aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:09 am

وقيل: كان سبب قبضه أن المنصور في دولة بني أمية ورد على الموصل وأقام بها مستتراً وتزوج امرأة من الأزد، فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة وقال لها: إذا سمعت بدولة لبني هاشم فأرسلي هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولداً سمته جعفراً، فنشأ وتعلم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب.
وولي المنصور الخلافة، فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبي أيوب فجعله كاتباً بالديوان، فطلب المنصور يوماً من أبي أيوب كاتباً يكتب له شيئاً، فأرسل جعفراً إليه، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبه، فلما أمره بالكتابة رآه حاذقاً ماهراً، فسأله من أين هو ومن أبوه، فذكر فله الحال وأراه التذكرة، وكانت معه، فعرفه المنصور وصار يطلبه كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب.
ثم إن المنصور أحضره يوماً وأعطاه مالاً وأمر أن يصعد إلى الموصل ويحضر والدته، فسار من بغداد، وكان أبو أيوب قد وضع عليه العيون يأتونه بأخباره، فلما علم مسيره سير وراءه من اغتاله في الطريق فقتله، فلما أبطأ على المنصور أرسل إلى أمه بالموصل من يسألها عنه، فذكرت له أنها لا علم لها به إلا أنه ببغداد يكتب في ديوان الخليفة، فلما علم المنصور ذلك أرسل من يقص أثره، فانتهى إلى موضع وانقطع خبره، فعلم أنه قتل هناك، وكشف الخبر فرأى أن قتله من يد أبي أيوب، فنكبه وفعل به ما فعل.
وقبض المنصور أيضاً على عباد مولاه، وعلى هرثمة بن أعين بخراسان وأحضرا مقيدين لتعصبهما لعيسى بن موسى.
وفيها أخذ المنصور الناس بتلبيس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس
وفيها توفي عبيد ابن بنت ابن أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضي مكانه شريك بن عبد الله النخعي.
وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فوصل إلى حصن من حصون الروم ليلاً وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، ثم قصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين.
وحج بالناس هذه السنة المهدي، وكان أمير مكة محمد بن إبراهيم، وأمير المدينة الحسن بن زيد، وأمير مصر محمد بن سعيد، وكن يزيد بن منصور على اليمن في قول بعضهم، وعلى الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله ابن خالد.
وفيها مات هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي، وقيل: سنة ست وخمسين، وقيل: تسع وخمسين. والحسن بن عمارة. وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وثور بن يزيد. وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري. والضحاك ابن عثمان بن عبد الله بن خالد بن خزام من ولد أخي حكيم بن حزام. وفطر ابن خليفة الكوفي.
فطر بالفاء والراء المهملة. والجرشي بضم الجيم، وبالشين المعجمة.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائةفي هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس وسير يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة إلى إفريقية في خمسين ألفاً لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص، وأراد المنصور بناء الرافق فمنعه أهل الرقة، فهم لمحاربتهم.
وسقطت في هذه السنة الصاعقة فقتلت بالمسجد الحرام خمسة نفر.
وفيها هلك أبو أيوب المورياني، وأخوه خالد، وأمر المنصور بقطع أيدي بني أخيه وأرجلهم وضرب أعناقهم.
وفيها استعمل على البصرة عبد الملك بن ظبيان النميري، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات.
وحج بالناس محمد بن إبراهيم وهو على مكة.
وكان على إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من تقدم ذكرهم.
وفيها مات أو عمرو بن العلاء، وقيل: مات سنة سبع وخمسين، وكان عمره ستاً وثمانين سنة. ومحمد بن عبد الله الشعيثي النصري بالنون. وفيها مات عثمان بن عطاء. وجعفر بن برقان الجزري. وأشعب الطامع. وعلي بن صالح بن حبي. وعمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق. ووهيب بن الورد المكي الزاهد. وقرة بن خالد أبو خالد السدوسي البصري وهشام الدستوائي، وهو هشام بن أبي عبد الله البصري.
الشعيثي بضم السين المعجمة، وفي آخره ثاء مثلثة.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائةفيها دخل يزيد بن حاتم إفريقية، وقتل أبا حاتم، وملك القيروان وسائر الغرب. وقد تقدم ذكر مسيره ورحوبه مستقصى.

وفيها سير المنصور المهدي لبناء الرافقة، فسار إليها، فبناها على بناء مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سوراً وخندقاً، وجعل ما أنفق فيه من الأموال على أهلها. ولما أراد المنصور معرفة عددهم أمر أن يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلما علم عددهم، أمر بجبايتهم أربعين درهماً لكل واحد، فقال الشاعر:
يا لقومي ما لقينا ... من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا
وفيها طلب ملك الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدي إليه الجزية.
وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وعزل عبد الملك بن أيوب بن ظبيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكي.
ذكر عزل العباس بن محمد عن الجزيرة
واستعمال موسى بن كعب
وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وغضب عليه، وغرمه مالاً فلم يزل ساخطاً عليه، حتى غضب على عمه إسماعيل بن علي، فشفع فيه عمومة المنصور، وضيقوا عليه، حتى رضي عنه، فقال عيسى بن موسى للمنصور: يا أمير المؤمنين، أرى آل علي بن عبد الله، وإن كانت نعمك عليهم سابغة، فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا، فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن علي، منذ أيام فضيقوا عليك، حتى رضيت عنه، وأنت غضبان على أخيك العباس منذ كذا وكذا، فما كلمك فيه أحد منهم؛ فرضي عنه.
وكان المنصور قد استعمل العباس على الجزيرة بعد يزيد بين أسيد، فشكا يزيد منه وقال: إنه أساء عزلي، وشتم عرضي. فقال له المنصور: أجمع بني إحساني وإساءته يعتدلا. فقال له يزيد بن أسيد: إذا كان إحسانكم جزاء لإساءتكم كانت طاعتنا تفضلا منا عليكم.
ولما عزل المنصور أخاه عن الجزيرة استمل عليها موسى بن كعب.
ذكر عزل محمد بن سليمان عن الكوفة واستعمال عمرو بن زهيروفيها عزل محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن الكوفة، واستعمل عليها عمرو بن زهير الضبي أخاً المسيب بن زهير؛ وقيل: إنما عزل سنة ثلاث وخمسين، وكان عزله لأسباب بلغته عنه، منها أنه قتل عبد الكريم بن أبي العوجاء، وكان قد حبسه على الزندقة، وهو خال معن بن زائدة الشيباني، فكثر شفعاؤه عند المنصور، ولم يتكلم فيه إلا ظنين منهم، فكتب إلى محمد بن سليمان بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه.
وكان ابن أبي العوجاء قد أرسل إلى محمد بن سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة أيام، ويعطيه مائة ألف، فلما ذكر لمحمد أمر بقتله، فلما أيقن أنه مقتول قال: والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم، وصومتكم يوم فطركم؛ فقتل.
وورد كتاب المنصور إلى محمد يأمره بالكف عنه، فوصل وقد قتله، فلما بلغ قتله المنصور غضب، وقال: والله لقد هممت أن أقيده به ! ثم أحضر عمه عيسى بن علي وقال له: هذا عملك؛ أنت أشرت بتولية هذا الغلام الغر؛ قتل فلاناً بغير أمري، وقد كتبت بعزله، وتهدده؛ فقال له عيسى: إن محمداً إنما قتله على الزندقة، فإن كان أصاب فهو لك، وإن أخطأ فعليه، ولئن عزلته على أثر ذلك ليذهبن بالثناء والذكر، ولترجعن بالمقالة من العامة عليك؛ فمزق الكتاب.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أنكرت الخوارج الصفرية المجتمعة بمدينة سجلماسة على أميرهم عيسى بن جرير أشياء، فشدوه وثاقاً، وجعلوه على رأس الجبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن واسول المكناسي جد مدرار.
وفيها ولد أبو سنان الفقيه المالكي بمدينة القيروان من إفريقية.
وفيها عزل الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عن المدينة، واستعمل عليها عمه عبد الصمد بن علي، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم؛ وعلى الكوفة عمرو بن زهير؛ وعلى البصرة الهيثم بن معاوية؛ وعلى مصر محمد بن سعيد؛ وعلى إفريقية يزيد بن حاتم؛ وعلى الموصل خالد بن برمك، وقيل: موسى بن كعب بن سفيان الخثعمي.
وفي هذه السنة مات مسعر بن كدام الكوفي الهلالي.
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة
ذكر عصيان أهل إشبيلية على عبد الرحمن الأموي

في هذه السنة سار عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، إلى حرب شقنا، وقصد حصن شيطران، فحصره وضيق عليه، فهرب إلى المفازة كعادته، وكان قد استخلف على قرطبة ابنه سليمان، فأتاه كتابه يخبره بخروج أهل إشبيلية مع عبد الغفار وحيوة بن ملابس عن طاعته، وعصيانهم عليه، واتفق من بها من اليمانية معهما، فرجع عبد الرحمن ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدم ابن عمه عبد الملك بن عمر، وكان شهاب آل مروان، وبقي عبد الرحمن خلفه كالمدد له.
فلما قارب عبد الملك أهل إشبيلية قدم ابنه أمية ليعرف حالهم، فرآهم مستيقظين، فرجع إلى أبيه، فلامه أبوه على إظهار الوهن، وضرب عنقه، وجمع أهل بيته وخاصته، وقال لهم: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصقع، ونحسد على لقمة تبقي الرمق؛ اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظفر.
ففعلوا، وحمل بين أيديهم، فهزم اليمانية وأهل إشبيلية، فلم تقم بعدها لليمانية قائمة، وجرح عبد الملك.
وبلغ الخبر إلى عبد الرحمن، فأتاه وجرحه يجري دماً، وسيفه يقطر دماً، وقد لصقت يده بقائم سيفه، فقبله بين عينيه، وجزاه خيراً، وقال: يا إبن عم قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، وأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة.
وهذا عبد الملك هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة المنصور، وقال له: تقطعها وإلا قتلت نفسي ! وكان قد خطب له عشرة أشهر، فقطعها.
وكان عبد الغفار وحيوة بن ملابس قد سلما من القتل. فلما كانت سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية، فقتل خلقاً كثيراً ممن كان مع عبد الغفار وحيوة ورجع. وبسبب هذه الوقعة وغش العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد.
ذكر الفتنة بإفريقية مع الخوارجقد ذكرنا هرب عبد الرحمن بن حبيب، الذي كان أبوه أمير إفريقية، مع الخوارج، واتصاله بكتامة، فسير يزيد بن حاتم أمير إفريقية العسكر في أثره، وقاتلوا كتامة.
فلما كانت هذه السنة سير يزيد عسكراً آخر مدداً للذين يقاتلون عبد الرحمن، فاشتد الحصار على عبد الرحمن، فمضى هارباً، وفارق مكانه، فعادت العساكر عنه.
ثم ثار في هذه السنة على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن فانوس الهواري بناحية طرابلس، فاجتمع عليه كثر من البربر، وكان عسكر ليزيد بن حاتم مع عامل البلد، فخرج العامل والجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من أرض هوارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أبو يحيى بن فانوس وقتل عامة أصحابه، وسكن الناس بإفريقية وصفت ليزيد بن حاتم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ظفر الهيثم بن معاوية، عامل البصرة، بعمرو بن شداد الذي كان عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس؛ وسبب ظفره به أنه ضرب غلاماً له، فأتى الهيثم، فدله عليه، فأخذه، فقتله، وصلبه بالمربد.
وفيها عزل الهيثم عن البصرة، واستعمل سوار القاضي على الصلاة مع القضاء، واستعمل سعيد بن دعلج على شرط البصرة وأحداثها، ولما وصل الهيثم إلى بغداد مات بها، وصلى عليه المنصور.
وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي؛ وحج بالناس العباس بن محمد بن علي، وكان على مكة محمد بن إبراهيم الإمام، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشرط بالبصرة سعيد بن دعلج، وعلى الصلاة والقضاء سوار بن عبد الله، وعلى كور دجلة والأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد.
وفيها سخط عبد الرحمن الأموي على مولاه بدرٍ لفرط إدلاله عليه، ولم يرع حق خدمته وطول صحبته، وصدق مناصحته، فأخذ ماله، وسلبه نعمته، ونفاه إلى الثغر، فبقي به إلى أن هلك.
وفيها مات عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية وقد تكلم الناس في حديثه.
وفيها توفي حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، أحد القراء السبعة.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائةفي هذه السنة بني المنصور قصره الذي يدعى الخلد.
وفيها حول المنصور الأسواق إلى الكرخ وغيره، وقد تقدم سبب ذلك. واستعمل سعيد بن دعلج على البحرين، فأنفذ إليها ابنه تميماً؛ وعرض المنصور جنده في السلاح، وجلس لذلك، وخرج هو لابساً درعاً وبيضة.

وفيها مات عامر بن إسماعيل المسلي، وصلى عليه المنصور، وتوفي سوار بن عبد الله، قاضي البصرة، واستعمل مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري؛ وعزل محمد بن سليمان الكاتب عن مصر، واستعمل مولاه مطرٌ، واستعمل معبد بن الخليل على السند وعزل هشام بن عمرو.
وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي، فوجه سناناً مولى البطال إلى حصن، فسبى وغنم؛ وقيل: إنما غزا الصائفة زفر بن عاصم.
وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان على مكة، وقيل كان عليها عبد الصمد بن علي، وعلى الأمصار من ذكرنا.
وفيها قتل المنصور يحيى بن زكرياء المحتسب، وكان يطعن على المنصور، ويجمع الجماعات فيما قيل.
وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، وقيل: سنة ثمان وخمسين: وفي سنة سبع وخمسين مات الأوزاعي الفقيه، وإسمه عبد الرحمن بن عمرو، وله سبعون سنة؛ ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، جد الزبير بن بكار.
وفيها أخرج سليمان بن يقظان الكلبي قارله ملك الإفرنج إلى بلاد المسلمين، من الأندلس، ولقيه بالطريق، وسار معه إلى سرقسطة، فسبقه إليها الحسين بن يحيى الأنصاري من ولد سعد بن عبادة، وامتنع بها، فاتهم قارله ملك الإفرنج سليمان، فقبض عليه، وأخذه معه إلى بلاده، فلما أبعد من بلاد المسلمين واطمأن هجم عليه مطروحٌ وعيشون ابنا سليمان في أصحابهما، فاستنقذا أباهما، ورجعا به إلى سرقسطة، ودخلوا مع الحسين، ووافقوا على خلاف عبد الرحمن.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة
ذكر عزل موسى عن الموصل
وولاية خالد بن برمك
في هذه السنة عزل المنصور موسى بن كعب عن الموصل، وكان قد بلغه عنه ما أسخطه عليه، فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة، وأظهر أنه يريد بيت المقدس، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى وقيده واستعمل خالد بن برمك.
وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم، وأجله ثلاثة أيام، فإن أحضر المال وإلا قتله؛ فقال لابنه يحيى: يا بني الق إخواننا عمارة بن حمزة، ومباركاً التركي، وصالحاً صاحب المصلى وغيرهم وأعلمهم حالنا.
قال يحيى: فأتيتهم، فمنهم من منعني من الدخول عليه ووجه المال، ومنهم من تجهمني بالرد ووجه المال سراً إلي، قال: فأتيت عمارة بن حمزة ووجهه إلى الحائط، فما أقبل به علي، فسلمت، فرد رداً ضعيفاً، وقال: كيف أبوك ؟ فعرفته الحال، وطلبت قرض مائة ألفٍ، فقال: إن أمكنني شيء فسيأتيك، فانصرفت وأنا ألعنه من تيهه، وحدثت أبي بحديثه، وإذ قد أنفذ المال، قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقي ثلاثمائة ألف تبطل الجميع بتعذرها.
قال: فعبرت على الجسر وأنا مهموم، فوثب إلي زاجرٌ فقال: فرخ الطائر أخبرك، فطويت، فلحقني، وأخذ بلجام دابتي، وقال لي: أنت مهموم، والله لتفرحن ولتمرن غداً في هذا الموضع واللواء بين يديك. فعجبت من قوله، فقال: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم. فقلت: نعم ؟! وأنا أستبعد ذلك.
وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة، وانتشار الأكراد بها، فقال: من لها ؟ فقال المسيب بن زهير: عندي رأيٌ أعلم أنك لا تقبله مني، وأعلم أنك ترده علي، ولكني لا أدع نصحك. قال: قل ! قلت: ما لها مثل خالد بن برمك. قال: فكيف يصلح لنا بعد ما فعلنا ؟ قال: إنما قومته بذلك، وأنا الضامن له. قال: فليحضرني غداً، فأحضره، فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية، وعقد له، وعقد لابنه يحيى على أذربيجان، فاجتاز يحيى بالزاجر، فأخذه معه، وأعطاه خمسين ألف درهم، وأنفذ خالدٌ إلى عمارة بالمائة ألف التي أخذها منه مع ابنه يحيى، فقال له: صيرفياً كنت لأبيك ؟ قم عني، لا قمت ! فعاد بالمال، وسار مع المهدي فعزل موسى بن كعب وولاهما.
فلم يزل خالدٌ على الموصل وابنه يحيى على أذربيجان إلى أن توفي المنصور، فذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال: ما هبناه أميراً قط هيبتنا خالداً، من غير أن يشتد علينا، ولكن هيبة كانت له في صدورنا.
ذكر موت المنصور ووصيتهوفي هذه السنة توفي المنصور لست خلوان من ذي الحجة ببئر ميمون، وكان على ما قيل قد هتف به هاتف من قصره، فسمعه يقول:
أما وربّ السّكون والحرك ... إنّ المنايا كثيرة الشّرك

عليك، يا نفس، إن أسأت، وإن ... أحسنت بالقصد، كلّ ذاك لك
ما اختلف اللّيل والنّهار، ولا ... دارت نجوم السّماء في الفلك
إلاّ تنقّل السّلطان عن ملكٍ ... إذا انتهى ملكه إلى ملك
حتى يصيرا به إلى ملكٍ ... ما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السّماء والأرض وال ... مرسي الجبال المسخّر الفلك
فقال المنصور: هذا أوان أجلي. قال الطبري: وقد حكى عبد العزيز بن مسلم أنه قال: دخلت على المنصور يوماً أسلم عليه، فإذا هو باهت لا يحير جواباً، فوثبت لما أرى منه لأنصرف، فقال لي بعد ساعة: إني رأيت في المنام كأن رجلاً ينشدني هذه الأبيات:
أأخيّ خفّض من مناكا ... فكأنّ يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدّهر من ... تصريفه ما قد أراكا
فإذا أردت النّاقص العب ... د الذّليل، فأنت ذاكا
ملّكت ما ملّكته، ... والأمر فيه إلى سواكا
هذا الذي ترى من قلقي وغمي لما سمعت ورأيت؛ فقلت: خيراً رأيت يا أمير المؤمنين؛ فلم يلبث أن خرج إلى مكة، فلما سار من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه، فانقض في مقامه هنالك كوكبٌ لثلاث بقين من شوال، بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس، فأحضر المهدي وكان قد صحبه ليودعه، فوصاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه، بكرة وعشية، فلما كان اليوم الذي ارتحل فيه قال له: إني لم أدع شيئاً إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال ما أظنك تفعل واحدةً منها.
وكان له سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا ففي الثاني والثالث، حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك، فالكراسة الصغيرة، فأنك واجدٌ فيها ما تريد، وما أظنك تفعل.
وانظر هذه المدينة، وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند، والنفقات، والذرية، ومصلحة البعوث، فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وتحسن إليهم، وتقدمهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر، فإن عزك عزهم، وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليك فأحسن إليهم، وقربهم، واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيراً، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل. وأياك أن تبني مدينة الشرقية، فأنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل. وإياك أن تستعين برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل. وإياك إن تدخل النساء في أمرك، وأظنك ستفعل.
وقيل: قال له: إني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وإنما حداني على الحج ذلك، فأتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجاً ومخرجاً، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب.
يا بني احفظ محمداً، صلى الله عليه وسلم، في أمته، يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإنه حوبٌ عند الله عظيمٌ، وعارٌ في الدنيا لازم مقيم، والزم الحدود، فإن فيها خلاصك في الآجل وصلاحك في العاجل، ولا تعتد فيها فتبور، فإن الله تعالى لو علم أن شيئاً أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه.

وأعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أنه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعي في الأرض فساداً مع ما ذخر له من العذاب العظيم، فقال: " إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَونْ في الأرَضِ فَسَاداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا " المائدة: 33 الآية. فالسلطان، يا بني، حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودينه القيم، فاحفظه، وحصنه، وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن، واحكم بالعدل، ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء.
وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما خلفه الله لك، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة، وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال، واخزنها، وإياك والتبذير، فأن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان.
وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت؛ وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع، جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولاً فأولاً واجتهد وشمر فيها؛ وأعد رجالاً بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر، ولا تكسل، واستعمل حسن الظن بربك، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من تثبت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة، ونفساً غير لاهية، ولا تنم، فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه مستيقظٌ. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك.
ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم سار إلى الكوفة، وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدي، وأشعره، وقلده لأيام خلت من ذي القعدة. فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به، وهو القيام، فلما اشتد وجعه جعل يقول للربيع: بادرني حرم ربي هارباً من ذنوبي؛ وكان الربيع عديله؛ ووصاه بما أراد، فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة، ولم يحضره عند وفاته إلا خدمة، والربيع مولاه، فكتم الربيع موته، ومنع من البكاء عليه، ثم أصبح، فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وكان أول من دعا عمه عيسى بن علي، فمكث ساعة، ثم أذن لأبن أخيه عيسى بن موسى، وكان فيما خلا يقدم على عيسى بن علي، ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان منهم، ثم لعامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي، ولعيسى بن موسى بعده على يدي موسى الهادي بن المهدي.
فلما فرغ من بيعه بني هاشم بايع القواد، وبايع عامة الناس، وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن والمقام، واشتغلوا بتجهيز المنصور، ففرغوا منه العصر، وكفن، وغطي وجهه وبدنه، وجعل رأسه مكشوفاً لأجل إحرامه، وصلى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفنت في مقبرة المعلاة، وحفروا له مائة قبر ليغموا على الناس، ودفن في غيرها، ونزل في قبره عيسى بن علي، وعيسى بن محمد، والعباس بن محمد، والربيع والريان مولياه، ويقطين، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وقيل أربعاً وستين، وقيل ثمانياً وستين سنة، فكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوماً، وقيل إلا ثلاثة أيام، وقيل إلا يومين؛ وقيل في موته: إنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر في صدر البيت، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
أبا جعفرٍ حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لا بدّ واقع
أبا جعفرٍ هل كاهنٌ أو منجّمٌ ... لك اليوم من حرّ المنيّة مانع
فأحضر متولي المنازل، وقال له: ألم آمرك أن لا يدخل المنازل أحد الناس ؟ قال: والله ما دخلها أحد منذ فرغ. فقال: اقرأ ما في صدر البيت ! فقال: ما أرى شيئاً، فأحضر غيره، فلم ير شيئاً، فأملى البيتين، ثم قال لحاجبه: اقرأ آية، فقرأ: " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون " الشعراء: 227، فأمر به فضرب، ورحل من المنزل تطيراً، فسقط عن دابته، فاندق ظهره ومات، فدفن ببئر ميمون، والصحيح ما تقدم.
ذكر صفة المنصور وأولاده

كان أسمر نحيفاً، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة. وأما أولاده فالمهدي محمد، وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميري، وكانت تكنى أم موسى؛ ومات جعفر قبل المنصور؛ ومنهم سليمان؛ وعيسى، ويعقوب، أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، وجعفر الأصغر، أمه أم ولد، كردية، وكان يقال له: ابن الكردية؛ وصالح المسكين، أمه أم ولد رومية؛ والقاسم، مات قبل المنصور وله عشر سنين، أمه أم ولد تعرف بأم القاسم، ولها بباب الشام بستان يعرف ببستان أم القاسم؛ والعالية، أمها امرأة من بني أمية.
ذكر بعض سيرة المنصورقال سلام الأبرش: كنت أخدم المنصور داخلاً في منزله، وكان من أحسن الناس خلقاً، ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثوبه اربد لونه، واحمرت عيناه فيخرج منه ما يكون.
وقال لي يوماً: يا بني ! إذا رأيتني قد لبست ثيابي، أو رجعت من مجلسي فلا يدنون مني منكم أحد مخافة أن أغره بشيء.
قال: ولم ير في دار المنصور لهوٌ، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث، إلا مرة واحدة، رؤي بعض أولاده وقد ركب راحلة، وهو صبي، وتنكب قوساً في هيئة الغلام الأعرابي، بين جوالقين فيهما مقل ومساويل وما يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك، وأنكروه، فعبر إلى المهدي بالرصافة فأهداه له، فقبله وملأ الجوالقين دراهم، فعاد بينهما، فعلم أنه ضرب من عبث الملوك.
قال حماد التركي: كنت واقفاً على رأس المنصور، فسمع جلبة، فقال: انظر ما هذا ! فذهبت، فإذا خادمٌ له قد جلس حوله الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور، وهن يضحكن، فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور ؟ فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور ؟ قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن، فلما رأينه تفرقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور، حتى تكسر الطنبور، وأخرج الخادم فباعه.
قال: وكان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن، لما بلغه من الاختلاف هناك، فسار إليه وأصلحه. وقصده الناس من أقطار الأرض لاشتهار جوده، ففرق فيهم الأموال، فسخط عليه المنصور، فأرسل إليه معن بن زائدة وفداً من قومه، فيهم مجاعة بن الأزهر، وسيرهم إلى المنصور ليزيلوا غيظه وغضبه، فلما دخل على المنصور ابتدأ مجاعة بحمد الله والثناء عليه، وذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، فأطنب في ذلك حتى عجب القوم، ثم ذكر المنصور وما شرفه الله به، وذكر بعد ذلك صاحبه. فلما انقضى كلامه قال: أما ما ذكرت من حمد الله، فالله أجل من أن تبلغه الصفات؛ وأما ما ذكرت من النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد فضله الله تعالى بأكثر مما قلت؛ وأما ما وصفت به أمير المؤمنين، فإنه فضله الله بذلك، وهو معينه على طاعته، إن شاء الله تعالى؛ وأما ما ذكرت من صاحبك، فكذبت ولؤمت؛ إخرج، فلا يقبل ما ذكرته.
فلما صاروا بآخر الأبواب أمر برده مع أصحابه، فقال: ما قلت ؟ فأعاده عليه، فأخرجوا، ثم أمر بهم، فأوقفوا، ثم التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا ؟ والله لقد تكلم حتى حسدته، وما منعني أن أتم على رده إلا أن يقال حسده لأنه من ربيعة، وما رأيت مثله رجلاً أربط جأشاً، ولا أظهر بياناً؛ رده يا غلام.
فلما صار بين يديه قال: اقصد لحاجتك ! قال: يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة عبدك، وسيفك، وسهمك، رميت به عدوك، فضرب، وطعن، ورمى حتى سهل ما حزن، وذل ما صعب، واستوى ما كان معوجاً من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساعٍ، أو واشٍ، فأمير المؤمنين أولى بالفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته.
فقبل عذره وأمر بصرفهم إليه، فلما قرأ معن الكتاب بالرضا، قبل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وأجازهم على أقدارهم، وأمرهم بالرحيل إلى المنصور، فقال مجاعة:
آليت في مجلسٍ من وائلٍ قسماً ... ألاّ أبيعك يا معنٌ بأطماع
يا معن ! إنّك أوليتني نعماً ... عمّت لحيماً وخصّت آل مجّاع
فلا أزال إليك الدّهر منقطعاً ... حتى يشيد بهلكي هتفه الناعي
وكان من نعم معن على مجاعة أنه قضى له ثلاث حوائج منها: أنه كان يتعشق جارية من أهل

بيت معن، اسمها زهراء، فطلبها، فلم يجبه لفقره، فطلبها من معن، فأحضر أباها، فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم، وأمهرها من عنده.
ومنها: أنه طلب منه حائطاً بعينه، فاشتراه له.
ومنها أنه استوهب منه شيئاً، فوهب له ثلاثين ألف درهم تمام مائة ألف.
قيل: وكان المنصور يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم، أما أحدهم: فقاضٍ لا تأخذه في الله لومة لائم؛ والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي؛ والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية.
ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة: آه آه. قيل: ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة.
وقيل: دعا المنصور بعامل قد كسر خراجه، فقال له: أد ما عليك ! فقال: والله ما أملك شيئاً. وأذن مؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله ! فقال: يا أمير المؤمنين هب ما علي لله وشهادة أن لا إله إلا الله. فخلى سبيله.
وقيل: وأتي بعامل، فحبسه وطالبه، فقال العامل: عبدك يا أمير المؤمنين؛ فقال: بئس العبد أنت! فقال: لكنك نعم المولى. قال: أما لك فلا.
قيل: وأتي بخارجي قد هزم له جيوشاً، فأراد ضرب رقبته، ثم ازدراه فقال: يا ابن الفاعلة ! مثلك يهزم الجيوش ؟ فقال له: ويلك وسوأة لك، أمس بيني وبينك السيف، واليوم القذف والسب، وما كان يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبداً ؟ فاستحيا منه المنصور وأطلقه.
قيل: وكان شغل المنصور، في صدر نهاره، بالأمر والنهي، والولايات، والعزل، وشحن الثغور والأطراف، وأمن السبل، والنظر في الخراج والنفقات، ومصلحة معاش الرعية، والتلطف بسكونهم وهديهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته؛ فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سماره؛ فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه، وانصرف سماره؛ وإذا مضى الثلث الثاني قام فتوضأ وصلى، حتى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه.
قيل: وقال للمهدي: لا تبرم أمراً حتى تفكر فيه، فإن فكر العاقل مرآته تريه حسنه وسيئه. يا بني ! لا يصلح السلطان إلا بالتقوى، ولا تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه، واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختياره.
يا أبا عبد الله ! لا تجلس مجلساً إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك؛ ومن أحب أن يحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض الحمد أحدٌ إلا استذم، وما استذم إلا كره.
يا أبا عبد الله ! ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه، بل العاقل الذي يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.
وقال للمهدي يوماً: كم راية عندك ؟ قال: لا أدري. قال: إنا لله أنت لأمر الخلافة أشد تضييعاً، ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت، فاتق الله فيما خولك.
قيل: وقال إسحاق بن عيسى: لم يكن أحد من بني العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة، غير المنصور، وأخيه العباس بن محمد، وعمهما داود بن علي؛ قيل: وخطب المنصور يوماً، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاعترضه إنسان فقال: أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به ! فقطع الخطبة، ثم قال: سمعاً، سمعاً لمن حفظ عن الله، وأعوذ بالله أن أكون جباراً عنيداً، أو تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت، إذاً، وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القاتل، فوالله ما أردت بهذا القول الله، ولكنك أردت أن يقال قام، فقال، فعوقب، فصبر، وأهون بها، ويلك، لقد هممت، واغتنمها إذ عفوت، وإياك، وإياكم معاشر المسلمين أختها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، وتصدروه مصادره.
ثم عاد إلى خطبته، كأنما يقرأها، فقال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

وقال عبد الله بن صاعد: خطب المنصور بمكة، بعد بناء بغداد، فكان مما قال: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء: 105. أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل، والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعداً للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضاً، والفيء إرثاً وجعلوا القرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون النحل: 34، فكم من بئر معطلة، وقصر مشيد، أهملهم الله حين بدلوا السنة، وأهملوا العبرة، وعندوا، واعتدوا، واستكبروا وخاب كل جبار عنيد؛ فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً.
قال: وكتب إليه رجل يشكو بعض عماله، فوقع إلى العامل في الرقعة: إن آثرت العدل صحبتك السلامة؛ وإن آثر الجور فما أقربك من الندامة، فأنصف هذا المتظلم من الظلامة.
قيل: وكتب إلى المنصور صاحب أرمينية يخبره أن الجند قد شغبوا عليه، ونهبوا ما في بيت المال، فوقع في كتابه: اعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا.
وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه يدل على فصاحته وبلاغته، وقد تقدم له أيضاً من الكتب وغيرها ما يدل على أنه كان واحد زمانه، إلا أنه كان يبخل، ومما نقل عنه من ذلك قول الوضين بن عطاء: استزارني المنصور، وكان بيني وبينه خلة قبل الخلافة، فخلونا يوماً، فقال: يا أبا عبد الله ! ما لك ؟ قلت: الخبر الذي تعرفه. قال: وما عيالك ؟ قلت: ثلاث بنات، والمرأة، وخادم لهن. فقال: أربع في بيتك ؟ قلت: نعم ! فرددها، حتى ظننت أنه سيعينني، ثم قال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن في بيتك.
قيل: رفع غلام لأبي عطاء الخراساني أن له عشرة آلاف درهم، فأخذها منه وقال: هذا مالي. قال: من أين يكون مالك، ووالله ما وليتك عملاً قط، ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة ! قال: بلى! كنت تزوجت امرأة لعيينة ابن موسى بن كعب، فورثتك مالاً، وكان قد عصى بالسند، وهو والٍ على السند، وأخذ مالي فهذا المال من ذاك.
وقيل لجعفر الصادق: إن المنصور يكثر من لبس جبة هروية، وإنه يرقع قميصه. فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف به، حتى ابتلاه بفقر نفسه في ملكه.
قيل: وكان المنصور إذا عزل عاملاً أخذ ماله وتركه في بيت مال مفرد سماه بيت مال المظالم، وكتب عليه اسم صاحبه، وقال للمهدي: قد هيأت لك شيئاً فإذا أنا مت فادع من أخذت ماله فاردده عليه، فإنك تستحمد بذلك إليهم وإلى العامة؛ ففعل المهدي ذلك.
وله في ضد ذلك أشياء كثيرة.
قيل: وذكر زيد مولى عيسى بن نهيك قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي، فسألني: كم خلق من مال ؟ قلت: ألف دينار، وأنفقته امرأته في مأتمه. قال: كم خلف من البنات ؟ قلت: ستاً؛ فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: اغد إلى المهدي، فغدوت إليه، فأعطاني مائة ألف وثمانين ألف دينار، لكل واحدة منهن ثلاثين ألفاً، ثم دعاني المنصور فقال: عد علي بأكفائهن حتى أزوجهن، ففعلت، فزوجهن، وأمر أن تحمل إليهن صدقاتهن من ماله، لكل واحدة منهن ثلاثون ألف درهم، وأمرني أن أشتري بمالهن ضياعاً لهن يكون معاشهن منها.
قيل: وفرق المنصور على جماعة من أهل بيته في يوم واحد، عشرة آلاف ألف درهم، وأمر لجماعة من أعمامه منهم: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، لكل رجل منهم بألف ألف، وهو أول من وصل بها.
وله في ذلك أيضاً أخبار كثيرة، وأما غير ذلك، قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ما رأيت رجلاً قط في حرب، ولا سمعت به في سلم أنكر، ولا أمكر، ولا أشد تيقظاً من المنصور. لقد حصرني تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا بكل الجهد أن ننال من عسكره شيئاً نكسره به، فما تهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء، فخرجت إليه وما في رأسي شعرة سوداء.

وقيل: وأرسل ابن هبيرة إلى المنصور، وهو محاصره، يدعوه إلى المبارزة، فكتب إليه: إنك متعد طورك، جار في عنان غيك، يعدك الله ما هو مصدقه، ويمنيك الشيطان ما هو مكذبه، ويقرب ما الله مباعده، فرويداً يتم الكتاب أجله، وقد ضربت مثلي ومثلك: بلغني أن أسداً لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: قاتلني ! فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفؤ لي ولا نظير، ومتى قاتتك فقتلتك قيل لي: قتل خنزيراً، فلا أعتقد فخراً، ولا ذكراً؛ وإن نالني منك شيء كان سبة علي. فقال الخنزير: إن لم تفعل أعلمت السباع أنك نكلت عني؛ فقال الأسد: احتمال عار كذبك علي أيسر من لطخ شرابي بدمك.
قيل: وكان المنصور أول من علم الخيش، فإن الأكاسرة كانوا يطينون كل يوم بيتاً يسكنونه في الصيف، وكذلك بنو أمية.
قيل: وأتي برجل من بني أمية، فقال: إني أسألك عن أشياء، فاصدقني ولك الأمان. قال: نعم ! قال: من أين أتي بنو أمية ؟ قال: من تضييع الأخبار. قال: فأي الأموال وجدوها أنفع ؟ قال: الجوهر. قال: فعند من وجدوا الوفاء ؟ قال: عند مواليهم؛ فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، فقال: اضع منهم، فاستعان بمواليه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:10 am

ذكر خلافة المهدي والبيعة لهذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال: خرجت من البصرة حاجاً، فاجتمعت بالمنصور بذات عرق، فكنت أسلم عليه كلما ركب، وقد أشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكة، فقضيت عمرتي، وكنت أختلف إلى المنصور، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم، صليت الصبح بمكة، وركبت أنا ومحمد بن عون بن عبد الله بن الحارث، وكان من مشايخ بني هاشم وسادتهم، فلما صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل إلى مكة، فسلمنا عليهما ومضينا، فقلت لمحمد: أحسب الرجل قد مات، فكان كذلك.
ثم أتينا العسكر، فإذا موسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم بن المنصور في ناحية من السرداق، وقد كان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة، ورفع الناس إليه القصص، فلما رأيته علمت أن المنصور قد مات.
وأقبل الحسن بن زيد العلوي، وجاء الناس حتى ملؤوا السرداق، وسمعنا همساً من بكاء، وخرج أبو العنبر، خادم المنصور، مشقق الأقبية، وعلى رأسه التراب، وصاح: واأمير المؤمنيناه ! فما بقي أحد إلا قام، ثم تقدموا ليدخلوا إليه، فمنعهم الخدم، وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله ! أما شهدتم موت خليفة قط ؟ اجلسوا، فجلسوا، وقام القاسم فشق ثيابه، ووضع التراب على رأسه، وموسى على حاله.
ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس، ففتحه، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله المنصور، أمير المؤمنين، إلى من خلف من بني هاشم، وشيعته من أهلب خراسان، وعامة المسلمين، ثم بكى، وبكى الناس، ثم قال: قد أمكنكم البكاء، فأنصتوا، رحمكم الله؛ ثم قرأ: أما بعد، فإني كتبت كتابي هذا، وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، أقرأ عليكم السلام وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعاً، ولا يذيق بعضكم بأس بعض.
ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له، وحثهم على الوفاء بعهده، ثم تناول يد الحسن، بن زيد وقال: قم فبايع ! فقام إلى موسى فبايعه، ثم بايعه الناس الأول فالأول، ثم أدخل بنو هاشم على المنصور وهو في أكفانه، مكشوف الرأس، فحملناه، حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال، فكأني أنظر إليه والريح تحرك شعر صدغيه، وذلك أنه كان وفر شعره للحلق، وقد نصل خضابه، حتى أتينا به حفرته.
وكان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان أن عيسى بن موسى أبى البيعة، فقال علي بن عيسى بن ماهان: والله لتبايعن أو لأضربن عنقك ! فبايع؛ ثم وجه موسى بن المهدي والربيع إلى المهدي بخبر وفاة المنصور، وبالبيعة له مع منارة مولى المنصور، وبعثا أيضاً بالقضيب، وبردة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبخاتم الخلافة، وخرجوا من مكة، فقدم الخبر على المهدي مع منارة، منتصف ذي الحجة، فبايعه أهل بغداد.

وقيل: إن الربيع كتم موت المنصور، وألبسه، وسنده، وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها، ولا يفهم أمره، وأدنى أهله منه، ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم، وأمرهم عنه بتجديد البيعة للمهدي، فبايعوا، ثم أخرجهم، وخرج إليهم باكياً مشقق الجيب، لاطماً رأسه. فلما بلغ ذلك المهدي أنكره على الربيع، وقال: أما منعتك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت به ما فعلت ؟ وقيل ضربه، ولم يصح ضربه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل المنصور المسب بن زهير عن شرطته، وحبسه مقيداً، وسبب ذلك أنه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط، حتى قتله، لأنه كان شريك أخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة، واستعمل على شرطته الحكم بن يوسف، صاحب الحراب، ثم كلم المهدي أباه في المسيب. فرضي عنه، وأعاده إلى شرطته.
وفيها استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد الله على فارس.
وفيها عاد المهدي من الرقة في شهر رمضان.
وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقي العدو، فاقتتلوا، ثم تحاجزوا.
وفيها حبس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو أمير مكة، جماعة أمر المنصور بحبسهم، وهم رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة، وابن جريح، وعباد بن كثير، وسفيان الثوري، ثم أطلقهم من الحبس بغير أمر المنصور، فغضب.
وكان سبب إطلاقهم أنه أنكر، وقال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، يعني بعض ولد علي، وإلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم، وتقدم أمير المؤمنين، فلعله يأمر بقتلهم، فيشد سلطانه، وأهلك فأطلقهم، وتحلل منهم، فلما قارب المنصور مكة أرسل إليه محمد بن إبراهيم بهدايا فردها عليه.
وفيها شخص المنصور من بغداد إلى مكة، فمات في الطريق قبل أن يبلغها.
وفي هذه السنة غزا عبد الرحمن، صاحب الأندلس، مدينة قورية، وقصد البربر الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقاً من أعيانهم، واتبع شقنا، حتى جاوز القصر الأبيض والدرب، ففاته.
وفيها مات أورالي ملك جليقية، وكان ملكه ست سنين، وملك بعده شيالون.
وفيها توفي مالك بن مغول، الفقيه البجلي بالكوفة؛ وحيوة بن شريح بن مسلم الحضرمي المصري، وكان العامل على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله، وعلى المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي، وقيل إسماعيل بن إسماعيل الثقفي، وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخغي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداد عبد الله بن محمد بن صفوان، وعلى الشرطة بها عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقيل موسى بن كعب، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة، وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري.
وأصاب الناس هذه السنة وباء عظيم.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة
ذكر الحسن بن إبراهيم بن عبد الله
في هذه السنة حول المهدي الحسن بن إبراهمي بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي من محبسه.
وسبب ذلك أنه كان محبوساً مع يعقوب بن داود في موضع واحد، فلما أطلق يعقوب وبقي هو ساء ظنه، فالتمس مخرجاً، فأرسل إلى بعض من يثق إليه، فحفر سرباً إلى الموضع الذي هو فيه، فبلغ ذلك يعقوب فأتى ابن علاثة القاضي، وكان قد اتصل به، فقال: عندي نصيحة للمهدي، وطبب إليه إيصاله إلى أبي عبيد الله وزيره، ليرفعها إليه، فأحضره عنده، فلما سأله عن نصيحته، سأله عن إيصاله إلى المهدي ليعلمه بها، فأوصله إليه، فاستخلاه، فأعلمه المهدي ثقته بوزيره وابن علاثة، فلم يقل شيئاً، حتى قاما، فأخبرهخبر الحسن، فأنفذ من يثق به، فأتاه بتحقيق الحال، فأمر بتحويل الحسن، فحول، ثم احتيل له فيما بعد، فهرب وطلب، فلم يظفر به، فأحضر المهدي يعقوب وسأله عنه، فأخبره أنه لا يعلم مكانه، وأنه إن أعطاه الأمان أتاه به فآمنه وضمن له الإحسان، فقال له: اترك طلبه، فإن ذلك يوحشه، فترك طلبه، ثم إن يعقوب تقدم عند المهدي، فأحضر الحسن بن إبراهيم عنده.
ذكر تقدم يعقوب عند المهدي

قد تقد ذكر وصوله إليه، فلما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن إبراهيم، كما تقدم، قال له: يا أمير المؤمنين ! إنك قد بسطت عدلك لرعيتك، وأنصفتهم، وأحسنت إليهم، فعظم رجاؤهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر فيها، وأشياء خلف بابك تعمل فيها ولا تعلم بها، فإن جعلت إلي السبيل إليك رفعتها.
فأمر بذلك. فكان يدخل عليه كلما أراد، ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة، من أمر الثغور، وبناء الحصون، وتقوية الغزاة وتزويج العزاب، وفكاك الأسرى والمحبوسين، والقضاء علن الغارمين، والصدقة على المتعففين، فحظي عنده بذلك، وعلت منزلته، حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله، وحبس، وكتب المهدي توقيعاً بأنه قد اتخذه أخاً في الله ووصله بمائة ألف.
ذكر ظهور المقنع بخراسانوفي هذه السنة قبل موت حميد بن قحطبة، ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلاً أعور، قصيراً، من أهل مرو، ويسمى حكيماً، وكان اتخذ وجهاً من ذهب فجعله على وجهه لئلا يرى، فسمي المقنع وادعى الألوهية، ولم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه، وكان يقول: إن الله خلق آدم، فتحول في صورته، ثم في صورة نوح، وهكذا هلم جرا إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إلى هاشم، وهاشم، في دعواه، هو المقنع، ويقول بالتناسخ؛ وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا.
واجتمع إليه خلق كثير، وتحصنوا في قلعة بسنام، وسنجردة، وهي من رساتيق كش، وظهرت المبيظة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك، وأغاروا على أموال المسلمين.
وكان يعتقد أن أبا مسلم أفضل من النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان ينكر قتل يحيى بن زيد، وادعى أنه يقتل قاتليه.
واجتمعوا بكش، وغلبوا على بعض قصورها، وعلى قلعة نواكث، وحاربهم أبو النعمان، والجنيد، وليه بن نصر، مرة بعد مرة، وقتلوا حسان بن تميم بن نصر بن سيار، ومحمد بن نصر وغيرهما.
وأنفذ إليهم جبرائيل بن يحيى وأخاه يزيد، فاشتغلوا بالمبيضة الذين كانوا ببخارى، فقاتلوهم أربعة أشهر في مدينة بومجكث، ونقبها عليهم، فقتل منهم سبعمائة، وقتل الحكم، ولحق منهزموهم بالمقنع، وتبعهم جبرائيل، وحاربهم؛ ثم سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع، فلم يبالغ في قتاله، واستعمل معاذ بن مسلم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل المهدي إسماعيل عن الكوفة، واستعمل عليها إسحاق بن الصباح الكندي ثم الأشعثي، وقيل عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي.
وفيها عزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة، وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة، واستعمل مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وأمره بإنصاف من تظلم من سعيد بن دعلج، ثم صرفت الأحداث فيها إلى عمارة بن حمزة فولاها المسور بن عبد الله الباهلي.
وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة، فوصل كتاب عزله وقد مات واستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي.
وفيها عزل الهيثم بن سعيد بن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح.
وفيها أعتنف المهدي الخيزران أم ولده، وتزوجها وتزوج أم عبد الله بنت صالح بن علي أخت الفضل وعبد الملك.
وفيها احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداد بما فيها واحترق ناس كثير.
وفيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل عليها أبو ضمرة محمد بن سليمان.
وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة الرومية، وعلى المقدمة الحسن الوصيف، فبلغوا أنقرة، وفتحوا مدينة للروم، ومطمورة، ولم يصب من المسلمين أحد ورجعوا سالمين.
وفيها عزل عبد الصمد بن علي علن المدينة، واستعمل عليها محمد بن عبد الله الكثيري. ثم عزله واستعمل مكانه محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي.
وفيها بني المهدي سور الرصافة ومسجدها، وحفر خندقها.
وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي عليها، واستعمل مكانه روح بن حاتم، أشار به أبو عبيد الله وزير المهدي.
وفيها أطلق المهدي من كان في حبوس المنصور، إلا من كان عنده تبعة من دم أو مال، أو من يسعى في الأرض بالفساد. وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود، مولى بني سليم.
وفيها توفي حميد بن قحطبة وهو على خراسان، واستعمل المهدي بعده عليها أبا عون عبد الملك بن يزيد.

وحج بالناس هذه السنة يزيد بن منصور خال المهدي، عند قدومه من اليمن، وكان المهدي قد كتب إليه بالقدوم عليه وتوليته الموسم.
وكان أمير المدينة عبد الله بن صفوان الجمحي، وعلى أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك ، وعلى صلاة البصرة عبد الملك بني أيوب، وعلى أحداثها عمارة بن حمزة، وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن، وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة، وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المندر، وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان حميد بن قحطبة قد مات فيها، فول المهدي أبا عون.
وكان على الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر أبو ضمرة محمد بن سليمان.
وفيها كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت برية، فسير إليه عبد الرحمن، صاحب الأندلس، جيشاً، ففارق مكانه، وصعد الجبال كعادته فعاد الجيش عنه.
وفيها مات محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، الفقيه، بالكوفة، وهو مدني، وعمره تسع وسبعون سنة.
وفيها توفي عبد العزيز بن أبي رواد مولى المغيرة بني المهلب، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، ومخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، وحسين بن واقد مولى ابن عامر، وكان على قضاء مرو، وكان يشتري الشيء من السوق فيحمله إلى عياله.
ثم دخلت سنة ستين ومائة
ذكر خروج يوسف البرم.
في هذه السنة خرج يوسف بن إبراهيم، المعروف بالبرم، بخراسان، منكراً هو ومن معه على المهدي سيرته التي يسر بها، واجتمع معه بشر كثير، فتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة، فلقه، فاقتتلا، حتى صارا إلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزبد وبعث به إلى المهدي، وبعث معه وجوه أصحابه، فلما بلغوا النهروان حمل يوسف على بعير، قد حول وجهه إلى ذنبه، وأصحابه مثله، فأدخلوهم الرصافة على تلك الحال، وقطعت يدا يوسف ورجلاه، وقتل هو وأصحابه، وصلبوا على الجسر.
وقد قيل إنه كان حرورياً، وتغلب على بوشنج وعليها مصعب بن زريق، جد طاهر بن الحسين، فهرب منه، وتغلب أيضاً على مرو الروذ والطالقان والجوزجان، وقد كان من جملة أصحابه أبو معاذ الفريابي، فقبض معه.
ذكر بيعة موسى الهاديكان جماعة من بني هامش وشيعة المهدي قد خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، فلما علم المهدي بذلك سره، وكتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه، وهو بقرية الرحبة، من أعمال الكوفة، فأحس عيسى بالذي يراد منه، فامتنع من القدوم، فاستعمل المهدي على الكوفة روح بن حاتم، للإضرار به، فلم يجد روح إلى الإضرار به سبيلاً، لأنه كان لا يقرب البلد إلا كل جمعة أو يوم عيد.
وألح المهدي عليه وقال له: إنك لم تجبني إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك، بمعصيتك، ما يستحل من أهل المعاصي، وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً؛ فلم يقدم عليه، وخيف انتفاضه، فوجه إليه المهدي عمه العباس بن محمد برسالة وكتاب يستدعيه، فلم يحضر معه، فلما عاد والعباس، وجه المهدي إليه أبا هريرة محمد بن فروخ القائد في ألف من أصحابه ذوي البصائر في التشيع للمهدي، وجعل مع كل واحد منهم طبلاً، وأمرهم أن يضربوا طبولهم جميعاً عند قدومهم إليه، فوصلوا سحراً، وضربوا طبولهم، فارتاع عيسى روعاً شديداً، ودخل عليه أبو هريرة، وأمره بالشخوص معه فاعتل بالشكوى، فلم يقبل منه وأخذه معه.
فلما قدم عيسى بن موسى نزل دار محمد بن سليمان في عسكر المهدي، فأقام أياماً يختلف إلى المهدي ولا يكلم بشيء، ولا يرى مكروهاً، فحضر الدار يوماً قبل جلوس المهدي فجلس في مقصورة للربيع، وقد اجتمع شيعة رؤساء المهدي على خلعه، فثاروا به وهو في المقصورة، فأغلق الباب دونهم، فضربوا الباب بالعمد، حتى هشموه، وشتموا عيسى أقبح الشتم، وأظهر المهدي إنكاراً لما فعلوه، فلم يرجعوا، فبقوا في ذلك أياماً إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته، وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان.

وألح عليه المهدي، فأبى، وذكر أن عليه إيماناً في أهله وماله، فأحضر له من القضاة والفقهاء عدة، منهم: محمد بن عبد الله بن علاثة، ومسلم بن خالد الزنجي، فأفتوه بما رأوا، فأجاب إلى خلع نفسه لأربع بقين من المحرم، وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي.
ثم جلس المهدي من الغد، وأحضر أهل بيته، وأخذ بيعتهم، ثم خرج إلى الجامع، وعيسى معه، فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى والبيعة للهادي، ودعاهم إلى البيعة، فسارع الناس إليها، وأشهد على عيسى بالخلع، فقال بعض الشعراء: ؟كره الموت أبو موسى وقد كان في الموت نجاةٌ وكرم
خلع الملك وأضحى ملبساً ... ثوب لؤمٍ ما ترى منه القدم
الرحبة بضم الراء قرية عند الكوفة، وصبح بضم الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة.
ذكر فتح مدينة باربدكان المهدي قد سير، سنة تسع وخمسين ومائة، جيشاً في البحر، وعليهم عبد الملك بن شهاب المسمعي إلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند والمتطوعة، وفيهم الربيع بن صبيح، فساروا حتى نزلوا على باربد، فلما نازلوها حصروها من نواحيها، وحرص الناس بعضهم بعضاً على الجهاد، وضايقوا أهلها، ففتحها الله عليهم هذه السنة عنوةً واحتمى أهلها بالبد الذي لهم، فأحرقه المسلمون عليهم، فاحترق بعضهم، وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعةٌ وعشرون رجلاً، وأفاءها الله عليهم، فهاج عليهم البحر، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم مرض في أفواههم، فمات منهم نحو من ألف رجل فيهمالربيع بن صبيح، ثم رجعوا.
فلما بلغوا ساحلاً من فارس يقال له بحر حمران عصفت بهم الريح ليلاً، فانكسر عامة مراكبهم، فغرق البعض، ونجا البعض.
قيل: وفيها جعل أبان بن صدقة كاتباً لهارون الرشيد ووزيراً له.
وفيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، واستعمل عليها معاذ بن مسلم.
وفيها غزا ثمامة بن العبس الصائفة، وغزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشام.
ذكر رد نسب آل أبي بكرة وآل زيادوفي هذه السنة أمر المهدي برد نسب آل أبي بكر من ثقيف إلى ولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وسبب ذلك أن رجلاً منهم رفع ظلامته إلى المهدي، وتقرب إليه فيها بولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له المهدي: إن هذا نسب ما يقرون به إلا عند الحاجة، والاضطرار إلى التقرب إلينا. فقال له: من جحد ذلك، يا أمير المؤمنين، فإنا سنقر، وأنا أسألك أن تردني ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمر بآل زياد فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقوا به، ورغبوا عن قضاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ويردوا إلى عبيد في موالي ثقيف.
فأمر المهدي برد آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكتب فيه إلى محمد بن موسى بذلك، وأن من أقر منهم بذلك ترك ماله بيده، ومن أباه اصطفى ماله.
فعرضهم، فأجابوا جميعاً إلا ثلاثة نفر، وكذلك أيضاً أمر برد نسب آل زياد إلى عبيد وأخرجهم من قريش.
فكان الذي حمل المهدي على ذلك، مع الذي ذكرناه، أن رجلاً من آل زياد قدم عليه يقال له الصغدي بن سلم بن حرب بن زياد، فقال له المهدي: من أنت ؟ فقال: ابن عمك. فقال: أي بني عمي أنت ؟ فذكر نسبه، فقال المهدي: يا ابن سمية الزانية ! متى كنت ابن عمي ؟ وغضب وأمر به، فوجئ في عنقه وأخرج، وسأل عن استلحاق زياد، ثم كتب إلى العامل بالبصرة بإخراج آل زياد من ديوان قريش والعرب، وردهم إلى ثقيف، وكتب في ذلك كتاباً بالغاً، يذكر فيه استلحاق زياد، ومخالفة حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه، فأسقطوا من ديوان قريش، ثم إنهم بعد ذلك رشوا العمال، حتى ردهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار:
إنّ زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب
ذا قرشيٌّ كما يقول وذا ... مولىً وهذا بزعمه عربي
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة توفي عبد الله بن صفوان الجمحي، أمير المدينة، واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيري، ثم عزل واستعمل مكانه زفر بن عاصم الهلالي، وجعل على القضاء عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي.
وفيها خرج عبد السلام الخارجي بنواحي الموصل

وفيها عزل بسطام بن عمرو عن لسند، واستعمل عليها روح بن حاتم؛ وحج بالناس، هذه السنة، المهدي، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور، واستصحب معه جماعة من أهل بيته، وابنه هارون الرشيد، وكان معه يعقوب بن داود، فأتاه بمكة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله العلوي الذي كان استأمن له، فوصله المهدي وأقطعه.
وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أن حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن؛ وقسم مالاً عظيماً، وكان معه من العراق ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرساً له بالعراق، وأقطعهم بالعراق، وأجرى عليهم الأرزاق.
وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة، ورد المهدي على أهل بيته وغيرهم وظائفهم التي كانت مقبوضة عنهم.
وكان لي البصرة، وكور دجلة، والبحرين، وعمان، وكور الأهواز، وفارس، محمد بن سليمان، وعلى خراسان معاذ بن مسلم، وباقي الأمصار على ما تقدم ذكره.
وفيها أرسل عبد الرحمن الأموي بالأندلس أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، وتمام بن علقمة، إلى شقنا، فحاصراه شهوراً بحصن شبطران، وأعياهما أمره، فقفلا عنه، ثم إن شقنا، بعد عودهما عنه، خرج من شبطران إلى قرية من قرى شنت برية راكباً على بغلته التي تسمى الخلاصة، فاغتاله أبو معن وأبو خزيم، وهما من أصحابه، فقتلاه، ولحقا بعبد الرحمن، ومعهما رأسه، فاستراح الناس من شره.
وفيها مات داود بن نصير الطائي الزاهد، وكان من أصحاب أبي حنيفة؛ وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي أيضاً، وشعبة بن الحجاج أبو بسطام، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة؛ وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقيل توفي سنة أربع وستين.
وفيها توفي الربيع بن مالك بن أبي عامر، عم مالك بن أنس الفقيه، كنيته أبو مالك، وكانوا أربعة إخوة، أكبرهم أنس والد مالك، ثم أويس جد إسماعيل بن أويس، ثم نافع، ثم الربيع.
وفيها توفي خليفة بن خياط العصفري الليثي، وهو جد خليفة بن خياط.
خياط بالخاء المعجمة، وبالياء المثناة من تحت وفيها توفي الخليل بن أحمد البصري الفرهودي النحوي، الإمام المشهور في النحو، أستاذ سيبويه.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
ذكر هلاك المقنع
في هذه السنة سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إلى المقنع، وعلى مقدمته سعيد الحرشي، وأتاه عقبة بن مسلم من زم، فاجتمع به بالطواويس، وأوقعوا بأصحاب المقنع، فهزموهم، فقصد المنهزمون إلى المقنع بسنام فعمل خندقها وحصنها، وأتاهم معاذ فحاربهم، فجرى بينه وبين الحرشي نفرةٌ، فكتب الحرشي إلى المهدي في معاذ، ويضمن له الكفاية إن أفرده بحرب المقنع، فأجابه المهدي إلى ذلك، فانفرد الحرشي بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء في جيش، وبكل ما التمسه منه، وطال الحصار على المقنع، فطلب أصحابه الأمان سراً منه، فأجابهم الحرشي إلى ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفاً، وبقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر. وتحول رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في أصل القلعة، وضايقوه.
فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله، وسقاهم السم، فأتى عليهم، وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل: بل أحرق كل ما في قلعته من دابة وثوب وغير ذلك، ثم قال: من أحب أن يرتفع معي إلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النار ! وألقى بنفسه مع أهله، ونسائه، وخواصه، فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة، فوجدوها خالية خاوية.
وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه، والذين يسمون المبيضة بما وراء النهر من أصحابه، إلا أنهم يسرون اعتقادهم؛ وقيل: بل شرب هو أيضاً من السم، فمات، فأنفذ الحرشي رأسه إلى المهدي، فوصل إليه وهو بحلب سنة ثلاث وستين ومائة، في غزواته.
؟
ذكر تغير حال أبي عبيد الله

في هذه السنة تغيرت حال أبي عبيد الله وزير المهدي، وقد ذكرنا فيما تقدم سبب اتصاله به أيام المنصور، ومسيره معه إلى خراسان؛ فحكى الفضل بن الربيع أن الموالي كانوا يقعون في أبي عبيد الله عند المهدي ويحرضونه عليه؛ وكانت كتب أبي عبيد الله ترد على المنصور بما يفعل، ويعرضها على الربيع، ويكتب الكتب إلى المهدي بالوصاة به، وترك القول فيه.
ثم إن الربيع حج مع المنصور حين مات، وفعل في بيعه المهدي ما ذكرناه، فلما قدم جاء إلى باب أبي عبيد الله، قبل المهدي، وقبل أن يأتي أهله، فقال له ابنه الفضل: تترك أمير المؤمنين ومنزلك وتأتيه ! قال: هو صاحب الرجل، وينبغي أن نعامله غير ما كنا نعامله به، ونترك ذكر نصرتنا له.
فوقف على بابه من المغرب إلى أن صليت العشاء الآخرة، ثم أذن له، فدخل فلم يقم له وكان متكئاً، فلم يجلس، ولا أقبل عليه، وأراد الربيع أن يذكر له ما كان منه في أمر البيعة، فقال: قد بلغنا أمركم؛ فأوغر صدر الربيع، فلما خرج من عنده قال له ابنه الفضل: لقد بلغ فعل هذا بك ما فعل، وكان الرأي أن لا تأتيه، وحيث أتيته وحجبك أن تعود، وحيث دخلت عليه فلم يقم لك أن تعود.
فقال لابنه: أنت أحمق حيث تقول: كان ينبغي أن لا تجيء، وحيث جئت وحجبت أن تعود، ولما دخلت فلم يقم لك كان ينبغي أن تعود؛ ولم يكن الصواب إلا ما عملته، ولكن والله، وأكد اليمين، لأخلعن جاهي، ولأنفقن مالي حتى أبلغ مكروهه.
وسعى في أمره، فلم يجد عليه طريقاً لاحتياطه في أمر دينه وأعماله، فأتاه من قبل ابنه محمد، فلم يزل يحتال ويدس إلى المهدي، ويتهمه ببعض حرمه، وبأنه زنديق، حتى استحكمت التهمة عند المهدي بابنه، فأمر به فأحضر، وأخرج أبوه، ثم قال له: يا محمد ! اقرأ، فلم يحسن يقرأ شيئاً، فقال لأبيه: ألم تعلمني أن ابنك يحفظ القرآن ؟ قال: بلى ولكنه فارقني منذ سنين، وقد نسي. قال: فقم فتقرب إلى الله بدمه، فقام ليقتل ولده، فعثر فوقع، فقال العباس بن محمد: إن رأيت أن يعفي الشيخ، فافعل. فأمر بابنه فضربت عنقه، وقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ! تقتل ابنه وتثق إليه ! لا ينبغي ذلك. فاستوحش منه، وكان من أمره ما نذكره.
ذكر عبور الصقلبي إلى الأندلس وقتلهوفي هذه السنة، وقيل سنة ستين، عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المعروف بالصقلبي، وإنما سمي به لطوله وزرقته وشقرته، من إفريقية إلى الأندلس محارباً لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية، وكان عبوره في ساحل تدمير، وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، ومحاربة عبد الرحمن الأموي، والدعاء إلى طاعة المهدي.
وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ عليه، وقصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان، فعاد الصقلبي إلى تدمير، وسار عبد الرحمن الأموي نحوه في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقاً على الصقلبي في الهرب، فقصد الصقلبي جبلاً منيعاً بناحية بلنسية، فبذل الأموي ألف دينار لمن أتاه برأسه، فاغتاله رجل من البربر، فقتله، وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار، وكان قتله سنة اثنتين وستين ومائة.
ذكر عدة حوادثوفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث بعبد الله بن مروان بالشام، فأخذه، وقدم به على المهدي، فحبسه في المطبق، وجاء عمرو بن سهلة الأشعري، فادعى أن عبد الله قتل أباه، وحاكمه عند عافية القاضي فتوجه الحكم على عبد الله فجاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى القاضي فقال: زعم عمرو بن سهلة أن عبد الله قتل أباه، وكذب، والله، ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلته بأمر مروان، وعبد الله بريء من دمه؛ فترك عبد الله، ولم يعرض المهدي لعبد العزيز، لأنه قتله بأمر مروان.
وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل بدابق، وجاشت الروم مع ميخائيل في ثمانين ألفاً، فأتى عمق مرعش، فقتل، وسبى، وغنم، وأتى مرعش فحاصرها، فقاتلهم، فقتل من المسلمين عدة كثيرة. وكان عيسى بن علي مرابطاً بحصن مرعش فانصرف الروم إلى جيحان، وبلغ الخبر المهدي، فعظم عليه، وتجهز لغزو الروم، على ما سنذكره سنة اثنتين وستين ومائة، فلم يكن للمسلمين صائفة من أجل ذلك.

وفيها أمر المهدي ببناء القصور بطريق مكة، أوسع من القصور التي بناها السفاح من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل منها، وبتجديد الأميال والبرك، وبحفر الركايا، وولي ذلك يقطين بن موسى، وأمر بالزيادة في مسجد البصرة، وتقصير المنابر في البلاد، وجعلها بمقدار منبر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى اليوم.
وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، ففعل، فكان لا ينفذ المهدي كتاباً إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى أمينه بإنفاذ ذلك.
وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر.
وفيها ولي نصر بن محمد بن الأشعث السند مكان روح بن حاتم، ثم عزل بعبد الملك بن شهاب، فبقي عبد الملك ثمانية عشر يوماً ثم عزل وأعيد نصر من الطريق.
وفيها استقضى المهدي عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة.
وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد الصمد بن علي، واستعمل عيسى بن لقمان على مصر، ويزيد بن منصور على سواد الكوفة، وحسان الشروي على الموصل، وبسطام بن عمرو التغلبي على أذربيجان.
وفيها توفي نصر بن مالك من فالج أصابه، وولى المهدي بعده شرطته حمزة بن مالك، وصرف أبان بن صدقة عن هارون الرشيد، وجعل مع موسى الهادي، وجعل مع هارون يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها عزل محمد بن سليمان أبو ضمرة عن مصر في ذي الحجة، ووليها سلمة بن رجاء؛ وحج بالناس موسى الهادي وهو ولي عهد؛ وكان عامل مكة والطائف واليمامة جعفر بن سليمان؛ وعامل اليمن علي بن سليمان؛ وكان على سواد الكوفة يزيد بن منصور، وعلى أحداثها إسحاق بن منصور.
وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين؛ وزائدة بن قدامه أبو الصلت الثقفي الكوفي؛ وإبراهيم بن أدهم بن منصور أبو إسحاق الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام فأقام به مرابطاً، وهو من بكر بن وائل، ذكره أبو حاتم البستي.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة
ذكر قتل عبد السلام الخارجي
وفي هذه السنة قتل عبد السلام بن هاشم اليشكري بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة، فاشتدت شوكته، وكثر أتباعه، فلقيه عدة من قواد المهدي فيهم: عيسى بن موسى، القائد، فقتله في عدة ممن معه، وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب بن واج المروروذي، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيباً فخرج بهم في طلب عبد السلام، فهرب منه، فأدركه بقنسرين، فقاتله، فقتله بها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وضع المهدي ديوان الأزمة، وولى عليها عمرو بن مربع مولاه، وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون الأرزاق في جميع الآفاق.
وفيها خرجت الروم إلى الحدث، فهدموا سورها؛ وغزا الصائفة السحن بن قحطبة في ثمانين ألف مرتزق سوى المتطوعة، فبلغ حمة أذرولية، وأكثر التحريق والتخريب في بلاد الروم، ولم يفتح حصناً، ولا لقي جمعاً، وسمته الروم التنين، وقالوا: إنما أتى الحمة ليغتسل من مائها للوضوح الذي به، ورجع الناس سالمين: وفيها غزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا، فغنم، وافتتح ثلاثة حصون، وسبى.
وفيها عزل علي بن سليمان عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان، وعزل سلمة بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان في المحرم، وعزل عنها في جمادي الآخرة، ووليها واضح مولى المهدي، ثم عزل في ذي القعدة، ووليها يحيى الحرشي.
وفيها خرجت المحمرة بجرجان، عليهم رجل اسمه عبد القهار، فغلب عليها، وقتل بشراً كثيراً، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتله عمر وأصحابه، وكان العمال من تقدم ذكرهم، فكانت لجزيرة مع عبد الصمد بن علي، وطبرستان والرويان مع سعيد بن دعلج، وجرجان مع مهلهل بن صفوان.
وفيها أرسل عبد الرحمن، صاحب الأندلس، شهيد بن عيسى إلى دحية الغساني، وكان عاصياً في بعض حصون إلبيرة، فقتله، وسير بدراً مولاه إلى إبراهيم بن شجرة البرلسي، وكان قد عصى، فقتله، وسير أيضاً ثمامة بن علقمة إلى العباس البربري، وهو في جمع من البربر، وقد أظهر العصيان، فقتله أيضاً وفرق جموعه.

وفيها سير جيشاً مع حبيب بن عبد الملك القرشي إلى القائد السلمي، وكان حسن المنزلة عند عبد الرحمن أمير الأندلس، فشرب ليلة، وقصد باب القنطرة ليفتحه على سكر منه، فمنعه الحرس، فعاد، فلما صحا خاف، فهرب إلى طليطلة، فاجتمع إليه كثير ممن يريد الخلاف والشر، فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش إليه، فنازله في موضع قد تحصن فيه، وحصره، ثم إن السلمي طلب البراز، فبرز إليه مملوك أسود، فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين، ثم ماتا جميعاً.
وفيها توفي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية، وقد جاوز تسعين سنة، وسبب موته أنه أكل عند يزيد بن حاتم سمكاً، ثم شرب لبناً، وكان يحيى بن ماسوية الطبيب حاضراً، فقال: إن كان الطب صحيحاً، مات الشيخ الليلة، فتوفي من ليلته تلك، والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة
ذكر غزو الروم
في هذه السنة تجهز المهدي لغزو الروم، فخرج وعسكر بالبردان، وجمع الأجناد من خراسان وغيرها، وسار عنها، وكان قد توفي عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس في جمادى الآخرة، وسار المهدي من الغد، واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، وسار على الموصل والجزيرة، وعزل عنها عبد الصمد بن علي في مسيرة ذلك.
ولما حاذى قصر مسلمة بن عبد الملك قال العباس بن محمد بن علي للمهدي: إن لمسلمة في أعناقنا منة، كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: إذا نفدت فلا تحتشمنا ! فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه، وأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل، وهو بحلب، فجمع من بتلك الناحية من الزنادقة، فجمعوا، فقتلهم، وقطع كتبهم بالسكاكين، وسار عنها مشيعاً لابنه هارون الرشيد، حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، فسار هارون، ومعه عيسى بن موسى، وعبد الملك بن صالح، والربيع، والحسن بن قحطبة، والحسن وسليمان ابنا برمك، ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إليه أمر العسكر، والنفقات، والكتابة وغير ذلك، فساروا فنزلوا على حصن سمالوا، فحصره هارون ثمانية وثلاثين يوماً ونصب عليه المجانيق، ففتحه الله عليهم بالأمان، ووفى لهم، وفتحوا فتوحاً كثيرة.
ولما عاد المهدي من الغزاة زار بيت المقدس، ومعه يزيد بن منصور والعباس بن محمد بن علي والفضل بن صالح بن علي وعلي بن سليمان بن علي، وقفل المسلمون سالمين، إلا من قتل منهم؛ وعزل المهدي إبراهيم بن صالح عن فلسطين، ثم رده.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله، وأذربيجان، وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك.
وفيها عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد الله بن صالح.
وفيها عزل المهدي معاذ بن مسلم عن خراسان واستعمل عليها المسيب بن زهير الضبي، وعزل يحيى الحرشي عن أصبهن، وولى مكانه الحكم بن سعيد، وعزل سعيد بن دعلج عن طبرستان والرويان، وولاهما عمر بن العلاء، وعزل مهلهل بن صفوان عن جرجان، وولاها هشام بن سعيد.
وكان على مكة والمدينة والطائف واليمامة جعفر بن سليمان؛ وكان على الكوفة إسحاق بن الصباح؛ وعلى البصرة وفارس والبحرين والأهواز محمد بن سليمان؛ وعلى السند نصر بن محمد بن الأشعث؛ وعلى الموصل محمد بن الفضل.
وحج بالناس هذه السنة علي بن المهدي.
وفيها أظهر عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، التجهز للخروج إلى الشام بزعمه لمحو الدولة العباسية، وأخذ ثأره منهم، فعصى عليه سليمان بن يقظان، والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري بسرقسطة، واشتد أمرهما، فترك ما كان عزم عليه.
وفيها مات موسى بن علي بن رباح اللخمي بضم العين مصغراً ورباح بالباء الموحدة.
وفيها مات إبرهيم بن طهمان، وكان عالماً فاضلاً، وكان مرجئاً من أهل نيسابور، ومات بمكة.
وفيها توفي أبو الأشهب جعفر بن حيان بالبصرة.
وفيها توفي بكار بن شريح، قاضي الموصل بها، وكان فاضلاً، وولي القضاء بها أبو مكرز الفهري، واسمه يحيى بن عبد الله بن كرز.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:12 am

في هذه السنة غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث، فأتاه ميخائيل البطريق، وطاراذ الأرمني البطريق في تسعين ألفاً، فخاف عبد الكبير، ومنع الناس من القتال، ورجع بهم، فأراد المهدي قتله، فشفع فيه فحبسه.
وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة، وسائر أعماله، واستعمل صالح بن داود مكانه.
وفيها سار المهدي ليحج، فلما بلغ العقبة ورأى قلة الماء خاف أن الماء لا يحمل الناس، وأخذته أيضاً حمى، فرجع، وسير أخاه صالحاً ليحج بالناس، ولحق الناس عطشٌ شديد حتى كادوا يهلكون، وغضب المهدي على يقطين لأنه صاحب المصانع.
وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سخطة، ووجه من يستقبله، ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، واستعمل على اليمن منصور بن يزيد بن منصور، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من تقدم ذكرهم، وعلى الموصل محمد بن الفضل.
وفيها سار عبد الرحمن الأموي إلى سرقسطة، بعد أن كان قد سير إليها ثعلبة بن عبيد في عسكر كثيف، وكان سليمان بن يقظان، والحسين ابن يحيى قد اجتمعا على خلع طاعة عبد الرحمن، كما ذكرنا، وهما بها، فقاتلهما ثعلبة قتالاً شديداً، وفي بعض الأيام عاد إلى مخيمه، فاغتنم سليمان غرته، فخرج إليه، وقبض عليه، وأخذه، وتفرق عسكره، واستدعى سليمان قارله ملك الإفرنج، ووعده بتسليم البلد وثعلبة إليه، فلما وصل إليه لم يصبحبيده غير ثعلبة، فأخذه وعاد إلى بلاده، وهو يظن أنه يأخذ به عظيم الفداء، فأهمله عبد الرحمن مدة، ثم وضع من طلبه من الفرج، فأطلقوه.
فلما كان هذه السنة سار عبد الرحمن إلى سرقسطة، وفرق أولاده في الجهات ليدفعوا كل مخالف، ثم يجتمعون بسرقسطة، فسبقهم عبد الرحمن إليها، وكان الحسين بن يحيى قد قتل سليمان بن يقظان، وانفرد بسرقسطة، فوافاه عبد الرحمن على أثر ذلك، فضيق على أهلها تضييقاً شديداً.
وأتاه أولاده من النواحي، ومعهم كل من كان خالفهم، وأخبروه عن طاعة غيرهم، فرغب الحسين في الصلح، وأذعن للطاعة، فأجابه عبد الرحمن، وصالحه، وأخذ ابنه سعيداً رهينة، ورجع عنه، وغزا بلاد الفرنج، فدوخها، ونهب وسبى وبلغ قلهرة، وفتح مدينة فكيرة، وهدم قلاع تلك الناحية، وسار إلى بلاد البشكنس، ونزل على حصن مثمين الأقرع، فافتتحه، ثم تقدم إلى ملدوثون بن اطلال، وحصر قلعته، وقصد الناس جبلها، وقاتلوهم فيها، فملكوها عنوةً وخربها ثم رجع إلى قرطبة.
وفيها ثارت قتنة بين بربر بلنسية وبربر شنت برية من الأندلس، وجرى بينهم حروب كثيرة قتل فيها خلق كثيرة من الطائفتين، وكانت وقائعهم مشهورة.
وفيها مات شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمي النحوي البصري؛ وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون؛ وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم المنصور، وقيل: مات سنة ثلاث وستين، وكان عمره ثمانياً وسبعين سنة، وقيل ثمانين سنة؛ وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وسلام بن مسكين النمري الأزدين أبو روح؛ والمبارك بن فضالة بن أبي أمية القرشي، مولى عمر بن الخطاب.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة
ذكر غزو الروم
في هذه السنة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة، في جمادى الآخرة، في خمسة وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلاً، ومعه الربيع، فوغل هارون في بلاد الروم، ولقيه عسكر لقيظاً قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني فأثخنه يزيد وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم.
وساروا إلى الدمستق، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفاً وأربعمائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم.
وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذٍ عطسة امرأة أليون، وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، ورجع عنها.

وكانت الهدنة ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس سبي وستمائة وثلاثة وأربعين رأساً؛ ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس، وذبح من البقر مائة ألف رأس، وقتل من الروم، في الوقائع، أربعة وخمسون ألفاً، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل خلف بن عبد الله عن الري، ووليها عيسى مولى جعفر.
وحج بالناس هذه السنة صالح بن المنصور، وكان العمال من تقدم ذكرهم، غير أن البصرة كان على أحداثها والصلاة بها روح بن حاتم؛ وكان على كور دجلة والبحرين، وعمان وكسكر، والأهواز، وفارس، وكرمان المعلى مولى المهدي، وكان على الموصل أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة، فنكث مع عبد الرحمن، فسير إليه عبد الرحمن غالب بن ثمامة بن علقمة في جند كثيف، فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه يحيى، فسيرهم إلى الأمير عبد الرحمن، فقتلهم، وأقام ثمامة بن علقمة على الحسين يحصره؛ ثم إن الأمير عبد الرحمن سار سنة ست وستين ومائة إلى سرقسطة بنفسه، فحصرها، وضايقها، ونصب عليها المجانيق ستة وثلاثين منجنيقاً، فملكها عنوة، وقتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أهل سرقسطة منها ليمين تقدمت منه، ثم ردهم إليها.
وفيها مات يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد بن شهر بن مثوب، وهو من ولد شهر ذي الجناح الحميري، خال المهدي، وقد كان ولي اليمن والبصرة والحج.
وفيها توفي فتح بن الوشاح الموصلي الزاهد.
ثم دخلت سنة ست وستين ومائةفي هذه السنة أخذ المهدي البيعة لولده هارون الرشيد بولاية العهد، بعد أخيه موسى الهادي، ولقبه الرشيد. وفيها عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن قضاء البصرة، واستقضي خالد بن طليق بن عمران بن حصين، فاستعفى أهل البصرة منه.
ذكر القبض على يعقوب بن داودوفي هذه السنة سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود طهمان؛ وكان أول أمرهم أن داود بن طهمان، وهو أبو يعقوب، كان يكتب لنصر بن سيار، هو وإخوته، فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود يعلمه ما يسمعه من نصر، فلما طلب أبو مسلم الخراساني بدم يحيى بن زيد أتاه داود، لما كان بينه وبين يحيى، فآمنه أبو مسلم في نفسه، وأخذ ماله الذي استفاد أيام نصر.
فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم، ولم يكن لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة الزيدية، ودنوا من آل الحسين، وطمعوا أن تكون لهم دولة، فكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أحياناً، وخرج معه هو وعدة من إخوته، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، فأخذ يعقوب وعلياً وحبسهما، فلما توفي المنصور أطلقهما المهدي مع من أطلقه، وكان معهما الحسن بن إبراهيم، فاتصل إلى المهدي بسببه، كما تقدم ذكره، وقيل: اتصل به بالسعاية بآل علي، ولم يزل أمره يرتفع، حتى استوزره.
وكان المهدي يقول: وصف لي يعقوب في منامي، فقيل لي: استوزره، فلما رأيته رأيت الخلقة التي وصفت لي، فاتخذته وزيراً، فلما ولي الوزارة أرسل إلى الزيدية، فجمعهم وولاهم أمور الخلافة في المشرق والمغرب، ولذلك قال بشار بن برد:
بني أميّةً هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقبو بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين النّاي والعود
فحسده موالي المهدي، وسعوا به، وقيل له: إن الشرق والغرب في يد يعقوب وأصحابه، وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل.
فملأ ذلك قلب المهدي، ولما بني المهدي عيساباذ أتاه خادم من خدمه فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن علي قال لي: أبنى متنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت المال ؟ فحفظها المهدي، ونسي أحمد بن إسماعيل، وظن أن يعقوب قالها، فبينما يعقوب بين يديه إذ لببه فضرب به الأرض، وقال: ألست القائل كيت وكيت ؟ فقال: والله ما قتله ولا سمعته ! قال: وكان السعاة يسعون بيعقوب ليلاً، ويتفرقون وهم يعتقدون أنه يقبضه بكرةً، فإذا أصبح غدا عليه، فإذا نظر إليه تبسم وسأله عن مبيته.

وكان المهدي مستهتراً بالنساء، فيخوض يعقوب معه في ذلك فيفترقان عن رضى؛ ثم إنه كان ليعقوب برذونٌ كان يركبه، فخرج يوماً من عند المهدي وعليه طيلسان يتقعقع من كثرة دقة، والبرذون مع الغلام، وقد نام الغلام، فركب يعقوب، وأراد تسوية الطيلسان، فنفر من قعقعته، فسقط، فدنا من دابته، فرفسه، فانسكر ساقه، فانقطع عن الركوب، فعاده المهدي من الغد، ثم انقطع عنه، فتمكن السعاة منه، فأظهر المهدي السخط عليه، ثم أمر به فسجن في سجن نصر، وأخذ عماله وأصحابه فحبسوا.
وقال يعقوب بن داود: بعث إلي المهدي يوماً، فدخلت عليه وهو في مجلس مفروش بفرش مورد على بستان فيه شجر، ورؤوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأزهار من الخوخ والتفاح، فما رأيت شيئاً أحسن منه، وعنده جارية عليها نحو ذلك الفرش ما رأيت أحسن منها، فقال لي: يا يعقوب ! كيف ترى مجلسنا هذا ؟ قلت: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به؛ قال: هو لك بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به؛ قال: فدعوت له، ثم قال لي: يا يعقوب، ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي قضاءها؛ قلت: الأمر لأمير المؤمنين، وعلي السمع والطاعة؛ فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت لأعملن بما قال، فقال: هذا فلان بن فلان من ولد علي بن أبي طالب، وأحب أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجل ذلك؛ قلت: أفعل؛ فأخذته وأخذت الجارية وجميع ما في المجلس، وأمر لي بمائة ألف درهم، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وأدخلت العلوي إلي وسألته عن حاله، فأخبرني، وإذا هو أعقل الناس وأحسنهم إبانةً عن نفسه؛ ثم قال: ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم ! قتل: لا والله، فهل فيك أنت خيرٌ ؟ قال: إن فعلت خيراً شكرت، ولك عندي دعاء واستغفار.
فقلت: أي الطرق أحب إليك ؟ قال: كذا وكذا، فأرسلت إلى من يثق إليه العلوي، فأخذه وأعطيته مالاً، وأرسلت الجارية إلى المهدي تعلمه الحال، فأرسل إلى الطريق، فأخذ العلوي وصاحبه والمال.
فلما كان الغد استحضرني المهدي وسألني عن العلوي، فأخبرته أني قتلته، فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت له، فقال: يا غلام أخرج إلينا ما في هذا البيت، فأخرج العلوي وصاحبه والمال، فبقيت متحيراً، وامتنع مني الكلام فما أدري ما أقول، فقال المهدي: قد حل لي دمك، ولكن احبسوه في المطبق ولا أذكر به.
فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئر، فدليت فيها، فبقيت مدة لا أعرف عددها، وأصبت ببصري.
قال: فإني لكذلك إذ دعي بي، وقيل لي: سلم على أمير المؤمنين ! فسلمت؛ قال: أي أمير المؤمنين أنا ؟ قلت: المهدي، قال رحم الله المهدي. قلت: فالهادي، قال: رحم الله الهادي. قلت: فالرشيد، قال: نعم ! سل حاجتك. قلت: المقام بمكة، فما بقي في مستمتعٌ لشيء ولا بلاغ، فأذن لي، فسرت إلى مكة، قال: فلم تطل أيامه بها حتى مات.
وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، فكان يعقوب ينهاه عن ذلك، ويعظه، ويقول: ليس على هذا استوزرتني، ولا عليه صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ ؟ فضيق على المهدي حتى قيل:
فدع عنك يعقوب بن داود جانباً ... وأقبل على صهباء طيّبة النّشر
وقال يعقوب يوماً للمهدي في أمر أراده: هذا، والله، السرف ! فقال المهدي: ويحك يا يعقوب، إنما يحسن السرف بأهل الشرف، ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان، وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ببغال وإبل، ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك.
وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس، وأضاف إليه سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج.
وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن حاتم، وإسماعيل بن مجالد، ومحمد بن أبي أيوب المكي، ومحمد بن طيفور، في الزندقة، فاستتابهم، وخلى سبيلهم، وبعث داود إلى أبيه، وهو على البصرة، وأمره بتأديبه.
وفيها استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله على المدينة، وكان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم.

وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي.
وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه؛ وحج بالناس إبراهيم بن يحيى، وكان على الكوفة هاشم بن سعيد، وعلى البصرة روح بن حاتم؛ وعلى قضائها خالد بن طليق؛ وعلى كور دجلة، وكسكر، وأعمال البصرة والبحرين، والأهواز، وفارس، وكرمان، المعلى مولى المهدي؛ وعلى مصر إبراهيم بن صالح؛ وعلى إفريقية يزيد بن حاتم؛ وعلى طبرستان، والرويان، وجرجان يحيى الحرشي؛ وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي؛ وعلى الري سعد مولاه؛ وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل موسى بن كعب الخثعمي؛ وعلى قضائها علي بن مسهر بن عمير، ولم يكن في هذه السنة صائفة، للهدنة التي كانت فيها.
وفيها قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة، وكان خلق ممسوح العينين.
وفيها توفي الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو والد وكيع.
وفيها توفي المبارك بن فضالة، وحماد بن سلمة البصري.
وفيها قتل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية بن هشام، وهذيل بن الصميل، وسمرة بن جبلة، لأنهم اجتمعوا على خلعه مع العلاء بن حميد القشيري، فتقرب بهم.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائةفي هذه السنة سار موسى الهادي إلى جرجان في جمع كثير وجهاز لم يتجهز أحد بمثله لمحاربة ونداد هرمز، وشروين، صاحبي طبرستان، وجعل المهدي على رسائل موسى أبان بن صدقة، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعاً مولى المنصور على حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان على حرسه، فسير الهادي الجنود إليهما، وأمر عليهم يزيد بن مزيد، فحاصرهما.
وفيها توفي عيسى بن موسى بالكوفة، فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الوجوه، ودفن، وكان عمره خمساً وستين سنة، ومدة ولايته العهد ثلاثاً وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر ولايته العهد وعزله عنه.
وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر، فحبس، فهرب، فلم يقدر عليه. وكان المتولي لأمر الزنادقة الكلوذاني.
وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع.
وفيها كان الوباء ببغداد والبصرة، وفشا في الناس سعال شديد.
وفيها توفي أبان بن صدقة، كاتب الهادي، فوجه المهدي مكانه أبا خالد الأحول.
وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، ومسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فدخلت فيه دور كثيرة، وكان المتولي لبنائه يقطين بن موسى، فبقي البناء فيه إلى أن توفي المهدي، وكذلك أمر بالزيادة في المسجد الجامع بالموصل، ورأيت لوحاً فيه ذكر ذلك، وهو في حائط الجامع، سنة ثلاث وستمائة وهو باقٍ.
وفيها عزل يحيى الحرشي عن طبرستان والرويان، وما كان إليه، ووليه عمر بن العلاء، وولي جرجان فراشة مولى المهدي.
وفيها أظلمت الدنيا لثلاث مضين من ذي الحجة، حتى تعالى النهار، ولم يكن صائفة، للهدنة، وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج بأيام، وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي.
وفيها طعن عقبة بن سلم الهنائي، اغتاله رجل بخنجر، فمات ببغداد.
وكان على اليمن سليمان بن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري؛ وكان على البصرة محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمي؛ وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل موسى بن كعب، وباقي الأمصار كما تقدم.
وفي هذه السنة توفي جعفر الأحمر أبو شيبة؛ والحسن بن صالح بن حبي وكان شيعياً عابداً؛ وسعيد بن عبد الله بن عامر التنوخي؛ وحماد ابن سلمة؛ وعبد العزيز بن مسلم.
وفيها أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق، وانتهكوا المحارم، وتركوا الصلاة، فأرسل المهدي إليهم جيشاً، فقاتلهم، واشتد القتال، وصبر العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إليهم، فقويت شوكتهم وزاد شرهم.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائةفي هذه السنة، في رمضان، نقض الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وكان من أوله إلى أن نقضوه اثنان وثلاثون شهراً، فوجه علي بن سليمان، وهو على الجزيرة وقنسرين، يزيد بن البدر بن البطال في خيل، فغنموا وظفروا.
ذكر الخوارج بالموصل

وفيها خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم، فخرج إليه عسكر الموصل، فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، وكان يميل إلى مقالة صالح بن مسرح الخارجي، فوجه إليه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ القائد وهرثمة بن أعين مولى بني ضبة، فحارباه، فصبر لهما، حتى قتل وعدة من أصحابه، وانهزم الباقون.
ذكر مخالفة أبي الأسود بالأندلسفي هذه السنة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس، وكان من حديثه: أنه كان في سجن عبد الرحمن بقرطبة من حين هرب أبوه، وقتل أخوه عبد الرحمن، على ما تقدم، وحبس أبو الأسود، وتعامى في الحبس، فصار يحاكي العميان، ولا يطرف عينه لشيء، وبقي دهراً طويلاً، حتى صح عند الأمير عبد الرحمن الأموي ذلك.
وكان في أقصى السجن سرداب يفضي إلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون، فيقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه، فإذا رجع من النهر يقول: من يدل الأعمى على موضعه ؟ وكان مولى له يحادثه على شاطئ النهر، ولا ينكر عليه، فواعده أن يأتيه بخيل يحمله عليها، فخرج يوماً ومولاه ينتظره، فعبر النهر سباحة، وركب الخيل، ولحق بطليطلة، فاجتمع له خلق كثير، فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن الأموي، فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة، واشتد القتال، ثم انهزم أبو الأسود، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردى في النهر، واتبعه الأموي يقتل من لحق، حتى جاوز قلعة الرباح، ثم جمع، وعاد إلى قتال الأموي، في سنة تسع وستين، فلما أحس بمقدمة الأموي انهزم أصحابه، وهو معهم، فأخذ عياله، وقتل أكثر رجاله، وبقي إلى سنة سبعين، فهلك بقرية من أعمال طليطلة.
وقام بعده أخوه قاسم، وجمع جمعاً، فغزاه الأمير، فجاء إليه بغير أمان فقتله.
ذكر عدة حوادثوفيها هلك شيلون ملك جليقية، فولوا مكانه اذفونش، فوثب عليه مورقاط، فقتله، فاختل أمرهم، فدخل عليهم نائب عبد الرحمن بطليطلة في عساكره، فقتل، وغنم، وسبى ثم عاد سالماً.
وفيها توفي أبو القاسم بن واسول مقدم الخوارج الصفرية بسجلماسة فجاءةً في صلاة العشاء الآخرة، وكان إمارته اثنتي عشرة سنة وشهراً، وولي بعده ابنه إلياس.
وفيها سير المهدي سعيداً الحرشي في أربعين ألفاً إلى طبرستان.
وفيها مات عمر الكلوذاني، صاحب الزنادقة، وولي مكانه محمد بن عيسى بن حمدوية، فقتل من الزنادقة خلقاً كثيراً.
وحج بالناس علي بن المهدي الذي يقال له ابن ريطة.
وفيها توفي يحيى بن سلمة بن كهيل، وعبيد الله بن الحسن العنبري، قاضي البصرة، ومندل بن علي، ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة القاضي، والحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان قد استعمله المنصور على المدينة خمس سنين، ثم عزله، وحبسه ببغداد، وأخذ ماله. فلما ولي المهدي أخرجه ورد عليه ماله، وكان جواداً إلا أنه كان منحرفاً عن أهل بيته، مائلاً إلى المنصور.
وفيها توفي بشر بن الربيع، وعبثر بن القاسم، عبثر بفتح العين المهملة، وبالباء الموحدة، والثاء المثلثة.
المجلد الرابع
حوادث سنة تسع وستين ومائة
ذكر موت المهدي
في هذه السنة مات المهدي أبوعبد الله محمد بن عبد الله المنصور بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه، وهوبجرجان، في المعنى، فلم يفعل. فبعث إليه في القدوم عليه، فضرب الرسول، وامتنع من القدوم عليه، فسار المهدي يريده، فلما بلغ ماسبذان أكل طعامأن ثم قال إني داخل إلى البهو أنام، فلا توقظوني، حتى أكون أنا الذي أنتبه، فدخله، فنام ونام أصحابه، فاستيقظوا ببكائه، فأتوه مسرعين، فقال: وقف على الباب رجل فقال:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر علية جناد له
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولات حلائله
فبقي بعد ذلك عشرة أيام ومات.
وقد اختلف في سبب موته فقيل إنه كان يتصيد، فطردت الكلاب ظبيأن وتبعته، فدخل باب خربة، ودخلت الكلاب خلفه، ثم تبعها فرس المهدي، فدخلها فدق الباب ظهره، فمات من ساعته.

وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرة لها بإناء فيه سم، فدعا به المهدي فأكل منه، فخافت الجارية أن تقول إنه مسموم، فمات من ساعته.
وقيل: بل عمدت حسنة جارية له إلى كمثرى فأهدته إلى جارية أخرى كان المهدي يتخطاهأن وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى، فاجتاز بالمهدي، فدعا به وكان يحب الكمثرى، فأخذ تلك الكمثرى المسمومة، فأكلهأن فلما وصلت إلى جوفه صاح: جوفي جوفي! فسمعت صوته، فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك! فمات من يومه، ورجعت حسنة وعلى قبتها المسوح، فقال أبوالعتاهية في ذلك:
رحن في الوشي وأقبل ... ن عليهن المسوح
كل نطاح من الدن ... يات له يوم نطوح
لست بالباقي ولوعم ... رت ما عمر نوح
فعلى نفسك نح إن ... كنت لا بد تنوح
وكان موته في المحرم لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهراً؛ وقيل عشر سنين وأربعين يومأن وتوفي وهوابن ثلاث وأربعين سنة، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتهأن وصلى عليه ابنه الرشيد؛ وكان أبيض طويلأن وقيل أسمر بإحدى عينيه نكتة بياض.
ذكر بعض سيرتهكان المهدي، إذا جلس للمظالم، قال: أدخلوا علي القضاة، فلولم يكن ردي المظالم إلا للحياء منهم لكفى.
وسعتب المهدي على بعض القواد غير مرة وقال له في آخر ذلك: إلى متى تذنب؟ قال: إلى إبد نسيء ويبقيك الله، فتعفوعنا. فاستحيا منه ورضي عنه.
وقال مسور بن مساور: ظلمني وكيل المهدي، وغصبني ضيعة لي، فكتب إلى المهدي أتظلم، فوصلت الرقعة وعنده عمه العباس، ومحمد بن علاثة، وعافية القاضي، فاستدناني المهدي، وسألني عن حالي، فذكرته، فقال: أترضى بأحد هذين؟ قلت: نعم! فاستدناني حتى التزقت بالفراش، وحاكمني، فقال له القاضي: أطلقها له يا أمير المؤمنين! قال: قد فعلت؛ فقال عمه العباس: والله لهذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم. وخرج المهدي متنزهأن ومعه عمر بن ربيع مولاه، فانقطعا في الصيد من العسكر، وأصاب المهدي جوع، فقال: هل من شيء؟ فقيل له: نرى كوخأن فقصدوه، فإذا فيه نبطي، وعنده مبقلة، فسلموا عليه، فرد السلام، فقالوا: هل من طعام؟ فقال: عندي ربيثاء، وهونوع من الصحناة، وعندي خبز شعير. فقال المهدي: إن كان عندك زيت، فقد أكملت. قال: نعم،وكراث؛ فأتاهما بذلك، فأكلا حتى شبعا. فقال المهدي لعمر بن ربيع: قل في هذا شعراً؛ فقال:
إن من يطعم الربيثاء بالزي ... ت وخبز الشعير بالكراث
لحقيق بصفعة أوبثنيتي ... ن لسوء الصنيع أوبثلاث
فقال المهدي: بئس ما قلت! إمنا هو:
لحقيق ببدرة أوبثنيتي ... ن لحسن الصنيع أوبثلاث
قال: ووافهم العسكر، والخزائن، والخدم، فأمر للنبطي بثلاث بدر وسأنصرف.
وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي ، حتى ظننا أنها أسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعاً خده على الأرض وهويقول: اللهم احفظ محمداً في أمته! اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم! اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك. قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه.
ولما حضرت القاسم بن مجاشع التميمي الروزي الوفاة أوصى إلى المهدي، فكتب: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) آل عمران: 18 الآية؛ ثم كتب: والقاسم يشهد بذلك، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله ووارث الإمامة من بعده. فعرضت الوصية على المهدي بعد موته، فلما بلغ إلى هذا الموضع رمي بهأن ولم ينظر فيها.
وقال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهوله في ليلة مقمرة، فما أدري أهو احسن أم البهو أم القمر أم ثيابه، فقرأ: (فهل عسيتهم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) محمد 22.
قال: فتمم صلاته، ثم التفت وقال: يا ربيع! قلت لبيك! قال: علي بموسى؛ فقلت في نفسي: من موسى؟ ابنه أم موسى بن جعفر، وكان محبوساً عندي؟ فجعلت أفكر، فقلت: ما هوإلا موسى ابن جعفر، فأحضرته، فقطع صلاته، ثم قال: يا موسى! إني قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي. قال: نعم، فوثق له فخلاه.

وقال محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: رأيت فيما يرى النائم، في آخر سلطان بني أمية، كأني دخلت مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد بالفسيفساء، فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وإذ قائل يقول: يمحوهذا الكتاب ويكتب مكانه اسمه رجل من بني هاشم يقال له محمد. قلت: فأنا من بني هاشم، واسمي محمد، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قال: قلت: فأنا ابن عبد اله، فابن من؟ قال: ابن محمد، قلت: فأنا ابن محمد، فابن من؟ قال: ابن علي. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس، فلولم يبلغ العباس ما شككت أني صاحب الأمر.
قال: فتحدثت بها ذلك الزمان، ونحن لا نعرف المهدي، حتى ولي المهدي، فدخل مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه، فرأى اسم الوليد، فقال: أرى اسم الوليد إلى اليوم؛ فدعا بكرسي، فألقي في صحن المسجد، وقال: ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه؛ ففعل ذلك، وهوجالس.
وخرج المهدي يطوف بالبيت ليلأن فسمع أعرابية تقول: قومي مقترون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون؛ بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثرت عيالهم؛ أبناء سبيل وأنضاء طريق؛ وصية الله، ووصية الرسول، فهل من آمر لي بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله! قال: فأمر لها بخمسمائة درهم.
وقال المهدي: ما توسل أحد إلي بوسيلة هي أقرب من تذكيري يداً سلفت مني إليه أتبعها أختهأن وأحسن ربهأن فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
وكان بشار بن برد قد هجا صالح بن داود، أخا يعقوب، حين ولي البصرة فقال:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... خاك فضجت من أخيك المنابر
فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي فقال له: إن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين. قال: وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده. فأبى أن يعفيه. فأنشده:
خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيرة ... ودس موسى في حر الخيزران
فوجه في حمله، فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفوعنه، فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الحمارة.
وماتت الياقوتة بنت المهدي، وكان معجباً بها لا يطيق الصبر عنهأن حتى إنه كان يلبسها لبسة الغلمان، ويركبها معه، فلما ماتت وجد عليهأن وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فدخل الناس يعزونه وأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أبلغ ولا أوجر من تعزية شبيب بن سيبة، فإنه قال: يا أمير المؤمنين! ما عند الله خير منك، وثواب الله خير لك منهأن وأنا أسأل الله أن لا يحزنك، ولا يفتنك، وأن يعطيك على ما رزئت أجرأن ويعقبك صبرأن ولا يجهد لك بلاء، ولا ينزع منك نعمة، وأحق ما صبر عليه مالا سبيل إلى ردة.
ذكر خلافة الهاديوبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهومقيم بجرجان، يحارب أهل طبرستان؛ ولما توفي المهدي كان الرشيد معه بماسبذان، فأتاه الموالي والقواد، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، والرأي أن تنادي فيهم بالرجوع، حتى تواريه ببغداد.
فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد، وكان يحيى يتولى ما كان إلى الرشيد من أعمال المغرب، من الأنبار إلى إفريقية، فاستدعي يحيى إلى الرشيد، فقال: ما تقول فيما رأى هؤلاء؟ وأخيره الخبر. قال: لا أرى ذلك، لأن هذا لا يخفي، ولا آمن، إذا علم الجند، أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخلي حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكموا ويشتطوأن ولكني أرى أن يوارى، رحمه الله، هاهنأن وتوجه نصيراً إلى أمير المؤمنين الهادي الخاتم والقضيب، والتعزية، والتهنئة، فإن الناس لا ينكرون خروجه، إذ هوعلى بريد الناحية، وأن تأمر لمن تبعك من الجند بجوائز مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالرجوع فلا تكون لهم همة سوى أهلهم.
ففعل ذلك، فلما قبض الجند الدراهم تنادوا: بغداد بغداد! وأسرعوا إليهأن فلما بلغوها وعلموا خبر المهدي أتوا باب الربيع، وأحرقوه، وأخرجوا من كان في الحبوس، وطالبوا بالأرزاق.

فلما قدم الرشيد بغداد أرسلت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تستدعيهما لتشاورهما في ذلك، فأما الربيع فدخل عليها؛ وأما يحيى فامتنع لما يعلم من غيرة الهادي؛ وجمع الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكتوا.
وكتب الهادي إلى الربيع كتاباً يتهدده بالقتل؛ وكتب إلى يحيى يشكره، ويأمره بأن يقوم بأمر الرشيد.
وكان الربيع يود يحيى ويثق به. فاستشاره فيما يفعل خوفاً من الهادي، فأشار عليه بأن يرسل ولده الفضل إلى طريق الهادي بالهدايا والتحف، ويعتذر إليه، ففعل، ورضي الهادي عنه.
وكان الربيع قد أوصى إلى يحيى بن خالد، وأخذت البيعة للهادي ببغداد، وكتب الرشيد إلى الآفاق بوفاة المهدي، واخذ البيعة للهادي، وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان، فعلم بوفاة المهدي والبيعة له، فنادى الرحيل وركل على البريد مجدأن فبلغ بغداد في عشرين يومأن ولما قدمها استوزر الربيع.
وفي هذه السنة أيضاً هلك الربيع.
وفيها اشتد طلب المهدي للزنادقة، فقتل منهم جماعة علي بن يقطين، وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدي، فأقر بالزندقة، فقال: لوكان ما تقول حقاً لكنت حقيقاً أن تتعصب لمحمد، ولولا محمد من كنت! أما والله لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشمياً لقتلتك.
قم قال للهادي: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه! ثم حبسه، فلما مات المهدي قتله الهادي؛ وكذلك أيضاً كان عهده إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد الله بن عباس كان زنديقأن فمات في الحبس قبل المهدي.
ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيهأن فخوفت، فماتت من الفزع.
ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسنوفي هذه السنة ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة، وهوالمقتول بفخ عند مكة.
وكان سبب ذلك أن الهادي استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن جندب، الشاعر الهذلي، وعمر بن سلام، مولى آل عمر، على شراب لهم، فأمر بهم، فضربوا جميعأن وجعل في أعناقهم حبال، وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن علي إلى العمري وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأسأن فلم تطوف بهم؟ فأمر بهم فردوأن وحبسهم.
ثم إن الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله بن الحسن، كفلا الحسن بن محمد، فأخرجه العمري من الحبس، وكان قد ضمن بعض آل أبي طالب بعضأن وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله، وسألهما عنه، وأغلظ لهمأن فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به، أويدق عليه باب داره، حتى يعلم أنه جاءه به.
فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسناً؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه. فقال: والله لا منت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف. فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا في الميعاد.
وكانوا قد تواعدوا على ألا يظهروا بمنى وبمكة في الوسم، فقال يحيى: قد كان ذلك؛ فانطلقا وعملا في ذلك في ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمري باب داره، فلم يجده، وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح. فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس، فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد؛ وجاء خالد البريدي في مائتين من الجند، وجاء العمري، ووزير بن إسحاق الأزرق، ومحمد بن واقد الشروي، ومعهم ناس كثير، فدنا خالد منهم، فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن الحسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار له إدريس من خلفه، فضربه فصرعه، ثم قتلاه، فانهزم أصحابه ودخل العمري في المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين، فهزمزهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال، وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفأن وتفرق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم.

فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا؛ ثم إن مباركاً التركي أتى شيعة بني العباس من الغد، وكان قدم حاجأن فقاتل معهم، فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار، ثم تفرقوأن ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد، وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال؛ فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا شيئاً من قتال إلى المغرب، ثم تفرقوا.
وقيل إن مباركاً أرسل إلى الحسين يقول له: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر علي من أن تشوكك شوكة، أوأقطع من رأسك شعرة، ولكن لا بد من الأعذار، فتبيتني، فإلي منهزم عنك. فوجه إليه الحسن، وخرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروأن فانهزم هو وأصحابه.
وأقام الحسين وأصحابه أياماً يتجهزون، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يومأن ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فدعوا عليهم.
ولما فارق المدينة قال: يا أهل المدينة! لا خلف الله عليكم بخير. فقالوا: بل أنت لا خلف الله عليك ولا ردك علينا! وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أهل المدينة.
ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي: أيما عبد أتانا فهوحر. فأتاه العبيد. فانتهى الخبر إلى الهادي، وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم: سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب، وكان قد سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وكانوا قد احرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طاقوا وسعوأن وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي طوى، وأنضم إليه من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم.
ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل منهم، وجرح، وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون ما حال الحسين، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، البشرى، هذا رأس الحسين! فأخرجه، وبجبهته ضربة طولى، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله، أبوالزفت، فوقف خلف محمد بن سليمان، والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى، وعبد الله بن العباس بن محمد، فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضباً شديدأن وأخذ رؤوس القتلى، فكانت مائة رأس ونيفأن وفيها رأس الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وأخذت أخت الحسين، فتركت عند زينب بنت سليمان؛ وغضب على موسى بن عيسى كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله، فلم تزل بيده حتى مات؛ وغضب على مبارك التركي، وأخذ ماله، وجعله سائس الدواب، فبقي كذلك حتى مات المهدي.
وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان شيعياً لعلي، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة، بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر. فضرب الهادي عنق واضح وصلبه.
وقيل: إن الرشيد هوالذي قتله. وإن الرشيد دس إلى إدريس الشماخ اليمامي، مولى المهدي، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم. وعظمه، وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس، وأنزله عنده، ثم إن إدريس شكا إليه مرضاً في أسنانه، فوصف له دواء، وجعل فيه سمأن وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر، فأخذه منه وهرب الشماخ؛ ثم استعمل إدريس الدواء، فمات منه، فولى الرشيد الشماخ بريد مصر.
ولما مات إدريس بن عبد الله خلف مكانه إبنه إدريس وأعقب بهأن وملكوهأن ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحملت الرؤوس إلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين بين يدي الهادي قال: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئاً.
وكان الحسين شجاعأن كريمأن قدم على المهدي، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فرواً ليس تحته قميص.
ذكر عدة حوادث

وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم قبل ذلك جاؤوا مع بطريقهم إلى الحدث، فهرب الوالي وأهل السوق، فدخلها الروم، فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة، فغمن وسبى.
وحج بالناس هذه السنة سليمان بن منصور؛ وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري؛ وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم؛ وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة؛ وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني؛ وعلى عمان الحسن بن نسيم الحواري؛ وعلى الكوفة موسى بن عيسى؛ وعلى البصرة محمد بن سليمان، وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي؛ وعلى قومس زياد بن حسان؛ وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي؛ وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي؛ وعلى الموصل هاشم ين سعيد بن خالد، فأساء السيرة في أهلهأن فعزله الهادي وولاها عبد الملك بن صالح الهاشمي.
وفيها خرج الجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي، وعلى خراجها منصور ين زياد، فسير جيشاً إلى الخارجي، فالتقوا بباعربايأن من بلد الموصل، فهزمهم الخارجي وغمن أموالهم، وقوي أمره، في رجلان، وصحباه، ثم اغتالاه فقتلاه.
وفيها مات مطيع بن إياس الليثي الكناني الشاعر؛ وأبوعبيد الله معاوية بن عبد الله بن بشار الأشعري، مولاهم، وكان وزير المهدي، وقيل مات سنة سبعين ومائة.
وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقرئ، صاحب القراءة، أحد القراء السبعة؛ والربيع بن يونس، صاحب المنصور، مولاه.
حوادث سنة سبعين ومائة
ذكر ما جرى للهادي في خلع الرشيد
كان الهادي قد جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، وكان السبب في ذلك أن الهادي لما عزم على خلعه ذكر لقواده، فأجابه إليه يزيد بن مزيد الشيباني، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى وغيرهم، فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر، ووضعوا الشيعة، فتكلموا في ذلك، وتنقصوا بالرشيد في مجلس الجماعة، وقالوا لا نرضى به، وصعب أمرهم، وأمر الهادي أن لا يسار بين يدي هارون بالحربة، فاجتنبه الناس، وتركوا السلام عليه.
وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي، فقيل للهادي: ليس عليك من أخيك خلاف إمنا يحيى يفسده؛ فبعث إليه، وتهدده، ورماه بالكفر، ثم إنه استدعاه ليلة، فخاف، وأوصى، وتحنط، وحضر عنده، فقال له: يا يحيى! مالي وما لك؟ قال: ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟ قال: من أنا حتى أدخل بينكما؟ إمنا صيرني المهدي معه، ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره، فانتهيت إلى أمرك. فسكن غضبه.
وقد كان هارون طاب نفساً بالخلع، فمنعه يحيى عنه. فلما أحضره الهادي، وقال له في ذلك، قال يحيى: يا أمير المؤمنين! إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد للبيعة. قال: صدقت، وسكت عنه.
فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة، فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فاحضر يحيى وحبسه، فكتب إليه: إن عندي نصيحة؛ فأحضره، فقال له: يا أمير المؤمنين! أرأيت إن كان الأمر الذي لا يبلغه، ونسأل الله أن يقدمنا قبله، يعني موت الهادي، أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهولم يبلغ الحنث، أويرضون به لصلاتهم، وحجهم، وغزوهم؟ قال: ما أظن ذلك! قال: يا أمير المؤمنين! أفنأمن أن يسموإليها أكابر أهلك، مثل فلان، ويطمع فيها غرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ والله لوأن هذا الأمر لم يعقده المهدي لأخيك، لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له! ولكني أرى أن تقر الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له وبايعه. فقبل قوله، وقال: نبهتني على أمر لم أنتبه له. وأطلقه.

ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه، فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك، وضيق عليه؛ فقال له يحيى: استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد، ودافع الأيام! ففعل ذلك وأذن له، فمضى إلى قصر بني مقاتل، فأقام أربعين يومأن فأنكر الهادي أمره، وخافه، فكتب إليه بالعود، فتعلل عليه، فأظهر الهادي شتمه، وبسط مواليه وقواده فيه ألسنتهم؛ فلما طال الأمر عاد الرشيد، وقد كان الهادي في أول خلافته جلس، وعنده نفر من قواده، وعنده الرشيد، وهوينظر إليه، ثم قال له: يا هارون! كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيأن ودون ذلك خرط القتاد.
فقال له هارون: يا موسى إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت قتلت وإن أنصفت سلمت، وإني لأرجوأن يفضي الأمر إلي، فأنصف من ظلمت، وأصل من قطعت، وأجعل أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما تحب من حق الإمام المهدي.
فقال له الهادي: ذلك الظن بأنك يا أبا جعفر، ادن مني! فدنا منه، وقبل يده، ثم أرد العود إلى مكانه، فقال: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل، اعني المنصور، لا جلست إلا معي؛ فأجلسه في صدر مجلسه، ثم أمر أن يحمل إليه ألف ألف دينار، وأن يعمل إليه نصف الخراج، وقال لإبراهيم الحراني: اعرض عليه ما في الخزائن من مالنأن وما أخذ من أهل بيت اللعنة، يعني بني أمية، فيأخذ منه ما أراد، فليأخذ منه ما أراد. ففعل ذلك. فقام عنه.
وسئل الرشيد عن الرؤيأن فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى وإلى هارون قضيبأن فأورق من قضيب موسى أعلاه، وأوراق قضيب هارون من أوله إلى آخره، فعبرت لهما أنهما يملكان معأن فأما موسى فقتل أيامه، وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر؛ فكان كذلك.
وذكر أن الهادي خرج إلى حديثه الموصل، فمرض بهأن واشتد مرضه، وانصرف، وكتب إلى جميع عماله شرقاً وغرباً بالقدوم إليه، فلما ثقل أجمع القواد الذين كانوا بايعوا جعفرأن وتآمروا في قتل يحيى بن خالد، وقالوا: إن صار الأمر إليه قتلنأن وعزموا على ذلك، ثم قالوا: لعل الهادي يفيق، فما عذرنا عنده؟ فأمسكوأن ولما اشتد مرض الهادي أرسلت الخيزران إلى يحيى تأمره بالاستعداد، فأحضر يحيى كتابأن فكتبوا الكتب من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي، وأنه قد ولاهم ما كان ويكون، فلما مات الهادي سيرت الكتب.
وقيل إن يحيى كان محبوساً. وكان الهادي قد عزم على قتله تلك الليلة، وإن هرثمة بن أعين هوالذي أقعد الرشيد، على ما سنذكره.
ولما مات الهادي قالت الخيزران: قد كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة، ويملك خليفة، ويولد خليفة، فمات الهادي، وولي الرشيد، وولد المأمون، وكانت الخيزران قد أخذت العلم من الأوزاعي؛ وكان موت الهادي بعيساباذ.
ذكر وفاة الهاديوفي هذه السنة توفي الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ربيع الأول.
واختلف في سبب وفاته، فقيل كان سببها قرحة كانت في جوفه؛ وقيل مرض بحديثه الموصل، وعاد مريضاً فتوفي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وقيل إن وفاته كانت من قبل جوار لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله، وكان سبب أمرها بذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه، وتسلك به مسلك المهدي، حتى مضى أربعة أشهر، فانثال الناس إلى بابهأن وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابهأن فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلأن فقالت: لا بد من إجابتي إليه، فإنني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. فغضب الهادي وقال: ويلي على ابن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها والله لا قضيتها لك. قالت: إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً؛ قال: لا أبالي والله، وغضبت فقامت مغضبة، فقال: مكانك والله، وإلا أنا نفي من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أومصحف يذكرك، أوبيت يصونك؟ إياك! وإياك! لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي. فانصرفت وهي لا تعقل، فلم تنطق عنده بعدها.
ثم إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم، وأمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقال: فعلت أم فلان، وصنعت؟

قالوا: لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي، فتتحدثون بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:13 am

ذكر خروج سليمان وعبد الله على هشام
في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائة، وهوالصحيح، خرج سليمان وعبد الله ابنا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، أمير الأندلس، عن طاعة أخيهما هشام بالأندلس، وكان هشام قد ملك بعد أبيه، كما ذكرناه، فلما استقر له الملك كان معه أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، وكان هشام يؤثره ويبره ويقدمه، فلم يرض عبد الله إلا بالمشاركة في أمره.
ثم إنه خاف من أخيه هشام، فمضى هارباً إلى أخيه سليمان، وهوبطليطلة، فلما خرج من قرطبة أخرج هشام جمعاً في أثره ليردوه فلم يلحقوه، فجمع هشام عساكره، وسار إلى طليطلة، فحضر أخويه بهأن وكان سليمان قد جمع وحشد خلقاً كبيرأن فلما حصرهما هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان البلد، وسار هوإلى قرطبة ليملكهأن فعلم هشام الحال، فلم يتحرك، ولا فارق طليطلة بل أقام يحصرها.
وسار سليمان، فوصل إلى شقندة، فدخلهأن وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين ودافعين عن أنفسهم.
ثم إن هشاماً سير في أثره ابنه عميد الملك، في قطعة من الجيش، فلما قاربه مضى سليمان هاربأن فقصد مدينة ماردة، فخرج إليه الوالي بها لهشام، فحاربه، فانهزم سليمان، وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياماً محاصراً لها ثم عاد عنهأن وقد قطع أشجارها وسار إلى قرطبة، فأتاه أخوه عبد الله بغير أمان، فأكرمه وأحسن إليه.
فلما دخلت سنة أربع وسبعين سير هشام ابنه معاوية في جيش كثيف إلى تدمير، وبها سليمان، فحاربه، وخربوا أعمال تدمير، ودوخوا أهلها ومن بهأن وبلغوا البحر، فخرج سليمان من تدمير هاربأن فلجأ إلى البرابر بناحية بلنسية، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسلك، فعاد معاوية إلى قرطبة.
ثم أن الحال استقر بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأولاده وأمواله ويفارق الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن تركة أبيه عبد الرحمن، فسار إلى بلد البرابر فأقام به.
ذكر خروج جماعة على هشام أيضاً
وفيها خرج بالأندلس أيضاً سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت، من أقاليم طرطوشة، في شرق الأندلس؛ وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه، كما تقدم، ودعا إلى اليمانية، وتعصب لهم، فاجتمع لهم خلق كثير وملك مدينة طرطوشة، وأخرج عامله يوسف القيسي، فعارضه موسى بن فرتون، وقام بدعوة هشام، ووافقته مضر، فاقتتلأن فانهزم سعيد وقتل، وسار موسى إلى سرقسطة فملكهأن فخرج عليه مولى للحسين بن يحيى اسمه جحدر في جمع كثير فقاتله وقتل موسى.
وخرج أيضاً مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقه، وتغلب على تلك الناحية، وقوي أمره، وكان هشام مشغولاً بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله.
ذكر عدة حوادث

وفيها عزل الرشيد إسحاق بن محمد عن الموصل، واستعمل سعيد بن سلم الباهلي، وعزل الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة، وهوابن أخي معن بن زائدة، عن أرمينية، واستعمل عليها أخاه عبيد الله بن المهدي.
وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي.
وفيها وضع الرشيد على أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف.
وحج بالناس يعقوب بن المنصور.
وفيها مات الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وهوأخوعبد الملك؛ وتوفي سليمان بن بلال مولى ابن أبي عتيق؛ وتوفي أبويزيد رباح بن يزيد اللخمي الزاهد، بمدينة القيروان، وكان مجاب الدعوة.
حوادث سنة ثلاث وسبعين ومائةفيها توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، وكانت عظيمة من المال والمتاع، والدواب، فحملوا منه ما يصلح للخلافة، وتركوا مال لا يصلح.
وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف، فلما قدموا بذلك عليه أطلق منه للندماء والمغنين شيئاً كبيرأن ورفع الباقي إلى خزانته.
وكان سبب أخذ الرشيد تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى الرشيد حسداً له، ويقول: إنه لا مال له، ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به على ما تحدث به نفسه، يعني الخلافة، وإن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين؛ وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان أخرجت كتبه إلى جعفر أخيه، واحتج عليه بهأن ولم يكن له أخ لأبيه وأمه غير جعفر، فأقر بهأن فلهذا قبضت أمواله.
وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتهأن ودفنها في مقابر قريش، ولما فرغ من دفنها أعطى الخاتم الفضل بن الربيع، وأخذه من جعفر بن يحيى بن خالد.
وفيها استقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ابنه العباس بن جعفر؛ وحج بالناس الرشيد، أحرم من بغداد.
وفيها مات مورقاط ملك جليقية، من بلاد الأندلس، وولي بعده برمند بن قلورية القس، ثم تبرأ من الملك، وترهب، وجعل ابن أخيه في الملك، وكان ملك ابن أخيه سنة خمس وسبعين ومائة.
وفيها توفي سلام بن أبي مطيع بتشديد اللام؛ وجريرية بن أسماء بن عبيد البصري؛ ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري، أبوعبد الله، وكان موته بمكة فجاءة.
حوادث سنة أربع وسبعين ومائةوفيها استعمل الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران.
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي.
وفيها هلك روح بن حاتم، وسار الرشيد آل الجودي، ونزل بقردي وبازبدى من أعمال جزيرة ابن عمر، فابتنى بها قصراً.
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح.
وحج بالناس الرشيد، فقسم في الناس مالاً كثيراً.
وفيها عزل علي بن مسهر عن قضاء الموصل، وولي القضاء بها إسماعيل بن زياد الدولابي.
حوادث سنة خمس وسبعين ومائةفي هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد، ولقبه الأمين، وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين.
وكان سبب البيعة أن خاله عيسى بن جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى بن خالد، فسأله في ذلك، وقال له: إنه ولدك، وخلافته لك. فوعده بذلك، وسعى فيهأن حتى بايع الناس له بولاية العهد.
وفيها عزل الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خالداً الغطريف بن عطاء.
وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ أقريطية؛ وقيل غزاها عبد الملك نفسه، فأصابهم برد شديد سقط منه كثير من أيدي الجند وأرجلهم.
وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن ين علي إلى الديلم، فتحرك هناك؛ وحج بالناس هذه السنة هارون الرشيد.
ذكر ظفر هشام بأخويه ومطروحوفيها فرغ هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، من أخويه سليمان وعبد الله، وأجلاهما عن الأندلس، فلما خلا سره منهما انتدب لمطروح ابن سليمان بن يقظان، فسير إليه جيشاً كثيفأن وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، فساروا إلى مطروح، وهوبسرقسطة، فحصروه بهأن فلم يظفروا به، فرجع أبوعثمان عنه، ونزل بحصن طرسونة، بالقرب من سرقسطة، وبث سراياه على أهل سرقسطة يغيرون ويمنعون عنهم الميرة.

ثم إن مطروحاً خرج في بعض الأيام، آخر النهار، يتصيد، فأرسل البازي على طائر، فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه بيده، ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن أصحابه، فقتلاه واحتزا رأسه وأتيا به أبا عثمان، فسار إلى سرقسطة، فكاتبه أهلها بالطاعة، فقبل منهم، وسار إليها فنزلهأن وأرسل رأس مطروح إلى هشام.
ذكر غزاة هشام بالأندلسثم إن أبا عثمان لما فرغ من مطروح أخذ الجيش، وسار بهم إلى بلاد الفرنج، فقصد ألية، والقلاع، فلقيه العدو، فظفر بهم، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وفتح الله عليه.
وفيها سير هشام أيضاً يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية، فلقي ملكهم وهوبرمند الكبير، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وانهزمت الجلالقة، وقتل منهم عالم كثير.
وفيها انقاد أهل طليطلة إلى طاعة الأمير فآمنهم.
وفيها سجن هشام أيضاً ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي مسجوناً حياة أبيه وبعض ولاية أخيه، فتوفي محبوساً سنة ثمان وتسعين ومائة.
ذكر عدة حوادثوفيها خرج بخراسان حصين الخارجي، وهومن موالي قيس بن ثعلبة، من أهل أوق، وكان على سجستان عثمان بن عمارة، فأرسل جيشأن فلقيهم حصين، فهزمهم، ثم أتى خراسان وقصد باذغيس، وبوشنج، وهراة، وكتب الرشيد إلى الغطريف في طلبه، فسير إليه الغطريف داود بن يزيد في اثني عشر ألفأن فلقيهم حصين في ستمائة، فهزمهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً.
ثم سار في خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين ومائة.
وفيها مات الليث بن سعد الفقيه بمصر؛ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم أبوالعنبس الشعر.
وفيها توفي المسيب بن زهير بن عمر بن مسلم الضبي، وقيل سنة ست وسبعين، وكان على شرط المنصور والمهدي، وولاه المهدي خراسان.
وفيها ولد إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
حوادث سنة ست وسبعين ومائة
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بالديلم
في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالديلم واشتدت شوكته، وكثر جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفأن وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرهمأن وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله، ولطف به، وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله.
ونزل الفضل بالطالقان، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم، وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه فيه القضاة، والفقهاء، وجلة بني هاشم، ومشايخهم، منهم: عبد الصمد بن علي، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسر به، وعظمت منزلة الفضل عنده وسير الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما احب، وأمر له بمال كثير.
ثم أن الرشيد حبسه، فمات في الحبس، وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه، وعلى أبي البختري القاضي، فقال محمد: الأمان صحيح، فحاجه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان لوكان محاربأن ثم ولي وكان آمناً؟ وقال أبوالبختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا؛ فمزقه الرشيد.
ذكر ولاية عمر بن مهران مصروفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، ورد أمرها إلى جعفر بن يحيى بن خالد، فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران.
وكان سبب عزله أن الرشيد بلغه أن موسى عازم على الخلع، فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي! فأمر جعفر، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول، مشوة الخلق، وكان لباسه خسيسأن وكان يردف غلامه خلفه، فلما قال له الرشيد: أتسير إلى مصر أميراً؟ قال: أتولاها على شرائط، إحداها أن يكون إذني إلى نفسي، إذا أصلحت البلاد انصرفت، فأجابه إلى ذلك.
فسار، فلما وصل إليها أتى دار موسى فجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا قال: ألك حاجة؟ قال: نعم! ثم دفع إليه الكتب، فلما قرأها قال: هل يقدم أبوحفص، أبقاه الله؟ قال: أنا أبوحفص. قال موسى: لعن الله فرعون حيث قال: (أليس لي ملك مصر؟) الزخرف: 51 ثم سلم له العمل، فقدم عمر إلى كاتبه أن لا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم، فلم يقبل دابة، ولا جارية، ولم يقبل إلا المال والثياب، فأخذهأن وكتب عليها أسماء أصحابهأن وتركها.

وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج، وكسره، فبدأ عمر برجل منهم فطالبه بالخراج، فلواه، فأقسم أن لا يؤديه إلا بمدينة السلام، فبذل الخراج، فلم يقبله منه، وحمله إلى بغداد فأدى الخراج بها؛ فلم يمطله أحد، فأخذ النجم الأول، والنجم الثاني؛ فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل وشكوا الضيق، فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابهأن وأمرهم بتعجيل الباقي، فأسرعوا في ذلك، فاستوفي خراج مصر عن آخره، ولم يفعل ذلك غيره، ثم انصرف إلى بغداد.
ذكر الفتنة بدمشقوفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أبوالهيذام، واسمه عامر بن عمارة بن خريم الناعم بن عمروبن الحارث بن خارجه بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري، أحد فرسان العرب المشهورين.
وكان سبب الفتنة أن عاملاً للرشيد بسجستان قتل أخاً لأبي الهيذام، فخرج أبوالهيذام بالشام، وجمع جمعاً عظيمأن وقال يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإن بها ما يدرك الطالب الوترا
ولسنا كمن ينعي أخاه بغيره ... يعصرها من ماء مقلته عصراً
وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا
ولكنني أشفي الفؤاد بغارة ... ألهب في قطري كتائبها جمراً
وقيل إن هذه الأبيات لغيره والصحيح أنها له، ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب إليه فأرغبه، ثم شد عليه فكتفه، وأتى به الرشيد فمن عليه وأطلقه.
وقيل: كان أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلاً من بني القين خرج بطعام له يطحنه في الرحا بالبقاء، فمر بحائط رجل من لخم أوجذام، وفيه بطيخ وقثاء، فتناول منه، فشتمه صاحبه، وتضاربأن وسار القيني؛ فجمع صاحب البطيخ قوماً من أهل اليمن ليضربوه إذا عاد، فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون، فقتل رجل من اليمانية، وطلبوا بدمه، فاجتمعوا لذلك.
وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فلما خاف الناس أن يتفاقم ذلك أجتمع أهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم، فأتوا بني القين فكلموهم، فأجابوهم إلى ما طلبوأن فأتوا اليمانية فكلموهم، فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر؛ ثم ساروأن فبيتوا بني القين، فقتلوا منهم ستمائة، وقيل ثلاثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحأن فلم ينجدوهم، فاستنجدت قيساً فأجابوهم، وساروا معهم إلى الصواليك من أرض البلقاء، فقتلوا من اليمانية ثمامنائة، وكثر القتال بينهم فالتقوا مرات.
وعزل عبد الصمد عن دمشق، واستعمل عليها إبراهيم بن صالح بن علي، فدام ذلك الشر بينهم نحوسنتين، والتقوا بالبثنية، فقتل من اليمانية نحوثماني مائة، ثم اصطلحوا بعد شر طويل.
ووفد إبراهيم بن صالح على الرشيد، وكان ميله مع اليمانية، فوقع في قيس عند الرشيد، فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر، فقبل عذرهم، ورجعوأن واستخلف إبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق، وكان ميله أيضاً مع اليمانية، فأخذ جماعة من قيس، فحبسهم، وضربهم وحلق لحاهم، فنفر الناس، ووثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، فجاء أخوه إلى ناس من الزواقيل بحوران، فاستنجدهم فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفراً.
ثم ثارت اليمانية بكليب بن عمروبن الجنيد بن عبد الرحمن، وعنده ضيف له، فقتلوه، فجاءت أم الغلام بثيابه إلى أبي الهيذام، فألقتها بين يديه، فقال: انصرفي حتى ننظر، فإني لا أخبط خبط العشواء، حتى يأتي الأمير ونرفع إليه دماءنأن فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها.
ثم أرسل إسحاق فأحضر أبا الهيذام، فحضر، فلم يأذن له؛ ثم إن أناساً من الزواقيل قتلوا رجلاً من اليمانية، وقتلت اليمانية رجلاً من سليم، ونهبت أهل تلفياثأن وهم جيران محارب، فجاءت محارب إلى أهل الهيذام، فركب معهم إلى إسحاق في ذلك، فوعدهم الجميل فرضي، فلما انصرف أرسل إسحاق إلى اليمانية يغريهم بأبي الهيذام، فاجتمعوأن وأتوا أبا الهيذام من باب الجابية، فخرج إليهم في نفر يسير، فهزمهم، واستولى على دمشق، وأخرج أهل السجون عامة.

ثم إن أهل اليمانية استجمعت، واستنجدت كلبأن وغيرهم، فأمدوهم، وبلغ الخبر أبا الهيذام، فأرسل إلى المضرية، فأتته الأمداد وهويقاتل اليمانية عند باب تومأن فانهزمت اليمانية.
ثم إن اليمانية أتت قرية لقيس عند دمشق، فأرسل أبوالهيذام إليهم الزواقيل، فقاتلوهم، فانهزمت اليمانية أيضأن ثم لقيهم جمع آخر، فانهزموا أيضأن ثم أتاهم الصريخ: أدركوا باب تومأن فأتوه، فقاتلوا اليمانية، فانهزمت أيضأن فهزموهم في يوم واحد أربع مرات، ثم رجعوا إلى أبي الهيذام.
ثم أرسل إسحاق إلى أبي الهيذام يأمره بالكف، ففعل، وأرسل إلى اليمانية: قد كففته عنكم، فدونكم الرجل فهوغار؛ فأتوه من باب شرقي متسللين، فأتى الصريخ أبا الهيذام، فركب في فوارس من أهله، فقاتلهم، فهزمهم.
ثم بلغه خبر جمع آخر لهم على باب تومأن فأتاهم، فهزمهم أيضاً؛ ثم جمعت اليمانية أهل الأردن والخولان وكلباً غيرهم، وأتى الخبر أبا الهيذام، فأرسل من يأتيه بخبرهم، فلم يقف لهم على خبر في ذلك، وجاؤوا من جهة أخرى كان آمناً منها لبناء فيها.
فلما انتصف النهار ولم ير شيئاً فرق أصحابه، فدخلوا المدينة، ودخلها معهم، وخلف طليعة، فلما رآه إسحاق قد دخل أرسل إلى ذلك البناء فهدمه، وأمر اليمانية بالعبور، ففعلوأن فجاءت الطليعة إلى أبي الهيذام، فأخبروه الخبر، وهوعند باب الصغير، ودخلت اليمانية المدينة وحملوا على أبي الهيذام، فلم يبرح، وأمر بعض أصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم، ففعلوأن فلما رأتهم اليمانية تنادوا: الكمين الكمين، وانهزموأن وأخذ منهم سلاحاً وخيلاً.
فلما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود، فعسكروا عند قصر الحجاج، وأعلم أبوالهيذام أصحابه، فجاءته القين وغيرهم، واجتمعت اليمن إلى إسحاق، فالتقى بعض العسكر فاقتتلوأن فانهزمت اليمانية وقتل منهم، ونهب أصحاب أبي الهيذام بعض داريأن وأحرقوا فيها ورجعوأن وأغار هؤلاء، فنهبوا وأحرقوأن واقتتلوا غير مرة، فانهزمت اليمانية أيضاً.
فأرسلت ابنة الضحاك بن رمل السكسكي، وهي يمانية، إلى أبي الهيذام تطلب منه الأمان، فأجابهأن وكتب لها؛ ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق وأحرقهأن فلما رأت اليمانية ذلك أرسل إليه ابن خارجة الحرشي وابن عزة الخشني، وأتاه الأوزاع والأوصاب، ومقرأن وأهل كفر سوسية، والحميريون، وغيرهم يطلبون الأمان، فآمنهم، فسكن الناس وأمنوا.
وفرق أبوالهيذام أصحابه، وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه إسحاق، فبذل الأموال للجنود ليواقع أبا الهيذام، فأرسل العذافر السكسكي في جمع إلى أبي الهيذام، فقاتلوهم، فانهزم العذافر.
ودامت الحرب بين أبي الهيذام وبين الجنود من الظهر إلى المساء؛ وحملت خيل أبي الهيذام على الجند، فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوأن وقد جرح منهم أربعمائة، ولم يقتل منهم أحد، وذلك نصف صفر.
فلما كان الغد لم يقتتلوا إلى المساء، فلما كان آخر النهار تقدم إسحاق في الجند، فقاتلهم عامة الليل، وهم بالمدينة، واستمد أبوالهيذام أصحابه، وأصبحوا من الغد فاقتتلوا والجند في اثني عشر ألفأن وجاءتهم اليمانية، وخرج أبوالهيذام من المدينة، فقال لأصحابه، وهم قليلون: أنزلوأن فنزلوأن وقاتلوهم على باب الجابية، حتى أزالوهم عنه.
ثم إن جمعاً من أهل حمص أغاروا على قرية لأبي الهيذام، فأرسل طائفة من أصحابه إليهم، فقاتلوهم، فانهزم أهل حمص، وقتل منهم بشر كثير، وأحرقوا قرى في الغوطة لليمانية، وأحرقوا داريأن ثم بقوا نيفاً وسبعين يوماً لم تكن حرب.
فقدم السندي، مستهل ربيع الآخر، في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية تغريه بأبي الهيذام، وأرسل أبوالهيذام إليه يخبره أنه على الطاعة، فأقبل حتى دخل دمشق، وإسحاق بدار الحجاج، فلما كان الغد أرسل السندي قائداً في ثلاثة آلاف، وأخرج إليهم أبوالهيذام ألفأن فلما رآهم القائد رجع إلى السندي، فقال: أعط هؤلاء ما أرادوأن فقد رأيت قوماً الموت أحب إليهم من الحياة؛ فصالح أبوالهيذام، وأمن أهل دمشق والناس.
وسار أبوالهيذام إلى حوران، وأقام السندي بدمشق ثلاثة أيام، وقدم موسى بن عيسى والياً عليهأن فلما دخلها أقام بها عشرين يومأن واغتمن غرة أبي الهيذام فأرسل من يأتيه به، فكبسوا داره، فخرج هو وابنه خريم وعبد له، فقاتلوهم، ونجا منهم وانهزم الجند.

وسمعت خيل أبي الهيذام، فجاءته من كل ناحية، وقصد بصرى، وقاتل جنود موسى بطرف اللجاة، فقتل منهم، وانهزموأن ومضى أبوالهيذام، فلما أصبح أتاه خمسة فوارس فكلموه، فأوصى أصحابه بما أراد، وتركهم ومضى، وذلك لعشر بقين من رمضان سنة سبع وسبعين ومائة.
وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أخيه يأمره بالكف، ففعل، ومضى معهم، وأمر أصحابه بالتفرق، وكان آخر الفتنة، ومات أبوالهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة.
هذا ما أردنا ذكره على سبيل الاختصار.
خريم بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء. وحارثة بالحاء المهملة، والثاء المثلثة. ونشبه بضم النون، وسكون الشين المعجمة وبعدها باء موحدة. وبغيض بالباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وآخره ضاد معجمة، وريث بالراء، والياء تحتها نقطتان، وآخره ثاء مثلثة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا عبد الملك بن عبد الواحد بجيش صاحب الأندلس، بلاد الفرنج، فبلغ ألية، والقلاع، فغمن، وسلم.
وفيها استعمل هشام ابنه الحكم على طليطلة، وسيره إليهأن فضبطهأن وأقام بهأن وولد له بها ابنه عبد الرحمن بن الحكم، وهوالذي ولي الأندلس بعد أبيه.
وفيها استعمل الرشيد على الموصل الحاكم بن سليمان.
وفيها خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين، فأخذ من أهلها مالأن وسار إلى دارا وآمد وارزن، فأخذ منهم مالأن وكذلك فعل بخلاط، ثم رجع إلى نصيبين، وأتى الموصل، فخرج إليه عسكرهأن فهزمهم على الزاب، ثم عادوا لقتاله، فقتل الفضل وأصحابه.
وفيها مات الفرج بن فضالة، وصالح بن بشر المري القارئ، وكان ضعيفاً في الحديث.
وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمروبن حزم أبوطاهر الأنصاري، وكان قاضياً ببغداد.
وفيها توفي نعيم بن ميسرة النحوي الكوفي، وأبوالأحوص، وأبوعوانة، واسمه الوضاح مولى يزيد بن عطاء الليثي، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين.
حوادث سنة سبع وسبعين ومائة
ذكر غزو الفرنج بالأندلس
وفيها سير هشام، صاحب الأندلس، جيشاً كثيفأن واستعمل عليهم عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، فدخلوا بلاد العدو، فبلغوا أربونة، وجرندة، فبدأ بجرندة، وكان بها حامية الفرنج، فقتل رجالهأن وهدم أسوارها وأبراجهأن وأشرف على فتحهأن فرحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك، وأوغل في بلادهم، ووطئ أرض شرطانية، فاستباح حريمهأن وقتل مقاتليها وجاس البلاد شهوراً يخرب الحصون، ويحرق ويغمن، قد أجفل العدومن بين يديه هاربأن وأوغل في بلادهم، ورجع سالماً معه من الغنائم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهي من أشهر مغازي المسلمين بالأندلس.
ذكر استعمال الفضل بن روح بن حاتم على إفريقيةوفي هذه السنة، وهي سنة سبع وتسعين، استعمل الرشيد على إفريقية الفضل بن روح بن حاتم، وكان الرشيد لما توفي روح استعمل بعده حبيب بن نصر المهلبي، فسار الفضل إلى باب الرشيد، وخطب ولاية إفريقية، فولاه، فعاد إليهأن فقدم في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة، فاستعمل على مدينة تونس ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح، وكان غارأن فاستخف بالجند.
وكان الفضل أيضاً قد أوحشهم، وأساء السيرة معهم، بسبب ميلهم إلى نصر بن حبيب الوالي قبله، فاجتمع من بتونس، وكتبوا إلى الفضل يستعفون من ابن أخيه، فلم يجبهم عن كتابهم، فاجتمعوا على ترك طاعته، فقال لهم قائد من الخراسانية يقال له محمد بن الفارسي: كل جماعة لا رئيس لها فهي إلى الهلاك أقرب، فانظروا رجلاً يدبر أمركم. قالوا: صدقت؛ فاتفقوا على تقديم قائد منهم يقال له عبد الله بن الجارود يعرف بعبدويه الأنباري، فقدموه عليهم، وبايعوه على السمع والطاعة، وأخرجوا المغيرة عنهم، وكتبوا إلى الفضل يقولون: إنا لن نخرج يداً عن طاعة، ولكنه أساء السيرة، فأخرجناه، فول علينا من نرضاه.

فاستعمل عليهم ابن عمه عبد الله بن يزيد بن حاتم وسيره إليهم. فلما كان على مرحلة من تونس أرسل إليه ابن الجارود جماعة لينظروا في أي شيء قدم ولا يحدثوا حدثاً إلا بأمره، فساروا إليه، وقال بعضهم لبعض: إن الفضل يخدعكم بولاية هذأن ثم ينتقم منكم بإخراجكم أخاه؛ فعدوا على عبد الله بن يزيد فقتلوه، وأخذوا من معه من القواد أسارى، فأضطر حينئذ عبد الله بن الجارود ومن معه إلى القيام والجد في إزالة الفضل، فتولى ابن الفارسي الأمر، وصار يكتب إلى كل قائد بإفريقية ومتولي مدينة يقول له: إنا نظرنا في صنيع الفضل في بلاد أمير المؤمنين، وسوء سيرته، فلم يسعنا إلا الخروج عليه لنخرجه عنأن ثم نظرنا فلم نجد أحداً أولى بنصيحة أمير المؤمنين، لبعد صوته، وعطفه على جنده منك، فرأينا أن نجعل نفوسنا دونك، فإن ظفرنا جعلناك أميرنأن وكتبنا إلى أمير المؤمنين نسأله ولايتك، وإن كانت الأخرى لم يعلم أحد إننا إردناك، والسلام.
فأفسد بهذا كافة الجند على الفضل، وكثر الجمع عندهم، فسير إليهم الفضل عسكرا كثيرأن فخرجوا إليه، فقاتلوه، فانهزم عسكره وعاد إلى القيروان منهزمأن وتبعهم أصحاب ابن الجارود، فحاصروا القيروان يومهم ذلك، ثم فتح أهل القيروان الأبواب، ودخل ابن الجارود وعسكره في جمادي الآخرة سنة ثمان وسبعين ومائة، وأخرج الفضل من القيروان، ووكل به وبمن معه من أهله أن يوصلهم إلى قابس، فساروا يومهم، ثم ردهم ابن الجارود، وقتل الفضل بن روح بن حاتم.
فلما قتل الفضل غضب جماعة من الجند، واجتمعوا على قتال ابن الجارود، فسير إليهم عسكرأن فانهزم عسكره، وعاد إليه بعد قتال شديد واستولى أولئك الجند على القيروان، وكان ابن الجارود بمدينة تونس، فسار إليهم وقد تفرقوا بعد دخول القيروان، فوصل إليهم ابن الجارود، فلقوه واقتتلوأن فهزمهم ابن الجارود وقتل جماعة من أعيانهم، فانهزموأن فلحقوا بالأربس، وقدموا عليهم العلاء بن سعيد والي بلد الزاب وساروا إلى القيروان.
ذكر ولاية هرثمة بن أعين بلاد إفريقيةاتفق وصول يحيى بن موسى من عند الرشيد لما قصد العلاء ومن معه القيروان؛ وكان سبب وصوله أن الرشيد بلغه ما صنع ابن الجارود، وإفساده إفريقية، فوجه هرثمة بن أعين ومعه يحيى بن موسى، لمحله عند أهل خراسان، وأمر أن يتقدم يحيى، ويلطف بابن الجارود ويستعمله ليعاود الطاعة قبل وصول هرثمة، فقدم يحيى القيروان، فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير، ودفع إليه كتاب الرشيد، فقال: أنا على السمع والطاعة، وقد قرب مني العلاء بن سعيد ومعه البربر، فإن تركت القيروان وثب البربر فملكوهأن فأكون قد ضيعت بلاد أمير المؤمنين، ولكني أخرج إلى العلاء فإن ظفر بي فشأنكم والثغور، وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة فأسلم البلاد إليه، وأسير إلى أمير المؤمنين.
وكان قصده المغالطة، فإن ظفر بالعلاء منع هرثمة عن البلاد، فعلم يحيى ذلك، وخلا بابن الفارسي، وعاتبه على ترك الطاعة، فاعتذر، وحلف أنه عليهأن وبذل من نفسه المساعدة على ابن الجارود، فسعى ابن الفارسي في إفساد حاله، واستمال جماعة من أجناده، فأجابوه، وكثر جمعه، وخرج إلى قتال ابن الجارود، فقال ابن الجارود لرجل من أصحابه اسمه طالب: إذا تواقفنا فإنني سأدعوا ابن الفارسي لأعاتبه فأقصده أنت وهوغافل فاقتله! فأجابه إلى ذلك، وتواقف العسكران، ودعا ابن الجارود محمد بن الفارسي وكلمه، وحمل طالب عليه وهوغافل فقتله، وانهزم أصحابه، وتوجه يحيى بن موسى إلى هرثمة بطرابلس.
وأما العلاء بن سعيد فإنه لما علم الناس بقرب هرثمة منهم كثر جمعه، وأقبلوا إليه من كل ناحية، وسار إلى ابن الجارود، فعلم ابن الجارود أنه لا قوة له به، فكتب إلى يحيى بن موسى يستدعيه ليسلم إليه القيروان، فسار إليه في جند طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة، فلما وصل قابساً تلقاه عامة الجند، وخرج ابن الجارود من القيروان مستهل صفر، وكانت ولايته سبعة أشهر.

وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى يستبقان إلى القيروان، كل منهما يريد أن يكون الذكر له فسبقه العلاء ودخلهأن وقتل جماعة من أصحاب ابن الجارود، وسار إلى هرثمة وسار ابن الجارود أيضاً إلى هرثمة، فسيره هرثمة إلى الرشيد، وكتب إليه يعلمه أن العلاء كان سبب خروجه، فكتب الرشيد يأمره بإرسال العلاء إليه، فسيره، فلما وصل لقيه صلة كثيرة من الرشيد وخلع، فلم يلبث بمصر إلا قليلاً حتى توفي.
وأما ابن الجارود فاعتقل ببغداد، وسار هرثمة إلى القيروان، فقدمها في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فآمن الناس وسكنهم، وبنى القصر الكبير بالمنستير سنة ثمانين ومائة، وبنى سور مدينة طرابلس مما يلي البحر.
وكان إبراهيم بن الأغلب بولاية الزاب، فأكثر الهدية إلى هرثمة ولاطفه، فولاه هرثمة ناحية من الزاب فحسن أثره فيها.
ثم إن عياض بن وهب الهواري وكليب بن جميع الكلبي جمعاً جموعأن وأراد قتال هرثمة، فسير إليهما يحيى بن موسى في جيش كثير، ففرق جموعهمأن وقتل كثيراً من أصحابهمأن وعاد إلى القيروان.
ولما رأى هرثمة ما بإفريقية من الاختلاف واصل كتبه إلى الرشيد يستعفي، فأمره بالقدوم عليه إلى العراق، فسار عن إفريقية في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، فكانت ولايته سنتين ونصفاً.
ذكر الفتنة بالموصلوفيها خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد، وكان من فرسان أهل الموصل، واجتمع عليه أربعة آلاف رجل، وجبي الخراج، وكان عامل الرشيد على الموصل محمد بن العباس الهاشمي، وقيل عبد الملك بن صالح، والعطاف غالب على الأمر كله، وهويجبي الخراج، وأقام على هذا سنتين، حتى خرج الرشيد إلى الموصل فهدم سورها بسببه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن مصر، واستعمل عليها إسحاق بن سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان، واستعمل عليها الفضل بن يحيى البرمكي مضافاً إلى ما كان إليه من الأعمال، وهي الري وسجستان وغيرهما.
وفيها غزا الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي.
وفيهأن في المحرم، هاجت ريح شديدة وظلمة، ثم عادت مرة ثانية في صفر. وحج بالناس الرشيد.
وفيها توفي عبد الواحد بن زيد، وقيل سنة ثمان وسبعين.
وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي، وجعفر بن سليمان.
حوادث سنة ثمان وسبعين ومائة
ذكر الفتنة بمصر
وفي هذه السنة وثبت الحوفية بمصر على عاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه، وأمده الرشيد بهرثمة بن أعين، وكان عامل فلسطين، فقاتلوا الحوفية، وهم من قيس وقضاعة، فأذعنوا بالطاعة، وأدوا ما عليهم للسلطان، فعزل الرشيد إسحاق عن مصر، واستعمل عليها هرثمة مقدار شهر، ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح.
ذكر خروج الوليد بن طريف الخارجيوفيها خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة، ففتك بإبراهيم بن خازم ابن خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد، فدخل إلى أرمينية، وحصر خلاط عشرين يومأن فافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفاً.
ثم سار إلى أذربيجان، ثم إلى حلوان وأرض السواد، ثم عبر إلى غرب دجلة، وقصد مدينة بلد، فافتدوا منه بمائة ألف، وعاث في أرض الجزيرة فسير إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهوابن معن بن زائدة، فقال الوليد:
ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط الزاب أي فتىً يكون
فجعل يزيد يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فقالوا للرشيد: إمنا يتجافى يزيد عن الوليد للرحم، لأنهما كلاهما من وائل، وهونوا أمر الوليد، فكتب إليه الرشيد كتاب مغضب، وقال له: لووجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن، متعصب، وأقسم بالله إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك؛ فلقي الرشيد عشية خميس في شهر رمضان سنة تسع وسبعين، فيقال: جهد عطشاً حتى رمى بخاتمه في فيه، وجعل يلوكه ويقول: اللهم إنها شدة شديدة، فاسترها! وقال لأصحابه: فداكم أبي وأمي إمنا هي الخوارج، ولهم حملة، فاثبتوأن فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا.

فكان كما قال، حملوا عليهم حملة، فثبت يزيد ومن معه من عشيرته، ثم حمل عليهم فانكشفوأن فيقال: إن أسد بن يزيد كان شبيهاً بأبيه جداً لا يفصل بينهما إلا ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره، منحرفة على جبهته، فكان أسد يتمنى مثلهأن فهوت إليه ضربة، فأخرج وجهه من الترس، فأصابته في ذلك الموضع، فيقال لوخطت على ضربة أبيه ما عدا.
واتبع الوليد بن طريف، فلحقه، فاحتز رأسه، فقال بعض الشعراء:
وائل بعضهم يقتل بعضاً ... لا يغل الحديد إلا الحديد
فلما قتل الوليد صبحتهم أخته ليلى بنت طريف، مستعد، عليها الدرع، فجعلت تحمل على الناس، فعرفت، فقال يزيد: دعوها! ثم خرج إليها فضرب بالرمح قطاة فرسهأن ثم قال: اعزبي، عزب الله عليك، فقد فضحت العشيرة؛ فاستحيت وانصرفت وهي تقول ترثي الوليد:
بتل تباثاً رسم قبر كأنه ... على علم فوق الجبال منيف
تضمن جوداً حاتمياً ونائلاً ... وسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قاتل الله الجثى كيف أضمرت ... فتىً كان بالمعروف غير عفيف
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فيا رب خيل فضها وصفوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى ... وللشمس همت بعده بكسوف
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وكل حصان باليدين عروف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت نزالاً بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع فليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف
وقال مسلم بن الوليد في قتل ورفق يزيد في قتاله من قصيدة هذه الأبيات:
يفتر عند افترار الحرب مبتسماً ... إذا تغير وجه الفارس البطل
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلاً يأتي على مهل
وهي حسنة جداً.
ذكر غزو الفرنج والجلالقة بالأندلسفيها سير هشام صاحب الأندلس عسكراً مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فغزا الية والقالع، فغمن وسلم.
وسير أيضاً جيشاً آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة، فخرب دار ملكهم أدفنش وكنائسه، وغمن. فلما قفل المسلمون ضل الدليل بهم، فنالهم مشقة شديدة، ومات منهم بشر كثير، ونفقت دوابهم، وتلفت آلاتهم، ثم سلموا وعادوا.
ذكر فتنة تاكرناوفيها هاجت فتنة تاكرنا بالأندلس، وخلع بربرها الطاعة، وأظهروا الفساد، وأغاروا على البلاد، وقطعوا الطريق، فسير هشام إليهم جنداً كثيفاً عليهم عبد القادر بن أبان بن عبد الله، مولى معاوية بن أبي سفيان، فقصدوها وتابعوا قتال من فيها إلى أن أبادوهم قتلاً وسبيأن وفر من بقي منهم فدخل في سائر القبائل، وبقيت كورة تاكرنا وجبالها خالية من الناس سبع سنين.
ذكر عدة حوادثوفيها غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية سليمان بن راشد، ومعه البند بطريق صقلية.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي.
وفيها فوض الرشيد أمور دولته كلها إلى يحيى بن خالد البرمكي.
وفيها وصل الفضل بن يحيى إلى خراسان، وغزا ما وراء النهر من بخارى، فحضر عنده صاحب أشروسنة، وكان ممتنعاً؛ وبنى الفضل بخراسان المساجد والرباطات.
وفيها توفي عبد الوارث بن سعيد، والمفضل بن يونس، وجعفر بن سليمان الضبعي.
حوادث سنة تسع وسبعين ومائة
ذكر غزو الفرنج بالأندلس

وفيها سير هشام صاحب الأندلس جيشاً كثيفاً عليهم عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، إلى جليقية، فساروا حتى انتهوا إلى استرقة، وكان أذفونش، ملك الجلالقة، قد جمع وحشد، وأمده ملك البشكنس، وهم جيرانه، ومن يليهم من المجوس، وأهل تلك النواحي، فصار في جمع عظيم، فأقدم عليه عبد الملك، فرجع أذفونش هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفوأثرهم، ويهلك كل من تخلف منهم، فدوخ بلادهم، وأوغل فيهأن وأقام فيها يغمن، ويقتل، ويخرب، وهتك حريم أذفونش، ورجع سالماً.
وكان قد سير هشام جيشاً آخر من ناحية أخرى، فدخلوا أيضاً على ميعاد من عبد الملك، فأخربوأن ونهبوأن وغمنوأن فلما أرادوا الخروج من بلاد العدواعترضهم عسكر للفرنج فنال منهم، وقتل نفراً من المسلمين ثم تخلصوأن وسلموأن وعادوا سالمين سوى من قتل منهم.
ذكر عدة حوادثفيها عاد الفضل بن يحيى من خراسان، فاستعمل الرشيد منصور بن يزيد بن منصور الحميري، خال المهدي؛ واعتمر الرشيد في شهر رمضان، شكراً لله تعالى على قتل الوليد بن طريف، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، وحج بالناس، ومشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيأن ورجع على طريق البصرة.
وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني.
وفيها توفي حماد بن زيد درهم الأظدي، ولاهم أبوإسماعيل، ومالك بن أنس الأصبحي، الإمام أستاذ الشافعي.
وفيها توفي مسلم بن خالد الزنجي أبوعبد الله الفقيه المكي، وصحبه الشافعي قبل مالك، وأخذ عنه الفقه، وإمنا قيل له الزنجي لأنه كان أبيض مشرباً بحمرة، وعباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي البصري، وأبوالأحوص سلام بن سليم الحنفي سلام بتشديد اللام.
حوادث سنة ثمانين ومائة
ذكر وفاة هشام
وفيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، صاحب الأندلس، في صفر، وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام، وقيل تسعة أشهر، وقيل سبعة أشهر، وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وكنيته أبوالوليد؛ وكانت أمه أم ولد.
كان أبيض أشهل، مشرباً بحمرة، بعينيه حول، وخلف خمسة بنين؛ وكان عاملاً حازمأن ذا رأي وشجاعة وعدل، خيرأن محباً لأهل الخير والصلاح، شديداً على الأعداء، راغباً في الجهاد.
ومن أحسن عمله أنه أخرج مصدقاً يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه أيام ولايته، وهوالذي تمم بناء الجامع بمدينة قرطبة، وكان أبوه قد مات قبل فراغه منه، وبنى عدة مساجد معه، وبلغ من عز الإسلام في أيامه وذل الكفر أن رجلاً مات في أيامه، فأوصى أن يفك أسير من مسلمين من تركته، فطلب ذلك، فلم يوجد في دار الكفار أسير يشتري ويفك لضعف العدو وقوة المسلمين.
ومناقبه كثيرة قد ذكرها أهل الأندلس كثيرأن وبالغوا حتى قالوا كان يشبه في سيرته بعمر بن عبد العزيز، رحمه الله.
ذكر ولاية ابنه الحكم ولقبه المنتصرولما مات استخلف بعده ابنه الحكم، وكان الحكم صارمأن حازمأن وهوأول من استكثر من المماليك بالأندلس، وارتبط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة.
وكان يباشر الأمور بنفسه، وكان فصيحأن شاعرأن ولما ولي خرج عليه عماه سليمان وعبد الله، وكان في بر العدوة الغربية، فعبر عبد الله البلنسي إلى الأندلس، فتولى بلنسية، وتبعه أخوه سليمان، وكان بطنجة، وأقبلا يؤلبان الناس على الحكم، ويثيران الفتنة، فتحاربوا مدة والظفر للحكم.
ثم إن الحكم ظفر بعمه سليمان، فقتله سنة أربع وثمانين ومائة، وأما عبد الله فأقام ببلنسية، وقد كف عن الفتنة، وخاف، فراسل الحكم في الصلح، فأجابه إلى ذلك، فوقع الصلح بينهما سنة ست وثمانين، وزوج أولاد عبد الله بأخواته، وسكنت الفتنة.
ولما اشتغل الحكم بالفتنة مع عميه اغتمن الفرنج الفرصة، فقصدوا بلاد الإسلام، وأخذوا مدينة برشلونة واتخذوها دارأن ونقلوا أصحابهم إليهأن وتأخرت عساكر المسلمين عنهأن وكان أخذها سنة خمس وثمانين ومائة.
ذكر غزو الفرنج بالأندلس

في هذه السنة سير الحكم، صاحب الأندلس، جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فدخل البلاد، وبث السرايا ينهبون، ويقتلون، ويحرقون البلاد، وسير سرية، فجازوا خليجاً من البحر كان الماء قد جزر عنه، وكان الفرنج قد جعلوا أموالهم وأهليهم وراء ذلك الخليج، ظناً منهم أن أحداً لا يقدر أن يعبر إليهم، فجاءهم ما لم يكن في حسابهم، فغمن المسلمون جميع مالهم، وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروأن وسبوا الحريم، وعادوا سالمين إلى عبد الكريم.
وسير طائفة أخرى، فخربوا كثيراً من بلاد فرنسية، وغمن أموال أهلهأن وأسروا الرجال، فأخبره بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى واد وعر المسلك على طريقهم، فجمع عبد الكريم عساكره، وسار على تعبئة، وجد السير، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون، فوضعوا السيف فيهم، فانهزموا وغنم ما معهم، وعاد سالماً هو ومن معه.
ذكر ولاية علي بن عيسى خراسانوفيها عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان، واستعمل عليها علي بن عيسى بن ماهان، فوليها عشر سنين، وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي أيضأن فجاء إلى بوشنج، فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي، وكان على هراة، في ستة آلاف، فقاتله، فهزمه حمزة، وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه في الزحام، فوجه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة، فعزله، وسير عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة، فهزمه حمزة، فرده أبوه إليه أيضأن فقاتله بباخرز، وكان حمزة بنيسابور، فانهزم حمزة، وبقي أصحابه، وبقي في أربعين رجلأن فقصد قهستان.
وأرسل عيسى أصحابه إلى أوق وجوين، فقتلوا من بها من الخوارج، وقصد القرى التي كان أهلها يعينون حمزة، فأحرقهأن وقتل من فيهأن حتى وصل إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفاً ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس النسفي، فجبى الأموال وسار بهأن فلقيه حمزة بأسفزار، فقاتله، فصبر له عبد الله ومن معه من الصغد، فانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه، وجرح في وجهه، واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم، ثم خرج وسار في القرى يقتل، ولا يبقي على أحد.
وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة، وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاماً؛ فقتلهم؛ وقتل معلمهم، وبلغ طاهراً الخبر، فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون، ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر، وأخذ أموالهم؛ وكان يشد الرجل منهم في شجرتين، ثم يجمعهمأن ثم يرسلهمأن فتأخذ كل شجرة نصفه، فكتب القعد إلى حمزة بالكف، فكف وواعدهم، وأمن الناس مدة، وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة.
ذكر عدة حوادثوفيها سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام للعصبية التي بها ومعه القواد والعساكر والسلاح والأموال، فسكن الفتنة، وأطفأ النائرة، وعاد الناس إلى الأمن والسكون.
وفيها أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن عيسى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد.
وفيها ولى جعفراً خرسان وسجستان، ثم عزله عنها بعد عشرين ليلة، واستعمل عليها عيسى بن جعفر، وولى جعفر بن يحيى الحرس.
وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب العطاف بن سفيان الأزدي، سار إليها بنفسه، وهدم سورهأن وأقسم ليقتلن من لقي من أهلهأن فأفتاه القاضي أبويوسف، ومنعه من ذلك؛ وكان العطاف قد سار عنها نحوأرمينية فلم يظفر به الرشيد، ومضى إلى الرقة فاتخذها وطناً.
وفيها عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية، واستقدمه إلى بغداد واستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس.
وفيها كانت بمصر زلزلة عظيمة سقط منها رأس منارة الاسكندرية.
وفيها خرج حراشة الشيباني بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار العقيلي. وفيها خرجت المحمرة بجرجان.
وفيها عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان، والرويان، ووليها عبد الله بن خازم، وولي سعيد بن سلم الجزيرة، وغزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم.
وفيها سار الرشيد إلى الحيرة، وابتنى بها المنازل، فأقطع أصحابه القطائع فثار بهم أهل الكوفة، وأساؤوا مجاورته، فعاد إلى بغداد.
وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وفيها استعمل الرشيد على الموصل يحيى بن سعيد الحرشي، فأساء السيرة في أهلهأن وظلمهم، وطالبهم بخراج سنين مضت، فجلا أكثر أهل البلد.

وفي هذه السنة توفي المبارك بن سعيد الثوري أخوسفيان؛ وسلمه الأحمر؛ وسعيد بن خيثم، وأبوعبيدة عبد الوارث بن سعيد؛ وعبد العزيز بن أبي حازم، وتوفي وهوساجد؛ وأبوضمرة أنس عن عياض الليثي المدني.
وفيها أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة وحصنها. وسير إليها جنداً من أهل خراسان وغيرهم، فأقطعهم بها المنازل.
حوادث سنة إحدى وثمانين ومائة
ذكر ولاية محمد بن مقاتل إفريقية
وفي هذه السنة استعمل الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، لما استعفى منها هرثمة بن أعين، على ما ذكرناه، سنة سبع وسبعين ومائة؛ وكان محمد هذا رضيع الرشيد، فقدم القيروان أول رمضان، فتسلمهأن وعاد هرثمة إلى الرشيد؛ فلما استقر فيها لم يكن بالمحمود السيرة، فاختلف الجند عليه، واتفقوا على تقديم مخلد بن مرة الأزدي، واجتمع كثير من الجند والبربر وغيرهم، فسير إليه محمد بن مقاتل جيشأن فقاتلوه، فانهزم مخلد واختفى في مسجد، فأخذ وذبح.
وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التميمي في جمع كثير، وساروا إلى القيروان في رمضان سنة ثلاث وثمانين، وخرج إليه محمد بن مقاتل العكي في الذين معه، فاقتتلوا بمنية الخيل، فانهزم ابن العكي إلى القيروان وسار تمام فدخل القيروان وأمن ابن العكي، على أن يخرج عن إفريقية، فسار في رمضان إلى طرابلس.
فجمع إبراهيم بن الأغلب التميمي جمعاً كثيرأن وسار إلى القيروان منكراً لما فعله تمام، فلما قاربها سار عنها إلى تونس، ودخل إبراهيم إلى القيروان، وكتب إلى محمد بن مقاتل يعلمه الخبر، جمعاً وسار إلى القيروان، ظناً منه أن الناس يكرهون محمداً ويساعدونه عليه.
فلما وصل قال ابن الأغلب لمحمد: إن تماماً انهزم مني وأنا في قلة، فلما وصلت إلى البلاد تجدد له طمع لعلمه أن الجند يخذلونك، والرأي أن أسير أنا ومن معي من أصحابي فنقاتله؛ ففعل ذلك، وسار إليه فقاتله، فانهزم تمام، وقتل جماعة من أصحابه، ولحق بمدينة تونس، فسار إبراهيم ابن الأغلب إليه ليحصره، فطلب منه الأمان فأمنه.
ذكر ولاية إبراهيم بن الأغلب إفريقيةلما استقر الأمر لمحمد بن مقاتل ببلاد إفريقية، وأطاعة تمام، كره أهل البلاد ذلك، وحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب منه ولاية إفريقية، فكتب إليه في ذلك، وكان على ديار مصر، كل سنة مائة ألف دينار تحمل إلى إفريقية معونة، فنزل إبراهيم عن ذلك، وبذل أن يحمل كل سنة أربعين ألف دينار، فأحضر الرشيد ثقاته واستشارهم فيمن يوليه إفريقية، وذكر لهم كراهة أهلها ولاية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:15 am

ذكر من خالف بالأندلس على صاحبهاوفي هذه السنة خالف بهلول بن مرزوق، المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر من بلاد الأندلس، ودخل سرقسطة وملكهأن فقدم على بهلول فيها عبد الله بن عبد الرحمن، عم صاحبها الحكم، ويعرف بالبلنسي، وكان متوجهاً إلى الفرنج.
وخالف فيها عبيدة بن حميد بطليطلة، وأمر الحكم القائد عمروس بن يوسف، وهوبمدينة طلبيرة، أن يحارب أهل طليطلة فكان يكثر قتالهم، وضيق عليهم؛ ثم إن عمروس بن يوسف كاتب رجالاً من أهل طليطلة يعرفون ببني مخشي، واستمالهم، فوثبوا على عبيدة بن حميد وقتلوه، وحملوا رأسه إلى عمروس، فسير الرأس إلى الحكم، وأنزل بني مخشي عنده، وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة ذحول، فتسور البربر عليهم فقتلوهم، فسير عمروس رؤوسهم مع رأس عبيدة إلى الحكم وأخبره الخبر.... من باب آخر، فمن دخل منهم عدل به إلى موضع آخر فقتلوه، حتى قتل منهم سبع مائة رجل، فاستقامت تلك الناحية.
ذكر عدة حوادثفيها غزا الرشيد أرض الروم، فافتتح حصن الصفصاف وفيها غزا عبد الملك بن صالح أرض الروم، فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة.
وفيها توفي حمزة بن مالك.
وفيها غلبت المحمرة على خراسان.
وفيها أحدث الرشيد في صدر كتبه الصلاة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس الرشيد.
وفي هذه السنة كان الفداء بين الروم والمسلمين، وهوأول فداء كان أيام بني العباس، وكان القاسم بن الرشيد هوالمتولي له، وكان الملك فغفور، ففرح بذلك الناس، ففودي بكل أسير في بلاد الروم، وكان الفداء باللامس، على جانب البحر، بينه وبين طرسوس اثنا عشر فرسخأن وحضر ثلاثون ألفاً من المرتزقة مع أبي سليمان، فخرج الخادم، متولي طرسوس، وخلق كثيراً من أهل الثغور، وغيرهم من العلماء والأعيان، وكان عدة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك.
وفيها توفي الحسن بن قحطبة، وهومن قواد المنصور، هو وأبوه، وكان عمره أربعاً وثمانين سنة؛ وعبد الله بن المبارك المروزي، توفي في رمضان بهيت وعمره ثلاث وستون سنة؛ وعلي بن حمزة أبوالحسن الأزدي، المعروف بالكسائي المقرئ، النحوي، بالري، وقيل مات سنة ثلاث وثمانين.
وفيها توفي مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة الشاعر، وكان مولده سنة خمس ومائة.
وفيها توفي أبويوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم، وهوأكبر أصحاب أبي حنيفة. وفيها توفي يعقوب بن داود بن عمر بن طهمان، مولى عبد الله بن خازم السلمي، وكان يعقوب وزير المهدي، وهاشم بن البريد؛ ويزيد ابن زريع؛ وحفص بن ميسرة الصنعني من صنعاء دمشق.
البريد بفتح الباء الموحدة، وكسر الراء، وبالياء تحتها نقطتان.
حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائة

في هذه السنة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، ولقبه المأمون، وسلمه إلى جعفر بن يحيى.
وهذا من العجائب، فإن الرشيد قد رأى ما صنع أبوه وجده المنصور بعيسى بن موسى، حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع أخوه الهادي ليخلع نفسه من العهد، فلولم يعاجله الموت لخلعه، ثم هويبايع للمأمون بعد الأمين، وحبك الشيء يعمي ويصم.
وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى، فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة، فتجهز إلى بلاد الإسلام.
وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أفسوس، مدينة أصحاب الكهف.
وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون، وأقروا أمه ريني وتلقب عطسة. وحج بالناس موسى بن عيسى بن موسى، وكان على الموصل هرثمة بن أعين.
وفيها جاز سليمان بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى بلاد الأندلس من الشرق، وتعرض لحرب بن أخيه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب البلاد، فسار إليه الحكم في جيوش كثيرة، وقد اجتمع إلى سليمان كثير من أهل الشقاق ومن يريد الفتنة، فالتقيا واقتتلأن واشتدت الحرب، فانهزم سليمان واتبعه عسكر الحكم، وعادت الحرب بينهم ثانية في ذي الحجة، فانهزم فيها سليمان، واعتصم بالوعر والجبال، فعاد الحكم.
ثم عاد سليمان فجمع برابر، وأقبل إلى جانب إستجة، فسار إليهم الحكم، فالتقوا واقتتلوا سنة ثلاث وثمانين ومائة، واشتد القتال، فانهزم سليمان، واحتمى بقرية، فحصره الحكم، وعاد سليمان منهزماً إلى ناحية قريش.
وفيها كان بقرطبة سيل عظيم، فغرق كثير من ربضها القبلي، وخرب كثير منه، ويلغ السيل شقندة.
وفي هذه السنة مات جعفر الطيالسي المحدث، وعمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد الدراوردي، مولى جهينة، وكان أبوه من دار ابجرد، فاستثقلوا نسبته إليها فقالوا دراوردي.
وفيها توفي دراج أبوالسمح واسمه عبد الله بن السمح، وقيل عبد الرحمن بن السمح بن أسامة التجيبي، المصري، وكان مولده سنة خمس وعشرين ومائة؛ وعفيف بن سالم الموصلي.
حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائة
ذكر غزو الخزر بلاد الإسلام
وفيها خرج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الأرض؛ فولى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مضافاً إلى أذربيجان، ووجهه إليهم، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءاً لأهل أرمينية. وقيل إن سبب خروجهم أن سعيد بن سلم قتل المنجم السلمي فدخل ابنه بلاد الخزر، واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، وأقاموا نحوسبعين يومأن فوجه الرشيد خزيمة بن خازم، ويزيد بن مزيد، فأصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر وسدا الثلمة.
ذكر عدة حوادثوفيها استقدم الرشيد علي بن عيسى من خراسان، ثم رده عليها من قبل ابنه المأمون وأمره بحرب أبي الخصيب.
وفيها خرج بنسا من خراسان أبوالخصيب وهيب بن عبد الله النسائي. وحج بالناس العباس بن الهادي.
وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد في حبس الرشيد.
وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين ومائة، فلما عاد إلى المدينة، على ساكنها السلام، دخل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يزوره، ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر وقف فقال: السلام عليك يا رسول الله، يا ابن عم، افتخاراً على من حوله، فدنا موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن جداً؛ ثم أخذه معه إلى العراق، فحبسه عند السندي بن شاهك، وتولت حبسه أخت السندي بن شاهك، وكانت تتدين، فحكت عنه أنه كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه إلى أن يزول الليل، ثم يقوم فيصلي، حتى يصلي الصبح، ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد، ويستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي، حتى يصلي العصر، ثم يذكر الله، حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات.

وكانت إذا رأته قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل الصالح! وكان يلقب الكاظم لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه، كان هذا عادته أبدأن ولما كان محبوساً بعث إلى الرشيد برسالة أنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا ينقضي عنك معه يوم من الرخاء، حتى ينقضيا جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون.
وفيها كانت بالأندلس فتنة وحرب بين قائد كبير يقال له أبوعمران وبين بهلول بن مرزوق، وهومن أعيان الأندلس، وكان عبد الله البلنسي مع أبي عمران، فانهزم أصحاب بهلول، وقتل كثير منهم.
وفيها توفي يونس بن حبيب النحوي المشهور، أخذ العلم عن أبي عمروبن العلاء وغيره، وكان عمره قد زاد على مائة سنة.
وفيها مات موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس؛ ومحمد بن صبيح أبوالعباس المذكر، المعروف بابن السماك؛ وهشيم بن بشير الواسطي توفي في شعبان، وكان ثقة إلا أنه كان يصحف؛ ويحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، قاضي المدائن بهأن وكان عمره ثلاثاً وستين سنة؛ ويوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون.
صبيح بفتح الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة. وبشير بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة.
حوادث سنة أربع وثمانين ومائةوفيها ولى الرشيد حماداً البربري اليمن ومكة وولى داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية إبراهيم بن الأغلب، فولاه إياها الرشيد.
وفيها خرج أبوعمروالشاري، فوجه إليه زهيراً القصاب فقتله بشهرزور.
وفيها طلب أبوالخصيب الأمان فأمنه علي بن عيسى بن ماهان. وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي؛ وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني.
وفيها سار عبد الله بن عبد الرحمن البلنسي إلى مدينة أشقة من الأندلس، فنزل بها مع أبي عمران، ومع العرب، فسار إليهم بهلول بن مرزوق، وحاصرهم فيهأن فتفرق العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة أشقة، وسار عبد الله إلى مدينة بلنسية فأقام بها.
وفيها توفي المعافى بن عمران الموصلي، الأزدي، وقيل سنة خمس وثمانين.
وفيها توفي عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن الخطاب الذي يقال له العابد؛ وعبد السلام بن شعيب بن الحجاب الأزدي، وعبد الأعلى بن عبد الله الشامي المصري من بني شامة بن لؤي؛ وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أبومحمد.
حوادث سنة خمس وثمانين ومائةفي هذه السنة قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي، وهو واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي.
وفيها قتل عبد الرحمن الأنباري أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة.
وفيها عاث حمزة الخارجي بباذغيس، فقتل عيسى بن علي بن عيسى من أصحابه عشرة آلاف، وبلغ عيسى كابل وزابلستان.
وفيها غدر أبوالخصيب ثانية، وغلب على أبيورد، وطوس، ونيسابور، وحصر مرو، ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس، وعاد أمره قوياً.
وفيها استأذن جعفر بن يحيى في الحج والمجاورة، فأذن له، فخرج في شعبان واعتمر في رمضان وأقام بجدة مرابطاً إلى أن حج.
وفيها جمع الحكم صاحب الأندلس عساكره، وسار إلى عمه سليمان بن عبد الرحمن، وهوبناحية فريش، فقاتله، فانهزم سليمان، وقصد ماردة، فتبعه طائفة من عسكر الحكم فأسروه فلما حضر عند الحكم قتله، وبعث برأسه إلى قرطبة، وكتب إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمان، واستدعاهم، فحضروا عنده بقرطبة.
وفيها وقعت في المسجد الحرام صاعقة قتلت رجلين. وحج بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي.
وفيها مات عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولم يكن سقط له سن، وقيل كانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل وقطعة واحدة من فوق، وهوقعدد بني عبد مناف لأنه كان في القرب إلى عبد مناف بمنزلة يزيد بن معاوية، وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة.
وفيها ملك الفرنج، لعنهم الله، مدينة برشلونة بالأندلس، وأخذوها من المسلمين، ونقلوا حماة ثغورهم إليهأن وتأخر المسلمون إلى ورائهم.
وكان سبب ملكهم إياها اشتغال الحكم صاحب الأندلس بمحاربة عمية عبد الله وسليمان على ما تقدم.
وفيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد على طريق الموصل.
وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد.

وفيها أيضاً توفي يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهوابن أخي معن بن زائدة، بمدينة برذعة، وولي مكانه أسد بن يزيد، وكان يزيد ممدحأن جوادأن كريمأن شجاعأن وأكثر الشعراء مراثيه، ومن أحسن ما قيل في المرائي ما قاله أبومحمد التميمي رثاء له، فأثبته لجودته:
أحقاً أنه أودى يزيد ... تبين أيها الناعي المشيد
أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك كان بها الصعيد
أحامي المجد والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد
تأمل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد
وهل مالت سيوف بني نزار ... وهل وضعت عن الخيل اللبود
وهل تسقي البلاد عشار مزن ... بدرتها وهل يخضر عود
أما هدت لمصرعه نزار ... بلى! وتقوض المجد المشيد
وحل ضريحه إذ حل فيه ... طريف المجد والحسب التليد
أما والله ما تنفك عيني ... عليك بدمعها أبداً تجود
فإن تجمد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود
أبعد يزيد تختزن البواكي ... دموعأن أويصان لها خدود
لتبكك قبة الإسلام لما ... وهت أطنابها ووهى العمود
ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نسباً وقد كسد القصيد
فمن يدعوالإمام لكل خطب ... ينوب وكل معضلة تؤود
ومن يحمي الخميس إذا تعايا ... بحيلة نفسه البطل النجيد
فإن يهلك يزيد فكل حي ... فريس للمنية أوطريد
ألم تعجب له! إن المنايا ... فتكن به وهن له جنود
قصدن له وكن يحدن عنه ... إذا ما الحرب شب لها وقود
لقد عزى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود
وكان الرشيد إذا سمع هذه المرثية بكى، وكان يستجيدها ويستحسنها.
وفيها توفي محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ببغداد؛ وعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير؛ والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن عياش المخزومي، ويعرف بالحزامي، وكان مولده سنة أربع وعشرين ومائة؛ وحجاج الصواف، وهوأبن أبي عثمان ميسرة.
عياش بالشين المعجمة، والياء المثناة من تحت، الحزامي بالحاء المهملة، والزاي.
حوادث سنة ست وثمانين ومائة
ذكر اتفاق الحكم وعمه عبد الله
في هذه السنة اتفق الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، أمير الأندلس، وعمه عبد الله بن عبد الرحمن البلنسي.
وسبب ذلك أن عبد الله لما سمع بقتل أخيه سليمان عظم عليه، وخاف على نفسه، ولزم بلنسية ولم يفارقهأن ولم يتحرك لإثارة فتنة، وأرسل إلى الحكم يطلب المسالمة، والدخول في طاعته، وقيل بل الحكم أرسل إليه رسلأن وكتب إليه يعرض عليه المسالمة، ويؤمنه، وبذل له الأرزاق الواسعة، ولأولاده، فأجاب عبد الله إلى الاتفاق، واستقرت القاعدة بينهم على يد يحيى بن يحيى، صاحب مالك، وغيره من العلماء؛ وزوج الحكم أخواته من أولاد عمه عبد الله، وسار إليه عبد الله، فأكرمه الحكم، وعظم محله، وأجرى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية.
وقيل إن المراسلة في الصلح كانت هذه السنة، واستقر الصلح سنة سبع وثمانين ومائة.
ذكر حج الرشيد وأمر كتاب ولاية العهدفي هذه السنة حج بالناس هارون الرشيد، سار إلى مكة من الأنبار، فبدأ بالمدينة، فأعطى فيها ثلاثة أعطية، هوعطاء، ومحمد الأمين عطاء، وعبد الله المأمون عطاء، وسار إلى مكة فأعطى أهلهأن فبلغ ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وكان الرشيد قد ولى الأمين العراق والشام، وإلى آخر المغرب، وضم إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، ولقبه المؤتمن، وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان في حجر عبد الملك بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون.

ولما وصل الرشيد إلى مكة، ومعه أولاده، الفقهاء والقضاة والقواد، كتب كتاباً أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد فيه من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتاباً للمأمون أشهدهم عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، وجدد العهود عليهما في الكعبة؛ ولما فعل الرشيد ذلك قال الناس قد ألقى بينهم شراً وحرباً، وخافوا عاقبة ذلك، فكان ما خافواه.
ثم إن الرشيد في سنة تسع وثمانين شخص إلى قرماسين ومعه المأمون، وأشهد على نفسه من عنده من القضاة والفقهاء أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وجدد له البيعة عليهم، وأرسل إلى بغداد فجدد له البيعة على محمد الأمين.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار علي بن عيسى بن ماهان من مروإلى نسا لحرب أبي الخصيب، فحاربه فقتله وسبى نساءه وذراريه، واستقامت خراسان.
وفيها توفي خالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، وأبوإسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري.
وفيها مات عبد الله بن صالح بن عبد الله بن عباس بسلمية في ربيع الأول.
وفيها توفي علي بن عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في رجب وعمره خمس وستون سنة وستة أشهر، وهوابن أخي السفاح والمنصور.
وفيها توفي عمر بن يونس منصرفة من الحج باليمامة.
وفيها توفي عباد بن عباد بن العوام الفقيه ببغداد؛ وتوفي شقران بن علي الزاهد بالأندلس، وكان فقيهاً.
وفيها توفي راشد مولى عيسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان قد دخل المغرب مع إدريس بن عبد الله بن الحسن؛ وقام بعده بأمر البربر أبوخالد يزيد بن إلياس.
حوادث سنة سبع وثمانين ومائة
ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة
وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى.
وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربهأن فإني لا أطيق الصبر عنها؛ فأجابه إلى ذلك، فزوجها منه، وكانا يحضران معه، ثم يقوم عنهمأن وهما شابان، فجامعها جعفر، فحملت منه، فولدت له غلامأن فخافت الرشيد، فسيرته مع حواضن له إلى مكة، فأعطته الجواهر والنفقات.
ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد، فحج هارون هذه السنة، وبحث عن الأمر، فعلمه، وكان جعفر يصنع للرشيد طعاماً بعسفان، إذا حج، فصنع ذلك، ودعاه فلم يحضر عنده، فكان ذلك أول تغير أمرهم.
وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي إلى جعفر بن يحيى بن خالد، فحبسه، ثم دعا به ليلة، وسأله عن بعض أمره، فقال له: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون غداً خصمك محمد، صلى الله عليه وسلم، فوالله ما أحدثت حدثأن ولا آويت محدثاً.
فرق له، وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: فكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ؟ فوجه معه من أداه إلى مأمنه.
وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر، فرفعه إلى الرشيد، فقال: ما أنت وهذا؟ فعله عن أمري. ثم أحضر جعفراً للطعام، فجعل يلقمه ويحادثه، ثم سأله عن يحيى، فقال: هوبحاله في الحبس. فقال: بحياتي؟ ففطن جعفر، فقال: لا وحياتك!، وقص عليه أمره، وقال: علمت أنه لا مكروه عنده. فقال: نعم ما فعلت! ما عدوت ما في نفسي. فلما قام عنه قال: قتلني الله إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان.
وقيل: كان من الأسباب أن جعفراً ابتنى داراً غرم عليها عشرين ألف ألف درهم، فرفع ذلك إلى الرشيد، وقيل هذه غرامته على دار، فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك؟ فاستعظمه.
وكان من الأسباب أيضاً ما لا تعده العامة سببأن وهوأقوى الأسباب، ما سمع من يحيى بن خالد وهويقول، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته هذه: اللهم إن كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني! اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي فاسلبني، إلا الفضل؛ ثم ولى، فلما كان عند باب المسجد رجع، فقال مثل ذلك، وجعل يقول: اللهم إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك، اللهم والفضل.

وسمع أيضاً يقول في ذلك المقام: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك. اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيأن وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري وولدي ومالي، حتى يبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة، فاستجيب له.
فلما انصرفوا من الحج ونزلوا الأنبار، ونزل الرشيد العمر نكبهم.
وكان أول ما ظهر من فساد حالهم أن علي بن عيسى بن ماهان سعى بموسى بن يحيى بن خالد، واتهمه في أمر خراسان، وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير إليهم، ويخرجهم عن الطاعة، فحبسه ثم أطلقه.
وكان يحيى بن خالد يدخل على الرشيد بغير إذن، فدخل عليه يوماً وعنده جبرئيل بن يختيشوع الطبيب، فسلم، فرد الرشيد رداً ضعيفأن ثم أقبل الرشيد على جبرئيل، فقال: أيدخل عليك منزلك أحد بغير إذن؟ قال: لا! قال: فما بالنا يدخل علينا بغير إذن؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين ما ابتدأت ذلك الساعة، ولكن أمير المؤمنين خصني به، حتى إن كنت لأدخل وهوفي فراشه مجردأن وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب، فإذا قد علمت فإني سأكون عنده في الطبقة التي تجعلني فيها؛ فاستحيا هارون، وقال: ما أردت ما تكره.
وكان يحيى إذا دخل على الرشيد قام له الغلمان، فقال الرشيد لمسرور: مر الغلمان لا يقومون ليحيى إذا دخل الدار، فدخلها فلم يقومونأن فتغير لونه، وكانوا بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه.
فلما رجع الرشيد من الحج نزل العمر الذي عند الأنبار، سلخ المحرم، وأرسل مسروراً الخادم ومعه جماعة من الجند إلى جعفر ليلأن وعنده ابن بختيشوع المتطبب، وأبوزكار المغني، وهوفي لهوه وأبوزكار يغني:
فلا تبعد، فكل فتىً سيأتي ... عليه الموت يطرق أويغادي
وكل ذخيرة لا بد يوماً ... وإن كرمت تصير إلى نفاد
قال مسرور: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك، أجب أمير المؤمنين، فوقع على رجلي يقبلهأن وقال: حتى ادخل فأوصي، فقلت: أما الدخول فلا سبيل إليه، وأما الوصية فاصنع ما شئت. فأوصى بما أراد، وأعتق مماليكه.
وأتتني رسل الرشيد تستحثني، فمضيت به إليه، فأعلمته وهوفي فراشه، فقال: ائتني برأسه، فأتيت جعفراً فأخبرته، فقال: الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهوسكران، فدافع حتى أصبح، أوراجعه في ثانية. فعدت لأراجعه، فلما سمع حسي قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأسه! فرجعت إليه فأخبرته، فقال: آمره. فرجعت، فحذفني بعمود كان في يده، وقال: نفيت من المهدي، إن لم تأتني برأسه لأقتلنك! قال: فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه، وأمر بتوجيه من أحاط بيحيى وولده وجميع أسبابه، وحول الفضل بن يحيى ليلأن فحبس في بعض منازل الرشيد، وحبس يحيى في منزله، وأخذ مالهم من مال، وضياع، ومتاع، وغير ذلك، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد في قبض أموالهم ووكلائهم ورقيقهم وأسبابهم وكل ما لهم.
فلما أصبح أرسل جيفة جعفر إلى بغداد، وأمر أن ينصب رأسه على جسر، ويقطع بدنه قطعتين، تنصب كل قطعة على جسر؛ ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله؛ وقيل كان يسعى بهم؛ ثم حبس يحيى وبنيه الفضل ومحمداً وموسى محبساً سهلأن ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها.
ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم بسخطه، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم.
ولما قتل جعفر بن يحيى قيل لأبيه: قتل الرشيد ابنك! قال: كذلك يقتل ابنه؛ قيل: وقد أخرب ديارك؛ قال: كذلك تخرب دياره؛ فلما بلغ ذلك الرشيد قال: قد خفت أن يكون ما قاله لأنه ما قال شيئاً إلا ورأيت تأويله.
قال سلام الأبرش: دخلت على يحيى بن خالد وقت قبضه، وقد هتكت الستور، وجمع المتاع، فقال: هكذا تقوم القيامة؛ قال: فحدثت الرشيد فأطرق مفكراً.
وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر، وكان عمره سبعاً وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما نكبوا قال الرقاشي، وقيل أبونواس:
الآن استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يحدو ومن كان يحتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد
وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود

وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي
ودونك سيفاً برمكياً مهنداً ... أصيب بسيف هاشمي مهند
وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعده عبرة.
ووقع يحيى على قصة محبوس: العدوان أربقه، والتوبة تطلقه.
وقال جعفر بن يحيى: الحظ سمط الحكمة به تفصل شذورها وينظم منثورها.
قال ثمامة: قلت لجعفر، ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم محيطاً بمعناك، مخبراً عن مغزاك، مخرجاً من الشركة، غير مستعان عليه بالفكرة.
ذكر القبض على عبد الملك بن صالحوفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس.
وكان سبب ذلك أنه لوكان له ولد اسمه عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وكان من رحال الناس، فسعى بأبيه هو وقمامة كاتب أبيه وقالا للرشيد: إنه يطلب الخلافة، ويطمع فيها؛ فأخذه، وحبسه عند الفضل بن الربيع، وأحضره يومأن حين سخط عليه، وقال له: أكفراً بالنعمة، وجحوداً لجليل المنة والتكرمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لقد بؤت إذا بالندم، وتعرضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلا بغي حاسدنأن فنسي فيك مودة القرابة وتقديم الولاية؛ إنك، يا أمير المؤمنين، خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أمته، وأمينه على عترته، لك عليها فرض الطاعة، وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمهأن والغفران لذنوبهأن والتثبت في حادثها.
فقال له الرشيد: أتضع لي من لسانك، وترفع لي من جنانك؟ هنا كاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك، فاسمع كلامه.
فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني أويبهتني بما لم يعرفه مني.
فأحضر قمامة فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف! فقال: أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك. فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي من خلفي من يبهتني في وجهي؟ فقال الرشيد: فهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك، وفساد نيتك، ولوأردت أن أحتج عليك لم أجد أعدل من هذين الاثنين لك، فلم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك: هومأمور، أوعاق مجبور، فإن كان مأموراً فمعذور، وإن كان عاقاً ففاجر كفور، أخبر الله، عز وجل، بعداوته، وحذر منه بقوله: (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم) التغابن: 14 فنهض الرشيد وهويقول: ما أمرك إلا قد وضح، ولكني لا أعجل، حتى أعلم الذي يرضي الله، عز وجل، فيك، فإنه الحكم بيني وبينك.
فقال عبد الملك: رضيت بالله حكمأن وبأمير المؤمنين حاكمأن فإني أعلم أنه لن يؤثر هواه على رضى ربه.
وأحضر الرشيد يوماً آخر، فكان مما قال له:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد بلع، وكأني بالوعيد قد أورى زناداً يسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، فمهلاً مهلاً بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتهأن فنذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل.
فقال بعد الملك: اتق الله، يا أمير المؤمنين، فيما ولاك من رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوك مشتغلأن فالله،! فالله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته، بظن أوضح الكتاب بعضهه، أوببغي باغ ينهس اللحم، ويلغ الدم، فقد والله سهلت لك الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق لك قمته، كنت فيه كما قال أخوبني جعفر بن كلاب، يعني لبيداً:
ومقام ضيق فرجته ... ببناني ولسان وجدل
لويقوم الفيل أوفياله ... زل عن مثل مقامي وزحل
فقال له الرشيد: والله لولا إبقائي على بني هاشم لضربت عنقك؛ ثم أعاده إلى محبسه.

فدخل عبد الله بن مالك على الرشيد، وكان على شرطته، فقال له: والله العظيم، يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلا ناصحأن فعلام حبسته؟ فقال: بلغني عنه أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين، يعني الأمين والمأمون، فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه. فقال: أما إذا حبسته، فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه، ولكن تحبسه محبساً كريماً. قال: فإني أفعل؛ فأمر الفضل بن الربيع أن يمضي إليه، وينظر ما يحتاج إليه فيوظفه له، ففعل.
ولم يزل عبد الملك محبوسأن حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على الشام، فأقام بالرقة، وجعل لمحمد الأمين عهد الله لئن قتل وهوحي لا يعطي المأمون طاعة أبدأن فمات قبل الأمين؛ وكان ما قال للأمين: إن خفت فالجأ إلي فوالله لأصوننك.
وقال الرشيد يوماًً لعبد الملك: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان الجعدي.
قال: ما أبالي أي الفلحين غلب علي. وأرسل الرشيد يوماً إلى يحيى بن خالد بن برمك: إن عبد الملك أراد الخروج علي ومنازعتي في الملك. وعلمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك.
فقال: والله ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذأن ولواطلعت عليه لكنت صاحبه دونك، لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه علي ولي، وكيف يطمع عبد الملك في ذلك مني، وهل كان إذا فعلت به ذلك، يفعل معي أكثر من فعلك؟ وأعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن، ولكنه كان رجلاً محتملاً يسرني أن يكون في اهلك مثله، فوليته لما حمدت أثره ومذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله.
فلما أتاه الرسول بهذا أعاده عليه فقال له: إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك.
فقال له: أنت مسلط علينأن فافعل ما أردت، فأخذ الرسول الفضل فأقامه، فودع أباه وقال له: ألست راضياً عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك، ففرق بينهما ثلاثة أيام، فلما لم يجد عندهما في ذلك شيئاً جمعهما.
ذكر غزو الروموفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فأناخ على قرة، وحصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فحصر حصن سنان، حتى جهد أهلهأن فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحاً.
ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم، وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني، فخلعتها الروم وملكت نقفور، وتزعم الروم إنه من أولاد جغنة بن غسان، وكان، قبل أن يملك، يلي ديوان الخراج، وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها.
فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مكان البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافها إليهأن لكن ذلك ضعف النساء، وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالهأن وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.
فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه، فدعا بدواة، وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام.
ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ففتح وغمن وأحرق وخرب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة، فأجابه في ذلك.
فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وكان البرد شديدأن فأمن رجعة الرشيد إليه، فلما جاء الخبر بنقضه ما جسر أحد على إخبار الرشيد، خوفاً على أنفسهم من العود في مثل ذلك البرد، وإشفاقاً من الرشيد، فاحتيل له بشاعر من أهل جنده، وهوأبومحمد عبد الله بن يوسف، وقيل هوالحجاج بن يوسف التميمي، فقال أبياتاً منها:
نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح يؤمنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور

في أبيات غيرها. فلما سمع الرشيد ذلك قال: أوقد فعل ذلك نقفور؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك، فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم كلفة، حتى بلغ بلادهم، فأقام بها حتى شفي واشتفى وبلغ ما أراد.
وقيل: كان فعل نقفور وهذه الأبيات سبباً لسير الرشيد وفتح هرقلة، على ما نذكره سنة تسعين ومائة إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيكوفيها قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وسبب قتله أنه كان كثيراً ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، ويبكي عليهم إلى أن خرج من البكاء إلى حد طالبي الثأر، فكان إذا شرب النبيذ مع جواريه أخذ سيفه، ويقول: واجعفراه! واسيداه! والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك.
فلما كثر هذا منه جاء ابنه فأعلم الرشيد هوخصي كان لإبراهيم، فأحضر إبراهيم وسقاه نبيذاً فلما أخذ منه النبيذ قال له: إني قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى، ووددت أني خرجت من ملكي وأنه كان بقي لي، فما وجدت طعم النوم مذ فارقته.
فلما سمعها إبراهيم أسبل دموعه وقال: رحم الله أبا الفضل! والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله، وأوطئت العشوة في أمره، وأين يوجد في الدنيا مثله؟ فقال الرشيد: قم! عليك لعنة الله يا ابن اللخناء؛ فقام وما يعقل ما يطأن فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه فضربه بالسيف إلا ليال قلائل.
ذكر ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلسفي هذه السنة ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس؛ وسبب ذلك أن الحكم صاحب الأندلس استعمل على ثغور الأندلس قائداً كبيراً من أجناده، اسمه عمروس بن يوسف، فاستعمل ابنه يوسف على تطيلة، وكان قد انهزم من الحكم أهل البيت من الأندلس أولوقوة وبأس، لأنهم خرجوا عن طاعته، فالتحقوا بالمشركين، فقوي أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى مدينة تطيلة فحصروهأن وملكوها من المسلمين، فأسروا أميرها يوسف بن عمروس، وسجنوه بصخرة قيس.
واستقر عمروس بن يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر، وسيرها مع ابن عم له، فلقي المشركين، وقاتلهم، ففض جمعهم، وهزمهم، وقتل أكثرهم، ونجا الباقون منكوبين، وسار الجيش إلى صخرة قيس، فحصروها وافتتحوهأن ولم يقدر المشركون على منعها منهم، لما نالهم من الوهن بالهزيمة؛ ولما فتحها المسلمون خلصوا يوسف بن عمروس أمير الثغر، وسيروه إلى أبيه؛ وعظم أمر عمروس عند المشركين، وبعد صوته فيهم، وأقام في الثغر أميراً عليه.
ذكر إيقاع الحكم بأهل قرطبةكان الحكم في صدر ولايته تظاهر بشرب الخمر والانهماك في اللذات، وكانت قرطبة دار علم، وبها فضلاء في العلم والورع، منهم: يحيى بن يحيى الليثي، راوي موطإ مالك عنه، وغيره، فثار أهل قرطبة، وأنكروا فعله، ورجموه بالحجارة، وأرداوا قتله، فامتنع منهم بمن حضر من الجند وسكن الحال.
ثم بعد أيام اجتمع وجوه أهل قرطبة وفقهاؤهأن وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني، عم هشام بن حمزة، وأخذوا له البيعة على أهل البلد، وعرفوه أن الناس قد ارتضوه كافة، فاستنظر ليلة ليرى رأيه، ويستخير الله، سبحانه وتعالى، فانصرفوأن فحضر عند الحكم، وأطلعه على الحال، وأعلمه أنه على بيعته، فطلب الحكم تصحيح الحال عنده، فأخذ معه بعض ثقات الحكم، وأجلسه في قبة في داره، وأخفى أمره، وحضر عنده القوم يستعملون منه هل تقلد أمرهم أم لأن فأراهم المخافة على نفسه، وعظم الخطب عليهم، وسألهم تعداد أسمائهم ومن معهم، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد، وصاحب الحكم يكتب أسماءهم؛ فقال لهم محمد بن القاسم: يكون هذا الأمر يوم الجمعة، إن شاء الله، في المسجد الجامع.
ومشى إلى الحكم مع صاحبه، فأعلماه جلية الحال، وكان ذلك يوم الخميس، فما أتى عليه الليل حتى حبس الجماعة المذكورين عن آخرهم، ثم أمر بهم، بعد أيام، فصلبوا عند قصره، وكانوا اثنين وسبعين رجلأن منهم: أخويحيى بن يحيى، وابن أبي كعب، وكان يومهم يوماً شنيعأن فتمكنت عداوة الناس للحكم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة هاجت العصبية بالشام بين المضرية واليمانية، فأرسل الرشيد فأصلح بينهم.
وفيها زلزلت المصيصة، فانهدم سورهأن ونضب ماؤها ساعة من الليل.
وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكم، فقتله يحيى بن سعيد العقيلي.

وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قرباناً له وولاه العواصم. وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها توفي الفضيل بن عياض الزاهد، وكان مولده بسمرقند، وانتقل إلى مكة فمات بها.
وفيها توفي المعمر بن سليمان بن طرخان التيمي أبومحمد البصري. وكان مولده سنة ست أوسبع ومائة؛ وعمر بن عبيد الطنافسي الكوفي.
وفيها توفي أبومسلم معاذ الهراء النحوي، وقيل كنيته أبوعلي، وعند أخذ الكسائي النحو، وولد أيام يزيد بن عبد الملك.
حوادث سنة ثمان وثمانين ومائةفي هذه السنة غزا إبراهيم بن جبرئيل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصفصاف، فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، ولقي جمعاً من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وقتل من الروم، فيما قيل، أربعون ألفاً وسبعمائة.
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق. وحج بالناس فيها الرشيد، فقسم أموالاً كثيرة، وهي آخر حجة حجها في قول بعضهم.
وفيها توفي جرير بن عبد الحميد الضبي الرازي وله ثمان وسبعون سنة.
وفيها توفي العباس بن الأحنف الشاعر، وقيل سنة ثلاثة وتسعين، ومات أبوه الأحنف سنة خمسين ومائة.
وفيها توفي شهيد بن عيسى بالأندلس وعمره ثلاث وتسعون سنة؛ وكان دخوله الأندلس مع عبد الرحمن بن معاوية.
شهيد بضم الشين المعجمة، وفتح الهاء.
حوادث سنة تسع وثمانين ومائة
ذكر مسير هارون الرشيد إلى الري
وفي هذه السنة سار الرشيد إلى الري؛ وسبب ذلك أن الرشيد لما استعمل علي بن عيسى بن ماهان على خراسان ظلم أهلهأن وأساء السيرة فيهم، فكتب كبراء أهلها وأشرافها إلى الرشيد يشكون سوء سيرته وظلمه، واستخفافه بهم، وأخذ أموالهم. وقيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الري في جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، وكان قد جعله ولي عهد بعد المأمون، وجعل أمره إلى المأمون إن شاء أقره، وإن شاء خلعه، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما في عسكره في الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون وليس له فيه شيء.
وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان، فلما قدم عليه أهدى له الهدايا الكثيرة، والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده من الطرف والجواهر، وغير ذلك، ورأى الرشيد خلاف ما كان يظن فرده إلى خراسان.
ولما أقام الرشيد بالري سير حسيناً الخادم إلى طبرستان، وكتب معه أماناً لشروين أبي قارن، وأماناً لوندا هرمز، جد مازيار، وأماناً لمرزبان بن جستان صاحب الديلم، فقدم جستان ووندا هرمز، فأكرمهما، وأحسن إليهما، وضمن وندا هرمز السمع والطاعة، وأداء الخراج عن شروين.
ورجع الرشيد إلى العراق، ودخل بغداد في آخر ذي الحجة. فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى، ولم ينزل بغداد، ومضى من فوره إلى الرقة، ولما جاز بغداد قال: والله إني لأطوي مدينة ما وضع بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منهأن وإنها لدار مملكة بني العباس ما بقوأن وحافظوا عليهأن ولا رأى أحد من آبائي سوءاً ولا نكبة منهأن ولنعم الدار هي، ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق، والبغض لأئمة الهدى، والحب لشجرة اللعنة بني أمية مع ما فيها من المارقة، والمتلصصة ومخيفي السبيل، ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت. فقال العباس بن الأحنف في طي الرشيد بغداد:
ما أنحنا حتى ارتحلنا فمانف ... رق بين المناخ والارتحال
ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا ... فقرنا وداعهم بالسؤال
ذكر الفتنة بطرابلس الغربفي هذه السنة كثر شغب أهل طرابلس الغرب على ولاتهم، وكان إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، قد استعمل عليهم عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم، فيعزلهم، ويولي غيرهم، فاستعمل عليهم هذه السنة سفيان بن المضاء، وهي ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد على إخراجه عنهم، وإعادته إلى القيروان، فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه، وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره، فدخل المسجد الجامع، فقاتلهم فيه، فقتلوا أصحابه، ثم أمنوه، فخرج عنهم في شعبان من هذه السنة، فكانت ولايته سبعاً وعشرين يوماً.

واستعمل الجند الذين بطرابلس على البلد وأهله إبراهيم بن سفيان التميمي.
ثم وقع بين الأبناء بطرابلس أيضاً وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف حروب كثيرة، وقتال، حتى فسدت طرابلس، فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب، فأرسل جمعاً من الجند، وأمرهم أن يحضروا الأبناء وبني أبي كنانة، وبني يوسف، فأحضروهم عنده بالقيروان في ذي الحجة، فلما قدموا عليه سألوه العفوعنهم في الذي فعلوه، فعفا عنهم، فعادوا إلى بلدهم.
ذكر عدة حوادثفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به.
وحج بالناس العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها ولى الرشيد عبد الله بن مالك طبرستان والري ودنباوند وقومس وهمذان، وهومتوجه إلى الري، فقال أبوالعتاهية في مسيره إليهأن وكان الرشيد ولد بها:
إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده
ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده
وفيها مات محمد بن الحسن الشيباني الفقيه، صاحب أبي حنيفة، وحميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي أبوعوف، وسابق بن عبد الله الموصلي، وكان من الصالحين البكائين من خشية الله تعالى.
حوادث سنة تسعين ومائة
ذكر خلع رافع بن الليث بن نصر
وفي هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بما وراء النهر مخالفاً للرشيد بسمرقند.
وكان سبب ذلك أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه أبي النعمان، وكانت ذات يسار ولسان، ثم تركها بسمرقند، وأقام ببغداد، واتخذ السراري، فلما طال ذلك عليهأن أرادت التخلص منه، وبلغ رافعاً خبرهأن فطمع فيها وفي مالهأن فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل إلى الخلاص من زوجها إلا أن تشهد عليها قوماً أنها أشركت بالله، ثم تتوب، فينفسخ نكاحهأن وتحل للأزواج، ففعلت ذلك، وتزوجها رافع. فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فشكا إلى الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى بن ماهان يأمره أن يفرق بينهمأن وأن يعاقب رافعأن ويجلده الحد، ويقيده ويطوف به في سمرقند على حمار ليكون عظة لغيره، ففعل به ذلك، ولم يحده، وطلقها رافع وحبس بسمرقند، فهرب من الحبس، فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فأراد ضرب عنقه، فشفع فيه عيسى بن علي بن عيسى، وأمره بالانصراف إلى سمرقند، فرجع إليهأن ووثب بعامل علي بن عيسى عليها، فقتله، واستولى عليها فوجه إليه ابنه، فلقيه، فهزمه رافع، فأخذ علي بن عيسى في جمع الرجال والتأهب لمحاربته، وانقضت السنة.
ذكر فتح هرقلةفي هذه السنة فتح الرشيد هرقلة، وأخربها؛ وكان سبب مسيره إليها ما ذكرناه سنة سبع وثمانين ومائة، من غدر نقفور، وكان فتحها في شوال، وكان حصرها ثلاثين يومأن وسبى أهلهأن وكان قد دخل البلاد في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفاً من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة، ومن لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع، ووجه داود بن عيسى بن موسى سائراً في أرض الروم في سبعين ألفاً يخرب وينهب، ففتح الله عليه، وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودلسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقونية، واستعمل حميد بن معيوف على سواحل الشام ومصر، فبلغ قبرس، فهدم واحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفاً فأقدمهم الرافقة، فبيعوا بهأن وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار.
ثم سار الرشيد إلى طوانة، فنزل بهأن ثم رحل عنهأن وخلف عليها عقبة بن جعفر.
وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين، وعن بطارقته كذلك، وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة كان خطبها لولده، فأرسلها إليه.
ذكر عدة حوادثوخرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس، يقال له سيف بن بكير، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد ين مزيد، فقتله بعين النورة.
وفيها نقض أهل قبرس العهد، فعزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها. وحج بالناس عيسى بن موسى الهادي.

وفيها اسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، وقيل بل أسلم أبوه سهل على يد المهدي، وكان محبوسأن وقيل أسلم الفضل وأخوه الحسن على يد يحيى بن خالد، فاختاره يحيى لخدمة المأمون، فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة، ويثني عليهم، ولقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة والسيف، وكان يتشيع، وهوالذي أشار على المامون بالعهد لعلي بن موسى الرضي، عليه السلام.
وكان على الموصل هذه السنة خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، ولما دخل الموصل أنكسر لواؤه في باب المدينة، فتطير منه، وكان معه أبوالشيص الشاعر، فقال في ذلك:
ما كان منكسر اللواء لطيرة ... تخشى ولا أمر يكون مويلا
لكن هذا الرمح أضعف ركنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا
فسري عن خالد وفيها غزا الرشيد الصائفة، واستخلف المأمون بالرقة، وفوض إليه الأمور، وكتب إليه الآفاق بذلك، ودفع إليه خاتم المنصور تيمناً به، ونقشه: الله ثقتي آمنت به.
وفيها خرجت الروم إلى عين زربي، والكنيسة السوداء وأغاروأن فاستنقذ أهل المصيصة ما كان معهم من الغنيمة.
وفيها توفي أسد بن عمروبن عامر أبوالمنذر البجلي الكوفي، صاحب أبي حنيفة.
وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوساً بالرافقة في المحرم وعمره سبعون سنة، وعمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري.
حوادث سنة إحدى وتسعين ومائة
ذكر الفتنة من أهل طليطلة
وهو وقعة الحفرة
في هذه السنة أوقع الأمير الحكم بن هشام الأموي، صاحب الأندلس، بأهل طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها.
وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء، وخلعوهم مرة بعد أخرى، وقويت نفوسهم بحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعة مرضية، فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الحيلة في الظفر بهم، فاستعان في ذلك بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر الأعلى، فأظهر طاعة الحكم، ودعا إليه، فاطمأن إليه بهذا السبب، وكان من أهل مدينة وشقة، فاستحضره فحضر عنده، فأكرمه الحكم، وبالغ في إكرامه، وأطلعه على عزمه في أهل طليطلة وواطأه على التدبير عليهم، فولاه طليطلة، وكتب إلى أهلها يقول: إني قد اخترت لكم فلانأن وهومنكم، لتطمئن قلوبكم إليه، وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينأن ولتعرفوا جميل رأينا فيكم.
فمضى عمروس إليهم، ود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:16 am

ذكر مسير الرشيد إلى خراسان

فيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث، وكان مريضاً واستخلف على الرقة ابنه القاسم، وضم إليه خزيمة بن خازم، وسار من بغداد إلى النهروان لخمس خلون من شعبان، واستخلف على بغداد ابنه الأمين، وأمر المأمون بالمقام ببغداد. فقال الفضل بن سهل للمأمون، حين أراد الرشيد المسير إلى خراسان: لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك ومحمد الأمين المقدم عليك، وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهوابن زبيدة وأخواله بنوهاشم، وزبيدة وأموالهأن فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير معه؛ فطلب إليه ذلك، فأجابه بعد امتناع.
فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري، فقال له: يا صباح لا أظنك تراني أبدأن فدعا؛ فقال: ما أظنك تدري ما أجد. قال الصباح: لا والله؛ فعدل عن الطريق، واستظل بشجرة، وأمر خواصه بالبعد، فكشف عن بطنه. فإذا عليه عصابة حرير، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبرائيل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم أحد إلا وهويحصي أنفاسي، ويستطيل دهري، وإن أردت أن تعلم ذلك، فالساعة أدعوبدابة فيأتوني بدابة أعجف قطوف لتزيد بي علتي، فاكتم علي ذلك. فدعا له بالبقاء، ثم طلب الرشيد دابة، فجاؤوا بها على ما وصف، فنظر إلى الصباح وركبها.
ذكر عدة حوادثوفيها تحركت الخرمية بناحية أذربيجان، فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر، ووافه بقرماسين، فأمره بقتل الأسرى، وبيع السبي.
وفيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد بأبي النداء، فقتله.
وفيها فارق جماعة من القواد رافع بن الليث، وصاروا إلى هرثمة، منهم عجيف بن عنبسة وغيره.
وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك، فافتتح مطمورة. وفيها كان الفداء بالبذندون. وفيها خرج ثروان الحروري بطف البصرة، فقاتل عامل السلطان بها.
وفيها مات عيسى بن جعفر بن المنصور بالدسكرة، وهويريد اللحاق بالرشيد.
وفيها قتل الرشيد الهيصم الكناني وحج بالناس هذه السنة العباس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور.
وفيها كان وصول هرثمة إلى خراسان، كما تقدم، وحصر هرثمة رافع بن الليث بسمرقند، وضايقه، واستقدم طاهر بن الحسين فحضر عنده وخلت خراسان لحمزة الخارجي، حتى دخلهأن وصار يقتل، ويجمع الأموال، ويحملها إليه عمال هراة وسجستان، فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري، فاجتمع إليه نحوعشرين ألفأن فسار إلى حمزة فقاتله قتالاً شديداً فقتل من أصحاب حمزة خلقأن وسار خلفه حتى بلغ هراة، وكان ذلك سنة أربع وتسعين، فكتب إليه المأمون، فرده وأدام هرثمة على حصار سمرقند حتى فتحهأن على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وقتل رافع بن الليث وجماعة من أقربائه، واستعمل على ما وراء النهر بن يحيى، فعاد، وكان قتله رافعاً سنة خمس وتسعين.
وفي هذه السنة توفي عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي، ويوسف بن أبي يوسف القاضي.
وفيها كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم، وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي، وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير.
حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائة
ذكر موت الفضل بن يحيى
في هذه السنة مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة، وكانت علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه، فعولج أشهرأن فبرأن وكان يقول: ما أحب أن يموت الرشيد لأن أمري قريب من أمره.
فلما صح من علته، وتحدث، عادته العلة، واشتدت عليه، وانعقد لسانه وطرفه، فمات في المحرم، وصلى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه، ثم أخرج فصلى عليه الناس، وجزع الناس عليه. وكان موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهوابن خمس وأربعين سنة؛ وكان من محاسن الدنيا لم ير في العالم مثله؛ ولاشتهار أخباره، وأخبار أهله، وحسن سيرتهم لم نذكرها.
وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري.
وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع كان الظفر لهرثمة، وافتتح بخاري، وأسر بشيراً أخاص رافع، فبعث به إلى الرشيد.
ذكر موت الرشيدوفي هذه السنة مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه، وكانت قد اشتدت علته بالطريق بجرجان، فسار إلى طوس فمات بها.

قال جبرائيل بن بختيشوع: كنت مع الرشيد بالرقة، وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة، أتعرف حاله في ليلته، ثم يحدثني وينبسط إليّ، ويسألني عن أخبار العامة، فدخلت عليه يومأن فسلمت عليه، فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابساً مفكراً مهمومأن فوقفت ملياً من النهار، وهوعلى تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت فسألته عن حاله، وما سببه؟ فقال: إن فكري وهمي لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه قد أفزعتني، وملأت صدري. فقلت: فرجت عني، يا أمير المؤمنين؛ ثم قبلت يده ورجله، وقلت: الرؤيا إمنا تكون لخاطر أوبخارات ردية، وتهاويل السوداء، وهي أضغاث أحلام.
قال: فإني أقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذأن إذ بدت من تحتي ذراع أعرفهأن وكف أعرفهأن لا أفهم اسم صاحبهأن وفي الكف تربة حمراء. فقال لي قائل اسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها؛ فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: طوس، وغابت اليد، وانقطع الكلام.
فقلت: أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان، وما ورد عليك منهأن وانتقاض بعضهأن فذلك الفكر أوجب هذه الرؤيا.
فقال: كان ذلك؛ فأمرته باللهو والانبساط، ففعل، ونسينا الرؤيأن وطالت الأيام، ثم سار إلى خراسان لحرب رافع، فلما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة، فلم تزل تزيد، حتى دخلنا طوس، فبينا هويمرض في بستان في ذلك القصر الذي هوفيه، إذ ذكر تلك الرؤيأن فوثب متحاملاً يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه نسأله، فقال: أتذكر رؤياي بالرقة في طوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال: جئني من تربة هذا البستان! فأتاه بها في كفه حاسراً عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي، وهذه الكف بعينهأن وهذه التربة الحمراء ما خرمت شيئاً؛ وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثلاثة أيام.
قال أبوجعفر: لما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في صفر، وقد اشتدت علته، فسير ابنه المأمون إلى مرو، وسير معه من القواد عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وأسد بن يزيد، والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، والسندي الحرشي، ونعيم بن حازم، وسار الرشيد إلى طوس واشتد به الوجع، حتى ضعف عن الحركة، فلما أثقل أرجف به الناس، فبلغه ذلك، فأمر بمركوب ليركبه ليراه الناس، فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض، فأتي ببرذون فلم يطق النهوض، فأتي بحمار فلم ينهض، فقال: ردوني! صدق والله الناس.
ووصل إليه، وهو بطوس، بشير بن الليث أخو رافع أسيرأن فقال الرشيد: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه. ثم دعا بقصاب، فأمر به، ففصل أعضاءه، فلما فرغ منه أغمي عليه، وتفرق الناس عنه.
فلما أيس من نفسه أمر بقبره، فحفر في موضع من الدار التي كان فيها، وأنزل إليه قومأن فقرأوا فيه القرآن حتى ختموأن وهوفي محفة على شفير القبر، يقول: ابن آدم تصير إلى هذا؛ وكان يقول في تلك الحال: واسوأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الهيثم بن عدي: لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه، ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الربيع على رأسه، فقال: يا فضل:
أحين دنا ما كنت أرجو دنوه ... رمتني عيون الناس من كل جاني
فأصبحت مرحوماً وكنت محسداً ... فصبراً لي مكروه أمن العواقب
سأبكي على الوصل الذي كان بيننا ... وأندب أيام السرور الذواهب
قال سهل بن صاعد: كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه، فدعا بملحفة غليظة، فاجتبى بهأن وجعل يقاسي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعد، فقعدت طويلاً لا يكلمني ولا أكلمه، فنهضت، فقال: أين سهل؟ فقلت: ما يتسع قلبي يا أمير المؤمنين، يعاني من المرض ما يعاني، فلواضطجعت، يا أمير المؤمنين، فضحك ضحك صحيح، ثم قال: يا سهل! اذكر في هذه الحال قول الشاعر:
وإني من قوم كرام يزيدهم ... شماساً وصبراً شدة الحدثان
ثم مات، وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح، ومسرور وحسين ورشيد.
وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومأن وقيل ملك ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وستة عشر يومأن وكان عمره سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان جميلأن وسيماً أبيض، جعداً قد وخطه الشيب؛ قال: وكان في بيت المال لما توفي تسعمائة ألف ألف ونيف.

ذكر ولاة الأمصار أيام الرشيد
ولاة المدينة
إسحاق بن عيسى بن علي، عبد الملك صالح بن علي، محمد بن عبد الله، موسى بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، علي بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبد الله بن مصعب، بكار بن عبد اله بن مصعب، محمد بن علي، أبوالبختري وهب بن منبه.
ولاة مكةالعباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قثم بن العباس، عبيد الله بن قثم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبيد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، علي بن موسى بن عيسى، محمد بن عبد الله العثماني، حماد البربري، سليمان بن جعفر بن سليمان، الفضل بن العباس بن محمد، أحمد بن إسماعيل بن علي.
ولاة الكوفةموسى بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبيد الله بن محمد بن إبراهيم، يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق بن الصباح الكندي، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن عيسى بن موسى، جعفر بن أبي جعفر.
ولاة البصرةمحمد بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، جعفر بن أبي جعفر، عبد الصمد بن علي، مالك بن علي الخزاعي، إسحاق بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، جرير بن يزيد، عبد الصمد بن علي، إسحاق بن عيسى بن علي.
ولاة خراسانأبو العباس الطوسي، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن جعفر، الغطريف بن عطاب، سليمان بن راشد على الخراج، حمزة بن مالك، الفضل بن يحيى بن خالد، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى، وخليفته بها علي بن عيسى بن ماهان، هرثمة بن أعين، العباس بن جعفر للمأمون بهأن علي بن الحسن بن قحطبة.
ذكر نسائه وأولادهقيل: تزوج زبيدة، وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها سنة خمس وستين ومائة، فولدت محمداً الأمين، وماتت سنة ست وعشرين ومائتين.
وتزوج أمه العزيز أم ولد الهادي، فولدت له علي بن الرشيد. وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين. وتزوج العباسة بنت سليمان بن المنصور. وتزوج عزيزة ابنة خاله الغطريف. وتزوج العثمانية، وهيس ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمروبن عثمان بن عفان، وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي.
ومات الرشيد عن أربع مهائر: زبيدة، وأم محمد بنت صالح، وعباسة، والعثمانية.
وكان قد ولد له من الذكور: محمد الأمين من زبيدة، وعبد الله المأمون، لأم ولد اسمها مراجل، والقاسم المؤتمن، وأبوإسحاق محمد المعتصم، وصالح، وأبوعيسى محمد، وأبويعقوب محمد، وأبوالعباس محمد، وأبوسليمان محمد، وأبوعلي محمد، وأبومحمد، وهواسمه، وأبوأحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد.
وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد، وهي حمدونة، وفاطمة، وأم أبيهأن وأم أبيهأن وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، وأم علي، والعالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد.
ذكر بعض سيرتهقيل: كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيأن إلا من مرض، وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، والكسوة الطاهرة.
وكان يطلب العمل بآثار المنصور، إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك.
وكان يحب الشعر الشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، وكان يحب المديح، لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه، ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدته التي منها:
وسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر
أعطاه خمسة آلاف دينارن وخلعة، وعشرة من الرقيق الرومي، وبرذون من خاص مركبه.

وقيل: كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضحاكاً فكهأن يعرف أخبار أهل الحجاز، وألقاب الأشراف، ومكايد المجان فكان الرشيد لا يصبر عنه، وأسكنه في قصره، فجاء ذات ليلة وهونائم، فقام الرشيد إلى صلاة الفجر، فكشف اللحاف عنه وقال: كيف أصبحت؟ فقال: ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك. قال: قم إلى الصلاة! قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف. فمضى الرشيد يصلي، وقام ابن أبي مريم وأتى الرشيد فرآه يقرأ في الصلاة: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) يس: 22 فقال: ما أدري والله! فما تمالك الرشيد أن ضحك، ثم قال له وهومغضب: في الصلاة أيضاً! قال: وما صنعت؟ قال: قطعت علي صلاتي. قال: والله ما فعلت، إمنا سمعت منك كلاماً غمني حين قلت: : وما لي لا أعبد الذي فطرني؟ ( فقلت: لا أدري: فعاد الرشيد فضحك ثم قال له: إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما.
وقيل: استعمل يحيى بن خالد رجلاً على بعض أعمال الخراج، فدخل على الرشيد يودعه، وعنده يحيى وجعفر، فقال لهما الرشيد: أوصياه! فقال يحيى: وقر واعمر! وقال جعفر: أنصف وانتصف! فقال الرشيد: اعدل وأحسن.
وقيل: حج الرشيد مرة، فدخل الكعبة، فرآه بعض الحجبة وهوواقف على أصابعه يقول: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسأله منك رداً حاضرأن وجواباً عتيدأن ولكل صامت منك علم محيط، ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، صل على محمد، وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنأن وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايأن يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، صل على محمد وعلى آل محمد، وخر لي في جميع أموري يا من خشعت له الأصوات، بأنواع اللغات، يسألونه الحاجات، إن من حاجتي إليك أن تغفر لي ذنوبي، إذا توفيتني وصيرت في لحدي، وتفرق عني أهلي وولدي، اللهم لك الحمد حمداً يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق؛ اللهم! صل على محمد، وعلى آل محمد، صلاة تكون له رضى وصل عليه صلاة تكون له ذخراً وأجزه عنا الجزاء لا أوفى؛ اللهم: أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء مرجومين.
وقيل دخل ابن السماك على الرشيد، فبيمنا هوعنده إذ طلب ماء، فلما أراد شربه قال له ابن السماك: مهلأن يا أمير المؤمنين، بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لومنعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: اشرب؛ فلما شرب قال: أسألك بقرابتك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لومنعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي. قال: إن ملكاً لا يساوي شربة ماء وخروج بولة لجدير أن لا ينافس فيه! فبكى الرشيد.
وقيل: كان الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس أشد علي موتاً من هارون الرشيد، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره؛ فعظم ذلك على أصحابه؛ فلما مات، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن، قالوا: الشيخ أعلم بما تكلم به.
وقال محمد بن منصور البغدادي: لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عيناً يأتيه بما يقول: فرآه يوماً قد كتب على الحائط:
أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هوالظلوم
إلى ديان يوم الدين بمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
فأخبر بذلك الرشيد، فبكى، وأحضره، واستحله، وأعطاه ألف دينار.
وقال الأصمعي: صنع الرشيد يوماً طعاماً كثيراً وزخرف مجالسه، وأحضر أبا العتاهية، فقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا؛ فقال:
عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور
فقال: أحسنت! ثم قال: ماذا؟ فقال:
يسعى عليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح وفي البكور
فقال: أحسنت! ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد. وقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته. فقال: دعه، فإنه رآنا في عميً، فكره أن يزيدنا.
خلافة الأمين

وفي هذه السنة بويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي توفي فيها؛ وكان المأمون حينئذ بمرو، فكتب حمويه مولى المهدي، صاحب البريد، إلى نائبه ببغداد، وهوسلام بن مسلم، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبومسلم على الأمين فعزاهن وهنأه بالخلافة، فكان أول الناس فعل ذلك.
وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين يخبره بوفاة الرشيد، مع رجاء الخادم، وأرسل معه الخاتم، والقضيب، والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة، وصلى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه والناس، ووعدهم الخير، وأمن الأبيض والأسود، وفرق في الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهرأن ودعا إلى البيعة، فبايعه جلة أهل بيته، وكل عم ابنه، وأمر سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم، وأمر السندي أيضاً بمبايعة من عداهم.
ذكر ابتداء الاختلاف بين الأمين والمأمونفي هذه السنة ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون ابني الرشيد.
وكان سبب ذلك أن الرشيد لما سار إلى خراسان، وأخذ البيعة للمأمون على جميع من في عسكره من القواد وغيرهم، وأقر له بجميع ما معه من الأموال وغيرهأن على ما سبق ذكره، عظم على الأمين ذلك، ثم بلغه شدة مرض الرشيد، فأرسل بكر بن المعتمر، وكتب معه كتبأن وجعلها في قوائم صناديق المطبخ، وكانت منقورة، وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرن أمير المؤمنين، ولا غيره، على ذلك، ولوقتلت، فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم ما معك.
فلما قدم بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه، فدعا به، وسأله عن سبب قدومه، فقال: بعثني الأمين لآتيه بخبرك؛ قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا؛ فأمر بما معه ففتش، فلم يصيبوا شيئأن فأمر به فضرب، فلم يقر بشيء، فحبسه، وقيده، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه؛ فقرره، فلم يقر بشيء، ثم غشي على الرشيد، فصاح النساء، فأمسك الفضل على قتله، وحضر عند الرشيد، فأفاق وهوضعيف قد شغل عن بكر وغيره ثم مات.
وكان بكر قد كتب إلى الفضل يسأله أن لا يعجل في أمره بشيء، فإن عنده أشياء يحتاج إلى عملهأن فأحضره الفضل، وأعلمه بموت الرشيد، وسأله عما عنده، فخاف أن يكون الرشيد حيأن فلما تيقن موته أخرج الكتب التي معه، وهي كتاب إلى أخيه المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس لهما ولأخيهما المؤتمن، ولم يكن المأمون حاضرأن كان بمرو؛ وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر وأصحاب ما فيه، وأن يتصرف هوومن معه برأي الفضل؛ وكتاب إلى الفضل يأمره بالحفظ ولا احتياط على ما معه من الحرم والأموال وغير ذلك، وأقر كل من كان له عمل على عمله، كصاحب الشرطة والحرس والحجابة.
فلما قرأوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما أدري ما يكون من أمره. وأمر الناس بالرحيل، فرحلوا محبة منهم لأهلهم ووطنهم، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون.
فلما بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قواد أبيه، وهم: عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، وهوعلى حجابته، والعباس بن المسيب بن زهير، وهوعلى شرطته، وأيوب بن أبي سمير، وهوعلى كتابته، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذوالرياستين، وهوأعظمهم عنده قدرأن وأخصهم به، واستشارهم، فأشاروا أن يلحقهم في ألفي فارس جريدة، فيردهم، فخلا به ذوالرياستين، وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك، ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتاباً وتوجه رسولاً يذكرهم البيعة، ويسألهم الوفاء، ويحذرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة.
ففعل ذلك؛ ووجه سهل بن صاعد، ونوفلاً الخادم، ومعهما كتاب، فلحقا الجند والفضل بنيسابور، فأوصلا إلى الفضل كتابه، فقال: إمنا أنا واحد من الجند؛ وشد عبد الرحمن بن جبلة الأنباري على سهل بالرمح ليطعنه، فأمره على جنبه، وقال له: قل لصاحبك: لوكنت حاضراً لوضعته في فيك. وسب المأمون.

فرجعا إليه بالخبر، فقال ذوالرياستين: أعداء استرحت منعهم، ولكن أفهم عني أن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام المنصور. فخرج عليه المقنع وهويدعي الربوبية، وقيل طلب بدم أبي مسلم، فضعضع العسكر بخروجه بخراسان، وخرج بعده يوسف البرم، وهوعند المسلمين كافر، فتضعضعوا أيضاً له، فأخبرني أنت، أيها الأمير، كيف رأيت الناس عندما ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتهم اضطربوا اضطراباً شديداً. قال: فكيف بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم؛ كيف يكون اضطراب أهل بغداد؟ اصبر، وأنا أضمن لك الخلافة.
قال المأمون: قد فعلت، وجعلت الأمر إليك، فقم به.
قال ذوالرياستين: والله لأصدقنك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفع مني برياستهم المشهورة، وبما عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنت خادماً له، حتى تبلغ أملك وترى رأيك.
وقام ذوالرياستين وأتاهم في منازلهم، وذكرهم ما يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأني جئتهم بجيفة على طبق. فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج! وقال بعضهم: من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ فجئت وأخبرته، فقال: قم بالأمر! قال: قلت له: قرأت القرآن، وسمعت الأحاديث، وتفقهت في الدين، فأرى أن تبعث إلى من بحضرتك من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على الصوف، وترد المظالم.
ففعل ذلك جميعه، وأكرمه القواد والملوك، وأبناء الملوك، وكان يقول للتميمي: نقيمك مقام موسى بن كعب؛ وللربعي: نقيمك مقام أبي داود، وخالد بن إبراهيم؛ ولليماني: نقيمك مقام قحطبة، ومالك بن الهيثم؛ وكل هؤلاء نقباء الدولة العباسية. ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلهأن وقالوا: ابن أختنأن وابن عم نبينان وأما الأمين، فلما سكن الناس ببغداد أمر ببناء ميدان حول قصر المنصور، بعد بيعته بيوم، للوالجة واللعب؛ فقال شاعرهم:
بنى أمين الله ميداناً ... وصير الساحة بستاناً
وكانت الغزلان فيه باناً ... يهدي إليه فيه غزلانا
وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري، وأهدى إلى الأمين، وكتب إليه وعظمه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند، فأرسل رافع بن الليث إلى الترك، فأتوه، وصار هرثمة بين رافع والترك، ثم إن الترك انصرفوأن فضعف رافع.
وفيها قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إلى بغداد، فلقيها ابنها الأمين بالأنبار، ومعه جمع من بغداد من الوجوه، وكان معه أخوه ابن الرشيد.
وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان، وكان ملك سبع سنين، وملك بعده ابنه استبراق، وكان مجروحأن فبقي شهرين، ومات فملك بعده ميخائيل بن جورجس، ختنه على أخته.
وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة، وأقره على قنسرين والعواصم، واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم. وحج بالناس هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد، وهوأمير مكة.
وفيها توفي صقلاب بن زياد الأندلسي وهومن أصحاب مالك، وكان فقيهاً زاهداً.
وفي هذه السنة مات مروان بن معاوية الفزازي، وقيل سنة أربع وتسعين ومائة، في ذي الحجة.
وفيها توفي إسماعيل بن علية، وأبوبكر بن عياش، وله ست وتسعون سنة، عياش بالياء المثناة من تحت، والشين المعجمة.
حوادث سنة أربع وتسعين ومائة
ذكر خلاف أهل حمص على الأمين
في هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، وعلى عامهم إسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وألقى النار في نواحيهأن فسألوا الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم.
ذكر ظهور الخلاف بين الأمين والمأمونوفي هذه السنة أمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى.
وكان السبب في ذلك أن الفضل بن الربيع لما قدم العراق من طوس، ونكث عهد المأمون، أفكر في أمره، وعلم أن المأمون إن أفضت إليه الخلافة، وهوحي، لم يبق عليه، فسعى في إغراء الأمين، وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد، ولم يكن ذلك في عزم محمد الأمين، فلم يزل الفضل يصغر عنده أمر المأمون، ويزين له خلعه، وقال له: ما تنتظر بعبد الله والقاسم، فإن البيعة كانت لك قبلهمأن وإمنا أدخلا فيها بعدك.

ووافقه على هذا علي بن عيسى بن ماهان، والسندي وغيرهمأن فرجع الأمين إلى قولهم.
ثم إنه أحضر عبد الله بن خازم، فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل، وكان مما قال عبد الله: أنشدك الله، يا أمير المؤمنين، أن تكون أول الخلفاء نكث عهدهن ونقض ميثاقه، ورد رأي الخليفة قبله؛ فقال: اسكت! فعبد الملك كان أفضل منك رأيأن وأكمل نظرأن يقول: لا يجتمع فحلان في أجمة.
ثم جمع القواد عليهم خلع المأمون، فأبوا ذلك، وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم فقال: يا أمير المؤمنين! لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مغلول.
فأقبل الأمين على علي بن عيسى بن ماهان، فتبسم، وقال: لكن شيخ الدعوة، ونائب هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته.
ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلهأن لأنه كان هووالفضل بن الربيع يعينانه على الخلع؛ ولج الأمين في خلع المأمون، حتى إنه قال يوماً للفضل بن الربيع: يا فضل! أحياة مع عبد الله؟ لا بد من خلعه؛ والفضل يعده، وهويقول: فمتى ذلك؟ إذا غلب خراسان وما فيها؛ فأول ما فعله أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء لابنه موسى بالإمرة، بعد الدعاء للمأمون وللمؤتمن.
فلما بلغ ذلك المأمون، مع عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط اسم الأمين من الطراز، وقطع البريد عنه.
وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار، لما بلغه حسن سيرة المأمون، طلب الأمان، فأجابه إلى ذلك، فحضر عند المأمون، وأقام هرثمة بسمرقند، ومعه طاهر بن الحسين، ثم قدم هرثمة على المأمون، فأكرمه، وولاه الحرس، فأنكر ذلك كله الأمين؛ فكان مما وتر عليه أن كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك، وهوعامل المأمون على الري، يأمره أن ينفذ بغرائب غروس الري؛ يريد امتحانه، فبعث إليه بما أمره، وكتم ذلك عن المأمون وذي الرياستين، فبلغ المأمون، فعزله بالحسن بن علي المأموني.
ثم وجه الأمين إلى المأمون أربعة أنفس، وهم: العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي، وعيسى بن جعفر بن المنصور، وصالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، ويطلب إليه أن يقدم ابنه موسى على نفسه ويحضر عنده، فقد استوحش لبعده؛ فبلغ الخبر المأمون فكتب إلى عماله بالري، ونيسابور وغيرهمأن يأمرهم بإظهار العدة والقوة، ففعلوا ذلك، وقدم الرسل على المأمون، وأبلغوه الرسالة؛ وكان ابن ماهان أشار بذلك، وأخبر الأمين أن أهل خراسان معه.
فلما سمع المأمون هذه الرسالة استشار الفضل بن سهل فقال له: أحضر هشاماً والد علي وأحمد ابني هشام، واستشره، فأحضره، واستشاره، فقال له: إمنا أخذت البيعة علينا على أن لا تخرج من خراسان، فمتى فعل محمد ذلك، فلا بيعة له في اعناقنأن والسلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، ومتى هممت بالمسير إليه تعلقت بك بيميني، فإذا قطعت تعلقت بيساري، فإذا قطعت تعلقت بلساني، فإذا ضربت عنقي كنت أديت ما علي.
فقوي عزم المأمون على الامتناع، فأحضر العباس، وأعلمه أنه لا يحضر، وأنه لا يقدم موسى على نفسه؛ فقال العباس بن موسى: ما عليك أيها الامير من ذلك، فهذا جدي عيسى بن موسى قد خلع فما ضره؛ فصاح به ذوالرياستين: اسكت! إن جدك كان أسيراً في أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته.
ثم قاموأن فخلا ذوالرياستين بالعباس بن موسى واستماله، ووعده إمرة الموسم، ومواضع من مصر، فأجاب إلى بيعه المأمون، وسمي المأمون، ذلك الوقت، بالإمام، فكان العباس يكتب إليهم بالاخبار من بغداد.ورجع الرسل إلى الامين، فأخبروه بامتناع المأمون، وألح الفضل وعلي بن عيسى على الأمين في خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بن الأمين؛ وكان الأمين قد كتب إلى المأمون يطلب منه أن ينزل عن بعض كور خراسان، وأن يكون له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار، فاستشار المأمون خواصه وقواده، فأشاروا باحتمال هذا الشر، والإجابة إليه، خوفاً من شر هون أعظم منه.

فقال لهم الحسن بن سهل: أتعلمون أن الأمين طلب ما ليس له؟ قالوا: نعم! ويحتمل ذلك لضرر منعه؛ قال: فهل تثقون بكفه بعد إجابته، فلا يطلب غيرها؟ قالوا: لا! قال: فإن طلب غيرهأن فما ترون؟ قالوا: مننعه، فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء، قال: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروهه في يومك، ولا تلتمس هدنة يومك بإخطار أدخلته على نفسك في غدك. فقال المأمون لذي الرياستين: ما تقول أنت؟ فقال: أسعدك الله، هل تؤمن أن يكون الأمين طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك؟ بل إمنا أشار الحكماء بحمل ثقل ترجون به صلاح العاقبة.
فقال المأمون: بأيثار دعة الاجل صار إلى فساد العاقبة في دنياه وآخرته؛ فامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب؛ وأنفذ المأمون ثقته إلى الحد، فلا يمكن أحداً من العبور إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، فحضر أهل خراسان أن يستمالوا برغبة أورهبة، وضبط الطرق بثقات أصحابه، فلم يمكنوا من دخول خراسان إلا من عرفوه، وأتى بجواز، أوكان تاجراً معروفأن وفتشت الكتب.
وقيل: لما اراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان، قال له إسماعيل بن صبيح: يا أمير المؤمنين! إن هذا مما يقوي التهمة، وينبه على الحذر، ولكن أكتب إليه فأعلمه حاجتك، وما تحب من قربه والاستعانة به على ما ولاك الله، وتسأله القدوم عليك، لترجع إلى رأيه فيما تفعل.
فكتب إليه بذلك، وسير الكتاب مع نفر، وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره، وسير معهم الهدايا الكثيرة؛ فلما حضر الرسل عنده، وقرأ الكتاب أشاروا عليه بإجابة الأمين، وأعلموه ما في إجابته من المصلحة العامة والخاصة؛ فأحضر ذا الرياستين، وأقرأه الكتاب، واستشاره، فأشار عليه بملازمة خراسان، وخوفه من القرب من الأمين؛ فقال: لا يمكنني مخالفته وأكثر القواد والاموال معه، والناس مائلون إلى الدرهم، والدينار لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة، ولست في قوة حتى أمتنع، وقد فارق جيغويه الطاعة، والتوى خاقان ملك التبت، وملك الكابل قد استعد للغارة على ما يليه، وملك اتردبنده قد منع الضريبة، ومالي بواحد من هذه الأمور بد، ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه، واللحاق بخاقان ملك الترك، والاستجارة به لعليّ آمن على نفسي.
فقال ذوالرياستين: إن عاقبة الغدر شديدة وتبعة البغي غير مأمونة، ورب مقهور قد عاد قاهرأن وليس النصر بالكثرة والقلة، والموت أيسر من الذل والضيم، وما أرى أن تصير إلى أخيك متجرداً من قوادك وجندك، كالرأس الذي فارق بدنه، فتكون عنده كبعض رعيته، يجري عليك حكمه من غير أن تبلي عذراً في قتال، واكتب إلى جيغويه وخاقان، فولهما بلادهمأن وابعث إلى ملك كابل ببعض هدايا خراسان، ووادعه، واترك لملك اترابنده ضريبته، ثم اجمع أطرافك، وضم جندك، وأضرب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان.
فعرف المأمون صدقه، ففعل ما أشار به، فرضي أولئك الملوك العصاة، وضم جنده، وجمعهم عنده، وكتب إلى الأمين: أما بعد، فقد وصل إليّ كتاب أمير المؤمنين، وإمنا أنا عامل من عماله، وعون من اعوانه، أمرني الرشيد بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كايد أهله من عدوأمير المؤمنين، ولعمري إن مقامي به أرد على أمير المؤمنين، أعظم غناء عنه المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، فإن كنت مغتبطاً بقربه، مسروراً بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرني على عملي ويعفيني من الشخوص إليه فعل إن شاء الله. والسلام.
فلما قرأ الأمين كتاب المأمون علم أنه لا يتابعه على ما يريده؛ فكتب إليه يسأله أن ينزل عن بعض كور خراسان، كما تقدم ذكره، فلما امتنع المأمون أيضاً من إجابته إلى ما طلب، أرسل جمعاً ليناظروه في منع ما طلب منه، فلما وصلوا إلى الري منعوأن ووجدوا تدبيره محكمأن وحفظوا في حال سفرهم وإقامتهم من أن يخبروا ويستخبروأن وكانوا معدين لوضع الأخبار في العامة، فلم يمكنهم ذلك؛ فلما رجعوا أخبروا الأمين بما رأوا.

وقيل إن الأمين لما عزم على خلع المأمون، وزين له ذلك الفضل وابن ماهان، دعا يحيى بن سليم، وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف تفعل ذلك مع ما قد أكد الرشيد من بيعته، وأخذ الشرائط والأيمان في الكتاب الذي كتبه؟ فقال الأمين: إن رأي الرشيد كان فلتةً شبهها عليه جعفر بن يحيى، فلا ينفعنا ما نحن فيه إلا بخلعه وقلعه واحتشاشه.
فقال يحيى: إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعه، فلا تجاهره فيستنكر الناس ذلك، ولكن تستدعي الجند بعد الجند، والقائد بعد القائد، وتؤنسهما بالألطاف والهدايأن وتفرق ثقاته ومن معه، وترغبهم بالأموال، فإذا وهنت قوته، واستفرغت رجاله، أمرته بالقدوم عليك، فإن قدم صار إلى الذي تريد منه، وإن أبى كنت قد تناولته وقد كل حده وانقطع عزه.
فقال الأمين: أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي مصيب، قم فالحق بمدادك وأقلامك.
وكان ذوالرياستين الفضل بن سهل قد اتخذ قوماً يثق بهم ببغداد، يكاتبونه بالاخبار، وكان الفضل بن الربيع قد حفظ الطرق، وكان أحد أولئك النفر إذا كاتب ذا الرياستين بما تجدد ببغداد، سير الكتاب مع امرأة، وجعله في عود اكفاف، وتسير كالمجتازة من قرية إلى قرية، فلما ألح الفضل بن الربيع في خلع المأمون أجابه الأمين إلى ذلك وبايع لولده موسى في صفر، وقيل في ربيع الأول، سنة خمس وتسعين ومائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وسماه الناطق بالحق، ونهى عن ذكر المأمون والمؤتمن على المنابر، وأرسل إلى الكعبة بعض الحجبة، فأتاه بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد في الكعبة بيعة الأمين والمأمون، فأحضرهما عنده فمزقهما الفضل.
فلما أتت الأخبار إلى المأمون بذلك قال لذي الرياستين: هذه أمور أخبر الرأي عنهأن وكفانا أن نكون مع الحق.
فكان أول ما دبره ذوالرياستين، حين بلغه ترك الدعاء للمأمون وصح عنده، أن جمع الأجناد الذين كان اتخذهم بجنبات الري مع الاجناد الذين كانوا بهأن وأمدهم بالأقوات وغيرها؛ وكانت البلاد عندهم قد أجدبت، فأكثر عندهم ما يريدونه، حتى صاروا في أرغد عيش، وأقاموا بالحد لا يتجاوزونه، ثم أرسل إليهم طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد أبا العباس الخزاعي أميراً فيمن من قواده وأجناده، فسار مجداً حتى ورد الري، فنزلهأنفوضع المسالح والمواصل، فقال بعض شعراء خراسان:
رمى أهل العراق ومن عليها ... إمام العدل والملك الرشيد
بأحزم من نشا رأياً وحزماً ... وكيداً نافذاً مما يكيد
بداهية تأدى خنفقيق ... يشيب لهول صولتها الوليد
فأما الأمين فإنه وجه عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وأمره أن يوجه مقدمته إلى ساوة، ويقيم بهمذان؛ وجعل الفضل بن الربيع، وعلي بن عيسى يبعثان الأمين ويغريانه بحرب المأمون.
ولما بايع الأمين لولده موسى جعله في حجر علي بن عيسى، وجعل على شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله علي بن صالح صاحب المصلى.
ذكر خلاف أهل تونس على ابن الأغلبفي هذه السنة عصى عمران بن مجالد الربيعي، وقريش بن التونسي بتونس على إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية واجتمع فيها خلق كثير، وحصر إبراهيم بن الأغلب بالقصر، وجمع من أطاعه، وخالف عليه أيضاً أهل القيروان في جمادى الآخرة، فكانت بينهم وقعة وحرب قتل فيها جماعة من رجال ابن الأغلب.
وقدم عمران بن مجالد فيمن معه، فدخل القيروان عاشر رجب، وقدم قريش من تونس غليه، فكانت بينهم وبين ابن الأغلب وقعة في رجب، فانهزم أصحاب ابن الأغلب، ثم التقوا في العشرين منه فانهزموا ثانية أيضأن ثم التقوا ثالثة فيه أيضأن فكان الظفر بن الأغلب، وأرسل عمران بن مجالد إلى أسد بن الفرات الفقيه ليخرج معهم، فامتنع، فاعاد الرسول يقول له: تخرج معنأن وإلا أرسلت إليك من يجر برجلك؛ فقال أسد للرسول: قل له: واله إن خرجت لأقولن لناس إن القاتل والمقتول في النار. فتركه.
ذكر عصيان أهل ماردة وغزو الحكم بلاد الفرنجفي هذه السنة عاود أهل ماردة الخلاف على الحكم بن هشام، أمير الأندلس، وعصوا عليه، فسار بنفسه إليهم، وقاتلهم، ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد وتقاتلهم هذه السنة، وسنة خمس، وسنة ست وتسعين ومائة.

وطمع الفرنج في ثغور المسلمين، وقصدوها بالغارة، والقتل، والنهب والسبي، وكان الحكم مشغولاً بأهل ماردة، فلم يتفرغ للفرنج، فأتاه الخبر بشدة الأمر على أهل الثغر، وما بلغ العدومنهم، وسمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية، فنادت: واغوثاه، يا حكم! فعظم الأمر عليه، وجمع عسكره واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد، ونهبهأن وقتل الرجال، وسبى الحريم، ونهب الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة، فأمر لهم من الأسرى بما يفادون به أسراهم، وبالغ في الوصية في تخليص تلك المرأة فتخلصت من الأسر، وقتل باقي الأسرى؛ فلما فرغ من غزاته قال لأهل الثغور: هل أغاثكم الحكم؟ فقالوا: نعم، ودعوا له، واثنوا عليه خيرأن وعاد إلى قرطبة مظفراً.
ذكر عدة حوادثوفيها وثبت الروم على ملكهم ميخائيل، فهرب، وترهب، وكان ملك نحوسنتين، وملك بعده أليون القائد.
وكان على الموصل إبراهيم بن العباس استعمله الأمين.
وفي هذه السنة قتل شقيق اللخي في غزاة كولان من بلاد الترك.
وفيها مات الوليد بن مسلم صاحب الأوزاعي، وقيل سنة خمس وتسعين ومائة، وكان مولده سنة عشر ومائة.
وفيها مات حفص بن غياث النخعي، قاضي الكوفة، وكان مولده سنة سبع عشرة ومائة. غياث بالغين المعجمة.
وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكان مولده سنة ست عشرة ومائة، وكان قد اختلط في آخر عمره، وكان حديثه صحيحاً إلى أن اختلط.
وفيها توفي سيبويه النحوي، واسمه عمروبن عثمان بن قنبر أبوبشير، وقيل: كان توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: كان عمره قد زاد على أربعين سنة، وقيل كان عمره اثنتين وثلاثين سنة.
وفيها توفي يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص وعمره أربع وسبعون سنة.
حوادث سنة خمس وتسعين ومائة
ذكر قطع خطبة المأمون
في هذه السنة أمر الأمين بإسقاط ما كان ضرب لأخيه المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة، لأنها لم يكن عليها اسم الأمين، وأمر فدعي لموسى بن أمين على المنابر، ولقبه الناطق بالحق، وقطع ذكر المأمون لقول بعضهم، وكان موسى طفلاً صغيرأن ولابنه الآخر عبد الله، ولقبه القائم بالحق.
ذكر محاربة علي بن عيسى وطاهرثم إن الامين أمر علي بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون.
وكان سبب مسيره، دون غيره، أن ذا الرياستين كان له عين عند الفضل بن الربيع يرجع إلى قوله ورأيه، فكتب ذوالرياستين إلى ذلك الرجل يأمره أن يشير بإنفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصوده أن ابن ماهان لما ولي خراسان أيام الرشيد، أساء السيرة في أهلهأن فظلمهم، فعزله الرشيد لذلك، ونفر أهل خراسان عنه، وأبغضوه، فأراد ذوالرياستين أن يزداد أهل خراسان جداً في محاربة الأمين وأصحابه.
ففعل ذلك الرجل ما أمر به ذوالرياستين، فأمر الأمين ابن ماهان بالمسير.
وقيل: كان سببه أن علياً قال للأمين إن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن قصدهم هوأطاعوه، وانقادوا له، وإن كان غيره، فلا! فأمره بالمسير، وأقطعه كور الجبل كلها: نهاوند، وهمذان، وقم، وأصبهان وغير ذلك، وولاه حربها وخراجهأن وأعطاه الاموال، وحكمه في الخزائن، وجهز معه خمسين ألف فارس،وكتب إلى أبي دلف القاسم بن إدريس بن عيسى العجلي، وهلال بن عبد الله الحضرمي بالانضمام إليه، وأمده بالأموال والرجال شيئاً بعد شيء.
فلما عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعهأن فقالت له: يا علي! إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله منعطفة، مشفقة، لما يحدث عليه من مكروه، وأذى، وإمنا ابني ملك نافس أخاه في سلطانه وغاره على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، فاعرف لعبد الله حق ولادته، وأخوته، ولا تجبهه بالكلام، فإنك لست به بنظير، ولاتقتسره اقتسار العبيد ولا توهنه بقيد، ولاغل، ولا تمنع عنه جارية، ولا خادمأن ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولاتركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتملك فاحتمل منه.
ثم دفعت إليه قيداً من فضة، وقالت: إن صار إليك فقيده بهذا القيد! فقال لها: سأفعل مثل ما أمرت.

ثم خرج علي بن عيسى في شعبان، وركب الأمين يشيعه، ومعه القواد والجنود، وذكر مشايخ بغداد أنهم لم يروا عسكراً أكثر رجالأن وأفره كراعاً. وأتم عدة وسلاحاً من عسكره، ووصاه الأمين، وأمره إن قاتله المأمون أن يحرص على أسره.
ثم سار فلقيه القوافل عند حلولاء، فسألهم، فقالوا له: إن طاهراً مقيم بالري يعرض أصحابه، ويرم آلته، والأمداد تأتيه من خراسان، ووهويستعد للقتال، فيقول: إمنا طاهر شوكة من أغصاني، وما مثل طاهر يتولى الجيوش؛ ثم قال لأصحابه: ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف، إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والبغال لا صبر لها على لقاء الأسد، وإن أقام تعرض لحد السيف وأسنة الرماح، وإذا قاربنا الري ودنونا منهم فت ذلك على أعضادهم.
ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان، وما ولاها من الملوك، يعدهم الصلات، وأهدى لهم التيجان والأسورة وغيرهأن وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان، فأجابوه إلى ذلك؛ وسار حتى أتى أول أعمال الري، وهوقليل الاحتيال، فقال له جماعة من أصحابه: لوأركبت العيون وعملت خندقاً لأصحابك، وبعثت الطلائع لأمنت البيات، وفعلت الرأي، فقال: مثل طاهر لا يستعد له، وإن حاله يؤول إلى أمرين: إما أن يتحصن بالري فيبيته أهلهأن فيكفونا أمره، وغما أن يرجع ويتركهأن إذا قربت خيلنا منه، فقالوا له: لوكان عزمه تركها والرجوع لفعل، فإننا قد قربنا منه فلم يفعل.
ولما صار بينه وبين الري عشرة فراسخ استشار طاهر أصحابه، وأشاروا عليه ان يقيم بالري، ويدافع القتال إلى أن يأتيه من خراسان المدد، وقائد يتولى الأمور دونه، وقالوا له: إن مقامك بمدينة الري أرفق بأصحابك، وأقدر لهم على الميرة، وأكن من البرد، وتعتصم بالبيوت، وتقدر على المماطلة؛ فقال طاهر: إن الرأي ليس ما رأيتم، إن أهل الري لعلي هائبون، ومن سطوته مشفقون، ومعه من أعراب البوادي وصعاليك الجبال والقرايا كثير، ولست آمن، إن أقمت بالري، أن يثب أهلها بنا خوفاً من علي، وما الرأي إلا نسير إليه، فإن ظفرناوإلا عولنا عليهأن فقاتلناه فيها إلى أن يأتينا مدد.
فنادى طاهر في أصحابه فخرج من الري في أقل من أربعة آلاف فارس، وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام، وكان على شرطة طاهر، فقال له: إن أتانا علي بن عيسى فقال أنا عامل امير المؤمنين، وأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه؛ فقال طاهر: لم يأتيني في ذلك شيء. فقال: دعني وما أريد، فقال: افعل! فصعد المنبر، فخلع محمدأن ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا عنهأن وقال له بعض أصحابه: إن جندك قد هابوا هذا الجيش، فلوأخرت القتال إلى أن يشامهم أصحابك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم، قال: إني لا أوتي من قلة تجربة وحزم، إن أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم، كثر عددهم، فإن أخرت القتال اطلعوا على قلتنأن واستمالوا من معي برهبة أورغبة، فيخذلني أهل الصبر والحفاظ، ولكن ألف الرجال بالرجال، وأقحم الخيل على الخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بالشهادة، فإن نصرنا الله فذلك الذي نريده ونرجوه، وإن يكن الأخرى فلست بأول من قاتل وقتل، وما عند الله أجزل وأفضل.
وقال علي لأصحابه: بادروهم، فإنهم قليلون، ولووجدوا حرارة السيوف، وطعن الرماح لم يصبروا عليها.
وعبى جنده ميمنة وميسرة وقلبأن وعبى عشر رايات مع كل راية مائة رجل، وقدمها راية راية، وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وأرم أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى وطال قتالهم أن تتقدم التي تليهأن وتتأخر حتى تستريح، وجعل أصحاب الجواشن أيام الريات، ووقف في شجعان أصحابه.

وعبى طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرضهم، ويوصيهم، ويرجيهم، وهرب من اصحاب طاهر نفر إلى علي، فجلد بعضهم، وأهان الباقي، فكان ذلك مما ألب الباقين على قتاله، وزحف الناس بعضهم إلى بعض؛ فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها هوعلينا للمأمون خاصة، معاشر أهل خراسان؟ قال: أفعل، فأخذ البيعة فعلقها على رمح، وقام بين الصفين، وطلب الأمان فأمنه علي بن عيسى، فقال له: ألا تتقي الله، عز وجل، أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصة؟ اتق الله، فقد بلغت باب ق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:17 am

وأتاه طاهر إلى همذان، فخرج إليه عبد الرحمن على تعبئة، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وصبر الفريقان، وكثر القتل والجراح فيهم، ثم انهزم عبد الرحمن، ودخل همذان، فأقام بها أيامأن حتى قوي أصحابه، واندمل جراحهم، ثم خرج إلى طاهر، فلما رآهم قال لأصحابه: إن عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإذا قربتم منه قاتلكم، فإن هزمتموه ودخل المدينة قاتلكم على خندقهأن وإن هزمكم الستع له المجال، ولكن قفوا قريباً من عسكرنا وخندقنأن فإن قرب منا قاتلناه.
فوقفوا فظن عبد الرحمن أن الهيبة منعتهم، فتقدم إليهم، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وصبر الفريقان، وكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل يطوف عليهم، ويحرضهم، ويأمرهم بالصبر، ثم إن رجلاً من أصحاب طاهر حمل على صاحب علم عبد الرحمن، فقتله، وزحمهم أصحاب طاهر، فانهزموأن ووضع فيهم أصحاب طاهر السيوف يقتلونهم، حتى انتهوا إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصراً لهأن فاشتد بهم الحصار، وضجر أهل المدينة، فخاف عبد الرحمن أن يثب به أهل المدينة مع ما فيه من أصحابه من الجهد، فأرسل إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه، فأمنه، فخرج عن همذان.
ذكر استيلاء طاهر على أعمال الجبللما نزل طاهر بباب همذان، وحصر عبد الرحمن بهأن تخوف أن يأتيه كثير بن قادرة من ورائه، وكان بقزوين، فأمر أصحابه بالقيام، وسار في ألف فارس نحوقزوين، فلما سمع به كثير بن قادرة، وكان في جيش كثيف، هرب من بين يديه وأخلى قزوين، وجعل طاهر فيها جندأن واستعمل عليها رجلاً من أصحابه، وأمره أن يمنع من أراد دخولهأن واستولى على سائر أعمال الجبل معها.
ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلةفي هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري؛ وكان سبب قتله أنه لما خرج في أمان طاهر أقام يري طاهراً وأصحابه أنه مسالم لهم، راض بأمانهم، ثم اغترهم، وهم آمنون، فركب في أصحابه، وهجم على طاهر وأصحابه، ولم يشعروأن فثبت له رجالة طاهر، وقاتلوه حتى أخذت الفرسان أهبتهأن أشد قتال رآه الناس، حتى تقطعت السيوف، وتكسرت الرماح، وانهزم عبد الرحمن، وبقي في نفر من أصحابه، فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب! فقال: لا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزماً أبداً! ولم يزل يقاتل حتى قتل.
وانتهى من انهزم من أصحابه إلى عبد الله وأحمد ابني الحرشي، وكانا في جيش عظيم، بقصر اللصوص، قد سيره الأمين معونة لعبد الرحمن، فلما بلغ المنهزمون إليهما انهزما أيضاً في جندهما من غير قتال، حتى دخلوا بغداد، وخلت البلاد لطاهر، فأقبل يحوزها بلدة بلدة، وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من قرى خلوان، فخندق بهأن وحصن عسكره وجمع أصحابه.
ذكر خروج السفيانيفي هذه السنة خرج السفياني، وهوعلي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، وأمه نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وكان يقول: أنا من شيخي صفين، يعني علياً ومعاوية، وكان يلقب بأبي المعيطر، لأنه قال يوماً لجلسائه: أي شيء كنية الحرذون؟ قالوا: لا ندري. قال: هوأبوالمعيطر، فلقبوه به.
ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة في ذي الحجة، وقوي على سليمان بن المنصور، عامل دمشق، فأخرجه عنهأن وأعانه الخطاب بن وجه الفلس، مولى بني أمية، وكان قد تغلب على صيدا؛ ولما خرج سير إليه الأمين الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة، ولم يسر إلى دمشق.
وكان عمر أبي المعيطر، حين خرج، تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علماً كثيرأن وكان حسن السيرة،فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما نقلوا عنه.
وكان أكبر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي يدعوه إلى طاعته، ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفياني على قصد القيسية، فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم في ثلاثمائة فارس من الضباب ومواليه، واتصل الخبر بالسفياني، فوجه إليه يزيد بن هشام في اثني عشر ألفأن فالتقوأن فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم إلى أن دخلوا أبواب دمشق زيادة على ألفي رجل، وأسر ثلاثة آلاف، فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رؤوسهم ولحاهم.

وضعف السفياني، وحصر بدمشق، ثم جمع جمعأن وجعل ابنه القاسم، وخرجوا إلى ابن بيهس فالتقوأن فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفياني، وبعث رأسه إلى الأمين، ثم جمع جمعاً آخر، وسيرهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس، فقتل المعتمر، وانهزم اصحابه، فوهن أمر أبي المعتمر، وطمع فيه قيس.
ثم مرض ابن بيهس، فجمع رؤساء بني منير، فقال لهم: ترون ما أصابني من علتي هذه، فارفقوا ببني مروان، وعليكم بمسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، فإنه ركيك، وهوابن أختكم، وأعلموه أنكم لا تتبعون بني أبي سفيان، وبايعوه بالخلافة، وكيدوا به السفياني.
وعاد ابن بيهس إلى حوران، واجتمعت منير على مسلمة، وبذلوا له البيعة، فقبل منهم، وجمع مواليه، ودخل على السفياني، فقبض عليه، وقيده، وقبض على رؤساء بني أمية فبايعوه، وأدنى قيسأن وجعلهم خاصته، فلما عوفي ابن بيهس عاد إلى دمشق فحصرهأن فسلمها إليه القيسية وهرب مسلمة والسفياني في ثياب النساء إلى المزة، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، ودخل ابن بيهس دمشق، وغلب عليهأن وبقي بها إلى أنه قدم عبد الله بن طاهر دمشق، ودخل إلى مصر، وعاد إلى دمشق، فأخذ ابن بيهس معه إلى العراق، فمات بها.
ذكر عدة حوادثوكان العامل على مكة والمدينة لمحمد الأمين داود بن عيسى بن موسى، وهوالذي حج بالناس سنة ثلاث وتسعين أيضاً؛ وكان على الكوفة العباس بن الهادي للأمين، وعلى البصرة له أيضاً منصور بن المهدي.
وفيها مات محمد بن خازم، أبومعاوية الضرير، وكان يتشيع، وهوثقة في الحديث.
وفيها توفي أبونواس الحسن بن هانئ الشاعر المشهور، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة، ودفن بالشونيزي ببغداد؛ ومحمد بن فضل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم؛ ويوسف بن أسباط أبويعقوب.
حوادث سنة ست وتسعين ومائة
ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر
وعودهم من غير قتال
في هذه السنة سير الأمين أسد بن يزيد بن مزيد، وسير معه عمه أحمد بن مزيد، وعبد الله بن حميد بن قحطبة، إلى حلوان لحرب طاهر.
وكان سبب ذلك ما ذكره أسد قال: إنه لما قتل عبد الرحمن أرسل إلي الفضل بن الربيع يستدعيني، فجئته، ودخلت عليه وهوقاعد بيده رقعة قد قرأهأن وقد احمرت عيناه، فاشتد غضبه، وهويقول: ينام نوم الظربان وينتبه انتباه الذئب، همه بطنه، يخاتل الرعاة والكلاب ترصده، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروي في إمضاء رأي، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهويجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه، قد شمر له عبد الله عن ساق، وفوق له أصوب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، وقد عبى له المنايا على ظهور الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف؛ ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث:
ومجدولة جدل العنان خريدة ... لها شعر جعد ووجه مقسم
وثغر نقي اللون عذب مذاقه ... يضيء له الظلماء ساعة تبسم
وثديان كالحقين والبطن ضامر ... خميص وجهم ناره تتضرم
لهوت بها ليل التمام ابن خالد ... أمية بهد المركلين عثمثم
طواه طراد الخيل في كل غارة ... لها عارض فيه الأسنة ترزم
يقارع تراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح ما يتلعثم
فيصبح كم طول الطراد وجسمه ... نحيل وأضحي في النعيم أصمم
أباكرها صهباء كالمسك ريحها ... لها أرج في دنها حين يرسم
فشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم

ثم التفت إلي فقال: أبا الحارث! أنا وإياك نجري إلى غارية إن قصرنا عنها ذممنأن وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنأن وإمنا نحن شعب من أصل إن قوي قوينأن وإن ضعف ضعفنأن إن هذا الرجل قد ألقى بيده القاء الأموالوكعاء، يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيأن وقد أمكن ما معه من أهل اللهووالجسارة، فهم يعدونه الظفر، ويمنونه عقب الأيام، والهلاك اسرع إليه من السيل إلى قيعان الوحل، وقد خشيت، والله، أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسهأن وقد فزع إليك في هذاالأمر ولقاء هذاالرجل، وأطعمه فيما قبلك أمران: أحدهما صدق الطاعة، وفضل النصيحة، والثاني نقيبتك وشدة بأسك، وقد أمرني بإزاحة علل ما عليك، وبسط يدك فيما أحبت، عنير أن الاقتصاد رأس النصيحة، ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعجل المبادرة إلى عدوك، فإني أرجوأن يوليك اله هذاالفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة.
فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين وطاعتك مقدم ولكل ما دخل فيه الوهن على عدوه وعدوك حريص، غير أن المحارب لا يعمل بالغدر، ولا يفتح أمره بالتقصير والخلل، وإمنا ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، والذي أسأل أن يؤمر لأصحابي برزق سنة، وتحمل معهم أرزاق سنة، ويخص أهل الغناء والبلاء، وأبدل من فيهم من الضعفى، وأحمل ألف رجل من معي على الخيل، ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور. فقال: أشططت، ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين.
ثم ركب، وركبت معه، فدخل قبلي على الأمين، وأذن لي فدخلت، فما كان إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي.
وقيل: إنه طلب أن يدفع ولدي المأمون، فإن أطاعه، وإلا قتلهمأن فقال الأمين: أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاية أعنة العرب والعجم، وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان، وأرفع منزلتك على نظرائك من أبناء القواد والملوك، وتدعوني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا للخرق والتخليط.
وكان ببغداد ابنان للمأمون مع أمهما أم عيسى ابنة الهادي، وقد طلبهما المأمون من أخيه في حال السلام، فمنعهما من المال الذي كان له، فلما حبس أسداً قال: هل في أهل بيته من يقوم مقامه، فإني أكره أن أفسدهم مع نباهتهم، وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم.
قالوا: نعم عمه أحمد بن مزيد، وهوأحسنهم طريقة، له بأس ونجدة، وبصر بسياسة الحرب، فأنفذ إليه أحضره، فأتى الفضل، فدخل عليه وعنده عبد الله بن حميد بن قحطبة، وهويريده على المسير إلى طاهر وعبد الله يشط. قال أحمد: فلما رآني الفضل رحب بي، ورفعني إلى صدر المجلس، ثم أقبل على عبد الله يداعبه ثم قال:
إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم ... من آل شيبان أماً دونكم وأبا
الأكثرون إذا عد الحصى عدداً ... والأقربون إلينا منكم نسبا
فقال عبد الله: أقسم لكذلك، وفيهم سد الخلل، ونكء العدو، ودفع معرة أهل المعصية عن أهل الطاعة.
فقال له الفضل: إن أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتك له، فأحب اصطناعك والتنويه باسمك، وأن يرفعك إلى منزلة لم يبلغها أحد من أهل بيتك.
ثم مضى ومضيت معه إلى الأمين، فدخلنا عليه، فقال لي في حبس أسد، واعتذر إلي، وأمرني بالمسير إلى حرب طاهر، فقلت: سأبذل في طاعة أمير المؤمنين مهجتي، وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي ورجاه من غنائي وكفايتي، إن شاء الله تعالى.
فأمر الفضل بأن يمكنه من العساكر بأخذ منهم من أراد،وأمره بالجد في المسير والتجهز، فأخذ من العسكر عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفاً، وسار بهم إلى حلوان، وشفع في أسد ابن أخيه، فأطلقه، وأقام أحمد وعبد الله بخانقين، وأقام طاهر بموضعه، ودس الجواسيس والعيون، وكانوا يرجفون في عسكر أحمد وعبد الله أن الأمين قد وضع العطاء لأصحابه، وأمر لهم بالأرزاق الوافرة، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف بينهم، حتى اختلفوأن وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضأن ورجعوا عن خانقين من غير أن يلقوا طاهرأن وتقدم طاهر، فنزل حلوان، فلما نزلها لم يلبث إلا يسيراً حتى أتاه هرثمة في جيش من عند المأمون، ومعه كتاب طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة، ويتوجه هوإلى الأهواز، ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان، وحصنهأن وسار طاهر إلى الأهواز.
ذكر الفضل بن سهل

في هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين، ورفع منزلة الفضل بن سهل.
وسبب ذلك أنه لما أتاه خبر قتل ابن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة، وصح عنده الخبر بذلك، أمر أن يخطب له، ويخاطب بأمير المؤمنين، ودعا الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولأن ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضأن وجعل له عمالة ثلاثة آلاف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين ولقبه ذا الرياستين، رياسة الحرب، والقلم، وحمل اللواء علي بن هشام، وحمل القلم نعيم بن حازم، وولي الحسن بن سهل ديوان الخراج.
ذكر عبد الملك بن صالح بن علي وموتهقد ذكرنا قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، وحبسه إياه، فلم يزل محبوساً حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين من الحبس في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة،وأحسن إليه، فشكر عبد الملك ذلك له.
فلما كان من طاهر ما كان دخل عبد الملك على الأمين، فال له: يا أمير المؤمنين! أرى الناس قد طمعوا فيك، وجندك قد أعيتهم الهوام، وأضعفتهم الحروب، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحرب، وأدبتهم الشدائد، وكلهم منقاد إلي متنازع إلى طاعتي، وإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جنداً يعظم نكايتهم في عدوه؛ فولاه الأمين الشام والجزيرة وقواه بمال ورجال، وسيره سيراً حثيثاً.
فسار حتى نزل الرقة، وكاتب رؤساء أهل الشام، وأهل القوة، والجلد، والبأس، فأتوه رئيساً بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فأكرمهم، ومناهم، وخلع عليهم، وكثر جمعه، فمرض واشتد مرضه.
ثم إن بعض جنود خراسان المقيمين في عسكر الشام رأى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل من أهل الشام أيضأن فتعلق بهأن واجتمع جماعة من الزواقيل والجند، فتضاربوأن واجتمعت الأبناء، وتألبوأن وأتوا الزواقيل وهوغارون، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولهم، ونشبت الحرب بينهم.
وبلغ ذلك عبد الملك، فوجه إليهم يأمرهم بالكف، لم يفعلوأن واقتتلوا يومهم ذلك قتالاً شديدأن وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل، فأخبر عبد الملك بذلك، وكان مريضاً مدنفأن فضرب بيده على يد، وقال: واذلاه! تستضام العرب في دورها وبالدها! فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء، وتفاقم الأمر، وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرقة، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة، وقام رجل من أهل حمص فقال: يا أهل حمص! أهون من العطف، والموت أهون من الذل، إنكم قد بعدتم عن بلادكم، ترجون الكثرة بعد القلة، والعزة بعد الذلة، الا في الشر وقعتم، وفي حومة الموت أنختم؛ إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم، النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل لاأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المهرب.
وقام رجل من كلب في غرز ناقته، فقال نحواً من ذلك، ثم قال: ألا وإني سائر، فمت أراد الانصراف فلينصرف معي! ثم سار فسار معه عامة أهل الشام، وأخرقت الزواقيل ما كان التجار قد جمعوه من الأعلاف، وأقبل نصر بن شبث العثيلي، ثم حمل وأصحابه، فقاتل قتالاً شديدأن وصبر الجند لهم، وكان أكثر القتل في الزواقيل لكثير بن قادرة، وأبي الفيل، وداود بن موسى بن عيسى الخراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث، وعمروبن عبد العزيز السلمي، والعباس بن زفر الكلابي، ثم توفي عبد الملك بن صالح بالرقة في هذه السنة.
ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون
وعود الأمين إلى الخلاف
فلما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في الجند، فجعل الرجالة في السفن، وسار الفرسان على الظهر في رجب، فلما قدم بغداد لقيه القواد وأهل بغداد، وعملت له القباب، ودخل منزله؛ فلما كان جوف الليل بعث إليه الأمين يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: ما أنا بمغن، ولا مسامر، ولا مضحك، ولا وليت له عملاً ولا مالأنفلأي شيء يريدني هذه الساعة.انصرف، فإءذا أصبحت غدوت إليه، إن شاء الله.

وأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، واجتمع الناس فقال: بيا معشر الأبناء! إن خلافة الله لا تجاوز بالبطر، ونعمته لا تستصحب بالتجبر، وإن محمداص يريد أن يوقع أديانكم، وينقل عزكم إلى غيركم، وهوصاحب الزواقيل،وبالله إن طالت به مدة ليرجعن وبال ذلك عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره ناصر منكم إلا خذلب، وما عند الله، عز وجل، لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده، والحنث بإيمانه.
ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروأن وصاروا إلى سكة باب خراسان؛ وتسرعن خيول الأمين إلى الحسين، فقاتلوه قتالاً شديدأن فانهزم أصحاب الأمين وتفرقوأن فخلع الحسين الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الاثنين.
فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بن بالأمين، فأخرجه من قصر الخلد، وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمه زبيدة أيضأن فجعلها مع ابنها؛ فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق وماجوا بعضهم في بعض، فقام محمد بن خالد بباب الشام، فقال: أيها الناس! والله ما أدري بأي سبب يأمر الحسين بن علي علينأن ويتولى هذاالأمر دوننا؟ ما هوبأكبرنا سنأن وما هوبأكبرنا حسبأن ولا بأعظمنا منزلة وغنى، وإني أولكم أنقض عهده، وأظهر الإنكار لفعله، فمن كان على رأيي فليعتزل معي.
وقال أسد الحربي: يا معشر الحربية! هذا يوم له ما بعده، إنكم قد منتم فطال نومكم، وتأخرتم فتقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بخلع الأمين، فاذهبوا أنتم بذكر فكه وإطلاقه.
وأقبل شيخ على فرس فقال: أيها الناس! هل تعتدون على محمد بقطع أرزاقهم؟ قالوا: لا! قال: فهل قصر بأحد من رؤسائكم، وعزل أحداً من قوادكم؟ قالوا: لا! قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على أسره؟ وايم الله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف؛ انهضوا إلى خليفتكم فقاتلوا عنه من أراد خلعه. فنهضوأن وتبعهمأهل الأرباض، فقاتلوا الحسين قتالاً شديدأن فأسر الحسين بن علي، ودخل أسد الحربي على الأمين، فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة.
ورأى الأمين أقواماً ليس عليهم لباس الجند، وأمرهم بأخذ السلاح، فانتعبته الغوغاء، ونهبوا غيره، وحمل إليه الحسين أسيرأن فلامه، فأعتذر له الحسين، فأطلقه، وأمره بجمع الجند، ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع عليه، وولاه ما وراء بابه، وأمره بالمسير إلى حلوان، فوقفالحسين بباب الجسر، والناس يهنئونه، فلما خف عنه الناس قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين في الجند يطلبه، فركبوا كلهم، فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد، فقاتلهم فعثر به فرسه، فسقط عنه، فقتل وأخذوا رأسه.
وقيل إن الأمين كان استوزره وسلم إليه خاتمه، وجدد الجند البيعة للامين، بعد قتل الحسين بيوم، وكان قتله خامس عشر رجب، فلما قتل الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع واختفى.
ذكر ما فعله طاهر بالاهوازلما نزل طاهر بشلاشان وجه الحسين بن عمر الرستمي إلى الأهواز وأمره بالحذر، فلما توجه أتت طاهراً عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيدابن حاتم المهلبي، وكان عاملاً للأمين على الأهواز، قد توجه في جمع عظيم يريد جند يسابور ليحمي الأهواز من أصحاب طاهر، فدعا طاهر عدة من أصحابه، منهم: محمد بن طالوت، ومحمد بن العلاء، والعباس بن بخار أخذاه وغيرهم، وأمرهم أن يجدوا السير، حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الرستمي فإن احتاج إلى مدد أمدوه.

فساروا حتى شارفوا الأهواز ولم يلقوا أحداً. وبلغ خبرهم محمد بن يزيد، فسار حتى نزل عسكر مكرم، وصير العمران والماء وراء ظهره، وتخوف طاهر أن يعجل إلى أصحابه، فأمدهم بقريش بن شبل، وتوجه هوبنفسه، حتى كان قريباً منهم، وسير الحسين بن علي المأموني إلى قريش والرستمي، فسارت تلك العساكر حتى أشرفوا على محمد بن يزيد بعسكر مكرم، فاستشار أصحابه في المطاولة والمناجزة، فأشاروا عليه بالرجوع إلى لاأهواز والتحصن بهأن وأن يستدعي الجند من البصرة وقومه الأزد، ففعل ذلك، فسير طاهر وراءه قريش بن شبل، وأمره بمبادرته قبل أن يتحصن بالأهواز، فسبقه محمد بن يزيد، ووصل بعده بيوم قريش، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فالتفت محمد إلى من معه من مواليه، وكان أصحابه قد رجعوا عنه، فقال لمواليه: ما رأيكم؟ إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمن خذلانهم ولا أرجورجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى يقضي الله بما أحب، فمن أراد الانصراف فلينصرف، فوالله لئن تبقوا أحب إلي من أن تموتوا.
فقالوا: والله ما أنصفناك إذاص أن تكون قد أعتقتنا من الرق، ورفعتنا من الضعة، وأغنيتنا بعد القلة، ثم نخذلك على هذه الحال، فلعن الله الدنيا والعيش بعدك! ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم، وحملوا على أصحاب قريش حملة منكرة، فاكثروا فيهم القتل، وقتل محمد بن يزيد المهلبي، واستولى طاهر على الأهواز وأعمالهأن واستعمل العمال على اليمامة والبحرين وعمان، وقال بعض المهالبة، وجرح في تلك الوقعة عدة جراحات، وقطعت يده:
فلما لمت نفسي غير أني لم أطق ... حراكأن وأني كنت بالضرب مثخناً
ولوسلمت كفاي قاتلت دونه ... وضاربت عنه الطاهري الملعنا
فتىً لا يرى أن يخذل السيف في الوغى ... إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى
ولما دخل ابن أبي عيينة المهلبي على طاهر ومدحه، فحين انتهى إلى قوله:
ما ساء ظني إلا بواحدة ... في الصدر محصورة عن الكلم
تبسم طاهر، ثم قال: أما والله ساءني من ذلك ما ساءك، وأمني ما ألمك، ولقد كنت كارهاً لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بد من قطع الأواصر والشكر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة؛ فظن من حضر أنه أراد محمد بن يزيد بن حاتم.
ذكر استيلاء طاهر على واسطثم سار طاهر من الأهواز إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحرشي، والهيثم بن شعبة، خليفة خزيمة بن خازم، فجعل طاهر كلما تقدم نحوهم تقوضت المسالح والعمال بين يديه، حتى أتى واسطاً فهرب السندي والهيثم بن شعبة عنهأن واستولى طاهر على واسط، ووجه قائداً من قواده إلى الكوفة عليها العباس بن موسى الهادي، فلما بلغه الخبر خلع الأمين، وبايع المأمون، وكتب بذلك إلى طاهر.
ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهدي، وكان عاملاً لأمين على البصرة، إلى طاهر ببيعته وطاعته، وأتته بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلع الأمين، وكان هذا جميعه في رجب من هذه السنة، فأقرهم طاهر على أعمالهم وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة واستعمل يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري البجلي على اليمن، ووجه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة وأقام طاهر بجرجرايا.
فلما بلغ الأمين خبر عامله بالكوفة، وخلعه، والبيعة للمأمون، وجه محمد بن سليمان القائد، ومحمد بن حماد البربري، وأمرهما أن يبيتا الحارث بن هشام وداود بالقصر، فبلغ الحارث الخير، فركب هووداود، فعبرا في مخاضة في سوراء إليهم، فاوقعا بهم وقعة شديدة فاقتتلوا قتالاً شديداً وانهزم أهل بغداد.
ووجه الأمين أيضاً الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي عاملاً على الكوفة في خيل، فبلغ طاهراً الخبر، فوجه محمد بن العلاء في جيش إلى طريقه، فلقي الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه الفضل: إني سامع مطيع، وإمنا كان مخرجي كيداً مني لمحمد الامين، فقال له ابن العلاء: لست أعرف ما تقول، فإن أردت طاهراً فارجع وراءك، فهوأسهل الطريق، فرجع الفضل، فقال محمد بن العلاء: كونوا على حذر، فلا آمن مكره.

ثم إن الفضل رجع إلى ابن العلاء، وهويظن أنه على غير أهبة، فرآه متيقظاً حذرأن فاقتتلوا قتالاًشديداً كأشد ما يكون من القتال، فانهزم الفضل وأصحابه.
ذكر استيلاء طاهر على المدائن
ونزوله بصرصر
ثم إن طاهراً سار إلى المدائن، وبها جيش كثير للأمين، عليهم البرمكي قد تحصن بهأن والمدد ياتيه كل يوم والخلع، والصلات، فلما قرب طاهر منه وجه قريش بن شبل، والحسين بن علي المأموني فقي مقدمته، فلما سمع أصحاب البرمكي طبول طاهر أسرجوا وركبوأن وأخذ البرمكي في التعبية، فكان كلما سوى صفاً انتقض، واضطرب، وانضم أولهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك في الخذلان! ثم قال لصاحب ساقته: خل سبيل الناس، فلا خير عندهم؛ فركب بعضهم بعضاً نحوبغداد فنزل طاهر بالمدائن، واستولى على تلك النواحي، ثم سار إلى صرصر، فعقد بها جسراً ونزلها.
ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينةوفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الأمين، وهوعامله على مكة والمدينة، وبايع للمأمون.
وكان سبب ذلك أنه لما بلغه ما كان من الأمين والمأمون وما فعل طاهر، وكان الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى يامره بخلع المأمون، وبعث أخذ الكتابين من الكعبة، كما تقدم، فلما فعل ذلك جمع داود وجوه الناس ومن كان شهد من الكتابين، وكان داود أحدهم، فقال لهم: قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد والميثاق، عند بيت الله الحرام، لا بنيه، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ومع المغدور به على الغادر، وقد راينا ورأيتم أن محمداً قد بدأ بالظلم والبغي والغدر والنكث على أخويه المأمون والمؤتمن وخلعهما عاصياً لله، وبايع لابنه، طفل صغير، رضيع لم يفطم، وأخذ الكتابين من الكعبة، فحرقهما ظالمأن فقد رأيت خلعه، والبيعة للمأمون، إذ كان مظلوماص مبغياً عليه.
فأجابوه إلى ذلك، فنادى في شعاب مكة، فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع محمدأن وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان، وهوعامله على المدينة، يأمره أن يفعل مثل ما فعل، فخلع سليمان الأمين، وبايع للمأمون.
فلما أتاه الخبر بذلك سار من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس، ثم إلى كرمان، حتى صار إلى المأمون بمرو، فأخبره بذلك، فسر المأمون بذلك سروراً شديدأن وتيمن ببركة مكة والمدينة.
وكانت البيعة بهما في رجب سة ست وتسعين ومائة، واستعمل داود على مكة والمدينة، وز أضاف إليه ولاية عك، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة، وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهراً ببغداد، فأكرمهما وقربهمأن ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري البجلي عاملاً على اليمن، وبعث معه خيلاً كثيفة، فلما قدم اليمن دعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، ووعدهم العدل والإحسان وأخبرهم بسيرة المأمون، فأجابوه إلى ما طلب، وخلعوا محمداً وبايعوه للمأمون، وكتب بذلك إلى طاهر وإلى المأمون، وسار فيهم أحسن سيرة وأظهر العدل.
ذكر ما فعله الأمينوفي هذه السنة عقد محمد الأمين، في رجب وشعبان، نحواً من أبعمائة لواء لقواد شتى، وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا إليه، فالتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموأن وأسر علي بن محمد بن عيسى فسيره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل النهروان.
ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين
ونزوله ببغداد

وأقام طاهر بصرصر مشمراً في محاربة الأمين وكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، وبذل الأمين الأموال، فاشتد ذلك على أصحاب طاهر، فسار إليه منهم نحوخمسة آلاف، فسر بهم الأمين، وعدهم، ومناهم، وفرق فيهم مالاً عظيمأن وعلف لحاهم بالغالية، فسموا قواد الغالية، وقود جماعة من الحربية، ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان، فلم يكن بينهم قتال كثير،وندب جماعة من قواد بغداد، وجههم إلى الياسرية، والكوثرية، وفرق الجواسيس في اصحاب طاهر، ودس إلى رؤساء الجند، فاطعمهم، ورغبهم، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى الأمين، فانضموا إلى عسكره، وساروا حتى أتوا صرصرأن فعبأ طاهر أصحابه كراديس، وسار فيهم يمنيهم، ويحرضهم، ويعدهم النصر، ثم تقدم، فاقتتلوا ملياً من النهار، ثم انهزم أصحاب الأمين، وغمن عسكر طاهر ما كان لهم من السلاح والدواب وغير ذلك.
وبلغ ذلك لاأمين فأخرج الأموال وفرقهأن وجمع أهل الأرباض، وقود منهم جماعة، وفرق فيهم الاموال، وأعطى كل قائد منهم قارورة غالية، ولم يفرق في أجناد القواد وأصحابهم شيئاً.
فبلغ ذلك طاهرأن فراسلهم، ووعدهم، واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على الأمين في ذي الحجة، فصعب الأمر عليه، فأشار عليه أصحابه باستمالتهم والإحسان إليهم، فلم يفعل، وأمر بقتالهم جماعة من المستأمنة والمحدثين، فقاتلوهم، وراسلهم طاهر، وراسلوه، وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة، وأعطاهم الاموال.
ثم تقدم، فصار إلى موضع البستان الذي على باب الأنبار، في ذي الحجة، فنزل بقواده وأصحابه ونزل من استأمن إليه من جند الأمين في البستان والأرباص، وأضعف للقواد، وأبنائهم،والخواص،العطاء، ونقب أهل السجون السجون، وخرجوا منهأن وفتن الناس وساءت حالهم، وثب الشطار على أهل الصلاح، ولم يتغير بعسكر طاهر حال لتفقده حالهم، وأخذه على أيدي السفهاء، وغادى القتال، ورواحه، حتى تواكل الفريقان وخربت الديار.
وحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، ودعا للمأمون بالخلافة، وهوأول موسم دعي له فيه بالخلافة.
ذكر الفتنة بإفريقية مع أهل طرابلسفي هذه السنة ثار أبوعصام ومن وافقه على إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، فحاربهم إبراهيم، فظفر بهم.
وفيها استعمل ابن الأغلب ابنه عبدالله على طرابلس الغرب، فلما قدم إليها ثار عليه الجند، فحضروه في داره، ثم اصطلحوا على أن يخرج عنهم، فخرج عنهم، فلم يبعد عن البلد حتى اجتمع إليه كثير من الناس، ووضع العطاء، فأتاه البربر من كل ناحية، وكان يعطي الفارس كل يوم أربعة دراهم، ويعطي الراجل في اليوم درهمين، فاجتمع له عدد كثير، فزحف بهم إلى طرابلس، فخرج إليه الجند، فاقتتلوأن فانهزم جند طرابلس، ودخل عبد الله المدينة، وأمن الناس وأقام بها؛ ثم عوزله أبوه، واستعمل بعده سفيان ابن المضاء، فثارت هوارة بطرابلس، فخرج الجند إليهم، والتقوا واقتتلوأن فهزم الجند إلى المدينة، فتبعهم هوارة، فخرج الجند هاربين إلى لاأمير إبراهيم ابن الأغلب، ودخلوا المدينة فهدموا أسوارها.
وبلغ ذلك إببراهيم ابن الأغلب، فسير إليها ابنه أبا العباس عبد الله في ثلاثة عشر ألف فارس، فاقتتل هووالبربر، فانهزم البربر، وقتل كثير منهم، ودخل طرابلس وبنى سورها.
وبلغ خبر هزيمة البربر إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وجمع البربر، وحرضهم، وأقبل بهم إلى طرابلس، وهم جمع عظيم، غضباً للبربر ونصرة لهم، فنزلوا على طرابلس، وحصروها. فسد أبوالعباس عبد الله بن إبراهيم باب زناتة، وكان يقاتل من باب هوارة، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أبوه إبراهيم بن الأغلب، وعهد بالإمارة لولده عبد الله، فأخذ أخوه زيادة الله بن إبراهيم له العهود على الجند، سير الكتاب إلى أخيه عبد الله، يخبره بموت أبيه، وبالإمارة له، فأخذ البربر الرسول والكتاب، ودفعوه إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، فأمر بأن ينادي عبد الله بن إبراهيم بموت أبيه، فصالحهم على أن يكون البلد والبحر لعبد الله، وما كان خارجاً عن ذلك يكون لعبد الوهاب، وسار عبد الله إلى القيروان، فلقيه الناس، وتسلم الأمر، وكانت أيامه أيام سكون ودعة.
حوادث سنة سبع وتسعين ومائة
ذكر حصار بغداد

في هذه السنة حاصر طاهر، وهرثمة، وزهير بن المسيب الأمين محمداً ببغداد، فنزل زهير بن المسيب الضبي برقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر الخنادق، وكان يخرج في الإيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالعرادات، ويعشر أموال التجار، فشكا الناس منه إلى طاهر، فنزل هرثمة نهر بين، وعمل عليه خندقاً وسورأن ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية، ونزل طاهر البستان الذي بباب الأنبار.
فلما نزله شق ذلك على الأمين، وتفرق ما كان بيده من الأموال، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في أصحابه، وأمر بإحراق الحربية، فرميت بالنفط والنيران وقتل بها خلق كثير.
واستأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فولاه الأسواق، وشاطئ دجلة وما اتصل به، وأمره بحفر الخنادق، وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدروب، وأمده بالاموال والرجال، فكثر الخراب ببغداد والهدم، فدرست المنازل؛ ووكل الأمين علياً افراهمرد بقصر صالح، وقصر سليمان بن المنصور إلى دجلة، فألح في إحراق الدور والدروب، والرمي بالمجانيق، وفعل طاهر مثل ذلك، فأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليهأن فكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم، ومن أبى إجابته قاتله، وأحرق منزله؛ ووحشت بغداد، وهربت، فقال حسين الخليع:
أتسرع الرحلة إغذاذاً ... عن جانبي بغداد أم ماذا؟
أما ترى الفتنة قد ألفت ... إلى أولي الفتنة شذاذاً
وانتقضت بغداد عمرانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا
هدماً وحرقاً قد أباد أهلها ... عقوبة لاذت بمن لاذا
ما احسن الحالات إن لم تعد ... بغداد في القلة بغدادا
وسمى طاهر الأرباض التي خالفه أهلهأن ومدينة المنصور، وأسواق الكرخ والخلد، دار النكث، وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وغيرهم، وأخذ اموالهم، فذلوأن وانكسروأن وذل الأجناد، وضعفوا عن القتال، إلا باعة الطريق، والعراة، وأهل السجون، والأوباش، والطرارين، وأهل السوق، فكانوا ينهبون أموال الناس.
وكان طاهر لا يفتري في قتالهم، فاستأمن إليه على أفراهمرد، الموكل بقصر صالح، فأمنه، وسير إليه جنداً كثيفأن فسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية، في جمادى الآخرة؛ واستأمن إليه محمد بن عيسى، صاحب شرطة الأمين، وكان مجداً في نصرة الأمين، فلما استأمن هذان إلى طاهر أشفى الأمين على الهلاك وأقبلت الغواة من العيارين، وباعة الطريق، والأجناد، فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالاً عظيمأن قتل فيه من أصحاب طاهر جماعة كثيرة، ومن قواده جماعة، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها اشد على طاهر منها.
ثمخ إن طاهراً كاتب القواد الهاشميين وغيرهم، بعد أن أخذ ضياعهم، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون، فأجابه جماعة منهم: عبد الله بن حميد قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطائي، وكاتبه غيرهم، وصارت قلوبهم معه.
وأقبل الأمين بعد وقعة صالح على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك،وإلى الهرش، فكان من معهما من الغوغاء والفساق يسلبون من قدروا عليه، وكان منهم ما لم يبلغنا مثله.
فلما طال ذلك بالناس خرج من بغداد من كانت به قوة، وكان أحدهم إذا خرج أمن على ماله ونفسه، وكان مثلهم كما قال الله: (فضرب بهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) الحديد: 13 وخرج عنهم قوم بعلة الحج، ففي ذلك يقول شاعرهم:
أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب
وقال بعض فتيان بغداد:
بكيت دماً على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموماً من سرور ... ومن سعة تبدلنا بضيق
اصابتنا من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قسراً ... ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي: واصباحاً ... وباكية لفقدان الشقيق
وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق

تفر من الحريق إلى انتهاب ... ووالدها يفر إلى الحريق
وسالبة الغزالة مقلتيها ... مضاحكها كلألاء البروق
حيارى هكذا ومفكرات ... عليهن القلائد في الحلوق
ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشفيق من الشفيق
ومغترب قريب الدار ملقى ... بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً ... فما يدرون من أي الفريق
فما ولد يقيم على أبيه ... وقد فر الصديق عن الصديق
ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق
وقال الجرمي قصيدة طويلة نحومائة وخمسين بيتاً أتى فيها على جميع الحوادث ببغداد، في هذه الحرب، تركتها لطولها.
وذكر أن قائداً من أهل خراسان، من أصحاب طاهر، من اهل النجدة والبأس، خرج يوماً إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من نرى استهانة بأمرهم، واحتقاراً لهم، فقيل له: نعم! هؤلاء هم الآفة؛فقال لهم: أف لكم حين تنهزمون من هؤلاء، وأنتم في السلاح والعدة والقوة، وفيكم الشجاعة، وما عسى يبلغ كيد هؤلاء ولا سلاح معهم، ولا جنة تقيهم! وتقدم إلى بعضهم، وفي يديه بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمي بسهم استتر منه العيار فوقع في باريته، أوقريباً منهأن فياخذه، ويتركه معه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه، فلم يزالا كذلك حتى فنيت سهام الخراساني، ثم حمل عليه العيار، ورمة بحجر من مخلاته في مقلاع،فما أخطأ عينه، ثم آخر، فكاد يصرعه، فانهزم وهويقول: ليس هؤلاء بناس.
فلما سمع طاهر خبره ضحك منه، فلما طال ذلك على طاهر، وقتل من أصحابه في قصر صالح من قتل، أمر بالهدم والإحراق، فهدم دور من خالفه من بين دجلة ودار الرقيق، وباب الشام، وباب الكوفة، إلى الصراة وربض حميد، ونهر كرخابأن فكان أصحابه إذا هدموا داراً أخذ أصحاب الأمين أبوابها وسقوفهأن فيكونون أشد على أهلهأن فقال شاعر منهم:
لنا كل يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدموا داراً أخذنا سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص
فإن حرصوا يوماً على الشر جهدهم ... فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص
فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع ... وصار لهم أهل بها وتعرص
يثيرون بالطبل القنيص، فإن بدا ... لهم وجه صيد من قريب تقنصوا
لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص
إذا حضروا قالوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا
وما قتل الأبطال مثل مجرب ... رسول المنايا ليلة يتلصص
فيأبيات غيرهأن فلما رأى طاهر أن هذا جميعه لا يحفلون به، أمر بمنع التجار عنهم، ومنع من حمل الأقوات وغيرهأن وشدد في ذلك، وصرف السفن التي يحمل فيها إلى الفرات، فاشتد ذلك عليهم، وغلت الأسعار، وصاروا في اشد حصار؛ فأمر الأمين ببيع الاموال، وأخذهأن ووكل بها بعض أصحابه، فكان يهجم على الناس في منازلهم ليلاص ونهارأن فاشتد ذلك على الناس، وأخذوا بالتهمة والظنة.
ثم كان بينهم وقعة بدرب الحجارة، قتل فيها من اصحاب طاهر خلق كثير، ووقعة بالشماسية خرج فيها حاتم بن الصقر في العيارين وغيرهم إلى عبيد الله بن الوضاح، فاوقعوا به، وهولا يعلم، فانهزم عنهم، وغعلبوه على الشماسية، فأتاه هرثمة يعينه، فأسره بعض أصحاب الأمين، وهولا يعرفه، فقاتل عليه بعض أصحابه، حتى خلصه، وانهزم أصحاب هرثمة، فلم يرجعوا يومين.
فلما بلغ طاهراً ما صنعوا عقد جسراً فوقالشماسية، وعبر أصحابه إليهم، فقاتلوا أشد قتال، حتى ردوا أصحاب الأمين، وأعاد أصحاب عبيد الله بن الوضاح إلى مراكزهم، وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية، وكانت النفقة عليها بلغت عشرين ألف ألف درهم، وقتل من العيارين كثير، فضعف أمر الأمين، فأيقن بالهلاك، وهرب منه عبد الله بن خازم بن خزيمة إلى المدائن، خوفاً من الأمين، لأنه اتهمه، وتحامل عليه السفلة والغوغاء، فأقام بهأن وقيل بل كاتبه طاهر، وحذره قبض ضياعه وأمواله.

ثم إن الهرش خرج ومعه لفيفة وجماعة إلى جزيرة العباس، وكانت ناحية لم يقاتل فيهأن فخرج إليه وبعض أصحاب طاهر، فقاتلوه، فقوي عليهم، فأمدهم طاهر بجند آخر، فأوقعوا بالهرش وأصحابه وقعة شديدة، فقرق منهم بشر كثير.
وضجر الأمين وخاف حتى قال يوماً: وددت أن الله قتل الفريقين جميعاً فأراح الناس منهم، فما منهم إلا عدولي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي؛ وضعف أمره، وانتشر جنده، وأيقن بظفر طاهر به.
ذكر عدة حوادثوحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر أمير المؤمنين المأمون.
وفيها سار المؤتمن بن الرشيد، ومنصور بن المهدي إلى المأمون بخراسان، فوجه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان.
وفيها كان بالأندلس غلاء شديد، وكان الناس يطوون الأيام، ويتعللون بما يضبط النفس.
وفيها مات وكيع بن الجراح الرؤاسي بفيد، وقد عاد عن الحج؛ وبقية ابن الوليد الحمصي، وكان مولده سنة عشر ومائة؛ ومحمد بن مليح بن سليمان الأسلمي؛ ومعاذ بن معاذ أبوالمثنى العنبري وله سبع وسبعون سنة.
حوادث سنة ثمان وتسعين ومائة
ذكر استيلاء طاهر على بغداد
في هذه السنة لحق خزيمة بن خازم بطاهر، وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى الجانب الشرقي.
وكان سبب ذلك أن طاهراً أرسل إلى خزيمة أن انفصل الأمر بيني وبين محمد، ولم يكن لك في نصرتي، ألا أقصر في أمرك! فأجابه بالطاعة، وقال له: لوكنت أنت النازل الجانب الشرقي في مكان هرثمة لحمل نفسه إليه، وأخبره قلة ثقته بهرثمة، إلا أن يضمن له القيام دونه لخوفه من العامة، فكتب طاهر إلى هرثمة يعجزه، ويلومه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وقد وقفت وقوف المحجم عمن بإزائك، فاستعد للدخول إليهم، فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر، وقطع الجسور، وأرجوأن لا يختلف عليك اثنان.
فأجابه هرثمة بالسمع والطاعة، فكتب طاهر إلى خزيمة بذلك، وكتب إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك؛ فلما كان ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم، وثب خزيمة ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وخلعا محمد الأمين، وسكن أهل عسكر المهدي، ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر من القواد وحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهأن فدخل إليهم، فقال الحسين الخليع في ذلك.
علينا جميعاً من خزيمة منة ... بما أخمد الرحمن نائرة الحرب
تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب وحامى عنهم أشرف الذب
ولولا أبوالعباس ما انفك دهرنا ... ينيب على عتب ويعدوعلى عتب
خزيمة لم يذكر له مثل هذه ... إذ اضطربت شرق البلاد مع الغرب
أناخ بجسري دجلة القطع والقنا ... شوارع والأرواح في راحة الغضب
وهي عدة أبيات، فلما كان الغد تقدم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالاً شديدأن فهزم الناس، حتى الحقهم بالكرخ، وقاتلهم فيه، فهزمهم، فمروا لا يلوون على شيء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه، فنادى: من لزم بيته فهوآمن؛ ووضع بسوق الكرخ وقصر الوضاح جنداً على قدر حاجته، وقصد إلى مدينة المنصور، وأحاط بهأن وبقصر زبيدة، وقصر الخلد، من باب الجسر إلى باب خراسان، وباب الشام، وباب الكوفة، وباب البصرة، وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة.
وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، والأفارقة، فنصب المجانيق بإزاء قصر زبيدة، وقصر الخلد؛ وأخذ الامين أمه وأولاده إلى مدينة المنصور، وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في الطريق، لا يلوي أحد على احد، وتفرق السفلة والغوغاء، وتحصن محمد بمدينة المنصور، وحصره طاهر، وأخذ عليه الأبواب.
وبلغ خبر هذه الوقعة عمر الوراق، فقال لمخبره: ناولني قدحاً؛ ثم تمثل:
خذها فللخمرة أسماء ... لها دواء ولها داء
يصلحها الماء إذا اصفقت ... يوماً وقد يفسدها الماء
وقائل كانت لهم وقعة ... في يومنا هذا وأشياء
قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء
إشرب ودعنا من أحاديثم ... يصطلح الناس إذا شاؤوا

وحكى إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين لما حصره طاهر، قال: فخرج الأمين ذات ليلة يريد أن يتفرج من الضيف الذي هوفيه، فصار إلى قصر له بناحية الخلد، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء على شاطئدجلة، فهل لك في الشرب؟ فقلت: شأنك؛ فشرب رطلأن وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن ضرب عليك؟ ما أحوجني إليه! فدعا بجارية متقدمة عنده، اسمها ضعف، فتطيرت من اسمهأن ونحن في تلك الحال، فقال لها: غني، فغنت بشعر الجعدي:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
فاشتد ذلك عليه، وتطير منه، وقال: غني غير ذلك، فغنت:
أبكي فراقكم عيني فأرقها إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدوعليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقال: ما تغنيت إلا ما ظننت أنك تحبه، ثم غنت آخر:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار وما ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي، غضب الله عليك ولعنك فقامت، وكان له قدح من بلور، حسن الصنعة، كان يسميه رب رياح، وكان موضوعاً بين يديه، فعثرت الجارية به، فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية، ثم ما كان من سر القدح؟ والله ما أظن أمري إلا وقد قرب! فقلت: يديم الله ملكك، ويعز سلطانك، ويكبت عدوك! فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتاً من دجلة: (قضي الأمر الذي فيه تسفيان) يوسف: 41. فقال: يا إبراهيم أما سمعت ما سمعت؟ قلت: ما سمعت شيئأن وكنت قد سمعت: قال تسمع حسنأن فدنوت من الشط، فلم أر شيئاً ، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه مغتماً إلى مجلسه بالمدينة، فما مضى إلا ليلة أوليلتان حتى قتل.
ذكر قتل الأمينلما دخل محمد إلى مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرهأن كما تقدم، وقر بالمدينة، علم قواده وأصحابه أنهم ليس لهم فيها عدة الحصر، وخافوا أن يظفر بهم طاهر، فأتاه محمد بن حاتم بن الصقر، ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي، وغيرهم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:19 am

لم نبكيك، لماذا؟ للطرب ... يا أبا موسى، وترويج العب
ولترك الخمس في أوقاتها ... حرصاً منك على ماء العنب
وشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تعرف ما حد الرضى ... لا ولا تعرف ما حد الغضب
لم تكن تصلح للملك ولم ... تعطك الطاعة بالملك العرب
لم نبكيك؟ لما عرضتنا ... للمجانيق وطوراً للسلب
في عذاب وحصار مجهد ... سدد الطرق، فلا وجه الطلب
زعموا أنك حي حاشر ... كل من قد قال هذا فكذب
ليته قد قاله في وجدة ... من جميع ذاهب حيث ذهب
أوجب الله علينا قتله ... وإذا ما أوجب الأمر وجب
كان والله علينا فتنة ... غضب الله عليه وكتب
وقيل فيه غير ذلك تركنا ذكره خوف الإطالة.
ذكر بعض سيرة الأمينلما ملك الأمين وكاتبه المأمون، وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وأباعهم وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره،وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً سماهم الجرادية، وفرضاً من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رمي بهن، وقيل فيه الأشعار، فمما قيل فيه:
ألا أيها المثوى بطوس ... عزيباً ما نفادي بالنفوس
لقد أبقيت للخصيان هقلاً تحمل منهم شوم البسوس
فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي بدر، فيا لك من جليس
وما للمعصمي شيء لديه ... إذا ذكروا بذي سهم خسيس
وما حسن الصغير أخس حالاً ... لديه عند مخترق الكؤوس
لهم من عمره شطر وشطر ... يعاقر فيه شرب الخندريس
وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس
إذا كان الرئيس كذا سقيماً ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس
فلوعلم المقيم بدار طوس ... لغز على المقيم بدار طوس
ثم وجه إلأى جمع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقواده، وقسم ما في بيوت الأموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه، وجلسائه، ومدثيه، وأمر ببناء مجالس لمنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيمأن فقال أبونواس في ذلك:
سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سرن براً ... سار في الماء راكباً ليث غاب
عجب الناس إذا رأوك على صو ... رة ليث تمر مر السحاب
سبحوا إذا رأوك سرت عليه ... كيف لوأبصروك فوق العقاب
ذات زور ومنسر وجناحي ... ن اشق العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذا ما ... استعجلوها بحية وذهاب
قال الكوثر: أمر الأمين أن يفرش له على دكان في الخلد يومأن ففرش عليها بساط زرعي، ومنارق، وفرش مثله، وهيئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد، فأصعدت إليه عشراً فاندفعن يغنين بصوت واحد:
هم قتلوه كي يكونوا مكانة ... فكما غدرت يوماً بكسرى مرازبة
فسبهن وطردهن، ثم أمرها فأصعدت عشراً غيرهن فغنينه:
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
ففعل مثل ما فعله، وأطرق طويلأن ثم قال: أصعدي عشرأن فأصعدتهن فغنين:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
فقام من مجلسه، وأمر بهدم الدكان، تطيراً مما كان.
قيل وذكر محمد الأمين عند الفضل بن سهل بخراسان، فقال: كيف لا يستحل قتل محمد وشاعره يقول في مجلسه:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً فقد أمكن الجهر

فبلغت القصة الأمين، فحبس أبا نواس؛ ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم، أومعدله، أوتجربة، حتى نذكرهأن وهذا القدر كاف.
ذكر وثوب الجند بطاهروفي هذه السنة وثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام.
وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالأن فلم يكن معه شيء، فثاروا به، فضاق بهم الأمر، وظن أن ذلك من مواطأة من الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرك من أهل الأرباض أحد، فخشي على نفسه، فهرب، ونهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف.
وكان لما قتل الأمين أمر بحفظ الأبواب، وحول زبيدة أم الأمين وولديه موسى وعبد الله معهأن وحملهم في حراقة إلى همينيا على الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما المأمون بخراسان.
فلما ثار به الجند نادوا موسى يا منصور، وبقوا كذلك يومهم، ومن الغد، فصوب الناس إخراج طاهر ولدي الأمين؛ ولما هرب طاهر إلى عقرقوف خرج معه جماعة من القواد وتعبأ لقتال الجند، وأهل الأرباض ببغداد؛ فلما بلغ ذلك القواد المتخلفين عنه والأعيان من أهل المدينة خرجوا واعتذروأن وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم، وقبول عذرهم.
فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله العظيم، عز وجل، لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأيي فيكم، ولأخرجن إلى مكروهكم! فكسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر.
وخرج إليه جماعة من مشيخة أهل بغداد، وعميرة أبوشيخ بن عميرة الأسدي، فحلفوا له أنه لم يتحرك من أهل بغداد ولا من الأبناء أحد، وضمنوا منه من وراءهم، فسكن غضبه، وعفا عنهم، ووضعت الحرب أوزارهأن واستوسق الناس في المشرق والمغرب على طاعة المأمون والانقياد لخلافته.
عميرة بفتح العين وكسر الميم.
ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلي على المأمونفي هذه السنة أظهر نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون؛ وكان نصر من بني عقثيل يسكن كيسوم، ناحية شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين، وله فيه هوى؛ فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وأهل الطمع، وقويت نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وحدثته نفسه بالتغلب عليه، فلما رأى الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عما كانت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
شبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة.
ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلادوفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل، أخا الفضل، على كل ما كان افتتحه طاهر من كور الجبال، والعراق ، وفارس، والأهواز، والحجاز، واليمن، بعد أن قتل الأمين، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه علي بن أبي طاهر سعيد، فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه، حتى وفى الجند أرزاقهم، وسلم إليه العمل.
وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ومائة، وفرق العمال، وأمر طاهراً أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث العقيلي، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى قتال نصر بن شبث، وأرسل إليه يدعوه إلى الطاعة، وترك الخلاف، فلم يجبه إلى ذلك، فتقدم إليه طاهر، والتقوا بنواحي كيسوم، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى فيه نصر بلاءً عظيمأن وكان الظفر له، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة.
وكان قصارى أمر طاهر حفظ تلك النواحي؛ وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالمسير إلى خراسان، وحج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد.
ذكر وقعة الربض بقرطبةفي هذه السنة كانت بقرطبة الوقعة المعروفة بالربض؛ وسببها أن الحكم ابن هشام الأموي، صاحبهأن كان كثير التشاغيل باللهو، والصيد، والشرب، وغير ذلك مما يجانسه؛ وكان قد قتل جماعة من أعيان قرطبة، فكرهه أهلهأن وصاروا يتعرضون لجنده بالأذى والسب، إلى أن بلغ الأمر بالغوغاء أنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان: الصلاة يا مخمور، الصلاة؛ وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف؛ فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارهأن وحفر خنادقهأن وارتبط الخيل على بابه، واستكثر المماليك، ورتب جمعاً لا يفارقون باب قصره بالسلاح، فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة، وتيقنوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم.

ثم وضع عليهم عشر الأطعمة، كل سنة، من غير حرص، فكرهوا ذلك، ثم عمد إلى عشرة من رؤساء سفهائهم، فقتلهم، وصلبهم، فهاج لذلك أهل الربض، وانضاف إلى ذلك أن مملوكاً له سلم سيفاً إلى صقيل ليصقله، فمطله، فأخذ المملوك السيف، فلم يزل يضرب الصقيل به إلى أن قتله، وذلك في رمضان من هذه السنة.
فكان أول من شهر السلاح أهل الربض، واجتمع أهل الربض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجند والأمويون والعبيد بالقصر، وفرق الحكم الخيل والأسلحة، وجعل أصحابه كتائب، ووقع القتال بين الطائفتين، فغلبهم أهل الربض، وأحاطوا بقصره، فنزل الحكم من أعلى القصر، ولبس سلاحه، وركب وحرض الناس، فقاتلوا بين يديه قتالاً شديداً.
ثم أمر ابن عمه عبيد الله، فثلم في السور ثلمة، وخرج منها ومعه قطعة من الجيش، وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم، ولم يعلموا بهم، فأضرموا النار في الربض، وانهزم أهله، وقتلوا مقتلة عظيمة، وأخرجوا من وجدوا في المنازل والدور، فأسروهم، فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوههم، فقتلهم، وصلبهم منكسين، وأقام النهب والقتل والحريق والخراب في أرباض قرطبة ثلاثة أيام.
ثم استشار الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد بن عبد المغيث، ولم يكن عنده من يوازيه في قربه، فأشار عليه بالصفح عنهم، والعفو، وأشار غيره بالقتل، فقبل قوله، وأمر فنودي بالأمان، على أنه من بقي من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتلناه وصلبناه؛ فخرج من بقي بعد ذلك منهم مستخفيأن وتحملوا على الصعب والذلول خارجين من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم، وما خف من أموالهم، وقعد لهم الجند والفسقة بالمراصد ينهبون، ومن امتنع عليهم قتلوه.
فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكف الأيدي عن حرم الناس، وجمعهن إلى مكان، وأمر بهدم الربض القبلي.
وكان بزيع مولى أمية ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن شهام محبوساً في حبس الدم بقرطبة، في رجليه قيد ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجند سأل الحرس أن يفرجوا له، فأخذوا عليه العهود إن سلم أن يعود إليهم، وأطلقوه، فخرج فقاتل قتالاً شديداً لم يكن في الجيش مثله، فلما انهزم أهل الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم، فأطلقه وأحسن إليه، وقد ذكر بعضهم هذه الوقعة سنة اثنتين ومائتين.
ذكر الوقعة بالموصل المعروفة بالميدانوفيها كانت الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل بين اليمانية والنزارية وكان سببها أن عثمان بن نعيم البجمي صار إلى ديار مضر، فشكا الأزد واليمن، وقال: إنهم يتهضموننأن ويغلبوننا على حقوقنأن واستنصرهم، فسار معه إلى الموصل ما يقارب عشرين ألفأن فأرسل إليهم علي بن الحسن الهمداني، وهوحينئذ متغلب على الموصل، فسألهم على حالهم، فاخبروه، فأجابهم إلى ما يريدون، فلم يقبل عثمان ذلك، فخرج إليهم علي من البلد في نحوأربعة آلاف رجل، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديدأن عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية، وظفر بهم علي وقتل منهم خلقاً كثيراً وعاد إلى البلد.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة خرج الحسن الهرش في جماعة من سفلة الناس معه خلق كثير من الأعراب ودعا إلى الرضى من آل محمد، وأتى النيل، فجبى الأموال ونهب القرى.
وفيها مات سفيان بن عيينة الهلالي بمكة، وكان مولده سنة تسع ومائة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن المهدي وعمره ثلاث وستون سنة؛ ويحيى بن سعيد القطان في صفر، ومولده سنة عشرين ومائة.
حوادث سنة تسع وتسعين ومائة
ذكر ظهور ابن طباطبا العلوي
وفيها ظهر أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، لعشر خلون من جمادى الآخرة، بالكوفة، يدعوإلى الرضى من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، والعمل بالكتاب والسنة، وهوالذي يعرف بابن طباطبأن وكان القيم بأمره في الحرب أبوالسرايا السري بن منصور، وكان يذكر انه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني.

وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهراً عما كان إليه من الأعمال التي افتتحهأن ووجه الحسن بن سهل إليهأن تحدث الناس بالعراق أن الفضل ابن سهل قد غلب على المأمون، وأنه أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته وقواده، وأنه يستبد بالأمر دونه، فغضب لذلك بنوهاشم ووجوه الناس، واجترأوا على الحسن بن سهل، وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة.
وقيل كان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكري الحمير، ثم قوي حاله، فجمع نفرأن فقتل رجلاً من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما معه، فطلب، فاختفى، وعبر الفرات إلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في تلك النواحي، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينية، ومعه ثلاثون فارسأن فقوده، فجعل يقاتل معه الخرمية، وأثر فيهم، وفتك وأخذ منهم غلامه أبا الشوك.
فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبوالسرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجهه أحمد طليعةً إلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين والمأمون، وكانت شجاعته قد اشتهرت، فراسله هرثمة يستميله، فمال إليه، فانتقل إلى عسكره، وقصده العرب من الجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة فصار معه نحوألفي فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير.
فلما قتل الأمين نقصه هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه، فاستأذنه في الحج، فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى، وقال لهم: اتبعوني متفرقين، ففعلوأن فاجتمع معه منهم نحومن مائتي فارس، فسار بهم إلى عين التمر، وحصر عاملهأن وأخذ ما معه من المال وفرقه في أصحابه.
وسار ، فلقي عاملاً آخر ومعه مال، على ثلاثة بغال، فأخذها وسار، فلحقه عسكر كان قد سيره هرثمة خلفه، فعاد إليهم، وقاتلهم، فهزمهم، ودخل البرية، وقسم المال بين أصحابه، وانتشر جنده، فحلق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم، فكثر جمعه، فسار نحودقوقأن وعليها أبوضرغامة العجلي، في سبع مائة فارس، فخرج إليه، فلقيه، فاقتتلوأن فانهزم أبوضرغامة، ودخل قصر دقوقأن فحضره أبوالسرايأن وأخرجه من القصر بالأمان وأخذ ما عنده من الأموال.
وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم الشروي، مولى المنصور، فقتله أبوالسرايأن وأخذ ما فيها وسار عنها؛ ثم عاد غليها بعد إدراك الغلال، فاحتوى عليهأن ثم ضجر من طول السرى في البلاد، فقصد الرقة، فمر بطوق بن مالك التغلبي وهويحارب القيسية، فأعانه عليهم، وأقام معه أربعة أشهر يقاتل على غير طمع إلا للعصبية للربعية على المضرية، فظفر طوق واقادت له قيس.
وسار عنه أبوالسرايا إلى الرقة، فلما وصلها لقيه محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبأن فبايعه، وقال له: انحدر أنت في الماء، وأسير أنا على البر، حتى نوافي الكوفة؛ فدخلاهأن وابتدأ أبوالسرايا بقصر العباس ابن موسى بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر، وكان عظيماً لا يحصى، وبايعهم أهل الكوفة.
وقيل كان سبب خروجه أن أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه، فغضب، ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبأن وأخذ الكوفة، واستوسق له أهلهأن وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب، فبايعوه، وكان العامل عليها للحسن بن سهل سليمان بن المنصور، فلامه الحسن، ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبوالسرايأن فواقعوه في قرية شاهي، فهزموه، واستباحوا عسكره، وكانت الوقعة سلخ جمادى الآخرة.
فلما كان الغد، مستهل رجب، مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، سمه أبوالسرايا؛ وكان سبب ذلك أنه لما غمن ما في عسكره زهير منع عنه أبا السرايأن وكان الناس له مطيعين، فعلم أبوالسرايا أنه لا حكم له معه، فسمه فمات، وأخذ مكانه غلاماً أمرد يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فكان الحكم إلى أبي السرايا.
ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به، ووجه الحسن بن سهل عبدوس بن محمد بن أبي خالد المرورذي، في أربعة آلاف فارس، فخرج إليه أبوالسرايأن فلقيه بالجامع لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، فقتل عبدوسأن ولم يفلت من أصحابه أحد، كانوا بين قتيل وأسير.

وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبوطالب الدراهم بالكوفة وسير جيوشه إلى البصرة، وواسط، ونواحيهمأن فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري؛ وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي الذي يقال له الأفطس، وجعل إليه الموسم؛ وولى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر؛ وولى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر؛ وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر، فسار إلى البصرة، وغلب عليهأن وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري، ووليها مع الأهواز، ووجه أبوالسرايا محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي إلى المدائن، وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن، وأقام بها وسير عسكره إلى ديالى.
وكان بواسط عبد الله بن سعيد الحرشي والياً عليها من قبل الحسن بن سهل، فانهزم من أصحاب أبي السرايا إلى بغداد، فلما رأى الحسن أن أصحابه لا يلبثون لأصحاب أبي السرايأن أرسل إلى هرثمة يستدعيه لمحاربة أبي السرايأن وكان قد سار إلى خراسان مغاضباً للحسن، فحضر بعد امتناع، وسار إلى الكوفة في شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن سعيد، فبلغ الخبر أبا السرايا وهوبقصر ابن هبيرة، فوجه جيشاً إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه، بينهما النهر، وسار علي بن سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايأن فهزمهم واستولى على المدائن.
وبلغ الخبر أبا السرايأن فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، فنزل به؛ وسار هرثمة في طلبه فوجد جماعة من أصحابه، فقتلهم، ووجه رؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ونازل هرثمة أبا السرايأن فكانت بينهما وقعة قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايأن فانحاز إلى الكوفة، ووثب ن معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم، فهدموهأن وانتهبوهأن وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا أعمالاً قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس.
وكان هرثمة يخبر الناس أنه يريد الحج، وحبس من قدم للحج من خراسان وغيرها ليكون هوأمير الموسم، ووجه إلى مكة داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكان الذي وججه أبوالسرايا إلى مكة حسين بن حسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي، ووجه أيضاً إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي، فدخلهأن ولم يقاتله بها أحد.
ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الموسم، جمع أصحاب بني العباس ومواليهم، وكان مسرور الكبير قد حج في مائتي فارس، فتعبأ للحرب، وقال لداود: أقم إلي شخصك، أوبعض ولدك، وأنا أكفيك، فقال: لا أستحل القتال في المحرم، والله لئن دخلوها في هذا الفج لأخرجن من غيره.
وانحاز داود إلى ناحية المشاش، وافترق الجمع الذي كان جمعهم، وخاف مسرور أن يقاتلهم، فخرج في أثر داود راجعاً إلى العراق، وبقي الناس بعرفة، فصلى بهم رجل من عرض الناس بغير خطبة، ودافعوا من عرفه بغير إمام.
وكان حسين بن حسن بشرف يخاف دخول مكة، حتى خرج إليه قوم أخبروه أن مكة قد خلت من بني العباس، فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة، فوقفوا ليلاً ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى بالناس الصبح، وأقام بمنى أيام الحج، وبقي بمكة إلى أن انقضت السنة، وكذلك أيضاً أقام محمد بن سليمان بالمدينة، حتى انقضت السنة.
وأما هرثمة فإنه نزل بقرية شاهي، ورد الحاج، واستدعى منصور بن المهدي إليه، وكاتب رؤساء أهل الكوفة.
وأما علي بن سعيد فإنه توجه من المدائن إلى واسط، فأخذهأن وتوجه إلى البصرة، فلم يقدر على أخذها هذه السنة.
ذكر قوة نصر بن شبث العقيليوفيها قوي أمر نصر بن شبث العقيلي، وكثر جمعه، وحصر حران، وأتاه نفر من شيعة الطالبيين، فقالوا له: قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم، وأعلقت عنهم العرب، فلوبايعت لخليفة كان أقوى لأمرك.

فقال: من أي الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب؛ فقال: أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول إنه لوخلقني ورزقني؟ قالوا: فنبايع لبعض بني أمية؛ فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدأن ولوسلك علي رجل مدبر لأعداني إدباره، وإمنا هواي في بني العباس، وإمنا حاربتهم محاماة على العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي الحسين بن مصعب بن زريق أبوطاهر بن الحسين بخراسان، وكان طاهر بالرقة، وحضر المأمون جنازته، ونزل الفضل بن سهل قبره، ووجه المأمون يعزيه بأبيه.
وفيها توفي أبوعون معاوية بن أحمد الصمادحي، مولى آل جعفر بن أبي طالب، الفقيه المغربي الزاهد.
وفيها توفي سهل بن شاذويه أبوهارون، وعبد الله بن منير الهمداني الكوفي، وكنيته أبوهاشم، وهووالد محمد بن عبد الله بن منير شيخ البخاري ومسلم.
حوادث سنة مائتين
ذكر هرب أبي السرايا
في هذه السنة هرب أبوالسرايا من الكوفة، وكان قد حصره فيها ومن معه هرثمة، وجعل يلازم قتالهم، حتى ضجروأن وتركوا القتال؛ فلما رأى ذلك أبوالسرايأن تهيأ للخروج من الكوفة، فخرج في ثمامنائة فارس، ومعه محمد بن محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمن أهلهأن ولم يتعرض إليهم؛ وكان هربه سادس عشر المحرم، وأتى القادسية وسار منها إلى السوس بخوزستان فلقي مالاً قد حمل من الأهواز، فأخذه، وقسمه بين أصحابه.
وأتاه الحسن بن علي المأموني، فأمره بالخروج من عمله، فكره قتاله فأبى أبوالسرايا إلا قتاله، فقاتله، فهزمه المأموني وجرحه، وتفرق أصحابه، وسار هوومحمد بن محمد وأبوالشوك نحومنزل أبي السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش، فأخذهم، وأتى بهم الحسن بن سهل، وهوبالنهروان، فقتل أبا السرايأن وبعث رأسه إلى المأمون، ونصبت جثته على جسر بغداد، وسير محمد بن محمد إلى المأمون.
وأما هرثمة فإنه أقام بالكوفة يوماً واحداً وعاد، واستخلف بها غسان بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان، صاحب حرس والي خراسان.
وسار علي بن سعيد إلى البصرة، فأخذها من العلويين. وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، عليه السلام، وهوالذيث يسمى زيد النار، وإمنا سمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى رجل من المسودة أحرقه؛ وأخذ أموالاً كثيرة من أموال التجار سوى أموال بني العباس؛ فلما وصل علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه، وأخذه، وبعث إلى مكة، والمدينة، واليمن جيشأن فأمرهم بمحاربة من بها من العلويين، وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر.
ذكر ظهور إبراهيم بن موسىفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، وكان بمكة، فلما بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أملاً للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء، سار منها نحومكة فأتى المشاش، فعسكر بهأن واجتمع بها إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى، وأخذ الأموال.
ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفروفي هذه السنة، في المحرم، نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها كسوة أخرى، أنفذها السرايا من الكوفة، من القز، وتتبع ودائع بني العباس وأتباعهم، وأخذهأن وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه، وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب، وهونزر حقير، وأخذ ما في خزانة الكعبة، فقسمه مع كسوتها على أصحابه.
فلما بلغه قتل أبي السرايأن ورأى تغير الناس لسوء سيرته وسيرة أصحابه، أتى هووأصحابه إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليه السلام، وكان شيخاً محبباً للناس، مفارقاً لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر، رضي الله عنه، وكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر زهدأن فلما أتوه قالوا له: تعلم منزلتك من الناس، فهلم نبايع لك بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان.

فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس، حتى غلباه على رأيه، وأجابهم، وأقاموه في ربيع الأول، فبايعوه بالخلافة، وجمعوا له الناس، فبايعوه طوعاً وكرهأن وسموه أمير المؤمنين، فبقي شهوراً وليس له من الأمر شيء، وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح فعلاً؛ فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسهأن فامتنعت منه، فأخاف زوجهأن وهومن بني مخزوم، حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارهأن وأخذها إليه مدة ثم هربت منه.
ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد، وهوابن قاضي مكة، يقال له إسحاق بن محمد، وكان جميلأن فأخذه قهرأن فلما رأى ذلك من أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم، واجتمع معهم جمع كثير، فأتوا محمد بن جعفر، فقالوا له: لنخلعنك، أولنقتلنك، أولتردن غلينا هذا الغلام! فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه، فركب إلى ابنه وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله.
ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل المشاش واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر، وأعلموه، وحفروا خندقأن وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق، ثم كره القتال، فسار نحوالعراق، فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة، إلى مكة، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل، فقالوا لإسحاق: ارجع معنأن ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم، فقاتلوا الطالبيين، فهزموهم، فأرسل محمد بن جعفر يطلب الأمان، فأمنوه، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة.
وأما محمد بن جعفر فسار نحوالجحفة، فأدركه بعض موالي بني العباس، فأخذ جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بهأن فسار نحوبلاد جهينة، فجمع بهأن وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، عند الشجرة وغيرهأن عدة دفعات، فانهزم محمد، وفقئت عينه بنشابة، وقتل من أصحابه بشر كثير، ورجع إلى موضعه.
فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي، ومن رجاء بن جميل وهوابن عمة الفضل بن سهل، فأمنه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك، فأتى مكة لعشر بقين من ذي الحجة، فخطب الناس، وقال: إنني بلغني أن المأمون مات، وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعني الناس، ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح، وأنا أستغفر الله من البيعة، وقد خلعت نفسي ن البيعة التي بايعتموني عليهأن كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، فلا بيعة لي في رقابكم.
ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه، فمات بجرجان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ما فعله إبراهيم بن موسىوفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبهأن فأخذ أموال التجار، وكسوة الكعبة وطيبهأن وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين.
فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل، وسار بهم إلى العقيلي، فصبحهم، فقاتلهم، فانهزموأن واسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فرده وأخذ الأسرى، فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط، وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق.
ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتلهلما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع فلم يأت الحسن بن سهل، وكان بالمدائن، بل سار على عقرقوف حتى أتى البردان، والنهروان، وأتى خراسان، فأتته كتب المأمون في غير موضع أن يأتي إلى الشام والحجاز، فأبى، وقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالاً منه عليه، ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه، وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل ابن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأنه لا يدعه حتى يرده إلى بغداد ليتوسط سلطانه.

فعلم الفضل بذلك، فقال للمأمون: إن هرثمة قد أثقل عليك البلاد والعباد، ودس أبا السرايأن وهومن جنده، ولوأراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز، فلم يفعل وقد جاء مشاقاً يظهر القول الشديد فإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره.
فتغير قلب المأمون، وأبطأ هرثمة إلى ذي القعدة، فلما بلغ مروخشي أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، فظن هرثمة أن قوله المقبول، فأمر المأمون بإدخاله، فلما دخل عليه قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة العلويين، ووضعت أبا السرايأن ولوشئت أن تأخذهم جميعاً لفعلت.
فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر، فلم يقبل منه، فأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه، وسحب من بين يديه، وقد أمر الفضل الأعوان بالتشديد عليه، فحبس فمكث في الحبس أياماً ثم دس إليه من قتله، وقالوا مات.
ذكر وثوب الحربية ببغدادوفيها كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل، وكان سبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون، فلما اتصل ببغداد، وسمع ما صنعه المأمون بهرثمة، بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام، وهووالي بغداد من قبله، أن ماطل الجند من الحربية أرزاقهم ولا تعطهم.
وكانت الحربية قبل ذلك حين خرج هرثمة إلى خراسان قد وثبوأن وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد، فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى الهادي خليفة المأمون ببغداد، واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به.
فدس الحسن إليهم، وكاتب قوادهم حتى يبعثوا من جانب عسكر المهدي، فحول الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيب، فنزل في عسكر المهدي، وبعث الحسن علي بن هشام في الجانب الآخر هوومحمد بن أبي خالد، ودخلوا بغداد ليلاً في شعبان، وقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة، ثم وعدهم رزق ستة اشهر، إذا أدركت الغلة، فسألوه تعجيل خمسين درهماً لكل رجل منهم ينفقونها في رمضان، فأجابهم إلى ذلك.
وجعل يعطيهم فلم يتم العطاء حتى أتاهم خبر زيد بن موسى من البصرة، المعروف بزيد النار، وكان هرب من الحبس، وكان عند علي بن سعيد، فخرج بناحية الأنبار هووأخوأبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه فأتي به إلى علي بن هشام، وهرب علي بن شهام بعد جمعة من الحربية، ونزل بصرصر لأنه لن يف لهم بإعطاء الخمسين إلى أن جاء الأضحى، وبلغهم خبر هرثمة وأخرجوه.
وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أبي خالد لأن علي بن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك، وتحول إلى الرحبية، فلم يقربهم علي، فهرب إلى صرصر، ثم هزموه من صرصر.
وقيل كان السبب في شغب الأبناء أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن علي بن ماهان الحد، فغضب الأبناء، وخرجوا.
ذكر الفتنة بالموصلوفيها وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة، فاستجارت ثعلبة بمحمد بن الحسين الهمداني، وهوأخوعلي بن الحسين، أمير البلد، فأمرهم بالخروج إلى البرية، ففعلوأن فتبعهم بنوسامة في ألف رجل إلى العوجاء، وحصروهم فيهأن فبلغ الخبر علياً ومحمداً ابني الحسين، فأرسلا الرجال إليهم، واقتتلوا قتالاً شديدأن فقتل من بني سامة جماعة، وأسر جماعة منهم، ومن بني تغلب، وكانوا معهم فحبسوا في البلد.
ثم إن أحمد بن عمروبن الخطاب العدوي التغلبي أتى محمدأن وطلب إليه المسالمة، فأجابه إلى ذلك، وصلح الأمر، وسكنت الفتنة.
ذكر الغزاة إلى الفرنجوفي هذه السنة جهز الحكم أمير الأندلس جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج بالأندلس، فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم، وتوسط بلادهم، فخربهأن ونهبها وهدم عدة من حصونهأن كلما أهلك موضعاً وصل إلى غيره، فاستنفد خزائن ملوكهم.
فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع تلك النواحي مستنصراً بهم، فاجتمعت إليه النصرانية من كل أوب، فأقبل في جموع عظيمة بإزاء عسكر المسلمين، بينهم نهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً عدة أيام، المسلمون يريدون يعبرون النهر، وهم يمنعون المسلمين من ذلك.

فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر، فعبر المشركون إليهم، فاقتتلوا أعظم قتال، فانهزم المشركون إلى النهر، فأخذهم السيف والأسر، فمن عبر النهر سلم، وأسر جماعة من كنودهم وملوكهم وقماصتهم، وعاد الفرنج ولزموا جانب النهر، يمنعون المسلمين من جوازه، فبقوا كذلك ثلاثة عشر يومأن يقتتلون كل يوم، فجاءت الأمطار، وزاد النهر، وتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم سابع ذي الحجة.
ذكر خروج البربر بناحية موروروفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور، من الأندلس، ومعه جماعة، فوصل كتاب العامل إلى الحكم بخبره، فأخفى الحكم خبره، واستدعى من ساعته قائداً من قواده، فأخبره بذلك سرأن وقال له: سر من ساعتك إلى هذا الخارجي فأتني برأسه، وإلا فرأسك عوضه، وأنا قاعد مكاني هذا إلى أن تعود.
فسار القائد إلى الخارجي، فلما قاربه سأله عنه، فأخبر عنه باحتياط كثير، واحتراز شديد، ثم ذكر قول الحكم: إن قتلته، وإلا فرأسك عوضه، فحمل نفسه على سبيل المخاطرة فأعمل الحيلة، حتى دخل عليه، وقتله، وأحضر رأسه عند الحكم، فرآه بمكانه ذلك لم يتغير منه، وكانت غيبته أربعة أيام.
فلما رأى أحسن إلى ذلك القائد، ووصله وأعلى محله.
مورور بفتح الميم وسكون الواووضم الراء وسكون الواوالثانية وآخره راء ثانية.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك علي بن موسى بن جعفر بن محمد، وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى، وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها أليون وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجيش ثانية، وفيها خالف علي بن أبي سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون إليه بسراج الخادم وقال له: إن وضع يده في يد الحسن بن سهل أوشخص إلي بمرووإلا فاضرب عنقه، فسار إليه سراج فأطاع وتوجه إلى المأمون بمرومع هرثمة، وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل لأنه قال له يا أمير الكافرين، وحج بالناس هذه السنة المعتصم، وفيها توفي القاضي أبوالبختري وهب بن وهب، ومعروف الكرخي الزاهد، وصفوان بن عيسى الفقيه، والمعافى بن داود الموصلي وكان فاضلاً عابداً.
حوادث سنة إحدى ومائتين
ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغداد
وفي هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة، فامتنع عن ذلك، فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعوللمأمون بالخلافة، فأجابهم إليه.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه قبل من إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد. فلما اتصل إخراجه من بغداد بالحسن بن سهل سار من المدائن إلى واسط تبعه محمد ابن أبي خالد بن الهندوان، مخالفاً له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي، ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي.
وكان ببغداد منصور بن المهدي، والفضل بن الربيع، وخزيمة بن خازم؛ وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من أرقة من عند طاهر، في هذه الأيام، فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل، فمضيا ومن معهما إلى قرية أبي قريش قريب واسط، ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن، في غير موضع، فهزماهم.
ولما انتهى محمد إلى دير العاقول أقام به ثلاثأن وزهير بن المسيب مقيم بإسكاف بني الجنيد، عاملاً للحسن على جوخي، وهويكاتب قواد بغداد، فركب إليه محمد، وأخذه أسيرأن وأخذ كل ماله، وسيره أسيراً إلى بغداد، وحبسه عند أبيه جعفر.
ثم تقدم محمد إلى واسط، ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل، وبها نائب للحسن، فهزمه هارون، وتبعه إلى الكوفة.
ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى الحسن بواسط، ورجع هارون إلى أبيه وقد استولى على النيل، وسار محمد وهارون نحوواسط، فسار الحسن عنهأن ونزل خلفها.
وكان الفضل بن الربيع مختفياً كما تقدم إلى الآن، فلما رأى أن محمداً قد بلغ واسطاً طلب منه الأمان فأمنه، وظهر، وسار محمد إلى الحسن على تعبئة فوجه إليه الحسن قواده وجنده، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت محمد حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير، وغمنوا مالهم، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول.

ونزل محمد بفم الصلح، وأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل رحل محمد وأصحابه، فنزلوا المنازل، فأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل ارتحلوأن حتى أتوا جبل، فأقاموا بهأن ووجه محمد ابنه عيسى إلى عرنايا، فأقام بهأن محمد بجرجرايأن فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبوزنبيل إلى بغداد، وخلف عسكره لست خون من ربيع الآخر، ومات محمد بن أبي خالد في داره سراً.
وأتى أبوزنبيل خزيمة بن خازم، فأعلمه حال أبيه، وأعلم خزيمة ذلك الناس، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، يبذل فيه القيام بأمر الحرب مقام أبيه، فرضوا به، وصار مكان أبيه؛ وقتل أبوزنبيل زهير بن المسيب من ليلته، ذبحه ذبحأن وعلق رأسه في عسكر أبيه.
وبلغ الحسن بن سهل موت محمد، فسار إلى المبارك، فأقام به، وبعث في جمادى الآخرة جيشاً له، فالتقوا بأبي زنبيل بفم الصراط، فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن إليهم، فلقوهم، فاقتتلوا ساعة، وانهزم هارون وأصحابه، فأتوا المدائن، ونهب أصحاب الحسن النيل، ثلاثة أيام، وما حولها من القرى.
وكان بنوهاشم والقواد، حين مات محمد بن أبي خالد، قالوا: نصير بعضنا خليفةً ونخلع المأمون؛ فأتاهم خبر هارون وهزيمته، فجدوا في ذلك، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي بن المجوسي الحسن بن سهل.
وقيل إن عيسى لما ساعده أهل بغداد على حرب السحن بن سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به، فبهث إليه، وبذل المصاهرة ومائة ألف دينار، والأمان له ولأهل بيته، ولأهل بغداد، وولاية أي النواحي احب، فطلب كتاب المأمون بخطه، وكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولوا رجلاً من بني هاشم، فولوا منصور بن المهدي، وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم، أويولي من أحب، فرضي به الناس.
وعسكر منصور بكلواذي، بعث غسان بن عباد بن أبي الفرج إلى ناحية الكوفة، فنزل بقصر ابن هبيرة، فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، فأخذه أسيرأن وقتل من أصحابه، وذلك لأربع خلون من رجب.
وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إلى حميد، فسار حتى أتى كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد، وكان بالنيل، فقاتله قتالاً شديداً وانهزم ابن يقطين، وقتل من أصحابه، وأسر، وغرق بشر كثير، ونهب حميد ما حول كوثى من القرى، ورجع حميد إلى النيل، وابن يقطين أقام بنهر صرصر؛ وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد من في عسكره، وكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفاً بين فارس وراجل، فأعطى الفارس أربعين درهماً والراجل عشرين درهماً.
ذكر أمر المتطوعة بالمعروفوفي هذه السنة تجردت المتطوعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكان سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذىً شديدأن وأظهروا الفسق، وقطعوا الطريق، وأخذوا النساء والصبيان علانيةً، وكانوا يأخذون ولد الرجل وأهله، فلا يقدر أن يمتنع منهم، وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم، أويصلهم، فلا يقدر على الامتناع، وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر عليهم، لأنه كان يغريهم، وهم بطانته، وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق، ولا يعدي عليهم أحد، وكان الناس معهم في بلاء عظيم.
وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل، وانتهبوها علانية، وأخذوا العين والمتاع والدواب، فباعوها ببغداد ظاهرأن واستعدى أهلها السلطان، فلم يعدهم، وكان ذلك آخر شعبان.
فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب، ومسى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إمنا في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وأنتم أكثر منهم، فلواجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق، ولعجزوا عن الذي يفعلونه؛ فقام رجل يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهل محلته، على أن يعاونوه على الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، فشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم، وامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم، فهزمهم وضرب من أخذه من الفساق، وحبسهم، ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئاً.

ثم قام بعده رجل من الحربية يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان، ويكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعمل بالكتاب والسنة، وعلق مصحفاً في عنقه، وأمر أهل محلته ونهاهم، فقبلوا منه، ودعا الناس جميعاً الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم، فأتاهم خلق عظيم فبايعوه على ذلك، وعلى القتال معه لمن خالفه، وطاف ببغداد وأسواقها؛ وكان قيام سهل لأربع خلون من رمضان وقيام الدريوش قبله بيومين أوثلاثة.
وبلغ خبر قيامهم إلى منصور بن المهي وعيسى بن محمد بن أبي خالد، فكسرهما ذلك، لأن أكثر أصحابهما كان الشطار ومن لا خير فيه؛ ودخل منصور بغداد، وكان عيسى يكاتب الحسن بن سهل في الأمان، فأجابه الحسن إلى الأمان ولأهل بغداد، وأن يعطي جنده وأهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، ورحل عيسى، فدخل بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وتفرقت العساكر، فرضي أهل بغداد بما صالح عليه، وبقي سهل على ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ذكر البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بولاية العهدفي هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ولقبه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ولبس الثياب الخضر، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بم مسوى ولي عهده من بعده.
وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً أفضل ولا أروع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمره بطرح السواد ولبس الخضرة، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وأمر عيسى بن محمداً أن يأمر من عنده من أصحابه، والجند، والقواد، وبني هاشم بالبيعة له، ولبس الخضرة، ويأخذ أهل بغداد جميعاً بذلك؛ الخلافة من ولد العباس، وإمنا هذا من الفضل بن سهل، فمكثوا كذلك أيامأن وتكلم بعضهم وقالوا: نولي بعضنأن ونخلع المأمون، فكان أشدهم فيه منصور وإبراهيم ابنا المهدي.
ذكر الباعث على البيعة لإبراهيم بن المهديوفي هذه السنة في ذي الحجة خاض الناس في البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون ببغداد.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إنكار الناس لولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى، فأظهر العباسيون ببغداد أنهم كانوا قد بايعوا لإبراهيم بن المهدي، لخمس بقين من ذي الحجة، ووضعوا يوم الجمعة رجلاً يقول: إنا نريد أن ندعوللمأمون، ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه بأننا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادي، وتخلعوا المأمون، ففعلوا ما أمروهم به، فلم يصل الناس جمعة، وتفرقوأن وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة من السنة.
ذكر فتح جبال طبرستان والديلمفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة والي طبرستان البلاذر، والشيزر، من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان، فأنزل شهريار بن شروين عنهأن وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، واسر أبا ليلى ملك الديلم.
ذكر ابتداء بابك الخرميوفيها تحرك بابك الخرمي في الجاويدانية، أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب البذ، وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد، وتفسير جاويدان الدائم الباقي، ومعنى خرم فرج، وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ينكح أمه، وأخته، وابنته، ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون مذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره.
ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقيةوفي هذه السنة سادس في ذي الحجة توفي أبوالعباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت إمارته خمس سنين ونحوشهرين.

وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر ديناراً كل سنة، فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض، فتقدم إليه رجل من الصالحين، اسمه حفص بن عمر الجزري، مع رجال من الصالحين، فنهوه عن ذلك، ووعظوه، وخوفوه العذاب في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيأن وزوال النعمة، فإن الله تعالى اسمه وجل ثناؤه (لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم فلا مرد له، ومالهم من دونه من وال) الرعد: 11.
فلم يجبهم أبوالعباس عبد اله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية المذكور إلى ما طلبوأن فخرجوا من عنده إلى القيروان، فقال لهم حفص: لوأننا نتوضأ للصلة ونصلي، ونسأل الله تعالى أن يخف عن الناس؟ ففعلوا ذلك، فما لبث إلا خمسة أيام حتى خرجت قرجة تحت أذنه، فلم ينشب أن مات منهأن وكان من أجمل زمانه، ولما مات ولي بعده أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:20 am

ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي

في هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقبوه المبارك، وكانت بيعته أول يوم من المحرم، وقيل خامسه، وخلعوا المأمون، وبايعه سائر بني هاشم، فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، فكان الذي سعى في هذا الأمر السندي، وصالح صاحب المصلى، ونصير الوصيف، وغيرهم، غضباً على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس، ولتركه لباس آبائه من السواد.
فلما فرغ من البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بهأن فشغبوا عليه، فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى السواد بقية مالهم حنطة وشعيرأن فخرجوا في قبضهأن فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد، واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه، وعسكر بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي.
وخرج عليه مهي بن علوان الحروري، وغلب على طساسيج نهر بوق والراذانين، فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق بن الرشيد، وهوالمعتصم، في جماعة من القواد، فلقوه، فاقتتلوا، فطعن رجل من أصحابه ابن الرشيد، فحامى عنه غلام تركي يقال له: اشناس، وهزم مهدي إلى حولايا.
وقيل كان خروج مهدي سنة ثالث ومائتين.
ذكر استيلاء إبراهيم على قصر ابن هبيرةوكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملاً للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور، وأبوالبط، وغسان بن أبي الفرج، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي وغيرهم، فكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد تحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميداً يكاتب إبراهيم، وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك، فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه إليه، فلم يفعل، خاف أن يسير إليه، فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره، ويسلمونه إلى إبراهيم، فلما ألح الحسن عليه بالكتب سار إليه في ربيع الآخر، وكتب أولئك القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فوجهه إليهم، فانهبوا ما في عسكر حميد فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جواري أبيه، وسار إليه وهوبعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر، وتسلمه لعشر خلون من ربيع الآخر، فقال حميد للحسن: ألم أعلمك؟ لكنك خدعت.
وعاد إلى الكوفة،فاخذ أمواله، واستعمل عليها العباس بن مسوى بن جعفر العلوي، وأمره أن يدعولأخيه علي بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك.
فلما كان الليل خرج حميد إلى الحسن، وكان الحسن قد وجه حكيماً الحارثي إلى النيل، فسار إليه عيسى بن محمد، فاقتتلوأن فانهزم حكيم، فدخل عيسى النيل، ووجه إبراهيم إلى الكوفة سعيدأن وأبا البط، لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة، فأجابه بعضهم.
وأما الغلاة من الشيعة فإنهم قالوا: إن كنت تدعونا لأخيك وحده، فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه؛ فقال: إمنا أدعوللمأمون، وبعده لأخي، فقعدوا عنه.
فلما أتاه سعيد وأبوالبط ونزلوا قرية شاهي بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر، وهوابن الذي بويع له بمكة، وبعث معهم جماعة منهم أخوأبي السرايأن فاقتتلوا ساعة، فانهزم علي بن محمد العلوي وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك ثاني جمادى الأولى؛ ثم تقدموأن فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إلى شيعة بني العباس ومواليهم، فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا أبا إبراهيم، يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد، وعلى أهل الكوفة الخضرة.
فلما كان الغد اقتتلوأن وكان كل فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه؛ فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة خرجوا إلى سعيد فسألوه الأمان للعباس وأصحابه، فأمنهم على أ ن يخرجوا من الكوفة، فأجابوه إلى ذلك، ثم أتوا العباس فأعلموه ذلك، فقبل منهم، وتحول عن داره، فشغب أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد، وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوأن وقتلوا من ظفروا به.

فأرسل العباسيون إلى سعيد، وهوبالحيرة، يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه، وأتوا الكوفة عتمة، فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، وأحرقوا ما معهم من النهب، فمكثوا عامة الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة، فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان، فانصرفوا عنهم.
فلما كان الغد دخلها سعيد وأبوالبط، ونادوا بالأمان، ولم يعرضوا إلى أحد، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده؛ واستعملوا مكانه غسان بن أبي الفرج، ثم عزلوه بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايأن واستعملوا الهول ابن أخي سعيد، فلم يول عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب الهول.
وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشمي، ونعيم بن حازم أن يسرا جميعأن ولحق بهما سعيد، وأبوالبط، والإفريقي، وعسكروا جميعاً بالصيادة، قرب واسط، عليهم جميعاً عيسى بن محمد، فكانوا يركبون، ويأتون عسكر الحسن بواسط، فلا يخرج إليهم منهم أحد، وهم متحصنون بالمدينة.
ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم، فخرجوا إليهم لأربع بقين من رجب، فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى الظهر، وانهزم عيسى وأصحابه، حتى بلغوا طرنايا والنيل، وغمنوا عسكر عيسى وما فيه.
ذكر الظفر بسهل بن سلامةوفي هد السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع، فحبسه، وعاقبه.
وكان سبب ظفره به أن سهلاً كان مقيماً ببغداد يدعوإلى الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فاجتمع إليه أهل بغداد، فلما انهزم عيسى أقبل هوومن معه نحوسهل بن سلامة، لأنه كان يذكرهم بأقبح أعمالهم، ويسميهم الفساق، فقاتلوه أيامأن حتى صاروا إلى الدروب، وأعطوا أصحابه الدراهم الكثيرة، حتى تنحوا عن الدروب، فأجابوا إلى ذلك.
فلما كان السبت لخمس بقين من شعبان، قصدوه من كل وجه، وخذله أهل الدروب لأجل الدراهم التي أخذوهأن حتى وصل عيسى وأصحابه إلى منزل سهل، فاختفى منه، واختلط بالنظارة، فلم يروه في منزله، فجعلوا عليه العيون، فلما كان الليل أخذوه، وأتوا به إسحاق بن الهادي، فكلمه، فقال: إمنا كانت دعوتي عباسية، وإمنا كنت أدعوإلى العمل بالكتاب والسنة، وأنا على ما كنت عليه أدعوكم إليه الساعة؛ فقالوا له: اخرج إلى الناس فقل لهم إن ما كنت أدعوكم إليه باطل، فخرج فقال: أيها الناس! قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة: فضربوه، وقيدوه، وشتموه، وسيروه إلى إبراهيم بن المهدي بالمدائن، فلما دخل عليه كلمه به إسحاق بن الهادي، فضربه، وحبسه، وأظهر أنه قتل خوفاً من الناس، لئلا يعلموا مكانه فيخرجوه، وكان ما بين خروجه وقبضة اثنا عشر شهراً.
ذكر مسير المأمون إلى العراق
وقتل ذي الرياستين
وفي هذه السنة سار المأمون من مروإلى العراق، واستخلف على خراسان غسان بن عبادة.
وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضي أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتنة والقتال، مذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون: مسحور، مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة.
فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة، وإمنا صيروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم، والناس ينقمون عليك مكانه، ومكان أخيه الفضل، ومكاني، ومكان بيعتك لي من بعدك.
فقال: ومن يعلم هذا؟ قال: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من وجوه العسكر؛ فأمر بإدخالهم، فدخلوأن فسألهم عما اخبره به علي بن موسى، ولم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم.

فضمن لهم ذلك، وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن أهل بغداد قد سموه الخليفة السني وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى منه، وأعلموه بما فيه الناس، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إمنا جاءه لينصحه، فقتله الفضل، وإن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه، فأخرج من الأمر كله، وجعل في زاوية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شيء، حتى ضعف أمره، وشغب عليه جنده، وأنه لوكان ببغداد لضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارهأن وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد، فإن أهلها لورأوك لأطاعوك.
فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل، فعلم الفضل بالحال، فبغتهم، حتى ضرب بعضهم، وحبس بعضهم، ونتف لحى بعضهم، فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم، فقال: أنا أدراي، ثم ارتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل، فقتلوه في الحمام، وكان قتله لليلتين خلتا من شعيان، وكان الذين قتلوه أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي، وكان عمره ستين سنة، وهربوا فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت رقابهم.
وقيل إن المأمون لما سألهم، فمنهم من قال: إن علي بن أبي سعيد ابن أخت الفضل بن سهل وضعهم عليه؛ ومنهم من أنكر ذلك فقتلهم؛ ثم أحضر عبد العزيز ين عمران، وعلياً وموسى، وخلقأن فسألهم، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل منهم، وقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن ين سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، فوصله الخبر في رمضان.
ورحل المأمون إلى العراق، فكان إبراهيم بن المهدي وعيسى وغيرهما بالمدائن، وكان أبوالبط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه، وكان المطلب بن عبد اله بن مالك قد عاد من المدائن، فاعتل بأنه مريض، فأتى بغداد وجعل يدعوفي السر إلى المأمون، على أن منصور بن المهدي خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه منصور بن المهدي، وخزيمة بن خازم، وغيرهما من القواد، وكتب المطلب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدمأن فينزل حميد نهر صرصر، وينزل علي النهروان.
فلما علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحوبغداد، فنزل زندورد منتصف صفر وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم، فاعتلوا عليه، فلما رأى ذلك بعث عيسى إليهم، فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما؛ وأما المطلب فمنعه مواليه وأصحابه، فنادى منادي إبراهيم: من أراد النهب فليأت دار المطلب، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوهأن ونهبوا دور أهله، ولم يظفروا به، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر، فلما بلغ حميداً وعلي بن هشام الخبر أخذ حميد المدائن ونزلهأن وقطع الجسر، وأقاموا بهأن وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع، ثم لم يظفر به.
ذكر قتل علي بن الحسن الهمدانيفي هذه السنة قتل علي بن الحسين الهمداني وأخوه أحمد وجماعة من أهل بيته، وكان متغلباً على الموصل.
وسبب قتله أنه خرج ومعه جماعة من قومه ومن الأزد، فلما نظر إلى رستاق نينوى والمرج قال: نعم البلاد لإنسان واحد! فقال بعض الأزد: فما نصنع نحن؟ قال: تلحقون بعمان؛ فانتشر الخبر.
ثم إن علياً اخذ رجلاً من الأزد يقال له عون بن جبلة، فبنى عليه حائطأن فمات فيه، وظهر خبره، فركبت الأزد، وعليهم السيد بن أنس، فاقتتلوأن واستنصر علي بن الحسين بخارجي يقال له مهدي بن علوان، فأتاه، فدخل البلد، وصلى بالناس، ودعا لنفسه، واشتدت الحرب، وكانت أخيراً على علي بن الحسين وأصحابه، فخرجوا عن البلد إلى الحديثة، فتبعهم الأزد إليهأن فقتلوا علياً وأخاه أحمد وجماعة من أهلهمأن وسار أخوهما محمد إلى بغداد، فنجا وعادت الأزد إلى الموصل، وغلب السيد عليها وخطب للمأمون وأطاعه.
الهمداني ها هنا نسبة إلى همدان بسكون الميم وبالدال المهملة، وهي قبيلة من اليمن.
ذكر عدة حوادثوفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل.

وفيها أيضاً زوج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضي، وزوج ابنته أم الفضل من محمد بن علي الرضي بن موسى؛ وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر ودعا لأخيه، بعد المأمون، بولاية العهد، ومضى إلى اليمن، وكان حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان قد غلب على اليمن.
وفيها في ربيع الآخر ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر، وبقيت إلى آخر الليل، وذهبت الحمرة، وبقي عمرودان أحمران إلى الصبح.
وفيها توفي أبومحمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرئ صاحب أبي عمروبن العلاء، وإمنا قيل اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي وكان يعلم ولده.
وفيها توفي سهل ذي الرياستين، بعد قتل ابنه بستة اشهر، وعاشت أمه حتى أدركت عرس بوران ابنة ابنها.
حوادث سنة ثلاث ومائتين
ذكر موت علي بن موسى الرضي
في هذه السنة مات علي بن موسى الرضي، عليه السلام؛ وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه، فمات فجأة، وذلك في آخر صفر، وكان موته بمدينة طوس، فصلى المأمون عليه، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد.
وكان المأمون لما قدمها قد أقام عند قبر أبيه؛ وقيل إن المأمون سمه في عنب، وكان علي يحب العنب، وهذا عندي بعيد.
فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن ين سهل يعلمه موت علي، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد، وبني العباس والموالي يعلمهم موته، وأنهم إمنا نقموا ببيعته، وقد مات، ويسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا إليه أغلظ جواب.
وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة.
ذكر قبض إبراهيم بن المهدي على عيسى بن محمدوفي هذه السنة، في آخر شوال، حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد.
وسبب ذلك أن عيسى كان يكاتب حميدأن والحسن بن سهل، وكان يظهر لإبراهيم الطاعة، وكان كلما قال له إبراهيم ليخرج إلى قتال أحمد يعتذر بأن الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تدرك الغلة، فلما توثق عيسى بما يريد، فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة سلخ شوال.
وبلغ الخبر إبراهيم، أبلغه هارون بن محمد أخوعيسى، وجاء عيسى إلى باب الجسر، فقال للناس: إني قد سألت حميداً ألا يدخل عملي، ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر، وباب الشام.
وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأله إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلما تكلم عيسى بما تكلم، حذر إبراهيم، وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتل عليه، فتابع الرسل بذلك، فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة، وعيسى يعتذر إليه، وينكر بعضه، فأمر به إبراهيم فضرب، وحبس، وأخذ عدة من قواده وأهله، فحبسهم ونجا بعضهم، وفيمن نجا خليفته العباس.
ومشى بعض أهله إلى بعض، وحرضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس خليفة عيسى، وكان هورأسهم، فاجتمعوأن وطردوا عامل إبراهيم على الجسر، والكرخ وغيره، وظهر الفساق والشطار، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلموا إليه بغداد.
ذكر خلع إبراهيم بن المهديوفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك ما ذكرناه من قبضة على عيسى بن محمد، على ما تقدم، فلما كاتب أصحابه، ومنهم العباس، حميداً بالقدوم عليهم، سار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده.
وخرج إليه العباس وقواد أهل بغداد، فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي كل جندي خمسين درهمأن فأجابهم إلى ذلك، ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يدعوللمأمون بالخلافة يوم الجمعة، ويخلعوا إبراهيم، فأجابوه إلى ذلك.
ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من إخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى عليه.
فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس بن محمد أبي رجاء الفقيه، فصلى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية، فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لما تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: بل أزيدكم عشرة وأعطيكم ستين درهماً لكل رجل.

فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدأن فأجابه إلى ذلك، فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، وكلم عيسى الجند، ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد، فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي، ووعد الجند أن يزيدهم على الستين، فشتموه وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة، ثم ألقى نفسه في وسطهم، حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قواده، فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه الخبر، فاغتم لذلك.
وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد اختفى من إبراهيم، كما ذكرنأن فلما قدم حميد أراد العبور إليه، فعلموا به، فأخذوه، وأحضروه عند إبراهيم، فحبسه ثلاثة أيام، ثم خلى عنه لليلة خلت من ذي الحجة.
ذكر اختفاء إبراهيم بن المهديوفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي؛ وكان سبب ذلك أن حميداً تحول فنزل عند أرحاء عبد اله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا إليه، فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن.
فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوأن فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوأن فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداد، وذلك سلخ ذي العقدة.
فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميداً واحداً بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم سقط في يديه، وشق عليه؛ وكاتب المطلب حميداً ليسلم إليه ذلك الجانب، وكان سعيد بن الساجور، وأبوالبط وغيرهمأن يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له إبراهيم فلما علم إبراهيم بأمرهم، وما اجتمع عليه قوم من أصحابه جعل يداريهم، فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة.
وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحد بدار إبراهيم، وكتب ابن الساجور إلى علي بن هشام، فركب حميد من ساعته من أرحاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين، ثم تقدم إلى مسجد كوثر، وأقبل حميد إلى دار إبراهيم فطلبوه فلم يجدوه فيها؛ فلم يزل إبراهيم متوارياً حتى جاء المأمون، وبعد ما قدم، حتى كان من أمره ما كان.
وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يومأن وكان بعده علي بن هشام على شرقي بغداد، وحميد على غربيهأن وكان إبراهيم قد أطلق سهل بن سلامة من الحبس، وكان الناس يظنونه قد قتل، فكان يدعوفي مسجد الرصافة إلى ما كان عليه، فإذا جاء الليل يرد إلى حبسه، ثم إنه أطلقه، وخلى سبيله لليلة خلت من ذي الحجة، فذهب، فاختفى، ثم ظهر بعد هرب إبراهيم، فقربه حميد، وأحسن إليه، ورده إلى أهله، فلما جاء المأمون أجازه ووصله.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة، حتى ذهب ضوءهأن وغاب أكثر من ثلثيها. ووصل المأمون إلى همدان في آخر ذي الحجة؛ وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي؛ وكانت بخراسان زلازل عظيمة، ودامت مقدرا سبعين يومأن وكان معظمها ببلخ، والجوزجان، والفارياب، والطالقان، وما وراء النهر، فخربت البلاد، وتهدمت الدور، وهلك فيها خلق كثير.
وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس، وكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل على عسكره دينار بن عبد الله، وأرسل إليهم يعرفهم أنه واصل.
وفيها ظهر بالأندلس رجل يعرف بالولد، وخالف على صاحبهأن فسير إليه جيشاً فحصروه بمدينة باجة، وكان استولى عليهأن فضيقوا عليه، فملكوها وقيد.
وفيها ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان.
وفيها توفي محمد بن جعفر الصادق بجرجان، وصلى على المأمون، وهوالذي بايعه الناس بالخلافة بالحجاز.
وفيها توفي خزيمة بن خازم التميمي في شعبان، وهومن القواد المشهورين وقد تقدم من أخباره ما يعرف به محله؛ ويحيى بن آدم بن سليمان؛ وأبوأحمد الزبيري؛ ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة؛ والنضر بن شميل اللغوي المحدث وكان ثقة.
حوادث سنة أربع ومائتين
ذكر قدوم المأمون بغداد
في هذه السنة قدم المأمون بغداد، وانقطعت الفتن، وكان قد أقام بجرجان شهرأن وجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة؛ وأقام بالنهروان ثمانية أيام، فخرج إليه أهل بيته والقواد، ووجوه الناس، وسلموا عليه.

وكان قد كتب إلى طاهر، وهوبالرقة، ليوافيه بالنهروان، فأتاه بهأن ودخل بغداد منتصف صفر، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلما قدم بغداد نزل الرصافة، ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم.
وكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنوالعباس وقواد أهل خراسان، وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك، وجلس للناس، وأحضر سواداً فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرأن وخلع على قواده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع بقين من صفر.
ولما كن سائراً قال له أحمد بن أبي خالد الأحول: يا أمير المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت قلوب الناس، فكيف يكون حالنا إذا هاج هائج، أوتحرك متحرك؟ فقال: يا أحمد صدقت، ولكن أخبرك أن الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم فلا يتوقع إلا عفونا؛ وأما المظلوم فلا يتوقع إلا أن ينتصف بنا؛ وأما الذي ليس بظالم ولا مظلوم فبيته يسعه؛ وكان الأمر على ما قال.
ذكر عدة حوادثوفيها أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفير الملحم، وهوعشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني، كيلاً مرسلاً.
وفيها واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه؛ وولى المأمون أبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحاً أخاه البصرة، واستعمل عبيد الله ابن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن أبي طالب على الحرمين؛ وحج بالناس عبيد الله بن الحسن.
وفيها انحدر السيد بن أنس الأزدي من الموصل إلى المأمون فتظلم منه محمد بن الحسن بن صالح الهمداني، وذكر أنه قتل إخوته وأهل بيته، فأحضره المأمون، فلما حضر قال: أنت السيد؟ قال: أنت السيد، يا أمير المؤمنين، وأنا ابن أنس، فاستحسن ذلك، فقال: أنت قتلت إخوة هذا؟ قال: نعم، ولوكان معهم لقتلته لأنهم أدخلوا الخارجي بلدك، وأعلوه على منبرك، وأبطلوا دعوتك، فعفا عنه، واستعمله على الموصل، وكان على القضاء بها الحسن بن موسى الأشيب.
وفي هذه السنة مات الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، وكان مولده سنة خمسين ومائة؛ والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه، أحد أصحاب أبي حنيفة، وأبوداود سليمان بن داود الطيالسي، صاحب المسند، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهشام بن محمد السائب الكلبي النسابة، وقيل مات سنة ست ومائتين.
وفيها توفي محمد بن عبيد أبي أمية، المعروف بالطنافسي، وقيل سنة خمس ومائتين.
حوادث سنة خمس ومائتين
ذكر ولاية طاهر خراسان
وفي هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق، من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداد ومعاون السواد.
وكان سبب ولايته خراسان أن طاهراً دخل على المأمون وهويشرب النبيذ، وحسين الخادم يسقيه، فلما دخل طاهر سقاه رطلين، وأمره بالجلوس، فقال: ليس لصاحب الشرطة أن يجلس عند سيده، فقال المأمون: ذلك في مجلس العامة، وأما في مجلس الخاصة فله ذلك؛ فبكى المأمون وتغرغرت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا أمير المؤمنين! لم تبكي، لا أبكى الله عينك؟ والله لقد دانت لكل البلاد، وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمرك! قال: أبكي لأمر ذكره ذل، وستره حزن، ولن يخلوأحد من شجن.
وانصرف طاهر، فدعا هارون بن جيعونة وقال له: إن أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض، فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط حسيناً الخادم مائتي ألف، وكاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون لم بكى؟ ففعل ذلك، فلما تغدى المأمون قال: اسقني يا حسين، قال: لا والله، حتى تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر، قال: وكيف عنيت بهذا الأمر، حتى سألتني عنه؟ قال: لغمي لذلك. قال: هوأمر إن خرج من رأسك قتلتك، قال: يا سيدي ومتى أخرجت لك سراً؟ قال: إني ذكرت محمداً أخي، وما ناله من الذل، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره.

فأخبر حسين طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه! فقال له: سأفعل ذلك. وركب أحمد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ما منت البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان خراسان، وهوومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتهلكه؛ فقال: لقد فكرت فيما فكرت فيه، فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك! هووالله خالع؛ قال: أنا الضامن له؛ قال: فوله، فدعا طاهراً من ساعته، فعقد له، فشخص في يومه، فنزل ظاهر البلد، فأقام شهرأن فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، وسار عن بغداد لليلة بقيت من ذي العقدة.
وقيل كان سبب ولايته أن عبد الرحمن المطوعي جمع جموعاً كثيرة بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي خراسان، فتخوفوا أن يكون ذلك لأصل عمل عليه، وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن ين سهل، وسبب ذلك أن الحسن ندبه لمحاربة نصر بن شبث، قال: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا؟ إمنا كان ينبغي أن يتوجه إليه قائد من قوادي، وصارمه.
ذكر عدة حوادثوفيها قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين بغداد من الرقة، وكان أبوه استخلفه بهأن وأمره بقتال نصر بن شبث، فلما قدم إلى بغداد جعله المأمون على الشرطة بعد مسير أبيه، وولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة، وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك.
وفيها مات السري بن الحكم بمصر، وكان واليها.
وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولاها المأمون بشير بن داود على أن يحمل كل سنة ألف ألف درهم.
وفيها مات ولي المأمون عيسى بن يزيد الجلوذي محاربة الزط، وحج بالناس عبيد الله بن الحسن أمير مكة والمدينة.
وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، فتهدمت المنازل ببغداد، وكثر الخراب بها.
وفي هذه السنة توفي يزيد بن هارون الواسطي، ومولده سنة تسع عشرة ومائة؛ والحجاج بن محمد الأعور الفقيه؛ وشبابة بن سوار الفزاري الفقيه وعبد الله بن نافع الصائغ؛ ومحاضر بن الموزع؛ وأبويحيى إبراهيم بن موسى الزيات الموصلي، سمع هشام بن عروة وغيره.
حوادث سنة ست ومائتين
ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرقة
وفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره بحرب نصر بن شبث.
وكان سبب ذلك أن يحيى بن معاذ الذي كان المأمون ولاة الجزيرة مات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد، فاستعمل المأمون عبد الله مكانه، فلما أراد توليته أحضره وقال له: يا عبد الله أستخير الله، تعالى، منذ شهر وأكثر، وأرجوأن يكون قد خار لي، ورأيت الرجل يصف ابنه لرأيه فيه، ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى، واستخلف ابنه، وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث.
فقال: السمع والطاعة، وأرجوأن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين؛ فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ومائتين، وقيل سبع ومائتين.
ولما سار استخلف على الشرطة إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب، وهوابن عمه، ولما استعمله المأمون كتب إليه أبوه طاهر كتاباً فيه كل ما يحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة وغير ذلك، وقد اثبت منه أحسنه لما فيه من الآداب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، لأنه لا يستغني عنه أحد من ملك وسوقة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته، ومراقبته، عز وجل، ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، والزم ما ألبسك من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، عز وجل، وينجيك يوم القيامة من عقابه، وأليم عذابه، فإن الله سبحانه وتعالى، قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم، ومؤاخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك فهمك، وعقلك، ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله، عز وجل، به لرشدك.

وليكن أول ما تلزم نفسك، وتنسب إليه أفعالك، المواظبة على ما افترض الله، عز وجل، عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس، فأت بها في مواقيتها على سننها وفي إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله، عز وجل، فيهأن وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، وليصدق فيه رأيك، ونيتك، واحضض عليها جماعة من معك، وتحت يد، وادأب عليها فإنهأن كما قال الله، عز وجل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت: 45 ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلافته، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخاره الله، عز وجل، وتقواه، ولزوم ما أنزل الله، عز وجل، في كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق الله، عز وجل، عليك، ولا تمل من العدل في ما أحببت أوكرهت لقريب من الناس، أوبعيد.
وآثر الفقه وأهله والدين وحملته، وكتاب الله، عز وجل، والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في الدين، والطلب له، والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلهأن ومع توفيق الله، عز وجل، يزداد العبد معرفة لله، عز وجل، وإجلالاً له، ذكراً للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك، والثقة بعدلك.
وعليك بالاقتصاد في الأمور كلهأن فليس شيء أبين نفعأن ولا أخص أمنأن ولا أجمع فضلاً منه، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، وأثره في دنياك كلهأن ولا تقصر في طلب الآخرة، والأجر، والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار في البر والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله، تعالى، ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته.
واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وأنه لن تحوط لنفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به تتم أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك.
وأحسن الظن بالله، عز وجل، تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم النعمة عليك.
ولا تتهمن أحداً من الناس فيما توليه من عملك، قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع التهم بالبداء، والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يغنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا يجدن عدوالله الشيطان في أمرك مغمزأن فإنه إمنا يكتفي بالقليل من وهنك، ويدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك.
واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعوبه الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك، ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحهأن والنظر في حوائجهم، وحمل مؤوناتهم آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة.
واخلص نيتك في جميع هذأن وتفرد بتقويم نفسك، تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع، ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله، عز وجل، جعل الدين حرزاً وعزأن ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقة الهدى.
وأقم حدود الله، عز وجل، في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك.
وإذا عاهدت عهداً فف به، وإذا وعدت خيراً فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بهأن وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص أهل المنيمة، فإن أول فساد أمورك، في عاجلها وآجلهأن تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والمنيمة خاتمتهأن لأن المنيمة لا يسلم صاحبها وقائلهأن ولا يسلم له صاحب، ولا يستتم لمطيعها أمر.

وأحب أهل الصلاح والصدق، وأعن الإشراف بالحق، وآس الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله، تعالى، وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك في ذلك رعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى.
واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة، والطيرة، والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله، عز وجل.
وأخلص لله وحده، لا شريك له، النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله، سبحانه وتعالى، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة، وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا نعم الله، عز وجل، وإحسانه، واستطاعوا بما آتاهم الله، عز وجل، من فضله.
ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك، التي تذخر وتكنز، البر، والتقوى، والمعدلة، واستصلاح الرعية، وعمارة بلدهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم؛ واعلم أن الأموال إذا كنزت، وذخرت في الخزائن لا تمنو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف مؤونة عنهم، سمت، وزكت، ومنت، وصلحت به العامة، وتزينت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين، فتلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إن فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوبت المزيد من الله، عز وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك، وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب نفساً بكل ما أردت، واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حسنتك فيه، وإمنا يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله، واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه.
وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون بورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك له، عز وجل، وارج الثواب فيه، فإن الله، سبحانه، قد أسبغ عليك نعمته، وأسبغ لديك فضله؛ واعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيراً وإحسانأن فغن الله، عز وجل، يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين.
ولا تحقرن دينأن ولا تمالئن حاسدأن ولا ترحمن فاجرأن ولا تصلن كفورأن ولا تدهنن عدواً. ولا تصدقن منامأن ولا تأمنن غدارأن ولا توالين فاسقأن ولا تبتغين عادياً، ولا تحمدن مرائيأن ولا تحقرن إنسانأن ولا تردن سائلاً فقيرأن ولا تحبن باطلأن ولا تلاحظن مضحكأن ولا تخلفن وعدأن ولا ترهقن فاجراً فجر، ولا تركبن سفهأن ولاتظهرن غضبأن ولا تمشين مرحأن ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عتاباً، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه، أومحاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا.
وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل، والرأي، والحكمة، ولاتدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل، ولاتسمعن لهم قولأن فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ، قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلأن فإن رعيتك إمنا تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ويدوم صفاء أوليائك بالإفضال عليهم، وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، والعم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه، وأن العاصي بمنزلة خزي، وهوقول الله، عز وجل: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الحشر: 9 واجعل للمسلمين كلهم من بينك حظاً ونصيبأن وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقأن وسهل طريق الجود بالحق، وارض به عملاً ومذهبأن وتفقد أمور الجند في دواوينهم، ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله، عز وجل، بذلك فاقتهم، فيقوي لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك في أمرك خلوصاً وانشراحاً.

وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، وحيطته، وإنصافه، وعنايته، وشفقته، وبره، وتوسيعه، فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلق، إن شاء الله تعالى، نجاحاً وفلاحاً.
واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ليس يعدل به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي يعدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها.
واشتد في أمر الله، عز وجل، وتورع عن النطف، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقسم، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، من رعيتك محاباة، ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت، وتأن، وراقب، وانظر الحق على نفسك، فتدبر، وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارؤف بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك.
ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله، عز وجل، بمكان عظيم، انتهاكاً لها بغير حقها؛ وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزاً ورفعةً، ولأهله توسعةً ومنعةً، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظأن ولأهل الكفر من معانديهم ذلاً وصغارأن فوزعه بين أصحابك بالحق، والعدل، والتسوية، والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب، ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلف أمراً فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مر الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضاء العامة.
واعلم أنك جعلت، بولايتك، خازنأن وحافظأن وراعيأن وإمنا سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم، وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفذه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير، والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت، وأسند إليك، ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفك عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، ودرت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة، بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل، وآلة، وقوة، وعدة، فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئاً تحمد مغبة أمرك، إن شاء الله تعالى.
واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلهأن فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه، والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح، والصنع، فأمضه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قدره وأتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك، وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله، عز وجل، بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، واكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت.
واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور يومين، فيشغلك ذلك، حتى تعرض عنه، وإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.
وانظر أحرار الناس وذوي السن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم.

وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤونتهم، وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسأن وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم.
وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم، وأراملهم، وأجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين، أعزه الله، في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضراب من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجرائد على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دوراً تؤويهم، وقواماً يرفقن بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال.
واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطل أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به من مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستثقل بما يقربه إلى اله تعالى ويلتمس رحمته.
وأكثر الإذن للناس عليك، وابرز لهم وجهك، وسكن لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك.
وإذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب نفس، والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة، إن شاء الله تعالى. واعتبر بما ترى من أمور الدنيأن ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسننه، وإقامة دينه، وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالف ما دعا إلى سخط الله، عز وجل.
واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وينفقون منهأن ولا تجمع حرامأن ولا تنفق إسرافاً.
وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم، ومخالطتهم، وليكن هواك أتباع السنن وإقامتهأن وإيثار مكارم الأمور، ومعاليهأن وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سرك، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك، وانظر عمالك الذين بحضرتك، وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك، وبصرك، وفهمك، وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله، عز وجل، فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه.
ولا تمتن على رعيتك، ولا غيرهم، بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك؛ وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك، وأسخره، فإن الله، عز وجل، مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل عيشك ما كان لله، عز وجل، رضىً، ولدينه نظامأن ولأهله عزاً وتمكينأن ولذمة وللملة عدلاً وصلاحاً؛ وأنا أسأل الله أن يحسن عونك، وتوفيقك، ورشدك، وكلاءتك، والسلام.
فلما رأى الناس هذا الكتاب تنازعوه، وكتبوه، وشاع أمره، وبلغ المأمون خبره فدعا به فقرئ عليه، فقال: ما بقى أبوالطيب يعني طاهراً شيئاً من أمر الدنيا والدين، والتدبير، والرأي، والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة، إلا وقد أحكمه وأوصى به. وأمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي؛ فسار عبد الله إلى عمله، فات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:22 am

ذكر ظفر المأمون بابن عائشة
وفيها ظفر المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم، الإمام المعروف بابن عائشة، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهي ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي.
وكان الذي أطلعه عليهم وعلى صنيعهم عمران القطربلي، وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث فمن عليهم عمران، فاخذوا في صفر، ودخل نصر بن شبث بغداد ولم يلقه أحد من الجند، فأخذ ابن عائشة، فأقيم على باب المأمون ثلاثة أيام في الشمس، ثم ضربه بالسياط، وحبسه وضرب مالك بن شاهي وأصحابه، فكتبوا للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأمر من سائر الناس فلم يعرض لهم المأمون، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء قذفوا قوماً برآء.
ثم إنه قتل ابن عائشة وابن شاهي ورجلين من أصحابهما، وكان سبب قتلهم أن المأمون بلغن أنهم يريدون أن ينقبوا السجن، وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن، فلم يدعوا أحداً يدخل عليهم، فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إليهم بنفسه، فأخذهم، فقتلهم صبرأن وصلب ابن عائشة، وهوأول عباسي صلب في الإسلام؛ ثم أنزل وكفن وصلى عليه ودفن في مقابر قريش.
ذكر الظفر بإبراهيم بن المهديوفي هذه السنة، في ربيع الأول، أخذ إبراهيم بن المهدي، وهومتنقب مع امرأتين، وهوفي زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلأن فقال: من أين أنتن، وأين تردن هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن، ولا يسألهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استرابهن، وقال: خاتم رجل له شأن، ورفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فامتنع إبراهيم، فجذبه، فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر، فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، فأمر بالاحتفاظ به إلى بكرة.
فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون والمقنعة التي تقنع بها في عنقه، والملحفة على صدره ليراه بنوهاشم والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد، فحبسه عنده؛ ثم أخرجه معه، لما سار إلى فم الصلح، إلى الحسن بن سهل، فشفع فيه الحسن، وقيل ابنته بوران.
وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم، وكان المعتصم عند المأمون، فحمل رديفاً لفرح التركي، فلما دخل على المأمون قال: هيه يا إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين! ولي الثأر محكم في القصاص والعفوأقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك.
قال: بل أعفو، يا إبراهيم، فكبر وسجد؛ وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهومتخف، فوقع المأمون في رقعته: القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفوالله، عز وجل، وهوأكبر ما يسأله، فقال إبراهيم يمدح المأمون:
يا خير من رقلت يمانية به ... بعد النبي آيس أوطامع

وأبر من عبد الإله على التقى ... غيباً وأقوله بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع
متيقظاً حذراً وما تخشى العدى ... نبهان من وسنان ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبي وأمي فدية وأبيهما ... من كل معضلة وذنب واقع
ما ألين الكنف الذي بواتني ... وطناً وأمرع ربعه للراتع
للصالحات أخاً جعلت وللتقي ... وأباً رؤوفاً للفقير القانع
نفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملاً لفضلك، والفواضل شيمة ... رفعت بناءك للمحل اليافع
فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفوولم يشفع إليك بشافع
إلا العلوعن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرجمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع
وعطفت آمرة علي كما وهى ... بعد انهياض الوثي عظم الظالع
الله يعلم ما أقول كأنها ... جهد الألية من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تقودني أسبابها إلا بنية طائع
حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن المثل جرمي غافراً ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي
رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع
أحياك من ولاك أفضل مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع
كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي
أسديتها عفواً إلى هنيئة ... وشكرت مصطنعاً لأكرم صانع
إلا يسيراً عندما أوليتني ... وهوالكبير لدي غير الضائع
إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلاً وإن تمنع فأكرم مانع
إن الذي قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم للإمام السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع
فذكر أن المأمون قال، حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهوأرحم الراحمين) يوسف: 92.
ذكر بناء المأمون ببورانوفي هذه السنة بنى المأمون ببوران ابنه الحسن بن سهل بن رمضان، وكان المأمون سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل، فنزله، وزفت إليه بوران، فلما دخل إليه المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة أم الأمين، وجدتها أم الفضل، والحسن بن سهل.
فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه، فجمع فأعطاه بوران وقال: سلي حوائجك، فأمسكت، فقالت جدتها: سلي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت؛ وسألته الإذن لأم جعفر في الحج، فأذن لهأن وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلؤية الأموية، وابتنى بها في ليلته وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً.
وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوماً، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم، وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع، ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها.
ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصرفي هذه السنة سار عبد الله بن طاهر إلى مصر، وافتتحهأن واستأمن إليه عبيد الله بن السري.

وكان سبب مسيره أن عبيد الله قد كان تغلب على مصر، وخلع الطاعة، وخرج من الأندلس، فتغلبوا على الاسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحومصر، فلما قرب منها على مرحلة قدم قائداً من قواده إليها لينظر موضعاً يعسكر فيه، وكان ابن السري قد خندق على مصر خندقأن فاتصل الخبر به من وصول القائد إلى ما قرب منه، فخرج إليه في أصحابه، فالتقى هووالقائد، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وكان القائد في قلة، فجال أصحابه، وسير بريداً إلى عبد الله بن طاهر بخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير، فلحقوا بالقائد وهويقاتل ابن السري، فلما رأى ابن السري ذلك لم يصبر بين أيديهم، وانهزم عنهم، وتساقط أكثر أصحابه في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض كان أكثر من قتله الجند بالسيف.
ودخل ابن السري مصر، وأغلق الباب عليه وعلى أصحابه، وحاصره عبد الله، فلم يعد ابن الرسي يخرج غليه، وأنفذ إليه ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار، فسيرهم ليلأن فردهم ابن طاهر وكتب إليه: لوقبلت هديتك نهاراً لقبلتها ليلاً (بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) النمل: 36 - 37. قال: فحينئذ طلب الأمان. وقيل: كان سنة إحدى عشرة.
وذكر أحمد بن حفص بن أبي الشماس قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ على بعير له، فسلم علينأن فرددنا عليه السلام، قال: وكنت أنأن وإسحاق بن إبراهيم الرافقي، وإسحاق بن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا أفره منه دابة، وأجود كسوة، قال: فجعل الأعرابي ينظر إلى وجوهنأن قال فقلت: يا شيخ قد ألححت في النظر، أعرفت شيئاً أنكرته؟ قال: لا والله، ما عرفتكم قبل يومي هذأن ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، قال: فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي، وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:
أرى كاتباً داهي الكتابة بين ... عليه، وتأديب العراق منير
له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتسيط الخراج بصير
ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي، فقال:
ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا بالرجال مكور
إخال به جبناً وبخلاً وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير
ثم نظر إلي وقال:
وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور
وأحسبه للشعر والعلم راوياً ... فبعض نديم مرة وسمير
ثم نظر إلى الأمير، وقال:
وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له في العالمين نظير
عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير
لقد عظم الإسلام منه يدي يد ... فقد عاش معروف ومات نكير
إلا إمنا عبد الإله ابن طاهر ... لنا والد بر بنأن وأمير
قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه، وأمر الشيخ بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه.
ذكر فتح عبد الله الإسكندريةوفي هذه السنة أخرج عبد الله من كان تغلب على الإسكندرية من أهل الأندلس بأمان، وكانوا قد أقلوا في مراكب من الأندلس في جمع، والناس في فتنة بن السري وغيره، فأرسلوا بالإسكندرية، ورئيسهم يدعى أبا حفص، فلم يوالوا بها حتى قدم ابن طاهر، فأرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، فأجابوه، وسألوه الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، فرحلوأن ونزلوا بجزيرة إقريطش، واستوطنوهأن وأقاموا بهأن فأعقبوا وتناسلوا.
قال يونس بن عبد الأعلى: أقبل إلينا فتى حدث من المشرق، يعني ابن طاهر، والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في بلاء، فأصلح الدنيأن وأمن البرئ، وأخاف السقيم، واستوسقت له الرعية بالطاعة.
ذكر خلع أهل قم

في هذه السنة خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج؛ فكان سببه أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام واسقط عنهم شيئاً من خارجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يبهم المأمون إلى ما سألوأن فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحارباهم فظفرا بهم، وقتل يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف ردهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف.
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادثوفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليها عبيد اله المعروف بابن البلنسي، فسار ودخل بلاد العدو، وتردد فيها بالغارات، والسبي، والقتل، والأسر، ولقي الجيوش الأعداء في ربيع الأول، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، وكثر القتل فيهم، وكان فتحاً عظيماً.
وفيها افتتح عسكر، سيره عبد الرحمن أيضأن حصن القلعة من أرض العدو، وتردد فيها بالغارات منتصف شهر رمضان.
وفيها أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع بجيان.
وفيها أخذ عبد الرحمن رهائن أبي الشماخ محمد بن إبراهيم مقدم اليمانية بتدمير، ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية، فلم ينزجروأن ودامت الفتنة، فلما رأى عبد الرحمن ذلك أمر العامل بتدمير أن ينقل منها ويجعل مرسية منزلاً ينزله العمال، ففعل ذلك، وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ذلك الوقت؛ ودامت الفتنة بينهم إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، فسير عبد الرحمن إليهم جيشأن فأذعن أبوالشماخ، وأطاع عبد الرحمن، وسار إليه، وصار من جملة قواده وأصحابه، وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير.
ذكر عدة حوادثمات في هذه السنة شهريار بن شروين صاحب جبال طبرستان، وصار في موضعه ابنه سابور. فقاتله مازيار بن قارن، فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد مازيار.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وهووالي مكة.
وفيها توفيت علية بنت المهدي، مولدها سنة ستين ومائة، وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فولدت منه.
حوادث سنة إحدى عشرة ومائتينفي هذه السنة أدخل عبيد الله بن السري بغداد، وأنزل مدينة المنصور، وأقام ابن طاهر بمصر والياً عليها وعلى الشام والجزيرة، وقال للمأمون بعض إخوته إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد علي بن أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله، فأنكر المأمون ذلك، فعاوده أخوه، فوضع المأمون رجلاً قال له: امش في هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبأن ثم صار إلى عبد الله بن طاهر غادعه إليه، واذكر له مناقبه، ورغبه فيه وابحث عن باطنه وأتني بما تسمع.
ففعل الرجل ذلك فاستجاب له جماعة من أعيانه، فقعد بباب عبد الله بن طاهر، فلما ركب قام إليه فأعطاه رقعة، فلما عاد إلى منزله أحضره، قال: قد فهمت ما في رقعتك فهات ما عندك! فقال: ولي أمانك؟ قال: نعم! فدعاه إلى القاسم، وذكر فضله وزهده وعلمه.
فقال عبد الله: أتنصفني؟ قال: نعم! قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ قال: نعم! قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحال لي خاتم في المشرق جائز، وخاتم في المغرب جائز، وفيما بينهما أمري مطاع، ثم ما ألتفت عن يميني ولا شمالي، وورائي وأمامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويداً لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلاً وكرمأن تدعوني إلى أن أكفر بهذه النعم، وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولى لهذا وأحرى، واسع في إزالة خيط عنقه، وسفك دمه، تراك لودعوتني إلى الجنة عياناً أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر إحسانه، وأنكث بيعته؟ فسكت الرجل، فقال له عبد الله: ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإن السلطان الأعظم إن بلغه ذلك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك.
فلما أيس منه جاء إلى المأمون فأخبره، فاستبشر، وقال: ذلك غرس يدي، وألف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر ذلك، ولا علمه ابن طاهر إلا بعد موت المأمون، وكان هذا القائل للمأمون المعتصم، فإنه كان منحرفاً عن عبد الله.
ذكر قتل السيد بن أنس

وفيها قتل السيد بن أنس الأزدي أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق ابن علي بن صدقة الإزدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين السيد حروب كثيرة، فلما كان هذه السنة جمع زريق جمعاً كثيرأن قيل: كانوا أربعين ألفأن وسيرهم إلى الموصل لحرب السيد، فخرج إليهم في أربعة آلاف، فالتقوا بسوق الأحد، فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فاقتتلأن فقتل كل واحد منهما صاحبه لم يقتل غيرهما.
وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق إن رأى السيد أن يحمل عليه فيقتله أويقتل دونه، لأنه كان له على زريق كل سنة مائة ألف درهم، فقيل له: بأي سبب تأخذ هذا المال؟ فقال: لأنني متى رأيت السيد قتلته، وحلف على ذلك فوفى به.
فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل.
ذكر الفتنة بين عامر ومنصور
وقتل منصور بإفريقية
وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين عامر بن نافع وبين منصور بن نصر بإفريقية، وسبب ذلك أن منصوراً كان كثير الحسد... وسار بهم من تونس إلى منصور وهوبقصره بطنبذ، فحصره، حتى فني ما كان عنده من الماء، فراسله منصور، وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إلى المشرق، فأجابه إلى ذلك، فخرج منصور أول الليل مختفياً يريد الأربس، فلما أصبح عامر ولم ير لمنصور أثراً طلبه حتى أدركه، فاقتتلوا وانهزم منصور، ودخل الأربس فتحصن بهأن وحصره عامر، ونصب عليه منجنيقاً.
فلما اشتد الحصار على أهل الأربس قالوا لمنصور: إما أن تخرج عنأن وإلا سلمناك إلى عامر، فقد أضر بنا الحصار؛ فاستمهلهم حتى يصلح أمره، فأمهلوه، وأرسل إلى عبد السلام بن المفرج، وهومن قواد الجيش، يسأله الاجتماع به، فأتاه، فكلمه منصور من فوق السور، واعتذر، وطلب منه أن يأخذ له أماناً من عامر حتى يسير إلى المشرق، فأجابه عبد السلام إلى ذلك، واستعطف له عامرأن فأمنه على أن يسير إلى تونس، ويأخذ أهله وحاشيته ويسير بهم إلى الشرق.
فخرج إليه، فسيره مع خيل إلى تونس، وأرم رسوله سراً أن يسير به إلى مدينة جربة، ويسجنه بهأن ففعل ذلك، وسجن معه أخاه حمدون.
فلما علم عبد السلام ذلك عظم عليه، وكتب عامر إلى أخيه، وهوعامله على جربة، يأمره بقتل منصور وأخيه حمدون، ولا يراجع فيهمأن فحضر عندهمأن وأقرأهما الكتاب، فطلب منصور منه دواتة وقرطاساً ليكتب وصيته، فأمر له بذلك، فلم يقدر أن يكتب، وقال: فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة، ثم قتلهمأن وبعث برأسيهما إلى أخيه، واستقامت الأمور لعامر بن نافع، ورجع عبد السلام بن المفرج إلى مدينة باجه، وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس وتوفي سلخ ربيع الآخر سنة أربع عشرة ومائتين؛ فلما وصل خبره إلى زيادة اله قال: الآن وضعت الحرب أوزارهأن وأرسل بنوه إلى زيادة الله يطلبون الأمان، فأمنهم، وأحسن إليهم.
ذكر عدة حوادثوفيها قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام، فتلقاه العباس بن المأمون، والمعتصم، وسائر الناس.
وفيها مات موسى بن حفص فولي ابنه طبرستان، وولي حاجب ن صالح السند، فهزمه بشر بن داود، فانحاز إلى كرمان.
وفيها أمر المأمون مناديأن فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أوفضله على أحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ولم.
وفيها مات أبوالعتاهية الشاعر، وحج بالناس صالح بن العباس وهووالي مكة.
وفيها خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس طوريل، فقصد جماعة من الجند قد نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتازين، فقتلهم، واخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم، فسار إليه عاملهأن وفيها مات الأخفش النحوي البصري.
وفيها مات طلق بن غنام النخعي، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وعبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي.
وفيها توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدث، وهومن مشايخ أحمد بن حنبل، وكان يتشيع.
وفيها توفي عبد الله بن داود الخربي البصري، وكان يسكن الخريبة بالبصرة، فنسب إليها.
حوادث سنة اثنتي عشرة ومائتين
ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل

في هذه السنة وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرهأن ويحارب زريق ابن علي، فسار محمد إلى الموصل، ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار نحوهم، فالتقوا في الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي مع محمد بن السيد طلباً بثأر السيد، فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، فسيره إلى المأمون.
وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ جميع مال زريق من قرى ورستاق، ومال، وغيره، فأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وأخوته، وأخبرهم بما أمر به المأمون فأطاعوا لذلك فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمرني به، وقد قبلت ما حباني منه، ورددته عليكم، فشكروه على ذلك.
ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلي بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى المأمون وسار نحوبابك الخرمي لمحاربته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خلع أحمد بن محمد العمري، المعروف بالأحمر العين، المأمون باليمن، فاستعمل المأمون على اليمن محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي وسيره إليها.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وقال هوأفضل الناس، بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك في ربيع الأول.
وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
وفيها كانت باليمن زلزلة شديدة، فكان أشدها بعدن، فتهدمت المنازل، وخربت القرى، وهلك فيها خلق كثير.
وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلد المشركين، فوصلوا إلى برشلونة، ثم ساروا إلى جرندة، وقاتل أهلها في ربيع الأول، فأقام الجيش شهرين ينهبون ويخربون.
وفيها كانت سيول عظيمة، وأمطار متتابعة بالأندلس، فخربت أكثر الأسوار بمدائن ثغر الأندلس، وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وأحكمت.
برشلونة بالباء الموحدة والراء والشين المعجمة واللام والواووالنون والهاء.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن واقد بن عبد اله الضبي، المعروف بالفريابي، وهومن مشايخ البخاري.
حوادث سنة ثلاث عشرة ومائتينوفيها ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة، والثغور والعواصم؛ وولى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك.
وفي هذه السنة خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية واليمانية، وظهرا بها، ثم وثبا بعامل المعتصم، وهوابن عميرة بن الوليد الباذغيسي، فقتلاه في ربيع الأول سنة أربع عشرة ومائتين، فسار المعتصم إلى مصر،وقاتلهمأن فقتلهما وافتتح مصر، فاستقامت أمورهأن واستعمل عليها عماله.
وفيها مات طلحة بن طاهر بخراسان.
وفيها استعمل المأمون غسان بن عباد على السند، وسبب ذلك أن بشر بن داود خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل منه شيئاً، فعزم على تولية غسان، فقال لأصحابه: أخبروني عن غسان، فإني أريده لأمر عظيم، فأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف، وهوساكت، فقال: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه لا يصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم، فمهما تخوفت عليه فإنه لن يأتي أمراً يعتذر منه، فأطني فيه، فقال: لقد مدحته على سوء رأيك فيه؛ قال: لأني كما قال الشاعر:
كفى شكراً لما أسديت أني ... صدقتك في الصديق وفي عداتي
قال: فأعجب المأمون من كلامه وأدبه.
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها قتل أهل ماردة من الأندلس عاملهم، فثارت الفتنة عندهم، فسير إليهم عبد الرحمن جيشأن فحصرهم، وفسد زرعهم وأشجارهم، فعاودوا الطاعة، وأخذت رهائنهم، وعاد الجيش بعد أن خربوا سور المدينة.
ثم أرسل عبد الرحمن إليهم بنقل حجارة السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها في عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان، وأسروا العامل عليهم، وجددوا بناء السور وأتقنوه.

فلما دخلت سنة أربع عشرة سار عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوشه إلى ماردة، ومعه رهائن أهلهأن فلما بارزها راسله أهلهأن وافتكوا رهائنهم باعامل الذي أسروه وغيره، وحصرهم، وأفسد بلدهم ورحل عنهم.
ثم سير إليهم جيشاً سنة سبع عشرة ومائتين، فحصروهأن وضيقوا عليهأن ودام الحصار، ثم رحلوا عنهم.
فلما دخلت سنة ثماني عشرة سير إليها جيشأن ففتحهأن وفارقها أهل الشر والفساد، وكان من أهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي، فحصره عبد الرحمن بن الحكم في جمع كثير من الجند، وصدقوه القتال، فهزموه وقتلوا كثيراً من رجاله، وتبعتهم الخيل في الجبل، فأفنوهم قتلاً وأسراً وتشريداً.
ومضى محمود بن عبد الجبار الماردي فيمن سلم معه من أصحابه إلى منت سالوط، فسير إليه عبد الرحمن جيشاً سنة عشرين ومائتين، فمضوا هاربين عنه إلى حلقب في ربيع الآخر منهأن فأرسل سرية في طلبهم، فقاتلهم محمود، فهزمهم، وغمن ما معهم، ومضوا لوجهتهم، فلقيهم جمع من أصحاب عبد ارحمن مصادفة، فقاتلوهم ثم كف بعضهم عن بعض، وساروأن فلقيهم سرية أخرى، فقاتلوهم، فانهزمت السرية، وغمن محمود ما فيها.
وسار حتى أتى مدينة مينة، فهجم عليها وملكهأن وأخذ ما فيها من دواب، وطعام، وفارقوهأن فوصلوا إلى بلاد المشركين، فاستولوا على قلعة لهم، فأقاموا بها خمسة أعوام ثلاثة أشهر، فحصرهم أذفونس ملك الفرنج، فملك الحصن، وقتل محموداً ومن معه، وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين في رجب، وانصرف من فيها.
وفيها توفي إبراهيم الموصلي المغني، وهوإبراهيم بن ماهان، والد إسحاق بن إبراهيم وكان كوفيأن وسار إلى الموصل، فلما عاد قيل له الموصلي، فلزمه؛ وعلي بن جبلة بن مسلم أبوالحسن الشاعر، وكان مولده سنة ستين ومائة، وكان قد أضر، ومحمد بن عرعرة بن البوند؛ وأبوعبد الرحمن المقرئ المحدث؛ وعبد الله بن موسى العبسي الفقيه، وكان شيعيأن وهومن مشايخ البخاري في صحيحه.
البوند بكسر الباء الموحدة والواووتسكين النون وآخره دال مهملة
حوادث سنة أربع عشرة ومائتين
ذكر قتل محمد الطوسي
فيها قتل محمد بن حميد الطوسي، قتله بابك الخرمي، وسبب ذلك أنه لما فرغ من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر، والآلات، والميرة، فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقاً أوعقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقأن وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبى أصحابه، وجعل على القلب محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الطائي، المعروف بأبي سعيد، وعلى الميمنة السعدي بن أسرم وعلى الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني، ووقف محمد ن حميد خلفهم في جماعة ينظر إليهم، ويأمرهم بسد خل إن رآه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد كمن لهم الرجال تحت كل صخرة.
فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ، خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس، فأمرهم أبوسعيد ومحمد بن حميد بالصبر، فلم يفعلوأن ومروا على وجوههم، والقتل يأخذهم، وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، وسارا يطلبان الخلاص، فرأى جماعة وقتالأن فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته، فقاتلهم، وقاتلوه، وضربوا فرسه بزراق، فسقط إلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه.
وكان محمد ممدحاً جوادأن فرثاه الشعراء وأكثروأن منهم الطائي، فلما وصل خبر قتله إلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال بابك فسار نحوه.
ذكر حال أبي دلف مع المأمونكان أبودلف من أصحاب محمد الأمين، وسار علي مع بن عيسى ابن ماهان إلى حرب طاهر بن الحسين، فلما قتل علي عاد أبودلف إلى همذان، فراسله طاهر بستميله، ويدعوه إلى بيعة المأمون، فلم يفعل، وقال: إن في عنقي بيعة لا أجد إلى فسخها سبيلأن ولكني سأقيم مكاني لا أكون مع أحد الفريقين إن كففت عني، فأجابه إلى ذلك، فأقام بكرج.

فلما خرج المأمون إلى الري راسل أبا دلف يدعوه إليه، فسار نحوه مجداً. وهوخائف، شديد الوجل، فقال له أهله وقومه وأصحابه: أنت سيد العرب، وكلها تطيعك، فإن كنت خائفاً فأقم، ونحن مننعك، فلم يفعل، وسار وهويقول:
أجود بنفسي دون قومي دافعاً ... لما نابهم قدماً وأغشى الدواهيا
وأقتحم الأمر المخوف اقتحامه ... لأدرك مجداً أوأعاود ثاويا
وهي أبيات حسنة؛ فلما وصل إلى المأمون أكرمه، وأحسن إليه وأمنه، وأعلى منزلته.
ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسانفي هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان فسار إليها.
وكان سبب مسيره إليها أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر، خليفة لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك، وأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل، واتصل ذلك المأمون، فأمر عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان، فسار إليهأن فلما قدم نيسابور كان أهلها قد قحطوأن فمطروا قبل وصوله إليها بيوم واحد، فلما دخلها قام إليه رجل بزبز فقال:
قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر
غيثان في ساعة لنا قدما ... فمرحباً بالأمير والمطر
فأحضره عبد اله وقال له: أشاعر أنت؟ قال: لا! ولكني سمعتها بالرقة فحفظتهأن فأحسن إليه، وجعل إليه أن لا يشتري له شيء من الثياب إلا بأمره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خرج بلال الغساني الشاري، فوجه إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد، فقتل بلال.
وفيها قتل أبوالرازي باليمن.
وفيها تحرك جعفر بن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر فرد إليها.
وفيها ولى علي بن هشام الجبل، وقم، وأصبهان، وأذربيجان.
وفيها توفي إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، عليه السلام، بالمغرب، وقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس، فولى أخاه القاسم البصرة وطنجة وما يليهما. واستعمل باقي إخوته على مدن البربرة.
وفيها سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى مدينة باجة، وكانت عاصية عليه من حين فتنة منصور إلى الآن، فملكها عنوة.
وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، من الأندلس، على صاحبها عبد الرحمن، وكان هاشم من خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلهأن فسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة، فاجتمع إليه أهل الشر وغيرهم فسار بهم إلى وادي نحوييه وأغار على البربر وغيرهم، فطار اسمه، واشتدت شوكته، واجتمع له جمع عظيم، وأوقع بأهل شنت برية.
وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسير إليه عبد الرحمن هذه السنة جيشأن فقاتلوه، فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وبقي هشام كذلك، وغلب على عدة مواضع، وجاوز بركة العجوز، وأخذت غارة خيله، فسير إليه عبد ارحمن جيشاً كثيفاً سنة ست عشرة ومائتين، فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا بمجاورة رورية، فاشتدت الحرب بينهم، ودامت عدة أيام، ثم انهزم هاشم، وقتل هووكثير ممن معه من أهل الطمع والشر وطالبي الفتن، وكفى الله الناس شرهم.
وحج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد.
وفيها توفي أبوهاشم النبيل واسمه الضحاك بن محمد الشيباني، وهوإمام في الحديث.
وفيها توفي أبوأحمد حسين بن محمد البغدادي.
حوادث سنة خمس عشرة ومائتين
ذكر غزوة المأمون إلى الروم
في هذه السنة سار المأمون إلى الوم في المحرم، فلما سار استخلف على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد، وحلوان، وكور دجلة، فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فلقيه بهأن فأجاره، وأمره بالدخول بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت عليه، فلما كان أيام الحج سار بأهله إلى المدينة فأقام بها.

وسار المأمون على طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفأن وجعفراً الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع.
وفيها عاد المعتصم من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه منويل، وعباس بن المأمون برأس عين.
وفيها توجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق؛ وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
وفيها توفي قبيصة بن عقبة السوائي، وأبويعقوب إسحاق بن الطباخ الفقيه، وعلي بن الحسن بن شقيق صاحب ابن المبارك، وثابت بن محمد الكندي العابد المحدث، وهوذة بن خليفة بن عبد اله بن عبيد الله بن أبي بكرة أبوالأشهب، وأبوجعفر محمد بن الحارث الموصلي، وأبوسليمان الداراني الزاهد توفي بداريأن ومكي بن إبراهيم التيمي البلخي ببلخ، وهومن مشايخ البخاري في صحيحه، وقد قارب مائة سنة، وأبوزيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري اللغوي النحوي، وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة.
وفيها توفي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبوسعيد الأصمعي اللغوي البصري، وقيل سنة ست عشرة، ومحمد بن عبد اله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة
حوادث سنة ست عشرة ومائتين
ذكر فتح هرقلة
في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم؛ وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفاً وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى الأولى، فأقام إلى منتصف شعبان.
وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه وبدا بنفسه، فسار إليه، ولم يقرأ كتابه، فلما دخل أرض الروم أناخ على أنطيغوأن فخرجوا على صلح؛ ثم سار إلى هرقلة، فخرج أهلها على صلح، ووجه أخاه إبا إسحاق المعتصم، فافتتح ثلاثين حصنأن ومطمورة، ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار، وقتل، وأحرق ، فأصاب سبيأن ورجع؛ ثم سار المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين، ثم ارتحل إلى دمشق.
ذكر عدة حوادثوفيها ظهر عبدوس الفهري بمصر، فوثب على عمال المعتصم، فقتل بعضهم في شعبان، فسار المأمون من دمشق إلى مصر منتصف ذي الحجة.
وفيها قدم الأفشين من برقة، فأقام بمصر.
وفيها كتب المأمون إلى أسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوأن فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قيامأن وكبروا ثلاثأن ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة.
وفيها غضب المأمون على علي بن هاشم ووجه عجيفاً وأحمد بن هاشم، وأمر بقبض أمواله وسلاحه.
وفيها ماتت أم جعفر زبيدة أم الأمين ببغداد.
وفيها تقدم غسان بن عباد من السند، ومعه بشر بن داود، مستأمنأن وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى العتكي.
وفيها هرب جعفر بن داود القمي إلى قم وخلع الطاعة بهأن وحج بالناس، في قول بعضهم، سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن عباس؛ وقيل حج بهم عبد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلد يدخله، فسار من دمشق، فقدم بغداد فصلى بالناس يوم الفطر، وسار عنهأن فحج بالناس.
وفيها توفي أبومسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني بغداد، ومحمد ابن عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب المهلبي، أمير البصرة هأن ويحيى ابن يعلي المحاربي، وإسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي.
حوادث سنة سبع عشرة ومائتينفي هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، ووصل المأمون إلى مصر في المحرم من هذه السنة، فأتي بعبدوس الفهري، فضرب عنقه، وعاد إلى الشام.

وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان سبب ذلك أن المأمون كان استعمله على أذربيجان وغيرهأن كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذه الأموال، وقتله الرجال، فوجه إليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام، وأراد قتله وإلحاق ببابك، وظفر به عجيف، وقدم به على المأمون، فقتله، وقتل أخاه حبيباً في جمادى الأولى، وطيف برأس علي في العراق، وخراسان، والشام، ومصر، ثم ألقي في البحر.
وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنهأن وترك عليها عجيفأن فخدعه أهلهأن وأسروه، فبقي عندهم ثمانية أيام، وأخرجوه، وجاء توفيل ملك الروم فأحاط بعجيف فيه، فبعث إليه الجنود، فارتحل توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان، وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة فلم يتم ذلك.
وفيها سار المأمون إلى سلغوس.
وفيها بعث علي بن عيسى القمي إلى جعفر بن داود القمي، فقتل، وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي.
وفيها توفي الحجاج بن المنهال بالبصرة، وسريج بن النعمان. سريج بالسين المهملة والجيم. وسعدان بن بشر الموصلي يروي عن الثوري.
وفيها توفي الخليل بن أبي رافع الموصلي، وكان عالماً عابدأن وأبوه جعفر بن محمد بن أبي يزيد الموصلي، وكان فاضلاً.
حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين
ذكر المحنة بالقرآن المجيد
وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والشهود والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلي سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه؛ وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وترك الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبومسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وأبوخيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه، فسألهم، وامتنحهم عن القرآن، فأجابوا جميعاً: إن القرآن مخلوق، فأعادهم إلى بغداد، فأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث، فأقروا بذلك، فخلى سبيلهم.
وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء، فأحضر إسحاق بن إبراهيم أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غامن، والذيال بن الهيثم، وسجادة، والقواريري، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي ابن جعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضي الرقة، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، وحمد بن حاتم ابن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرخان، وجماعة منهم: النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، وأبوالعوام البزار، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعاً على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمون مرتين، حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: مات تقول في القرآن؟ فقال: قد عرفت مقاتلي أمير المؤمنين غير مرة، قال: فقد تجدد من كتاب المؤمنين ما ترى؛ فقال: أقول القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذأن أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: فالقرآن شيء؟ قال: نعم؛ قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق. قال: ليس أسألك عن هذأن أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك.
فأخذ إسحاق رقعة، فقرأها عليه، ووقفه عليهأن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرداً لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا يشهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ووجه من الوجوه. قال: نعم؛ وقال للكاتب: أكتب ما قال.
ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: سمعت كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرة، وما عندي غيره، فامتحنه بالرقعة، فأقر بما فيهأن ثم قال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا قال: القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: أكتب مقالته.
ثم قال للديال نحواً من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال مثل ذلك.

ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت؛ فقرأ عليه الرقعة، فأقر بما فيهأن ثم قال: ومن لم يقل هذا الول فهوكافر، فقال: القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وأمير المؤمنين أمامنأن وبه سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله أمرنأن فصار يقيم حجنأن وصلاتنأن ونؤدي إليه زكاة أموالنأن ونجاهد معه، ونرى إمامته فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا.
قال: فالقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته. قال إسحاق: فإن هذه مقالة أمير المؤمنين. قال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها للناس، وإن خبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتني به. فإنك الثقة فيما أبلغتني عنه. قال: ما أمرني أن أبلغك شيئاً. قال أبوحسان: وما عندي إلا السمع والطاعة، فامرني أأتمر، قال: ما أمرني أن آمركم وإمنا أمرني أن أمتحنكم.
ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله ما أزيد عليهأن فامتحنه بما في الرقعة، لما أتى إلى ليس كمثله شيء قرأ: (وهوالسميع البصير) الشورى: 11، وأمسك عن: ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من أذن وبصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك: سميع بصير؟ قال: هوكما وصف نفسه. قال: فما معناه؟ قال: لا أدري أهوكما وصف نفسه.
ثم دعا بهم رجلاً رجلاً كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن وابن علية الأكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت، ووهب بن منبه، والمظفر بن مرجي، ورجلاً من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة، وابن الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله، عز وجل: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) الزخرف: 3 والقرآن محدث لقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) الأنبياء: 2.
قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم. قال: والقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول، فكتب مقالته، ومقالات القوم رجلاً رجلأن ووجهت إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمهم، ويذكر كلاً منهم، ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ويمتحنهمأن فإن أجابأن وإلا فاضرب أعناقهمأن وأما من سواهمأن فإن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم.
فأحضرهم إسحاق، وأعلمهم بما أمر به المأمون، فأجاب القوم أجمعون إلا أربعة نفر، وهم أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد ابن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة والقواريري فأطلقهما وأصر أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح على قولهمأن فشدا في الحديد، ووجها إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوا إليه، فأجابه المأمون: إنني بلغني عن بشر بن الوليد بتأويل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 106، وقد أخطأ التأويل إنما عنى الله سبحانه وتعالى هذه الآية من كان معتقداً للإيمان، مطهراً للشرك، فأما من كان معتقداً للشرك، مظهراً للإيمان، فليس هذا له.
فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق، وسيرهم جميعاً إلى العسكر، وهم: أبوحسان الزيادي، وبشر بن الوليد، والفضل بن غامن، وعلي بن مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وعلي بن الجعد، وأبوالعوام، وسجادة، والقواريري، وابن الحسن بن علي بن عاصم، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنصر بن شميل، وأبونصر التمار، وسعدويه الواسطي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبومعمر بن الهرش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبوهارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.
ذكر مرض المأمون ووصيتهوفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة.

وكان سبب مرضه ا ذكره سعد بن العلاف القارئ قال: دعاني المأمون يومأن فوجدته جالساً على جانب البذندون، والمعتصم عن يمنينه، وهما قد دليا أرجلهما في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال: ذقه! فهل رأيت أعذب منه، أوأصفى صفاء، أوأشد برداً؟ ففعلت، وقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت مثله قط، فقال: أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم؛ فقال: الرطب الأزاذ.
فبيمنا هويقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت، فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب أزاذ فأت به! فمضى، ومعه سلتان فيهما آزاذ كأمنا جني تلك الساعة، فاظهر شكراً لله تعالى، وتعجبنا جميعأن وأكلنأن وشربنا من ذلك الماء، فما قام أحد منا إلا وهومحموم، وكانت منية المأمون من تلك العلة، ولم يزل المعتصم مريضاً حتى دخل العراق، وبقيت أنا مريضاً مدة.
فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد؛ وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء، والقضاة، والقواد، وكانت وصيته، بعد الشهادة، والإقرار بالوحدانية، والبعث، والجنة، والصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، والأنبياء: إني مقر مذنب، أرجو، وأخاف إلا أني إذا ذكرت عفوالله رجوت، وإذا مت فوهوني، وغمضوني، وأسبغوا وضوئي وطهوري، وأجيدوا كفني، ثم أكثروا حمد الله على الإسلام، ومعرفة حقه عليكم في محمد، صلى الله عليه وسلم، إذ جعلنا من أمته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجلوا بي، وليصل علي أقربكم نسباً وأكبركم سنأن وليكبر خمسأن ثم احملوني، وابلغوا بي حفرتي، ولينزل بي أقربكم قرابة، وأودكم محبة.
وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي، ثم سدوا الحد باللبن، وأحثوا تراباً عليّ واخرجوا عني، وخلوني وعملي، وكلكم لا يغني عني شيئأن ولا يدفع عني مكروهأن ثم قفوا بأجمعكم، فقولوا خيراً إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون، ولا تدعوا باكية عندي فإن المعول عليه يعذب، رحم الله عبداً اتعظ، وفكر فيما حتم الله على خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء.
ثم لينظر فيه ما كنت من عز الخلافة، هل عني ذلك شيئاً إذ جاء أمر الله؟ لا والله، ولكن أضعف علي به الحساب، قيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرأن بل ليته لم يكن خلقاً.
يا أبا إسحاق ادن منين واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام، واعمل في الخلافة، إذا طوقكها الله، عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:33 am

ذكر قدوم الأفشين ببابك
في هذه السنة قدم الأفشين إلى سامرأن ومعه بابك الخرمي وأخوه عبد الله، في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان المعتصم يوجه إلى الأفشين في كل يوم، من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرأن خلعةً وفرسأن فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم، وأهل بيت المعتصم، وأنزل الأفشين بابك عنده في قصره بالمطيرة، فأتاه أحمد بن أبي دؤاد متنكرأن فنظر إلى بابك وكلمه، ورجع إلى المعتصم فوصفه له، فأتاه المعتصم أيضاً متنكراً فرآه.
فلما كان الغد قعد المعتصم واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة، فشهره المعتصم، وأمر أن يركب على الفيل، فركب عليه، واستشرفه الناس إلى باب العامة، فقال محمد بن عبد الملك الزيات:
قد خضب الفيل كعاداته ... يحمل شيطان خراسان
والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلا لذي شأن من الشأن
ثم أدخل دار المعتصم، فأمر بإحضار سياف بابك، فحضر، فأمره المعتصم أن يقطع يديه ورجليه، فقطعهأن فسقط، فأمره بذبحه، ففعل، وشق بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرأن وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى أسحاق بن إبراهيم ببغداد، وأمره أن يفعل به ما فعل بأخيه بابك، فعمل به ذلك، وضرب عنقه، وصلبه في الجانب الشرقي بين الجسرين.
قيل فكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك، سوى الأرزاق والأنزال والمعارف، في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف، فكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمس مائة إنسان، وغلب من القواد يحيى بن معاذ، وعيسى بن محمد بن أبي خالد، وأحمد بن الجنيد فأسره، وزريق بن علي بن صدقة، ومحمد بن حميد الطوسي، وإبراهيم بن الليث.
وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان، وصار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلأن ومن البنات والنساء ثلاث وعشرون امرأة.
ولما وصل الأفشين توجه المعتصم وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف يفرقها في عسكره، وعقد له على السند، وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.
ذكر خروج الروم إلى زبطرةوفي هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها.
وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق الأفشين عليه، وأشرف على الهلاك، كتب إلى ملك الروم توفيل يعلمه أن المعتصم قد وجه عساكره ومقاتليه إليه، حتى وجه خياطه، يعني جعفر بن دينار الخياط، وطباخة، يعني إيتاخ، ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك.

وظن بابك أن ملك الروم إن تحرك يكشف عنه بعض ما هوفيه بإنفاذ العساكر إلى مقاتلة الروم، فخرج توفيل في مائة ألف، وقيل أكثر، منهم من الجند نيف وسبعون ألفأن وبقيتهم أتباع، ومعهم من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة، فبلغ زبطرة، فقتل من بها من الرجال، وسبى الذؤية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج إليهم أهل الثغور من الشام والجزيرة، إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح.
ذكر فتح عموريةلما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى المعتصم، فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهوجالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وسمط خلفه شكالأن وسكة حديد، وحقيبة فيها زاده، فلم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة، وجمع العساكر، فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد وهوعبد الرحمن بن إسحاق، وشعبه بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثاً لولده، وثلثاً لله تعالى، وثلثاً لمواليه.
ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجه عجيف بن عنبسة، وعمر الفرغاني، ومحمد كوتاه، وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة لأهلهأن فوجدوا ملك الروم قد انصرف عنها إلى بلاده، بعدما فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا.
فلما ظفر المعتصم ببابك قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. فسار المعتصم من سر من رأى، وقيل كان مسيره سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين، وتجهز جهازاً لم يتجهزه خليفة قبله قط من السلاح، والعدد، والآلة، وحياض الأدم، والروايأن والقرب، وغير ذلك، وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمد ابن إبراهيم بن مصعب، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار ابن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، فلما دخل بلاد الروم نزل على نهر السن، وهوعلى سلوقية، قريباً من البحر، وبينه وبين طرسوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء.
وأمضى المعتصم الأفشين إلى سروج، وأمره بالدخول من درب الحدث، وسمى له يوماً يكون دخوله فيه، ويماً يكون اجتماعهم فيه، وسير أشناس من درب طرسوس، وأمره بانتظاره بالصفصاف، فكان مسير أشناس لثمان بقين من رجب، وقدم المعتصم وصيفاً في أثر أشناس ورحل المعتصم لست بقين من رجب.
فلما صار أشناس بمرج أسقف ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن ملك الروم بين يديه، وأنه يريد أن يكسبهم، ويأمر بالمقام إلى أن يصل إليه، فأقام ثلاثة أيام، فورد عليه كتاب المعتصم يأمره أن يوجه قائداً من قواده في سرية يلتمسون رجلاً من الروم يسألونه عن خبر الملك، فوجه أشناس عمر الفرغاني في مائتي فارس، فدخل حتى بلغ أنقرة، وفرق أصحابه في طلب رجل رومي، فأتوه بجماعة بعضهم من عسكر املك، وبعضهم من السواد، فأحضرهم عند أشناس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم أكثر من ثلاثين يوماً ينتظر مقدمة المعتصم ليواقعهم، فأتاه الخبر أن عسكراً عظيماً قد دخل بالدهم من ناحية الأرمنياق، يعني عسكر الأفشين؛ قالوا: فلما أخبر استخلف ابن خاله على عسكره، وسار يريد ناحية الأفشين، فوجه أشناس بهم إلى المعتصم، فأخبروه الخبر، فكتب المعتصم كتاباً إلى الأفشين يعلمه أن ملك الروم قد توجه إليه، ويأمره أن يقيم مكانه، خوفاً عليه من الروم، إلى أن يرد عليه كتابه، وضمن لمن يوصل كتابه إلى الأفشين عشرة آلاف درهم.
فسارت الرسل بالكتاب إلى الأفشين، فلم يروه لأنه أوغل في بلاد الروم، وكتب المعتصم إلى أشناس يأمره بالتقدم، فتقدم المعتصم من ورائه، فلما رحل أشناس نزل المعتصم مكانه، حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث مراحل، فضاق عسكر المعتصم ضيقاً شديداً من الماء والعلف.

وكان أشناس قد أسر في طريقه عدة أسرى، فضرب أعناقهم، حتى بقي منهم شيخ كبير، فقال له: ما تنتفع لقتلي، وأنت وعسكرك في ضيق، وها هنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفاً منكم، وهم بالقرب منأن معهم الطعام والشير وغيرهمأن فوجه معي قوماً لأسلمهم إليهم، وخل سبيلي! فسير معه خمسمائة فارس، ودفع الشيخ إلى مالك بن كيدر، وقال له: متى أراك هذا الشيخ سبياً كثيرأن أوغنيمة كثيرة، فخل سبيله.
فسار بهم الشيخ فأوردهم على واد وحشيش، فأمرجوا دوابهم، وشربوأن وأكلوأن وساروا حتى خرجوا من الغيضة، وسار بهم الشيخ حتى أتى جبالً، فنزله ليلأن فلما أصبحوا قال الشيخ: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل، فينظران ما فوق، فيأخذان من أدركا! فصعد أربعة، فاخذوا رجلاً وامرأة، فسألهما الشيخ عن أهل أنقرة، وهم في طرف ملاحة، فلما رأوا العسكر أدخلوا النساء والصبيان الملاحة، وقاتلوهم على طرفهأن وغمن المسلمون منهم وأخذوا من الروم عدة أسرى وفيهم من فيه جراحات عتق متقدمة، فسألوهم عن تلك الجراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع الأفشين، وذلك أن الملك لما كان معسكراً أتاه الخبر بوصول الأفشين في عسكر ضخم من ناحية الأرمنياق، واستخلف على عسكره بعض أقربائه، وسار إليهم، فواقعناهم صلاة الغداة، فهزمناهم وقتلنا رجالتهم كلهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم. فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقالتونا قتالاً شديداً حتى فرقوا عسكرنا واختلطوا بنأن فلم ندر أين الملك، وانهزمنا منهم، ورجعنا إلى معسكر الملك الذي خلقه، فوجدنا العسكر قد انتقض، وأصروا عن قرابة الملك.
فلما كان الغد جاء الملك في جماعة يسيرة فرأى عسكره قد اختل، وأخذ الذي كان استخلفه عليهم، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون أن لا يأخذوا أحداً انصرف من العسكر إلا ضربوه بالسياط، وردوه إلى مكان سماه لهم الملك، ليجتمع إليه الناس، يلقى المسلمين، وإن الملك وجه خصياً له إلى أنقرة ليحفظ أهلهأن فرآهم قد أجلوا عنهأن فكتب إلى الملك بذلك، فأمره بالمسير إلى عمورية، فرجع مالك بن كيدر بما معهم من الغنيمة والأسرى إلى عسكر أشناس، وغمنوا في طريقهم بقرأن وغمناً كثيرأن وأطلق الشيخ، فلما بلغ مالك بن كيدر عسكر أشناس أخبره بما سمع، فأعلم المعتصم بذلك، فسر به.
فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء البشير من ناحية الأفشين بخبر السلامة، وكانت الوقعة لخمس بقين من شعبان، فلما كان الغد قدم الأفشين على المعتصم وهوبأنقرة، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم جعل المعتصم العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، وعسكر الأفشين في الميمنة، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر أن يكون له ميمنة وميسرة، وأمرهم أن يحرقوا القرى، ويخربوهأن ويأخذوا من لحقوا فيهأن ثم ترجع كل طائفة إلى صاحبهأن يفعلون ذلك في ما بين أنقرة وعمورية، وبينهما سبع مرحل، ففعلوا ذلك حتى وافوا عمورية.
وكان أول من وردها أشناس، ثم المعتصم، ثم الأفشين، فداروا حولهأن وقسمها بين القواد، وجعل لكل واحد منهم أبراجاً منها على قدر أصحابه، وكان رجل من المسلمين قد أسره الروم بعمورية فتنصر، فلما رأى المسلمين خرج عليهم، فأخبر المعتصم أن موضعاً من المدينة وقع سوره في سيل أتاه، فكتب الملك إلى عامل عمورية ليعمره، فتوانى، فلما خرج الملك من القسطنطينية خاف العامل أن يرى السور خرابأن فبنى وجهه حجراً حجرأن وعمل الشرف على جسر خشب، فرأى المعتصم ذلك المكان، فأمر بضرب خيمته هناك، ونصب المجانيق على ذلك الموضع، فانفرج السور من ذلك الموضع.

فلما رأى الروم ذلك جعلوا عليه خشباً كباراً كل عود يلزق الآخر، وكان المنجنيق يكسر الخشب، فجعلوا عليه براذع، فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع تصدع السور، وكتب الخصي، وبطريق عمورية، واسمه ناطس، كتاباً إلى ملك الروم يعلمه أمر السور، وسيره مع رجلين، فأخذهما المسلمون، وسألهما المعتصم، وفتشهمأن فرأى الكتاب وفيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة، وقد كان دخوله إليها خطأن وأن ناطس عازم على أن يركب في خاصته ليلأن ويحمل على العسكر كائناً ما كان، حتى يخلص ويسير إلى الملك؛ فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر لهما ببدرة، وهي عشرة آلاف درهم، وخلع، فأسلمأن فأمر بهمأن فطافا حول عمورية، وأن يقفا مقابل البرج الذي فيه ناطس، فوقفا وعليهما الخلع، والأموال بين أيديهمأن فعرفهما ناطس ومن معه من الروم، فشتموهما.
وأمر المعتصم بالاحتياط في الحراسة ليلاً ونهارأن فلم يزالوا كذلك حتى انهدم السور ما بين برجين من ذلك الموضع، وكان المعتصم أمر أن يطم خندق عمورية بجلود الغمن المملوءة تراباً فطموه، وعمل دبابات كباراً تسع كل دبابة عشرة رجال ليدحرجوها على الجلود إلى السور، فدحرجوا واحدة منهأن فلما صارت في نصف الخندق تعلقت بتلك الجلود، فما تخلص من فيها إلا بعد شدة وجهد، وعمل سلاليم ومنجنيقات.
فلما كان الغد من يوم انهدم السور قاتلهم على الثلمة، فكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقأن فلم يمكنهم الحرب فيه، فأمدهم المعتصم بالمنجنيقات التي حول السور، فجمع بعضها إلى بعض حول الثلمنة، وأمر أن يرمي ذلك الموضع.
وكانت الحرب في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه، وأجادوا الحرب، وتقدموأن والمعتصم على دابته بإزاء الثلمة، وأشناس، والأفشين، وخواص القواد معه، فقال المعتصم: ما أحسن ما كان الحرب اليوم! وقال عمر الفرغاني: الحرب اليوم أجود منها أمس، فأمسك أشناس.
فلما انتصف النهار، وانصرف المعتصم والناس، وقرب أشناس من مضربه، ترجل له القواد، كما مانوا يفعلون، وفيهم الفرغاني، وأحمد ابن الخليل بن هشام، فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا! ايش تمشون بين يدي، كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقلون الحرب اليوم أجود منها أمس؛ كان يقاتل أمس غيركم، انصرفوا إلى مضاربكم، فلما انصرف الفرغاني، وأحمد بن الخليل، قال أحدهما للأخر: إلا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة، يعني أشناس، ما صنع اليوم؟ أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا؟ فقال الفرغاني لأحمد، وكان عنده علم من العباس بن المأمون: سيكفيك الله أمره عن قريب، فألح أحمد عليه، فأخبره، فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في أصحابه، فقال أحمد: هذا أمر أظنه لا يتم، قال الفرغاني: قد تم، وأرشده إلى الحارث السمرقندي فأتاه، فرفع الحارث خبره إلى العباس، فكره العباس أن يعلم بشيء من أمره، فأمسكوه عنه.
فلما كان اليوم الثالث كان الحرب على أصحاب المعتصم، ومعهم المغاربة والأتراك، وكان القيم بذلك إيتاخ، فقاتلوأن وأحسنوأن واستع لهم هدم السور، فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم.
وكان بطارقة الروم قد اقتسموا أبراج السور، وكان البطريق الموكل بهذه الناحية وندوأن وتفسيره ثور، فقاتل ذلك اليوم قتالاً شديدأن وفي الأيام قبله، ولم يمده ناطس، ولا غيره بأحد، فلما كان الليل مشى وندوا إلى الروم فقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلأن وإلا ذهبت المدينة؛ فلم يمدوه بأحد وقالوا: لا مندك ولا تمدنأن فعزم هووأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية، ويسلمون إليه الحصن بما فيه.

فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم أن لا يحاربوأن وقال: أريد الخروج إلى المعتصم، فخرج إليه فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة، وقد أمسك الروم عن القتال، حتى وصلوا إلى السور، والروم يقولون: لا تخشوأن وهم يتقدمون، ووندوا جالس عند المعتصم، فأركبه فرسأن وتقدم الناس حتى صاروا في الثلمة وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين بالدخول، فدخل الناس المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: ما لك؟ قال: جئت أسمع كلامك، فغدرت بي، قال المعتصم: كل شيء تريده فهولك، ولست أخالفك؛ قال: ايش تخالفني، وقد دخل الناس المدينة.
وصار طائفة كبيرة ن الروم إلى كنيسة كبيرة لهم، فأحرقها المسلمون عليهم، فهلكوا كلهم؛ وكان ناطس فر برجه، حوله أصحابه، فركب المعتصم ووقف مقابل ناطس، فقيل له: يا ناطس! هذا أمير المؤمنين، وظهر من البرج وعليه سيف، فنحاه عنه، ونزل حتى وقف بين يديه، فضربه سوطأن وسار المعتصم إلى مضربه، وقال: هاتوه! فمشى قليلأن فأمر المعتصم بحمله، وأخذ السيف الروم، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل اشرف، ونقل من سواهم، وأمر ببيع المغامن في عدة مواضع، فبيع منها في أكثر من خمسة أيام، وأمر الباقي فأحرق.
وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه، طلباً للسرعة؛ وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، طلباً للسرعة، ولما كان، في بعض الأيام، بيع المغامن، وهوالذي كان عجيف وعد الناس أن يثور فيه بالمعتصم على ما نذكره، وثب الناس على المغامن، فركب المعتصم، والسيف في يده، وسار ركضاً نحوهم، فتنحوا عنهأن وكفوا عن النهب، فرجع إلى مضربه، وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت، وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان، وأقام عليها خمسة وخمسين يوماً، وفرق الأسرى على القواد، وسار نحوطرسوس.
ذكر حبس العباس بن المأمونفي هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون، وأمر بلعنه.
وكان سبب ذلك أن عجيف بن عنبسة لما وجهه المعتصم إلى بلاد الروم لما كان ملك الروم بزبطرة، مع عمر الفرغاني ومحمد كوتاه، لم يطلق يد عجيف في النفقات، كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله، وظهر ذلك لعجيف. فوبخ العباس بن المأمون على ما تقدم من فعله عند وفاة المامون، حتى بايع المعتصم، وشجعه على أن يتلافى ما كان منه.
فقبل العباس قوله، ودس رجلاً يقال له الحراث السمرقندي، قرابة عبيد الله بن الوضاح، وكان العباس يأنس به، وكان الحارث أديباً له عقل ومداراة، فجعله العباس رسوله، وسفره إلى القواد، وكان يدور في العسكر، حتى استمال له جماعة من القواد، وبايعوه، وجماعة من خواص المعتصم، وقال لكل من بايعه: إذا أظهرنا أمرنا فليثب كل منكم بالقائد الذي هومعه، فوكل من بايعه من خواص المعتصم بقتله. ومن بايعه من خاصة الأفشين بقتله، ومن بايعه من خاصة أشناس بقتله، وكذلك غيرهم، فضمنوا له ذلك.
فلما دخل الردب، وهم يريدون أنقرة وعمورية، دخل الأفشين من ناحية ملطية، فأشار عجيف على العباس أن يثب بالمعتصم في الدرب، وهوفي قلة من الناس، فيقتله ويرجع إلى بغداد، فإن الناس يفرحون بانصرافهم إلى بغداد من الغزو، فأبى العباس ذلك، وقال: لا أفسد هذه الغزاة، حتى دخلوا بلاد الروم، وافتتحوا عمورية، فقال عجيف للعباس: يا نائم! قد فتحت عمورية، والرجل مكن، تضع قوماً ينهبون بعض الغنائم، فإذا بلغه ذلك ركب في سرعة، فتأمر بقتله هناك؛ فأبى عليه، وقال: انتظر حتى يصير إلى الدروب، ويخلوكما كان أول مرة، وهوأمر ممكن منه ها هنا.
وكان عجيف قد أمر من ينهب المتاع، ففعلوأن وركب المعتصم، وجاء ركضأن وسكن الناس، ولم يطلق العباس أحداً من أولئك الذين واعدهم، وكرهوا قتله بغير أمر العباس.
وكان الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم، وله قرابة غلام أمرد من خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمر الفرغاني، وشرب عندهم تلك الليلة، فأخبرهم خبر ركوب المعتصم، وأنه كان معه، وأمره أن يسل سيفه ويضرب كل من لقيه، فسمع عمر ذلك من الغلام، فأشفق عليه من أن يصاب، فقال: يا بني! أقلل من المقام عند أمير المؤمنين، والزم خيمتك، وإن سمعت صيحة وشغباً فلا تبرح فإنك غلام غر، ولا تعرف العساكر، فعرف مقالة عمر.

وارتحل المعتصم إلى الثغور، ووجه الأفشين ابن الأقطع، وأمره أن يغير على بعض المواضع، ويوافيه في الطريق، فمضى وأغار، وعاد إلى العسكر في بعض المنازل ومعه الغنائم، فنزل بعسكر الأفشين، وكان كل عسكر على حدة، فتوجه عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل من عسكر أشناس إلى عسكر الأفشين ليشتريا من السبي شيئأن فلقيهما الأفشين فترجلأن وسلما عليه، وتوجها إلى الغنيمة، فرآهما صاحب أشناس، فأعلمه بهمأن فأرسل أشناس إليهما بعض أصحابه لينظر ما يصنعان، فجاء فرآهما وهما ينتظران بيع السبي، فرجع فأخبر أشناس الخبر، فقال أشناس لحاجبه: قل لهما يلزما العسكر، وهوخير لهمأن فاغتما لذلك، واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، فأتياه وقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، فضمنا إلى من شاء، فإن هذا الرجل يستخف بنأن قد شتمنأن وتوعدنأن نحن نخاف أن يقدم علينا فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أراد.
فأنهى ذلك إلى المعتصم، واتفق الرحيل، وسار أشناس والأفشين مع المعتصم، فقال لأشناس: أحسن أدب عمر وأحمد، فإنهما قد حمقا أنفسهما! فجاء أشناس إلى عسكره، فأخذهمأن وحبسهمأن وحملهما على بغل، حتى صارا بالصفصاف، فجاء ذلك الغلام، وحكى للمعتصم ما سمع من عمر الفرغاني في تلك الليلة، فأنفذ المعتصم بغأن وأخذ عمر من عند أشناس، وسأله عن الذي قاله لغلام، فأنكر ذلك، وقال: إنه كان سكران، ولم يعلم ما قلت، فدفعه إلى إيتاخ؛ وسار المعتصم، فأنفذ أحمد بن الخليل إلى أشناس يقول له: إن عندي نصيحة لأمير المؤمنين، فبعث إليه يسأله عنهأن فقال: لا أخبر بها إلا أمير المؤمنين، فحلف أشناس: إن هولم يخبرني بهذه النصيحة لأضربنه بالسياط حتى يموت.
فلما سمع ذلك أحمد حضر عند أشناس، وأخبره خبر العباس بن المأمون، والقواد، والحارث السمرقندي، فأنفذ أشناس، وأخذ الحارث وقيده وسيره إلى المعتصم، وكان قد تقدم، فلما دخل على المعتصم أخبره بالحال جميعه، وبجميع من بايعهم من القواد وغيرهم، فأطلقه المعتصم، وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم.
وأحضر المعتصم العباس بن المأمون وسقاه حتى سكر، وحلفه أن لا يكتمه من أمره شيئأن فشرح له أمره كله مثل ما شرح الحارث، فأخذه وقيده وسلمه إلى الأفشين، فحبسه عنده.
وتتبع المعتصم أولئك القواد، وكانوا يحملون في الطريق على بغال بلا وطاء، وأخذ أيضاً الشاه بن سهل، وهومن أهل خراسان، فقال له المعتصم: يابن الزاني! أحسنت إليك فلم تشكر؛ فقال: ابن الزانية هذأن وأومأ إلى العباس، وكان حاضرأن لوتركني ما كنت الساعة تقدر أن تجلس هذا المجلس، وتقول هذا الكلام! فأمر به فضربت عنقه، وهوأول من قتل منهم، ودفع العباس إلى الأفشين.
فلما نزل منبج طلب العباس بن المأمون الطعام، فقدم إليه طعام كثير، فأكل ومنع الماء، وأدرج في مسح، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته.
وأما عمر الفرغاني فلما وصل المعتصم إلى نصيبين حفر له بئرأن وألقاه فيها وطمها عليه.
وأما عجيف فمات بباعيناثا من بلد الموصل، وقيل بل أطعم طعاماً كثيرأن ومنع الماء، حتى مات بباعيناثا.
وتتبع جميعهم، فلم يمض عليهم إلا أيام قلائل حتى ماتوا جميعاً، ووصل المعتصم إلى سامرا سالمأن فسمى العباس يومئذ اللعين، وأخذ أولاد المأمون من سندس، فحبسهم في داره حتى ماتوا بعد. ومن أحسن ما يذكر أن محمد بن علي الإسكافي كان يتولى إقطاع عجيف، فرفع أهله عليه إلى عجيف، فأخذه، وأراد قتله، فبال في ثيابه خوفاً من عجيف، ثم شفع فيه، فقيده وحبسه، ثم سار إلى الروم، وأخذه المعتصم، كما ذكرنأن وأطلق من كان في حبسه، وكانوا جماعة نهم الإسكافي، ثم استعلم على نواح بالجزيرة، ومن جملتها باعيناثا. قال: فخرجت يوماً إلى تل باعيناثأن فاحتجت إلى الوضوء، فجئت إلى تل فلبت عليه، ثم توضأت ونزلت، وشيخ باعيناثا ينتظرني، فقال لي: في هذا التل قبر عجيف، وأرانيه، فإذا أنا قد بلت عليه، وكان بين الأمرين سنة لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.
ذكر وفاة زيادة الله بن الأغلب وابتداء ولاية أخيه الأغلب

في هذه السنة رابع عشر رجب توفي زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، وكان عمره إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولي بعده أخوه أبوعفان الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب، فأحسن إلى الجند، وأزال مظالم كثيرة، وزاد العمال في أرزاقهم، وكف أيديهم عن الرعية، وقطع النبيذ والخمر عن القيروان، وسير سرية سنة أربع وعشرين ومائتين إلى صقلية فغمنت وسلمت.
وفي سنة خمس وعشرين ومائتين استأمن عدة حصون من جزيرة صقلية إلى المسلمين، منها: حصن البلوط، وابلاطنو، وقرلون، ومرو، وسار أسطول المسلمين إلى قلورية ففتحهأن ولقوا أسطول صاحب القسطنطيية، فهزموه بعد قتال، فعاد الأسطول إلى القسطنطينية مهزومأن فكان فتحاً عظيماً.
وفي سنة ست وعشرين ومائتين سارت سرية للمسلمين بصقلية إلى قصر يانة، فغمنت، وأحرقت وسبت، فلم يخرج إليها أحد، فسارت إلى حصن الغيران، وهوأربعون غارأن فغمنت جميعهأن وتوفي الأمير أبوعفان فيها على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثورح في هذه السنة، في شوال، إسحاق بن إبراهيم، جرحه خادم له، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشاً إلى ألبة، والقلاع، فنزلوا حصن الغرات، وحصوره، وغمنوا ما فيه، وقتلوا أهله، وسبوا النساء والذؤية وعادوا.
حوادث سنة أربع وعشرين ومائتين
ذكر مخالفة مازيار بطبرستان
في هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن هرمز الخلاف على المعتصم بطبرستان، وعصى وقاتل عساكره.
وكان سببه أن مازيار كان منافراً عبد الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه، وكان المعتصم يأمره بحمله إلى عبد الله، فيقول: لا أحمله إلا إليك، وكان المعتصم ينفذ من يقبضه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه إلى وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان.
وعظم الشر بين مازيار وعبد الله، وكان عبد الله يكتب إلى المعتصم، حتى استوحش من مازيار، فلما ظفر الأفشين ببابك، وعظم محله عند المعتصم، طمع في ولاية خراسان، فكتب إلى مزيار يستميله، ويظهر له المودة، ويعلمه أن المعتصم قد وعده ولاية خراسان، ورجا أنه إذا خالف مازيار سيره المعتصم إلى حربه، وولاه خراسان، فحمل ذلك مازيار على الخلاف، وترك الطاعة، ومنع جبال طبرستان، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربته، وكتب الأفشين إلى مازيار يأمره بمحاربة عبد الله، وأعمله أنه يكون له عند المعتصم كما يجب، ولا يشك الأفشين أن مازيار يقوم في مقابلة ابن طاهر، وأن المعتصم يحتاج إلى إنفاذه وإنفاذ عساكر غيره.
فلما خالف دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرهأن واخذ الرهائن فحبسهم، وأمر أكرة الضياع بانتهاب أربابها.
وكان مازيار أيضاً يكاتب بابك، واهتم مازيار بجمع الأموال من تعجيل الخراج وغيره، وفجبى في شهرين ما كان يؤخذ في سنة، ثم أمر قائداً له يقال له سرخاستان، فأخذ أهل آمل، وأهل سارية جميعهم، فنقلهم إلى جبل على النصف ما بين سارية وآمل، يقال له هرمزاباذ، فحبسهم فيه، وكانت عدتهم عشرين ألفأن فلما فعل ذلك تمكن من أمره، وأمر بتخريب سور آمل، وسور سارية، وسور طميس، فخربت الأسوار.
وبني سرخاستان سوراً من طميس إلى البحر، مقدار ثلاثة أميال، كانت الأكاسرة بنته لتمنع الترك من الغارة على طبرستان، وجعل له خندقأن ففزع أهل جرجان، وخافوأن فهرب بعضهم إلى نيسابور، فأنفذ عبد الله ابن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب في جيش كثيف لحفظ جرجان، وأمره أن ينزل على الخندق الذي عمله سرخاستان، فسار حتى نزله، وصار بينه وبين سرخاستان صاحب الخندق، ووجه أيضاً ابن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم، ومعه الحسن ابن قارن الطبري، ومن كان عنده من الطبرية، ووجه المنصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند.

فلما أحدقت الخيل بمازيار من كل جانب كان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين، حتى استأنس بعضهم ببعض، فتوامر بعض أصحاب الحسن في دخول السور، فدخلوه إلى أصحاب سرخاستان على غفلة من الحسن، ونظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروأن وبلغ الخبر إلى الحسن، فجعل يصيح بالقوم، ويمنعهم خوفاً عليهم، فلم يقفوأن ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان؛ وانتهى الخبر إلى سرخاستان، وهوفي الحمام، فهرب في غلالة، وحيث رأى الحسن أن أصحابه قد دخلوا السور قال: اللهم إنهم عصوني وأطاعوك، فانصرهم.
وتبعهم أصحابه حتى دخلوا إلى الدرب من غير مانع، واستولوا على عسكر سرخاستان، وأسر أخوه شهريار، ورجع الناس عن الطلب لما أدركهم الليل، فقتل الحسن شهريار، وسار سرخاستان حافياً فجهده العطش، فنزل عن دابته، وشدهأن فبصر به رجل من أصحابه، وغلام اسمه جعفر، وقال سرخاستان: يا جعفر! تسقني ماء، فقد هلكت عطشاً؛ فقال: ليس عندي ما أسقيك فيه.
قال جعف: واجتمع إلي عدة من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنأن فلم لا نتقرب إلى السلطان به، ونأخذ لأنفسنا الأمان؟ فثاورناه، وكتفناه، فقال لهم: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني، فإن العرب لا تعطيكم شيئاً؛ فقالوا: أحضرها! فقال: سيروا معي إلى المنزل لتقبضوهأن وأعطيكم المواثيق على الوفاء، فلم يفعلوأن وساروا به نحوعسكر المعتصم، ولقيتهم خيل الحسن بن الحسين، فضربوهم، وأخذوه منهم، وأتوا به الحسن، فأمر به فقتل.
وكان عند سرخاستان رجل من أهل العراق يقال له أبوشاس يقول الشعر، وهوملازم له ليتعلم منه أخلاق العرب، فلما هجم عسكر العرب على سرخاستان انتهبوا جميع ما لأبي شاس، وخرج، واخذ جرة فيها ماء، واخذ قدحأن وصاح: الماء للسبيل، وهرب، فمر بمضرب كاتب الحسن، فعرفه أصحابه، فادخلوه إليه، فأكرمه وأحسن إليه، وقال له: قل شعراً تمدح به الأمير، فقال: والله ما بقي في صدري شيء من كتاب الله من الخوف، فكيف أحسن الشعر؟ ووجه الحسن برأس سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر؛ وكان حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر قد أقبل مع الحسن، كما ذكرنأن وهوبناحية طميس، وكاتب قارن بن شهريار، وهوابن أخي مازيار، ورغبه في المملكة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار، وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن، ومعه عدة من قواده، فلما استماله حيان ضمن له قارن أن يسلم إليه الجبال ومدينة سارية إلى حدود جرجان، على هذا الشرط، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، فأجابه إلى كل ما سأل، وأمر حيان أن لا يوغل حتى يستدل على صدق قارن، وهوأخومازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما وضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب في اصحبه حتى دخل جبال قارن.
وبلغ الخبر مازيار فاغتم لذلك، فقال له القوهيار: في حبسك عشرون ألفاً من بين حائك، وإسكاف، وحداد، وقد شغلت نفسك بهم، وإمنا أتيت من مأمنك وأهل بيتك، فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأطلق مازيار جميع من في حبسه، ودعا جماعة من أعيان أصحابه، وقال لهم: إن بيوتكم في السهل، وأخاف أن يؤخذ حرمكم وأموالكم، فانطلقوا وخذوا لأنفسكم أماناً ففعلوا ذلك.
ولما بلغ أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية، فهرب منهمن وفتح الناس السجن، وأخرجوا من فيه؛ وأتى حيان إلى مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان مع محمد بن موسى بن حفص يطلب الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجده ليسلم إليه مازيار، فحضر عند حيان ومعه أحمد ابن الصقر، وأبلغاه الرسالة، فأجاب إلى ذلك.
فلما رجعا رأى حيان تحت أحمد فرساً حسنأن فأرسل إليه وأخذه منه، فغضب أحمد من ذلك وقال: هذا الحائك العبد يفعل بشيخ مثلي ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن ابن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع إليه أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بتركك إياه، وبميلك إلى عبد من عبيده؟

فكتب إليه قوهيار: أراني قد غلطت في أول الأمر، وعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويستبيح دمي ومنزلي وأموالي، وإن قاتلته، فقتلت من أصحابه، وجرت الدماء فسد كل ما عملناه، ووقعت الشحناء.
فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلاً من أهلك، وأكتب إليه أنه قد عرضت علة منعتني عن الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام، فإن عوفيت، وإلا سرت إليك في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك، فأجابه إليه، وكتب أحمد بن الصقر، ومحمد بن موسى بن حفص إلى الحسن بن الحسين وهوبطميس: أن اقدم علينا لندفع إليك مازيار والخيل، وإلا فاتك؛ ووجها الكتاب إليه مع من يستحثه.
فلما وصل الكتاب ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، وانتهى إلى سارية، فلما أصبح تقدم إلى خرماباذ، وهوالموعد بين قوهيار وحيان، وسمع حيان وقع طبول الحسن، وفتلقاه على فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع ها هنا؟ ولم توجه إلى هذا الموضع؟ وقد فتحت جبال شروين وتركتهأن فما يؤمنك أن يغدر أهلهأن فينتقض جميع مات عملنا؟ ارجع إليهم حتى لا يمكنهم الغدر إن هموا به. فقال حيان: أريد أن أحمل أثقالي وآخذ أصحابي؛ فقال له الحسن: سر أنت، فأنا باعث بأثقالك وأصحابك.
فخرج حيان من فوره، كما أمره، وأتاه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بكور، وهي من جبال وندادهرمز، وهي أحصنهأن وكانت أموال مازيار بهأن فأمر عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد من الأموال والجبال، فاحتمل قارن مما كان بها وبغيرها من أموال مازيار وسرخستان، وانتقض على حيان ما كان عمله بسبب شرهه إلى ذلك الفرس، وتوفي بعد ذلك حيان، فوجه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين ين مصعب، وسار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص، وأحمد بن الصقر، فشكرهما وكتب إلى قوهيار، فأتاه، فأحسن إليه الحسن، وأكرمه، وأجابه إلى جميع ما طلب إليه منه لنفسه وتواعدوا يوماً يحضر مازيار عنده.
ورجع قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له. وركب الحسن يوم الميعاد وقت الظهر، ومعه ثلاثة غلمان أتراك، وأخذ إبراهيم بن مهران يدله على الطريق إلى أرم، فلما قاربها خاف إبراهيم، وقال: هذا موضع لا يسلكه إلا ألف فارس، فصاح به: امض! قال: فمضيت وأنا طائش العقل، حتى وافينا ارم، فقال: أين طريق هرمزباذ قلت: على هذا الجيل في هذا الطريق، فقال: سر إليهاّ فقلت: الله الله في نفسك وفينأن وفي هذا الخلق الذين معك، فصاح: امض يا ابن اللخناء! فقلت: اضرب عنقي أحب إلي من أن يقبلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله الذني. فانتهرني حتى ظننت أنه يبطش بي، فسرت وأنا خائف فأتينا هرمزباذ مع اصفرار الشمس، فنزل فجلس ونحن صيام.
وكانت الخيل قد تقطعت لأنه ركب بغير علم الناس، فعلموا بعد مسيره. قال: وصلينا المغرب، وأقبل الليل، وإذ بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلأن مقبلين من طريق لبورة، فقال الحسن: أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى عليه فرساناً ونيرانأن وأنا داهش لا أقف على حقيقة الأمر، حتى قربت النيران، فنظرت، فإذا المازيار مع القوهيار، فنزلأن وتقدم مازيار فسلم على الحسن، فلم يرد عليه السلام، وقال لرجلين من أصحابه: خذاه إليكمأن فأخذاه، فلما كان السحر وجه السن مازيار معهما إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمزاباذ، فأحرق قصر مازيار، وانهب ماله وسار إلى خرماباذ، وأخذ إخوة مازيار فحبسوا هنالك، ووكلوا بهم، وسار إلى مدينة سارية، فأقام بهأن وحبس ماززيا.
ووصل محمد بن إبراهيم بن مصعب إلى الحسن بن الحسين، فسار به ليناظره في معنى المال الذي لمازيار وأهله، فكتب إلى عبد الله بن طاهر، فأمر الحسن بتسليم مازيار وأهله إلى محمد بن إبراهيم ليسير بهم إلى المعتصم، وأمره أن يستقصي على أموالهم ويحرزهأن فاحضر مازيار وسأله عن أمواله، فذكر أنها عند خزانة، وضمن قوهيار ذلك، وأشهد على نفسه، وقال مازيار: اشهدوا علي أن جميع ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج، وسيف مذهب مجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهرً، قيمته ثمانية عشر ألف ألف ردهم، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر، وصاحب خبره على العسكر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:34 am


وكان مازيار قد استخلف هذا ليوصله إلى الحسن بن الحسين ليظهر للناس والمعتصم أنه أمنه على نفسه، وماله، وولده، وأنه جعل له جبال أبيه، فامتنع الحسن من قبوله، وكان أعف الناس.
فلما كان الغد أنفذ الحسن مازيار إلى المعتصم مع يعقوب بن المنصور، ثم أمر الحسن قوهيار أن يأخذ بغاله ليحمل عليها مال مازيار، فأخذهأن وأراد الحسن أن ينفذ معه جيشأن فقال: لا حاجة لي بهم.
وسار هووغلمانه، فلما فتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبأها ليحملهأن وثب عليها مماليك المرزبان، وكانوا ديالمة، وقالوا: غدرت بصاحبنأن وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! وكانوا ألفاً ومائتين، فأخذوه، وقيدوه، فلما جنهم الليل قتلوه، وانتهبوا الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن ابن الحسين، فوجه جيشأن ووجه قارن جيشأن فأخذ أصحاب قارن منهم عدة منهم ابن عم مازيار يقال له: شهريار بن المصمغان، وكان هويحرضهم، فوجهه قارن إلى عبد الله بن طاهر فمات بقومس.
وعلم محمد بن إبراهيم خبرهم، فأرسل في أثرهم، فاخذوأن وبعث بهم إلى مدينة سارية.
وقيل: إن السبب في أخذ مازيار كان ابن عم له اسمه قوهيار كان له جبال طبرستان وكان لمازيار السهل؛ وجبال طبرستان ثلاثة أجبل: جبل وندادهرمز، وجبل أخيه ونداسنجان، والثالجبل شروين بن سرخاب، فقوي مازيار، وبعث إلى ابن عمه قوهيار، وقيل هوأخوه فألومه بابه، وإلى الجيل والياً من قبله له دري، فلما خالف مازيار واحتاج إلى الرجال دعا قوهيار، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين، ومكاتبته، وأمره بالعود إلى جبله، وحفظه، وأمر الدري بالمجيء إليه، فأتاه فضم إليه العساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، عم عبد الله بن طاهر.
وظن مازيار أنه قد استوثق من الجبل بقوهيار، وتوثق من المواضع المخوفة بدري وعساكره، واجتمعت العساكر عليه، كما تقدم ذكره، وقربت منه.
وكان مازيار، في مدينته، في نفر يسير، فدعا قوهيار الحقد الذي في قلبه على مازيار وما صنع به إلى أن كاتب الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عسكره ومكاتبه الافشين، فأنفذ الحسن كتاب قوهيار إلى عبد الله بن طاهر، فأنفذه عبد الله إلى المعتصم، وكاتب عبد الله والحسن قوهيار، وضمنا له جميع ما يريد، وأن يعيد إليه جبله، وما كان بيده لا ينازعه فيه أحد، فرضي بذلك، وواعدهم يوماً يسلم فيه الجبل.
فلما جاء الميعاد تقدم الحسن فحارب دري، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشاً كثيفأن فوافوا قوهيار، فسلم إليهم الجبل، فدخلوه، ودري يحارب الحسن ومازيار في قصره، فلم يشعر مازيار إلا والخيل على باب قصره، فأخذوه أسيراً.
وقيل إن مازيار كان يتصيد، فأخذوه وقصدوا به نحودري وهويقاتل، فلم يشعر هووأصحابه إلا وعسكر عبد الله من ورائهم، ومعهم مازيار، فاندفع دري وعسكره، واتبعوه، وقتلوه، وأخذوا رأسه وحملوه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا إليه مازيار، فوعده عبد الله بن طاهر إن هوأظهره على كتب الأفشين أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقر مازيار بذلك، وأظهر الكتب عند عبد الله بن طاهر، فسيرها إلى إسحاق بن إبراهيم، وسير مازيار، وأمره أن لا يسلمها إلا من يده إلى يد المعتصم، ففعل إسحاق ذلك، فسأل المعتصم مازيار عن الكتب، فأنكرهأن فضربه حتى مات، وصلبه إلى جانب بابك.
وقيل إن مخالفة مازيار كانت سنة خمس وعشرين، والأول أصح، لأن قتله كان في سنة خمس وعشرين، وقيل إنه اعترف بالكتب على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشينلما فرغ الأفشين من بابك وعاد إلى سامرأن استعمل على أذربيجان، وكان في عمله منكجور، وهومن أقاربه، فوجد في بعض قرى بابك مالاً عظيمأن ولم يعلم به المعتصم، ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد إلى المعتصم، وكتب منكجور يكذبه، فتناظرأن فهم منكجور ليقتله، فمنعه أهل أردبيل، فقاتلهم منكجور.
وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين بعزل منكجور، فوجه قائداً في عسكر ضخم، فلما بلغ منكجور الخبر خلع الطاعة، وجمع الصعاليك، وخرج من أردبيل، فواقعه القائد، فهزمه، وسار إلى حصن من حصون أذربيجان التي كان بابك خربهأن فبناه، وأصلحه، وتحصن فيه، فبقي به شهراً.

ثم وثب به أصحابه، فأسلمه إلى ذلك القائد، فقدم به إلى سامرأن فحبسه المعتصم، واتهم الأفشين في أمره؛ وكان قدومه سنة خمس وعشرين ومائتين؛ وقيل إن ذلك القائد الذي أنفذ إلى منكجور كان بغا الكبير، وإن منكجور خرج إليه بأمان.
ذكر ولاية عبد الله الموصل وقتلهفي هذه السنة عصى بأعمال الموصل إنسان من مقدمي الأكراد اسمه جعفر ابن فهرجس، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم ممن يريد الفساد، فاستعمل المعتصم عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي على الموصل، وأمره بقتال جعفر، فسار عبد الله إلى الموصل، وكان جعفر بما نعيس قد استولى عليهأن فتوجه عبد الله إليه، وقاتله وأخرجه ما نعيس.
فقصد جبل داسن، وامتنع بموضع عال فيه لا يرام، والطريق إليه ضيق، فقصد عبد الله إلى هناك، وتوغل في تلك المضايق، حتى وصل إليه وقاتله، فاستظهر جعفر ومن معه من الأكراد على عبد الله لمعرفتهم بتلك المواضع وقوتهم على القتال بها رجالة، فانهزم عبد الله وقتل أكثر من معه.
وممن ظهر منهم إنسان اسمه رباح حمل على الأكراد، فخرق صفهم، وطعن فيهم، وقتل، وصار وراء ظهورهم، وشغلهم عن أصحابه، حتى نجا منهم من أمكنه النجاة، فتكاثر الأكراد عليه، ألقى نفسه من رأس الجبل على فرسه، وكان تحته نهر، فسقط الفرس في الماء وجاء رباح.
وكان فيمن أسره جعفر رجلان أحدهما اسمه إسماعيل والآخر إسحاق ابن أنس، وهم عم عبد الله بن السيد، وكان إسحاق صهر جعفر، فقدمهما جعفر إليه، فظن إسماعيل أنه يقتله، ولا يقتل إسحاق للصهر الذي بينهمأن فقال: يا إسحاق أوصيك بأولادي؛ فقال له إسحاق: أتظن أنك تقتل وأبقى بعدك؟ ثم التفت إلى جعفر فقال: أسألك أن تقتلني قبله لتطيب نفسه؛ فبدأ به فقتله، وقتل إسماعيل بعده.
فلما بلغ ذلك المعتصم أمر إيتاخ بالمسير إلى جعفر وقتاله، فتجهز، وسار إلى الموصل سنة خمس وعشرين، وقصد جبل داسن، وجعل طريقه على سوق الأحد، فالتقاه جعفر، فقاتله قتالاً شديدأن فقتل جعفر، وتفرق أصحابه، فانكشف شره وأذاه عن الناس.
وقيل إن جعفراً شرب سماً كان معه فمات، وأوقع إيتاخ بالأكراد، فأكثر القتل فيهم، واستباح أموالهم، وحشر الأسرى والنساء والأموال إلى تكريت.
وقيل: إن إيقاع إيتاخ بجعفر كان سنة ست وعشرين، والله أعلم.
ذكر غزاة المسلمين بالأندلسوفي هذه السنة سير عبد الرحمن عبد الله المعروف ابن البلنسي إلا بلاد العدو، فوصلوا إلى ألبة والقلاع، فخرج المشركون إليه في جمعهم، وكان بينهم حرب شديدة، وقتال عظيم، فانهزم المشركون وقتل منهم ما لا يحصى، وجمعت الرؤوس أكداسأن حتى كان الفارس لا يرى من يقابله.
وفيها خرج لذريق في عسكره، وأراد الغارة على مدينة سالم من الأندلس، فسار إليه فوتون بن موسى في عسكر رار، فلقيه وقاتله، فانهزم لذريق وكثر القتل في عسكره، وسار فرتون إلى الحصن الذي كان بناه أهل ألبة بإزاء ثغور المسلمين، فحصره، وافتتحه وهدمه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة تولى جعفر بن دينار اليمن.
وفيها تزوج الحسين بن الأفشين أتراجة ابنة أشناس، ودخل بها في قصر المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامرأن وكانوا يغلفون العامة بالغالية، وهي في تيغار من فضة.
وفيها امتنع محمد بن عبد الله الورثاني بورثان، ثم عاود الطاعة، وقدم على المعتصم بأمان سنة خمس وعشرين ومائتين.
وفيها مات ناطس الرومي وصلب بسامرا.
وفيها مات إبراهيم بن المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم؛ وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها وقع بإفريقية فتنة كان فيها حرب بين عيسى بن ريعان الأزدي وبين لواتة وزواغة ومكناسة، فكانت الحرب بين قفصة وقسطيلية، فقتلهم عيسى عن آخرهم.
وفيها اجتمع أهل سجلماسة مع مدرار بن أليسع على تقديم ميمون بن مدرار في الإمارة على سجلماسة وإخراج أخيه المعروف بابن تقية، فلما استقر الأمر لميمون أخرج أباه وأمه إلى بعض قرى سجلماسة.
وفيها فتح نوح بن أسد كاسان وأورشت، بما وراء النهر، وكانتا قد نقضتا الصلح، وافتتح أيضاً اسبيجاب، وبنى حوله سوراً يحيط بكروم أهله ومزارعهم.
وفيها مات أبوعبيد القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعاً وستين سنة كانت وفاته بمكة.
سلام بتشديد اللام.
حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين
ذكر وصول مازيار إلى سامرا

في هذه السنة كان وصول مازيار إلى سامرأن فخرج إسحاق بن إبراهيم فأخذه من الدسكرة، وأدخله سامرا على بغل بأكاف، لانه امتنع من ركوب الفيل، فأمر المعتصم أن يجمع بينه وبين الأفشين.
وكان الأفشين قد حبس قبل ذلك بيوم، فأقر مازيار أن الأفشين كان يكاتبه، ويحسن له الخلاف والمعصية، فأمر برد الأفشين إلى محبسه وضرب مازيار أربعمائة وخمسين سوطأن وطلب ماء للشرب، فسقي، فمات من ساعته.
وقيل ما تقدم ذكره، وقد تقدم من اعتراف مازيار بكتب الأفشين في غير موضع ما يخالف هذأن وسببه اختلاف الناقلين.
ذكر غضب المعتصم على الأفشين وحبسهوفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه.
وكان سبب ذلك أن الأفشين كان أيام محاربة بابك لا تأتيه هدية من أهل أرمينية وأذربيجان إلا وجه بها إلى اشروسنة، فيجتاز بذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم يعرفه الخبر، فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه بجميع ما يوجه به الأفشين، ففعل ذلك عبد الله ذلك، فكان الأفشين كلما اجتمع عنده مال يجعله على أوساط أصحابه في الهمايين ويسيره إلى أشروسنة.
فأنفذ مرة مالاً كثيرأن فبلغ أصحابه إلى نيسابور، فوجه عبد الله بن طاهر، ففتشهم، فوجد المال في أوساطهم، فقال: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: للأفشين؛ فقال: كذبتم، لوأراد أخي الأفشين أن يرسل مثل هذه الهدايا والأموال لكتب يعلمني ذلك الأمر بتسييره، وإمنا أنتم لصوص.
وأخذ عبد الله المال فأعطاه الجند، وكتب إلى الأفشين يذكره له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال ولم تعلمني، وقد أعطيته الجند عوض المال الذي يوجهه أمير المؤمنين، فغن كان المال لك كما زعموا فإذا جاء المال من عند أمير المؤمنين رددته عليك، وإن يكن غير هذأن فأمير المؤمنين أحق بهذا المال، وإمنا دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجههم إلى بلاد الترك.
فكتب إليه الأفشين: إن مالي ومال أمير المؤمنين واحد، وسأله إطلاق القوم، فأطلقهم، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما.
وجعل عبد الله يتتبعه، وكان الأفشين يسمع من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله عن خراسان، فطمع في ولايتهأن فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظناً منه أنه إذا خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليهأن وأمره بمحاربة مازيار، فكان من أمر مازيار ما تقدم؛ وكان من عصيان منكجور ما ذكرناه أيضأن فتحقق المعتصم أمر الأفشين، فتغير عليه.
وأحس الأفشين بذلك، فلم يدر ما يصنع، فعزم على أن يهيئ أطوافاً في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف، ويصير إلى أرمينية، وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم يصير إلى بلاد الخزر، ثم يدور في بلاد الترك، ويرجع إلى أشروسنة، أويستميل الخزر على المسلمين، فلم يمكنه ذلك، فعزم على أن يعمل طعاماً كثيرأن ويدعوالمعتصم والقواد، ويعمل فيه سمأن فإن لم يجيء المعتصم عمل ذلك بالقواد مثل أشناس وإيتاخ وغيرهمأن يوم تشاغل المعتصم، فإذا خرجوا من عنده سار في أول الليل، فكان في تهيئة ذلك.
فكان قواده ينوبون في دار المعتصم، كما يفعل القواد، فكان أواجن الأشروسني قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث، فقال أواجن: لا يتم هذا الأمر، فذهب ذلك الرجل إلى الأفشين فأعلمه، فتهدد أواجن، فسمعه بعض من يميل إلى أواجن من خدم الأفشين، فأتاه ذلك الخادم فأعلمه الحال بعد عوده من النوبة، فخاف على نفسه، فخرج إلى دار المعتصم، فقال لإيتاخ: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة؛ قال قد نام أمير المؤمنين، فقال أواجن: لا يمكنني أن أصبر إلى غد، فدق إيتاخ الباب على بعض من يخبر المعتصم بذلك، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى غد! فقال: إن انصرفت ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيته عندك الليلة.

فبيته عنده، فلما أصبح الصباح بكر به على باب المعصم، فأخبره بجميع ما كان عنده، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين، فجاء في سواده، فأمر بأخذ سواده وحبسه في الجوسق، وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال على الحسين بن الأفشين، وكان الحسين قد كثرت كتبه إلى عبد الله، فشكا من ونوح بن الأسد الأمير بما وراء النهر، وتحامله على ضياعه، وناحيته، فكتب عبد الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسين، ويأمره أن يجمع أصحابه ويتأهب، فإذا قدم عليه الحسين بكتاب ولايته فخذه، واستوثق منه، واحمله إليّ.
وكتب عبد الله إلى الحسين يعلمه أنه قد عزل نوحأن وأنه قد ولاه ناحيته، ووجه إليه بكتاب عزل نوح وولايته، فخرج ابن الأفشين في قله من أصحابه وسلاحه، حتى ورد على نوح، وهويظن أنه والي الناحية، فأخذ نوح وقيده، ووجهه إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين ليقابل على ما قيل عنه، فاحضر عند محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم، وعنده ابن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما من الأعيان، وكان المناظر له ابن الزيات، فأمر بإحضار مازيار، والموبذ، والمرزبان بن بركش، وهوأحد ملوك السغد، ورجلين من أهل السغد، فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما: ما شأنكمأن فكشفا عن ظهورهمأن وهي عارية من اللحم، فقال للأفشين: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجداً بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط، وذلك أن بيني وبين ملك السغد عهداً وشرطاً أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذان على بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة، فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجدأن فضربتهما على هذا.
قال ابن الزيات: ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله تعالى؟ قال: كتاب ورثته عن أبي فيه من آداب العجم وكفرهم فكنت آخذ الآداب وأترك الكفر، ووجدته محلى، فلم أحتج إلى أخذ الحلية منه، وما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام.
ثم تقدم الموبذ فقال: إن هذا يأكل لحم المخنوقة، ويحملني على أكلهأن ويزعم أنها رطب من المذبوحة. وقال لي يوماً: قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه، حتى أكلت الزيت، وركبت الجمل، والبغل، غير أني هذه الغاية لم تسقط عني شعرة، يعني أخذ شعر العانة، ولم أختتن.
فقال الأفشين: أخبروني عن هذه أثقة هوفي دينه؟ وكان مجوسيأن وإمنا أسلم أيام المتوكل، فقالوا: لا! فقال: فما معنى قبول شهادته؟ ثم قال لموبذ: أليس كنت أدخلك علي وأطلعك على سري؟ قال: بلى! قال: لست بالثقة في دينك، ولا بالكريم في عهدك، إذا أفشيت سراً أسررته إليك.
ثم تقدم المرزبان فقال: كيف يكتب إليك أهل بلدك؟ قال: لا أقول! قال: أليس يكتبون بكذا بالاشروسنية؟ قال: بلى! قال: أليس تفسيره بالعربية: إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان؟ قال: بلى! قال: محمد بن عبد الملك الزيات: المسلمون لا يحتملون هذأن فما أبقيت لفرعون قال: هذه كانت عادتهم لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم.
ثم تقدم مازيار قالوا للأفشين: هل كاتبت هذا؟ قال: لا! قالوا لمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرك، فأما بابك فإنه لمقته قتل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت، فأبى لحمقه إلا أن أوقعه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري، ومعي الفرسان، وأهل النجدة، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك والعربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه، والمغاربة أكلة راس، والأتراك، فإمنا هي ساعة حتى تنفد سهامهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما يزل عليه أيام العجم.
فقال الأفشين: هذا يدعي أن أخي كتب إلى أخيه: لا يجب عليّ، ولوكتبت هذا الكتاب إليه لأستميله إليّ ويثق بي، ثم آخذه بقفاه، وأحظى به عند الخليفة، كما حظي عبد الله بن طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد، فقال الأفشين: يا أبا عبد الله أنت ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى يقاتل جماعة.

فقال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما منعك من ذلك وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة؟ فقال: أوليس في الإسلام استعمال التقية؟ قال: بلى! قال: خفت أن أقطع ذلك العضومن جسدي فأموت؛ فقال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك أن يكون ذلك في الحرب، وتجزع من قطع قلفة؟ قال: تلك ضرورة تصيبني فأصبر عليهأن وهذا شيء استجلبه.
فقال ابن أبي دؤاد: قد بان لكم أمره، فقال لبغا الكبير: عليك به! فضرب بيده على منطقته، فجذبهأن واخذ بمجامع القباء عند عنقه، ورده إلى محبسه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غضب المعتصم على جعفر بن دينار لأجل وثوبه على من كان معه من الأصحاب، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومأن ثم رضي عنه، وعزله عن اليمن، واستعمل عليها إيتاخ.
وفيها عزل الأفشين عن الحرس، وولاه إسحاق بن يحيى بن معاذ.
وفيها سار عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيش كثير إلى بلاد المشركين في شعبان، فدخل بلاد جليقية، فافتتح منها عدة حصون، وجال في أرضهم يخرب، ويغمن، ويقتل، ويسبي، وأطال المقام في هذه الغزاة، ثم عاد إلى قرطبة. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.
وفيها توفي أبودلف العجلي، واسمه القاسم بن عيسى، وأبوعمرو الجرمي النحوي، واسمه صالح بن إسحاق، وكان من الصالحين.
وفيها توفي أبوالحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني وله ثلاث وتسعون سنة، وله كتب في المغازي وأيام العرب، وكان بصريأن فأقام بالمدائن فنسب إليها.
حوادث سنة ست وعشرين ومائتينفيها وثب علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة بدمشق من قبل صول أرتكين عليّ بن رجاء، وكان على الخراج، فقتله وأظهر الوسواس، ثم تكلم فيه أحمد بن أبي دؤاد، فأطلق من محبسه.
وفيها مات محمد بن عبد الله بن طاهر فصلى عليه المعتصم.
ذكر موت الأفشينوفيها مات الأفشين، وكان قد أنفذ إلى المعتصم يطلب أن ينفذ إليه من يثق به، وأنفذ إليه حمدون بن إسماعيل، فأخذ يعتذر عما قيل فيه، وقال: قل لأمير المؤمنين إمنا مثلي ومثلك كرجل ربي عجلاً حتى أسمنه، وكبر، وكان له أصحاب يشتهون أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا بذبحه، فلم يجبهم، فاتفقوا جميعاً على أن قالوا: لم تربي هذا الأسد، فإنه إذا كبر رجع إلى جنسه! فقال لهم: إمنا هوعجل؛ فقالوا: هذا أسد، فسل من شئت. وتقدموا إلى جميع من يعرفونه، وقالوا لهم: إن سألكم عن العجل فقولوا له: إنه أسد، وكلما سأل إنساناً قال: هوسبع، فأمر بالعجل فذبح، ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسداً؟ الله الله في أمري.
قال حمدون: فقمت عنه، وبين يديه طبق فيه فاكهة قد أرسله المعتصم مع ابنه الواثق، وهوعلى حاله، فلم ألبث إلا قليلاً حتى قيل إنه يموت، أوقد مات، فحمل إلى دار أيتاخ، فمات بها وأخرجوه، وصلبوه على باب العامة ليراه الناس، ثم ألقي وأحرق بالنار، وكان موته في شعبان.
قال حمدون: وسألته هل هومطهر أم لا؟ فقال: إلى مثل هذا الموضع إمنا قال لي هذأن والناس مجتمعون، ليفضحني إن قلت نعم، قال: تكشف؛ والموت كان احب إليّ من أن أتكشف بين يدي الناس، ولكن إن شئت أتكشف بين يديك حتى تراني؛ فقلت عنه، إلا القليل، حتى مات.
قال: ولما أخذ ماله رأى في داره بيت تمثال إنسان من خشب عليه حلية كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران مشتبكان، عليهما ذهب، فاخذ بعض من كان مع سليمان أحد الحجرين وظنه جوهرأن وكان ذلك ليلأن فلما أصبح نزع عنه الذهب، ووجده شيئاً شبيهاً بالصدف يسمى الحبرون، ووجدوا أصناماً وغير ذلك، والأطواف الخشب التي كان أعدهأن ووجدوا له كتاباً كتب المجوس، وكتباً غيره فيها ديانته.
ذكر وفاة الأغلب
وولاية أبي العباس محمد بن الأغلب إفريقية وما كان منه.
في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي الأغلب بن إبراهيم يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولايته سنتين وسبعة أشهر وسبعة أيام.
ولما توفي ولي أبوالعباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلاد إفريقية بعد وفاة والده، ودانت له إفريقية، وابتنى مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فاحرقها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، وكتب إلى الأموي، صاحب الأندلس، يعلمه ذلك، فبعث إليه الأموي مائة ألف درهم جزاء له على فعله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:36 am

وتوفي محمد بن الأغلب يوم الاثنين غرة المحرم من سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام.
ذكر ولاية ابنه أبي إبراهيم أحمدلما توفي أبوالعباس محمد بن الأغلب ولي الأمر بعده أبو إبراهيم أحمد، وأحسن السيرة مع الرعية، واكثر العطاء للجند، وبنى بأرض إفريقية عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس، وأبواب الحديد، واشترى العبيد، ولم يكن في أيامه تأثر يزعجه؛ ثم توفي، رحمه الله، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين، وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر واثني عشر يوماُ، وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة.
ذكر ولاية أخيه أبي محمد زيادة اللهولما توفي أحمد ولي أخوه زيادة الله وجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه، فتوفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام.
ذكر ولاية محمد بن أحمد بن الأغلبولما توفي زيادة الله ولي بعده أبوعبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب، وجرى على سنن أسلافه، وكان أدبيأن عاقلأن حسن السيرة، غير أن جزيرة صقلية تغلب الروم على مواضع منها؛ وبنى أيضاً حصوناً ومحارس على ساحل البحر.
وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة بينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يومأن وبها مدينة على ساحل البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى ليسوبروم، فغزاها حياة مولى الأغلب، فلم يقدر عليهأن ثم غزاها خلفون البربري، ويقال إنه مولى لربيعة، ففتحها في خلافة المتوكل، وقام بعده رجل يسمى المفرج بن سالم، ففتح أربعة وعشرين حصنأن واستولى عليهأن فكتب إلى والي مصر يعلمه خبره، وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صالة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحيته، ويوليه إياهأن ليخرج من حد المتغلبين، وبنى مسجداً جامعاً.
ثم إن أصحابه شغبوا عليه، ثم قتلوه، ثم توفي أبوعبد الله محمد، رحمه الله، سنة إحدى وستين ومائتين، إنما ذكرنا ولاية هؤلاء متتابعة لقلة ما لكل واحد منهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة زلزلت الأهواز زلزلة شديدة، خمسة أيام، وكان مع الزلزلة ريح شديدة، فخرج الناس عن منازلهم، وخرب كثير منها.
وفيها حج بالناس محمد بن داود، أمره أشناس بذلك، وكان أشناس حاجأن وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرهما من البلاد التي اجتاز بها بالإمرة إلى أن عاد إلى سامرا.
وفيها توفي أبوالهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن العلاف البصري، شيخ المعتزلة في زمانه، وزاد عمره على مائة سنة، وله مسائل في الأصول قبيحة تفرد بها؛ ويحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري أبوزكرياء، وتوفي في صفر بنيسابور؛ وسليمان بن حرب الواشجي القاضي، وأبوالهيثم الرازي النحوي، وكان عالماً بنحوالكوفيين.
حوادث سنة سبع وعشرين مائتين
ذكر خروج المبرقع
في هذه السنة خرج أبوحرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخالف على المعتصم.
وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهوغائب، فمنعه بعض نسائه، فضربها الجندي بسوط، فأصاب ذراعهأن فأثر فيهأن فلما رجع إلى نزله شكت إليه ما فعل لها الجندي، فأخذ سيفه وسار نحوه فقتله، ثم هرب، وألبس وجهه برقعأن وقصد بعض جبال الأردن، فأقام به، وكان يظهر بالنهار متبرقعأن فإذا جاءه أحد ذكره، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر الخليفة وما يأتي، ويعيبه، فاستجاب له قوم من فلاحي تلك الناحية.
وكان يزعم أنه أموي، فقال أصحابه: هذا السفياني، فلما كثر أتباعه من هذه الصفة دعا أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن بيهس كان مطاعاً في أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق.
واتصل الخبر بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه، فسير إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند، فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف، فكره رجاء مواقعته، وعسكر في مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرض، فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقي في زهاء ألف أوألفين.

وتوفي المعتصم وولي الوارثق، وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره، فأمر الواثق رجاء بقتال من أراد الفتنة والعود إلى المبرقع، ففعل ذلك، وعاد إلى المبرقع، فناجزه رجاء، فالتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلاً له شجاعة غيره، وإنه سيظهر لأصحابه ما عنده، فإذا حمل عليكم فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع، فأفرج له أصحاب رجاء، حتى جاوزهم، ثم رجع فأفرجوا له، حتى أتى أصحابه، ثم حمل مرة أخرى، فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيراً.
وقيل: كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين، وإنه خرج بنواحي الرملة، وصار في خمسين ألفأن فوجه المعتصم رجاء الحضاري، فقاتله، وأخذ ابن بيهس أسيرأن وقتل من أصحاب المبرقع نحواً من عشرين ألفأن وأسر المبرقع وحمله إلى سامرا.
ذكر وفاة المعتصموفي هذه السنة توفي المعتصم أبوإسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، وكان بدء عليته أنه احتجم أول يوم في المحرم، واعتل عندها.
قال زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيهأن فركب في الزلال في دجلة، وأنا معه، فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمر لي:
يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشاً لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمخزون أن يسلى
قال: فما زلت أزمر له هذا الصوت، وأكرره، وقد تناول منديلاً بين يديه، فما زال يبكي فيه، وينتحب، حتى رجع إلى منزله.
ولما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة، حتى صمت، ثم مات ودفن بسامرا.
وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان مولده سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: سنة ثمانين ومائة، في الشهر الثامن، وهوثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات وملك ثماني سنينوثمانية أشهر، فعلى القول الأول يكون عمره سبعاً وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يومأن وعلى القول الثاني يكون عمره سبعاً وأربعين سنة وسبعة أشهر.
وكان أبيض، أصهب الحية، طويلهأن مربوعأن مشرب اللون حمرة، حسن العينين، وكان مولده بالخلدقار؛ وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا ونعم المعين لدين
لا يخبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
وكانت أمه ماردة من مولدات الكوفة، وكانت أمها صغدية، وكان أبوها نشأ بالبندنيجين.
ذكر بعض سيرتهذكر عن أحمد بن أبي دؤاد أنه ذكر المعتصم فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وذكر من طيب أعراقه، وسعة أخلاقه، وكريم عشرته، قال: وقال يومأن ونحن بعمورية: ما تقول في البسريا عبد الله؟ فقلت: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم، والبسر بالعراق؛ فقال: قد جاؤوا منه بشيء من بغداد، وعلمت أنك تشتهيه؛ ثم أحضره، فمد يده، فأخذ العذق فارغأن قال: وكنت أزامله كثيراً في سفره ذلك.
ذكر باقي الخبر قال: وأخذت لأهل الشاش منه ألفي درهم لعمل بهر كان لهم اندفن في صدر الإسلام، فأضر بهم.
وقال غيره: إنه كان لا يبالي إذا غضب من قتل، وما فعل، ولم يكن له لذة في تزيين البناء، ولم يكن بالنفقة أسمح منه بها في الحرب.
قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ: قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين، لأنه كان ينال منهم، فتهددوه، فهرب منهم، وقدم على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير، وشكا إليه حاله، وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم، فلم يجد عنده ما أراد، وأنكر عليه حاله ولامه.
قال أحمد: فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك، وأنكرت عليه إعراضه عنه، فقال لي: إن الزبير فيه جهل وتسرع فأشر عليه أن يستعطف العلويين، ويزيل ما في نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم، وعفوه عنهم، وميله إليهم؟ قلت: بلى؛ فهذا أمير المؤمنين، والله، على مثل ذلك، أوفوقه، ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هوعليه من ذمهم.

قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي، دعاني المعتصم يومأن فدخلت عليه، فقال: أحببت أن أضرب معك بالصوالجة، فلعبنا بها ساعة، ثم نزل وأخذ بيدي منشي إلى أن صار إلى حجرة الحمام، فقال: خذ ثيابي، فأخذتهأن ثم أمرني بنزع ثيابي، ففعلت: ودخلت، وليس معنا غلام، فقمت إليه فخدمته، ودلكته، وتولى المعتصم مني مثل ذلك فاستعفيته، فأبى علي، ثم خرجنأن ومشى وأنا معه، حتى صار إلى مجلسه، فنام، وأمرني فمنت حذاءه بعد الامتناع، ثم قال لي: يا إسحاق إن في قلبي أمراً أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإمنا بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك؛ فقلت: قل يا أمير المؤمنين، فإمنا أنا عبدك وابن عبدك.
قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة، فلم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم المأمون؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت، وابنه عبد الله بن طاهر، فهوالرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله الرجل الذي لا يعتاض السلطان عنك أبداًن وأخوك محمد بن إبراهيم؟ وأنا فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره، وأشناس ففشل، وإيتاخ فلا شيء، ووصيفاً فلا معنى فيه.
فقلت: أجيب على أمان من غضبك؟ قال: نعم! قلت له: يا أمير المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملهأن فأنجبت، واستعمل أمير المؤمنين فروعأن فلم تنجب إذ لا أصول لها.
فقال: يا أبا إسحاق، لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر علي من هذا الجواب.
وقال ابن دؤاد: تصدق المعتصم، ووهب على ديد مائة ألف ألف درهم.
وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر، فبيمنا هويسير رحله إذ رأى شيخاً معه حمار عليه حمل شوك، وقد زلق الحمار، وسقط، والشيخ قائم ينتظر من يمر به فعينه على حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره، فنزل عن دابته ليخلص الحمار عن الوحل، ويرفع عليه حمله، فقال له الشيخ: بأبي أنت وأمي لا تبلل ثيابك وطيبك! فقال: لا عليك، ثم إنه خلص الحمار، وجعل الشوك عليه، وغسل يديه ثم ركب، فقال الشيخ: غفر الله لك يا شاب! ثم لحقه أصحابه، فأمر له بأربعة آلاف درهم، ووكل معه من يسير إلى بيته.
ذكر خلافة الواثق باللهوفيها بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية، تسى قراطيس.
وفيها هلك توفيل ملك الروم، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وملكت بعده امرأته تدورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبي، وحج بالناس جعفر ابن المعتصم، وحجت معه أم الواثق، فماتت بالحيرة في ذي الحجة، ودفنت بالكوفة.
ذكر الفتنة بدمشقلما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوأن وأفسدوأن وحصروا أميرهم، فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري، وكانوا معسكرين بمرج راهط، فنزل رجاء بدير مران، ودعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوأن فواعدهم الحرب بدومة يوم الاثنين.
فلما كان يوم الأحد، وقد تفرقت، سار رجاء إليهم، فوافاهم وقد سار بعضهم إلى دومة، وعضهم في جوائجه، فقاتلهم، وقتل منهم نحوألف وخمسمائة، وقتل من أصحابه نحوثلاثمائة وهرب مقدمهم ابن بيهس وصلح أمر دمشق.
وسار رجاء إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بهأن فقاتله، فانهزم المبرقع واخذ أسيراً على ما ذكرناه.
ذكر عدة حوادثوفيها توفي بشر بن الحارث الزاهد المعروف بالحافي في ربيع الأول، وعبد الرحمن بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن موسى بن عبيد الله ابن معمر التيمي، المعروف بابن عائشة البصري، وإمنا قيل له ابن عائشة لأنه من ولد عائشة بنت طلحة، وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة؛ وإسماعيل ابن أبي أويس، ومولده سنة تسع وثلاثين ومائة؛ واحمد بن عبد الله بن يونس، وأبوالوليد الطيالسي، والهيثم بن خارجة.
وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى أرض العدو، فلما كان بين أربونة وشرطانية تجمعت الروم عليهم، وأحاطوا بالعسكر، وقاتلوهم الليل كله، فلما أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين وهزم عدوهم، وأبلى موسى بن موسى في هذه العدوة بالء عظيمأن وكان على مقدمة العسكر، وجرى بينه وبين جرير بن موفق، وهومن أكابر الدولة أيضأن شر فكان سبباً لخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن.
وفيها توفي أذفونس ملك الروم بالأندلس، وكانت إمارته اثنتين وستين سنة.

وفيها توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي، وهومن أهل إفريقية.
شرطانية بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ثم ياء تحتانية ثم هاء.
حوادث سنة ثمان وعشرين ومائتين
ذكر غزوات المسلمين في جزيرة صقلية
في هذه السنة سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر، فنزل مرسي مسيني، وبث السرايأن فغمنوا غنايم كثيرة، واستأمن إليه أهل نابل وصاروا معه، وقاتل الفضل مدة سنتين واشتد القتال، فلم يقدر على أخذهأن فمضى طايفة من العسكر، واستداروا خلف جبل مطل على المدينة فصعدوا إليه، ونزلوا إلى المدينة وأهل البلد مشغولون بقتال جعفر ومن معه، فلما رأى أهل البلد أن المسلمين دخلوا عليهم من خلفهم، انهزموا وفتح البلد.
وفيها فتحت مدينة مسكان.
وفي سنة تسع وعشرين ومائتين خرج أبوالأغلب العباس بن الفضل في سرية، فبلغ شرة فقاتله أهلها قتالاَ شديدأن فانهزمت الروم، وقتل منها ما يزيد على عشرة آلاف رجل، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، ولم يكن بصقلية قبلها مثلها.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين حصر الفضل بن جعفر مدينة لنتيني فأخبر الفضل أن أهل لنتيني كاتبوا البطريق الذي بصقلية لينصرهم، فأجابهم، وقال لهم: إن العلامة عند وصولي أن توقد النار ثلاث ليال على الجبل الفلاني، فإذا رأيتم ذلك، ففي اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا وأنتم على المسلمين بغتة.
فأرسل الفضل من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال، فلما رأى أهل لنتيني الار أخذوا في أمرهم، وأعد الفضل ما ينبغي أن يستعد به وكمن الكمناء، وأمر الذين يحاصرون المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين، فإذا خرج أهلها عليهم قاتلوهم، فإذا جاوزوا الكمين عطفوا عليهم.
فلما كان اليوم الرابع خرج أهل لنتيني، وقاتلوا المسلمين وهم ينتظرون وصول البطريق، فانهزم المسلمون، واستجروا الروم حتى جاوزوا الكمين، ولم يبق بالبلد أحد إلا خرج؛ فلما جاوزوا الكمين عاد المسلمون عليهم، وخرج الكمين من خلفهم، ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم إلا لقليل، فسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك وأمنوهم فسلموا المدينة.
وفيها أقام المسلمون بمدينة طارنت من أرض أنكبردة وسكنوها.
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وصل عشر شلنديات من الروم، فأرسوا بمرسى الطين، وخرجوا ليغيروأن فضلوا الطريق، فرجعوا خائبين، وركبوا البحر راجعين، فغرق منها سبع قطع.
وفي سنة أربع وثلاثين صالح أهل رغوس، وسلموا المدينة إلى المسلمين بما فيهأن فهدمها المسلمون، واخذوا منها ما أمكن حمله.
وفي سنة خمس وثلاثين سار طائفة من المسلمين إلى مدينة قصريانة، فغمنوا وسلبوا ونهبوا واحرقوا وقتلوا في أهلهأن وكان الأمير على صقلية للمسلمين محمد بن عبد الله بن الأغلب، فتوفي في رجب من سنة ست وثلاثين ومائتين، فكان مقيماً بمدينة بلرم لم يخرج منهأن وإمنا كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح، فتغمن، فكانت إمارته عليها تسع عشرة سنة، والله سبحانه أعلم.
ذكر الحرب بين موسى بن موسى والحارث بن يزيغفي هذه السنة كانت حرب بين موسى بن موسى عامل تطيلة وبين عسكر عبد الرحمن أمير الأندلس، والمقدم عليهم الحارث بن يزيغ.
وسبب ذلك أن موسى بن موسى كان من أعيان قواد عبد الرحمن، وهوالعامل على مدينة تطيلة، فجرى بينه وبين القواد تحاسد سنة سبع وعشرين، وقد ذكرناه، فعصى موسى بن موسى على عبد الرحمن، فسير إليه جيشأن واستعمل عليهم الحارث بن يزيغ والقواد، فاقتتلوا عند برجة، فقتل كثير من أصحاب موسى، وقتل ابن عم له، وعاد الحارث إلى سرقسطة، فسير موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارث إليهأن وحصرها فملكهأن وقتل ابن موسى، وتقدم إلى أبيه فطلبه، فحضر، فصالحه موسى على أن يخرج عنهأن فانتقل موسى إلى أزبيط.
وبقي الحارث يتطلبه أيامأن ثم سار إلى أزبيط، فحصر موسى بهأن فأرسل موسى إلى غرسية، وهومن ملوك الأندلسيين المشركين، واتفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كماين في طريقه، واتخذ له الخيل والرجال بموضع يقال له بلمسة على نهر هناك، فلما جاء الحارث النهر خرج الكمناء عليه، وأحدقوا به، وجرى معه قتال شديد، وكانت وقعة عظيمة، وأصابه ضربة في وجهه فلقت عينه، ثم أسر في هذه الوقعة.

فلما سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة عظم عليه، فجهز عسكراً كبيرأن واستعمل عليه ابنه محمد، وسيره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، وتقدم محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين، وقتل فيها غرسية وكثير من المشركين.
ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن، فجهز جيشاً كبيراً وسيرهم إلى موسى، فلما رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليهأن وأعطى ابنه إسماعيل رهينة، وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة، فسار موسى إليها فوصلهأن وأخرج كل من يخافه، واستقر فيها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أعطى الواثق أشناس تاجاً ووشاحين.
وفيها مات أبوتمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر.
وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ الخبز كل رطل بدرهم، وراوية الماء بأربعين درهمأن وأصاب الناس في الموقف حر شديد، ثم أصابهم مطر فيه برد، واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة، فقتلت عدة ن الحجاج.
وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها توفي عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبونصر التمار الزاهد، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد أضر، ومحمد بن عبد الله بن عمر ابن معاوية بن عمروبن عتبة بن أبي سفيان العتبي الأموي البصري أبوعبد الرحمن، وكان عالماً بالأخبار والآداب، وأبوسليمان داود الأشقر السمسار المحدث.
حوادث سنة تسع وعشرين ومائتينفي هذه السنة حبس الواثق الكتاب، وألزمهم أموالاً عظيمة، وأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع مائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن رياح وكتابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير مائة ألف وأربعين ألف دينار.
وكان سبب ذلك أنه جلس ليلة مع أصحابه، فسألهم عن سبب نكبة البرامكة، فحكى له عرود بن عبد العزيز الأنصاري أن جارية لعدول الخياط أراد الرشيد شراءهأن فاشتراها بمائة ألف دينار، وأرسل إلى يحيى ابن خالد أن يعطيه ذلك، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا أخذ ثمن جارية بمائة ألف دينار، فهوأحرى أن يطلب المال على قدر ذلك، فأرسل يحيى إليه: إنني لا أقدر على هذا المال؛ فغضب الرشيد، وأعاد: لا بد منهأن فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على طريق الرشيد ليستكثرهأن ففعل ذلك، فاجتاز الرشيد بهأن فسأل عنهأن فقيل: هذا ثمن الجارية، فاستكثرها فأمر برد الجارية، وقال لخادم له: اضمم إليك هذا المال، واجعل لي بيت مال لأضم إليه ما أريد، وسماه بيت مال العروس، واخذ في التفتيش عن الأموال، فوجد البرامكة قد فرطوا فيها.
وكان يحضر عنده مع سماره رجل يعرف بأبي العود له أدب، فأمر ليلة له بثلاثين ألف درهم، فمطله بها يحيى، فاحتال أبوالعود في تحريض الرشيد على البرامكة وكان قد شاع تغير الرشيد عليهم، فبيمنا هوليلة عند الرشيد يحدثه، وساق الحديث إلى أن أنشده قول عمر بن أبي ربيعة:
وعدت هند، وما كانت تعد ... ليت هنداً أنجزتنا ما تعد
واستبدت مرة واحدة ... إمنا العاجز من لا يستبد
فقال الرشيد: أجل إمنا العاجز من لا يستبد.
وكان يحيى قد اتخذ من خدام الرشيد خادماً يأتيه بأخباره، فعرفه ذلك، فأحضر أبا العود، وأعطاه ثلاثين ألف درهم، ومن عنده عشرين ألف درهم، وأرسل إلى ابنيه الفضل وجعفر، فأعطاه كل واحد منهما عشرين ألفاً؛ وجد الرشيد في أمرهم حتى أخذهم، فقال الواثق: صدق والله جدي، إمنا العاجز من لا يستبد، وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلهأن فلم يمض غير أسبوع حتى نكبهم.
وفيها ولي شيرياسبان لإيتاخ اليمن، وسار إليها.
وفيها تولى محمد بن صالح بن العباس المدينة، وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها توفي خلف بن هشام البزار المقرئ في جمادى الأولى. البزار بالزاي المعجمة والراء المهملة.
حوادث سنة ثلاثين ومائتين
ذكر مسير بغا إلى الأعراب
وفي هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة.

وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر، ويأخذون مهما أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوأن وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا بناس من بني كنانة وباهلة، فأصاوهم، وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ثلاثين ومائتين، فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير الطبري، وكان مسلحة لأهل المدينة، في مائتي فارس، وأضاف إليهم جنداً غيرهم، وتبعهم متطوعة، فسار إليهم حماد، فلقيهم بالرويثة، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبت حماد وأصحابه، وقريش والأنصار، وقاتلوا قتالاً عظيمأن فقتل حماد وعامة أصحابه وعدد صالح من قريش والأنصار، وأخذ بنوسليم الكراع، والسلاح، والثياب، فطعموأن ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، وانقطع الطريق.
فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند، فقدم المدينة في شعبان، فلقيهم ببعض مياه الحرة من رواء السوارقية قريتهم التي يأوون إليهأن وبها حصون، فقتل بغا منهم نحواً من خمسين رجلأن وأسر مثلهم، وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقية، ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين، فجمعهم، وترك من يعرف بالفساد، وهم زهاء ألف رجل، وخلى سبيل الباقين، وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذي العقدة سنة ثلاثين، فحبسهم ثم سار إلى مكة.
فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم ،وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم، فأقبلوأن وأخذ من المفسدين نحواً من ثلاثمائة رجل، وأطلق الباقين، ورجع إلى المدينة، فحبسهم.
ذكر وفاة عبد الله بن طاهروفيها مات عبد الله بن طاهر بنيسابور في ربيع الأول، وهوأمير خراسان، وكان إليه الحرب، والشرطة، والسواد، والري، وطبرستان، وكرمان، وخراسان، وما يتصل بها؛ وكان خراج هذه الأعمال، يوم مات، ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة، وكذلك عمر والده طاهر، واستعمل الواثق على أعماله كلها ابنه طاهر بن عبد الله.
ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهرلما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري، فبنى داراً وخرج بحائطها في الطريق، فلما قدمها عبد الله جمع الناس، وسألهم عن سيرة محمد، فسكتوأن فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدل على سوء سيرته، فعزله عنهم، وأمره بهدم ما بنى في الطريق.
وكان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله، فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله.
وكان يقول: سمن الكيس، ونيل الذكر لا يجتمعان أبداً.
وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور، فاستحضرهم يومأن فحضروأن وتأخر الفضل، ثم حضر، فقال له: أبطأت عني، فقال: كان عندي أصحاب حوائج وأردت دخول الحمام، فأمره عبد الله بدخول حمامه، وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه، فوقع فيها كلها بالإجابة، وأعادهأن ولم يعلم الفضل.
وخرج من الحمام، واشتغلوا يومهم، وبكر أصحاب رقاع إليه، فاعتذر إليهم، فقال بعضهم: أريد رقعتي، فأخرجها ونظر فيهأن فرأى خط عبد الله فيهأن فنظر في الجميع، فرأى خطه فيهأن فقال لأصحابه: خذوا رقاعكم، فقد قضيت حاجاتكم، واشكروا الأمير دوني، فما كان لي فيها سبب. وكان عبد الله أديباً شاعرأن فمن شعره:
إسم من أهواه اسم حسن ... فإذا صحفته فهوحسن
فإذا أسقطت منه فاءه، ... كان نعتاً لهواه المختزن
فإذا أسقطت منه ياءه، ... صار فيه بعض أسباب الفتن
فإذا أسقطت منه راءه، ... صار شيئاً يعتري عند الوسن
فإذا أسقطت منه طاءه، ... صار منه عيش سكان المدين
فسروا هذا فلن يعرفه ... غير من يسبح في بحر الفطن
وهذا الاسم هواسم طريف غلامه.
وكان من أكثر الناس بذلاً للمال مع علم، ومعرفة، وتجربة، واكثر الشعراء في مراثيه، فمن أحسن ما قيل فيه، في ولاية أبيه طاهر، قول أبي الغمر الطبري:
فأيامك الأعياد صارت مآتماً ... وساعاتك الغضبات صارت خواشعا
على أننا لم نفتقدك بطاهر ... وإن كان خطباً يقلق القلب راتعاً
وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت ... على إثرها بدراً على الناس طالعاً

وما كنت إلا الطود زال مكانه ... وأثبت في مثواه ركناً مدافعاً
فلولا التقى قلنا تناسختما معاً ... بديعي معان يفضلان البدائعا
ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلسفي هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين، وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين، عند أشبونة، فأقاموا ثلاثة عشر يومأن بينهم وبين المسلمين بها وقائع، ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شدونة، فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع.
ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرم، فنزلوا على اثني عشر فرسخاً منهأن فخرج إليهم كثير من المسلمين، فالتقوأن فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم، وقتل كثير منهم، ثم نزلوا على ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، وقاتلوهم، فانهزم المسلمون رابع عشر المحرم، وكثر القتل والأسر فيهم، ولم ترفع المجوس السيف عن أحد، ولا عن دابة، ودخلوا حاجز إشبيلية وأقاموا به يوماً وليلة وعادوا إلى مراكبهم.
وأقام عسكر عبد الرحمن؛ صاحب البلاد، مع عدة من القواد، فتبادر إليهم المجوس، فثبت المسلمون، وقاتلوهم، فقتل من المشركين سبعون رجلاً وانهزموأن حتى دخلوا مراكبهم، وأحجم المسلمون عنهم؛ فسمع عبد الرحمن، فسير جيشاً آخر غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالاً شديدأن فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأول، وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية، ونهضوا لقتال المجوس من كل جانب، فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثم ثبتوأن فترجل كثير منهم فانهزم المجوس، وقتل نحوخمس مائة رجل، وأخذوا منهم أربعة مراكب، فأخذوا ما فيهأن واحرقوهأن وبقوا أياماً لا يصلون إلى المجوس، لأنهم في مراكبهم.
ثم خرج المجوس إلى لبلة، فأصابوا سبياً؛ ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب قوريس، فنزلوهان وقسموا ما كان معهم من الغنيمة، فحمي المسلمون، ودخلوا إليهم في النهر، فقتلوا من المجوس رجلين، ثم رحل المجوس، فطرقوا شدونة فغمنوا طعمة وسبيأن وأقاموا يومين.
ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى إشبيلية، فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة، فأغاروأن وسبوأن ثم لحقوا بأكشونية. ثم مضوا إلى باجة، ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة، ثم ساروأن فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.
وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى إشبيلية أيضأن وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلمه أهي هذه وقد اختلفوا في وقتها أم هي غيرهأن وما أقرب أن تكون هي هي، وقد ذكرتها هناك لان في كل واحدة منهما شيئاً ليس في الأخرى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة مات محمد بن سعد بن منيع أبوعبد الله، كاتب الواقدي، صاحب الطبقات، ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي، كاتب المأمون، وعلي بن الجعد أبوالحسن الجوهري، وكان عمره ستاً وتسعين سنة، وهومن مشايخ البخاري، وكان يتشيع.
وفيها مات أشناس التركي، بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام، وحج هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وإليه أحداث الموسم، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله بغا بالأعراب
في هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم وبني هلال.
وكان سبب ذلك أن بغا لما حبس من أخذه من بني سليم وبني سليم وبني هلال بالمدينة، وهم ألف وثلاثمائة، وكان سار عن المدينة إلى بني مرة، فنقبت الأسرى الحبس ليخرجوأن فرأت امراة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاؤوأن فوجدوهم قد قتلوا المتوكلين، وأخذوا سلاحهم، فاجتمع عليهم أهل المدينة، ومنعوهم الخروج، وباتوا حول الدار، فقاتلوهم، فلما كان الغد قتلهم أهل المدينة، وقتل سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد المبرة، فلما قدم بغا وعلم بقتلهم شق ذلك عليه.
وقيل إن السجان كان قد ارتشي منهم ليفتح لهم الباب، فجعلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون:
الموت خير للفتى من العار ... قد اخذ البواب ألف دينار
وكان سبب غيبة بغا عنهم أن فزارة ومرة تغلبوا على فدك، فلما قاربهم أرسل إليهم رجلاً من قواده يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلما أتاهم الفزاري حذرهم سطوته، فهربوأن وخلوا فدك، وقصدوا الشام.

وأقام بغا بحيفا، وهي من حد عمل الشام مما يلي الحجاز، نحواً من أربعين ليلة، ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر به من بني مرة وفزارة.
وفيها سار إلى بغا من بطون غطفان، وفزارة، وأشجع، وثعلبة، جماعة، وكان أرسل إليهم، فلما أتوه استحلفهم الأيمان المؤكدة أن لا يتخلفوا عنه متى دعاهم، فحلفوأن ثم سار إلى ضرية لطلب بني كلاب، فأتاه منهم نحومن ثلاثة آلاف رجل، فحبس من أهل الفساد نحواً من ألف رجل، وخلى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر روضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم، ثم سار إلى مكة فحج، ثم رجع إلى المدينة.
ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعيوفي هذه السنة تحرك ببغداد قوم مع احمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، وجده مالك أحد نقباء بني العباس، وقد تقدم ذكره.
وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين، وابن الدورقي، وأبي زهير، وكان يخالف من يقول القرآن مخلوق، ويطلق لسانه فيه، مع غلظة بالواثق، وكان يقول، إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال هذا الكافر، وفشا ذلك؛ فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشداخ وآخر يقال له طالب، وغيرهمأن ودعوا الناس إليه، فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرق أبوهارون وطالب في الناس مالاً فأعطيا كل رجل دينارأن واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلت من شعبان ليضربوا الطبل فيهأن ويثوروا على السلطان.
وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر في الجانب الغربي، فاتفق أن ممن بايعهم رجلين من بني الأشرس شربا نبيذاً ليلة الأربعاء، قبل الموعد بليلة، فلما اخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد.
وكان إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة غائباً عن بغداد، وخليفته أخوه محمد بن إبراهيم، فأرسل إليهم محمد يسألهم عن قصتهم، فلم يظهر أحد، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين، يعرف بعيسى الأعور، فأحضره وقرره، فأقر على بني الأشرس، وعلى أحمد بن نصر، وغيرهمأن فأخذ بعض من سمي، وفيهم طالب، وأبوهارون، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادماً لأحمد بن نصر، فقرره، فأقر بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد بن نصر فأخذه وهوفي الحمام، وحمل إليه، وفتش بيته، فلم يوجد فيه سلاح، ولا شيء من الآلات، فسيرهم محمد بن إبراهيم إلى الواثق مقيدين على أكف بغال ليس تحتهم وطاء إلى سامرا.
فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم مجلساً عاماً فيه أحمد بن أبي دؤاد، وكان كارهاً لقتل احمد بن نصر، فلما حضر أحمد عند الواثق، لم يذكر له شيئاً من فعله والخروج عليه، ولكنه قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، وكان أحمد قد استقتل، فتطيب، وتنور؛ وقال الواثق: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين! قد جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر، قال: لا تضامون في رؤيته، فنحن على الخبر، وحدثني سفيان بحديث رفعه: أن قبل ابن آدم المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك.
قال إسحاق بن إبراهيم: انظر ما يقول. قال: أنت أمرتني بذلك، فخاف إسحاق وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أمرتني أن أنصح له، ونصيحتي له أن لا يخالف حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق، وكان قاضياً على الجانب الغربي: وعزك يا أمير المؤمنين هوحلال الدم.
وقال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، وقال ابن أبي دؤاد: هوكافر يستتاب لعل به عاهة ونقص عقل، كأنه كره أن يقتل بسببه، فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطاي إليه.
ودعا بالصمصامة سيف عمروبن معدي كرب الزبيدي، ومشى إليه، وهوفي وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه، ثم ضربه خر على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقي رقبته، وحز رأسه، وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، وحمل حتى صلب عند بابك، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بهأن وأقيم عليه الحرس، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر، المشرك الضال، احمد بن نصر؛ وتتبع أصحابه، فجعلوا في الحبوس.
ذكر عدة حوادث

في هذه السنة أراد الواثق الحج، فوجه عمر بن فرج لإصلاح الطريق، فرجع وأخبره بقلة الماء فبدا له.
وفيها ولى جعفر بن دينار اليمن، فسار في شعبان، وحج في طريقه، وكان معه أربعة آلاف فارس وألفا رجل.
وفيها نقب اللصوص بيت المال الذي في دار العامة، وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئاً يسيراً من الدنانير، ثم تتبعوا وأخذوا بعد ذلك.
وفيها خرج محمد بن عبد الله الخارجي التغلبي في ثلاثة عشر رجلاً في ديار ربيعة، فخرج إليه غامن بن أبي مسلم بن أحمد الطوسي، وكان على حرب الموصل، في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد بن عبد الله أسيرأن فبعث به إلى سامرا فحبس.
وفيها قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان، والجبال، وفارس، وكان قد سار في طلب الأكراد لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقدم معه نحومن خمس مائة نفس فيهم غلمان صغار، فحبسوأن وأجيز بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد سيفاً.
وفيها سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جليقية وقتلوأن وأسروأن وسبوأن وغمنوأن ووصلوا إلى مدينة ليون، فحصروها ورموها بالمجانيق، فخاف أهلهأن فتركوها بما فيها وخرجوا هاربين، فغمن المسلمون منهم ما أرادوأن وأخربوا الباقي، ولم يقدروا على هدم سورهأن فتركوها ومضوأن لأن عرضه سبعة عشر ذراعأن وقد ثلموا فيه ثلماً كثيرة.
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، واجتمع المسلمون فيها على نهر اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من بغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هووخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، فودي به، وأعطي دينارأن ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم.
فلما كان في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على النهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم من المسلمين فيلتقيان في وسط النهر، ويأتي هذا أصحابه، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروأن وإذا وصل الأسير إلى الروم صاحوأن حتى فرغوأن وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربع مائة وستين نفسأن والنساء والصبيان ثماني مائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس، وكان النهر مخاضة تعبره الأسرى، وقيل بل كان عليه جسر.
ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي شاتيأن فأصاب الناس ثلج ومطر، فمات منهم مائتا نفس، وأسر نحوهم، وغرق بالبدندون خلق كثير، فوجد الواثق على أحمد، وكان قد جاء إلى أحمد بطريق من الروم، فقال وجوه الناس لأحمد: إن عسكراً فيه سبعة آلاف لا تتخوف عليه، فإن كنت كذلك فواجه القوم واطرق بلادهم، ففعل، وغمن نحواً من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة وخرج، فعزله الواثق، واستعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعي في جمادى الأولى.
وفيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان.
وفيها كان بإفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب، وكان مع أحمد جماعة، فهجموا على محمد في قصره، وأغلق أصحاب محمد ابن الأغلب الباب، واقتتلوا ثم كفوا عن القتال، واصطلحوأن وعظم أمر محمد، ونقل الدواوين إليه، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا اسمهأن ومعناها لأحمد أخيه، فبقي كذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فاتفق مع محمد من بني عمه ومواليه جماعة، قاتل أخاه أحمد فظفر به ونفاه إلى الشرق، واستقام أمر محمد بإفريقية، وما ت أخوه أحمد بالعراق.
وفيها مات أبوعبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الرواية في شعبان وهوابن ثمانين سنة.
وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى بن جعفر، أخت علي الرضأن عليه السلام.
وفيها مات مخارق المغني، وأبونصر أحمد بن حاتم رواية الأصمعي، وعمروبن أبي عمروالشيباني، ومحمد بن سعدان النحوي الضرير توفي في ذي الحجة.

وفيها توفي إبراهيم بن عرعرة، وعاصم بن علي بن عصم بن صهيب الواسطي، ومحمد بن سلام بن عبد الله الجمحي البصري، وكان عالماً بالأخبار وأيام الناس، سلام بالتشديد؛ وعاصم بن عمروبن علي بن مقدم أبوبشر المقدمي، وأبويعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه، صاحب الشافعي، وكان قد حبس في محنة الناس بخلق القرآن، فلم يجب، وكان من الصالحين، وهارون بن معروف البغدادي وكان حافظاً للحديث.
حوادث سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:38 am

ذكر الحرب مع بني نمير
في هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير، فأوقع بهم.
وكان سبب ذلك أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه، وأنشده، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فأخبر الواثق بإفساد بني منير في الراض، وإغارتهم على الأنس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ وكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم وهوبالمدينة، فسار نحواليمامة، فلقي من بني منير جماعة بالريف فحاربهم، فقتل منهم نيفاً وخمسين رجلأن وأسر أربعين رجلاً.
ثم سار حتى نزل مرأة، وأرسل إليهم يدعوهم إلى السمع والطاعة، فامتنعوأن وسار بعضهم إلى نحوجبال السود، وهي خلف اليمامة، وبث بغا سراياه فيهم، فأصابت منهم، ثم سار بجماعة من معه، وهم نحومن ألف رجل، سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا لهم وهم نحومن ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة الأمان على مرحلة من أضاخ، فهزموا مقدمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحواً من مائة رجل وعشرين رجلاً وعقروا من إبل عسكره نحوسبع مائة بعير، ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال، وبعض الأموال، ثم أدركهم الليل، وجعل بغا يدعوهم إلى الطاعة.
فلما طلع الصبح ورأوا قلة من مع بغا عبأوأن وجعلوا رجالتهم أمامهم، ونعمهم ومواشيهم وراءهم، وحملوا على بغأن فهزموه، حتى بلغ معسكره، وأيقن من معه بالهلكة.
وكان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة منهم، فبينا هوقد أشرف على العطب، إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم، فلما نظر بنومنير ورأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولوا هاربين، وأسلموا رجالتهم، وأموالهم، فلم يفلت من الرجالة إلا اليسير، وأما الفرسان فنجوا على خيلهم.
وقيل إن الهزيمة كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار، ثم تشاغلوا بالنهب، فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه، فرجع بهم، فهزم بني منير، وقتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وت العصر زهاء ألف وخمس مائة راجل، وأقام بوقع الوقعة، فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان، فأمنهم، فأتوه فقيدهم، وأخذهم معه إلى البصرة، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة. ثم قدم واجب الأشروسني على بغا في سبع مائة مقاتل، مدداً له، فسيره بغا في آثارهم، حتى بلغ تبالة من أعمال اليمن، ورجع، وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداد بمن عنده من فزارة، ومرة، وثعلبة، وكلاب، ففعل، فلقيه ببغداد، فسارا جميعأن وقدم بغا سامرا بمن بقي معه منهم، سوى من هرب وقتل في الحروب يزيدون على ألفي رجل، ومائتي رجل من منير، وكلاب، ومرة، وفزارة، وثعلبة، وطيء.
ذكر موت أبي جعفر الواثقفي هذه السنة توفي الواثق بالله أبوجعفر هارون بن محمد المعتصم في ذي الحجة لست بقين منه، وكانت علته الاستسقاء، وعولج بالإقعاد في تنور مسخن، فوجد لذلك خفة، فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه، ففعل ذلك، وقعد فيه اكثر من اليوم الأول، فحمي عليه، فأخرج منه في محفة، وحضر عنده احمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وعمر بن فرج، فمات فيهأن فلم يشعروا بموته، حتى ضرب بوجهه المحفة، فعلموا.
وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند موته، وغمضه، وقيل إنه لما حضر الوفاة جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الناس مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
وأمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه.

وقال احمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يمرض الواثق، فلحقه غشية، وأنا وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا: لوعرفنا خبره، فتقدمت إليه، فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت من الخوف، فرجعت إلى خلف، وتعلقت قنبعة سيفي في عتبة المجلس، فاندقت، وسلمت من جراحه، ووقفت في موقفي.
ثم إن الواثق مات، وسجيناه، وجاء الفراشون وأخذوا ما تحته في المجلس، ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغلوا بأخذ البيعة، وجلست على باب المجلس لحفظ الميت وورددت الباب، فسمعت حسأن ففتحت الباب، وإذا جرذ قد دخل من بستان هناك، فأكل إحدى عيني الواثق، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة.
وجاؤوا فغسلوه، فسألني أحمد بن أبي دؤاد عن عينه، فأخرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب منها.
ولما مات صلى عليه أحمد، وأنزله في قبره، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل، ودفن بالهاروني بطريق مكة.
وكان مولده بطريق مكة، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، فقدروا له أن يعيش خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات.
وكان أبيض، مشرباً بحمرة، جميلأن ربعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى، فيها نكتة بياض، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستاً وثلاثين سنة.
ذكر بعض سيرة الواثق باللهلما توفي المعتصم، وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، واشتمل على العلويين، وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم، والتعهد لهم بالأموال، وفرق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل.
ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع، فيبكين عليه، ويندبنه، ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزناً عليه، لما كان يكثر من الإحسان إليهم؛ وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالاً عظيماً.
قال الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، أول مجلس جلسه، فغنته جارية إبراهيم بن المهدي:
ما درى الحاملون، يوم استقلوا ... نعشه، للثواء أم للبقاء
فليقل فيك باكياتك ما شئ ... ن صباحأن وعند كل مساء
فبكى، وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، قال: ثم تغنى بعضهم فقال:
ودع هريرة إن الركب مرتحل، ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
فازداد الواثق بكاء، وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب وتغنى نفسي؛ ثم تفرق أهل المجلس. قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق:
أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ما رأيت بها معينا
تقطع حسرة من حب ليلى ... نفوس ما أثبن ولا جزينا
فصنعت فيه علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغناه زرزر الكبير للواثق، فسأله: لمن هذا؟ فقال: لعلم، فأحضر صالحاً وطلب منه شراءهأن فأهداها له، فعوضه خمسة آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك الله عليك، وعلى من رباك! فقالت: وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء فلم يصل إليه! فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له، فدفع إليه عشرة آلاف دينار، وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال.
وقال أبوعثمان المازني النحوي: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت عنده قال: من خلفت بالبصرة؟ قلت: أختاً لي صغيرة. قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: ما قالت ابنة الأعشى:
تقول ابنتي، حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
فيا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: فما رددت عليها؟ قلت: ما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فضحك، وأمر له بجائزة سنية.
ذكر خلافة المتوكلوفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق.

وسب خلافته أنه مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبوالوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق، وهوغلام أمرد، قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة، فإذا هوقصير، فقال وصيف: أما تتقون الله؟ تولون هذا الخلافة! فتناظروا فيمن تولونه. فذكروا عدة، ثم أحضر المتوكل، فلما حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة، وعممه وقبل بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق، وصلي عليه ودفن.
وكان عمر المتوكل، يوم بويع، ستاً وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد رأيت لقباً أرجوأن يكون موافقأن وهوالمتوكل على الله، فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق.
وقيل بل رأى المتوكل في منامه، قبل أن يستخلف، كأن سكراً ينزل عليه من السماء، مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصها على أصحابه، فقالوا: هي والله الخلافة؛ فبلغ ذلك الواثق، فحبسه وضيق عليه، وحج بالناس محمد ابن داود.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ومات منهم خلق كثير.
وفيها غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، بعد أن كان قد وافقه، وأطاعه؛ وسير إليه عبد الرحمن جيشاً مع ابنه محمد.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، وقحط عظيم، وكان ابتداؤه سنة اثنتين وثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب، ويبست الأشجار، ولم يزرع الناس شيئأن فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوأن وزرعوا وزال عن الناس القحط.
وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس.
وفيها غرق كثير من الموصل وهلك فيها خلق قيل كانوا نحومائة ألف إنسان، وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيماً لم يسمع بمثله بحيث أن بعض أهلها جعل سطلاً عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحوساعة، وزادت دجلة زيادة عظيمة فركب الماء الربض الأسفل، وشاطئ نهر سوق الأربعاء، فدخل كثيراً من الأسواق، فقيل إن أمير الموصل، وهوغامن بن حميد الطوسي، كفن ثلاثين ألفأن وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء.
وفيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر.
وفيها توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عامر القرشي مصنف الصوانيف وغيرهأن ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل غير ذلك، وأبوالحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي، وأخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي.
وفيها توفي عمروالناقد.
حوادث سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك
وفي هذه السنة قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه لسبع خلون من صفر.
وكان سببه أن الواثق استوزر محمد بن عبد الملك، وفوض الأمور كلها إليه، وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يحفظه ويأتيه بأخباره، فأتى المتوكل إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه لا يكلمه، ثم أشار عليه بالقعود فقعد، فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل أمير المؤمنين الرضى عني، فقال لمن حوله: انظروأن يغضب أخيه ثم يسألني أن أسترضيه له! اذهب، فإذا صلحت رضي عنك.
فقام من عنده حزينأن فأتى أحمد بن أبي دؤاد، فقام إليه أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبله، وقال: ما حاجتك؟ جعلت فداك! قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين لي؛ قال: أفعل، ونعمة عين وكرامة! فكلم أحمد الواثق به، فوعده ولم يرض عنه، ثم كلمه فيه ثانية فرضى عنه وكساه.
ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات كتب إلى الواثق: إن جعفراً أتاني في زي المخنثين، له شعر بقفاه، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه؛ فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يجز شعر قفاه فيضرب به وجهه.

قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سواداً جديدأن وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني، فاستدعى حجامأن فأخذ شعري على السواد الجديد ثم ضرب به وجهي؛ فلما ولي الخلافة المتوكل أمهل حتى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ الزيات وتعذيبه، فاستحضر، فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل إيتاخ عدل به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، ووكل عليه، وأرسل إلى منازله من أصحابه من هجم عليهأن وأخذ كل ما فيهأن واستضفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد.
وكان شديد الجزع، كثير البكاء والفكر، ثم سوهر، وكان ينخس بمسلة لئلا ينام، ثم ترك فنام يوماً وليلة، ثم جعل في تنور عمله هو، وعذب ه ابن أسماط المصري، وأخذ ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور، وتمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقاً بحيث أن الإنسان كان يمد يديه إلى فوق رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه يجلس، فبقي أيامأن فمات.
وكان حبسه لسبع خلون من صفر وموته لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأول، واختلف في سبب موته، فقيل كما ذكرناه، وقيل بل ضرب فمات وهويضرب، وقيل مات بغر ضرب، وهوأصح.
فلما مات حضره ابناه سليمان وعبيد الله، وكانا محبوسين، وطرح على الباب في قميصه الذي حبس فيه، فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق! وغسلاه على الباب ودفناه، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه.
قال: وسمع قبلموته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة، والدواب، والدار النظيفة، والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك. ثم سكت عن ذلك، وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عز وجل.
وكان ابن الزيات صديقاً لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمس مائة ألف درهم، فقال الصولي:
وكنت أخي برخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عواناً
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال أيضاً:
أصبحت من رأي أبي جعفر ... في هيئة تنذر بالصيلم
من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطاً عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فلقيه عمر بالخيبة، وأخذ صكه فرمى به إلى صحن المسجد، وكان حبسه في شهر رمضان، وأخذ ماله، وأثاث بيته، وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز حسب، فكان قد ألبس في حبسه حبة صوف. قال علي بن الجهم يهجوه:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال الصعاليك
أردت شكراً بلا بر ومرزئة ... لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانه، وضربه، وأخذ ماله، وغضب أيضاً على أبي الوزير، وأخذ ماله ومال أخيه وكتبه.
وفيها أيضاً عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وفيها ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف في رمضان.
وفيها فلج أحمد بن دؤاد في جمادى الآخرة.
وفيها وثق ميخائيل بن توفيل بأمه تدورة، فألزمها الدير، وقتل اللقط لأنه كان اتهمها به، فكان ملكها ست سنين، وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.
وفيها عزل محمد بن الأغلب أمير إفريقية عامله على الزاب، واسمه سالم ابن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلما صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف وسار إلى الأربس، فمنعه أهلها من الدخول إليهأن فسار إلى باجة، فدخلهأن واحتمى بهأن فسير إليه ابن الأغلب جيشاً عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل عليه وقاتله، فهرب سالم ليلأن فاتبعه خفاجة، فلحقه وقتله، وحمل رأسه إلى ابن الأغلب؛ وكان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب محبوساً فقتله.
وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة، وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائة، وهوصاحب الجرح والتعديل؛ ومحمد بن سماعة القاضي، صاحب محمد بن الحسن، وقد بلغ مائة سنة وهوصحيح الحواس.

حوادث سنة أربع وثلاثين ومائتين
ذكر هرب محمد بن البعيث
في هذه السنة هرب محمد بن البعيث بن الجليس؛ وكان سبب هربه أنه جيء به أسيراً من أذربيجان إلى سامرأن وكان له رجل يخدمه يسمى خليفة، وكان المتوكل مريضأن فاخبر خليفة ابن البعيث أن المتوكل مات، فهربا إلى موضعه من أذربيجان، وهومرند، وقيل كان له قلعة شاهي، وقلعة يكدر.
وقيل إن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، فاخذ منه الكفلاء نحواً من ثلاثين كفيلاً منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني فكان يتردد بسامرأن فهرب إلى مرند، وجمع بها الطعام، وهي مدينة حصينة، وفيها عيون ماء ولها بساتين كثيرة داخل البلد.
وأتاه من أراد الفتنة من ربيعة وغيرهم، فصار في نحومن ألفين ومائتي رجل، وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه بن علي بن الفضل السعدي أذربيجان وسيره على البريد، وجمع الناس، وسار إلى ابن البعيث، فحصره في مرند، فلما طالت مدة الحصار بعث المتوكل التركي في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئأن فوجه إليه المتوكل عمر بن سيسيل بن كال في تسع مائة فارس، فلم يغن شيئاً؛ فوجه بغا الشرابي في ألفي فارس.
وكان حمدويه وابن سيسيل وزيرك قد قطعوا من الشجر الذي حول مرند نحومائة ألف شجرة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقأن ونصب ابن البعيث عليهم مثل ذلك، فلم يقدروا على الدنومن سور المدينة، فقتل من أصحاب المتوكل في حربه، في ثمانية أشهر، نحومن مائة رجل، وجرح نحوأربع مائة، وأصاب أصحابه مثل ذلك، وكان حمدريه وعمر وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه، وكان أصحابه يتدلون بالحبال من السور معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة تجاروا إلى السور، وحموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون.
ولما قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن الشليل، ومعه أمان لوجوه أصحاب ابن البعيث أن ينزلوأن وأمان للابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكل، فنزل من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب المتوكل، وخرج ابن البعيث هاربأن فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرأن وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه، وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بالأمان، وأخذوا لابن البعيث أختين وثلاث بنات وعدة من السراري، ثم وافاهم بغا الشرابي من غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، وكتب بالفتح لنفسه، وأخ ابن البعيث إليه.
ذكر إيتاخ وما صار إليه أمرهكان إيتاخ غلاماً حورياً، طباخاً لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالاً كثيرة منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم.
وكان المعتصم، إذا أراد قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، وبيده، فحبس منهم أولاً المأمون بن سندس، وابن الزيات، وصالح بن عجيف وغيرهم؛ وكان مع المتوكل في مرتبته، وإليه الجيش، والمغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة.
فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه، وقال: أنت أبي، وأنت ربيتني؛ ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له، وصيره أمير كل بلد يدله، وخلع عليه، وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف في ذي العقدة، وقيل إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
ذكر الخلف بإفريقيةفي هذه السنة خرج عمروبن سليم التجيبي المعروف بالقويع على محمد ابن الأغلب أمير إفريقية، فسير إليه جيشاً، فحصره بمدينة تونس هذه السنة، فلم يبلغوا منه غرضأن فعادوا عنه.
فلما دخلت سنة خمس وثلاثين سير إليه ابن الأغلب جيشاً، فالتقوا بالقرب من تونس، ففارق جيش ابن الإلب جمع كثير، وقصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم جيش ابن الأغلب وقوي القويع؛ فلما دخلت سنة ست وثلاثين سير محمد بن الأغلب إليه جيشأن فاقتتلوأن فانهزم القويع، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأدرك القويع إنسان، فضرب عنقه، ودخل جيش ابن الأغلب مدينة تونس بالسيف في جمادى الأولى.
ذكر عدة حوادث

حج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفي جعفر بن مبشر بن أحمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة البغداديين، وله مقالة يتفرد بها.
وفيها توفي أبوخيثمة زهير بن حرب في شعبان، وكان حافظاً للحديث؛ وأبوأيوب سليمان بن داود بن بشر المقرئ البصري المعروف بالشاذكوني بأصبهان.
وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف المديني الحافظ، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهوإمام ثقة، وكان والده ضعيفاً في الحديث؛ وإسحاق ابن إسماعيل الطالقاني، ويحيى بن أيوب المقابري، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوالربيع الزهراني.
حوادث سنة خمس وثلاثين ومائتين
ذكر قتل إيتاخ
قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه؛ فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى طريق إيتاخ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرأن فكتب إليه إسحاق: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنوهاشم، ووجوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، وتأمر لهم بالجوائز. فجاء إلى بغداد، فلقيه إسحاق بن إبراهيم، فلما رآه إسحاق أراد النزول له، فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل، وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه، فلما صار بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: أصلح الله الأمير؛ ليدخل! فدخل إيتاخ، ووقف إسحاق على الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، ووكل بالأبواب، وأقام عليه الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوهأن ولولم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه؛ وأخذوا معه ولديه منصورأن ومظفرأن وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، فحبسوا ببغداد أيضاً.
وأرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم والواثق في أمرك، وكنت أدافع عنك، فليشفعني ذلك عندك في ولدي، فأما أنا فقد مر بي شدة ورخاء، فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان فلم يعرفا البؤس، فاجعل لهما طعاماً يصلحهما.
ففعل إسحاق ذلك، وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلأن فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا اثر.
وقيل كان سبب موته أنهم أطعموه ومنعوه الماء حتى مات عطشاً؛ وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة المتوكل، فلما ولي المنتصر أخرجهمأن فأما مظفر فبقي بعد أن خرج من السجن ثلاثة أشهر ومات، وأما منصور فعاش بعده.
ذكر أسر ابن البعيث وموتهفي هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال، وبخليفته أبي الأغر، وبأخويه صقر وخالد، وكاتبه العلاء، وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فجاء السياف، وسبه المتوكل، وقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهوالعفو؛ ثم قال بلا فصل:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل
فإنك خير السابقين إلى العلى ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل
فقال المتوكل لبعض أصحابه: إن عنده لأدبأن فقال: بل يفعل أمير المؤمنين ويمن عليه، فأمر برده، فحبس مقيدأن وقيل إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه، وكان ابن البعيث قد قال حين هرب:
كم قد قضيت أموراً كان أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم
لا تعذليني فما لي ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدار بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد الذي يعطي على العدم
ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر، قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل، لم يزل على وجهه حتى مات، وجعل بنوه: جليس، وصقر، والبعيث، في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد

في هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم: محمد، ولقبه المنتصر بالله، وأبوعبد اله محمد؛ وقيل طلحة، وقيل الزبير، ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم، ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين: أحدهما أسود ووهولواء العهد، والآخر أبيض وهولواء العمل، فأعطى كل واحد منهم ما نذكره.
فأما المنتصر فأقطعه إفريقية والمغرب كله، والعواصم، وقنسرين، والثغور جميعهأن الشامية والجزرية، وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وهيت، وعانة، والأنبار، والخابور، وكور باجرمى، وكور دجلة، وطساسيج السواد جميعهأن والحرمين، واليمن، وحضر موت، واليمامة، والبحرين، والسند، ومكران، وقندابيل، وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، والمستغلات سامرأن وماه الكوفة، وماه البصرة، وماسبذان، ومهرجانقذق، وشهرزور، والصامغان، وأصبهان، وقم، وققاشان، والجبل جميعه، وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز فأقطعه خراسان وما يضاف إليهأن وطبرستان، والري، وأرمينية، وأذربيجان، وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم.
وأما المؤيد فأقطعه جند حمص وجند دمشق، وجند فلسطين.
ذكر ظهور رجل ادعى النبوةوفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، فزعم أنه نبي، وأنه ذوالقرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلأن وخرج من أصحابه من بغداد رجلان بباب العامة، وآخران بالجانب الغربي، فأتي به وبأصحابه المتوكل، فأمر به فضرب ضرباً شديدأن وحمل إلى باب العامة، فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يضربه كل رجل منهم عشر صفعات، ففعلوأن واخذوا له مصحفاً فيخ كلام قد جمعه، وذكر أنه قرآن، وأن جبرائيل نزل له، ثم مات من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي، وأن الوحي يأتيه.
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادثوفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي، بنواحي تدمير، لمحاربة جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلاً اسمه محمد بن عيسى بن سابق، فوطئ عباس بلدهم، وأوقع بهم، وأصلحهم وعاد.
وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، صاحب الأندلس، فقاتلهم؛ وأوقع بهم، وأعظم النكاية فيهم.
وفيها سير عبد ارحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزوالروم، فبلغوا ألبه.
وفيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرب جسر استجبة، وخرب الأرحاء، وغرق نهر إشبيلية ست عشرة قرية، وخرب نهر تاجة ثماني عشرة قرية، وصار عرضه ثلاثين ميلأن وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد.
وفيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، وكانت ولايته ثمانية أعوام.
وفيها هلك أبوالسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسليأن ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبأن وأن يستعملوه في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي، وهوابن أخي طاهر بن الحسين، وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون، والمعتصم والواثق، والمتوكل، ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد يعودونه، وجزع المتوكل لموته.
وفيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط عليه، فحبس الطبع، فمات، وكان موته، وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد؛ وقيل مات الحسن في سنة ست وثلاثين.
ة فيها في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع الناس، ثم صار في لون ماء المدود.
وفيها أتى المتوكل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام. وكان قد جمع ببعض النواحي، فاخذ، وحبس، وضرب، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.

وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء، وكان فيه علم وأدب، وله شعر جيد؛ وعبيد اله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة؛ وإسماعيل بن علية ومنصور بن أبي مزاحم؛ وسريج بن يونس أبوالحرث.
سريج بالسين المهملة والجيم.
حوادث سنة ست وثلاثين ومائتين
ذكر مقتل محمد بن إبراهيم
في هذه السنة قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخوإسحاق بن إبراهيم.
وكان سبب ذلك أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ليكون نائباً عنه ببابه، فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن إسحاق على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة في المحرم من هذه السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلهأن وحمل إلى المتوكل وأولاده من الجواهر التي كانت لأبيه، والأشياء النفسية، كثيراً.
وكان عمه محمد بن إبراهيم على فارس، فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاده بابن أخيه ساءه ذلك، وتنكر للخليفة ولابن أخيه؛ فشكا محمد بن إسحاق ذلك إلى المتوكل، فأطلقه في عمه ليفعل به ما يشاء، فعزله عن فارس، واستعمل مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد بن إبراهيم.
فلما سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايأن وفيها حلوى فأكل محمد منهأن وأدخله الحسين بيتأن ووكل عليه، فطلب الماء ليشرب فمنع منه، فمات بعد يومين.
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين
ابن علي بن أبي طالب عليه السلام
في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى عامل صاحب الشرطة بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره، بعد ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث وزرع.
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم؛ وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، وهوأصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين.
يحكي بذلك عليأن عليه السلام، والتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يومأن والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفاً منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام واخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هوابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعا:
غار الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حر أمه
فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل.
وقيل إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته؛ وإمنا كان ينادمه ويجالسه جماعة ن اشتهروا بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم، الشاعر الشامي، من بني شامة ابن لؤي؛ وعمر بن فرح الرخجي؛ وأبوالسمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية؛ وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة.
وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علومنزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفيها حج المنتصر بالله، وحجت معه جدته أم المتوكل.
وفيها هلك أبوسعيد محمد بن يوسف الروزي فجأة، وكان عقد له على أرمينية، وأذربيجان، فلبس أحد خفيه، ومد الآخر ليلبسه، فمات، فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان إلى أبيه من الحرب؛ وولاه خراج الناحية، فسار إليها وضبطها، وحج بالناس هذه السنة المنتصر.
وفيها خرج حبيبة البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، فأغاروأن واستطالوأن فسار إليهم جيش من عبد الرحمن، فقاتلهم، فهزمهم، فتفرقوا.

وفيها غزا جيش بالأندلس بلاد برشلونة، فقتلوا من أهلهأن فأكثروأن وأسروا جماً غفيرأن وغمنوأن وعادوا سالمين.
وفيها توفي هدبة بن خالد، وسنان الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي.
وفيها توفي مصعب بن عبد اله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ابن العوام أبوعبد الله المدني، وكان عمره ثمانين سنة، وهوعم الزبير بن بكار، وكان عالماً فقيهأن إلا أنه كان منحرفاً عن علي، عليه السلام.
وفيها أيضاً توفي منصور بن المهدي، ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي المسيبي البغدادي، وكان ثقة.
وفيها توفي جعفر بن حرب الهمذاني أحد أئمة المعتزلة البغداديين، وعمره تسع وخمسون سنة، وأخذ الكلام عن ابن أبي الهذيل العلاف البصري.
حوادث سنة سبع وثلاثين ومائتين
ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم
في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه.
وكان سبب ذلك أن يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريق له بقراط بن أشوط، ويقال له بطريق البطارقة، يطلب الأمان، فأخذه يوسف وابنه نعمة، فسيرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط، وتحالفوا عن قتل يوسف، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهوصهر بقراط على ابنته، فأتى الخبر يوسف، ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه، فلم يقبل، فلما جاء الشتاء، ونزل الثلج، مكثوا حتى سكن الثلج، ثم أتوه وهوبمدينة طرون، فحصروه بهأن فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم، فقتلوه وكل من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك، وانج بنفسك عريانأن ففعلوأن ومشوا حفاة عراة، فهلك أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع كثير منهم، ونجوأن وكان ذلك في رمضان.
وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فوجه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة، فقتلوهم في يوم واحد.
فلما بلغ المتوكل وجه بغا الكبير إليهم، طالباً بدم يوسف، فسار إليهم على الموصل والجزيرة، فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زرارة، وله إخوة: إسماعيل، وسليمان، وحمد، وعيسى، ومحمد، وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكل، وأباح قتلة يوسف، فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفأن وسبى منهم خلقاً كثيرأن فباعهم وسار إلى بلاد الباق، فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، صاحب الباق، والباق من كورة البسفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرأن ثم سار إلى تفليس فحصرها.
ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم القضاءوفيها غضب المتوكل على احمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه، وحبس ابنه أبا الوليد، وسائر أولاده، فحمل أبوالوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع أملاكهم.
وكان أبوهم أحمد بن أبي دؤاد قد فلج، وأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرأن ورضي عنه، وولاه قضاء القضاة، ثم ولاه المظالم، فولى يحيى بن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال الجماز:
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدراً ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين
كأنك قد وضعت عليه دناً ... فتحت بزالة من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
ذكر ولاية العباس بن الفضل صقلية
وما فتح فيها
قد ذكرنا سنة ثمان وعشرين ومائتين أن محمد بن عبد الله، أمير صقلية، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين، فلما مات اجتمع المسلمون بها على ولاية العباس بن الفضل بن يعقوب، فولوه أمرهم، فكتبوا بذلك إلى محمد بن الأغلب أمير إفريقية فأرسل إليه عهداً بولايته، فكان العباس إلى أن وصل عهده يغير، ويرسل السرايأن وتأتيه الغنائم.
فلما قدم إليه عهده بولايته خرج بنفسه وعلى مقدمته عمه رباح، فأرسل في سرية إلى قلعة أبي ثور، فغمن، وأسر وعاد، فقتل الأسرى، وتوجه إلى مدينة قصريانة، فنهب، وأحرق، وخرب ليخرج إليه البطريق، فلم يفعل، فعاد العباس.

وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين خرج حتى بلغ قصريانة ومعه جمع عظيم، فغمن، وخرب، وأتى قطانية، وسرقوسة، ونوطس، ورغوس، فغمن من جميع هذه البلاد، وخرب وأحرق، ونزل على بثيرة، وحصرها خمسة أشهر، فصالحه أهلها على خمسة آلاف رأس.
وفي سنة اثنتين وأربعين سار العباس في جيش كثيف، ففتح حصوناً خمسة؛ وفي سنة ثلاث وأربعين سار إلى قصريانة، فخرج أهلهأن فلقوه، فهزمهم، وقتل فيهم فأكثر، وقصد سرقوسة وطبرمين وغيرهمأن فنهب، وخرب، واحرق، ونزل على القصر الجديد وحصره، وضيق على من به من الروم، فبذلوا له خمسة عشر ألف دينار، فلم يقبل منهم، وأطال الحصر، فسلموا إليه الحصن على شرط أن يطلق مائتي نفس، فأجابهم إلى ذلك، وملكه، وباع كل من فيه سوى مائتي نفس، وهدم الحصن.
ذكر فتح قصريانةفي سنة أربع وأربعين ومائتين فتح المسلمون مدينة قصريانة، وهي المدينة التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن سرقوسة، فلما ملك المسلمون بعض الجزيرة نقل دار الملك إلى قصريانة لحصانتها.
وسبب فتحها أن العباس سار في جيوش المسلمين إلى مدينة قصريانة، وسرقوسة، وسير جيشاً في البحر، فلقيهم أربعون شلندي للروم، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم الروم، واخذ منهم المسلمون عشر شلنديات برجالهأن وعاد العباس إلى مدينته.
فلما كان الشتاء سير سرية، فبلغت قصريانة، فنهبوأن وخربوأن وعادوا ومعهم رجل كان له عند الروم قد ومنزلة، فأمر العباس بقتله، فقال: استبقني، ولك عندي نصيحة! قال: وما هي؟ قال: أملكك قصريانة، والطريق في ذلك أن القوم في هذا الشتاء وهذه الثلوج آمنون من قصدكم إليهم، فهم غير محترسين، ترسل معي طائفة من عسكركم حتى أدخلكم المدينة.
فانتخب العباس ألفي فارس أنجاد أبطال، وسار إلى أن قاربهأن وكمن هناك مستترأن وسير عمه رباحاً في شجعانهم، فساروا مستخفين في الليل، والرومي معهم مقيد بين يدي رباح، فأراهم الموضع الذي ينبغي أن يملك منه، فنصبوا السلاليم، وصعدوا الجبل، ثم وصلوا إلى سور المدينة، قريباً من الصبح، والحرس نيام، فدخلوا من نحوباب صغير فيه، يدخل منه الماء وتلقى فيه الأقذار، فدخل المسلمون كلهم، فوضعوا السيف في الروم، وفتحوا الأبواب.
وجاء العباس في باقي العسكر، فدخلوا المدينة وصلوا الصبح يوم الخميس منتصف شوال، وبنى فيها في الحال مسجدأن ونصب فيه منبرأن وخطب فيه يوم الجمعة، وقتل من وجد فيها ن المقاتلة، وأخذوا ما فيها من بنات البطارقة بحليهن، وأبناء الملوك، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الشرك يومئذ بصقلية ذلاً عظيماً.
ولما سمع الروم أرسل ملكهم بطريقاً من القسطنطينية في ثلاثمائة شلندي وعسكر كثير، فوصلوا إلى سرقوسة، فخرج إليهم العباس من المدينة، ولقي الروم، وقاتلهم، فهزمهم، فركبوا في مراكبهم هاربين، وغمن المسلمون منهم مائة شلندي، وكثر القتل فيهم، ولم يصب من المسلمين ذلك اليوم غير ثلاثة نفر بالنشاب.
وفي سنة ست وأربعين ومائتين نكث كثير من قالع صقلية وهي: وسطر، وابلأن وابلاطنوأن وقلعة عبد المؤمن، وقلعة البلوط، وقلعة أبي ثور، وغيرها من القالع، فخرج العباس إليهم، فلقيهم عساكر الروم، فاقتتلوأن فانهزم الروم، وقتل منهم كثير.
وسار إلى قلعة عبد المؤمن وقلعة ابلاطنوأن فحصرهأن فأتاه الخبر بأن كثيراً من عساكر الروم قد وصلت، فرحل إليهم، فالتقوا بجفلودى، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزمت الروم، وعادوا إلى سرقوسة، وعاد العباس إلى المدينة، وعمر قصريانة، وحصنهأن وشحنها بالعساكر.
وفي سنك سبع وأربعين ومائتين سار العباس إلى سرقوسة، فغمن وسار إلى غيران قرقنة، فاعتل ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام، ثالث جمادى الآخرة، فدفن هناك فنبشه الروم، وأحرقوه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد شتاء وصيفأن وغزا أرض قلورية وانكبردة وأسكنها المسلمين.
ذكر ابتداء أمر يعقوب بن الليثوفيها تغلب إنسان من أهل بست، اسمه صالح بن النضر الكناني، على سجستان، ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان واستنقذها من يده.

ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين، من المتطوعة، فتغلب عليهأن وكان غير ضابط لعسكره، وكان يعقوب بن الليث هوقائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه، اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من تدبيره، وحسن سياسته، وقيامه بأمورهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر، وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالأمر، وضبط البلاد، وقويت شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ولي عبيد بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد.
وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان في ربيع الأول فولي الحربة، والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداد، وأعمال السواد وأقام بها.
وفيها عزل أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بابن الربيع.
وفيها أمر المتوكل جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد، وضم رأسه إلى بدنه، وغسل، وكفن، ودفن، واجتمع عليه من العامة ما لا يحصى يتمسحون به؛ وكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال في القرآن وغيره، وكتب إلى الآفاق بذلك.
وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى ارمني، وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور وكن والي مكة.
وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة، وتأول القرآن على غير تأويله، فتبعه قوم من الغوغاء، فكان من شرائعه أنه كان ينهى عن قص الشعر وتقليم الأظافر، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتي به، وكان أول ما خاطبه به من دعاه إلى أتباعه، فأمره العامل بالتوبة، فامتنع فصلبه.
وفيها سارت جيوش المسلمين إلى بلاد المشركين، فكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين، وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، وهي مشهورة بالأندلس.
وفيها توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد النرسي وعبيد الله بن معاذ العنبري.
النرسي بالنون والراء والسين المهملة.
حوادث سنة ثمان وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله بغا بتفليس
قد ذكرنا مسير بغا إلى تفليس ومحاصرتها؛ وكان بغا لما سار إليها وجه زيرك التركي، فجاز نهر الكر، وهونهر كبير، ومدينة تفليس على حافته، وصغدبيل على جانبه الشرقي، فلما عبر النهر نزل بميدان تفليس، ووجه بغا أيضاً أبا العباس الوارثي النصراني إلى أهل أرمينية عربها وعجمهأن فأتى تفليس مما يلي باب المرفص، فخرج إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية من تفليس إلى زيرك، فقابل عند الميدان، ووقف بغا على تل مشرف ينظر ما يصنع زيرك وأبوالعباس، فدعا بغا النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، فاحرقوها وهي من خشب الصنوبر.
وأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة، فرأى قد أحرقت قصره وجواريه وأحاطت به، فأتاه الأتراك، والمغاربة، فأخذوه أسيراً وأخذوا ابنه عمرأن فأتوا بهما بغأن فأمر بإسحاق فضربت عنقه، وصلبت جثته على نهر الكر، وكان شيخاً محدورأن ضخم الرأس، أحول، واحترق بالمدينة نحوخمسين ألف إنسان، وأسروا من سلم من النار، وسلبوا الموتى.
وأخذ أهل إسحاق ما سلم من ماله بصغدبيل، وهي مدينة حصينة حذاء تفليس بناها كسرى أنوشروان، وحصنها إسحاق، وجعل أمواله فيها مع امرأته ابنه صاحب السرير.
ثم إن بغا وجه زيرك إلى قلعة الحرزمان، وهي بين برذعة وتفليس، في جماعة من جنده ففتحهأن واخذ بطريقها أسيراً؛ ثم سار بغا إلى عيسى ابن يوسف، وهوفي قلعة كبيش، في كورة البيلقان، ففتحها وأخذه فحمله، وحمل معه أبا العباس الوارثي، واسمه سنباط بن أشوط، وحمل معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران.
ذكر مسير الروم إلى ديار مصرفي هذه السنة جاء ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة، يكون ماؤها إلى صدر الرجل، فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجازه قوم فسلموأن وغرق كثير من نساء وصبيان، ومن كان به قوة سار إلى مصر.

وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، فلما حضر العيد أمر الجند الذين بدمياط أن يحضروا مصر، فساروا منهأن فاتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوأن وأحرقوأن وسبوأن وأحرقوا جامعهأن وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع، وقند، وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحوستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم من ذلك.
وكان عنبسة قد حبس بن الأكشف بدمياط، فكسر قيده، وخرج يقاتلهم، وتبعه جماعة، وقتل من الروم جماعة، وسارت الروم إلى أشنوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد.
ذكر وفاة عبد الرحمن بن الحكم
وولاية ابنه محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:39 am

وفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
وكان أسمر طويلأن أقنى، أعين، عظيم اللحية، مخضباً بالحناء، وخلف خمسة وأربعين ولداً ذكورأن وكان أديبأن شاعرأن وهومعدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له اسمها طروب، وشهر بهأن وكان عالماً بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة وغيرهم أيامه أيام عافية وسكون، وكثرت الأموال عنده، وكان بعيد الهمة واخترع قصورأن ومنتزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة رواقين، وتوفي قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه، وبنى جوامع كثيرة بالأندلس.
ولما مات ملك ابنه محمد، فجرى على سيرة والده، وأتم بناء الجامع بقرطبة، وأمه تسمى بهتر، وولد له مائة ولد كلهم ذكور، وهوأول من أقام أبهة الملك بالأندلس، ورتب رسوم المملكة، وعلا عن التبذل للعامة، فكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في أبهة الملك، وهوأول من جلب الماء العذب إلى قرطبة، وأدخله إليهأن وجعل لفصل الماء مصنعاً كبيراً يرده الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار المتوكل نحوالمدائن، فدخل بغداد، وسار منها إلى المدائن، وغزا الصائفة على علي بن يحيى الأرمني.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه، وكان إماماً عالمأن وجرى له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة؛ ومحمد بن بكار المحدث.
حوادث سنة تسع وثلاثين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس ذراعين عسليتين على الأقبية والدراريع، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين.
فيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان.
وفيها أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشاً مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح، وكان أهل طليطلة قد خربوا سورهأن وقتلوا كثيراً من أهلهأن وأصلح الحكم سورهأن وأعاد من فارقها من أهلها إليهأن وأصلح حالهأن وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثهأن وسير محمد أيضاً جيشاً آخر إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن، فانهزم العسكر، وأصيب أكثر من فيه.
وفيها مات أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي ببغداد في ذي الحجة، وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني.
وفيها حج جعفر بن دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم، وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى وكان والي مكة.
وفيها اتفق الشعانين للنصارى ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط.
وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي أبوأحمد، وهومن مشايخ البخاري ومسلم والترمذي.
حوادث سنة أربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم
في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي، وكان قتل رجلاً من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه، وأخرجوا عامل الخراج، فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب، ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم وأعلمني، حتى أمدك برجال وفرسان.
فساروا إليهم، فوصلوا في ربيع الآخر، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم الأعاجيب، حتى أحوجهم إلى محاربته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلس
وفي هذه السنة، في المحرم، كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة.
وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد ابن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وعلى أبيه من قبله، فلما كان الآن سار محمد في جيوشه إلى طليطلة، فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه وإلى ملك بشكنس فأمداهم بالعساكر الكثيرة.
فلما سمع محمد بذلك، وكان قد قارب طليطلة، عبأ أصحابه، وقد كمن لهم الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم هوإليهم في قلة من العسكر، فلما رأى أهل طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم، فسارعوا إلى قتالهم، وطمعوا فيهم، فلما تراءى الجمعان، وانتشب القتال، خرجت الكمناء من كل جهة على المشركين، وأهل طليطلة، فقتل منهم ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف رأس فرقت في البلاد، فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من الطائفتين عشرون ألف قتيل، وبقيت القتلى على وادي سليط دهراً طويلاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريت بالبصرة.
وفيها جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة؛ وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وكان على أحداث الموسم جعفر بن دينار.
وفيها توفي القاضي أبوعبد الله بن أبي دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يومأن وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقأن فأفشى الزندقة.
وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبورجاء الثقفي وله تسعون سنة، وهوخراساني من مشايخ البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة، وتوفي أبوثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه، وهومن أصحاب الشافعي، وأبوعثمان محمد بن الشفعي، وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن أبيه، وعن ابن عنبسة، وقيل مات بعد سنة أربعين. وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
؟
حوادث سنة إحدى وأربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم
في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم محمد بن عبدويه، وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من دمشق والرملة، فظفر بهم، فضرب منهم رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص وسير ثمانية رجال المتوكل بإخراج النصارى منهأن وهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التي إلى جانب الجامع إلى الجامع، ففعل ذلك.
؟؟
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة، ملكة الروم، من أسرى المسلمين اثني عشر ألفأن فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن تنصر جعلته أسوة من قبله من المنتصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفاً الخادم القضاء من يقوم مقامه، فأذن له فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهوشاب، ووقع الفداء على نهر اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلأن ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة.
وفيها جعل المتوكل كل كورة شمشاط عشرية وكانت خراجية.
ذكر غارات البجاة بمصروفيها أغارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغور بلاد الإسلام لهدنة قديمة، وقد ذكرناها فيما مضى، وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين عليهأن ويؤدون إلى عمال مصر نحوالخمس.

فلما كانت أيام المتوكل امتنعت عن أداء ذلك، فكتب صاحب البريد بمصر بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، فهرب المسلمون منها خوفاً على أنفسهم، فأنكر المتوكل ذلك، فشاور في أمرهم، فذكر له أنهم أهل بادية، أصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة، وأن كل من يدخلها من الجيوش يحتاج إلى أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد الإسلام، فإن جاوز تلك المدة هلك، وأخذتهم البجاة باليد، وأن أرضهم لا ترد على سلطان شيئاً.
فأمسك المتوكل عنهم، فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم، وولاه معونة تلك الكور، وهي قفط والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عبسنة بن إسحاق الضبي، عامل حرب مصر، بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه، ففعل ذلك.
وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن يعمل في المعادن والمتطوعة عالم كثير، فبلغت عدتهم نحواً من عشرين ألفاً بين فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق، والزيت، والتمر، والشعير، والسويق، وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر مما يلي بلاد البجاة، وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، وسار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم، واسمه علي بابأن في جيش كثير أضعاف من مع القمي، فكانت البجاة على الإبل، وهي إبل فرة تشبه المهاري، فتحاربوا أيامأن ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيام، وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم بغير حرب، فأقبلت تلك المراكب التي فيها الأقوات في البحر، ففرق القمي ما كان فيها في أصحابه فامتنعوا فيها.
فلما رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال، وجمع لهم، فالتقوا قتالاً شديدأن وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء، فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في عسكره وجعلها في أعناق خيله، ثم حملوا على البجاة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، فحملتهم على الجبال والأودية، وتبعهم المسلمون قتلاً وأسرأن حتى أدركهم الليل، وذلك أول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم.
ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته وبلاده، فأدى إليهم الخراج للمدة التي كان منعهأن وهي أربع سنين، وسار مع القمي إلى المتوكل، واستخلف على مملكته ابنه بغش، فلما وصل إلى المتوكل خلع عليه وعلى أصحابه، وكسا جمله رحلاً كليحاً وجلال ديباج، وولى المتوكل البجاة طريق مصر، ما بين مصر ومكة، سعداً الخادم الإيتاخي، فولى الإيتاخي محمداً القمي، فرجع إليها ومعه علي بابا وهوعلى دينه، وكان معه صمن من حجارة كهيئة الصبي يسجد له.
؟
ذكر عدة حوادث
وفيها مطر الناس بسامرا مطراً شديداً في آب.
وقيل فيها: إنه أنهي إلى المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب خان عاصم ببغداد، يشتم أبا بكر، وعمر، وعائشة، وحفصة، فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه بالسياط، فإذا مات ورمى به في دجلة، ففعل ذلك وألقي في دجلة. وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر.
وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأخذت من كان أسيراً من الزط مع نسائهم وذراريهم ودوابهم.
وفيها اكثر محمد، صاحب الأندلس، من الرجال بقلعة رباح، وتلك النواحي، ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش إلى غزوالفرنج إلى موسى، فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، وافتتحوا بعض حصونها وعادوا.
ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم، المعروف بقوصرة، صاحب بريد مصر والغرب، وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود، وحج جعفر ابن دينار، وهووالي الطريق وأحداث الموسم. وفيها كثر انقضاض النجوم، فكانت كثيرة لا تحصى، فبقيت ليلة من العشاء الآخرة إلى الصبح.
وفيها كانت بالري زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوماً.
وفيها خرجت ريح من بلاد الترك، فقتلت خلقاً كثيرأن وكان يصيبهم بردها فيزكمون، فبلغت سرخس، ونيسابور، وهمذان، والري، فانتهت إلى حلوان.
وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربيع الأول.

؟
حوادث سنة اثنتين وأربعين ومائتين
في هذه السنة كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت الدور، وهلك تحت الهدم بشر كثير، قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفسأن وكان أكثر ذلك بالدامغان، وكان بالشام، وفارس، وخراسان في هذه السنة زلازل، وأصوات منكرة، وكان باليمن مثل ذلك مع خسف.
وفيها خرجت الروم من ناحية سميساط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور والجزرية فانتهبوأن وأسروا نحواً من عشرة آلاف، وكان دخولهم من ناحية أرين قرية قريباس ثم رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله الأقطع، وقوم من المتطوعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتياً.
وفيها قتل المتوكل رجلاً عطارأن وكان نصرانياً فأسلم، فمكث مسلماً سنين كثيرة، ثم ارتد، واستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فقتل وأحرق.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشاً إلى بلد المشركين، فدخلوا إلى برشلونة، وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء أعمالهأن فغمنوا كثيرأن وافتتحوا حصناً من أعمال برشلونة يسمى طراجة، وهومن آخر حصون برشلونة.
وفيها مات أبوالعباس محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، عاشر المحرم، كان عمره ستاً وثلاثين سنة، وولي بعده ابنه أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين.
وفيها مات أبوحسان الزيادي قاضي الشرقية، ومات الحسن بن علي بن الجعد، قاضي مدينة المنصور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهوعلى مكة؛ وحج جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم؛ وتوفي القاضي يح بن أكثم التميمي بالربذة عائداً من الحج؛ ومحمد بن مقاتل الرازي، وأبوحصين يحيى بن سليم الرازي المحدث.
؟
حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين
وفي هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل، فضحى ببلد فقال يزيد بن محمد المهلبي:
أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن يدع العراق وساكينه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق
وفيها مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي، وكان أديباً شاعرأن فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد الجراح، خليفة إبراهيم.
ومات عاصم بن منجور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى؛ وحج جعفر بن دينار وهووالي الطريق وأحداث الموسم.
وفيها خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى كلبيرة وعليها مسعود بن عبد الله العريف، فخرج إليهم فيمن معه ن الجنود، فلقيهم، فقاتلهم، فانهزم أهل طليطلة، وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبع مائة رأس.
وفيها توفي شهيد بن عيسى بن شهيد الأندلسي، وكان من العلماء.
وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن يوسف المعروف بابن السكيت، النحوي الغوي، وقيل سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ست وأربعين؛ والحارث ابن أسد المحاسبي أبوعبد الله الزاهد، وكان قد هجره الإمام أحمد بن حنبل لأجل الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه إلا أربعة نفر.
حوادث سنة أربع وأربعين ومائتينفي هذه السنة دخل المتوكل مدينة دمشق في صفر، وعزم على المقام بهأن ونقل دواوين الملك إليهأن وأمر بالبناء بهأن ثم استوبأ البلد وذلك بان هواءه بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث؛ وغلت الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة، فرجع إلى سامرأن وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامأن فلما كان بها وجه بغا الكبير لغزوالروم، فغزا الصائفة فافتتح صملة.
وفيها عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار، وقيل عقد له سنة اثنتين وأربعين وهوالصواب.
وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي، صلى اله عليه وسلم، وتسمى العنزة، فكانت لنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي، صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يدي النبي، صلى اله عليه وسلم، في العيدين، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة.
وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين.
وفيها اتفق عبد الأضحى والشعانين لنصارى، وعبد الفطر لليهود، في يوم واحد، وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى.

وفيها توفي إسحاق بم موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري؛ وعلي بن حجر السعدي المروزي وهما إمامان في الحديث؛ ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ ومحمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية القاضي في جمادى الأولى.
أسيد بفتح الهمزة.
حوادث سنة خمس وأربعين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة، وسماها الجعفرية، وأقطع القواد وأصحابه فيهأن وجد في بنائهأن وأنفق عليها فيما قل أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القراء، فقرأوأن وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم، وكان يسميها هووأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصراً سماه لؤلؤة لم ير مثله في علوه، وحفر لها نهراً يسقي ما حولهأن فقتل المتوكل، فبطل حفر النهر، وأخربت الجعفرية.
وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله، وزلزل عسكر المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير، فسقط منها ألف وخمس مائة دار، وسقطج من سورها نيف وتسعون برجأن وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفهأن وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر.
وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدري أين ذهب، وسمع أهل سيس، فيما قيل، صيحة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة، والثغور، وطرسوس وأدنة، وزلزلت الشام، فلم يسمع من أهل اللاذقية إلا اليسير، وهلك أهل جبلة.
وفيها غارت مسنيات عين مكة، فبلغ ثمن القربة ثمانين درهمأن فبعث المتوكل، مالأن وأنفق عليها.
وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل، وهلال الرازي.
وفيها هلك نجاح بن سلمة، وكان سبب هلاكه أنه كان على ديوان التوقيع، وتتبع العمال، وكان على الضياع، فكان جميع العمال يتوقونه، ويقضون حوائجه، وكان المتوكل ربما نادمه، وكان الحسن بن مخلد، وموسى بن عبد الملك قد انقطعا إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل، وكان الحسن على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج، فكتب نجاح بن سلمة فيهما رقعة إلى المتوكل أنهما خانا وقصرا وأنه يستخرج منها أربعين ألف ألف؛ فقال له المتوكل: بكر غداً حتى أدفعهما إليك. فغدا وقد رتب أصحابه لأخذهمأن فلقيه عبيد الله بن يحيى الوزير، فقال له: أنا أشير عليك بمصالحتهمأن وتكتب رقعة أنك كنت شاربأن وتكلمت ناسيأن وأنا أصلح بينكمأن وأصلح الحال عند أمير المؤمنين، ولم يزل يخدعه حتى كتب خطه بذلك.
فلما كتب خطه صرفه، واحضر الحسن وموسى، وعرفهما الحال، وأمرهما أن يكتبا في نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار، ففعلأن وأخذ الرقعتين وأدخلهما على المتوكل، وقال: قد رجع نجاح عما قال، وهذه رقعة موسى والحسن ويتقبلان بما كتبأن فتأخذ ما ضمنا عليه، ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريباً منه.
فسر المتوكل بذلك، وأمر بدفعه إليهمأن فأخذاه وأولاده، فأقروا بنحومائة أربعين ألف دينار سوى الغلات، والغرس، والضياع، وغير ذلك، فقبض ذلك أجمع، وضرب، ثم عصرت خصيتاه حتى مات، وأقر أولاده بعد الضرب بسبعين ألف دينار، سوى ما لهما من ملك وغيره، فأخذ الجميع وأخذ من وكلائه في جميع البلاد مال جزيل.
وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوأن وسبوأن وأسردوأن خلقاً كثيرأن وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة، ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليهأن فبعث إليهم ملك الروم بطريقاً يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا البطريق إليهم، ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوأن فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور، فسيره إلى المتوكل فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم.
وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام يعرف بالزيني وهووالي مكة.
وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع خلت من حزيران، ولثمان وعشرين من أردبيهشت، فقال البحتري:
إن يوم النيروز عاد إلى العه ... د الذي كان سنه أردشير
ذكر خروج الكفار بالأندلس
إلى بلاد الإسلام

في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس، في مراكب، إلى بلاد الإسلام، فأمر محمد بن عبد الرحمن، صاحب بلاد الإسلام، بإخراج العساكر إلى قتالهم، وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى العدوة، فحلت بناكور، ثم عادت إلى الأندلس، فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوالة.
ثم تقدموا إلى حائط إفرنجة، وأغاروأن وأصابوا من النهب والسبي كثيراً ثم انصرفوأن فلقيتهم مراكب محمد، فقاتلوهم، فأحرقوا مركبين من مراكب الكفار، وأخذوا مركبين آخرين، فغمنوا ما فيهمأن فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في القتال، فاستشهد جماعة من المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة بنبلونة، فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجي، فاقتدى نفسه منهم بتسعين ألف دينار.
وفيها غزا عامل طرسونة إلى بنبلونة، فافتتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم كانت على المسلمين في اليوم الثاني وقعة استشهد فيها جماعة.
ذكر الحرب بين البربر وابن الأغلب بإفريقيةفي هذه السنة كانت بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب وقعة عظيمة في جمادى الآخرة.
وسببها أن بربر لهان امتنعوا على عامل طرابلس من أداء عشورهم وصدقاتهم، وحاربوه فهزموه، فقصد لبدة فحصنهأن وسار إلى طرابلس، فسير إليه أحمد بن محمد الأمير جيشاً مع أخيه زيادة الله، فانهزم البربر، وقتل منهم خلق كثير، وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من أدرك منهم، وأسر جماعة، فضربت أعناقهم، وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن البربر بعدهأن وأعطوا الرهن، وأدوا طاعتهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، وكان سبب موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيما أحب إليك المعتز والمؤيد، أوالحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين، عليهما السلام، بما همل أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
وفيها توفي ذوالنون المصري في ذي العقدة؛ وأبوتراب النخشبي الصوفي، نهشته السباع فمات بالبادية؛ وأبوعلي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي، وقيل مات سنة ثمان وأربعين؛ وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، وكان قد عمي.
حوادث سنة ست وأربعين ومائتينوفيها غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف راس، وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، وغزا الفضل ابن قارن بحراً في عشرين مركبأن فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغمن، وسبى، وغزا علي بن يحيى الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، والحمير، ونحواً من عشرة آلاف رأس.
وفيها تحول المتوكل إلى الجعفرية.
وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفساً.
وفيها مطر أهل بغداد نيفاً وعشرين يومأن حتى نبت العشب فوق الاجاجير؛ وصلى المتوكل صلاة الفطر بالجعفرية، وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دماً عبيطاً؛ وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي، وضحى أهل سامرا يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء.
وفيها سار محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوش عظيمة، وأهبة كثيرة إلى بلد بنبلونة فوطئ بلادهأن ودوخهأن وخربهأن ونهبهأن وقتل فيها فأكثر، وافتتح حصن فيروس، وحصن فالحسن، وحصن القشتل، وأصاب فيه فرتون بن غرسية، فحبسه بقرطبة عشرين سنة، ثم أطلقه إلى بلده، وكان عمره لما مات ستاً وتسعين سنة، وكان مقام محمد بنبلونة اثنين وثلاثين يوماً.
وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاع وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع.
وفيها توفي السري بن معاذ الشيباني بالري، وكان أميراً عليهأن حسن السيرة، من أهل الفضل؛ وتوفي أحمد بن إبراهيم الدورقي ببغداد، ومحمد بن سليمان الأسدي الملقب بكوين.
حوادث سنة سبع وأربعين ومائتين
ذكر مقتل المتوكل
وفي هذه السنة قتل المتوكل، وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل، وإقطاعها الفتح بن خاقان، فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفأن وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في رمضان، وشاع في الناس، واجتمعوا لذلك، وخرج بنوهاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب.

فلما كان يوم الجمعة، وأراد الركوب للصلاة، قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ون غيرهم، فبعض متظلم، وبعض طالب حاجة، وأمير المؤمنين يشكوضيق الصدر، وعلة به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه، فليفعل.
فأمر المنتصر بالصلاة، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تأمر المعتز بالصالة، فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك، وقد بلغ الله به؛ وكان قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد، فأمر المعتز، فركب فصلى بالناس، وأقام المنتصر في داره بالجعفرية، فزاد ذلك في إغرائه.
فلما فرغ المعتز من خطبيه قام إليه عبيد الله والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه، فلا فرغ من الصلاة انصرف ومعه الناس في موكب الخلافة، حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه عنده، فسره ذلك.
فلما كان عيد الفطر قال: مروا المنتصر يصلي بالناس! فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين، واحتشدوا لذلك؛ فلم يركب؛ ولا يأمن إن هولم يركب اليوم، أن يرجف الناس بعلته، فإذا رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء، ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل.
فركب وقد وصف له الناس نحوأربعة أميال، وترجلوا بين يديه، فصلى، ورجع، فأخذ حفنة من التراب، فوضعها على رأسه وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتراضع لله؛ فلما كان اليوم الثالث افتصد، واشتهى لحم جزور، فأكله، وكان قد حضر عنده ابن الحفصي وغيره، فأكلوا بين يديه. قال: ولم يكن يوم أسر من ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين، فحضروأن وأهدت له أم المعتز مطرف خز أخضر، لم ير الناس مثله، فنظر إليه، فأطال، وأكثر تعجبه منه، وأمر فقطع نصفين ورده عليهأن وقال لرسولها: والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه، وما احب أن يلبسه أحد بعدي، ولهذا أمرت بشقه.
قال فقلنا: نعيذك بالله أن تقول مثل هذا؛ قال: وأخذ في الشرب واللهو. ولج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل! ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل.
وكان قد عزم هوالفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك، وقد كان المنتصر واعد الأتراك ووصيفاً وغيره على قتل المتوكل.
وكثر عبث المتوكل، قبل ذلك بيوم، بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن لم تلطمه يعني المنتصر فقام إليه فلطمه مرتين، ثم أمر يده على قفاه، ثم قال لمن حضره: اشهدوا عليّ جميعاً أني قد خلعت المستعجل يعني المنتصر ثم التفت إليه فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس، لحمقك، المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل.
فقال المنتصر: لوأمرت بضرب عنقي كان أسهل عليّ مما تفعله بي؛ فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بناناً غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، وأخذ بيد زرافة الحاجب، وقال له: امض معي! فقال: إن أمير المؤمنين لم يمن، فقال: إنه قد أخذ منه النبيذ، والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي، فإن أوتامش سألني أن أزوج ولده من ابنتك، وابنك من ابنته؛ فقال: نحن عبيدك فمر بأمرك! فسار معه إلى حجرة هناك، وأكلا طعامأن فسمعا الضجة والصراخ، فقامأن وإذا بغا قد لقي المنتصر، فقال المنتصر: ما هذا؟ فقال: خير يا أمير المؤمنين، قال: ما تقول ويلك؟ قال: أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين، كان عباً لله دعاه فأجابه.
فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوك فأغلق، وأغلقت الأبواب كلهأن وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.

وأما كيفية قتل المتوكل، فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائماً عند الستر، وذلك اليوم كان نوبة بغا الكبير، وكان خليفته في الدار ابنه موسى، وموسى هوابن خالة المتوكل، وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع؛ فقال بغا: إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة لا أترك أحدأن وقد شرب أربعة عشر رطلأن وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة. وأخرجهم، فلم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدم الخاصة، وأبوأحمد بن المتوكل، وهوأخوالمؤيد لأمه.
وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلهأن إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فبصر بهم أبوأحمد، فقال: ما هذا يا سفل! وإذا سيوف مسللة، فلما سمع المتوكل صوت أي أحمد رفع رأسه، فرآهم فقال: ما هذا يا بغا؟ فقال: هؤلاء رجال النوبة؛ فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم، فقال لهم بغا: يا سفل! أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراماً! فرجعوأن فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلاً! قطع الله يدك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده، فضربها فأبانهأن وشاركه باغر، فقال الفتح: ويلكم! أمير المؤمنين... ورمى بنفسه على المتوكل، فبعجوه بسيوفهم، فصاح: الموت! وتنحى، فقتلوه.
وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم، وقالوا: إنا نخاف؛ فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: أرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحأن وأحمد، وعبد الله، ونصرأن وعبيد الله.
وقيل إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد فرغنا من الأسد، والحيات، والعقارب، وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية والعقرب والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال: يا ويلك! أي سيوف؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا الفتح، وخرجوا إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا علي رأس زرافة بالسيوف، وقالوا: بايع، فبايع.
وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قد قتل أبي فقتلته، فاحضر في وجوه أصحابك! فحضر هووأصحابه، فبايعوا. وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته ينفذ الأمور ولا يعلم، وبين يديه جعفر بن حامد، إذ كلع عليه بعض الخدم فقال: ما يحسبك والدار سيف واحد؟ فأمر جعفراً بالنظر، فخرج، وعاد وأخبره أن المتوكل والفتح قتلأن فخرج فيمن عنده من خدمه وخاصته، فأخبر أن الأبواب مغلقة، وأخذ نحوالشط، فإذا أبوابه مغلقة، فأمر بكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط، وركب في زورق، فأتى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل نفسه وقتلني.
واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء، من الأبناء، والعجم، والأرمن والزواقيل، وغيرهم، فكانوا زهاء عشرة آلاف، وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفأن وقيل ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، فقالوا: ما اصطنعتنا إلا لهذا اليوم، فمرنا بأمرك، وأذن لنا منل على اللوم ونقتل المنتصر ومن معه! فأبى ذلك، وقال: المعتز في أيديهم.
وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل، قبل قتله بأيام، كتاباً من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته، فقال: مالك؟ فقلت: خير! قال: لا بد من أن تقرأه، فقرأته، وحدث عن ذكر الخلفاء، فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ قال أبوالوارث، قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتياً وهويقول:
يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان
أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟
فأتى البريد بعد أيام بقتلهما.
وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ليلة الخميس؛ وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ومائتين، وكان عمره نحوأربعين سنة.
وكان أسمر، حسن العينين، نحيفأن خفيف العارضين، ورثاه الشعراء فأكثروأن ومما قيل فيه قول علي بن الجهم:
عبيد أمير المؤمنين قتله ... وأعظم آفات الملوك عبيدها

بني هاشم صبرأن فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها
ذكر بعض سيرتهذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال: أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع، وخلع علي المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، وأمر ابنه المنتصر وسعداً الإيتاخي أن يلقطاها لي، ففعلأن والشعر الذي قلته:
ملك الخليفة جعفر ... لدين والدنيا سلامه
لكم تراث محمد ... وبعد لكم تشفى الظلامة
يرجوالتراث بنوالبنا ... ت وما لهم فيها قلامه
والصهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامه
ما للذين تنحلوا ... ميراثكم إلا الندامة
أخذ الوراثة أهلها ... فعلام لومكم علامه
لوكان حقكم لما ... قامت على الأنس الثيامه
ليس التراث لغيركم ... لا والإله، ولا كرامه
أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم علامه
ثم نثر علي، بعد ذلك، لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.
وقال يحيى بن أكثم: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون، فقلت بتفضيله، وتقريظه، ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولاً كثيرأن لم يقع لموافقة من حضر، فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ فقلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد، ولا مع البيان والأفهام حجة لتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف، لظهور الحجة.
فقال المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه، فقال يحيى: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة.
قال: فا كان يقول خلال حديثه، فإن أمير المؤمنين المعتصم بالله، رحمه اله، كان يقوله وقد أنسيته؛ قال كان يقول: اللهم إني أحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك.
قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئأن أوبشر بشيء؟ فقد نسيناه؛ قال يحيى: كان يقول إن ذكر آلاء الله وكثرتهأن وتعداد نعمه، والحديث بها فرض من الله على أهلهأن وطاعة لأمره فيهأن وشكر له عليهأن فلا حمد لله العظيم الآلاء السابغ النعماء بما هوأهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شكره، المانعة غيره، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنأن ولا يحيط به ذكرنا من ترادف منته، وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه، فقال المتوكل: صدقت، هذا هوالكلام بعينه.
وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأمر أن يقام على المشعر الحرام، وسائر المشاعر، الشمع مكان الزيت والنفط.
وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع، وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر.
ذكر بيعة المنتصرقد ذكرنا قتل المتوكل، ومن بايع المنتصر أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل تلك الليلة، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد، والكتاب، والوجوه، والشاكرية، والجند، وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف.
قيل وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وإذا رجع قام لقيامه، وإذا ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرجه.

وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوماً في طريق المنتصر، ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه، وأحفظه، ووثب عليه، وانصرف غضبان، وانصرفنا معه إلى داره؛ وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ، قال: فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر، فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال المنتصر، فركبت في سلاح وعدة، وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل، فركب فلحقته في بعض الطريق وأما مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك بأس؛ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات، رحمه الله تعالى.
فشق علي، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر، ووكل بالأبواب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت. قال: أجل، وكن أنت خلف ظهري، فأحطنا به، وبايعه من حضر، وكل من جاء يوقف، حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف المؤيد، قال لي: امض أنت إلى المعتز حتى يحضر، فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان لي، فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحداً من الحرس والبوابين، فصرت إلى الباب الكبير، فدققته دقاً عنيفأن فأجبت بعد مدة: من أنت؟ فقلت: رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرسول، وأبطأن وخفت، وضاقت علي الأرض، ثم فتح الباب، وخرج بيدون الخادم، وأغلق الباب، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه، فمات من ساعته، وأن الناس قد اجتمعوأن وبايعوا المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع.
فدخل، ثم خرج، فادخلني على المعتز، فقال لي: ويلك ما الخبر؟ فأخبرته، وعزيته وبكيت وقلت: تحضر، وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك، فقال: حتى يصبح، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب، وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن عبيد الله بن يحيى، فقلت: هويأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فأيس، وأتينا باب الخير، ففتح لنأن وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه، وعانقه، وعزاه، وأخذ البيعة عليه.
ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد، ففعل به مثل ذلك، فأصبح الناس، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح.
ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخورة، وهي المدينة التي كان بناها المتوكل، وفي أهل سامرأن بقتل المتوكل، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية، وغيرهم من الغوغاء والعامة، وكثر الناس، وتسامعوأن وركب بعضهم بعضأن وتكلموا في أمر البيعة، فخرج إليهم عتاب بن عتاب، وقيل زرافة، فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر، فأسمعوه، فدخل عليه فأعلمه، فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم وقال: خذوهم! فدفعوهم إلى الأبواب، فازدحم الناس وركب بعضهم بعضأن فتفرقوا وقد مات منهم ستى أنفس.
ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية
وابنه محمد وغزواتهما
قد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع وأربعين، فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى الأمير بإفريقية بذلك، وأخرج عبد اله السرايأن ففتح قلاعاً متعددة منها: جبل أبي مالك وقلعة الأرمنين وقلعة المشارعة، فبقي كذلك خمسة أشهر.
ووصل من إفريقية خفاجة بن سفيان أميراً على صقلية، فوصل في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين، فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود، فقصد سرقوسة فغمن، وخرب وأحرق، وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر، وعاد فاستأمن إليه أهل رغوس؛ وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيهأن على ما نذكره، ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان، ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه الدفعة، والله أعلم.
وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس، وسبب ذلك أن بعض أهلها أخبر المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم، فغمنوا منها أموالاً جليلة، ثم فتحوا شكلة بعد حصار.
وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة، ثم إلى جبل النار، فأتاه رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان، فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، فتم الأمر، ثم غدروأن فأرسل خفاجة محمداً في جيش إليهأن ففتحها وسبى أهلها.

وفيها أيضاً سار خفاجة إلى رغوس، فطلب أهلها الأمان ليطلق رجل من أهلها بأموالهم، ودوابهم، ويغمن الباقي، ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال، ورقيق، ودواب، وغير ذلك، وهادنه أهل الغيران وغيرهم، وافتتح حصوناً كثيرة، ثم مرض، فعاد إلى بلرم.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة وقطانية، وخرب بلادهأن وأهلك زروعهأن وعاد وسارت سراياه إلى أرض صقلية، فغمنوا غنائم كثيرة.
وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ار خفاجة في العشرين من ربيع الأول، وسير ابنه محمداً على الحراقات، وسر سرية إلى سرقوسة فغمنوأن وأتاهم الخبر أن بطريقاً قد سار من القسطنطينية في جمع كثير، وغمن المسلمون منهم غنائم كثيرة؛ ورحل خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعهأن وغمن منهأن وعاد إلى بلرم، وسير ابنه محمداً في البحر، مستهل رجب، إلى مدينة غيطة، فحصرهأن وبث العساكر في نواحيهأن فغمن وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف إلى بلرم في شوال.
وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير خفاجة ابنه محمداً إلى مدينة طبرمين، وهي من أحسن مدن صقلية، فسار في صفر إليهأن وكان قد أتاهم من وعدهم أن يدخلهم إليها من طريق يعرفه، فسيره مع ولده، فلما قربوا منها تأخر محمد، وتقدم بعض عساكره رجالة مع الدليل، فأدخلهم المدينة، وملكوا بابها وسورهأن وشرعوا في السبي والغنائم، وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معه من العسكر عن الوقت الذي وعدهم أنه يأتيهم فيه، فلما تأخر ظنوا أن العدوقد أوقع بهم فمنعهم من السبي، فخرجوا عنها منهزمين، ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه من العسكر، فرأى المسلمين قد خرجوا منهأن فعاد راجعاً.
وفيها في ربيه الأول خرج خفاجة وسار إلى مرسة، وسير ابنه في جماعة كثيرة إلى سرقوسة، فلقيه العدوفي جمع كثير فاقتتلوأن فوهن المسلمون، وقتل منهم، ورجعوا إلى خفاجة، فسار إلى سرقوسة فحصرهأن وأقام عليهأن وضيق على أهلهأن وأفسد بلادهأن وأهلك زرعهم، وعاد عنها يريد بلرم، فنزل بوادي الطين وسار منه ليلأن فاغتاله رجل من عسكره، فطعنه طعنة فقتله، وذلك مستهل رجب، وهرب الذي قتله إلى سرقوسة، وحمل خفاجة إلى بلرم، فدفن بها وولى الناس عليهم بعده ابنه محمداً وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد، أمير إفريقية، فأقره على الولاية، وسير له العهد والخلع.
ذكر ولاية ابنه محمدلما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدأن وأقره بن أحمد بن الأغلب، صاحب القيروان، على ولايته، فسير جيشاً في سنة ست وخمسين ومائتين إلى مالطة، وكان الروم يحاصرونهأن فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها.
وفي سنة سبع وخمسين ومائتين في رجب قتل الأمير محمد، قتله خدمه الخصيان وهربوأن فطلبهم الناس فأدركوهم فقتلوهم.
ذكر عدة حوادثوفيها ولي المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد، مولى بني هاشم، بعد البيعة له بيوم، المظالم، فقال الشاعر:
يا ضيعة الإسلام لما ولي ... مظالم الناس أبوعمرة
صير مأموناً على أمة ... وليس مأموناً على بعره
وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي، واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري.
وفيها سار جيش للمسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة، وهي للفرنج، فأوقعوا بأهلهأن فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشاً كثيفأن وأرسل المسلمون يستمدون، فأتاهم المدد، فنازلوا برشلونة، وقاتلوا قتالاً شديداً فملكوا أرباضهأن وبرجين من أبراج المدينة، فقتل من المشركين بها خلق كثير، وسلم المسلمون، وعادوا وقد غمنوا.
وفيها توفي أبوعثمان بكر بن محمد المازني النحوي، الإمام في العربية.
حوادث سنة ثمان وأربعين ومائتين
ذكر غزاة وصيف الروم
في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفاً التركي إلى بلاد الروم؛ وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيب شحناء وتباغض، فحرض أحمد ابن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة، فأمر المنتصر بإحضار وصيف، فلما حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغر، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنة أن يهلك كل ما مر به من بلاد الإسلام، وسقتل ويسبي، فإما شخصت أنت، وإما شخصت أنا.

فقال: بل أشخص أنأن يا أمير المؤمنين. فقال لأحمد بن الخصيب: انظر إلى ما يحتاج إليه وصيف فأتمه له. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ما نعم؟ قم الساعة! وقال لوصيف: مر كاتبك أن يوافقه على ما يحتاج إليه ويلزمه حتى يفرغ منه. فقاما.
ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه، حتى خرج، وانتخب له الرجال، فكان معه اثنا عشر ألف رجل، وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان، أخوالفتح، وكتب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد يعلمه ذلك، ويأمره أن ينتدب الناس إلى الغزاة ويرغبهم فيهأن وأمر وصيفاً أن يوافي ثغر ملطية، وجعل على نفقات العسكر، والمغامن، والمقاسم أبا الوليد الحريري البجلي؛ ولما سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزوفي أوقات الغزومنها إلى أن يأتيه رأيه.
ذكر خلع المعتز والمؤيدوفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد؛ وكان سبب خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي المعتز الخلافة، فيبيد خضراءنأن ولا يبقي منا باقية؛ والآن الرأي أن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:41 am

وقيل إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذاً ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليستخير أجودهأن فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته.
وقيل إنه كان وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنأن فورم رأسه، فمات.
وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات.
وقيل: كان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إمنا مدة حياته ستى اشهر، مدة شيرويه بن كسرى، قاتل أبيه؛ يقوله الخاصة والعامة.
وقيل إن المنتصر كان نائماً في بعض الأيام، فانتبه وهويبكي وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار، فأتاه، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كنت نائمأن فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني فقال: ويحك يا محمد! قتلتني، وظلمتني، وغبنتني خلافتي، والله لا متعت بها بعدي إلا أياماً يسيرة، ثم مصيرك إلى النار؛ فقال عبد الله: هذه رؤيأن وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك الله، ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ في اللهولا تعبأ بها. ففعل ذلك ولم يزل منكسراً إلى أن توفي.
قال بعضهم: وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرهأن فأشاروا بقتله، فكان كما ذكرنا بعضه.
وكان عمره خمساً وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل أربعاً وعشرين سنة، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل كانت ستة أشهر سواء، وكانت وفاته بسامرأن فلما حضرته الوفاة أنشد:
وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرأن وبها كان مولده، وكان أعين، أقنى، ققصيرأن مهيبأن وهوأول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره، وكانت أمه أم ولد رومية.
ذكر بعض سيرتهكان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف، راغباً في الخير، جوادأن كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين عليهما السلام، فأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح ابن علي عن المدينة واستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس ابن محمد.
قال علي: فلما دخلت أودعه قال لي: يا علي! إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ساعده وقال: إلى هذا أوجه بك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني إلى آل أبي طالب. فقال: أرجوأن أمتثل أمر أمير المؤمنين، إن شاء الله تعالى، فقال: إذاً تسعد عندي.
ومن كلامه: والله ما عز ذوباطل ولوطلع القمر من جبينه، ولا ذل ذوحق ولوأصفق العالم عليه.
ذكر خلافة المستعينوفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة؛ وكان سبب ذلك أن المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستخلفوا قواد الأتراك، والمغاربة، والشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوأن وتشاوروأن وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم، واجتمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر وهوابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أتامش.
فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة في زي الخلافة، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة، وصف واجن الأشروسني أصحابه صفين، وقام هووعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم.

فبينا هم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحومن خمسين فارساً ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح، وصاحوا: نفير، يا منصور! وشدوا على أصحاب الأشروسني فتضعضعوأن وانضم بعضهم إلى بعض، وتحرك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية، وكثروأن فحمل عليهم المغاربة، وبعض الأشروسنية، فهزمزهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم، فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم.
ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح، والدروع، والجواشن، والسيوف، والتراس، وغير ذلك، وكان الذين نهبوا ذلك الغوغاء، وأصحاب الحمامات، وغلمان أصحاب الباقلي، وأصحاب الفقاع، فأتاهم بغا الكبير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وكثر القتل من الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرأن وهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد اله بن طاهر، فبايع له هووالناس ببغداد.
ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين أخوالمتوكل لأبيه، وليس هوكذلك، إمنا هوولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم.
ذكر عدة حوادثوفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان، فلمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعاون السواد، وأفرد به.
وفيها مات بغا الكبير، فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلهأن وولى ديوان البريد.
وفيها وجه أبوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي، فقتله بكفرتوثي لخمس بقين من ربيع الآخر.
وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه رسول ينفيه إلى برقة، ويمنعه من الحج.
وفيها أتباع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما القضاة والفقهاء، وكان الشراء باسم الحسن بن المخلد للمستعين، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف دينار، وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في الجوسق، ووكل بهمأن وكان الأتراك حين شغب الغوغاء أرادوا قتلهمأن فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال: لا ذنب لهأن ولكن احبسوهمأن فحبسوهما.
وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفى ماله ومال ولده، ونفي إلى إقريطش.
وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية، وعقد له على أرمينية وأذربيجان في شهر رمضان.
وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه، فزجه إليهم المستعين الفضل بن قارن، فأخذهم، فقتل منهم خلقاً كثيرأن وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا.
وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، فافتتح حصن فرورية.
وفيها عقد المستعين لأتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيراً.
وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهر جانقذق، وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه، وحرمه، وحراسه، وخاص أموره، وقدمه وأتامش على جميع الناس.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها حكم محمد بن عمروأيام المنتصر. وخرج بناحية الموصل خارجي، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني، فأسره مع عدة من أصحابه، فقتلوا وصلبوا.
وفيها تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحوهراة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عدويه أبومحمد الرافعي الزاهد، وكان مستجاب الدعوة، وهومن أهل إفريقية.
وفيها سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة، وكان المشركون قد تطاولوا إلى ذلك الجانب فلقيتهم السرية، فأصابوا من المشركين، وقتلوا كثيراً منهم.
وفيها كان بصقلية سرايا للمسلمين، فغمنت وعادت، ولم يكن حرب بينهم تذكر.
وفيها توفي أبوكريب محمد بن العلاء الهمذاني الكوفي في جمادى الآخرة، وكان من مشايخ البخاري ومسلم، ومحمد بن حميد الرازي المحدث.
حوادث سنة تسع وأربعين ومائتين
ذكر غزو الروم
وقتل علي بن يحيى الأرمني

في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنأن ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك ف جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف، فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير.
ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفأن وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين في منتصف رجب، فلما قتل عمر بن عبيد اله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك علي ابن يحيى وهوقافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة من أهلهأن ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحومن أربع مائة رجل وذلك في شهر رمضان.
ذكر الفتنة ببغدادوفيها شغب الجند والشاكرية ببغداد، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى، وكانا من شجعان الإسلام، شديداً بأسهمأن عظيماً غناؤهما عن المسلمين في الثغور، شق ذلك عليهم مع قرب مقتل أحدهما من الآخر، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك لمتوكل، واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين.
فاجتمعت العامة ببغداد الصراخ، والنداء بالنفير، وانضم إليها الأبناء، والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، وكان ذلك أول صفر، فتحوا السجون، وأخرجوا من فيهأن وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالاً كثيرة، ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها لغزوالروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولم يوجه عسكره.
ذكر الفتنة بسامراوفيها في ربيه الأول وثب نفر من الناس لا يدري من هم بسامرأن ففتحوا السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة، ثم سكن ذلك آخر النهار.
ذكر قتل أتامشفي هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع؛ وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد والدته، ويد أتامش، وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وباحهم فعل ما أرادوأن فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة؛ فأخذ أتامش أكثر ما في بيوت الأموال، وكان في حجره العباس بن المستعين، وكان ما فضل من هؤلاء الثلاثة أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته، وكانت الموالي تنظر إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة، ووصيف وبغا بمعزل من ذلك، فأغريا الموالي بأتامش، وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراعنة عليه، وخرج إليه منهم أهل الدور والكرخ، فعسكروا في ربيع الآخر، وزحفوا إليه وهوفي الجوسق مع المستعين، وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، فأقاموا على ذلك يومين ثم دخلوا الجوسق، وأخذوا أتامش فقتلوه، وقتلوا كاتبه شجاعأن ونهبت دور أتامش، فأخذوا منه أموالاً جمة وغير ذلك.
فلما قتل استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولي وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح، فهرب إلى بغداد، فاستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي، فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد، فقال الحمدوني:
لبس السيف سعيد بعدما ... كان ذا طمرين لا توبة له
إن لله لأيات، وذا ... آية له فينا منزله
ذكر عدة حوادثفيها قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب، كان توجه إلى الثغر، فلقيه خيل لكلب، فقتلوه واخذوا ما معه، فقال وهوفي السياق:
أزيد في الليل ليل ... أم سال في الصبح سيل
ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل
وكان منزله بشارع دجيل.
وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد ابن عثمان البرجمي الكوفي، وقيل كان ذلك سنة خمسين ومائتين.

وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور، ومات خلق من أهلهأن وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة، وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهووالي مكة.
وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، جيشاً مع ابنه إلى المدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج، فجالت الخيل في ذلك الثغر، وغمنت، وافتتحت بها حصوناً منيعة.
وفيها توفي أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، ثالث عشر ذي القعدة، فلما مات ولى أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولى زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان، أمير صقلية، يعرفه موت أخيه، وأمره أن يقيم على ولايته.
حوادث سنة خمسين ومائتين
ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي
ومقتله
في هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين، عليه السلام، بالكوفة، وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، رضي الله عنهم.
وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة، ولزمه دين ضاق به ذرعأن فلقي عمر بن فرج، وهويتولى أمر الطالبيين، عند مقدمه من خراسان، أيام المتوكل، فكلمه في صلته، فأغلظ له عمر القول، وحبسه، فلم يزل محبوساً حتى كفله أهله، فأطلق، فسار إلى بغداد، فأقام بها بحال سيئة، ثم رجع إلى سامرأن فلقي وصيفاً في رزق يجري له، فأغلظ له وصيف وقال: لأي شيء يجري على مثلك.
فانصرف عنه إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبوالحسين جمعاً كثيراً من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة، فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب محمد إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى ابن عمر، فمضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه، وكان فيما قيل ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة، وفتح السجون واخرج من فيهأن وأخرج العمال عنهأن فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه، فضربه يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثخنه بهأن فانهزم عبد الله، واخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال.
وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية، وجماعة من أهل تلك النواحي إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان، فكثر جمعه، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة، فسار إليه، فنزل في وجهه لم يقدم عليه، فسار يحيى والحسين في أثره، حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن ابن الخطاب المعروف بوجه الفلس، قبل دخولهأن فقاتله، وانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين، فنزلا بشاهي.
واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضي من آل محمد، فاجتمع الناس إليه وأحبوه، وتولاه العامة من أهل بغداد، ولا يعلم أنهم يولون أحداً من بيته سواه، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم.
وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح، واتصلت بهم الأمداد، وأقام يحيى بالكوفة يعد العدد، ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية، من لا علم لهم بالحرب، لمعالجة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه، فزحف إليه ليلة الاثنين عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضم العجلي وغيره، ورجالة من أهل الكوفة ليس لهم علم ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم، وصبحوا الحسين وهومستريح، فثاروا بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموأن ووضعوا فيهم السيف، وكان أول أسير الهيضم العجلي، وانهزم رجالة أهل الكوفة، وأكثرهم بغير سلاح، فداستهم الخيل.

وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جزشن، قد تقطر به فرسه، فوقف عليه ابن لخالد بن عمران، فقال له: خير، فلم يعرفه، وظنه رجلاً من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن، فأمر رجلأن فنزل إليه، فاخذ رأسه، وعرفه رجل كان معه، وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فسير محمد الرأس إلى المستعين، فنصب بسارما لحظة، ثم حطه، ورده إلى بغداد لينصب بهأن فلم يقدر محمد على ذلك لكثرة من اجتمع من الاس، فخاف أن يأخذوه فم ينصبه، وجعله في صندوق في بيت السلاح.
ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس من قتل، وبالأسرى، فحبسوا ببغداد، وكتب محمد بن عبد الله يسأل العفوعنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تنصب، ففعل ذلك.
ولما وصل الخبر بقتل يحيى جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم أبوهاشم الجعفري، فقال: أيها الأمير! إنك لتهنأ بقتل رجل لوكان رسول الله، صلى اله عليه وسلم، حياً ليعزي به. فما رد عليه محمد شيئأن فخرج داود وهويقول:
يا بني طاهر كلوه وبيئاً ... إن لحم النبي غير مري
إن وتراً يكون طالبه الل ... ه لوتر نجاحه بالحري
وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك قول بعضهم:
بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول
وبكته العراق شرقاً وغرباً ... وبكاه الكتاب والتنزيل
والمصلى والبيت والركن والحج ... ر جميعاً له عليه عويل
كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا: أبوالحسين قتيل
وبنات النبي يبدين شجواً ... موجعات دموعهن همول
قطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم، الجميل
إن يحيى أبقى بقلبي غليلاً ... سوف يودي بالجسم ذاك الغليل
قتله مذكر لقتل علي ... وحسين، ويوم أوذي الرسول
صلوات الإله وقفاً عليهم ... ما بكى موجع وحن ثكول
ذكر ظهور الحسن بن زيد العلويوفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، بطبرستان. وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة قرب ثغر الديلم، وهما كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك، إمنا هي موات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأن فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، واسمه جابر بن هارون النصراني، وعامل طبرستان يومئذ سليمان ابن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي، وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء، فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم، ومن أبيهم، ومن سليمان سوء السيرة.
ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، فسبى منهم وقتل، فساء ذلك أهل طبرستان، فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله، عمد فحاز فيه ما اتصل به من ارض موات يرتفق بها الناس، وفيها حاز كلار وشالوس.
وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطنها ممن رامها من الديلم، مذكوران بإطعام الطعام والإفضال، يقال لأحدهما محمد، وللآخر جعفر، وهما ابنا رستم، فأنكر ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر، فهرب منهمأن فلحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويتعذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل، فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره.

ثم أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن إبراهيم، كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكني أدلكم على رجل منا هوأقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد، وهوبالري، فوجهوا إليه، عن رسالة محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليهأن فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته، فبايعوه كلهم، وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان ابن عبد الله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان كأصمغان، وقادوسيان، وليث بن قتاد، وجماعة من أهل السفح.
ثم تقدم الحسن ومن معه نحومدينة آمل، وهي أقرب المدن إليهم، واقبل ابن أوس من سارية ليدفعه عنهأن فاقتتلوا قتالاً شديدأن وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها.
فلما سمع ابن أوس الخبر، وهومشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد، لم يكن له همة إلا النجاء بنفسه، فهرب، ولحق بسليمان إلى سارية، فلا استولى الحسن على آمل كثر جمعه، وأتاه كل طالب نهب وفتنة، وأقام بآمل أيامأن ثم سار نحوسارية لحرب سليمان بن عبد الله فخرج إليه سليمان، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحوسارية فدخلهأن فلما سمع سليمان الخبر انهزم هوومن معه، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية، واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه، فأما الحرم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان، وأما المال فكان قد نهب وتفرق.
وقيل إن سليمان انهزم اختياراً لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال:
نبئت خيل ابن زيد أقبلت حيناً ... تريدنا لتحسينا الأمرينا
يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ولجميع الطاهريينا
أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا ... أكون من بينهم رأس الموالينا
فالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطميينا
فلما التقوا انهزم سليمان؛ فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جنداً مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن يزيد أيضأن فملكهأن وطرد عنها عامل الطاهرية، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
وورد الخبر على المستعين، ومدير أمره يومئذ وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن عنهأن وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب عنه.
فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت أمور كرهها أهل الري، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائداً من عنده يقال له محم ين ميكال في جمع من الجند إلى الري، ووهوأخوه الشاه بن ميكال، فالتقى هوومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري، فأسر محمد بن جعفر، وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال الري، فأقام بهأن فوجه الحسن بن زيد عسكراً عليه قائد يقال له واجن، فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال، فالتقوأن فاقتتلوأن فانهزم ابن ميكال، والتجأ إلى الري معتصماً بهأن فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد.
فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اله عنه، وإدريس ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن علي بن طاهر فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين.
ذكر عدة حوادثوفيها غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه بعث إلى الشاكرية، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة في ربيع الأول.
وفيها أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي الشوارب والعثمانيين، وأخرج الحسن بن الأفشين من الحبس.
وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة.

وفيها وثب أهل حمص، وقوم من كلب، بعاملهم، وهوالفضل بن قارن أخومازيار بن قارن، فقتلوه، فوجه المستعين إلى حمص موسى بن بغا في رمضان، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن، وحاربوه، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أهلها الأعيان.
وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي وأحمد بن عبد الكريم الحوراني التيمي، قاضي البصرة.
وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا. وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتبهوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق.
وفيها وجه محمد بن طاهر بفيلين وأصنام أتي بها من كابل، وحج بالناس جعفر بن الفضل بشاشات، وهووالي مكة.
وفيها توفي زيادة الله بن محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام فلما مات ملك بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
وفيها توفي محمد بن الفضل الجرجرائي، وزير المتوكل، والفضل بن مروان، وزير المعتصم، وكان موته بسر من رأى؛ والخليع الشاعر الحسين ابن الضحاك، وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة، وهومشهور الأخبار والأشعار.
وفيها توفي الحارث بن مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، وهومن ولد أبي بكر الثقفي؛ ونصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الحافظ.
وفيها توفي أبوحاتم سهل بن محمد السختياني اللغوي، روى عن أبي زيد، والأصمعي، وأبي عبيدة، وقيل توفي سنة خمسين، والله تعالى بالغيب أعلم.
حوادث سنة إحدى وخمسين ومائتين
ذكر قتل باغر التركي
وفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله وصيف وبغا.
وكان سبب ذلك أن باغراً كان أحد قتلة المتوكل، فزيد في أرزاقه، فأقطع قطائع، فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية، يقال له ابن مارمة، بوكيل لباغر، وتناوله، فحبس ابن مارمة، وقيد، ثم تخلص، وسار إلى سامرأن فلقي دليل بن يعقوب النصراني، وهويومئذ صاحب أمر بغا الشرابي والحاكم في الدولة، وكان ابن مارمة صديقاً له، وكان باغر أحد قواد بغأن فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمة، فانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلاً.
وكان باغر شجاعاً يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذي الحجة من سنة خمسين وهوسكران، وبغا في الحمام، فدخل إليه وقال: من قتل دليلاً يقتل له؛ فقال له بغا: لوأردت ولدي ما منعتك منه. ولكن اصبر. فإن أمور الخلافة بيد دليل، وأقيم غيره، ثم افعل به ما تريد.
وأرسل بغا إلى دليل يأمره ألا يركب، وعرفه الخبر، وأقام في كتابته غيره، وتوهم باغر أنه قد عزله، فسكن بغر، ثم أصلح بينهما بغأن وباغر يتهدده، ولزم باغر خدمه المستعين، فقيل ذلك للمستعين.
فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تجعل هذه الأعمال إلى باغر. وسمع دليل ذلك، فركب إلى بغا فقال له: أنت في بيتك، وهم في تدبير عزلك، فإذا عزلت قتلت.
فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني؟ فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة، فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه، فأرجفا له أنه يؤمر، ويخلع عليه، ويكون موضع بغا ووصيف؛ فأحس باغر ومن معه بالشر، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل، ومعهم غيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على ابن المعتصم، أوابن الواثق، ويكون الأمر لنا كما هولهذين، فأجابوه إلى ذلك.
وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف، وقال لهما: أنتما جعلتماني خليفة، ثم تريدان قتلي؟ فحلفا أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم باغر ورجلين من الأتراك معه، وحبسهم، فأحضروا باغراً فأقبل في عدة، فعدل به إلى حمام وحبس فيه.
وبلغ الخبر الأتراك، فوثبوا إلى اصطبل الخليفة، فانتهبوه وركبوا ما فيه، وحصروا الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.
ذكر مسير المستعين إلى بغداد

فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم واحمد بن صالح بن شيرزاد ودليل إلى بغداد في حراقة؛ فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين فسألوهم الانصراف، فلم يفعلوأن فلا علموا بانحدار المستعين وبغا ووصيف ندموأن ثم قصدوا دار دليل، ودور أهله وجيرانه، فنهبوهأن حتى صاروا إلى أخذ الخشب وعليق الدواب؛ فلما قدموا بغداد مرض ابن مارمة، فعاده دليل وقال له: ما سبب علتك؟ قال: انتقض عقر القيد؛ فقال دليل: لئن عقرك القيد لقد نقضت الخلافة، وبغيت الفتنة؛ ومات ابن مارمة في تلك الأيام، وقال بعض الشعراء في ذلك:
لعمري لئن قتلوا باغراً ... لقد هاج باغر حرباً طحوناً
وفر الخليفة والقائدا ... ن بالليل يلتمسان السفينا
وصاحوا بميسان ملاحهم، ... فوافاهم يسبق الناظرينا
فألزمهم بطن حراقة ... وصوت مجاذيفهم سائرينا
وما كان ثدر ابن مارمة ... فتكسب فيه الحروب الديونا
ولكن دليل سعى سية ... فأخزى الإله بها العالمينا
فحل ببغداد قبل الشروق ... فحل بها منه ما يكرهونا
فليت السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا
وأقبلت الترك والمعربون ... وجاء الفراغنة الدارعينا
تسير كراديسهم في السلاح ... يرجون خيلاص ورجلاً بنينا
فقام بحربهم عالم ... بأمر الحروب تولاه حينا
فجدد سوراً على الجانبي ... ن حتى أطاحهم أجمعينا
وأحكم أبوابها المصمتات ... تفت النفوس وتحمي العرينا
ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، وأخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته، فضربوه، وصلبوه على دقلهأن فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا سراً. وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد القواد، سوى جعفر الخياط، وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، وجماعة من أصحاب بغا ووصيف.
ذكر البيعة للمعتز باللهوفي هذه السنة بويع للمعتز بالله، وكان سبب البيعة أنه لما استقر المستعين ببغداد أتاه ماعة من قواد الأتراك المشغبين، فدخلوا عليه، وألقوا أنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللاً وخضوعأن وسألوه الصفح عنهم والرضا.
قال لهم: أنتم أهل بغي وفساد، واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إليّ في أولادكم فألحقهم بكم، وهم نحومن ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحومن أربعة آلاف، وغير ذلك كله أجبتكم إليه، وأدررت عليكم الأرزاق، فعملتم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغياً وفساداً؛ فعادوا وتضرعوأن وسألوه العفو، فقال المستعين: قد عفوت عنكم ورضيت.
فقال له أحدهم واسمه بابي بك: فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرأن فإن الأتراك ينتظرونك. فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه فضربه! وقال محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين قم فاركب معنا! فضحك المستعين وقال: قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام؛ وقال لهم المستعين: ترجعون إلى سامرأن فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر أنا في أمري. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله إلى بابي بك، وأخبروا من وراءهم خبرهم، وزادوأن وحرفوا تحريضاً لهم على خلعه، فاجتمع رأيهم على إخراج المعتز، وكان هووالمؤيد في حبس الجوسق، وعليهما من يحفظهمأن فأخرجوا المعتز من الحبس، وأخذوا من شعره، وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم.

وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحوخمس مائة ألف دينار، وفي بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف دينار. وكان فيمن أحضر للبيعة أبوأحمد بن الرشيد وبه نقرس، في محقة محمولأن فأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعأن فخلعتها ووزعمت أنك لا تقوم بها؛ فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبوأحمد: ما علمنا أنك أكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، فنريد أن تطلق نساءنأن وتخرج عن أموالنأن ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا السيف. فتركه المعتز.
وكان ممن بايع إبراهيم الديرج، وعتاب بن عتاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرط، واستعمل على الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك.
ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع الميرة عن أهل سامرأن وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هووأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهوعلى الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان ين عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرأن فأخذت سفينة بغداد فيها أرز وغيره، فهرب الملاح وبقيت السفينة حتى غرقت.
وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك، فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء، حتى أورده دجلة، وأمر حفر الخنادق من الجانبين جميعأن وجعل على كل باب قائدأن فبلغت النفقة على ذلك جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار؛ ونصب على الأبواب المنجنيقات والعرادات وشحن الأسوار، وفرض فرضاً للعيارين وجعل عليهم عريفاً اسمه يبنونه، وعمل لهم تراساً من البواري المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، وفرض أيضاً لقوم من خراسان قدموا حجاجاً فسئلوا المعونة فأعانوا.
وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال إلى بغداد، لا يحمل منها إلى سامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرأن يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له، ويذكرهم أياديه عندهم، وينهاهم عن المعصية والنكث.
ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات يدعوالمعتز محمداً إلى المبايعة ويذكره ما كان المتوكل أخذ له عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعوالمعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل واحد منهما على صاحبه.
وأمر محمد بكسر القناطر، وشق المياه بسطوح الأنبار وبادوريا ليقطع الأتراك عن الأنبار، وكتب المستعين والمعتز إلى موسى بن بغأن كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام، كان خرج لقتال أهل حمص، فانصرف إلى المعتز، وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تلف بعد أبيه، فاعتذر، وقال لأبيه: إمنا قدمت لأموت تحت ركابك. فأقام ببغداد أيامأن ثم هرب إلى سامرأن فاعتذر إلى المعتز، وقال: إمنا سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها. فقبله المعتز، ورده إلى خدمته.
وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضم إليه جميعاً من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغدادثم إن المعتز عقد لأخيه أبي احمد بن المتوكل، وهوالموفق، لسبع بقين من المحرم، على حرب المستعين، ومحمد بن عبد الله، وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، وجعل إليه الأمور كلهأن وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ألفاً من الأتراك والفراعنة، وألفين من المغاربة فلما بلغ عكبرا صلى بهأن وخطب للمعتز، وكتب بذلك إلى المعتز، فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم، ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين عكبرا وبغداد، فخربت الضياع، واخذ الناس في الطريق.
ولما وصل أبوأحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ووصل أبوأحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر، فقال بعض البصريين، يعرف بباذنجانة:
يا بني طاهر أتتكم جنود ال ... له والموت بينها مشهور
وجيوش إمامهم أبوأح ... مد نعم المولى ونعم النصير

ولما نزل أبوأحمد بباب الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين ابن إسماعيل، وجعل من هناك من القواد تحت بده، فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ساروا إلى الأنبار؛ فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية، فوقفوا بالقرب منه، فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل، والشاه بن ميكال، وبندار الطبري، فيمن معهم، وعزم على الركوب لقتالهم، فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم رجعوا إلى معسكرهم، فترك محمد الركوب.
فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك، وليرهب الأتراك، وركب ومعه وصيف وبغا في الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان، ويبذل هم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين، فلم يجيبوأن ومضى نحوباب قطربل، فنزل على شاطئ دجلة هوووصيف وبغأن ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فانصرف.
فلما كان من الغد أتاه رسل وجه الفلس، وغيره من القواد، يعلمونه أن الترك قد دنوأن وضربوا مضربهم برقة الشماسية، وأرسل إليهم: لا تبدأوهم بقتال، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم، وادفعوهم اليوم؛ فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر فارساً فرموا بالسهام، ولم يقاتلهم أحد، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر، فقتل منهم رجلأن فأخذوه ورجعوا.
وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل، فخلع عليه محمد بن عبد الله، ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية، فخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم، فاقتتلوا وقتل من الفريقين، وجرح، وكانوا في القتلى والجرحى على السواء، وانهزم أهل بغداد، وثبت أصحاب الواري ثم انصرفوأن وأحضر الأتراك منجنيقاً فغلبهم عليه العامة، فأخذوه.
ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان، فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه في جماعة، وأمرهما بالمقام بتلك الناحية، وحفظها من الأتراك، فسار إليهم الأتراك، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، وأخذت دوابهم، فدخلوا بغداد منهزمين، وجه الارك برؤوس القتلى إلى سامرأن واستولوا على طريق خراسان، وانقطع الطريق عن بغداد.
ووجه المعتز عسكراً في الجانب الغربي فساروا إلى بغداد، وجازوا قطربل، فضربوا عسكرهم هناك، وذلك لاثنتي عشرة خلت من صفر؛ فلما كان من الغد وجه محمد بن عبد الله عسكراً إليهم، فلقيهم الشاه بن ميكال، فتحاربوأن فانهزم أصحاب المعتز، خرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله، فانهزموا ووضع أصحاب محمد فيهم السيف، فقتلوهم أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل، ونهب عسكرهم جميعه، ومن سلم من القتل ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد، فأخذه أصحاب السفن، وحملوا الأسرى والرؤوس في الزواريق، فنصب بعضها ببغداد.
وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، والخلع، والأموال، وطلبت المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانأن وبعضهم بلغ سامرأن وكان عسكر المعتز أربعة آلاف، فقتل منهم ألفان، وغرق منهم جماعة، وأسر جماعة، فخلع محمد على جميع القواد، على كل قائد أربع خلع، وطوقاً وسواراً من ذهب، وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب، وكان أكثر العمل في هذا اليوم للعيارين.
وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لأثنتي عشرة بقيت من صفر إلى الشماسية، فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور، والحوانيت، والبساتين، من باب الشماسية إلى ثلاثة أبواب، ليتسع على من يحارب.
وقدم مال من فارس والأهواز مع منكجور الاشروسني، فوجه أبوأحمد الأتراك لأخذه، فوجه محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال، فعدلوا بع عن الأتراك، فقدموا به بغداد، فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحوالنهروان، فقتلوا واحرقوا سفن اجسر، وهي عشرون سفينة، ورجعوا إلى سامرا.

وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد، وكان المستعين قلده إمرة الثغور الجزرية، كان بمدينة بلد ينتظر الجنود وأمال ليسير إلى الثغور، فلما كان من أمر المستعين والأتراك ما ذكرنأن سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة في أصحابه وخاصته، وهم زهاء أربع مائة، فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس خلع، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات، فحاربه في نفر يسير، فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد، فلما سمع محمد بهزيمته قال: لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به.
وكانت للأتراك وقعة بباب الشماسية، فقاتلوا عليه قتالاً شديدأن حتى كشفوا من عليه ورموا ه المنجنيق بالنار والنفط، فلم يحرقه، ثم كثر الجند على الباب، فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحى؛ ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها رمياً شديدأن فقتلوا منهم نحومائة؛ وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور، فرمى بكلاب، فتعلق به، فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الأتراك، فرجعوا إلى معسكرهم.
وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فصاح: يا معتز، يا منصور، فظنوه من المغاربة فقتلوه.
وتقدم الأتراك، في بعض الأيام، إلى باب الشماسية، فرمي الدرغمان، مقدم المغاربة، بحجر منجنيق فقتله، وكان شجاعأن وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف أسته، ويصيح، ويضرط، ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد، بسهم في دبره، فجرح من خلفه فخر ميتاً.
واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوقي الجوهريين والصيارفة وغيرهمأن فشكا التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد، فقال لهم: كان ينبغي أن تحولوا متاعكم إلى منازلكم. ولم يصنع شيئأن ولا أنكر ذلك.
وقدم لثمان بقين من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه، فدعا الناس إلى بيعته، واخذ الناس بذلك، فمن امتنع ضربه وحبسه، وأنهم امتنعوا وهربوأن فقال وصيف: ما أظنه إلا ظن أن المستعين مات وقام المعتز، فقالوا: ما فعله إلا عن عمد؛ فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه كان بايع المعتز، فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة، وأنه على السمع والطاعة، فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين، فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم قتلى.
وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية، في كل سفينة خمسة وأربعون رجلاً ما بين نفاط وغيره، فمرت إلى ناحية الشماسية، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد، فانتقلوا إلى موضع لا ينالهم شيء من النار.
ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد، فقاتلوا عليهأن فقتل من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى العصر.
وفي ربيع الأول محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين، فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحواً من خمسين رجلأن ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة، فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل، فلما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلد سيفاً.
ووجه المعتز عسكراً يبلغون ثلاثة آلاف، فعسكروا بإزاء عسكر أبيأحمد بباب قطربل، وركب محمد بن عبد الله في عسكره، وخرج من النظارة خلق كثير، فحاذى عسكر أبي أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة، وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين رجلأن ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ، فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد، فنالت منهم، ورجع محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون برد الناس، فأمرهم بالعود، فاغلظوا له، فشتمهم وشتموه، وضرب رجلاً منهم فقتله، فحملت عليه العامة، فانكشف من بين أيديهم، فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن، وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد.
وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوهأن وقالوا مايل الأتراك، فانهزم أصحابه، وكلموا محمداً في صرفه، ومنعهم من أخذ ماله.

ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر أخيه أبي أحمد عند عكبرأن فأخرج إليهم ابن طاهر عسكرأن فمضوا حتى بلغوا قطربل وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم، وقتل بينهم جماعة، واندفع أصحاب محمد قليلاً إلى باب قطربل، والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وقتل من الأتراك أيضاً خلق كثير، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة، فنقبوا السور، فقتل أهل بغداد أول خارج منه، وكان القتل ذلك اليوم أكثره في الأتراك، والجراح بالسهام في أهل بغداد.
وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس، فخرجوا معه، وأمر الموكل بباب قطربل ألا يدع منهمزماً يدخله، ونشبت الحرب، فانهزم أصحاب عبد الله، وثبت أسد بن داود حتى قتل، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشد من الأتراك، فأخذوا منهم الأسرى، وقتلوا فأكثروأن وحملوا الأسرى والرؤوس إلى سامرأن فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوأن وارتفعت أصواتهم، وأصوات نسائهم، فبلغ ذلك المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينار، وأمر بالرؤوس فدفنت.
وقدم أبوالساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه؛ وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من المعتز إلى محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظ العهد القديم، وأن الواجب كان عله أن يكون أول أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته. فما رد عليه محمد جواب الكتاب، وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ون أصحاب محمد ثلاثمائة.
وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبوالساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، بالمسير إلى المدائن، فقال أبوالساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الثلاثاء فبراير 11, 2014 4:45 am

وقدم أبوالساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه؛ وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من المعتز إلى محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظ العهد القديم، وأن الواجب كان عله أن يكون أول أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته. فما رد عليه محمد جواب الكتاب، وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ون أصحاب محمد ثلاثمائة.
وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبوالساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، بالمسير إلى المدائن، فقال أبوالساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا العسكر المقيم بإزائك، فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم؛ فقال: إن لي تدبيرأن ويكفي اله إن شاء الله؛ فقال أبوالساج: السمع والطاعة وسار إلى المدائن وحفر خندقهأن وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وكتب المعتز إلى أخيه أبي أحمد يلومه لتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه في الجواب:
لأمر المنايا علينا طريق ... وللدهر فينا اتساع وضيق
وأيامنا عبرة للأنام ... فمنها البكور ومنها الطروق
ومنها هنات تشيب الوليد ... ويخذل فيها الصديق الصدوق
وفتنة دين لها ذروة ... تفوق العيون، وبحر عميق
قتال متين وسيف عتيد ... وخوف شديد، وحصن وثيق
وطول صياح لداعي الصباح ال ... سلاح السلاح فما يستفيق
فهذا طريح وهذا جريح ... وهذا حريق وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تليل ... وآخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب وثم انتهاب ... ودور خراب وكانت تروق
إذا ما شرعنا إلى مسلك ... وجدناه قد سد عنا الطريق
فيا لله نبلغ ما نرتجي ... وبالله ندفع ما لا نطيق
وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون.
ذكر حال الأنباروسير محمد بن عبد اله إلى الأنبار نجومة بن قيس، فأقام بهأن وجمع بها نحواً من ألفي رجل، وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمس ومائة، وشق الماء من الفرات إلى خندقهأن ففاض على الصحارى، فصار بطيحة واحدة وقطع القناطر، وسير المعتز جنداً مع علي الإسحاقي نحوالأنبار، فوصلوا ساعة وصلها مدد محمد وقد نزلوا ظاهرهأن فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم مدد محمد بن عبد الله، ورجعوا في الطريق الذي جاءوا فيه إلى بغداد.

وكان نجوبة بالأنبار لم يخرج منهأن فلما بلغه هزيمة مدده، ومسير الأتراك إليه، عبر إلى الجانب الغربي، وقطع الجسر وسار نحوبغداد، فاختار محمد ابن عبد الله إنفاذ الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من القواد والجند، فجهزهم، وأخرج لهم رزق أربعة أشهر، وخرج الجند، وعرضهم الحسين، وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى، وتبعه الناس، والقواد، وبنوهاشم إلى الياسرية.