aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 7, 8, 9, 10, 11  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأحد يوليو 06, 2014 7:55 am

أذنيه، ذا وفرة، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلج الاسنان، دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء - يعني الفضة - معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة سبط الغضب، شثن الكفين والقدمين، سابل الاطراف، خمصان الاخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشي هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الارض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه يبدأ من لقيه بالسلام * قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان دائم الفكرة، ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم، فصل: لا فضول ولا تقصير.
دمث: ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا (1) ولا يمدحه ولا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شئ حتى ينتصر له، وفي رواية: لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث يصل بها، يضرب براحته اليمنى
باطن (2) إبهامه اليسرى، وإذا عضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام * قال الحسن: فكتمها الحسين (3) بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا.
قال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الامة: إيثار أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والامة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
يدخلون عليه زوارا، ولا يفترقون إلا
__________
(1) في رواية البيهقي: 1 / 288 زاد: لا يذم ذواقا ولا يمدحه.
وفي رواية العلوي: لم يكن ذواقا ولا مدحة.
(2) في رواية البيهقي: بطن.
(3) في الاصل: الحسن، والصواب ما أثبتناه من رواية البيهقي.

عن ذواق وفي رواية: ولا يتفرقون إلا عن ذوق، ويخرجون أدلة يعني فقهاء.
قال: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خاتمه (1)، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الامر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا.
لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه
كيف كان ؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الاماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه، أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حكم (2) وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الاصوات، ولا تؤبن (3) فيه الحرم، ولا تنشى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى (4)، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب، قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح.
يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكثار وما لا يعنيه.
وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إذا كان أصحابه ليستجلبونهم (5) في المنطق ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام.
قال: فسألته كيف كان سكوته ؟ قال: كان سكوته على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكر.
فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس.
وأما تذكره أو قال
__________
(1) في البيهقي: خلقه.
(2) في رواية البيهقي: حلم.
(3) في البيهقي: ولا تؤبه.
(4) في رواية العقيقي نقلها البيهقي: وصاروا عنده في الحق متقاربين يتفاضلون بالتقوى.
سقط منها ما بينهما.
(5) في الاصل: يستحلبونه، وفي التيمورية: يستحلونه، وأثبتنا ما في البيهقي: حتى إذا كان أصحابه
ليستجلبونهم.

تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له لله: الحلم والصبر فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى (1)، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم * وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله في كتاب شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سفيان بن وكيع بن الجراح عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي: حدثني رجل من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لابي هالة عن الحسن بن علي قال: سألت خالي فذكره وفيه حديثه عن أخيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب * وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري لفظا وقراءة عليه: أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله (2) بن الحسين [ بن علي بن الحسين ] (3) بن علي بن أبي طالب القعنبي (4) صاحب كتاب النسب ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست وستين ومائتين، حدثني علي بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد [ عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين ] (5) قال: قال الحسن: سألت خالي هند بن أبي هالة فذكره.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله في كتابه الاطراف بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين: وروى إسماعيل بن مسلم بن قعنب القعنبي، عن إسحاق بن صالح المخزومي، عن يعقوب التيمي، عن عبد الله بن عباس أنه قال لهند بن أبي هالة - وكان وصافا لرسول الله -: صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بعض هذا الحديث، وقد روى الحافظ البيهقي (6) من طريق صبيح بن عبد الله الفرغاني وهو ضعيف عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثا مطولا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قريبا من حديث هند بن أبي هالة.
وسرده البيهقي بتمامه وفي أثنائه تفسير ما فيه من الغريب وفيما ذكرناه غنية عنه والله تعالى أعلم * وروى البخاري عن أبي عاصم الضحاك عن عمر بن سعيد بن أحمد بن
حسين، عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بليال فخرج هو وعلي يمشيان، فإذا الحسن بن علي يلعب مع الغلمان، قال فاحتمله أبو بكر على
__________
(1) زاد ابن سعد في الطبقات 1 / 423: ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته.
(2) في البيهقي: عبيد الله.
(3) من دلائل البيهقي 1 / 285.
(4) في الدلائل: العقيقي، وهو الحسن العلوي مات سنة 358 ه.
نسابة من آثاره: المثالب وكتاب في النسب ترجم له (الميزان 1 / 521) (تاريخ بغداد: 7 / 421) تنقيح المقال (1 / 309) أعيان الشيعة 23 / 257.
(5) من البيهقي، وفي الاصل: عن علي بن الحسين بن علي عن أبيه محمد بن علي بن الحسين تحريف.
(6) في دلائل النبوة ج 1 / 298.

كاهله وجعل يقول: [ بأبي، شبيه بالنبي ] (1) ليس شبيها بعلي، وعلي يضحك منهما رضي الله عنهما وقال البخاري: ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا إسماعيل عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه * وروى البيهقي عن أبي علي الروذباري عن عبد الله بن جعفر (2) بن شوذب الواسطي، عن شعيب بن أيوب الصريفيني، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن هانئ عن علي رضي الله عنه قال: الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك.
باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم قد قدمنا طيب أصله ومحتده، وطهارة نسبه ومولده، وقد قال الله تعالى: * (الله أعلم حيث يجعل رسالته) * [ الانعام: 124 ].
وقال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا بعد قرن حتى كنت من القرن الذي كنت فيه " (3) * وفي صحيح مسلم عن واثلة بن
الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم " وقال الله تعالى: * (ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * إن لك لاجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم) * [ القلم: 1 - 4 ] * قال العوفي عن ابن عباس: في قوله تعالى - * (وإنك لعلى خلق عظيم) * يعني - وإنك لعلى دين عظيم - وهو الاسلام * وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال عطية: لعلى أدب عظيم * وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث قتادة، عن زرارة بن [ أبي ] (4) أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى، فقالت: كان خلقه القرآن * وقد روى الامام أحمد بن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري قال: وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن * وروى الامام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي والنسائي من حديثه، وابن جرير من حديث ابن وهب كلاهما
__________
(1) من البخاري حديث 3542.
وفي الاصل: ياباي شبه النبي.
وأخرج البخاري الحديث في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله باب مناقب الحسن والحسين.
(2) في البيهقي 1 / 307: عمر.
(3) فتح الباري 6 / 566.
وهو صفة من صفاته صلى الله عليه وآله ولم يخرجه إلا البخاري.
(4) من مسلم، حديث (139) ص (512).
والحديث أخرجه أحمد في مسنده 6 / 54، 91، 111.
وأبو داود في الصلاة حديث 1342.
وابن ماجة في الاحكام حديث (2333) والنسائي في قيام الليل.
والحاكم في المستدرك 2 / 499 وابن حبان في صحيحه حديث (466).

عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن * ومعنى أنه عليه السلام مهما أمره به القرآن امتثله، ومهما نهاه عنه تركه.
هذا ما جبله الله عليه من الاخلاق الجبلية الاصلية
العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لاحد قبله، وهو مع ذلك خاتم النبيين فلا رسول بعده ولا نبي صلى الله عليه وسلم، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الاخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سليمان (1)، ثنا عبد الرحمن ثنا الحسن بن يحيى، ثنا زيد بن واقد، عن بشر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، أنا قيس بن أنيف، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران عن زيد بن بابنوس (2) قال: قلنا لعائشة يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ثم قالت: أتقرأ سورة المؤمنين ؟ إقرأ: قد أفلح المؤمنون، إلى العشر.
قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم * وهكذا رواه النسائي عن قتيبة * وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى: * (خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين) * [ الاعراف: 199 ].
قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس * وقال الامام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لاتمم صالح الاخلاق " تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه فقال: وإنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق * وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقا * وقال مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها (3) * ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك * وروى مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام عن أبيه عن
__________
(1) في رواية البيهقي 1 / 309: سليمان بن عبد الرحمن.
(2) من البيهقي، وفي الاصل: بابنوس.
ويزيد بن بابنوس بصري روى عن عائشة وروى عنه أبو عمران الجوني.
ذكره ابن حبان في " الثقات " 5 / 548.
(3) الحديث رواه البخاري: فتح الباري 6 / 566، 10 / 524، 12 / 86.
ومسلم في الفضائل (ح: 77) ومالك في الموطا في كتاب حسن الخلق.
وأبو داود في الادب والترمذي في المناقب.
وأحمد في مسنده (6 / 85، 113، 114، 116، 209، 262).

عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا إمرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شئ فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شئ من محارم الله فينتقم لله عز وجل (1) * وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر.
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ولا إمرأة، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الاثم، ولا انتقم لنفسه من شئ يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله عز وجل * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: سمعت عائشة وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا سخابا في الاسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أو قال يعفو ويغفر.
شك أبو داود (2) * ورواه الترمذي من حديث شعبة وقال: حسن صحيح * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن علي قالا: ثنا ابن أبي ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله قال: كان يقبل جميعا ويدبر جميعا بأبي وأمي لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق * زاد آدم ولم أر مثله قبله ولم أر مثله بعده * وقال البخاري: ثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الاعمش، عن أبي وائل، عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم (3) أخلاقا * ورواه مسلم من حديث الاعمش به * وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار عن
عبد الله بن عمرو أنه قال: إن رسول الله موصوف بالتوراة بما هو موصوف في القرآن، * (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) * وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق: ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا " وقد روي عن عبد الله بن سلام وكعب الاحبار * وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها (4) * حدثنا ابن بشار ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة مثله وإذا كره
__________
(1) مسلم: كتاب الفضائل (ح: 79).
(2) مسند أحمد ج 6 / 236.
(3) في رواية مسلم: أحاسنكم.
والحديث فيه في الفضائل حديث 68 ص 1810.
ورواه البخاري: فتح الباري 6 / 566 و 7 / 102 و 10 / 452، 456.
(4) أخرجه البخاري فتح الباري 6 / 566 و 10 / 513، 521 ومسلم في الفضائل (ح: 67) ص 1809 وابن ماجة في الزهد، والامام أحمد في المسند 3 / 77، 79، 91، 92.

شيئا عرف ذلك في وجهه، ورواه مسلم من حديث شعبة * وقال الامام أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا ولا فاحشا، كان يقول لاحدنا عند المعاتبة: ماله تربت جبينه.
ورواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح * وفي الصحيحين، واللفظ لمسلم: من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لابي طلحة عرى في عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر، قال وكان فرسا يبطأ (1) * ثم قال مسلم: ثنا بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع،
عن سعيد، عن قتادة عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة يقال له مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فزع وإن وجدناه لبحرا، قال: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس بأسا (2) * رواه أحمد والبيهقي * وتقدم في غزوة هوزان أنه عليه السلام لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته وهو ينوه بإسمه الشريف يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الاعداء.
وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام صلوات الله عليه * وفي صحيح مسلم: من حديث إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز عن أنس قال: لما قدم رسول الله المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشئ صنعته لم صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشئ لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا ؟ * وله من حديث سعيد بن أبي بردة، عن أنس قال: خدمت رسول الله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط * وله من حديث عكرمة بن عمار عن إسحاق قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب - وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس ذهبت حيث أمرتك ؟ فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله.
قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشئ صنعته لم صنعت كذا وكذا أو لشئ تركته هلا فعلت كذا وكذا * وقال الامام أحمد: ثنا كثير، ثنا هشام، ثنا جعفر، ثنا عمران القصير، عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، وإن لامني أحد من أهله إلا
__________
(1) فتح الباري 6 / 95 و 10 / 455، ومسلم في كتاب الفضائل (ح: 48) ص 1802.
(2) دلائل النبوة ج 1 / 324 ومسند أحمد ج 1 / 86.

قال: دعوه فلو قدر - أو قال قضي - أن يكون كان * ثم رواه أحمد عن علي بن ثابت، عن جعفر، هو ابن برقان، عن عمران البصري، وهو القصير، عن أنس فذكره، تفرد به الامام أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أبو التياح، ثنا أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير (1)، قال: أحسبه قال: فطيما، قال: فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير، قال نغر كان يلعب به، قال: فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه يصلي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل * وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن أبي التياح، يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه * وثبت في الصحيحين: من حديث الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (2) * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم العلوي، سمعت أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة فكرهها قال فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة.
قال: وكان لا يكاد يواجه أحدا بشئ يكرهه * وقد رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي في اليوم والليلة من حديث حماد بن زيد عن سلم بن قيس العلوي البصري.
قال أبو داود: وليس من ولد علي بن أبي طالب، وكان يبصر في النجوم، وقد شهد عند عدي بن أرطأة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته * وقال أبو داود: ثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا الاعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شئ لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا * وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر * وقال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ
بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، قال: فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) أبو عمير زيد بن سهل بن أبي طلحة الانصاري وهو أخو أنس بن مالك لامه، أمهما أم سليم مات على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.
والحديث رواه البخاري في الادب.
فتح الباري 9 / 572 و 10 / 526.
ومسلم في الادب (5) باب وأبو داود في الادب ح (4969) والترمذي في الصلاة ح 333 وقال: حسن صحيح.
وابن ماجة في الادب ح 3720.
وأحمد في المسند 3 / 115، 119، 188، 190، 201.
(2) أخرجه البخاري فتح الباري 1 / 30، 4 / 116، 6 / 566، 9 / 43، 10 / 445 ومسلم في الفضائل ح (50) ص 1803 والنسائي في باب الفضل.
وأحمد في المسند 1 / 231.

فضحك ثم أمر له بعطاء (1).
أخرجاه من حديث مالك * وقال الامام أحمد: ثنا زيد بن الحباب، أخبرني محمد بن هلال القرشي، عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما قام قمنا معه فجاء أعرابي فقال: اعطني يا محمد، فقال: لا وأستغفر الله، فجذبه بحجزته فخدشه، قال: فهموا به فقال: دعوه قال ثم أعطاه، قال: فكانت يمينه: لا وأستغفر الله، وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن محمد بن هلال بن أبي هلال مولى بني كعب، عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيدالله ابن موسى، عن شيبان، عن الاعمش، عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال: كان رجل من الانصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتمنه، وأنه عقد له عقدا وألقاه في بئر، فصرع (2) ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا وهي في بئر فلان، ولقد اصفر الماء من شدة عقده، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفر فحل العقد، ونام النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات (3) * قلت والمشهور في الصحيح: أن لبيد بن الاعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في
مشط ومثاقة في جف طلعة ذكر تحت بئر ذروان، وأن الحال استمر نحو ستة أشهر أنزل الله سورتي المعوذتين ويقال: إن آياتهما إحدى عشرة آية وأن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة، وقد بسطنا ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية والله أعلم * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي، ثنا زيد العمي، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل، لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه، ولا يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له (4) * ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زيد الثعلبي أبي يحيى الطويل الكوفي عن زيد بن الحواري العمي عن أنس به * وقال أبو داود: ثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو قطن، ثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله آخذا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده (5).
تفرد به أبو داود * قال الامام أحمد: وحدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: ثنا شعبة قال ابن جعفر في حديثه قال:
__________
(1) أخرجه البخاري فتح الباري 6 / 251 و 10 / 275 وفي كتاب الادب (68) باب.
ومسلم في كتاب الزكاة ح 128.
وأخرجه أبو داود في الادب.
والنسائي في القسامة.
وأحمد في المسند 3 / 153، 210.
(2) في رواية البيهقي: فصدع.
(2) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي 1 / 319 وأخرجه الذهبي في التاريخ وابن سعد في الطبقات 2 / 199.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 320 والترمذي في الزهد، وقال: غريب.
وأخرجه ابن ماجة في الادب.
(5) أخرجه أبو داود في الادب باب في حسن العشرة ح 4794.

سمعت علي بن يزيد قال قال: أنس بن مالك إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجئ فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت * ورواه ابن ماجة من حديث شعبة، وقال الامام أحمد: ثنا هشيم، ثنا حميد عن أنس بن مالك قال: إن كانت الامة
من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به في حاجتها * وقد رواه البخاري في كتاب الادب من صحيحه معلقا فقال: وقال محمد بن عيسى هو ابن الطباع: ثنا هشيم فذكره * وقال الطبراني: ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، ثنا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبي رباح، سمعت ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صاحب بز فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم فخرج وهو عليه فإذا رجل من الانصار فقال: يا رسول الله اكسني قميصا كساك الله من ثياب الجنة فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم وبقي معه درهمان، فإذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال: ما يبكيك ؟ فقالت: يا رسول الله دفع إلي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقا فهلكا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين ثم انقلب وهو تبكي فدعاها فقال ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين ؟ فقالت: أخاف أن يضربوني، فمشى معها إلى أهلها فسلم فعرفوا صوته ثم عاد فسلم ثم عاد فسلم ثم عاد فثلث فردوا، فقال: أسمعتم أول السلام ؟ قالوا: نعم ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا وأمنا، فقال: أشفقت هذه الجارية أن تضربوها، فقال صاحبها: هي حرة لوجه الله لممشاك معها، فبشرهم رسول الله بالخير والجنة.
ثم قال: لقد بارك الله في العشرة: كسا الله نبيه قميصا ورجلا من الانصار قميصا وأعتق الله منها رقبة وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته * هكذا رواه الطبراني وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي وقد ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة منكر الحديث، وقال الازدي متروك * وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن إمرأة كان في عقلها شئ فقالت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي الطرق شئت، فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها (1)، وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة * وثبت في الصحيحين من حديث الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه * وقال الثوري عن الاسود بن قيس عن شيخ العوفي (2) عن جابر قال: أتانا رسول الله في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم الحديث، وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب ابن عتبة، عن عمر بن
عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس
__________
(1) رواه مسلم في الفضائل ح (76) ص 1812.
وأحمد في مسنده 3 / 285.
(2) قال في هامش النسخة المطبوعة: " لعله شقيق الكوفي، وهو شقيق بن سلمة الاسدي أبو وائل الكوفي أحد سادة التابعين، وقد أخذ عنه الاسود بن قيس.
محمود الامام ".

يتحدث، كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء (3)، وهكذا رواه أبو داود في كتاب الادب من سننه من حديث محمد بن إسحاق به * وقال أبو داود: حدثنا سلمة بن شعيب، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن محمد الانصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده * ورواه البزار في مسنده ولفظه: كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه، ثم قال أبو داود: ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا عبد الرحمن بن حسان العنبري، حدثني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة قال موسى ابنة حرملة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء قالت: فلما رأيت رسول الله المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق * ورواه الترمذي في الشمائل وفي الجامع عن عبد بن حميد، عن عفان بن مسلم بن عبد الله بن حسان به.
وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في معجمه الكبير * وقال البخاري: ثنا الحسن بن الصباح البزار، ثنا سفيان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يحدث حديثا لوعده العاد لاحصاه.
قال البخاري: وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: ألا أعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم * وقد رواه أحمد: عن علي بن إسحاق، ومسلم عن حرملة، وأبو داود عن سليمان بن داود كلهم عن ابن وهب عن يونس بن يزيد به، وفي روايتهم: ألا أعجبك من أبي هريرة فذكرت نحوه * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن
سفيان، عن أسامة، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد لم يكن يسرد سردا * وقد رواه أبو داود عن ابن أبي شيبة عن وكيع * وقال أبو يعلى: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا عبد الله بن مسعر، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول: كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل (2) * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا وإذا أتى قوما يسلم عليهم سلم ثلاثا، ورواه البخاري من حديث عبد الصمد * وقال أحمد: ثنا أبو سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الله بن المثنى، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، وكان يستأذن ثلاثا وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي: عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه، ثم قال الترمذي حسن صحيح غريب * وفي الصحيح أنه قال: أوتيت جوامع الكلم وأختصر الحكم اختصارا * قال الامام أحمد
__________
(1) سنن أبي داود - كتاب الادب حديث 4837.
ودلائل البيهقي 1 / 321.
(2) سنن أبي داود - كتاب الادب حديث 4838.

حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدي (1)، وهكذا رواه البخاري من حديث الليث * وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدي (2) * تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت
بمفاتيح خزائن الارض فتلت في يدي، تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم * وثبت في الصحيحين: من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، حدثني أبو النضر، عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم (3) * وقال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم * ثم رواه من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما، ثم قال صحيح * وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة، عن سماك بن حرب قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس [ فإذا طلعت الشمس ] (4) قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك وقيس بن سعد، عن سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم كان قليل الصمت، قليل الضحك فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده وربما قال الشئ من أمورهم فيضحكون وربما يتبسم * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، أنا أبو عبد الرحمن المقري، ثنا الليث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد - يعني ابن ثابت - أن نفرا دخلوا على أبيه فقالوا: حدثنا عن
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 371 والبخاري في الجهاد - باب (122).
وأحمد في مسنده: 2 / 264، 455.
(2) مسند أحمد ج 2 / 268، 314، ؟ ؟ 4.
(3) أخرجه البخاري في كتاب التفسير فتح الباري 8 / 578 وكتاب الادب 10 / 504.
ومسلم في الاستسقاء ص (616) وأبو داود في الادب حديث 5098 والامام أحمد في المسند 6 / 66.
(4) سقطت من الاصل واستدركت من صحيح مسلم 1 / 463.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأحد يوليو 06, 2014 7:58 am

بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فأتيه فأكتب الوحي، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.
فكل هذا نحدثكم عنه (1) * ورواه الترمذي في الشمائل عن عباس الدوري عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد المقري به نحوه.
كرمه عليه السلام تقدم ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة في عمومها وتواترها وعدم انقطاعها * وفي الصحيحين من حديث سفيان بن سعيد الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا (2) * وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن موسى بن أنيس، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الاسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم اسلموا فإن محمدا يعطي عطاء ما يخشى الفاقة (3).
ورواه مسلم عن عاصم بن النضر عن خالد بن الحارث عن حميد * وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال: يا قوم اسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء ما يخلف الفاقة، فإن كان الرجل ليجئ إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها * ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.
وهذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفي القلوب في الاسلام، ويتألف آخرين ليدخلوا في الاسلام كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الاموال الجزيلة من الابل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة، ومع هذا لم يعط الانصار وجمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الاسلام، وترك
أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، وقال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتب من جماعة الانصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم ؟ قالوا: رضينا يا رسول الله * وهكذا أعطى عمه العباس بعدما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد رجاء العباس فقال: يا رسول الله اعطني فقد فاديت نفسي يوم بدر وفاديت عقيلا، فقال: خذ، فنزع ثوبه عنه وجعل
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 / 324 والترمذي في الشمائل.
تحفة الاشراف للمزي (3 / 213).
(2) أخرجه البخاري في الادب.
ومسلم في فضائل النبي.
والترمذي في الشمائل عن بندار عن ابن مهدي.
(3) مسند أحمد 1 / 231 ومسلم في الفضائل ص (1803) والنسائي 4 / 125 في باب الفضل والجود.

يضع فيه من ذلك المال ثم قام ليقله فلم يقدر فقال لرسول الله: ارفعه علي، قال: لا أفعل، فقال: مر بعضهم ليرفعه علي، فقال: لا، فوضع منه شيئا ثم عاد فلم يقدر فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فلم يفعل، فوضع منه ثم احتمل الباقي وخرج به من المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره عجبا من حرصه * قلت: وقد كان العباس رضي الله عنه رجلا شديدا طويلا نبيلا، فأقل ما احتمل شئ يقارب أربعين ألفا والله أعلم * وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع معلقا بصيغة الجزم وهذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى: * (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ويؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) * [ الانفال: 70 ] * وقد تقدم عن أنس بن مالك خادمه عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأشجع الناس، الحديث * وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي الله عز وجل، الذي أنزل الله عليه في محكم كتابه العزيز: * (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والارض) * الآية * وقال تعالى: * (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين) * [ سبأ: 39 ] وهو عليه السلام القائل لمؤذنه بلال وهو الصادق المصدوق في الوعد والمقال: " أنفق بلال ولا تخش من
ذي العرش إقلالا " وهو القائل عليه السلام " ما من يوم تصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " وفي الحديث الآخر أنه قال لعائشة: " لا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك " * وفي الصحيح أنه عليه السلام قال: يقول الله تعالى: * (ابن آدم أنفق أنفق عليك) * فكيف لا يكون أكرم الناس وأشجع الناس، وهو المتوكل الذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق الله ونصره، المستعين بربه في جميع أمره ؟ ثم قد كان قبل بعثته وبعدها وقبل هجرته، ملجأ الفقراء والارامل، والايتام والضعفاء، والمساكين، كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة وما ترك قوم لا أبالك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب موكل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلال من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل ومن تواضعه ما روى الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن ثابت زاد النسائي - وحميد عن أنس - أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا سيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله * وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني الحكم عن إبراهيم عن الاسود قال: قلت لعائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله ؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى

الصلاة (1) * وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم عن الاسود قال: قلت لعائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته ؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى * ورواه البخاري عن آدم عن شعبة * وقال الامام أحمد: حدثنا عبدة، ثنا هشام بن عروة عن رجل قال: سئلت عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يصنع في بيته ؟ قالت: كان يرقع الثوب ويخصف النعل ونحو هذا، وهذا منقطع من هذا الوجه * وقد قال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عروة وهشام بن عروة عن أبيه قال: سأل رجل عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟ قالت: نعم، كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه كما يعمل أحدكم في بيته (2) * رواه البيهقي فاتصل الاسناد * وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري (3) - إملاء - حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو (4) صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: قلت (5) لعائشة: ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه * ورواه الترمذي في الشمائل عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة قالت: قيل لعائشة ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته الحديث * وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة، عن حارثة بن محمد الانصاري عن عمرة قالت: قلت لعائشة: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله ؟ قالت: كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحاكا بساما * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، حدثني مسلم أبو عبد الله الاعور، سمع أنسا يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو، ويركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولو رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف * وفي الترمذي وابن ماجة من حديث مسلم بن كيسان الملائي عن أنس بعض ذلك * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ - إملاء - ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القاري ببغداد، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدروري (6)، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه قال: سمعت يحيى بن عقيل يقول: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة،
__________
(1) مسند أحمد 6 / 49، 126، 206.
والبخاري في الاذان.
فتح الباري 2 / 162 وفي النفقات 9 / 507.
وفي الادب.
فتح الباري 10 / 461.
والترمذي في صفة القيامة حديث 2489 وقال هذا حديث صحيح.
(2) مسند أحمد 6 / 121، 167، 260.
(3) في نسخ البداية المطبوعة: البحتري تحريف.
(4) في دلائل البيهقي 1 / 328، وفي نسخ البداية المطبوعة: " ابن صالح ".
(5) في البيهقي: قيل.
(6) في البيهقي: الدروقي.

ويقصر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشي مع العبد، ولا مع الارملة، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم (1) * ورواه النسائي عن محمد بن عبد العزيز، عن أبي زرعة، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري عن ابن أبي أوفى بنحوه * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الازرق، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان أبو معاوية، عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي بردة عن أبي موسى (2) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعتقل الشاة، ويأتي مراعاة الضيف، وهذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه وإسناده جيد * وروى محمد بن سعد، عن إسماعيل بن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب الزمعي (3)، عن سهل مولى عتيبة (4)، أنه كان نصرانيا من أهل مريس (5)، وأنه كان في حجر عمه، وأنه قال: قرأت يوما في مصحف (6) لعمي، فإذا فيه ورقة بغير الخط وإذا فيها نعت محمد، صلى الله عليه وسلم: لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو من ذرية إسماعيل إسمه أحمد.
قال: فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني وقال: مالك وفتح هذه، فقلت: إن فيها نعت أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد * وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عمرو، عن سعيد، عن إنس قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية به * وقال الترمذي في الشمائل: ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود عن شعبة عن الاشعث بن سليم،
[ قال ] سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فأنه أنقى وأبقى، [ فنظرت ] فإذا هو رسول الله، فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحاء، قال: أمالك في أسوة ؟ فإذا إزاره إلى نصف ساقيه * ثم قال: ثنا سويد بن نصر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: كان عثمان بن عفان متزرا إلى أنصاف ساقيه قال: هكذا كانت أزرة صاحبي صلى الله عليه وسلم * وقال أيضا: ثنا يوسف بن عيسى، ثنا
__________
(1) دلائل النبوة ج 1 / 329.
وأخرجه النسائي في الصلاة تحفة الاشراف 4 / 290.
والحاكم في المستدرك 2 / 614 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ".
(2) في البيهقي 1 / 329: عن أبي بردة قال:...(3) من ابن سعد 1 / 363 وفي الاصل الربعي.
(4) من ابن سعد، وفي الاصل عتبة.
(5) مريس: لعلها المريسة كما في معجم البلدان قال: وهي جزيرة في بلاد النوبة.
(6) في ابن سعد: وانه كان يقرأ الانجيل، قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته...حتى مرت بي ورقة، فأنكرت كتابتها حين مرت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء، قال: ففتقتها فإذا فيها نعت محمد صلى الله عليه وآله:..الطبقات 1 / 363.

وكيع، ثنا الربيع بن صبيح، ثنا يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيات، وهذا فيه غرابة ونكارة.
والله أعلم * وروى البخاري، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن [ سيار بن الحكم ] (1) عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم * ورواه مسلم من وجه آخر عن شعبة.
مزاحه عليه السلام وقال ابن لهيعة: حدثني عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع صبي (2) * وقد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا
عمير، وقوله أبا عمير ما فعل النغير، يذكره بموت نغر كان يلعب به ليخرجه (3) بذلك كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الاطفال الصغار * وقال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الابل إلا النوق (4) ؟ * ورواه أبو داود عن وهب بن بقية، والترمذي عن قتيبة كلاهما عن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان به، وقال الترمذي صحيح غريب * وقال أبو داود في هذا الباب: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث (5)، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوته عائشة عاليا على رسول الله، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله !، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله حين خرج أبو بكر: كيف رأيتيني أنقذتك من الرجل ؟ فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا.
فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد فعلنا قد فعلنا * وقال أبو داود: ثنا مؤمل بن الفضل، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء عن بشر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك الاشجعي قال: أتيت رسول الله في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم.
فسلمت فرد وقال: ادخل، فقلت: أكلي يا رسول الله فقال: كلك، فدخلت * وحدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن
__________
(1) من البخاري ومسلم، وفي الاصل يسار أبي الحكم تحريف.
أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان - باب التسليم على الصبيان.
ومسلم في السلام ص (1708).
(2) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 331.
(3) لعلها ليمازحه.
(4) سنن أبي داود - باب ما جاء في المزاح حديث 4998.
(5) من سنن أبي داود: حديث 4999، وفي الاصل حرب.

عثمان بن أبي العاتكة (1) إنما قال: " أدخل كلي " من صغر القبة * ثم قال أبو داود: ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا شريك عن عاصم عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ذا الاذنين * قلت: ومن هذا القبيل ما رواه الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ثابت، عن أنس أن رجلا من أهل البادية كان إسمه زاهرا وكان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله: إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلا دميما فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، من هذا ؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري العبد فقال: يا رسول الله إذن والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عند الله لست بكاسد أو قال: لكن عند الله أنت غال * وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيحين ولم يروه إلا الترمذي في الشمائل عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق * ورواه ابن حبان في صحيحه عن (2)...ومن هذا القبيل ما رواه البخاري من صحيحه أن رجلا كان يقال له عبد الله - ويلقب حمارا - وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يؤتى به في الشراب، فجئ به يوما فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " * ومن هذا ما قال الامام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق، قال: فكان نساؤه يتقدمن بين يديه، فقال: يا أنجشة ويحك، ارفق بالقوارير * وهذا الحديث في الصحيحين عن أنس، قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يحدو بنسائه يقال له أنجشة، فحدا فأعنقت الابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أنجشة ارفق بالقوارير، ومعنى القوارير النساء وهي كلمة دعابة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
ومن مكارم أخلاقه ودعابته وحسن خلقه استماعه عليه السلام حديث أم زرع من عائشة بطوله، ووقع في بعض الروايات أنه عليه السلام هو الذي قصه على عائشة * ومن هذا ما رواه
الامام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل - يعني عبد الله بن عقيل الثقفي - به، حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر عن مسروق، عن عائشة قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثا، فقالت إمرأة منهن، يا رسول الله كان الحديث حديث خرافة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرين ما خرافة ؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الانس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الاعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة * وقد رواه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي النضر
__________
(1) من أبي داود حديث 5001 وفي الاصل العالية.
(2) بياض بنسخة دار الكتب.

هاشم بن القاسم به * قلت: وهو من غرائب الاحاديث وفية نكارة.
ومجالد بن سعيد يتكلمون فيه فالله أعلم * وقال الترمذي في باب خراج النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابه الشمائل: ثنا عبد بن حميد، ثنا مصعب بن القدام، ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أدع لي أن يدخلني الله الجنة، قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت العجوز تبكي، فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز فإن الله تعالى يقول * (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا) * [ الواقعة: 35 ] وهذا مرسل من هذا الوجه * وقال الترمذي: ثنا عباس ابن محمد الدوري، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا.
تداعبنا - يعني تمازحنا - وهكذا رواه الترمذي في جامعه في باب البر بهذا الاسناد ثم قال: وهذا حديث مرسل حسن * باب زهده عليه السلام وإعراضه عن هذه الدار قال الله تعالى: * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) * [ طه: 131 ] وقال تعالى: * (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم
بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) * [ الكهف: 28 ] وقال تعالى: * (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم) * [ النجم: 29 ] وقال: * (ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين) * والآيات في هذا كثيرة.
وأما الاحاديث، فقال يعقوب بن سفيان: حدثني أبو العباس حيوة بن شريح، أنا بقية (1) عن الزبيدي، عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث أن الله أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسوله: " إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا نبيا " فالتفت رسول الله إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله: أن تواضع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أكون عبدا نبيا، قال، فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله عز وجل (2) * وهكذا رواه البخاري في التاريخ عن حيوة بن شريح، وأخرجه النسائي عن عمرو بن
__________
(1) بقية: وهو بقية بن الوليد.
الزبيدي: وهو محمد بن الوليد بن عامر الحافظ الامام الحجة القاضي أبو الهذيل الزبيدي قاضي حمص ولد في خلافة عبد الملك.
(2) رواه البخاري في التاريخ الكبير (1 / 1 / 124) وابن أبي حاتم، وأحمد في مسنده عن أبي هريرة 2 / 231.

عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد به، وأصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة - ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة - قال: جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا (1) * هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مقتصرا وهو من إفراده من هذا الوجه * وثبت في الصحيحين: من حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب في حديث
إيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أن لا يدخل عليهن شهرا واعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية فإذا ليس فيها سوى صبرة من قرظ، وأهبة معلقة، وصبرة من شعير، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك، فقلت: يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه، فجلس محمرا وجهه فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ ثم قال: أولئك قوم عجلت له طيباتهم في حياتهم الدنيا.
وفي رواية لمسلم أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله عز وجل، ثم لما انقضى الشهر أمره الله عز وجل أن يخير أزواجه وأنزل عليه قوله: * (يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنت تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) * [ الاحزاب: 28 - 29 ].
وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا التفسير وأنه بدأ بعائشة، فقال لها: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، وتلا عليها هذه الآية، قالت: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك قال سائر أزواجه عليه السلام ورضي عنهن (2) * وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مزمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمر وناس من الصحابة فانحرف رسول الله انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر ؟ قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال: يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ قال: بلى، قال: هو كذلك.
هكذا رواه البيهقي (3) * وقال الامام أحمد: [ حدثنا أبو النضر ] ثنا مبارك، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله وهو على سرير مضطجع مزمل بشريط، وتحت قدمي رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول الله انحرافة فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا وقد أثر الشريط
__________
(1) وتمامه: قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: بل عبدا رسولا.
(2) أخرجه البخاري في النكاح فتح الباري 9 / 278.
ومسلم في الطلاق حديث 35 ص 1113.
(3) دلائل البيهقي 1 / 337، وانظر الحاشية السابقة.

بجنب رسول الله، فبكى عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر ؟ قال والله ما أبكي ألا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه ؟ وأنت يا رسول الله في المكان الذي أرى، فقال رسول الله: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ قال: بلى، قال، فإنه كذلك (1) * وقال أبو داود الطيالسي، ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة عن مسعود قال: اضطجع رسول الله على حصير، فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه وأقول بأبي أنت وأمي إلا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه ؟ فقال: مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا [ إنما أنا والدنيا ] (2) كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها * ورواه ابن ماجة عن يحيى بن حكيم عن أبي داود الطيالسي به.
وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي عن زيد بن الحباب كلاهما عن المسعودي به.
وقال الترمذي حسن صحيح * وقد رواه الامام أحمد من حديث ابن عباس، فقال: حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان قالوا: ثنا ثابت، ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا، أوثر من هذا، فقال: مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها (3) * تفرد به أحمد * وفي صحيح البخاري: من حديث الزهري، عن عبيد الله (4) بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رسول الله قال: لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرني أن تأتي علي ثلاث ليال وعندي منه شئ، إلا شئ أرصده لدين * وفي الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا (5) * فأما الحديث الذي رواه ابن ماجة من حديث يزيد بن سنان، عن ابن المبارك، عن عطاء عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة
المساكين، فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده لان فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي وهو ضعيف جدا.
والله أعلم * وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال: حدثنا عبد الاعلى بن واصل الكوفي: ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة،
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 140.
(2) من ابن ماجة حديث (4109)، وفي الاصل إلا كراكب.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد رقم (2377).
(3) أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 441.
(4) من البخاري فتح الباري 11 / 264، وفي الاصل عبد الله تحريف.
(5) أخرجه البخاري في الرقاق فتح الباري 11 / 283 ومسلم في الزهد (ح: 18) صفحة (2281) وفي الزكاة: ص (730).
وأخرجه الترمذي، وابن ماجة في الزهد.
وأحمد في المسند 2 / 232، 446.

فقالت عائشة: لم يا رسول الله ؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة.
يا عائشة حبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة * ثم قال: هذا حديث غريب * قلت: وفي إسناده ضعف وفي متنه نكارة والله أعلم * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، [ قال حد ] ثنا أبو عبد الرحمن - يعني - عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سعيد بن سعد أنه قيل له: هل رأى النقى بعينه - يعني الحوارى - فقال له ما رأى رسول الله النقى بعينه حتى لقي الله عز وجل، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ؟ فقال: ما كانت لنا مناخل، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير ؟ قال: ننفخه فيطير [ منه ] ما طار * وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به وزاد ثم نذريه ونعجنه، ثم قال حسن صحيح * وقد رواه مالك عن أبي حازم.
قلت: وقد رواه البخاري عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن مطرف بن غسان المدني، عن أبي حازم عن
سهل بن سعد به، ورواه البخاري أيضا والنسائي عن شيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم عن سهل به، وقال الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا جرير بن عثمان، عن سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير، ثم قال: حسن صحيح غريب * وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم قال: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا: والذي نفسي أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا، ورواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن كيسان * وفي الصحيحين: من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الاسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله (1) * وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا محمد بن طلحة، عن إبراهيم، عن الاسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض * وقال أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا مطيع الغزال عن كردوس عن عائشة قالت: قد مضى رسول الله لسبيله وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر * وقال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا زويد، عن أبي سهل عن سليمان بن رومان - مولى عروة - عن عروة عن عائشة أنها قالت: والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله [ عز وجل ] إلى أن قبض.
قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير ؟ قالت: كنا نقول أف (2) * تفرد به أحمد من هذا الوجه * وروى البخاري: عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن
__________
(1) أخرجه البخاري في الاطعمة فتح الباري 9 / 549، وفي الرقاق فتح الباري 11 / 282.
ومسلم في الزهد: صفحة (2281).
والنسائي في الضحايا.
وابن ماجة في الاطعمة.
(2) هذا الحديث وما قبله في مسند أحمد 2 / 92، 434 و 4 / 442 و 6 / 128، 156، 187، 255، 277.

أبيه عن عائشة قالت: إن كنا لنخرج الكراع (1) بعد خمسة عشر يوما فنأكله، قلت: ولم تفعلون
ذلك ؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز مأدوم حتى لحق بالله عز وجل * وقال أحمد: ثنا يحيى، ثنا هشام، أخبرني أبي عن عائشة قالت: كان يأتي على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه نارا ليس إلا التمر والماء إلا أن يؤتى باللحم * وفي الصحيحين: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا إنما هو الاسودان، التمر والماء إلا أنه كان حولنا أهل دور من الانصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن (2) * ورواه أحمد عن بريدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنها بنحوه * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا حسين، ثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم عن عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال قلت: يا خالة على أي شئ كنتم تعيشون ؟ قالت: على الاسودين التمر والماء تفرد به أحمد * وقال أبو داود الطيالسي: عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الاسود عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض (3)، وقد رواه مسلم من حديث شعبة.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا بهز، ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا فأمسكت وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالت: أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعت قالت - تقول للذي تحدثه - هذا على غير مصباح وفي رواية لو كان عندنا مصباح لا تدمنا به، قال: قالت عائشة: إنه ليأتي على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا، وقد رواه أيضا عن بهز بن أسد، عن سليمان بن المغيرة، وفي رواية شهرين تفرد به أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا خلف، ثنا أبو معشر، عن سعيد - هو ابن أبي سعيد - عن أبي هريرة قال: كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا بخبز ولا بطبخ، قالوا: بأي شئ كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال: الاسودان التمر والماء، وكان لهم جيران من الانصار جزاهم الله خيرا لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن، تفرد به أحمد * وفي صحيح مسلم من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه، عن عائشة
قالت: توفي رسول الله وقد شبع الناس من الاسودين: التمر والماء (4) * وقال ابن ماجة: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: أتي
__________
(1) أخرجه البخاري في الاطعمة فتح الباري 9 / 552 و 563.
والترمذي في الاضاحي: ح (1511) وابن ماجة في الاطعمة ح: 3313.
والكراع: طعام، مستدق الساق.
(2) أخرجه البخاري في الرقاق ومسلم في الزهد وأحمد في المسند 6 / 108.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 343.
ومسلم في الزهد: ح (22) ص (2282).
(4) صحيح مسلم - كتاب الزهد حديث (30) ص (2283).

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال: (الحمد لله) ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا (1) * وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا [ عمار ] أبو هاشم صاحب الزعفراني، عن أنس بن مالك: أن فاطمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز الشعير فقال، هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام (2)، تفرد به أحمد * وروى الامام أحمد عن عفان والترمذي وابن ماجة جميعا عن عبد الله بن معاوية كلاهما عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير، وهذا لفظ أحمد * وقال الترمذي في الشمائل: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثنا عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن محمد بن أبي يحيى الاسلمي، عن يزيد، عن أبي أمية الاعور، عن أبي يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت رسول الله أخذ كسرة من [ خبز ال ] شعير فوضع عليها تمرة، وقال: هذه إدام هذه وأكل * وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله الحلو البارد * وروى البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا شاة سميطا بعينه قط (3) * وفي رواية له عنه أيضا: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا سكرجة ولا خبز له مرقق، فقلت لانس: فعلى ما كانوا يأكلون ؟
قال: على السفر (4) * وله من حديث قتادة أيضا عن أنس: أنه مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة (5) سنخة ولقد رهن درعه من يهودي فأخذ لاهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب * وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف * ورواه الترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عفان، وهذا الاسناد على شرط الشيخين * وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فذكر ما فتح الله على الناس، فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع ما يجد من من الدقل ما يملا بطنه (6)،
__________
(1) ابن ماجة في الزهد حديث 4150 وفي الزوائد قال: اسناد حسن، وسويد مختلف فيه.
(2) في مسند الامام أحمد 3 / 213.
(3) الحديث أخرجه البخاري في الرقاق فتح الباري 11 / 282، وفي الاطعمة (باب) شاة مسموطة.
الكتف.
وابن ماجة في الاطعمة ح (3339).
والامام أحمد في المسند 3 / 128، 130.
(4) أخرجه البخاري في الاطعمة فتح الباري 9 / 530 وفي الرقاق 11 / 273، والترمذي في الاطعمة ح (1788) وابن ماجة في الاطعمة.
والامام أحمد في المسند 3 / 120.
(5) الاهالة: الودك كما في الصحاح.
وقال الخليل: هي الالية تقطع ثم تذاب.
والسنخة: المتغيرة الطعم والرائحة من طول الزمان.
(6) صحيح مسلم - كتاب الزهد.
ح (34) ص (2284).
الدقل: التمر الردئ.

وأخرجه مسلم من حديث شعبة * وفي الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع، وسيأتي الحديث في دلائل النبوة وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان: أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله، فقال: ما أخرجكما ؟ فقالا: الجوع، فقال: والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما، فذهبوا إلى
حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا وذبح لهم شاة فأكلوا وشربوا الماء البارد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه * وقال الترمذي: ثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عن بطنه ] عن حجرين، ثم قال غريب * وثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان من أدم حشوه ليف (1) * وقال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت علي إمرأة من الانصار، فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوة الصوف، فدخل علي رسول الله فقال: ما هذا يا عائشة ؟ قالت: قلت: يا رسول الله: فلانة الانصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا فقال: رديه قالت: فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة فو الله لو شئت لا جرى الله معي جبال الذهب والفضة (2) * وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد الله بن مهدي، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: سئلت عائشة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك ؟ قالت: من أدم حشوه ليف، وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال " ما فرشتم لي الليلة ؟ قالت: قلنا هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك، قال: ردوه لحالته الاولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة * وقال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الاصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة عن حكيم بن حزام قال: خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فردها، فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت:
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما * بدا واضح من غرة وحجول (3)
__________
(1) أخرجه البخاري في الرقاق ح 6456.
ومسلم في اللباس ح 37 ص 1650.
(2) رواه البيهقي في الدلائل من طريق اسماعيل الصفار ج 1 / 345.
(3) الغرة: بياض في الجبهة.
والحجول والتحجيل: بياض في القوائم.

إذا قايسوه الجد أربى عليهم * بمستفرع ماض الذباب سجيل (1) فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي يتبسم ثم دخل فكساها أسامة بن زيد * وقال الامام أحمد: حدثه [ حسين بن ] علي، عن زائدة عن عبد الملك بن عمير [ قال: حدثني ] ربعي بن خراش عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه، قالت: فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله أراك ساهم الوجه، أفمن وجع ؟ فقال: لا، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها [ أمس أمسينا ] ولم ننفقها نسيتها في خضم الفراش (2) ".
تفرد به أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة، [ قال: أنا بكر ] (3) بن مضر، ثنا موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير يوما على عائشة فقالت: لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في مرض مرضه ؟ قالت: وكان له عندي ستة دنانير، قال موسى أو سبعة، قالت: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله عز وجل، قالت: ثم سألني عنها فقال: ما فعلت الستة ؟ قال: أو السبعة، قلت: لا والله لقد شغلني عنها وجعك، قالت: فدعا بها ثم صفها في كفه، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده.
تفرد به أحمد * وقال قتيبة: ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد (4) * وهذا الحديث في الصحيحين، والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالاطعمة ونحوها لما ثبت في الصحيحين عن عمر أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل * ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الامام أحمد: حدثنا
مروان بن معاوية، [ قال: أخبرني ] هلال بن سويد أبو معلى [ قال ]: سمعت أنس بن مالك وهو يقول أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله [ عز وجل ] يأتي برزق كل غد (5).
حديث بلال في ذلك قال البيهقي: ثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو محمد بن جعفر بن نصير، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا بكار بن محمد، أنا عبد الله بن عون، عن ابن سيرين عن أبي هريرة: أن
__________
(1) مستفرع: السيف ماضي الذباب: قاطع الحد.
سحيل: الذي يريق الدم.
(2) مسند أحمد ج 6 / 314 وما بين معكوفين زيادة من المسند، ورواه بنحوه عن أم سلمة 6 / 293.
(3) من مسند أحمد ج 6 / 104.
(4) وأخرج الحديث الترمذي في الزهد.
ح (2362) وقال: غريب، وقد روى عن جعفر، عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وآله مرسلا.
(5) مسند الامام أحمد ج 3 / 198 وما بين معكوفين زيادات استدركت من نص المسند.

رسول الله دخل على بلال فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال ؟ قال: تمر أدخره، قال ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن تكون له بخار في النار ! أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا (1).
قال البيهقي بسنده عن أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي كلاهما عن أبي توبة الربيع بن نافع، حدثني معاوية بن سلام عن يزيد (2) بن سلام، حدثني عبد الله الهوزني (3) قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كان له شئ إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، فكان إذا أتاه الانسان المسلم فرآه عاريا (4)، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشئ فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لاؤذن بالصلاة فإذا
المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قال: قلت يا لبيه، فتجهمني، وقال قولا عظيما أو غليظا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر ؟ قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع ليال فاخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك، قال فأخذني في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت فناديت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قد قال كذا وكذا، وليس عندك ما يقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الاحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني، فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وحرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، فاستقبلت بوجهي الافق.
فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت علي ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الاول، فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يدعو: يا بلال، أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حتى آتيه، فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن، فأتيت رسول الله فأستأذنت، فقال لي رسول الله: أبشر، فقد جاءك الله بقضاء دينك، فحمدت الله وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الاربع ؟.
قال قلت: بلى، قال: فإن لك رقابهن وما عليهن - فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك - فاقبضهن إليك ثم اقض دينك، قال: ففعلت، فحططت عنهن أحمالهن، ثم علفتهن (5)
__________
(1) دلائل البيهقي ج 1 / 347.
(2) من دلائل البيهقي 1 / 348.
(3) من الدلائل، وفي الاصل الهوريني، والهوزني أبو عامر واسمه عبد الله بن لحي الحمصي، ثقة، مخضرم من الثانية (تقريب التهذيب 1 / 573 / 444).
(4) من الدلائل، وفي الاصل عائلا.
(5) في الدلائل: ثم عقلتهن.

ثم عمدت إلى تأذي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأحد يوليو 06, 2014 7:59 am

ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني [ فناديت ] فقلت: من كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي، وأعرض حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الارض، حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك ؟ قلت: قد قضى الله كل شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شئ، قال: فضل شئ ؟ قلت: نعم ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما، فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح، وظل في المسجد اليوم الثاني، حتى إذا كان في آخر النهار، جاء راكبان فانطلقت بهما، فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني، فقال: ما فعل الذي قبلك ؟ قلت: قد أراحك الله منه، فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزاوجه فسلم على إمرأة امرأة، حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه (1) * وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة المديني، حدثني أبي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتع علي شيئا فإذا جاءني شئ قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الانصار: يا رسول الله انفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف التبسم في وجهه لقول الانصاري وقال: بهذا أمرت، وفي الحديث ألا إنهم ليسألوني ويأبى الله علي البخل * وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: والله لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمتها فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا ضانا ولا كذابا صلى الله عليه وسلم * وقال الترمذي: ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت: أتيت رسول الله بقناع من رطب، وأجرز عنب، فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا * وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته
وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول ؟ قال: قولوا * (حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) * [ آل عمران: 173 ] ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف.
ومن حديث خالد بن طهمان، كلاهما عن عطية وأبي سعيد العوفي البجلي، وأبو الحسن الكوفي عن أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي حسن * قلت.
وقد روي من وجه آخر عنه ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه.
ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام.
قال أبو عبد الله بن ماجه (2): حدثنا أحمد بن محمد بن
__________
(1) روى الحديث البيهقي في الدلائل ج 1 / 348 - 350.
(2) في كتاب الزهد 7 باب حديث 4127.

يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعد الازدي - وكان قارئ الازد - عن أبي الكنود، عن خباب في قوله تعالى: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) * [ الانعام: 52 ] إلى قوله * (فتكون من الظالمين) * قال: جاء الاقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول الله حقروهم، فأتوا فخلوا به فقالوا: نريد أن تجعل لنا منك مجلسا، تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الاعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت.
قال نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام فقال: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين) * ثم ذكر الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: * (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) * [ الانعام: 53 ] ثم قال: * (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل
سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) * [ الانعام: 54 ] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: * (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم) * ولا تجالس الاشراف * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) * يعني عيينة والاقرع * (واتبع هواه وكان أمره فرطا) * قال: هلاكا، قال: أمر عيينة والاقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا، قال خباب: فكنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم * ثم قال ابن ماجة (1): حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن سعد (2) قال: نزلت هذه الآية فينا.
ستة: في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال.
قال قالت قريش: يا رسول الله إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم.
فاطردهم عنك، قال، فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله عز وجل: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) * الآية * وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد: عبد الله بن يوسف الاصفهاني، أنا أبو سعيد بن الاعرابي، ثنا أبو الحسن: خلف بن محمد الواسطي الدوسي (3)، ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد - يعني عن العلاء بن بشير المازني [ عن ] أبي الصديق الناجي - عن
__________
(1) المصدر السابق - حديث 4128.
(2) يعني سعد بن أبي وقاص.
(3) في الدلائل 1 / 351: كردوس.

أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نستمع (1) إلى كتاب الله، فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي، قال [ ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا ] فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم، قال: فما عرف رسول الله أحدا
منهم غيري، فقال رسول الله: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور [ التام ] يوم القيامة، تدخلون [ الجنة ] قبل الاغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام (2) وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
فصل عبادته عليه السلام واجتهاده في ذلك قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان لا تشاء تراه من الليل قائما إلا رأيته، ولا تشاء تراه نائما إلا رأيته، قالت: وما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غيره احدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث.
قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، قالت: ولقد كان يقوم حتى أرثي له من شدة قيامه * وذكر ابن مسعود أنه صلى معه ليلة فقرأ في الركعة الاولى بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع قريبا من ذلك، ورفع نحوه وسجد نحوه * وعن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: * (إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) * رواه أحمد * وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الاشياء في كتاب الاحكام الكبير * وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا (3) * وتقدم في حديث
__________
(1) من الدلائل، في الاصل: نسمع.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 351 - 352 وما بين معكوفتين في الحديث استدركت من الدلائل.
ورواه الترمذي في الزهد ح (2353) وقال حسن صحيح.
وابن ماجة في الزهد كلاهما عن أبي هريرة ح 4122.
والدارمي في الرقاق باب (118).
وأحمد في المسند 2 / 296، 343، 513، 519 - 5 / 366.
(3) أخرجه الستة سوى أبي داود والامام أحمد.
في البخاري - كتاب التهجد فتح الباري 3 / 14 و 8 / 584 ومسلم في المنافقين ح 81.
والترمذي في الصلاة 2 / 268.
والنسائي في قيام الليل.
وابن ماجة في إقامة الصلاة حديث 1420.

سلام بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.
رواه أحمد والنسائي * وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أخبرني علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت " * وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة.
وفي الصحيحين من حديث منصور، وعن إبراهيم عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول الله يخص شيئا من الايام ؟ قالت: لا، كان عمله ديمة.
وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع (1) ؟ * وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يواصل ونهى أصحابه عن الوصال وقال: إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني (2) * والصحيح أن هذا الاطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن عاصم عن...أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم * وما أحس ما قال بعضهم: لها أحاديث من ذكراك يشغلها * عن الشراب ويلهيها عن الزاد وقال النضر بن شميل عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة (3) وروى البخاري: عن الفريابي، عن الثوري.
عن الاعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي، فقلت: اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال:
فقرأت سورة النساء حتى بلغت: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * [ الآية: 41 ] قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان (4) * وثبت في الصحيح: أنه عليه السلام كان يجد التمرة على فراشه فيقول: لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لاكلتها.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا
__________
(1) أخرجه البخاري في الصوم فتح الباري 4 / 235، و 11 / 294 كتاب الرقاق.
ومسلم في صلاة المسافرين ص (541).
وأبو داود في الصلاة ح (1370) والامام أحمد 6 / 43، 55، 174، 189 والبيهقي في الدلائل 1 / 355 والسنن الكبرى 4 / 299.
(2) أخرجه البخاري في الصوم باب (49).
ومسلم في الصيام باب (11) ومالك في الموطأ صفحة (301).
والامام أحمد في المسند 2 / 231، 237، 244، 315.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 356.
(4) أخرجه البخاري في فضائل القرآن فتح الباري 9 / 94 ومسلم في صلاة المسافرين باب 40 ح 247.

رسول الله أرقت الليلة، قال: إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه، تفرد به أحمد.
وأسامة بن زيد هو الليثي من رجال مسلم.
والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته عليه السلام ولكن من كمال ورعه عليه السلام أرق تلك الليلة، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: [ والله إني ] لاتقاكم لله وأعلمكم بما أتقى.
وفي الحديث الآخر أنه قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك * وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل (1)، وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء (2).
وروى البيهقي من طريق أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني، ثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله أراك شبت،
فقال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت (3).
وفي رواية له عن أبي كريب عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن فراس، عن عطية عن أبي سعيد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت.
فصل في شجاعته (صلى الله عليه وسلم) ذكرت في التفسير عن بعض من السلف أنه استنبط من قوله تعالى: * (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين) * [ النساء: 88 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه ولو كان وحده من قوله * (لا تكلف إلا نفسك) * وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشجع الناس وأصبر الناس وأجلدهم، ما فر قط من مصاف ولو تولى عنه أصحابه.
قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتد الحرب وحمى الناس، نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصا فنالتهم أجمعين حين قال: شاهت الوجوه، وكذلك يوم حنين كما تقدم، وفر أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة وبقي الخمسة.
وفي هذا الوقت قتل أبي بن خلف لعنه الله فعجله الله إلى النار.
ويوم حنين ولى الناس كلهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفا وثبت هو في نحو من مائة من الصحابة وهو راكب يومئذ بغلته وهو يركض بها إلى نحو العدو، وهو ينوه باسمه ويعلن بذلك قائلا: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
حتى جعل العباس وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطئوا سيرها
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في المسند 24 / 25 والنسائي في كتاب السهو (3 / 13).
(2) أخرجه أبو داود في الصلاة ح 904.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 358.
والترمذي في تفسير القرآن ح 3297.
والحاكم في المستدرك 2 / 342 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي.

خوفا عليه من أن يصل أحد من الاعداء إليه.
وما زال كذلك حتى نصره الله وأيده في مقامه ذلك
وما تراجع الناس إلا والاشلاء مجندلة بين يديه صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو زرعة: حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدثنا مروان - يعني ابن محمد - حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلت على الناس بشدة البطش.
فصل فيما يذكر من صفاته عليه السلام في الكتب المأثورة عن الانبياء الاقدمين قد أسلفنا طرفا صالحا من ذلك في البشارات قبل مولده، ونحن نذكر هنا غررا من ذلك، فقد روى البخاري والبيهقي واللفظ له من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في الفرقان (1): يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك: المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (2) بالاسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، أن يقولوا: (لا إله إلا الله) وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
قال عطاء بن يسار ثم لقيت كعبا الحبر (3) فسألته، فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال أعينا [ عمويا، واذانا صمومي، وقلوبا غلوفى ] (4) * ورواه البخاري أيضا عن عبد الله غير منسوب، قيل: هو ابن رجاء، وقيل: عبد الله بن صالح، وهو الارجح، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن هلال بن علي به.
قال البخاري: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام كذا علقه البخاري.
وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح - هو عبد الله بن صالح كاتب الليث - حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أسامة، عن عطاء بن يسار عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم * (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا) * أنت عبدي ورسولي، سميته: المتوكل ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في
__________
(1) في البخاري: القرآن.
(2) في البيهقي: سخب.
(3) في البيهقي: كعب الاحبار.
(4) ما بين معكوفتين من دلائل البيهقي 1 / 374.
والفقرة من قال عطاء...ليست في البخاري.
والجزء الاول من الحديث أخرجه البخاري في البيوع ح 2125، وفي التفسير فتح الباري 8 / 585.

الاسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها، ولكن يعفو (ويغفر) (1) ويتجاوز، ولن (2) أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء: بأن تشهد * (أن لا إله إلا الله) * يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، قال عطاء ابن يسار: وأخبرني الليثي (3): أنه سمع كعب الاحبار يقول مثل ما قال ابن سلام.
وقد روي عن عبد الله بن سلام من وجه آخر فقال الترمذي: حدثنا زيد بن أخرم الطائي البصري، ثنا أبو قتيبة - مسلم بن قتيبة -، حدثني أبو مودود المدني، ثنا عثمان الضحاك، عن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة " محمد وعيسى بن مريم يدفن معه " فقال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.
هكذا قال الضحاك والمعروف الضحاك بن عثمان المدني، وهكذا حكى شيخنا الحافظ المزي في كتابه الاطراف عن ابن عساكر أنه قال مثل قول الترمذي، ثم قال: وهو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان، فقد روي هذا عن عبد الله بن سلام، وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك، فكان يحدث منهما عن أهل الكتاب، وعن كعب الاحبار، وكان بصيرا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط، وتحريف وتبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد، وربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلمة، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة، لكن لا يتفطن لها كثير من الناس.
ثم ليعلم أن كثيرا من السلف يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب المتلوة عندهم، أو أعم من ذلك، كما أن
لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا ويراد به غيره، كما في الصحيح: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع والله أعلم.
وقال البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟ قال: نجده محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالاسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عميا (4)، ويسمع به آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة حتى تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه.
وبه عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حريث (5) عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الانجيل: لا فظ، ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق، ولا يجزي
__________
(1) من الدلائل للبيهقي 1 / 376، وروى الحديث ابن عساكر في تاريخه 1 / 343.
(2) من الدلائل وفي الاصل وليس.
(3) الليثي هو أبو واقد الليثي من الصحابة له ترجمة في الاصابة.
(4) في الدلائل 1 / 377 أعينا عورا.
(5) من الدلائل 1 / 377 وفي الاصل: خريب.

بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا قيس (1) البجلي، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم.
جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا ابن الطاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فبين لاهل سوران أني أنا الحق القائم الذي لا أزول (2)، صدقوا بالنبي العربي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الادعج العينين، الاقنى الانف الواضح الخدين (3) الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفخ منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له
شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، شثن الكفين والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر، وينحدر في صبب ذو النسل القليل (4) * وروى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال: إن الله عز وجل لما قرب موسى نجيا، قال: رب إني أجد في التوراة أمة: خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم خير الامم الآخرون من الامم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في التوراة أناجيلهم في صدورهم يقرؤنها، وكان من قبلهم يقرؤن كتبهم نظرا ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الاول والآخر ويقاتلون رؤوس الضلالة، حتى يقاتلوا الاعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها، فان لم تقبل لا تقربها النار، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن علمها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة (5) ضعف، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.
قال وذكر وهب بن منبه: في قصة داود عليه السلام وما أوحى إليه في الزبور: يا داود: إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه: أحمد ومحمد، صادقا سيدا، لا
__________
(1) في دلائل البيهقي 1 / 378: فيض.
(2) العبارة في دلائل البيهقي 1 / 378: فسر لاهل سوران بالسريانة.
بلغ من بين يديك: أني أنا الله الحي القيوم الذي لا أزول.
(3) في الدلائل: الواضح الجبين، الاهدب الاشفار.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 378 وأورده ابن عساكر في تاريخه باختصار 1 / 344.
(5) في الدلائل: مائة ضعف.

أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أمته مرحومة، أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الانبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الانبياء والرسل، حتى يأتوني بوم القيامة ونورهم مثل نور الانبياء، وذلك اني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة، كما افترضت على الانبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الانبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الانبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم.
يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الامم كلها، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الامم: لا آخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شئ ضيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعافا مضاعفة ولهم في المدخر عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك وأعطيتهم، على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلا، وإما أن أصرف عنهم سوءا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود ! من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صادقا بها، فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كب محمدا أو كذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الاسفل من النار (1).
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري، ثنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد [ الربعي ]، حدثني محمد بن عمر بن سعيد - يعني ابن محمد بن جبير بن مطعم - قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيها عن أبيه قال: سمعت أبي جبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتنى جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت ؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا
الذي تنبأ فيكم ؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: أنظر هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم ؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل وصورا أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته ؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي: هل ترى صفته ؟ قلت: نعم، قالوا: هو هذا ؟ - وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت: (اللهم) نعم، أشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه ؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده (2).
ورواه البخاري في التاريخ عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا باسناده
__________
(1) دلائل النبوة ج 1 / 380 - 381.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 1 / 384 - 385 والبخاري في التاريخ الكبير 1 / 1 / 179.

فذكره مختصرا، وعنده فقالوا: إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي * وقد ذكرنا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى في سورة الاعراف: * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) * الآية.
ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره من طريق أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الاموي قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الاسلام، فذكر اجتماعهم به وأن عرفته تنغصت (1) حين ذكروا الله عز وجل، فأنزلهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشئ نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب، وإذا فيها صور الانبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فجعل يخرج لهم واحدا واحدا ويخبرهم عنه، وأخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم تعجل إخراج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم فتح بابا آخر فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله، قال: وبكينا قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو ؟ قلنا: نعم
إنه لهو كما ننظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لانظر ما عندكم، ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الانبياء وتعريفه إياهما بهم، وقال في آخره قلنا له: من أين لك هذه الصور ؟ لانا نعلم أنها ما على صورت عليه الانبياء عليهم السلام، لانا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله، فقال: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الانبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت، قال: ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم (2).
وقال الواقدي: حدثني علي بن عيسى الحكيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أو من به وأصدقه وأشهد برسالته، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفي عليك.
قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قوم منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب
__________
(1) في البيهقي: وأن غرفته تنفضت.
وهو مناسب أكثر.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 1 / 386 - 390 وابن كثير في التفسير.

فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من سأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وذاك، وينعتونه مثل ما نعته لك،، ويقولون لم يبق نبي غيره * قال عامر بن ربيعة.
فلما أسلمت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، قول زيد بن عمرو بن نفيل
واقرائه منه السلام، فرد عليه السلام وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا.
كتاب دلائل النبوة وهي معنوية وحسية: فمن المعنوية إنزال القرآن عليه، وهو أعظم المعجزات، وأبهر الآيات، وأبين الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته.
وفصاحتهم وبلاغتهم، ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله، فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزهم وتقصيرهم عن ذلك، وأن هذا ما لا سبيل لاحد إليه أبدا، قال الله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * [ الاسراء: 88 ] وهذه الآية مكية وقال في سورة الطور وهي مكية: * (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) * [ الطور: 33 ] أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله.
وقال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية - معيدا للتحدي -: * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) * [ البقرة: 23 - 24 ] وقال تعالى: * (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.
فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) * [ هود: 13 - 14 ] وقال تعالى: * (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) * [ يونس: 37 - 39 ] فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى: * (فان لم تفعلوا ولن تفعلوا) * أي فإن لم تفعلوا في الماضي ولن
تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحد ثان وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته ولا الاتيان بمثله، ولو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، ومعلوم لكل ذي لب أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله بل أعقلهم وأكملهم على الاطلاق في نفس الامر، فما كان ليقدم على هذا الامر إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته،

وهكذا وقع، فإنه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى زماننا هذا لم يستطيع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدا، فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شئ من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق ؟ وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الاولين) * [ الانفال: 31 ] كذب منهم دعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان، ولو كانوا صادقين لاتوا بما يعارضه، بل هم يعلمون كذب أنفسهم، كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم * (أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) * [ الفرقان: 5 ] قال الله تعالى * (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض إنه كان غفورا رحيما) * [ الفرقان: 6 ] أي أنزله عالم الخفيات، رب الارض والسموات، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فانه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبي الامي، الذي كان لا يحسن الكتابة ولا يدريها بالكلية، ولا يعلم شيئا من علم الاوائل وأخبار الماضين، فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلف في إيراده جملة الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: * (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) * وقال تعالى: * (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) * [ طه: 99 - 100 ] وقال تعالى: * (وأنزلنا عليك الكتاب بالحق
مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) * [ المائدة: 48 ] الآية وقال تعالى: * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون * وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون * قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والارض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله اولئك هم الخاسرون) * [ العنكبوت: 47 - 52 ] * فبين تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون وحكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النبي الامي وحده، كان من الدلالة على صدقه، وقال تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون * ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) * [ يونس: 15 - 17 ] يقول لهم: إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي، وإنما الله عز وجل هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت وأنا مبلغ عنه، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به، لاني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي وصدقي وأمانتي،

وأني لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر، فكيف يسعني أن أكذب على الله عز وجل، مالك الضر والنفع، الذي هو على كل شئ قدير، وبكل شئ عليم ؟ وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، ونسبة ما ليس منه إليه، كما قال تعالى: * (ولو تقول علينا بعض الاقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين) * أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما استطاع أحد من أهل الارض أن يحجزنا عنه ويمنعنا منه، وقال تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا
أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) * [ الانعام: 93 ] وقال تعالى: * (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) * [ الانعام: 19 ] وهذا الكلام فيه الاخبار بأن الله شهيد على كل شئ، وأنه تعالى أعظم الشهداء، وهو مطلع علي وعليكم فيما جئتكم به عنه، وتتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلني إلى الخلق لانذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى: * (ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) * [ هود: 17 ] ففي هذا القرآن من الاخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسموات والارضين وما بينهما وما فيهن أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالادلة القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح، كما قال تعالى: * (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس الا كفورا) * [ الاسراء: 89 ] وقال تعالى: * (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * [ العنكبوت: 43 ] وقال تعالى: * (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون) * [ الزمر: 27 ] وفي القرآن العظيم الاخبار عما مضى على الوجه الحق وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاهدا له، مع كونه نزل على رجل أمي، لا يعرف الكتابة، ولم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الاوائل، ولا أخبار الماضين، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الاخبار النافعة، التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الامم مع الانبياء، وما كان منهم من أمورهم معهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين، ودهر الداهرين، ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان والفصاحة، وتارة تبسط، فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق حتى كأن التالي أو السامع مشاهد لما كان، حاضر له، معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى: * (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) * [ آل عمران: 44 ] وقال تعالى: * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت
لديهم إذا يختصمون) * [ آل عمران: 44 ] وقال تعالى: في سورة يوسف، * (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون * وما أكثر الناس ولو حرصت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأحد يوليو 06, 2014 8:02 am

بمؤمنين * وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين) * [ يوسف: 102 ] إلى أن قال في آخرها * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) * [ يوسف: 111 ] وقال تعالى: * (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى) * [ طه: 133 ] وقال تعالى: * (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * [ فصلت: 52 - 53 ] وعد تعالى أنه سيظهر الآيات: القرآن وصدقه وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب، وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله: * (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * [ فصلت: 53 ] أي في العلم بأن الله يطلع على هذ الامر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك.
وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الاحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير، وما سنذكره من الملاحم والفتن كقوله تعالى: * (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) * (المزمل: 20 ] وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت وهي مكية بلا خلاف: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) * [ القمر: 45 ] وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك * إلى أمثال هذا من الامور البينة الواضحة، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الامور التي وقعت بعده عليه السلام طبق ما أخبر به * وفي القرآن الاحكام العادلة أمرا ونهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو
الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الاحكام إنما أنزلها العالم بالخيرات، الرحيم بعباده، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته، وإحسانه، قال تعالى * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) * [ الانعام: 115 ] أي صدقا في الاخبار وعدلا في الاوامر والنواهي، وقال تعالى * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * [ هود: 1 ] أي أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وقال تعالى * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * [ الفتح: 28 ] أي العلم النافع والعمل الصالح * وهكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لكميل بن زياد: هو كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم * وقد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية (ولله الحمد والمنة) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: من فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الاخبار الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الاحكام المحكمة الجلية، والتحدي ببلاغة ألفاظة يخص فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع [ أهل

الارض ] من الملتين، أهل الكتاب وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الاقطار والامصار.
وأما من زعم من المتكلمين: أن الاعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه الله في بعض الاجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق، وقولهم: هذا كفر وباطل وليس مطابقا لما في نفس الامر، بل القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الامر عن الاتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعظم الخلق وأكملهم، أن يتكلموا بمثل كلام الله وهذا القرآن [ الذي ] يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساليب كلامه عليه السلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم
بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وأسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، وهلم جرا إلى زماننا.
[ و ] علماء السلف أفصح وأعلم، وأقل تكلفا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك، ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى وهو فيما رواه الامام أحمد قائلا: [ حدثنا ] حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من الانبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (1).
وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به.
ومعنى هذا أن الانبياء عليهم السلام كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، وقوله: وإنما كان الذي أوتيت، أي جله وأعظمه، الوحي الذي أوحاه إليه، وهو القرآن، الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده، فإن البراهين التي كانت للانبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجة الله قائمة به في حياته عليه السلام وبعد وفاته، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الانبياء تبعا.
__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 4981.
وأعاده في الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله.
وأخرجه مسلم في الايمان (71) باب.
حديث 239 ص 1 / 134 عن قتيبة بن سعيد.
والامام أحمد في مسنده ج 2 / 341، 451.

فصل
ومن الدلائل المعنوية أخلاقه عليه السلام الطاهرة، وخلقه الكامل، وشجاعته وحلمه وكرمه وزهده وقناعته وإيثار وجميل صحبته، وصدقه وأمانته، وتقواه وعبادته، وكرم أصله، وطيب مولده ومنشئه ومرباه.
كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله في كتابه الذي رد فيه على فرق النصارى واليهود وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه.
قال في آخر هذا الكتاب المذكور: فصل وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته.
قال وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته من آياته، ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله، فإنه كان من أشرف أهل الارض نسبا من صميم سلالة إبراهيم، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين: إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولا منهم.
ثم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه، ولم يزل محجوبا من عهد إبراهيم، مذكروا في كتب الانبياء بأحسن وصف.
وكان صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفا بالصدق والبر [ ومكارم الاخلاق ] والعدل وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يعرف له شئ يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم ولا فاحشة، وقد كان صلى الله عليه وسلم خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أميا من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه
أهل الكتاب [ من ] التوراة والانجيل، ولم يقرأ شيئا من علوم الناس، ولا جالس أهلها، ولم يدع نبوة إلى أن أكمل [ الله ] له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الامور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الاولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله، ثم أتبعه أتباع الانبياء وهم ضعفاء الناس، وكذبه أهل الرياسة وعادوه، وسعوا في هلاكه من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالانبياء وأتباعهم، والذين أتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يوليهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أتباعه بأنواع الاذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم

من حلاوة الايمان والمعرفة، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذى يخبرهم به اليهود، وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة.
فآمنوا به وبايعوه على هجرته، وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والانصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، ولا برهبة إلا قليلا من الانصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها، من الصدق والعدل والوفاء.
لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لاحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الاحوال، من حرب وسلم، [ وأمن ] وخوف، وغنى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكن وضعف، وقلة وكثرة، وظهور على العدو تارة، وظهور العدو تارة، وهو على ذلك كله لازم لاكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الاوثان، ومن أخبار الكهان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرمة، وقطيعة الارحام، لا يعرفون آخرة ولا
معادا، فصاروا أعلم أهل الارض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء.
وهذه آثار علمهم وعملهم في الارض وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الامرين.
وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الانفس والاموال، مات ولم يخلف درهما ولا دينارا، ولا شاة ولا بعيرا، إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لاهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئا بعد شئ، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشئ فقيل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شئ فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره، وجمع محاسن ما عليه الامم، فلا يذكر في التوراة والانجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الامم ظهر له فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والاحكام وسائر الشرائع، وأمته

أكمل الامم في كل فضيلة، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الامم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله، ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا، وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم، ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم.
وهذه الفضائل
به نالوها، ومنه تعلموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبلا متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور، وبعضها من النبوات، وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا [ من ] دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المتناقضة لدين المسيح.
وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤن كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والانجيل والزبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الانبياء، ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) * [ البقرة: 136 - 137 ] وقال تعالى: * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) * [ البقرة: 285 - 286 ] الآية * وأمته عليه السلام لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصه عليهم من أخبار الانبياء وأممهم.
اعتبروا به، وما حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا بأنه باطل كذبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الالحاد والابتداع.
وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الامة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذذين قال
فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة " (1) وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الاصل الذي هو
__________
(1) الحديث أخرجه ملسم في كتاب الفتن باب (5) الحديث 19 ص (2215).
عن أبي الربيه وقتيبة عن حماد بن زيد به.

دين الرسل عموما، ودين محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، ومن خالف في هذا الاصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح، ولا دين غيره من الانبياء، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، والعمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الانبياء علما وعملا * ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون [ من أمته ]، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الامم في جميع الفضائل، العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الاصل المعلم، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل الناس علما ودينا * وهذه الامور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله: " إني رسول الله إليكم جميعا " لم يكن كاذبا مفتريا، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم، إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله: * (إني رسول الله إليكم جميعا) * [ الاعراف: 158 ] لان الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والاول يوجب أنه كان ظالما غاويا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان عمله ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه الله
عن هذين الامرين بقوله تعالى: * (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * [ النجم: 1 - 4 ] وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: * (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) * [ التكوير: 19 - 21 ] ثم قال عنه: * (وما صاحبكم بمجنون: ولقد رآه بالافق المبين وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين) * [ التكوير: 22 - 27 ] وقال تعالى * (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الامين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) * [ الشعراء: 192 - 195 ] إلى قوله: * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) * [ الشعراء: 221 - 223 ] بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فإن الشيطان يقصد الشر، وهو الكذب والفجور، ولا يقصد الصدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا وإما خطأ وفجورا أيضا فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا: كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله، وأن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: والله ورسوله بريئان منه، فإن رسول الله برئ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد

يخطئ ويكون خطؤه من الشيطان، وإن كان خطؤه مغفورا له، فإذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا، ولا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه وإنما ينزل عليه ملك كريم، ولهذا قال في الآية الاخرى عن النبي: * (إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين) * [ الحاقة: 40 - 43 ].
باب دلائل النبوة الحسية ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال الله تعالى: * (اقتربت الساعة وانشق
القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغنى النذر) * [ القمر: 1 - 5 ] وقد اتفق العلماء مع بقية الائمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وردت الاحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الامة.
رواية أنس بن مالك * قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين، فقال: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * (1).
ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة، ومسلم من حديث شعبة عن قتادة.
رواية جبير بن مطعم قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 377، 413، 447 و 3 / 275، 278 و 4 / 82.
ومسلم في صحيحه 4 / 2159 والبخاري في المناقب حديث 3627 عن شيبان عن قتادة عن أنس.
وأعاده في كتاب مناقب الانصار حديث 3868 عن سعيد بن أبي عروبة فتح الباري 7 / 183 وأعاده في تفسير وانشق القمر فتح الباري 8 / 617.

يستطيع أن يسحر الناس * تفرد به أحمد * ورواية ابن جرير والبيهقي من طرق (1) عن حصين بن عبد الرحمن به.
رواية حذيفة بن اليمان
قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: إن الله تعالى يقول: * (إقتربت الساعة وانشق القمر) * ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق.
فقلت لابي: أتستبق الناس غدا ؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالاعمال، ثم جاءت الجمعة الاخرى فحضرها فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله يقول: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن حذيفة فذكر نحوه، وقال: ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة.
رواية عبد الله بن عباس قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم (2).
ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به.
طريق أخرى - قال ابن جرير: ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الاعلى، ثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وروى العوفي عن ابن عباس نحوا من هذا.
وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس فقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: * (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) * وهذا سياق غريب * وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن
انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره والله أعلم.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 2 / 268 من طرق عن حصين، من طريق ابراهيم طهمان، وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن.
(2) أخرجه البخاري عن التفسير ح (4866) ومسلم في المنافقين (Cool باب ح (48) ص (4 / 2159).

رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس الاصنم، ثنا العباس بن محمد الدوري: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الاعمش [ عن مجاهد ] عن عبد الله بن عمر [ بن الخطاب ] في قوله: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فلقتين فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أشهد (1) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الاعمش عن مجاهد قال: مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله بن مسعود قال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدوا (2).
ورواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجاه من حديث الاعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به.
قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة.
وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في مسنده، فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا:
انظروا ما يأتينا به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك (3).
وروى البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن ابن عباس الدوري، عن سعيد بن سليمان، عن هشيم (4)، عن مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: أنشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقالت كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا المسافرين فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا: رأيناه.
ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد: فأنزل الله: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * * وقال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، عن
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 267 ومسلم في صحيحه 4 / 2159 وما بين معكوفين في الحديث من الدلائل.
(2) رواه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 377 ومن طريق الاعمش عن ابراهيم عن أبي معمر ج 1 / 456 وأخرجه البخاري في كتاب التفسير ح (3626) وفي مناقب الانصار ح 3869.
ومسلم ج 4 / 2158.
(3) رواه أبو نعيم في الدلائل (234) والبيهقي في دلائله 2 / 266.
(4) من دلائل البيهقي 2 / 266 وفي الاصل: هشام.

إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الاسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر.
وروى ابن جرير عن يعقوب الدوري عن ابن علية، عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول: لقد انشق القمر، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول: خمس قد مضين: الروم، واللزام، والبطشة والدخان والقمر، في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدخان، وقال أبو زرعة في الدلائل: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا الوليد، عن الاوزاعي عن ابن بكير قال: انشق القمر بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فخر شقتين فقال المشركون: سحره ابن أبي كبشة، وهذا مرسل من هذا الوجه فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الامر تغني في إسناده مع وروده في الكتاب العزيز.
وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في
جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ونحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء بل انفرق باثنتين وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والاخرى من الناحية الاخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شئ سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه.
فإن قيل: فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الارض ؟ فالجواب ومن ينفي ذلك، ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله، ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها.
ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفي أمره على كثير من الناس لامور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم، ولنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس وغير ذلك من الامور والله أعلم.
وقد حررنا هذا فيما تقدم في كتابنا التفسير.
فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الامناء بن عساكر [ إذنا ] وقال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة، قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي قالا: ثنا أبو عثمان المحبر أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الد ؟ ا ؟ عا ؟ ى (1) بها، أنا محمد بن أحمد بن محبوب.
وفي حديث ابن القشيري: ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود ح، قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر وأنا أبو الفتح الماهاني، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن منده، أنا عثمان بن أحمد الننسي، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ثنا
__________
(1) كذا في الاصل دون إعجام ولم اعثر عليه فيما لدينا من مراجع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأحد يوليو 06, 2014 8:03 am

فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أمية بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن
أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صليت العصر ؟ وقال أبو أمية: صليت يا علي ؟ قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو أميه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك، وقال أبو أمية: رسولك، فاردد عليه الشمس.
قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت.
وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي عبد الله بن مندة كما تقدم ومن طريق أبي جعفر العقيلي: ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق فذكره، ثم قال: وهذا حديث موضوع، وقد اضطرب الرواة فيه فرواه سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسن، عن فاطمة بنت علي عن أسماء.
وهذا تخليط في الرواية.
قال: وأحمد بن داود ليس بشئ، قال الدار قطني متروك كذاب، وقال ابن حبان كان يضع الحديث * وعمار بن مطر قال فيه العقيلي: كان يحدث عن الثقات بالمناكير، وقال ابن عدي: متروك الحديث.
قال: وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى، قال ابن حبان: يروي الموضوعات ويخطئ عن الثقات، وبه قال الحافظ بن عساكر.
قال: وأخبرنا أبو محمد، عن طاوس، أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمرو بن مهدي، أنا أبو العباس بن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين - وهي عجوز كبيرة - فقلت لها: ما هذا ؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال، ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها: أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوحى إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس يقول: غابت أو كادت أن تغيب، ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه فقال: أصليت يا علي ؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم رد على علي الشمس، فرجعت حتى بلغت نصف المسجد، قال عبد الرحمن: وقال أبي حدثني موسى الجهني نحوه.
ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل.
وقال الشيخ أبو الفرج بن
الجوزي في الموضوعات: وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره، ثم قال: وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فانه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة، قال الخطيب: ثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول: كان ابن عقدة بجامع براثا (1) يملي مثالب الصحابة أو قال: الشيخين فتركته، وقال الدار قطني: كان ابن عقدة رجل سوء، وقال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لانه كان يحمل شيوخا
__________
(1) براثا: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ، ولم يعد لها أثر.
(معجم البلدان).

بالكوفة على الكذب فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها، وقد بينا كذبه عن غير (1) شيخ بالكوفة * وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه " الذرية الطاهرة ": حدثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان، عن عبد الله بن حسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين قال: كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر علي وهو يوحى إليه فذكر الحديث بنحو ما تقدم، إبراهيم بن حبان هذا تركه الدار قطني وغيره، وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وصدق ابن ناصر، وقال ابن الجوزي: وقد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن فراهيج (2) عن أبي هريرة قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجر علي ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فلما قام رسول الله دعا له فردت عليه الشمس حتى صلى ثم غابت ثانية.
ثم قال: وداود ضعفه شعبة، ثم قال ابن الجوزي ومن تغفيل واضح هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمح عدم الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع.
قلت: هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لانه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى وبالنسبة
إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح أنها ردت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة وكانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشمس وقد تنصفت للغروب فقال: إنك مأمورة، وأنا مأمور.
اللهم احبسها علي، فحبسها الله عليه حتى فتحوها.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاها وأجل منصبا وأعلى قدرا من يوشع بن نون، بل من سائر الانبياء على الاطلاق ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا [ عنه ] ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صح لكنا من أول القائلين به، والمعتقدين له وبالله المستعان.
قال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه " إثبات إمامة أبي بكر الصديق " فإن قال قائل من الروافض: إن أفضل فضيلة لابي الحسن وأدل [ دليل ] على إمامته ما روى عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: صليت ؟ قال: لا، فقال رسول الله: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
قيل له: كيف لنا لو صح هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى، ولكن الحديث ضعيف جدا لا أصل له، وهذا مما كسبت أيدي الروافض، ولو ردت الشمس بعدما
__________
(1) في الاصول من عند، ولعل ما أثبتناه الصواب.
(2) في الاصل واهح، وفي هامش المطبوعة: كذا، وفي التيمورية برسم فراع - الامام وسيرد فراهيج بعد قليل.

غربت لرآها المؤمن والكافر ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعدما غربت.
ثم يقال للروافض: أيجوز أن ترد الشمس لابي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والانصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق ؟.
قال: وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار حين قفل من غزوة خيبر.
فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس، قال: فلم يرد الليل على رسول الله وعلى أصحابه، قال: ولو كان هذا فضلا أعطيه رسول الله وما كان الله ليمنع رسوله
شرفا وفضلا - يعني أعطيه علي بن أبي طالب - ثم قال: وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي ما تقول فيمن يقول: رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر ؟ فقال: من قال هذا فقد كذب، وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إن ناسا عندنا يقولون: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت عليه الشمس، فقال: كذب هذا كله.
فصل " إيراد هذا الحديث من طرق متفرقة " أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني يصنف فيه " تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس " وقال: قد روي ذلك من طريق أسماء بنت عميس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن الوليد الانطاكي، والحسن بن داود ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو ثقة أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني وهو ثقة أيضا عن عون بن محمد، قال: وهو ابن محمد بن الحنفية عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة فجاء وقد صلى رسول الله العصر فوضع رأسه في حجر علي ولم يحركه حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس.
وهذا الاسناد فيه من يجهل حاله فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما هو دون هدا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الامر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة فالله أعلم.
ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أو لا، ثم أورده هذا المص من طريق الحسين بن الحسن الاشقر وهو شيعي جلد وضعفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق.
عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن.
عن فاطمة بنت الحسين الشهيد عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث.
قال وقد رواه عن فضيل بن

مرزوق جماعة منهم، عبيد الله بن موسى، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد الله.
وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود وأبي أمية الطرسوسي عن عبيد الله بن موسى العبسي، وهو من الشيعة.
ثم أورده هذا المص من طريق أبي جعفر العقيلي عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فضيل بن مرزوق، والاغر الرقاشي ويقال الرواسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة وثقة الثوري وابن عيينة، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرا وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح ولكنه شديد التشيع، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال: إنه ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات.
وقد روى له مسلم وأهل السنن الاربعة.
فمن هذه ترجمته لا يهتم بتعمد الكذب ولكنه قد يتساهل ولا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه " عن " بصيغة التدليس،، ولم يأت بصيغة التحديث فلعل بينهما من يجهل أمره، على أن شيخه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل.
وأما فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثها مشهور روى لها أهل السنن الاربعة، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، وهي من الثقات ولكن لا يدري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا ؟ فالله أعلم.
ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكناني: ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن
يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم، ثنا عبد الرزاق سفيان الثوري، عن أشعث أبي الشعثاء عن أمه عن فاطمة - يعني بنت الحسين - عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس، وهذا إسناد غريب جدا.
وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الائمة لا يكاد يترك منه شئ من المهمات فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم ؟ ثم إن أم أشعث مجهولة فالله أعلم.
ثم ساقه هذا المص من طريق محمد بن مرزوق: ثنا حسين الاشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن علي بن هاشم بن الثريد - وقد قال فيه ابن حبان: كان غالبا في التشيع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس فذكره، وهذا إسناد لا يثبت.
ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن عروة بن عبد الله عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت

عميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك، عن عبد الله النخعي.
وقد روى عنه البخاري في كتاب الادب وحدث عنه جماعة من الائمة وقال فيه أبو حاتم الرازي كان واهي الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات و [ قال ]: ربما أخطأ، وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة، ثم أورد كلام الائمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها.
والله أعلم.
قلت: في سياق هذا الاسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر، ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه.
ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي: ثنا علي بن العباس بن الوليد، ثنا عبادة بن يعقوب الرواجي، ثنا علي بن هاشم، عن صباح، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر - عن حسين المقتول عن فاطمة عن أسماء بنت عميس قالت: لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم
المغنم حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما صليت ؟ قال: لا، فدعا الله فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء فصلى علي، فلما غربت الشمس سمعت لها صريرا كصرير الميشار في الحديد.
وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة مع أن إسناده مظلم جدا فإن صباحا هذا لا يعرف وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عميس ؟ هذا تخبيط إسنادا ومتنا، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول والاوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه، واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره عليه السلام أن لا يصلي أحد منهم العصر، إلا في بني قريظة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف، والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء إنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه، وهو الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر، فإن كان [ هذا ] ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري، لان هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا، لانه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك، وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس بل وقتها بعد الغروب والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث.
والله أعلم * وهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء ولا رواه أهل الكتب المشهورة وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم والله أعلم.
ثم أورد هذا المص من طريق أبي العباس بن

عقدة: حدثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسين بن علي [ بن أبي طالب ] عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب: هل يثبت عندكم ؟
فقال لي: ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس، قلت: صدقت (جعلني الله فداك) ولكني أحب أن أسمعه منك، فقال: حدثني أبي - الحسن - عن أسماء بنت عميس أنها قالت: أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي فأسنده إلى صدره [ فلم يزل مسنده إلى صدره ] حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصليت العصر يا علي ؟ قال: جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة - وقد غربت الشمس - وقال: اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه، قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر، فقام علي متمكنا فصلى، فلما فرغ رجعت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلط الظلام وبدت النجوم.
وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا وهو مناقض لما قبله من السياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل، ويعرف بعمرو بن المقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين وحدث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيا لسيان، قال: تركه عبد الله بن المبارك وقال: لا تحدثوا عنه فإنه كان يسب السلف، ولما مرت به جنازته توارى عنها، وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال أبو معين والنسائي: ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه.
وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفا، زاد أبو حاتم: وكان ردئ الرأي شديد التشيع لا يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو داود: كان من شرار الناس كان رافضيا خبيثا رجل سوء قال هنا: ولما مات لم أصل عليه، لانه قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر الناس إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمه، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات [ عن الاثبات ] وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بين، وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا الحديث قال هذا المصنف المنصف: وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أنا أبو محمد صالح بن
الفتح النسائي، ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه، ثنا داود بن فراهيج، وعن عمارة بن برد وعن أبي هريرة فذكره.
وقال: اختصرته من حديث طويل، وهذا إسناده مظلم ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبي هريرة وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما.
والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر (والله أعلم) قال: وأما

حديث أبي سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة: أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم: أنا محمد بن أحمد بن متيم، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: [ حدثني أبي عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله عن أبيه عمر قال: ] قال الحسين بن علي سمعت أبا سعيد الخدري يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأسه في حجر علي.
وقد غابت الشمس فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا علي أصليت العصر ؟ قال: لا يا رسول الله ما صليت كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع، فقال رسول الله: يا علي ادع يا علي أن ترد عليك الشمس، فقال علي يا رسول الله ادع أنت وأنا أؤمن، فقال: يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس، قال أبو سعيد: فو الله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية.
وهذا إسناد مظلم أيضا ومتنه منكر، ومخالف لما تقدمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرافضة بعضهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي.
قال: وأما حديث أمير المؤمنين علي فاخبرنا أبو العباس الفرغاني، أنا أبو الفضل الشيباني، ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين، ثنا عبد الله بن عمرو بن الاشعث، عن داود بن الكميت، عن عمه المستهل بن زيد، عن أبيه زيد بن سلهب عن جويرية بنت شهر قالت: خرجت مع
علي بن أبي طالب فقال: يا جويرية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجري فذكر الحديث، وهذا الاسناد مظلم وأكثر رجاله لا يعرفون والذي يظهر والله أعلم أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله ولعن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال وهو الصادق في المقال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه علي بن أبي طالب وفيه منقبة عظيمة له ودلالة معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يروي عنه إلا بهذا الاسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا ؟ الظاهر (والله أعلم) لا، ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم، ثم في ترك الائمة كمالك وأصحاب الكتب الستة وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم وهو مفتعل مأفوك بعدهم، وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكم في مستدركه وكلاهما ينسب إلى شئ من التشيع ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة وهو مما تتوفر الدواغي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة وأكثرها مركبة موضوعة

وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف.
وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح رحمه الله ومال إلى صحته، ورجح ثبوته، قال الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس، لانه من علامات النبوة.
وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا فيما قيل.
ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا
فيما يقتضي نقله، لانه وإن كان فضيلة لامير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة وهو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة.
وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا، وهذا حق لو كان الحديث صحيحا، ولكنه لم ينقله كذلك فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الامر والله أعلم.
قلت: والائمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، وكابراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر والشيخ أبي الفرج بن الجوزي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي: ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، ثنا عبد الله بن علي [ بن ] المديني قال: سمعت أبي يقول: خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: لو صدق السائل ما أفلح من رده، وحديث لا وجع إلا وجع العين، ولا غم إلا غم الدين، وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب، وحديث أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الارض مائتي عام، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان.
والطحاوي رحمه الله وإن كان قد اشتبه عليه أمره فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال: عمن رويت حديث رد الشمس ؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه: يا سارية الجبل، فهذا أبو حنيفة رحمه الله وهو من الائمة المعتبرين وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضله الله به ورسوله وهو مع هذا ينكر على راويه وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث وهو إن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا سارية الجبل.
وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام
(قد شهد الشارع له بأنه محدث) بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر

علامات الساعة ؟ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح والله تعالى أعلم.
وتقدم ما أورده هذا المص من طرق هذا الحديث عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في الذرية الطاهرة: من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنه عنه عن أبي سعيد الخدري كما تقدم والله أعلم.
وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الامامة الذي رد عليه فيه شيخنا [ العلامة ] أبو العباس ابن تيمية قال ابن المطهر: التاسع رجوع الشمس مرتين إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والثانية بعده، أما الاولى فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عنده الله، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلى علي العصر بالايماء فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما.
فدعا فردت الشمس فصلى العصر قائما.
وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بدوابهم وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر وفات كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فسأل الله رد الشمس فردت قال وقد نظمه الحميري فقال: ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في وقتها * للعصر ثم هوت هوى الكوكب وعليه قد رت ببابل مرة * أخرى وما ردت لخلق مقرب قال شيخنا أبو العباس [ ابن تيمية ] رحمه الله: فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن
هذا الحديث كذب موضوع، ثم أورد طرقه واحدة [ واحدة ] كما قدمنا وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه والله الموفق.
واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه [ هذا الحديث ] بأنه اغتر بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقل جيد للاسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في عيون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل.
قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب.
ولكن لم يسنده وفي سياقه ما يقتضي أن عليا [ هو الذي ] دعا برد الشمس في الاولى والثانية، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه (والله أعلم) من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر بل قاموا إلى بطحان وهو واد هناك فتوضاؤا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس، وكان علي أيضا فيهم ولم ترد لهم، وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم،

وكذلك لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار ولم يرد لهم الليل، فما كان الله عز وجل ليعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأما نظم الحميري فليس [ فيه ] حجة بل هو كهذيان بن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم بل كلاهما كما قال الشاعر: إن كنت أدري فعلى بدنه * من كثرة التخليط أني من أنه والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود رحمه الله في سننه عن علي: أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر فلم يصل حتى جاوزها، وقال: نهاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فانها ملعونة.
وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من أدعى باطلا من الامر فقال ولا فرق بين من أدعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:
فردت علينا الشمس والليل راغم * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى * لبهجتها نور السماء المرجع (1) فو الله ما أدري علي بدا لنا فردت * له أم كان في القوم يوشع هكذا أورده ابن حزم في كتابه، وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب وأنه مصنوع والله أعلم.
ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه عليه السلام ربه [ عز وجل ] لامته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته عليه السلام وكذلك استصحاؤه.
قال البخاري: ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل (2) قال البخاري: وقال أبو عقيل الثقفي عن عمر بن حمزة: ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل وهو قول أبي طالب * تفرد به البخاري وهذا الذي علقه قد أسنده ابن ماجة في سننه فرواه
__________
(1) نضا اللون: تغير، والمراد هنا أن ضوءها أزال ظلمة الدجنة.
(2) ثمال اليتامى: مغيثهم والقائم بأمرهم وتدبير شؤونهم.

عن أحمد بن الازهر عن أبي النضر عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة، عن سالم عن أبيه (1).
وقال البخاري: ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر: أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال، وتقطعت
السبل، فادع الله لنا يغيثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، [ اللهم اسقنا ] قال أنس: ولا [ والله ] ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائما، وقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا.
اللهم على الآكام والجبال [ والظراب ] ومنابت الشجر.
قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أهو الرجل الذي سأل أولا ؟ قال: لا أدري (2) وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر [ أهل ] المدينة (3)، تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال: تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي [ فادع الله أن يمسكها ] فقال: اللهم، على الآكام والظراب والاودية ومنابت
__________
(1) رواه البخاري في فتح الباري 2 / 492 وابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها حديث 1272.
- يجيش: أي يتدفق الماء، من جاش البحر إذا علا، والعين إذا فاضت، والوادي إذا جرى.
(2) فتح الباري 2 / 501.
حديث 1013، وما بين معكوفين من الفتح.
- قزعة: بفتح الزاي والقاف: سحاب متفرق.
قال ابن سيدة: القزع قطع من السحاب رقاق.
زاد أبو
عبيد: وأكثر ما يجئ في الخريف.
- سلع: جبل معروف بالمدينة.
- الظراب: جمع ظرب.
قال القزاز: الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهري: الرابية الصغيرة.
(3) فتح الباري 2 / 508 حديث 1015.

الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب (1).
وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله ثنا الاوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الانصاري، حدثني أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء قزعة فو الذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته.
قال: فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الاخرى، فقام ذلك الاعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوية وسال الوادي - قناة - شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود (2).
ورواه البخاري أيضا في الجمعة ومسلم من حديث الوليد عن الاوزاعي.
وقال البخاري: وقال أيوب بن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك قال: أتى [ رجل ] أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الاخرى، فأتى الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق * قال البخاري: وقال الاويسي - يعني عبد الله -: حدثني محمد بن جعفر -
هو ابن كثير - عن يحيى بن سعيد وشريك، سمعا أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه (3).
هكذا علق هذين الحديثين ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية * وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: اللهم اسقنا مرتين، وأيم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى.
__________
(1) فتح الباري 2 / 508 حديث 1016.
(2) فتح الباري 2 / 519 حديث 1033 ومسلم في صلاة الاستسقاء ح (9) ص (614).
(3) فتح الباري 2 / 516 حديث رقم 1029 - 1030.
- بشق: أي مل.
وقال الخطابي: بشق: اشتد عليه الضرر، وقال إنما هي لثق وبشق ليس بشئ.
ويحتمل أن تكون مشق: أي صارت الطريق زلفة.
وقال ابن بطال: لم أجد ليشق في اللغة معنى.
وقال كراع: بشق: تأخر ولم يتقدم.
- الاويسي: هو عبد العزيز بن عبد الله قاله ابن حجر.

فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الاكليل (1).
وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد قال: سئل أنس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الارض، وهلك المال، قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، ولقد رفع يديه فاستسقى ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة، فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار
ليهمه الرجوع إلى أهله، قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبست الركبان، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرعة ملالة ابن آدم وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فتكشطت عن المدينة (2).
وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
وقال البخاري وأبو داود واللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، وعن يونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا، فمد يده ودعا.
قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت الريح، أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عز إليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الاخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله يحبسه.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: حوالينا ولا علينا، فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل (3).
فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لانها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن.
وقال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد بن أبي خيثم الهلالي، عن مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله والله لقد أتيناك، وما لنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح وأنشد: أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة * من الجوع ضعفا قائما وهو لا يخلي (4) ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
__________
(1) فتح الباري - 2 / 512 حديث 1021.
(2) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 104، 187، 194، 261، 271.
(3) فتح الباري 2 / 508 حديث 508.
(4) في دلائل البيهقي 6 / 141: من الجوع ضعفا ما يمر ولا يخلي.

قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرئيا مريعا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار تملا به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيى به الارض [ بعد موتها ] وكذلك تخرجون.
قال: فو الله ما ورد يده إلى نحره حتلى ألقت السماء بأوراقها (1)، وجاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول الله الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالاكليل فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من ينشد قوله ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل قال: وقام رجل من بني كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلا كلف (2) الرداء * وأسرع حتى رأينا الدرر رقاق العوالي عم البقاع (3) * أغاث به الله عينا مضر وكان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر به الله يسقي بصوب الغمام * وهذا العيان كذاك الخبر فمن يشكر الله يلقى المزيد * ومن يكفر الله يلقى الغير قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت * وهذا السياق فيه غرابة ولا
يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس فإن كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث الاصبهاني، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا عبد الله بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد بن أبي ذئب المدني عن عبد الله بن محمد عمر بن حاطب الجمحي، عن أبى وجزة يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة فيهم بضعة عشر رجلا فيهم
__________
(1) في الدلائل: بأبراقها.
(2) في الدلائل: كإلقاء.
(3) في الدلائل: جم البعاق.

خارجة بن الحصين، والحر بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الانصار، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم قالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وأجدبت (1) أحياؤنا، وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك ويشفع ربك إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، ويلك، هذا ما شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا الله وسع كرسيه السموات والارض وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:25 am

بمؤمنين * وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين) * [ يوسف: 102 ] إلى أن قال في آخرها * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) * [ يوسف: 111 ] وقال تعالى: * (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى) * [ طه: 133 ] وقال تعالى: * (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * [ فصلت: 52 - 53 ] وعد تعالى أنه سيظهر الآيات: القرآن وصدقه وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب، وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله: * (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * [ فصلت: 53 ] أي في العلم بأن الله يطلع على هذ الامر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك.
وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الاحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير، وما سنذكره من الملاحم والفتن كقوله تعالى: * (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) * (المزمل: 20 ] وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت وهي مكية بلا خلاف: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) * [ القمر: 45 ] وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك * إلى أمثال هذا من الامور البينة الواضحة، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الامور التي وقعت بعده عليه السلام طبق ما أخبر به * وفي القرآن الاحكام العادلة أمرا ونهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو
الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الاحكام إنما أنزلها العالم بالخيرات، الرحيم بعباده، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته، وإحسانه، قال تعالى * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) * [ الانعام: 115 ] أي صدقا في الاخبار وعدلا في الاوامر والنواهي، وقال تعالى * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * [ هود: 1 ] أي أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وقال تعالى * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * [ الفتح: 28 ] أي العلم النافع والعمل الصالح * وهكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لكميل بن زياد: هو كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم * وقد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية (ولله الحمد والمنة) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: من فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الاخبار الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الاحكام المحكمة الجلية، والتحدي ببلاغة ألفاظة يخص فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع [ أهل
الارض ] من الملتين، أهل الكتاب وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الاقطار والامصار.
وأما من زعم من المتكلمين: أن الاعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه الله في بعض الاجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق، وقولهم: هذا كفر وباطل وليس مطابقا لما في نفس الامر، بل القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الامر عن الاتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعظم الخلق وأكملهم، أن يتكلموا بمثل كلام الله وهذا القرآن [ الذي ] يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساليب كلامه عليه السلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم
بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وأسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، وهلم جرا إلى زماننا.
[ و ] علماء السلف أفصح وأعلم، وأقل تكلفا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك، ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى وهو فيما رواه الامام أحمد قائلا: [ حدثنا ] حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من الانبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (1).
وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به.
ومعنى هذا أن الانبياء عليهم السلام كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، وقوله: وإنما كان الذي أوتيت، أي جله وأعظمه، الوحي الذي أوحاه إليه، وهو القرآن، الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده، فإن البراهين التي كانت للانبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجة الله قائمة به في حياته عليه السلام وبعد وفاته، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الانبياء تبعا.
__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 4981.
وأعاده في الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله.
وأخرجه مسلم في الايمان (71) باب.
حديث 239 ص 1 / 134 عن قتيبة بن سعيد.
والامام أحمد في مسنده ج 2 / 341، 451.
فصل
ومن الدلائل المعنوية أخلاقه عليه السلام الطاهرة، وخلقه الكامل، وشجاعته وحلمه وكرمه وزهده وقناعته وإيثار وجميل صحبته، وصدقه وأمانته، وتقواه وعبادته، وكرم أصله، وطيب مولده ومنشئه ومرباه.
كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله في كتابه الذي رد فيه على فرق النصارى واليهود وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه.
قال في آخر هذا الكتاب المذكور: فصل وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته.
قال وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته من آياته، ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله، فإنه كان من أشرف أهل الارض نسبا من صميم سلالة إبراهيم، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين: إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولا منهم.
ثم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه، ولم يزل محجوبا من عهد إبراهيم، مذكروا في كتب الانبياء بأحسن وصف.
وكان صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفا بالصدق والبر [ ومكارم الاخلاق ] والعدل وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يعرف له شئ يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم ولا فاحشة، وقد كان صلى الله عليه وسلم خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أميا من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه
أهل الكتاب [ من ] التوراة والانجيل، ولم يقرأ شيئا من علوم الناس، ولا جالس أهلها، ولم يدع نبوة إلى أن أكمل [ الله ] له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الامور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الاولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله، ثم أتبعه أتباع الانبياء وهم ضعفاء الناس، وكذبه أهل الرياسة وعادوه، وسعوا في هلاكه من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالانبياء وأتباعهم، والذين أتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يوليهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أتباعه بأنواع الاذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم
من حلاوة الايمان والمعرفة، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذى يخبرهم به اليهود، وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة.
فآمنوا به وبايعوه على هجرته، وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والانصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، ولا برهبة إلا قليلا من الانصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها، من الصدق والعدل والوفاء.
لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لاحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الاحوال، من حرب وسلم، [ وأمن ] وخوف، وغنى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكن وضعف، وقلة وكثرة، وظهور على العدو تارة، وظهور العدو تارة، وهو على ذلك كله لازم لاكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الاوثان، ومن أخبار الكهان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرمة، وقطيعة الارحام، لا يعرفون آخرة ولا
معادا، فصاروا أعلم أهل الارض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء.
وهذه آثار علمهم وعملهم في الارض وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الامرين.
وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الانفس والاموال، مات ولم يخلف درهما ولا دينارا، ولا شاة ولا بعيرا، إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لاهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئا بعد شئ، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشئ فقيل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شئ فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره، وجمع محاسن ما عليه الامم، فلا يذكر في التوراة والانجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الامم ظهر له فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والاحكام وسائر الشرائع، وأمته
أكمل الامم في كل فضيلة، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الامم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله، ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا، وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم، ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم.
وهذه الفضائل
به نالوها، ومنه تعلموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبلا متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور، وبعضها من النبوات، وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا [ من ] دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المتناقضة لدين المسيح.
وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤن كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والانجيل والزبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الانبياء، ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) * [ البقرة: 136 - 137 ] وقال تعالى: * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) * [ البقرة: 285 - 286 ] الآية * وأمته عليه السلام لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصه عليهم من أخبار الانبياء وأممهم.
اعتبروا به، وما حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا بأنه باطل كذبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الالحاد والابتداع.
وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الامة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذذين قال
فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة " (1) وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الاصل الذي هو
__________
(1) الحديث أخرجه ملسم في كتاب الفتن باب (5) الحديث 19 ص (2215).
عن أبي الربيه وقتيبة عن حماد بن زيد به.
دين الرسل عموما، ودين محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، ومن خالف في هذا الاصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح، ولا دين غيره من الانبياء، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، والعمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الانبياء علما وعملا * ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون [ من أمته ]، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الامم في جميع الفضائل، العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الاصل المعلم، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل الناس علما ودينا * وهذه الامور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله: " إني رسول الله إليكم جميعا " لم يكن كاذبا مفتريا، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم، إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله: * (إني رسول الله إليكم جميعا) * [ الاعراف: 158 ] لان الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والاول يوجب أنه كان ظالما غاويا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان عمله ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه الله
عن هذين الامرين بقوله تعالى: * (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * [ النجم: 1 - 4 ] وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: * (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) * [ التكوير: 19 - 21 ] ثم قال عنه: * (وما صاحبكم بمجنون: ولقد رآه بالافق المبين وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين) * [ التكوير: 22 - 27 ] وقال تعالى * (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الامين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) * [ الشعراء: 192 - 195 ] إلى قوله: * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) * [ الشعراء: 221 - 223 ] بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فإن الشيطان يقصد الشر، وهو الكذب والفجور، ولا يقصد الصدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا وإما خطأ وفجورا أيضا فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا: كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله، وأن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: والله ورسوله بريئان منه، فإن رسول الله برئ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد
يخطئ ويكون خطؤه من الشيطان، وإن كان خطؤه مغفورا له، فإذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا، ولا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه وإنما ينزل عليه ملك كريم، ولهذا قال في الآية الاخرى عن النبي: * (إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين) * [ الحاقة: 40 - 43 ].
باب دلائل النبوة الحسية ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال الله تعالى: * (اقتربت الساعة وانشق
القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغنى النذر) * [ القمر: 1 - 5 ] وقد اتفق العلماء مع بقية الائمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وردت الاحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الامة.
رواية أنس بن مالك * قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين، فقال: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * (1).
ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة، ومسلم من حديث شعبة عن قتادة.
رواية جبير بن مطعم قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 377، 413، 447 و 3 / 275، 278 و 4 / 82.
ومسلم في صحيحه 4 / 2159 والبخاري في المناقب حديث 3627 عن شيبان عن قتادة عن أنس.
وأعاده في كتاب مناقب الانصار حديث 3868 عن سعيد بن أبي عروبة فتح الباري 7 / 183 وأعاده في تفسير وانشق القمر فتح الباري 8 / 617.
يستطيع أن يسحر الناس * تفرد به أحمد * ورواية ابن جرير والبيهقي من طرق (1) عن حصين بن عبد الرحمن به.
رواية حذيفة بن اليمان
قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: إن الله تعالى يقول: * (إقتربت الساعة وانشق القمر) * ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق.
فقلت لابي: أتستبق الناس غدا ؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالاعمال، ثم جاءت الجمعة الاخرى فحضرها فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله يقول: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن حذيفة فذكر نحوه، وقال: ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة.
رواية عبد الله بن عباس قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم (2).
ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به.
طريق أخرى - قال ابن جرير: ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الاعلى، ثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وروى العوفي عن ابن عباس نحوا من هذا.
وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس فقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر، فنزلت: * (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) * وهذا سياق غريب * وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن
انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره والله أعلم.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 2 / 268 من طرق عن حصين، من طريق ابراهيم طهمان، وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن.
(2) أخرجه البخاري عن التفسير ح (4866) ومسلم في المنافقين (Cool باب ح (48) ص (4 / 2159).
رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس الاصنم، ثنا العباس بن محمد الدوري: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الاعمش [ عن مجاهد ] عن عبد الله بن عمر [ بن الخطاب ] في قوله: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فلقتين فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أشهد (1) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الاعمش عن مجاهد قال: مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله بن مسعود قال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدوا (2).
ورواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجاه من حديث الاعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به.
قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة.
وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في مسنده، فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا:
انظروا ما يأتينا به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك (3).
وروى البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن ابن عباس الدوري، عن سعيد بن سليمان، عن هشيم (4)، عن مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: أنشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقالت كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا المسافرين فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا: رأيناه.
ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد: فأنزل الله: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * * وقال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، عن
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 267 ومسلم في صحيحه 4 / 2159 وما بين معكوفين في الحديث من الدلائل.
(2) رواه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 377 ومن طريق الاعمش عن ابراهيم عن أبي معمر ج 1 / 456 وأخرجه البخاري في كتاب التفسير ح (3626) وفي مناقب الانصار ح 3869.
ومسلم ج 4 / 2158.
(3) رواه أبو نعيم في الدلائل (234) والبيهقي في دلائله 2 / 266.
(4) من دلائل البيهقي 2 / 266 وفي الاصل: هشام.
إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الاسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر.
وروى ابن جرير عن يعقوب الدوري عن ابن علية، عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول: لقد انشق القمر، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول: خمس قد مضين: الروم، واللزام، والبطشة والدخان والقمر، في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدخان، وقال أبو زرعة في الدلائل: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا الوليد، عن الاوزاعي عن ابن بكير قال: انشق القمر بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فخر شقتين فقال المشركون: سحره ابن أبي كبشة، وهذا مرسل من هذا الوجه فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الامر تغني في إسناده مع وروده في الكتاب العزيز.
وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في
جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ونحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء بل انفرق باثنتين وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والاخرى من الناحية الاخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شئ سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه.
فإن قيل: فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الارض ؟ فالجواب ومن ينفي ذلك، ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله، ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها.
ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفي أمره على كثير من الناس لامور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم، ولنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس وغير ذلك من الامور والله أعلم.
وقد حررنا هذا فيما تقدم في كتابنا التفسير.
فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الامناء بن عساكر [ إذنا ] وقال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة، قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي قالا: ثنا أبو عثمان المحبر أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الد ؟ ا ؟ عا ؟ ى (1) بها، أنا محمد بن أحمد بن محبوب.
وفي حديث ابن القشيري: ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود ح، قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر وأنا أبو الفتح الماهاني، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن منده، أنا عثمان بن أحمد الننسي، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ثنا
__________
(1) كذا في الاصل دون إعجام ولم اعثر عليه فيما لدينا من مراجع.
فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أمية بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن
أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صليت العصر ؟ وقال أبو أمية: صليت يا علي ؟ قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو أميه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك، وقال أبو أمية: رسولك، فاردد عليه الشمس.
قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت.
وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي عبد الله بن مندة كما تقدم ومن طريق أبي جعفر العقيلي: ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق فذكره، ثم قال: وهذا حديث موضوع، وقد اضطرب الرواة فيه فرواه سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسن، عن فاطمة بنت علي عن أسماء.
وهذا تخليط في الرواية.
قال: وأحمد بن داود ليس بشئ، قال الدار قطني متروك كذاب، وقال ابن حبان كان يضع الحديث * وعمار بن مطر قال فيه العقيلي: كان يحدث عن الثقات بالمناكير، وقال ابن عدي: متروك الحديث.
قال: وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى، قال ابن حبان: يروي الموضوعات ويخطئ عن الثقات، وبه قال الحافظ بن عساكر.
قال: وأخبرنا أبو محمد، عن طاوس، أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمرو بن مهدي، أنا أبو العباس بن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين - وهي عجوز كبيرة - فقلت لها: ما هذا ؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال، ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها: أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوحى إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس يقول: غابت أو كادت أن تغيب، ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه فقال: أصليت يا علي ؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم رد على علي الشمس، فرجعت حتى بلغت نصف المسجد، قال عبد الرحمن: وقال أبي حدثني موسى الجهني نحوه.
ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل.
وقال الشيخ أبو الفرج بن
الجوزي في الموضوعات: وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره، ثم قال: وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فانه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة، قال الخطيب: ثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول: كان ابن عقدة بجامع براثا (1) يملي مثالب الصحابة أو قال: الشيخين فتركته، وقال الدار قطني: كان ابن عقدة رجل سوء، وقال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لانه كان يحمل شيوخا
__________
(1) براثا: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ، ولم يعد لها أثر.
(معجم البلدان).
بالكوفة على الكذب فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها، وقد بينا كذبه عن غير (1) شيخ بالكوفة * وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه " الذرية الطاهرة ": حدثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان، عن عبد الله بن حسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين قال: كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر علي وهو يوحى إليه فذكر الحديث بنحو ما تقدم، إبراهيم بن حبان هذا تركه الدار قطني وغيره، وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وصدق ابن ناصر، وقال ابن الجوزي: وقد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن فراهيج (2) عن أبي هريرة قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجر علي ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فلما قام رسول الله دعا له فردت عليه الشمس حتى صلى ثم غابت ثانية.
ثم قال: وداود ضعفه شعبة، ثم قال ابن الجوزي ومن تغفيل واضح هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمح عدم الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع.
قلت: هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لانه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى وبالنسبة
إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح أنها ردت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة وكانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشمس وقد تنصفت للغروب فقال: إنك مأمورة، وأنا مأمور.
اللهم احبسها علي، فحبسها الله عليه حتى فتحوها.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاها وأجل منصبا وأعلى قدرا من يوشع بن نون، بل من سائر الانبياء على الاطلاق ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا [ عنه ] ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صح لكنا من أول القائلين به، والمعتقدين له وبالله المستعان.
قال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه " إثبات إمامة أبي بكر الصديق " فإن قال قائل من الروافض: إن أفضل فضيلة لابي الحسن وأدل [ دليل ] على إمامته ما روى عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: صليت ؟ قال: لا، فقال رسول الله: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
قيل له: كيف لنا لو صح هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى، ولكن الحديث ضعيف جدا لا أصل له، وهذا مما كسبت أيدي الروافض، ولو ردت الشمس بعدما
__________
(1) في الاصول من عند، ولعل ما أثبتناه الصواب.
(2) في الاصل واهح، وفي هامش المطبوعة: كذا، وفي التيمورية برسم فراع - الامام وسيرد فراهيج بعد قليل.
غربت لرآها المؤمن والكافر ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعدما غربت.
ثم يقال للروافض: أيجوز أن ترد الشمس لابي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والانصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق ؟.
قال: وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار حين قفل من غزوة خيبر.
فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس، قال: فلم يرد الليل على رسول الله وعلى أصحابه، قال: ولو كان هذا فضلا أعطيه رسول الله وما كان الله ليمنع رسوله
شرفا وفضلا - يعني أعطيه علي بن أبي طالب - ثم قال: وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي ما تقول فيمن يقول: رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر ؟ فقال: من قال هذا فقد كذب، وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إن ناسا عندنا يقولون: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت عليه الشمس، فقال: كذب هذا كله.
فصل " إيراد هذا الحديث من طرق متفرقة " أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني يصنف فيه " تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس " وقال: قد روي ذلك من طريق أسماء بنت عميس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن الوليد الانطاكي، والحسن بن داود ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو ثقة أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني وهو ثقة أيضا عن عون بن محمد، قال: وهو ابن محمد بن الحنفية عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة فجاء وقد صلى رسول الله العصر فوضع رأسه في حجر علي ولم يحركه حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس.
وهذا الاسناد فيه من يجهل حاله فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما هو دون هدا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الامر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة فالله أعلم.
ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أو لا، ثم أورده هذا المص من طريق الحسين بن الحسن الاشقر وهو شيعي جلد وضعفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق.
عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن.
عن فاطمة بنت الحسين الشهيد عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث.
قال وقد رواه عن فضيل بن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:26 am

مرزوق جماعة منهم، عبيد الله بن موسى، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد الله.
وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود وأبي أمية الطرسوسي عن عبيد الله بن موسى العبسي، وهو من الشيعة.
ثم أورده هذا المص من طريق أبي جعفر العقيلي عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فضيل بن مرزوق، والاغر الرقاشي ويقال الرواسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة وثقة الثوري وابن عيينة، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرا وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح ولكنه شديد التشيع، وقال مرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال: إنه ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات.
وقد روى له مسلم وأهل السنن الاربعة.
فمن هذه ترجمته لا يهتم بتعمد الكذب ولكنه قد يتساهل ولا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه " عن " بصيغة التدليس،، ولم يأت بصيغة التحديث فلعل بينهما من يجهل أمره، على أن شيخه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل.
وأما فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثها مشهور روى لها أهل السنن الاربعة، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، وهي من الثقات ولكن لا يدري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا ؟ فالله أعلم.
ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكناني: ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن
يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم، ثنا عبد الرزاق سفيان الثوري، عن أشعث أبي الشعثاء عن أمه عن فاطمة - يعني بنت الحسين - عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس، وهذا إسناد غريب جدا.
وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الائمة لا يكاد يترك منه شئ من المهمات فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم ؟ ثم إن أم أشعث مجهولة فالله أعلم.
ثم ساقه هذا المص من طريق محمد بن مرزوق: ثنا حسين الاشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن علي بن هاشم بن الثريد - وقد قال فيه ابن حبان: كان غالبا في التشيع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس فذكره، وهذا إسناد لا يثبت.
ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن عروة بن عبد الله عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت
عميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك، عن عبد الله النخعي.
وقد روى عنه البخاري في كتاب الادب وحدث عنه جماعة من الائمة وقال فيه أبو حاتم الرازي كان واهي الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات و [ قال ]: ربما أخطأ، وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة، ثم أورد كلام الائمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها.
والله أعلم.
قلت: في سياق هذا الاسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر، ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه.
ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي: ثنا علي بن العباس بن الوليد، ثنا عبادة بن يعقوب الرواجي، ثنا علي بن هاشم، عن صباح، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر - عن حسين المقتول عن فاطمة عن أسماء بنت عميس قالت: لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم
المغنم حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما صليت ؟ قال: لا، فدعا الله فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء فصلى علي، فلما غربت الشمس سمعت لها صريرا كصرير الميشار في الحديد.
وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة مع أن إسناده مظلم جدا فإن صباحا هذا لا يعرف وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عميس ؟ هذا تخبيط إسنادا ومتنا، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول والاوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه، واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره عليه السلام أن لا يصلي أحد منهم العصر، إلا في بني قريظة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف، والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء إنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه، وهو الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر، فإن كان [ هذا ] ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري، لان هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا، لانه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك، وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس بل وقتها بعد الغروب والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث.
والله أعلم * وهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء ولا رواه أهل الكتب المشهورة وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم والله أعلم.
ثم أورد هذا المص من طريق أبي العباس بن
عقدة: حدثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسين بن علي [ بن أبي طالب ] عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب: هل يثبت عندكم ؟
فقال لي: ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس، قلت: صدقت (جعلني الله فداك) ولكني أحب أن أسمعه منك، فقال: حدثني أبي - الحسن - عن أسماء بنت عميس أنها قالت: أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي فأسنده إلى صدره [ فلم يزل مسنده إلى صدره ] حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصليت العصر يا علي ؟ قال: جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة - وقد غربت الشمس - وقال: اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه، قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر، فقام علي متمكنا فصلى، فلما فرغ رجعت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلط الظلام وبدت النجوم.
وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا وهو مناقض لما قبله من السياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل، ويعرف بعمرو بن المقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين وحدث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيا لسيان، قال: تركه عبد الله بن المبارك وقال: لا تحدثوا عنه فإنه كان يسب السلف، ولما مرت به جنازته توارى عنها، وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال أبو معين والنسائي: ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه.
وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفا، زاد أبو حاتم: وكان ردئ الرأي شديد التشيع لا يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو داود: كان من شرار الناس كان رافضيا خبيثا رجل سوء قال هنا: ولما مات لم أصل عليه، لانه قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر الناس إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمه، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات [ عن الاثبات ] وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بين، وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا الحديث قال هذا المصنف المنصف: وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أنا أبو محمد صالح بن
الفتح النسائي، ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه، ثنا داود بن فراهيج، وعن عمارة بن برد وعن أبي هريرة فذكره.
وقال: اختصرته من حديث طويل، وهذا إسناده مظلم ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبي هريرة وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما.
والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر (والله أعلم) قال: وأما
حديث أبي سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة: أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم: أنا محمد بن أحمد بن متيم، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: [ حدثني أبي عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله عن أبيه عمر قال: ] قال الحسين بن علي سمعت أبا سعيد الخدري يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأسه في حجر علي.
وقد غابت الشمس فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا علي أصليت العصر ؟ قال: لا يا رسول الله ما صليت كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع، فقال رسول الله: يا علي ادع يا علي أن ترد عليك الشمس، فقال علي يا رسول الله ادع أنت وأنا أؤمن، فقال: يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس، قال أبو سعيد: فو الله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية.
وهذا إسناد مظلم أيضا ومتنه منكر، ومخالف لما تقدمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرافضة بعضهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي.
قال: وأما حديث أمير المؤمنين علي فاخبرنا أبو العباس الفرغاني، أنا أبو الفضل الشيباني، ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين، ثنا عبد الله بن عمرو بن الاشعث، عن داود بن الكميت، عن عمه المستهل بن زيد، عن أبيه زيد بن سلهب عن جويرية بنت شهر قالت: خرجت مع
علي بن أبي طالب فقال: يا جويرية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجري فذكر الحديث، وهذا الاسناد مظلم وأكثر رجاله لا يعرفون والذي يظهر والله أعلم أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله ولعن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال وهو الصادق في المقال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه علي بن أبي طالب وفيه منقبة عظيمة له ودلالة معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يروي عنه إلا بهذا الاسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا ؟ الظاهر (والله أعلم) لا، ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم، ثم في ترك الائمة كمالك وأصحاب الكتب الستة وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم وهو مفتعل مأفوك بعدهم، وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكم في مستدركه وكلاهما ينسب إلى شئ من التشيع ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة وهو مما تتوفر الدواغي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة وأكثرها مركبة موضوعة
وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف.
وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح رحمه الله ومال إلى صحته، ورجح ثبوته، قال الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس، لانه من علامات النبوة.
وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا فيما قيل.
ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا
فيما يقتضي نقله، لانه وإن كان فضيلة لامير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة وهو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة.
وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا، وهذا حق لو كان الحديث صحيحا، ولكنه لم ينقله كذلك فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الامر والله أعلم.
قلت: والائمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، وكابراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر والشيخ أبي الفرج بن الجوزي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي: ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، ثنا عبد الله بن علي [ بن ] المديني قال: سمعت أبي يقول: خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: لو صدق السائل ما أفلح من رده، وحديث لا وجع إلا وجع العين، ولا غم إلا غم الدين، وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب، وحديث أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الارض مائتي عام، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان.
والطحاوي رحمه الله وإن كان قد اشتبه عليه أمره فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال: عمن رويت حديث رد الشمس ؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه: يا سارية الجبل، فهذا أبو حنيفة رحمه الله وهو من الائمة المعتبرين وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضله الله به ورسوله وهو مع هذا ينكر على راويه وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث وهو إن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا سارية الجبل.
وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام
(قد شهد الشارع له بأنه محدث) بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر
علامات الساعة ؟ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح والله تعالى أعلم.
وتقدم ما أورده هذا المص من طرق هذا الحديث عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في الذرية الطاهرة: من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنه عنه عن أبي سعيد الخدري كما تقدم والله أعلم.
وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الامامة الذي رد عليه فيه شيخنا [ العلامة ] أبو العباس ابن تيمية قال ابن المطهر: التاسع رجوع الشمس مرتين إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والثانية بعده، أما الاولى فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عنده الله، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلى علي العصر بالايماء فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما.
فدعا فردت الشمس فصلى العصر قائما.
وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بدوابهم وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر وفات كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فسأل الله رد الشمس فردت قال وقد نظمه الحميري فقال: ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في وقتها * للعصر ثم هوت هوى الكوكب وعليه قد رت ببابل مرة * أخرى وما ردت لخلق مقرب قال شيخنا أبو العباس [ ابن تيمية ] رحمه الله: فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن
هذا الحديث كذب موضوع، ثم أورد طرقه واحدة [ واحدة ] كما قدمنا وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه والله الموفق.
واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه [ هذا الحديث ] بأنه اغتر بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقل جيد للاسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في عيون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل.
قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب.
ولكن لم يسنده وفي سياقه ما يقتضي أن عليا [ هو الذي ] دعا برد الشمس في الاولى والثانية، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه (والله أعلم) من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر بل قاموا إلى بطحان وهو واد هناك فتوضاؤا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس، وكان علي أيضا فيهم ولم ترد لهم، وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم،
وكذلك لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار ولم يرد لهم الليل، فما كان الله عز وجل ليعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأما نظم الحميري فليس [ فيه ] حجة بل هو كهذيان بن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم بل كلاهما كما قال الشاعر: إن كنت أدري فعلى بدنه * من كثرة التخليط أني من أنه والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود رحمه الله في سننه عن علي: أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر فلم يصل حتى جاوزها، وقال: نهاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فانها ملعونة.
وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من أدعى باطلا من الامر فقال ولا فرق بين من أدعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:
فردت علينا الشمس والليل راغم * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى * لبهجتها نور السماء المرجع (1) فو الله ما أدري علي بدا لنا فردت * له أم كان في القوم يوشع هكذا أورده ابن حزم في كتابه، وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب وأنه مصنوع والله أعلم.
ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه عليه السلام ربه [ عز وجل ] لامته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته عليه السلام وكذلك استصحاؤه.
قال البخاري: ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل (2) قال البخاري: وقال أبو عقيل الثقفي عن عمر بن حمزة: ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل وهو قول أبي طالب * تفرد به البخاري وهذا الذي علقه قد أسنده ابن ماجة في سننه فرواه
__________
(1) نضا اللون: تغير، والمراد هنا أن ضوءها أزال ظلمة الدجنة.
(2) ثمال اليتامى: مغيثهم والقائم بأمرهم وتدبير شؤونهم.
عن أحمد بن الازهر عن أبي النضر عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة، عن سالم عن أبيه (1).
وقال البخاري: ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر: أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال، وتقطعت
السبل، فادع الله لنا يغيثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، [ اللهم اسقنا ] قال أنس: ولا [ والله ] ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائما، وقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا.
اللهم على الآكام والجبال [ والظراب ] ومنابت الشجر.
قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أهو الرجل الذي سأل أولا ؟ قال: لا أدري (2) وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر [ أهل ] المدينة (3)، تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال: تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي [ فادع الله أن يمسكها ] فقال: اللهم، على الآكام والظراب والاودية ومنابت
__________
(1) رواه البخاري في فتح الباري 2 / 492 وابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها حديث 1272.
- يجيش: أي يتدفق الماء، من جاش البحر إذا علا، والعين إذا فاضت، والوادي إذا جرى.
(2) فتح الباري 2 / 501.
حديث 1013، وما بين معكوفين من الفتح.
- قزعة: بفتح الزاي والقاف: سحاب متفرق.
قال ابن سيدة: القزع قطع من السحاب رقاق.
زاد أبو
عبيد: وأكثر ما يجئ في الخريف.
- سلع: جبل معروف بالمدينة.
- الظراب: جمع ظرب.
قال القزاز: الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهري: الرابية الصغيرة.
(3) فتح الباري 2 / 508 حديث 1015.
الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب (1).
وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله ثنا الاوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الانصاري، حدثني أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء قزعة فو الذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته.
قال: فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الاخرى، فقام ذلك الاعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوية وسال الوادي - قناة - شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود (2).
ورواه البخاري أيضا في الجمعة ومسلم من حديث الوليد عن الاوزاعي.
وقال البخاري: وقال أيوب بن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك قال: أتى [ رجل ] أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الاخرى، فأتى الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق * قال البخاري: وقال الاويسي - يعني عبد الله -: حدثني محمد بن جعفر -
هو ابن كثير - عن يحيى بن سعيد وشريك، سمعا أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه (3).
هكذا علق هذين الحديثين ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية * وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: اللهم اسقنا مرتين، وأيم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى.
__________
(1) فتح الباري 2 / 508 حديث 1016.
(2) فتح الباري 2 / 519 حديث 1033 ومسلم في صلاة الاستسقاء ح (9) ص (614).
(3) فتح الباري 2 / 516 حديث رقم 1029 - 1030.
- بشق: أي مل.
وقال الخطابي: بشق: اشتد عليه الضرر، وقال إنما هي لثق وبشق ليس بشئ.
ويحتمل أن تكون مشق: أي صارت الطريق زلفة.
وقال ابن بطال: لم أجد ليشق في اللغة معنى.
وقال كراع: بشق: تأخر ولم يتقدم.
- الاويسي: هو عبد العزيز بن عبد الله قاله ابن حجر.
فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الاكليل (1).
وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد قال: سئل أنس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الارض، وهلك المال، قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، ولقد رفع يديه فاستسقى ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة، فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار
ليهمه الرجوع إلى أهله، قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبست الركبان، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرعة ملالة ابن آدم وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فتكشطت عن المدينة (2).
وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
وقال البخاري وأبو داود واللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، وعن يونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا، فمد يده ودعا.
قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت الريح، أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عز إليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الاخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله يحبسه.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: حوالينا ولا علينا، فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل (3).
فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لانها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن.
وقال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد بن أبي خيثم الهلالي، عن مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله والله لقد أتيناك، وما لنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح وأنشد: أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة * من الجوع ضعفا قائما وهو لا يخلي (4) ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
__________
(1) فتح الباري - 2 / 512 حديث 1021.
(2) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 104، 187، 194، 261، 271.
(3) فتح الباري 2 / 508 حديث 508.
(4) في دلائل البيهقي 6 / 141: من الجوع ضعفا ما يمر ولا يخلي.
قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرئيا مريعا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار تملا به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيى به الارض [ بعد موتها ] وكذلك تخرجون.
قال: فو الله ما ورد يده إلى نحره حتلى ألقت السماء بأوراقها (1)، وجاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول الله الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالاكليل فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من ينشد قوله ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل قال: وقام رجل من بني كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلا كلف (2) الرداء * وأسرع حتى رأينا الدرر رقاق العوالي عم البقاع (3) * أغاث به الله عينا مضر وكان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر به الله يسقي بصوب الغمام * وهذا العيان كذاك الخبر فمن يشكر الله يلقى المزيد * ومن يكفر الله يلقى الغير قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت * وهذا السياق فيه غرابة ولا
يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس فإن كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث الاصبهاني، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا عبد الله بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد بن أبي ذئب المدني عن عبد الله بن محمد عمر بن حاطب الجمحي، عن أبى وجزة يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة فيهم بضعة عشر رجلا فيهم
__________
(1) في الدلائل: بأبراقها.
(2) في الدلائل: كإلقاء.
(3) في الدلائل: جم البعاق.
خارجة بن الحصين، والحر بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الانصار، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم قالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وأجدبت (1) أحياؤنا، وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك ويشفع ربك إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، ويلك، هذا ما شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا الله وسع كرسيه السموات والارض وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم (2) وقرب غياثكم، فقال الاعرابي: ويضحك ربنا يا رسول الله ؟ قال: نعم، فقال الاعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر وتكلم بكلام، ورفع يديه - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شئ من الدعاء إلا في الاستسقاء - ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: اللهم اسق بلدك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا
محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء، فقام أبو لبابة بن عبد المنذر، فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، فقال رسول الله: اللهم اسقنا، فقال أبو لبابة: التمر في المرابد، ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بازاره، قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس ستا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره لئلا يخرج التمر منه، فقال رجل: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الاودية، ومنابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب (3).
وهذا السياق يشبه سياق مسلم الملائي عن أنس، ولبعضه شاهد في سنن أبي داود، وفي حديث أبي رزين العقيلي شاهد لبعضه والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن علي بن المؤمل، أنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، ثنا محمد بن حماد الظهراني، أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسدي بن عبدويه عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي
__________
(1) في الدلائل: وأجدبت جنابنا، وحربت عيالنا.
(2) في الدلائل: من شعثكم وأذاكم.
(3) رواه البيهقي في دلائل النبوة ج 6 / 143 - 144.
لبابة (1) بن عبد المنذر الانصاري قال: استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، وما في السماء من سحاب نراه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اسقنا، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربده بازاره،
فاستهلت السماء ومطرت، وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف الانصار بأبي لبابة (2) يقولون له: يا أبا لبابة، إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بازارك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره فأقلعت السماء.
وهذا إسناد حسن ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب والله أعلم.
وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:28 am

عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرته فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد دعوك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا، فقال: أو تحب ذلك ؟ قال: نعم، قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه * وقد قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة إثنا عشر ألف بعير ومثلها من الخيل، وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة، قال: ونزل من المطر ماء أغدق الارض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض وذلك في حمأة القيظ أي شدة الحر البليغ، فصلوات الله وسلامه عليه.
وكم له عليه السلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ولله الحمد.
وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعا كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصت كل شئ حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم.
وقد قال البخاري: ثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن عبد الله الانصاري، ثنا أبي عبد الله بن المثنى، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون (3) * تفرد به البخاري.
__________
(1) في الدلائل: أبو امامة.
والصواب ما أثبتناه وهو أبو لبابة الانصاري المدني، اسمه بشير وقيل رفاعة بن عبد المنذر صحابي مشهور وكان أحد النقباء (تقريب التهذيب 2 / 467).
(2) من الدلائل: ج 6 / 144، وفي الاصل: فأتى أبا لبابة.
(3) أخرجه البخاري في الاستسقاء حديث 1010 فتح الباري 2 / 494.
فصل وأما المعجزات الارضية فمنها ما هو متعلق بالجمادات، ومنها ما هو متعلق بالحيوانات: فمن المتعلق بالجمادات تكثيره الماء في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردها بأسانيدها إن شاء الله، وبدأنا بذلك لانه أنسب باتباع ما أسلفنا ذكره من استسقائه وإجابة الله له.
قال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الاناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم (1)، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك به وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حزم، سمعت الحسن يقول: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ما يتوضأون به فقالوا: يا رسول الله ما نجد ما نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي الله فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الاربع على القدح ثم قال: هلموا فتوضأوا، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا ؟ قال: سبعين أو
ثمانين (2).
وهكذا رواه البخاري عن عبد الرحمن بن المبارك العنسي عن حزم بن مهران القطيعي به.
طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد ويزيد قال: أنا حميد المعني، عن أنس بن مالك قال: نودي بالصلاة فقام كل قريب الدار من المسجد وبقي من كان أهله نائي الدار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخصب من حجارة فصغر أن يبسط كفه فيه قال فضم أصابعه قال فتوضأ بقيتهم، قال حميد: وسئل أنس: كم كانوا ؟ قال: ثمانين أو زيادة.
وقد روى البخاري: عن عبد الله بن
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3573 فتح الباري 6 / 580 والبيهقي في الدلائل 4 / 121 ومسلم عن اسحاق بن موسى الانصاري، عن معن عن مالك: في الفضائل ص (1783).
وأخرجه النسائي في الطهارة.
والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح.
(2) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الاسلام فتح الباري 6 / 581.
منير، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعا قلت: كم كانوا ؟ قال: كانوا ثمانين رجلا (1).
طريق أخرى عنه قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد إملاء عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء (2) فأتى بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضأوا فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلت لانس: كم كنتم ؟ قال: كنا ثلثمائة (3) وهكذا رواه البخاري عن بندار بن أبي عدي: ومسلم عن أبي موسى، عن غندر كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، وبعضهم يقول عن شعبة، والصحيح
سعيد عن قتادة عن أنس قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء وهو في الزوراء فوضع يده في الاناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم، قال قتادة فقلت لانس: كم كنتم ؟ قال ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة لفظ البخاري.
حديث البراء بن عاذب في ذلك قال البخاري: ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا (4).
تفرد به البخاري إسنادا ومتنا.
حديث آخر عن البراء بن عاذب قال الامام أحمد: حدثنا عفان وهاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا يونس - هو ابن عبيدة مولى محمد بن القاسم - عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأتينا على ركي ذمة يعني قليلة الماء قال: فنزل فيها ستة إناس أنا سادسهم ماحة فأدليت إلينا دلو قال.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم على شفتي الركي فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت إلى
__________
(1) فتح الباري - علامات النبوة في الاسلام ح (3575) ص (6 / 581).
(2) الزوراء: مكان معروف بالمدينة عند السوق.
(3) فتح الباري علامات النبوة في الاسلام، ح (3572) ص (6 / 580).
ومسلم في الفضائل باب في معجزات النبي صلى الله عليه وآله ص (1783).
(4) فتح الباري - غزوة الحديبية ح (4150) ص 7 / 441.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البراء: فكدت بأنائي هل أجد شيئا أجعله في حلقي ؟ فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمس يده فيها فقال ما شاء الله أن يقول: وأعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشبة الغرق قال: ثم ساحت - يعني جرت نهرا - تفرد به الامام
أحمد، وإسناده جيد قوي، والظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبية والله أعلم.
حديث آخر عن جابر في ذلك قال الامام أحمد: ثنا سنان بن حاتم، ثنا جعفر - يعني ابن سليمان - ثنا الجعد أبو عثمان، ثنا أنس بن مالك عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه العطش قال فدعا بعس فصب فيه شئ من الماء ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده وقال: استقوا، فاستقى الناس قال: فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وفي إفراد مسلم (1) من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبي حرزة، يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل قال فيه: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته باداوة من ماء، فنظر رسول الله فلم ير شيئا يستتر به، وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش (2) الذي يصانع قائده، حتى أتى الاخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي [ بإذن الله ] فانقادت معه [ كذلك ] حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لام بينهما - يعني جمعهما - فقال: التئما علي بإذن الله، فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر (3) مخافة أن يحس رسول الله بقربي، فيبتعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله وقف وقفة فقال برأسه هكذا: يمينا وشمالا، ثم أقبل فلما انتهى إلي قال: يا جابر هل رأيت مقامي ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: انطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن شمالك، قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحددته (4) ؟ ؟ ؟ ذلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا
__________
(1) في كتاب الزهد (18) باب.
ص (2306 - 2309).
(2) البعير المخشوش: الذي يجعل في أنفه خشاش وهو عود يجعل في أنف البعير ويشد به حبل لينقاد به.
(3) خرجت أحضر: أي أعدو وأسعى سعيا شديدا.
(4) وحددته - وفي رواية مسلم وحسرته - أي نحيت عنه ما يمنع حدته بحيث صار كالسكين.
وانذلق لي: صار حادا.
رسول الله، قال فقلت: فلم ذاك ؟ قال: إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفع (1) ذلك عنهما ما دام الغصنان رطبين، قال: فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر ناد الوضوء، فقلت: ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء ؟ قال: قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الانصار يبرد لرسول الله في أشجاب (2) له على حمارة (3) من جريد قال: فقال لي: انطلق إلى فلان الانصاري فانظر هل ترى في أشجابه من شئ ؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء (4) شجب منها - لو أني أفرغته لشربه يابسه، فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغته لشربه يابسة قال: اذهب فأتني به، فأتيته فأخذه بيده فجعل يتكلم بشئ لا أدري ما هو، وغمرني بيده ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفنة، فقلت: يا جفنة الركب، فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله بيده في الجفنة هكذا.
فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: خذ يا جابر فصب علي وقل: بسم الله، فصببت عليه وقلت: بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلات فقال: يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء، قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة ؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملاى.
قال: وشكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم، فأتينا سيف البحر.
فزجر (5) زجرة فألقى دابة، فأورينا على شقها النار، فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا، قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان وفلان حتى عد خمسة في محاجر (6) عينها ما يرانا أحد، حتى خرجنا وأخذنا ضلعا من أضلاعها فقوسناه ثم
دعونا بأعظم رجل (7) في الركب وأعظم حل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحتها ما يطأطئ رأسه.
وقال البخاري: ثنا موسى بن إسمعيل، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ [ منها ] فجهش الناس نحوه، قال: مالكم ؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون،
__________
(1) في مسلم: يرفه عنهما: أي يخفف.
(2) أشجاب: جمع شجب، وهو السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شنا.
يقال: شاجب أي يابس، وهو من الشجب الذي هو الهلاك.
(3) حمارة: أعواد تعلق عليها أسقية الماء.
(4) من مسلم، وفي الاصل: غرلا، وعزلاء: فم القربة.
(5) في مسلم: فزخر البحر زخرة: أي علا موجه.
(6) في مسلم: في حجاج عينها.
(7) من مسلم، وفي الاصل: جمل.
فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم ؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (1).
وهكذا رواه مسلم من حديث حصين وأخرجاه من حديث الاعمش.
زاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن جابر بن سالم بن جابر، وفي رواية الاعمش كنا أربع عشرة مائة * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى [ بن حماد ] ثنا أبو عوانة عن الاسود بن قيس عن شقيق العبدي أن جابر بن عبد الله قال: غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضع عشر ومائتان فحضرت الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في القوم من ماء ؟ فجاءه رجل يسعى باداوة فيها شئ من ماء، قال فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح، قال فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح تمسحوا وتمسحوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك،
قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله، ثم قال: اسبغوا الوضوء، قال جابر: فو الذي هو ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رفعها حتى توضأوا أجمعون (2).
وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد * وظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم.
وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الاكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة أو أكثر من ذلك وعليها خمسون رأسا لا يرويها فقعد رسول الله على شفا الركية فإما دعا وإما بصق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا (3).
وفي صحيح البخاري من حديث الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية الطويل فعدل عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه (4) * وقد تقدم الحديث بتمامه في صلح الحديبية، فأغنى عن إعادته، وروى ابن إسحاق عن بعضهم أن الذي نزل بالسهم ناجية بن جندب سائق البدن، قال وقيل: البراء بن عازب.
ثم رجح ابن إسحاق الاول.
حديث آخر عن ابن عباس في ذلك قال الامام أحمد: ثنا حسين الاشقر، ثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى، عن ابن عباس: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وليس في العسكر ماء فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شئ ؟ قال: نعم، قال: فأتني، فأتاه بإناء فيه شئ من ماء
__________
(1) أخرجه البخاري في علامات النبوة في الاسلام فتح الباري 6 / 581.
(2) أخرجه أحمد في مسنده ج 2 / 169، 193، وأخرجه الدارمي في باب ما أكرم الله النبي صلى الله عليه وآله من تفجير الماء بين أصابعه من المقدمة 1 / 21.
(3) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم في الجهاد - باب غزوة ذي قرد ص (1433).
(4) تقدم الحديث في الجزء الرابع - ورواه ابن هشام في السيرة 3 / 267 والبيهقي في الدلائل 4 / 112.
قليل، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في فم الاناء وفتح أصابعه، قال فانفجرت من بين أصابعه عيون وأمر بلالا فقال: ناد في الناس الوضوء المبارك (1).
تفرد به أحمد، ورواه الطبراني من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس بنحوه.
حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الاناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله عز وجل، قال: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (2).
ورواه الترمذي عن بندار عن أبي أحمد وقال: حسن صحيح.
حديث عن عمران بن حصين في ذلك قال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا سلم بن زرير (3)، سمعت أبا رجاء قال: حدثنا عمران بن حصين أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أو بكر، وكان لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يستيقظ، فاستيقظ عمر فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فنزل وصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف قال يا فلان ما يمنعك أن تصلي معنا ؟ قال: أصابتني جنابة، فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلى، وجعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب بين يديه، وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين (4) فقلنا لها: أين الماء ؟ قالت: إنه لا ماء: فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء ؟ قالت: يوم وليلة، فقلنا: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وما رسول الله ؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها موتمة فأمر بمزاديتها فمسح في العزلاوين (5) فشربنا عطاشا أربعين
رجلا حتى روينا، وملانا كل قربة معنا وإداوة، غير أنه لم نسق بعيرا وهي تكاد تفضي من الملء،
__________
(1) رواه أحمد في مسنده 1 / 251 ونقله البيهقي في الدلائل 4 / 128.
(2) أخرجه البخاري في باب علامات النبوة في الاسلام ح 3579 فتح الباري 6 / 587 والترمذي في المناقب عن محمد بن بشار عن أبي أحمد الزبيدي عن اسرائيل.
(3) من البخاري، وفي الاصل مسلم بن زيد.
(4) مزادتين: المزادة أكبر من القربة، والمزادتان حمل بعير.
(5) العزلاوين: تثنية عزلاء، وهو فم القربة والجمع عزالى.
ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها، قالت: أتيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا (1).
وكذلك رواه مسلم من حديث سلم بن رزين، وأخرجاه من حديث عوف الاعرابي، كلاهما عن رجاء العطاردي - واسمه عمران بن تيم - عن عمران بن حصين به * وفي رواية لهما فقال لها: اذهبي بهذا معك لعيالك واعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئا غير أن الله سقانا * وفيه أنه لما فتح العزلاوين سمى الله عز وجل.
حديث عن أبي قتادة في ذلك قال الامام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعمته فادعم ثم مال، فدعمته فادعم، ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال: من الرجل ؟ فقلت: أبو قتادة، قال: منذ كم كان مسيرك ؟ قلت: منذ الليلة، قال: حفظك الله كما حفظت رسوله، ثم قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل فقال: انظر هل ترى أحدا ؟ قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال:
احفظوا علينا صلاتنا، فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فانتبهنا فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وسرنا هنيهة، ثم نزل فقال: أمعكم ماء ؟ قال: قلت: نعم معي ميضأة فيها شئ من ماء، قال: ائت بها، قال: فأتيته بها فقال: مسوا منها مسوا منها، فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ، ثم أذن بلال وصلوا الركعتين قبل الفجر ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون ؟ إن لك أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي، قلنا: يا رسول الله فرطنا في صلاتنا، فقال لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها ومن الغد وقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم، قالوا: إنك قلت بالامس: إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فالناس بالماء، قال: فلما أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا، قالها ثلاثا، فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هلكنا عطشا، تقطعت الاعناق، فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: يا أبا قتادة أئت بالميضأة، فأتيته بها، فقال: احلل لي غمري - يعني قدحه - فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقى الناس فازدحم الناس عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس أحسنوا الملا، فكلكم
__________
(1) أخرجه البخاري في علامات النبوة ح 3571 ومسلم في المساجد 1 / 474.
سيصدر عن ري، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصب لي.
فقال: اشرب يا أبا قتادة، قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله، قال إن ساقي القوم آخرهم، فشربت وشرب بعدي وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلثمائة، قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال: من الرجل ؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الانصاري، قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث فإني أحد السبعة تلك الليلة، فلما فرغت قال: ما كنت أحسب أحدا يحفظ هذا الحديث غيري (1) قال حماد بن
سلمة: وحدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الموصلي عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وزاد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده * وقد رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الحرب ربعي الانصاري بطوله وأخرج من حديث حماد بن سلمة بسنده الاخير أيضا.
حديث آخر عن أنس يشبه هذا روى البيهقي من حديث الحافظ أبي يعلي الموصلي: ثنا شيبان، ثنا سعيد بن سليمان الضبعي، ثنا أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر فقال لهم: جدوا السير فإن بينكم وبين المشركين ماء.
إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس وعطشتم عطشا شديدا أنتم ودوابكم، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانية أنا تاسعهم، وقال لاصحابه: هل لكم أن نعرس قليلا ثم نلحق بالناس ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيقظ أصحابه، فقال لهم: تقدموا واقضوا حاجاتكم، ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هل مع أحد منكم ماء ؟ قال رجل منهم: يا رسول الله معي ميضأة فيها شئ من ماء، قال: فجئ بها: فجاء بها، فأخذها نبي الله صلى الله عليه وسلم فمسحها بكفيه ودعا بالبركة فيها، وقال لاصحابه: تعالوا فتوضأوا، فجاؤا وجعل يصب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأوا كلهم، فأذن رجل منهم وأقام، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وقال لصاحب الميضأة ازدهر بميضأتك، فسيكون لها شأن، وركب رسول الله قبل الناس وقال لاصحابه: ما ترون الناس فعلوا ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال لهم: فيهم أبو بكر وعمرو سيرشد الناس، فقدم الناس وقد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق ذلك على الناس وعطشوا عطشا شديدا ركابهم ودوابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين صاحب الميضأة ؟ قالوا: هو هذا يا رسول الله، قال جئني بميضأتك، فجاء بها وفيها شئ من ماء، فقال لهم: تعالوا فاشربوا، فجعل يصب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شرب الناس كلهم وسقوا دوابهم وركابهم وملاوا ما كان
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 472 والامام أحمد في مسنده ج 5 / 298.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:30 am

معهم من إداوة وقربة ومزادة، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين، فبعث الله ريحا فضرب وجوه المشركين وأنزل الله نصره وأمكن من ديارهم فقتلوا مقتلة عظيمة، وأسروا أسارى كثيرة، واستاقوا غنائم كثيرة، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وافرين صالحين (1).
وقد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا وهو في صحيح مسلم.
وقدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل.
فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال: وقال - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -: إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما من مائها شيئا ؟ قالا: نعم، فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا.
وذكرنا في باب الوفود من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن الحارث الصدائي في قصة وفادته فذكر حديثا طويلا فيه، ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق، فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده ودعا فيهن ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله عز وجل، قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعني البئر - وأصل هذا الحديث في المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وأما الحديث بطوله ففي دلائل (2) النبوة للبيهقي رحمه الله * وقال البيهقي (3): باب
ما ظهر في البئر التي كانت بقباء من بركته صلى الله عليه وسلم أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، ثنا أبو حامد بن الشرقي، أنا أحمد بن حفص بن عبد الله، نا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن يحيى بن سعيد، أنه حدثه أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك، قال: فدللته عليها، فقال: لقد كانت هذه،
__________
(1) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي 6 / 134 - 135.
(2) دلائل النبوة للبيهقي 4 / 124 - 127.
وأخرجه الترمذي في الصلاة ح (199).
وأبو داود في الصلاة حديث (514).
وابن ماجة في الاذان ح (717).
والامام أحمد في المسند 4 / 169 ورواه البيهقي في السنن الكبرى 1 / 381، 1 / 399.
(3) دلائل النبوة ج 6 / 136.
وإن الرجل لينضح على حماره فينزح فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذنوب فسقي، فإما أن يكون توضأ منه، وإما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر، قال: فما نزحت بعد، قال: فرأيته بال ثم جاء فتوضأ، ومسح على جنبه ثم صلى.
وقال أبو بكر البزار: ثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، ثنا محمد بن عبد الله بن مثنى عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلناه فسقيناه من بئر لنا في دارنا كانت تسمى النزور في الجاهلية فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد.
ثم قال لا نعلم هذا يروى إلا من هذا الوجه.
باب تكثيره عليه السلام الاطعمة تكثيره اللبن في مواطن أيضا.
قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا عمر بن ذر عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله إن كنت لاعتمد بكبدي على الارض من الجوع، وإن كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني (1) فلم يفعل، فمر عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فعرف ما في وجهي وما في
نفسي فقال: أبا هريرة، قلت له: لبيك يا رسول الله، فقال: الحق واستأذنت فأذن لي فوجدت لبنا في قدح قال: من أين لكم هذا اللبن ؟ فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال وأهل الصفة أضياف الاسلام لم يأووا إلى أهل ولا مال إذا جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها - قال: وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم، وقلت: ما بيقى لي من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: أبا هر خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال: أبا هر، فقلت لبيك رسول الله قال: بقيت أنا وأنت، فقلت: صدقت يا رسول الله قال: فاقعد فاشرب، قال: فقعدت فشربت ثم قال لي: اشرب، فشربت، فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا، قال: ناولني القدح، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة (2).
ورواه البخاري عن أبي نعيم، وعن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك.
وأخرجه الترمذي عن عباد بن يونس بن
__________
(1) في البخاري: ليشبعني.
(2) أخرجه الامام أحمد في المسند ج 2 / 515 والبخاري في الرقاق عن أبي نعيم حديث 6452 فتح الباري 11 / 281.
بكير ثلاثتهم عن عمر بن ذر وقال الترمذي: صحيح.
وقال الامام أحمد: ثنا أبو بكر بن عياش، حدثني عن زر عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن ؟ قال: فقلت: نعم ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى
أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي وقال: يا غلام يرحمك الله، فإنك عليم معلم (1).
ورواه البيهقي من حديث أبي عوانة عن عاصم عن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود، وقال فيه: فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها ويدعو، وأتاه أبو بكر بجفنة فحلب فيها وسقى أبا بكر ثم شرب، ثم قال للضرع: اقلص فقلص فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، فمسح رأسي وقال: إنك غلام معلم، فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر.
وتقدم في الهجرة حديث أم معبد وحلبه عليه السلام شاتها، وكانت عجفاء لا لبن لها فشرب هو وأصحابه وغادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها.
وتقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه عليه السلام المقداد بن الاسود حين شرب اللبن الذي كان قد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام في الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ماملا منه إناء كبيرا جدا، الحديث * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا زهير عن أبي إسحاق عن ابنة حباب انها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فاعتقلها وحلبها، فقال: ائتني بأعظم إناء لكم، فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملاها، ثم قال: أشربوا أنتم وجيرانكم.
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنا إسمعيل بن محمد الصفار، أنا محمد بن الفرج الازرق، ثنا عصمة بن سليمان الخزاز، ثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن نافع - وكانت له صحبة - قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكنا زهاء أربعمائة [ رجل ] فنزلنا في موضع ليس فيه ماء، فشق ذلك على أصحابه، وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم، قال: فجاءت شويهة لها قرنان، فقامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلبها فشرب حتى روي، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم قال: يا نافع املكها الليلة وما أراك تملكها، قال: فأخذتها فوتدت لها وتدا، ثم ربطتها بحبل ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا، فجئت رسول الله فأخبرته من قبل أن يسألني، وقال: يا نافع ذهب بها الذي جاء بها * قال البيهقي: ورواه محمد بن سعد عن خلف بن الوليد - أبي الوليد الازدي - عن خلف بن خليفة عن أبان (2).
وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا * ثم قال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا
أبو أحمد بن عدي، أنا ابن العباس بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا أبو
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 379 والفسوي في المعرفة والتاريخ 2 / 537.
والبيهقي في الدلائل 2 / 171 - 172.
وفي روايته: ان أبا بكر اعتقلها وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الضرع.
(2) رواه البيهقي في الدلائل - باب ما جاء في الشاة التي ظهرت فحلبت فأروت ج 6 / 137.
حفص الرياحي، ثنا عامر بن أبي عامر الخزاز، عن أبيه، عن الحسن بن سعد - يعني مولى أبي بكر - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احلب لي العنز، قال: وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه، قال: فأتيت فإذا العنز حافل، قال: فاحتلبتها واحتفظت بالعنز وأوصيت بها، قال: فاشتغلنا بالرحلة ففقدت [ العنز ] فقلت: يا رسول الله قد فقدت العنز، فقال: إن لها ربا (1)، وهذا أيضا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا وفي إسناده من لا يعرف حاله.
وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلق من المعجزات بالحيوانات.
تكثيره عليه السلام السمن لام سليم قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، ثنا محمد بن زيادة البرجمي، عن أبي طلال، عن أنس عن أمه قال: كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة فملات العكة ثم بعثت بها مع ربيبة (2) فقالت: يا ربيبة أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها، فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: هذه [ عكة ] سمن بعثت بها إليك أم سليم، قال: أفرغوا لها عكتها، ففرغت العكة فدفعت إليها فانطلقت بها وجاءت وأم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر، فقالت أم سليم: يا ربيبة أليس أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله ؟ فقالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن، قال: قد فعلت، قد جاءت، قالت: والذي بعثك بالحق ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا، قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت
نبيه ؟ كلي وأطعمي، قالت: فجئت إلى البيت فقسمت في قعب لنا وكذا وكذا وتركت فيها ما أئتدمنا به شهرا أو شهرين.
حديث آخر في ذلك قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الاصم، ثنا عباس الدوري، ثنا علي بن بحر (3) القطان، ثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني، عن يوسف بن خالد، عن أوس بن خالد، عن أم أوس البهزية قالت: سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته لرسول الله فقبله وترك في العكة قليلا
__________
(1) المصدر السابق ج 6 / 138.
(2) رواه الهيثمي في الزوائد: 8 / 309 وقال: رواه أبو يعلى والطبراني: إلا انه قال: زينب بدل ربيبة، وفي اسنادهما اليشكري البرجمي وهو كذاب انتهى.
وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص 204 وفي روايته زينب قال في الاصابة 4 / 320 وقد عزاه للطبراني وفي حفظي: أن قوله زينب تصحيف وإنما هي ربيبة.
(3) في دلائل البيهقي 6 / 115: نجيح.
ونفخ فيها ودعا بالبركة ثم قال: ردوا عليها عكتها، فردوها عليها وهي مملوءة سمنا، قالت: فظننت أن رسول الله لم يقبلها فجاءت ولها صراخ، فقالت: يا رسول الله إنما سليته لك لتأكله، فعلم أنه قد استجيب له، فقال: اذهبوا فقولوا لها: فلتأكل سمنها، وتدعو بالبركة، فأكلت بقية عمر النبي صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وولاية عمر، وولاية عثمان، حتى كان من أمر علي ومعاوية ما كان.
حديث آخر روى البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الاعلى بن المسور القرشي، عن محمد بن عمر بن عطاء، عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها: أم شريك، أسلمت في رمضان، فذكر الحديث في هجرتها وصحبة ذلك اليهودي لها، وأنها عطشت فأبى أن يسقيها حتى تهود، فنامت فرأت في النوم من يسقيها
فاستيقظت وهي ريانة، فلما جاء رسول الله قصت عليه القصة، فخطبها إلى نفسها فرأت نفسها أقل من ذلك وقالت: بل زوجني من شئت، فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا، وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكانت معها عكة سمن هدية لرسول الله، فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله، ففرغت وأمرها رسول الله إذا ردتها أن تعلقها ولا توكئها، فدخلت أم شريك فوجدتها ملاى، فقالت للجارية: ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول الله ؟ فقالت: قد فعلت، فذكروا ذلك لرسول الله فأمرهم أن لا يوكئوها فلم تزل حتى أوكتها أم شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شئ (1).
حديث آخر في ذلك قال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير عن جابر أن أم مالك البهزية كانت تهدي في عكة لها سمنا للنبي صلى الله عليه وسلم فبينما بنوها يسألونها الادام وليس عندها شئ فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدي فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعصرتيه ؟ فقلت: نعم قال: لو تركتيه ما زال ذلك مقيما.
ثم روى الامام أحمد بهذا الاسناد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه هو وامرأته وضيف لهم حتى كالوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تكيلوه لاكلتم فيه ولقام لكم (2) * وقد روى هذين الحديثين مسلم من وجه آخر عن أبي الزبير عن جابر.
__________
(1) رواه البيهقي في حديث طويل في الدلائل ج 6 / 123 - 124.
(2) روى الامام أحمد الحديثين في مسنده ج 3 / 340 - 347.
والثاني في 3 / 337 - 347 ورواهما مسلم في الفضائل ج 4 / 1784.
والبيهقي في الدلائل 6 / 114.
ذكر ضيافة أبي طلحة الانصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لام سليم: لقد سمعت صوت رسول الله
ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شئ ؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولا ثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلك أبو طلحة ؟ فقلت: نعم: قال: بطعام ؟ قلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقلت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله: هلم يا أم سليم، ما عندك ؟ فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول الله فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا (1).
وقد رواه البخاري في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن مالك.
طريق آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أبو يعلى: ثنا هدبة بن خالد، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا بكير وثابت البناني عن أنس أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا فجاء إلى أم سليم فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا فهل عندك من شئ ؟ قالت: ما عندنا إلا نحو من دقيق شعير قال، فاعجينه وأصلحيه عسى أن ندعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل عندنا، قال، فعجنته وخبزته فجاء قرصا فقال، يا أنس ادع رسول الله، فأتيت رسول الله ومعه أناس، قال مبارك أحسبه قال: بضعة وثمانون قال: فقلت: يا رسول الله أبو طلحة يدعوك، فقال لاصحابه: أجيبوا أبا طلحة، فجئت جزعا حتى أخبرته أنه قد جاء
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب ج 3578 فتح الباري 6 / 586، وفي الصلاة مختصرا باب 43.
وفي الايمان والنذور حديث 6688.
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى في الاشربة.
ص 1612.
والترمذي في المناقب
(5 / 595) والبيهقي في الدلائل 6 / 89.
- أبو طلحة: هو زيد بن سهل الانصاري زوج أم سليم والدة أنس - لاثتني ببعضه: أي لفتني به، يقال لاث العمامة على راسه أي عصبها - هلم: لغة حجازية، وهي عندهم لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع
بأصحابه قال بكر: فعدى قدمه وقال ثابت قال أبو طلحة: رسول الله أعلم بما في بيتي مني، وقالا جميعا عن أنس فاستقبله أبو طلحة فقال: يا رسول الله ما عندنا شئ إلا قرص، رأيتك طاويا فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصا، قال: فدعا بالقرص ودعا بجفنة فوضعه فيها وقال: هل من سمن ؟ قال أبو طلحة قد كان في العكة شئ، قال: فجاء بها، قال: فجعل رسول الله وأبو طلحة يعصرانها حتى خرج شئ مسح رسول الله به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ وقال: بسم الله.
فانتفخ القرص فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يميع، فقال: ادع عشرة من أصحابي، فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسط القرص وقال: كلوا بسم الله، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال، ادع لي عشرة أخرى، فدعوت له عشرة أخرى، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا وإن وسط القرص حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كم هو * وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه فالله أعلم.
طريق أخرى عن أنس بن مالك قال الامام أحمد: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا سعد - يعني ابن سعيد بن قيس - أخبرني أنس بن مالك قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لادعوه وقد جعل له طعاما، فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، قال: فنظر إلي فاستحييت فقلت: أجب أبا طلحة، فقال للناس: قوموا، فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعت شيئا لك قال: فمسها رسول الله ودعا فيها بالبركة، ثم
قال: أدخل نفرا من أصحابي عشرة، فقال: كلوا فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وقال: أدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها (1).
وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن نمير وعن سعيد بن يحيى الاموي عن أبيه كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الانصاري.
طريق أخرى رواه مسلم في الاطعمة عن عبد بن حميد، عن خالد بن مخلد، عن محمد بن موسى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فذكر نحو ما تقدم.
وقد رواه أبو يعلى الموصلي عن محمد بن عباد المكي [ عن حاتم ] عن معاوية بن أبي مردد عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي طلحة فذكره.
والله أعلم.
__________
(1) الحديث في مسلم - كتاب الاشربة حديث 143 ص (3 / 1613)، والامام أحمد في مسنده 3 / 147، 218.
طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: ثنا علي بن عاصم، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس بن مالك قال: أتى أبو طلحة بمدين من شعير فأمر به فصنع به طعاما ثم قال لي: يا أنس انطلق أئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه وقد تعلم ما عندنا، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده فقلت: إن أبا طلحة يدعوك إلى طعامه، فقام وقال للناس: قوموا فقاموا، فجئت أمشي بين يديه حتى دخلت على أبي طلحة فأخبرته، قال: فضحتنا، قلت: إني لم أستطع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: اقعدوا، ودخل عاشر عشرة فلما دخل أتى بالطعام تناول فأكل وأكل معه القوم حتى شبعوا، ثم قال لهم: قوموا، وليدخل عشرة مكانكم، حتى دخل القوم كلهم وأكلوا، قال: قلت: كم كانوا ؟ قال: كانوا نيفا وثمانين،
قال: وفضل لاهل البيت ما أشبعهم (1) * وقد رواه مسلم في الاطعمة عن عمرو الناقد، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس قال: أمر أبو طلحة أم سليم قال: اصنعي للنبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاصة طعاما يأكل منه، فذكر نحو ما تقدم.
طريق أخرى عن أنس قال أبو يعلي: ثنا شجاع بن مخلد، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت جرير بن يزيد يحدث عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: رأى أبو طلحة رسول الله في المسجد مضطجعا يتقلب ظهرا لبطن، فأتى أم سليم فقال: رأيت رسول الله مضطجعا في المسجد يتقلب ظهرا لبطن، فخبزت أم سليم قرصا، ثم قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول الله، فأتيته وعنده أصحابه فقلت: يا رسول الله يدعوك أبو طلحة، فقام وقال: قوموا، قال: فجئت أسعى إلى أبي طلحة فأخبرته أن رسول الله قد كان تبعه أصحابه، فتلقاه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله إنما هو قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه، فدخل رسول الله وجئ بالقرص في قصعة، فقال: هل من سمن ؟ فجئ بشئ من سمن فغور القرص بأصبعه هكذا، ورفعها، ثم صب وقال: كلوا من بين أصابعي، فأكل القوم حتى شبعوا، ثم قال: أدخل علي عشرة، فأكلوا حتى شبعوا، حتى أكل القوم فشبعوا وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا وفضلت فضلة أهديت لجيران لنا * ورواه مسلم في الاطعمة من صحيحه عن حسن الحلواني وعن وهب بن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد، عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فذكر نحو ما تقدم (2).
__________
(1) مسند الامام أحمد 3 / 218.
ومسلم في الاشربة (20) باب ص 1613.
(2) رواه مسلم في صحيحه - في الاشربة ص 1614.
طريق أخرى عن أنس
قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حماد - يعني ابن زيد - عن هشام عن محمد - يعني ابن سيرين - عن أنس قال حماد: والجعد قد ذكره، قال: عمدت أم سليم إلى نصف مد شعير فطحنته ثم عمدت إلى عكة كان فيها شئ من سمن فاتخذت منه خطيفة قال: ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيته وهو في أصحابه فقلت: إن أم سليم أرسلتني إليك تدعوك، فقال: أنا ومن معي، قال: فجاء هو ومن معه، قال: فدخلت فقلت لابي طلحة: قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله إنما هي خطيفة اتخذتها أم سليم من نصف مد شعير، قال: فدخل فأتى به، قال: فوضع يده فيها.
ثم قال: أدخل عشرة، قال فدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل عشرة فأكلوا ثم عشرة فأكلوا حتى أكل منها أربعون كلهم أكلوا حتى شبعوا، قال: وبقيت كما هي، قال: فأكلنا (1).
وقد رواه البخاري في الاطعمة عن الصلت بن محمد، عن حماد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان عن أنس.
وعن هشام بن محمد عن أنس وعن سنان بن ربيعة عن أبي ربيعة عن أنس: أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته وجعلت منه خطيفة وعمدت إلى عكة فيها شئ من سمن فعصرته ثم بعثتني إلى رسول الله وهو في أصحابه، الحديث بطوله * ورواه أبو يعلى الموصلي: ثنا عمرو عن الضحاك، ثنا أبي، سمعت أشعث الحراني قال: قال محمد بن سيرين: حدثني أنس بن مالك أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام، فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير فعمل يومه ذلك فجاء به وأمر أم سليم أن تعمله خطيفة.
وذكر الحديث.
طريق آخر عن أنس قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حرب بن ميمون عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك قال: قالت أم سليم: اذهب إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقل: إن رأيت أن تغدي عندنا فافعل، جئته فبلغته، فقال: ومن عندي ؟ قلت: نعم، قال: انهضوا، قال: فجئته فدخلت على أم سليم وأنا لدهش لمن أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقالت أم سليم: ما صنعت يا أنس ؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر ذلك فقال: هل عندك سمن ؟ قالت: نعم، قد كان منه عندي
عكة فيها شئ من سمن، قال: فأت بها قالت: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: بسم الله اللهم أعظم فيها البركة، قال: فقال اقلبيها، فقلبتها فعصرها نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يسمي، فأخذت نقع قدر فأكل منها بضع وثمانون رجلا، وفضل فضلة فدفعها إلى أم سليم فقال: كلي وأطعمي جيرانك (2).
وقد رواه مسلم في الاطعمة عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد المؤدب به.
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 2 / 297.
ونقله البيهقي في الدلائل ج 6 / 91 - 92.
(2) مسند الامام أحمد ج 3 / 342 ومسلم في الاشربة ج 3 / 1614 والبيهقي في الدلائل 6 / 91.
طريق اخرى قال أبو القاسم البغوي: ثنا علي بن المديني، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى بن عمارة المازني، عن أبيه، عن أنس بن مالك: أن أمه أم سليم صنعت خزيرا فقال أبو طلحة: اذهب يا بني فادع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجئته وهو بين ظهراني الناس، فقلت: إن أبي يدعوك، قال: فقام وقال للناس: انطلقوا، قال: فلما رأيته قام بالناس تقدمت بين أيديهم فجئت أبا طلحة فقلت: يا أبت قد جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، قال: فقام أبو طلحة على الباب وقال: يا رسول الله إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هلمه، فإن الله سيجعل فيه البركة، فجاء به فجعل رسول الله يده فيه، ودعا الله بما شاء أن يدعو، ثم قال: أدخل عشرة عشرة، فجاء منهم ثمانون فأكلوا وشبعوا.
ورواه مسلم في الاطعمة عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الانصاري المازني [ عن أبيه ] عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم.
طريق اخرى ورواه مسلم في الاطعمة أيضا: عن حرملة، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس كنحو ما تقدم (1) * قال البيهقي: وفي بعض حديث هؤلاء: ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل أهل البيت وأفضلوا ما بلغ جيرانهم، فهذه طرق
متواترة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه شاهد ذلك على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه، ولكن أصل القصة متواتر لا محالة كما ترى، ولله الحمد والمنة، فقد رواه عن أنس بن مالك إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وبكر بن عبد الله المزني وثابت بن أسلم البناني [ والجعد بن عثمان ] وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الانصاري، وسنان بن ربيعة وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن عبد الله بن أبي طلحة ومحمد بن سيرين والنضر بن أنس، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن، ويعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة * وقد تقدم غزوة الخندق حديث جابر في إضافته صلى الله عليه وسلم على صاع من شعير وعناق، فعزم عليه السلام على أهل الخندق بكمالهم، فكانوا ألفا أو قريبا من ألف، فأكلوا كلهم من تلك العناق وذلك الصاع حتى شبعوا وتركوه كما كان، وقد أسلفناه بسنده ومتنه وطرقه ولله الحمد والمنة.
ومن العجب الغريب ما ذكره الحافظ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي - المعروف بشكر - في كتاب " العجائب الغريبة "، في هذا الحديث فإنه أسنده وساقه بطوله وذكر في آخره شيئا غريبا فقال: ثنا محمد بن علي بن طرخان، ثنا محمد بن مسرور، أنا هاشم بن هاشم ويكنى بأبي برزة بمكة في المسجد الحرام، ثنا
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه ج 3 / 1614.
أبو كعب البداح بن سهل الانصاري من أهل المدينة من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد، سمعت منه بالمصيصة (1) عن أبيه سهل بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال: أتى جابر بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه الجوع فذكر أنه رجع إلى منزله فذبح داجنا كانت عندهم وطبخها وثرد تحتها في جفنة وحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدعو له الانصار فأدخلهم عليه أرسالا فأكلوا كلهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظما، ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أني أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها فقال: خذ شاتك يا جابر بارك الله لك فيها، قال: فأخذتها ومضيت، وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها البيت،
فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر ؟ فقلت: هذه والله شاتنا التي ذبحناها لرسول الله، دعا الله فأحياها لنا، فقالت: أنا شهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله.
حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم قال أبو يعلى الموصلي والباغندي: ثنا شيبان، ثنا محمد بن عيسى بصري - وهو صاحب الطعام - ثنا ثابت البناني قلت لانس بن مالك: يا أنس أخبرني بأعجب شئ رأيته، قال: نعم يا ثابت خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فلم يعب علي شيئا أسأت فيه، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمي: يا أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح عروسا ولا أدري أصبح له غداء فهلم تلك العكة، فأتيتها بالعكة وبتمر فجعلت له حيسا فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى نبي الله وامرأته، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: دعه ناحية البيت وادع لي أبا بكر وعمر وعليا وعثمان ونفرا من أصحابه، ثم ادع لي أهل المسجد ومن رأيت في الطريق، قال: فجعلت أتعجب من قلة الطعام ومن كثرة ما يأمرني أن أدعو الناس وكرهت أن أعصيه حتى امتلا البيت والحجرة، فقال: يا أنس هل ترى من أحد ؟ فقلت: لا يا رسول الله، قال: هات ذلك التور، فجئت بذلك التور فوضعته قدامه، فغمس ثلاث أصابع في التور فجعل التمر يربو فجعلوا يتغذون ويخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون وبقي في التور نحو ما جئت به، فقال: ضعه قدام زينب، فخرجت وأسقفت عليهم بابا من جريد، قال ثابت: قلنا: يا أبا حمزة كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور ؟ فقال: أحسب واحدا وسبعين أو اثنين وسبعين.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه.
__________
(1) المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم تقارب طرموس (معجم البلدان).
حديث آخر عن أبي هريرة في ذلك قال جعفر بن محمد الفريابي: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن
أبي يحيى، عن إسحاق بن سالم، عن أبي هريره قال: خرج علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أدع لي أصحابك من أصحاب الصفة، فجعلت أنبههم رجلا رجلا فجمعتهم فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا، قال أبو هريرة: فوضعت بين أيدينا صحفة أظن أن فيها قدر مد من شعير، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها يده وقال: كلوا بسم الله، قال: فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت الصحفة: والذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه، قيل لابي هريرة: قدر كم كانت حين فرغتم منها ؟ قال: مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الاصابع.
وهذه قصة غير قصة أهل الصفة المتقدمة في شربهم اللبن كما قدمنا.
حديث آخر عن أبي أيوب في ذلك قال جعفر الفريابي: ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا عبد الاعلى، عن سعيد الجريري، عن أبي الورد عن أبي محمد الحضرمي عن أبي أيوب الانصاري قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولابي بكر طعاما قدر ما يكفيهما فأتيتهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الانصار، قال: فشق ذلك علي، ما عندي شئ أزيده.
قال: فكأني تثاقلت (1)، فقال: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الانصار، فدعوتهم فجاؤا فقال: اطعموا، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الانصار، قال أبو أيوب: فو الله لانا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تربعوا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فاذهب فادع لي تسعين من الانصار، قال: فلانا أجود بالتسعين والستين مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الانصار (2).
وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا.
وقد رواه البيهقي من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي عن عبد الاعلى به.
قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سهل بن الحنظلية، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني ابن لهيعة،
عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه،
__________
(1) في رواية البيهقي: تغافلت.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 94.
فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شئ آكله فإني جائع ؟ فقالت: لا والله بأبي أنت وأمي، فلما خرج من عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وغطت عليها وقالت: والله لاوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشئ فخبأته لك، قال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه صلى الله عليه وسلم وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال: من أين لك هذا يا بنية ؟ قالت: يا أبت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد الله وقال: الحمد لله الذي جعلك يا بينة شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين، وجميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعا حتى شبعوا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا * وهذا حديث غريب أيضا إسنادا ومتنا * وقد قدمنا في أول البعثة حين نزل قوله تعالى: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * حديث ربيعة بن ماجد عن علي في دعوته عليه السلام بني هاشم - وكانوا نحوا من أربعين - فقدم إليهم طعاما من مد فأكلوا حتى شبعوا وتركوه كما هو، وسقاهم من عس شرابا حتى رووا وتركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة، ثم دعاهم إلى الله.
كما تقدم.
قصة أخرى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الامام أحمد: ثنا علي بن عاصم، ثنا سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بقصعة فيها ثريد، قال: فأكل وأكل القوم فلم يزالوا يتدا ولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون ويجئ قوم فيتعا قبونه، قال: فقال له رجل: هل كانت تمد بطعام ؟ قال: أما من الارض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء (1).
ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون، عن سليمان عن أبي العلاء، عن سمرة: أن رسول الله أتى بقصعة فيها ثريد فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة، يقوم ناس ويقعد آخرون، قال له رجل: هل كانت تمد ؟ فقال له: فمن أين تعجب ما كانت تمد إلا من ههنا، وأشار إلى السماء (2).
وقد رواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه عن أبي العلاء واسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير عن سمرة بن جندب به.
__________
(1) رواه الامام أحمد في مسنده ج 5 / 12.
(2) مسند أحمد ج 5 / 18.
قصة قصعة بين الصديق ولعلها هي القصة المذكورة في حديث سمرة والله أعلم قال البخاري: ثنا موسى بن إسمعيل، ثنا معتمر عن أبيه، ثنا أبو عثمان أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال: وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأبو بكر بثلاثة قال: فهو أنا وأبي وأمي: ولا أدري هل قال امرأتي وخادمي من بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك ؟ قال: أو ما عشيتيهم ؟ قالت: أبوا حتى تجئ قد عرضوا عليهم فغلبوهم.
فذهبت فاختبأت فقال: يا غنثر - فجدع
وسب - وقال: كلوا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:32 am

وقال: لا أطعمه أبدا، والله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل: فنظر أبو بكر فإذا هي شئ أو أكثر.
فقال لامرأته - يا أخت بني فراس ؟ قالت: لا وقرة عيني، هي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار: فأكل منها أبو بكر وقال، إنما كان الشيطان - يعني يمينه - ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده.
وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الاجل فعرفنا اثنى عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل غير أنه بعث معهم، قال: فأكلوا منها أجمعون أو كما قال وغيرهم يقول: فتفرقنا (1).
هذا لفظه وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر.
حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي بكر في هذا المعنى قال الامام أحمد: ثنا حازم، ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل مع أحد منكم طعام ؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشرق مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبيعا أم عطية ؟ أو قال: أم هدية ؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، قال: وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا قد حز له رسول الله صلى الله عليه وسلم حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاه إياه، وإن كان غائبا خبأ له، قال: وجعل منها قصعتين، قال فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا وفضل في القصعتين فجعلناه على البعير، أو
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب - باب علامات النبوة في الاسلام حديث 3581، وأخرجه مسلم في الاشربة حديث 176 ص 1627.
كما قال (1) * وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث معتمر بن سليمان.
حديث آخر في تكثير الطعام في السفر قال الامام أحمد: حدثنا فزارة بن عمرو، أنا فليح، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن
أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها فأرمل فيها المسلمون واحتاجوا إلى الطعام، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر الابل فأذن لهم، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فجاء فقال: يا رسول الله إبلهم تحملهم وتبلغهم عدوهم ينحرونها ؟ ادع يا رسول الله بغبرات الزاد فادع الله عز وجل فيها بالبركة، قال: أجل، فدعا بغبرات الزاد فجاء الناس بما بقي معهم، فجمعه ثم دعا الله عز وجل فيه بالبركة ودعاهم بأوعيتهم فملاها وفضل فضل كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبد الله ورسوله، ومن لقي الله عز وجل بهما غير شاك دخل الجنة (2).
وكذلك رواه جعفر الفريابي عن أبي مصعب الزهري عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه سهيل به.
ورواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه عن عبيد الله الاشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبي صالح، عن أبي هريرة به.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا زهير، ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن أبي صالح سعيد، أو عن أبي هريرة - شك الاعمش - قال: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ فقال: افعلوا فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة، فأمر رسول الله بنطع فبسط ودعا أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجئ بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع شئ من ذلك يسير، فدعا عليهم بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملاه، وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فتحتجب عنه الجنة (3).
وهكذا رواه مسلم أيضا عن سهل بن عثمان وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة فذكر مثله.
حديث آخر في هذه القصة قال الامام أحمد: ثنا علي بن إسحاق، ثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أنا الاوزاعي، أنا
__________
(1) أخرجه البخاري في الهبة فتح الباري 5 / 230 ومسلم في الاشربة ص 1626 عن عبيد الله بن معاذ.
والامام أحمد في المسند 1 / 197 - 198.
(2) أخرجه أحمد في المسند 2 / 421 ومسلم في الاعيان ص 1 / 55 - 56.
(3) الحديث في صحيح مسلم في الايمان حديث 45 ص 1 / 56.
المطلب (1) بن حنطب المخزومي، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري، حدثني أبي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصاب الناس مخمصة فأستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر بعض ظهورهم وقالوا: يبلغنا الله به، فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم، قال: يا رسول الله كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا ؟ ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة، فإن الله سيبلغنا بدعوتك، أو سيبارك لنا في دعوتك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة (2) من الطعام وفوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو ثم دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملاوه، وبقي مثله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله، لا يلقى الله عبد يؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة (3).
وقد رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك بإسناده نحو ما تقدم.
حديث آخر في هذه القصة قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا أحمد بن المعلى الادمي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر (4) - أظنه من ولد عمر بن الخطاب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن (5) أبي ربيعة أنه سمع أبا خنيس الغفاري أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تهامة حتى إذا كنا بعسفان جاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله جهدنا الجوع، فأذن لنا في الظهر أن نأكله، قال: نعم، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فجاء رسول الله فقال: يا نبي الله ما صنعت ؟ أمرت الناس أن
ينحروا الظهر، فعلى ما يركبون ؟ قال: فما ترى يا ابن الخطاب ؟ قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب، ثم تدعو لهم، فأمرهم فجمعوا فضل أزوادهم في ثوب ثم دعا لهم ثم قال: أئتوا بأوعيتكم، فملا كل إنسان وعاءه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوز مطروا فنزل ونزلوا معه وشربوا من ماء السماء، فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع رسول الله وذهب الآخر معرضا، فقال رسول الله: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما واحد فاستحى من الله فاستحى الله منه، وأما الآخر فأقبل تائبا فتاب الله عليه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه.
ثم قال البزار:
__________
(1) في رواية البيهقي: المطلب بن عبد الله بن حنطب.
(2) في المسند: بالحثية.
(3) مسند الامام أحمد ج 3 / 418.
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى عن أبي عمرة، وفي اليوم والليلة عن المطلب قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري قال: حدثني أبي...كذا في تحفة الاشراف 9 / 236.
(4) أبو بكر وهو بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(5) في رواية البيهقي: بن عبد الله بن أبي ربيعة.
لا نعلم روى أبو خنيس إلا هذا الحديث بهذا الاسناد (1) * وقد رواه البيهقي عن الحسين بن بشران عن أبي بكر الشافعي: ثنا إسحاق بن الحسن الخرزي، أنا أبو رحاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة أنه سمع أبا خنيس الغفاري فذكره.
حديث آخر عن عمر بن الخطاب في هذه القصة قال الحافظ أبو يعلى: ثنا ابن هشام - محمد بن يزيد الرفاعي -، ثنا ابن فضل، ثنا يزيد.
وهو ابن أبي زياد - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن أبيه عن جده عمر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقلنا: يا رسول الله إن العدو قد حضر وهم شباع والناس جياع، فقالت
الانصار: ألا ننحر نواضحنا فنطعمها الناس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل طعام فليجئ به، فجعل الرجل يجئ بالمد والصاع وأقل وأكثر، فكان جميع ما في الجيش بضعا وعشرين صاعا، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فدعا بالبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ولا تنتهبوا، فجعل الرجل يأخذ في جرابه وفي غرارته، وأخذوا في أوعيتهم حتى أن الرجل ليربط كم قميصه فيملؤه، ففرغوا والطعام كما هو، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يأتي بها عبد محق وقاه الله حر النار.
ووراه أبو يعلى أيضا عن إسحاق بن إسمعيل الطالقاني عن جرير عن يزيد بن أبي زياد فذكره.
وما قبله شاهد له بالصحة كما أنه متابع لما قبله.
والله أعلم.
حديث آخر عن سلمة بن الاكوع في ذلك قال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن بشار، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي القاري، ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا - يعني من التمر - فبسط نطعا نشرنا عليه أزوادنا قال: فتمطيت فتطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة ونحن أربع عشرة مائة قال: فأكلنا ثم تطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من وضوء ؟ قال: فجاء رجل بنقطة في إداوته، قال: فقبضها فجعلها في قدح، قال: فتوضأنا كلنا ندغفقها دغفقة ونحن أربع عشرة مائة قال فجاء أناس فقالوا: يا رسول الله ألا وضوء ؟ فقال: قد فرغ الوضوء.
وقد رواه مسلم عن أحمد بن يوسف السلمي، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، عن إياس، عن أبيه سلمة، وقال: فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا.
وتقدم ما ذكره ابن إسحاق في حفر الخندق حيث قال: حدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد - أخت النعمان بن بشير - قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك
__________
(1) الجزء الاخير من الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم فتح الباري 1 / 156.
ورواه البيهقي في الدلائل 6 / 122.
عبد الله بغدائهما قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا التمس أبي وخالي، فقال: تعالي يا بنية، ما هذا معك ؟ قالت: قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال: هاتيه، قالت: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملاتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر فنبذ فوق الثوب، ثم قال لانسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
قصة جابر ودين أبيه وتكثيره عليه السلام التمر قال البخاري في دلائل النبوة: حدثنا أبو نعيم، ثنا زكريا، حدثني عامر، حدثني جابر أن أباه توفي وعليه دين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت، إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر، فدعا ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: أنزعوا فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم (1).
هكذا رواه هنا مختصرا.
وقد أسنده من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن جابر.
وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة عن جابر بألفاظ كثيرة، وحاصلها أنه ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه له ومشيه في حائطه وجلوسه على تمره وفي الله دين أبيه، وكان قد قتل بأحد، وجابر كان لا يرجو وفاءه في ذلك العام ولا ما بعده، ومع هذا فضل له من التمر أكثر فوق ما كان يؤمله ويرجوه ولله الحمد والمنة.
قصة سلمان في تكثيره صلى الله عليه وسلم القطعة من الذهب لوفاء دينه في مكاتبته.
قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب - [ عن ] (2) رجل من عبد القيس، عن سلمان قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها، فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم أربعين أوقية (3).
__________
(1) أخرجه البخاري في علامات النبوة - المناقب فتح الباري ح 3580.
ورواه في الجهاد، وفي المغازي والنكاح والاشربة.
وأخرجه في البيوع عن عبدان، عن جرير، وفي الاستقراض عن أبي عوانة عن مغيرة.
وفي المغازي عن عبيد الله بن موسى.
وأخرج ابن سعد في الطبقات ج 3 / 563 عن جابر بنحوه.
وأبو نعيم في الدلائل ص 156 عنه أطول منه.
(2) من المسند 5 / 444.
(3) الخبر رواه أحمد في مسنده 5 / 444 وابن هشام في السيرة 1 / 241.
ذكر مزود أبي هريرة وتمره قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد - يعني ابن زيد - عن المهاجر، عن أبي العالية عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بتمرات فقال: [ قلت ] (1) ادع الله لي فيهن بالبركة قال: فصفهن بين يديه ثم دعا فقال لي: اجعلهن في مزود وأدخل يدك ولا تنثره قال: فحملت منه كذا كذا وسقا في سبيل الله ونأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي.
فلما قتل عثمان رضي الله عنه انقطع عن حقوي فسقط (2) * ورواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز البصري.
عن حماد بن زيد، عن المهاجر عن أبي مخلد، عن رفيع أبي العالية عنه.
وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أنا الحسين بن يحيى بن عباس القطان، ثنا حفص بن عمرو (3)، ثنا سهل بن زياد، ثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: يا أبا هريرة عندك شئ ؟ قال: قلت شئ من تمر في مزود لي، قال: جئ به، قال: فجئت بالمزود، قال: هات نطعا، فجئت بالنطع فبسطته، فأدخل يده فقبض على التمر، فإذا هو واحد وعشرون، [ ثم قال: بسم الله ] (4) فجعل يضع كل تمرة ويسمي، حتى
أتى على التمر، فقال به هكذا فجمعه، فقال: ادع فلانا وأصحابه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا (5)، وفضل، ثم قال لي: اقعد، فقعدت فأكل وأكلت، قال: وفضل تمر فأدخلته في المزود وقال لي: يا أبا هريرة إذا أردت شيئا فأدخل يدك وخذه ولا تكفى فيكفى عليك، قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل الله، قال: وكان معلقا خلف رحلي فوقع في زمن عثمان فذهب.
__________
(1) من رواية البيهقي 6 / 109.
(2) رواه الترمذي في مناقب أبي هريرة 5 / 585.
والامام أحمد في مسنده ج 2 / 352 - وأبو نعيم في الدلائل ص 155 - المزود: هو الوعاء من جلد وغيره يجعل فيه الزاد.
وحقوي أي وسطي، والمراد موضع شد الازار.
(3) من الدلائل 6 / 110.
(4) من الدلائل سقطت من الاصل.
(5) في الدلائل العبارة: ثم دعا...كررت فقط ثلاث مرات.
طريق أخرى عن أبي هريرة في ذلك روى البيهقي من طريقين: عن سهل بن أسلم العدوي، عن يزيد بن أبي منصور، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والمزود، قالوا: وما المزود يا أبي هريرة ؟ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: يا أبا هريرة أمعك شئ ؟ قال: قلت تمر في مزود، قال: جئ به، فأخرجت تمرا فأتيته به، قال: فمسه ودعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر معي في المزود، فقال أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفه قال: فأكلت منه حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأكلت منه حياة أبي
بكر كلها، وأكلت منه حياة عمر كلها، وأكلت منه حياة عثمان كلها، فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي (1) وانتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه ؟ أكلت منه أكثر من مائتي وسق.
طريق أخرى قال الامام أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا إسمعيل - يعني ابن مسلم - عن أبي المتوكل عن أبي هريرة قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من تمر، فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره إصابة أهل الشام حيث أغاروا بالمدينة.
تفرد به أحمد.
حديث عن العرباض بن سارية في ذلك رواه الحافظ بن عساكر في ترجمته من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني ابن أبي سبرة عن موسى بن سعد عن العرباض قال: كنت ألزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، فرأينا ليلة ونحن بتبوك أو ذهبنا لحاجة فرجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تعشى ومن عنده، فقال: أين كنت منذ الليلة ؟ فأخبرته، وطلع جعال بن سراقة وعبد الله بن معقل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جائع، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة فطلب شيئا نأكله فلم يجده، فنادى بلالا: هل من شئ ؟ فأخذ الجرب ينقفها فاجتمع سبع تمرات فوضعها في صحفة ووضع عليهم يده وسمى الله وقال: كلوا باسم الله، فأكلنا، فأحصيت أربعا وخمسين تمرة، كلها أعدها ونواها في يدي الاخرى وصاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منها خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن، يا بلال ارفعهن في جرابك، فلما كان الغد وضعهن في الصحفة وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا وإنهن كما هن سبع، فقال: لولا أني أستحي من ربي عز وجل لاكلت من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا، فلما
__________
(1) في دلائل البيهقي 6 / 110 - 111: بيتي.
رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن.
حديث آخر
روى البخاري ومسلم من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت له: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي شئ يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني.
حديث آخر روى مسلم في صحيحه، عن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن أعين، عن معقل، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو لم تكله لاكلتم منه ولقام لكم.
وبهذا الاسناد عن جابر أن أم مالك كانت تهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عكتها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الادم وليس عندها شئ فتعمد إلى التي كانت تهدي فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنا فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعصرتيها ؟ قالت: نعم، فقال لو تركتيها ما زالت قائمة (1).
وقد رواهما الامام أحمد عن موسى.
عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر.
حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو جعفر البغدادي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا حسان بن عبد الله، ثنا ابن لهيعة، ثنا يونس بن يزيد، ثنا أبو إسحق، عن سعيد بن الحرث بن عكرمة عن جده نوفل بن الحرث بن عبد المطلب: أنه استعان رسول الله في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناها عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو لم تكله لاكلت منه ما عشت (2).
حديث آخر قال الحافظ البيهقي في الدلائل: أنا عبد الله بن يوسف الاصفهاني، أنا أبو سعيد بن
__________
(1) رواهما مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل 4 / 1784.
والجزء الاول رواه أحمد في مسنده 3 / 337، 347 والقسم الاخير منه 3 / 347.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 114.
الاعرابي، ثنا عباس بن محمد الدوري، أنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أنا أبو بكر بن عياش، عن هشام - يعني ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: أتى رجل أهله فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعتجن ونختبز، قال: فإذا الجفنة ملاى خميرا والرحا تطحن، والتنور ملاى خبزا وشواء، قال: فجاء زوجها فقال: عندكم شئ ؟ قالت: نعم رزق الله، فرفع الرحا فكنس ما حوله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو تركها لدارت إلى يوم القيامة.
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا أبو إسمعيل الترمذي، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن رجلا من الانصار كان ذا حاجة، فخرج، [ يوما ] وليس عند أهله شئ، فقالت امرأته: لو حركت رحاي وجعلت في تنوري سعفات فسمع جيراني صوت الرحا ورأوا الدخان، فظنوا أن عندنا طعاما وليس بنا خصاصة ؟ فقامت إلى تنورها فأوقدته وقعدت تحرك الرحا، قال: فأقبل زوجها وسمع الرحا، فقامت إليه لتفتح له الباب، فقال: ماذا كنت تطحنين ؟ فأخبرته، فدخلا وإن رحاهما لتدور وتصب دقيقا، فلم يبق في البيت وعاء إلا ملئ، ثم خرجت إلى تنورها فوجدته مملوءا خبزا، فأقبل زوجها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما فعلت الرحا ؟ قال: رفعتها ونفضتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تركتموها ما زالت لكم حياتي، أو قال حياتكم (1) * وهذا الحديث غريب سندا ومتنا.
حديث آخر وقال مالك: عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف كافر فأمر بشاة فحلبت فشرب حلابها (2)، ثم أخرى فشرب حلابها، ثم أخرى
فشرب حلابها، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسلم يشرب في معا واحد، والكافر بشرب في سبعة أمعاء (3) * ورواه مسلم من حديث مالك.
حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثني محمد بن الفضل بن حاتم (4)، ثنا الحسين بن عبد الاول، ثنا حفص بن غياث، ثنا الاعمش.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 105 - 106 في باب ما جاء في دعاء المرأة بالرزق.
(2) حلابها: الحلاب الاناء الذي يحلب فيه اللبن.
(3) رواه مسلم في صحيحه - كتاب الاشربة ح 2062 ص 3 / 1632.
(4) في الدلائل للبيهقي 6 / 117: جابر.
عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: ضاف النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، قال: فطلب له شيئا فلم يجد إلا كسرة في كوة قال: فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أجزاء، ودعا عليها وقال: كل ! قال فأكل فأفضل.
قال فقال: يا محمد إنك لرجل صالح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أسلم، فقال: إنك لرجل صالح * ثم رواه البيهقي من حديث سهل بن عثمان عن حفص بن غياث باسناده نحوه.
حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، قال وفيما ذكر عبدان الاهوازي، ثنا محمد بن زياد البرجمي، ثنا عبيد الله بن موسى، عن مسعر.
عن زبيد عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعاما فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فقال: اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهديت له شاة مصلية فقال: هذا من فضل الله ونحن ننتظر الرحمة.
قال أبو علي: حدثنيه محمد بن عبدان الاهوازي عنه، قال: والصحيح عن زبيد مرسلا، حدثناه
محمد بن عبدان حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الحرث الاهوازي، أنا عبيد الله بن موسى، عن مسعر، عن زبيد فذكره مرسلا (1).
حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو عمرو بن حمدان، أنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا عمرو بن بشر بن السرح، ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، ثنا واثلة بن الخطاب، عن أبيه، عن جده واثلة بن الاسقع قال: حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتي كل رجل منا رجل من أهل البيعة فانطلق به فعشاه فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد، وأصبحنا صياما (2)، وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها شئ فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم: ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا فدعا وقال: اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فانها بيدك لا يملكها أحد غيرك، فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية ورغف، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا سألنا الله من فضله ورحمته، فهذا فضله، وقد ادخر لنا عنده رحمته (3).
__________
(1) دلائل النبوة باب ما جاء في إجابة الله تعالى دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضافه ضيف...6 / 128 - 129.
(2) من الدلائل 6 / 129 وفي الاصل صباحا.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 129 ورواه الطبراني واسناده حسن.
حديث الذراع قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، ثنا [ يحيى بن أبي كثير عن أبي إسحاق ] (1)، حدثني رجل من بني غفار في مجلس سالم بن عبد الله، قال: حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بطعام من خبز ولحم فقال: ناولني الذراع فنوول ذراعا [ فأكلها ] قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم
قال: ناولني الذراع، فنوول ذراعا فأكلها ثم قال: ناولني الذراع، فقال: يا رسول الله إنما هما ذراعان، فقال وأبيك لو سكت ما زلت أناول منها ذراعا ما دعوت به، فقال سالم: أما هذه فلا، سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
هكذا وقع إسناد هذا الحديث وهو عن مبهم عن مثله، وقد روي من طرق أخرى * قال الامام أحمد (2): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أبو جعفر - يعني الرازي - عن شرحبيل عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أهديت له شاة فجعلها في القدر فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا أبا رافع ؟ قال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر، فقال: ناولني الذراع يا أبا رافع، فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع الآخر فناولته الذراع الآخر، ثم قال: ناولني الذراع الآخر، فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو سكت لناولتني ذراعا فذراعا ما سكت، ثم دعا بماء فمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى، ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحما باردا فأكل ثم دخل المسجد فصلى ولم يمس ماء.
طريق أخرى عن أبي رافع قال الامام أحمد: ثنا مؤمل ثنا حماد، حدثني عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع قال: صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية فأتى بها فقال لي: يا أبا رافع ناولني الذراع، فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله وهل للشاة إلا ذراعان ؟ ! فقال: لو سكت لناولتني منها ما دعوت به، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع (3)، قلت: ولهذا لما علمت اليهود عليهم لعائن الله بخيبر سموه في الذراع في تلك الشاة التي أحضرتها زينب اليهودية فأخبره الذراع بما فيه من السم، لما نهس منه نهسة، كما قدمنا ذلك في غزوة خيبر مبسوطا.
طريق أخرى قال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدثني قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بشاة في مكتل فقال: يا أبا رافع
__________
(1) من مسند أحمد 2 / 48، وفي الاصل: يحيى بن اسحاق.
(2) في المسند 6 / 392.
(3) مسند الامام أحمد ج 6 / 8.
ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله أللشاة إلا ذراعان ؟ فقال: لو سكت ساعة ناولتنيه ما سألتك.
فيه انقطاع من هذا الوجه * وقال أبو يعلى أيضا: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا قايد مولى عبيد الله، حدثني عبيد الله أن جدته سلمى أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي رافع بشاة، وذلك يوم الخندق فيما أعلم، فصلاها أبو رافع ليس معها خبز ثم انطلق بها، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم راجعا من الخندق فقال: يا أبا رافع ضع الذي معك، فوضعه ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبار رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله هل للشاة غير ذراعين ؟ فقال: لو سكت لناولتني ما سألتك * وقد روي من طريق أبي هريرة.
قال الامام أحمد: ثنا الضحاك، ثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن شاة طبخت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطني الذراع، فناولته إياه، فقال: أعطني الذراع فناولته إياه، ثم قال: أعطني الذراع، فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، قال: أما إنك لو التمستها لوجدتها (1).
حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن دكين بن سعيد الخثعمي، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قم فأعطهم، فقال: يا رسول الله ما عندي إلا ما يقيظني والصبية، قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر، قال: قم فأعطهم، قال: يا رسول الله سمعا وطاعة، قال: فقام عمر وقمنا فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجزته ففتح الباب، قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض،
قال: شأنكم، قال: فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة (2).
ثم رواه أحمد عن محمد ويعلى أبي عبيد عن إسماعيل - وهو ابن أبي خالد - عن قيس - وهو ابن أبي حازم - عن دكين به.
ورواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف الرواسي عن عيسى بن يونس عن إسماعيل به.
حديث آخر قال علي بن عبد العزيز: ثنا أبو نعيم، ثنا حشرج بن نباتة، ثنا أبو نضرة، حدثني أبو رجاء قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الانصار، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا ؟ قال: إني أجهد أن أرويه فما أطيق ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل لي مائة تمرة أختارها من تمرك ؟ قال: نعم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) مسند الامام أحمد 2 / 517.
(2) مسند الامام أحمد ج 4 / 174.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:36 am

الغرب، فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت حائطي، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمرة مائة تمرة، قال: فأكل هو وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة، كما أخذها.
هذا حديث غريب أورده الحافظ ابن عساكر في دلائل النبوة من أول تاريخه بسنده عن علي بن عبد العزيز البغوي، كما أوردناه.
وقد تقدم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة لسلمان فلم يهلك منهن واحدة.
بل أنجب الجميع وكن ثلثمائة، وما كان من تكثيره الذهب حين قلبه على لسانه الشريف حتى قضى منه سلمان ما كان عليه من نجوم كتابته وعتق رضي الله عنه وأرضاه.
باب انقياد الشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد تقدم الحديث الذي رواه مسلم من حديث حاتم بن إسمعيل، عن أبي حزرة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا
أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذى يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الاخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لام بينهما - يعني جمعهما -، وقال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله مقبل، وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله وقف وقفة وقال برأسه هكذا يمينا وشمالا.
وذكر تمام الحديث في قصة الماء وقصة الحوت الذي دسره البحر كما تقدم ولله الحمد والمنة.
حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الاعمش عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن أنس قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك ؟ فقال: فعل بي هؤلاء وفعلوا، قال: فقال له جبريل أتحب أن أريك آية ؟ قال: فقال: نعم، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة، فدعاها قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبي (1).
وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجة عن محمد بن طريف عن أبي معاوية.
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 3 / 113 ورواه ابن ماجة في الفتن ح 4028 وفي الزوائد قال: هذا اسناد صحيح إن كان أبو سفيان واسمه طلحة بن نافع سمع من جابر.
حديث أخر روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن
الخطاب أن رسول الله كان على الحجون كئيبا لما أذاه المشركون، فقال: اللهم أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة، فأقبلت تخد الارض حتى انتهت إليه، قال: ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، قال: فقال: ما أبالي من كذبني بعدها من قومي.
ثم قال البيهقي: أنا الحاكم وأبو سعيد بن عمرو، قالا: ثنا الاصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير، عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه إياه، فقال: يا رب أرني ما أطمئن إليه ويذهب عني هذا الغم، فأوحى الله إليه: ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت، قال: فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خد في الارض حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: ارجع إلى مكانك، فرجع، فحمد الله رسول الله وطابت نفسه، وكان قد قال المشركون: أفضلت أباك وأجدادك يا محمد، فأنزل الله: * (أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) * الآيات [ الزمر: 64 ] * قال البيهقي: وهذا المرسل يشهد له ما قبله (1).
حديث آخر قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الاعمش عن أبي ظبيان - وهو حصين بن جندب - عن ابن عباس قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإني من أطب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أريك آية ؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: ادع ذلك العذق، فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلا اسحر من هذا (2).
هكذا رواه الامام أحمد، وقد أسنده البيهقي من طريق محمد بن أبي عبيدة عن أبيه، عن الاعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس، قال: جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي طبا وعلما فما تشتكي ؟ هل يريبك من نفسك شئ إلى ما تدعو ؟ قال: أدعو إلى الله والاسلام، قال: فإنك لتقول قولا فهل لك من آية ؟ قال: نعم، إن شئت أريتك آية، وبين يديه شجرة، فقال لغصن منها: تعالى يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة، ثم أقبل
ينقز حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع، فقال العامري: يا آل عامر بن صعصعة لا ألومك على شئ قلته أبدا (3).
وهذا يقتضي أنه سالم الامر ولم يجب من كل وجه.
وقد
__________
(1) دلائل البيهقي ج 6 / 13 - 14.
(2) مسند الامام أحمد ج 1 / 223.
(3) دلائل البيهقي ج 6 / 16.
قال البيهقي: أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا ابن أبي قماش ثنا ابن عائشة عن عبد الواحد بن زياد، عن الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: ما هذا الذي يقول أصحابك ؟ قال: وحول رسول الله أعذاق وشجر، قال: فقال رسول الله: هل لك أن أريك آية ؟ قال: نعم، قال: فدعا عذقا منها فأقبل يخد الارض حتى وقف بين يديه يخد الارض ويسجد ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه ثم أمره فرجع، قال: العامري وهو يقول: يا آل عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشئ يقوله أبدا (1).
طريق أخرى فيها أن العامري أسلم قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو علي حامد بن محمد بن الوفا (2)، أنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد بن الاصبهاني، أنا شريك، عن سماك، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بما أعرف أنك رسول الله ؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم، قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الارض، فجعل ينقز حتى أتى رسول الله، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن * قال البيهقي، رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن سعيد الاصبهاني (3)، قلت: ولعله قال أولا إنه سحر ثم تبصر لنفسه فأسلم وآمن لما هداه الله عز وجل والله أعلم.
حديث آخر عن ابن عمر في ذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الوراق، أنا الحسين (4) بن سفيان، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، ثنا محمد بن فضيل، عن أبي حيان، عن عطاء عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا قال له رسول الله: أين تريد ؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير ؟ قال: ما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول ؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد
__________
(1) دلائل البيهقي 6 / 17.
(2) في الدلائل: أنبأنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، أنبأنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء...(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 15، والحاكم في المستدرك 2 / 620 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ".
(4) رواه البيهقي في الدلائل من طريق الحاكم، وفيه الحسن بن سفيان 6 / 14 - 15.
الارض خدا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الاعرابي إلى قومه، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك.
وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه ولا رواه الامام أحمد.
والله أعلم.
باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله وشغفا من فراقه وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان.
الحديث الاول عن أبي بن كعب قال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن محمد،
قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي كعب عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع الناس خطبتك ؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي أعلى (1) المنبر، فلما صنع المنبر ووضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجذع الذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، فكان عنده حتى بلي وأكلته الارضة وعاد رفاتا (2).
وهكذا رواه الامام أحمد بن حنبل عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب فذكره.
وعنده فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إليه، والباقي مثله، وقد رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عبد الله الرقي عن عبيد الله بن عمرو الرقي به.
الحديث الثاني عن أنس بن مالك قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا عمر بن يونس الحنفي: ثنا عكرمة بن عمار، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله كان يوم
__________
(1) من ابن ماجة، وفي الاصل على.
(2) رواه الامام أحمد في مسنده، 5 / 138 وابن ماجة في إقامة الصلاة حديث 1414.
والبيهقي في الدلائل 6 / 67.
الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم ؟ فصنع له منبرا درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثور، ارتج لخواره حزنا على رسول الله، فنزل إليه رسول الله من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه سكت ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو لم التزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة
حزنا على رسول الله، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن (1)، وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عمر بن يونس به وقال: صحيح غريب من هذا الوجه.
طريق أخرى عن أنس قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: ثنا هدبة، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احتضنه فسكن، وقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة (2).
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد، عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس وعن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس به.
وهذا إسناد على شرط مسلم.
طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا المبارك، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا - أراد أن يسمعهم - فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها فسكنت (3).
تفرد به أحمد، وقد رواه أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن عن أنس فذكره وزاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه (4).
وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث الوليد بن مسلم، عن سالم بن عبد الله الخياط، عن أنس بن مالك فذكره.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 558 والترمذي في المناقب باب (9).
(2) رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة حديث 5، والبيهقي من طريق حماد عن عمار عن ابن عباس في الدلائل 2 / 558 - حن الجذع: من الحنين، وهو صوت كالانين يكون عند الشوق لمن يهواه إذا فارقه، ويوصف به الابل
كثيرا.
(3) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 226.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 2 / 559 من طريق ابن المبارك عن ابن فضالة عن الحسن عن أنس به.
طريق أخرى عن أنس قال أبو نعيم: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن عباد، ثنا الحكم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فحن الجذع فاحتضنه وقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة (1).
الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة قال: فقالت امرأة من الانصار - وكان لها غلام نجار -: يا رسول الله إن لي غلاما نجارا أفآمره أن يتخذ لك منبرا تخطب عليه ؟ قال: بلى، قال: فاتخذ له منبرا، قال: فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئن الصبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا بكى لما فقد من الذكر (2) * هكذا رواه أحمد، وقد قال البخاري: ثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: سمعت أبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الانصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبر ؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي، الذي يسكن: قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها (3) * وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو أيمن الحبشي المكي مولى ابن أبي عمرة المخزومي عن جابر به.
طريق اخرى عن جابر
قال البخاري: ثنا إسماعيل، حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، حدثني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك: أنه سمع جابر بن عبد الله الانصاري يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت.
تفرد به البخاري (4).
__________
(1) رواه أبو نعيم في الدلائل ص (142).
(2) رواه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 300.
(3) أخرجه البخاري في الصلاة فتح الباري 1 / 543، وفي البيوع عن خلاد بن يحيى أيضا، وفي علامات النبوة في الاسلام عن أبي نعيم فتح الباري 6 / 601.
(4) في كتاب الجمعة، حديث 918 فتح الباري 2 / 397.
وفي علامات النبوة في الاسلام فتح الباري 6 / 602.
=
طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البزار، ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو المساور، ثنا أبو عوانة، عن الاعمش عن أبي صالح - وهو ذكوان - عن جابر بن عبد الله وعن إسحاق عن كريب عن جابر قال: كانت خشبة في المسجد يخطب إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو اتخذنا لك مثل الكرسي تقوم عليه ؟ ففعل فحنت الخشبة كما تحن الناقة الحلوج، فأتاها فاحتضنها فوضع يده عليها فسكنت.
قال أبو بكر البزار: وأحسب أنا قد حدثناه عن أبي عوانة عن الاعمش عن أبي صالح عن جابر، وعن أبي إسحاق عن كريب عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور عن أبي عوانة.
وحدثناه محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحق عن سعيد بن أبي كريب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
والصواب إنما هو سعيد بن أبي كريب، وكريب خطأ ولا يعلم يروي عن سعيد بن أبي كريب إلا أبا إسحاق.
قلت: ولم يخرجوه من هذا الوجه وهو جيد.
طريق اخرى عن جابر قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى خشبة فلما جعل له منبر حنت حنين الناقة فأتاها فوضع يده عليها فسكنت.
تفرد به أحمد.
طريق اخرى عن جابر قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن معمر، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جذع قبل أن يجعل له المنبر فلما جعل المنبر حن الجذع حتى سمعنا حنينه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليه فسكن.
قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير * قلت: وهذا إسناد جيد رجاله على شرط الصحيح، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل: ورواه عبد الرزاق.
عن معمر، عن الزهري عن رجل سماه عن جابر ثم أورده من طريق أبي عاصم بن علي، عن سليمان بن كثير عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن جابر مثله.
ثم قال: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أحمد بن علي الخراز، حدثنا عيسى بن المساور، ثنا الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله كان يخطب إلى جذع فلما بنى المنبر حن لجذع فاحتضنه فسكن، وقال: لو أحتضنه لحن إلى يوم
__________
= ورواه البيهقي في السنن الكبرى 3 / 195.
القيامة * ثم رواه من حديث أبي عوانة عن الاعمش عن أبي صالح عن جابر، وعن أبي إسحاق عن كريب عن جابر مثله.
طريق أخرى عن جابر قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج وروح قال: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من
سواري المسجد، فلما صنع له منبره واستوى عليه فاضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت (1).
وقال روح: فسكتت * وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه.
طريق اخرى عن جابر قال الامام أحمد: ثنا ابن أبي عدي، عن سليمان عن أبي نضرة، عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في أصل شجرة، أو قال: إلى جذع، ثم اتخذ منبرا قال: فحن الجذع، قال جابر حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحن إلى يوم القيامة (2).
وهذا على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجه عن بكير بن خلف، عن ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبدي النضري عن جابر به.
الحديث الرابع عن سهل بن سعد قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حازم قال: أتوا سهل بن سعد، فقالوا: من أي شئ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستند إلى جذع في المسجد يصلي إليه إذا خطب، فلما اتخذ المنبر فصعد حن الجذع حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوطنه حتى سكن (3).
وأصل هذا الحديث في الصحيحين وإسناده عن شرطهما، وقد رواه إسحاق بن راهويه وابن أبي فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه عن جده، ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب، عن عبد الله بن عمر، عن ابن عباس بن سهل عن أبيه فذكره.
__________
(1) أخرجه النسائي في كتاب الجمعة - باب مقام الامام في الجمعة 3 / 102.
(2) رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة حديث 1417 وقال في الزوائد: إسناده صحيح وابن أبي عدي ثقة.
وقال: وقد أخرجه النسائي عن جابر بسند آخر - وقد تقدم.
(3) من طريق سفيان أخرجه البخاري في الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب.
ومسلم في الصلاة باب 63 عن أبي بكر بن أبي شيبة، ورواه البخاري في الجمعة ح 917.
ومسلم في المساجد ص 1 / 386.
وابن ماجة في الصلاة ح 1416.
ورواه ابن لهيعة عن عمارة بن عرفة، عن ابن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بنحوه.
الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حن عليه فأتاه فاحتضنه فسكن، قال: ولو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة (1) * وهذا الاسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة.
الحديث السادس عن عبد الله بن عمر قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان، ثنا أبو حفص واسمه عمر بن العلاء - أخو أبي عمرو بن العلاء - قال: سمعت نافعا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه.
وقال عبد الحميد: أنا عثمان بن عمر، أنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا.
ورواه أبو عاصم عن ابن أبي رواد، عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
هكذا ذكره البخاري * وقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عثمان بن عمرو ويحيى بن كثير، عن أبي غسان العنبري كلاهما عن معاذ بن العلاء به وقال: حسن صحيح غريب.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في أطرافه: ورواه علي بن نصر بن علي الجهضمي، وأحمد بن خالد الخلال، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في آخرين عن عثمان بن عمر عن معاذ بن العلاء قال: وعبد الحميد هذا - يعني الذي ذكره البخاري - يقال: إنه عبد بن حميد والله أعلم.
قال شيخنا: وقد قيل إن قول البخاري: عن أبي حفص واسمه عمرو بن العلاء، وهم، والصواب معاذ بن العلاء كما وقع في رواية الترمذي * قلت: وليس هذا ثابتا في جميع النسخ، ولم أر في النسخ التي كتبت منها تسميته بالكلية والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله بن
عمر، ومن حديث أبي عاصم عن ابن أبي رواد كلاهما عن نافع عن ابن عمر قال: قال تميم الداري ألا نتخذ لك منبرا.
فذكر الحديث.
__________
(1) مسند أحمد 1 / 249، 267، 363 وابن ماجة في الصلاة ح 1415.
(2) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الاسلام فتح الباري 6 / 601 وبهذا الاسناد أخرجه الترمذي في صلاة الجمعة، باب (10) ص 2 / 379.
- وعبد الحميد، جزم المزي ومن تبعه بأنه عبد بن حميد الحافظ المشهور وكان اسمه عبد الحميد، وقيل له عبد تخفيفا والحديث غير موجود في مسنده.
- ابن أبي رواد واسمه عبد العزيز، ورواد اسمه ميمون.
(3) أخرجه أحمد في مسنده ج 2 / 109.
طريق أخرى عن ابن عمر قال الامام أحمد: ثنا حسين، ثنا خلف عن أبي خباب - وهو يحيى بن أبي حية - عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: كان جذع نخلة في المسجد يسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس، فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئا كقدر قيامك ؟ قال: لا عليكم أن تفعلوا، فصنعوا له منبرا ثلاث مراقي، قال: فجلس عليه، قال: فحار الجذع كما تخور البقرة جزعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه ومسحه حتى سكن.
تفرد به أحمد.
الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري قال عبد بن حميد الليثي: ثنا علي بن عاصم، عن الجريري، عن أبي نضرة العبدي، حدثني أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، فقال له الناس: يا رسول الله إنه قد كثر الناس - يعني المسلمين - وإنهم ليحبون أن يروك، فلو اتخذت منبرا تقوم عليه ليراك الناس ؟ قال: نعم، من يجعل لنا هذا المنبر ؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله ؟ قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: ما اسمك ؟ قال: فلان، قال:
أقعد، فقعد ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر ؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال ما أسمك ؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر ؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: ما اسمك ؟ قال: فلان، قال اقعد فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر، فقام إليه رجل فقال: أنا، قال تجعله، قال نعم إن شاء الله، قال: ما اسمك ؟ قال: إبراهيم، قال: اجعله، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم في آخر المسجد فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستوى عليه فاستقبل الناس وحنت النخلة حتى أسمعتني وأنا في آخر المسجد، قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فاعتنقها، فلم يزل حتى سكنت ثم عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذه النخلة إنما حنت شوقا إلى رسول الله، لما فارقها فو الله لم أنزل إليها فأعتنقها لما سكنت إلى يوم القيامة.
وهذا إسناد على شرط مسلم، ولكن في السياق غرابة.
والله تعالى أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:38 am

طريق أخرى عن أبي سعيد قال الحافظ أبو يعلى: ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا زكريا، عن مجالد، عن أبي الوداك وهو جبر بن نوف، عن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى خشبة يتوكأ عليها يخطب كل جمة حتى أتاه رجل من الروم فقال: إن شئت جعلت لك شيئا إذا قعدت عليه كنت كأنك قائم، قال: نعم، قال: فجعل له المنبر، فلما جلس عليه حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل
النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها، فلما كان الغد رآيتها قد حولت، فقلنا: ما هذا ؟ قالوا: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر البارحة فحولوها.
وهذا غريب أيضا.
الحديث الثامن عن عائشة رضي الله عنها رواه الحافظ من حديث علي بن أحمد الحوار، عن قبيصة، عن حبان بن علي، عن صالح بن حبان، عن عبد الله بن بريدة عن عائشة فذكر الحديث بطوله وفيه أنه خيره بين الدنيا
والآخرة فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف.
هذا حديث غريب إسنادا ومتنا.
الحديث التاسع عن أم سلمة رضي الله عنها روى أبو نعيم: من طريق شريك القاضي، وعمرو بن أبي قيس، ومعلى بن هلال ثلاثتهم عن عمار الدهني (1) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر فلما فقدته خارت كما يخور الثور، حتى سمع أهل المسجد، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكنت (2).
هذا لفظ شريك، وفي رواية معلى بن هلال: أنها كانت من دوم، وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه، وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث عمار الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوائم منبري في زاوية في الجنة (3) * وروى النسائي أيضا بهذا الاسناد: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (4)، فهذه الطرق من هذه الوجوه تفيد القطع بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن، وكذا من تأملها وأنعم فيها النظر والتأمل مع معرفته بأحوال الرجال وبالله المستعان * وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي قال: قال أبي - يعني أبا حاتم الرازي - قال عمرو بن سواد، قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هئ له المنبر، فلما هئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك (5).
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصل الذهبي.
وهو عمار بن معاوية الدهني، أبو معاوية البجلي الكوفي صدوق يتشيع من الخامسة (تقريب التهذيب 2 / 446 / 48).
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 563.
(3) رواه أحمد في المسند وفيه: قوائم منبري رواتب في الجنة ج 6 / 289، 292، 318.
والنسائي في المساجد باب فضل مسجد النبي صلى الله عليه وآله 2 / 35 - 36.
(4) رواه البخاري في الصلاة في مسجد مكة (5) باب.
عن مسدد ومسلم في كتاب الحج (92) باب.
الحديث
502.
(5) دلائل النبوة 6 / 68.
باب تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا الكديمي، ثنا قريش بن أنس، ثنا صالح بن أبي الاخضر، عن الزهري، عن رجل يقال له سويد بن يزيد السلمي، قال: سمعت أبا ذر يقول: لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شئ رأيته، كنت رجلا أتبع خلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يوما جالسا وحده، فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر فسلم عليه ثم جلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء عمر فسلم وجلس عن يمين أبي بكر، ثم جاء عثمان فسلم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات، فأخذهن في كفه، فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فحرسن ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حينيا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه خلافة النبوة.
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن بشار (1) عن قريش بن أنس، عن صالح بن أبي الاخضر، وصالح لم يكن حافظا، والمحفوظ عن أبي حمزة عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد هذا الحديث عن أبي ذر هكذا (2) قال البيهقي.
وقد قال محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات التي جمع فيها أحاديث الزهري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلا من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة ذكر أنه بينما هو قاعد يوما في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس إذ ذكر عثمان بن عفان يقول السلمي: فأنا
أظن أن في نفس أبي ذر على عثمان معتبة لانزاله إياه بالربذة، فلما ذكر له عثمان عرض له أهل العلم بذلك، وهو يظن أن في نفسه عليه معتبة، فلما ذكره قال: لا تقل في عثمان إلا خيرا فإني أشهد لقد رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا أنساه حتى أموت، كنت رجلا ألتمس خلوات
__________
(1) من البيهقي، وفي الاصل يسار.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 64 - 65 ورواه السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 74 وعزاه للبزار والطبراني في الاوسط وأبي نعيم والبيهقي والخبر فيه: - الكديمي وهو محمد بن يونس الكديمي، متروك.
قال الدار قطني: يتهم بالوضع.
وذكره ابن عراق في الوضاعين عن ابن عدي وابن حبان.
- صالح بن أبي الاخضر قال ابن معين: ليس بشئ له ترجمة في الميزان 2 / 288.
النبي صلى الله عليه وسلم لاسمع منه أو لآخذ عنه، فهرجت يوما من الايام، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه في بيت، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأني حينئذ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: ما جاء بك ؟ فقلت: جاء بي الله ورسوله فأمرني أن أجلس، فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شئ ولا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشي مسرعا فسلم عليه فرد السلام ثم قال: ما جاء بك ؟ قال: جاء بي الله ورسوله، فأشار بيده أن يجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها الطريق، حتى إذا استوى أبو بكر جالسا فأشار بيده فجلس إلى جنبي عن يميني، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر على تلك الربوة، ثم جاء عثمان فسلم فرد السلام وقال: ما جاء بك ؟ قال: جاء بي الله ورسوله، فأشار إليه بيده فقعد إلى الربوة ثم أشار بيده فقعد إلى جنب عمر، فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال.
قليل ما يبقين، ثم قبض على حصيات سبع أو تسع أو قريب من ذلك، فسبحن في يده حتى سمع لهن حنين كحنين النخل في كف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ناولهن أبا بكر وجاوزني فسبحن في كف أبي بكر كما سبحن في كف
النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذهن منه فوضعهن في الارض فخرسن فصرن حصا، ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما سبحن في كف أبي بكر، ثم أخذهن فوضعهن في الارض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه نحو ما سبحن في كف أبي بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن في الارض فخرسن.
قال الحافظ ابن عساكر: رواه صالح بن أبي الاخضر عن الزهري، فقال: عن رجل يقال له سويد بن يزيد السلمي، وقول شعيب أصح.
وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: وقد روى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشي، عن جبير بن نفير عن أبي ذر مثله.
ورواه شهر بن حوشب وسعيد بن المسيب عن أبي سعيد.
قال: وفيه عن أبي هريرة، وقد تقدم ما رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أنه قال: ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
حديث آخر في ذلك روى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، قال: حدثني أبو أمي مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه عن جده أبي أسيد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: يا أبا الفضل لا ترم منزلك غدا أنت وبنوك حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة، فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: كيف أصبحتم ؟ قالوا: أصبحنا بخير نحمد الله، فكيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله ؟ قال: أصبحت بخير أحمد الله، فقال لهم: تقاربوا، تقاربوا، يزحف بعضكم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل عيهم بملاءته وقال: يا رب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار
كسترتي إياهم بملاءتي هذه، وقال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين (1).
وقد رواه أبو عبد الله بن ماجة في سننه مختصرا عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص الوقاصي الزهري روى عنه جماعة، وقد قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم يروي أحاديث مشبهة.
حديث آخر قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لاعرفه الآن (2) رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بكير به، ورواه أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك به.
حديث آخر قال الترمذي: ثنا عباد بن يعقوب الكوفي، ثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن أبي يزيد (3) عن علي بن أبي طالب قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله * ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقد رواه غير واحد عن الوليد بن أبي ثور، وقالوا: عن عباد بن أبي يزيد منهم فروة بن أبي الفراء * ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث زياد بن خيثمة عن السدي عن أبي عمارة الحيواني عن علي قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه، وقدمنا في المبعث أنه عليه السلام لما رجع وقد أوحى إليه جعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله، وذكرنا في وقعة بدر ووقعة حنين رميه عليه السلام بتلك القبضة من التراب وأمره أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعا، أما في وقعة بدر فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الانفال: * (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) * الآية وأما في غزوة حنين فقد ذكرناه في الاحاديث بأسانيده وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة.
حديث آخر ذكرنا في غزوة الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد الحرام فوجد الاصنام حول الكعبة
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 2 / 71 - 72 ورواه أبو نعيم في الدلائل ص 370 وعنهما نقله السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 77.
(2) أخرجه مسلم في الفضائل حديث (2) ص (1782) والترمذي في المناقب حديث (3626) 5 / 593 والدارمي في المقدمة، والامام أحمد في مسنده 5 / 89.
(3) في رواية البيهقي 2 / 153: عبد الله، وانظر الحاشية السابقة.
فجعل يطعنها بشئ في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، وفي رواية أنه جعل لا يشير إلى صنم منها إلا خر لقفاه، وفي رواية: إلا سقط، وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر وأحمد بن عيسى اللخمي، قالا: ثنا بشر بن بكير، أنا الاوزاعي عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام [ فيه صورة ] فهتكه ثم قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله (1)، قال الاوزاعي: وقالت عائشة: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بترس (2) فيه تمثال عقاب فوضع عليه يده فأذهبه الله عز وجل.
باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة قصة البعير الناد وسجوده له وشكواه إليه قال الامام أحمد: حدثنا حسين [ بن محمد ]، ثنا خلف بن خليفة، عن حفص هو ابن عمر، عن عمه أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الانصار لهم جمل يسنون عليه وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وأن الانصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: قوموا، فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الانصار: يا رسول الله إنه صار مثل الكلب الكلب وإنا نخاف عليك صولته، فقال: ليس علي منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله
هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن [ نعقل فنحن ] أحق أن نسجد لك، فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر (3) بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه (4).
وهذا إسناد جيد، وقد روى النسائي بعضه من حديث خلف بن خليفة به.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 81 - قرام: ثوب رقيق.
(2) في رواية الدلائل: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله ببرنس.
(3) في المسند: تنبجس.
(4) رواه أحمد في المسند 3 / 159 وما بين معكوفتين في الحديث زيادة من المسند.
رواية جابر في ذلك قال الامام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام سمعته من أبي مرتين، ثنا الاجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار، إذا فيه جمل ولا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه قال: فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاء واضعا مشفره إلى الارض حتى برك بين يديه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاتوا خطاما، فخطمه ودفعه إلى صاحبه، قال: ثم التفت إلى الناس فقال: إنه ليس شئ بين السماء والارض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والانس (1).
تفرد به الامام أحمد، وسيأتي عن جابر من وجه آخر بسياق آخر إن شاء الله وبه الثقة.
رواية ابن عباس قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا بشر بن موسى، ثنا يزيد بن مهران أخو خالد الجيار،
ثنا أبو بكر بن عياش عن الاجلح عن الذيال بن حرملة عن ابن عباس قال: جاء قوم إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله إن لنا بعيرا قد ند (2) في حائط، فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تعال، فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه وأعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كأنه علم أنك نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أني نبي الله إلا كفرة الجن والانس.
وهذا من هذا الوجه عن ابن عباس غريب جدا، والاشبه رواية الامام أحمد عن جابر، اللهم إلا أن يكون الاجلح قد رواه عن الذيال عن جابر عن ابن عباس والله أعلم.
طريق أخرى عن ابن عباس قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا العباس بن الفضل الاسفاطي، ثنا أبو عون الزيادي، ثنا أبو عزة الدباغ (3)، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلا من الانصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا فسد عليهما الباب، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يدعو له، والنبي قاعد معه نفر من الانصار، فقال: يا نبي الله إني جئت في حاجة، فإن فحلين لي اغتلما، وإني أدخلتهما حائطا وسددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 3 / 310.
(2) في رواية البيهقي 6 / 30: قطن أي أقام.
والحديث رواه أبو نعيم في الدلائل (325) عن الذيال عن جابر.
ورواه السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 56 وعزاه للبيهقي ولابي نعيم وللطبراني وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 4 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف..(3) أبو عزة الدباغ وثقه ابن حبان واسمه الحكم بن طهمان.
الله لي، فقال لاصحابه: قوموا معنا، فذهب حتى أتى الباب فقال: افتح، فاشفق الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: افتح، ففتح الباب فإذا أحد الفحلين قريبا من الباب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد له، فقال رسول الله: ائت بشئ أشد رأسه وأمكنك منه، فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه
منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه وقع له ساجدا، فقال للرجل: ائتني بشئ أشد رأسه، فشد رأسه وأمكنه منه، فقال.
اذهب فإنهما لا يعصيانك، فلما رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا: يا رسول الله هذان فحلان سجدا لك أفلا نسجد لك ؟ قال لا آمر أحدا أن يسجد لاحد ولو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها.
وهذا إسناد غريب ومتن غريب.
ورواه الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه دلائل النبوة: عن أحمد بن حمدان السحري عن عمر بن محمد بن بجير البحتري، عن بشر بن آدم، عن محمد بن عون أبي عون الزيادي به.
وقد رواه أيضا من طريق مكي بن إبراهيم عن قائد أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما تقدم عن ابن عباس.
رواية أبي هريرة قال أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه: أخبرنا أحمد بن حمدان، أنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناحية فأشرفنا إلى حائط فإذا نحن بناضح، فلما أقبل الناضح رفع رأسه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع جرانه على الارض، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال: سبحان الله، أدون الله ؟ ما ينبغي لاحد أن يسجد لاحد دون الله، ولو أمرت أحدا أن يسجد لشئ من دون الله لامرت المرأة أن تسجد لزوجها.
رواية عبد الله بن جعفر في ذلك قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر ح وثنا بهز وعفان قالا: ثنا مهدي، ثنا محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد - مولى الحسن بن علي - عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الانصار، فإذا جمل قد أتاه فجرجر
وذرفت عيناه، وقال بهز وعفان: فلما رأى رسول الله حن وذرفت عيناه، فمسح رسول الله سراته وذفراه فسكن، فقال: من صاحب الجمل ؟ فجاء فتى من الانصار قال: هو لي يا رسول الله، فقال أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه (1).
وقد رواه
__________
(1) أخرجه أبو داود في الجهاد حديث (2549) عن موسى بن إسماعيل.
ومسلم في الحيض حديث (79) ص =
مسلم من حديث مهدي بن ميمون به.
رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك قال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد وعفان قالا: ثنا حماد - هو ابن سلمة - عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من المهاجرين والانصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه: يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي لها أن تفعله (1) * وهذا الاسناد على شرط السنن، وإنما روى ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن حماد به: لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها إلى آخره.
رواية يعلى بن مرة الثقفي، أو هي قصة أخرى قال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة الخزاعي، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن جبيب (2) بن أبي جبيرة، عن يعلى بن سيابة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فأراد أن يقضي حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الاخرى، ثم أمرهما فرجعتا إلى منابتهما، وجاء بعير فضرب بجرانه إلى الارض ثم جرجر حتى ابتل ما حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما يقول البعير ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أواهبه أنت لي ؟ فقال: يا رسول الله مالي مال أحب إلي منه، فقال: استوص به معروفا، فقال: لا جرم لا أكرم مالا لي كرامته يا رسول الله، قال: وأتى على قبر يعذب صاحبه فقال: إنه يعذب في غير كبير،
فأمر بجريدة فوضعت على قبره، وقال: عسى أن يخفف عنه ما دامت رطبة.
طريق أخرى عنه قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص (3) عن يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا نحن نسير
__________
= 1 / 268 وابن ماجة حديث (340) ص 1 / 122 كلاهما من طريق مهدي بن ميمون.
والامام أحمد ج 1 / 204.
وحائش نخل: بستان نخل.
(1) مسند الامام أحمد ج 6 / 76.
وابن ماجة في النكاح حديث (1852).
وفي الزوائد: " في اسناده علي بن زيد، وهو ضعيف لكن للحديث طرق أخر، ولد شاهدان من حديث طلق بن علي.
رواه الترمذي والنسائي.
ومن حديث أم سلمة رواه الترمذي وابن ماجة ".
(2) من المسند 4 / 172، وفي الاصل: حسين عن أبي جبيرة تحريف.
(3) من المسند 4 / 173 وفي الاصل جعفر.
معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، ووضع جرانه، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين صاحب هذا البعير ؟ فجاء، فقال: بعنيه، فقال: لا بل أهبه لك، فقال: لا بل بعنيه، قال: لا بل نهبه لك إنه لاهل بيت ما لهم معيشة غيره،.
قال: أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكى كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه، قال: ثم سرنا فنزلنا منزلا فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت شجرة تشق الارض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: هي شجرة استأذنت ربها عز وجل في أن تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها، قال فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لهابه جنة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال: أخرج إني محمد رسول الله، قال: ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته امرأة بجزر (1) ولبن فأمرها أن ترد الجزر، وأمر أصحابه فشربوا من اللبن، فسألها عن الصبي فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك.
طريق اخرى عنه
قال الامام أحمد: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا عثمان بن حكيم، أخبرني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي: لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: ناولينيه، فرفعته إليه فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغرفاه فنفث فيه ثلاثا وقال: بسم الله أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه، فقال: القينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل، قال: فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث، فقال: ما فعل صبيك ؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: انزل فخذ منها واحدة ورد البقية، قال: وخرجت ذات يوم إلى الجبانة حتى إذا برزنا قال: ويحك انظر هل ترى من شئ يواريني ؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك إلا شجرة ما أراها تواريك.
قال: فما بقربها ؟ قلت: شجرة مثلها أو قريب منها، قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا بإذن الله، قال: فاجتمعتا فبرز لحاجته ثم رجع فقال: اذهب إليهما فقل لهما: إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فرجعت.
قال: وكنت معه جالسا ذات يوم إذ جاء جمل نجيب (2) حتى صوى بجرانه بين يديه ثم ذرفت عيناه فقال ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا، قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الانصار فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا ؟ فقال وما شأنه ؟ قال: لا أدري والله ما شأنه،
__________
(1) جزر: الشاة التي تصلح للذبح.
(2) في المسند: جمل يخبب حتى صوب جرانه
عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: فلا تفعل، هبه لي أو بعنيه، فقال: بل هو لك يا رسول الله، فوسمه بسمة الصدقة ثم بعث به (1).
طريق اخرى عنه قال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرج عدو الله أنا رسول الله، قال: فبرأ، قال: فأهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن، قال: فقال رسول الله: خذ الاقط والسمن وأحد الكبشين ورد عليها الآخر، ثم ذكر قصة الشجرتين كما تقدم (2) * وقال أحمد: ثنا أسود، ثنا أبو بكر بن عياش، عن حبيب بن أبي عمرة، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى قال: ما أظن أن أحدا من الناس رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا دون ما رأيت فذكر أمر الصبي والنخلتين وأمر البعير إلا أنه قال: ما لبعيرك يشكوك ؟ زعم أنك سانيه حتى إذا كبر تريد [ أن ] تنحره، قال: صدقت والذي بعثك بالحق قد أردت ذلك، والذي بعثك بالحق لا أفعل (3).
طريق أخرى عنه روى البيهقي عن الحاكم وغير عن الاصم: ثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا حمدان بن الاصبهاني ثنا يزيد (4) عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه عن جده قال: رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي، كنت معه في طريق مكة، فمر بامرأة معها ابن لها به لمم، ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى، فقال إن شئت دعوت له، فدعا له، ثم مضى فمر على بعير ناد جرانه يرغو، فقال: علي بصاحب هذا البعير، فجئ به، فقال: هذا يقول: نتجت عندهم فاستعملوني، حتى إذا كبرت عندهم أرادوا أن ينحروني، قال: ثم مضى ورأى شجرتين متفرقتين فقال لي: إذهب فمرهما فليجتمعا لي، قال: فاجتمعتا فقضى حاجته، قال: ثم مضى فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الغلمان وقد ذهب ما به وهيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين، وقالت: ما عاد إليه شئ من اللمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من شئ إلا ويعلم أني رسول الله، إلا كفرة أو فسقة الجن والانس (5).
فهذه طرق جيدة متعددة
__________
(1) مسند أحمد ج 4 / 170 - 171.
(2) مسند أحمد ج 4 / 171.
(3) مسند أحمد ج 4 / 173.
(4) في الدلائل: عن شريك.
(5) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 22 - 23.
وانظر في الرواية عن يعلى بن مرة: سنن ابن ماجة حديث (339) =
نفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة، وقد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة ولم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجه فإنه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس بن خباب، عن يعلى بن مرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد.
وقد اعتنى الحافظ أبو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة، وطرقه من وجوه كثيرة، ثم أورد حديث عبد الله بن قرط اليماني قال: جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، وقد قدمت الحديث في حجة الوداع.
قلت: قد أسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين، وذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون [ غير ] هذا فالله أعلم.
وسيأتي حديث الصبي الذي كان يصرع ودعاؤه عليه السلام له وبرؤه في الحال من طرق أخرى.
وقد روى الحافظ البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم وغيره (1) عن أبي العباس الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير عن جابر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الارض ليس فيها علم ولا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الاداوة وانطلق بنا، فملات الاداوة ماء، وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى، فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما، ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، وإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله
صلى الله عليه وسلم [ معها صبي تحمله ] (2) فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناوله فجعله بينه وبين مقدمة الرحل فقال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا وكنا بذلك الماء، عرضت لنا تلك المرأة ومعها كبشان تقودهما والصبي تحمله، فقالت: يا رسول الله اقبل مني هديتي، فو الذي بعثك بالحق إن عاد إليه بعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا أحدهما وردوا الآخر، قال: ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا، فجاء جمل ناد، فلما كان بين السماطين خر ساجدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس من صاحب هذا الجمل ؟ فقال فتية من الانصار: هو لنا يا رسول الله، قال: فما شأنه ؟ قالوا: سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبرت سنه وكانت عليه
__________
= وسنن الدارمي: المقدمة (4) باب.
الحاكم في المستدرك 2 / 617 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه بهذه الصياغة وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح.
وأبو نعيم في الدلائل ص 327 - 329 ومجمع الزوائد للهيثمي 9 / 5 - 7.
(1) ذكره في الدلائل: وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل.
(2) استدركت من الدلائل.
شحيمة أردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيعونيه ؟ قالوا: يا رسول الله هو لك، قال: فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله، قالوا: يا رسول الله نحن أحق أن أن نسجد لك من البهائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو كان ذلك كان النساء لازواجهن (1).
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات * وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفراء عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله كان إذا ذهب المذهب أبعد.
ثم قال البيهقي: وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا الحسين بن علي بن زياد، ثنا أبو حمنة، ثنا أبو قرة عن زياد - هو ابن سعد - عن أبي الزبير أنه سمع يونس بن خباب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في
سفر إلى مكة فذهب إلى الغائط وكان يبعد حتى لا يراه أحد، قال: فلم يجد شيئا يتوارى به، فبصر بشجرتين، فذكر قصة الشجرتين وقصة الجمل بنحو من حديث جابر.
قال البيهقي: وحديث جابر أصح، قال: وهذه الرواية ينفرد بها زمعة بن صالح عن زياد - أظنه ابن سعد - عن أبي الزبير (2).
قلت: وقد يكون هذا أيضا محفوظا، ولا ينافي حديث جابر ويعلى بن مرة، بل يشهد لهما ويكون هذا الحديث عند أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر.
وعن يونس بن خباب عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه والله أعلم.
وروى البيهقي من حديث معاوية بن يحيى الصدفي (3) - وهو ضعيف - عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أسامة بن زيد حديثا طويلا نحو سياق حديث يعلى بن مرة وجابر بن عبد الله، وفيه قصة الصبي الذي كان يصرع ومجئ أمه بشاة مشوية فقال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع، فقلت كم للشاة من ذراع ؟ فقال: والذي نفسي بيده لو سكت لناولتيني ما دعوت * ثم ذكر قصة النخلات واجتماعهما وانتقال الحجارة معهما حتى صارت الحجارة رجما خلف النخلات (4).
وليس في سياقه قصة البعير فلهذا لم يورده بلفظه وإسناده وبالله المستعان.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 18 - 19.
ورواه أبو داود في أول الطهارة مختصرا 1 / 1 وابن ماجة في الطهارة حديث 335.
وذكره مطولا الهيثمي في الزوائد 9 / 7 - 8 باختلاف وقال: " في الصحيح بعضه، ورواه الطبراني والبزار باختصار كثيرا ".
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 20 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الاوسط والكبير باختصار بنحوه إلا أنه قال في غزوة حنين...ورواه البزار بنحوه وفي اسناد الاوسط زمعة بن صالح وقد وثق على ضعفه وبقية رجاله حديثهم حسن وأسانيد الطريقين ضعيفة ".
(3) الصدفي: من الدلائل، وفي الاصل الصيرفي.
ومعاوية الصدفي، أبو روح الدمشقي سكن الري ضعيف، وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالري من السابعة (تقريب 2 / 1245 / 261).
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 25 - 26 وأبو نعيم في الدلائل (336 - 337).
وقد روى الحافظ ابن عساكر ترجمة غيلان بن سلمة الثقفي بسنده إلى يعلى بن منصور الرازي عن شبيب بن شيبة، عن بشر بن عاصم، عن غيلان بن سلمة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا عجبا فذكر قصة الشجرتين واستتاره بهما عند الخلاء، وقصة الصبي الذي كان يصرع، وقوله: بسم الله أنا رسول الله.
أخرج عدو الله فعوفي * ثم ذكر قصة البعيرين النادين وأنهما سجدا له بنحو ما تقدم في البعير الواحد، فلعل هذه قصة أخرى، والله أعلم.
وقد ذكرنا فيما سلف حديث جابر وقصة جمله الذي كان قد أعيى، وذلك مرجعهم من تبوك وتأخره في أخريات القوم، فلحقه النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له وضربه فسار سيرا لم يسر مثله حتى جعل يتقدم أمام الناس، وذكرنا شراءه عليه السلام منه، وفي ثمنه احتلاف كثير وقع من الرواة لا يضر أصل القصة كما بيناه.
وتقدم حديث أنس في ركوبه عليه السلام على فرس أبي طلحة حين سمع الناس صوتا بالمدينة فركب ذلك الفرس، وكان يبطئ، وركب الفرسان نحو ذلك الصوت، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع بعدما كشف ذلك الامر، فلم يجد له حقيقة، وكان قد ركبه عريا لا شئ عليه وهو متقلد سيفا، فرجع وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، ما وجدنا من شئ، وإن وجدناه لبحرا.
أي لسابقا * وكان ذلك الفرس يبطأ قبل تلك الليلة فكان بعد ذلك لا يجاري ولا يكشف له غبار وذلك كله ببركته عليه الصلاة والسلام.
حديث آخر غريب في قصة البعير قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه " دلائل النبوة " وهو مجلد كبير حافل كثير الفوائد: أخبرني أبو علي الفارسي، حدثنا أبو سعيد، عن عبد العزيز بن شهلان القواس، حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدثنا عبد الرحمن بن علي البصري، حدثنا سلامة بن سعيد بن زياد بن أبي هند الرازي، حدثني أبي، عن أبيه عن جده، حدثنا غنيم بن أوس - يعني الرازي - قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها البعير اسكن، فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن
تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن الله تعالى قد أمن عائذنا، ولا يخاف لائذنا، قلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير ؟ قال: هذا بعير هم أهله بنحره فهرب منهم فاستغاث بنبيكم، فبينا نحن كذلك إذا أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشكو مر الشكاية، فقالوا: يا رسول الله ما يقول ؟ قال: يقول إنه ربي في إبلكم جوارا وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلا فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدفء، فقالوا: قد كان ذلك يا رسول الله، فقال: ما جزاء العبد الصالح من مواليه ؟ قالوا: يا رسول الله فإنا لا نبيعه ولا ننحره، قال: فقد استغاث فلم تغيثوه، وأنا أولى بالرحمة منكم، لان الله نزع الرحمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:39 am

من قلوب المنافقين وأسكنها في قلوب المؤمنين، فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم بمائة درهم، ثم قال: أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه الله، فرغا على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رسول الله: آمين ثم رغا الثانية فقال آمين، ثم رغا الثالثة فقال: آمين، ثم رغا الرابعة فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير ؟ قال: يقول: جزاك الله أيها النبي عن الاسلام والقرآن خيرا، قلت: آمين، قال: سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبي قلت: آمين قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي، قلت: آمين، قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت وقلت: هذه خصال سألت ربي فأعطانيها ومنعني واحدة وأخبرني جبريل عن الله أن فناء أمتك بالسيف فجرى القلم بما هو كائن.
قلت: هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف، وفيه غرابة ونكارة في إسناده ومتنه أيضا.
والله أعلم.
حديث في سجود الغنم له صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد عبد الله بن حامد أيضا: قال يحيى بن صاعد: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا عباد بن يوسف الكندي أبو عثمان، حدثنا
أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا للانصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الانصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال: إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لاحد، ولو كان ينبغي لاحد أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها * غريب وفى إسناده من لا يعرف.
قصة الذئب وشهادته بالرسالة قال لامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا القاسم بن الفضل الحداني عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقي الله ؟ تنزع مني رزقا ساقه الله إلي ؟ فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الانس ! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للراعي: أخبرهم فأخبرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الانس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده (1).
وهذا إسناد على شرط الصحيح.
وقد صححه البيهقي ولم يروه إلا الترمذي من قوله:
__________
(1) رواه أحمد في مسنده 3 / 83 - 84، وبعضه في الترمذي في الفتن 4 / 476 ورواه البيهقي وصححه في الدلائل =
والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الانس إلى آخره، عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن القاسم بن الفضل.
ثم قال: وهذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي.
طريق أخرى عن أبي سعيد الخدري قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثني عبد الله بن أبي حسين، حدثني
شهر أن أبا سعيد الخدري حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الاعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب يمشي، ثم أقعى مستذفرا بذنبه يخاطبه فقال: أخذت رزقا رزقنيه الله، قال: واعجبا من ذئب مستذفر بذنبه يخاطبني ! فقال: والله إنك لتترك أعجب من ذلك، قال: وما أعجب من ذلك ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن أنباء ما قد سبق وما يكون بعد ذلك، قال: فنعق الاعرابي بغنمه حتى الجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضرب عليه بابه، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أين الاعرابي صاحب الغنم ؟ فقام الاعرابي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حدث الناس بما سمعت وبما رأيت، فحدث الاعرابي الناس بما رأى من الذئب وما سمع منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: صدق، آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده (1).
وهذا على شرط أهل السنن ولم يخرجوه.
وقد رواه البيهقي من حديث النفيلي قال: قرأت على معقل بن عبد الله بن شهر بن حوشب عن أبي سعيد فذكره.
ثم رواه الحاكم وأبو سعيد بن أبي عمرو، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد فذكره * ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد فذكره.
حديث أبي هريرة في ذلك قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أشعث بن عبد الملك، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تل فأقعى فاستذفر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله عز وجل
__________
= وقال: هذا إسناد صحيح وله شاهد ومن وجه آخر عن أبي سعيد 6 / 42.
(1) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 89.
والبيهقي في الدلائل 6 / 42 - 43.
ونقل قصة الذئب السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 61 وعزاها لاحمد، ولابن سعد، وللبزار والحاكم وللبيهقي ولابي نعيم كلهم من طرق عن أبي
سعيد الخدري.
انتزعته مني، فقال الرجل: لله إذا رأيت كاليوم ذئبا يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديا، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وخبره فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال رسول الله: إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله بعده (1)، تفرد به أحمد وهو على شرط السنن ولم يخرجوه، ولعل شهر بن حوشب قد سمعه من أبي سعيد وأبي هريرة أيضا.
والله أعلم.
حديث أنس في ذلك قال أبو نعيم في دلائل النبوة: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا علي بن الحسن بن سالم، ثنا الحسين الرفا عن عبد الملك بن عمير عن أنس ح، وحدثنا سليمان - هو الطبراني -: ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، ثنا هشام بن يونس اللؤلؤي، ثنا حسين بن سليمان الرفا، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فشردت علي غنمي، فجاء الذئب فأخذ منها شاة، فاشتد الرعاء خلفه، فقال: طعمة أطعمينها الله تنزعونها مني ؟ قال: فبهت القوم، فقال: ما تعجبون من كلام الذئب وقد نزل الوحي على محمد فمن مصدق ومكذب.
ثم قال أبو نعيم: تفرد به حسين بن سليمان عن عبد الملك.
قلت: الحسين بن سليمان الرفا هذا يقال له الطلخي كوفي أورد له ابن عدي عن عبد الملك بن عمير أحاديث ثم قال: لا يتابع عليها.
حديث ابن عمر في ذلك قال البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، ثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، ثنا يعقوب بن يوسف بن أبي عيسى، ثنا جعفر بن حسن، أخبرني أبو حسن، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن عمر: كان راع على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء الذئب فأخذ شاة ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتقي الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعها مني ؟ فقال له الراعي: العجب من ذئب يتكلم، فقال الذئب: أفلا أدلك على ما هو أعجب من كلامي ؟ ذلك الرجل في النخل يخبر الناس بحديث الاولين والآخرين أعجب من كلامي، فانطلق الراعي حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره وأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدث به الناس.
قال الحافظ ابن عدي: قال لنا أبو بكر بن أبي داود: ولد هذا الراعي يقال لهم: بنو مكلم الذئب، ولهم أموال ونعم، وهم من خزاعة، واسم مكلم الذئب أهبان، قال: ومحمد بن أشعث الخزاعي من ولده * قال البيهقي: فدل على اشتهار ذلك، وهذا مما يقوي الحديث * وقد روي من حديث محمد بن إسماعيل البخاري في
__________
(1) رواه أحمد في مسنده ج 2 / 306.
التاريخ، حدثني أبو طلحة، حدثني سفيان بن حمزة الاسلمي، سمع عبد الله بن عامر الاسلمي، عن ربيعة بن أوس، عن أنس بن عمرو بن أهبان بن أوس قال: كنت في غنم لي فكلمه الذئب وأسلم، قال البخاري: إسناده ليس بالقوي.
ثم روى البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي، سمعت الحسين بن أحمد الرازي، سمعت أبا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بي عن الطريق فضربت رأسه ضربات، فرفع رأسه إلي وقال لي: اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب، قال: قلت له: كلمك كلاما يفهم ! قال: كما تكلمني وأكلمك (1).
حديث آخر عن أبي هريرة في الذئب وقد قال سعيد بن مسعود: ثنا حبان بن علي، ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الاوس (2) الحارثي عن أبي هريرة قال: جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا وافد الذئاب، جاء ليسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا، قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا فرماه فأدبر الذئب وله عواء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذئب،
وما الذئب ؟.
وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عبد الله الاصبهاني عن محمد بن مسلمة، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير عن رجل (3) به.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن المثنى، عن غندر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، عن رجل، عن مكحول، عن أبي هريرة فذكره.
وعن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الاوبر (4)، عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الغداة ثم قال: هذا الذئب وما الذئب ؟ جاءكم يسألكم أن تعطوه أو تشركوه في أموالكم، فرماه رجل بحجر فمر أو ولى وله عواء.
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الانصار بالبقيع، فإذا الذئب مفترشا ذراعيه على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جاء يستفرض فافرضوا له، قالوا: ترى رأيك يا رسول الله، قال: من كل سائمة شاة في كل عام، قالوا: كثير، قال: فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب، رواه البيهقي (5) * وروى الواقدي عن رجل سماه عن المطلب بن
__________
(1) انظر دلائل النبوة للبيهقي 6 / 43 - 44.
(2) في رواية للبيهقي في الدلائل 2 / 40: سعيد بن منصور، حدثنا حبان بن علي، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الادبر الحارثي - اسمه زياد - عن أبي هريرة وذكر الحديث.
(3) هو الحارثي أبو الادبر من بني الحارث بن كعب، يروي عن أبي هريرة، روى عنه عبد الملك بن عمير اسمه زياد ثقات ابن حبان 5 / 580.
انظر دلائل البيهقي 6 / 39.
(4) راجع الحاشية السابقة، وأبو الاوبر تحريف والصواب أبو الادبر.
(5) في الدلائل النبوة 6 / 40 من طريق محمد بن سلمة.
عبد الله بن حنطب قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فقال: هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ، فأومأ إليه
بأصابعه الثلاث أن خالسهم، قال: فولى وله عواء.
وقال أبو نعيم: ثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا الاعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل من مزينة أن جهينة قال: أتت وفود الذئاب قريب من مائة ذئب حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه وفود الذئاب، جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهن من قوت طعامكم وتأمنوا على ما سواه، فشكوا إليه الحاجة، قال: فأدبروهم قال: فخرجن ولهن عواء.
وقد تكلم القاضي عياض على حديث الذئب فذكر عن أبي هريرة وأبي سعيد وعن أهبان بن أوس وأنه كان يقال له: مكلم الذئب، قال: وقد روى ابن وهب أنه جرى مثل هذا لابي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، مع ذئب وجداه أخذ صبيا فدخل الصبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزى لان ذكرت هذا بمكة ليتركنها أهلوها.
قصة الوحش الذي كان في بيت النبي وكان يحترمه عليه السلام ويوقره ويجله قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا يونس عن مجاهد قال: قالت عائشة رضي الله عنها: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش، فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه (1).
ورواه أحمد أيضا عن وكيع وعن قطن كلاهما عن يونس - وهو ابن أبي إسحاق السبيعي -.
وهذا الاسناد على شرط الصحيح.
ولم يخرجوه وهو حديث مشهور.
والله أعلم.
قصة الاسد وقد ذكرنا في ترجمة سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه حين انكسرت بهم السفينة فركب لوحا منها حتى دخل جزيرة في البحر فوجد فيها الاسد، فقال له: يا أبا الحارث إني سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضرب منكبي وجعل يحاذيني حتى أقامني على الطريق، ثم همهم ساعة
__________
(1) لم يترمرم: أي سكن ولم يتحرك والحديث أخرجه الامام أحمد في مسنده 6 / 113، 150 ورواه الهيثمي في الزوائد 9 / 3 وعزاه لاحمد وأبي يعلى
والبزار والطبراني في الاوسط.
وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 63 عن البيهقي وأبي نعيم وأحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني في الاوسط والدار قطني وابن عساكر.
فرأيت أنه يودعني * وقال عبد الرزاق ثنا معمر عن الحجبي عن محمد بن المنكدر: أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالاسد، فقال: يا أبا الحارث إني مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الاسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوته أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش ثم رجع الاسد عنه * رواه البيهقي (1).
حديث الغزالة قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني رحمه الله في كتابه دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن أحمد - إملاء - ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي عن صالح المري، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله، إني أخذت ولي خشفان، فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم، فقال: أين صاحب هذه ؟ فقال القوم: نحن يا رسول الله، قال: خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وترجع إليكم.
فقالوا: من لنا بذلك ؟ قال أنا: فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين أصحاب هذه ؟ فقالوا: هو ذا نحن يا رسول الله، فقال: تبيعونيها ؟ فقالوا: هي لك يا رسول الله، فقال: خلو عنها، فأطلقوها فذهبت.
وقال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي - من أصله -، ثنا أحمد بن موسى بن أنس بن نصر بن عبيد الله بن محمد بن سيرين بالبصرة، ثنا زكريا بن يحيى بن خلاد، ثنا حبان بن أغلب بن تميم، ثنا أبي، عن هشام بن حبان عن الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر من الارض إذا هاتف يهتف: يا رسول الله، يا رسول الله، قال فالتفت فلم أر أحدا،
قال: فمشيت غير بعيد فإذا الهاتف: يا رسول الله، يا رسول الله، قال: فالتفت فلم أر أحدا، وإذا الهاتف يهتف بي، فاتبعت الصوت وهجمت على ظبية مشدودة في وثاق، وإذا أعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس، فقالت الظبية: يا رسول الله، إن هذا الاعرابي صادني قبل، ولي خشفان في هذا الجبل، فإن رأيت أن تطلقني حتى أرضعهما ثم أعود إلى وثاقي ؟ قال: وتفعلين ؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمضت فأرضعت الخشفين وجاءت، قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوثقها إذا انتبه الاعرابي، فقال: بأبي أنت وأمي يا، رسول الله، إني أصبتها قبيلا.
فلك فيها من حاجة ؟ قال: قلت: نعم، قال: هي لك، فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحا وهي تضرب برجليها في الارض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله * قال أبو نعيم: وقد رواه آدم بن أبي إياس فقال: حدثني حبي
__________
(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 6 / 46.
الصدوق، نوح بن الهيثم، عن حبان بن أغلب، عن أبيه، عن هشام بن حبان ولم يجاوزه به، وقد رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة من حديث إبراهيم بن مهدي، عن ابن أغلب بن تميم عن أبيه عن هشام بن حبان، عن الحسن بن ضبة بن أبي سلمة به * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأني أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني: ثنا أحمد بن حازم بن أبي عروة (1) الغفاري، ثنا علي بن قادم، ثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية عن أبي سعيد، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله خلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيد قوم وربيطة قوم، قال: فأخذ عليها فحلفت له، قال: فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون، ما أكلتم منها سمينا أبدا * قال البيهقي: وروى من وجه آخر ضعيف: أخبرنا أبو بكر محمد (2) بن الحسن القاضي،
أنا أبو علي حامد بن محمد الهروي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو حفص عمر بن علي، ثنا يعلى بن إبراهيم الغزالي (3)، ثنا الهيثم بن حماد عن أبي كثير عن يزيد بن أرقم قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة، قال: فمررنا بخباء أعرابي، فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول الله، إن هذا الاعرابي اصطادني، وإن لي خشفين في البرية.
وقد تعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا هو يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تركتك ترجعين ؟ قالت: نعم وإلا عذبني الله عذاب العشار، قال: فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تلبث أن جاءت تلمض، فشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخباء، وأقبل الاعرابي ومعه قربة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتبيعنيها ؟ قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية.
وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (4).
ورواه أبو نعيم: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر، ثنا بشر بن موسى فذكره * قلت: وفي بعضه نكارة والله أعلم * وقد ذكرنا في باب تكثيره عليه السلام اللبن حديث تلك الشاة التي جاءت وهي في البرية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن سعيد مولى أبي بكر يحلبها فحلبها، وأمره أن يحفظها فذهبت وهو لا يشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب بها الذي جاء بها * وهو مروي من
__________
(1) من الدلائل: غرزة.
(2) من الدلائل، وفي الاصل أحمد.
وهو محمد بن الحسن بن عمران الواسطي القاضي أصله شامي ثقة من التاسعة (تقريب التهذيب 2 / 154 / 141).
(3) في الدلائل: الغزال.
(4) رواه البيهقي في الدلائل باب ما جاء في كلام الظبية ج 6 / 34 - 35.
ورواه أبو نعيم في الدلائل ص (320) ورواه السيوطي في الخصائص 2 / 60 عن أنس بن مالك وعن أم سلمة وغيرهما.
طريقين عن صحابيين كما تقدم.
والله أعلم.
حديث الضب على ما فيه من النكارة والغرابة
قال البيهقي: أنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني من ساكني قرية نامين من ناحية بيهق - قراءة عليه من أصل كتابه - ثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ - في شعبان سنة اثنتين [ وستين ] وثلثمائة - [ بجرجان ] ثنا محمد [ بن علي ] بن الوليد السلمي، ثنا محمد بن عبد الاعلى، ثنا معمر بن سليمان، ثنا كهمس، عن داود بن أبي هند، عن عامر [ عن ] ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذا جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال: ما هذا ؟ قالوا: هذا الذي يذكر أنه نبي، فجاء فشق الناس فقال: واللات والعزى ما شملت السماء على ذي لهجة أبغض إلي منك، ولا أمقت منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك: الاسود والاحمر والابيض وغيرهم.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فأقوم فاقتله، قال: يا عمر ! أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا ؟ ثم أقبل على الاعرابي وقال: ما حملك على أن قلت ما قلت ؟ وقلت غير الحق ؟ ولم تكرمني في مجلسي ؟ فقال: وتكلمني أيضا ؟ - استخفافا برسول الله صلى الله عليه وسلم - واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب - وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ضب، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قال: من تعبد يا ضب ؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الارض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب ؟ فقال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، فقال الاعرابي: والله لا أتبع أثرا بعد عين، والله لقد جئتك وما على ظهر الارض أبغض إلي منك، وإنك اليوم أحب إلي من والدي، ومن عيني ومني، وإني لاحبك بداخلي وخارجي، وسري وعلانيتي، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله: الحمد لله الذي هداك بي، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى، ولا يقبل إلا بصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني، فعلمه: قل هو الله أحد، قال: زدني فما سمعت في البسيط ولا في الوجيز (1) أحسن من هذا، قال: يا أعرابي: إن هذا كلام الله، ليس بشعر،
إنك إن قرأت: قل هو الله أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن، وإن قرأتها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الاعرابي: نعم الاله إلهنا.
يقبل اليسير ويعطي الجزيل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك مال ؟
__________
(1) في البيهقي: الرجز.
فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل هو أفقر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه.
أعطوه، فأعطوه حتى أبطروه، قال: فقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، إن له عندي ناقة عشراء، دون البختية وفوق الاعرى، تلحق ولا تلحق أهديت إلي يوم تبوك، أتقرب بها إلى الله عز وجل فأدفعها إلى الاعرابي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصفت ناقتك، فأصف مالك عند الله يوم القيامة ؟ قال: نعم، قال: لك ناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والاستبرق، وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف.
يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة " فقال عبد الرحمن: قد رضيت.
فخرج الاعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة، معهم ألف سيف وألف رمح، فقال لهم: أين تريدون ؟ قالوا: نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:41 am

قال: لا تفعلوا، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحدثهم الحديث، فقالوا بأجمعهم: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم دخلوا، فقيل لرسول الله، فتلقاهم بلا رداء، ونزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا عنه وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قالوا: يا رسول الله: مرنا بأمرك.
قال: كونوا تحت راية خالد بن الوليد * فلم يؤمن من العرب ولا من غيرهم ألف غيرهم.
قال البيهقي: قد أخرجه شيخنا أو عبد الله الحافظ في المعجزات بالاجازة عن أبي أحمد بن عدي الحافظ (1).
قلت، ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل عن أبي القاسم بن أحمد الطبراني - إملاء وقراءة - حدثنا محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة: فذكر مثله.
ورواه أبو بكر الاسماعيلي عن محمد بن علي بن الوليد السلمي.
قال البيهقي: روي في ذلك عن
عائشة وأبي هريرة: وما ذكرناه هو أمثل الاسانيد فيه وهو أيضا ضعيف، والحمل فيه على هذا السلمي، والله أعلم.
حديث الحمار وقد أنكره غير واحد من الحفاظ الكبار فقال أبو محمد بن عبد الله بن حامد: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحر كي، حدثنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد - إملاء -، أنا أبو عبد الله محمد بن عقبة بن أبي الصهباء، حدثنا أبو حذيفة عن عبد الله بن حبيب الهذلي، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي منظور قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج بغال وأربعة أزواج خفاف، وعشر اواق ذهب وفضة، وحمار أسود، ومكتل، قال: فكلم النبي صلى الله عليه وسلم الحمار فكلمه الحمار، فقال له: ما اسمك، قال: يزيد بن
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 36 - 38، ورواه أبو نعيم في الدلائل ص 320.
ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 65 وعزاه للطبراني في الاوسط والصغير ولابن عدي وللحاكم في المعجزات وللبيهقي ولابي نعيم ولابن عساكر.
وما بين معكوفتين في الحديث زيادة استدركت من البيهقي.
شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أعثر به عمدا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سميتك يعفور، يا يعفور، قال: لبيك، قال: تشتهي الاناث ؟ قال: لا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يركبه لحاجته، فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كان لابي الهيثم بن النبهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حديث الحمرة وهو طائر مشهور قال أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود [ عن عبد الله ] (1)، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدخل رجل غيظة فأخرج بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه، فقال: أيكم فجع هذه ؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: رده رده رحمة بها (2).
وروى البيهقي: عن الحاكم وغيره (3) عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما، قال: فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تفرش، فقال: من فجع هذه بفرخيها ؟ قال: فقلنا: نحن، قال: ردوهما، فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع (4).
حديث آخر في ذلك وفيه غرابة قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن الحسين بن داود العلوي قالا: ثنا: أبو العباس محمد بن يعقوب الاموي، ثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا حبان، ثنا أبو سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد، قال: فذهب يوما فقعد تحت سمرة ونزع خفيه، قال: ولبس أحدهما، فجاء طير فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء.
فانسلت منه أسود سالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه كرامة اكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ بك من شر ما مشى على رجليه، ومن شر ما يمشي على بطنه.
__________
(1) من أبي داود والبيهقي.
(2) أخرجه أبو داود في الجهاد حديث 2675 وفي الادب بنفس الاسناد حديث 5268.
(3) ذكره في الدلائل: أبو سعيد محمد بن موسى.
(4) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 32 - 33، وأبو داود (انظر الحاشية السابقة) ورواه السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 63 وعزاه للبيهقي وأبي نعيم الشيخ في كتاب العظمة كلهم عن ابن مسعود.
حديث آخر
قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ، حدثني أبي عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله (1).
وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن ثابت، عن أنس: أن أسيد بن حضير الانصاري ورجلا آخر (2) من الانصار تحدثا عند النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، حتى خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه حتى مشى في ضوئها حتى أتى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله (3).
وقد علقه البخاري.
فقال: وقال معمر فذكره.
وعلقه البخاري أيضا عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله (4).
وقد رواه النسائي عن أبي بكر بن نافع، عن بشر بن أسيد، وأسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة به.
حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله (5) الاصبهاني، ثنا أحمد بن مهران، ثنا عبيد الله بن موسى، أنا كامل بن العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء وكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا، فإذا عاد عادا، فلما صلى جعل واحدا ههنا وواحدا ههنا، فجئته فقلت يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما ؟ [ قال: لا ] (6) فبرقت برقة فقال: الحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا (7).
حديث آخر قال البخاري في التاريخ: حدثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الاسلام حديث 3639 فتح الباري 6 / 632.
(2) هو عباد بن بشر - هكذا ذكره في المستدرك.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 288 وقال: " صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه " ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 80 وعزاه لابن سعد والحاكم والبيهقي وأبي نعيم.
ورواه أبو نعيم في الدلائل ص (492).
(4) أخرجه البخاري في مناقب الانصار حديث (3805).
والبيهقي في الدلائل ج 6 / 78.
(5) في دلائل البيهقي 6 / 76: عبد الوهاب.
(6) من الدلائل.
(7) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 76.
وأخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 513 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 181 وقال: " رواه أحمد ورجال أحمد ثقات ".
زيد (1) عن محمد بن حمزة بن عمرو الاسلمي عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرقنا في ليلة ظلماء دحمسة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير.
ورواه البيهقي من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي.
عن سفيان بن حمزة.
ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن حمزة الزهري عن سفيان بن حمزة به.
حديث آخر قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد: أحمد بن عبد الله المدني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الحميد بن أبي عبس الانصاري من بني حارثة، أخبرني ميمون بن زيد بن أبي عبس، أخبرني أبي أن أبا عبس، كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنور له في عصاه حتى دخل دار بني حارثة * قال البيهقي: أبو عبس ممن شهد بدرا (2).
قلت: وروينا عن يزيد بن الاسود وهو من التابعين أنه كان يشهد الصلاة بجامع دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهام قدمه في الليلة المظلمة * وقد قدمنا في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي بمكة قبل الهجرة، وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية يدعو قومه بها، فلما ذهب إليهم وانهبط من الثنية أضاء له نور بين عينيه.
فقال: اللهم [ لا ] يقولوا: هو مثله.
فحوله الله إلى طرف سوطه حتى جعلوا يرونه
مثل القنديل.
حديث آخر فيه كرامة لتميم الداري روى الحافظ البيهقي: من حديث عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن الجريري، [ عن أبي العلاء ] (3) عن معاوية بن حرمل قال: خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم الداري فقال: قم إلى هذه النار، قال: يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا ؟ قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثا.
حديث فيه كرامة لولي من هذه الامة وهي معدودة من المعجزات لان كل ما يثبت لولي فهو معجزة لنبيه.
قال الحسن بن عروة: ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سبرة
__________
(1) من البخاري والبيهقي، وفي الاصل يزيد، وهو كثير بن زيد الاسلمي، أبو محمد المدني، ابن مافنة صدوق يخطئ من السابعة مات في آخر خلافة المنصور.
والخبر في دلائل البيهقي 6 / 79 ودلائل أبي نعيم ص (494) ونقله السيوطي في الخصائص (2 / 81).
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 79 والحاكم في المستدرك 3 / 350 وقال الذهبي " مرسل ".
(3) من دلائل البيهقي 6 / 80.
النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن فلما كان ببعض الطريق، نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني جئت من الدفينة (1) مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة.
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل عنهما.
والله أعلم (2).
طريق أخرى قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت ": حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن بجير وغيرهما قالوا: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل الله فنفق حمار رجل منهم فأرادوه أن ينطلق معهم فأبى، فقام فتوضأ وصلى ثم قال: اللهم إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي منة، فإني أطلب إليك أن تبعث لي حماري، ثم قام إلى الحمار [ فضربه ] فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه وألجمه، ثم ركبه وأجراه فلحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك ؟ قال: شأني أن الله بعث حماري * قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعني بالكوفة -.
قال ابن أبي الدنيا: وأخبرني العباس بن هشام عن أبيه عن جده عن مسلم بن عبد الله بن شريك النخعي، أن صاحب الحمار رجل من النخع، يقال له نباتة بن يزيد، خرج في زمن عمر غازيا، حتى إذا كان يلقى عميرة نفق حماره فذكر القصة، غير أنه قال: فباعه بعد بالكناسة، فقيل له: تبيع حمارك وقد أحياه الله لك ؟ قال: فكيف أصنع ؟ وقد قال رجل من رهطه ثلاث أبيات فحفظت هذا البيت: ومنا الذي أحيا الاله حماره * وقد مات منه كل عضو ومفصل (3) وقد ذكرنا في باب رضاعه عليه السلام، ما كان من حمارة حليمة السعدية وكيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رضيع، وقد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة، وكذلك ظهرت بركته عليهم في شارفهم - وهي الناقة التي كانوا يحلبونها - وشياههم وسمنهم وكثرة ألبانها، صلوات الله وسلامه عليه.
__________
(1) في دلائل البيهقي: الدثنية.
(2) رواه البيهقي في الدلائل من طريق اسماعيل بن محمد الصفار عن الحسن بن عرفة، وفي أصول ابن كثير عروة.
وهو تصحيف.
وهو الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، أبو علي البغدادي صدوق من العاشرة مات سنة 257 وقد جاوز المئة.
(تقريب التهذيب 1 / 168).
(3) ذكره البيهقي في الدلائل من طريق أبي علي الحسين بن صفوان 6 / 49.
قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرمي قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني خالد بن خداش بن عجلان المهلبي وإسماعيل بن بشار (1) قالا: ثنا صالح المري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: عدنا شابا من الانصار، فما كان بأسرع من أن مات، فأغمضناه ومددنا عليه الثوب، وقال بعضنا لامه: احتسبيه، قالت: وقد مات ؟ قلنا: نعم، فمدت يديها إلى السماء وقالت: اللهم إني آمنت بك، وهاجرت إلى رسولك، فإذا نزلت بي شدة دعوتك ففرجتها، فأسألك اللهم لا تحمل على هذه المصيبة، قال: فكشف الثوب عن وجهه، فما برحنا حتى أكلنا وأكل معنا.
وقد رواه البيهقي عن أبي سعد (2) الماليني عن ابن عبدي، عن محمد بن طاهر بن أبي [ الدميك عن عبيد الله ] (3) بن عائشة عن صالح بن بشير المري (4) - أحد زهاد البصرة وعبادها - مع لين في حديثه عن أنس فذكر القصة وفيه أن أم السائب كانت عجوزا عمياء * قال البيهقي: وقد روي من وجه آخر مرسل - يعني فيه انقطاع - عن ابن عدي وأنس بن مالك * ثم ساقه من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون، عن أنس قال: أدركت في هذه الامة ثلاثا لو كانت في بني إسرائل لما تقاسمها الامم، قلنا: ما هي يا أبا حمزة ؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة، فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله، قال: يا أنس ائت أمه فأعلمها، فأعلمتها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعا، وخالفت الاوثان زهدا، وهاجرت لك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الاوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحملها، قال: فو الله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى هلكت أمه * قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في
غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا (5) بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة، فما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء، وما نرى في السماء شيئا.
قال: فو الله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا، وأفرغت حتى ملات الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا، واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، ثم قال:
__________
(1) في رواية البيهقي عن ابن أبي الدنيا: اسماعيل بن ابراهيم بن بسام.
(2) من الدلائل 6 / 50 وفي الاصل سعيد.
(3) من الدلائل وفي الاصل: ابن أبي الدميل عن عبد الله بن عائشة.
(4) المري من الدلائل وفي الاصل المزني تحريف.
(5) في البيهقي: قد نذروا.
أجيزوا بسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو غيلة (1) فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمى في جنازته، قال: فحفرنا له وغسلناه ودفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا ؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرمي، فقال: إن هذه الارض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين، إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، وإذا اللحد مد البصر نور يتلالا، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا * قال البيهقي رحمه الله: وقد روي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا * وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، وقد أسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي، فذكره.
وقال في
الدعاء: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لاحد فيه نصيبا غيرنا، وقال في البحر: اجعل لنا سبيلا إلى عدوك، وقال في الموت: اخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه (2) والله أعلم.
قصة أخرى قال البيهقي: أنا الحسين بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا الحسن بن علي بن عثمان (3)، ثنا ابن نمير عن الاعمش عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة والاعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم اقتحم بفرسه، فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم الله ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الاعاجم وقالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم * قال: فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء (4).
قصة أخرى قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو عبد الله بن محمد السمري، ثنا أبو العباس السراج، ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو النضر، ثنا سليمان بن
__________
(1) من البيهقي، وفي الاصل: عليه.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 51 - 53.
(3) في الدلائل: عفان.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 53 - 54.
المغيرة: أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله عز وجل ؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح (1).
قلت: وستأتي قصة مسلم الخولاني - واسمه عبد الله بن ثوب - مع الاسود العنسي حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على الخليل إبراهيم عليه السلام.
قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وبالخلافة لابي بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان رضي الله عنهم.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنا جدي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو علي: محمد بن عمرو بن كشمرد، أنا القعنبي، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الانصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الاول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي في أمر الله، في الكتاب الاول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الامين في الكتاب الاول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن، وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، وما بئر أريس.
قال يحيى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوبه، فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق صدق * ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن موسى (2) بن الحسن عن القعنبي فذكره وقال: هذا إسناد صحيح وله شواهد * ثم ساقه من طريق أبي بكر: عبد الله بن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت ": حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، ثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد.
قال: جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير - يعني إلى أمه - بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، فانك كتبت إلي لاكتب إليك بشأن، زيد بن خارجة، وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه - وهو يومئذ من أصح الناس أو أهل المدينة - فتوفي بين صلاة الاولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه ببردين وكساء، فأتاني آت في مقامي، وأنا أسبح بعد المغرب (3) فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا،
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 54.
(2) في الدلائل: قريش.
(3) في الدلائل 6 / 56 العصر.
وقد حضره قوم من الانصار، وهو يقول أو يقال على لسانه: الاوسط أجلد الثلاثة الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم، كان لا يأمر الناس، أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الاول.
ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس، من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان وبقي أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا فلا نظام [ وأبيحت الاحماء، ثم ارعوى المؤمنون ] (1) وقال: كتاب الله وقدره، أيها الناس: أقبلوا على أمير كم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقولن النبيون والصديقون: سلام عليكم: يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لابيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد ؟ * (كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى) * [ المعارج: 16 - 19 ] ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول الله، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الامين، خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر الله صدق صدق وكان في الكتاب الاول.
ثم رواه الحافظ البيهقي: عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي عمرو بن بجير (2) عن علي بن الحسين [ بن الجنيد ] عن المعافى بن سليمان، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد فذكره وقال: هذا إسناد صحيح * وقد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ، حدثني النعمان بن بشير قال: توفي رجل منا يقال له: خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا، فذكر نحو ما تقدم * قال: البيهقي: وروي ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير وذكر
بئر أريس، كما ذكرنا في رواية المسيب.
قال البيهقي: والامر فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس بعدما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله، وظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة.
قلت: وهي المرادة من قوله مضت اثنتان وبقي أربع أو مضت أربع وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية والله أعلم.
وقد قال البخاري في التاريخ (3): زيد بن خارجة الخزرجي الانصاري شهد بدرا، توفي زمن عثمان وهو الذي تكلم بعد الموت * قال البيهقي: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم * قال ابن أبي الدنيا: ثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد الطحان عن حصين عن عبد الله بن عبيد
__________
(1) من الدلائل، وفي الاصل: وانتجت الاكما، ثم ارعوى المؤمنين.
(2) في الدلائل: نجيد.
(3) التاريخ الكبير 2 / 1 / 383.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:43 am

الانصاري: أن رجلا من بني سلمة (1) تكلم فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم، قال: ولا أدري إيش قال في عمر * كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه، وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا علي بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الانصاري قال: بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلم رجل من الانصار من القتلى، فقال: محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد، عثمان الرحيم ثم سكت (2) * وقال هشام بن عمار في كتاب البعث.
باب في كلام الاموات وعجائبهم حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير، عن ربعي بن خراش
العبسي قال: مرض أخي الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال: السلام عليكم، قلنا: وعليك السلام، قدمت، قال: بلى ولكن لقيت بعدكم ربي ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، وإن الامر كما ترون، فسددوا وقاربوا، وبشروا ولا تنفروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء * ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب وهي آخر كتابه.
حديث غريب جدا قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني (3) - وانصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة - حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني، عن أبيه، عن جده قال: حججت حجه الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه مثل دارة القمر، وسمعت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنا ؟ قال: أنت رسول الله، قال صدقت، بارك الله فيك، ثم قال: إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، قال أبي: فكنا
__________
(1) في الدلائل: من قتلى مسيلمة.
(2) قصة زيد بن خارجة رواها البيهقي من طرق.
البيهقي في الدلائل باب ما جاء في شهادة الميت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ج 6 / 55 - 58.
(3) في البيهقي: اليمامي.
نسميه مبارك اليمامة، قال شاصونة: وقد كنت أمر على معمر فلا أسمع منه (1).
قلت: هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد بن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا، فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه استنطق ابن تلك البغي، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت ؟ قال: ابن الراعي، فعلم بنو إسرائيل براءة
عرض جريج مما كان نسب إليه * وقد تقدم ذلك.
على أنه قد روي هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا * قال البيهقي: أنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني - بثغر صيدا -، ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، ثنا أبي، ثنا جدي شاصونة بن عبيد، حدثني معرض بن عبد الله بن معيقيب، عن أبيه، عن جده.
قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفه في خرقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام من أنا ؟ قال: أنت رسول الله، فقال له: بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها، قال البيهقي: وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي الحسن علي بن العباس الوراق، عن أبي الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبي الفضل العباس بن محمد (2) بن شاصونة به * قال الحاكم: وقد أخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت حردة.
فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا، وحملت إلى قبره فزرته * قال البيهقي: ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين بإسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام (3).
ثم أورد من حديث وكيع، عن الاعمش، عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي قد شب لم يتكلم قط، قال: من أنا ؟ قال: أنت رسول الله (4).
ثم روى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن الاعمش، عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال: جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادنيه مني، فأدنته منه، فقال: من أنا ؟ فقال: أنت رسول الله (5).
قصة الصبي الذي كان يصرع فدعا له عليه السلام فبرأ قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة الثقفي مع قصة
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 59.
(2) في الدلائل: محبوب.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 60.
(4) دلائل النبوة 6 / 60.
(5) المصدر السابق 6 / 61.
الجمل الحديث بطوله.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن به لمما وانه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجرو الاسود يسعى، تفرد به أحمد.
وفرقد السنجي رجل صالح ولكنه سئ الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغير واحد واحتمل حديثه ولما رواه ههنا شاهد مما تقدم والله أعلم.
وقد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها ويحتمل أن تكون أخرى غيرها.
والله أعلم.
حديث آخر في ذلك قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا صدقة - يعني ابن موسى - ثنا فرقد - يعني السنجي - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجاءته امرأة من الانصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: إن تصبري على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب، قالت: والذي بعثك بالحق لاصبرن حتى القى الله، قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتعلق بها وتقول له: أخسأ، فيذهب عنها.
قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقة ليس به بأس، وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه فيه.
طريق أخرى عن ابن عباس قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن عمران أبي بكر، ثا عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت: إني أصرع وانكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع الله ألا انكشف ولا ينكشف عني، قال: فدعا لها (1) * وهكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان - وأخرجه مسلم عن القواريري عن يحيى القطان وبشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلم أبي بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس فذكر مثله.
ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة (2).
وقد ذكر الحافظ ابن الاثير في الغابة أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 347 والبخاري في كتاب المرضى فتح الباري (10 / 114) ومسلم في كتاب البر والصلة حديث (54) ص (1994).
(2) محمد هو ابن سلام، صرح باسمه البخاري في الادب المفرد، ومخلد هو ابن يزيد، وأم زفر ذكرها في الاصابة وقال: " ثبت ذكرها في صحيح البخاري في حديث ابن جريج، أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر.
" وقيل ان اسمها سعيرة الاسدية.
حديث آخر قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب الغنوي (1)، ثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ابعثني إلى أحب قومك إليك، أو أحب أصحابك إليك، شك قرة، فقال: اذهبي إلى الانصار، فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله قد أتت الحمى علينا فادع الله لنا بالشفاء فدعا لهم، فكشفت عنهم، قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي، فإن لمن الانصار فادع الله لي كما دعوت لهم، فقال: أيهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين وتجب لك الجنة ؟ فقالت: لا والله يا رسول الله بل أصبر ثلاثا ولا أجعل والله لجنته خطرا (2) * محمد بن يونس
الكديمي ضعيف * وقد قال البيهقي: أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا هشام بن لاحق - سنة خمس وثمانين ومائة - ثنا عاصم الاحول، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من أنت ؟ قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، وأمص الدم، قال: اذهبي إلى أهل قباء، فأتتهم فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى فقال لهم: ما شئتم ؟ إن شئتم دعوت الله فيكشف عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم، قالوا: بل ندعها يا رسول الله (3) * وهذا الحديث ليس هو في مسند الامام أحمد ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه عليه السلام لاهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة.
فاستجاب الله له ذلك فإن المدينة كانت من أوبأ أرض الله فصححها الله مبركة حلوله بها، ودعائه لاهلها صلوات الله وسلامه عليه.
حديث آخر في ذلك قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة عن أبي جعفر المديني (4)، سمعت عمارة (5) بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك
__________
(1) الغنوي من الدلائل، وفي الاصل: الضوى.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 160.
(3) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ج 6 / 159 ونقله عنه السيوطي في الخصائص 2 / 87.
(4) في رواية البيهقي: الخطمي قال: والمديني هو الخطمي.
(5) في البيهقي: عامر وهو تحريف.
قال: لا، بل ادع الله لي، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني إسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي
هذه فتقضي وتشفعني فيه وتشفعه في.
قال: فكان يقول هذا مرارا.
ثم قال بعد: أحسب أن فيها أن تشفعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ.
وقد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو بن شعبة به.
وقال: اللهم شفعه في، ولم يقل الاخرى، وكأنها غلط من الراوي والله أعلم.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان، وابن ماجة عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمرو.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي.
ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد بن سلمة بن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث.
وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به.
ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف * وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبي جعفر الخطمي من الوجهين والله أعلم (1) * وقد روى البيهقي والحاكم من (2) حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب، عن سعيد الحنطبي، عن أبيه، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فينجلي بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي.
قال عثمان: فو الله ما تفرقنا، ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط * قال البيهقي: ورواه أيضا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف (3).
حديث آخر قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بني
__________
(1) أخرجه الامام أحمد من طرقه في مسنده ج 4 / 138، وأخرجه الترمذي في سننه في الدعوات حديث 3578 ص (5 / 569) وابن ماجة في الصلاة عن أحمد بن منصور بن سيار.
(2) ورواه في الدلائل: من حديث أبي محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الريالي بمكة، حدثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي، (وفي الاصل الحنطبي تحريف) والحبطي - أبو عبد الله البصري - ينسب إلى الحبطات وهو بطن من تميم - وتميم هو الحارث بن عمرو، والحارث هو الحبط والنسبة إليه الحبطي بكسر الباء.
كما في اللباب.
(3) رواه في الدلائل ج 6 / 167، وأشار إلى رواية يعقوب بن سفيان عن الحبطي وقال: " فذكره بطوله " ولم يروه البيهقي في الدلائل.
سلامان وبني سعد عن أبيه (1) عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن مريط (2) حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله: ما أصابك ؟ فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصري، قال: فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الابرة وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان.
قال البيهقي: كذا في كتابه: وغيره يقول، حبيب بن مدرك، قال: وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول الله إلى موضعها، فكان لا يدري أيهما أصيبت، قلت: وقد تقدم ذلك في غزوة أحد، وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر بن عتيك - وقد انكسر ساقه - فبرأ من ساعته، وذكر البيهقي بإسناده: أنه صلى الله عليه وسلم مسح يد محمد بن حاطب - وقد احترقت يده بالنار - فبرأ من ساعته، وأنه عليه السلام نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به (3).
قلت: وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني علي وهو أرمد فبرأ.
وروى الترمذي عن علي حديثه في تعليمه عليه السلام ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه * وفي الصحيح أنه قال لابي هريرة وجماعة: من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي، قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك: فقيل: كان ذلك حفظا من أبي هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، وقيل: وفي غيره فالله أعلم.
ودعا لسعد بن أبي وقاص فبرأ.
وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضة مرضها وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ربه
فدعا له فبرأ من ساعته.
والاحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها.
وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه وتركنا أحاديث ضعيفة الاسناد واكتفينا بما وردنا عما تركنا وبالله المستعان.
حديث آخر ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبي زائدة، زاد مسلم والمغيرة كلاهما عن شراحيل الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أنه كان يسير على جمل قد أعيا.
فأراد أن يسيبه.
قال: فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه ودعا لي، فسار سيرا لم يسر مثله، وفي رواية فما زال بين يدي الابل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه، فقال: كيف ترى جملك ؟ فقلت: قد أصابته بركتك يا رسول الله، ثم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه منه (4)، واختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة، وأنه استثنى حملانه إلى المدينة، ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل فنقده ثمنه وزاده ثم أطلق له الجمل أيضا، الحديث بطوله.
__________
(1) في رواية البيهقي عنه: عن أمه.
(الدلائل: 6 / 173).
(2) في البيهقي: فويك.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته فويك هكذا بالواو...وذكر الحديث.
(3) راجع الخبرين في دلائله 6 / 174 و 176 و 179.
(4) أخرجه البخاري في الشروط، باب (4).
ومسلم في المساقاة - باب 21.
3 / 1222.
حديث آخر روى البيهقي واللفظ له، وهو في صحيح البخاري من حديث حسن بن محمد المروزي، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك.
قال: فزغ الناس.
فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لن تراعوا إنه لبحر، قال فو الله ما سبق بعد ذلك اليوم (1).
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو بكر القاضي، أنا حامد بن محمد الهروي، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا رافع بن سلمة بن زياد، حدثني عبد الله بن أبي الجعد، عن جعيل الاشجعي، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وأنا على فرس لي عجفاء (2) ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول الله عجفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مخفقة معه فضربها بها وقال: اللهم بارك له، قال: فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا (3) * ورواه النسائي عن محمد بن رافع، عن محمد بن عبد الله الرقاشي فذكره، وهكذا رواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الخباب، عن رافع بن سلمة الاشجعي فذكره * وقال البخاري في التاريخ: وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد: حدثني أبي عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم عن جعيل فذكره.
حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي (4)، ثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: هلا نظرت إليها فإن في أعين الانصار شيئا ؟ قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها ؟ فذكر شيئا، قال: كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال: ما عندنا اليوم شئ نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بني عبس وبعث الرجل فيهم، فأتاه فقال: يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كالمعتمد
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 152 وأخرجه البخاري في الجهاد فتح الباري 6 / 122.
(2) في الدلائل: جعفاء في الموضعين وهو تحريف والثواب ما أثبتناه عجفاء وهي الهزيلة.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 153.
والبخاري في التاريخ الكبير 1 / 2 / 248 والنسائي في السنن الكبرى، انظر تحفة الاشراف للمزي 2 / 437.
(4) في الدلائل: بن علي، والصواب ما أثبتناه وهو زكريا بن عدي بن الصلت التيمي أبو يحيى، نزيل بغداد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:44 am

عليه للقيام، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد (1).
رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان.
حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو بكر بن أبي إسحق المزني (2)، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا أبو جعفر بن عون (3)، أنا الاعمش عن مجاهد أن رجلا اشترى بعيرا فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهم بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهم بارك له فيه، فلم يلبث حتى نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد اشتريت بعيرين فدعوت الله أن يبارك لي فيهما فادع الله أن يحملني عليه، فقال: اللهم احمله عليه، فمكث عنده عشرين سنة.
قال البيهقي، وهذا مرسل ودعاؤه عليه السلام صار إلى أمر الآخرة في المرتين الاوليين.
حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، ثنا علي بن سعد العسكري، أنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي، ثنا يزيد بن هرون، أنا المستلم بن سعيد، ثنا خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن أساف عن أبيه عن جده خبيب بن أساف قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا، قال: أسلمتم ؟ قلنا: لا، قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني، فتعلقت يدي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل فيها وألزقها، فالتأمت وبرأت وقتلت الذي ضربني، ثم تزوجت ابنة الذي قتلته وضربني، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح، فأقول: لا عدمت
رجلا أعجل أباك إلى النار (4) * وقد روى الامام أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون بإسناده مثله ولم يذكر فتفل فيها فبرأت.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 154 ومسلم في النكاح حديث (75) ص (2 / 1040).
(2) في الدلائل 6 / 154: المزكي.
(3) في الدلائل: جعفر بن عوف، والصواب جعفر بن عون وهو ابن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي من التاسعة (تقريب التهذيب 1 / 131 / 91).
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 178 وأخرجه الامام أحمد في المسند 3 / 454 ونقله في الاصابة 1 / 418 عن أحمد بن منيع.
قال الواقدي في خبيب: تأخر اسلامه إلى أن خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى بدر فلحقه في الطريق فأسلم وشهدها وما بعدها، ومات في خلافة عمر بن الخطاب.
حديث آخر ثبت في الصحيحين (1) من حديث أبي النضر: هاشم بن القاسم، عن ورقاء بن عمر السكري، عن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال: من صنع هذا ؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللهم فقهه في الدين * وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن عباس الدورقي (2) عن الحسن بن موسى الاشيب (3) عن زهير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي - أو قال: منكبي، شك سعيد - ثم قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (4)، وقد استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه ويقتدى بسناه في علوم الشريعة، ولا سيما في علم التأويل وهو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، وما كان عقله من كلام ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد
منا، وكان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (5).
هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة ؟ وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة، أو قال سورة، ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم والترك والديلم لاسلموا، رضي الله عنه وأرضاه.
حديث آخر ثبت في الصحيح أنه عليه السلام دعا لانس بن مالك بكثرة المال والولد (6)، فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي خلدة، قال: قلت لابي العالية: سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك (7).
وقد روينا في الصحيح أنه ولد
__________
(1) البخاري في الوضوء باب 10 فتح الباري 1 / 244، ومسلم عن زهير بن حرب عن أبي بكر بن أبي النضر.
(2) في الدلائل: الدوري.
(3) من الدلائل، وفي الاصل الاسيب.
(4) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 192، والحاكم في المستدرك 3 / 534 وقال: " وهذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ".
وقال الذهبي: صحيح.
(5) الحديث رواه الحاكم في المستدرك 3 / 537.
(6) رواه البخاري في الدعوات ح 6334 و 6344 ومسلم في فضائل الصحابة ح 143 ص 4 / 1929.
(7) صحيح الترمذي - كتاب المناقب ح 3833 ص 5 / 683 وقال هذا حديث حسن.
له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها، وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم أطل عمره، فعمر مائة، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لام سليم ولابي طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح * وثبت في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن أبي كثير الغبري (1) عن أبي هريرة: أنه سأل من رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يدعو لامه فيهديها الله فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فجعل أبو هريرة يبكي من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول الله، وسأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين فدعا لهما، فحصل ذلك.
قال أبو هريرة: فليس مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا، وقد صدق أبو هريرة في ذلك رضي الله عنه وأرضاه، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، وهذا من التقييض القدري والتقدير المعنوي.
وثبت في الصحيح أنه عليه السلام، دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريض فعوفي، ودعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللهم أجب دعوته، وسدد رميته، فكان كذلك، فنعم أمير السرايا والجيوش كان.
وقد دعا على أبي سعدة أسامة بن قتادة حين شهد فيه بالزور بطول العمر وكثرة الفقر والتعرض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد (2) وثبت في صحيح البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم دعا للسائب بن يزيد ومسح بيده على رأسه فطال عمره حتى بلغ أربعا وتسعين سنة وهو تام القامة معتدل، ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتع بحواسه وقواه (3) * وقال أحمد (4): ثنا جرير بن عمير، ثنا عروة بن ثابت ثنا علي بن أحمد، حدثني أبو زيد الانصاري، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادن مني، فمسح بيده على رأسي ثم قال: اللهم جمله وأدم جماله قال: فبلغ بضعا ومائة - يعني سنة - وما في لحيته بياض إلا نبذة يسيرة، ولقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات.
قال السهيلي إسناد صحيح
__________
(1) من مسلم، وهو أبو كثير السحيمي اليمامي الاعمى، قيل هو يزيد بن عبد الرحمن وقيل يزيد بن عبد الله بن أذينة أو ابن غفيلة، وفي نسخ البداية المطبوعة أبو كثير العنبري تحريف.
والحديث رواه مسلم في فضائل الصحابة ح (158) ص (1938).
(2) رواية البخاري في الاذان فتح الباري 2 / 236 عن موسى عن أبي عوانة.
ومسلم في الصلاة عن اسحاق بن ابراهيم 1 / 335.
(3) انظر البخاري في المناقب فتح الباري 6 / 560 و 561 ومسلم في الفضائل ح 111 ص 1823.
والهيثمي في
الزوائد وقال: " أخرجه الطبراني في الكبير، ورجال الكبير رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب، وهو ثقة ".
(4) في مسند أحمد 5 / 77: ثنا حرمي بن عمارة، قال حدثني: عزرة الانصاري ثنا علباء بن أحمد (اليشكري) ثنا أبو زيد...(وهو عمرو بن أخطب الانصاري الخزرجي المدني الاعرج من مشاهير الصحابة الذين نزلوا البصرة، غزا مع النبي ثلاث عشرة غزوة).
موصول.
ولقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة في هذا المعنى، تشفي القلوب، وتحصل المطلوب.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر، وقال يحيى بن معين: ثنا عبد الاعلى، ثنا معتمر - هو ابن سليمان -.
قال: سمعت أبي يحدث عن أبي العلاء قال: كنت عند قتادة بن ملحان في موضعه الذي مات فيه، قال: فمر رجل في مؤخر الدار، قال: فرأيته في وجهه قتادة، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مسح وجهه، قال: وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيت كأن على وجهه الدهان (1).
وثبت في الصحيحين (2) أنه عليه السلام دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الدرع من الزعفران لاجل العرس، فاستجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ففتح له في المتجر والمغانم حتى حصل له مال جزيل بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الاربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفا.
وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقد أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبي الجعد المازني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري له به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار، فقال له: بارك الله لك في صفقة يمينك، وفي رواية: فدعا له بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه (3).
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان: أشركنا في بيعك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل (4).
وقال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا ابن عدي، ثنا علي بن محمد بن سليمان الحليمي (5)، ثنا
محمد بن يزيد المستملي، ثنا شبابة بن عبد الله، ثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن أبي كبر عن بلال قال: أذنت في غداة باردة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير في المسجد واحدا، فقال: أين الناس ؟ فقلت: منعهم البرد، فقال: اللهم أذهب عنهم البرد، فرأيتهم يتروحون * ثم قال البيهقي: تفرد به أيوب بن سيار، ونظيره قد مضى في الحديث المشهور عن حذيفة في قصة الخندق (6).
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 217 وانظر الاصابة 3 / 225.
(2) في البخاري في النكاح باب 56 عن حماد بن زيد ومسلم في النكاح (12) باب الصداق.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 220 ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 169 وعزاه للبيهقي ولابي نعيم وقد رواه في دلائله ص 395.
(4) أخرجه البخاري في الدعوات حديث 6353 فتح الباري 11 / 151 والبيهقي في الدلائل 6 / 223 من طريق محمد بن إسماعيل.
(5) في الدلائل: الحلبي.
(6) رواه البيهقي في الدلائل: 6 / 224.
حديث آخر قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد العزيز بن عبد الله (1) عن محمد بن عبد الله الاصبهاني - إملاء - أنا أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الاويسي، ثنا علي بن أبي علي اللهبي، عن أبي ذئب عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت له امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة محرمة ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي لي زوجك، فدعته وكان خرازا، فقال له: ما تقول في امرأتك يا عبد الله ؟ فقال الرجل: والذي أكرمك ما جف رأسي منها، فقالت امرأته: جاء مرة واحدة في الشهر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أتبغضينه ؟ قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادنيا رؤوسكما، فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال: اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه * ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت وزوجك ؟ فقالت: والذي أكرمك ما طارف ولا تالد أحب إلي منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أني رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد أنك رسول الله * قال أبو عبد الله: تفرد به علي بن أبي اللهبي وهو كثير الرواية للمناكير.
قال البيهقي: وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله - يعني هذه القصة - إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب.
حديث آخر قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الطفيل: أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته، فأخذه أبوه فحبسه وقيده مخافة أن يلحق بهم، قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له: ألم تر إلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت ؟ فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم، قال: فرد الله تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب.
وقد وراه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن أبي أسامة الكلبي، عن سريج بن مسلم (2)، عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن وهب عن أبي الطفيل أن رجلا من بني ليث يقال له: فراس بن عمرو أصابه صداع شديد فذهب به أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه، وأخذ بجلدة بين عينيه
__________
(1) في الدلائل 6 / 228: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الاصبهاني...(2) في الدلائل 6 / 230: شريح بن مسلمة.
فجذبها حتى تبعصت (1) فنبتت في موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرة، وذهب عنه الصداع فلم
يصدع.
وذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم.
حديث آخر قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا يعلى بن الاشدق، سمعت عبد الله بن حراد العقيلي، حدثني النابغة - يعني الجعدي - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته من قولي: بلغنا السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال: قلت: أي الجنة، قال: أجل إن شاء الله، قال: أنشدني، فأنشدته من قولي: ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمى صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا قال: أحسنت لا يفضض الله فاك * هكذا رواه البزار إسنادا ومتنا، وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، أنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي، حدثني يعلى بن الاشدق قال: سمعت النابغة - نابغة بني جعدة - يقول: أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر، فأعجبه: بلغنا السما مجدنا وتراثنا (2) * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال [ لي: إلى ]: أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قلت: [ إلى ] (3) الجنة.
قال: كذلك إن شاء الله.
ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجدت لا يفضض الله فاك، قال يعلى: فلقد رأيته أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن * قال البيهقي: وروي عن مجاهد بن سليم عن عبد الله بن حراد
سمعت نابغة يقول: سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنشد من قولي: بلغنا السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
__________
(1) في الدلائل: تنقضت.
(2) في رواية البيهقي: مجدنا وثراءنا.
(3) ما بين معكوفين من الدلائل.
ثم ذكر الباقي بمعناه، قال: فلقد رأيت سنه كأنها البرد المنهل ما سقط له سن ولا انفلت (1) حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد (2) بن يوسف أبي عمرو، قالا: ثنا الاصم، ثنا عباس الدوري، ثنا علي بن بحر القطان، ثنا هشام بن يوسف، ثنا معمر، ثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نظر قبل العراق والشام واليمن - لا أدري بأيتهن بدأ - ثم قال: اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك وحط من أوزارهم * ثم رواه عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن إسحق الصغاني عن علي بن بحر بن بري فذكره بمعناه (3) * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا عمران القطان عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا (4) * وهكذا وقع الامر، أسلم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير والبركة قبل العراق، ووعد أهل الشام بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الامر * وروى أحمد في مسنده: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق.
فصل وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن عكرمة بن عمار: حدثني
إياس بن سلمة بن الاكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (5) * وقد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 232 - 233.
ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 166 عن البيهقي وأبي نعيم، وعزا رواية مجاهد لابن السكن.
(2) في الدلائل 6 / 236 وأبو سعيد بن أبي عمرو.
(3) رواهما البيهقي في الدلائل 6 / 236.
وفيه: وحط من ورائهم، وفي رواية ابن بري: وأحط من ورائهم.
وذكره الهيثمي في الزوائد 10 / 57 وقال: رواه الطبراني في الصغير والاوسط ورجاله رجال الصحيح غير علي بن بحر وهو ثقة.
(4) أخرجه الترمذي في المناقب (باب) في فضل اليمن 5 / 726 وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه من حديث زيد بن ثابت إلا من حديث عمران القطان.
(5) أخرجه مسلم في الاشربة 13 باب ح 107 ص 3 / 1599.
وقيل إن هذا الرجل هو بسر بن راعي العير الاشجعي كما جاء عند ابن منده وأبو نعيم الاصبهاني وابن ماكولا.
بشر بن راعي العير وهو يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد * وثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختبأت منه، فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين وأرسلني إلى معاوية في حاجة، فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فأرسلني الثانية فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه (1) * وقد روى البيهقي عن الحاكم، عن علي بن حمشاد، عن هشام بن علي، عن موسى بن إسماعيل: حدثني أبو عوانة عن أبي حمزة، سمعت ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطاني حطوة
وقال: اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه لي، فأتيته الثانية، فقيل إنه يأكل، فأتيت رسول الله فأخبرته فقال في الثانية: لا أشبع الله بطنه، قال: فما شبع بعدها (2)، قلت: وقد كان معاوية رضي الله عنه لا يشبع بعدها، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال: إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، وكان يقول: والله لا أشبع وإنما أعيى * وقدمنا في غزوة تبوك أنه مر بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها.
وجاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي صلى الله عليه وسلم في كلام واختلج بوجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن كذلك، فلم يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات * وقد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبي العاص، أبو مروان بن الحكم فالله أعلم (3) * وقال مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني أنمار، فذكر الحديث في الرجل الذي عليه ثوبان قد خلقا، وله ثوبان في القنية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسهما ثم ولى، فقال رسول الله: ماله ؟ ضرب الله عنقه، فقال الرجل: في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في سبيل الله، فقتل الرجل في سبيل الله (4) * وقد ورد من هذا النوع كثير.
وقد ثبت في الاحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع كما سنوردها قريبا في باب فضائله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم من سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة.
وقد قدمنا في أول البعثة حديث ابن مسعود في دعائه صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر السبعة،
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب البر (25) باب ص 4 / 2010.
- حطاني حطوة أي قفدني، يعني ضربه بيده وهي مبسوطة الكفين.
- أبو حمزة هو أبو حمزة عمران بن أبي عطاء القصاب وليس في مسلم أبو حمزة عن ابن عباس سواه.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 243.
(3) رواه البيهقي من طريق مالك بن دينار، وجزم أبو القاسم البغوي انه الحكم أبي مروان.
(4) أخرجه مالك في الموطأ في اللباس ص 2 / 910 حديث (1) ورواه البيهقي في الدلائل 6 / 244.
الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه، حين طرحوا على ظهره عليه السلام سلا الجذور، وألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرف قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثم سمى بقية السبعة، قال ابن مسعود: فو الذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر، الحديث.
وهو متفق عليه.
حديث آخر قال الامام أحمد: حدثني هشام، ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد، وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الارض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له وواروه، فأصبحت الارض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا.
ورواه مسلم عن محمد بن راضي عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.
طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون، ثنا حميد عن أنس: أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا - يعني عظم - فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي عليه: غفورا رحيما، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا وكذا فيقول: اكتب كيف شئت، ويملي عليه: عليما حكيما، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول: اكتب كيف شئت، قال فارتد ذلك الرجل عن الاسلام فلحق بالمشركين، وقال: أنا أعلمكم بمحمد، وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الارض لا تقبله، قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الارض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل: قالوا: قد دفناه مرارا
فلم تقبله الارض (1) * وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن أنس وقال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الرزاق، ثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانيا، وكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الارض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه - لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه -، فحفروا له فأعمقوا له في الارض ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظته الارض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه.
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 120 - 121.
باب المسائل التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب عنها بما يطابق الحق الموافق لها في الكتب الموروثة عن الانبياء قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش وبعتث إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الارض بلغ المشارق والمغارب، فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيم من العلم إلا قيلا) * [ الاسراء: 85 ] وأنزل سورة الكهف يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد، وأفردوه بالعبادة، واعتزلوا قومهم، ونزلوا غارا وهو الكهف، فناموا فيه، ثم أيقظهم الله بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، وكان من أمرهم ما قص الله علينا في كتابه العزيز، ثم قص خبر الرجلين المؤمن والكافر، وما كان من أمرهما، ثم ذكر خبر موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ، ثم قال: * (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) * [ الكهف: 83 ]، ثم شرح، ثم ذكر خبره وما وصل إليه من
المشارق والمغارب، وما عمل من المصالح في العالم، وهذا الاخبار هو الواقع في الواقع، وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، ما كان منها حقا، وأما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود، فإن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الاخبار والاحكام، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والانجيل: * (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) * [ المائدة 48 ] وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام، وأنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه قلت (1): إن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الارحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث إسماعيل بن عطية وغيره عن حميد عن أنس قصة سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بهن جبريل آنفا، ثم قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه (2).
وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم، عن
__________
(1) في النسخة التيمورية: علمت.
(2) أخرجه البخاري في مناقب الانصار (51) باب.
فتح الباري 7 / 272.
أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، فذكر مسألة عبد الله بن سلام إلا أنه قال: فسأله عن السواد الذي في القمر، بدل أشراط الساعة، فذكر الحديث إلى أن قال: وأما السواد الذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال الله عز وجل: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) * [ الاسراء: 12 ] فالسواد الذي رأيت هو المحو، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (1).
حديث آخر في معناه قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنا أبو الحسن - أحمد بن محمد بن عيدروس (2) - ثنا عثمان بن سعيد، أنا الربيع بن نافع، أبو توبة، ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: أخبرني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، قال: لم تدفعني ؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله ؟ قال: إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينفعك شئ إن حدثتك ؟ قال: أسمع بأذني، فنكت بعود معه، فقال له: سل، فقال له اليهودي: أين الناس يوم تبدل الارض غير الارض والسموات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الظلمة دون الجسر (3)، قال: فمن أول الناس إجازة ؟ فقال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال: زيادة كبد الحوت، قال: وما غذاؤهم على إثره ؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه ؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا، قال: صدقتك، قال: وجئت أسألك عن شئ لا يعلمه أحد من الارض إلا نبي أو رجل أو رجلان.
قال: ينفعك إن حدثتك ؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد، قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله، فقال اليهودي: صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتاني الله به (4).
وهكذا رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن أبي توبة الربيع بن نافع به، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام، ويحتمل أن يكون غيره والله أعلم.
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 261 - 262.
(2) في الدلائل: عبدوس.
(3) الجسر: المراد به السراط.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 263 - 264 وقال رواه مسلم.
في كتاب الحيض (Cool باب.
حديث 34 ص 1 / 252.
حديث آخر قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشئ تعرفونه صدقا لتتابعني علي الاسلام، قالوا: لك ذلك، قال سلوا عما شئتم، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال ثم نسألك، أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الانثى حتى تكون الانثى، وأخبرنا عن هذا النبي في النوم ومن وليك من الملائكة، قال: فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتتابعني، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الشراب إليه ألبان الابل، وأحب الطعام إليه لحمان الابل ؟ قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: اللهم أشهد عليهم، قال: فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله ؟ قالوا: اللهم نعم، قال رسول الله: اللهم أشهد عليهم، قال: وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟ قالوا، اللهم نعم، قال: اللهم أشهد
عليهم، قالوا: أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: وليي جبريل عليه السلام، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، فقالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره من الملائكة لبايعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه ؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل الله عز وجل * (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك بإذن الله) * الآية، [ البقرة: 97 ] ونزلت * (فباءوا بغضب على غضب) * الآية (1).
حديث آخر قال الامام أحمد، ثنا يزيد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية، * (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) * [ الاسراء: 101 ] فقال: لا تقل له شيئا،
__________
(1) سورة البقرة الآية 90 والخبر أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده وعنه نقله البيهقي في الدلائل ج 6 / 266 - 267 من طريق يونس بن حبيب.
فانه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف - شعبة الشاك - وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أو لا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تتبعاني ؟ قالا: إن داود عليه السلام دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود (1).
وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح * قلت: وفي رجاله من تكلم فيه، وكأنه اشتبه على الراوي التسع الآيات بالعشر الكلمات، وذلك أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة القدر بعدما خرجوا من ديار مصر وشعب بني إسرائيل حول الطور حضور، وهارون ومن معه وقوف على الطور أيضا، وحينئذ كلم الله موسى تكليما آمرا له بهذه
العشر كلمات، وقد فسرت في هذا الحديث، وأما التسع الآيات فتلك دلائل وخوارق عادات أيد بها موسى عليه السلام، وأظهرها الله على يديه بديار مصر، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات، وقد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية.
والله أعلم.
فصل وقد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة * (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) * [ البقرة: 94 - 95 ] ومثلها في سورة الجمعة وهي قوله: * (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) * [ الجمعة: 6 - 7 ] وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك وأن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة وأن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، وأن الدعوة تنقلب عليهم، ويعود وبالها إليهم، وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * [ آل عمران: 61 ] وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله * (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) * [ مريم: 75 ] وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:46 am

__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 4 / 239 - 240 - 339، 5 / 313 والترمذي في الاستئذان حديث 2733 وأخرجه ابن ماجة في الادب عن أبي بكر بن أبي شيبة ونقله البيهقي في الدلائل 6 / 268.
حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بانه رسول الله ويتضمن تحاكمهم ولكن بقصد منهم مذموم
وذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه، وإلا فاحذروا ذلك، وقد ذمهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد * قال عبد الله بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب وعند سعيد رجل وهو يوقره، وإذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبية وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء نفر من اليهود - وقد زنا رجل منهم وامرأة - فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا حدا دون الرجم فعلناه واحتججنا عند الله حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه، قال مرة عن الزهري، وإن أمرنا بالرجم عصيناه فقد عصينا الله فيما كتب علينا من الرجم في التوراة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن ؟ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إليهم شيئا، وقام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود، أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن ؟ قالوا: نجبيه، والتجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر، قال: وسكت حبرههم وهو فتى شاب، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فإنا نجد في التوراة الرجم على من أحصن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فما أول ما ترخصتم أمر الله عز وجل ؟ فقال: زنا رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، فزنا بعده آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه، فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما حكم في التوراة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما فرجما (1) * قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) * [ المائدة: 44 ] وله شاهد في الصحيح عن ابن عمر، قلت: وقد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الاحاديث عند قوله تعالى * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا
سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) * [ المائدة: 41 ] يعني الجلد والتحميم الذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم، يعين إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه، * (وإن لم تؤتوه فاحذروا) *، يعني وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله، قال الله تعالى * (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 269 - 270.
أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * [ المائدة: 43 ] إلى أن قال * (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) * فذمهم الله تعالى على سوء ظنهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، وأن فيه حكم الله بالرجم، وهم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبيه.
وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره، وعنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: أنشدك بالله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني تميم عند مالك بن النجار، قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) * الآيات (1) * وقد ورد ذكر عبد الله بن صوريا الاعور في حديث ابن عمير وغيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير.
حديث آخر قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي، أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي ؟ فقال:
لا، فقال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي لاصحابه: أقيموا هذا من عند رأسه، ولوا أخاكم (2).
ورواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ.
حديث آخر قال أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: إن الله ابتعث نبيه صلى الله عليه وسلم لادخال رجل الجنة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة وإذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك، قال: وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم أمسكتم ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال: ارفع يدك، فقرأ حتى أتى على صفته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لوا أخاكم (3).
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الاصم 6 / 270 - 271.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 272 من طريق مؤمل بن اسماعيل عن حماد.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 272 - 273.
حديث آخر إن النبي صلى الله عليه وسلم: وقف على مدراس اليهود فقال: يا معشر يهود أسلموا، فو الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد.
فصل فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيث المعنى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشرت به الانبياء قبله، وأتباع الانبياء يعلمون ذلك، ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه، قال الله تعالى * (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل
يأمرهم، بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) * [ الاعراف: 157 ] وقال تعالى: * (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) * [ الانعام: 114 ] وقال تعالى: * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) * [ البقرة: 146 ] وقال تعالى: * (وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ) * [ آل عمران: 20 ] وقال تعالى: * (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) * [ إبراهيم: 52 ] وقال تعالى: * (لانذركم به ومن بلغ) * [ الانعام: 19 ] وقال تعالى: * (ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) * [ هود: 17 ] وقال تعالى: * (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) * [ يس: 70 ] فذكر تعالى بعثته إلى الاميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الامة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار (1).
رواه مسلم، وفي الصحيحين: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلي، " نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وأعطيت السماحة (2)، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة، وفيهما: بعثت إلى الاسود والاحمر، قيل: إلى العرب والعجم، وقيل: إلى
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه في الايمان (70) باب ص 134.
(2) كذا في الاصل، وفي البخاري الشفاعة.
والحديث أخرجه البخاري في الصلاة باب (56).
ومسلم في المساجد حديث (3) ص 1 / 370.
وأبو داود في الصلاة 1 / 132 عن أبي ذر.
والامام أحمد في مسنده مطولا 5 / 161 - 162.
وأعاده مختصرا البخاري في الجهاد (122) باب.
الانس والجن، والصحيح أعم من ذلك، والمقصود أن البشارات به صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب الموروثة عن الانبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى أخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل، وقص الله خبره في ذلك فقال تعالى: * (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * [ الصف: 6 ] فأخبار محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما ورد عنه من الاحاديث الصحيحة كما تقدم، وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لانه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، ولا يقدم على ذلك عاقل، والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الامر.
ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب، وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لامة من الامم قبلها، فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، ولو كان كذلك لحذر عنه الانبياء أشد التحذير، ولنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممهم عن أتباعهم والاقتداء بهم، ونصوا على المسيح الدجال، الاعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح - وهو أول الرسل - قومه، ومعلوم أنه لم ينص نبي من الانبياء على التحذير من محمد، ولا التنفير عنه، ولا الاخبار عنه بشئ خلاف مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والامر باتباعه، والنهي عن مخالفته، والخروج من طاعته، قال الله تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) * [ آل عمران: 81 ] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، رواه البخاري.
وقد وجدت البشارات به صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة وهي أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر.
وقد قدمنا قبل مولده
عليه السلام طرفا صالحا من ذلك، وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، ونحن نورد ههنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، ويتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الاول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ما مضمونه وتعريبه: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام، بعدما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الارض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق.
، حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك فإنه يرزق ذرية
عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته، وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته ماذ ماذ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما، وتكون له أمة عظيمة، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها، وجاء الملك فأنبع زمزم، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء.
ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم، أعظم قدرا ولا أوسع جاها، ولا أعلى منزلة، ولا أجل منصبا، من محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب، وحكموا على سائر الامم.
وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الاول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الامم، وكل الامم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن، وهذا لم يكن لاحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم * وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، وأجعل وحيى بفيه وإياه تسمعون.
وفي السفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى عليه السلام خطب بني إسرائيل في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه - وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعملوا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلني
إليكم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويحل لكم الطيبات، ويحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزى في الدنيا، والعذاب في الآخرة * وأيضا في آخر السفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران: وظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب.
أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء - وهو الجبل الذي كلم الله موسى عليه السلام عنده - وأشرق من ساعير وهي جبال بيت المقدس - المحلة التي كان بها عيسى بن مريم عليه السلام - واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم * فذكر تعالى هذه الاماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أقسم تعالى بهذه الاماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الافضل منه، ثم الافضل منه، على قاعدة القسم فقال تعالى: * (والتين والزيتون) * [ التين: 1 - 3 ] والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى عليه السلام * (وطور سينين) * وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى * (وهذا البلد الامين ] وهو البلد الذي ابتعث منه محمدا صلى الله عليه وسلم * قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات.
وفي زبور داود عليه السلام صفة هذه الامة بالجهاد والعبادة، وفيه مثل ضربه لمحمد صلى الله عليه وسلم، بأنه ختام القبة المبنية، كما ورد به الحديث في الصحيحين (1): " مثلي ومثل الانبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها
__________
(1) في البخاري عن محمد بن سنان في المناقب حديث 3534 ص 6 / 558.
ومسلم في الفضائل عن أبي بكر بن أبي شيبة ح 23 ص 1791، وأخرجه الامام أحمد في المسند 3 / 361.
ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة ؟ " ومصداق ذلك أيضا في قوله تعالى * (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) * [ الاحزاب: 40 ] وفي الزبور صفة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوك من سائر الاقطار طائعين بالقرابين والهدايا، وأنه يخلص المضطر، ويكشف الضر عن الامم، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويصلي عليه في كل
وقت، ويبارك الله عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الابد.
وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم * وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه فإني أبعث إليكم وإلى الامم نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا سخاب في الاسواق، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى في ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى ملته، والاسلام دينه، والقرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب المختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرابينهم دماؤهم، أنا جيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * [ الحديد: 21 ] وفي الفصل الخامس من كلام شعيا: يدوس الامم كدوس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون قدامه.
وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، ويعطي أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله بمهجته * وفي صحف إلياس عليه السلام: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبي الله فما الذي يكون معبودهم ؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية.
ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يظهر في الامم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الامم بأحكام صادقة.
ومن كتاب النبوات: أن نبيا من الانبياء مر بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يبكيك يا نبي الله ؟ فقال: نبي يبعثه الله من الحرة، يخرب دياركم ويسبي حريمكم، قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم.
ومن كلام حزقيل عليه السلام: يقول الله: من قبل أن صورتك في الاحشاء قدستك وجعلتك نبيا، وأرسلتك إلى سائر الامم.
وفي صحف شعيا أيضا، مثل مضروب لمكة شرفها الله: افرحي يا عاقر بهذا الولد الذي يهبه لك ربك، فإن ببركته تتسع لك الاماكن، وتثبت أوتادك في الارض وتعلو أبواب مساكنك، ويأتيك ملوك الارض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم، وولدك هذا يرث جميع الامم، ويملك سائر
المدن والاقاليم، ولا تخافي ولا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، وجميع أيام ترملك تنسيها.
وهذا كله إنما حصل على يدي محمد صلى الله عليه وسلم.
وإنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر في هذا الكلام لا محالة.
ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا لا يناسبه من كل وجه والله أعلم * وفي صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب، أشعته
؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟، سهامه خوارق، دكت له الجبال.
وهذا المراد به محمد صلى الله عليه وسلم * وفي الانجيل يقول عيسى عليه السلام: إني مرتق إلى جنات العلى، ومرسل إليكم الفار قليط روح الحق يعلمكم كل شئ، ولم يقل شيئا للقاء نفسه.
والمراد بالفار قليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * [ الصف: 6 ] * وهذا باب متسع، ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدي بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم، وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن [ الفضل، ومحمد بن أحمد الصيدلاني.
قالوا ] (1): ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان (2) بن عاصم قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه، فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أتشهد أني رسول الله ؟ فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله، فيقول: أتشهد أني رسول الله ؟ فيأبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقرأ التوراة ؟ قال: نعم، قال: والانجيل ؟ قال: نعم، والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة والانجيل وأنشأ (3) خلقه بها، تجدني فيهما ؟ قال: نجد مثل نعتك، يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به، قال: من أين ؟ قال: نجد من أمتك سبعين ألفا
يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر، وهلل وكبر، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إنني لانا هو، وإن من أمتي لاكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين (4).
جوابه صلى الله عليه وسلم لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شئ منه قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير: أبو (5) عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز - ولم يسمعه منه - قال: حدثني جلساؤه وقد رأيته عن وابصة الاسدي، وقال عفان: ثنا غير مرة ولم يقل: حدثني جلساؤه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والاثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك وابصة عن رسول الله، فقلت: دعوني فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلي
__________
(1) ما بين معكوفتين من الدلائل، وفي الاصل: ومحمد بن موسى بن الطفيل، قالا...(2) في الدلائل: الفلتان بن عاصم.
(3) في الدلائل: وأشياء حلفه بها، تجدني فيهما.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 273.
(5) في نسخ البداية المطبوعة: بن تحريف.
أن أدنو منه، قال: دعوا وابصة، ادن يا وابصة، مرتين أو ثلاثا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال: يا وابصة أخبرك أم تسألني ؟ فقلت: لا، بل أخبرني: فقال: جئت تسأل عن البر والاثم، فقلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك (ثلاث مرات) البر ما اطمأنت إليه النفس، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس أفتوك (1).
باب ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده
وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وذلك منتزع من القرآن ومن الاحاديث، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل - وهي من أوائل مما نزل بمكة - * (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) * [ المزمل: 20 ] ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة.
وقال تعالى في سورة اقترب - وهي مكية - * (أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر) * [ القمر: 44 ] ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك * وقال تعالى: * (تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) * [ المسد: 1 - 5 ] فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وإمرأته، فقدر الله عز وجل أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة، وقال تعالى: * (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * [ الاسراء: 88 ] وقال تعالى في سورة البقرة: * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) * الآية [ البقرة: 23 ]، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته، وحلاوته وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، ولن لنفي التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الاخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 228 ونقله البيهقي في الدلائل 6 / 292 - 293.
ربه عز وجل، وقال تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * الآية [ النور: 55 ]، وهكذا وقع سواء بسواء، مكن الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه وأمضاه، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره، كما ثبت في الصحيح (1) " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لننفقن كنوزهما في سبيل الله "، وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) * [ التوبة: 33 ] وهكذا وقع وعم هذا الدين، وغلب وعلا على سائر الاديان، في مشارق الارض ومغاربها، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم، وذلت لهم سائر البلاد، ودان لهم جميع أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصار الناس إما مؤمن داخل في الدين، وإما مهادن باذل الطاعة والمال، وإما محارب خائف وجل من سطوة الاسلام وأهله.
وقد ثبت في الحديث: إن الله زوى لي مشارق الارض ومفاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها (2).
وقال تعالى: * (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) * الآية [ الفتح: 16 ]، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك، وقال تعالى * (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما * وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا) * [ الفتح: 20 ] وسواء كانت هذه الاخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء، وقال تعالى: * (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) * [ الفتح: 27 ] فكان هذا الوعد في سنة الحديبية عام ست، ووقد إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم، وذكرنا هناك الحديث بطوله، وفيه أن عمر قال: يا
رسول الله ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قال: لا، قال فإنك تأتيه وتطوف به.
وقال تعالى: * (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) * [ الانفال: 7 ] وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريش خروجه إلى عيرهم، فنفروا في
__________
(1) صحيح مسلم - كتاب الفتن الحديث 77 ص (4 / 2227) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفتن ح 2889 ص 4 / 2215.
عن ثوبان.
- زوى: جمع.
قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير وإما النفير، فود كثير من الصحابة - ممن كان معه - أن يكون الوعد للعير، لما فيه من الاموال وقلة الرجال، وكرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد والعدد، فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير فأوقع بهم بأسه الذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون وأسر سبعون وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: * (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) * [ الانفال: 7 ] وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر، وقال تعالى: * (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسارى (1) إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) * [ الانفال: 70 ] وهكذا وقع فإن الله عوض من أسلم منهم بخير الدنيا والآخرة.
ومن ذلك ما ذكره البخاري أن العباس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له: خذ، فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله، وثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله، وانطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا * وهذا من تصديق هذه الآية الكريمة، وقال تعالى: * (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) * الآية [ التوبة: 28 ]، وهكذا وقع عوضهم الله عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب،
وضرب الجزية عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس، بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الاسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها، قال تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) * [ التوبة: 33 ] وقال تعالى: * (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس) * الآية [ التوبة: 95 ]، وهكذا وقع، لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها، لا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: * (وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) * [ الاسراء: 76 ] وهكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه: أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله * (إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) *
__________
(1) كذا في النسخ ولعلها قراءة سبعية.
وما في التنزيل العزيز: الاسرى.
[ التوبة: 40 ] وهو المراد من قوله * (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) * [ الانفال: 30 ] ولهذا قال: * (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) * [ الاسراء: 76 ] وقد وقع كما أخبر فإن الملا الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والانصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرؤوس، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه من إخبار الله
له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لامية بن خلف: أما إني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته ؟ قال: نعم، قال: فإنه والله لا يكذب، وسيأتي الحديث في بابه.
وقد قدمنا أنه عليه السلام جعل يشير لاصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه، صلوات الله وسلامه.
وقال تعالى: * (آلم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * [ الروم: 1 - 6 ] وهذا الوعد وقع كما أخبر به، وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، واغتنم بذلك المؤمنون، لان النصارى أقرب إلى الاسلام من المجوس، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، وكان من أمر مراهنة الصديق رؤوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الامر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، وقصتهم في ذلك يطول بسطها، وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) * [ فصلت: 53 ] وكذلك وقع، أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، ومخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، والمجوس والمشركين، ما دل ذوي البصائر والنهى على أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقع له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: نصرت بالرعب مسيرة شهر (1)، وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله عز وجل، وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل: كان إذا عزم على غزوة قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
فصل وأما الاحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة
__________
(1) تقدم تخريجه قريبا فليراجع.
التي تعاقدت فيها بطون قريش، وتمالاوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يؤووهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب، بمسلمهم وكافرهم شعب أبي طالب أنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا وتعاقبوا، وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها: كذبتم وبيت الله نبزي محمدا * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل وما ترك قوم لا أبا لك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل وكانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط الله عليها الارضة فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم والفجور، وقيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله عز وجل، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخي قد أخبرني بخبر عن صحيفتكم، فإن الله قد سلط عليها الارضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله، أو كما قال: فأحضروها، فأن كان كما قال وإلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الامر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك نقضوا حكمها ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره ولله الحمد * ومن ذلك حديث خباب بن الارت، حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والاهانة، فجلس محمرا وجهه وقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق بإثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الامر ولكنكم تستعجلون * ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء (1)، ثنا حماد بن
أسامة، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي بردة عن أبي موسى، أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هحر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر (2) * ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع
__________
(1) العبارة في البخاري: ثنا أبو اسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي بردة عن أبي موسى - أري عن النبي صلى الله عليه وآله - قال:...(2) أخرجه البخاري في غير موضع مقطعا في المغازي حديث 4081، وفي المناقب - علامات النبوة - وفي التعبير =
أمية بن خلف حين قدم عليه مكة.
قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة ؟ فقال سعد: أنا سعد فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه ؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لاقطعن متجرك بالشام، قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال: إياي ؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي ؟ قالت: وما قال لك ؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو الله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: ما
ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله الله * وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدم بأبسط من هذا السياق * ومن ذلك قصة أبي بن خلف الذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه * ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، قال: فو الذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن ذلك قوله لذلك الرجل الذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فادة إلا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر وهو الصحيح، وقيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إلا إلا الله وأنك رسول الله، فقال: وما ذاك ؟ فقال: إن الرجل الذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت، فذكر الحديث كما تقدم *
__________
= باب إذا رأى بقرا تنحر.
وأخرجه مسلم في الرؤيا ح 20 ص 1779.
وأخرجه ابن ماجة في تعبير الرؤيا عن محمود بن غيلان عن أبي اسامة.
شرح المفردات: - وهلي: وهمي.
هجر: مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين.
- والله خير: قال القاضي عياض: قد ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: والله خير على المبتدأ والخبر.
ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه * ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، ومات من
أكل معه - بشر بن البراء بن معرور - * ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: اللهم نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت * والحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي (1)، وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق وفيها الاشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر * ومن ذلك إخباره عن قبر أبي رغال، حين مر عليه وهو ذاهب إلى الطائف وأن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر، صلوات الله وسلامه عليه * رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبي بحر عن عبد الله بن عمرو به * ومن ذلك قوله عليه السلام للانصار، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الايثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، ورؤوس قريش، وغيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم ؟ * وقال: إنكم ستجدون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض * وقال: إن الناس يكثرون وتقل الانصار * وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، والممات مماتكم * وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.
وقال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: وأخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (2) * ورواه مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس به * وقال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال: لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (3) * وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير، وزاد البخاري وابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به، وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، وأنفقت أموال قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، في سبيل الله، على ما سنذكره بعد إن شاء الله.
وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، وهي أن ملك فارس
قد انقطع فلا عودة له، وملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، ولله الحمد
__________
(1) راجع الحديث في دلائل النبوة للبيهقي 6 / 298.
ولم يذكر في الدلائل إلى أين قدموا عليه أو اين كان لما أخبرهم بخبرها.
إنما قال: بعد قوله قد استمرت فلما دنوا من المدينة.
(2) أخرجه البخاري في المناقب - 25 باب - ح 3618 ومسلم في الفتن ح 2918.
(3) المصدر السابق ح 3619.
وأخرجه البخاري في فرض الخمس من رواية جرير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:47 am

والمنة * وفيه دلالة على صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، والشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الاموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المرضي الممدوح * وقال البخاري، ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة ؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله عز وجل - قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار (1) طئ الذين قد سعروا البلاد ؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك ؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضلت عليك ؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه (2) ثم رواه البخاري عن عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - عن أبي عاصم النبيل، عن سعدان بن بشر، عن أبي
مجاهد - سعد الطائي - عن محل عنه به، وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، ورواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار ولو بشق تمرة * وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مغفل، عن عدي مرفوعا.
اتقوا النار ولو بشق تمرة * وكذلك أخرجاه في الصحيحين: من حديث الاعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، وفيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة، عن خيثمة عن عدي به * وهذه كلها شواهد لاصل هذا الحديث الذي أوردناه، وقد تقدم في غزوة الخندق الاخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس عن خباب قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله لنا واستنصره، قال: فأحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة ويجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، ويمشط
__________
(1) دعار: جمع داعر وهو الشاطر الخبيث المفسد، والمراد قطاع الطريق.
(2) ملء كفه: أي من المال فلا يجد من يقبله.
والخبر رواه البخاري في المناقب - علامات النبوة حديث 3595 فتح الباري 6 / 610.
وأخرجه عن عبد الله عن أبي عاصم في الزكاة.
بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون (1) * وهكذا رواه البخاري عن مسدد، ومحمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به * ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسين، عن عتبة (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، وأنا شهيد عليكم، إني والله لانظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الارض، وإني والله ما أخاف بعدي أن
تشركوا، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها (3) * وقد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، ومسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب كرواية الليث عنه * ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، وهكذا وقع، فإن هذا كان في مرض موته عليه السلام، ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته عليهم، وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الارض، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تفتحونها كفرا كفرا، أي بلدا بلدا، وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده، وهكذا وقع والله الحمد والمنة، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، وقد وقع هذا في زمان علي ومعاوية رضي الله عنهما ثم من بعدهما، وهلم جرا إلى وقتنا هذا * ثم قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس بن مالك عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أعلم لك علمه ؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك ؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة (4)، تفرد به البخاري * وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله، وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الاسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات رضي الله عنه على أكمل أحواله وأجملها، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لاخبار الصادق عنه بأنه يموت على الاسلام، وكذلك وقع * وقد ثبت في الصحيح الاخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 257، وأخرجه البخاري في مناقب الانصار ح (3852) وفي كتاب المناقب (25) باب علامات النبوة.
وأخرجه أبو داود في الجهاد عن عمرو بن عون.
(2) في البخاري: عن أبي الخير، عن عقبة.
وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله، وعقبة هو عقبة بن عامر الجهني.
(3) أخرجه البخاري في المناقب - باب علامات النبوة ح 3596 ومسلم في الفضائل ح 30 (2296).
(4) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الاسلام.
ح 3613.
ثبت أيضا الاخبار عنه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء رضي الله عنه عاش إلا حميدا، ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة * وهذا من أعلام النبوات، ودلالات الرسالة.
فصل في الاخبار بغيوب ماضية ومستقبلة روى البيهقي من حديث إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثانية فقال: إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثالثة فقال: إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده، فلم يصل عليه * ثم قال البيهقي تابعه زهير عن سماك * ومن ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة (1) * وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم بن سفيان عن سنان (2) بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم قال: مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها، قال: وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: صاحب الجبيذة ؟ قال: قلت: والله لا أعود، قال: فبايعني (3) * ورواه النسائي عن محمد بن عبد الرحمن الحربي عن أسود بن عامر به، ثم رواه أحمد عن سريج عن يزيد بن عطاء عن بيان بن بشر عن قيس عن أبي شهم فذكره * وفي صحيح البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن ينزل فينا شئ، فلما توفي تكلمنا وانبسطنا (4) * وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحرث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: والله لقد كان أحدنا يكف عن الشئ مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيه شئ من القرآن (5) * وقال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، ثنا عاصم بن
كليب عن أبيه عن رجل من الانصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 302 والترمذي في الجنائز 3 / 371 ح (1068) وأخرجه النسائي في الجنائز باب ترك الصلاة على من قتل نفسه.
وأخرجه مسلم في الجنائز ح (107).
(2) في المسند: بيان.
(3) أخرجه أحمد في المسند ج 5 / 294.
ونقله السيوطي في الخصائص وقال أخرجه الحاكم وصححه وابن سعد.
(4) أخرجه البخاري في النكاح (80) باب.
ح (5187) فتح الباري (9 / 253) وابن ماجة في الجنائز ح (1632).
وأخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 62.
(5) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 307.
الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجئ بالطعام، فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، قال فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعميه الاسارى (1).
فصل في ترتيب الاخبار بالغيوب المستقبلة بعده صلى الله عليه وسلم ثبت في صحيح البخاري ومسلم: من حديث الاعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان: قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، وقد كنت أرى الشئ قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه (2) * وقال البخاري: ثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان
يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك لشر من خير ؟ قال: نعم، وفيه دخن (3)، قلت: وما دخنه ؟ فقال: قوم يهدون بغير هديي يعرف منهم ينكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويكلمون بألسنتنا، قلت: فما أمرني إن أدركني ذلك ؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (4) * وقد رواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر به * قال البخاري، ثنا
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 310 ونقله عن البيهقي السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 104 مختصرا.
(2) أخرجه البخاري في القدر، باب (4).
وأخرجه مسلم في الفتن.
باب (6) ح 23 ص 4 / 2217.
وأخرجه أبو داود في أول كتاب الفتن عن عثمان بن أبي شيبة.
(3) الدخن: أن يكون في اللون ما يكدره من سواد، والمراد أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض.
(4) أخرجه البخاري في المناقب - 25 باب علامات النبوة ح 3606.
ومسلم في كتاب الامارة ح 51 ص (1475).
محمد بن مثنى، ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن قيس عن حذيفة قال: تعلم أصحابي الخير: وتعلمت الشر (1) * تفرد به البخاري، وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة قال: لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها (2) * وفي صحيح مسلم من حديث علياء بن أحمر عن أبي يزيد - عمرو بن أخطب - قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا (3) * وفي الحديث الآخر: حتى دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار (4) * وقد تقدم
حديث خباب بن الارت: والله ليتمن الله هذا الامر ولكنكم تستعجلون * وكذا حديث عدي بن حاتم في ذلك، وقال الله تعالى: * (ليظهره على الدين كله) * [ التوبة: 33 ] وقال تعالى * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض) * الآية [ النور: 55 ] * وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (5) * وفي حديث آخر (6): ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء * وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن المسور، عن عمرو بن عوف، فذكر قصة بعث أبي عبيدة إلى البحرين قال: وفيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا وأملوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم (7) * وفي الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لكم من أنماط ؟ قال: قلت يا رسول الله: وأنى يكون لنا أنماط ؟ فقال: أما إنها ستكون لكم أنماط، قال: فأنا أقول لامرأتي، نحي عني أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله: إنها ستكون لكم أنماط ؟
__________
(1) المصدر السابق ح 3607.
(2) صحيح مسلم في الفتن ح 24 ص 4 / 2227.
(3) المصدر السابق ح 25 ص (2227).
(4) صحيح مسلم كتاب الجنة ح 42 ص (2189) عن نافع عن ابن عمر.
(5) صحيح مسلم كتاب الدعاء ح 99 ص (2098).
وأخرجه الترمذي وابن ماجة كلاهما في الفتن وأخرجه الامام أحمد في المسند 3 / 22 شرح المفردات - خضرة: يحتمل أن المراد بها شيئان: أحدهما حسنة للنفوس ونضارتها ولذتها - والثاني سرعة فنائها كالشئ الاخضر.
- اتقوا الدنيا: أي اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء.
(6) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء ح 97 ص 4 / 2097 عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله.
(7) أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزهد ح (6) ص 4 / 2274 والبخاري في أول الجزية.
والترمذي في القيامة وابن ماجة في الفتن، والامام أحمد في المسند 4 / 137.
فأتركها (1) * وفي الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفتح اليمن فيأتي قوم يبثون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (2) * كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون وقد أسنده الحافظ ابن عساكر من حديث مالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وأبو معاوية ومالك بن سعد بن الحسن وأبو ضمرة أنس بن عياض وعبد العزيز بن أبي حازم وسلمة بن دينار وجرير بن عبد الحميد * ورواه أحمد عن يونس عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة * وعبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام، ومن حديث مالك بن هشام به بنحوه * ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر: أخبرني يزيد بن خصيفة أن بسر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين (3) يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة وفيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد - يعني المدينة - فيعجبهم ربعهم ورخاؤه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتي قوم يثبون (4) فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون * وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل، ورواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وكذا حديث ابن حوالة ويشهد لذلك: منعت الشام مدها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم (5) * وهو في الصحيح، وكذا حديث: المواقيت لاهل الشام واليمن، وهو في الصحيحين وعند مسلم: ميقات أهل العراق، ويشهد لذلك أيضا حديث: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل * وفي صحيح البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: اعدد ستا بين يدي
الساعة، فذكر موته عليه السلام، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان - وهو الوباء - ثم كثرة المال،
__________
(1) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة.
ومسلم في اللباس باب (7) ح 39.
(2) أخرجه البخاري في فضائل المدينة - باب (5) من رغب عن المدينة.
ومسلم في الحج (90) باب حديث 496.
وأخرجه الامام أحمد في مسنده: 5 / 220.
- يبثون: وفي رواية أحمد: يبسون بالسين أي يسوقون دوابهم سوقا لينا.
(3) في مسند أحمد 5 / 220: الليثيين.
(4) في المسند: يبسون.
(5) أخرجه مسلم في الصحيح عن عبيد بن يعيش في الفتن باب (Cool ح 33 ص 4 / 2220.
شرح المفردات: - قفيزها: القفيز مكيال معروف لاهل العراق وهو ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف.
- مديها: مكيال معروف لاهل الشام يسع خمسة عشر مكوكا.
- الاردب: مكيال معروف بمصر يسع أربعة وعشرين صاعا.
ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين والروم، وسيأتي الحديث فيما بعد (1) * وفي صحيح مسلم: من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فأخرج منها.
قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها (2) - يعني ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي * وروى ابن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما * رواه البيهقي من حديث إسحاق بن راشد (3) عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه * وحكى أحمد بن حنبل (4) عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ذمة ورحما، فقال: من الناس من قال: إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم قلت: الصحيح الذي لا شك فيه أنهما
قبطيتان كما قدمنا ذلك، ومعنى قوله: ذمة، يعني بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة، والله تعالى أعلم * وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وإنتشار الامن، وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد، وفي الحديث أن عديا شهد الفتح ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، من كثرة المال حتى لا يقبله أحد * قال البيهقي: وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز (5)، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال، فأنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزيز، ويكسر الصليب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد والله تعالى أعلم * وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الابيض، قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض، الحديث بمعناه (6) * وتقدم حديث
__________
(1) أخرجه البخاري عن الحميدي عن الوليد بن مسلم في الجزية فتح الباري 6 / 277.
(2) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة.
باب (56) ص 1970.
(3) في الدلائل للبيهقي: أسد، والصواب ما أثبتناه فهو اسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان ثقة، في حديث عن الزهري بعض الوهم، من السابعة مات في خلافة أبي جعفر (التقريب 1 / 57 / 393 وانظر الدلائل 6 / 322).
(4) مسند أحمد ج 5 / 174.
(5) انظر دلائل البيهقي 6 / 323.
(6) راجع نص الحديث كما أخرجه مسلم في كتاب الامارة ص (3 / 1454).
عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعا: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك
كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل * أخرجاه، وقال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، ولا يبقى فيها ملكه على الروم، لقوله عليه السلام، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فزال بالكلية، لقوله: مزق الله ملكه (1)، وقد روى أبو داود: عن محمد بن عبيد، عن حماد عن يونس، عن الحسن أن عمر بن الخطاب - وروينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - لما جئ بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال: قل الحمد لله الذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابي من البادية، قال الشافعي: إنما ألبسه ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: كأني بك وقد لبست سواري كسرى، والله أعلم (2) * وقال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها، فقام رجل فقال: يا رسول الله هب لي ابنته نفيلة (3)، قال: هي لك، فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها ؟ قال: نعم، قال: فبكم ؟ أحكم ما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لاخذها، فقال: وهل عدد أكثر من ألف ؟ * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية، عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الايادي حدثه قال: نزل علي عبد الله بن حوالة الازدي فقال لي: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللهم لا تكلهم إلي فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام والروم وفارس، أو الروم وفارس، وحتى يكون لاحدكم من الابل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يعطي أحدكم مائة دينار فيسخطها، ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال: يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الارض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والامور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك (4) * ورواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح * وقال أحمد: حدثنا حيوة بن
شريح، ويزيد بن عبد ربه قالا: ثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي قتيلة (5) عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيصير الامر إلى أن تكون جنود مجندة،
__________
(1) دلائل البيهقي 6 / 325.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 325.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 326: وفيه ذكر اسم ابنته بقيلة.
(4) مسند الامام أحمد ج 5 / 288.
(5) أبو قتيلة، وفي نسخ البداية المطبوعة أبو قيلة تحريف.
وهو الشرعبي واسمه مرثد.
جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، فقال ابن حوالة، خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنه خيرة الله من أرضه يجئ إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسعوا من غدره.
فإن الله تكفل لي بالشام وأهله (1) * وهكذا رواه أبو داود عن حيوة بن شريح به.
وقد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد وعلي بن عياش كلاهما عن حريز بن عثمان، عن سليمان بن شمير، عن عبد الله بن حوالة، فذكر نحوه، ورواه الوليد بن مسلم الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، وربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عبد الله بن حوالة به * وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة - نصر بن علقمة - يروي (2) الحديث إلى جبير بن نفير.
قال: قال عبد الله بن حوالة: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه العري والفقر، وقلة الشئ، فقال: أبشروا فو الله لانا بكثرة الشئ أخوفني عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الامر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام، أو قال: أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، وحتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون ؟ قال: والله ليفتحها الله عليكم، وليستخلفنكم فيها حتى تطل
العصابة البيض منهم، قمصهم الملحمية.
أقباؤهم قياما على الرويحل، الاسود منكم المحلوق ما أمرهم من شئ فعلوه، وذكر الحديث (3)، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي (4) يقول: فعرف أصحاب رسول الله نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي (5)، وكان على الاعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيهم * وقال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط النجيبي عن عبد الله بن حوالة الازدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ماذا يا رسول الله ؟ قال: موتي، ومن قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه، والدجال (6) * وقال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل
__________
(1) رواه الامام أحمد من طرق في مسنده 4 / 110 و 5 / 33 و 34، 288 وأبو داود في الجهاد ج (3 / 4).
(2) في البيهقي: يرد.
(3) رواه الامام أحمد في مسنده 4 / 110 و 5 / 33 وأخرجه أبو داود في الجهاد ح 2483 والبيهقي في الدلائل 6 / 327.
(4) في البيهقي: جبير.
(5) ذكره ابن حجر في الاصابة 1 / 234.
(6) مسند أحمد ج 4 / 110 و 5 / 33، 288.
دومة، وهو عنده كاتب يملي عليه، فقال: ألا نكتبك يا ابن حوالة ؟ قلت: فيم يا رسول الله ؟ فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة ؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة ؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله ؟ فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت: لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أنكبتك يا ابن
حوالة ؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الارض كأنها صياصي نفر (1) ؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الاولى منها انتفاجة أرنب ؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: ورجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: هذا ؟ قال: نعم، قال: فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه (2) * وثبت في صحيح مسلم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه * وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، صلوات الله وسلامه عليه * وقد اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام: منعت العراق الخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجحه البيهقي (3)، وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم: إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء (4) * ويؤيد هذا القول ما رواه الامام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجئ إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك ؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجئ إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين ذلك ؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، لا يعده عدا، قال الجريري: فقلت لابي نضرة وأبي
__________
(1) في المسند: بقر.
(2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 109.
(3) انظر دلائل النبوة ج 6 / 330.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الايمان ح 148 ص 1 / 131.
العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز ؟ فقالا: لا (1) * وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبدي عن جابر كما تقدم، والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه * وثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المدينة ذا الخليفة، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل اليمن يلملم، وفي صحيح مسلم عن جابر: ولاهل العراق ذات عرق، فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق، صلوات الله وسلامه عليه * وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام (2) من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم ؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم (3) * وثبت في الصحيحين: من حديث ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة * (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) * [ الجمعة: 3 ] فقال رجل: من هؤلاء يا رسول الله ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء (4)، وهكذا وقع كما أخبر به عليه السلام * وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن بشر (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه إسم الله عز وجل * وروى الامام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد: من حديث
أوس بن عبد الله بن بريدة: عن أخيه سهل، عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعا: ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء (6) * وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 317 ومسلم في الفتن ج 4 / 2234.
(2) فئام: جماعة من الناس.
(3) أخرجه البخاري في الجهاد: باب (76).
ومسلم في فضائل الصحابة باب (52) ح (208) ص (1962).
والترمذي في أول فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله والامام أحمد في مسنده 3 / 7.
(4) أخرجه البخاري في تفسير سورة الجمعة، ومسلم في فضائل الصحابة ح 231 ص 1972.
وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الجمعة.
(5) في البيهقي: محمد بن عبد الرحمن بن عرق عن عبد الله بن بسر.
روى الحديث البيهقي في الدلائل 6 / 334 وابن ماجة مختصرا في الاطعمة: حديث (3263).
(6) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 332 والامام أحمد في مسنده ج 5 / 357 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 64
يجعله موضوعا، فالله أعلم * وقد تقدم حديث أبي هريرة، من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقع أيضا * وفي صحيح البخاري من حديث شعبة، عن فرات القزاز، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الانبياء: كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: فوا ببيعة الاول فالاول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم (1) * وفي صحيح مسلم من حديث أبي رافع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويعملون ما ينكرون (2) * وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن سهيل (3) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون بعد الانبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عباد الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الاموال، فمغير بيده، ومغير بلسانه، وليس وراء ذلك من الايمان شئ * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله بدأ هذا الامر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الامة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله عز وجل، وهذا كله واقع (4) * وفي الحديث الذي رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي - وحسنه - والنسائي من حديث سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا * وفي رواية: ثم يؤتي ملكه من يشاء (5)، وهكذا وقع سواء، فأن أبا بكر رضي الله عنه كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان إثنتا عشرة سنة إلا إثنا عشر يوما، وكانت خلافة علي بن أبي طالب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:49 am

__________
= وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والاوسط بنحوه، وفي اسناد أحمد والاوسط: أوس بن عبد الله، وفي اسناد الكبير حسام بن مصك مجمع على ضعفهما.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الانبياء، باب (50) ومسلم في الامارة، باب (10) ص 3 / 1471.
وأخرجه ابن ماجة في الجهاد.
والامام أحمد في المسند 2 / 297.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه في الايمان 1 / 70 وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 458، 461.
(3) من دلائل البيهقي 6 / 340 وفي الاصل اسماعيل تحريف.
وهو سهيل، ذكوان السمان، أبو يزيد المدني صدوق روى له البخاري، من السادسة، مات في خلافة المنصور (تقريب 1 / 338).
(4) رواه البيهقي في الدلائل عن أبي داود، 6 / 340.
(5) أخرجه أبو داود في السنة ح (4646) والامام أحمد في المسند 5 / 44 والترمذي في الفتن 4 / 503 ونقله البيهقي في الدلائل 6 / 341
خمس سنين إلا شهرين، قلت: وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه وتفصيله * وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن فضيل، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة (1) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فقال معاوية: رضينا بالملك (2) * وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام، في إنكار خلافة علي بن أبي طالب، فإن قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا وبين حديث جابر بن سمرة المتقدم في صحيح مسلم: لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس إثنا عشر خليفة كلهم من قريش ؟ فالجواب: إن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائما حتى ولي إثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود إثني عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون، فيهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الاموي رضي الله عنه، وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين، غير واحد من الائمة، حتى قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامرا، فإن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض * وقد تقدم في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك وأكتب كتابا لئلا يقول قائل، أو يتمنى متمن، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (3) * وهكذا وقع، فإن الله ولاه وبايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم * وفي صحيح البخاري: أن امرأة قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك ؟ - كأنها تعرض بالموت -
فقال: إن لم تجديني فأت أبا بكر * وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا (4)، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن (5)، قال الشافعي رحمه
__________
(1) في دلائل البيهقي 6 / 342 زاد: عن أبيه.
(2) رواه أبو داود في السنة 4 / 211 والترمذي في الفتن 4 / 503 والامام أحمد في المسند 4 / 273.
(3) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (1) باب ح (11) ص (1857).
(4) الذنوب: الدلو المملؤة.
والغرب: الدلو العظيمة.
(5) ضرب الناس بعطن: أي أرووا إبلهم ثم أووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح.
الله: رؤيا الانبياء وحي، وقوله: وفي نزعه ضعف، قصر مدته، وعجلة موته، وإشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته، قلت: وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان: من حديث ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي: حسن، وأخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبي ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول الله، ثم يد أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله عليه السلام: هذه خلافة النبوة * وفي الصحيح عن أبي موسى قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا فدلى رجليه في القف فقلت: لاكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال: افتح، فقلت: من أنت ؟ قال: أبو بكر، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: الله المستعان (1) * وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة عن أنس قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: اثبت، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان (2) * وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن حراء ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اثبت ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان، قال معمر: قد سمعت قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله (3)، وقد روى مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد (4) * وهذا من دلائل النبوة، فإن هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، واختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مراتب الرسالة والنبوة، واختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية * وقد ثبت في الصحيح
__________
= والحديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح 3676 وحديث 3682 عن ابن عمر.
ومسلم في فضائل الصحابة ح (17) ص (1860).
والترمذي في الرؤيا ح (2289) والامام أحمد في المسند 2 / 28، 29 و 5 / 455.
(1) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله باب (5) ومسلم في فضائل الصحابة باب (3).
(2) فتح الباري 7 / 22، 42، 53 وفي الترمذي كتاب المناقب ح 3697 وفي سنن أبي داود ح 4651 وفي مسند الامام أحمد 5 / 231، 346.
(3) أخرجه أبو داود في السنة جزء من حديث (4648) والترمذي في المناقب ح 3757 وقال: حديث حسن صحيح.
(4) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة ص 1880.
الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وثلثمائة، وقيل: وخمسمائة، وكلهم استمر على السداد والاستقامة حتى مات رضي الله عنهم أجمعين * وثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم
اليمامة * وفي الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، تضئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة بن محصن الاسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أجعله منهم، ثم قام رجل من الانصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة (1) * وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تفيد القطع، وسنورده في باب صفة الجنة، وسنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الاسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا رضي الله عنه، ثم رجع طلحة الاسدي عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى الله، وقدم على أبي بكر الصديق واعتمر وحسن إسلامه * وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما، فأوحى إلي في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة * وقد تقدم في الوفود أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه وجعل يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: والله لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لاراك الذي أريت فيه ما أريت * وهكذا وقع، عقره الله وأهانه وكسره وغلبه يوم اليمامة، كما قتل الاسود العنسي بصنعاء، على ما سنورده إن شاء الله تعالى * وروى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيلمة فقال له مسيلمة: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بالله وبرسله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا رجل أخر لهلكة قومه (2) * وقد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الامر بعدك، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
وقد جعل الله العاقبة لمحمد وأصحابه، لانهم هم المتقون وهم العادلون
المؤمنون، لا من عداهم * وقد وردت الاحاديث المروية من طرق عنه صلى الله عليه وسلم في الاخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين الله أفواجا، وعذب
__________
(1) عكاشة قتل في بزاخة في خلافة أبي بكر، وقتله أحد المرتدين.
وانظر الحديث في الفتح 11 / 405 ومسلم في الايمان 1 / 197.
(2) دلائل النبوة ج 6 / 359.
ماء الايمان كما كان بعد ما صار أجاجا، وقد قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين) * الآية، قال المفسرون: هم أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم * وثبت في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة في قصة مسارة النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وإخباره إياها بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضني العام مرتين، وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فبكت، ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهله لحوقا به (1) * وكان كما أخبر، قال البيهقي: واختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: شهران، وقيل: ثلاثة، وقيل: ستة، وقيل: ثمانية، قال: وأصح الروايات رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: مكثت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر * وأخرجاه في الصحيحين (2).
ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره (صلى الله عليه وسلم) عن الغيوب المستقبلة فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إنه قد كان في الامم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب * (3) وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن موسى، أنا أبو إسرائيل - كوفي - عن الوليد بن العيزار، عن عمر بن ميمون عن علي رضي الله عنه.
قال: ما كنا ننكر ونحن متوافرون أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، أن السكينة تنطق على لسان عمر، قال البيهقي: تابعه زر بن حبيش والشعبي عن علي * (4) وقال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة عن
قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك * (5) وقد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشياء كثيرة، ومن مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات كقصة سارية بن زنيم، وما شاكلها ولله الحمد والمنة * ومن ذلك ما رواه البخاري: من حديث فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها أن نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) اجتمعن عنده فقلن يوما: يا رسول الله أيتنا أسرع بك لحوقا ؟ فقال: أطولكن يدا، وكانت سودة أطولنا ذراعا، فكانت أسرعنا به لحوقا * (6) هكذا وقع في الصحيحين عند
__________
(1) أخرجه البخاري في الاستئذان.
باب (43) ومسلم في فضائل الصحابة ص (1905) وأخرج مثله الامام أحمد في مسنده 6 / 282 وابن سعد في الطبقات 2 / 247.
(2) أخرجه البخاري في المغازي باب (38) من حديث طويل.
ومسلم في الجهاد ح (52) ص (1380).
(3) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح 3689 فتح الباري 7 / 42 ومسلم في فضائل الصحابة ح (23) ص (1864).
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 369.
(5) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 370.
(6) أخرجه البخاري في الزكاة فتح الباري 3 / 285.
وعلق ابن الجوزي على قول البخاري قال: هذا الحديث =
البخاري أنها سودة، وقد رواه يونس بن بكير عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي فذكر الحديث مرسلا وقال: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة، والذي رواه مسلم عن محمود بن غيلان عن الفضل بن موسى، عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فذكرت الحديث وفيه: فكانت زينب أطولنا يدا، لانها كانت تعمل بيدها وتصدق، وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) وفاة * قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب، قلت: وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا، قاله ابن أبي خيثمة * ومن
ذلك ما رواه مسلم من حديث أسيد بن جابر، عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني، وإخباره عليه السلام عنه بأنه خير التابعين وأنه كان به برص فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده، وأنه بار بأمه وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له، وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء * وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولله الحمد والمنة * ومن ذلك ما رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، حدثني جرير بن عبد الله وعبد الرحمن بن خلاد الانصاري، عن أم ورقة بنت نوفل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني بالشهادة، فقال لها: قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة، فكانت تسمى الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها، وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها في قطيفة لها حتى مات وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، وكانا أول مصلوبين بالمدينة * (1) وقد رواه البيهقي من حديث أبي نعيم: ثنا الوليد بن جميع، حدثني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، فذكر الحديث وفي آخره فقال عمر: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة * (2) ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك في
__________
= غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق.
وكان الطيبي أكثر تساهلا في تبريره للبخاري قوله قال: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، وكانت سودة أولهن موتا.
وقال محي الدين: أجمع أهل السير والتاريخ على أن زينب أول من مات من أزواجه.
(1) رواه البيهقي في الدلائل عن أبي داود ج 6 / 382، وأخرجه ابن السكن وابن منده وأبو نعيم على ما في الاصابة (4 / 505).
(2) دلائل النبوة 6 / 381 وأخرجه الامام أحمد في مسنده 6 / 405.
حديثه عنه في الآيات الست بعد موته وفيه: ثم موتان بأحدكم كقصاص الغنم (1)، وهذا قد وقع في أيام عشر، وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وأبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو جندل سهل بن عمر وأبوه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنهم أجمعين * وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا النهاس بن قهم، ثنا شداد أبو عمار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ست من أشراط الساعة، موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقصاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغزو الروم فيسيرون إليه بثمانين نبدا تحت كل نبد اثنا عشر ألفا * (2) وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة فقام عمرو بن العاص فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه، فقام شرحبيل بن حسنة فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبكم، وإني والله لقد أسلمت وصليت، وإن عمرا لاضل من بعير أهله، وإنما هو بلاء أنزله الله عز وجل، فاصبروا، فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل.
يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكي به أموالكم (3)، اللهم إن كنت تعلم أني قد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الاوفى ولا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول: اللهم بارك فيها، فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: * (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) * [ البقرة:
147 ] فقال * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * * (4) وثبت في الصحيحين: من حديث الاعمس وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة ؟ قلت: أنا، قال هات، إنك لجرئ، فقلت: ذكر
__________
(1) قعاص الغنم: بضم العين المهملة: هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شئ تموت فجأة.
قال أبو عبيد: ومنه أخذ الاقعاص وهو الفتل مكانه.
وقال ابن فارس: العقاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق.
والحديث أخرجه البخاري في الجزية.
فتح الباري 6 / 277 وابن ماجة في الفتن ح 4042 وبعضه في الادب في سنن أبي داود.
(2) رواه أحمد في المسند ج 5 / 228.
(3) أخرجه أحمد في المسند ج 4 / 195 - 196.
(4) سورة الصافات الآية 102.
والحديث رواه البيهقي في الدلائل 6 / 385.
فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والامر بالمعروف والنهي المنكر، فقال: ليس هذا أعني إنما أعني التي تموج موج البحر، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: ويحك، يفتح الله أم يكسر ؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب ؟ قال: نعم، وإني حدثته حديثا ليس بالاغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال من بالباب ؟ قال: عمر (1)، وهكذا وقع من بعد مقتل عمر، وقعت الفتن في الناس، وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما * وقد قال يعلى بن عبيد، عن الاعمش، عن سفيان، عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند، فقال رجل من تحته: اصبر أيها الامير، فإن الفتن قد ظهرت، فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا، وإنما ذاك بعده * (2) وقد روى الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه
قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال: أجديد ثوبك أم غسيل ؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا، وأظنه قال: ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة * (3) وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق به، ثم قال النسائي، هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، وقد روي عن الزهري من وجه آخر مرسلا، قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، وما أحسبه بالصحيح، والله أعلم * قلت: رجال إسناده وإتصاله على شرط الصحيحين وقد قيل الشيخان، تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من طريق جابر الجعفي - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله سواء، وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث فإنه رضي الله عنه قتل شهيدا وهو قائم يصلي الفجر في محرابه من المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام * وقد تقدم حديث أبي ذر في تسبيح الحصا في يد أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وقوله عليه السلام: هذه خلافة النبوة * وقال نعيم بن حماد: ثنا عبد الله بن المبارك، أنا خرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء يكونون خلفاء بعدى * وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة قوله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتي، وقتل خليفة مصطبر، والدجال، وفي حديثه الآخر، الامر بإتباع عثمان عند وقع الفتنة * وثبت في الصحيحين من
__________
(1) أخرجه البخاري في الفتن.
باب (4).
ومسلم في الفتن.
باب (7).
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 387 وفيه: حدثنا الاعمش عن شقيق عن عروة بن قيس.
(3) أخرجه أحمد في المسند ج 2 / 89.
حديث سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى قال: توضأت في بيتي، ثم خرجت فقلت: لاكونن اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت المسجد فسألت عنه
فقالوا: خرج وتوجه ههنا، فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس - وما بها من جريد - فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حاجته وجلس، فجئته فسلمت عليه فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه، فرجعت إلى الباب وقلت: لاكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أنشب أن دق الباب فقلت: من هذا ؟ قال: أبو بكر، قلت: على رسلك، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن لي وبشره بالجنة، قال: فخرجت مسرعا حتى قلت لابي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في القف على يمينه ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ وقد كان قال لي: أنا على إثرك، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: من هذا ؟ قال: عمر، قلت: على رسلك، قال: وجئت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فجئت وأذنت له وقلت له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره، وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، قال: ثم رجعت فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، يريد أخاه، فإذا تحريك الباب، فقلت: من هذا ؟ قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، وذهبت إلى رسول الله فقلت: هذا عثمان يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك، فدخل وهو يقول: الله المستعان، فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، قال سعيد بن المسيب، فأولتها قبورهم (1)، اجتمعت وانفرد عثمان * وقد روى البيهقي من حديث عبد الاعلى بن أبي المساور، عن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن عبد الرحمن بن بجير، عن زيد بن أرقم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتي الثنية فتلقى
عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل: إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع، فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام.
ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلا منهم كما
__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة (5) باب.
وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة.
باب (3).
- بئر أريس: بستان بالمدينة معروف، وهو بالقرب من قباء.
- القف: هو الداكة التي تجعل حول البئر، وأصله ما غلظ من الارض وارتفع والجمع قفاف.
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلا منهم يقول: أين رسول الله ؟ فيقول: في مكان كذا وكذا، فيذهب إليه، وأن عثمان لما رجع قال: يا رسول الله وأي بلاء يصيبني ؟ والذي بعثك بالحق ما تغيب ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك فأي بلاء يصيبني ؟ فقال: هو ذاك ثم قال البيهقي: عبد الاعلى ضعيف، فإن كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم زيد بن أرقم فجاء وأبو موسى الاشعري جالس على الباب كما تقدم (1) * وهذا البلاء الذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الامصار بلا علم، فوقع ما سنذكره في دولته إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى إضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما، لا يصلى عليه ولا يلتفت إليه، حتى غسل بعد ذلك وصلى عليه ودفن بحش كوكب - بستان في طريق البقيع - رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبة ومثواه * كما قال الامام أحمد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل عن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي بعض أصحابي، قلت: أبو بكر ؟ قال: لا، قلت: عمر ؟ قال: لا، قلت: ابن عمك علي ؟ قال: لا، قلت: عثمان ؟ قال: نعم، فلما جاء عثمان قال: تنحى، فجعل يساره ولون عثمان يتغير، قال أبو سهلة: فلما كان يوم الدار وحضر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل ؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه (2) * تفرد به أحمد، ثم قد رواه أحمد عن وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عائشة فذكر
مثله، وأخرجه ابن ماجه من حديث وكيع * وقال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم: حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بين يديه يناجيه، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان: ظلما وعدوانا يا رسول الله ؟ فما دريت ما هو حتى قتل عثمان، فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عنى قتله، قالت عائشة: وما أحببت أن يصل إلى عثمان شئ إلا وصل إلي مثله غيره إن شاء الله علم أني لم أحب قتله، ولو أحببت قتله لقتلت، وذلك لما رمى هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب (3) عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم (4) * وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا علي بن محمد المصري، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 389 - 391.
(2) أخرجه الامام أحمد في مسنده.
(3) في رواية البيهقي: عن المطلب عن حذيفة، وقال البيهقي: هكذا قال أبو داود.
(4) أخرجه الترمذي في الفتن.
باب (9) ح (2170) وأخرجه ابن ماجة في الفتن ح (4043) والامام أحمد في المسند 5 / 389.
أبي هلال، عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفي الاصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون فيكم اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصديق، لا يلبث خلفي إلا قليلا، وصحاب رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا، فقال رجل: ومن هو يا رسول الله ؟ قال: عمر بن الخطاب، ثم التفت إلى عثمان فقال: وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله، والذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (1) * ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة: حدثني جدي أبو أمي،
أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة وإختلافا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله ؟ أو ما تأمرنا ؟ فقال: عليكم بالامين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك (2) * وقد رواه الامام أحمد عن عفان، عن وهيب عن موسى بن عقبة به، وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة والله أعلم * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية، عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من قد هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما (3)، قال: قلت: أمما مضى أو مما بقي ؟ * ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الانباري عن عبد الرحمن بن مهدي به، ثم رواه أحمد عن إسحاق، وحجاج عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رحى الاسلام ستزول لخمس وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن تهلك فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال.
قال عمر: يا رسول الله أبما مضى أو بما بقى ؟ قال: بل بما بقى * وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن منصور به، فقال له عمر فذكره، قال البيهقي: وقد تابع إسرائيل الاعمش وسفيان الثوري عن منصور، قال: وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي، وأراد بالسبعين ملك بني أمية، فإنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه، نحوا من سبعين سنة (4) * قلت: ثم انطوت هذه الحروب أيام صفين، وقاتل علي الخوارج في أثناء ذلك، كما تقدم الحديث المتفق
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 392 - 393.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 393 ورواه الامام أحمد في المسند 2 / 345.
(3) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 390، 393، 395، 451 ورواه أبو داود في أول كتاب الفتن.
ورواه
الحاكم في المستدرك 4 / 521 وقال: " صحيح الاسناد ولم يخرجاه " وافقه الذهبي.
(4) انظر الدلائل للبيهقي ج 6 / 394.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:51 am

على صحته، في الاخبار بذلك، وفي صفتهم وصفة الرجل المخدج فيهم * حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الاشتر، عن أبيه عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك ؟ فقلت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الارض ولا يد لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه، قال فلا تبكي وابشري، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليموتن رجل منك بفلاة من الارض يشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذب ولا كذبت (1) * تفرد به أحمد رحمه الله، وقد رواه البيهقي من حديث علي بن المديني، عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا، والحديث مشهور في موته رضي الله عنه بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، وكان في النفر الذين قدموا عليه [ وهو ] في السياق عبد الله بن مسعود وهو الذي صلى الله عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشر ليال ومات رضي الله عنه.
حديث آخر قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الاصم، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الاشعري عن أبي الدرداء.
قال: قلت: يا رسول الله بلغني أنك تقول: ليرتدن أقوام بعد إيمانهم، قال: أجل، ولست منهم.
قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان (2) * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا صفوان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله أبو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد الله عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني فرطكم على
الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فلا ألفين أنازع أحدكم، فأقول: إنه من أمتي، فيقال: هل تدري ما أحدثوا بعدك (3) ؟ قال أبو الدرداء: فتخوفت أن أكون منهم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إنك لست منهم، قال فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان، وقبل أن
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 5 / 155.
ورواه البيهقي في الدلائل مطولا ج 6 / 401.
(2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 403 وذكره الهيثمي في الزوائد 9 / 367 وقال: " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الاشعري، وهو ثقة ".
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 403 والهيثمي في الزوائد 9 / 367 وقال: رواه الطبراني في الاواسط والبزار بنحوه ورجالهما ثقات.
تقع الفتن * قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله (1) مسلم بن مشكم (2) عن أبي الدرداء إلى قوله: لست منهم، قلت: قال سعيد بن عبد العزيز توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد: توفي سنة ثنتين وثلاثين، رضي الله عنه.
ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان وخلافة علي رضي الله عنهما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى ؟ إني لارى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر (3) * وروى الامام أحمد ومسلم من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إني لاعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما ذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئا أسره إلي لم يكن حدث به غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - وهو يحدث مجلسا أنا فيه - سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهن ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (4)، وهذا لفظ أحمد * قال البيهقي: مات حذيفة بعد الفتنة الاولى بقتل
عثمان، وقيل الفتنتين الآخرتين في أيام علي، قلت: قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما، وهو الذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الامة لبنا، ولكنه كان ضلالة فاحتلبت به الامة دما، وقال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص * وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال سفيان أربع نسوة، قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بأصبعه الابهام والتي تليها - قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث (5) * هكذا رواه الامام أحمد عن سفيان بن عيينة به،
__________
(1) في التقريب: أبو عبد الله.
(2) من الدلائل 6 / 404 وفي الاصل يشكر تحريف.
وهو أبو عبد الله الدمشقي الخزاعي كاتب أبي الدرداء ثقة مقرئ من كبار الثالثة (التقريب 2 / 247 / 1104).
(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب (Cool.
ومسلم في الفتن.
باب (3).
(4) أخرجه مسلم في الفتن ح (22) ص (4 / 2216).
(5) أخرجه البخاري في الانبياء، باب (7).
ومسلم في الفتن باب (1) ح (1) ص (4 / 2207) وأخرجه الامام أحمد في مسنده ج 6 / 428.
وكذلك رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعد بن عمرو والاشعثي وزهير بن حرب وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء * ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد: كلهم عن سفيان بن عيينة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الترمذي: قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الاسناد أربع نسوة، قلت وقد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل ومسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن
زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الاسناد، وكذلك رواه عن الزهري شعيب وصالح بن كيسان وعقيل ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق، ويونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الاسناد حبيبة والله أعلم * فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الاسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات وبنتان وزوجتان وهذا عزيز جدا * ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره، ثم قال: وعن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن ؟ وماذا أنزل من الفتن ؟ ! * وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به * ورواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري وقال: حسن صحيح * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * [ الانفال: 25 ] قال: لقد تلوت هذه الآية زمنا وما أراني من أهلها، فأصبحنا من أهلها (1) * وهذا الاسناد ضعيف، ولكن روي من وجه آخر، فقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت أنسا قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة ؟ وما نشعر أنها تقع حيث وقعت * ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن مهدي، عن جرير بن حازم به، وقد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى * وقال أبو داود السجستاني في سننه: ثنا مسدد، ثنا أبو الاحوص - سلام بن سليم - عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة وعظم أمرها، فقلنا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا ؟ فقال: كلا إن بحسبكم القتل، قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا (2) * تفرد به أبو داود، وقال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد، أنا هشام عن محمد.
قال قال: حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 407.
(2) أخرجه أبو داود في الفتن باب ما يرجى في القتل ح (4277) ص (4 / 105).
لا تضرك الفتنة (1)، وهذا منقطع * وقال أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن أشعث بن أبي أشعث: سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبي ضبيعة سمعت حذيفة يقول: إني لاعرف رجلا لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الانصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين (2) * قال البيهقي: ورواه أبو داود - يعني السجستاني - عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به * وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبي بردة * عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه (3)، قال البخاري في التاريخ: هذا عندي أولى * وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي بردة قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا ؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة، فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك الله إنك من هذا الامر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون فتنة وفرقة وإختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله، فقد كان ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلت ما أمرني به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه فإذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرني به واتخذت هذا أرهب به الناس، تفرد به أحمد * وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا علي بن عيسى المدني، أنا أحمد بن بحرة القرشي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنا إبراهيم بن سعد، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال: يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المضلون ؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر، ثنا أبو الاشعث الصنعاني قال: بعثنا
يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى ؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فأكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك، فإن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع، فإن دخل عليك المخدع فاجثو على ركبتيك وقل: بؤ بأثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي (4) * هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الامام أحمد، ولكن وقع إبهام اسمه، وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابي آخر، فإن محمد بن مسلمة رضي الله عنه لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفي فيما بين
__________
(1) رواه أبو داود في السنة ح 4664 ص (4 / 216).
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 407 من طريق ابراهيم بن مرزوق البصري عن الطيالسي.
(3) انظر دلائل البيهقي 6 / 410 ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 433 وصححه.
ووافقه الذهبي.
(4) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 226.
الاربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين وقيل: ثلاث، وقيل، سبع وأربعين، ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف، فتعين أنه صحابي آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة * وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاري أن عليا أتى أهبان فقال: ما يمنعك أن تتبعنا ؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم: أن ستكون فرقة وفتنة وإختلاف، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك واقعد في بيتك واتخذ سيفا من خشب * وقد وراه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به، وزاد مؤمل في روايته بعد قوله: واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية * ورواه الامام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبيد الديلي عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به، قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد، كذا قال، وقد تقدم من غير طريقه * وقال
البخاري: ثنا عبد العزيز الاويسي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به (1) * وعن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الاسود، عن نوفل بن معاوية مثل حديث أبي هريرة هذا (2)، وقد روى مسلم حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، وكذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناده البخاري ولفظه، ثم قال البخاري: ثنا محمد بن كثير، أخبرني سفيان عن الاعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم (3) * ورواه مسلم من حديث الاعمش به * وقال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا سلمة (4) بن أبي بكرة عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة، ألا فالماشي فيها خير من الساعي إليها، والقاعد فيها خير من القائم فيها، ألا والمضطجع فيها خير من القاعد، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ألا ومن كانت له إبل فليلحق بإبله، فقال رجل من القوم: يا نبي الله جعلني الله فداك، أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع ؟
__________
(1) أخرجه البخاري في علامات النبوة فتح الباري 6 / 612 حديث 3601.
(2) المصدر السابق حديث 3602.
(3) المصدر السابق حديث 3603.
(4) أخرجه الامام أحمد في المسند 5 / 39، 48 وفيه مسلم بن أبي بكرة.
ومسلم في الفتن.
باب (3) ح (13) ص (2212) ورواه البيهقي في الدلائل 6 / 408 - 409.
قال: ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة، ثم ليدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع
النجاء، اللهم هل بلغت ؟ إذ قال رجل: يا رسول الله جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين ؟ - شك عثمان - فيحذفني رجل بسيفه فيقتلني، ماذا يكون من شأني ؟ قال: يبوء بأثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار * وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه، وهذا إخبار عن إقبال الفتن، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس قال: لما أقبلت عائشة - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بني عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا ؟ قالوا: ماء الحوأب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم: كيف باحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب (1) * ورواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم عن يزيد بن هارون عن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم به * ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب، فقال لها الزبير: ترجعين ؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (2) * وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه * وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى، عن عصام بن قدامة البجلي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل إلا دبب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير * ثم قال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد * وقال الطبراني: ثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا نوح بن دراج عن الاجلح بن عبد الله، عن زيد بن علي، عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال: لما بلغ أصحاب علي، حين ساروا إلى البصرة، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير، شق عليهم، ووقع في قلوبهم، فقال علي: والذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة، وليقتلن طلحة والزبير، وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، شك
الاجلح، قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت: لانظرن، فإن كان كما يقول فهو أمر سمعه، وإلا فهو خديعة الحرب، فلقيت رجلا من الجيش فسألته، فو الله ما عتم أن قال ما قال علي، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره * وقال البيهقي: أنا عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد (3)، ثنا أحمد بن نصر، ثنا أبو نعيم الفضل،
__________
(1) رواه الامام أحمد في المسند ج 6 / 52، 97، (2) المصدر السابق.
(3) الجنيد من الدلائل 6 / 411 وفي الاصل الحفيد،
ثنا عبد الجبار بن الورد، عن عمار الدهني (1) عن سالم بن أبي الجعد، عن أم سلمة قالت: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي وقال: يا علي إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها * وهذا حديث غريب جدا، وأغرب منه ما رواه البيهقي أيضا عن الحاكم، عن الاصم، عن محمد بن إسحاق الصنعاني، عن أبي نعيم، عن عبد الجبار بن العباس الشبامي (2) عن عطاء بن السائب، عن عمر بن الهجنع (3) عن أبي بكرة قال: قيل له ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على نصرتك يوم الجمل ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم هلكي لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة (4)، وهذا منكر جدا * والمحفوظ ما رواه البخاري من حديث الحسن البصري عن أبي بكرة قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبلغه أن فارس ملكوا عليهم امرأة كسرى - فقال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن الحكم، سمعت أبا وائل قال: لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (5) * ورواه البخاري عن بندار عن غندر، وهذا كله وقع في أيام الجمل، وقد ندمت عائشة رضي الله عنها ما كان من خروجها، على ما سنورده في موضعه، وكذلك الزبير بن العوام أيضا،
تذكر وهو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب، فرجع عن ذلك * قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة قال: لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال: أتحبه يا زبير ؟ فقال: وما يمنعني ؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له ؟ قال: فيرون أنه إنما ولى لذلك (6)، وهذا مرسل من هذا الوجه * وقد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر فقال: أنا أبو بكر - أحمد بن الحسن القاضي - ثنا أبو عمرو بن مطر، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، ثنا منجاب بن الحرث، ثنا عبد الله بن الاجلح، ثنا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه قال: وسمعت فضل بن فضالة يحدث أبي عن حرب بن أبي الاسود الدئلي عن أبيه، دخل
__________
(1) من الدلائل وفي الاصل الذهبي.
تحريف.
(2) من الدلائل، وقد ذكره العقيلي في الضعفاء، وورد في الميزان 2 / 533.
(3) الهجنع: من الدلائل وفي الاصل الهجيع تحريف.
وعمر بن الهجنع ذكره العقيلي في الضعفاء الكبير 3 / 196، وله ذكر في لسان الميزان 4 / 341.
(4) روى البيهقي الخبرين في الدلائل 6 / 411 و 412.
(5) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 265 والبخاري عن محمد بن بشار = بندار في فضائل الصحابة الحديث 3772 وأعاده في الفتن فتح الباري 13 / 53 عن عبد الله بن محمد.
(6) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 414 من طريق أحمد بن منصور الرمادي.
حديث أحدهما في حديث صاحبه، قال: لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، وخرج علي وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام، فأتى علي، فدعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا زبير ناشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان كذا وكذا فقال: يا زبير تحب عليا ؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني ؟ فقال: يا علي أتحبه ؟ فقلت: يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى
ديني ؟ فقال: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له، فقال الزبير: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير فقال: مالك ؟ فقال: ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته وهو يقول: لتقاتلنه وأنت ظالم له، فلا أقاتلنه، فقال وللقتال جئت ؟ إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح الله هذا الامر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: فاعتق غلامك جرجس (1) وقف حتى تصلح بين الناس، فأعتق غلامه ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه (2) * قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ؟ أنا الامام أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قطن بن بشير، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد الله بن محمد الرقاشي، ثنا جدي - وهو عبد الملك بن مسلم - عن أبي جرو (3) المازني، قال: سمعت عليا والزبير وعلي يقول له: ناشدتك الله يا زبير، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك تقاتلني وأنت لي ظالم ؟ قال: بلى ولكني نسيت * وهذا غريب كالسياق الذي قبله، وقد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال - وفيه ضعف - عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان، قلت: قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية علي (4) * وثبت في الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة (5) * ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان، عن شعيب عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة مثله * ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان عن شعيب، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة * وهاتان
__________
(1) من الدلائل، وفي الاصل خير تحريف.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 415.
(3) من الدلائل 6 / 415، وفي الاصل وجرة.
وأبو جرو بفتح الجيم وسكون الراء، والمازني.
مقبول من الثالثة (تقريب 2 / 405 / 10).
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 416، ونقله ابن حجر عن أبي يعلى في الاصابة 1 / 582، وقال: زيد بن
صوحان أدرك النبي صلى الله عليه وآله وله صحبة.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: لا أعلم له صحبة.
(5) أخرجه البخاري في علامات النبوة، وفي الفتن باب (25)، وفي المرتدين باب (Cool.
وأخرجه مسلم في الفتن ح (17).
وأحمد في المسند 2 / 313.
الفئتان هما أصحاب الجمل، وأصحاب صفين، فإنهما جميعا يدعون إلى الاسلام، وإنما يتنازعون في شئ من أمور الملك، ومراعاة المصالح العائد نفعها على الامة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمر وقال: كان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا (1)، ولكن كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار، تقتلك الفئة الباغية * ورواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقتل عمارا الفئة الباغية، وفي رواية: وقاتله في النار (2) * وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبوية، وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد: لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة، فليس له أصل يعتمد عليه، بل هو من إختلاق الروافض قبحهم الله * وقد روى البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: اشتكى عمار شكوى أرق منها، فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون ؟ أتخشون أن أموت على فراشي ؟ أخبرني حبيبي صلى الله عليه وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي في الدنيا مذقة لبن (3) * وقال الامام أحمد: حدثني وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، فشربها ثم تقدم فقتل * وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي
البختري، أن عمار بن ياسر أتي بشربة لبن فضحك وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: آخر شراب أشربه لبن حين أموت (4) * وروى البيهقي من حديث عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق (5) * ومعلوم أن عمارا كان في جيش علي يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام، وكان الذي تولى قتله رجل يقال له أبو الغادية، رجل من أفناد الناس، وقيل: إنه صحابي * وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر وغيره في أسماء الصحابة وهو أبو الغادية مسلم، وقيل: ؟ سار بن أزيهر الجهني من قضاعة، وقيل: مزني، وقيل: هما اثنان، سكن الشام ثم صار إلى
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 419.
(2) أخرجه مسلم في الفتن ح (72) و (73) ص (4 / 2236).
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 421.
(4) رواهما الامام أحمد في مسنده 4 / 319، والحاكم في المستدرك 3 / 389.
(5) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 422.
والحاكم في المستدرك 3 / 391 وصححه، ووافقه الذهبي.
واسط، روى له أحمد حديثا وله عند غيره آخر، قالوا: وهو قاتل عمار بن ياسر، وكان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك، وسنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين، وأخطأ من قال: كان بدريا * وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا العوام، حدثني [ أسود ] ابن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما لصاحبه نفسا فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية: ألا نح عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا، قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل (1) * وقال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الاعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحرث بن نوفل، قال: إني لاسير مع معاوية منصرفه من
صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو يا أبة، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا ؟ فقال معاوية: لا يزال يأتينا بهنة (3)، أو نحن قتلناه ؟ إنما قتلة من جاءوا به * ثم رواه أحمد عن أبي نعيم عن الثوري عن الاعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد فذكر مثله.
فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جدا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدمهم إلى سيوف الاعداء * وقال عبد الرزاق أنا ابن عيينة، أخبرني عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * [ الحج: 78 ] في آخر الزمام، كما جاهدتم في أوله ؟ فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: إذا كان بنو أمية الامراء وبنو المغيرة الوزراء (4) * ذكره البيهقي ههنا، وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما، فقال: [ باب ما جاء في ] (5) إخباره صلى الله عليه وسلم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 164، 206 - 3 / 22 - 4 / 197، 199 (2) رواه الامام أحمد في مسنده 2 / 161.
(3) في نسخ البداية المطبوعة: نهية.
تحريف.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 422.
(5) من دلائل البيهقي.
6 / 423.
قتيبة ابن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار (1) عن سويد بن غفلة قال: إني لامشي مع علي بشط الفرات فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل
اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا من اتبعهما * وإن هذه الامة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلا من اتبعهما * هكذا أورده ولم يبين شيئا من أمره، وهو حديث منكر جدا، وآفته من زكريا بن يحيى هذا - وهو الكندي الحميري الاعمى - قال يحيى بن معين: ليس بشئ، والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الاشعري، من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين، وحقن لدمائهم، وكذلك وقع ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الاميرين التحكيم، وخرجوا عليهما وكفروهما، حتى قاتلهم علي بن أبي طالب، وناظرهم ابن عباس، فرجع منهم شرذمة إلى الحق، واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الإثنين يوليو 07, 2014 7:53 am

إخباره صلى الله عليه وسلم عن الخوارج وقتالهم قال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل ؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ واشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته (2) * وهكذا رواه مسلم
__________
(1) من الدلائل 6 / 423 وفي الاصل بشار.
(2) أخرجه البخاري في علامات النبوة ح 3610 فتح الباري 6 / 617.
ومسلم في الزكاة ح 148 ص 2 / 744.
شرح المفردات: نصله: أي حديدة السهم.
رصافه: بكسر الراء.
عصبه الذي يكون فوق مدخل النصل.
والرصاف جمع واحدته رصفة.
نضيه: عود السهم قبل أن يراش وينصل.
وقيل هو ما بين الريش والنصل.
=
من حديث أبي سعيد * ورواه البخاري أيضا من حديث الاوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك عن أبي سعيد.
وأخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه، ومسلم عن هناد عن أبي الاحوص سلام بن سليم عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن أبي سعيد الخدري به * وقد روى مسلم في صحيحه من حديث داود بن أبي هند، والقاسم بن الفضل، وقتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق (1) * ورواه أيضا من حديث أبي إسحاق الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد مرفوعا.
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن مسهر، عن الشيباني، عن يسير بن عمر وقال: سألت سهل بن حنيف، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر هؤلاء الخوارج ؟ فقال: سمعته وأشار بيده نحو المشرق - وفي رواية نحو العراق - يخرج قوم يقرؤون القرآن بألستنهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، محلقة رؤوسهم (2) * وروى مسلم من حديث حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي در نحوه وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة * وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصي عن الاوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا، وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة * وفي الصحيحين من حديث الاعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة عن علي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الاسنان، سفهاء الاحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما
لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة (3) * وقد روى مسلم عن قتيبة، عن حماد، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة، عن علي في خبر مثدون اليد (4) وهو ذو الثدية * وأسنده من وجه آخر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي وفيه: أنه حلف عليا على ذلك فحلف له أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم * ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن زيد بن وهب عن علي بالقصة مطولة وفيه قصة ذي الثدية * ورواه من حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي، ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن زيد، عن حميد بن مرة، عن أبي الوضئ (5) والسحيمي عن علي في قصة ذي الثدية * ورواه
__________
= القذذ: جمع قذة وهي ريش السهم.
(1) أخرجه مسلم في الزكاة باب (47).
ح 150 و 151 و 153 ص 2 / 745 - 746.
(2) أخرجه مسلم في الزكاة باب (49) حديث 159 وحديث 160 وعن أبي ذر حديث 158 ص 2 / 750 وأخرجه أبو داود في كتاب السنة باب في قتال الخوارج ح 4765 ص 4 / 243.
(3) أخرجه البخاري في المناقب - علامات النبوة في الاسلام.
وأخرجه مسلم في الزكاة، باب (48) ح 154 و 155 ص 2 / 746 - 747.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: مؤذن الليل تحريف.
مثدون اليد: صغير اليد.
(5) في الدلائل أبو الوخي، وفي الاصل العرضي تحريف والصواب ما أثبتناه من التقريب وهو عباد بن نسيب مشهور =
الثوري عن محمد بن قيس، عن أبي موسى - رجل من قومه - عن علي بالقصة * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا الحميدي، ثنا سفيان حدثني العلاء بن أبي العباس أنه سمع أبا الطفيل يحدث: عن بكر بن قرقاش (1) عن سعيد بن أبي وقاص قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعي الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له: الاشهب، أو ابن الاشهب علامة في قوم ظلمة، قال سفيان، فأخبرني عمار الدهني أنه جاء به رجل منهم يقال له: الاشهب، أو ابن الاشهب * قال يعقوب بن سفيان: وحدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبي إسحاث
عن حامد الهمداني سمعت سعد بن مالك يقول: قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة - يعني المخدج - يريد والله أعلم قتلة أصحاب علي * وقال علي بن عياش، عن حبيب عن سلمة قال (2): لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عياش: جيش المروة قتلة عثمان (3) * رواه البيهقي، ثم قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الاصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، ولكن خاصف النعل - يعني عليا (4) - وقال يعقوب بن سفيان، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عمران بن جرير، عن لاحق قال: كان الذين خرجوا على علي بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط، وإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فإنه يشهد بذلك * قلت: الاخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، ووقوع ذلك في زمان علي معلوم ضرورة لاهل العلم قاطبة، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك، ورجوع كثير منهم إليه، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
إخباره صلى الله عليه وسلم بمقتل علي بن أبي طالب فكان كما اخبر قال الامام أحمد: ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي، عن محمد بن كعب [ القرظي عن محمد ] (5) بن خيثم عن
__________
= بكنيته، ويقال اسمه عبد الله ثقة من الثالثة (تقريب التهذيب 1 / 394).
(1) في دلائل البيهقي: قرواش.
(2) في البيهقي 6 / 434: قال: قال علي: (3) خبر يعقوب بن سفيان رواه من وجوهه البيهقي في الدلائل 6 / 433 - 434.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 436.
(5) من مسند الامام أحمد 4 / 263.
عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي - حين ولي غزوة العثيرة -: يا ابا تراب - لما يرى عليه من التراب - ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى يبل هذه - يعني لحيته - * وروى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن الحسن بن مكرم عن أبي النضر، عن محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الانصاري - وكان أبوه من أهل بدر - قال: خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب في مرض أصابه فثقل منه، قال: فقال أبي ما يقيمك بمنزلك هذا ؟ فلو أصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة، تحملك إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن لا أموت حتى تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه - يعني هامته - فقتل وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين (1) * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له: اتق الله فأنك ميت، فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود، وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى (2) * وقد روى البيهقي بأسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبي سنان المدركي عن علي في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وروى من حديث هشيم (3) عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الازدي عن علي قال: إن مما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الامة ستغدر بك بعدي، ثم ساقه من طريق قطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمامي قال: سمعت عليا يقول: إنه لعهد النبي الامي إلي، إن الامة ستغدر بك بعدي (4) * قال البخاري: ثعلبة هذا فيه نظر ولا يتابع على حديثه هذا، وروي البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي [ الجواب الاحوص بن جواب ] (5) عن عمار بن رزيق، عن الاعمش، عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال: قال علي: والذي فلق
الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، للحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها، فقال عبد الله بن سبيع: والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لاثرنا عشيرته (6)، فقال: أنشدك بالله أن لا تقتل بي غير قاتلي، قالوا يا أمير المؤمنين ألا تستخلف ؟ قال: ولكن أترككم كما ترككم
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 438، والحديث في مسند أحمد 1 / 102 واسناده صحيح.
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 136 عن البزار وأحمد، وأخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / 34.
(2) أخرجه أبو داود الطيالسي ونقله عنه البيهقي في الدلائل 6 / 439.
(3) في نسخ البداية المطبوعة هيثم تحريف.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 440.
(5) من الدلائل 6 / 439، وفي الاصل: أبي الاجوب الاحوص بن خباب: تحريف.
(6) في البيهقي: لابرنا عترته.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فما تقول لربك إذا تركتنا هملا ؟ قال: أقول: اللهم استخلفني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم، فأن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم * وهكذا روى البيهقي هذا، وهو موقوف، وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، ثم المشهور عن علي أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة، فبقي على يومين من طعنته، وحبس ابن ملجم، وأوصى علي إلي ابنه الحسن بن علي كم