل الخليفة إليهما ينكر عليهما ذلك، فكفّا، وسكنت الفتنة، واستوحش نازوك، واستدّل بذلك على تغيّر المقتدر، ثمّ ركب إليه هارون وصالحه، وخرج بأصحابه، ونزل بالبستان النجميّ ليبعد عن نازوك، فأكثر الناس الأراجيف وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء؛ فعظم ذلك على أصحاب مؤنس، وكتبوا إليه بذلك، وهو بالرَّقّة، فأسرع العود إلى بغداد فنزل بالشّمّاسيّة في أعلى بغداد، ولم يلق المقتدر، فصعد إليه الأمير أبو العبّاس ابن المقتدر، والوزير ابن مقلة، فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له، وعاد فاستشعر كلّ واحد من المقتدر ومؤنس من صاحبه، وأحضر المقتدر هارون ابن غريب، وهو ابن خاله، فجعله معه في داره، فلمّا علم مؤنس بذلك ازداد نفوراً واستيحاشاً، وأقبل أبو الهيجاء بن حَمدان من بلاد الجبل، فنزل عند مؤنس ومعه عسكر كبير، وصارت المراسلات بين الخليفة ومؤنس تتردّد، والأمراء يخرجون إلى مؤنس، وانقضت السنة وهم على ذلك.
ذكر قتل الحسن بن القاسم الداعيفي هذه السنة قُتل الحسن بن القاسم الداعي العلويُّ، وقد ذكرنا استيلاء أسفار بن شيرويه الدَّيلميّ على طَبَرِستان، ومعه مرداويج، فلمّا استولوا عليها كان الحسن بن القاسم بالرَّيّ، واستولى عليها، وأخرج منها أصحاب السعيد نصر بن أحمد، واستولى على قَزوين، وزنجان، وأبهر، وقُمّ، وكان معه ما كان بن كالي الديلميُّ، فسار نحو طَبَرستان، والتقوا هم وأسفار عند سارية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الحسن وما كان بن كالي، فلُحق الحسن فقُتل، وكان انهزام معظم أصحاب الحسن على تعمُّدٍ منهم للهزيمة.
وسبب ذلك أنّه كان يأمر أصحابه بالاستقامة، ومنعهم عن ظلم الرعبّية، وشرب الخمور، وكانوا يبغضونه لذلك، ثمّ اتّفقوا على أن يستقدموا هروسندان وهو أحد رؤساء الجيل، وكان خال مردوايج ووشمكير، ليقدّموه عليهم، ويقبضوا على الحسن الداعي، وينصِّبوا أبا الحسين بن الأطروش، ويخطبوا له.

وكان هروسندان مع أحمد الطويل بالدَّامَغان بعد موت صُعلوك، فوقف أحمد على ذلك، فكتب إلى الحسن الداعي يعلمه، فأخذ حذره، فلمّا قدم هروسندان لقيه مع القوّاد، وأخذهم إلى قصره بجرجان ليأكلوا طعاماً، ولم يعلموا أنّه قد اطلع على ما عزموا عليه، وكان قد وافق خواصّ أصحابه على قتلهم، وأمرهم بمنع أصحاب أولئك القوّاد من الدخول؛ فلمّا دخلوا داره قابلهم على ما يريدون أن يفعلوه، وما أقدموا عليه من المنكرات التي أحلّت له دماءهم، ثمّ أمر بقتلهم عن آخرهم، وأخبر أصحابهم الذين ببابه بقتلهم، وأمرهم بنهب أموالهم، فاشتغلوا بالنهب، وتركوا أصحابهم، وعظم قتلهم على أقربائهم ونفروا عنه، فلمّا كانت هذه الحادثة تخلّوا عنه حتّى قُتل.
ولّما قُتل استولى أسفار على بلاد طَبرستان، والرَّيّ، وجُرجان، وقَزوين، وزنجان، وأبهر، وقُمّ، والكَرْخ، ودعا لصاحب خُراسان، وهو السعيد نصر بن أحمد، وأقام بسارية، واستعمل على آمل هارون بن بَهرام، وكان هارون يحتاج أن يُخطب فيها لأبي جعفر العلويّ، وخاف أسفار ناحية أبي جعفر أن يجدّد له فتنة وحرباً، فاستدعى هارون إليه، وأمره أن يتزوّج إلى أحد أعيان آمل، ويُحضر عرسه أبا جعفر وغيره من رؤساء العلويّين، ففعل ذلك في يوم ذكره أسفار، ثمّ سار أسفار من سارية مجدّاً فوافى آمل وقت الموعد، وهجم على دار هارون على حين غفلة، وقبض على أبي جعفر وغيره من أعيان العلويّين، وحملهم إلى بخارى، فاعتُقلوا بها إلى أن خلصوا أيّام فتنة أبي زكرياء، على ما نذكره.
ولّما فرغ أسفار من أمر طَبَرِستان سار إلى الرَّيّ، وبها ما كان بن كالي، فأخذها منه، واستولى عليها، وسار ما كان إلى طَبرستان، فأقام هناك.
وأحبّ أسفار أن يستولي على قلعة أَلُموت، وهي قلعة على جبل شاهق من حدود الديلم، وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي، ومعناه الأسود العين لأنّه كان على إحدى عينَيْه شامة سوداء، فراسله أسفار وهنّأه، فقدم عليه، فسأله أن يجعل عياله في قلعة أَلُموت، وولاّه قَزوين، فأجابه إلى ذلك، فنقلهم إليها، ثمّ كان يرسل إليهم من يثق به من أصحابه، فلمّا حصل فيها مائة رجل استدعاه من قَزوين فلمّا حضر عنده قبض عليه، وقتله بعد أيّام.
وكان أسفار لّما اجتاز بسُمْنَان استأمن إليه ابن أمير كان صاحب جبل دنباوند، وامتنع محمّد بن جعفر السُّمنانيُّ من النزول إليهن وامتنع بحصن بقرية رأس الكلب، فحقدها عليه أسفار، فلمّا استولى على الرَّيّ أنفذ إليه جيشاً يحصرونه، وعليهم إنسان يقال له عبد الملك الديلميُّ، فحصروه، ولم يمكنهم الوصول إليه، فوضع عليه عبد الملك مَن يشير عليه بمصالحته، ففعل، وأجابه عبد الملك إلى المسألة، ثمّ وضع عليه من يحسّن له أن يضيف عبد الملك، فأضافه، فحضر في جماعة من شجعان أصحابه، فتركهم تحت الحسن، وصعد وحده إلى محمّد بن جعفر، فتحادثا ساعة، ثمّ استخلاه عبد الملك ليشير إليه شيئاً، ففعل ذلك، ولم يبق عندهما أحد غير غلام صغير، فوثب عليه عبد الملك فقتله، وكان محمّد منقرساً زمناً، وأخرج حبل إبرِيسَم كان قد أعدّه فشدّه في نافذة في تلك الغرفة ونزل وتخلّص.
واستغاث ذلك الغلام، فجاء أصحاب محمّد بن جعفر وكسروا الباب، وكان عبد الملك قد أغلقه، فلمّا دخلوا رأوه مقتولاً، فقتلوا به كلّ من عندهم من الديلم، وحفظوا نفوسهم.
وعظمت جيوش أسفار، وجلّ قدره، فتجبّر وعصى على الأمير السعيد، صاحب خُراسان، وأراد أن يجعل على رأسه تاجاً وينصب بالرَّيّ سرير ذهب للسلطنة، ويحارب الخليفة، وصاحب خُراسان، فسير المقتدر إليه هارون بن غريب في عسكر نحو قَزوين، فحاربه أصحاب أسفار بها، فانهزم هارون، وقُتل من أصحابه جمع كثير بباب قَزوين، وكان أهل قزوين قد ساعدوا أصحاب هارون، فحقدها عليهم أسفار.
ثمّ إنّ الأمير السعيد، صاحب خُراسان، سار من بخارى قاصداً نحو أسفار ليأخذ بلاده، فبلغ نَيسابور، فجمع أسفار عسكره وأشار على أسفار وزيره مُطَرّف بن محمّد الجُرجانيُّ بمراسلة صاحب خُراسان، والدخول في طاعته، وبذل المال له، فإنّ أجاب، وإلاّ فالحرب بين يديه.

وكان في عسكره جماعة من أتراك صاحب خُراسان قد ساروا معه، فخوّفه وزيره منهم، فرجع إلى رأيه وراسله، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وعزم على المسير إليه، فأشار عليه أصحابه أن يقبل الأموال، وإقامة الخطبة له، وخوّفوه الحرب وأنّه لا يدري لمن النصر، فرجع إلى قولهم، وأجاب أسفار إلى ما طلب، وشرط عليه شروطاً من حمل الأموال وغر ذلك، واتّفقا، فشرع أسفار بعد إتمام الصلح، وقسّط على الريّ وأعمالها، على كلّ رجل ديناراً، سوا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 1:52 am

ذكر خلع المقتدر
في هذه السنة خُلع المقتدر بالله من الخلافة، وبويع أخوه القاهر بالله محمّد ابن المعتضد، فبقي يومَيْن ثمّ أُعيد المقتدر.

وكان سبب ذلك ما ذكرنا في السنة التي قبلها من استيحاش مؤنس ونزوله بالشَّمّاسيّة، وخرج إليه نازوك، صاحب الشُّرطة، في عسكره، وحضر عنده أبو الهيجاء بن حَمدان في عسكره من بلد الجبل، وبنّيّ بن نفيس، وكان المقتدر قد أخذ منه الدِّينَور، فأعادها إليه مؤنس عند مجيئه إليه.
وجمع المقتدر عنده، في داره، هارون بن غريب، وأحمد بن كَيْغَلَغ، والغلمان الحجريّة، والرجّالة المصافيّة، وغيرهم، فلّما كان آخر النهار ذلك اليوم انقضّ أكثر مَن عند المقتدر، وخرجوا إلى مؤنس، وكان ذلك أوائل المحرّم.
ثم كتب مؤنس إلى المقتدر رقعة يذكر فيها أنّ الجيش عاتبٌ منكرٌ للسرف فيما يُطلق باسم الخدم والحُرَم من الأموال والضِّياع، ولدخولهم في الرأي وتدبير المملكة، ويطالبون بإخراجهم من الدار، وأخذ ما في أيديهم من الأموال والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار.
فأجابه المقتدر أنّه يفعل من ذلك ما يمكنه فعله، ويقتصر على ما لا بدّ له منه، واستعطفهم، وذكّرهم بيعته في أعناقهم مرّة بعد أخرى، وخوّفهم عاقبة النكث، وأمر هارون بالخروج من بغداد، وأقطعه الثغور الشاميّة والجزريّة، وخرج من بغداد تاسع المحرّم من هذه السنة، وراسلهم المقتدر، وذكّرهم نعمه عليهم وإحسانه إليهم، وحذرهم كفر إحسانه، والسعي في الشرّ والفتنة.
فلمّا أجابهم إلى ذلك دخل مؤنس وابن حَمدان ونازوك إلى بغداد، وأرجف الناس بأنّ مؤنساً ومن معه قد عزموا على خلع المقتدر وتولية غيره، فلمّا كان الثاني عشر من المحرّم خرج مؤنس والجيش إلى باب الشَّمّاسيّة، فتشاوروا ساعة، ثم رجعوا إلى دار الخليفة بأسرهم، فلّما زحفوا إليها، وقربوا منها، وهرب المظفَّر بن ياقوت، وسائر الحجّاب والخدم وغيرهم، والفرّاشون، وكلّ مَن في الدار؛ وكان الوزير أبو عليّ بن مقلة حاضراً، فهرب ودخل مؤنس والجيش دار الخليفة، وأخرج المقتدر، ووالدته، وخالته، وخواصّ جواريه، وأولاده، من دار الخلافة، وحُملوا إلى دار مؤنس، فاعتُقلوا بها.
وبلغ الخبر هارون بن غريب، وهو بقُطْرَبُّل، فدخل بغداد واستتر، ومضى ابن حَمدان إلى دار ابن طاهر، فأحضر محمّد بن المعتضد، وبايعوه بالخلافة، ولقّبوه القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهد عليه بالخلع، وعنده مؤنس، ونازوك، وابن حَمدان، وبنّيّ بن نفيس، فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة، فأشهد عليه القاضي بالخلع، فقام ابن حَمدان وقال للمقتدر: يا سيّدي يعزّ عليّ أن أراك على هذه الحال، وقد كنتُ أخافها عليك، وأحذرها، وأنصح لك، وأحذّرك عاقبة القبول من الخدم، والنساء، فتؤثر أقوالهم على قولي، وكأنّي كنتُ أرى هذا، وبعد، فنحن عبيدك وخدمك.
ودمعت عيناه وعينا المقتدر، وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع، وأودعوا الكتاب بذلك عند القاضي أبي عمر، فكتمه ولم يُظهر عليه أحداً، فلمّا عاد المقتدر إلى الخلافة سلّمه إليه، وأعلمه أنّه لم يطلع عليه غيره، فاستحسن ذلك منه، وولاّه قضاء القضاة.
ولّما استقرّ الأمر للقاهر أخرج مؤنس المظفَّر عليَّ بن عيسى من الحبس، ورتّب أبا عليّ بن مقلة في الوزارة، وأضاف إلى نازوك مع الشُّرطة حجبة الخليفة، وكتب إلى البلاد بذلك، وأقطع ابن حَمدان، مضافاً إلى ما بيده من أعمال طريق خُراسان، وحُلوان، والدينور، وهَمَذان، وكَنكور، وكَرْمان، وشاهان، والرّاذنات، ودقُوقَا، وخَانيجار، ونَهاوَنْد، والصّيمرة، والسِّيروان، وماسَبَذان وغيرها، ونُهبت دار الخليفة، ومضى بنّيّ بن نفيس إلى تربة لوالدة المقتدر، فأخرج من قبر فيها ستّمائة ألف دينار، وحملها إلى دار الخليفة.
وكان خلع المقتدر النصف من المحرّم، ثمّ سكن النهب، وانقطعت الفتنة؛ ولّما تقلّد نازوك حجبة الخليفة أمر الرجّالة المصافيّة بقلع خيامهم من دار الخليفة، وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا بمكان المصافيّة، فعظم ذلك عليهم، وتقدّم إلى خلفاء الحجّاب أن لا يمكنوا أحداً من الدخول إلى دار الخليفة، إلاّ من له مرتبة، فاضطربت الحجبة من ذلك.
ذكر عود المقتدر إلى الخلافة

لّما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرّم بكّر الناس إلى دار الخليفة لأنّه يوم موكب دولة جديدة، فامتلأت الممرّات، والمراحات، والرَّحاب، وشاطئ دجلة من الناس، وحضر الرجّالة المصافيّة في السلاح الشاكّ، يطالبون بحقّ البيعة، ورزق سنة، وهم حنقون بما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفَّر ذلك اليوم.
وارتفعت زعقات الرجّالة، فسمع بها نازوك، فأشفق أن يجري بينهم وبين أصحابه فتنة وقتال، فتقدّم إلى أصحابه، وأمرهم أن لا يعرضوا لهم، ولا يقاتلوهم، وزاد شغب الرجّالة، وهجموا يريدون الصحن التسعينيّ، فلم يمنعهم أصحاب نازوك، ودخل من كان على الشطّ بالسلاح، وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله، وعنده أبو عليّ بن مقلة الوزير، ونازوك، وأبو الهيجاء بن همدان، فقال القاهر لنازوك: اخرج إليهم فسكّنهم، وطيّب قلوبهم ! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور، وقد شرب طول ليلته، فلمّا رآه الرجّالة تقدّموا إليه ليشكوا حالهم إليه في معنى أرزاقهم، فلمّا رآهم بأيديهم السيوف يقصدونه خافهم على نفسه فهرب، فطمعوا فيه، فتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سدّة أمس، فأدركوه عنده، فقتلوه عند ذلك الباب، وقتلوا قبله خادمه عجيباً، وصاحوا: أي مقتدر، يا منصور ! فهرب كلّ مَن كان في الدار من الوزير، والحجّاب، وسائر الطبقات وبقيت الدار فارغة، وصلبوا نازوك وعجيباً بحيث يراهما مَن على شاطئ دجلة.
ثمّ صار الرجّالة إلى دار مؤنس يصيحون، ويطالبونه بالمقتدر، وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار الخليفة، وكانوا جميعهم خدم المقتدر، ومماليكه، وصنائعه، وأراد أبو الهيجاء بن حَمدان أن يخرج من الدار، فتعلق به القاهر وقال: أنا في ذمامك؛ فقال: والله لا أسلّمك أبداً؛ وأخذ بيد القاهر وقال: قم بنا نخرج جميعاً، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون معك ودونك.
فقاما ليخرجا، فوجدا الأبواب مغلقة، فتبعهما فائق وجه القصعة يمشي معهما، فأشرف القاهر من سطح، فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق، فقال ابن حَمدان للقاهر، قف حتّى أعود إليك؛ ونزع سواده وثيابه، وأخذ جبّة صوف لغلام هناك، فلبسها ومشى نحو باب النوبى، فرآه مغلقاً والناس من ورائه، فعاد إلى القاهر، وتأخّر عنهما وجه القصعة ومَن معه من الخدم، فأمرهم وجه القصعة بقتلهما أخذاً بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه بيده، ونزع الجبّة الصوف، وأخذها بيده الأخرى، وحمل عليهم، فانجفلوا بين يديه، وغشيهم، فرموه بالنشاب ضرورة، فعاد عنهم، وانفرد عنه القاهر ومشى إلى آخر البستان فاختفى فيه.
ودخل أبو الهيجاء إلى بيت من ساج، وتقدّم الخدم إلى ذلك البيت، فخرج إليهم أبو الهيجاء، فولّوا هاربين، ودخل إليهم بعض أكابر الغلمان الحجريّة، ومعه أسودان بسلاح، فقصدوا أبا الهيجاء، فخرج إليهم فرُمي بالسهام فسقط، فقصده بعضُهم فضربه بالسيف فقطع يده اليمنى، وأخذ رأسه فحمله بعضهم، ومشى وهو معه.
وأمّا الرجّالة فإنّهم لّما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال: ما الذي تريدون ؟ فقيل له: نريد المقتدر؛ فأمر بتسليمه إليهم، فلمّا قيل للمقتدر ليخرج خاف على نفسه أن تكون حيلة عليه، فامتنع، وحُمل وأُخرج إليهم، فحمله الرجّالة على رقابهم حتّى أدخلوه دار الخلافة، فلمّا حصل في الصحن التسعينيّ اطمأنّ وقعد، فسأل عن أخيه القاهر، وعن ابن حَمدان، فقيل: هما حيّان؛ فكتب لهما أماناً بخطّه، وأمر خادماً بالسُّرعة بكتاب الأمان لئلاّ يحدث على أبي الهيجاء حادث، فمضى بالخطّ إليه، فلقيه الخادم الآخر ومعه رأسه، فعاد معه، فلمّا رآه المقتدر، وأخبره بقتله، قال: أنا لله وإنّا إليه راجعون ! مَن قتله ؟ فقال الخدم: ما نعرف قاتله؛ وعظم عليه قتله: وقال: ما كان يدخل عليّ ويسلّيني، ويُذهب عنّي الغمّ هذه الأيّام غيره.

ثمّ أُخذ القاهر وأُحضر عند المقتدر، فاستدناه، فأجلسه عنده وقبّل جبينه وقال له: يا أخي قد علمتُ أنّه لا ذنب لك، وأنّك قُهرتَ، ولو لقّبوك بالمقهور لكان أولى من القاهر؛ والقاهر يبكي ويقولك يا أمير المؤمنين ! نفسي، نفسي، اذكر الرّحِم التي بيني وبينك ! فقال له المقتدر: وحقّ رسول الله لا جرى عليك سوءٌ منّي أبداً، ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حيّ ! فسكن، وأُخرج رأس نازوك، ورأس أبي الهيجاء، وشُهرا، ونودي عليهما: هذا جزاء من عصى مولاه.
وأمّا بني بن نفيس فإنّه كان من أشدّ القوم على المقتدر، فأتاه الخبر برجوعه إلى الخلافة، فركب جواداً وهرب عن بغداد، وغيّر زيّه، وسار حتى بلغ الموصل، وسار منها إلى أرمينية، وسار حتّى دخل القسطنطينيّة وتنصّر.
وهرب أبو السَّرايا نصر بن حَمدان أخو أبي الهيجاء إلى الموصل، وسكنت الفتنة، وأحضر المقتدر أبا عليّ بن مقلة، وأعاده إلى وزارته، وكتب إلى البلاد بما تجدّد له، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم، وباع ما في الخزائن من الأمتعة والجواهر، وأذن في بيع الأملاك من الناس، فبيع ذلك بأرخص الأثمان، ليتم أعطيات الجند.
وقد قيل إنّ مؤنساً المظفَّر لم يكن مؤثراً لما جرى على المقتدر من لخلع، وإنّما وافق الجماعة مغلوباً على رأيه، ولعلمه أنّه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر، ووافقهم ليؤمنوه، وسعى مع الغلمان المصافيّة والحجريّة، ووضع قوّادهم على أن عملوا ما عملوا، وأعادوا المقتدر إلى الخلافة، وكان هو قد قال للمقتدر، لمّا كان في داره: ما تريدون أن نصنع ؟ فلهذا أمّنه المقتدر، ولّما حملوه إلى دار الخلافة من دار مؤنس ورأى فيها كثرة الخلق والاختلاف عاد إلى دار مؤنس لثقته به، واعتماده عليه، ولولا هوى مؤنس مع المقتدر لكان حضر عند القاهر مع الجماعة، فإنّه لم يكن معهم كما ذكرناه، ولكان أيضاً قتل المقتدر لّما طُلب من داره ليعاد إلى الخلافة.
وأمّا القاهر فإنّ المقتدر حبسه عند والدته، فأحسنت إليه، وأكرمته، وسعت عليه النفقة، واشترت له السراري والجواري للخدمة، وبالغت في إكرامه والإحسان إليه بكلّ طريق.
ذكر مسير القرامطة إلى مكّة
وما فعلوه بأهلها وبالحجّاج وأخذهم الحجر الأسود
حجّ بالناس في هذه السنة منصور الديلميُّ، وسار بهم من بغداد إلى مكّة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطيُّ بمكّة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجّاج، وقتلوهم حتّى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفّذه إلى هَجَر، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة، في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفّعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قُتلوا بغير كفن، ولا غسل، ولا صُلّي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكّة.
فلّما بلغ ذلك المهديَّ أبا محمّد عبيدالله العلويَّ بأفريقية كتب إليه ينكر عليه ذلك، ويلومه، ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققتَ على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإِلحاد بما فعلتَ، وإن لم تردّ على أهل مكّة وعلى الحجّاج وغيرهم ما أخذتَ منهم، وتردّ الحجر الأسود إلى مكانه، وتردّ كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة.
فلمّا وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود على ما نذكره، واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكّة، فردّه، وقال: إنّ الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأوال الحُجّاج، ولا أقدر على منعهم.
ذكر خروج أبي زكريّاء وإخوته بخراسان
في هذه السنة خرج أبو زكرياء يحيى، وأبو صالح منصور، وأبو إسحاق إبراهيم، وأولاد أحمد بن إسماعيل السامانيّ، على أخيهم السعيد نصر ابن أحمد، وقيل كان ذلك سنة ثماني عشرة وهو الصحيح.

وكان سبب ذلك أنّ أخاهم نصراً كان قد حبسهم في القَهندز ببخارى، ووكّل بهم مَن يحفظهم، فتخلّصوا منه؛ وكان سبب خلاصهم أنّ رجلاً يُعرف بأبي بكر الخبّاز الأصبهانيّ كان يقول، إذا جرى ذكر السعيد نصر بن أحمد: أنّ له منّي يوماً طويلاً البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نَيسابور، واستخلف ببخارى أبا العبّاس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تُحمل إليهم من عند أبي بكر الخبّاز هذا وهم في السجن، فسعى لهم أبو بكر مع جماعة من أهل العسكر ليخرجوهم، فأجابوه إلى ذلك، وأعلمهم ما سعى لهم فيه.
فلمّا سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القَهندز يوم جمعة، وكان الرسم أن لا يفتح باب القهندز أيّام الجمع إلاّ بعد العصر، فلّما كان الخميس دخل أبو بكر الخبّاز إلى القهندرّ قبل الجمعة التي اتّعدوا الإِجتماع فيها بيوم، فبات فيه، فلّما كان الغد، وهو الجُمعة، جاء الخبّاز إلى باب القهندز، وأظهر للبّواب زهداً وديناً، وأعطاه خمسة دنانير ليفتح له الباب ليخرجه لئلاّ تفوته الصلاة، ففتح له الباب، فصاح أبو بكر الخبّاز بمن وافقه على إخراجهم، وكانوا على الباب، فأجابوه، وقبضوا على البوّاب، ودخلوا وأخرجوا يحيى، ومنصوراً، وإبراهيم بني أحمد بن إسماعيل من الحبس، مع جميع مَن فيه من الديلم، والعلويّين، والعيّارين، فاجتمعوا، واجتمع إليهم من كان وافقهم من العسكر، ورأسهم شروين الجيليُّ وغيره من القوّاد.
ثمّ إنّهم عظمت شوكتهم، ونبهوا خزائن السعيد نصر بن أحمد ودوره وقصوره، واختصّ يحيى بن أحمد أبا بكر الخبّاز وقدّمه وقوّده، وكان السعيد إذ ذاك بنَيسابور، وكان أبو بكر محمّد بن المظفَّر، صاحب جيش خُراسان، بجُرجان، فلمّا خرج يحيى وبلغ خبره السعيد، عاد من نَيسابور إلى بخارى، وبلغ الخبز إلى محمّد بن المظفَّر، فراسل ما كان بن كالي، وصاهره، وولاّه نَيسابور، وأمره بمنعها مّمن يقصدها، فسار ما كان إليها، وكان السعيد قد سار من نَيسابور إلى بخارى، وكان يحيى وكّل بالنهر أبا بكر الخبّاز، فأخذه السعيد أسيراً، وعبر النهر إلى بخارى فبالغ في تعذيب الخبّاز، ثم ألقاه في التنور الذي كان يخبز فيه، فاحترق.
وسار يحيى من بخارى إلى سَمَرْقَنْد، ثمّ خرج منها واجتاز بنواحي الصَّغانيان وبها أبو عليّ بن أبي بكر محمّد بن المظفَّر، وسار يحيى إلى ترمذ، فعبر النهر إلى بلَخ وبها قراتكين، فوافقه قراتكين، وخرجا إلى مرو، ولّما ورد محمد بن المظفَّر بِنَيسابور كاتبه يحيى، واستماله، فأظهر له محمّد الميل إليه، ووعده المسير نحوه، ثمّ سار عن نَيسابور، واستخلف بها ما كان بن كالي، وأظهر أنّه يريد مَرو، ثمّ عدل عن الطريق نحو بوشنج وهَراة مسرعاً في سيره واستولى عليهما.
وسار محمّد عن هراة نحو الصَّغانيان على طريق غَرِشسْتان، فبلغ خبره يحيى فسيّر إلى طريقه عسكراً فلقيهم محمّد فهزمهم وسار عن غَرشِستان، واستمدّ ابنه أبا عليّ من الصغانيان، فأمدّه بجيش، وسار محمّد بن المظفّر إلى بلخ، وبها منصور بن قراتكين، فالتقيا، واقتتلا قتالاً شديداً، فانهزم منصور إلى جَوزَجان، وسار محمّد إلى الصغانيان، فاجتمع بولده، وكتب إلى السعيد بخبره، فسرّه ذلك وولاّه بلخ، وطُخَارِستان واستقدمه فولاّهما محمّدٌ ابنه أبا علي أحمد، وأنفذه إليهما، ولحق محمّد بالسعيد، فاجتمع به ببلخ رستاق، وهو في أثر يحيى وهو بهَراة.
وكان يحيى قد سار إلى نَيسابور، وبها ما كان بن كالي، فمنعه عنها، ونزلوا عليها، فلم يظفروا بها، وكان مع يحيى محمّد بن إلياس، فاستأمن إلى ما كان، واستأمن منصور وإبراهيم أخو يحيى إلى السعيد نصر، فلمّا قارب السعيد هراة، وبها يحيى وقراتكين، وسارا عن هراة إلى بلخ، فاحتال قراتكين ليصرف السعيد عن نفسه، فأنفذ يحيى من بلخ إلى بخارى، وأقام هو ببلخ، فعطف السعيد إلى بخارى، فلمّا عبر النهر هرب يحيى من بخارى إلى سَمَرْقَنْد، قمّ عاد من سَمَرْقَنْد ثانياً، فلم يعاونه قراتكين، فسار إلى نَيسابور، وبها محمّد بن إلياس قد قوي أمره، وسار عنها ما كان إلى جُرجان؛ ووافقه محمّد بن إلياس، وخطب له، وأقاموا بنَيسابور.

وكان السعيد في أثر يحيى لا يمكنه من الاستقرار، فلمّا بلغهم خبر مجيء السعيد إلى نَيسابور تفرّقوا، فخرج ابن إلياس إلى كَرْمان وأقام بها، وخرج قراتكين ومعه يحيى إلى بست والرخجّ، فأقاما بها، ووصل نصر بن أحمد نَيسابور في سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ إلى قراتكين، وولاّه بلخ، وبذل الأمان ليحيى، فجاء إليه، وزالت الفتنة، وانقطع الشر وكان قد دام هذه المدّة كلها.
وأقام السعيد بنَيسابور إلى أن حضر عنده يحيى، فأكرمه، وأحسن إليه، ثمّ مضى بها لسبيله هو وأخوه أبو صالح منصور، فلمّا رأى أخوهما إبراهيم ذلك هرب من عند السعيد إلى بغداد، ثمّ منها إلى الموصل، وسيأتي خبره إنّ شاء الله تعالى.
وأمّا قراتكين فإنّه مات ببُست، ونُقل إلى أسبيجاب، فدُفن بها في رباطه المعروف برباط قراتكين، ولم يملك ضيعة قطّ، وكان يقول: ينبغي للجنديّ أن يصحبه كلّ ما ملك أين سار، حتّى لا يعتقله شيء.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، منتصف المحرّم، وقعت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين أهل المربّعة والبزّازين، فظهر أصحاب الطعام عليهم أوّل النهار، فانضمّ الأساكفة إلى أهل المربّعة والبزّازين فاستظهروا بهم، وقهروا أصحاب الطعام وهزموهم وأحرقوا أسواقهم.
وتتابعت الفتنة بعد هذه الحادثة واجترأ أهل الشر، وتعاقد أصحاب الخُلقان والأساكفة على أصحاب الطعام، واقتتلوا قتالاً شديداً دام بينهم، ثمّ ظفر أصحاب الطعام فهزموا الأساكفة ومَن معهم، وأحرقوا سوقهم، وقتلوا منهم، وركب أمير الموصل، وهو الحسن بن عبد الله بن حَمدان الذي لُقّب بعدُ بناصر الدولة ليسكن الناس، فلم يسكنوا ولا كفّوا، ثمّ دخل بينهم ناس من العلماء وأهل الدين، فأصلحوا بينهم.
وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَرْوَزيّ الحَنبليّ وبين غيرهم من العامّة، ودخل كثير من الجند فيها؛ وسبب ذلك أنّ أصحاب المَرْوَزيّ قالوا في تفسير قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) الاسراء:79؛ هو أنّ الله سبحانه يُقعد النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، معه على العرش؛ وقالت الطائفة الأخرى: إنّما هو الشفاعة، فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقُتل بينهم قتلى كثيرة.
نوفيها ضعفت الثغور الجزريّة عن دفع الروم عنهم، منها مَلَطْية وميّافارقين وآمِد وأرزَن وغيرها، وعزموا على طاعة ملك الروم والتسليم إليه لعجز الخليفة المقتدر بالله عن نصرهم، وأرسلوا إلى بغداد يستأذنون في التسليم، ويذكرون عجزهم، ويستمدّون العساكر لتمنع عنهم، فلم يحصلوا على فائدة، فعادوا.
وفيها قُلّد القاضي أبو عمر محمّدُ بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن حمّاد بن زيد قضاء القضاة. وفيها قُلّد ابنا رائق شُرطة بغداد مكان نازوك.
وفيها مات أحمد بن منيع، وكان مولده سنة أربع عشرة ومائتين.
وفيها أقرّ المقتدر بالله ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان على ما بيده من أعمال قَرْدَى وبازَبْدَى، وعلى إقطاع أبيه وضياعه.
وفيها قُلّد نحرير الصغير أعمال الموصل، فسار إليها، فمات بها في هذه السنة، ووليها بعده ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حَمدان في المحرّم من سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.
وفيها سار حاجّ العراق إلى مكّة على طريق الشام فوصلوا إلى الموصل أوّل شهر رمضان، ثمّ منها إلى الشام، لانقطاع الطريق بسبب القُرمطّي، وكانت كسوة الكعبة مع ابن عبدوس الجهشياريّ لأنّه كان من أصحاب الوزير.
وفيها، في شعبان، ظهر بالموصل خارجيٌّ يُعرف بابن مطر، وقصد نَصِيبين، فسار إليها ناصر الدولة بن حَمدان، فقاتله، فأسره. وظهر فيها أيضاً خارجيٌّ اسمه محمّد بن صالح بالبوازيج، فسار إليه أبو السرايا نصر بن حَمدان، فأخذه أيضاً.
وفيها التقى مفلح الساجيُّ والدّمُسْتُق، فاقتتلا، فانهزم الدمستق ودخل مُفلح وراءه إلى بلاد الروم.
وفيها، آخر ذي القعدة، انقضّ كوكب عظيم، وصار له ضوء عظيم جدّاً.
وفيها هبّت ريح شديدة، وحملت رملاً أحمر شديد الحمرة، فعمّ جانبَيْ بغداد، وامتلأت منه البيوت والدروب؛ يشبه رمل طريق مكّة.
وفيها توفّي أبو بكر أحمد بن الحسن بن الفرج بن سقير النجويُّ، كان عالماً بمذهب الكوفّيين، وله فيه تصانيف.
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائةذكر هلاك الرجّالة المصافيّة

في هذه السنة، في المحرّم، هلك الرجّالة المصافيّة، وأُخرجوا من بغداد، بعد ما عظم شرّهم، وقوي أمرهم.
وكان سبب ذلك أنّهم لّما أعادوا المقتدر إلى الخلافة، على ما ذكرناه، زاد إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء، منها أنّهم يقولون: مَن أعان ظالماً سلّطه الله عليه، ومن يُصعد الحمار إلى السطح يقدر يحطّه، وأن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقّهُ، قاتلناه بما يستحقّ، إلى غير ذلك.
وكثر شغبهم ومطالبتهم، وأدخلوا في الأرزاق أولادهم، وأهليهم، ومعارفهم، وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار.
واتّفق أن شغب الفرسان في طلب أرزاقهم، فقيل لهم: إنّ بيت المال فارغ وقد انصرف الأموال إلى الرجّالة، فثار بهم الفرسان، فاقتتلوا، فقُتل من الفرسان جماعة، واحتجّ المقتدر بقتلهم على الرجّالة، وأمر محمّد بن ياقوت فركب، وكان قد استعمل على الشُّرطة؛ فطرد الرجّالة عن دار المقتدر، ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد، ومن أقام قُبض عليه وحُبس؛ وهُدمت دور زُعمائهم، وقُبضت أملاكهم، وظَفر، بعد النداء، بجماعة منهم، فضربهم، وحلق لحاهم، وشهّر بهم.
وهاج السودان تعصُّباً للرجّالة، فركب محمّد أيضاً في الحجريّة، وأوقع بهم، وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة كثيرة منهم، ومن أولادهم، ومن نسائهم، فخرجوا إلى واسط، واجتمع بها منهم جمع كثير، وتغلّبوا عليها، وطرحوا عامل الخليفة، فسار إليهم مؤنس، فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم، فلم تقم لهم بعدها راية.
ذكر عزل ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل وولاية عمّيه سعيد ونصر
في هذه السنة، في ربيع الأوّل، عُزل ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حمدان عن الموصل، ووليها عمّاه سعيد ونصر ابنا حمدان، ووليَ ناصر الدولة ديار ربيعة، ونَصِيبين، وسِنجار، والخابور، ورأس عين، ومعها، من ديار بكر، ميّافَارقين وأرزن، ضمن ذلك بمال مبلغه معلوم، فسار إليها، ووصل سعيد إلى الموصل في ربيع الآخر.
ذكر عزل ابن مقلة
ووزارة سليمان بن الحسن
وفي هذه السنة عُزل الوزير أبو عليّ محمّد بن مقلة من وزارة الخليفة.
وكان سبب عزله أنّ المقتدر كان يتّهمه بالميل إلى مؤنس المظفَّر، وكان المقتدر مستوحشاً من مؤنس، ويُظهر له الجميل، فاتّفق أنّ مؤنساً خرج إلى أوانا، وعُكبرا، فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى، فقُبض عليه.
وكان بين محمّد بن ياقوت وبين ابن مقلة عداوة، فأنفذ إلى داره بعد أن قبض عليه، وأحرقها ليلاً.
وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبدالله، وكان مؤنس قد عاد فأنفذ إلى المقتدر مع عليّ بن عيسى يسأل أن يُعاد ابن مقلة، فلم يجب المقتدر إلى ذلك، وأراد قتل ابن مقلة، فردّه عن ذلك، فسأل مؤنس أن لا يستوزر الحسين، فتركه، واستوزر سليمان بن الحسن منتصف جمادى الأولى، وأمر المقتدر بالله عليَّ بن عيسى بالاطلاّع على الدواوين، وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء، وصودر أبو عليّ بن مقلة بمائتَي ألف دينار، وكانت مدّة وزارته سنتَين وأربعة أشهر وثلاثة أيّام.
ذكر القبض على أولاد البريديّ
كان أولاد البريديّ، وهم أبو عبدالله، وهم أبو عبدالله، وأبو يوسف، وأبو الحسين، قد ضمنوا الأهواز، كما تقدّم، فلمّا عُزل الوزير ابن مقلة كتب المقتدر بخطّ يده إلى أحمد بن نصر القشوريّ الحاجب يأمره بالقبض عليهم، ففعل، وأودعهم عنده في داره. ففي بعض الأيّام سمع ضجّة عظيمة، وأصواتاً هائلة، فسأل: ما الخبر ؟ فقيل: إنّ الوزير قد كتب بإطلاق بني البريديّ، وأنفذ إليه أبو عبدالله كتاباً مزوّراً يأمره فيه بإطلاقهم، وإعادتهم إلى أعمالهم، فقال لهم أحمد: هذا كتاب الخليفة بخطّه، يقول فيه: لا تطلقهم حتّى يأتيك كتاب آخر بخطيّ.
ثمّ ظهر أنّ الكتاب مزوَّر، ثمّ أنفذ المقتدر فاستحضرهم إلى بغداد، وصودروا على أربعمائة ألف دينار، وكان لا يطمع فيها منهم، وإنّما طلب منهم هذا القدر ليجيبوا إلى بعضه، فأجابوا إليه جميعه ليتخلّصوا ويعودوا إلى عملهم.
ذكر خروج صالح والأغرّ

وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خرج خارجيٌّ من بجيلة، من أهل البوازيج، اسمه صالح بن محمود، وعبر إلى البريّة، واجتمع إليه جماعة من بني مالك، وسار إلى سِنجار فأخذ من أهلها مالاً، فلقيه قوافل، فأخذ عُشرها، وخطب بسنجار، فذكّر بأمر الله، وحذّر، وأطال في هذا، ثمّ قال: نتولّى الشيخَيْن، ونبرأ من الخبيثَيْن، ولا نرى المسح على الخفّيْن.
وسار منها إلى الشجاجية، من أرض الموصل، فطالب أهلَها وأهل أعمال الفَرَج بالعُشر، وأقام أيّاماً، وانحدر إلى الحديثة، تحت الموصل، فطالب المسمين بزكاة أموالهم، والنصارى بجزية رؤوسهم، فجرى بينهم حرب، فقُتل من أصحابه جماعة، ومنعوه من دخولها، فأحرق لهم ستّ عُروب، وعبر إلى الجانب الغربيّ، وأسر أهلُ الحديثة ابناً لصالح اسمه محمّد، فأخذه نصر بن حمدان بن حمدون، وهو الأمير بالموصل، فأدخله إليها، ثمّ سار صالح إلى السنّ، فصالحه أهلها على مال أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج، وسار منها إلى تلْ خوسا، قرية من أعمال الموصل عند الزاب الأعلى، وكاتب أهل الموصل في أمر ولده، وتهدّدهم أن لم يردّوه إليه، ثمّ رحل إلى السلاميّة، فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، ففارقها صالح إلى البوازيج، فطلبه نصر، فأدركه بها، فحاربه حرباً شديدة قُتل فيها من رجال صالح نحو مائة رجل، وقُتل من أصحاب نصر جماعة، وأُسر صالح ومعه ابنان له، وأُدخلوا إلى الموصل، وحُملوا إلى بغداد فأُدخلوا مشهورين.
وفيها، في شعبان، خرد بأرض الموصل خارجيٌّ اسمه الأغر بن مطرة الثعلبيُّ، وكان يذكر أنّه من ولد عتّاب بن كلثوم التغلبي أخي عمرو بن كلثوم الشاعر، وكان خروجه بنواحي رأس العين، وقصد كفَر توثا وقد اجتمع معه نحو ألفَيْ رجل، فدخلها ونهبها وقتل فيها.
وسار إلى نَصِيبين، فنزل بالقرب منها، فخرج إليه وإليها ومعه جمع من الجند ومن العامّة، فقاتلوه، فقتل الشاريُّ منهم مائة رجل، وأسر ألف رجل، فباعهم نفوسهم، وصالحه أهل نصيبين على أربعمائة ألف درهم.
وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان، وهو أمير ديار ربيعة، فسيّر إليه جيشاً، فقاتلوه، فظفروا به وأسروه، وسيّره ناتصر الدولة إلى بغداد.
ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفركان جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود مقيماً بالخُتَّل، والياً عليها للسامانيّة، فبدت منه أمور نُسبت بسببها إلى الإستعصاء، فكوتب أبو عليّ أحمد بن محمّد بن المظفَّر بقصده، فسار إليه، وحاربه، فقبض عليه، وحمله إلى بخارى، وذلك قبل مخالفة أبي زكرياء يحيى، فلّما حُمل إلى بخارى حُبس فيها، فلمْا خالف أبو زكرياء يحيى أخرجه من الحبس وصحبه، ثمّ استأذنه في العود إلى ولاية الخُتَّل وجمْع الجيوش له بها، فأذن له فسار إليها، وأقام بها، وتمسّك بطاعة السعيد نصر بن أحمد، فصلح حاله، وذلك سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.
الخُتَّل بالخاء المعجمة والتاء فوقها نقطتان والخاء مضمومة والتاء مشدّدة مفتوحة.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة شغب الفرسان، وتهدّدوا بخلع الطاعة، فأحضر المقتدر قوّادهم بين يديه، ووعدهم الجميل، وأن يطلق أرزاقهم في الشهر المقبل، فسكنوا، ثمّ شغب الرجّالة، فأُطلقت أرزاقهم.
وفيها خلع المقتدر على ابنه هارون، وركب معه الوزير، والجيش، وأعطاه ولاية فارس وكَرْمَان وسِجِستان ومكران.
وفيها أيضاً خلع على ابنه أبي العبّاس، وأقطعه بلاد الغرب، ومصر، والشام، وجعل مؤنساً المظفَّر يخلفه فيها.
وفيها صُرف ابنا رائق عن الشُّرطة، وقُلّدها أبو بكر محمّد بن ياقوت.
وفيها وقعت فتنة بنَصِيبين بين أهل باب الروم والباب الشرقيّ، واقتتلوا قتالاً شديداً، وأدخلوا إليهم قوماً من العرب والسواد، فقُتل بينهم جماعة، وأُحرقت المنازل والحوانيت، ونُهبت الأموال، ونزل بهم قافلة عظيمة تريد الشام، فنهبوها.
وفيها توفّي يحيى بن محمّد بن صاعد البغداديُّ وكان عمره تسعين سنة، وهو من فضلاء المحدّثين، والقاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيُّ الفقيه الحنفيُّ، وكان عالماً بالأدب ونحو الكوفّيين، وله شعر حسن.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائةذكر تجدُّد الوحشة بين مؤنس والمقتدر
في هذه السنة تجدّدت الوحشة بين مؤنس المظفَّر وبين المقتدر بالله.

وكان سببها أنّ محمّد بن ياقوت كان منحرفاً على الوزير سليمان، ومائلاً إلى الحسين بن القاسم، وكان مؤنس يميل إلى سليمان، بسبب عليّ بن عيسى، وثقتهم به، وقوي أمر محمّد بن ياقوت، وقُلّد، مع الشُّرطة، الحِسبة، وضمّ إليه رجالاً، فقوي بهم، فعظم ذلك على مؤنس، وسأل المقتدر صرف محمّد عن الحسبة، وقال: هذا شغل لا يجوز أن يتولاّه غير القضاة والعدول؛ فأجابه المقتدر.
وجمع مؤنس إليه أصحابه، فلمّا فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار السلطان، وفي دار محمّد بن ياقوت، وقيل لمؤنس: إنّ محمّد بن ياقوت قد عزم على كبس دارك ليلاً؛ ولم يزل به أصحابه حتّى أخرجوه إلى باب الشَّمّاسيّة فضربوا مضاربهم هناك، وطالب المقتدر بصرف ياقوت عن الحجبة وصرف ابنه عن الشُّرطة، وإبعادهما عن الحضرة، فأُخرجا إلى المدائن.
وقلّد المقتدر ياقوتاً أعمال فارس وكرمان، وقلّد ابنه المظفَّر بن ياقوت أصبهان، وقلّد أبا بكر محمّد بن ياقوت سِجِستان، وتقلّد ابنا رائق إبراهيم ومحمّد مكان ياقوت وولده الحجبة والشُّرطة، وأقام ياقوت بشِيراز مدّة.
وكان عليُّ بن خلف بن طياب ضامناَ أموال الضياع والخراج بها، فتظافرا، وتعاقدا، وقطعا الحمل على المقتدر، إلى أن ملك عليُّ بن بُوَيْه الديلميُّ بلاد فارس سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
ذكر قبض الوزير سليمان
ووزارة أبي القاسم الكلوذاني
ّ
وفي هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان بن الحسن.
وكان سبب ذلك أن سليمان ضاقت الأموال عليه إضافة شديدة، وكثرت عليه المطالبات، ووقفت وظائف السلطان، واتّصلت رقاع مَن يُرَشّح نفسه للوزارة بالسعاية به، والضمان بالقيام بالوظائف، وأرزاق الجند، وغير ذلك، فقبض عليه، ونقله إلى داره.
وكان المقتدر كثير الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة، فامتنع مؤنس من ذلك، وأشار بوزارة أبي القاسم الكلْوذانيّ، فاضطر المقتدر إلى ذلك، فاستوزره لثلاث بقين من رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهَريْن، وكانت وزارته غير متمكّنة أيضاً، فإنّه كان عليُّ بن عيسى معه على الدواوين وسائر الأمور، وأُفرد عليُّ بن عيسى عنه بالنظر في المظالم، واستعمل على ديوان السواد غيره، فانقطعت موادّ الوزير، فإنّه كان يقيم مِن قبله من يشتري توقيعات أرزاق جماعة لا يمكنهم مفارقة ما هم عليه بصدده من الخدمة، فكان يعطيهم نصف المبلغ، وكذلك إدرارات الفقهاء وأرباب البيوت إلى غير ذلك.
وكان أبو بكر بن قرابة منتمياً إلى مُفلح الخادم، فأوصله إلى المقتدر، فذكر له أنّه يعرف وجوه مرافق الوزراء، فاستعمله عليها ليصلحها للخليفة، فسعى في تحصيل ذلك من العمّال، والضُّمّان، والتُّنّاء وغيرهم، فأخلق بذلك الخلافة، وفضح الديوان، ووقفت أحوال الناس، فإنّ الوزراء وأرباب الولايات لا يقومون بأشغال الرعايا والتعب معهم إلاّ لرفق يحصل لهم، وليس لهم من الدين ما يحملهم على النظر في أحوالهم، فإنّه بعيد منهم، فإذا منعوا تلك المرافق تركوا الناس يضطربون، ولا يجدون مَن يأخذ بأيديهم، ولا يقضي حوائجهم، فإنّي قد رأيتُ هذا عياناً في زماننا هذا، وفات به من المصالح العامّة والخاصّة ما لا يحصى.
ذكر الحرب بين هارون وعسكر مرداويجقد ذكرنا فيما تقدّم قتل أسفار وملك مرداويج، وأنّه استولى على بلد الجبل والرَّيّ وغيرهما، وأقبلت الدَّيلم إليه من كلّ ناحية لبذله وإحسانه إلى جنده، فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخرج عليه، فلم يكفه ما في يده، ففرّق نوّابه في النواحي المجاورة له.
فكان مّمن سيّره إلى همَذان ابن أخت له في جيش كثير، وكان بها أبو عبد الله محمّد بن خلف في عسكر الخليفة، فتحاربوا حروباً كثيرة، وأعان أهل همذان عسكر الخليفة، فظفروا بالديلم، وقُتل ابن أخت مرداويج، فسار مرداويج من الرَّيّ إلى همذان، فلمّا سمع أصحاب الخليفة بمسيره انهزموا من همذان، فجاء إلى همذان، ونزل على باب الأسد، فتحصّن منه أهلها، فقاتلهم، فظفر بهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأحرق وسبى، ثم رفع السيف عنهم وأمّن بقيتهم.

فأنفذ المقتدر هارونَ بن غريب الخال في عساكر كثيرة إلى محاربته، فالتقوا بنواحي همذان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم هارون وعسكر الخلية، واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وما وراء همذان، وسيّر قائداً كبيراً من أصحابه يُعرف بابن علاّن القزوينيّ إلى الدّينَور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيراً من أهلها، وبلغت عساكره إلى نواحي حُلوان، فغنمت، ونهبت، وقتلت، وسبت الأولاد والنساء، وعادوا إليه.
ذكر ما فعله لشكري من المخالفةكان لشكري الديلميُّ من أصحاب أسفار، واستأمن إلى الخليفة، فلمّا انهزم هارون بن غريب من مرداويج سار معه إلى قَرْمِيسين، وأقام هارون بها، واستمدّ المقتدر ليعاود محاربة مرداويج وسيّر هارون لشكري هذا إلى نهاوند لحمل مالٍ بها إليه، فلمّا صار لشكري بنَهاوند، ورأى غنى أهلها طمع فيهم، وصادرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، واستخرجها في مدّة أُسبوع، وجنّد بها جُنداً، ثمّ مضى إلى أصبهان هارباً من هارون في الجند الذين انضمّوا إليه في جُمادى الآخرة.
وكان الوالي على أصبهان حينئذ أحمد بن كَيْغَلغ، وذلك قبل استيلاء مرداويج عليها، فخرج إليه أحمد فحاربه، فانهزم أحمد هزيمة قبيحة، وملك لشكري أصبهان، ودخل أصحابه إليها، فنزلوا في الدور والخانات وغيرها ولم يدخل لكري معهم؛ ولّما انهزم أحمد نجا إلى بعض قرى أصبهان في ثلاثين فارساً، وركب لشكري يطوف بسُور أصبهان من ظاهره، فنظر إلى أحمد في جماعته، فسأل عنه فقيل: لا شكّ أنه من أصحاب أحمد ابن كَيْغَلغ، فسار فيمن معه من أصحابه نحوهم، وكانوا عدّة يسيرة، فلمّا قرب منهم تعارفوا، فاقتتلوا، فقُتل لشكري، قتله أحمد بن كَيْغَلغ، ضربه بالسيف على رأسهن فقدّ المغفر والخّوذة، ونزل السيف حتّى خالط دماغه، فسقط ميّتاً.
وكان عمر أحمد إذ ذاك قد جاوز السبعين؛ فلمّا قُتل لشكري انهزم مَن معه، فدخلوا أصبهان، وأعلموا أصحابهم، فهربوا على وجوههم، وتركوا أثقالهم وأكثر رحالهم، ودخل أحمد إلى أصبهان، وكان هذا قبل استيلاء مرداويج على أصبهان؛ وكان هذا من الفتح الظريف، وكان جزاؤه أن صُرف عن أصبهان، ووليَ عليها المظفَّر بن ياقوت.
ذكر ملك مرداويج أصبهانثمّ أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصبهان، فملكوها واستولوا عليها، وبنوا له فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العِجليّ، والبساتين، فسار مرداويج إليها فنزلها وهو في أربعين ألفاً، وقيل خمسين ألفاً، وأرسل جمعاً آخر إلى الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال هذه البلاد والنواحي، وقسمها في أصحابه، وجمع منها الكثير فاذخره.
ثمّ إنّه أرسل إلى المقتدر رسولاً يقرّر على نفسه مالاً على هذه البلاد كلّها، ونزل للمقتدر عن هَمذان وماه الكوفة، فأجابه المقتدر إلى ذلك، وقوطع على مائتَيْ ألف دينار كلّ سنة.
ذكر عزل الكَلْوَذانيّ ووزارة الحسين بن القاسم
في هذه السنة عُزل أبو القاسم الكّلْوذانيُّ عن وزارة الخليفة ووزر الحسين ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب.
وكان سبب ذلك أنّه كان ببغداد إنسان يُعرف بالدانياليّ، وكان زرّاقاً، ذكيّاً محتالاً، وكان يعتّق الكاغد، ويكتب فيه بخطّة ما يشبه الخطّ العتيق، ويذكر فيه إشارات ورموزاً يودعها أسماء أقوام من أرباب الدولة، فيحصل له بذلك رفق كثير.
فمن جملة ما فعله أنّه وضع في جملة كتاب: ميم ميم ميم، يكون منه كذا وكذا، وأحضره عند مفلح، وقال: هذا كناية عنك، فإنّك مفلح مولى المقتدى، وذكر له علامات تدلّ عليه، فأغناه، فتوصّل الحسين بن القاسم معه، حتّى جعل اسمه في كتاب وضعه، وعتّقه، وذكر فيه علامة وجهه، وما فيه من الآثار، ويقول إنّه يزر للخليفة الثامن عشر من خلفاء بني العبّاس، وتستقيم الأمور على يدَيْه، ويقهر الأعادي، وتتعمّر الدنيا في أيّامه، وجعل هذا كلّه في جملة كتاب ذكر فيه حوادث قد وقعت، وأشياء لم تقع بعد، ونسب ذلك إلى دانيال، وعتّق الكتاب وأخذه وقرأه على مفلح، فلمّا رأى ذلك أخذ الكتاب وأحضره عنده المقتدر وقال له: أتعرف في الكُتّاب من هو بهذه الصفة ؟ فقال: ما أعرفه إلاّ الحسين بن القاسم؛ فقال: صدقت وإنّ قلبي ليميل إليه، فإن جاءك منه رسول برقعة فاعرضها عليّ، واكتم حاله ولا تطلع على أمره أحداً.

وخرج مفلح إلى الدانياليّ فسأله: هل تعرف أحداً من الكتّاب بهذه الصفة ؟ فقال: لا أعرف أحداً؛ قال: فمن أين وصل إليك هذا الكتاب ؟ فقال: من أبي، وهو ورثه من آبائه، وهو من ملاحم دانيال، عليه السلام؛ فأعاد ذلك على المقتدر، فقبله، فعرّف الدانياليُّ ذلك الحسين بن القاسم، فلمّا أعلمه كتب رقعة إلى مفلح، فأوصلها إلى المقتدر، ووعده الجميل، وأمره بطلب الوزارة وإصلاح مؤنس الخادم، فكان ذلك من أعظم الأسباب في وزارته مع كثرة الكارهين له.
ثمّ اتفق أنّ الكَلْوذانيَّ عمل حِسْبةً بما يحتاج إليه من النفقات، وعليها خطّ أصحاب الديوان، فبقي محتاجاً إلى سبعمائة ألف دينار، وعرضها على المقتدر، وقال: ليس لهذه جهة إلاّ ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه، فعظم ذلك على المقتدر.
وكتب الحسين بن القاسم لّما بلغه ذلك يضمن جميع النفقات، ولا يطالبه بشيء من بيت المال، وضمن أنّه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت المال، فعُرضت رقعته على الكَلْوذانيّ فاستقال، وأذن في وزارة الحسين، ومضى الحسين إلى بُلَيق، وضمن له مالاً ليصلح له قلب مؤنس، ففعل، فعُزل الكَلْوذانيُّ في رمضان، وتولّى الحسين الوزارة لليلتَينْ بقيتا من رمضان أيضاً، وكانت ولاية الكَلْوذانيّ شهرَيْن وثلاثة أيّام، واختصّ بالحسين بنو البَرِيديّ وابنُ قَرابة، وشرط أن لا يطلع معه عليّ بن عيسى، فأُجيب إلى ذلك، وشرع في إخراجه من بغداد، فأُجيب إلى ذلك، فأُخرج إلى الصافية.
ذكر تأكّد الوحشة بين مؤنس والمقتدر
في هذه السنة، في ذي الحجّة، تجدّدت الوحشة بين مؤنس والمقتدر، حتى آل ذلك إلى قتل المقتدر.
وكان سببها ما ذكرنا أوّلاً في غير موضع، فلمّا كان الآن بلغ مؤنساً أنّ الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القوّاد في التدبير عليه، فتنكّر له مؤنس، وبلغ الحسين أنّ مؤنساً قد تنكّر له، وأنّه يريد أن يكبس داره ليلاً ويقبض عليه، فتنقّل في عدة مواضع، وكان لا يحضر داره إلاّ بُكرة، ثمّ إنّه انتقل إلى داره الخلافة، فطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته، فأجاب إلى عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم بيته، فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي في وزارته.
وأوقع الحسين عند المقتدر أنّ مؤنساً يريد أخذ ولده أبي العبّاس، وهو الراضي، من داره بالمخرّم، والمسير به إلى الشام، والبيعة له، فردّه المقتدر إلى دار الخلافة، فعلم ذلك أبو العبّاس؛ فلمّا أفضت الخلافة إليه فعل بالحسين ما نذكره.
وكتب الحسن إلى هارون، وهو بدير العاقول، بعد انهزامه من مرداويج، ليتقدمه إلى بغداد، وكتب إلى محمّد بن ياقوت، وهو بالأهواز، يأمره بالإسراع إلى بغداد، فزاد استشعار مؤنس، وصح عنده أنّ الحسين يسعى في التدبير عليه، وسنذكر تمام أمره سنة عشرين وثلاثمائة.
ذكر الحروب بين المسلمين والرومفي هذه السنة، في ربيع الأوّل، غزا ثمل والي طَرَسُوس بلاد الروم، فعبر نهراً، ونزل عليهم ثلجٌ إلى صدور الخيل، وأتاهم جمع كثير من الروم، فواقعوهم، فنصر الله المسلمين، فقتلوا من الروم ستّمائة، وأسروا نحواً من ثلاثة آلاف، وغنموا من الذهب والفضّة والديباج وغيره شيئاً كثيراً.
وفيها في رجب عاد ثمل إلى طَرَسُوس، ودخل بلاد الروم صائفة في جمع كثير من الفارس والراجل، فبلغوا عَمّورية، وكان قد تجمّع إليها كثير من الروم، ففارقوها لّما سمعوا خبر ثمل، ودخلها المسلمون، فوجدوا فيها من الأمتعة والطعام شيئاً فأخذوه، وأحرقوا ما كانوا عمّروه منها، وأوغلوا في بلاد الروم ينهبون، ويقتلون ويخرّبون، حتى بلغوا أنقِرَة، وهي التي تسمّى الآن أنكورية، وعادوا سالمين لم يلقوا كيداً، فبلغت قيمة السبي مائة ألف دينار وستّة وثلاثين ألف دينار، وكان وصولهم إلى طَرَسُوس آخر رمضان.

وفيها كاتب ابن الدَّيرانيّ وغيره من الأرمن، وهم بأطراف أرمينية، الروم، وحثّوهم على قصد بلاد الإسلام، ووعدوهم النصرة، فسارت الروم في خلق كثير، فخرّبوا بَزكرى وبلاد خلاط وما جاورها، وقُتل من المسلمين خلق كثير، وأسروا كثيراً منهم، فبلغ خبرهم مُفلحاً، غلام يوسف بن أبي الساج، وهو والي أذربيجان، فسار في عسكر كبير، وتبعه كثير من المتطوّعة إلى أرمينية، فوصلها في رمضان، وقصد بلد ابن الدَّيرانيّ ومن وافقه لحربه، وقتل أهله، ونهب أموالهم، وتحصّن ابن الدًَّيرانيّ بقلعة له، وبالغ الناس في كثرة القتلى من الأرمن، حتّى قيل إنّهم كانوا مائة ألف قتيل، والله أعلم.
وسارت عساكر الروم إلى سُمَيساط فحصروها، فاستصرخ أهلها بسعيد بن حَمدان، وكان المقتدر قد ولاّه الموصل وديار ربيعة، وشرط عليه غزو الروم، وأن يستنقذ مَلَطْية منهم، وكان أهلها قد ضعفوا، فصالحوا الروم، وسلّموا مفاتيح البلد إليهم، فحكموا على المسلمين، فلمّا جاء رسول أهل سُمَيساط إلى سعيد بن حمدان تجهّز وسار إليهم مسرعاً، فوصل وقد كاد الروم يفتحونها، فلمّا قاربهم هربوا منه، وسار منها إلى مَلَطية وبها جمع من الروم ومن عسكر مليح الأرمنيّ ومعهم بنْيّ بن نفيس، صاحب المقتدر، وكان قد تنصّر، وهو مع الروم، فلمّا أحسّوا بإقبال سعيد خرجوا منها، وخافوا أن يأتيهم سعيد في عسكره من خارج المدينة، ويثور أهلها بهم فيهلكوا، ففارقوها.
ودخلها سعيد ثمّ استخلف عليها أميراً، وعاد عنها، فدخل بلد الروم غازياً في شوّال، وقدّم بين يديه سَريّتَيْن فقتلتا من الروم خلقاً كثيراً قبل دخوله إليها.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في شوّال، جاء إلى تكريت سيل كبير من المطر نزل في البرّ، فغرق منها أربعمائة دار ودكّان، وارتفع الماء في أسواقها أربعة عشر شبراً، وغرق خلق كثير من الناس ودُفن المسلمون والنصارى مجتمعين لا يُعرف بعضهم من بعض.
وفيها هاجت بالموصل ريح شديد فيها حمرة شديدة، ثمّ اسودّت حتّى لا يعرف الإنسان صاحبه، وظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، ثمّ جاء الله تعالى بمطر فكشف ذلك.
وفيها توفّي أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود البلخيُّ في شعبان، وهو من متكلّمي المعتزلة البغداديّين.
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 1:53 am

ذكر مسير مؤنس إلى الموصل
في هذه السنة، في المحرّم، سار مؤنس المظفَّر إلى الموصل مغاضباً للمقتدر.
وسبب مسيره أنّه لّما صحّ عنده إرسال الوزير الحسين بن القاسم إلى هارون ابن غريب ومحمّد بن ياقوت يستحضرهما، زاد استيحاشه، ثم سمع بأنّ الحسين قد جمع الرجال والغلمان الحجريّة في دار الخليفة، وقد اتّفق فيهم، وأنَّ هارون بن غريب قد قرب من بغداد، فأظهر الغضب، وسار نحو الموصل ووجّه خادمه بُشرى برسالة إلى المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة، فقال: لا أذكرها إلاّ لأمير المؤمنين؛ فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر ما معه من الرسالة للوزرن فامتنع، وقال: ما أمرني صاحبي بهذا؛ فسبّه الوزير، وشتم صاحبه، وأمر بضربه، وصادره بثلاثمائة ألف دينار، وأخذ خطّه بها، وحبسه ونهب داره.
فلمّا بلغ مؤنساً ما جرى على خادمه، وهو ينتظر أن يطيّب المقتدر قلبه، ويعيده، فلمّا علم ذلك سار نحو الموصل ومعه جميع قُوّاده، فكتب الحسين إلى القوّاد والغلمان يأمرهم بالرجوع إلى بغداد، فعاد جماعة، وسار مؤنس نحو الموصل في أصحابه ومماليكه، ومعه من الساجيّة ثماني مائة رجل، وتقدّم الوزير بقبض إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك مَن معه، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وتمكّن من الوزارة، وولّى وعزل.
وكان فيمن تولّى أبو يوسف يعقوب بن محمّد البريديُّ، ولاّه الوزر البصرة وجميع أعمالها بمبلغ لا يفي بالنفقات على البصرة وما يتعلّق بها، بل فضل لأبي يوسف مقدار ثلاثين ألف دينار أحاله الوزير بها، فلّما علم ذلك الفضل بن جعفر بن محمّد بن الفرات استدرك على أبي يوسف، وأظهر له الغلط في الضمان، وأنّه لا يمضيه، فأجاب إلى أن يقوم بنفقات البصرة، ويحمل إلى بيت المال كلّ سنة ثمانين ألف دينار، وانتهى ذلك إلى المقتدر، فحسُن موقعه عنده، فقصده الوزير، فاستتر، وسعى بالوزير إلى المقتدر إلى أن أفسد حاله.
ذكر عزل الحسين عن الوزارة

وفيها عُزل الحسين بن القاسم عن الوزارة. وسبب ذلك أنّه ضاقت عليه الأموال، وكثرت الإخراجات، فاستسلف في هذه السنة جملة وافرة أخرجها في سنة تسع عشرة، فأنهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتّب معه الخصيبيّ، فلمّا تولّى معه نظر في أعماله، فرآه قد عمل حِسبة إلى المقتدر ليس فيها عليه وجه، وموّه وأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتّاب وكشف الحال، فحضروا، واعترفوا بصدق الخصيبيّ بذلك، وقابلوا الوزير بذلك، فقُبض عليه في شهر ربيع الآخر، وكانت وزارته سبعة أشهر، واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر، وسلّم إليه الحسين، فلم يؤاخذه بإساءتهِ.
ذكر استيلاء مؤنس على الموصلقد ذكرنا مسير مؤنس إلى الموصل فلمّا سمع الحسين الوزير بمسيره كتب إلى سعيد وداود ابنَيْ حمدان، وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن بن عبد الله ابن حمدان، يأمرهم بمحاربة مؤنس، وصدّه عن الموصل.
وكان مؤنس كتب في طريقه إلى رؤساء العرب يستدعيهم، ويبذل لهم الأموال والخِلع، ويقول لهم: إنّ الخليفة قد ولاّه الموصل وديار ربيعة.
واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس، إلاّ داود بن حمدان فإنّه امتنع من ذلك لإحسان مؤنس إليه، فإنّه كان قد أخذه بعد أبيه، وربّاه في حجره، أحسن إليه إحساناً عظيماً، فلمّا امتنع من محاربته لم يزل به إخوته حتّى وافقهم على ذلك، وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابنَيْ حمدان إلى المقتدر مرّةً بعد مرّة، وأنّهم يريدون أن يغسلوا تلك السيّئة، ولّما أجابهم قال لهم: والله إنّكم لتحملونني على البغي وكفران الإحسان، وما آمن أن يجيئني سهم عائر فيقع في نحري فيقتلني؛ فلمّا التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله.
وكان مؤنس إذا قيل له: إنّ داود عازم على قتالك، ينكره ويقول: كيف يقاتلني وقد أخذتُه طفلاً وربّيته في حجري ! ولّما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة فارس، واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفاً، والتقوا واقتتلوا، فانهزم بنو حمدان، ولم يُقتل منهم غير داود، وكان يلقّب بالمجفجف وفيه يقول بعض الشعراء وقد هجا أميراً:
لو كنتَ في ألف ألف كلّهم بطلٌ ... مِثل المُجَفْجَفِ داود بن حمدانِ
وتحتكَ الريحُ تجري حيثُ تأمرُها، ... وفي يمينك سيفَ غيرُ خَوَّان
لكنتَ أوّل فَرّارٍ إلى عَدَنٍ ... إذا تحرّك سيفٌ من خُراسانِ
وكان داود هذا من أشجع الناس، ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر، واستولى على أموال بني حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد، والشام، ومصر، من أصناف الناس لإحسانه الذي كان إليهم، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان، فصار معه، وأقام بالموصل تسعة أعر، وعزم على الانحدار إلى بغداد.
ذكر قتل المقتدرلّما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له: اذهبْ بنا إلى الخليفة، فإنا أنصفنا، وأجرى أرزاقنا، وإلاّ قاتلناه؛ فانحدر مؤنس من الموصل في شوّال، وبلغ خبره جند بغداد، فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرّق المقتدر فيهم أموالاً كثيرة، إلاّ أنّه لم يسعهم، وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حَمدان وصافياً البصريّ في خيل عظيمة إلى سُرّ من رأى، وأنفذ أبا بكر محمّد بن ياقوت في ألفَيْ فارس، ومعه الغلمان الحجريّة، إلى المعشوق.
فلمّا وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه، فلمّا قربوا من المعشوق جعل العسكرُ الذين مع ابن ياقوت يتسلّلون ويهربون إلى بغداد، فلمّا رأى ذلك رجع إلى عُكْبَرا، وسار مؤنس، فتأخّر ابن ياقوت وعسكره، وعادوا إلى بغداد، فنزل مؤنس بباب الشّمّاسيّة ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم، واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن غريب ليخرج، فلم يفعل، وقال: أخاف من عسكري، فإنّ بعضهم أصحاب مؤنس، وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج، فأخاف أن يسلّموني وينهزموا عنّي؛ فأنفذ إليه الوزير، فلم يزل به حتّى أخرجه، وأشاروا على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضى الجند، ومتى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرّقوا عنه واضطرّ إلى الهرب؛ فقال: لم يبق ولا لوالدتي جهة شيء.

وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط، ويكاتب العساكر من جهة البصرة، والأهواز، وفارس، وكرمان، وغيرها، ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع عليه العساكر، ويعود إلى قتاله، فردّه ابن ياقوت عن ذلك، وزيّن له اللقاء، وقوّى نفسه بأنّ القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه، فرجع إلى قوله وهو كاره.
ثم أشار عليه بحضور الحرب، فخرج وهو كاره، وبين يديه الفقهاء، والقراء معهم المصاحف مشهورة، وعليه البردة، والناس حوله، فوقف على تلّ عالٍ بعيد عن المعركة، فأرسل قوّاد أصحابه يسألونه التقدّم مرّة بعد أخرى، وهو واقف، فلمّا ألحّوا عليه تقدّم من موضعه، فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم، وكان قد أمر فنودي: مَن جاء بأسير فله عشرة دنانير، ومَن جاء برأس فله خمسة دنانير، فلمّا انهزم أصحابه لقيه عليُّ بن بُليق، وهو من أصحاب مؤنس، فترجّل وقبّل الأرض وقال له: إلى أين تمضي ؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك بالحضور ! فأراد الرجوع، فلقيه قوم من المغاربة والبربر، فتركه عليٌّ معهم وسار عنه، فشهروا عليه سيوفهم، فقال: ويحكم أنا الخليفة ! فقالوا: قد عرفناك يا سِفْلَةُ، أنت خليفة إبليس، تبذل في كلّ رأس خمسة دنانير، وفي كلّ أسير عشرة دنانير ! وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم، فقيل إنّ عليَّ بن بليق غمز بعضهم فقتله.
وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثّة، فلمّا قتلوه رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتّى سراويله، وتركوه مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة، فستره بحشيش، ثم حفر له موضعه، ودُفن، وعُفي قبره.
وكان مؤنس في الراشديّة لم يشهد الحرب، فلمّا حُمل رأس المقتدر إليه بكى، ولطم وجهه ورأسه، وقال: يا مفسدون ! ما هكذا أوصيتُكم؛ وقال: قتلتموه، وكان هذا آخر أمره، والله لنُقتَلنّ كلّنا، وأقلّ ما في الأمر أنّكم تُظهرون أنّكم قتلتموه خطأ، ولم تعرفوه.
وتقدّم مؤنس إلى الشّمّاسيّة، وأنفذ إلى دار الخليفة مَن يمنعها من النهب، ومضى عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومحمّد بن ياقوت، وابنا رائق إلى المدائن، وكان ما فعله مؤنس سبباً لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بالٍ، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة حتّى صار الأمر إلى ما نحكيه.
على أن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيراً، وحكّم فيها النساء والخدم، وفرّط في الأموال، وعزل من الوزراء وولّى ممّا أوجب طمع أصحاب الأطراف والنوّاب، وخروجهم عن الطاعة.
وكان جملة ما أخرجه من الأموال، تبذيراً وتضييعاً في غير وجه، نيِّفاً وسبعين ألف ألف دينار، سوى ما أنفقه في الوجوه الواجبة؛ وإذا اعتبرت أحوال الخلافة في أيّامه وأيّام أخيه المكتفي ووالده المعتضد، رأيت بينهم تفاوتاً بعيداً، وكانت مدّة خلافته أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستّة عشر يوماً؛ وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة ونحواً من شهرين.
ذكر خلافة القاهر باللهلّما قُتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس، وقال: الرأي أن ننصِّب ولده أبا العبّاس أحمد في الخلافة، فإنّه تربيتي، وهو صبيّ عاقل، وفيه دين وكرم، ووفاء بما يقول، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدّته، والدة المقتدر، وإخوته، وغلمان أبيه ببذل الأموال، ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان؛ فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّوبختيُّ وقال: بعد الكدّ والتعب استرحنا من خليفة له أمّ، وخالة، وخدم يدبّرونه، فنعود إلى تلك الحال ! والله لا نرضى إلاّ برجل كامل، يدبّر نفسه، ويدبّرنا. وما زال حتّى ردّ مؤنساً عن رأيه، وذكر له أبو منصور محمّد بن المعتضد، فأجابه مؤنس إلى ذلك، وكان النُّوبختيُّ في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتله، كما نذكره (وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ) البقرة: 216.
وأمر مؤنس بإحضار محمّد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة لليلَتين بقيتا من شوّال، ولقّبوه القاهر بالله، وكان مؤنس كارهاً لخلافته، والبيعة له، ويقول: إنّني عارف بشرّه، وسوء نيّته، ولكن لا حيلة.

ولّما بويع استحْلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بُلَيق، ولعلّي بن بليق، وأخذوا خطّة بذلك، واستقرّت الخلافة له، وبايعه الناس، واستوزر أبا عليّ بن مُقلة، وكان بفارس، فاستقدمه، ووزَر له، واستحجب القاهرُ عليَّ بن بُلَيق، وتشاغل القاهر بالبحث عمّن استتر من أولاد المقتدر وحُرَمه، وبمناظرة والدة المقتدر، وكانت مريضة قد ابتدأ بها الاستسقاء، وقد زاد مرضها بقتل ابنها، ولّما سمعت أنّه بقي مكشوف العورة جزعت جزعاً شديداً، وامتنعت عن المأكول والمشروب حتّى كادت تهلك، فوعظها النساء حتّى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والملح.
ثمّ أحضرها القاهر عنده، وسألها عن مالها، فاعترفت له بما عندها من المَصُوغ والثياب، ولم تعترف بشيء من المال والجوهر، فضربها أشدّ ما يكون من الضرب، وعلّقها برجلها، وضرب المواضع الغامضة من بدنها، فحلفت أنّها لا تملك غير ما أطلعته عليه، وقالت: لو كان عندي مال لما أسلمتُ ولدي للقتل؛ ولم تعترف بشيء.
وصادر جميع حاشية المقتدر وأصحابه، وأخرج القاهر والدة المقتدر لتُشهد على نفسها القضاة والعدول بأنّها قد حلّت أوقافها، ووكّلت في بيعها، فامتنعت عن ذلك، وقالت: قد أُوقفها على أبواب البرّ والقرب بمكّة والمدينة والثغور، وعلى الضعفى والمساكين، ولا أستحلّ حلّها ولا بيعها، وإنّما أوكل على بيع أملاكي.
فلمّا علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول، وأشهدهم على نفسه أنّه قد حلّ وقوفها جميعها، ووكّل في بيعها، فبيع ذلك جميعه مع غيره، واشتراه الجند من أرزاقهم؛ وتقدّم القاهر بكبس الدور التي سُعي إليه أنّه اختفى فيها ولد المقتدر، فلم يزل كذلك إلى أن وجدوا منهم أبا العبّاس الراضي، وهارون، وعليّاً، والعبّاس، وإبراهيم، والفضل، فحُملوا إلى دار الخليفة، فصودروا على مالٍ كثير، وسلّمهم عليُّ بن بُليق إلى كاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم.
واستقرّ أبّو عليّ بن مقلة في الوزارة، وعزل وولّى، وقبض على جماعة من العمّال، وقبض على بني البريدي، وعزلهم عن أعمالهم وصادرهم.
ذكر وصول وشمكير إلى أخيه مرداويجوفيها أرسل مرداويج إلى أخيه وشمكير، وهو ببلاد جِيلان، يستدعيه إليه، وكان الرسول بن الجعد، قال: أرسلني مرداويج، وأمرني بالتلطّف لإخراج أخيه وشمكير إليه، فلمّا وصلتُ سألتُ عنه، فدُللتُ عليه، فإذا هو مع جماعة يزرعون الأرزّ، فلمّا رأوني قصدوني وهم حفاة عراة، عليهم سراويلات ملوّنة الخرق، وأكيسة ممزقة، فسلّمتُ عليه، وأبلغتهُ رسالة أخيه، وأعلمتُه بما ملك من البلاد والأموال وغرها، فضرط بفمه في لحية أخيه وقال: إنّه لبس السواد، وخدم المسوِّدة، يعني الخلفاء من بني العبّاس.
فلم أزل أمنّيه وأطمعه حتّى خرج معي، فلمّا بلغنا قَزوين اجتهدتُ به ليلبس السواد، فامتنع ثمّ لبس بَعد الجهد. قال: فرأيتُ من جهله أشياء أستحيي من ذكرها، ثمّ أعطته السعادة ما كان له في الغيب، فصار من أعرف الملوك بتدبير الممالك وسياسة الرعايا.
ذكر عدّة حوادث
فيها توفّي القاضي أبو عمر محمّد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل ابن حمّاد بن زيد، وكان عالماً فاضلاً حليماً، وأبو عليّ الحسين بن صالح ابن خيران الفقيه الشافعيُّ، وكان عابداً ورِعاً، أُريد على القضاة، فلم يفعل.
وفيها توفّي أبو نعيم عبد الملك بن محمّد بن عديّ الفقيه الشافعيُّ الجرجانيُّ، المعروف بالأسْتراباذيّ.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
ذكر حال عبد الواحد بن المقتدر
ومن معه
قد ذكرنا هرب عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومفلح، ومحمّد بن ياقوت، وابني رائق، بعد قتل المقتدر، إلى المدائن، ثمّ إنّهم انحدروا منها إلى واسط، وأقاموا بها، وخافهم الناس؛ فابتدأ هارون بن غريب وكتب إلى بغداد يطلب الأمان، ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه، وينزل عن الأملاك التي استأجرها، ويؤدّي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة؛ فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك، وكتبا له كتاب أمان وقُلّد أعمال ماه الكوفة، وماسَبَذان، ومهرجان قذَق، وسار إلى بغداد.
وخرج عبد الواحد بن المقتدر من واسط فيمن بقي معه، ومضوا إلى السُّوس وسوق الأهواعز، وجبوا المال، وطردوا العمّال، وأقاموا بالأهواز، فجهّز مؤنس إليهم جيشاً كثيفاً، وجعل عليهم بُليقاً.

وكان الذي حرّضهم على إنفاذ الجيش أبو عبدالله البرِيديُّ، فإنّه كان قد خرج من الحبس فخوّفهم عاقبةَ إهمال عبد الواحد ومَن معه، وبذلل مساعدة معجّلة خمسية ألفَ دينار على أن يتولّى الأهواز، وعند استقراره بتلك البلاد يعجّل باقي المال، وأمر مؤنس بالتجهّز، وأنفق ذلك المال، وسار العسكر وفيهم أبو عبدالله.
وكان محمّد بن ياقوت قد استبدّ بالأموال والأمر، فنفرت لذلك قلوب مَن معه من القوّاد والجند، فلمّا قرب العسكر من واسط أظهر مَن معه من القوّاد ما في نفوسهم، وفارقوه، ولّما وصل بُليق إلى السُّوس فارق عبدُ الواحد ومحمّد بن ياقوت الأهواز وسارا إلى تُستَر، فعمل القراريطيُّ، وكان مع العسكر، فأهل الأهواز ما لم يفعله أحد: نهب أموالهم، وصادرهم جميعهم، ولم يسلم منهم أحد.
ونزل عبد الواحد وابن ياقوت بتُستر، وفارقهما من معهما من القوّاد إلى بُلّيق بأمان، وبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد، فقالا لمحمّد بن ياقوت: أنت معتصم بهذه المدينة، وبمالك ورجالك، ونحن فلا مال معنا، ولا رجال، ومقامنا معك يضرّك ولا ينفعك، وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر؛ فأذن لهما في ذلك، فكتبا إلى بليق فأمّنهم، فعبروا إليه وبقي محمّد بن ياقوت منفرداً، فضعفت نفسه، وتحيّر، فتراسل هو وبُليق، واستقرّ بينهما أنّه يخرج إلى بُلَيق على شرط أنّه يؤمِّنه، ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل ذلك وحلف له، وخرج محمّد بن ياقوت معه إلى بغداد، واستولى أبو عبدالله البريديُّ على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار، وعمل بأهل البلاد ما لا يعلمه الفرنج، ولم يمنعه أحد عمّا يريد؛ ولم يكن عنده من الدين ما يزعه عن ذلك، وعاد إخوته إلى أعمالهم؛ ولّما عاد عبد الواحد ومحمّد بن ياقوت وفي لهم القاهر، وأطلق لعبد الواحد أملاكه، وترك لوالدته المصادرة التي صادرها بها.
ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهرفي هذه السنة استوحش مؤنس المظفَّر وبُليق الحاجب وولده عليّ والوزير أبو عليّ بن مقلة من القاهر، وضيّقوا عليه وعلى أسبابه.
وكان سبب ذلك أنّ محمّد بن ياقوت تقدّم عند القاهر، وعلت منزلته، وصار يخلو به ويشاورهن فغلظ ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبين محمّد، فألقى إلى مؤنس أنّ محمّداً يسعى به عند القاهر، وأنّ عيسى الطبيب يسفر بينهما في التدبر عليه، فوجّه مؤنس عليَّ بن بُليق لإحضار عيسى الطبيب، فوجده بين يدي القاهر، فأخذه وأحضره عند مؤنس، فسيّره من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع بمحمّد بن ياقوت، وكان في الخيام، فركب عليُّ بن بُليق في جنده ليكبسه، فوجده قد اختفى، فنهب أصحابه واستتر محمّد بن ياقوت.
ووكّل عليُّ بن بُليق على دار الخليفة أحمدَ بن زيرك، وأمرهُ بالتضييق على القاهر، وتفتيش كلّ من يدخل الدار ويخرج منها، وأن يكشف وجوه النساء المنقّبات، وإن وجد مع أحد رقعة دفعها إلى مؤنس، ففعل ذلك، وزاد عليه، حتّى إنّه حُمل إلى دار الخليفة لبَن، فأدخل يدَه فيه لئلاّ يكون فيه رقعة، ونقل بُليق من كان بدار القاهر محبوساً إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها، وقطع أرزاق حاشيته.
فأمّا والدة المقتدر فإنّها كانت قد اشتدّت علّتها لشدّة الضرب الذي ضربها القاهر، فأكرمها عليُّ بن بُليق وتركها عند والدته، فماتت في جمادى الآخرة، وكانت مكرّمة مرفّهة، ودُفنت بتربتها بالرُّصافة.
وضيّق عليُّ بن بُليق على القاهر، فعلم لقاهر أنّ العتاب لا يفيد، وأن ذلك بأري مؤنس وابن مقلة، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم.
وكان قد عرف فساد قلب طريق السبكريّ وبشرى خادم مؤنس لبليق وولده عليّ، وحسدهما على مراتبهما، فشرع في أغرائهما ببليق وابنه.

وعلم أيضاً أنّ مؤنساً وبُليقاً أكثر اعتمادهما على الساجيّة، أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمانه المنتقلين إليهما بعده، وكانا قد وعدا الساجيّة بالموصل مواعيد أخلفاها، فأرسل القاهر إليهم يغريهم بمؤنس وبُليق، ويحلف لهم على الوفاء بما أخلفاهم، فتغيّرت قلوب الساجيّة، ثمّ إنّه راسل أبا جعفر محمّد بن القاسم بن عُبيد الله، وكان من أصحاب ابن مقلة وصاحب مشورته، ووعده الوزارة، فكان يطالعه بالأخبار، وبلغ ابن مقلة أنّ القاهر قد تغيّر عليه، وأنّه مجتهد في التدبير عليه وعلى مؤنس، وبليق، وابنه عليّ، والحسن ابن هارون، فأخبرهم ابن مقلة بذلك.
ذكر القبض على مؤنس وبُليق
في هذه السنة، أوّل شعبان، قبض القاهر بالله على بُليق وابنه، ومؤنس المظفَّر.
وسبب ذلك أنّه لّما ذكر ابن مقلة لمؤنس وبُليق ما هو عليه القاهر من التدبير في استئصالهم خافوه، وحملهم الخوف على الجدّ في خلعه، واتّفق رأيهم على استخلاف أبي أحمد بن المكتفي وعقدوا له الأمر سرّاً، وحلف له بُليق وابنه عليٌّ، والوزير أبو عليّ بن مقلة، والحسن بن هارون، وبايعوه، ثمّ كشفوا الأمر لمؤنس فقال لهم: لستُ أشكّ في شرّ القاهر وخبثه، ولقد كنتُ كارهاً لخلافته، وأشرتُ بابن المقتدر، فخالفتم وقد بالغتم الآن في الاستهانة به، وما صبر على الهوان إلاّ من خبث طويّته ليدبّر عليكم، فلا تعجلوا على أمر حتّى تؤنسوه وينبسط إليكم، ثم فتّشوا لتعرفوا من مواطأة من القوّاد ومن الساجيّة والحجريّة، ثم اعملوا على ذلك، فقال عليُّ بن بُليق، والحسن بن هارون: ما يحتاج إلى هذا التطويل، فإنّ الحجبة لنا، والدار في أيدينا، وما يحتاج أن نستعين في القبض عليه بأحدٍ لأنّه بمنزلة طائر في قفص.
وعملوا على معاجلته، فاتّفق أن سقط بُليق من الدابّة، فاعتلّ ولزم منزله، واتّفق ابنه علٌّيُّ وأبو عليّ بن مقلة وزيّنا لمؤنس خلع القاهر، هوّنا عليه الأمر، فأذن لهما، فاتّفق رأيهما على أن يُظهروا أنّ أبا طاهر القرمطيّ قد ورد الكوفة في خلق كثير، وأنّ عليَّ بن بُليق سائر إليه في الجيش ليمنعه عن بغداد، فإذا دخل على القاهر ليودّعه ويأخذ أمره فيما يفعل قبض عليه.
فلمّا اتّفقا على ذلك جلس ابن مقلة، وعنده الناس، فقال لأبي بكر ابن قرابة: أعلمتَ أنّ القُرمُطيَّ قد دخل الكوفة في ستّة آلاف مقاتل بالسلاح التامّ ؟ قال: لا ! قال ابن مقلة: قد وصلَنا كتب النوّاب بها بذلك؛ فقال ابن قرابة: هذا كذب ومُحال، فإنّ في جوارنا إنساناً من الكوفة، وقد أتاه اليوم كتاب على جَناح طائر تاريخه اليوم يخبر فيه بسلامته، فقال له ابن مقلة: سبحان الله، أنتم أعرف منّا بالأخبار ؟ فسكت ابن قرابة، وكتب ابن مقلة إلى الخليفة يعرّفه ذلك، ويقول له: إنّي قد جهّزت جيشاً مع عليّ بن بُليق ليسير يومنا هذا، والعصرَ يحضر إلى الخدمة ليأمره مولانا بما يراه، فكتب القاهر في جوابه يشكره، ويأذن له في حضور ابن بُليق، فجاءت رقعة القاهر وابن مقلة نائم، فتركوها ولم يوصلوها إليه، فلمّا استيقظ عاد وكتب رقعة أخرى في المعنى، فأنكر القاهر الحال، حيث قد كتب جوابه، وخاف أن يكون هناك مكرٌ.
وهو في هذا إذ وصلت رقعة طريق السبكريّ يذكر أنّ عنده نصيحة، وأنّه قد حضر في زيّ إمرأة لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما قد عزموا عليه، وما فعلوه من التدبير ليقبض ابن بليق عليه إذا اجتمع به، وأنّهم قد بايعوا أبا أحمد بن المكتفي، فلمّا سمع القاهر ذلك أخذ حذره، وأنفذ إلى الساجيّة فأحضرهم متفرّقين، وكمّنهم في الدهاليز، والممرّات، والرواقات، وحضر عليُّ بن بُليق بعد العصر، وفي رأسه نبيذ، ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف، في طيارة، وأمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة، وصعد من الطيارة، وطلب الإذن، فلم يأذن له القاهر، فغضب وأساء أدبه، وقال: لا بدّ من لقائه شاء أو أبى.
وكان القاهر قد أحضر الساجيّة، كما ذكرنا، وهم عنده في الدار، فأمرهم القاهر بردّه، فخرجوا إليه وشتموه وشتموا أباه، وشهروا سلاحهم وتقدّموا إليه جميعهم ففرّ أصحابه عنه، وألقى نفسه في الطيارة وعبر إلى الجانب الغربيّ واختفى من ساعته، فبلغ ابن مقلة الخبر، فاستتر واستتر الحسن بن هارون أيضاً.

فلمّا سمع طريق الخبر ركب في أصحابه، وعليهم السلاح، وحضروا دار الخليفة، ووقف القاهر، فعظم الأمر حينئذٍ على ابن بُليق وجماعتهم، وأنكر بُليق ما جرى على ابنه، وسبّ الساجيّة، وقال: لا بدّ من المضي إلى دار الخليفة، فإن كان الساجيّة فعلوا هذا بغير تقدُّم قابلتُهم بما يستحقّونه، وإن كان بتقدم سألته عن سبب ذلك.
فحضر دار الخليفة ومعه جميع القوّاد الذين بدار مؤنس، فلم يوصله القاهر إليه، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وأمر بالقبض على أحمد بن زيرك، صاحب الشُّرطة، وحصل الجيش كلّهم في الدار، فأنقذ القاهر وطيّب نفوسهم، ووعدهم الزيادة، وأنّه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثمّ يطلقهم ويحسن إليهم، فعادوا، وراسل القاهر مؤنساً يسأله الحضور عنده ليعرض عليه ما رفع عليهم ليفعل ما يراه، وقال: إنّه عندي بمنزلة الوالد، وما أُحبُّ أن أعمل شيئاً إلاّ عن رأيه؛ فاعتذر مؤنس عن الحركة، ونهاه أصحابه عن الحضور عنده.
فلمّا كان الغد أحضر القاهر طريفاً السبكريَّ وناوله خاتمه وقال له: قد فوّضتُ إلى ولدي عبد الصمد ما كان المقتدر فوّضه إلى ابنه محمّد، وقلّدتُك خلافته، ورئاسة الجيش، وإمارة الأمراء، وبيوت الأموال، كما كان ذلك إلى مؤنس، ويجب أن تمضي إليه وتحمله إلى الدار، فإنّه ما دام في منزله يجتمع إليه من يريد الشرّ ولا نأمن تولُّد شغل، فيكون ها هنا مرفهاً، ومعه من أصحابه من يخدمه على عادته.
فمضى إلى دار مؤنس، وعنده أصحابه في السلاح، وهو قد استولى عليه الكبر والضعف، فسأله أصحاب مؤنس عن الحال، فذكر سوء صنيع بُليق وابنه، فكلّهم سبّهما، وعرّفهم ما أخذ لهم من الأمان والعهود، فسكتوا، ودخل إلى مؤنس وأشار عليه بالحضور عند القاهر، وحمله عليه، وقال له: إنّ تأخّرت طمع، ولو رآك نائماً ما تجاسر أن يوقظك؛ وكان موافقاً على مؤنس وأصحابه لما نذكره، فسار مؤنس إليه، فلمّا دخل الدار قبض القاهر عليه وحبسه ولم يره.
قال طريف: لّما أعلمتُ القاهر بمجيء مؤنس ارتعد، وتغيّرتْ أحواله، وزحف من صدر فراشه، فخفتُه أن أكلّمه في معناه، وعلمتُ أنّني قد أخطأتُ، وندمتُ، وتيقّنتُ أنّني لاحق بالقوم عن قريب، وذكرتُ قول مؤنس فيه إنّه يعرفه بالهوج، والشرّ، ولإقدام، والجهل؛ وكان أمر الله مقدوراً؛ وكانت وزارة ابن مقلة هذه تسعة أشهر وثلاثة أيّام.
واستوزر القاهر أبا جعفر محمّد بن القاسم بن عبيدالله، مستهلّ شعبان، وخلع عليه، وأنفذ القاهر وختم على دور مؤنس، وبُليق وابنه عليّ، وابن مقلة، وأحمد بن زيرك، والحسن بن هارون، ونقل دوابّهم، ووكّل بحرمهم، وأنفذ فاستقدم عيسى المتطّبب من الموصل، وأمر بنقل ما في دار ابن مقلة وإحراقها، فنُهبت وأُحرقت، ونُهبت دور المتعلّقين بهم، وظهر محمّد ابن ياقوت وقام بالحجبة، ثمّ رأى كراهية طريق السبكريّ والساجيّة له، فاختفى وهرب إلى أبيه بفارس، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب، وقلّده كور الأهواز.
وكان السبب في ميل طريف السبكريّ، والساجيّة، والحجريّة، إلى القاهر، ومواطأتهم على مؤنس وبُليق وابنه ما نذكره، وهو أن طريفاً كان قد أخذ قوّاد مؤنس وأعلاهم منزلة، وكان بُليق وابنه ممّن يقبّل يده ويخدمه، فلمّا استخلف القاهر بالله تقدّم بُليق وابنه، وحكما في الدولة كما ذكرناه، وأهمل ابن بُليق جانب طريف، وقصده وعطله من أكثر أعماله؛ فلمّا طالت عُطلته استحيا منه بُليق، وخاف جانبه، فعزم على استعماله على ديار مصر ليقضي حقّه، ويبعده، ومعه أعيان رفقائه ليأمنهم، وقال ذلك للوزير أبي عليّ بن مقلة، فرآه صواباً، فاعتذر بُليق إلى طريق لسبب عُطلته، وأعلمه بحديث مصر، فشكره، وشكر الوزير أيضاً، فمنع عليَّ بن بُليق من إتمامه، وتولّيى هو العمل، وأرسل إليه من يخلفه فيه، فصار طريف عدوّاً يتربّص بهم الدوائر.
وأمّا الساجيّة فإنّهم كانوا عُدّة مؤنس وعضده، وساروا معه إلى الموصل، وعادوا معه إلى قتال المقتدر، ووعدهم مؤنس المظفَّر بالزيادة؛ فلمّا قُتل المقتدر لم يروا لميعاده وفاء، ثناه عنه ابن بُليق، وطرّحهم ابن بُليق أيضاً، وأعرض عنهم.

وكان من جملتهم خادم أسود اسمه صندل، وكان من أعيانهم، وكان له خادم اسمه مؤتَمَن، فباعه، فاتّصل بالقاهر قبل خلافته، فلمّا استخلف قدّمه وجعله لرسائله، فلمّا بُلي القاهر بابن بُليق وسوء معاملته كان كالغريق يتمسّك بكلّ شيء، وكان خبيراً بالدهاء والمكر، فأمر مؤتمناً أن يقصد صَندلاً الساجيَّ الذي باعه، ويشكو من القاهر، فإن رأى منه ردّاً لما يقوله أعلمه بحال القاهر وما يقاسي من ابن بُليق وابنه، وإن رأى منه خلاف ذلك سكت، فجاء إليه وفعل ما أمره.
فلمّا شكا قال له صندل: وفي أيّ شيء هو الخليفة حتّى يعطيك، ويوسّع عليك ؟ إن فرّج الله عنه من هذا المفسد احتجتُ أنا وغيري إليك، ولله عليّ صوم وصدقة أن ملك الخليفة أمره، واستراح، وأراحنا من هذا الملعون؛ فأعاد المؤتمن الحديث على القاهر، فأرسل على يده هدية جميلة من طيب وغيره، إلى زوجة صندل، وقال له: تحمله إليها، وزوجها غائب عنها، وتقول لها: إنّ الخليفة قسم فينا شيئاً، وهذا من نصيبي أهديتُه إليكم، ففعل هذا، فقبلته، ثمّ عاد إليها من الغد وقال: أيّ شيء قال صندل لّما رأى انبساطي عليكم ؟ فقالت: اجتمع هو وفلان وفلان، وذكرتْ ستّة نفر من أعيانهم، ورأوا ما أهديتَ إلينا فاستعملوا منه ودعوا للخليفة.
فبينما هو عندها إذ حضر زوجها، فشكر مؤتمناً، وسأله عن أحوال الخليفة، فأثنى عليه، ووصفه بالكرم، وحُسن الأخلاق، وصلابته في الدين، فقال صندل إنّ ابن بليق نسبَه إلى قلّة الدين، ويرميه بأشياء قبيحة، فحلف مؤتمن على بُطلان ذلكن وأن جميعه كذبٌ.
ثمّ أمر القاهر مؤتّمناً أن يقصد زوجة صندل، ويستدعيها إلى قهرمانة القاهر، فتحضر متنكرة على أنّها قابلة يأنس بها مَن عند القاهر، لّما كانوا بدار ابن طاهر، وقد حضرت لحاجة بعض أهل الدار إليها، ففعلت ذلك، ودخلت الدار وباتت عندهم، فحملها القاهر رسالة إلى زوجها ورفقائه، وكتب إليهم رقعة بخطّة يعدهم بالزيادة في الإقطاع والجاري، وأعطاها لنفسها مالاً، فعادت إلى زوجها وأخبرته بما كان جميعه، فوصل الخبر إلى ابن بُليق أنّ امرأة من دار ابن طاهر دخلت إلى دار الخليفة، فلهذا منع ابن بُليق من دخول امرأة حتّى تُبصَر وتُعرف.
وكان للساجيّة قائد كبير اسمه سيما، وكلّهم يرجعون إلى قوله، فاتّفق صندل ومَن معه على إعلام سيما بذلك إذ لا بدّ لهم منه، وأعلموه برسالة القاهر إليهم، فقال: هذا صواب، والعاقبة فيه جميلة، ولكن لا بدّ من أن يُدخلوا في الأمر بعض هؤلاء القوم، يعني أصحاب بُليق ومؤنس، وليكن من أكابرهم، فاتّفقوا على طريق السبكريّ، وقالوا: هو أيضاً متسخّط؛ فحضروا عنده وشكوا إليه ما هم فيه، وقالوا: لو كان الأستاذ، يعنون مؤنساً، يملك أمره لبلغنا مرادنا، ولكن قد عجز وضعف، واستبدّ عليه ابن بُليق بالأمور؛ فوجدوا عنده من كراهتهم أضعاف ما أرادوا، فأعلموه حينئذ حالهم، فأجابهم إلى موافقتهم، واستحلفهم أنّه لا يلحق مؤنساً وبُليقاً وابنه مكروه وأذى في أنفسهم وأبدانهم وأموالهم، وإنّما يلزم بُليق وابنه بيوتهم، ويكون مؤنس على مرتبته لا يتغيّر، فحلفوا على ذلك، وحلف لهم على الموافقة، وطلب خطّ القاهر بما طلب، فأرسلوا إلى القاهر بما كان، فكتب إليهم بما أرادوا، وزاد بأن قال: إنّه يصلّي بالناس، ويخطب أيّام الجمع، ويحجّ بهم، ويغزو معهم، ويقعد للناس، ويكشف مظالمهم إلى غير ذلك من حُسن السيرة.
ثم إنّ طريفاً اجتمع بجماعة من رؤساء الحجريّة، وكان ابن بُليق قد أبعدهم عن الدار وأقام بها أصحابه، فهم حنقون عليه، فلمّا أعلمهم طريف الأمر أجابوه إليه، فظهر شيء من هذا الحديث إلى ابن مقلة وابن بليق، ولم يعلموا تفصيله، فاتّفقوا على أن يقبضوا على جماعة من قوّاد الساجيّة والحجريّة، فلم يقدموا عليهم خوف الفتنة.

وكان القاهر قد أظهر مرضاً من دماميل وغيرها، فاحتجب عن الناس خوفاً منهم، فلم يكن يراه أحدٌ إلاّ خواصّ خدمه من الأوقات النادرة، فتعذّر على ابن مقلة وابن بليق الاجتماع به ليبلغوا منه ما يريدون، فوضعا ما ذكرناه من أخبار القرامطة ليظهروا لهم ويفعلوا به ما أرادوا؛ ولّما قبض القاهر على مؤنس وجماعته استعمل القاهرّ على الحجَبة سلامة الطولونيَّ، وعلى الشُّرطة أبا العبّاس أحمد بن خاقن، واستوزر أبا جعفر محمّد بن القاسم ابن عبيدالله، وأمر بالنداء على المستترين، وأباحة مال من أخفاهم وهدْم داره، وجدّ في طلب أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبنى عليه حائطاً وهو حيّ فمات، وظفر بعليّ بن بليق فقتله.
ذكر قتل مؤنس وبُليق
وولده عليّ والنوبختيّ
وفيها، في شعبان، قتل القاهر مؤنساً المظفَّر، وبُليقاً، وعليَّ بن بُليق.
وكان سبب قتلهم أنّ أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، وأحرقوا روشَن دار الوزير أبي جعفر، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا: لا نرضى إلاّ بإطلاق مؤنس.
وكان القاهر قد ظفر بعليّ بن بليق، وأفرد كلّ واحد منهم في منزل، فلمّا شغب الجند دخل القاهر إلى عليّ بن بليق، فأمر به فذُبح واحتُزّ رأسه، فوضعوه في طشت، ثم مضى القاهر والطشت يُحمَل بين يديه حتّى دخل على بليق فوضع الطشت بين يديه، وفيه رأسه ابنه، فلمّا رآه بكى، وأخذه يقبّله ويترشفه، فأمر به القاهر فذُبح أيضاً، وجُعل رأسه في طشت، وحُمل بين يدي القاهر، ومضى حتّى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه، فلمّا رأى الرأسَيْن تشهَّد واسترجع، ولعن قاتلهما؛ فقال القاهر: جُرّوا برجل الكلب الملعون ! فجرّوه وذبحوه وجعلوا رأسه في طشت، وأمر فطيفَ بالرؤوس في جانبَيْ بغداد، ونودي عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ويسعى في فساد دولته؛ ثم أُعيدت ونُظِّفت وجُعلت في خزانة الرؤوس، كما جرت العادة.
وقيل إنّه قتل يُليقاً وابنه مستخفٍ، ثمّ ظفر بابنه بعد ذلك، فأمر به فضُرب، فأقبل ابن بُليق على القاهر، وسبّه أقبح سبّ، وأعظم شتم، فأمر به القاهر فقُتل، وطيف برأسه في جانبَيْ بغداد، ثمّ أرسل إلى ابن يعقوب النّوبختيّ، وهو في مجلس وزيره محمّد بن القاسم، فأخذه وحبسه؛ ورأى الناس من شدّة القاهر ما علموا معه أنّهم لا يسلمون من يده، وندم كلّ من أعانه من سُبُك، والساجيّة، والحجريّة، حيث لم ينفعهم الندم.
ذكر وزارة محمّد بن القاسم للخليفة
وعزله ووزارة الخصيبيّ
لّما قبض القاهر بالله على مؤنس وبُليق وابنه سأل عمّن يصلح للوزارة، فدُل على أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيدالله، فاستوزره، فبقي وزيراً إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة، فأرسل القاهر فقبض عليه، وعلى أولاده، وعلى أخيه عبيدالله، وحُرَمه، وكان مريضاً بقُولَنْج، فبقي محبوساً ثمانية عشر يوماً، ومات، فحُمل إلى منزله، وأطلق أولاده، واستوزر أبا العبّاس أحمد بن عبيدالله بن سليمان الخصيبيّ، وكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر واثني عشر يوماً.
ذكر القبض على طريف السبكريّ
لّما تمكّن القاهر، وقبض على مؤنس وأصحابه، وقتلهم، ولم يقف على اليمين والأمان اللذين كتبهما لطريف، وكان القاهر يُسمع طريفاً ما يكره، ويستخفّ به، ويعرض له بالأذى، فلمّا رأى ذلك خافه، وتيقّن القبض عليه والقتل، فوصَّى وفرغ من جميع ما يريده.
واشتغل القاهر عنه بقبض مَن قبض عليه من وزير وغيره، ثم أحضره بعد أن قبض على وزيره أبي جعفر، فقبض عليه، فتيقّن القتل أُسوةً بمن قتل من أصحابه ورفقائه، فبقي محبوساً يتوقّع القتل صباحاً ومساء إلى أن خُلع القاهر.
ذكر أخبار خُراسان
في هذه السنة سار مرداويج من الرَّيّ إلى جُرجان، وبها أبو بكر محمّد ابن المظفَّر مريضاً، فلمّا قصده مرداويج عاد إلى نَيسابور، وكان السعيد نصر بن أحمد بنَيسابور، فلمّا بلغها محمّد بن المظفّر سار السعيد نحو جُرجان، وكاتب محمّدُ بن عبيدالله البلغميُّ مطرفَ بن محمّد وزير مرداويج، واستماله، فمال إليه، فانتهى الخبر بذلك إلى مرداويج، فقبض على مطرف وقتله.

وأرسل محمّدُ بن عبيدالله البلغميُّ إلى مرداويج يقول له: أنا أعلم أنّك لا تستحسن كفر ما يفعله معك الأمير السعيد، وأنّك أنّما حملك على قصد جُرجان وزيرك مطرفٌ ليرى أهلُها محلّه منك، كما فعله أحمد بن أبي ربيعة كاتب عمرو بن الليث، حمل عَمراً على قصد بلْخْ ليشاهد أهلها منزلته من عمرو، فكان منه ما بلغك، وأنا لا أرى لك مناصبة ملكٍ يطيف به مائة ألف رجل من غلمانه ومواليه وموالي أبيه، والصواب أنّك تترك جُرجان له، وتبذل عن الريّ مالاً تصالحه عليه؛ ففعل مرداويج ذلك، وعاد من جُرجان، وبذل عن الريّ مالاً، وعاد إليها، وصالحه السعيد عليها.
ذكر ولاية محمّد بن المظفَّر على خُراسان
ولّما فرغ السعيد من أمر جُرجان، وأحكمه، استعمل أبا بكر محمّد ابن المظفَّر بن محتاج على جيوش خراسان، وردّ إليه تدبير الأمور بنواحي خراسان جميعها، وعاد إلى بخارى مقرّ عزّه، وكرسيّ ملكه.
وكان سبب تقدُّم محمّد بن المظفَّر أنّه كان يوماً عند السعيد، وهو يحادثه في بعض مهمّاته خالياً، فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدّة لسعات، فلم يتحرّك، ولم يظهر عليه أثر ذلك، فلمّا فرغ من حديثه، وعاد محمّد إلى منزله، نزع خفّه فرأى العقرب فأخذها.
فانتهى خبر ذلك إلى السعيد، فأُعجب به وقال: ما عجبتُ إلاّ من فراغ بالك لتدبير ما قلتُه لك، فهلاّ قمتَ وأزلتَها ! فقال: ما كنت لأقطعَ حديث الأمير بسبب عقرب، وإذا لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب فكيف أصبر، وأنا بعيد منك، على حدّ سيوف أعداء دولتك إذا دفعتهم عن مملكتك ؟ فعظم محلّه عنده، وأعطاه مائتَيْ ألف درهم.
ذكر ابتداء دولة بني بُوَيْه
وهم عماد الدولة أبو الحسن عليّ، وركن الدولة أبو عليّ الحسن، ومعزّ الدولة أبو الحسن أحمد، أولاد أبي شجاع بُوَيه بن فنّاخَسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شير كنده بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه ابن شيرويه بن سشتان شاه بن سيس فيروز بن شيروزيل بن سنباد ابن بهرام جول الملك ابن يزدجرد الملك ابن هُرمُز الملك ابن شابور الملك ابن شابور ذي الأكتاف، وباقي النسب قد تقدّم في أوّل الكتاب عند ذكر ملوك الفرس؛ هكذا ساق نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا، رحمه الله.
وأمّا ابن مِسكويه فإنه قال إنّهم يزعمون أنّهم من ولد يزدجُرد بن شَهريَار، آخر ملوك الفرس، إلاّ أنّ النفس أكثر ثقة بنقل ابن ماكولا لأنّه الإمام العالم بهذه الأمور، وهذا نسب عريق في الفرس، ولا شكّ أنّهم نُسبوا إلى الديلم حيث طال مقامهم ببلادهم.
وأمّا ابتداء أمرهم، فإنّ والدهم أبا شجاع بُوَيه كان متوسّط الحال، فماتت زوجته وخلّفت له ثلاثة بنين، وقد تقدّم ذكرهم، فلمّا ماتت اشتدّ حزنه عليها، فحكى شهريار بن رستم الديلميّ قال: كنتُ صديقاً لأبي شجاع بويه، فدخلتُ إليه يوماً فعذلتُه على كثرة حزنه، وقلتُ له: أنت رجل يحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وربّما مات أحدهم، فيجدّد ذلك من الأحزان ما ينسيك المرأة؛ وسلّيتُه بجهدي، وأخذتُه ففرّجته، وأدخلتُه ومعه أولاده إلى منزلي ليأكلوا طعاماً، وشغلتُه عن حزنه.
فبينما هم كذلك اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: أنّه منجّم، ومعزّم، ومعبّر للمنَامات، ويكتب الرُّقى والطلّسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع وقال له: رأيتُ في منامي كأنّني أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة استطالت وعلت حتّى كادت تبلغ السماء، ثم انفجرت فصارت ثلاث شعب، وتولّد من تلك الشعب عدّة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران.
فقال المنجّم: هذا مَنام عظيم لا أفسّره إلاّ بخلعة، وفرس، ومركب؛ فقال أبو شجاع: والله ما أملك إلاّ الثياب التي على جسدي، فإن أخذتَها بقيتُ عرياناً؛ قال المنجّم: بعشرة دنانير؛ قال: والله ما أملك ديناراً فكيف عشرة ! فأعطاه شيئاً، فقال المنجّم: اعلم أنّه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومَن عليها، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيتَ من تلك الشعب.
فقال أبو شجاع: أما تستحي تسخر منّا ؟ أنا رجل فقير وأولادي هؤلاء فقراء مساكين كيف يصيرون ملوكاً ؟ ؟

فقال المنجّم: أخبرني بوقت ميلادهم؛ فأخبره، فجعل يحسب، ثم قبض على يد أبي الحسن عليّ فقبّلها وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا من بعده، وقبض على يد أخيه أبي عليّ الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع، وقال لأولاده: إصفعوا هذا الحكيم، فقد أفرط في السخرية بنا ! فصفعوه، وهو يستغيث، ونحن نضحك منه، ثم أمسكوا، فقال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتُكم وأنتم ملوك؛ فضحكنا منه وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم.
ثم خرج من بلاد الديلم جماعة تقدّم ذكرهم ليملك البلاد منهم ما كان بن كالي، وليلى بن النُّعمان، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج بن زيار، وخرج مع كلّ واحد منهم خلق كثير من الدَّيلم، وخرج أولاد أبي شجاع في جملة من خرج، وكانوا من جملة قوّاد ما كان بن كالي، فلمّا كان من أمر كان ما ذكرناه من الإتفاق ثم الإختلاف، بعد قتل أسفار، واستيلاء مرداويج على ما كان بيد ما كان من طَبَرِستان وجُرجان، وعود ما كان مرّة أخرى إلى جُرجان والدامغان، وعوده إلى نَيسابور مهزوماً.
فلمّا رأى أولاد بُويه ضعفه وعجزه قال له عماد الدولة وركن الدولة: نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلاً عليك وعيالاً، وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفّف عنك مؤونتنا، فإذا صلح أمرنا عُدنا إليك؛ فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة من قوّاده ما كان وتبعوهما، فلمّا صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابني بويه، وأكرمهما، وقلّد كلّد واحد من قوّاد ما كان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل، فأمّا عليُّ بن بويه فإنّه قلّده كَرَج.
ذكر سبب تقدُّم عليّ بن بويه
كان السبب في ارتفاع عليّ بن بويه من بينهم، بعد الأقدار، أنّه كان سَمحاً، حليماً، شجاعاً، فلمّا قلّده مرداويج كَرَج، وقلّد جماعة القوّاد المستأمنة معه الأعمال، وكتب لهم العهود، ساروا إلى الريّ، وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج، ومعه الحسين بن محمّد الملقّب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الذي وزر لركن الدولة بن بويه، وكان العميد يومئذ وزير مرداويج.
وكان مع عماد الدولة بغلة شهباء من أحسن ما يكون، فعرضها للبيع، فبلغ ثمنها مائتَيْ دينار، فعُرضت على العميد فأخذها وأنفذ ثمنها، فلمّا حمل الثمن إلى عماد الدولة أخذ منه عشرة دنانير وردّ الباقي، وجعل معه هدية جميلة.
ثم أنّ مرداويج ندم على ما فعل من تولية أولئك القوّاد البلاد، فكتب إلى أخيه وشمكر وإلى العميد يأمرهما بمنعهم من المسير إلى أعمالهم، وأن كان بعضهم قد خرج فيردّ.
وكانت الكتب تصل إلى العميد قبل وشمكير، فيقراها ثمّ يعرضها على وشمكير، فلمّا وقف العميد على هذا الكتاب أنفذَ إلى عماد الدولة يأمره بالمسير من ساعته إلى عمله، ويطوي المنازل، فسار من وقته، وكان المغرب، وأمّا العميد فلمّا أصبح عرض الكتاب على وشمكير، فمنع سائر القوّاد من الخروج من الريّ، واستعاد التوقيعات التي معهم بالبلاد، وأراد وشمكير أن يُنفذ خلف عماد الدولة من يردّه، فقال العميد: إنّه لا يرجع طوعاً، وربّما قاتل من يقصده وخرج عن طاعتنا؛ فتركه.
وسار عماد الدولة إلى كَرَج، وأحسن إلى الناس، ولطف بعمّال البلاد، فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه، ويصفون ضبطه البلد، وسياسته، وافتتح قِلاعاً كانت للخُرّميّة، وظفر منها بذخائر كثيرة صرفها جميعها إلى استمالة الرجال، والصلات، والهبات، فشاع ذكره، وقصده الناس وأحبّوه.
وكان مرداويج ذلك الوقت بَطَبرِستان، فلمّا عاد إلى الريّ أطلق مالاً لجماعة من قوّاده على كَرَج، فاستمالهم عماد الدولة، ووصلهم، وأحسن إليهم، حتّى مالوا إليه، وأحبّوا طاعته.

وبلغ ذلك مرداويج، فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القوّاد إلى الكرج، فكتب إلى عماد الدولة وأولئك يستدعيهم إليه، وتلطّف بهم، فدافعه عماد الدولة، واشتغل بأخذ العهود عليهم، وخوّفهم من سطوة مرداويج، فأجابوه جميعهم، فجبى مال كرَج، واستأمن إليه شيرزاد، وهو من أعيان قوّاد الدَّيلم، فقويت نفسه بذلك، وسار بهم عن كرج إلى أصبهان، وبها المظفَّر ابن ياقوت، في نحو من عشرة آلاف مقاتل، وعلى خراجها أبو عليّ بن رستم، فأرسل عماد الدولة إليهما يستعطفهما، ويستأذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، ليمضي إلى الحضرة ببغداد، فلم يجيباه إلى ذلك، وكان أبو عليّ أشدّهما كراهة، فاتّفق للسعادة أنّ أبا عليّ مات في تلك الأيّام، وبرز ابن ياقوت عن أصبهان ثلاثة فراسخ، وكان في أصحابه جيل وديلم مقدار ستمائة رجل، فاستأمنوا إلى عماد الدولة لما بلغهم من كرمه، فضعف قلب ابن ياقوت، وقوي جنان عماد الدولة، فواقعه، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن ياقوت، واستولى عماد الدولة على أصبهان، وعظم في عيون الناس لأنّه كان في تسعمائة رجل هزم بهم ما يقارب عشرة آلاف رجل، وبلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه، وخاف على ما بيده من البلاد واغتم لذلك غمّاً شديداً.
ذكر استيلاء ابن بُوَيْه على أرّجان
وغيرها وملك مرداويج أصبهانلّما سار الرسول جهّز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبس ابن بويه، وهو مطمئن إلى الرسالة التي تقدّمت، فعلم ابن بويه بذلك، فرحل عن أصبهان بعد أن جباها شهرَيْن، توجّه إلى أرّجان، وبها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم أبو بكر من غير قتال، وقصد رامهرمُز، واستولى ابن بويه على أرّجان في ذي الحجّة؛ ولّما سار عن أصبهان دخلها وشمكير وعسكر أخيه مرداويج وملكوها، فلّما سمع القاهر أرسل إلى مرداويج قبل خلعه ليمنع أخاه عن أصبهان ويسلّمها إلى محمّد بن ياقوت، ففعل ذلك ووليها محمّد.
وأمّا ابن بويه فإنّه لّما ملك أرّجان استخرج منها أموالاً فقوي بها، ووردت عليه كتب أبي طالب زيد بن عليّ النوبندجانيّ يستدعيه ويشير عليه بالمسير إلى شِيراز، ويهوّن عليه أمر ياقوت وأصحابه، ويعرّفه تهوره، واشتغاله بجباية الأموال، وكثرة مؤونته ومؤونة أصحابه، وثقل وطأتهم على الناس، مع فشلهم وجُبنهم، فخاف ابن بويه أن يقصد ياقوتاً مع كثرة عساكره وأمواله، ويحصل بين ياقوت وولده، فلم يقبل مشورته، ولم يبرح من مكانه، فعاد أبو طالب وكتب إليه يشجّعه، ويعلمه أنّ مرداويج قد كتب إلى ياقوت يطلب مصالحته، فإنّ تمّ ذلك اجتمعا على محاربته، ولم يكن له بهما طاقة، ويقول له إنّ الرأي لمن كان في مثل حاله أن يعاجل مَن بين يديه، ولا ينتظر بهم الاجتماع والكثرة وأن يحدقوا به من كلّ جانب، فإنّه إذا هزم مَن بين يديه خافه الباقون ولم يقدموا عليه.
ولم يزل أبو طالب يراسله إلى أن سار نحو النُّوبَندجان في ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 1:54 am

ثمّ صار يذمّهم في مجلسه، ويُظهر كراهتهم، حتّى تبيّنوا ذلك في وجهه وحركاته معهم، فأظهروا أنّ لبعض قوّادهم عرساً، فاجتمعوا بحجّته، وقرّروا بينهم ما أرادوا، وافترقوا، وأرسلوا إلى سابور خادم والدة لمقتدر، فقالوا له: قد علمتَ ما فعله بمولاتك، وقد ركبتَ في موافقته كلّ عظيم، فإنّ وافقتنا على ما نحن عليه، وتقدّمتَ إلى الخدم بحفظه، فعفا الله عمّا سلف منك، وإلاّ فنحن نبدأ بك؛ فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنّه موافقهم، وكان ابن مقلة مع هذا يصنع عليه ويسعى فيه إلى أن خُلع، كما ذكرنا، وكانت خلافته سنة واحدة وستّة أشهر وثمانية أيّام
ذكر خلافة الراضي باللههو أبو العبّاس أحمد بن المقتدر بالله، ولّما قُبض القاهر سألوا الخدم عن المكان الذي فيه أبو العبّاس بن المقتدر، فدلّوهم عليه، وكان هو ووالدته محبوسين، فقصدوه، وفتحوا عليه ودخلوا فسلّموا عليه بالخلافة، وأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الأولى، ولقبوه بالراضي بالله، وبايعه القوّاد والناس، وأمر بإحضار عليّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وصدر عن رأيهما فيما يفعله، واستشارهما وأراد عليَّ بن عيسى على الوزارة، فامتنع لكبره، وعجزه، وضعفه، وأشار بابن مقلة.
ثم إنّ سيما قال للراضي: إنّ الوقت لا يحتمل أخلاق عليّ، وابن مقلة أليق بالوقت؛ فكتب له أماناً وأحضره واستوزره، فلمّا وزر أحسن إلى كلّ مَن أساء إليه، وأحسن سيرته، وقال: عاهدت الله عند استتاري بذلك؛ فوفى به، وأحضر الشهود والقضاة وأرسلهم إلى القاهر ليشهدوا عليه بالخلع، فلم يفعل، فسُمل، من ليلته، فبقي أعمى لا يبصر.
وأرسل ابن مقلة إلى الخصيبيّ وعيسى المتطبب بالأمان فظهرا وأحسن إليهما واستعمل الخصيبيَّ وولاّه؛ واستعمل الراضي بالله على الشُّرطة بدراً الخَرشَنيَّ، واستعمل ابنُ مقلة أبا الفضل بن جعفر بن الفرات، في جمادى الأولى، نائباً عنه على سائر العمّال بالموصل، وقَرْدَى، وبازَبْدي، وماردين، وطور عَبدين، وديار الجزيرة، وديار بكر، وطريق الفرات، والثغور الجزريّة والشاميّة، وأجناد الشام، وديار مصر، يصرف من يرى، ويستعمل مَن يرى في الخراج، والمعاون، والنفقات، والبريد وغير ذلك.
وأرسل إلى محمّد بن رائق يستدعيه ليولّيه الحجبة، وكان قد استولى على الأهواز وأعمالها، ودفع عنها ابن ياقوت، ولم يبق بيد ابن ياقوت من تلك الولاية إلاّ السُّوس، وجُندَيسابور، وهو يريد المسير إلى أصبهان أميراً عليها، على ما ذكرناه، وكان ذلك آخر أيّام القاهر، فلمّا وليَ الراضي، واستحضره، سار إلى واسط، وأرسل محمّد بن ياقوت يخطب الحجبة، فأُجيب إليها فسار في أثر ابن رائق؛ وبلغ ابن رائق الخبر، فلم يقف، وسار من واسط مصعداً إلى بغداد يسابق ابن ياقوت، فلمّا وصل إلى المدائن لقيه توقيع الراضي يأمره بترك دخول بغداد، وتقليده الحرب، والمعاون بواسط، مضافاً إلى ما بيده من البصرة وغيرها، فعاد منحدراً في دجلة، ولقيه ابن ياقوت مصعداً فيها أيضاً، فسلّم بعضهم على بعض، وأصعد ابن ياقوت إلى بغداد فتولّى الحجبة على ما نذكره.
ذكر وفاة المهديّ صاحب إفريقية
وولاية ولده القائمفي هذه السنة، في شهر ربيع الأوّل، توفّي المهديُّ أبو محمّد عبيدالله العلويُّ بالمهديّة، واخفى ولده أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، وكان يخاف أن يختلف الناس عليه إذا علموا بموته، وكان عمر المهديّ لّما توفّي ثلاثاً وستّين سنة، وكانت ولايته منذ دخل رقّاده ودُعي له بالإمامة إلى أن توفّي أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً.
ولّما توفّي ملك بعده ابنه أبو القاسم محمّد، وكان أبوه قد عهد إليه، ولّما أظهر وفاة والده كان قد تمكّن وفرغ من جميع ما أراده، واتَّبع سُنّة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكّن منهم؛ وكان من أشدّهم رجل يقال له ابن طالوت القرشيُّ، في ناحية طرابلس، ويزعم أنّه ولد المهديّ، فقاموا معه، وزحف إلى مدينة طرابلس، فقاتله أهلها، ثم تبينّ للبربر كذبه، فقتلوه وحملوا رأسه إلى القائم.

وجهّز القائم أيضاً جيشاً كثيفاً مع ميسور الفتى إلى المغرب، فانتهى إلى فاس، وإلى تَكرور، وهزم خارجيّاً هناك، وأخذ ولده أسيراً، وسيّر أيضاً جيشاً في البحر وقدّم عليهم رجلاً اسمه يعقوب بن إسحاق إلى بلد الروم، فسبى، وغنم في بلد جَنَوة؛ وسيّر جيشاً آخر مع خادمه زيدان، وبالغ في النفقة عليهم وتجهيزهم، إلى مصر، فدخلوا الإسكندريّة، فأخرج إليهم محمّد الإخشيد عسكراً كثيفاً، فقاتلهم، وهزموا المغاربة، وقتلوا فيهم، وأسروا، وعاد المغاربة مفلولين.
ذكر استيلاء مرداويج على الأهوازلما بلغ مَرداويجَ استيلاء عليّ بن بويه على فارس اشتدّ ذلك عليه، فسار إلى أصبهان للتدبير على ابن بويه، فرأى أن ينفذ عسكراً إلى الأهواز ليستولي عليها، ويسدّ الطريق على عماد الدولة بن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق إلى الخليفة، ويقصده هو من ناحية أصبهان، ويقصده عسكره من ناحية الأهواز، فلا يثبت لهم.
فسارت عساكر مرداويج في شهر رمضان، حتّى بلغت إيذَجَ، فخاف ياقوت أن يحصل بينهم وبين ابن بويه، فسار إلى الأهواز ومعه ابنه المظفَّر، وكتب إلى الراضي ليقلّده أعمال الأهواز، فقلّده ذلك، وصار أبو عبدالله ابن البريديّ كاتبه مضافاً إلى ما بيده من أعمال الخراج بالأهواز، وصار أخوه أبو الحسين يخالف ياقوتاً ببغداد.
ثم استولى عسكر مَرداويج على رامهرمز، أوّل شوّال من هذه السنة، وساروا نحو الأهواز، فوقف لهم ياقوت على قنطرة أرْبَقَ، فلم يمكنهم من العبور لشدة جرية الماء، فأقاموا بإزائه أربعين يوماً، ثم رحلوا فعبروا على الأطواف نهر المسرُقان، فبلغ الخبر إلى ياقوت، وقد أتاه مدد من بغداد قبل ذلك بيومَيْن، فسار بهم إلى قرية الرِّيخ، وسار منها إلى واسط، وبها حينئذ محمّد بن رائع، فأخلى له غربيَّ واسط، فنزل فيه ياقوت.
ولّما بلغ عمادَ الدولة استيلاءُ مرداويج على الأهواز كاتب نائب مرداويج يستميله، ويطلب منه أن يتوسّط الحال بينه وبين مرداويج، ففعل ذلك، وسعى فيه، فأجابه مرداويج إلى ذلك على أن يطيعه ويخطب له، فاستقرّ الحال بينهما، وأهدى له ابن بويه هدية جليلة، وأنفذ أخاه ركن الدولة رهينة، وخطب لمرداويج في بلاده، فرضي مرداويج منه، واتّفق أنّه قُتل على ما نذكره، فقوي أمر ابن بويه.
ذكر عود ياقوت إلى الأهوازولّما وصل ياقوت إلى واسط أقام بها إلى أن قُتل مرداويج، ومعه أبو عبد الله البريديُّ يكتب له، فلمّا قُتل مرداويج عاد ياقوت إلى الأهواز، واستولى على تلك الولاية، ولّما وصل ياقوت إلى عسكر مُكْرَم، بعد قتل مرداويج، كانت عساكر ابن بويه قد سبقته، فالتقوا بنواحي أرّجان، وكان ابن بويه قد لحق بأصحابه، واشتدّ قتالهم بين يديه، فانهزم ياقوت، ولم يفلح بعدها.
وراسل أبو عبدالله البريديُّ ابنَ بُوَيه في الصلح، فأجاب إلى ذلك، وكتب به إلى الراضي، فأجاب إلى ذلك، وقرّر بلاد فارس على ابن بُوَيه، واستقرّ بشِيراز، واستقرّ ياقوت بالأهواز ومعه ابن البريديّ.
وكان محمّد بن ياقوت قد سَار إلى بغداد وتولّى الحجبة، وخلع الراضي عليه، وتولّى مع الحجبة رئاسة الجيش، وأدخل يده في أمر الدواوين، وتقدّم إليهم بأن لا يقبلوا توقيعاً بولاية ولا عزْل وإطلاق إلاّ إذا كان خطّه عليه، وأمرهم بحضور مجلسه، فصبر أبو عليّ بن مقلة على ذلك، وألزم نفسه بالمصير إلى دار ابن ياقوت، في بعض الأوقات، وبقي كالمتعطّل.
ولقد كان في هذه الأيّام القليلة حوادث عظيمة منها: انصراف وشمكير أخي مرداويج عن أصبهان بكتاب القاهر، بعد أن ملكها، واستعمال القاهر محمّد بن ياقوت عليها، وخلع القاهر، وخلافة الراضي، وأمر الحجبة لمحمّد ابن رائق، ثم انفساخه، ومسير محمّد بن ياقوت من رامَهُرْمُز إلى بغداد، وولايته الحجبة، بعد أن كان سائراً إلى أصبهان ليتولاّها، وإعادة مرداويج أخاه وشمكير إليها؛ وملك عليُّ بن بويه أرّجان؛ هذا جميعه في هذه اللحظة القريبة في سبعين يوماً، فتبارك الله الذي بيده الملك والملكوت يُصرِّف الأمور كيف يشاء، لا أله إلاّ هو.
ذكر قتل هارون بن غريب

في هذه السنة قُتل هارون بن غريب، وكان سبب قتله أنّه كان، كما ذكرنا، قد استعمله القاهر على ماه الكوفة، وقصبتها الدِّينَور، وعلى ماسَبذان وغيرها، فلمّا خُلع القاهر واستُخلف الراضي رأى هارون أنّه أحقّ بالدولة من غيره لقرابته من الراضي، حيث هو ابن خال المقتدر، فكاتب القوّاد ببغداد يعدهم الإحسان والزيادة في الأرزاق، ثمّ سار من الدِّينَور إلى خانِقين، فعظم ذلك على ابن مقلة وابن ياقوت والحجريّة والساجيّة، واجتمعوا، وشكوه إلى الراضي، فأعلمهم أنّه كاره له، وأذن لهم في منعه، فراسلوه أوّلاً، وبذلوا له طريق خراسان زيادة على ما في يده، فلم يقنع به، وتقدّم إلى النَّهروان، وشرع في جباة الأموال، وظلم الناس، وعسفهم، وقويت شوكته.
فخرج إليه محمّد بن ياقوت في سائر جيوش بغداد، ونزل قريباً منه، ووقعت الطلائع بعضها على بعض، وهرب بعض أصحاب محمّد بن ياقوت إلى هارون، وراسله محمّد يستميله، ويبذل له، فلم يجب إلى ذلك، وال: لا بدّ من دخول بغداد.
فلمّا كان يوم الثلاثاء لست بقين من جمادى الآخرة تزاحف العسكران، واشتدّ القتال، واستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، فانهزم أكثر أصحاب ابن ياقوت ونُهب أكثر سوادهم، وكثر فيهم الجراح والقتل، فسار محمّد بن ياقوت حتّى قطع قنطرة نهر بين، فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفرداً عن أصحابه، طمعاً في قتل محمّد بن ياقوت، أو أسره، فتقنطر به فرسه، فسقط عنه في ساقية، فلحقه غلام له اسمه يمن، فضربه بالطَّبرِزين حتّى أثخنه، وكسّر عظامه، ثم نزل إليه فذبحه ثم رفع رأسه وكبّر، فانهزم أصحابه وتفرّقوا، ودخل بعضهم بغداد سرّاً، ونهب سواد هارون، وقتل جماعة من قوّاده وأسر جماعة.
وسار محمّد إلى موضع جثّة هارون، فأمر بحملها إلى مضربه، وأمر بغسله وتكفينه، ثم صلّى عليه ودفنه، وأنفذ إلى داره من بحفظها من النهب، ودخل بغداد ورأس هارون بين يديه ورؤوس جماعة من قوّاده، فنُصب ببغداد.
ذكر ظهور إنسان ادّعى النبوّة
في هذه السنة ظهر بباسِند، من أعمال الصغانيان، رجل ادّعى النبوة، فقصده فوج بعدَ فوج، واتّبعه خلق كثير، وحارب من خالفه، فقتل خلقاً كثيراً مّمن كذّبه، فكثر أتباعه من أهل الشاش خصوصاً.
وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده في حوض ملآن ماء، فيخرجها مملوءة دنانير، إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه، فأنفذ إليه أبو عليّ بن محمّد بن المظفَّر جيشاً، فحاربوه، وضيّقوا عليه، وهو فوق جبل عالٍ، حتّى قبضوا عليه وقتلوه وحملوا رأسه إلى أبي عليّ، وقتلوا خلقاً كثيراً مّمن اتّبعه وآمن به؛ وكان يدّعي أنّه متى مات عاد إلى الدنيا، فبقي بتلك الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه مدّة طويلة ثم اضمحلّوا وفنوا.
ذكر قتل الشَّلمغانيّ وحكاية مذهبه
وفي هذه السنة قُتل أبو جعفر محمّد بن عليّ الشَّلمغانيُّ المعروف بابن أبي القراقر، وشلْمَغانُ التي يُنسب إليها قرية بنواحي واسط.
وسبب ذلك أنّه قد أحدث مذهباً غالياً في التشيع، والتناسخ، وحلول الإلهيّة فيه، وإلى غير ذلك ممّا يحكيه، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين ابن رَوْح، الذي تسمّيه الإمامية الباب، متداول وزارة حامد بن العبّاس، ثم اتّصل أبو جعفر الشلمغانيُّ بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة حامد بن العبّاس، ثم اتّصل أبو جعفر الشلمغانيُّ بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة أبيه الثالثة، ثم إنّه طُلب في زارة الخاقانيّ، فاستتر وهرب إلى الموصل، فبقي سنين عند ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حَمدان في حياة أبيه عبدالله بن حَمدان، ثم انحدر إلى بغداد واستتر، وظهر عنه ببغداد أنّه يدّعي لنفسه الربوبيّة، وقيل أنّه اتّبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبدالله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر بالله، وأبو جعفر، وأبو عليّ ابنا بِسطام، وإبراهيم ابن محمّد بن أبي عون، وابن شبيب الزيّات، وأحمد بن محمّد بن عبدوس، كانوا يعتقدون ذلك فيه، وظهر ذلك عنهم، وطُلبوا أيّام وزارة ابن مقلة للمقتدر بالله، لم يوجدوا.

فلمّا كان في شوّال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر الشلمغانيُّ، فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه، وكبس داره فوجد فيها رقاعاً وكتباً مّمن يدّعي عليه أنّه على مذهبه، يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم بعضاً، وفيها خطّ الحسين بن القاسم، فعُرضت الخطوط فعرفها الناس، وعُرضت على الشلمغانيّ فأقرّ أنّها خطوطهم، وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام، وتبرّأ ممّا يقال فيه، وأُخذ ابن أبي عون، وابن عبدوس معه، وأُحضروا معه عند الخليفة، وأُمرا بصفعه فامتنعا، فلمّا أُكرها مدّ ابن عبدوس يده وصفعه، وأمّا ابن أبي عون فأنّه مدّ يده إلى لحيته ورأسه، فارتعدت يده، فقبّل لحية الشلمغانيّ ورأسه، ثم قال: ألهي، وسيدي، ورازقي؛ فقال له الراضي: قد زعمتَ أنّك لا تدّعي الإلهيّة، فما هذا ؟ فقال: وما عليّ من قول ابن أبي عون والله يعلم أنّني ما قُلتُ له أنّني إله قط ! فقال ابن عبدوس: إنّه لم يدّع الإلهيّة وإنّما ادّعى أنّه الباب إلى الإمام المنتظر، مكان ابن رَوْح، وكنتُ أظنّ أنّه يقول ذلك تقيّةٍ، ثم أُحضروا عدّة مرّات، ومعهم الفقهاء، والقضاة، والكتّاب، والقوّاد، وفي آخر الأيّام أفتى الفقهاء بإباحة دمه، فصُلب ابن الشلمغانيّ، وابن أبي عون، في ذي القعدة فأُحرقا بالنار.
وكان من مذهبه أنّه إله الآلهة يحقّ الحقّ، وأنّه الأوّل القديم، الظاهر، الباطن، الرازق، التامّ، المومأ إليه بكلّ معنى؛ وكان يقول: إنّ الله، سبحانه وتعالى، يحلّ في كلّ شيء على قدر ما يحتمل، وإنّه خلق الضدّ ليدلّ على لمضدود، فمن ذلك أنّه حلّ في آدم لّما خلقه، وفي إبليسه أيضاً، وكلاهما ضدّ لصاحبه لمضادته إيّاه في معناه، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحقّ، وإنّ الضدّ أقرب إلى الشيء من شبهه، وإنّ الله عز وجلّ، إذا حلّ في جسد ناسوتيّ ظهر من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو، وإنّه لّما غاب آدم ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتيّة، كلّما غاب منهم واحد ظهر مكانه آخر، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتيّة في إدريس وإبليسه، وتفرّقت بعدهما كما تفرّقت بعد آدم، واجتمعت في نوح، عليه السّلام، وإبليسه، وتفرّقت بعدهما كما تفرّقت بعد آدم، واجتمعت في نوح، عليه السّلام، وإبليسه، وتفرّقت عند غيبتهما، واجتمعت في هود وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في صالح، عليه السّلام، وإبليسه عاقر الناقة، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم، عليه السّلام، وإبليسه نمرود، وتفرّقت لّما غاب واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في سليمان وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في عيسى وإبليسه، فلمّا غابا تفرّقت في تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت في عليّ ابن أبي طالب وإبليسه.
ثمّ أنّ الله يظهر في كلّ شيء، وكلّ معنى، وإنّه في كلّ أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصوّر له ما يغيب عنه، حتّى كأنّه يشاهده؛ وإن الله اسم لمعنى وأنّ من احتاج الناس إليه فهو إلهٌ، ولهذا المعنى يستوجب كلّ أحد أن يسمّى إلهاً، وإنّ كّل أحد من أشياعه يقول: إنّه ربّ لمن هو في دون درجته، وإنّ الرجل منهم يقول: أنا ربّ لفلان، وفلان ربّ لفلان، وفلان ربّ ربّي، حتّى يقع الانتهاء إلى ابن أبي القراقر فيقول: أنا ربّ الأرباب، لا ربوبيّة بعده.
ولا ينسبون الحسن والحسين، رضي الله عنهما، إلى عليّ، كرّم الله وجهه، لأنّ من اجتمعت له الربوبيّة لا يكون له ولد، ولا والد، وكانوا يسمّون موسى ومحمّداً، صلى الله عليه وسلم، الخائنين، لأنّهمِ يدّعون أنّ هارون أرسل موسى، وعليّاً أرسل محمّداً، فخاناهما، ويزعمون أنّ عليّاَ أمهل محمّداَ عدّة سني أصحاب الكهف، فإذا انقضت هذه العدّة، وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، انتقلت الشريعة؛ ويقولون أنّ الملائكة كلّ من ملك نفسه، وعرف الحقّ، وإنّ الجنّة معرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم، والعدول عن مذهبهم.

ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقد، ويبيحون الفروج، ويقولون إنّ محمّداً، صلى الله عليه وسلم، بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، ونفوسهم أبيّة، فأمرهم بالسجود، وإنّ الحكمة الآن أن يمتحن الناس بأباحة فروج نسائهم، وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وحرم صديقه، وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، وإنّه لا بدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، ومن امتنع من ذلك قُلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأةً، إذ كان مذهبهم التناسخ، وكانوا يعتقدون أهلاك الطالبيّين والعبّاسيّين، تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً.
وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيريّة، ولعلّها هي هي، فإن النصيرية يعتقدون في ابن الفرات،! ويجعلونه رأساً في مذهبهم.
وكان الحسين بن القاسم بالرَّقّة، فأرسل الراضي بالله إليه، فقُتل آخر ذي القعدة، وحُمل رأسه إلى بغداد.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة أرسل محمّد بن ياقوت حاجب الخليفة رسولاً إلى أبي طاهر القُرمُطيّ يدعوه إلى طاعة الخلفة، ليقرّه على ما بيده من البلاد، ويقلّده بعد ذلك ما شاء من البلدان، ويحسن إليه، ويلتمس منه أن يكفّ عن الحاجّ جميعهم، وأن يردّ الحجر الأسود إلى موضعه بمكّة، فأجاب أبو طاهر إلى أنّه لا يتعرّض للحاجّ، ولا يصيبهم بمكروه، ولم يجْب إلى ردّ الحجر الأسود إلى مكّة، وسأل أن يطلق له الميرة من البصرة ليخطب للخليفة في أعمال هجَر، فسار الحاجّ إلى مكّة وعاد ولم يتعرّض لهم القرامطة.
وفيها، في ذي القعدة، عزم محمّد بن ياقوت على المسير إلى الأهواز لمحاربة عسكر مرداويج، فتقدّم إلى الجند الحجريّة والساجيّة بالتجهّز للمسير معه، وبذل مالاً يتجهّزون به، فامتنعوا وتجمّعوا وقصدوا دار محمّد بن ياقوت، فأغلظ لهم في الخطاب، فسبّوا، ورموا داره بالحجارة، ولّما كان الغد قصدوا داره أيضاً، وأغلظوا له في الخطاب، وقاتلوا من بادره من أصحابه، فرماهم أصحابه وغلمانه بالنشاب، فانصرفوا وبطلت الحركة إلى الأهواز.
وفيها سار جماعة من أصحاب أبي طاهر القرمطي إلى نواحي تَوّج في مراكب وخرجوا منها إلى تلك الأعمال، فلمّا بعدوا عن المراكب أرسل الوالي في البلاد إلى المراكب وأحرقها، وجمع الناس وحارب القرامطة، فقتل بعضاً، وأسر بعضاً، فيهم ابن الغمر، وهو من أكابر دُعاتهم، وسيّرهم إلى بغداد أيّام القاهر، فدخلوها مشهورين، وسُجنوا، وكان من أمرهم ما ذكرناه في خلع القاهر.
وفيها قتل القاهرُ بالله إسحاق بن إسماعيل النوبختيَّ، وهو الذي أشار باستخلافه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وقتل أيضاً أبا السرايا بن حَمدان، وهو أصغر ولد أبيه؛ وسبب قتلهما أنّه أراد أن يشتري مغنّيتَيْن قبل أن يلي الخلافة، فزادا عليه في ثمنهما، فحقد ذلك عليهما، فلمّا أراد قتلهما استدعاهما للمنادمة، فتزيّنا، وتطيّبا، وحضرا عنده فأمر بإلقائهما إلى بئر في الدار، وهو حاضر، فتضرّعا وبكيا، فلم يلتفت إليهما وألقاهما فيها وطمّها عليهما.
وفيها أُحضر أبو بكر بن مُقسم ببغداد في دار سلامة الحاجب، وقيل له إنّه قد ابتدع قِراءة لم تُعرف، وأُحضر ابن مجاهد والقضاة والقراء وناظروه، فاعترف بالخطإ وتاب منه، واحترقت كتبه.
وفيها سار الدّمُسْتُق قَرَقَاش في خمسين ألفاً من الروم، فنازل مَلَطْية وحصرها مدّة طويلة، وهلك أكثر أهلها بالجوع، وضرب خيمتَيْن على إحداهما صليب، وقال: من أراد النصرانيّة انحاز إلى خيمة الصليب ليردّ عليه أهله وماله، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى، وله الأمان على نفسه ونبلغه مأمنه؛ فانحاز أكثر المسلمين إلى الخيمة التي عليها الصليب، طمعاً في أهليهم وأموالهم، وسيّر مع الباقين بطريقاً يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان، مستهلّ جمادى الآخرة، يوم الأحد، وملكوا سُمَيساط، وخرّبوا الأعمال، وأكثروا القتل، وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد في أيديهم.
وفيها توفّي عبد الملك بن محمّد بن عديّ أبو نُعيم الفقيه الجرجانيُّ الاستراباذيُّ، وأبو عليّ الروذباريُّ الصوفيُّ، واسمه محمّد بن أحمد بن القاسم، وقيل توفّي سنة ثلاث وعشرين.

وفيها توفّي خير بن عبدالله النسّاج الصوفيُّ من أهل سامرّا، وكان من الأبدال، ومحمّد بن عليّ بن جعفر أبو بكر الكنانيُّ الصوفيُّ المشهور، وهو من أصحاب الجُنيد، وأبي سعيد الخرّاز الخرّاز بالخاء المعجمة والراء والزاي.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
ذكر قتل مرداويج
في هذه السنة قُتل مرداويج الديلميُّ صاحبُ بلاد الجبل وغيرها.
وكان سبب قتله أنّه كان كثير الإساءة للأتراك، وكان يقول أنّ رُوح سليمان بن داود، عليه السلام، حلّت فيه، وإنّ الأتراك هم الشياطين والمردة، فإن قهرهم، وإلاّ أفسدوا؛ فثقلت وطأته عليهم وتمنّوا هلاكه.
فلمّا كان ليلة الميلاد من هذه السنة، وهي ليلة الوَقود، أمر بأن يُجمع الحطب من الجبال والنواحي، وأن يُجعل على جانَبي الوادي المعروف بزندروذ كالمنابر والقباب العظيمة، ويُعمل مثل ذلك على الجبل المعروف بكريم كوه المشرف على أصبهان، من أسفله إلى أعلاه، بحيث إذا اشتعلت تلك الأحطاب يصير الجبل كلّه ناراً، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك، وأمر فجُمع له النِّفط ومن يلعب به، وعمل من الشموع ما لا يحصى، وصِيدَ له من الغِربان والحدإ زيادة على ألفَيْ طائر ليجعل في أرجلها النِّفط وترسل لتطير بالنار في الهواء، وأمر بعمل سماط عظيم كان من جملة ما فيه: مائة فرس، ومئتان من البقر مشوية، صحاحاً، سوى ما شُوي من الغنم فإنّها كانت ثلاثة آلاف رأس، سوى المطبوخ، وكان فيه من الدجاج وغيره من أنواع الطير زيادة على عشرة آلاف عدد، وعمل من ألوان الحَلواء ما لا يُحدّ، وعزم على أن يجمع الناس على ذلك السماط، فإذا فرغوا قام إلى مجلس الشراب ويشعل النيران فيتفرّج.
فلمّا كان آخر النهار ركب وحده، وغلمانه رجّالة، وطاف بالسماط ونظر إليه وإلى تلك الأحطاب، فاستحقر الجميع لسعة الصحراء، فتضجّر وغضب، ولعن من صنعه ودبّره، فخافه من حضر، فعاد ونزل ودخل خركاة له فنام، فلم يجسر أحد أن يكلّمه.
واجتمع الأمراء والقوّاد وغيرهم، وأرجفوا عليه، فمن قائل أنّه غضب لكثرته لأنّه كان بخيلاً، ومن قائل أنّه قد اعتراه جنون؛ وقيل بل أوجعه فؤاده؛ وقيل غير ذلك، وكادت الفتنة تثور.
وعرف العميد وزره صورة الحال فأتاه ولم يزل حتّى استيقظ وعرّفه ما الناس فيه، فخرج وجلس على الطعام، وأكل ثلاث لقم ثم قام ونهب الناس الباقي، ولم يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، وبقي في معسكره بظاهر أصبهان ثلاثة أيّام لا يظهر.
فلمّا كان اليوم الرابع تقدّم بإسراج الدوابّ ليعود من منزلته إلى داره بأصبهان، فاجتمع ببابه خلق كثير، وبقيت الدوابّ مع الغلمان، وكثر صهيلها ولعبها، والغلمان يصيحون بها لتسكن من الشغب، وكانت مزدحمة فارتفع من الجميع أصوات هائلة.
وكان مرداويج نائماً، فاستيقظ، فصعد فنظر فرأى ذلك، فسأل فعرف الحال، فازداد غضباً، وقال: أما كفى من خرق الحرمة ما فعلوه في ذلك الطعام، وما أرجعوا به، حتّى انتهى أمري إلى هؤلاء الكلاب ؟ ثم سأل عن أصحاب الدوابّ، فقيل: أنّها للغمان الأتراك، وقد نزلوا إلى خدمتك، فأمر أن تُحطّ السروج عن الدوابّ وتجعل على ظهور أصحابها الأتراك، ويأخذوا بأرسان الدوابّ إلى الإسطبلات، ومن امتنع من ذلك ضربه الدَّيلم بالمقارع حتّى يطيع، ففعلوا ذلك بهم وكانت صورة قبيحة يأنف منها أحقر الناس.
ثم ركب هو بنفسه مع خاصّته، وهو يتوعّد الأتراك، حتّى صار إلى داره قرب العِشاء، وكان قد ضرب قبل ذلك جماعة من أكابر الغلمان الأتراك، فحقدوا عليه، وأرادوا قتله، فلم يجدوا أعواناً، فلمّا جرت هذه الحادثة انتهزوا الفرصة، وقال بعضهم: ما وجه صبرنا على هذا الشيطان ؟ فاتّفقوا، وتحالفوا على الفتك به، فدخل الحمّام، وكان كورتكين، يحرسه في خلواته وحمّامه، فأمره ذلك اليوم أن لا يتبعه، فتأخرّ عنه مغضباً، وكان هو الذي يجمع الحرس، فلشدة غضبه لم يأمر أحداً أن يحضر حراسته؛ وإذا أراد الله أمراً هيّأ أسبابه.

وكان له أيضاً خادم أسود يتولى خدمته بالحمّام، فاستمالوه، فمال إليهم، فقالوا للخادم ألاّ يحمل معه سلاحاً، وكانت العادة أن يحمل معه خنجراً طوله نحو ذراع ملفوفاً في منديل، فلمّا قالوا ذلك للخادم قال: ما أجسر؛ فاتّفقوا على أن كسروا حديد الخنجر وتركوا النصاب في الغلاف بغير حديد، فلفّوه في المنديل كما جرت العادة لئلاَّ ينكر الحال.
فلمّا دخل مرداويج الحمّام فعل الخادم ما قيل له، وجاء خادم آخر، وهو أستاذ داره، فجلس على باب الحمّام، فهجم الأتراك إلى الحمّام، فقام أستاذ داره ليمنعهم، وصاح بهم، فضربه بعضهم بالسيف فقطع يده، فصاح بالأسود وسقط، وسمع مرداويج الضجة، فبادر إلى الخنجر ليدفع به عن نفسه، فوجده مكسوراً، فأخذ سريراً من خشب كان يجلس عليه إذا اغتسل، فترّس به باب الحمّام من داخل، ودفع الأتراك الباب، فلم يقدروا على فتحه، فصعد بعضهم إلى السطح، وكسروا الجامات، ورموه بالنشاب، فدخل البيت الحارّ، وجعل يتلطّفهم، ويحلف لهم على الإحسان، فلم يلتفتوا إليه، وكسروا باب الحمّام ودخلوا عليه فقتلوه.
وكان الذين ألّبوا الناس عليه وشرعوا في قتله توزون، وهو الذي صار أمير العساكر ببغداد وياروق، وابن بغرا، ومحمّد بن ينال الترجمان، ووافقهم بجكم، وهو الذي وليَ أمر العراق قبل توزون، وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله تعالى. فلمّا قتلوه بادروا فأعلموا أصحابهم، فركبوا ونهبوا قصره وهربوا، ولم يعلم بهم الديلم لأنّ أكثرهم كانوا قد دخلوا المدينة ليلحق بهم وتخلف الأتراك معه لهذا السبب.
فلمّا علم الديلم والجيل ركبوا في أثرهم، فلم يلحقوا منهم إلاّ نفراً يسيراً وقفت دوابّهم، فقتلوهم، وعادوا لينهبوا الخزائن، فرأوا العميد قد ألقى النار فيها، فلم يصلوا إليها، فبقيت بحالها.
ومن عجيب ما يحكى أنّ العساكر في ذلك اليوم لّما رأوا غض مرداويج قعدوا يتذاكرون ما هم فيه معه من الجور، وشدّة عتوّه، وتمرّده عليهم، ودخل بينهم رجل شيخ لا يعرفه منهم أحد، وهو راكب، فقال: قد زاد أمر هذا الكافر، واليوم تكفنونه ويأخذه الله؛ ثمّ سار، فلحقت الجماعة دهشة، ونظر بعضهم في وجوه بعض، ومرّ الشيخ، فقالوا: المصلحة أنّنا نتبعه ونأخذه ونستعيده الحديث، لئلاّ يسمع مرداويج ما جرى، فلا نلقى منه خيراً؛ فتبعوه فلم يروا أحداً.
وكان مرداويج قد تجبّر قبل أن يُقتل وعتا، وعمل له كرسيّاً من ذهب يجلس عليه، وعمل كراسي من فضّة يجلس عليها أكابر قوّاده، وكان قد عمل تاجاً مرصّعاً على صفة تاج كسرى، وقد عزم على قصد العراق والاستيلاء عليه، وبناء المدائن ودور كسرى ومساكنه، وأن يخاطَب، إذا فُعل ذلك، بشاهنشاه، فأتاه أمرُ الله وهو غافل عنه، واستراح الناس من شرّه، ونسأل الله تعالى أن يريحَ الناس من كلّ ظالم سريعاً.
ولّما قُتل مرداويج اجتمع أصحابه الديلم والجيل وتشاوروا، وقالوا: إن بقينا بغير رأس هلكنا؛ فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير بن زيار، وهو والد قابوس، وكان بالرَّيّ، فحملوا تابوت مرداويج، وساروا نحو الريّ، فخرج من بها من أصحابه مع أخيه وشمكير، فالتقوه على أربعة فراسخ مشاة، حفاة، وكان يوماً مشهوداً.
وأمّا أصحابه الذين كانوا بالأهواز وأعمالها فإنّهم لّما بلغهم الخبر كتموه، وساروا نحو الريّ، فأطاعوا وشمكير أيضاً، واجتمعوا عليه.
ولذما قُتل مرداويج كان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده، كما ذكرناه، فبذل للموكّلين مالاً فأطلقوه، فخرج إلى الصحراء ليفكّ قيوده، فأقبلت بغال عليها تبن، وعليها أصحابه وغلمانه، فأُلقي التبن، وكسر أصحابه قيودَه، وركبوا الدوابّ، ونجوا إلى أخيه عماد الدولة بفارس.
ذكر ما فعله الأتراك بعد قتلهلّما قتل الأتراك مرداويج هربوا وافترقوا فرقَتيْن، ففرقة سارت إلى عِماد لدولة بن بُوَيه مع خَجخج الذي سلمه تُوزون فيما بعد، وسنذكره.

وفرقة سارت نحو الجبل مع بَجكم، وهي أكثرها، فجبَوا خراج الدّيَنور وغيرِها، وساروا إلى النَّهروان، فكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد، فأذن لهم، فدخلوا بغداد، فظنّ الحجريّة أنّها حيلة عليهم، فطلبوا ردّ الأتراك إلى بلد الجبل، فأمرهم ابن مُقلة بذلك، وأطلق لهم مالاً، فلم يرضوا به، وغضبوا، فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط، وله البصرة أيضاً، فاستدعاهم، فمضوا إليه، وقدّم عليهم بجكم، وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج، فكاتبهم، فأتاه منهم عدّة وافرة، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، وإلى بجكم خاصّة، وأمره أن يكتب إلى الناس بجكم الرائقيّ، فأقام عنده، وكان من أمرهما ما نذكره.
ذكر حال وشمكير بعد قتل أخيهوأمّا وشمكير فإنّه لَما قُتل أخوه، وقصدته العساكر التي كانت لأخيه، وأطاعته، أقام بالريّ، فكتب الأمير نصر بن أحمد السامانيُّ إلى أمير جيشه بخُراسان، محمّد بن المظفَّر بن محتاج، بالمسير إلى قُومِس، وكتب إلى ما كان ابن كالي، وهو بكَرمان، بالمسير عنها إلى محمّد بن المظفَّر، ليقصدوا جُرجان والرَّيّ.
فسار ما كان إلى الدامغان على المفازة، فتوجّه إليه بانجين الديلميُّ، من أصحاب وشمكير، في جيش كثيف، واستمدّ ما كان محمّدَ بن المظفّر، وهو ببِسطام، فأمدّه بجمع كثير أمرهم بترك المحاربة إلى أن يصل إليهم، فخالفوه وحاربوا بانجين، فلم يتعاونوا، وتخاذلوا فهزمهم بانجين، فرجعوا إلى محمّد بن المظفّر، وخرجوا إلى جُرجان، فسار إليهم بانجين ليصدّهم عنها، فانصرفوا إلى نَيسابور وأقاموا بها وجُعلت ولايتها لما كان ابن كالي وأقام بها، وكان ذلك آخر سنة ثلاث وعشرين وأوّل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ولّما سار ما كان عن كَرمان عاد إليها أبو عليّ محمّد بن إلياس فاستولى عليها، وصفت له بعد حروب له مع جنود نصر بكَرمان، وكان الظفر له أخيراً، وسنذكر باقي خبرهم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر القبض على ابنَيْ ياقوت
في هذه السنة، في جمادى الأولى، قبض الراضي بالله على محمّد والمظفَّر ابنَيْ ياقوت.
وكان سبب ذلك أنّ الوزير أبا عليّ بن مُقلة كان قد قلق لتحكّم محمّد بن ياقوت في المملكة بأسرها، وأنّه هو ليس له حكم في شيء، فسعى به الراضي، وأدام السعاية، فبلغ ما أراده.
فلّما كان خامس جمادى الأولى ركب جميع القوّاد إلى دار الخليفة على عادتهم، وحضر الوزير، وأظهر الراضي أنّه يريد أن يقلّد جماعة من القوّاد أعمالاً، وحضر محمّد بن ياقوت للحجبة، ومعه كاتبه أبو إسحاق القراريطيُّ، فخرج الخدم إلى محمّد بن ياقوت فاستدعوه إلى الخليفة، فدخل مبادراً، فعدلوا به إلى حجرة هناك، فحبسوه فيها، ثم استدعوا القراريطيَّ فدخل فعدلوا به إلى حجرة أُخرى، ثمّ استدعوا المظفَّر بن ياقوت من بيته، وكان مخموراً، فحضر، فحبسوه أيضاً.
وأنفذ الوزير أبو عليّ بن مُقلة إلى دار محمّد يحفظها من النهب، وكان ياقوت حينئذ مقيماً بواسط، فلمّا بلغه القبض على ابَنيه انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بُوَيه، وكتب إلى الراضي يستعطفه، ويسأله إنفاذ ابنَيْه ليساعداه على حروبه، فاستبدّ ابن مقلة بالأمر.
ذكر حال البريديّ
وفيها قوي أمر عبدالله البريديَّ، وعظم شأنه.
وسبب ذلك أنّه كان ضامناً أعمال الأهواز، فلمّا استولى عليها عسكر مرداويج وانهزم ياقوت، كما ذكرنا، عاد البريديُّ إلى البصرة، وصار يتصرّف في أسافل أعمال الأهواز، مضافاً إلى كتابة ياقوت، وسار إلى ياقوت فأقام معه بواسط.
فلمّا قبض على ابنَيْ ياقوت كتب ابن مُقلة إلى ابن البريديّ يأمره أن يسكّن ياقوتاً، ويعرّفه أنّ الجند اجتمعوا وطلبوا القبض على ولدَيْه، فقُبضا تسكيناً للجند، وأنّهما يسيران إلى أبيهما عن قريب، وأنّ الرأي أن يسير هو لفتح فارس، فسار ياقوت من واسط على طريق السُّوس، وسار البريديُّ على طريق الماء إلى الأهواز، وكان إلى أخويه أبي الحسين وأبي يوسف ضمان السوس وجُندَيسَابور، وادّعيا أنّ دَخْل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج، وأنّ دَخْل سنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء لأنّ نوّاب مرداويج ظلموا الناس، فلم يبق لهم ما يزرعونه.

وكان الأمر بضدّ ذلك في السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مُقلة، فأنفذ نائباً له ليحقّق الحال، فواطأ ابنَي البريديّ، وكتب يصدّقهم، فحصل لهم بذلك مال عظيم، وقويت حالهم، وكان مبلغ ما أخذوه أربعة آلاف ألف دينار.
وأشار ابن البريديّ على ياقوت بالمسير إلى أرّجان لفتح فارس، وقام هو بجباية الأموال من البلاد، فحصل منها ما أراد.
فلمّا سار ياقوت إلى فارس في جموعه لقيه ابن بُويه بباب أرّجان، فانهزم أصحاب ياقوت، وبقي إلى آخرهم، ثم انهزم وسار ابن بُويه خلفه إلى رَامَهُرْمُز، وسار ياقوت إلى عسكر مُكرَم، وأقام ابن بويه برَامَهُرْمُز إلى أن وقع الصلح بينهما.
ذكر فتنة الحنابلة ببغدادوفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامّة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنيّة ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.
فركب بدر الخرشَنيُّ، وهو صاحب الشُّرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة، ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلاّ إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءَين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مرّ بهم شافعيُّ المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتّى يكاد يموت.
فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلَيْن والنعلَيْن المُذهّبَين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون، علوّاً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمّة، ونسبتكم شيعة آل محمّد، صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمّة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوامّ ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه.
وأمير المؤمنين يقسم بالله قسماً جهداً إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالّكم.
ذكر قتل أبي العلاء بن حمدانوفيها قتل ناصرُ الدولة أبو محمّد الحسن بن عبدالله بن حَمدان عمّه أبا العلاء بن حمدان.
وسبب ذلك أنّ أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة سرّاً، وكان بها ناصر الدولة ابن أخيه أميراً، فسار عن بغداد في خمسين رجلاً، وأظهر أنّه متوجّه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه، فلمّا وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه إلى تلقّيه، وقصد مخالفة طريقه، فوصل أبو العلاء، ودخل دار ابن أخيه، وسأل عنه فقيل: إنّه خرج إلى لقائك، فقعد ينتظره، فلمّا علم ناصر الدولة بمقامه في الدار أنفذ جماعة من غلمانه، فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه.
ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل وما كان بينه وبين ناصر الدولةلّما قتل ناصر الدولة عمّه أبا العلاء واتّصل خبره بالراضي عظم ذلك عليه وأنكره، وأمر ابن مُقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في العسكر، في شعبان، فلمّا قارها رحل عنها ناصر الدولة بن حَمدان، ودخل الزَّوَزَان، وتبعه الوزير إلى جبل التِّنّين، ثم عاد عنه وأقام بالموصل يجبي مالها.

ولما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير، وكان ينوب عنه في الوزارة ببغداد، فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه يستدعيه، فكتب إليه يقول إنّ الأمور بالحضرة قد اختلّت، وإن تأخّر لم يأمن حدوث ما يبطل به أمرهم، فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل عليَّ بن خلف بن طباب وماكرد الديلميَّ، وهو من الساجيّة، وانحدر إلى بغداد منتصف شوّال.
فلمّا فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان فاقتتل هو وماكرد الديلميُّ، فانهزم ابن حمدان، ثم عاد وجمع عسكراً آخر، فالتقوا على نصيبين في ذي الحجّة، فانهزم ماكرد إلى الرَّقّة، وانحدر منها إلى بغداد، وانحدر أيضاً ابن طبّاب، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد، وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح، وأن يضمن البلاد، فأُجيب إلى ذلك واستقرّت البلاد عليه.
ذكر فتح جنوة وغيرهافي هذه السنة سيّر القائم العلويُّ جيشاً من إفريقية في البحر إلى ناحية افرنج، ففتحوا مدينة جَنوة ومرّوا بسَردَانية فأوقعوا بأهلها، وأحرقوا مراكب كثيرة، ومرّوا بقَرقِيسيا فأحرقوا مَراكبها وعادوا سالمين.
ذكر القرامطةفي هذه السنة خرج الناس إلى الحجّ، فلمّا بلغوا القادسية اعترضهم أبو طاهر القُرمُطيُّ ثاني عشر ذي القعدة، فلم يعرفوه، فقاتله أصحاب الخليفة، وأعانهم الحجّاج، ثم التجأوا إلى القادسية، فخرج جماعة من العلويّين بالكوفة إلى أبي طاهر، فسألوه أن يكفّ عن الحجّاج، فكفّ عنه من وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداد، فرجعوا، ولم يحجّ بهذه السنة من العراق أحد، وسار أبو طاهر إلى الكوفة فأقام بها عدّة أيّام ورحل عنها.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في المحرّم، قلّد الراضي بالله ولدَيه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتَي المشرق والمغرب ممّا بيده، وكتب بذلك إلى البلاد.
وفيها، في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة، وهي الليلة التي أوقع القُرمُطيُّ بالحجّاج، انقضّت الكواكب من أوّل الليل إلى آخره انقضاضاً دائماً مسرفاً جدّاً لم يُعهد مثله.
وفيها مات أبو بكر محمّد بن ياقوت، في الحبس، بنفث الدم، فأحضر القاضي والشهود، وعُرض عليهم، فلم يروا به أثر ضرب ولا خنق، وجذبوا شعره فلم يكن مسموماً، فسُلّم إلى أهله، وأخذوا ماله وأملاكه ومعامليه ووكلاءه وكلّ من يخالطه.
وفيها كان بخراسان غلاء شديد، ومات من أهلها خلق كثير من الجوع، فعجز الناس عن دفنهم، فكانوا يجمعون الغرباء والفقراء في دار إلى أن يتهيّأ لهم تكفينهم ودفنهم.
وفيها جهّز عماد الدولة بن بويه أخاه ركن الدولة الحسن إلى بلاد الجبل، وسيّر معه العساكر بعد عوده لّما قُتل مرداويج، فسار إلى أصبهان، فاستولى عليها، وأزال عنها وعن عدّة من بلاد الجبل نوّاب وشمكير، وأقبل وشمكير وجهّز العساكر نحوه، وبقي هو ووشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي أصبهان، وهَمَذان، وقُمّ، وقاجَان، وكرَج، والرَّيّ، وكنكور، وقَزوين وغيرها.
وفيها، في آخر جمادى الآخرة، شغب الجند ببغداد، وقصدوا دار الوزير أبي عليّ بن مقلة وابنه، وزاد شغبهم، فمنعهم أصحاب ابن مقلة، فاحتال الجند ونقبوا دار الوزير من ظهرها، ودخلوها، وملكوها وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربيّ، فلمّا سمع الساجيّة بذلك ركبوا إلى دار الوزير، ورفقوا بالجند فردّوهم، وعاد الوزير وابنه إلى منازلهما.
واتّهم الوزير بإثارة هذه الفتنة بعض أصحاب ابن ياقوت، فأمر فنودي أن لا يقيم أحد منهم بمدينة السلام، ثم عاود الجند الشغب حادي عشر ذي الحجّة، ونقبوا دار الوزير عدّة نقوب، فقاتلهم غلمانه ومنعوهم، فركب صاحب الشُّرطة، وحفظ السجون حتّى لا تُفتح، ثم سكنوا من الشغب.
وفي هذه السنة أُطلق المظفَّر بن ياقوت من حبس الراضي بالله بشفاعة الوزير ابن مقلة، وحلف للوزير أنّه يواليه ولا ينحرف عنه، ولا يسعى له ولا لولده بمكروه، فلم يفِ له ولا لولده ووافق الحجريّة عليه، فجرى في حقّه ما يكره.
وكان المظفَّر حقد على الوزير حين قُتل أخوه لأنّه اتّهمه أنّه سمّه.

وفيها أرسل ابن مقلة رسولاً إلى محمّد بن رائق بواسط، وكان قد قطع الحمل عن الخليفة، فطالبه بارتفاع البلاد واسط والبصرة وما بينهما، فأحسن إلى الرُّسل وردّهم برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة مغالطة، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي بالله وحده، مضمونها أنّه إن استدعي إلى الحضرة وفُوّضت إليه الأمور وتدبير الدولة قام بكلّ ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند، فلمّا سمع الخليفة الرسالة لم يُعد إليه جوابها.
وفيها توفّي أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس الهذليُّ من ولد عتبة بن مسعود بالكوفة، وهو من نَيسابور، وإبراهيم بن محمّد بن عرفة المعروف بنفطويه النحويّ، وله مصنّفات، وهو من ولد المهلَّب بن أبي صُفرة.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
ذكر القبض على ابن مقلة
ووزارة عبد الرحمن بن عيسى
لّما عاد الرُّسل من عند ابن رائق بغير مال رأى الوزير أن يسيّر ابنه، فتجهّز، وأظهر أنّه يريد الأهواز، فلمّا كان منتصف جمادى الأولى حضر الوزر دار الراضي لينفذ رسولاً إلى ابن رائق يُعرّفه عزمه على قصد الأهواز لئلاّ يستوحش لحركته فيحتاط، فلمّا دخل الدار قبض عليه المظفَّر بن ياقوت والحجريّة، وكان المظفَّر قد أُطلق من محبسه على ما نذكره.
ووجهوا إلى الراضي يعرّفونه ذلك، فاستحسن فعلهم، واختفى أبو الحسين بن أبي عليّ بن مقلة وسائر أولاده وحُرَمه وأصحابه، وطلب الحجريّة والساجيّة من الراضي أن يستوزر وزيراً، فردّ الأختيار إليهم، فأشاروا بوزارة عليّ بن عسى، فأحضره الراضي للوزارة، فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره، وسلّم إليه ابن مقلة فصادره وصرف بدراً الخَرشنيَّ عن الشُّرطة، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه، فاستعفى من الوزارة.
ذكر القبض على عبد الرحمنووزارة أبي جعفر الكَرخيّ
لّما ظهر عجز عبد الرحمن للراضي، ووقوف الأمور، قبض عليه وعلى أخيه عليّ بن عيسى، فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار.
ذكر قتل ياقوتوفي هذه السنة قُتل ياقوت بعسكر مُكَرم. وكان سبب قتله ثقته بأبي عبدالله البريديّ فخانه، وقابل إحسانه بالإساءة على ما نذكره.
وقد ذكرنا أنّ أبا عبدالله ارتسم بكتابة ياقوت مع ضمان الأهواز، فلمّا كتب إليه وثق به وعوّل على ما يقوله، وكان إذا قيل له شيء في أمره وخُوّف من شرّه يقول: أنّ أبا عبدالله ليس كما تظنّون، لأنّه لا يحدّث نفسه بالإمرة، وقود العساكر، وإنّما غايته الكتابة. فاغترّ بهذا منه.
وكان، رحمه الله، سليم القلب، حسن الاعتقاد، فلهذا لم يخرج عن طاعة الخليفة حين قبض على ولدَيْه بل دام على الوفاء.
فأمّا حاله مع البريديّ، فإنّه لّما عاد مهزوماً من عماد الدولة بن بويه إلى عسكر مُكرَم كتب إليه أبو عبدالله أن يقيم بعسكر مُكرَم ليستريح، ويقع التدبير بعد ذلك، وكان بالأهواز، وهو يكره الاجتماع معه في بلد واحد، فسمع ياقوت قوله وأقام، فأرسل إليه أخاه أبا يوسف البريديَّ يتوجّع له ويهنّيه بالسلامة، وقرّر القاعدة على أن يحمل له أخوه من مال الأهواز خمسين ألف دينار، واحتجّ بأنّ عنده من الجند خلقاً كثيراً منهم البربر، والشفيعيّة، والنازوكيّة، والبليقيّة، والهارونيّة. كان ابن مقلة قد ميّز هذه الأصناف من عسكر بغداد وسيّرهم إلى الأهواز ليخفّ عليه مؤونتهم، فذكر أبو يوسف أنّ هؤلاء متى رأوا المال يخرج عنهم إليك شغبوا، ويحتاج أبو عبدالله إلى مفارقة الأهواز، ثم يصير أمرهم إلى أنّهم يقصدونك ولا نعلم كيف يكون الحال؛ ثم قال له: إنّ رجالك مع سوء أثرهم يقنعون بالقليل.
فصدّقه ياقوت فيما قال، وأخذ ذلك المال وفرّقه، وبقي عدّة شهور لم يصله منه شيء، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين فضاق الرزق على أصحاب ياقوت، واستغاثوا، وذكروا ما فيه أصحاب البريديّ بالأهواز من السعة، وما هم فيه من الضيق.
وكان قد اتّصل بياقوت طاهر الجيليُّ، وهو من كبار أصحاب ابن بويه، في ثمانمائة رجل، وهو من أرباب المراتب العالية، وممّن يسمو إلى معالي الأمور.

وسبب اتّصاله به خوفه من ابن بويه أن يقبض عليه خوفاً منه، فلمّا رأى حال ياقوت انصرف عنه إلى غربيّ تُستَر، وأراد أن يتغلّب على ماه البصرة، وكان معه أبو جعفر الصَّيمريُّ، وهو كاتبه، فسمع به عماد الدولة بن بويه، فكبسه، فانهزم هو وأصحابه، واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه، وأسر الصَّيمريَّ، فأطلقه الخيّاط وزير عماد الدولة بن بويه، فمضى إلى كَرمان، واتّصل بالأمير معزّ الدولة أبي الحسن بن بويه وكان ذلك سبب أقباله.
ف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 1:55 am

ووزارة سليمان بن الحسن
لّما تولّى الوزير أبو جعفر الكرخيُّ، على ما تقدّم، رأى قلّة الأموال وانقطاع الموادّ، فازداد عجزاً إلى عجزه، وضاق عليه الأمر.

وما زالت الإضافة تزيد، وطمع مَن بين يديه من المعاملين فيما عنده من الأموال، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريديُّ حمل الأهواز وأعمالها، وكان ابن بويه قد تغلّب على فارس، فتحيّر أبو جعفر، وكثرت المطالبات عليه، ونقصت هيبته، واستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فلمّا استتر استوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن، فكان في الوزارة كأبي جعفر في وقوف الحال وقلّة المال.
ذكر استيلاء ابن رائق على أمر العراق وتفرّق البلاد
لّما رأى الراضي وقوف الحال عنده ألجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمّد بن رائق، وهو بواسط، يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد، فلمّا أتاه الرسول بذلك فرح به، وشرع يتجهّز للمسير إلى بغداد، فأنفذ إليه الراضي الساجيّة، وقلّده إمارة الجيش، وجعله أمير الأمراء، وولاّه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين، وأمر بأن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخِلَع.
وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتّاب والحجّاب، وتأخّر الحجريّة عن الانحدار، فلمّا استقرّ الذين انحدروا إلى واسط قبض ابن رائق على الساجيّة سابع ذي الحجّة، ونهب رحلهم ومالهم ودوابّهم، وأظهر أنّه إنّما فعل ذلك لتتوفّر أرزاقهم على الحجريّة، فاستوحش الحجريّة من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغداً لنا؛ وخيّموا بدار الخليفة، فأُصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، وخلع الخليفة عليه أواخر ذي الحجّة، وأتاه الحجريّة يسلّمون عليه، فأمرهم بقلع خيامهم، فقلعوها وعادوا إلى منازلهم.
وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، وبطلت الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها، وكذلك كلّ من تولّى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تُحمل إلى خزائنهم فيتصرّفون فيها كما يريدون ويطلقون للخليفة ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال، وتغلب أصحاب الأطراف، وزالت عنهم الطاعة، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم.
وأمّا باقي الأطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق؛ وخوزستان في يد البريديّ؛ وفارس في يد عماد الدولة بن بويه؛ وكرمان في يد أبي عليّ محمّد بن إلياس؛ والرَّيّ وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكر أخي مرداوجي يتنازعان عليها؛ والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حَمدان؛ ومصر والشام في يد محمّد بن طُغْج؛ والمغرب وإفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهديّ العلويّ، وهو الثاني منهم، ويلقّب بأمير المؤمنين؛ والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمّد الملقّب بالناصر الأموي؛ وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد السامانيّ؛ وطبرستان وجُرجان في يد الديلم؛ والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القُرمُطيّ.
ذكر مسير مُعزّ الدولة بن بويه إلى كرمان وما جرى عليه بها
في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بُويه، الملقّب بمُعزّ الدولة، إلى كَرمان.
وسبب ذلك أنّ عماد الدولة بن بويه وأخاه ركن الدولة لّما تمكّنا من بلاد فارس وبلاد الجبل، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبدّ بها، رأيا أن يسيّراه إلى كَرمان، ففعلا ذلك، وسار إلى كَرمان في عسكر ضخم شجعان،؛ فلمّا بلغ السيرجان استولى عليها، وجبى أموالها وأنفقها في عسكره.
وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتيُّ يحاصر محمّد بن إلياس بن ألِيسع بقلعة هناك، بعساكر نصر بن أحمد صاحب خُراسان، فلمّا بلغه إقبال معزّ الدولة سار عن كَرمان إلى خُراسان، ونفّس عن محمّد بن إلياس، فتخلّص من القلعة، وسار إلى مدينة بَمّ، وهي على طرف المفازة بين كَرمان وسِجشسْتان، فسار إليه أحمد بن بويه، فرحل من مكانه إلى سِجِسْتان بغير قتال، فستار أحمد إلى جِيرَفْت، وهي قصبة كَرمان، واستخلف على بَمّ بعض أصحابه.

فلمّا قارب جِيرفت أتاه رسول عليّ بن الزنجيّ المعروف بعليّ كلويه، وهو رئيس القُفْص، والبَلُوص، وكان هو وأسلافه متغلّبين على تلك الناحية، إلاّ أنّهم يجاملون كلّ سلطان يرد البلاد، ويطيعونه، ويحملون إليه مالاً معلوماً ولا يطأون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع أحمد من قبوله إلاّ بعد جِيرَفت، فتأخّر عليُّ بن كلويه نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل أحمد بن بويه جِيرَفت واصطلح هو وعليّ، وأخذ رهائنه وخطب له.
فلمّا استقرّ الصلح وانفصل الأمر أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد عليّاً ويغدر به، ويسري إليه سرّاً على غفلة، وأطمعه في أمواله، وهوّن عليه أمره بسكونه إلى الصلح، فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك، لحداثة سنّه، وجمع أصحابه وأسرى نحوهم جريدة.
وكان عليّ محترزاً ومَن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه، فساعة تحرّك بلغتْه الأخبار، فجمع أصحابه ورتّبهم بمضيق على الطريق، فلمّا اجتاز بهم ابن بويه ثاروا به ليلاً من جوانبه، فقتلوا في أصحابه، وأسروا، ولم يُفلت منهم إلاّ اليسير، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة، ووقعت ضربة منها في يده اليسرى فقطعتها من نصف الذراع، وأصاب يده اليمنى ضربة أخرى سقط منها بعض أصابعه، وسقط مثخناً بالجراح بين القتلى، وبلغ الخبر بذلك إلى جِيرَفت فهرب كلّ من كان بها من أصحابه.
ولّما أصبح عليّ كلويه تتّبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين قد أشرف على التلف، فحمله إلى جِيرَفت، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن بويه، ويعرّفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقرّ بينهما الصلح، وأطلق عليّ كلّ مَن عنده من الأسرى وأحسن إليهم.
ووصل الخبر إلى محمّد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه، فسار من سِجِستان إلى البلد المعروف بجنّابة، فتوجّه إليه ابن بويه، وواقعه ودامت الحرب بينهما عدّة أيّام، فانهزم ابن إلياس، وعاد أحمد بن بويه ظافراً، وسار نحو عليّ كلويه لينتقم منه، فلمّا قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجّالة، فكبسوا عسكره ليلاً في ليلة شديدة المطر، فأثّروا فيهم وقتلوا ونهبوا وعادوا، وبقي ابن بويه باقي ليلته؛ فلمّا أصبح سار نحوهم، فقتل منهم عدداً كثيراً، وانهزم عليّ كلويه.
وكتب ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس وهزيمته، فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائداً من قوّاده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويُلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده بإصطَخْر إلى أن قصدهم أبو عبدالله البريديُّ منهزماً من ابن رائق وبجكم، فأطمع عماد الدولة في العراق، وسهّل عليه ملكه، فسيّر معه أخاه معزّ الدولة أبا الحسين، على ما نذكره سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة.
ذكر استيلاء ما كان على جُرجان
وفي هذه السنة استولى ما كان بن كالي على جُرجان.
وسبب ذلك أنّنا ذكرنا أوّلاً ما كان لّما عاد من جرجان أقام بنَيسابور، وأقام بانجين بجُرجان، فلمّا كان بعد ذلك خرج بانجين يلعب بالكرة، فسقط عن دابّته فوقع ميّتاً.
وبلغ خبره ما كان بن كالي، وهو بنَيسابور، وكان قد استوحش من عارض جيش خراسان، فاحتجّ على محمّد بن المظفّر صاحب الجيش بخراسان بأنّ بعض أصحابه قد هرب منه، وأنّه قد يخرج في طلبه، فأذن له في ذلك، وسار عن نَيسابور إلى أسفرايين، فأنفذ جماعة من عسكره إلى جُرجان واستولوا عليها، فأظهر العصيان على محمّد بن المظفَّر، وسار من أسفرايين إلى نَيسابور، مغافصةً، وبها محمّد بن المظفّر، فخذل محمّداً أصحابُه ولم يعاونوه، وكان في قلّة من العسكر غير مستعدّ له، فسار نحو سَرْخَس، وعاد ما كان من نَيسابور خوفاً من اجتماع العساكر عليه، وكان ذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر وزراة الفضل بن جعفر للخليفةوفيها كتب ابن رائق كتاباً عن الراضي إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات يستدعيه ليجعله وزيراً، وكان يتولّى الخراج بمصر والشام؛ وظنّ ابن رائق أنّه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر، فقدم إلى بغداد، ونفذت له الخلع قبل وصوله، فلقيته بهَيْت، فلبسها ودخل بغداد، وتولّى وزراة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعاً.

ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة قلّد الراضي محمّدَ بن طُغْج أعمال مصر مضافاً إلى ما بيده من الشام، وعزل أحمد بن كَيْغَلَغ عن مصر.
وفيها انخسف القمر جميعه ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من ربيع الأوّل، وانخسف جميعه أيضاً لأربع عشرة خلت من شوّال.
وفيها قُبض على أبي عبدالله بن عبدوس الجهشياريّ، وصودر على مائتَيْ ألف دينار.
وفيها وُلد عضد الدولة أبو شجاع فنّاخَسرُو بن ركن الدولة أبي عليّ الحسن بن بويه بأصبهان.
وفيها توفّي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، المعروف بجحظه، وله شِعر مطبوع، وكان عارفاً بفنون شتّى من العلوم.
وفيها توفّي أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد في شعبان، وكان إماماً في معرفة القراءات؛ وعبد الله بن أحمد بن محمّد بن المغلِّس أبو الحسن الفقيه الظاهريُّ، صاحب التصانيف المشهورة.
وفيها توفّي عبدالله بن محمّد بن زياد بن واصل أبو بكر النَّيسابوريُّ الفقيه الشافعيُّ في ربيع الأوّل، وكان مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان قد جالس الربيع بن سليمان والمزنيَّ ويونس بن عبد الأعلى أصحاب الشافعيّ، وكان إماماً.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
ذكر مسير الراضي بالله إلى حرب البريدي
ّ
في هذه السنة أشار محمّد بن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى واسط ليقرب من الأهواز، ويراسل أبا عبدالله بن البريديّ، فإن أجاب إلى ما يطلب منه، وإلاّ قرّب قصده عليه، فأجاب الراضي إلى ذلك، وانحدر أوّل المحرّم، فخالف الحجريّة وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجيّة؛ فلم يلتفت ابن رائق إليهم، وانحدر، وتبعه بعضهم، ثمّ انحدروا بعده، فلمّا صاروا بواسط اعترضهم ابن رائق، فأسقط أكثرهم، فاضطروا وثاروا، فقاتلهم قتالاً شديداً، فانهزم الحجريّة، وقتل منهم جماعة.
ولّما وصل المنهزمون إلى بغداد ركب لؤلؤ صاحب الشُّرطة ببغداد ولقيهم، فأوقع بهم، فاستتروا، فنُهبت دورهم، وقُبضت أموالهم وأملاكهم، وقُطعت أرزاقهم.
فلّما فرغ منهم ابن رائق قتل من كان اعتقله من الساجيّة سوى صافي الخازن، وهارون بن موسى، فلّما فرغ أخرج مضاربه ومضار الراضي نحو الأهواز لإجلاء ابن البريديّ عنها، فأرسل إليه في معنى تأخير الأموال، وما قد ارتكبه من الاستبداد بها وإفساد الجيوش وتزيين العصيان لهم، إلى غير ذلك من ذكر معايبه، ثم يقول بعد ذلك: وإنّه إن حمل الواجب عليه وسلّم الجند الذين أفسدهم أُقرّ على عمله، وإن أبى قوبل بما استحقّه.
فلمّا سمع الرسالة جدّد ضمان الأهواز، كل سنة بثلاثمائة وستّين ألف دينار، يحمل كلّ شهر بقسطه، وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمر بتسليمهِ إليه مّمن يسير به إلى قتال ابن بوَيْه، إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضيق الأموال بها واختلاف الكلمة، فكتب الرسل ذلك إلى ابن رائق، فعرضه على الراضي، وشاور فيه أصحابه، فأشار الحسين بن عليّ النُّوبختيُّ بأن لا يقبل منه ذلك، فإنّه خداع ومكر للقرب منه، ومتى عُدتم عنه لم يقف على ما بذله.
وأشار أبو بكر بن مقابل بإجابته إلى ما التمس من الضمان، وقال: إنّه لا يقوم غيره مقامه، وكان يتعصّب للبريديّ، فسمع قوله وعقد الضمان على البريديّ وعاد هو والراضي إلى بغداد، فدخلاها ثامن صفر.
فأمّا المال فما حمل منه ديناراً واحداً، وأمّا الجيش فإنّ ابن رائق أنفذ جعفر بن ورقاء ليتسلّمه منه وليسير بهم إلى فارس، فلّما وصل إلى الأهواز لقيه ابن البريديّ في الجيش جمعيه، ولّما عاد سار الجيش مع البريديّ إلى داره واستصحب معه جعفراً وقدّم لهم طعاماً كثيراً، فأكلوا وانصرفوا، وأقام جعفر عدّة أيّام.
ثم إنّ جعفراً أمر الجيش فطالبوه بمال يفرّقه فيهم ليتجهّزوا به إلى فارس، فلم يكن معه شيء، فشتموه وتهدّدوه بالقتل، فاستتر منهم ولجأ إلى البريديّ، وقال له البريديُّ: ليس العجب ممّن أرسلك، وإنّما العجب منك كيف جئتَ بغير شيء، فلو أن الجيش مماليك لما ساروا إلاّ بمال ترضيهم به؛ ثم أخرجه ليلاً وقال: انجُ بنفسك؛ فسار إلى بغداد خائباً.

ثم إنّ ابن مقاتل شرع مع ابن رائق في عزل الحسين بن عليّ النوبختيّ وزيره، وأشار عليه بالاعتضاد بالبريديّ، وأن يجعله وزيراً له عوض النوبختيّ، وبذل له ثلاثين ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، فلم يزل ابن مقاتل يسعى ويجتهد إلى أن أجابه إليه، فكان من أعظم الأسباب في بلوغ ابن مقاتل غرضه أنّ النوبختيّ كان مريضاً، فلّما تحدّث ابن مقاتل مع ابن رائق في عزله امتنع من ذلك، وقال له: عليّ حقّ كثير، هو الذي سعى لي حتّى بلغتُ هذه الرتبة، فلا أبتغي به بديلاً.
فقال ابن مقاتل: فإنّ النوبختيّ مريض لا مطمع في عافيته.
قال له ابن رائق: فإنّ الطبيب قد أعلمني أنّه قد صلح وأكل الدُّرّاج.
فقال: إنّ الطبيب يعلم منزلته منك وأنّه وزير الدولة فلا يلقاك في أمره بما تكره، ولكن أحضر ابن أخي النوبختيّ وصهره عليَّ بن أحمد واسأله عنه سرّاً، فهو يخبرك بحاله.
فقال: أفعل.
وكان النوبختيُّ قد استناب ابن أخيه هذا عند ابن رائق ليقوم بخدمته في مرضه، ثم إنّ مقاتل فارق ابن رائق على هذا، واجتمع بعليّ بن أحمد وقال له: قد قرّرت لك مع الأمير ابن رائق الوزارة، فإذا سألك عن عمّك فأعلمه أنّه على الموت ولا يجيء منه شيء لتتمّ لك الوزارة.
فلّما اجتمع ابن رائق بعليّ بن أحمد سأله عن عمّه، فغشي عليه، ثم لطم برأسه ووجهه وقال: يبقي الله الأمير ويعظّم أجره فيه، فلا يعدّه الأمير إلاّ في الأموات ! فاسترجع وحوقل وقال: لو فُدي بجميع ما أملكه لفعلتُ.
فلمّا حضر عنده ابن مقاتل قال له ابن رائق: قد كان الحقّ معك، وقد يئسنا من النوبختيّ فاكتب إلى البريديّ ليرسل من ينوب عنه في وزارتي؛ ففعل وكتب إلى البريديّ بإنفاذ أحمد بن عليّ الكوفيّ لينوب عنه في وزارة ابن رائق، فأنفذه، فاستولى على الأمور، وتمشّى حال البريديّ بذلك، فإنّ النوبختيَّ كان عارفاً به لا يتمشّى معه محاله.
فلّما استولى الكوفّي وابن مقاتل شرعاً في تضمين البصرة من أبي يوسف ابن البريديّ، أخي أبي عبدالله، فامتنع ابن رائق من ذلك، فخدعاه إلى أن أجاب إليه، وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمّد بن يزداد، وقد أساس السيرة وظلم أهلها، فلّما ضمنها البريديُّ حضر عنده بالأهواز جماعة من أعيان أهلها، فوعدهم ومنّاهم، وذمّ ابن رائق عندهم بما كان يفعله ابن يزداد، فدعوا له.
ثم أنفذ البريديُّ غلامه إقبالاً في ألفَيْ رجل، وأمرهم بالمقام بحصن مهديّ إلى أن يأمرهم بما يفعلون، فلّما علم ابن يزداد بهم قامت قيامته من ذلك وعلم أنّ البريديَّ يريد التغلّب على البصرة، وإلاّ لو كان يريد التصرّف في ضمانه لكان يكفيه عامل في جماعته.
وأمر البريديُّ بإسقاط بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، حتّى اطمأنّوا، وقاتلوا معه عسكر ابن رائق، ثم عطف عليهم، فعمل بهم أعمالاً تمدنوا معها أيّام ابن رائق وعدّوها أعياداً.
ذكر ظهور الوحشة بين ابن رائق والبريديّ والحرب بينهما
في هذه السنة أيضاً ظهرت الوحشة بين ابن رائق والبريديّ، وكان لذلك عدّة أسباب منها أنّ رائق لّما عاد من واسط إلى بغداد أمر بظهور مَن اختفى من الحجريّين، فظهروا، فاستخدم منهم نحو ألفَيْ رجل، وأمر الباقين بطلب الرزق أين أرادوا، فخرجوا من بغداد، واجتمعوا بطريق خراسان، ثم ساروا إلى أبي عبدالله البريديّ فأكرمهم وأحسن إليهم، وذمّ ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداد يعتذر عن قبولهم، ويقول: إنّني خفتهم، فلهذا قبلتُهم، وجعلهم طريقاً إلى قطع ما استقرّ عليه من المال، وذكر أنّهم اتّفقوا مع الجيش الذي عنده ومنعوه من حمل المال الذي استقرّ عليه، فأنفذ إليه ابن رائق يُلزمه بإبعاد الحجريّة، فاعتذر ولم يفعل.
ومنها أنّ ابن رائق بلغه ما ذمّه به ابن الريديّ عند أهل البصرة، فساءه ذلك، وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهديّ، فعظم عليه، واتّهم الكوفيَّ بمحاباة البريديّ، وأراد عزله، فمنعه عنه أبو بكر محمّد بن مقاتل، وكان مقبول القول عند ابن رائق، فأمر الكوفيَّ أن يكتب إلى البريديّ يعاتبه على هذه الأشياء، ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهديّ، فكتب إليه في ذلك، فأجاب بأنّ أهل البصرة يُخفون القرامطة، وابن يزداد عاجز عن حمايتهم، وقد تمسّكوا بأصحابي لخوفهم.

وكان أبو طاهر الهجريُّ قد وصل إلى الكوفة في الثالث والعشرين من ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في عساكره إلى قصر ابن هُبيرة، وأرسل إلى القُرمُطيّ، فلم يستقرّ بينهم أمر، فعاد القُرمُطيُّ إلى بلده؛ فعاد حينئذ ابن رائق وسار إلى واسط، فبلغ ذلك البريديَّ، فكتب إلى عسكره بحصن مهديّ يأمرهم بدخول البصرة، وقتال مَن منعهم، وأنفذ إليهم جماعة من الحجريّة معونة لهم، فأنفذ ابن يزداد جماعة من عنده ليمنعهم من دخول البصرة، فاقتتلوا بنهر الأمير، فانهزم أصحاب ابن يزداد، فأعادهم، وزاد في عدّتهم كلّ متجنّد بالبصرة، واقتتلوا ثانياً فانهزموا أيضاً.
ودخل إقبال وأصحاب البريديّ البصرة، وانهزم ابن يزداد إلى الكوفة، وقامت القيامة على ابن رائق، وكتب إلى أبي عبدالله البريديّ يتهدّده، ويأمره بإعادة أصحابه من البصرة، فاعتذر ولم يفعل، وكان أهل البصرة في أوّل الأمر يريدون البريديَّ لسوء سيرة ابن يزداد.
ذكر استيلاء بجكم على الأهوازلّما وصل جواب الرسالة من البريديّ إلى ابن رائق بالمغالطة عن إعادة جنده من البصرة، استدعى بدراً الخَرشنيَّ وخلع عليه، وأحضر بجكم أيضاً وخلع عليه، وسيّرهما في جيش، وأمرهم أن يقيموا بالجامدة، فبادر بجكم، ولم يتوقف على بدر ومَن معه، وسار إلى السُّوس.
فبلغ ذلك البريديَّ، فأخرج إليه جيشاً كثيفاً في ثلاثة آفلا مقاتل، ومقدّمهم غلامه محمّد المعروف بالحمّال، فاقتتلوا بظاهر السُّوس، وكان مع بجكم مائتان وسبعون رجلاً من الأتراك، فانهزم أصحاب البريديّ وعادوا إليه، فضرب البريديُّ محمّداً الحمّال وقال: انهزمتَ بثلاثة آلاف من ثلاثمائة ؟ فقال له: أنت ظنَنتَ أنّك تحارب ياقوتاً المدبر، قد جاءك خلاف ما عهدتَ؛ فقام إليه وجعل يلكمه بيديه.
ثم رجع عسكره، وأضاف إليهم من لم يشهد الوقعة، فبلغوا ستّة آلاف رجل، وسيّرهم مع الحمّال أيضاً، فالتقوا عند نهر تُستَر، فبادر بجكم فعبر النهر هو وأصحابه، فلّما رآه أصحاب البريديِّ انهزموا من غير حرب، فلّما رآهم أبو عبدالله البريديُّ ركب هو وإخوته ومن يلزمه في السفن، فأخذ معه ما بقي عنده من المال، وهو ثلاثمائة ألف دينار، فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغوّاصون وقد كادوا يغرقون، وأُخرج بعض المال، وأُخرج باقي المال لبجكم، ووصلوا إلى البصرة، فأقاموا بالأُبُلّة، وأعدّوا المراكب للهرب أن انهزم إقبال.
وسيّر أبو عبدالله البريديُّ غلامه إقبالاً إلى مطارا، وسيّر معه جمعاً من فتيان البصرة، فالتقوا بمطارا مع أصحاب ابن رائق، فانهزمت الرائقيّة، وأُسر منهم جماعة، فأطلقهم البريديُّ، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة من أعيان أهل البصرة، فلم يجبهم، وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا معه، ويساعدوه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنّها، ويقتل كلّ من فيها، فازدادوا بصيرة في قتاله.
واطمأنَّ البريدّيون بعد انهزام عسكر ابن رائق، وأقاموا حينئذ بالبصرة، واستولى بجكم على الأهواز، فلّما بلغ ابن رائق هزيمة أصحابه جهّز جيشاً آخر وسيّره إلى البرّ والماء، فالتقى عسكره الذي على الظهر مع عسكر البريديّ، فانهزم الرائقيّة، وأمّا العسكر الذي في الماء فإنّهم استولوا على الكلاّء، فلمّا رأى ذلك أبو عبدالله البريديُّ ركب في السفن وهرب إلى جزيرة أُوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة في عسكر يحميها، فخرج أهل البصرة مع أبي الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاّء، فقاتلوهم حتّى أجلوهم عنه.
فلّما اتصل ذلك بابن رائق سار بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر، وكتب إلى بَجكم ليلحق به، فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدموا وقاتلوا أهل البصرة، فاشتدّ القتال، وحامى أهل البصرة، وشتموا ابن رائق، فلّما رأى بجكم ذلك هاله، وقال لابن رائق: ما الذي عملتَ بهؤلاء القوم حتى أحوجتَهم إلى هذا ؟ فقال: والله لا أدري ! وعاد ابن رائق وبجكم إلى معسكرهما.
وأمّا أبو عبدالله البريديُّ فأنّه سار من جزيرة أوال إلى عماد الدولة ابن بويه، واستجار به، وأطمعه في العراق، وهوّن عليه أمر الخليفة وإبن رائق، فنفّذ معه أخاه معزّ الدولة على ما نذكره.
فلّما سمع ابن رائق بإقبالهم من فارس إلى الأهواز سيّر بجكم إليها، فامتنع من المسير إلاّ أن يكون إليه الحرب والخراج، فأجابه إلى ذلك وسيّره إليها.

ثم إن جماعة من أصحاب البريديّ قصدوا عسكر ابن رائق ليلاً، فصاحوا في جوانبه، فانهزموا، فلّما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديُّ، وسار إلى الأهواز جريدة، فأشار جماعة على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، وأقام ابن رائق أيّاماً، وعاد إلى واسط، وكان باقي عسكره قد سبقوه إليها.
ذكر الفتنة بين أهل صقلّية وأمرائهم
في هذه السنة خالف أهل جُرجنت، وهي من بلاد صِقلّية، على أميرهم سالم بن راشد، وكان استعمله عليهم القائم العلويُّ، صاحب أفريقية، وكان سيئ السيرة في الناس، فأخرجوا عامله عليهم، فسيّر إليهم سالم جيشاً كثيراً من أهل صِقلّية وأفريقية، فاقتتلوا أشدّ قتال، فهزمهم أهل جرجنت، وتبعهم فخرج إليهم سالم، ولقيهم، واشتدّ القتال بينهم وعظم الخطب، فانهزم أهل جرجنت في شعبان.
فلمّا رأى أهل المدينة خلاف أهل جرجنت خرجوا أيضاً على سالم، وخالفوه، وعظم شغبهم عليه، وقاتلوه في ذي القعدة من هذه السنة، فهزمهم، وحصرهم بالمدينة، فأرسل إلى القائم بالمهديّة يعرّفه أنّ أهل صِقلّية قد خرجوا عن طاعته، وخالفوا عليه، ويستمدّه، فأمدّه القائم بجيش، واستعمل عليهم خليل بن إسحاق، فساروا حتّى وصلوا إلى صِقلّية، فرأى خليل من طاعة أهلها ما سرّه، وشكوا إليه مِن ظُلم سالم وجوره، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، فرقّ الناس لهم، وبكوا لبكائهم.
وجاء أهل البلاد إلى خليل وأهل جرجنت، فلمّا وصلوا اجتمع بهم سالم، وأعلمهم أنّ القائم قد أرسل خليلاً لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، فعاودوا الخلاف، فشرع خليل في بناء مدينة على مَرسى المدينة، وحصّنها، ونقض كثيراً من المدينة، وأخذ أبوابها، وسمّاها الخالصة.
ونال الناس شدّة في بناء المدينة، فبلغ ذلك أهل جرجنت، فخافوا، وتحقّق عندهم ما قال لهم سالم، وحصّنوا مدينتهم واستعدّوا للحرب، فسار إليهم خليل في جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، وحصرهم، فخرجوا إليه، والتحم القتال، واشتدّ الأمر، وبقي محاصراً لهم ثمانية أشهر لا يخلو يوم من قتال، وجاء الشتاء فرحل عنهم في ذي الحجّة إلى الخالصة فنزلها.
ولّما دخلت سنة سبع وعشرين خالف على خليل جميع القلاع وأهل مَازَر، كلّ ذلك بسعي أهل جرجنت، وبثّوا سراياهم، واستفحل أمرهم، وكاتبوا ملك القُسطنطينيّة يستنجدونه، فأمدّهم بالمراكب فيها الرجال والطعام، فكتب خليل إلى القائم يستنجده، فبعث إليه جيشاً كثيراً، فخرج خليل بمن معه من أهل صِقلّية فحصروا قلعة أبي ثَور، فملكوها وكذلك أيضاً البلّوط ملكوها، وحصروا قلعة أبلاطنوا، وأقاموا عليها حتّى انقضت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
فلمّا دخلت سنة ثمان وعشرين رحل خليل عن أبلاطنوا، وحصر جرجنت وأطال الحصار، ثم رحل عنها وترك عليها عسكراً يحاصرها، مقدّمهم أبو خلف بن هارون، فدام الحصار إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار كثير من أهلها إلى بلاد الروم، وطلب الباقون الأمان، فأمّنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلمّا نزلوا غدر بهم وحملهم إلى المدينة.
فلمّا رأى أهل سائر القلاع ذلك أطاعوا، فلمّا عادت البلاد الإسلامية إلى طاعته رحل إلى إفريقية في ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ معه وجوه أهل جرجنت، وجعلهم في مركب، وأمر بنقبه وهو في لّجة البحر فغرقوا.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة خرجت الفرنج إلى بلاد الأندلس التي للمسلمين، فنهبوا وقتلوا وسبوا، ومّمن قُتل من المشهورين جحّاف بن يُمن قاضي بلنسية.
وفيها توفّي عبدالله بن محمّد بن سفيان أبو الحسين الجزّاز النحوي في ربيع الأول، وكان صحب ثعلباً والمُبرد، وله تصانيف في علوم القرآن.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائةذكر استيلاء معزّ الدولة على الأهواز
في هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز وتلك البلاد، فملكها واستولى عليها.

وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبدالله البريديّ إلى عماد الدولة، كما سبق، فلّما وصل إليه أطمعه في العراق والاستيلاء عليه، فسير معه أخاه معز الدولة إلى الأهواز، وترك أبو عبدالله البريدي، ولديه: أبا الحسن محمداً، وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة بن بويه رهينةً وساروا، فبلغ الخبر إلى بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم، فانهزم من بين أيديهم.
وكان سبب الهزيمة أن المطر اتصل أياماً كثيرة، فعطلت أوتار قسي الأتراك، فلم يقدروا على رمي النشاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره بعسكر مكرم، فقاتلوا معز الدولة بها ثلاثة عشر يوماً، ثم انهزموا إلى تستر، فاستولى معز الدولة على عسكر مكرم؛ وسار بجكم إلى تستر من الأهواز، وأخذ معه جماعة من أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل من الطريق إلى ابن رائق يعلمه الخبر، ويقول له: إن العسكر محتاج إلى المال، فإن كان معك مائتا ألف دينار، فتقيم بواسط حتى نصل إليك، وتنفق فيهم المال، وإن كان المال قليلاً فالرأي أنك تعود إلى بغداد لئلا يجري من العسكر شغب.
فلما بلغ الخبر إلى ابن رائق عاد من واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط فأقام بها، واعتقل من معه من الأهوازيين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان فيهم أبو زكرياء يحيى بن سعيد السوسي.
قال أبو زكرياء: أردت أن أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذت إليه أقول: عندي نصيحة، فأحضرني عنده، فقتل: أيها الأمير أنت تحدث نفسك بمملكة الدنيا، وخدمة الخلافة، وتدبير الممالك، كيف يجوز أن تعتقل قوماً منكوبين قد سلبوا نعمتهم وتطالبهم بمال وهم في بلد غربة، وتأمر بتعذيبهم حين جعل أمس طشت فيه نار على بطن بعضهم ؟ أما تعلم أن هذا إذا سمع عنك استوحش منك الناس وعاداك من لا يعرفك ؟ وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة، أتراه أساء إلى جميعهم ؟ لا والله، بل أساء إلى بعضهم، فأبغضوه كلهم، وعوام بغداد لا تحتمل أمثال هذا. وذكرت له فعل مرداويج، فلما سمع ذلك قال: قد صدقتني، ونصحتني؛ ثم أمر بإطلاقهم.
ولّما استولى ابن بويه والبريدي على عسكر مكرم سار أهل الأهواز إلى البريدي يهنونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريدي يحم بحمى الربع، فقال لذلك الطبيب: أما ترى يا أبا زكرياء حالي وهذه الحمى ؟ فقال له: خلطٌ، يعني في المأكول، فقال له: أكثر من هذا التخليط، قد رهجت الدنيا.
ثم ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوماً، ثم هرب البريدي من ابن بويه إلى الباسيان، فكاتبه بعتب كثير، ويذكر غدره في هربه.
وكان سبب هربه أن ابن بويه طلب عسكره الذين بالبصرة ليسيروا إلى أخيه ركن الدولة بأصبهان، معونةً له على حرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف، فلما حضروا قال لمعز الدولة: إن أقاموا وقع بينهم وبين الديلم فتنة، والرأي أن يسيروا إلى السوس ثم يسيروا إلى أصبهان؛ فأذن له في ذلك، ثم طالبه بأن يحضر عسكره الذين بحصن مهدي ليسيرهم في الماء إلى واسط، فخاف البريدي أن يعمل به مثل ما عمل هو بياقوت.
وكان الديلم يهينونه ولا يلتفتون إليه، فهرب وأمر جيشه الذي بالسوس فساروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة بالافراج له عن الأهواز حتّى يتمكن من ضمانه، فأنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة بن بويه، كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفاً من أخيه عماد الدولة لئلا يقول له: كسرت المال؛ فانتقل البريدي إلى بناباذ، وأنفذ خليفته إلى الأهواز، وأنفذ إلى معز الدولة يذكر له حاله وخوفه منه، ويطلب أن ينتقل إلى السوس من عسكر مكرم ليبعد عنه ويأمن بالأهواز.
فقال له أبو جعفر الصيمري وغيره: إن البريدي يريد أن يفعل بك كما فعل بياقوت، ويفرق أصحابك عنك، ثم يأخذك فيتقرب بك إلى بجكم وابن رائق، ويستعيد أخاك لأجلك؛ فامتنع معز الدولة من ذلك.

وعلم بجكم بالحال، فأنفذ جماعة من أصحابه، فاستولوا على السوس وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبق بيد معز الدولة من كور الأهواز إلا عسكر مكرم، فاشتد الحال عليه، وفارقه بعض جنده، وأرادوا الرجوع إلى فارس، فمنعم أصفهدوست وموسى قياده، وهما من أكابر القواد، وضمنا لهم أرزاقهم ليقيموا شهراً، فأقاموا وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه حاله، فأنفذ له جيشاً، فقوي بهم، وعاد فاستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى البصرة واستقر فيها فاستقر ابن بويه بالأهواز.
وأقام بجكم بواسط طامعاً في الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، ولا يظهر له شيئاً من ذلك، وأنفذ ابن رائق علي بن خلف بن طياب إلى بجكم ليسير مع إلى الأهواز ويخرج منها ابن بويه، فإذا فعل ذلك كانت ولايتها لبجكم والخراج إلى علي بن خلف، فلما وصل عليٌ إلى بجكم بواسط استوزره بجكم، وأقام معه، وأخذ بجكم جميع مال واسط.
ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق في مصر والشام، وصاهره، وعقد بينه وبين ابن طغج عهداً وصهراً، وقال لابن رائق: أنا أجبي إليك مال مصر والشام أن سيرتني إليهما، فأمره بالتجهز للحركة، ففعل وسار أبو الفتح إلى الشام في ربيع الآخر.
ذكر الحرب بين بجكم والبريدي والصلح بعد ذلكلما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق لأنه ظن ما فعله بجكم من التغلب على العراق، فراسل أبا عبدالله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم، فإذا انهزم تسلم البريدي واسطاً وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة على أن ينفذ أبو عبدالله عسكراً.
فسمع بجكم بذلك، فخاف واستشار أصحابه في الذي يفعله، فأشاروا عليه بأن يبتديء بأبي عبدالله البردي، وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة، ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ من البريدي، فجمع عسكره، وسار إلى البصرة يريد البريدي، فسير أبو عبدالله جيشاً بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل، عليهم غلامه أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر البريدي، ولم يتبعهم بجكم بل كف عنهم.
وكان البريديون بمطارا ينتظرون ما ينكشف من الحال، فلما انهزم عسكرهم خافوا، وضعفت نفوسهم، إلا أنه لما رأى عسكره سالماً لم يقتل منهم أحد ولا غرق طاب قلبه.
وكانت نية بجكم إذلال البريدي وقطعه عن ابن رائق، ونفسه معلقة بالحضرة، فأرسل ثاني يوم الهزيمة إلى البريدي يعتذر إليه مما جرى، ويقول له: أنت بدأت وتعرضت بي، وقد عفوت عنك وعن أصحابك، ولو تبعتهم لغرق وقتل أكثرهم، وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطاً إذا ملكت الحضرة، وأصاهرك؛ فسجد البريدي شكراً لله تعالى، وحلف لبجكم وتصالحا، وعاد إلى واسط، وأخذ في التدبير على ابن رائق، والاستيلاء على الحضرة ببغداد.
ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانهفي هذه السنة، في منتصف شوال، قطعت يد الوزير أبي عليّ بن مقلة.
وكان سبب قطعها أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام استوزر الخليفة الراضي بالله أبا علي بن مقلة، وليس له من الأمر شيء إنما الأمر جميعه إلى ابن رائق، وكان ابن رائق قبض أموال ابن مقلة وأملاكه، وأملاك ابنه، فخاطبه فلم يردها، فاستمال أصحابه، وسألهم مخاطبته في ردها، فوعدوه، فلم يقضوا حاجته، فلما رأى ذلك سعى بابن رائق، فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير بمثل ذلك، وهو بالري، وكتب إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار عليه باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق، فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضي، ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداد.

وطلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتفقا عليه، فأذن له في ذلك، فحضر متنكراً ليلة من رمضان، وقال: أن القمر تحت الشعاع، وهو يصلح للأسرار؛ فكان عقوبته حيث نظر إلى غير الله أن ذاع سره وشهر أمره، فلما حصل بدار الخليفة لم يوصله الراضي إليه، واعتقله في حجرة، فلما كان الغد أنفذ إلى ابن رائق يعرفه الحال، ويعرض عليه خط ابن مقلة، فشكر الراضي، وما زالت الرسل تتردد بينهما في معنى ابن مقلة إلى منتصف شوال، فأُخرج ابن مقلة من محبسه، وقطعت يده ثم عولج فبرأ، فعاد يكاتب الراضي، ويخطب الوزارة، ويذكر أن قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب.
فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك، فقال: أن وصل بجكم فهو يخلصني، وأكافئ ابن رائق؛ وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضي وإلى ابن رائق، فأمرا بقطع لسانه، ثم نقل إلى محبس ضيق، ثم لحقه ذرب في الحبس، ولم يكن عنده من يخدمه، فآل به الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه، ولحقه شقاء شديد إلى أن مات ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه، فنبش وسلم إليهم، فدفنوه في داره، ثم نبش فنقل إلى دار أخرى.
ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء، وسافر ثلاث سفرات: اثنتين منفياً إلى شيراز، وواحدة في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخص به من خدمة ثلاثة.
ذكر استيلاء بجكم على بغدادوفي هذه السنة دخل بجكم بغداد، ولقي الراضي، وقلد إمرة الأمراء مكان ابن رائق، ونحن نذكر ابتداء أمر بجكم، وكيف بلغ إلى هذه الحال، فإن بعض أمره قد تقدم، وإذا افترق لم يحصل الغرض منه.
كان بجكم هذا من غلمان أبي علي العارض، وكان وزيراً لما كان بن كالي الديلمي، فطلبه منه ما كان، فوهبه له، ثم إنه فارق ما كان مع من فارقه من أصحابه والتحق بمرداويج، وكان في جملة من قتله، وسار إلى العراق، واتصل بابن رائق، وسيره إلى الأهواز فاستولى عليها وطرد البريدي عنها.
ثم خرج البريدي مع معز الدولة بن بويه من فارس إلى الأهواز، فأخذوها من بجكم، وانتقل بجكم من الأهواز إلى واسط، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلاً، فلما استقر بواسط تعلقت همته بالاستيلاء على حضرة الخليفة، وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي، فلما وصلته كتب ابن مقلة يعرفه أنه قد استقر مع الراضي أن يقلده إمرة الأمراء، طمع في ذلك، وكاشف ابن رائق، ومحا نسبته إليه من أعلامه، وسار من واسط نحو بغداد غرة ذي القعدة.
واستعد ابن رائق له، وسأل الراضي أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط، فكتب الراضي إليه، وسير الكتاب، فلما قرأه ألقاه عن يده ورمى به، وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي، وكان أصحاب ابن رائق على غربيه، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم في الماء فانهزم أصحاب ابن رائق، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد، وخرج ابن رائق عنها إلى عكبرا ودخل بجكم بغداد ثالث عشر ذي القعدة، ولقي الراضي من الغد، وخلع عليه، وجعله أمير الأمراء، وكتب كتباً عن الراضي إلى القواد الذين مع ابن رائق يأمرهم بالرجوع إلى بغداد، ففارقوه جميعهم وعادوا.
فلما رأى ابن رائق ذلك عاد إلى بغداد واستتر، ونزل بجكم بدار مؤنس، واستقر أمره ببغداد، فكانت مدة إمارة أبي بكر بن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، ومن مكر بجكم أنه كان يراسل ابن رائق على لسان أبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، قال أبو زكرياء: أشرت على بجكم أنه لا يكاشف ابن رائق، فقال: لم أشرت بهذا ؟ فقلت له: أنه قد كان له عليك رئاسة وإمرة، وهو أقوى منك وأكثر عدداً، والخليفة معه، والمال عنده كثير؛ فقال: أما كثرة رجاله فهم جوز فارغ، وقد بلوتهم، فما أبالي بهم قلوا أم كثروا؛ وأما كون الخليفة معه، فهذا لا يضرني عند أصحابي؛ وأما قلة المال معي فليس الأمر كذلك، وقد وفيت أصحابي مستحقهم، ومعي ما يستظهر به، فكم تظن مبلغه ؟ فقلت: لا أدري ؟! فقال: على كل حال؛ فقلت: مائة ألف درهم؛ فقال: غفر الله لك، معي خمسون ألف دينار لا أحتاج إليها.

فلما استولى على بغداد قال لي يوماً: أتذكر إذ قلت لك: معي خمسون ألف دينار ؟ والله لم يكن معي غير خمسة آلاف درهم؛ فقلت: هذا يدلّ على قلة ثقتك بي؛ قال: لا ولكنك كنت رسولي إلى ابن رائق، فإذا علمت قلة المال معي ضعفت نفسك فطمع العدو فينا فأردت أن تمضي إليه بقلب قوي، فتكلمه بما تخلع به قلبه وتضعف نفسه. قال: فعجبت من مكره وعقله.
ذكر استيلاء لشكري على أذربيجان وقتلهوفيها تغلب لشكري بن مردى على أذربيجان، ولشكري هذا أعظم من الذي تقدم ذكره، فإن هذا كان خليفة وشمكير على أعمال الجبل، فجمع مالاً ورجالاً وسار إلى أذربيجان، وبها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي، وهو من أصحاب ابن أبي الساج، فجمع عسكراً وتحارب هو ولشكري، فانهزم ديسم، ثم عاد وجمع، وتصافا مرة ثانية، فانهزم أيضاً واستولى لشكري على بلاده، إلا أردبيل، فإن أهلها امتنعوا بها لحصانتها، ولهم بأس ونجدة، وهي دار المملكة بأذربيجان، فراسلهم لشكري، ووعدهم الإحسان لما كان يبلغهم من سوء سيرة الديلم مع بلاد الجبل همذان وغيرها، فحصرهم وطال الحصار، ثم صعد أصحابه السور ونقبوه أيضاً في عدة مواضع ودخلوا البلد.
وكان لشكري يدخله نهاراً، ويخرج منه ليلاً إلى عسكره، فبادر أهل البلد وأصلحوا ثلم السور، وأظهروا العصيان، وعاودوا الحرب، فندم على التفريط وإضاعة الحزم؛ فأرسل أهل أردبيل إلى ديسم يعرفونه الحال ويواعدونه يوماً يجيء فيه ليخرجوا فيه إلى قتال لشكري، ويأتي هو من ورائه، ففعل وسار نحوهم، وظهروا يوم الموعد في عدد كثير، وقاتلوا لشكري، وأتاه ديسم من خلف ظهره، فانهزم أقبح هزيمة، وقتل من أصحابه خلق كثير، وانحاز إلى موقان، فأكرمه أصبهبذها ويعرف بابن دولة، وأحسن ضيافته.
وجمع لشكري وسار نحو ديسم، وساعده ابن دولة، فهرب ديسم وعبر نهر أرس، وعبر بعض أصحاب لشكري إليه، فانهزم ديسم، وقصد وشمكير، وهو بالري، وخوفه من لشكري، وبذل له مالاً كل سنة ليسير معه عسكراً، فأجابه إلى ذلك وسير معه عسكراً، وكاتب عسكر لكشري وشمكير يعلمونه بما هم عليه من طاعته، وأنهم متى رأوا عسكره صاروا معه على لشكري، فظفر لشكري بالكتب، فكتم ذلك عنهم، فلما قرب منه عسكر وشمكير جمع أصحابه وأعلمهم ذلك وأنه لا يقوى بهم، وأنه يسير بهم نحو الزوزان، وينهب من على طريقه من الأرمن، ويسير نحو الموصل ويستولي عليها وعلى غيرها، فأجابوه إلى ذلك، فسار بهم إلى أرمينية وأهلها غافلون، فنهب وغنم وسبى، وانتهى إلى الزوزان ومعهم الغنائم؛ فنزل بولاية إنسان أرمني، وبذل له مالاً ليكف عنه وعن بلاده، فأجابه إلى ذلك.
ثم إن الأرمني كمن كميناً في مضيق هناك، وأمر بعض الأرمن أن ينهب شيئاً من أموال لشكري ويسلك ذلك المضيق، ففعلوا، وبلغ إلى لشكري، فركب في خمسة أنفس، فسار وراءهم، فخرج عليه الكمين فقتلوه ومن معه، ولحقه عسكره، فرأوه قتيلاً ومن معه، فعادوا وولوا عليهم ابنه لشكرستان، واتفقوا على أن يسيروا على عقبة التنين، وهي تجاوز الجودي، ويحرزوا سوادهم، ويرجعوا إلى بلد الأمني فيدركوا آثارهم، فبلغ ذلك طرم فرتب الرجال على تلك المضايق يرمونهم بالحجارة، ويمنعونهم العبور، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وسلم القليل منهم، وفيمن سلم لشكرستان، وسار فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فأقام بعضهم عنده وانحدر بعضهم إلى بغداد.
فأما الذين أقاموا بالموصل فسيرهم مع ابن عم أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان إلى ما بيده من أذربيجان لما أقبل نحوه ديسم ليستولي عليه، وكان أبو عبدالله من قبل ابن عمه ناصر الدولة على معاون أذربيجان، فقصده ديسم وقاتله فلم يكن لابن حمدان به طاقة، ففارق أذربيجان واستولى عليها ديسم.
ذكر اختلال أمور القرامطةفي هذه السنة فسد حال القرامطة، وقتل بعضهم بعضاً.

وسبب ذلك أنه كان رجل منهم يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبي سعيد القرمطي والمطلعين على سره وكان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصبهان وقال له: إذا ملكتك أمر القرامطة أريد منك أن تقتل عدوي أبا حفص؛ فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار أبي سعيد، وعلامات كان يذكر أنها في صاحبهم الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعو إليه؛ فأطاعوه، ودانوا له، حتى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره رجلاً يقول له إنه مريض، يعني أنه قد شك في دينه، ويأمر بقتله.
وبلغ أبا طاهر أن الأصبهاني يريد قتله ليتفرد بالملك، فقال لإخوته: لقد أخطأنا في هذا الرجل، وسأكتشف حاله، فقال له: إن لنا مريضاً، فانظر إليه ليبرأ، فحضروا وأضجعوا والدته وغطوها بإزار، فلما رآها قال: أن هذا المريض لا يبرأ فاقتلوه ! فقالوا له: كذبت، هذه والدته؛ ثم قتلوه بعد أن قتل منهم خلق كثير من عظمائهم وشجعانهم. وكان هذا سبب تمسكهم بهجر، وترك قصد البلاد، والإفساد فيها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان القيم به ابن ورقاء الشيباني، وكان عدة من فودي من المسلمين ستة آلاف وثلاثمائة من بين ذكر وأنثى، وكان الفداء على نهر البدندون.
وفيها ولد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
ذكر مسير الراضي وبجكم إلى الموصل
وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام
في هذه السنة، في المحرم، سار الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة.
وسبب ذلك أن ناصر الدولة بن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان البلاد التي بيده، فاغتاظ الراضي منه لسبب ذلك، فسار هو وبجكم إلى الموصل، ومعهما قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد، فلما بلغوا تكريت أقام الراضي بها، وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بالكحيل على ستة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم أصحاب ناصر الدولة، وساروا إلى نصيبين، وتبعهم بجكم ولم ينزل بالموصل.
فلما بلغ نصيبين سار ابن حمدان إلى آمد، وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح، فسار من تكريت في الماء يريد الموصل، وكان مع الراضي جماعة من القرامطة، فانصرفوا عنه إلى بغداد قبل وصول كتاب بجكم، وكان ابن رائق يكاتبهم، فلما بلغوا بغداد ظهر ابن رائق من استتاره واستولى على بغداد، ولم يعرض لدار الخليفة.
وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء إلى البر، سار إلى الموصل، وكتب إلى بجكم بذلك، فعاد عن نصيبين، فلما بلغ خبر عوده إلى ناصر الدولة سار من آمد إلى نصيبين، فاستولى عليها وعلى ديار ربيعة، فقلق بجكم لذلك، وتسلل أصحابه إلى بغداد، فاحتاج أن يحفظ أصحابه، وقال: قد حصل الخليفة وأمير الأمراء على قصبة الموصل حسب.
وأنفذ ابن حمدان قبل أن يتصل به خبر ابن رائق، يطلب الصلح ويعجل خمسمائة ألف درهم، ففرح بجكم بذلك، وأنهاه إلى الراضي، فأجاب إليه، واستقر الصلح بينهم، وانحدر الراضي وبجكم إلى بغداد. وكان قد راسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يلتمس الصلح، فسار إليهم إلى الموصل وأدى الرسالة إلى بجكم، فأكرمه بجكم وأنزله معه، وأحسن إليه، وقدمه إلى الراضي فأبلغه الرسالة أيضاً، فأجابه الراضي وبجكم إلى ما طلب وأرسل في جواب رسالته قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد، وقلده طريق الفرات وديار مضر: حران والرها وما جاورها وجند قنسرين والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضاً إلى هذه القاعدة، وسار عن بغداد إلى ولايته، ودخل الراضي وبجكم بغداد تاسع ربيع الآخر.
ذكر وزارة البريدي للخليفةفي هذه السنة مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة، وقد ذكرنا سبب مسيره إلى الشام، فكانت وزارته سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً، ولما سار إلى الشام استناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري.

وكان بجكم قد قبض على وزيره علي بن خلف بن طباب، فاستوزر أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، فسعى أبو جعفر في الصلح بين بجكم والبريدي، فتم ذلك، ثم ضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة، ثم شرع ابن شيرزاد أيضاً، بعد موت أبي الفتح الوزير بالرملة، في تقليد أبي عبدالله البريدي الوزارة؛ فأرسل إليه الراضي في ذلك، فأجاب إليه في رجب، واستناب بالحضرة عبدالله بن علي النقري أيضاً كما كان يخلف أبا الفتح.
ذكر مخالفة بالبا على الخليفةكان بجكم قد استناب بعض قواد الأتراك ويعرف بب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:03 am

ذكر موت الراضي بالله
في هذه السنة مات الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر، منتصف ربيع الأول، وكانت خلافته ست سنين وعشرين أشهر وعشرة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وشهوراً، وكانت علته الاستسقاء، وكان أديباً شاعراً، فمن شعره:
يصفرّ وجهي إذا تأمّله ... طرفي ويحمرّ وجهه خجلا

حتّى كأنّ الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا
وله أيضاً يرثي أباه المقتدر:
ولو أنّ حيّاً كان قبراً لميّتٍ ... لصيّرت أحشائي لأعظمه قبرا
ولو أنّ عمري كان طوع مشيئتي ... وساعدني التقدير قاسمته العمرا
بنفس ثرىً ضاجعت في تربه البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا
ومن شعره أيضاً:
كلّ صفوٍ إلى كدر ... كلّ أمنٍ إلى حذر
ومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكبر
درّ درّ المشيب من ... واعظ ينذر البشر
أيّها الآمل الذي ... تاه في لجّة الغرر
أين من كان قبلها ... درس العين والأثر
سيردّ المعاد من ... عمره كلّه خطر
ربّ إنّي ذخرت عن ... دك أرجوك مدّخر
إنّني مؤمن بما بيّ ... ن الوحي في السّور
واعترافي بترك نف ... عي وإيثاري الضّرر
ربّ، فاغفر لي الخطي ... ئة يا خير من غفر
وكان الراضي أيضاً سمحاً، يحبّ محادثة الأدباء والفضلاء، والجلوس معهم.
ولّما مات أحضر بجكم ندماءه وجلساءه وطمع أن ينتفع بهم، فلم يفهم منهم ما ينتفع به، وكان منهم سنان بن ثابت الصابي الطبيب، فأحضره وشكا إليه غلبة القوة الغضبية عليه، وهو كاره لها، فما زال معه في تقبيح ذلك عنده، وتحسين ضده من الحلم، والعفو، والعدل، وتوصل معه حتى زال أكثر ما كان يجده، وكف عن القتل والعقوبات.
وكان الراضي أسمر، أعين، خفيف العارضين، وأمه أم ولد اسمها ظلوم، وختم الخلفاء في أمور عدة، فمنها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة خطب كثيراً على منبر، وإن كان غيره قد خطب نادراً لا اعتبار به، وكان آخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت له نفقته، وجوائزه، وعطاياه، وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، ومجالسه، وخدمه، وحجابه، وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين.
ذكر خلافة المتقي للهلّما مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة موقوفاً انتظاراً لقدوم أبي عبد الله الكوفي، كاتب بجكم، من واسط، وكان بجكم بها.
واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، كل من تقلد الوزارة، وأصحاب الدواوين، والعلويون، والقضاة، والعباسيون، ووجوه البلد، ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقته، فجمعهم الكوفي واستشارهم، فذكر بعضهم إبراهيم بن المقتدر، وتفرقوا على هذا، فلما كان الغد اتفق الناس عليه، فأحضر في دار الخلافة، وبويع له في العشرين من ربيع الأول، وعرضت عليه ألقاب، فاختار المتقي لله، وبايعه الناس كافة، وسير الخلع واللواء إلى بجكم بواسط.
وكان بجكم، بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي، قد أرسل إلى دار الخلافة فأخذ فرشاً وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجبه، وأقر سليمان على وزارته، وليس من الوزارة إلا اسمها، وإنما التدبير كله إلى الكوفي كاتب بجكم.
ذكر قتل ماكان بن كالي واستيلاء أبي علي بن محتاج على الريقد ذكرنا مسير أبي علي بن محمد بن المظفر بن محتاج إلى جرجان، وإخراج ما كان عنها، فلما سار عنها ما كان قصد طبرستان وأقام بها، وأقام أبو علي بجرجان يصلح أمرها، ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، وسار نحو الري في المحرم من هذه السنة، فوصلها في ربيع الأول، وبها وشمكير بن زيار، أخو مرداويج.
وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي، ويحثانه على قصد وشمكير، ويعدانه المساعدة، وكان قصدهما أن تؤخذ الري من وشمكير، فإذا أخذها أبو علي لا يمكنه المقام بها لسعة ولايته بخراسان، فيغلبان عليها.

وبلغ أمر اتفاقهم إلى وشمكير. وكاتب ما كان بن كالي يستخدمه ويعرفه الحال، فسار ما كان بن كالي من طبرستان إلى الري، وسار أبو علي وأتاه عسكر ركن الدولة بن بويه، فاجتمعوا معه بإسحاقاباذ، والتقوا هم ووشمكير، ووقف ما كان بن كالي في القلب وباشر الحرب بنفسه، وعبأ أبو علي أصحابه كراديس، وأمر من بإزاء القلب أن يلحوا عليهم في القتال، ثم يتطاردوا لهم ويستجروهم، ثم وصى من بأزاء الميمنة والميسرة أن يناوشوهم مناوشة بمقدار ما يشغلونهم عن مساعدة من في القلب، ولا يناجزوهم، ففعلوا ذلك.
وألح أصحابه على قلب وشمكير بالحر، ثم تطاردوا لهم، فطمع فيهم ما كان ومن معه، فتبعوهم، وفارقوا مواقفهم، فحينئذ أمر أبو علي الكراديس التي بإزاء الميمنة والميسرة أن يتقدم بعضهم، ويأتي من في قلب وشمكير من ورائهم، ففعلوا ذلك، فلما رأى أبو علي أصحابه قد أقبلوا من وراء ما كان ومن معه من أصحابه أمر المتطاردين بالعود والحملة على ما كان وأصحابه، وكانت نفوسهم قد قويت بأصحابهم، فرجعوا وحملوا على أولئك، وأخذهم السيف من بين أيديهم ومن خلفهم فولوا منهزمين.
فلما رأى ما كان ذلك ترجل، وأبلى بلاء حسناً، وظهرت منه شجاعة لم ير الناس مثلها، فأتاه سهم غرب، فوقع في جبينه، فنفذ في الخوذة والرأس حتى طلع من قفاه، وسقط ميتاً، وهرب وشمكير ومن سلم معه إلى طبرستان، فأقم بها، واستولى أبو علي على الري، وأنفذ رأ ما كان إلى بخارى والسهم فيه، ولم يحمل إلى بغداد حتى قتل بجكم لأن بجكم كان من أصحابه، وجلس للعزاء لما قتل، فلما قتل بجكم حمل الرأس من بخارى إلى بغداد فيه وفي الخوذة، وأنفذ أبو علي الأسرى إلى بخارى أيضاً، وكانوا بها حتى دخل وشمكير في طاعة آل سامان، وسار إلى خراسان فاستوهبهم، فأطلقوا له على ما نذكره سنة ثلاثين.
ذكر قتل بجكموفي هذه السنة قتل بجكم.
وكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي أنفذ جيشاً من البصرة إلى مذار، فأنفذ بجكم جيشاً إليهم عليهم توزون، فاقتتلوا قتالاً شديداً كان أولاً على توزون، فكتب إلى بجكم يطلب أن يلحق به، فسار بجكم إليهم من واسط، منتصف رجب، فلقيه كتاب توزون بأنه ظفر بهم وهزمهم، فأراد الرجوع إلى واسط، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يتصيد، فقبل منه، وتصيد حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكراداً لهم مال وثروة، فشرهت نفسه إلى أخذه، فقصدهم في قلة من أصحابه بغير جنة تقية، فهرب الأكراد من بين يديه، ورمى هو أحدهم فلم يصه، فرمى آخر فأخطأه أيضاً، وكان لا يخيب سهمه، فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه في خاصرته، وهو لا يعرفه، فقتله وذلك لأربع بقين من رجب، واختلف عسكره، فمضى الديلم خاصة نحو البريدي، وكانوا ألفاً وخمسمائة، فأحسن إليهم، وأضعف أرزاقهم، وأوصلها إليهم دفعة واحدة.
وكان البريدي قد عزم على الهرب من البصرة هو وإخوته، وكان بجكم قد راسل أهل البصرة وطيب قلوبهم، فمالوا إليه فأتى البريديين الفرج من حيث لم يحتسبوا، وعاد أتراك بجكم إلى واسط، وكان تكينك محبوساً بها، حبسه بجكم، وأخرجوه من محبسه، فسار بهم إلى بغداد، وأظهروا طاعة المتقي لله.
وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون يدبر الأمور، واستولى المتقي على دار بجكم، فأخذ ماله منها، وكان قد دفن فيها مالاً كثيراً، وكذلك أيضاً في الصحراء لأنه خاف أن ينكب فلا يصل إلى ماله في داره.
وكان مبلغ ما أخذ من ماله ودفائنه ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.
ذكر إصعاد البريديين إلى بغدادلما قتل بجكم اجتمعت الديلم على بلسواز بن مالك بن مسافر، فقتله الأتراك، فانحدر الديلم إلى أبي عبدالله البريدي، وكانوا منتخبين ليس فيهم حشو، فقوي بهم، وعظمت شوكته، فأصعده من البصرة إلى واسط في شعبان، فأرسل المتقي لله إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا، فقالوا: نحن محتاجون إلى مال، فإن أنفذ لنا منه شيء لم نصعد؛ فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال الأتراك للمتقي: نحن نقاتل بني البريدي، فأطلق لنا مالاً وانصب لنا مقدماً؛ فأنفق فيهم مالاً، وفي أجناد بغداد القدماء، أربعمائة ألف دينار من المال الذي أخذ لبجكم، وجعل عليهم سلامة الطولوني، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان.

وسار البريدي من واسط إلى بغداد، ولم يقف على ما استقر معه، فلما قرب من بغداد اختلف الأتراك البجكمية، واستأمن بعضهم إلى البريدي، وبعضهم سار إلى الموصل، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبدالله الكوفي، ولم يحصل الخليفة إلا على إخراج المال، وهم أرباب النعم والأموال، بالانتقال من بغداد خوفاً من البريدي وظلمه وتهوره.
ودخل أبو عبدالله البريدي بغداد ثاني عشر رمضان، ونزل بالشفيعي، ولقيه الوزير أبو الحسين، والقضاة، والكتاب، وأعيان الناس، وكان معه من أنواع السفن ما لا يحصى كثرةً، فأنفذ إليه المتقي يهنيه بسلامته، وأنفذ إليه طعاماً وغيره عدة ليال، وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير الخليفة أيضاً، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارة أبي الحسين ثلاثة وثلاثين يوماً، ثم قبض أبو عبدالله البريدي على أبي الحسين وسيره إلى البصرة وحبسه بها إلى أن مات في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة من حمى حادة.
ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطل خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند، فامتنع عليه، فأرسل إليه يتهدده، ويذكره ما جرى على المعتز، والمستعين، والمهتدي، وترددت الرسل، فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار ولم يلق البريدي المتقي لله مدة مقامه ببغداد.
ذكر عود البريدي إلى واسطكان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ الخليفة إليه المال المذكور انصرفت أطماع الجند عن الخليفة إلى البردي وعادت مكيدته عليه، فشغب الجند عليه، وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي وقدم الأتراك على أنفسهم تكينك التركي غلام بجكم، وثار الديلم إلى دار البريدي، فأحرقوا دار أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها، ونفروا عن البريدي وانضاف تكينك إليهم، وصارت أيديهم واحدة، واتفقوا على قصد البريدي ونهب ما عنده من الأموال، فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة، فقطع البريدي الجسر، ووقعت الحرب في الماء ووثب العامة بالجانب الغربي على أصحاب البريدي، فهرب هو وأخوه وابنه أبو القاسم وأصحابه، وانحدروا في الماء إلى واسط، ونهبت داره في النجمي ودور قواده؛ وكان هربه سلخ رمضان، وكانت مدة مقامه أربعة وعشرين يوماً.
ذكر إمارة كورتكين الديلميلما هرب البريدي استولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل إلى المتقي لله، فقلده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن بن عيسى، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسمية بوزارة، ثم إن كورتكين قبض تكينك التركي خامس شوال، وغرقه، وتفرد بالأمر، ثم أن العامة اجتمعوا يوم الجمعة سادس شوال، وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم، فلم ينكر ذلك، فمنعت العامة الخطيب من الصلاة، واقتتلوا هم والديلم، فقتل من الفريقين جماعة.
ذكر عود ابن رائق إلى بغدادفي هذه السنة عاد أبو بكر محمد بن رائق من الشام إلى بغداد، وصار أمير الأمراء.
وكان سبب ذلك أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من القواد توزون، وخجخج، ونوشتكين، وصيغون، فلما وصلوا إليه أطمعوه في العود إلى العراق، ثم وصلت إليه كتب المتقي يستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من رمضان، واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل، فلما وصل إلى الموصل تنحى عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا، واتفقا على أن يتصالحا، وحمل ابن حمدان إليه مائة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداد، فقبض كورتكين على القراريطي الوزير، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي في ذي القعدة، وكانت وزارة القراريطي ثلاثة وأربعين يوماً، وبلغ خبر ابن رائق إلى أبي عبدالله البريدي، فسير إخوته إلى واسط فدخلوها، وأخرجوا الديلم عنها، وخطبوا له بواسط، وخرج كورتكين عن بغداد إلى عكبرا، ووصل إليه ابن رائق، فوقعت الحرب بينهم، واتصلت عدة أيام.

فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة سار ابن رائق ليلاً من عكبرا هو وجيشه، فأصبح ببغداد، فدخلها من الجانب الغربي هو وجميع جيشه، ونزل في النجمي، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقيه، وركب المتقي لله معه في دجلة، ثم عاد ووصل هذا اليوم بعد الظهر كورتكين مع جميع جيشه من الجانب الشرقي، وكانوا يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون: أين نزلت هذه القافلة الواصلة من الشام ؟ ونزلوا بالجانب الشرقي.
ولما دخل كورتكين بغداد أيس ابن رائق من ولايتها فأمر بحمل أثقاله والعود إلى الشام، فرفع الناس أثقالهم، ثم إنه عزم أن يناوشهم شيئاً من قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا الأتراك من ورائهم، ثم إنه ركب في سميرية، وركب معه عدة من أصحابه في عشرين سميرية، ووقفوا يرمون الأتراك بالنشاب. وصل أصحابه وصاحوا من خلفهم، واجتمعت العامة مع أصحاب ابن رائق يضجون، فظن كورتكين أن العسكر قد جاءه من خلفه ومن بين يديه، فانهزم هو وأصحابه، واختفى هو، ورجمهم العامة بالآجر وغيره.
وقوي أمر ابن رائق، وأخذ من استأمن إليه من الديلم فقتلهم عن آخرهم وكانوا نحو أربعمائة، فلم يسلم منهم غير رجل واحد اختفى بين القتلى، وحمل معهم في الجواليق، وألقي في دجلة فسلم وعاش بعد ذلك دهراً؛ وقتل الأسرى من قواد الديلم، وكانوا بضعة عشر رجلاً، وخلع المتقي على ابن رائق، وجعله أمير الأمراء، وأمر أبا جعفر الكرخي بلزوم بيته، وكانت وزارته ثلاثة وثلاثين يوماً، واستولى أحمد الكوفي على الأمر فدبره، ثم ظفر ابن رائق بكورتكين فحبس بدار الخليفة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بالعراق غلاء شديد، فاستسقى الناس في ربيع الأول، فسقوا مطراً قليلاً لم يجر منه ميزاب، ثم اشتد الغلاء والوباء، وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعة في القبر الواحد ولا يغسلون، ولا يصلى عليهم، ورخص العقار ببغداد والأثاث حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم. وانقضى تشرين الأول، وتشرين الثاني، والكانونان، وشباط، ولم يجيء غير المطرة التي عند الاستسقاء، ثم جاء المطر في آذار ونيسان.
وفيها، في شوال، استوزر المتقي لله أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي، بعد عود بني البريدي من بغداد، وجعل بدراً الخرشني حاجبه، فبقي وزيراً إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة، فقبض عليه كورتكين، وكانت وزارته ثلاثة وأربعين يوماً، واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، فبقي وزيراً إلى الثامن والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فعزله ابن رائق لما استولى على الأمور ببغداد، فكانت وزارته اثنين وثلاثين يوماً، ودبر الأمور أبو عبدالله الكوفي كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة.
وفيها عاد الحجاج إلى العراق، ولم يصلوا إلى المدينة بل سلكوا الجادة بسبب طالبي ظهر بتلك الناحية وقوي أمره.
وفيها كثرت الحميات ووجع المفاصل في الناس، ومن عجل الفصاد بريء وإلا طال مرضه.
وفي أيام الراضي توفي أبو بشر أخو متى بن يونس الحكيم الفيلسوف، وله تصانيف في شرح كتب أرسطاطاليس.
وفيها، في ذي الحجة، مات بختيشوع بن يحيى الطبيب.
وفيها مات محمد بن عبدالله البلغمي، وزير السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان، وكان من عقلاء الرجال، وكان نصر قد صرفه عن وزارته سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وجعل مكانه محمد بن محمد الجيهاني.
وفيها توفي أبو كر محمد بن المظفر بن محتاج ودفن بالصغانيان؛ وأبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، رئيس الحنابلة، توفي مستتراً، ودفن في تربة نصر القشوري، وكان عمره ستاً وسبعين سنة.
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
ذكر وزارة البريدي
في هذه السنة وزر أبو عبدالله البريدي للمتقي لله.
وكان سبب ذلك أن ابن رائق استوحش من البريدي لأنه أخر حمل المال، وانحدر إلى واسط عاشر المحرم، فهرب بنو البريدي إلى البصرة، وسعى لهم أبو عبدالله الكوفي حتى عادوا وضمنوا بقايا واسط بمائة وتسعين ألف دينار، وضمنوها كل سنة بستمائة ألف دينار.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:09 am

وعاد ابن رائق إلى بغداد، فشغب الجند عليه ثاني ربيع الآخر، وفيهم توزون وغيره من القواد، ورحلوا في العشر الآخر من ربيع الآخر إلى أبي عبدالله البريدي بواسط، فلما وصلوا إليه قوي بهم، فاحتاج ابن رائق إلى مداراته، فكاتب أبا عبدالله البريدي بالوزارة، وأنفذ له الخلع، واستخلف أبا عبدالله بن شيرزاد، ثم وردت الأخبار إلى بغداد بعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد، فأزال ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطي، ولعن بني البريدي على المنابر بجانبي بغداد.
ذكر استيلاء البريدي على بغداد
وإصعاد المتقي إلى الموصل
وسير أبو عبدالله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداد في جميع الجيش من الأتراك والديلم، وعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخليفة، فأصلح سورها، ونصب عليه العرادات والمنجنيقات، وعلى دجلة، وانهض العامة، وجند بعضهم، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً.
وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم أبو الحسين عنده في الماء والبر، واقتتل الناس، وكانت العامة على شاطئ دجلة في الجانبين يقاتلون من في الماء من أصحاب البريدي، وانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب البريدي على دار الخليفة، ودخلوا إليها في الماء وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين فارساً، ولحق بهما ابن رائق في جيشه، فساروا جميعاً نحو الموصل، واستتر الوزير القراريطي، وكانت مدة وزارته الثانية أربعين يوماً، وإمارة ابن رائق ستة أشهر، وقتل أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوها، ونهبوا دور الحرم.
وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً، وأخذوا كورتكين من حبسه، وأنفذه أبو الحسين إلى أخيه بواسط فكان آخر العهد به، ولم يتعرضوا للقاهر بالله، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق وعظم النهب، فأقام أبو الحسين توزون على الشرطة بشرقي بغداد، وجعل نوشتكين على شركة الجانب الغربي، فسكن الناس شيئاً يسيراً، وأخذ أبو الحسين البريدي رهائن القواد الذين مع توزون وغيره، وأخذ نساءهم وأولادهم فسيرهم إلى أخيه أبي عبدالله بواسط.
ذكر ما فعله البريدي ببغدادلما استولى على بغداد أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب، وجعلوا طلبها طريقاً إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها ونزلت، وعظم الأمر، وجعل على كر من الحنطة، والشعير، وأصناف الحبوب، خمسة دنانير، وغلت الأسعار فبيع كر الحنطة بثلاثمائة وستة عشر ديناراً، والخبز الخشكوار رطلين بقيراطين صحيح أميري، وحبط أهل الذمة، وأخذ القوي بالضعيف، وورد من الكوفة وسوادها خمسمائة كر من الحنطة والشعير، فأخذه جميعه وادعى أنه للعامل بتلك الناحية.
ووقعت الفتن بين الناس، فمن ذلك أنه كان معه طائفة من القرامطة، فجرى بينهم وبين الأتراك حرب قتل فيها جماعة، وانهزم القرامطة، وفارقوا بغداد، ووقعت حرب بين الديلم والعامة قتل فيها جماعة من حد نهر طابق إلى القنطرة الجديدة.
وفي آخر شعبان زاد البلاء على الناس، فكبسوا منازلهم ليلاً ونهاراً، واستتر أكثر العمال لعظيم ما طولبوا به مما ليس في السواد، وافترق الناس، فخرج الناس وأصحاب السلطان إلى قرب من بغداد، فحصدوا ما استحصدوا من الحنطة والشعير، وحملوه بسنبله إلى منازلهم، وكان مع ذلك ينهب ويعسف أهل العراق ويظلمهم ظلماً لم يسمع بمثله قط، والله المستعان.
وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا أن لم يتركوه لله سبحانه وتعالى.
ذكر قتل ابن رائق
وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء

كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريديين، فأرسل أخاه سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان نجدةً له في جيش كثيف، فلقي المتقي وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدولة للمتقي خدمة عظيمة، وسار معه إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقي، وتوجه نحو معلثايا، وترددت الرسل بينه وبين ابن رائق، حتى تعاهدا واتفقا، فحضر ناصر الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن المتقي وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقي، فلما أرادوا الانصراف من عنده ركب ابن المتقي، وأراد ابن رائق الركوب، فقال له ناصر الدولة: تقيم اليوم عندي لنتحدث فيما نفعله؛ فاعتذر ابن رائق بابن المتقي، فألح عليه ابن حمدان، فاستراب به، وجذب كمه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشب به الفرس فسقط، فصاح به ابن حمدان بأصحابه: أقتلوه ! فقتلوه، وألقوه في دجلة.
وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله، ففعل به ما فعل؛ فرد عليه المتقي رداً جميلاً، وأمره بالمسير إليه، فسار ابن حمدان إلى المتقي لله، فخلع عليه، ولقبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين علي، ولقبه سيف الدولة.
وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب، ولما قتل ابن رائق سار الإخشيد من مصر إلى دمشق، وكان بها محمد بن يزداد، خليفة ابن رائق، فاستأمن إلى الإخشيد، وسلم إليه دمشق فأقره عليها، ثم نقله عنها إلى مصر وجعله على شرطتها، ويقال إن لابن رائق شعراً منه:
يصفّر وجهي إذا تأمّله ... طرفي ويحمرّ وجهه خجلا
حتّى كأنّ الذي بوجنته ... من دم قلبي إليه قد نقلا
وقد قيل إنها للراضي بالله وقد تقدم.
ذكر عود المتقي إلى بغداد
وهرب البريدي عنها
لما استولى أبو الحسين البريدي على بغداد، وأساء السيرة كما ذكرناه، نفرت عنه قلوب الناس العامة والأجناد، فلما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدي، فهرب خجخج إلى المتقي، وكان قد استعمله البريدي على الراذانات وما يليها، ثم تحالف توزون، ونوشتكين، والأتراك على كبس أبي الحسين البريدي، فغدر نوشتكين فأعلم البريدي الخبر، فاحتاط، وأحضر الديلم عنده، وقصده توزون، فحاربه الديلم، وعلم توزون غدر نوشتكين به، فعاد ومعه جملة وافرة من الأتراك، وسار نحو الموصل خامس رمضان، فقوي بهم ابن حمدان، وعزم على الانحدار إلى بغداد، وتجهز وانحدر هو والمتقي، واستعمل على أعمال الخراج والضياع بديار مضر، وهي الرها وحران والرقة، أبا الحسن علي بن طياب، وسيره من الموصل.
وكان على ديار مضر أبو الحسين أحمد بن علي بن مقاتل خليفة لابن رائق، فاقتتلوا، فقتل أبو الحسين بن مقاتل واستولى ابن طياب عليها، فلما قارب المتقي لله وناصر الدولة بن حمدان بغداد هرب أبو الحسين منها إلى واسط، واضطرت العامة ببغداد، ونهب الناس بعضهم بعضاً، وكان مقام أبي الحسين ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ودخل المتقي لله إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي، وقلد توزون شرطة جانبي بغداد، وذلك في شوال.
ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريديلما هرب أبو الحسين البريدي إلى واسط، ووصل بنو حمدان والمتقي إلى بغداد، خرج بنو حمدان عن بغداد نحو واسط، وكان أبو الحسين قد سار من واسط إليهم ببغداد، فأقام ناصر الدولة بالمدائن، وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان في الجيش إلى قتال أبي الحسين، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين، واقتتلوا عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة، وكان توزون وخجخج والأتراك مع ابن حمدان، فانهزم سيف الدولة ومن معه إلى المدائن، وبها ناصر الدولة، فردهم وأضاف إليهم من كان عنده من الجيش، فعاودوا القتال، فانهزم أبو الحسين البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل جماعة، وعاد أبو الحسين البريدي منهزماً إلى واسط، ولم يقدر سيف الدولة على اتباعه إليها لما في أصحابه من الوهن والجراح.

وكان المتقي قد سير أهله من بغداد إلى سر من رأى، فأعادهم، وكان أعيان الناس قد هربوا من بغداد، فلما انهزم البريدي عادوا إليها، وعاد ناصر الدولة بن حمدان إلى بغداد، فدخلها ثالث عشر ذي الحجة، وبين يديه الأسرى على الجمال، ولما استراح سيف الدولة وأصحابه انحدروا من موضع المعركة إلى واسط، فرأوا البريديين قد انحدروا إلى البصرة، فأقام بواسط ومعه الجيش، وسنذكر من أخباره سنة إحدى وثلاثين.
ولما عاد ناصر الدولة إلى بغداد نظر في العيار، فرآه ناقصاً، فأمر بإصلاح الدنانير، فضرب دنانير سماها الإبريزية، عيارها خير من غيرها، فكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع هذا الدينار بثلاثة عشر درهماً.
ذكر استيلاء الديلم على أذربيجانكانت أذربيجان بيد ديسم بن إبراهيم الكردي، وكان قد صحب يوسف ابن أبي الساج، وخدم وتقدم حتى استولى على أذربيجان، وكان يقول بمذهب الشراة هو وأبوه، وكان أبوه من أصحاب هارون الشاري، فلما قتل هارون هرب إلى أذربيجان، وتزوج ابنة رئيس من أكرادها، فولدت له ديسم، فانضم إلى أبي الساج، فارتفع وكبر شأنه، وتقدم إلى أن ملك أذربيجان بعد يوسف بن أبي الساج، وكان معظم جيوشه الأكراد، إلا نفراً يسيراً من الديلم، من عسكر وشمكير، أقاموا عنده حين صحبوه إلى أذربيجان.
ثم إن الأكراد تقووا، وتحكموا عليه، وتغلبوا على بعض قلاعه وأطراف بلاده، فرأى أن يستظهر عليهم بالديلم، فاستكثر ذلك منهم، وكان فيهم صعلوك بن محمد بن مسافر، وعلي بن الفضل وغيرهما، فأكرمهم ديسم، وأحسن إليهم، وانتزع من الأكراد ما تغلبوا عليه من بلاده، وقبض على جماعة من رؤسائهم.
وكان وزيره أبا القاسم علي بن جعفر، وهو من أهل أذربيجان، فسعى به أعداؤه، فأخافه ديسم، فهرب إلى الطرم إلى محمد بن مسافر، فلما وصل إليه رأى ابنيه وهسوذان والمرزبان قد استوحشا منه، واستوليا على بعض قلاعه، وكان سبب وحشتهما سوء معاملته معهما ومع غيرهما، ثم إنهما قبضا على أبيهما محمد بن مسافر، وأخذا أمواله وذخائره، وبقي في حصن آخر وحيداً فريداً بغير مال ولا عدة، فرأى علي بن جعفر الحال فتقرب إلى المرزبان وخدمه وأطمعه في أذربيجان، وضمن له تحصيل أموال كثيرة يعرف هو وجوهها، فقلده وزارته.
وكان يجمعهما مع الذي ذكرنا أنهما كانا من الشيعة، فإن علي بن جعفر كان من دعاة الباطنية، والمرزبان مشهور بذلك، وكان ديسم كما ذكرنا يذهب إلى مذهب الخوارج في بغض علي، عليه السلام، فنفر عنه من عنده من الديلم، وابتدأ علي بن جعفر فكاتب من يعلم أنه يستوحش من ديسم يستميله، إلى أن أجابه أكثر أصحابه، وفسدت قلوبهم على ديسم، وخاصة الديلم، وسار المرزبان إلى أذربيجان، وسار ديسم إليه، فلما التقيا للحرب عاد الديلم إلى المرزبان، وتبعهم كثير من الأكراد مستأمنين، فحمل المرزبان على ديسم، فهرب في طائفة يسيرة من أصحابه إلى أرمينية، واعتصم بحاجيق بن الديراني، لمودة بينهما، فأكرمه، واستانف ديسم يؤلف الأكراد، وكان أصحابه يشيرون عليه بإبعاد الديلم لمخالفتهم أياه في الجنس والمذهب، فعصاهم، وملك المرزبان أذربيجان، واستقام أمره إلى أن فسد ما بينه وبين وزيره علي ابن جعفر.
وكان سبب الوحشة بينهما أن علياً أساء السيرة مع أصحاب المرزبان، فتضافروا عليه، فأحس بذلك، فاحتال على المرزبان، فأطمعه في أموال كثيرة يأخذها له من بلد تبريز، فضم إليه جنداً من الديلم وسيرهم إليها، فاستمال أهل البلد، فعرفهم أن المرزبان إنما سيره إليهم ليأخذ أموالهم، وحسن لهم قتل من عندهم من الديلم، ومكاتبة ديسم ليقدم عليهم، فأجابوه إلى ذلك.
وكاتب ديسم، ووثب أهل البلد بالديلم فقتلوهم، وسار ديسم فيمن اجتمع إليه من العسكر إلى تبريز، وكان المرزبان قد ساء إلى من استأمن إليه من الأكراد، فلما سمعوا بديسم أنه يريد تبريز ساروا إليه، فلما اتصل ذلك بالمرزبان ندم على إيحاش علي بن جعفر، ثم جمع عسكره وسار إلى تبريز، فتحارب هو وديسم بظاهر تبريز، فانهزم ديسم والأكراد، وعادوا فتحصنوا بتبريز، وحصرهم المرزبان وأخذ في إصلاح علي بن جعفر ومراسلته، وبذل له الأيمان على ما يريده، فأجابه علي: إنني لا أريد من جميع ما بذلته إلى السلامة وترك العمل؛ فأجابه إلى ذلك وحلف له.

واشتد الحصار على ديسم، فسار من تبريز إلى أردبيل، وخرج علي ابن جعفر إلى المرزبان، فساروا إلى أردبيل وترك المرزبان على تبريز من يحصرها، وحصر هو ديسم بأردبيل، فلما طال الحصار عليه طلب الصلح، وراسل المرزبان في ذلك، فأجابه إليه، فاصطلحا وتسلم المرزبان أردبيل، فأكرم ديسم وعظمه، ووفى له بما حلف له عليه، ثم إن ديسم خاف على نفسه من المرزبان، فطلب منه أن يسيره إلى قلعته بالطرم فيكون فيها هو وأهله، ويقنع بما يتحصل له منها، ولا يكلفه شيئاً آخر، ففعل المرزبان ذلك، وأقام ديسم بقلعته هو وأهله.
ذكر استيلاء أبي علي بن محتاج على بلد الجبل وطاعة وشمكير للسامانيةقد ذكرنا سنة تسع وعشرين مسير أبي علي بن محتاج صاحب جيوش خراسان للسامانية إلى الري، وأخذها من وشمكير، ومسير وشمكير إلى طبرستان، وأقام أبو علي بالري، بعد ملكها، تلك الشتوة، وسير العساكر إلى بلد الجبل، فافتتحها، واستولى على زنكان، وأبهر، وقزوين، وقم، وكرج، وهمذان، ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال، وجبى أموالها.
وكان الحسن بن الفيرزان بسارية، فقصده وشمكير وحصره، فسار إلى أبي علي واستنجده وأقام وشمكير متحصناً بسارية، فسار إليه أبو علي ومعه الحسن وحصراه بها سنة ثلاثين وضيق عليه، وألح عليه بالقتال كل يوم، وهم في شتاء شاتٍ كثير المطر، فسأل وشمكير المواعدة، فصالحه أبو علي، وأخذ رهائنه على لزوم طاعة الأمير نصر بن أحمد الساماني، ورحل عنه إلى جرجان في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فأتاه موت الأمير نصر بن أحمد، فسار عنها إلى خراسان.
ذكر استيلاء الحسن بن الفيرزان على جرجانكان الحسن بن الفيرزان عم ما كان بن كالي، وكان قريباً منه في الشجاعة، فلما قتل ما كان راسله وشمكير ليدخل في طاعته، فلم يفعل، وكان بمدينة سارية، وصار يسب وشمكير، وينسبه إلى المواطأة على قتل ما كان، فقصده وشمكير، فسار الحسن من سارية إلى أبي علي صاحب جيوش خراسان، فسار معه أبو علي من الري، فحصر وشمكير بسارية، وأقام يحاصره إلى سنة إحدى وثلاثين، واصطلحا.
وعاد أبو علي إلى خراسان، وأخذ ابناً لوشمكير، اسمه سالار، رهينة، وصحبه الحسن بن الفيرزان، وهو كاره للصلح، فبلغه وفاة السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان، فلما سمع الحسن ذلك عزم على الفتك بأبي علي، فثار به وبعسكره، فسلم أبو علي، ونهب الحسن سواده، وأخذ ابن وشمكير، وعاد إلى جرجان فملكها، وملك الدامغان وسمنان، ولما وصل أبو علي إلى نيسابور رأى إبراهيم بن سيمجور الدواتي قد امتنع عليه بها وخالفه، فترددت الرسل بينهم فاصطلحوا.
ذكر ملك وشمكير الريلما انصرف أبو علي إلى خراسان، وجرى عليه من الحسن ما ذكرناه، وعاد إلى جرجان، سار وشمكير من طبرستان إلى الري فملكها واستولى عليها، وراسله الحسن بن الفيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سالار الذي كان عند أي علي رهينة، وقصد أن يتقوى به على الخراسانية أن عادوا إليه، فألان له وشمكير الجواب، ولم يصرح بما يخالف قاعدته مع أبي علي.
ذكر استيلاء ركن الدولة على الريلما سمع ركن الدولة وأخوه عماد الدولة ابنا بويه بملك وشمكير الري طمعا فيه لأن وشمكير كان قد ضعف، وقلت رجاله وماله بتلك الحادثة مع أبي علي، فسار ركن الدولة الحسن بن بويه إلى الري واقتتل هو وشمكير، فانهزم وشمكير، واستأمن كثير من رجاله إلى ركن الدولة، فسار وشمكير إلى طبرستان، فقصده الحسن بن الفيرزان، فاستأمن إليه كثير من عسكره أيضاً، فانهزم وشمكير إلى خراسان.
ثم إن الحسن بن الفيرزان راسل ركن الدولة وواصله، فتزوج ركن الدولة بنتاً للحسن، فولدت له ولده فخر الدولة علياً.
وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث بعد وفاة السعيد نصر بن أحمد وإنما ذكرناها هاهنا ليتلو بعضها بعضاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة صرف بدر الخرشني عن حجبة الخليفة، وجعل مكانه سلامة الطولوني.
وفيها ظهر كوكب، في المحرم، بذنب عظيم في أول برج القوس، وآخر برج العقرب بين الغرب والشمال، وكان رأسه في المغرب وذنبه في المشرق، وكان عظيماً منتشر الذنب، وبقي ظاهراً ثلاثة عشر يوماً، وسار في القوس والجدي ثم اضمحل.

وفيها اشتد الغلاء لا سيما بالعراق، وبيع الخبز أربعة أرطال بقيراطين صحيح أميري، وأكل الضعفاء الميتة، وكثر الوباء والموت جداً.
وفيها، في ربيع الآخر، وصل الروم إلى قرب حلب، ونهبوا وخربوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان.
وفيها دخل الثملي من ناحية طرسوس إلى بلاد الروم، فقتل، وسبى، وغنم وعاد سالماً، وقد أسر عدة من بطارقتهم المشهورين.
وفيها، في ذي القعدة، قلد المتقي لله بدراً الخرشني طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد مستأمناً فقلده بلدة دمشق، فلما كان بعد مدة حم ومات بها.
وفيها، في جمادي الآخرة، ولد أبو منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه وهو مؤيد الدولة.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبدالله المعروف بالصيرفي، الفقيه الشافعي، وله تصانيف في أصول الفقه وفيها توفي القاضي أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل المحاملي، الفقيه الشافعي، وهو من المكثرين في الحديث، وكان مولده سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان على قضاء الكوفة وفارس، فاستعفى من القضاء وألح في ذلك، فأجيب إليه.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري المتكلم صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي موسى الأشعري.
وفيها مات محمد بن محمد الجيهاني وزير السعيد نصر بن أحمد تحت الهدم.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي، الفقيه الشافعي، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتعلم منه.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
ذكر ظفر ناصر الدولة بعدل البجكمي
في هذه السنة ظفر أبو عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان بعدل حاجب بجكم، وسلمه، وسيره إلى بغداد.
وسبب ذلك أن عدلاً صار بعد قتل بجكم مع ابن رائق، وسار معه إلى بغداد، وأصعد معه إلى الموصل، فلما قتل ناصر الدولة أبا بكر بن رائق، كما ذكرناه، صار عدل في جملة ناصر الدولة، فسيره ناصر الدولة مع علي ابن خلف بن طياب إلى ديار مضر، والشام الذي كان بيد ابن رائق، وكان بالرحبة من جهة ابن رائق رجل يقال له مسافر بن الحسن، فلما قتل ابن رائق استولى مسافر هذا على الناحية، ومنع منها، وجبى خراجها، فأرسل إليه ابن طياب عدلاً في جيش ليخرجه عن الرحبة، فلما سار إليها فارقها مسافر من غير قتال، وملك عدل الحاجب البلد، وكاتب من بغداد من البجكمية، فقصدوه مستخفين، فقوي أمره بهم، واستولى على طريق الفرات، وبعض الخابور.
ثم إن مسافراً جمع جمعاً من بني نمير وسار إلى قرقيسيا، فأخرج منها أصحاب عدل وملكها، فسار إليها، واستتر عنها، وعزم عدل على قصد الخابور وملكه، فاحتاط أهله منه، واستنصروا ببني نمير، فلما علم ذلك عدل ترك قصدهم.
ثم صار يركب كل يوم قبل العصر بساعة في جميع عسكره ويطوف صحاري قرقيسيا إلى آخر النهار، وعيونه تأتيه من أهل الخابور بأنهم يحذرون كلما سمعوا بحركته، ففعل ذلك أربعين يوماً، فلما رأى أهل الخابور اتصل ركوبه، وأنه لا يقصدهم، فرقوا جمعهم وأمنوه، فأتته عيونه بذلك على رسمه، فلما تكامل رجاله أمرهم بالمسير، وأن يرسلوا غلمانهم في حمل أثقالهم، وسار لوقته فصبح الشمسانية، وهي من أعظم قرى الخابور وأحصنها، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم ونقب السور وملكها وقتل فيها، وأخذ من أهلها مالاً كثيراً، وأقام بها أياماً، ثم سار إلى غيرها، فبقي في الخابور ستة أشهر، فجبى الخراج والأموال العظيمة، واستظهر بها، وقوي أصحابه بما وصل إليهم أيضاً، وعاد إلى الرحبة، واتسعت حاله، واشتد أمره، وقصده العساكر من بغداد، فعظم حاله.
ثم إنه سار يريد نصيبين لعلمه ببعد ناصر الدولة عن الموصل والبلاد الجزيرية، ولم يمكنه قصد الرقة وحران لأنها كان بها يأنس المؤنسي في عسكر ومعه جمع من بني نمير، فتركها وسار إلى رأس عين، ومنها إلى نصيبين، فاتصل خبره بالحسين بن حمدان، فجمع الجيش وسار إليه إلى نصيبين، فلما قرب منه لقيه عدل في جيشه، فلما التقى العسكران استأمن أصحابه من عدل إلى ابن حمدان، وبقي معه منهم نفر يسير من خاصته، فأسره ابن حمدان، وأسر معه ابنه، فسمل عدلاً وسيرهما إلى بغداد، فوصلها في العشرين من شعبان، فشهر هو وابنه فيها.
ذكر حال سيف الدولة بواسط

قد ذكرنا مقام سيف الدولة علي بن حمدان بواسط، بعد انحدار البريديين عنها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريدي، ولا يمكنه لقلة المال عنده، ويكتب إلى أخيه في ذلك، فلا ينفذ إليه شيئاً، وكان توزون وخجخج يسيئان الأدب ويتحكمان عليه.
ثم إن ناصر الدولة أنفذ إلى أخيه مالاً مع أبي عبدالله الكوفي ليفرقه في الأتراك، فأسمعه توزون وخجخج المكروه، وثارا به، فأخذه سيف الدولة وغيبه عنهما وسيره إلى بغداد، وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر خجخج أن يسير إلى مذار ويحفظها ويأخذ حاصلها.
وكان سيف الدولة يزهد بالأتراك في العراق، ويحسن لهم قصد الشام معه الاستيلاء عليه وعلى مصر، ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه في أخيه، ولا يجيبونه إلى المسير إلى الشام معه، ويتسحبون عليه، وهو يجيبهم إلى الذي يريدونه.
فلما كان سلخ شعبان ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلاً، فهرب من معسكره إلى بغداد، ونهب سواده، وقتل جماعة من أصحابه.
وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه أبو عبدالله الكوفي وأخبره الخبر برز ليسير إلى الموصل، فركب المتقي إليه، وسأله التوقف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد، ثم سار إلى الموصل ونهبت داره، وثار الديلم والأتراك، ودبر الأمر أبو إسحاق القراريطي من غير تسمية بوزارة.
وكانت إمارة ناصر الدولة أبي محمد الحسين بن عبدالله بن حمدان ببغداد ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيام، ووزارة أبي العباس الأصبهاني أحداً وخمسين يوماً؛ ووصل سيف الدولة إلى بغداد.
ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولةلما هرب سيف الدولة من واسط عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وخجخج، وتنازعا الإمارة، ثم استقر الحال على أن يكون توزون أميراً وخجخج صاحب الجيش، وتصاهرا.
وطمع البريدي في واسط، فأصعد إليها، فأمر توزون خجخج بالمسير إلى نهر أبان، وأرسل البريدي إلى توزون يطلب أن يضمنه واسط، فرد رداً جميلاً، ولم يفعل. ولما عاد الرسول أتبع توزون بجاسوس يأتيه بخبره مع خجخج، فعاد الجاسوس فأخبر توزون بأن الرسول اجتمع هو وخجخج وطال الحديث بينهما، وأن خجخج يريد أن ينتقل إلى البريدي، فسار توزون إليه جريدة في مائتي غلام يثق بهم، وكبسه في فراشه ليلة الثاني عشر من رمضان، فلما أحس به ركب دابته بقميص، وفي يده لت، ودفع عن نفسه قليلاً، ثم أخذ وحمل إلى توزون فحمله إلى واسط، فسلمه وأعماه ثاني يوم وصوله إليها.
ذكر عود سيف الدولة إلى بغداد
وهربه عنها
لما هرب سيف الدولة، على ما ذكرنا، لحق بأخيه، فبلغه خلاف توزون وخجخج، فطمع في بغداد، فعاد ونزل بباب حرب، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالاً ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربع مائة ألف درهم، ففرقها في أصحابه، وظهر من كان مستخفياً ببغداد وخرجوا إليه، وكان وصوله ثالث عشر رمضان.
ولما بلغ توزون وصول سيف الدولة إلى بغداد خلف بواسط كيغلغ في ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من باب حرب فيمن انضم إليه من أجناد بغداد، وفيهم الحسن بن هارون.
ذكر إمارة توزونقد ذكرنا مسير سيف الدولة من بغداد، فلما فارقها دخلها توزون، وكان دخلوها بغداد في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي لله، وجعله أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخي ينظر في الأمور كما كان الكوفي ينظر فيها.
ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدي، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد، ولم يمكن توزون المبادرة إلى واسط إلى أن تستقر الأمور ببغداد، فأقام إلى أن مضى بعض ذي القعدة.
وكان توزون قد أسر غلاماً عزيزاً على سيف الدولة قريباً منه، يقال له ثمال، فأطلقه وأكرمه وأنفذه إليه، فحسن موقع ذلك من بني حمدان، ثم إن توزون انحدر إلى واسط لقصد البريدي، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هارباً من البريدي، فقبله، وفرح به، وقلد أموره كلها.
ذكر مسير صاحب عمان إلى البصرةفي هذه السنة، في ذي الحجة، سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب كثيرة يريد البصرة، وحارب البريدي، فملك الأبلة، وقوي قوة عظيمة، وقار أن يملك البصرة، فأشرف البريدي وإخوته على الهلاك.

وكان له ملاح يعرف بالرنادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فوعد الإحسان العظيم، وأخذ الملاح زورقين فملأهما سعفاً يابساً، ولم يعلم به أحد، وأحدرهما في الليل حتى قارب الأبلة.
وكانت مراكب ابن وجيه تشد بعضها إلى بعض في الليل، فتصير كالجسر، فلما انتصف الليل أشعل ذلك الملاح النار في السعف الذي في الزورقين، وأرسلهما مع الجزر والنار فيهما، فأقبلا أسرع من الريح، فوقعا في تلك السفن والمراكب، فاشتعلت واحترقت قلوبها، واحترق من فيها، ونهب الناس منها مالاً عظيماً، ومضى يوسف بن وجيه هارباً في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وأحسن البريدي إلى ذلك الملاح، وفي هذه الفتنة هرب ابن شيرزاد من البريدي وأصعد إلى توزون.
ذكر الوحشة بين المتقي لله وتوزونكان محمد بن ينال الترجمان من أكبر قواد توزون، وهو خليفته ببغداد، فلما انحدر توزون إلى واسط سعى بمحمد إليه، وقبح ذكره عنده، فبلغ ذلك محمداً فنفر منه.
وكان الوزير أبو الحسين بن مقلة قد ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد، فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون، فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مصيره إلى توزون باتفاق من البريدي، فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبوا إلى ابن حمدان لينفذ عسكراً يسيراً صحبة المتقي لله إليه، وقالوا للمتقي: قد رأيت ما فعل معك البريدي! بالأمس أخذ منك خمسمائة ألف دينار، وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدي من توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى، زعم أنها في يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدي؛ فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد في ثلاثمائة رجل جريدة.
ذكر موت السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيلفي هذه السنة توفي السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل، صاحب خراسان وما وراء النهر، في رجب، وكان مرضه السل، فبقي مريضاً ثلاثة عشر شهراً، ولم يكن بقي من مشايخ دولتهم أحد، فإنهم كانوا قد سعى بعضهم ببعض، فهلك بعضهم، ومات بعضهم، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثين يوماً، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة.
وكان حليماً، كريماً، عاقلاً، فمن حلمه أن بعض الخدم سرق جوهراً نفيساً وباعه من بعض التجار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنه قد اشترى جوهراً نفيساً لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر عنده، فحين رآه عرفه أنه كان له وقد سرق، فسأله عن ثمنه، ومن أين اشتراه، فذكر له الخادم والثمن، فأمر فأحضر ثمنه في الحال، وأربحه ألفي درهم زيادة.
ثم إن التاجر سأله في دم الخادم، فقال: لا بد من تأديبه، وأما دمه فهو لك؛ فأحضره وأدبه، ثم أنفذه إلى التاجر وقال: كنا وهبنا لك دمه، فقد أنفذناه إليك؛ فلو أن صاحب الجوهر بعض الرعايا لقال: هذا مالي قد عاد إلي وخذ أنت مالك ممن سلمته إليه.
وحكي أنه استعرض جنده، وفيهم إنسان اسمه نصر بن أحمد، فلما بلغه العرض سأله عن اسمه فسكت، فأعاد السؤال فلم يجبه، فقال بعض من حضر: اسمه نصر بن أحمد، وإنما سكت إجلالاً للأمير؛ فقال السعيد: إذاً يوجب حقه، ونزير في رزقه؛ ثم قربه وزاد في أرزاقه.
وحكي عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو زكرياء نهب خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا ماله، فلم يعرض إليهم، وأخبروه أن بعض السوقة اشترى منها سكيناً نفيساً بمائتي درهم، فأرسل إليه وأعطاه مائتي درهم وطلب السكين، فأبى أن يبيعه إلا بألف درهم، فقال: ألا تعجبون من هذا ؟ أرى عنده مالي، فلم أعاقبه، وأعطيته حقه، فاشتط في الطلب؛ ثم أمر برضائه.
وحكي أنه طال مرضه فبقي به ثلاثة عشر شهراً، فأقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له في قصره بيتاً وسماه بيت العبادة، فكان يلبس ثياباً نظافاً، ويمشي إليه حافياً، ويصلي فيه، ويدعو ويتضرع، ويجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ودفن عند والده.
ذكر ولاية ابنه الأمير نوح بن نصرلما مات نصر بن أحمد تولى بعده خراسان وما وراء النهر ابنه نوح، واستقر في شعبان من هذه السنة، وبايعه الناس، وحلفوا له، ولقب بالأمير الحميد، وفوض أمره وتدبير مملكته إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الحاكم، وصدر عنه رأيه.

ولما ولي نوح هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمويه، وهو من أكابر أصحاب أبيه، وكان سبب ذلك أن السعيد نصراً كان قد ولى ابنه إسماعيل بخارى، وكان أبو الفضل يتولى أمره وخلافته، فأساء السيرة مع نوح وأصحابه، فحقد ذلك عليه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه.
وكان نصر يميل إلى أبي الفضل ويؤثره، فقال له: إذا حدث علي حادث الموت فانج بنفسك، فإني لا آمن نوحاً عليك؛ فلما مات الأمير نصر سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون، وورد آمل، وكاتب أبا علي بن محتاج، وهو بنيسابور، يعرفه الحال، وكان بينهما مصاهرة، فكتب إليه أبو علي ينهاه عن الإلمام بناحيته لمصلحة.
ثم إن الأمير نوحاً أرسل إلى أبي الفضل كتاب أمان بخطه، فعاد إليه فأحسن الفعل معه، وولاه سمرقند، وكان أبو الفضل معرضاً عن محمد بن أحمد الحاكم، ولا يلتفت إليه، ويسميه الخياط، فأضمر الحاكم بغضه والإعراض عنه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في المحرم، وصل معز الدولة بن بويه إلى الصرة، فحارب البريديين، وأقام عليهم مدة، ثم استأمن جماعة من قواده إلى البريديين، فاستوحش من الباقين، فانصرف عنهم.
وفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقي بابنة ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف دينار.
وفيها قبض ناصر الدولة على الوزير أبي إسحاق القراريطي، ورتب مكانه أبا العباس أحمد بن عبدالله الأصبهاني في رجب، وكان أبو عبدالله الكوفي هو الذي يدبر الأمور، وكانت وزارة القراريطي ثمانية أشهر وستة عشر يوماً، وكان ناصر الدولة ينظر في قصص الناس وتقام الحدود بين يديه، ويفعل ما يفعل صاحب الشرطة.
وفيها كانت الزلزلة المشهورة بناحية نسا من خراسان، فخربت قرى كثيرة، ومات تحت الهدم عالم عظيم، وكانت عظيمة جداً.
وفيها استقدم الأمير نوح محمد بن أحمد النسفي البردهي، وكان قد طعن فيه عنده، فقتله وصلبه، فسرق من الجذع، ولم يعلم من سرقه.
وفيها استوزر المتقي لله أبا الحسين بن مقلة، ثامن شهر رمضان، بعد إصعاد ناصر الدولة من بغداد إلى الموصل، وقبل إصعاد أخيه سيف الدولة من واسط إلى بغداد.
وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقي لله يطلب منديلاً زعم أن المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وأنه في بيعة الرها. وذكر أنه إن أرسل المنديل أطلق عدداً كثيراً من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي لله القضاة والفقهاء، واستفتاهم، فاختلفوا، فبعض رأى تسليمه إلى الملك وإطلاق الأسرى، وبعض قال إن هذا المنديل لم يزل من قديم الدهر في بلاد الإسلام لم يطلبه ملك من ملوك الروم، وفي دفعه إليهم غضاضة.
وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير، فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر ومن الضر والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل؛ فأمر الخليفة بتسليمه إليهم، وإطلاق الأسرى، ففعل ذلك، وأرسل إلى الملك من يتسلم الأسرى من بلاد الروم فأطلقوا.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر الدقاق، وهو مشهور بين المشايخ.
وفيها توفي محمد بن يزداد الشهرزوري، وكان يلي إمرة دمشق لمحمد بن رائق، ثم اتصل بالإخشيد فجعله على شرطته بمصر.
وفيها توفي سنان بن ثابت بن قرة، مستهل ذي القعدة، بعلة الذرب، وكان حاذقاً في الطب، فلم يغن عنه عند دنو الأجل شيئاً.
وفيها أيضاً مات أبو عبدالله محمد بن عبدوس الجهشياري.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
ذكر مسير المتقي إلى الموصل
في هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل.
وسبب ذلك ما ذكرناه أولاً من سعاية ابن مقلة والترجمان مع المتقي بتوزون وابن شيرزاد، ثم إن ابن شيرزاد وصل خامس المحرم إلى بغداد في ثلاث مائة غلام جريدةً، فازداد خوف المتقي، وأقام ببغداد يأمر وينهى، ولا يراجع المتقي في شيء.

وكان المتقي قد أنفذ يطلب من ناصر الدولة بن حمدان إنفاذ جيش إليه ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان، فلما وصلوا إلى بغداد نزلوا بباب حرب، واستتر ابن شيرزاد، وخرج المتقي إليهم في حرمه، وأهله، ووزيره، وأعيان بغداد، مثل سلامة الطولوني، وأبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، وأبي محمد المارداني، وأبي إسحاق القراريطي، وأبي عبدالله الموسوي، وثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، وأبي نصر محمد بن ينال الترجمان، وغيرهم.
ولما سار المتقي من بغداد ظلم ابن شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم وأرسل إلى توزون، وهو بواسط، يخبره بذلك، فلما بلغ توزون الخبر عقد ضمان واسط على البريدي وزوجه ابنته، وسار إلى بغداد، وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتقي لله بتكريت، فأرسل المتقي إلى ناصر الدولة يستدعيه ويقول له: لم يكن الشرط معك إلا أن تنحدر إلينا؛ فانحدر، فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وركب المتقي إليه، فلقيه بنفسه، وأكرمه.
وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الآخر، وغنم توزون والأعراب سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت إلى الموصل ومعهما المتقي لله.
وشغب أصحاب توزون فعاد إلى بغداد، وعاد سيف الدولة وانحدر فالتقى هو وتوزون بحربي، في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرة ثانية، وتبعه توزون.
ولما بلغ سيف الدولة إلى الموصل سار عنها هو وأخوه ناصر الدولة والمتقي لله ومن معهم إلى نصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار المتقي إلى الرقة، ولحقه سيف الدولة، وأرسل المتقي إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدي، وأنهما صارا يداً واحدة، فإن آثر رضاه يصالح سيف الدولة وناصر الدولة ليعود إلى بغداد، وتردد أبو عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي من الموصل إلى توزون في ذلك فتم الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة لما بيده من البلاد ثلاث سنين، كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعاد توزون إلى بغداد، وأقام المتقي عند بني حمدان بالموصل، ثم ساروا عنها إلى الرقة فأقاموا بها.
ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وديالي وعودهوفي هذه السنة بلغ معز الدولة أبا الحسين بن بويه إصعاد توزون إلى الموصل، فسار هو إلى واسط لميعاد من البريديين، وكانوا قد وعدوه أن يمدوه بعسكر في الماء، فأخلفوه.
وعاد توزون من الموصل إلى بغداد، وانحدر منها إلى لقاء معز الدولة، والتقوا سابق عشر ذي القعدة بقباب حميد، وطالت الحرب بينهما بضعة عشر يوماً، إلا أن أصحاب توزون يتأخرون، والديلم يتقدمون، إلى أن عبر توزون نهر ديالي، ووقف عليه، ومنع الديلم من العبور.
وكان مع توزون مقابلة في الماء في دجلة، فكانوا يودون أن الديلم يستولون على أطرافهم، فرأى ابن بويه أن يصعد على ديالي ليبعد عن دجلة وقتال من بها، ويتمكن من الماء، فعلم توزون بذلك، فسير بعض أصحابه، وعبروا ديالي وكمنوا، فلما سار معز الدولة مصعداً وسار سواده في أثره خرج الكمين عليه، فحالوا بينهما، ووقعوا في العسكر وهو على غير تعبية.
وسمع توزون الصياح، فتعجل، وعبر أكثر أصحابه سباحة، فوقعوا في عسكر ابن بويه يقتلون ويأسرون حتى ملوا، وانهزم ابن بويه ووزيره الصيمري إلى السوس رابع ذي الحجة ولحق به من سلم من عسكره، وكان قد أسر منهم أربعة عشر قائداً منهم ابن الداعي العلوي، واستأمن كثير من الديلم إلى توزون؛ ثم إن توزون عاوده ما كان يأخذه من الصرع، فشغل بنفسه عن معز الدولة وعاد إلى بغداد.
ذكر قتل أبي يوسف البريديفي هذه السنة قتل أبو عبدالله البريدي أخاه أبا يوسف.

نوكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي كان قد نفذ ما عنده من المال في محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط، وفي محاربة توزون، فلما رأى جنده قلة ماله مالوا إلى أخيه أبي يوسف لكثرة ماله، فاستقرض أبو عبدالله من أخيه أبي يوسف مرة بعد مرة، وكان يعطيه القليل من المال، ويعيبه ويذكر تضييعه وسوء تدبيره، وجنونه وتهوره، فصح ذلك عند أبي عبدالله، ثم صح عنده أنه يريد القبض عليه أيضاً، والاستبداد بالأمر وحده، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه.
ثم إن أبا عبدالله أنفذ إلى أخيه جوهراً نفيساً كان بجكم قد وهبه لبنته لما تزوجها البريدي، وكان قد أخذه من دار الخلافة، فأخذه أبو عبدالله منها حين تزوجها، فلما جاءه الرسول وأبلغه ذلك وعرض عليه الجوهر أحضر الجوهريين ليثمنوه، فلما أخذوا في وصفه أنكر عليهم ذلك، وحرد، ونزل في ثمنه إلى خمسين ألف درهم، وأخذ في الوقيعة في أخيه أبي عبدالله وذكر معايبه وما وصل إليه من المال، وأنفذ مع الرسول خمسين ألف درهم، فلما عاد الرسول إلى أبي عبدالله أبلغه ذلك، فدمعت عيناه: ألا قلت له: جنوني وقلة تحصيلي أقعدك هذا المقعد وصيرك كقارون ! ثم عدد ما عمله معه من الإحسان.
فلما كان بعد أيام أقام غلمانه في طريق مسقف بين داره والشط، وأقبل أخوه أبو يوسف من الشط، فدخل في ذلك الطريق، فثاروا به فقتلوه وهو يصيح: يا أخي، يا أخي، قتلوني ! وأخوه يسمعه ويقول: إلى لعنة الله ! فخرج أخوهما أبو الحسين من داره، وكان بجنب داره أخيه أبي عبدالله، وهو يستغيث: يا أخي قتلته ! فسبه وهدده، فسكت، فلما قتل دفنه وبلغ ذلك الخبر الجند، فثاروا وشغبوا ظناً منهم أنه حي، فأمر به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا، فأمر به فدفن، وانتقل أبو عبدالله إلى دار أخيه أبي يوسف، فأخذ ما فيها، والجوهر في جملته، ولم يحصل من مال أخيه على طائل، فإن أكثره انكسر على الناس، وذهبت نفس أخيه.
ذكر وفاة أبي عبد الله البريديوفيها، في شوال، مات أبو عبدالله البريدي بعد أ، قتل أخاه بثمانية أشهر بحمى حادة، واستقر في الأمر بعده أخوه أبو الحسين، فأساء السيرة إلى الأجناد، فثاروا به ليقتلوه ويجعلوا أبا القاسم ابن أخيه أبي عبدالله مكانه، فهرب منهم إلى هجر، واستجار بالقرامطة فأعانوه، وسار معه إخوان لأبي طاهر القرمطي في جيش إلى البصرة فرأوا أبا القاسم قد حفظها، فردهم عنها، فحصروه مدة ثم ضجروا وأصلحوا بينه وبين عمه وعادوا، وخل أبو الحسين البصرة، فتجهز منها، وسار إلى بغداد فدخل علت توزون.
ثم طمع يأنس مولى أبي عبدالله البريدي في التقدم، فواطأ قائداً من قواد الديلم على أن تكون الرئاسة بينهما، ويزيلا أبا القاسم مولاه، فاجتمعت الديلم عند ذلك القائد، فأرسل أبو القاسم إليهم يأنس، وهو لا يشعر بالأمر، فلما أتاهم يأنس أشار عليهم بالتوقف، فطمع فيه ذلك القائد الديلمي، وأحب التفرد بالرئاسة، فأمر به فضرب بزوبين في ظهره فجرح، وهرب يأنس واختفى.
ثم إن الديلم اختلفت كلمتهم، فتفرقوا، واختفى ذلك القائد، فأخذ ونفي، وأمر أبو القاسم البريدي بمعالجة يأنس، وقد ظهر له حاله، فعولج حتى برأ، ثم قبض عليه أبو القاسم بعد نيف وأربعين يوماً، وصادره على مائة ألف دينار، وقتله، واستقام أمر أبي القاسم إلى أن أتاه أمر الله على ما نذكره.
ذكر مراسلة المتقي توزون في العودوفيها أرسل المتقي لله إلى توزون يطلب منه العود إلى بغداد.
وسبب ذلك أنه رأى من بني حمدان تضجراً به، وإيثار المفارقة، فاضطر إلى مراسلة توزون، فأرسل الحسن بن هارون وأبا عبدالله بن أبي موسى الهاشمي إليه في الصلح، فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية الرغبة فيه والحرص عليه، فاستوثقا من توزون وحلفاه للمتقي لله، وأحضر لليمين خلقاً كثيراً، من القضاة، والعدول، والعباسيين، والعلويين، وغيرهم من أصناف الناس، وحلف توزون للمتقي والوزير، وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان من أمر المتقي لله ما نذكره سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر ملك الروس مدينة بردعة

في هذه السنة خرجت طائفة من الروسية في البحر إلى نواحي أذربيجان، وركبوا في البحر في نهر للكر، وهو نهر كبير، فانتهوا إلى بردعة، فخرج إليهم نائب المرزبان بردعة في جمع الديلم والمطوعة يزيدون على خمسة آلاف رجلن فلقوا الروس، فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم المسلمون منهم، وقتل الديلم عن آخرهم، وتبعهم الروس إلى البلد، فهرب من كان له مركوب وترك البلد، فنزله الروس ونادوا فيه بالأمان فأحسنوا السيرة.
وأقبت العساكر الإسلامية من كل ناحية فكانت الروس تقاتلهم، فلا يثبت المسلمون لهم، وكان عامة البلد يخرجون ويرجمون الروس بالحجارة، ويصيحون بهم، فينهاهم الروس عن ذلك، فلم ينتهوا، سوى العقلاء فإنهم كفوا أنفسهم وسائر العامة والرعاع لا يضبطون أنفسهم، فلما طال ذلك عليهم نادى مناديهم بخروج أهل البلد منه، وأن لا يقيموا بعد ثلاثة أيام، فخرج من كان له ظهر يحمله، وبقي أكثرهم بعد الأجل، فوضع الروسية فيهم السلاح فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسروا بعد القتل بضعة عشر ألف نفس، وجمعوا من بقي بالجامع، وقالوا: اشتروا أنفسكم وإلا قتلناكم؛ وسعى لهم إنسان نصراني، فقرر عن كل رجل عشرين درهماً، فلم يقبل منهم إلا عقلاؤهم، فلما رأى الروسية انه لا يحصل منهم شيء قتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا أموال أهلها واستعبدوا السبي، واختاروا من النساء من استحسنوها.
ذكر مسير المرزبان إليهم والظفر بهملما فعل الروس بأهل بردعة ما ذكرناه استعظمه المسلمون، وتنادوا بالنفير، وجمع المرزبان بن محمد الناس واستنفرهم فبلغ عدة من معه ثلاثين ألفاً، وسار بهم، فلم يقاوم الروسية، وكان يغاديهم القتال ويراوحهم، فلا يعود إلا مفلولاً، فبقوا كذلك أياماً كثيرة، وكان الروسية قد توجهوا نحو مراغة، فأكثروا من أكل الفواكه، فأصابهم الوباء، وكثرت الأمراض والموت فيهم.
ولما طال الأمر على المرزبان أعمل الحيل، فرأى أن يكمن كميناً، ثم يلقاهم في عسكره، ويتطارد لهم، فإذا خرج الكمين عاد عليهم، فتقدم إلى أصحابه بذلك، ورتب الكمين ثم لقيهم، واقتتلوا، فتطارد لهم المرزبان وأصحابه، وتبعهم الروسية حتى جازوا موضع الكمين، فاستمر الناس على هزيمتهم لا يلوي أحد على أحد.
فحكى المرزبان قال: صحت بالناس ليرجعوا، فلم يفعلوا لما تقدم في قلوبهم من هيبة الروسية، فعلمت أنه استمر الناس على الهزيمة قتل الروس أكثرهم، ثم عادوا إلى الكمين ففطنوا بهم، فقتلوهم عن آخرهم.
قال: فرجعت وحدي وتبعني أخي وصاحبي، ووطنت نفسي على الشهادة، فحينئذ عاد أكثر الديلم استحياء فرجعوا وقاتلناهم، ونادينا بالكمين بالعلامة بيننا، فخرجوا من ورائهم، وصدقناهم القتال، فقتلنا منهم خلقاً كثيراً منهم أميرهم، والتجأ الباقون إلى حصن البلد، ويسمى شهرستان، وكانوا قد نقلوا إليه ميرة كثيرة، وجعلوا معهم السبي والأموال، فحاصرهم المرزبان وصابرهم، فأتاه الخبر بأن أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان قد سار إلى أذربيجان، وأنه واصل إلى سلماس، وكان ابن عمه ناصر الدولة قد سيره ليستولي على أذربيجان، فلما بلغ الخبر إلى المرزبان ترك على الروسية من يحاصرهم وسار إلى ابن حمدان، فاقتتلوا، ثم نزل الثلج، فتفرق أصحاب ابن حمدان لأن أكثرهم أعراب، ثم أتاه كتاب ناصر الدولة يخبره بموت توزون، وأنه يريد الانحدار إلى بغداد، ويأمره بالعود إليه، فرجع.
وأما أصحاب المرزبان فأنهم أقاموا يقاتلون الروسية، وزاد الوباء على الروسية فكانوا إذا دفنوا الرجل دفنوا معه سلاحه، فاستخرج المسلمون من ذلك شيئاً كثيراً بعد انصراف الروس، ثم إنهم خرجوا من الحسن ليلا وقد حملوا على ظهورهم ما أرادوا من الأموال وغيرها، ومضوا إلى الكر، وركبوا في سفنهم ومضوا، وعجز أصحاب المرزبان عن أتباعهم وأخذ ما معهم، فتركوهم وطهر الله البلاد منهم.
ذكر خروج ابن أشكام على نوحوفي هذه السنة خالف عبدالله بن أشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، فسار نوح من بخارى إلى مرو بسببه، وسير إليه جيشاً، وجعل عليهم إبراهيم ابن بارس، وساروا نحوه، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن أشكام ملك الترك، وراسله، واحتمى به.

وكان لملك الترك ولد في يد نوح، وهو محبوس ببخارى، فراسل نوح أباه في إطلاقه ليقبض على ابن أشكام، فأجابه ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن أشكام الحال عاد إلى طاعة نوح، وفارق خوارزم، فأحسن إليه نوح وأكرمه وعفا عنه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في رمضان، مات أبو طاهر الهجري رئيس القرامطة، أصابه جدر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:10 am

وبلغ ذلك أبا يزيد، وقد أتاه ولده فضل بعسكر من القيروان، فوجههم إلى قتال كتامة، وقد عليهم ابنه، فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا، وبلغ الخبر أبا يزيد، فركب بجميع من بقي معه، فلقي أصحابه منهزمين، وقد قتل كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وأبو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح، واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح، فأشرف أبو يزيد على المهدية ثم رجع إلى منزله، ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة، فأتى باب الفتح، ووجه زويلة إلى باب بكر، ثم وقف هو على الخندق المحدث، وبه جماعة من العبيد، فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق، ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه البحر، فبلغ الماء صدور الدواب، حتى جاوزوا السور المحدث، فانهزم العبيد، وأبو يزيد في طلبهم.
ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية، عند المصلى الذي للعيد، وبينه وبين المهدية رمية سهم، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون، وأهلها يطلبون الأمان، والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، فهزموهم، وقتلوا فيهم، وسمع أبو يزيد بذلك، ووصل زيري بن مناد في صنهاجة، فخاف المقام، فقصد باب الفتح ليأتي زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده، فلما رأى أهل الأرباض ذلك ظنوا أن القائم قد خرج بنفسه من المهدية، فكبروا وقويت نفوسهم، واشتد قتالهم، فتحير أبو يزيد، وعرفه أهل تلك الناحية، فمالوا عليه ليقتلوه، فاشتد القتال عنده، فهدم بعض أصحابه حائطاً وخرج منه فتخلص، ووصل إلى منزله بعد المغرب، وهم يقاتلون العبيد، فلما رأوه قويت قلوبهم، وانهزم العبيد وافترقوا.
ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة، وحفر على عسكره خندقاً، واجتمع إليه خلق عظيم من إفريقية، والبربر، ونفوسة، والزاب، وأقاصي المغرب، فحصر المهدية حصاراً شديداً، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها، ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه، حتى وصل إلى قرب الباب، فعرفه بعض العبيد، فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد فاقتلوه ! فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد فقطع يده وخلص أبو يزيد.
فلما رأى شدة قتال أصحاب القائم كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، فوصلوا إليه، فزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد انهزم فيه أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل فيه جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان، ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى منزله، وكثر خروج الناس من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها المهدي وملأها طعاماً، وفرق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج ويقتلونهم ويشقون بطونهم طلباً للذهب.
ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، فسار رجل من عسكره في جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم إلى كتامة، فقاتلهم فهزمهم، فتفرقوا، وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية، وينهبون، ويقتلون، ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان في إفريقية فلما لم يبق ما ينهب توقفوا عن المجيء إليه فلم يبق معه سوى أهل أوراس وبني كملان.
فلما علم القائم تفرق عساكره أخرج عسكره إليه، وكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثم صبحوهم من الغد، فلم يخرج إليهم أحد، وكان أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس، ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واقتتلوا، واشتد بينهم القتال، فقتل من أصحاب أبي يزيد جماعة منهم رجل من وجوه أصحابه، فعظم قتله عليه، ودخل خندقه ثم عاود القتال، فهبت ريح شديدة مظلمة، فكان الرجل لا يبصر صاحبه، فانهزم عسكر القائم وقتل منهم جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم.

وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أي يزيد جموع عظيمة، وتقدم إلى المهدية فقاتل عليها، فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس، فحملوا حملة رجل واحد، فقتلوا في أصحابه كثيراً، وأسروا مثلهم، وكادوا يصلون إليه، فقاتل أصحابه دونه وخلصوه، وفرح أهل المهدية، وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية، ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية.
وفي المحرم منها ظهر بإفريقية لأجل يدعو الناس إلى نفسه، فأجابه خلق كثير وأطاعوه، وادعى أنه عباسي ورد من بغداد ومعه أعلام سود فظفر به بعض أصحاب أبي يزيد وقبض عليه، وسيره إلى أبي يزيد فقتله، ثم إن بعض أصحاب أبي يزيد هرب إلى المهدية بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه، فخرجوا من المهدية مع أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب أبي يزيد، فظفروا، فتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان، وكان اعتماده عليهم.
ذكر رحيل أبي يزيد عن المهديةلما تفرق أصحابه عنه، كما ذكرنا، اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا وقالوا: نمضي إلى القيروان، ونجمع البربر من كل ناحية، ونرجع إلى أبي يزيد، فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا؛ فركبوا ومضوا، ولم يشاوروا أبا يزيد، ومعهم أكثر العسكر، فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم، فلم يقبلوا منه، فرحل مسرعاً في ثلاثين رجلاً، وترك جميع أثقاله، فوصل إلى القيروان سادس صفر، فنزل المصلى، ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله، وخرج الصبيان يلعبون حوله ويضحكون منه.
وبلغ القائم رجوعه، فخرج الناس إلى أثقاله، فوجدوا الطعام والخيام وغير ذلك على حاله، فأخذوه وحسنت أحوالهم، واستراحوا من شدة الحصار، ورخصت الأسعار، وأنفذ القائم إلى البلاد عمالاً يطردون عمال أبي يزيد عنها، فلما رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم، فأرادوا أن يقبضوا أب يزيد، ثم هابوه، فكاتبوا القائم يسألونه الأمان، فلم يجبهم.
وبلغ أبا يزيد الخبر، فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل والشرب وغير ذلك، وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد، ففعل ذلك، وألان لهم القول، وخوفهم القائم، فخرجوا إليه.
وتسامع الناس في البلاد بذلك، فأتاه العساكر من كل ناحية، وكان أهل المدائن والقرى لما سمعوا تفرق عساكره عنه أخذوا عماله فمنهم من قتل، ومنهم من أرسل إلى المهدية.
وثار أهل سوسة، فقبضوا على جماعة من أصحابه فأرسلوهم إلى القائم، فشكر لهم ذلك، وأرسل إليهم سبعة مراكب من الطعام، فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبي والنهب والخراب وإحراق المنازل، فوصل عسكره إلى تونس، فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفاء، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، ونجا كثير من الناس إلى البحر فغرق.
فسير إليهم القائم عسكراً إلى تونس، فخرج إليهم أصحاب أبي يزيد، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر القائم هزيمة قبيحة، وحال بينهم الليل، والتجأوا إلى جبل الرصاص، ثم إلى اصطفورة، فتبعهم عسكر أبي يزيد، فلحقوهم واقتتلوا، وصبر عسكر القائم، فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير، وقتلوا، حتى دخلوا تونس خامس ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن قتلوا أكثرهم، وأخذ لهم من الطعام شيء كثير.
وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب، فلما بلغه الخبر أخرج معه عسكراً كثيراً، فاجتمع مع من سلم من ذلك الجيش، ورجعوا إلى تونس فقتلوا من عاد إليها وأحرقوا ما بقي فيها، وتوجه إلى باجة فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها، وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف.
واتفق جماعة على قتل أبي يزيد، وأرسلوا إلى القائم فرغبهم ووعدهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد فقتلهم، وهجم رجال من البربر في الليل على رجل من أهل القيروان وأخذوا ماله وثلاث بنات أبكار، فلما اصبح واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به، فقام الناس معه وصاحوا، فاجتمع الخلق العظيم، ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاماً غليظاً، فاعتذر إليهم ولطف بهم وأمر برد البنات.

فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلاً مقتولاً، فسألوا عنه، فقيل إن فضل بن أبي يزيد قتله وأخذ امرأته، وكانت جميلة، فحمل الناس المقتول إلى الجامع وقالوا: لا طاعة إلا للقائم ! وأرداوا الوثوب بأبي يزيد، فاجتمع أصحاب أبي يزيد عنده ولاموه وقالوا: فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم قريب منا؛ فجمع أهل القيروان، واعتذر إليهم، وأعطاهم العهود أنه لا يقتل، ولا ينهب، ولا يأخذ الحريم، فأتاه سبي أهل تونس، وهم عنده، فوثبوا إليهم وخلصوهم.
وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره بجمع العساكر ومن قدر عليه من المسيلة، فجمع منها ومن سطيف وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، وتبعه بعض بني هراس، فقصد المهدية، فسمع به أيوب بن أبي يزيد، وهو بمدينة باجة، ولم يعلم به علي ن حمدون، فسار إليه أيوب وكبسه واستباح عسكره، وقتل فيهم وغنم أثقالهم، وهرب عليٌ المذكور، ثم سير أيوب جريدة خيل إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس، فساروا واجتمعوا، ووقع بعضهم على بعض فكان بين الفريين قتال عظيم قتل فيه جمع كثير وانهزم عسكر القائم، ثم عادوا ثانية وثالثة، وعزموا على الموت، وحملوا حملة رجل واحد، فانهزم أصحاب أبي زيد وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأخذت أثقالهم وعددهم، وانهزم أيوب وأصحابه إلى القيروان في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
فعظم ذلك على أبي يزيد، وأراد أن يهرب عن القيروان، فأشار عليه أصحابه بالتوقف وترك العجلة، ثم جمع عسكراً عظيماً، وأخرج ابنه أيوب ثانية لقتال علي بن حمدون بمكان يقال له بلطة، وكانوا يقتتلون، فمرة يظفر أيوب، ومرة يظفر عليٌ، وكان عليٌ قد وكل بحراسة المدينة من يثق به، وكان يحرس باباً منها رجل اسمه أحمد، فراسل أيوب في التسليم إليه على مال يأخذه، فأجابه أيوب إلى ما طلب، وقاتل على ذلك الباب، ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد، فقتلوا من كان بها، وهرب عليٌ إلى بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل، وكتب إلى قبائل كتامة ونقرة ومزاتة وغيرهم، فاجتمعوا وعسكروا على مدينة القسطنطينة.
ووجه عسكراً إلى هوارة، فقتلوا هوارة، وغنموا أموالهم، وكان اعتماد أبي يزيد عليهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد، فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضها بعضاً، وكان بينهم حروب كثيرة والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم، وملك مدينة تيجس ومدينة باغاية وأخذهما من أبي يزيد.
ذكر محاصرة أبي يزيد سوسة
وانهزامه منها
لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من الهزيمة جد في أمره، فجمع العساكر وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة، وبها جيش كثير للقائم، فحصرها حصراً شديداً، فكان يقاتلها كل يوم، فمرة له، ومرة عليه، وعمل الدبابات والمنجنيقات، فقتل من أقل سوسة خلق كثير وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد إلى ولده إسماعيل المنصور في شهر رمضان، وتوفي القائم وملك الملك ابنه المنصور، على ما نذكره، وكتم موت أبيه خوفاً من أبي يزيد لقربه، وهو على مدينة سوسة.
فلما ولي عمل المراكب، وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، واستعمل عليها رشيقاً الكاتب، ويعقوب بن إسحاق، ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما، ثم سار من الغد يريد سوسة، ولم يعلم أصحابه ذلك، فلما انتصف الطريق علموا فتضرعوا إليه، وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه، فعاد وأرسل إلى رشيق ويعقوب بالجد في القتال، فوصلوا إلى سوسة وقد أعد أبو يزيد الحطب لإحراق السور، وعمل دبابة عظيمة، فوصل أسطول المنصور إلى سوسة، واجتمعوا بمن فيها، وخرجوا إلى قتال أبي يزيد، فركب بنفسه، واقتتلوا، واشتدت الحرب، وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى دخلوا المدينة، فألقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه أبو يزيد، وفي الدبابة، فأظلم الجو بالدخان، واشتعلت النار.
فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا، وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد هلكوا فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم ير بعضهم بعضاً، فانهزم أبو يزيد وأصحابه، وخرجت عساكر المنصور، فوضعوا السيف فيمن تخلف من البربر، وأحرقوا خيامه.
وجد أبو يزيد هارباً حتى دخل القيروان من يومه، وهرب البربر على وجوههم فمن سلم من السيف مات جوعاً وعطشاً.

ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان أراد الدخول إليها، فمنعه أهلها، ورجعوا إلى دار عامله، فحصروه، وأرادوا كسر الباب، فنثر الدنانير على رؤوس الناس فاشتغلوا عنه، فخرج إلى أبي يزيد، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه أصحابه بعيالاتهم، ورحلوا إلى ناحية سبيبة، وهي على مسافة يومين من القيروان، فنزلوها.
ذكر ملك المنصور مدينة القيروان وانهزام أبي يزيدلما بلغ المنصور الخبر سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال من السنة، فنزل خارجاً منها، وسر بما فعله أهل القيروان، فكتب إليهم كتاباً يؤمنهم فيه، لأنه كان واجداً عليهم لطاعتهم أبا يزيد، وأرسل من ينادي في الناس بالأمان، وطابت نفوسهم، ورحل إليهم، فوصلها يوم الخميس لست بقين من شوال، وخرج إليه أهلها، فأمنهم ووعدهم خيراً.
ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده جماعة، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق.
ثم إن أبا يزيد جمع عساكره، وأرسل سرية إلى القيروان يتخبرون له، فاتصل خبرهم بالمنصور، فسير إليهم سرية، فالتقوا واقتتلوا، وكان أصحاب أبي يزيد قد جعلوا كميناً، فانهزموا، وتبعهم أصحاب المنصور، فخرج الكمين عليهم، فأكثر فيهم القتل والجراح.
فلما سمع الناس ذلك سارعوا إلى أبي يزيد، فكثر جمعه، فعاد ونازل القيروان، وكان المنصور قد جعل خندقاً على عسكره، ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث فرق، وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور، فاقتتلوا، وعظم الأمر، وكان الظفر للمنصور، ثم عاودوا القتال، فباشر المنصور القتال بنفسه، وجعل يحمل يميناً وشمالاً، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه خمسمائة فارس، وأبو يزيد في مقدار ثلاثين ألفاً، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ونهبوا، وبقي المنصور في نحو عشرين فارساً.
وأقبل أبو يزيد قاصداً إلى المنصور، فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه وجمل بنفسه على أبي يزيد حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هارباً، وقتل المنصور من أدرك منهم، وأرسل من يرد عسكره فعادوا، وكانوا قد سلكوا طريق المهدية وسوسة، وتمادى القتال إلى الظهر فقتل منهم خلق كثير وكان يوماً من الأيام المشهودة لم يكن في ماضي الأيام مثله.
ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت هيبته في قلوبهم، ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ثم عاد إليها فلم يخرج إليه أحد، ففعل ذلك غير مرة، ونادى المنصور: من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار؛ وأذن الناس في القتال، فجرى قتال شديد، فانهزم أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم رجعت الهزيمة على أبي يزيد، فافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وقتل بينهم جمع عظيم، وعادت الحرب مرة لهذا ومرة لهذا، وصار أبو يزيد يرسل السرايا، فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة.
ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأله أن يسلم إليه حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، فإن فعل ذلك دخل في طاعته على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف له بأغلظ الأيمان على ذلك، فأجابه المنصور إلى ما طلب، وأحضر عياله وسرهم إليه مكرمين، بعد أن وصلهم، وأحسن كسوتهم، وأكرمهم، فلما وصلوا إليه نكث جميع ما عقده، وقال: إنما وجههم خوفاً مني، فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة؛ ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهم على حالهم في القتال.
ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير، فلما انتصف المحرم عبأ المنصور عسكره، فجعل في الميمنة أهل أفريقية، وكتامة الميسرة، وهو في عبيده وخاصته في القلب، فوقع بينهم قتال شديد، فحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها، ثم حمل على القلب، فبادر إليه المنصور وقال: هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى ! وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وهرب أبو يزيد على وجهه فقتل من أصحابه ما لا يحصى، فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس، وسار أبو يزيد إلى تاه مديت.
ذكر قتل أبي يزيد

لما تمت على أبي يزيد وأقام المنصور يتجهز للمسير في أثره، ثم رحل، أواخر شهر ربيع الأول من السنة، واستخلف على البلد مذاماً الصقلي، فأدرك أبا يزيد وهو محاصر مدينة باغاية لأنه أراد دخولها لما انهزم، فمنع من ذلك، فحصرها، فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها، فلما قرب منه هرب أبو يزيد وجعل كلما قصد موضعاً يتحصن فيه سبقه المنصور، حتى وصل طبنة، فوصلت رسل محمد بن خزر الزناتي، وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد، يطلب الأمان، فأمنه المنصور، وأمره أن يرصد أبا يزيد، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر ويسمى برزال، وأهله على مذهبه، وسلك الرمال ليختفي أثره، فاجتمع معه خلق كثير، فعاد إلى نواحي مقبرة والمنصور بها، فكمن أبو يزيد أصحابه، فلما وصل عسكر المنصور رآهم فحذروا منهم، فعبأ حينئذ أبو يزد أصحابه، واقتتلوا، فانهزمت ميمنة المنصور، وحمل هو بنفسه ومن معه، فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، ورحل المنصور في أثره، فدخل مدينة المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه فعرفه الأدلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط، واشتد الأمر على أهل العسكر، فبلغ عليق كل دابة ديناراً ونصفاً، وبلغت قربة الماء ديناراً، وأن ما وراء ذلك رمال وقفار بلاد السودان، ليس فيها عمارة، وإن أبا يزيد اختار الموت جوعاً وعطشاً على القتل بالسيف.
فلما سمع ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فوصل إلى موضع يسمى قرية دمره، فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة، وزيري هذا هو جد بني باديس ملوك أفريقية، كما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور وأحسن إليه، ووصل كتاب محمد بن خزر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد من الرمال.
ومرض المنصور مرضاً شديداً أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب، وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه مرض المنصور، وحصرها، فلما قصده المنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فأبى ذلك بنو كملان وهوارة وخدعوه، وصعد إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم، فتحصن بها واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون يتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد، وأسلم أولاده وأصحابه، ولحقه فارسان فعقرا فرسه فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه، ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه، وكثر القتال عليه، فخلصه أصحابه وخلصوا معه، وتبعهم أصحاب المنصور، فقتلوا منهم ما يزيد على عشرة آلاف.
ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان، فاقتتلوا أيضاً أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان خشونته، ثم انهزم أبو يزيد أيضاً، واحترقت أثقاله وما فيها، وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر، وأحاط القتال بالمنصور وتواخذوا بالأيدي، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء، والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة، وهي منيعة، فاحتمى بها.
وفي ذلك اليوم أتى إلى المنصور جند له من كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى البربوبية، فأمر المنصور بقتله، وأقبلت هوارة وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان، فأمنهم المنصور، وسار إلى قلعة كتامة، فحصر أبا يزيد فيها، وفرق جنده حولها، فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرة، ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة، وألقوا فيها النيران، وانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلاً ذريعاً، ودخل أبو يزيد وأولاده وأعيان أصحابه إلى قصر في القلعة، فاجتمعوا فيه، فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل، فأمر المنصور بإشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو يزيد، فصار الليل كالنهار.

فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فنجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا، فأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور بطلبه وقال: ما أظنه ألا قريباً منا؛ فبينما هم كذلك إذ أتى بأبي يزيد، وذلك أن ثلاثة من أصحابه حملوه من المعركة ثم ولوا عنه، وإنما حملوه لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر، فسقط في مكان صعب، فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكراً لله تعالى، والناس يكبرون حوله، وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فمات من الجراح التي به، فأمر بإدخاله في قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده وحشاه تبناً، وأمر بالكتب إلى سائر البلاد بالبشارة.
ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر، فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان يريد نصرة أبي يزيد؛ وخرج أيضاً بن أبي يزيد، وأفسد وقطع الطريق، فغدر به بعض أصحابه وقتله، وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست وثلاثين أيضاً، وعاد المنصور إلى المهدية، فدخلها في شهر رمضان من السنة.
ذكر قتل أبي الحسين البريدي وإحراقهفي هذه السنة، في ربيع الأول، قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمناً إلى توزون، فأمنه، وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره، وأكرمه، وطلب أن يقوي يده على ابن أخيه، وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالاً كثيراً، فوعدوه النجدة والمساعدة، فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالاً كثيراً خدم به توزون وابن شيرزاد، فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله.
فلما علم أبو الحسين بذلك سعى في أن يكتب لتوزون، ويقبض على ابن شيرزاد، فعلم ابن شيرزاد بذلك، فسعى به إلى أن قبض عليه، وقيد وضرب ضرباً عنيفاً، وكان أبو عبدالله بن أبي موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه، فأحضرها وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة، وأخرج أبو الحسين، وسئل الفقهاء عن الفتاوى، فاعترفوا أنهم أفتوا بذلك، فأمر بضرب رقبته، فقتل وصلب، ثم أنزل وأحرق، ونهبت داره، وكان هذا آخر أمر البريديين، وكان قتله منتصف ذي الحجة.
وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر، وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفاً بقطن جبة، وفي رجله قبقاب خشب.
ذكر مسير أبي علي إلى الري وعوده قبل ملكهالما استقر الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخراسان أمر أبا علي ابن محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة ابن بويه، فسار في جمع كثير، فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمر نوحاً، فسيره إليه، وكان نوح حينئذ بمرو، فلما قدم عليه أكرمه وأنزله، وبالغ في إكرامه والإحسان إليه.
وأما أبو علي فأنه سار نحو الري، فلما نزل ببسطام خالف عليه بعض من معه، وعادوا عنه مع منصور بن قراتكين، وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه، فساروا نحو جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فصدهم الحسن عنها، فانصرفوا إلى نيسابور، وسار أبو علي نحو الري فيمن بقي معه، فخرج إليه ركن الدولة محارباً، فالتقوا على ثلاثة فراسخ من الري، وكان مع أبي علي جماعة كثيرة من الأكراد، فغدروا به، واستأمنوا إلى ركن الدولة، فانهزم أبو علي، وعاد نحو نيسابور وغنموا بعض أثقاله.
ذكر استيلاء وشمكير على جرجانلما عاد أبو علي إلى نيسابور لقيه وشمكير، وقد سيره الأمير نوح، ومعه جيش فيهم مالك بن شكرتكين، وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير، فوجه فيمن معه إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الحسن، واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر استيلاء أبي علي على الريفي هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح، وهو بمرو، فاجتمع به، فأعاده إلى نيسابور، وأمره بقصد الري، وأمده بجيش كثير، فعاد إلى نيسابور، وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة، وبها ركن الدولة، فلما علم ركن الدولة بكثرة جموعه سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال، وأنفذ نوابه إلى الأعمال، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة.

ثم إن الأمير نوحاً سار من مرو إلى نيسابور، فوصل إليها في رجب، وأقام بها خمسين يوماً، فوضع أعداء أبي علي جماعة من الغوغاء والعامة، فاجتمعوا واستغاثوا عليه، وشكوا سوء سيرته وسيرة نوابه، فاستعمل الأمير نوح على نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها إلى بخارى في رمضان، وكان مرادهم بذلك أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان ليقيم بالري وبلاد الجبل، فاستوحش أبو علي لذلك، فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال، فلما عزل شق ذلك عليه، ووجه أخاه أبا العباس الفضل ابن محمد إلى كور الجبال، وولاه همذان، وجعله خليفة على من معه من العساكر، فقصد الفضل نهاوند والدينور وغيرهما واستولى عليها، واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك الناحية، وأنفذوا إليه رهائنهم.
ذكر وصول معز الدولة إلى واسط
وعوده عنها
في هذه السنة، آخر رجب، وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى مدينة واسط، فسمع توزون به، فسار هو والمستكفي بالله من بغداد إلى واسط، فلما سمع معز الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان، ووصل الخليفة وتوزون إلى واسط، فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة، فأجابه توزون إلى ذلك وضمنه، وسلمها إليه، وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداد، فدخلاها ثامن شوال من السنة.
ذكر ملك سيف الدولة مدينة حلف وحمصفي هذه السنة سار سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان إلى حلب، فملكها واستولى عليها، وكان مع المتقي لله بالرقة، فلما عاد المتقي إلى بغداد، وانصرف الإخشيد إلى الشام، بقي يأنس المؤسي بحلب، فقصده سيف الدولة، فلما نازلها فارقها يأنس وسار إلى الإخشيد، فملكها سيف الدولة، ثم سار منها إلى حمص، فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج، صاحب الشام ومصر، مع مولاه كافور، واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وكافور، وملك سيف الدولة مدينة حمص، وسار إلى دمشق فحصرها، فلم يفتحها أهلها له فرجع.
وكان الأخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة، فالتقيا بقنسرين، فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما عاد الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب، ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها، فخرج إليهم، فقاتلهم بالقرب منها، فظفر بهم وقتل منهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، ثامن جمادى الأولى، قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي عبدالله بن أبي سليمان وعلى أخيه، واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي على خاص أمره، وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل يكتب لناصر الدولة، فلما بلغه خبر تقلده الخلافة انحدر إلى بغداد لأنه كان يخدم المستكفي بالله، ويكتب له، وهو في دار ابن طاهر.
وفيها، في رجب، سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل، وقصد ناصر الدولة لأنه كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلماناً هربوا من توزون، وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحداً من عسكر توزون.
فلما خرج الخليفة وتوزون من بغداد ترددت الرسل في الصلح، وتوسط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر، وانقاد ناصر الدولة لحمل المال، وكان أبو القاسم ابن مكرم، كاتب ناصر الدولة، هو الرسول في ذلك، ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا بغداد.
وفيها في سابع ربيع الآخر قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج السرمرائي، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، وكانت مدة وزارته اثنين وأربعين يوماً.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر موت توزون وإمارة ابن شيرزاد
في هذه السنة، في المحرم، مات توزون في داره ببغداد، وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوماً، وكتب له ابن شيرزاد مدة إمارته، غير ثلاثة أيام.

ولما مات توزون كان ابن شيرزاد بهيت لتخليص أموالها، فلما بلغه الخبر عزم على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج عليه الأجناد جميعهم، واجتمعوا عليه، وحلفوا له، ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف له، فأجابه إلى ذلك، وحلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد، وعاد مكرماً يخاطب بأمير الأمراء، وزاد الأجناد زيادة كثيرة، فضاقت الأموال عليه، فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي، وهو بالموصل، يطالبه بحمل المال، ويعده برد الرئاسة إليه، وأنفذ له خمسمائة ألف درهم وطعاماً كثيراً، ففرقها في عسكره، فلم يؤثر، فقسط الأموال على العمال والكتاب والتجار وغيرهم لأرزاق الجند وظلم الناس ببغداد.
وظهر اللصوص، وأخذوا الأموال، وجلا التجار، واستعمل على واسط ينال كوشة، وعلى تكريت اللشكري، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه، واستقدمه، وصار معه، وأما الفتح اللشكري فإنه سار إلى ناصر الدولة بالموصل، وصار معه، فأقره على تكريت.
ذكر استيلاء معز الدولة على بغدادلما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه، وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، وسار معز الدولة نحوه، فاضطرب الناس ببغداد، فلما وصل إلى باجسرى اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، فلما استتر سار الأتراك إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفي وعاد إلى بغداد إلى دار الخلافة، وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، صاحب معز الدولة، إلى بغداد، فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الذي استتر فيه ثم اجتمع بالمستكفي، فأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ليتفرقوا فيحصل الأمر لمعز الدولة بلا قتال.
ووصل معز الدولة إلى بغداد حادي عشر جمادى الأولى، فنزل ببال الشماسية، ودخل من الغد على الخليفة المستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي، وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور، وأن يأذن أن يستكتبه، فأجاب إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد، ولقي معز الدولة، فولاه الخراج، وجباية الأموال، وخلع الخليفة، على معز الدولة، ولقبه ذلك اليوم معز الدولة، ولقب أخاه علياً عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم.
ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة، وصار رسماً عليهم بعد ذلك، وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله، وأقيم للمستكفي بالله كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكانت ربما تأخرت عنه، فأقرت له مع ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه.
ذكر خلع المستكفي باللهوفي هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة.
وكان سبب ذلك أن علماً القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الديلم والأتراك، فاتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفي ويزيلوا معز الدولة، فساء ظنه لذلك لما رأى من إقدام علم، وحضر أصفهدوست عند معز الدولة، وقال: قد راسلني الخليفة في أن ألقاه متنكراً.
فلما مضى اثنان وعشرون يوماً من جمادى الآخرة حضر معز الدولة والناس عند الخليفة، وحضر رسول صاحب خراسان، ومعز الدولة جالس، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم يصيحان، فتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فمدها إليهما، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة، واضطرب الناس، ونهبت الأموال، وساق الديلميان المستكفي بالله ماشياً إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي، وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها.
وكانت مدة خلافة المستكفي سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوباً على أمره مع توزون وابن شيرزاد، ولما بويع المطيع لله سلم إليه المستكفي، فسلمه وأعماه، وبقي محبوساً إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكان مولده ثالث عشر صفر سنة ست وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها غصن، وكان أبيض، حسن الوجه، قد وخطه الشيب.
ذكر خلافة المطيع لله

لما ولي المستكفي بالله الخلافة خافه المطيع، وهو أبو القاسم الفضل بن المقتدر، لأنه كان بينهما منازعة، وكان كل منهما يطلب الخلافة، وهو يسعى فيها، فلما ولي المستكفي خافه واستتر منه، فطلبه المستكفي أشد الطلب، فلم يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد قيل إن المطيع انتقل إليه، واستتر عنده، وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسلمه، فلما قبض المستكفي بويع للمطيع لله بالخلافة يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، ولقب المطيع لله، وأحضر المستكفي عنده، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع.
وازداد أمر الخلافة أدباراً، ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة، وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل، والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كان أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد.
وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم كانوا يتشيعون، ويغالون في التشيع، ويعتقدون أن العباسيين قد غضبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة، حتى لقد بلغني أن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي، أو لغيره من العلويين، فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال: ليس هذا برأي، فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من يعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن ذلك؛ فهذا كان من أعظم الأسباب في زوال أمرهم ونهبهم مع حب الدنيا وطلب التفرد بها.
وتسلم معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق بيد الخليفة منه شيء البتة، إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته.
ذكر الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولةوفيها، في رجب، سير معز الدولة عسكراً فيهم موسى فيادة وينال كوشة إلى الموصل في مقدمته، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشة بموسى فيادة، ونهب سواده، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل نحو العراق، ووصل ناصر الدولة إلى سامرا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معز الدولة بعكبرا.
وفي رمضان سار معز الدولة مع المطيع لله إلى عكبرا، فلما سار عن بغداد لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عسكر لناصر الدولة، فاستولوا عليها، ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن ناصر الدولة، وناصر الدولة يحارب معز الدولة، فلما كان عاشر رمضان سار ناصر الدولة من سامرا إلى بغداد فأقام بها، فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد الخليفة معه إلى بغداد، فنزلوا بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب للمطيع ببغداد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:11 am

ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي، فمنعوا أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف، فغلت الأسعار على الديلم، حتى بلغ الخبز عندهم كل رطل بدرهم وربع، وكان السعر عند ناصر الدولة رخيصاً، كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل، فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال بدرهم.
ومنع ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع، وضرب دنانير ودراهم على سكة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وعليها اسم المتقي لله، واستعان ابن شيرزاد بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة، فكان يركب في الماء، وهم معه، ويقاتل الديلم.
وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معز الدولة، فلقيهم أسفهدوست فهزمهم، وكان من أعظم الناس شجاعة، وضاق الأمر بالديلم حتى عزم معز الدولة على العود إلى الأهواز، وقال: نعمل معهم حيلة هذه المرة، فإن أفادت وإلا عدنا؛ فرتب ما معه من المعابر بناحية الثمارين، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري وأسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه باقي العسكر، وأظهر أنه يعبر في قطربل، وسار ليلاً ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمري وأسفهدوست من العبور، فعبروا وتبعهم أصحابهم.

فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه، فعلموا بحيلته، فلقيهم ينال كوشة في جماعة أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة خمس وثلاثين وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداد، فكان مقدار ما غنموه ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معز الدولة برفع السيف والكف عن النهب وأمن الناس فلم ينتهوا، فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري، فركب وقتل، وصلب جماعة وطاف بنفسه فامتنعوا.
واستقر معز الدولة ببغداد، وأقام ناصر الدولة بعكبرا، وأرسل في الصلح بغير مشورة من الأتراك التوزونية، فهموا بقتله، فسار عنهم مجداً نحو الموصل، ثم استقر الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم سنة خمس وثلاثين.
ذكر وفاة القائم وولاية المنصورفي هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيدالله المهدي العلوي صاحب إفريقية لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل وتلقب المنصور بالله، وكتم موته خوفاً أن يعلم بذلك أبو يزيد، وهو بالقرب منه على سوسة، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولم يغير السكة، ولا الخطبة، ولا البنود، وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موته، وتسمى بالخلافة، وعمل آلات الحرب والمراكب، وكان شهماً شجاعاً وضبط الملك والبلاد.
ذكر إقطاع البلاد وتخريبهافيها شغب الجند على معز الدولة بن بويه، وأسمعوه المكروه، فضمن لهم إيصال أرزاقهم في مدة ذكرها لهم، فاضطر إلى خبط الناس، وأخذ الأموال من غير وجوهها، وأقطع قواده وأصحابه القرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك، فبطل لذلك أكثر الدواوين، وزالت أيدي العمال، وكانت البلاد قد خربت من الاختلاف، والغلاء، والنهب، فأخذ القواد القرى العامرة، وزادت عمارتها معهم، وتوفر دخلها بسبب الجاه، فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك.
وأما الأتباع فإن الذي أخذوه ازداد خراباً، فردوه وطلبوا العوض عنه، فعوضوا، وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها، فهلكت وبطل الكثير منها.
وأخذ غلمان المقطعين في ظلم وتحصيل العاجل، فكان أحدهم إذا عجز الحاصل تممه بمصادراتها.
ثم إن معز الدولة فوض حماية كل موضع إلى بعض أكابر أصحابه فاتخذه مسكناً وأطمعه، فاجتمع إليهم الإخوة، وصار القواد يدعون الخسارة في الحاصل، فلا يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك، فإن اعترضهم معترض صاروا أعداء له، فتركوا وما يريدون، فازداد طمعهم، ولم يقفوا عند غاية، فتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة تكون للنوائب والحوادث، وأكثر من إعطاء غلمانه الأتراك والزيادة لهم في الإقطاع، فحسدهم الديلم وتولد من ذلك الوحشة والمنافرة، فكان من ذلك ما نذكره.
ذكر موت الإخشيد
وملك سيف الدولة دمشق
في هذه السنة، في ذي الحجة، مات الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج، صاحب ديار مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان موته بدمشق، وقيل مات سنة خمس وثلاثين، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وغلب أبا الاسم واستضعفه وتفرد بالولاية؛ وكافور هذا هو الذي مدحه المتنبي ثم هجاه.
وكان أبو القاسم صغيراً، وكان كافور أتابكه، فلهذا استضعفه، وحكم عليه، فسار كافور إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق، فملكها وأقام بها، فاتفق أنه كان يسير هو والشريف العقيلي بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد؛ فقال له العقيلي: هي لأقوام كثيرة؛ فقال سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين السلطانية لينبرون منها، فأعلم العقيلي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف الدولة فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثم استقر الأمر بينهما، وعاد أنوجور إلى مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيراً، وولي عليها بدر الإخشيدي، ويعرف ببدير، وعاد إلى مصر، فبقي بدير على دمشق سنة، ثم وليها أبو المظفر بن طغج وقبض على بدير.
ذكر مخالفة أبي علي على الأمير نوح

وفي هذه السنة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير نوح، صاحب خراسان وما وراء النهر.
وسبب ذلك أن أبا علي لما عاد من مرو إلى نيسابور وتجهز للمسير إلى الري أنفذ إليه الأمير نوح عارضاً يستعرض العسكر، فأساء العارض السيرة معهم، وأسقط منهم ونقص، فنفرت قلوبهم، فساروا وهم على ذلك وانضاف إلى ذلك أن نوحاً أنفذ معهم من يتولى أعمال الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق بعد أ، كان جميعه أيام السعيد نصر بن أحمد إلى أبي علي، فنفر قلبه لذلك، ثم إنه عزل عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور كما ذكرناه.
ثم إن المتولي أساء إلى الجند في معاملاتهم وحوائجهم وأرزاقهم، فازدادوا نفوراً، فشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذاك بهمذان، واتفق رأيهم على مكاتبة إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل عم نوح، واستقدامه إليهم ومبايعته وتمليكه البلاد. وكان إبراهيم حينئذ بالموصل في خدمة ناصرا الدولة، وكان سبب مسيره إليها ما ذكرناه قبل، فلما اتفقوا على ذلك أظهروا عليه أبا علي، فنهاهم عنه، فتوعدوه بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوا، فكاتبوا إبراهيم وعرفوه حالهم، فسار إليهم في تسعين فارساً، فقدم عليهم في رمضان من هذه السنة، ولقيه أبو علي بهمذان وساروا معه إلى الري في شوال، فلما وصلوا إليها اطلع أبو علي من أخيه الفضل على كتاب كتبه إلى الأمير نوح يطلعه على حالهم، فقبض عليه وعلى ذلك المتولي الذي أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور واستخلف على الري والجبل نوابه.
وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فتجهز وسار إلى مرو من بخارى، وكان الأجناد قد ملوا من محمد بن أحمد الحاكم المتولي للأمور، لسوء سيرته، فقالوا لنوح: إن الحاكم أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علي إلى العصيان، وأوحش الجنود، وطلبوا تسليمه إليهم، وإلا ساروا إلى عمه إبراهيم وأبي علي، فسلمه إليهم، فقتلوه في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ولما وصل أبو علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور، ومنصور ابن قراتكين، وغيرهما من القواد، فاستمالهما أبو علي، فمالا إليه وصارا معه، ودخلها في المحرم سنة خمسة وثلاثين ثم ظهر له من منصور ما يكره فقبض عليه.
ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين إلى مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبي علي من محبسه، احتال على الموكلين به وهرب إلى قوهستان فأقام بها، وسار أبو علي إلى مرو، فلما قاربها أتاه كثير من عسكر نوح، وسار نوح عنها إلى بخارى، واستولى أبو علي على مرو في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وأقام بها أياماً، وأتاه أكثر أجناد نوح وسار نحو بخارى، وعبر النهر إليها، ففارقها نوح وسار إلى سمرقند، ودخل أبو علي بخارى في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وخطب فيها لإبراهيم العم، وبايع له الناس.
ثم إن أبا علي اطلع من إبراهيم على سوء قد أضمره له، ففارقه وسار إلى تركستان، وبقي إبراهيم في بخارى، وفي خلال ذلك أطلق أبو علي منصور بن قراتكين فسار إلى الأمير نوح.
ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على أن يخلع نفسه من الأمر ويرده إلى ولد أخيه الأمير نوح، ويكون هو صاحب جيشه، ويتفق معه على قصد أبي علي، ودعا أهل بخارى إلى ذلك، فأجابوه واجتمعوا وخرجوا إلى أبي علي وقد تفرق عنه أصحابه، وركب إليهم في خيل، فردهم إلى البلد أقبح رد، وأراد إحراق البلد، فشفع إليه مشايخ بخارى، فعفا عنهم وعاد إلى مكانه، واستحضر أبا جعفر محمد بن نصر بن أحمد، وهو أخو الأمير نوح، وعقد له الإمارة وبايع له، وخطب له في النواحي كلها.
ثم ظهر لأبي علي فساد نيات جماعة من الجند، فرتب أبا جعفر في البلد، ورتب ما يجب ترتيبه، وخرج عن البلد يظهر المسير إلى سمرقند، ويضمر العود إلى الصغانيان، ومنها إلى نسف، فلما خرج من البلد رد جماعة من الجند والحشم إلى بخارى، وكاتب نوحاً بإفراجه عنها.
ثم سار إلى الصغانيان في شعبان، ولما فارق أبو علي بخارى خرج إبراهيم وأبو جعفر محمد بن نصر إلى سمرقند مستأمنين إلى نوح، مظهرين الندم على ما كان منهم، فقربهم وقبلهم ووعدهم وعاد إلى بخارى في رمضان، وقتل نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمه إبراهيم، وأخويه أبا جعفر محمداً وأحمد، وعادت الجيوش فاجتمعت عليه والأجناد، وأصلح الفساد.

وأما الفضل بن محمد أخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه كما ذكرناه ولحق بقوهستان، جمع جمعاً كثيراً وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزاق من قبل أبي علي، فخرج منها إلى الفضل، فالتقيا وتحاربا، فانهزم الفضل ومعه فارس واحد، فلحق ببخارى فأكرمه الأمير نوح، وأحسن إليه وأقام في خدمته.
ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسانلما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وأصلح البلاد، وكان أبو علي بالصغانيان، وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني، فرأى نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش خراسان، فولاه ذلك، وسيره إلى مرو، وبها أبو أحمد، وقد غور المناهل ما بين آمل ومرو، ووافق أبا علي ثم تخلى عنه.
وسار إليه منصور جريدة في ألفي فارس، فلم يشعر القزويني إلا بنزول منصور بكشماهن على خمسة فراسخ من مرو، واستولى منصور على مرو، واستقبله أبو أحمد القزويني فأكرمه، وسيره إلى بخارى مع ماله وأصحابه، فلما بلغها أكرمه الأمير نوح وأحسن إليه إلا أنه وكل به، فظفر بعض الأيام برقعة قد كتبها القزويني بما أنكره، فأحضره وبكته بذنوبه، ثم قتله.
ذكر مصالحة أبي علي مع نوحثم إن أبا علي أقام بالصغانيان، فبلغه أن الأمير نوحاً قد عزم على تسيير عسكر إليه، فجمع أبو علي الجيوش وخرج إلى بلخ وأقام بها، وأتاه رسول الأمير نوح في الصلح، فأجاب إليه، فأبى عليه جماعة ممن معه من قواد نوح الذين انتقلوا إليه، وقالوا: نحب أن تردنا إلى منازلنا، ثم صالح فخرج أبو علي نحو بخارى، فخرج إليه الأمير نوح في عساكره، وجعل الفضل بن محمد أخا أبي علي صاحب جيشه، فالتقوا بجرجيك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتحاربوا قبيل العصر، فاستأمن إسماعيل بن الحسن الداعي إلى نوح، وتفرق العسكر عن أبي علي فانهزم ورجع إلى الصغانيان.
ثم بلغه أن الأمير نوحاً قد أمر العساكر بالميسر إليه من بخارى وبلخ وغيرهما، وأن صاحب الختل قد تجهز لمساعدة أصحاب أبي علي، فسار أبو علي في جيشه إلى ترمذ، وعبر جيحون، وسار إلى بلخ، فنازلها، واستولى عليها وعلى طخارستان، وجبى مال تلك الناحية.
وسار من بخارى عسكر جرار إلى الصغانيان، فأقاموا بنسف ومعهم الفضل بن محمد بن أخو أبي علي، فكتب جماعة من قواد العسكر إلى الأمير نوح بأن الفضل قد اتهموه بالميل إلى أخيه، فأمرهم بالقبض عليه، فقبضوا عليه وسيروه إلى بخارى.
وبلغ خبر العسكر إلى أبي علي، وهو بطخارستان، فعاد إلى الصغانيان، ووقعت بينهم حروب، وضيق عليهم أبو علي في العلوفة، فانتقلوا إلى قرية أخرى على فرسخين من الصغانيان، فقاتلهم أبو علي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين قتالاً شديداً، فقهروه، وسار إلى شومان، وهي على ستة عشر فرسخاً من الصغانيان، ودخل عسكر نوح إلى الصغانيان، فأخربوا قصور أبي علي ومساكنه، وتبعوا أبا علي، فعاد إليهم واجتمع إليه الكتيبة، وضيق على عسكر نوح، وأخذ عليهم المسالك، فانقطعت عنهم أخبار بخارى، وأخبارهم عن بخارى، نحو عشرين يوماً، فأرسلوا إلى أبي علي يطلبون الصلح، فأجابهم إليه، واتفقوا على إنفاذ ابنه أبي المظفر عبدالله رهينة إلى الأمير نوح، واستقر الصلح بينهما في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
وسير ابنه إلى بخارى، فأمر نوح باستقباله، فأكرمه وأحسن إليه، وكان قد دخل إليه بعمامة، فخلع عليه القلنسوة، وجعله من ندمائه، وزال الخلف.
وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث في السنين التي هي فيها كانت، وإنما أوردناها متتابعة في هذه السنة لئلا يتفرق ذكرها.
هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانيين، وقد ذكر العراقيون هذه الحوادث على غير هذه السياقة، وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم، ونحن نذكر ما ذكره العراقيون مختصراً، قالوا: إن أبا علي لما سار نحو الري في عساكر خراسان كتب ركن الدولة إلى أخيه عماد الدولة يستمده، فأرسل إليه يأمره بمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك، ففعل ركن الدولة ذلك.

ودخل أبو علي الري، فكتب عماد الدولة إلى نوح سرّاً يبذل له في الري في كل سنة زيادة على ما بذله أبو علي مائة ألف دينار، ويعجل ضمان سنة، ويبذل من نفسه مساعدته على أبي علي حتى يظفر به وخوفه منه، فاستشار نوح أصحابه، وكانوا يحسدون أبا علي ويعادونه، فأشاروا عليه بإجابته؛ فأرسل نوح إلى ابن بويه من يقرر القاعدة ويقبض المال، فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل، وأرسل إلى أبي علي يعلمه خبر هذه الرسالة، وأنه مقيم على عهده ووده، وحذره من غدر الأمير نوح، فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم، وهو بالموصل، يستدعيه ليملكه البلاد، فسار إبراهيم، فلقيه أبو علي بهمذان، وساروا إلى خراسان.
وكتب عماد الدولة إلى أخيه ركن الدولة يأمره بالمبادرة إلى الري، فعاد إليه، واضطربت خراسان، ورد عماد الدولة رسول نوح بغير مال، وقال: أخاف أن أنفذ المال فيأخذه أبو علي؛ وأرسل إلى نوح يحذره من أبي علي ويعده المساعدة عليه، وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له، ويشير عليه بسرعة اللقاء، وإن نوحاً سار فالتقى هو وأبو علي بنيسابور، فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند، واستولى أبو علي بخارى، وإن أبا علي استوحش من إبراهيم فانقبض عنه.
وجمع نوح العساكر وعاد إلى بخارى، وحارب عمه إبراهيم، فلما التقى الصفان عاد جماعة من قواد إبراهيم إلى نوح، وانهزم الباقون، وأخذ إبراهيم أسيراً، فسمل هو وجماعة من أهل بيته، سلمهم نوح.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة اصطلح معز الدولة وأبو القاسم البريدي، وضمن أبو القاسم مدينة واسط وأعمالها منه.
وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة، والكلاب، والسنانير، وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله، وأكل الناس خروب الشوك فأكثروا منه، وكانوا يسلقون حبه ويأكلونه، فلحق الناس أمراض وأورام في أحشائهم، وكثر فيهم الموت، حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانت الكلاب تأكل لحومهم، وانحدر كثير من أهل بغداد إلى البصرة، فمات أكثرهم في الطريق، ومن وصل منهم مات بعد مديدة يسيرة، وبيعت الدور والعقار بالخبز، فلما دخلت الغلات انحل السعر.
وفيها توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير وله تسعون سنة، وقد تقدم من أخباره ما يدل على دينه وكفايته.
وفيها توفي أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبدالله الخرقي الفقيه الحنبلي ببغداد، وأبو بكر الشبلي الصوفي، توفي في ذي الحجة، ومحمد بن عيسى أبو عبدالله، ويعرف بابن أبي موسى الفقيه الحنفي، في ربيع الأول.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرم، استقر معز الدولة ببغداد، وأعاد المطيع لله إلى دار الخلافة، بعد أن استوثق منه، وقد تقدم ذلك مفصلاً.
وفيها اصطلح معز الدولة وناصر الدولة، وكانت الرسل تتردد بينهما بغير علم من الأتراك التوزونية، وكان ناصر الدولة نازلاً شرقي تكريت، فلما علم الأتراك بذلك ثاروا بناصر الدولة، فهرب منهم وعبر دجلة إلى الجانب الغربي، فنزل على ملهم والقرامطة، فأجاروه، وسيروه ومعه ابن شيرزاد إلى الموصل.
ذكر حرب تكين وناصر الدولةلما هرب ناصر الدولة من الأتراك، ولم يقدروا عليه، اتفقوا على تأمير تكين الشيرازي، وقبضوا على ابن قرابة، وعلى كتاب ناصر الدولة ومن تخلف من أصحابه، وقبض ناصر الدولة على ابن شيرزاد عند وصوله إلى جهينة، ولم يلبث ناصر الدولة بالموصل بل سار إلى نصيبين، ودخل تكين والأتراك إلى الموصل، وساروا في طلبه، فمضى إلى سنجار، فتبعه تكين إليها، فسار ناصر الدولة من سنجار إلى الحديثة، فتبعه تكين.
وكان ناصر الدولة قد كتب إلى معز الدولة يستصرخه، فسير الجيوش إليه فسار ناصر الدولة من الحديثة إلى السن، فاجتمع هناك بعسكر معز الدولة، وفيهم وزيره أبو جعفر الصيمري، وساروا بأسرهم إلى الحديثة لقتال تكين، فالتقوا بها، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم تكين والأتراك بعد أن كادوا يستظهرون، فلما انهزموا تبعهم العرب من أصحاب ناصر الدولة، فأدركوهم وأكثروا القتل فيهم، وأسروا تكين الشيرازي وحملوه إلى ناصر الدولة، فسلمه في الوقت فأعماه، وحمله إلى قلعة من قلاعه فسجنه بها.

وسار ناصر الدولة والصيمري إلى الموصل، فنزلوا شرقيها، وركب ناصر الدولة إلى خيمة الصيمري، فدخل إليه ثم خرج من عنده إلى الموصل، ولم يعد إليه، فحكي عن ناصر الدولة أنه قال: ندمت حين دخلت خيمته، فبادرت وخرجت.
وحكي عن الصيمري أنه قال: لما خرج ناصر الدولة من عندي ندمت حيث لم أقبض عليه؛ ثم تسلم الصيمري بن شيرزاد من ناصر الدولة ألف كر حنطة وشعيراً وغير ذلك.
ذكر استيلاء ركن الدولة على الريلما كان من عساكر خراسان ما ذكرناه من الاختلاف، وعاد أبو علي إلى خراسان، رجع ركن الدولة إلى الري واستولى عليها وعلى سائر أعمال الجبل وأزال عنها الخراسانية، وعظم ملك بني بويه، فأنهم صار بأيديهم أعمال الري، والجبل، وفارس، والأهواز، والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل، وديار بكر، وديار مضر من الجزيرة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة اختلف معز الدولة بن بويه وأبو القاسم بن البريدي والي البصرة، فأرسل معز الدولة جيشاً إلى واسط، فسير إليهم ابن البريدي جيشاً من البصرة في الماء، وعلى الظهر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب البريدي، وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة.
وفيها كان الفداء بالثغور بين المسلمين والروم على يد نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدة الأسرى ألفين وأربعمائة أسير وثمانين أسيراً من ذكر وأنثى، وفضل للروم على المسلمين مائتان وثلاثون أسيراً لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف الدولة.
وفيها، في شعبان، قبض سيف الدولة بن حمدان على أبي إسحاق محمد القراريطي، وكان استكتبه استظهاراً على أبي الفرج محمد بن علي السر من رائي، واستكتب أبا عبدالله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي.
وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن بحر أبو عبدالله الفارسي، الفقيه الشافعي، في شوال، ومحمد بن يحيى بن عبدالله بن العباس بن محمد بن صول أبو بكر الصولي، وكان عالماً بفنون الآداب والأخبار.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
ذكر استيلاء معز الدولة على البصرة
في هذه السنة سار معز الدولة ومعه المطيع لله إلى البصرة لاستنقاذها من يد أي القاسم عبدالله بن أبي عبدالله البريدي، وسلكوا البرية إليها، فأرسل القرامطة من هجر إلى معز الدولة ينكرون عليه مسيره إلى البرية بغير أمرهم، وهي لهم، فلم يجبهم عن كتابهم، وقال للرسول: قل لهم من أنتم حتى تستأمروا، وليس قصدي من أخذ البصرة غيركم، وستعلمون ما تلقون مني.
ولما وصل معز الدولة إلى الدرهمية استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي، وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، وملك معز الدولة البصرة، فانحلت الأسعار ببغداد انحلالاً كثيراً.
وسار معز الدولة من البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وأقام الخليفة وأبو جعفر الصيمري بالبصرة، وخالف كوركير، وهو من أكابر القواد، على معز الدولة، فسير إليه الصيمري، فقاتله فانهزم كوركير وأخذ أسيراً، فحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز، ولقي معز الدولة أخاه عماد الدولة بأرجان في شعبان، وقبل الأرض بين يديه، وكان يقف قائماً عنده، فيأمره بالجلوس، فلا يفعل، ثم عاد إلى بغداد، وعاد المطيع أيضاً إليها، وأظهر معز الدولة أنه يريد أن يسير إلى الموصل، فترددت الرسل بينه وبين ناصر الدولة، واستقر الصلح وحمل المال إلى معز الدولة فسكت عنه.
ذكر مخالفة محمد بن عبد الرزاق بطوسكان محمد بن عبد الرزاق بطوس وأعمالها، وهي في يده ويد نوابه، فخالف على الأمير نوح بن نصر الساماني، وكان منصور بن قراتكين، صاحب جيش خراسان، بمرو عند نوح، فوصل إليهما وشمكير منهزماً من جرجان، وقد غلبه عليها الحسن بن الفيرزان، فأمر نوح منصوراً بالمسير إلى نيسابور، ومحاربة محمد بن عبد الرزاق وأخذ ما بيده من الأعمال، ثم يسير مع وشمكير إلى جرجان، فسار منصور ووشمكير إلى نيسابور، وكان بها محمد بن عبد الرزاق، ففارقها نحو أستوا، فاتبعه منصور، فسار محمد إلى جرجان، وكاتب ركن الدولة بن بويه، واستأمن إليه، فأمره بالوصول إلى الري.

وسار منصور من نيسابور إلى طوس، وحصروا رافع بن عبد الرزاق بقلعة شميلان، فاستأمن بعض أصحاب رافع إليه، فهرب رافع من شميلان إلى حصن درك، فاستولى منصور على شميلان، وأخذ ما فيها من مال وغيره، واحتمى رافع بدرك، وبها أهله ووالدته، هي على ثلاثة فراسخ من شميلان، فأخرب منصور شميلان، وسار إلى درك فحاصرها، وحاربهم عدة أيام، فتغيرت المياه بدرك، فاستأمن محمد بن عبد الرزاق إلى منصور في جماعة من بني عمه وأهله، وعمد أخوه رافع إلى الصامت من الأموال، والجواهر، وألقاها في البسط إلى تحت القلعة، ونزل هو وجماعة فأخذوا تلك الأموال وتفرقوا في الجبال.
واحتوا منصور على ما كان في قلعة درك، وأنفذ عيال محمد بن عبد الرزاق ووالدته إلى بخارى فاعتقلوا بها، وأما محمد بن عبد الرزاق فإنه سار من جرجان إلى الري، وبها ركن الدولة بن بويه، فأكرمه ركن الدولة، وأحسن إليه، وحمل إليه شيئاً كثيراً من الأموال وغيرها، وسرحه إلى محاربة المرزبان على ما نذكره.
ذكر ولاية الحسن بن علي صقليةفي هذه السنة استعمل المنصور الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلي على جزيرة صقلية، وكان له محل كبير عند المنصور، وله أثر عظيم في قتال أبي يزيد.
وكان سبب ولايته أن المسلمين كانوا قد استضعفهم الكفار بها، أيام عطاف لعجزه وضعفه، وامتنعوا من إعطاء مال الهدنة؛ وكان بصقلية بنو الطبري من أعيان الجماعة، ولهم أتباع كثيرون، فوثبوا بعطاف أيضاً، وأعيانهم أهل المدينة عليه يوم عيد الفطر سنة خمس وثلاثين وقتلوا جماعة من رجاله، وأفلت عطاف هارباً بنفسه إلى الحصن، فأخذوا أعلامه وطبوله وانصرفوا إلى ديارهم، فأرسل أبو عطاف إلى المنصور يعلمه الحال ويطلب المدد.
فلما علم المنصور ذلك استعمل على الولاية الحسن بن علي، وأمره بالمسير، فسار في المراكب، فأرسى بمدينة مازر، فلم يلتفت إليه أحد، فبقي يومه، فأتاه في الليل جماعة من أهل أفريقية، وكتامة، وغيرهم، وذكروا أنهم خافوا الحضور عنده من ابن الطبري ومن اتفق معه من أهل البلاد، وأن علي ابن الطبري، ومحمد بن عبدون، وغيرهما قد ساروا إلى أفريقية، وأوصوا بنيهم ليمنعوه من دخول البلد، ومفارقة مراكبه إلى أن تصل كتبهم بما يلقون من المنصور، وقد مضوا يطلبون أن يولي المنصور غيره.
ثم أتاه نفر من أصحاب ابن الطبري ومن معه ليشاهدوا من معه، فرأوه في قلة، فطمعوا فيه، وخادعوه وخادعهم، ثم عادوا إلى المدينة، وقد وعدهم أنه يقيم بمكانه إلى أن يعودوا إليه، فلما فارقوه جد السير إلى المدينة قبل أن يجمعوا أصحابهم ويمنعوه، فلما انتهى إلى البيضاء أتاه حاكم البلد وأصحاب الدواوين، وكل من يريد العافية، فلقيهم وأكرمهم، وسألهم عن أحوالهم، فلما سمع إسماعيل بن الطبري بخروج هذا الجمع إليه اضطر إلى الخروج إليه، فلقيه الحسن وأكرمه وعاد إلى داره، ودخل الحسن البلد، ومال إليه كل منحرف عن بني الطبري ومن معهم.
فلما رأى ابن الطبري ذلك أمر رجلاً صقلياً، فدعا بعض عبيد الحسن وكان موصوفاً بالشجاعة، فلما دخل بيته خرج الرجل يستغيث ويصيح ويقول: إن هذا دخل بيتي، وأخذ امرأتي بحضرتي غصباً، فاجتمع أهل البلد لذلك، وحركهم ابن الطبري وخوفهم وقال: هذا فعلهم؛ ولم يتمكنوا من البلد، وأمر الناس بالحضور عند الحسن ظناً منه أنه لا يعاقب مملوكه، فيثور الناس به، فيخرجونه من البلد.
فلما اجتمع الناس، وذلك الرجل يصيح ويستغيث، أحضره الحسن عنده، وسأله عن حاله، فحلفه بالله تعالى على ما يقول، فحلف، فأمر بقتل الغلام، فقتل، فسر أهل البلد وقالوا: الآن طابت نفوسنا، وعلمنا أن بلدنا يتعمر، ويظهر فيه العدل؛ فانعكس الأمر على ابن الطبري، وأقام الحسن وهو خائف منهم.

ثم إن المنصور أرسل إلى الحسن يعرفه أنه قبض على علي بن الطبري، وعلى محمد بن عبدون، ومحمد بن جنا، ومن معهم، ويأمره بالقبض على إسماعيل بن الطبري، ورجاء بن جنا ومحمد.. ومخلفي الجماعة المقبوضين، فاستعظم الأمر، ثم أرسل إلى ابن الطبري يقول له: كنت قد وعدتني أن نتفرج في البستان الذي لك، فتحضر لنمضي إليه؛ وأرسل إلى الجماعة على لسان ابن الطبري يقول: تحضرون لنمضي مع الأمير إلى البستان، فحضروا عنده، وجعل يحادثهم ويطول إلى أن أمسوا، فقال: قد فات الليل، وتكونون أضيافنا؛ فأرسل إلى أصحابهم يقول: إنهم الليلة في ضيافة الأمير، فتعودون إلى بيوتهم إلى الغد؛ فمضى أصحابهم، فقبض عليهم، وأخذ جميع أموالهم، وكثر جمعه، واتفق الناس عليه وقويت نفوسهم، فلما رأى الروم ذلك أحضر الراهب مال الهدنة لثلاث سنين.
ثم إن ملك الروم أرسل بطريقاً في البحر، في جيش كثير، إلى صقلية، واجتمع هو والسردغوس، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فأرسل إليه أسطولاً فيه سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل، سوى البحرية، وجمع الحسن إليهم جمعاً كثيراً، وسار في البر والبحر، فوصل إلى مسيني، وعدت العساكر الإسلامية، إلى ريو، وبث الحسن السرايا في أرض قلورية، ونزل الحسن على جراجة وحاصرها أشد حصار، وأشرفوا على الهلاك من شدة العطش، فوصلهم الخبر أن الروم قد زحفوا إليه، فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم، وسار إلى لقاء الروم، ففروا من غير حرب إلى مدينة بارة، ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه إلى قلورية وأقام عليها شهراً، فسألوه الصلح، فصالحهم على مال أخذه منهم.
ودخل الشتاء، فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى الأسطول بها، فأرسل المنصور يأمره بالرجوع إلى قلورية، فسار الحسن، وعدا المجاز إلى جراجة، فالتقى المسلمون والسردغوس ومعه الروم يوم عرفه سنة أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزمت الروم، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وأكثروا القتل فيهم، وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين فقصد الحسن جراجة فحصرها، فأرسل إليه قسطنطين ملك الروم يطلب منه الهدنة، فهادنه، وعاد الحسن إلى ريو وبنى بها مسجداً كبيراً في وسط المدينة، وبنى في أحد أركانه مأذنة، وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين فهو آمن سواء كان مرتداً أو مقيماً على دينه، وإن أخرجوا حجراً منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وإفريقية، فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغاراً، وبقي الحسن بصقلية إلى أن توفي المنصور وملك المعز، فسار إليه وكان ما نذكره.
ذكر عصيان جمان بالرحبة وما كان منهكان جمان هذا من أصحاب توزون، وصار في جمة ناصر الدولة بن حمدان، فلما كان ناصر الدولة ببغداد، في الجانب الشرقي، وهو يحارب معز الدولة ضم ناصر الدولة جميع الديلم الذين معه إلى جمان لقلة ثقته بهم، وقلده الرحبة وأخرجه إليها، فعظم أمره هناك، وقصده الرجال، فأظهر العصيان على ناصر الدولة، وعزم على التغلب على الرقة وديار مضر، فسار إلى الرقة فحصرها سبعة عشر يوماً، فحاربه أهلها وهزموه، ووثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله، فقتلوهم لشدة ظلمهم، وسوء معاملتهم.
فلما عاد من الرقة وضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة، فأرسل إليه ناصر الدولة حاجبه ياروخ في جيش، فاقتتلوا على شاطئ الفرات، فانهزم جمان، فوقع في الفرات فغرق، واستأمن أصحابه إلى ياروخ، وأخرج جمان من الماء فدفن مكانه.
ذكر ملك ركن الدولة طبرستان وجرجانوفيها، في ربيع الأول، اجتمع ركن الدولة بن بويه، والحسن بن الفيرزان، وقصدا بلاد وشمكير، فالتقاهما وشمكير وانهزم منهما، وملك ركن الدولة طبرستان، وسار منها إلى جرجان فملكها، واستأمن من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائداً، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان مستجيراً ومستنجداً لإعادة بلاده، فكان ما نذكره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في صفر، ظهر كوكب له ذنب طوله نحو ذراعين في المشرق، وبقي نحو عشرة أيام واضمحل.

وفيها مات سلامة الطولوني الذي كان حاجب الخلفاء، فأخذ ماله وعياله، وسار إلى الشام أيام المستكفي، فمات هناك، ولما سار عن بغداد أخذ ماله في الطريق ومات هو الآن، فذهبت نعمته ونفسه حيث ظن السلامة، ولقد أحسن القائل حيث يقول:
وإذا خشيت من الأمور مقدّراً ... فهربت منه، فنحوه تتقدّم
وفيها توفي محمد بن أحمد بن حماد أبو العباس الأثرم المقرئ.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر ملك معز الدولة الموصل
وعوده عنها
في هذه السنة سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل قاصداً لناصر الدولة، فلما سمع ناصر الدولة بذلك سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل معز الدولة فملك الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر الدعاء عليه.
وأراد معز الدولة أن يملك جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان والري، ويستمده ويطلب منه العساكر، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسل بينهما في ذلك، واستقر الصلح بينهما على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة كلها، والشام، كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، ويخطب في بلاده لعماد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة بني بويه، فلما استقر الصلح عاد معز الدولة إلى بغداد فدخلها في ذي الحجة من السنة.
ذكر مسير عسكر خراسان إلى جرجانفي هذه السنة سار منصور بن قراتكين في جيوش خراسان إلى جرجان، صحبة وشمكير، وبها الحسن بن الفيرزان، وكان منصور منحرفاً عن وشمكير في السير، فتساهل لذلك مع الحسن، وصالحه وأخذ ابنه رهينة.
ثم بلغ منصوراً أن الأمير نوحاً اتصل بابنة ختكين، مولى قراتكين، وهو صاحب بست والرخج، فساء ذلك منصوراً وأقلقه، وكان نوح قد زوج قبل ذلك بنتاً لمنصور من بعض مواليه، اسمه فتكين، فقال منصور: يتزوج الأمير بابنة مولاي، وتزوج ابنتي من مولاه ؟ فحمله ذلك على مصالحة الحسن بن الفيرزان وأعاد عليه ابنه، وعاد عنه إلى نيسابور، وأقام الحسن بزوزن، وبقي وشمكير بجرجان.
ذكر مسير المرزبان إلى الريفي هذه السنة سار المرزبان محمد بن مسافر، صاحب أذربيجان، إلى الري.
وسبب ذلك أنه بلغه خروج عساكر خراسان إلى الري، وأن ذلك يشغل ركن الدولة عنه، ثم إنه كان أرسل رسولاً إلى معز الدولة، فحلق معز الدولة لحيته، وسبه وسب صاحبه، وكان سفيهاً، فعظم ذلك على المرزبان، وأخذ في جميع العساكر، واستأمن إليه بعض قواد ركن الدولة، وأطمعه في الري، وأخبره أن من وراءه من القواد يريدونه، فطمع لذلك، فراسله ناصر الدولة يعد المساعدة، ويشير عليه أن يبتدئ ببغداد، فخالفه، ثم أحضر أباه وأخاه وهسوذان، واستشارهما في ذلك، فنهاه أبوه عن قصد الري، فلم يقبل، فلما ودعه بكى أبوه وقال: يا بني أين أطلبك بعد يومي هذا ؟ قال: إما في دار الإمارة بالري، وإما بين القتلى.
فلما عرف ركن الدولة خبره كتب إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة يستمدهما، فسير عماد الدولة ألفي فارس، وسير إليه معز الدولة جيشاً مع سبكتكين التركي، وأنفذ عهداً من المطيع لله لركن الدولة بخراسان، فلما صاروا بالدينور خالف الديلم على سبكتكين، وكبسوه ليلاً، فركب فرس النوبة ونجا، واجتمع الأتراك عليه، فعلم الديلم أنهم لا قوة لهم به، فعادوا إليه وتضرعوا، فقبل عذرهم.
وكان ركن الدولة قد شرع مع المرزبان في المخادعة، وإعمال الحيلة، فكتب إليه يتواضع له ويعظمه، ويسأله أن ينصرف عنه على شرط أن يسلم إليه ركن الدولة زنجان، وأبهر، وقزوين، وترددت الرسل في ذلك إلى أن وصله المدد من عماد الدولة ومعز الدولة، وأحضر معه محمد بن عبد الرزاق، وأنفذ له الحسن بن الفيرزان عسكراً مع محمد بن ما كان، فلما كثر جمعه قبض على جماعة ممن كان يتهمهم من قواده وسار إلى قزوين، فعلم المرزبان عجزه عنه، وأنف من الرجوع، فالتقيا، فانهزم عسكر المرزبان، وأخذ أسيراً، وحمل إلى سميرم فحبس بها، وعاد ركن الدولة، ونزل محمد بن عبد الرزاق بنواحي أذربيجان.

وأما أصحاب المرزبان فإنهم اجتمعوا على أبيه محمد بن مسافر، وولوه أمرهم، فهرب منه ابنه وهسوذان إلى حصن له، فأساء محمد السيرة مع العسكر، فأرادوا قتله، فهرب إلى ابنه وهسوذان، فقبض عليه، وضيق عليه حتى مات، ثم تحير وهسوذان في أمره، فاستدعى ديسم الكردي لطاعة الأكراد له، وقواه، وسيره إلى محمد بن عبد الرزاق، فالتقيا، فانهزم ديسم، وقوي ابن عبد الرزاق فأقام بنواحي أذربيجان يجبي أموالها ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الأمير نوحاً، وأهدى له هدية، وسأله الصفح، فقبل عذره، وكاتب وشمكير بمهادنته، فهادنه، ثم عاد محمد إلى طوس سنة تسع وثلاثين لما خرج منصور إلى الري.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم، فلقيه الروم، واقتتلوا، فانهزم سيف الدولة، وأخذ الروم مرعش، وأوقعوا بأهل طرسوس. وفيها قبض معز الدولة على أسفهدوست وهو خال معز الدولة، وكان من أكابر قواده، وأقر الناس إليه. وكان سبب ذلك أنه كان يكثر الدالة عليه، ويعيبه في كثير من أفعاله، ونقل عنه أنه كان يراسل المطيع لله في قتل معز الدولة، فقبض عليه، وسيره إلى رامهرمز فسجنه بها.
وفيها استأمن أبو القاسم البريدي إلى معز الدولة، وقدم بغداد فلقي معز الدولة، فأحسن إليه وأقطعه.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة
ذكر حال عمران بن شاهين
في هذه السنة استفحل أمر عمران بن شاهين، وقوي شأنه، وكان ابتداء حاله أنه من أهل الجامدة، فجبى جبايات، فهر إلى البطيحة خوفاً من السلطان، وأقام بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء قوتاً، ثم صار يقطع الطريق على من يسلك البطيحة، واجتمع إليه جماعة من الصيادين، وجماعة من اللصوص، فقوي بهم، وحمى جانبه من السلطان، فلما خاف أن يقصد استأمن إلى أبي القاسم البريدي، فقلده حماية الجامدة ونواحي البطائح، وما زال يجمعه الرجال إلى أن كثر أصحابه، وقوي واستعد بالسلاح، واتخذ معاقل على التلول التي بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي.
فلما اشتد أمره سير معز الدولة إلى محاربته وزيره أبا جعفر الصيمري، فسار إليه في الجيوش، وحاربه مرة بعد مرة، واستأسر أهله وعياله، وهرب عمران بن شاهين واستتر، وأشرف على الهلاك.
فاتفق أن عماد الدولة بن بويه مات، واضطرب جيشه بفارس، فكتب معز الدولة إلى الصيمري بالمبادرة إلى شيراز لإصلاح الأمور بها، فترك عمران وسار إلى شيراز، على ما نذكره في موت عماد الدولة، فلما سار الصيمري عن البطائح ظهر عمران بن شاهين من استتاره، وعاد إلى أمره، وجمع من تفرق عنه من أصحابه، وقوي أمره، وسنذكر من أخباره فيما بعد ما تدعو الحاجة إليه.
ذكر موت عماد الدولة بن بويهفي هذه السنة مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز في جمادى الآخرة، وكانت علته التي مات بها قرحة في كليته طالت به، وتوالت عليه الأسقام والأمراض، فلما أحس بالموت أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ينفذ إليه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله ولي عهده، ووارث مملكته بفارس، لأن عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذ ركن الدولة ولده عضد الدولة، فوصل في حياة عمه قبل موته بسنة، وسار في جملة ثقات أصحاب ركن الدولة، فخرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عسكره، وأجلسه في داره على السرير، ووقف هو بين يديه، وأمر الناس بالسلام على عضد الدولة والانقياد له، وكان يوماً عظيماً مشهوداً.
وكان في قواد عماد الدولة جماعة من الأكابر يخافهم، ويعرفهم بطلب الرئاسة، وكانوا يرون أنفسهم أكبر منه نفساً وبيتاً، وأحق بالتقدم، وكان يداريهم، فلما جعل ولد أخيه في الملك خافهم عليه، فأفناهم بالقبض، وكان منهم قائد كبير يقال له شيرنحين، فقبض عليه، فشفع فيه أصحابه وقواده، فقال لهم: أني أحدثكم عنه بحديث فإنه رأيتم أن أطلقه فعلت؛ فحدثهم أنه كان في خراسان في خدمة نصر بن أحمد، ونحن شرذمة قليلة من الديلم، ومعنا هذا، فجلس يوماً نصر وفي خدمته من مماليكه ومماليك أبيه بضعة عشر ألفاً سوى سائر العسكر، فرأيت شيرنحين هذا قد جرد سكيناً معه ولفه في كسائه، فقلت: ما هذا ؟ فقال: أريد أن أقتل هذا الصبي، يعني نصراً، ولا أبالي بالقتل بعده، فإني قد أنفت نفسي من القيام في خدمته.

وكان عمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سنة، وقد خرجت لحيته، فعلمت أنه إذا فعل ذلك لم يقتل وحده بل نقتل كلنا، فأخذت بيده وقلت له: بيني وبينك حديث؛ فمضيت به إلى ناحية، وجمعت الديلم، وحدثتم حديثه، فأخذوا منه السكين، فتريدون مني بعد أن سمعتم حديثه في معنى نصر أن أمكنه من الوقوف بين يدي هذا الصبي، يعني ابن أخي ؟ فأمسكوا عنه، وبقي محبوساً حتى مات في محبسه.
ومات عماد الدولة وبقي عضد الدولة بفارس، فاختلف أصحابه، فكتب معز الدولة إلى وزيره الصيمري بالمسير إلى شيراز، وترك محاربة عمران بن شاهين، فسار إلى فارس، ووصل ركن الدولة أيضاً، واتفقا على تقرير قاعدة عضد الدولة، وكان ركن الدولة قد استخلف على الري علي بن كامة، وهو من أعيان أصحابه، ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه بإصطخر، فمشى حافياً حاسراً ومعه العساكر على حاله، ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد الأكابر ليرجع إلى المدينة، فرجع إليها، وأقام تسعة أشهر، وأنفذ إلى أخيه معز الدولة شيئاً كثيراً من المال والسلاح وغير ذلك.
وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء؛ وكان معز الدولة هو المستولي على العراق والخلافة، وهو كالنائب عنهما؛ وكان عماد الدولة كريماً حليماً عاقلاً حسن السياسة للملك والرعية، وقد تقدم من أخباره ما يدل على عقله وسياسته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، قلد أبو السائب عتبة بن عبدالله قضاء القضاة ببغداد.
وفيها، في ربيع الآخر، مات المستكفي بالله في دار السلطان، وكانت علته نفث الدم.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر موت الصيمري ووزارة المهلبي
في هذه السنة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري، وزير معز الدولة بأعمال الجامدة، وكان قد عاد من فارس إليها، وأقام يحاصر عمران ابن شاهين، فأخذته حمى حادة مات منها.
واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي في جمادى الأولى وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة، فعرف أحوال الدولة والدواوين، فامتحنه معز الدولة، فرأى فيه ما يريده من الأمانة، والكفاية، والمعرفة بمصالح الدولة، وحسن السيرة، فاستوزره، ومكنه من وزارته فأحسن السيرة، وأزال كثيراً من المظالم، خصوصاً بالبصرة، فإن البريديين كانوا قد أظهروا فيها كثيراً من المظالم، فأزالها، وقرب أهل العلم والأدب، وأحسن إليهم، وتنقل في البلاد لكشف ما فيها من المظالم، وتخليص الأموال، فحسن أثره، رحمه الله تعالى.
ذكر غزو سيف الدولة بلاد الرومفي هذه السنة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم، فغزا، وأوغل فيها، وفتح حصوناً كثيراً، وسبى وغنم، فلما أراد الخروج من بلد الروم أخذوا عليه المضايق فهلك من كان معه من المسلمين أسراً وقتلاً، واسترد الروم الغنائم والسبي، وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم، ونجا سيف الدولة في عدد يسير.
ذكر إعادة القرامطة الحجر الأسودفي هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وقالوا: أخذناه بأمر، وأعدناه بأمر.
وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، وردوه الآن بغير شيء في ذي القعدة، فلما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، وعلقه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، وكانوا أخذوه من ركن البيت الحرام سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة.
ذكر مسير الخراسانيين إلى الريفي هذه السنة سار منصور بن قراتكين من نيسابور إلى الري في صفر، أمره الأمير نوح بذلك، وكان ركن الدولة ببلاد فارس على ما ذكرناه، فوصل منصور إلى الري وبها علي بن كامة، خليفة ركن الدولة، فسار علي عنها إلى أصبهان، ودخل منصور الري واستولى عليها، وفرق العساكر في البلاد، فملكوا بلاد الجبل إلى قرميسين، وأزالوا عنها نواب ركن الدولة، واستولوا على همذان وغيرها.

فبلغ الخبر إلى ركن الدولة، وهو بفارس، فكتب إلى أخيه معز الدولة يأمره بإنفاذ عسكر يدفع تلك العساكر عن النواحي المجاورة للعراق، فسير سبكتكين الحاجب في عسكر ضخم من الأتراك، والديلم، والعرب، فلما سار سبكتكين عن بغداد خلف أثقاله، وأسرى جريدة إلى من بقرميسين من الخراسانيين، فكبسهم وهم غارون، فقتل فيهم، وأسر مقدمهم من الحمام واسمه بجكم الخمارتكيني، فأنفذه مع الأسرى إلى معز الدولة، فحبسه مدة ثم أطلقه. فلما بلغ الخراسانية ذلك اجتمعوا إلى همذان، فسار سبكتكين نحوهم، ففارقوا همذان ولم يحاربوه، ودخل سبكتكين همذان، وأقام بها إلى أن ورد عليه ركن الدولة في شوال.
وسار منصور من الري في العساكر نحو همذان، وبها ركن الدولة، فلما بقي بينهما مقدار عشرين فرسخاً عدل منصور إلى أصبهان، ولو قصد همذان لانحاز ركن الدولة عنه، وكان ملك البلاد بسبب اختلاف كان في عسكر ركن الدولة، ولكنه عدل عنه لأمر يريده الله تعالى، وتقدم ركن الدولة إلى سبكتكين بالمسير في مقدمته، فلما أراد المسير شغب عليه بعض الأتراك مرة بعد أخرى، فقال ركن الدولة: هؤلاء أعداؤنا، ومعنا، والرأي أن نبدأ بهم؛ فواقعهم واقتتلوا، فانهزم الأتراك.
وبلغ الخبر إلى معز الدولة، فكتب إلى ابن أبي الشوك الكردي وغيره يأمرهم بطلبهم والإيقاع بهم، فطلبوهم، وأسروا منهم وقتلوا، ومضى من سلم منهم إلى الموصل، وسار ركن الدولة نحو أصبهان، ووصل ابن قراتكين إلى أصبهان، فانتقل من كان بها من أصحاب ركن الدولة، وأهله وأسبابه، وركبوا الصعب والذلول، حتى البقر والحمير، وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان مائة درهم، وهي على تسعة فراسخ من أصبهان، فلم يمكنهم مجاورة ذلك الموضع، ولو سار إليهم منصور لغنمهم، وأخذ ما معهم، وملك ما وراءهم، إلا أنه دخل أصبهان وأقام بها.
ووصل ركن الدولة، فنزل بخان لنجان، وجرت بينهما حروب عدة أيام، وضاقت الميرة على الطائفتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، ولكنه تعذر عليه ذلك، واستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا الله تعالى، فانو للمسلمين خيراً، وصمم العزم على حسن السيرة، والإحسان إليهم، فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا، وأن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا، فلا يفلت منا أحد؛ فقال له: قد سبقتك إلى هذا.
فلما كان الثلث الأخير من الليل أتاهم الخبر أن منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً، إلا أن الديلم كانوا يصبرون، ويقنعون بالقليل من الطعام، وإذا ذبحوا دابة أو جملاً اقتسمه الخلق الكثير منهم، وكان الخراسانية بالضد منهم لا يصبرون، ولا يكفيهم القليل، فشغبوا على منصور، واختلفوا، وعادوا إلى الري، فكان عودهم في المحرم سنة أربعين، فأتى الخبر ركن الدولة فلم يصدقه حتى تواتر عنده، فركب هو وعسكره، واحتوى على ما خلفه ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:16 am

ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة
ذكر وفاة منصور بن قراتكين
وأبي المظفر بن محتاج
في هذه السنة مات منصور بن قراتكين، صاحب الجيوش الخراسانية، في شهر ربيع الأول، بعد عوده من أصبهان إلى الري، فذكر العراقيون أنه أدمن الشرب عدة أيام بلياليها، فمات فجأةً، وقال الخراسانيون إنه مرض ومات، والله أعلم.
ولما مات رجعت العساكر الخراسانية إلى نيسابور، وحمل تابوت منصور، ودفن إلى جانب والده باسبيجاب.
ومن عجيب ما يحكى أن منصوراً لما سار من نيسابور إلى الري سير غلاماً له إلى اسبيجاب ليقيم في رباط والده قراتكين الذي فيه قبره، فلما ودعه قال. كأنك بي قد حملت في تابوت إلى تلك البرية؛ فكان كما قال بعد قليل، مات وحمل تابوته إلى ذلك الرباط، ودفن عند قبر والده.
وفيها توفي أبو المظفر بن أبي علي بن محتاج ببخارى، كان قد ركب دابة أنفذها إليه أبوه، فألقته وسقطت عليه فهشمته، ومات من يومه، وذلك في ربيع الأول، وعظم موته على الناس كافة، وشق موته على الأمير نوح، وحمل إلى الصغانيان إلى والده أبي علي وكان مقيماً بها.
ذكر عود أبي علي إلى خراسانوفي هذه السنة أعيد أبو علي بن محتاج إلى قيادة الجيوش بخراسان، وأمر بالعود إلى نيسابور.

وكان سبب ذلك أن منصور بن قراتكين كان قد تأذى بالجند، واستصعب إيالتهم، وكانوا قد استبدوا بالأمور دونه، وعاثوا في نواحي نيسابور، فتواترت كتبه إلى الأمير نوح بالاستعفاء من ولايتهم، ويطلب أن يقتصر به على هراة، ويولى ما بيده من أراد نوح، فكان نوح يرسل إلى أبي علي يعده بإعادته إلى مرتبته، فلما توفي منصور أرسل الأمير نوح إلى أبي علي الخلع واللواء وأمره بالمسير إلى نيسابور، وأقطعه الري وأمره بالمسير إليها، فسار عن الصغانيان في شهر رمضان، واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ووصل إلى مرو وأقام بها إلى أن أصلح أمر خوارزم، وكانت شاغرة، وسار إلى نيسابور، فوردها في ذي الحجة فأقام بها.
ذكر الحرب بصقلية بين المسلمين والرومكان المنصور العلوي، صاحب إفريقية، قد استعمل على صقلية، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، فدخلها واستقر بها كما ذكرناه، وغزا الروم الذين بها عدة غزوات، فاستمدوا ملك قسطنطينية فسير إليهم جيشاً كثيراً، فنزلوا أذرنت، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فسير إليه جيشاً كثيفاً مع خادمه فرح، فجمع الحسن جنده مع الواصلين وسار إلى ريو، وبث السرايا في أرض قلورية، وحاصر الحسن جراجة أشد حصار، فأشرف أهلها على الهلاك من شدة العطش، ولم يبق إلا أخذها، فأتاه الخبر أن عسكر الروم واصل إليه، فهادن أهل جراجة على مال يؤدونه، وسار إلى الروم، فلما سمعوا بقربه منهم انهزموا بغير قتال، وتركوا أذرنت.
ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه تنهب، فصالحه أهل قسانة على مالٍ، ولم يزل كذلك إلى شهر ذي الحجة، وكان المصاف بين المسلمين وعسكر قسطنطينية ومن معه من الروم الذين بصقلية، ليلة الأضحى، واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم الروم، وركبهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، وغنموا جميع أثقالهم، وسلاحهم، ودوابهم، وسير الرؤوس إلى مدائن صقلية، وإفريقية، وحصر الحسن جراجة، فصالحوه على مال يحملونه، ورجع عنهم، وسير سرية إلى مدينة بطرقوقة، ففتحوها، وغنموا ما فيها، ولم يزل الحسن بجزيرة صقلية إلى سنة إحدى وأربعين، فمات المنصور، فسار عنها إلى إفريقية، واتصل بالمعز بن المنصور، واستخلف على صقلية ابنه أبا الحسين أحمد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة رفع إلى المهلبي أن رجلاً يعرف بالبصري مات ببغداد، وهم مقدم القراقرية، يدعي أن روح أبي جعفر محمد بن علي بن أبي القراقر قد حلت فيه، وأنه خلف مالاً كثيراً كان يجيبه من هذه الطائفة، وأن له أصحاباً يعتقدون ربوبيته، وأن أرواح الأنبياء والصديقين حلت فيهم، فأمر بالختم على التركة، والقبض على أصحابه، والذي قام بأمرهم بعده، فلم يجد إلا مالاً يسيراً، ورأى دفاتر فيها أشياء من مذاهبهم.
وكان فيهم غلام شاب يدعي أن روح علي بن أبي طالب حلت فيه، وامرأة يقال لها فاطمة تدعي أن روح فاطمة حلت فيها، وخادم لبني بسطام يدعي أنه ميكائيل، فأمر بهم المهلبي فضربوا ونالهم مكروه، ثم إنهم توصلوا بمن ألقى إلى معز الدولة أنهم من شيعة علي بن أبي طالب، فأمر بإطلاقهم، وخاف المهلبي أن يقيم على تشدده في أمرهم فينسب إلى ترك التشيع، فسكت عنهم.
وفي هذه السنة توفي عبدالله بن الحسين بن لال أبو الحسن الكرخي الفقيه الحنفي المشهور، في شعبان، ومولده سنة ستين ومائتين، وكان عابداً معتزلياً.
وفيها توفي أبو جعفر الفقيه ببخارى.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة
ذكر حصار البصرة
في هذه السنة سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان، في البحر والبر إلى البصرة فحصرها.
وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة، وأرسل القرامطة ينكرون عليه ذلك، وأجابهم بما ذكرناه، علم يوسف بن وجيه استيحاشهم من معز الدولة، فكتب إليهم يطمعهم في البصرة، وطلب منهم أن يمدوه من ناحية البر، فأمدوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر، فبلغ الخبر إلى الوزير المهلبي وقد فرغ من الأهواز والنظر فيها، فسار مجداً في العساكر إلى البصرة، فدخلها قبل وصول يوسف إليها، وشحنها بالرجال، وأمده معز الدولة بالعساكر وما يحتاج إليه، وتحارب هو وابن وجيه أياماً، ثم انهزم ابن وجيه، وظفر المهلبي بمراكبه وما معه من سلاح وغيره.
ذكر وفاة المنصور العلوي

وملك ولده المعز
في هذه السنة توفي المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن عبيدالله المهدي، سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوماً وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة، وكان خطيباً بليغاً، يخترع الخطبة لوقته، وأحواله مع أبي يزيد الخارجي وغيره تدل على شجاعة وعقل.
وكان سبب وفاته أنه خرج إلى سفاقس وتونس ثم إلى قابس، وأرسل إلى أهل جزيرة جربة يدعوهم إلى طاعته، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ منهم رجالاً معه وعاد، وكانت سفرته شهراً، وعهد إلى ابنه معد بولاية العهد، فلما كان رمضان خرج متنزهاً أيضاً إلى مدينة جلولاء، وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يرى مثله في عظمه، يكون شيء يحمل الجمل منه أربع أترجات، فحمل منه إلى قصره.
وكان للمنصور جارية حظية عنده، فلما رأته استحسنته، وسألت المنصور أن تراه في أغصانه، فأجابها إلى ذلك ورحل إليها في خاصته، وأقام بها أياماً، ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه في الطريق ريح شديدة وبرد ومطر، ودام عليه فصبر وتجلد، وكثر الثلج، فمات جماعة من الذين معه، واعتل المنصور علة شديدة، لأنه لما وصل إلى المنصورية أراد دخول الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل منه، ودخل الحمام، ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالج المرض، والسهر باقٍ بحاله، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض الخدم: أما في القيروان طبيب غير إسحاق يخلصني من هذا الأمر ؟ قال: ها هنا شاب قد نشأ الآن اسمه إبراهيم؛ فأمر بإحضاره، وشكا إليه ما يجده من السهر، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار، وكلفه شمها، فلما أدمن شمها نام.
وخرج إبراهيم وهو مسرور بما فعل، وبقي المنصور نائماً، فجاء إسحاق فطلب الدخول عليه، فقيل: هو نائم؛ فقال: إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات؛ فدخلوا عليه فوجدوه ميتاً، فدفن في قصره، وأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ما له ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرفتموه، وذلك أنني كنت في معالجته أنظر في تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بالأشياء المطفئة لها علمت أنه قد مات.
ولما مات ولي الأمر بعده ابنه معد، وهو المعز لدين الله، وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة، فأذن للناس فدخلوا عليه، وجلس لهم، فسلموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعاً وعشرين سنة.
فلما دخلت سنة ست وأربعين صعد جبل أوراس، وجال فيه عسكره، وهو ملجأ كل منافق على الملوك، وكان فيه بنو كملان، ومليلة، وقبيلتان من هوارة، لم يدخلوا في طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وأمر نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم أحد إلا أتاه، وأحسن إليهم المعز، وعظم أمره، ومن جملة من استأمن إليه محمد بن خزر الزناتي، أخو معبد، فأمنه المعز وأحسن إليه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الأول، ضرب معز الدولة وزيره أبا محمد المهلبي بالمقارع مائة وخمسين مقرعة، ووكل به في داره، ولم يعزله من وزارته، وكان نقم عليه أموراً ضربه بسببها.
وفيها، في ربيع الآخر، وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء، فاحترق فيه للناس ما لا يحصى.
وفي هذه السنة ملك الروم مدينة سروج، وسبوا أهلها، وغنموا أموالهم وأخربوا المساجد.
وفيها سار ركن الدولة من الري إلى طبرستان وجرجان، فسار عنها إلى ناحية نسا، وأقام بها، واستولى ركن الدولة على تلك البلاد، وعاد عنها إلى الري، واستخلف بجرجان الحسن بن فيرزان وعلي بن كامة، فلما رجع ركن الدولة عنها قصدها وشمكير، فانهزموا منه، واستردها وشمكير.
وفيها ولد أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وهو فخر الدولة.
وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار النحوي المحدث، وهو من أصحاب المبرد، وكان مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، وكان مكثراً من الحديث.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
ذكر هرب ديسم عن أذربيجان
في هذه السنة هرب ديسم بن إبراهيم أبو سالم عن أذربيجان، وكنا قد ذكرنا استيلاءه عليها.

وأما سبب هربه عنها فإنه كان ركن الدولة بن بويه قد قبض على بعض قواده، واسمه علي بن ميسكي، فأفلت من الحبس وقصد الجبل، وجمع جمعاً وسار إلى وهسوذان أخي المرزبان، فاتفق معه وتساعدا على ديسم.
ثم إن المرزبان استولى على قلعة سميرم على ما نذكره، ووصلت كتبه إلى أخيه وعلي بن ميسكي بخلاصه، وكاتب الديلم واستمالهم، ولم يعلم ديسم بخلاصه، إنما كان يظن أن وهسوذان وعلي بن ميسكي يقاتلانه.
وكان له وزير يعرف بأبي عبدالله النعيمي، فشره إلى ماله وقبض عليه، واستكتب إنساناً كان يكتب للنعيمي، فاحتال النعيمي بأن أجابه إلى كل ما التمس منه، وضمن منه ذلك الكاتب بمال، فأطلقه ديسم، وسلم إليه كاتبه وأعاده إلى حاله.
ثم سار ديسم وخلفه بأردبيل ليحصل المال الذي بذله، فقتل النعيمي ذلك الكاتب وهرب بما معه من المال إلى علي بن ميسكي، فبلغ الخبر ديسم بقرب زنجان، فعاد إلى أردبيل، فشغب الديلم عليه، ففرق فيهم ما كان له من مال، وأتاه الخبر بمسير علي بن ميسكي إلى أردبيل في عدة يسيرة، فسار نحوه، والتقيا واقتتلا، فانحاز الديلم إلى علي، وانهزم ديسم إلى أرمينية في نفر من الأكراد، فحمل إليه ملوكها ما تماسك به.
وورد عليه الخبر بمسير المرزبان عن قلعة سميرم إلى أردبيل، واستيلاء على أذربيجان، وإنفاذه جيشاً نحوه، فلم يمكنه المقام، فهرب عن أرمينية إلى بغداد، فكان وصوله هذه السنة، فلقيه معز الدولة، وأكرمه، وأحسن إليه، فأقام عنده في أرغد عيش.
ثم كاتبه أهله وأصحابه بأذربيجان يستدعونه، فرحل عن بغداد سنة ثلاث وأربعين وطلب من معز الدولة أن ينجده بعسكر، فلم يفعل لأن المرزبان كان قد صالح ركن الدولة وصاهره، فلم يمكن معز الدولة مخالفة ركن الدولة، فسار ديسم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل يستنجده، فلم ينجده، فسار إلى سيف الدولة بالشام، وأقام عنده إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
واتفق أن المرزبان خرج عليه جمع بباب الأبواب، فسار إليهم، فأرسل مقدم من أكراد أذربيجان إلى ديسم يستدعيه إلى أذربيجان ليعاضده على ملكها، فسار إليها، وملك مدينة سلماس، فأرسل إليه المرزبان قائداً من قواده، فقاتله، فاستأمن أصحاب القائد إلى ديسم، فعاد القائد منهزماً، وبقي ديسم بسلماس.
فلما فرغ المرزبان من أمر الخوارج عليه عاد إلى أذربيجان، فلما قرب من ديسم فارق سلماس وسار إلى أرمينية وقصد ابن الديراني وابن حاجيق لثقته بهما، فكتب المرزبان إلى ابن الديراني يأمره بالقبض على ديسم، فدافعه، ثم قبض عليه خوفاً من المرزبان، فلما قبض عليه أمره المرزبان بأن يحمله إليه، فدافعه ثم اضطر إلى تسليمه، فلما تسلمه المرزبان سلمه وأعماه، ثم حبسه، فلما توفي المرزبان قتل ديسم بعض أصحاب المرزبان خوفاً من عائلته.
ذكر استيلاء المرزبان على سميرمقد ذكرنا أسر المرزبان وحبسه بسميرم؛ وأما سبب خلاصه فإن والدته، وهي ابنة جستان بن وهسوذان الملك، وضعت جماعة للسعي في خلاصه، فقصدوا سميرم، وأظهروا أنهم تجار، وأن المرزبان قد أخذ منهم أمتعة نفيسة ولم يوصل ثمنها إليهم، واجتمعوا بمتولي سميرم، ويعرف ببشير أسفار، وعرفوه ما ظلمهم به المرزبان، وسألوه أن يجمع بينهم ليحاسبوه وليأخذوا خطه إلى والدته بإيصال مالهم إليهم، فرق لهم بشير أسفار، وجمع بينهم، فطالبوه بمالهم، فأنكر المرزبان ذلك، فغمزه أحدهم، ففطن لهم واعترف لهم، وقال: حتى أتذكر مالكم، فإنني لا أعرف مقداره؛ فأقاموا هناك، وبذلوا الأموال لبشير أسفار والأجناد، وضمنوا لهم الأموال الجليلة إذا خلص مالهم عند المرزبان، فصاروا لذلك يدخلون الحصن بغير إذن، وكثر اجتماعهم بالمرزبان وأوصلوا إليه أموالاً من عند والته، وأخذوا منه ما عنده من الأموال.
وكان لبشير أسفار غلام أمرد، جميل الوجه، يحمل ترسه وزوبينه، فأظهر المرزبان لذلك الغلام محبة شديدة وعشقاً، وأعطاه مالاً كثيراً مما جاءه من والدته، فواطأه على ما يريد، وأوصل إليه درعاً ومبارد، فبرد قيده، واتفق المرزبان وذلك الغلام والذين جاؤوا لتخليص المرزبان على أن يقتلوا بشير أسفار في يوم ذكروه.

وكان بشير أسفار يقصد المرزبان كل أسبوع ذلك اليوم يفتقده وقيوده ويصبره ويعود، فلما كان يوم الموعد دخل أحد أولئك التجار، فقعد عند المرزبان، وجلس آخر عند البواب، وأقام الباقون عند باب الحصن ينتظرون الصوت، ودخل بشير أسفار إلى المرزبان، فتلطف به المرزبان، وسأله أن يطلقه، وبذل له أموالاً جليلة وإقطاعاً كثيراً، فامتنع عليه وقال: لا أخون ركن الدولة أبداً ؟؟! فنهض المرزبان وقد أخرج رجله من قيده وتقدم إلى الباب، فأخذ الترس والزوبين من ذلك الغلام، وعاد إلى بشير أسفار فقتله هو وذلك التاجر الذي عنده، وثار الرجل الذي عند البواب به فقتله ودخل من كان عند باب الحصن إلى المرزبان.
وكان أجناد القلعة متفرقين، فلما وقع الصوت اجتمعوا فرأوا صاحبهم قتيلاً، فسألوا الأمان، فأمنهم المرزبان، وأخرجهم من القلعة، واجتمع إليه أصحابه وغيرهم، وكثر جمعه، وخرج فلحق بأمه وأخيه، واستولى على البلاد، على ما ذكرناه قبل.
ذكر مسير أبي علي إلى الريلما كان من أمر وشمكير وركن الدولة ما ذكرناه، كتب وشمكير إلى الأمير نوح يستمده، فكتب نوح إلى أبي علي بن محتاج يأمره بالمسير في يجوش خراسان إلى الري وقتال ركن الدولة، فسار أبو علي في جيوش كثيرة، واجتمع معه وشمكير، فسارا إلى الري في شهر ربيع الأول من هذه السنة.
وبلغ الخبر إلى ركن الدولة، فعلم أنه لا طاقة له بمن قصده، فرأى أن يحفظ بلده، ويقاتل عدوه من وجه واحد، فحارب الخراسانيين بطبرك، وأقام عليه أبو علي عدة شهور يقاتله، فلم يظفر به، وهلكت دواب الخراسانية، وأتاهم الشتاء وملوا فلم يصبروا، فاضطر أبو علي إلى الصلح، فتراسلوا في ذلك، وكان الرسول أبا جعفر الخازن، صاحب كتاب زيج الصفائح، وكان عارفاً بعلوم الرياضة، وكان المشير به محمد بن عبد الرزاق المقدم ذكره، فتصالحا، وتقرر على ركن الدولة كل سنة مائتا ألف دينار، وعاد أبو علي إلى خراسان.
وكتب وشمكير إلى الأمير نوح يعرفه الحال، ويذكر له أن أبا علي لم يصدق في الحرب وأنه مالأ ركن الدولة، فاغتاظ نوح من أبي علي، وأما ركن الدولة فإنه لما عاد عنه أبو علي سار نحو وشمكير، فانهزم وشمكير من بين يديه إلى أسفرايين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.
ذكر عزل أبي علي عن خراسانلما اتصل خبر عود أبي علي عن الري إلى الأمير نوح ساءه ذلك، وكتب وشمكير إلى نوح يلزم الذنب فيه أبا علي، فكتب إلى أبي علي بعزله عن خراسان، وكتب إلى القواد يعرفهم أنه قد عزله عنهم، فاستعمل على الجيوش بعده أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، فأنفذ أبو علي يعتذر، وراسل جماعةً من أعيان نيسابور يقيمون عذره، ويسألون أن لا يعزل عنهم، فلم يجابوا إلى ذلك، وعزل أبو علي عن خراسان، وأظهر الخلاف، وخطب لنفسه بنيسابور.
وكتب نوح إلى وشمكير والحسن بن فيرزان يأمرهما بالصلح، وأن يتساعدا على من يخالف الدولة، ففعلا ذلك، فلما علم أبو علي باتفاق الناس مع نوح عليه كاتب ركن الدولة في المصير إليه لأنه علم أنه لا يمكنه المقام بخراسان، ولا يقدر على العود إلى الصغانيان، فاضطر إلى مكاتبة ركن الدولة في المصير إليه، فأذن له في ذلك.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في الحادي والعشرين من شباط، ظهر بسواد العراق جراد كثير أقام أياماً، وأثر في الغلاء آثاراً قبيحة، وكذلك ظهر بالأهواز، وديار الموصل، والجزيرة والشام، وسائر النواحي، ففعل مثل ما فعله بالعراق.
وفيها عاد رسل كان الخليفة أرسلهم إلى خراسان للصلح بين ركن الدولة ونوح صاحب خراسان، فلما وصل إلى حلوان خرج عليهم ابن أبي الشوك في أكراده، فنهبهم، ونهب القافلة التي كانت معهم، وأسر الرسل، ثم أطلقهم، فسير معز الدولة عسكراً إلى حلوان، فأوقعوا بالأكراد، وأصلحوا البلاد هناك وعادوا.
وفيها سير الحجاج الشريفان أبو الحسن محمد بن عبدالله، وأبو عبدالله أحمد بن عمر بن يحيى العلويان، فجرى بينهما وبين عساكر المصريين من أصحاب ابن طغج حرب شديدة، وكان الظفر لهما، فخطب لمعز الدولة بمكة، فلما خرجا من مكة لحقهما عسكر مصر، فقاتلهما، فظفرا به أيضاً.
وفيها توفي علي بن أبي الفهم داود أبو القاسم جد القاضي علي بن الحسن ابن علي التنوخي في ربيع الأول، وكان عالماً بأصول المعتزلة والنجوم وله شعر.

وفيها، في رمضان، مات الشريف أبو علي عمر بن علي العلوي الكوفي ببغداد بصرع لحقه.
وفيها، في شوال، مات أبو عبدالله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي.
وفيها مات أبو الفضل العباس بن فسانجس بالبصرة من ذرب لحقه، وحمل إلى الكوفة، فدفن بمشهد أمير المؤمنين علي، وتقلد الديوان بعده ابنه أبو الفرج، وجرى على قاعدة أبيه.
وفيها في ذي القعدة ماتت بدعة المغنية المشهورة المعروفة ببدعة الحمدونية عن اثنتين وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة
ذكر حال أبي علي بن محتاج
قد ذكرنا من أخبار أبي علي ما تقدم، فلما كتب إلى ركن الدولة يستأذنه في المصير إليه أذن له، فسار إلى الري، فلقيه ركن الدولة وأكرمه، وأقام الأتراك الضيافة له ولمن معه، وطلب أبو علي أن يكتب له عهداً من جهة الخليفة بولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى معز الدولة في ذلك، فسير له عهداً بما طلب، وسير له نجدةً من عسكره، فسار أبو علي إلى خراسان واستولى على نيسابور، وخطب للمطيع بها وبما استولى عليه من خراسان، ولم يكن يخطب له بها قبل ذلك.
ثم إن نوحاً مات في خلال ذلك، وتولى بعده ولده عبد الملك. فلما استقر أمره سير بكر بن مالك إلى خراسان من بخارى وجعله مقدماً على جيوشها، وأمره بإخراج أبي علي من خراسان، فسار في العساكر نحو أبي علي، فتفرق عن أبي علي أصحابه وعسكره وبقي معه من أصحابه مائتا رجل سوى من كان عنده من الديلم نجدة له، فاضطر إلى الهرب، فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الري، واستولى ابن مالك على خراسان، فأقام بنيسابور وتتبع أصحاب أبي علي.
ذكر موت الأمير نوح بن نصر وولاية ابنه عبد الملكوفي هذه السنة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكان يلقب بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق، ولما توفي ملك بعده ابنه عبد الملك، وكان قد استعمل بكر بن مالك على جيوش خراسان، كما ذكرنا، فمات قبل أن يسير بكر إلى خراسان، فقام بكر بأمر عبد الملك ابن نوح، وقرر أمره، فلما استقر حاله وثبت ملكه أمر بكراً بالمسير إلى خراسان، فسار إليها، وكان من أمره مع أبي علي ما قدمنا ذكره.
ذكر غزاة لسيف الدولة بن حمدانفي هذه السنة، في شهر ربيع الأول، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فقتل، وأسر، وسبى، وغنم، وكان فيمن قتل قسطنطين بن الدمستق، فعظم الأمر على الروم، وعظم الأمر على الدمستق، فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار وغيرهم وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، فالتقوا عند الحدث في شعبان، فاشتد القتال بينهم وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى نصر المسلمين، فانهزم الروم، وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته وعاد الدمستق مهزوماً مسلولاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بخراسان والجبال وباء عظيم هلك فيه خلق كثير لا يحصون كثرةً.
وفيها صرف الابرعاجي عن شرطة بغداد، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، ورتب مكانه بكبيك نقيب الأتراك.
وفيها سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو علي بن محتاج، فدخلها بغير حرب، وانصرف وشمكير عنها إلى خراسان.
وفيها وقعت الحرب بمكة بين أصحاب معز الدولة وأصحابه ابن طغج من المصريين، فكانت الغلبة لأصحاب معز الدولة، فخطب بمكة والحجاز لركن الدولة ومعز الدولة وولده عز الدولة بختيار، وبعدهم لابن طغج.
وفيها أرسل معز الدولة سبكتكين في جيش إلى شهرزور، في رجب، ومعه المنجنيقات لفتحها، فسار إليها، وأقام بتلك الولاية إلى المحرم من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فعاد ولم يمكنه فتحها لأنه اتصل به خروج عساكر خراسان إلى الري، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فعاد إلى بغداد، فدخلها في المحرم.
وفيها، في شوال، مات أبو الحسين محمد بن العباس بن الوليد المعروف بابن النحوي الفقيه.
وفيها، في شوال أيضاً، مات أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة
ذكر مرض معز الدولة
وما فعله ابن شاهين

كان قد عرض لمعز الدولة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين مرض يسمى فريافسمس، وهو دوام الإنعاظ مع وجع شديد في ذكره، مع توتر أعصابه، وكان معز الدولة خواراً في أمراضه، فأرجف الناس به، واضطربت بغداد، فاضطر إلى الركوب، فركب في ذي الحجة على ما به من شدة المرض، فلما كان في المحرم من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة أوصى إلى ابن بختيار، وقلده الأمر بعده، وجعله أمير الأمراء.
وبلغ عمران بن شاهين أن معز الدولة قد مات، واجتاز عليه مال يحمل إلى معز الدولة من الأهواز، وفي صحبته خلق كثير من التجار، فخرج عليهم فأخذ الجميع، فلما عوفي معز الدولة راسل ابن شاهين في المعنى، فرد عليه ما أخذه له، وحصل له أموال التجار، وانفسخ الصلح بينهما، وكان ذلك في المحرم.
ذكر خروج الخراسانية إلى الري وأصبهانفي هذه السنة خرج عسكر خراسان إلى الري، وبها ركن الدولة وكان قد قدمها من جرجان أول المحرم، فكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده، فأمده بعسكر مقدمهم الحاجب سبكتكين، وسير من خراسان عسكراً آخر إلى أصبهان على طريق المفازة، وبها الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة.
فلما بلغه خبرهم سار عن أصبهان بالخزائن والحرم التي لأبيه، فبلغوا خان لنجان، وكان مقدم العسكر الخراساني محمد بن ما كان، فوصلوا إلى أصبهان، فدخلوها، وخرج ابن ما كان منها في طلب بويه، فأدرك الخزائن فأخذها وسار في أثره، وكان من لطف الله به أن الأستاذ أبا الفضل بن العميد، وزير ركن الدولة، اتصل بهم في تلك الساعة، فعارض ابن ما كان وقاتله، فانهزم أصحاب ابن العميد عنه، واشتغل أصحاب ابن ما كان بالنهب.
قال ابن العميد: فبقيت وحدي وأردت اللحاق بأصحابي، ففكرت وقلت: بأي وجه ألقى صاحبي وقد أسلمت أولاده، وأهله، وأمواله، وملكه، ونجوت بنفسي ؟ فرأيت القتل أيسر علي من ذلك، فوقفت، وعسكر ابن ما كان ينهب أثقالي وأثقال عسكري، فلحق بابن العميد نفر من أصحابه، ووقفوا معه، وأتاهم غيرهم فاجتمع معهم جماعة، فحمل على الخراسانيين وهم مشغولون بالنهب، وصاحوا فيهم، فانهزم الخراسانيون فأخذوا من بين قتيل وأسير، وأسر ابن ما كان وأحضر عند ابن العميد، وسار ابن العميد إلى أصبهان فأخرج من كان بها من أصحاب ابن ما كان، وأعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصبهان، واستنقذ أمواله.
ثم إن ركن الدولة راسل بكر بن مالك صاحب جيوش خراسان، واستماله فاصطلحا على مال يحمله ركن الدولة إليه، ويكون الري وبلد الجبل بأسره مع ركن الدولة، وأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة يطلب خلعاً ولواء بولاية خراسان لبكر بن مالك، فأرسل إليه ذلك.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقع بالري وباء كثير مات فيه من الخلق ما لا يحصى، وكان فيمن مات أبو علي بن محتاج الذي كان صاحب جيوش خراسان، ومات معه ولده، وحمل أبو علي الصغانيان، وعاد من كان معه من القواد إلى خراسان.
وفيها وقع الأكراد بناحية ساوة على قفل من الحجاج فاستباحوه.
وفيها خرج بناحية دينوند رجل ادعى النبوة، فقتل، وخرج بأذربيجان رجل آخر يدعي أنه يحرم اللحوم وما يخرج من الحيوان، وأنه يعلم الغيب، فأضافه رجل أطعمه كشكية بشحم، فلما أكلها قال له: ألست تحرم اللحم، وما يخرج من الحيوان، وأنك تعلم الغيب ؟ قال: بلى ! قال: فهذه الكشكية بشحم، ولو علمت الغيب لما خفي عليك ذلك؛ فأعرض الناس عنه.
وفيها أنشأ عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مركباً كبيراً لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة إلى بلاد الشرق، فلقي في البحر مركباً فيه رسول من صقلية إلى المعز، فقطع عليه أهل المركب الأندلسي، وأخذوا ما فيه، وأخذوا الكتب التي إلى المعز، فبلغ ذلك المعز، فعمر أسطولاً واستعمل عليه الحسن ابن علي صاحب صقلية، وسيره إلى الأندلس، فوصلوا إلى المرية، فدخلوا المرسى، وأحرقوا جميع ما فيه من المراكب، وأخذوا ذلك المركب، وكان قد عاد من الإسكندرية، وفيه أمتعة لعبد الرحمن، وجوارٍ مغنيات، وصعد من في الأسطول إلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إلى المهدية.
ولما سمع عبد الرحمن الأموي سير أسطولاً إلى بعض بلاد إفريقية، فنزلوا ونهبوا، فقصدتهم عساكر المعز فعادوا إلى مراكبهم، ورجعوا إلى الأندلس وقد قتلوا وقتل منهم خلق كثير.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة

ذكر عصيان روزبهان على معز الدولة
في هذه السنة خرج روزبهان بن ونداد خرشيد الديلمي على معز الدولة، وعصى عليه، وخرج أخوه بلكا بشيراز، وخرج أخوهما أسفار بالأهواز، ولحق به روزبهان إلى الأهواز، وكان يقاتل عمران بالبطيحة، فعاد إلى واسط، وسار إلى الأهواز في رجب، وبها الوزير المهلبي، فأراد محاربة روزبهان، فاستأمن رجاله إلى روزبهان، فانحاز المهلبي عنه.
ووردا لخبر بذلك إلى معز الدولة فلم يصدقه لإحسانه إليه، لأنه رفعه بعد الضعة، ونوه بذكره بعد الخمول، فتجهز معز الدولة إلى محاربته، ومال الديلم بأسرهم إلى روزبهان، ولقوا معز الدولة بما يكره، واختلفوا عليه، وتتابعوا على المسير إلى روزبهان، وسار معز الدولة عن بغداد خامس شعبان، وخرج الخليفة المطيع لله منحدراً إلى معز الدولة، لأنه ناصر الدولة لما بلغه الخبر سر العساكر من الموصل مع ولده أبي المرجى جابر لقصد بغداد والاستيلاء عليها، فلما بلغ ذلك الخليفة انحدر من بغداد فأعاد معز الدولة الحاجب سبكتكين وغيره ممن يثق بهم من عسكره إلى بغداد، فشغب الديلم الذين ببغداد، فوعدوا بأرزاقهم فسكنوا وهم على قنوط من معز الدولة.
وأما معز الدولة فإنه سار إلى أن بلغ قنطرة أربق، فنزل هناك، وجعل على الطريق من يحفظ أصحاب الديلم من الأستئمان إلى روزبهان، لأنهم كانوا يأخذون العطاء منه ثم يهربون عنه، وكان اعتماد معز الدولة على أصحابه الأتراك ومماليكه ونفر يسير من الديلم.
فلما كان سلخ رمضان أراد معز الدولة العبور هو وأصحابه الذين يثق بهم إلى محاربة روزبهان، فاجتمع الديلم وقالوا لمعز الدولة: إن كنا رجالك فأخرجنا معك نقاتل بين يديك، فإنه لا صبر لنا على القعود مع الصبيان والغلمان، فإن ظفرت كان الاسم لهؤلاء دوننا، وإن ظفر عدوك لحقنا العار؛ وإنما قالوا هذا الكلام خديعة ليمكنهم من العبور معه فيتمكنوا منه، فلما سمع قولهم سألهم التوقف، وقال: إنما أريد أن أذوق حربهم ثم أعود، فإذا كان الغد لقيناهم بأجمعنا وناجزناهم؛ وكان يكثر لهم العطاء فأمسكوا عنه.
وعبر معز الدولة، وعبأ أصحابه كراديس تتناوب الحملات، فما زالوا كذلك إلى غروب الشمس، ففني نشاب الأتراك وتعبوا، وشكوا إلى معز الدولة ما أصابهم من التعب، وقالوا: نستريح الليلة ونعود غداً؛ فعلم معز الدولة أنه إن رجع زحف إليه روزبهان والديلم، وثار معهم أصحابه الديلم، فيهلك، ولا يمكنه الهرب، فبكى بين يدي أصحابه، وكان سريع الدمعة، ثم سألهم أن تجمع الكراديس كلها ويحملوا حملة واحدة، وهو في أولهم، فإما أن يظفروا وإما أن يقتل أول من يقتل، فطالبوه بالنشاب، فقال: قد بقي مع صغار الغلمان نشاب، فخذوه واقسموه.
وكان جماعة صالحة من الغلمان الأصاغر تحتهم الخيل الجياد، وعليهم اللبس الجيد، وكانوا سألوا معز الدولة أن يأذن لهم في الحرب، فلم يفعل، وقال: إذا جاء وقت يصلح لكم أذنت لكم في القتال؛ فوجه إليهم تلك الساعة من يأخذ منهم النشاب، وأومأ معز الدولة إليهم بيده أن اقبلوا منه وسلموا إليه النشاب، فظنوا أنه يأمرهم بالحملة، فحملوا وهم مستريحون، فصدموا صفوف روزبهان فخرقوها، وألقوا بعضها فوق بعض، فصاروا خلفهم، وحمل معز الدولة فيمن معه باللتوت، فكانت الهزيمة على روزبهان وأصحابه، وأخذ روزبهان أسيراً وجماعة من قواده، وقتل من أصحابه خلق كثير، وكتب معز الدولة بذلك، فلم يصدق الناس لما علموا من قوة روزبهان وضعف معز الدولة، وعاد إلى بغداد ومعه روزبهان ليراه الناس، وسير سبكتكين إلى أبي المرجى بن ناصر الدولة، وكان بعكبرا، فلم يلحقه لأنه لما بلغه الخبر عاد إلى الموصل، وسجن معز الدولة روزبهان، فبلغه أن الديلم قد عزموا على إخراجه قهراً والمبايعة له، فأخرجه ليلاً وغرقه.
وأما أخو روزبهان الذي خرج بشيراز، فإن الأستاذ أبا الفضل بن العميد سار إليه في الجيوش، فقاتله، فظفر به، وأعاد عضد الدولة بن ركن الدولة إلى ملكه، وانطوى خبر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار.
وقبض معتز الدولة على جماعة من الديلم، وترك من سواهم، واصطنع الأتراك وقدمهم، وأمرهم بتوبيخ الديلم والاستطالة عليهم، ثم أطلق للأتراك إطلاقات زائدة على واسط والبصرة، فساروا لقبضها مدلين بما صنعوا، فأخرجوا البلاد، ونهبوا الأموال وصار ضررهم أكثر من نفعهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:17 am

ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم
في هذه السنة، في رجب، سار سيف الدولة بن حمدان في جيوش إلى بلاد الروم وغزاها، حتى بلغ خرشنة، وصارخة، وفتح عدة حصون وسبى، وأسر، وأحرق، وخرب، وأكثر القتل فيهم، ورجع إلى أذنه فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس، فخلع عليه، وأعطاه شيئاً كثيراً، وعاد إلى حلب.
فلما سمع الروم بما فعل جمعوا وساروا إلى ميافارقين، وأحرقوا سوادها ونهبوه، وخربوا، وسبوا أهله، ونهبوا أموالهم وعادوا.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقعة الفتنة بأصبهان بين أهلها وبين أهل قم بسبب المذاهب، وكان سببها أنه قيل عن رجل قمي إنه سب بعض الصحابة، وكان من أصحاب شحنة أصبهان، فثار أهلها، واستغاثوا بأهل السواد، فاجتمعوا في خلق لا يحصون كثرة، وحضروا دار الشحنة، وقتل بينهم قتلى، ونهب أهل أصبهان أموال التجار من أهل قم، فبلغ الخبر ركن الدولة، فغضب لذلك، وأرسل إليها فطرح على أهلها مالاً كثيراً.
وفيها توفي محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد، غلام ثعلب، في ذي القعدة.
وفيها كانت الزلزلة بهمذان، وأستراباذ ونواحيها، وكانت عظيمة أهلكت تحت الهدم خلقاً كثيراً، وانشقت منها حيطان قصر شيرين من صاعقة.
وفيها، في جمادى الآخرة، سار الروم في البحر، فأوقعوا بأهل طرسوس، وقتلوا منهم ألفاً وثمانمائة رجل، وأحرقوا القرى التي حولها.
وفيها سار الحسن بن علي صاحب صقلية على أسطول كثير إلى بلاد الروم.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة
ذكر موت المرزبان
في هذه السنة، في رمضان، توفي السلار المرزبان بأذربيجان، وهو صاحبها، فلما يئس من نفسه أوصى إلى أخيه وهسوذان بالملك، وبعده لابنه جستان ابن المرزبان.
وكان المرزبان قد تقدم أولاً إلى نوابه بالقلاع أن لا يسلموه بعده إلا إلى ولده جستان، فإن مات فإلى ابنه إبراهيم، فإن مات فإلى ابنه ناصر، فإن لم يبق منهم أحد فإلى أخيه وهسوذان، فلما أوصى هذه الوصية إلى أخيه عرفه علامات بينه وبين نوابه في قلاعه ليتسلمها منهم، فلما مات المرزبان أنفذ أخوه وهسوذان خاتمه وعلاماته إليهم، فأظهروا وصيته الأولى، فظن وهسوذان أخاه خدعه بذلك، فأقام مع أولاد أخيه، فاستبدوا بالأمر دونه، فخرج من أردبيل كالهارب إلى الطرم، فاستبد جستان بالأمر، وأطاعه إخوته، وقلد وزارته أبا عبدالله النعيمي، وأتاه قواد أبيه إلا جستان بن شرمزن فإنه عزم على التغلب على أرمينية، وكان والياً عليها.
وشرع وهسوذان في الإفساد بين أولاد أخيه، وتفريق كلمتهم، وإطماع أعدائهم فيهم، حتى بلغ ما أراد وقتل بعضهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كثر ببغداد ونواحيها أورام الحلق والماشرا، وكثر الموت بهما، وموت الفجأة، وكل من افتصد انصب إلى ذراعيه مادة حادة عظيمة، تبعها حمى حادة، وما سلم أحد ممن افتصد، وكان المطر معدوماً.
وفيها تجهز معز الدولة وسار نحو الموصل لقصد ناصر الدولة بسبب ما فعله، فراسله ناصر الدولة، وبذل له مالاً، وضمن البلاد منه كل سنة بألفي ألف درهم، وحمل إليه مثلها، فعاد معز الدولة بسبب خراب بلاده للفتنة المذكورة، ولأنه لم يثق بأصحابه.
ثم إن ناصر الدولة منع حمل المال، فسار إليه معز الدولة على ما نذكره.
وفيها نقص البحر ثمانين باعاً، فظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك.
وفيها توفي أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الأموي النيسابوري المعروف بالأصم، وكان عالي الإسناد في الحديث، وصحب الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وروى عنه كتب الشافعي.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إسحاق الفقيه البخاري الأمين.
وفيها كانت بالعراق وبلاد الجبال وقم ونواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت نحو أربعين يوماً تسكن وتعود، فتهدمت الأبنية، وغارت المياه، وهلك تحت الهدم من الأمم الكثير؛ وكذلك كانت زلزلة بالري ونواحيها، مستهل ذي الحجة، أخربت كثيراً من البلد، وهلك من أهلها كثير؛ وكذلك أيضاً كانت الزلزلة بالطالقان ونواحيها عظيمة جداً أهلكت أمماً كثيرةً.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة
ذكر استيلاء معز الدولة على الموصل
وعوده عنها

قد ذكرنا صلح معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، فلما كان هذه السنة أخر ناصر الدولة حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل وسار نحوها، منتصف جمادى الأولى، ومعه وزيره المهلبي، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، واستولى معز الدولة على الموصل.
فكان من عادة ناصر الدولة إذا قصده أحدٌ سار عن الموصل واستصحب معه جميع الكتاب، والوكلاء، ومن يعرف أبواب المال، ومنافع السلطان، وربما جعلهم في قلاعه كقلعة كواشى، والزعفران، وغيرهما، وكانت قلعة كواشى تسمى ذلك الوقت قلعة أردمشت، وكان ناصر الدولة يأمر العرب بالإغارة على العلافة ومن يحمل الميرة، فكان الذي يقصد بلاد ناصر الدولة يبقى محصوراً مضيفاً عليه.
فلما قصده معز الدولة هذه المرة فعل ذلك به، فضاقت الأقوات على معز الدولة وعسكره، وبلغه أن بنصيبين من الغلات السلطانية شيئاً كثيراً، فسار عن الموصل نحوها، واستخلف بالموصل سبكتكين الحاجب الكبير، فلما توسط الطريق بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجى وهبة الله بسنجار في عسكر، فسير إليهم عسكراً، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلا وهو معهم، فجعلوا عن أخذ أثقالهم، فركبوا دوابهم وانهزموا ونهب عسكر معز الدولة ما تركوه، ونزلوا في خيامهم، فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم وهم غارون، فوضعوا السيف فيهم، فقتلوا، وأسروا، وأقاموا بسنجار.
وسار معز الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، ففارقه أصحابه وعادوا إلى معز الدولة مستأمنين، فلما رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فلما وصل خرج إليه ولقيه، وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه، حتى إنه نزع خفه بيديه.
وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد الموصل، والجزيرة، يغيرون على أصحاب معز الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون منهم، ويقطعون الميرة عنهم.
ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة في الصلح، وترددت الرسل في ذلك، فامتنع معز الدولة في تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة بعد أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف درهم وتسع مائة ألف درهم، وإطلاق من أسر من أصحابه بسنجار وغيرها، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين.
وإنما أجاب معز الدولة إلى الصلح بعد تمكنه من البلاد لأنه ضاقت عليه الأموال، وتقاعد الناس في حمل الحراج، واحتجوا بأنهم لا يصلون إلى غلاتهم، وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة، فاضطر معز الدولة إلى الانحدار، وأنف من ذلك، فلما وردت عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها، وأجابه إلى ما طلبه من الصلح، ثم انحدر إلى بغداد.
ذكر مسير جيوش المعز العلوي إلى أقاصي المغربوفيها عظم أمر أبي الحسن جوهر عند المعز بإفريقية، وعلا محله، وصار في رتبة الوزارة، فسيره المعز في صفر في جيش كثيف منهم زيري بن مناد الصنهاجي وغيره، وأمره بالمسير إلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت، فحضره عنده يعلى بن محمد الزناتي، فأكرمه وأحسن إليه، ثم خالف على جوهر، فقبض عليه، وثار أصحابه، فقاتلهم جوهر، فانهزموا وتبعهم جوهر إلى مدينة أفكان، فدخلها بالسيف، ونهبها، ونهب قصور يعلى، وأخذ ولده، وكان صبياً، وأمر بهدم أفكان وإحراقها بالنار، وكان ذلك في جمادى الآخرة.
ثم سار منها إلى فاس، وبها صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، فنازلها جوهر، وقاتلها مدة، فلم يقدر عليها، وأتته هدايا الأمراء الفاطميين بأقاصي السوس، وأشار على جوهر وأصحابه بالرحيل إلى سجلماسة، وكان صاحبها محمد بن واسول قد تلقب بالشاكر لله، ويخاطب بأمير المؤمنين، وضرب السكة باسمه، وهو على ذلك ست عشرة سنة، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أراد الرجوع إلى سجلماسة، فلقيه أقوام، فأخذوه أسيراً، وحملوه إلى جوهر.

ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط، فأمر أن يصطاد له من سمكه، فاصطادوا له، فجعله في قلال الماء وحمله إلى المعز، وسلك تلك البلاد جميعها فافتتحها وعاد إلى فاس، فقاتلها مدة طويلة، فقام زيري بن مناد فاختار من قومه رجالاً لهم شجاعة، وأمرهم أن يأخذوا السلاليم، وقصدوا البلد، فصعدوا إلى السور الأدنى في السلاليم وأهل فاس آمنون، فلما صعدوا على السور قتلوا من عليه، ونزلوا إلى السور الثاني، وفتحوا الأبواب، وأشعلوا المشاعل، وضربوا الطبول، وكانت الإمارة بين زيري وجوهر، فلما سمعها جوهر ركب في العساكر فدخل فاساً، فاستخفى صاحبها، وأخذ بعد يومين، وجعل مع صاحب سجلماسة، وكان فتحها في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فحملهما في قفصين إلى المعز بالمهدية، وأعطى تاهرت لزيري ابن مناد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان ببلاد الجبل وباء عظيم مات فيه أكثر أهل البلاد، وكان أكثر من مات فيه النساء، والصبيان، وتعذر على الناس عيادة المرضى، وشهود الجنائز لكثرتها.
وفيها انخسف القمر جميعه.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي بنيسابور، وهو أحد المشهورين منهم؛ وأبو الحسن محمد بن الحسن بن عبدالله بن أبي الشوارب، قاضي بغداد، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين؛ وأبو علي الحسين بن علي بن يزيد الحافظ النيسابوري في جمادى الأولى.
وفيها توفي عبدالله بن جعفر بن درستويه أبو محمد الفارسي النحوي في صفر وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين، وأخذ النحو عن المبرد.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرم، تم الصلح بين سيف الدولة ومعز الدولة، وعاد معز الدولة إلى العراق، ورجع ناصر الدولة إلى الموصل.
وفيها أنفذ الخليفة لواء وخلعة لأبي علي بن إلياس صاحب كرمان.
وفيها مات أبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي، كاتب معز الدولة، وكتب بعده أبو بكر بن أبي سعيد.
وفيها كانت حرب شديدة بين علي بن كامة، وهو ابن أخت ركن الدولة، وبين بيستون بن وشمكير، فانهزم بيستون.
وفيها غرق من حجاج الموصل في الماء بضعة عشر زورقاً.
وفيها غزت الروم طرسوس والرها، فقتلوا، وسبوا، وغنموا، وعادوا سالمين.
وفيها سار مؤيد الدولة بن ركن الدولة من الري إلى بغداد، فتزوج بابنة عمه معز الدولة، ونقلها معه إلى الري، ثم عاد إلى أصبهان.
وفيها، في جمادى الأولى، وقعت حرب شديدة بين عامة بغداد، وقتل فيها جماعة، واحترق من البلد كثير.
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن، الفقيه الحنبلي المعروف بالنجاد، وكان عمره خمساً وتسعين سنة؛ وجعفر بن محمد بن نصير الخلدي الصوفي، وهو من أصحاب الجنيد، فروى الحديث وأكثر.
وفيها انقطعت الأمطار، وغلت الأسعار في كثير من البلاد، فخرج الناس يستسقون في كانون الثاني في البلاد، ومنها بغداد، فما سقوا، فلما كان في آذار ظهر جراد عظيم، فأكل ما كان قد نبت من الخضراوات وغيرها، فاشتد الأمر على الناس.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
ذكر ظهور المستجير بالله
في هذه السنة ظهر بأذربيجان وجل من أولاد عيسى بن المكتفي بالله، وتلقب بالمستجير بالله، وبايع للرضا من آل محمد، ولبس الصوف وأظهر العدل، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وكثر أتباعه.
وكان السبب في ظهوره أن جستان بن المرزبان، صاحب أذربيجان، ترك سيرة والده في سياسة الجيش، واشتغل باللعب، ومشاورة النساء، وكان جستان بن شرمزن بأرمية متحصناً بها، وكان وهسوذان بالطرم يضرب بين أولاد أخيه ليختلفوا.
ثم إن جستان بن المرزبان قبض على وزيره النعيمي، وكان بينه وبين وزير جستان بن شرمزن مصاهرة، وهو أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن حمدويه، فاستوحش أبو الحسن لقبض النعيمي، فحمل صاحبه ابن شرمزن على مكاتبة إبراهيم بن المرزبان، وكان بأرمينية، فكاتبه، وأطمعه في املك، فسار إليه، فقصدوا مراغة واستولوا عليها، فلما علم جستان بن المرزبان بذلك راسل ابن شرمزن ووزيره أبا الحسن، فأصلحهما، وضمن لهما إطلاق النعيمي، فعاد عن نصرة إبراهيم، وظهر له ولأخيه نفاق ابن شرمزن، فتراسلا واتفقا عليه.

ثم إن النعيمي هرب من حبس جستان بن المرزبان، وسار إلى موقان، وكاتب ابن عيسى بن المكتفي بالله، وأطمعه في الخلافة، وأن يجمع له الرجال، ويملك له أذربيجان، فإذا قوي قصد العراق فسار إليه في نحو ثلاثمائة رجل، وأتاه جستان بن شرمزن فقوي به، وبايعه الناس، واستفحل أمره، فسار إليهم جستان وإبراهيم ابنا المرزبان قاصدين قتالهم، فلما التقوا انهزم أصحاب المستجير، وأخذ أسيراً فعدم فقيل إنه قتل وقيل بل مات.
ذكر استيلاء وهسوذان على بني أخيه وقتلهموأما وهسوذان فإنه لما رأى اختلاف أولاد أخيه، وأن كل واحد منهم قد انطوى على غش صاحبه، راسل إبراهيم، بعد وقعة المستجير، واستزاره، فزاره، فأكرمه عمه، ووصله بما ملأ عينه، وكاتب ناصراً ولد أخيه أيضاً، واستغواه، ففارق أخاه جستان وصار إلى موقان، فوجده الجند طريقاً إلى تحصيل الأموال، ففارق أكثرهم جستان وصاروا إلى أخيه ناصر، فقوي بهم على أخيه جستان، واستولى على أردبيل.
ثم إن الأجناد طالبوا ناصراً بالأموال، فعجز عن ذلك، وقعد عمه وهسوذان عن نصرته، فعلم أنه كان يغويه، فراسل أخاه جستان، وتصالحا واجتمعا، وهما في غاية ما يكون من قلة الأموال واضطراب الأمور، وتغلب أصحاب الأطراف على ما بأيديهم، فاضطر جستان وناصر ابنا المرزبان إلى المسير إلى عمهما وهسوذان مع والدتهما، فراسلاه في ذلك، وأخذا عليه العهود، وساروا إليه، فلما حصلوا عنده نكث، وغدر بهم، وقبض عليهم، وهم جستان وناصر ووالدتهما، واستولى على العسكر، وعقد الإمارة لابنه إسماعيل، وسلم إليه أكثر قلاعه، وأخرج الأموال وأرضى الجند.
وكان إبراهيم بن المرزبان قد سار إلى أرمينية، فتأهب لمنازعة إسماعيل، واستنقاذ أخويه من حبس عمهما وهسوذان، فلما علم وهسوذان ذلك ورأى اجتماع الناس عليه بادر فقتل جستان وناصراً ابني أخيه وأمهما، وكاتب جستان بن شرمزن، وطلب إليه أن يقصد إبراهيم، وأمده بالجند والمال، ففعل ذلك، واضطر إبراهيم إلى الهرب والعود إلى أرمينية، واستولى ابن شرمزن على عسكره وعلى مدينة مراغة مع أرمية.
ذكر غزو سيف الدولة بلاد الرومفي هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم في جميع كثير، فأثر فيها آثاراً كثيرة، وأحرق، وفتح عدة حصون، وأخذ من السبي والغنائم والأسرى شيئاً كثيراً، وبلغ إلى خرشنة، ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق، فلما أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس: إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على العود منه، والرأي أن ترجع معنا؛ فلم يقبل منهم، وكان معجباً برأيه يحب أن يستبد ولا يشاور أحداً لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره، وعاد في الدرب الذي دخل منه، فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم، وأخذوا أثقاله، ووضعوا السف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً وأسراً، وتخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد ومشقة وهذا من سوء رأي كل من يجهل آراء الناس العقلاء، والله أعلم بالصواب.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، وما وراء النهر، على رجل من أكابر قواده وأمرائه يسمى نجتكين، وقتله، فاضطربت خراسان.
وفيها استأمن أبو الفتح، المعروف بابن العريان، أخو عمران بن شاهين، صاحب البطيحة، إلى معز الدولة بأهله وماله، وكان خاف أخاه، فأكرمه معز الدولة وأحسن إليه.
وفيها مات أبو القاسم عبدالله بن أي عبدالله البريدي.
وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاة.
وفيها انصرف حجاج مصر من الحج، فنزلوا وادياً وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلاً فأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم فألقاهم في البحر.
وفيها سار ركن الدولة من الري إلى جرجان، فلقيه الحسن بن الفيرزان، وابن عبد الرزاق، فوصلهما بمال جليل.
وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، وكان أكثره بالموصل فبلغ الكر من الحنطة ألفاً ومائتي درهم، والكر من الشعير ثمانمائة درهم، وهر أهلها إلى الشام والعراق.
وفيها، خامس شعبان، كان ببغداد فتنة عظيمة بين العامة، وتعطلت الجمعة من الغد لاتصال الفتنة في الجانبين، سوى مسجد براثا فإن الجمعة تمت فيه، وقبض على جماعة من بني هاشم اتهموا أنهم سبب الفتنة، ثم أطلقوا من الغد.
وفيها توفي أبو الخي الأقطع التيناتي، أو قريباً من هذه السنة، وكان عمره مائة وعشرين سنة، وله كرامات مشهورة مسطورة.

التيناتي بالتاء المكسورة المعجمة باثنتين من فوق، ثم الياء المعجمة باثنتين من تحت، ثم بالنون والألف ثم بالتاء المثناة من فوق أيضاً.
وفيها مات أو إسحاق بن ثوابة كاتب الخليفة ومعز الدولة، وقلد ديوان الرسائل بعده إبراهيم بن هلال الصابي.
وفيها، في آخرها، مات أنوجور بن الإخشيد صاب مصر، وتقلد أخوه علي مكانه.
ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة
ذكر بناء معز الدولة دوره ببغداد
في هذه السنة، في المحرم، مرض معز الدولة، وامتنع عليه البول، ثم كان يبول بعد جهد ومشقة دماً، وتبعه البول، والحصى، والرمل، فاشتد جزعه وقلقه، وأحضر الوزير المهلبين والحاجب سبكتكين، فأصلح بينهما، ووصاهما بابنه بختيار، وسلم جميع ماله إليه.
ثم إنه عوفي، فعزم على المسير إلى الأهواز لأنه اعتقد أن ما اعتاده من الأمراض إنما هو بسبب مقامه ببغداد، وظن أنه إن عاد إلى الأهواز عاوده ما كان فيه من الصحة، ونسي الكبر والشباب، فلما انحدر إلى كلواذى ليتوجه إلى الأهواز أشار عليه أصحابه بالمقام، وأن يفكر في هذه الحركة ولا يعجل، فأقام بها، ولم يؤثر أحد من أصحابه انتقاله لمفارقة أوطانهم وأسفاً على بغداد كيف تخرب بانتقال دار الملك عنها، فأشاروا عليه بالعود إلى بغداد، وأن يبني بها له داراً في أعلى بغداد لتكون أرق هواء، وأصفى ماء، ففعل، وشرع في بناء داره في موضع المسناة المعزية، فكان مبلغ ما خرج عليها إلى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادره جماعة من أصحابه.
ذكر موت الأمير عبد الملك بن نوحفي هذه السنة سقط الفرس تحت الأمير عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، فوقع إلى الأرض، فمات من سقطته، وافتتنت خراسان بعده، وولي بعده أخوه منصور بن نوح، وكان موته يوم الخميس حادي عشر شوال.
ذكر وفاة عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس وولاية ابنه الحاكمفي هذه السنة توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله صاحب الأندلس، الملقب بالناصر لدين الله، في رمضان، فكانت إمارته خمسين سنة وستة أشهر، وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة، وكان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين، كان ركاب سرجه يقارب الشبر، وكان طويل الظهر، وهو أول من تلقب من الأمويين بألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير المؤمنين، وخلف أحد عشر ولداً ذكراً، وكان من تقدمه من آبائه يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف.
وبقي هو كذلك إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق وظهور العلويين بإفريقية، ومخاطبتهم بأمير المؤمنين، أمر حينئذ أن يلقب الناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين؛ ويقول أهل الأندلس إنه أول خليفة ولي بعد جده، وكانت أمه أم ولد اسمها مزنة، ولم يبلغ أحد ممن تلقب بأمير المؤمنين مدته في الخلافة غير المستنصر العلوي صاحب مصر، فإن خلافته كانت ستين سنة.
ولما مات ولي الأمر بعده ابنه الحاكم بن عبد الرحمن، وتلقب بالمستنصر، وأمه أم ولد تسمى مرجانة، وخلف الناصر عدة أولاد منهم عبدالله، وكان شافعي المذهب عالماً بالشعر والأخبار وغيرهما، وكان ناسكاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار قفل عظيم من إنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب إنطاكية، فخرج عليهم كمين للروم فأخذ من كان فيها من المسلمين، وقتل كثيراً منهم، وأفلت صاحب إنطاكية وبه جراحات.
وفيها، في رمضان، دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم من ناحية ميافارقين غازياً، وإنه في رمضان غنم ما قيمته قيمة عظيمة، وسبى، وأسر، وخرج سالماً.
وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبدالله، وقبضت أملاكه، وتولى قضاء القضاة أبو العباس بن عبدالله بن الحسن بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة، ولم يسمع بذلك قبله، فلم يأذن له الخليفة المطيع لله بالدخول عليه، وأمر بأن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد.
وفيها وصل أبو القاسم أخو عمران بن شاهين إلى معز الدولة مستأمناً.
وفيها توفي القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، وهو من أصحاب الطبري، وكان يروي تاريخه.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
ذكر استيلاء الروم على عين زربة

في هذه السنة، في المحرم، نزل الروم مع الدمستق على عين زربة، وهي في سفح جبل عظيم، وهو مشرف عليها، وهم في جمع عظيم، فأنفذ بعض عسكره فصعدوا الجبل فملكوه، فلما رأى ذلك أهلها، وأن الدمستق قد ضيق عليهم ومعه الدبابات، وقد وصل إلى السور، وشرع في النقب، طلبوا الأمان فأمنهم الدمستق، وفتحوا له باب المدينة، فدخلها، فرأى أصحابه الذين في الجبل قد نزلوا إلى المدينة، فندم على إجابتهم إلى الأمان.
ونادى في البلد، أول الليل، بأن يخرج جميع أهله إلى المسجد الجامع، ومن تأخر في منزله قتل، فخرج من أمكنه الخروج فلما أصبح أنفذ رجالته في المدينة، وكانوا ستين ألفاً، وأمرهم بقتل من وجدوه في منزله، فقتلوا خلقاً كثيراً من الرجال والنساء والصبيان، وأمر بجمع ما في البلد من السلاح، فجمع، فكان شيئاً كثيراً.
وأمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاؤوا، يومهم ذلك، ومن أمسى قتلن فخرجوا مزدحمين، فمات بالزحمة جماعة، ومروا على وجوههم لا يدرون أين يتوجهون، فماتوا في الطرقات، وقتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر النهار، وأخذوا كل ما خلفه الناس من أموالهم وأمتعتهم، وهدموا سوري المدينة.
وأقام الدمستق في بلد الإسلام أحداً وعشرين يوماً، وفتح حول عين زربة أربعة وخمسين حصناً للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وإن حصناً من تلك الحصون التي فتحت بالأمان أمر أهله بالخروج منه فخرجوا، فتعرض أحد الأرمن لبعض حرم المسلمين، فلحق المسلمين غيرة عظيمة، فجردوا سيوفهم، فاغتاظ الدمستق لذلك فأمر بقتل جميع المسلمين وكانوا أربعمائة رجل، وقتل النساء والصبيان، ولم يترك إلا من يصلح أن يسترق.
فلما أدركه الصوم انصرف على أن يعود بعد العيد، وخلف جيشه بقيسارية، وكان ابن الزيات، صاحب طرسوس، قد خرج في أربعة آلاف رجل من الطرسوسيين، فأوقع بهم الدمستق، فقتل أكثرهم، وقتل أخاً لابن الزيات، فعاد إلى طرسوس، وكان قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن حمدان، فلما أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة وراسلوه بذلك، فلما علم ابن الزيات حقيقة الأمر صعد إلى روشن في داره فألقى نفسه منه إلى نهر تحته. فغرق وراسل أهل بغراس الدمستق، وبذلوا له مائة ألف درهم، فأقرهم وترك معارضتهم.
ذكر استيلاء الروم على مدينة حلب
وعودهم عنها بغير سبب
في هذه السنة استولى الروم على مدينة حلب دون قلعتها.
وكان سبب ذلك أن الدمستق سار إلى حلب، ولم يشعر به المسلمون، لأنه كان قد خلف عسكره بقيسارية ودخل بلادهم كما ذكرناه، فلما قضى صوم النصارى خرج إلى عسكره من البلاد جريدة، ولم يعلم به أحد، وسار هم عند وصوله، فسبق خبره، وكبس مدينة حلب، ولم يعلم به سيف الدولة ابن حمدان ولا غيره.
فلما بلغها وعلم سيف الدولة الخبر أعجله الأمر عن الجمع والاحتشاد، فخرج إليه فيمن معه، فقاتله فلم يكن له قوة الصبر لقلة من معه، فقتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، قتلوا جميعهم، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير، وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب، تسمى الدارين، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ له ألفاً وأربعمائة بغل، ومن خزائن السلاح ما لا يحصى، فأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة، فقاتله أهلها.
وهدم الروم في السور ثلمة، فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم كثير، ودفعوهم عنها، فلما جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك تأخروا إلى جبل جوشن.
ثم إن رجالة الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها، فلحق الناس أموالهم ليمنعوها، فخلا السور منهم، فلما رأى الروم السور خالياً من الناس قصدوه وقربوا منه، فلم يمنعهم أحد، فصعدوا إلى أعلاه فرأوا الفتنة قائمة في البلد بين أهله، فنزلوا وفتحوا الأبواب، ودخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا السيف إلى أن تعبوا وضجروا.

وكان في حلب ألف وأربعمائة من الأسرى، فتخلصوا، وأخذوا السلاح، وقتلوا الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرةً، فلما لم يبق مع الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق الباقي، وأحرق المساجد، وكان قد بذل لأهل البلد الأمان على أن يسلموا إليه ثلاثة آلاف صبي وصبية ومالاً ذكره، وينصرف عنهم، فلم يجيبوه إلى ذلك، فملكهم كما ذكرنا، وكان عدة عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن، وثلاثون ألفاً للهدم وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك الحديد.
ولما دخل الروم البلد قصد الناس القلعة، فمن دخلها نجا بحشاشة نفسه، وأقام الدمستق تسعة أيام، وأراد الانصراف عن البلد بما غنم، فقال له ابن أخت الملك، وكان معه: هذا البلد قد حصل في أيدينا، وليس من يدفعنا عنه، فلأي سبب ننصرف عنه ؟ فقال الدمستق: قد بلغنا ما لم يكن الملك يؤمله، وغنمنا، وقتلنا، وخربنا، وأحرقنا، وخلصنا أسراناً، وبلغنا ما لم يسمع بمثله؛ فتراجعا الكلام إلى أن قال له الدمستق: انزل على القلعة فحاصرها، فإنني مقيم بعسكري على باب المدينة؛ فتقدم ابن أخت الملك إلى القلعة، ومعه سيف وترس، وتبعه الروم، فلما قرب من باب القلعة ألقي عليه حجر فسقط، ورمي بخشب فقتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى الدمستق، فلما رآه قتيلاً قتل من معه من أسرى المسلمين، وكانوا ألفاً ومائتي رجل، وعاد إلى بلاده، ولم يعرض لسواد حلب، وأمر أهله بالزراعة والعمارة ليعود إليهم بزعمه.
ذكر استيلاء ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجانفي هذه السنة، في المحرم، سار ركن الدولة إلى طبرستان، وبها وشمكير، فنزل على مدينة سارية فحصرها وملكها، ففارق حينئذ وشمكير طبرستان وقصد جرجان، فأقام ركن الدولة بطبرستان إلى أن ملكها كلها، وأصلح أمورها، وسار في طلب وشمكير إلى جرجان، فأزاح وشمكير عنها، واستولى عليها، واستأمن إليه من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل، فازداد قوة، وازداد وشمكير ضعفاً ووهناً فدخل بلاد الجيل.
ذكر ما كتب على مساجد بغدادفي هذه السنة، في ربيع الآخر، كتب عامة الشيعة ببغداد، بأمر معز الدولة، على المساجد ما هذه صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة، رضي الله عنها، فدكاً، ومن منع من أن يدفن الحسن عند قبر جده، عليه السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك.
فلما كان الليل حكه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، وأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحداً في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك.
ذكر فتح طبرمين من صقليةوفي هذه السنة سارت جيوش المسلمين بصقلية، وأميرهم حينئذ أحمد ابن الحسن بن علي بن أبي الحسين، إلى قلعة طبرمين من صقلية أيضاً، وهي بيد الروم، فحصروها، وهي من أمنع الحصون وأشدها على المسلمين، فامتنع أهلها، ودام الحصار عليهم، فلما رأى المسلمون ذلك عمدوا إلى الماء الذي يدخلها فقطعوه عنها، وأجروه إلى مكان آخر، فعظم الأمر عليهم، وطلبوا الأمان، فلم يجابوا إليه، فعادوا وطلبوا أن يؤمنوا على دمائهم، ويكونوا رقيقاً للمسلمين، وأموالهم فيئاً، فأجيبوا إلى ذلك، وأخرجوا من البلد، وملكه المسلمون في ذي القعدة.
وكانت مدة الحصار سبعة أشهر ونصفاً، وأسكنت القلعة نفراً من المسلمين، وسميت العزية، نسبة إلى المعز العلوي صاحب إفريقية، وسار جيش إلى رمطة مع الحسن بن عمار، فحصروها وضيقوا عليها، فكان ما نذكره سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الأول، أرسل الأمير منصور بن نوح، صاحب خراسان وما وراء النهر، إلى بعض قواده الكبار، واسمه الفتكين، يستدعيه، فامتنع، فأنفذ إليه جيشاً، فلقيهم الفتكين فهزمهم، وأسر وجوه القواد منهم، وفيهم خال منصور.
وفيها، في منتصف ربيع الأول أيضاً، انخسف القمر جميعه وفيها، في جمادى الأولى، كانت فتنة بالبصرة وبهمذان أيضاً بين العامة بسبب المذاهب، قتل فيها خلق كثير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد فبراير 23, 2014 2:18 am

وفيها أيضاً فتح الروم حصن دلوك وثلاثة حصون مجاورة له بالسيف.

وفيها لقب الخليفة المطيع لله فناخسرو بن ركن الدولة بعضد الدولة.
وفيها، في جمادى الآخرة، أعاد سيف الدولة بناء عين زربة، وسير حاجبه في جيش مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم، فغنموا، وقتلوا، وسبوا وعادوا، فقصد الروم حصن سيسية فملكوه.
وفيها سار نجا غلام سيف الدولة في جيش إلى حصن زياد، فلقيه جمع من الروم، فهزمهم، واستأمن إليه الروم من خمسمائة رجل.
وفيها، في شوال، أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلداً لها، وله ديوان شعر جيد.
وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة أقريطش، فأرسل أهلها إلى المعز لدين الله العلوي صاحب إفريقية يستنجدونه، فأرسل إليهم نجدة، فقاتلوا الروم، فانتصر المسلمون، وأسر من كان بالجزيرة من الروم.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش المقرئ، صاحب كتاب شفاء الصدور؛ وعبد الباقي بن قانع مولى بني أمية، وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائتين؛ ودعلج بن أحمد السجزي العدل؛ وأبو عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
ذكر عصيان أهل حران
في هذه السنة، في صفر، امتنع أهل حران على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وعصوا عليه.
وسبب ذلك أنه كان متقلداً لها ولغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة، فعسفهم نوابه وظلموهم، وطرحوا الأمتعة على التجار من أهل حران، وبالغوا في ظلمهم.
وكان هبة الله عند عمه سيف الدولة بحلب، فثار أهلها على نوابه وطردوهم، فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم وحاربهم، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه أكثر من شهرين، فقتل منهم خلق كثير، فلما رأى سيف الدولة شدة الأمر واتصال الشر قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما يريدون، فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، وهرب منه العيارون خوفاً من هبة الله.
ذكر وفاة الوزير أبي محمد المهلبيفي هذه السنة سار الوزير أبو محمد المهلبي، وزير معز الدولة، في جمادى الآخرة، في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان، وحمل تابوته إلى بغداد فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وكل ما كان له، وأخذ أهله وأصحابه وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوماً واحداً، فقبض عليهم وحبسهم، فاستعظم الناس ذلك واستقبحوه.
وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان كريماً فاضلاً ذا عقل ومروة، فمات بموته الكرم.
ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي، وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس من غير تسمية لأحدهما بوزارة.
ذكر غزوة إلى الروم وعصيان حرانفي هذه السنة، في شوال، دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها أيضاً نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من درب آخر، ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه، فإنه كان قد لحقه، قبل ذلك بسنتين، فالج، فأقام على رأس دربٍ من تلك الدروب، فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتى وصلوا إلى قونية، وعادوا، فرجع سيف الدولة إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن دنجا النصراني فقتله، وكان خصيصاً بسيف الدولة، وإنما قتله لأنه كان يتعرض لغلام له، فغار لذلك.
ثم أفاق سيف الدولة، فلما علم هبة الله أن عمه لم يمت هرب إلى حران، فلما دخلها أظهر لأهلها أن عمه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلماً لمن سالمه، وحرباً لن حاربه، فحلفوا له، واستثنوا عمه في اليمن، فأرسل سيف الدولة غلامه نجا إلى حران في طلب هبة الله، فلما قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل، فنزل نجا على حران في السابع والعشرين من شوال، فخرج أهلها إليه من الغد، فقبض عليهم، وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكل بهم حتى أدوها في خمسة أيام، بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كل ما يساوي ديناراً بدرهم، لأن أهل البلد كلهم كانوا يبيعون ليس فيهم من يشتري لأنهم مصادرون، فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد، وسار نجا إلى ميافارقين، وترك حران شاغرة بغير والٍ، فتسلط العيارون على أهلها، وكان من أمر نجا ما نذكره سنة ثلاث وخمسين.
ذكر عدة حوادث

في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة، ولأن السلطان معهم.
وفيها، في ربيع الأول، اجتمع من رجالة الأرمن جماعة كثيرة، وقصدوا الرها فأغاروا عليها، فغنموا، وأسروا، وعادوا موفورين.
وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن قضاء بغداد، وتقلد مكانه أبو بشر عمرو ابن أكثم، وعفي عما كان يحمله ابن أبي الشوارب من الضمان عن القضاء، وأمر بإبطال أحكامه وسجلاته.
وفيها، في شعبان، ثار الروم بملكهم فقتلوه وملكوا غيره، وصار ابن شمشقيق دمستقاً، وهو الذي يقوله العامة ابن الشمشكي.
وفيها، في ثامن عشر ذي الحجة، أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، وأشعلت النيران بمجلس الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل، كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ذلك فرحاً بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات، وكان يوماً مشهوداً.
وفيها، في ذي الحجة الواقع في كانون الثاني، خرج الناس في العراق للاستسقاء لعدم المطر.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
ذكر عصيان نجا وقتله
وملك سيف الدولة بعض أرمينية
قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بأهل حران، وما أخذه من أموالهم، فلما اجتمعت عنده تلك الأموال قوي بها وبطر، ولم يشكر ولي نعمته بل كفره، وسار إلى ميافارقين، وقصد بلاد أرمينية، وكان قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد، فقاتله نجا، فقتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خلاط وملازكرد وموش وغيرها، وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير، فأظهر العصيان على سيف الدولة.
فاتفق أن معز الدولة بن بويه سار من بغداد إلى الموصل، ونصيبين، واستولى عليها، وطرد عنها ناصر الدولة على ما ذكرناه آنفاً، فكاتبه نجا وراسله، وهو بنصيبين، يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلما عاد معز الدولة إلى بغداد واصطلح هو وناصر الدولة سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه، وخروجه عن طاعته، فلما وصل إلى ميافارقين هرب نجا من بين يديه، فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه جماعة من أصحاب نجا فقتلهم، واستأمن إليه أخو نجا، فأحسن إليه وأكرمه، وأرسل إلى نجا يرغبه ويرهبه إلى أن حضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته.
ثم إن غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين، في ربيع الأول سنة أربع وخمسين، فقتلوه بين يديه، فغشي على سيف الدولة، وأخرج نجا فألقي في مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن.
ذكر حصر الروم المصيصة ووصول الغزاة من خراسانفي هذه السنة حصر الروم مع الدمستق المصيصة، وقاتلوا أهلها، ونقبوا سورها، واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم عنه بعد قتال عظيم، وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنه وطرسوس لمساعدتهم أهلها، فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل، وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوماً لم يقصدهم من يقاتلهم، فعادوا لغلاء الأسعار وقلة الأقوات.
ثم إن إنساناً وصل إلى الشام من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف رجل، وكان طريقهم على أرمينية وميارفارقين، فلما وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين، فوجدوا الروم قد عادوا، فتفرق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء، وعاد أكثرهم إلى بغداد ومنها إلى خراسان.
ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم أرسل إلى أهل المصيصة وأذنه وطرسوس: إني منصرف عنكم لا لعجز، ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء، وأنا عائد إليكم، فمن انتقل منكم فقد نجا، ومن وجدته بعد عودي قتله.
ذكر ملك معز الدولة الموصل
وعوده عنها
في هذه السنة، في رجب، سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل وملكها.

وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ألف ألف درهم يحملها ناصر الدولة كل سنة، فلما حصلت الإجابة من معز الدولة بذل زيادة ليكون اليمين أيضاً لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه، وأن يحلف معز الدولة لهما، فلم يجب إلى ذلك، وتجهز معز الدولة وسار إلى الموصل في جمادى الآخرة، فلما قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين، ووصل معز الدولة إلى الموصل وملكها في رجب، وسار يطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان، واستخلف على الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج، وخلف بكتوزون وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد.
فلما قارب معز الدولة نصيبين فارقها ناصر الدولة، وملك معز الدولة نصيبين، ولم يعلم أي جهة قصد ناصر الدولة، فخاف أن يخالفه إلى الموصل، فعاد عن نصيبين نحو الموصل، وترك بها من يحفظها، وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل، وحارب من بها من أصحاب معز الدولة، وكانت الدائرة عليه، فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز الدولة وأصحابه.
ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه، وأقام ببرقعيد يتوقع أخبار ناصر الدولة، فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر، فرحل عن برقعيد إليها، فوصلها سادس شهر رمضان، فلم يجد بها ناصر الدولة، فملكها، وسأل عن ناصر الدولة فقيل: إنه بالحسنية، ولم يكن كذلك، وإنما كان قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل، فأوقع بمن فيها من أصحاب معز الدولة، فقتل كثيراً منهم، وأسر كثيراً، وفي الأسرى أبو العلاء، وسبكتكين، وبكتوزون، وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك، وحمل جميعه مع الأسرى إلى قلعة كواشى.
فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة سار يقصده، فرحل ناصر الدولة إلى سنجار، فلما وصل معز الدولة بلغه مسير ناصر الدولة إلى سنجار، فعاد إلى نصيبين، فسار أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من أصحاب معز الدولة، فلما سمع معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها، ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب فأقام عنده، وراسل معز الدولة في الصلح، فأجابه لأنه علم أنه متى فارق الموصل عادوا وملكوها، ومتى أقام بها لا يزال متردداً وهم يغيرون على النواحي، فأجابه إلى ما التمسه، وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره، وأن يطلق من عندهم من الأسرى، فاستقرت القواعد على ذلك، ورحل معز الدولة إلى بغداد، وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة.
ذكر حال الداعي العلويكان قد هرب أبو عبدالله محمد بن الحسين المعروف بابن الداعي من بغداد، وهو حسني من أولاد الحسن بن علي، رضي الله عنهما، وسار نحو بلاد الديلم، وترك أهله وعياله ببغداد، فلما وصل إلى بلاد الديلم اجتمع عليه عشرة آلاف رجل، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه، وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين الله، وعظم شأنه، وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه.
ذكر حصر الروم طرسوس والمصيصةوفي هذه السنة أيضاً نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها، وجرى بينهم وبين أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض، وكاد يؤسر، فقاتل عليه الروم وخلصوه، وأسر أهل طرسوس بطريقاً كبيراً من بطارقة الروم، ورحل الروم عنهم، وتركوا عسكراً على المصيصة مع الدمستق، فحصرها ثلاثة أشهر لم يمنعهم منها أحد، فاشتد الغلاء على الروم، وكان شديداً قبل نزولهم، فلهذا طمعوا في البلاد لعدم الأقوات عندهم، فلما نزل الروم زاد شدةً، وكثر الوباء أيضاً، فمات من الروم كثير فاضطروا إلى الرحيل.
ذكر فتح رمطة والحرب بين المسلمين والروم بصقليةقد ذكرنا سنة إحدى وخمسين فتح طرمين وحصر رمطة والروم فيها، فلما رأى الروم ذلك خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال، ويطلبون منه أن ينجدهم بالعساكر، فجهز إليهم عسكراً عظيماً يزيدون على أربعين ألف مقاتل، وسيردهم في البحر، فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية، فأرسل إلى المعز بإفريقية يعرفه ذلك ويستمده، ويسأل إرسال العساكر إليه سريعاً، وشرع هو في إصلاح الأسطول، والزيادة فيه، وجمع الرجال المقاتلة في البر والبحر.

وأما المعز فإنه جمع الرجال، وحشد، وفرق فيهم الأموال الجليلة، وسيرهم مع الحسن بن علي، والد أحمد، فوصلوا إلى صقلية في رمضان، وسار بعضهم إلى الذين يحاصرون رمطة، فكانوا معهم على حصارهم.
فأما الروم فإنهم وصلوا أيضاً إلى صقلية، ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال، وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل صقلية مثلها إلى رمطة، فلما سمع الحسن بن عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون رمطة ذلك، جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون من يخرج منها، وبرز بالعساكر للقاء الروم وقد عزموا على الموت، ووصل الروم وأحاطوا بالمسلمين.
ونزل أهل رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم، فقاتلهم الذين جعلوا هناك لمنعهم، وصدوهم عما أرادوا، وتقدم الروم إلى القتال، وهم مدلون بكثرتهم وبما معهم من العدد وغيرها، والتحم القتال وعظم الأمر على المسلمين، وألحقهم العدو بخيامهم، وأيقن الروم بالظفر، فلما رأى المسلمون عظم ما نزل بهم اختاروا الموت، ورأوا أنه أسلم لهم وأخذوا بقول الشاعر:
تأخّرت أستبقي الحياة، فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدّما
فحمل بهم الحسن بن عمار أميرهم، وحمي الوطيس حينئذ، وحرضهم على قتال الكفار، وكذلك فعل بطارقة الروم، حملوا، وحرضوا عساكرهم.
وحمل منويل مقدم الروم، فقتل في المسلمين، فطعنه المسلمون، فلم يؤثر فيه لكثرة ما عليه من اللباس، فرمى بعضهم فرسه فقتله، واشتد القتال عليه، فقتل هو وجماعة من بطارقته، فلما قتل انهزم الروم أقبح هزيمة، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة، فسقطوا فيها من خوف السيف، فقتل بعضهم بعضاً حتى امتلأت، وكانت الحرب من بكرة إلى العصر، وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية، وغنموا من السلاح والخيل، وصنوف الأموال، ما لا يحد.
وكان في جملة الغنيمة سيف هندي عليه مكتوب: هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً طالما ضرب به بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرؤوس، وسار من سلم من الروم إلى ريو.
وأما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم، وكانت الأقوات قد قلت عندهم، فأخرجوا من فيها من الضعفاء، وبقي المقاتلة، فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى الليل، ولزموا القتال في الليل أيضاً، وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة، وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار، وغنموا ما فيها، وكان شيئاً كثيراً عظيماً، ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ويقيم فيها.
ثم إن الروم تجمع من سلم منهم، وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ريو منهم، وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم، فركب الأمير أحمد في عساكره وأصحابه في المراكب أيضاً، وزحف إليهم في الماء وقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وألقى جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء، وخرقوا كثيراً من المراكب التي للروم، فغرقت، وكثر القتل في الروم، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، وسارت سرايا المسلمين في مدائن الروم، فغنموا منها، فبذل أهلها لهم من الأموال، وهادنوهم، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهذه الوقعة الأخيرة هي المعروفة بوقعة المجاز.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، عاشر المحرم، أغلقت الأسواق ببغداد، يوم عاشوراء، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة جرح فيها كثير، ونهبت الأموال.
وفيها، في ذي الحجة، ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي، وكان مبرقعاً، فوقع بينه وبينه أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع، فلما عاد معز الدولة من الموصل هرب المبرقع.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس
في هذه السنة فتح الروم المصيصة وطرسوس.
وكان سبب ذلك أن نقفور ملك الروم بنى بقيسارية مدينة ليقرب من بلاد الإسلام، وأقام بها، ونقل أهله إليها، فأرسل إليه أهل طرسوس والمصيصة يبذلون له إتاوة، ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه يقيم عندهم، فعزم على إجابتهم إلى ذلك.

فأتاه الخبر بأنهم قد ضعفوا وعجزوا، وأنهم لا ناصر لهم، وأن الغلاء قد اشتد عليهم، وقد عجزوا عن القوت، وأكلوا الكلاب والميتة، وقد كثر فيهم الوباء، فيموت منهم في اليوم نحو ثلاثمائة نفس، فعاد نقفور عن إجابتهم، وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على رأسه، واحترقت لحيته، وقال لهم أنتك كالحية، في الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان، وأحسن إليها، وادفأها انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتكم حتى تستقيم أحوالكم تأذيت بكم.
وأعاد الرسول، وجمع جيوش الروم وسار إلى المصيصة بنفسه، فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم، كانوا نحو مائتي ألف إنسان.
ثم سار طرسوس فحصرها، فأذعن أهلها بالطاعة، وطلبوا الأمان، فأجابهم إليه، وفتحوا البلد، فلقيهم بالجميل، وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي، ففعلوا ذلك، وساروا براً وبحراً، وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا إنطاكية.
وجعل الملك المسجد الجامع إصطبلاً لدوابه، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس وحصنها، وجلب الميرة إليها حتى رخصت الأسعار، وتراجع إليها كثير من أهلها، ودخلوا في طاعة الملك، وتنصر بعضهم.
وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام، ثم عاد إلى القسطنطينية، وأراد الدمستق، وهو ابن الشمشقيق، أن يقصد ميافارقين، وبها سيف الدولة، فأمره الملك باتباعه إلى القسطنطينية، فمضى إليه.
ذكر مخالفة أهل إنطاكية على سيف الدولةوفي هذه السنة عصى أهل إنطاكية على سيف الدولة بن حمدان.
وكان سبب ذلك أن إنساناً من أهل طرسوس كان مقدماً فيها، يسمى رشيقاً النسيمي، كان في جملة من سلمها إلى الروم وخرج إلى إنطاكية، فلما وصلها خدمه إنسان يعرف بابن الأهوازي كان يضمن الأرحاء بإنطاكية، فسلم إليه ما اجتمع عنده من حاصل الأرحاء، وحسن له العصيان، وأعلمه أن سيف الدولة بميافارقين قد عجز عن العود إلى الشام فعصى واستولى على إنطاكية، وسار إلى حلب، وجرى بينه وبين النائب عن سيف الدولة، وهو قرعويه، حروب كثيرة، وصعد قرعويه إلى قلعة حلب، فتحصن بها، وأنفذ سيف الدولة عسكراً مع خادمه بشارة نجدة لقرعويه، فلما علم بهم رشيق انهزم عن حلب، فسقط عن فرسه، فنزل إليه إنسان عربي فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى قرعويه وبشارة.
ووصل ابن الأهوازي إلى إنطاكية، فأظهر إنساناً من الديلم اسمه دزبر، وسماها الأمير، وتقوى بإنسان علوي ليقيم له الدعوة، وتسمى هو بالأستاذ، فظلم الناس، وجمع الأموال، وقصد قرعويه إلى إنطاكية، وجرت بينهما وقعة عظيمة فكانت على ابن الأهوازي أولاً، ثم عادت على قرعويه، فانهزم وعاد إلى حلب.
ثم إن سيف الدولة عاد عن ميافارقين عند فراغه من الغزاة إلى حلب، فأقام بها ليلة، وخرج من الغد، فواقع دزبر وابن الأهوازي، فقاتل من بها فانهزموا، وأسر دزبر وابن الأهوازي، فقتل دزبر، وسجن ابن الأهوازي مدة ثم قتله.
ذكر عصيان أهل سجستانوفي هذه السنة عصى أهل سجستان على أميرهم خلف بن أحمد، وكان خلف هذا هو صاحب سجستان حينئذ، وكان عالماً محباً لأهل العلم، فاتفق أنه حج سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، واستخلف على أعماله إنساناً من أصحابه يسمى طاهر بن الحسين، فطمع في الملك، وعصى على خلف لما عاد من الحج، فسار خلف إلى بخارى، واستنصر بالأمير منصور بن نوح، وسأله معونته، ورده إلى ملكه، فأنجده وجهز معه العساكر، فسار بهم نحو سجستان، فلما أحس بهم طاهر فارق مدينة خلف وتوجه نحو اسفرار، وعاد خلف إلى قراره وملكه وفرق العساكر.
فلما علم طاهر بذلك عاد إليه، وغلب على سجستان، وفارقها خلف، وعاد إلى حضرة الأمير منصور أيضاً ببخارى، فأكرمه وأحسن إليه، وأنجده بالعساكر الكثيرة، ورده إلى سجستان، فوافق وصوله موت طاهر، وانتصاب ابنه الحسين مكانه، فحاصره خلف وضايقه، وكثر بينهم القتلى، واستظهر خلف عليه، فلما رأى ذلك كتب إلى بخارى يعتذر ويتنصل، ويظهر الطاعة، ويسأل الإقالة، فأجابه الأمير منصور إلى ما طلبه، وكتب في تمكينه من المسير إليه، فسار من سجستان إلى بخارى، فأحسن الأمير منصور إليه.

واستقر خلف بن أحمد بسجستان، ودامت أيامه فيها، وكثرت أمواله ورجاله، فقطع ما كان يحمله إلى بخارى من الخلع والخدم والأموال التي استقرت القاعدة عليها، فجهزت ا