aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:15 pm

هشام: القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف.
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر جميع ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله، قبل أن تفرض الصلاة.
قلت: يعني الصلوات الخمس ليلة الاسراء.
فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة رضي الله عنها كما سنبينه.
وقال ابن إسحاق: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به.
ثم أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وهو بأعلى مكة ] (1) حين افترضت عليه الصلاة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له عين من ماء زمزم (2)، فتوضأ جبريل ومحمد عليهما السلام، ثم صلى (3) ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه، وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا (4).
قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبين له أوقات الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيها ليلة الاسراء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله وبه الثقة، وعليه التكلان.
__________
(1) = أخرجاه عن هشام عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة مما كنت أسمع من ذكره لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب.
أخرجه البخاري في 63 كتاب المناقب 20 باب حديث 3817 وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 71، 72، 73.
والامام أحمد في مسنده 6 / 58، 202، 279).
(1) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة ومن دلائل البيهقي واستدركت من سيرة ابن هشام.
ج 1 / 263 من طريق يونس بن بكير.
(2) في دلائل البيهقي: مزن.
(3) في دلائل البيهقي: صليا.
وسجدا.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام بألفاظ وتعابير مختلفة، حافظت على سياق معنى ما أثبتناه.
وقال السهيلي: هذا الحديث مقطوع في السيرة، ومثله لا يكون أصلا في الاحكام الشرعية، ولكنه قد روي مسندا إلى زيد بن حارثة يرفعه، غير أن هذا الحديث المسند يدور على ابن لهيعة، وقد ضعفه ولم يخرجا عنه (البخاري ومسلم).
وقال السهيلي: " وذكر المزني أن الصلاة قبل الاسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها ويشهد لهذا القول قوله سبحانه (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم ابن عباس.

فصل أول من أسلم من متقدمي الاسلام والصحابة وغيرهم قال ابن إسحاق: ثم إن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان.
فقال علي يا محمد ما هذا ؟ قال دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته.
وأن تكفر باللات والعزى.
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب.
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره.
فقال له: يا علي إذا لم تسلم فاكتم.
فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الاسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فقال ماذا عرضت علي يا محمد ؟ فقال.
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر بالات والعزى، وتبرأ من الانداد " ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب وكتم علي إسلامه ولم يظهره، وأسلم ابن حارثة - يعني زيدا - فمكثا قريبا من شهر يختلف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مما أنعم الله به على علي أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام (1).
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد (2).
قال: وكان مما أنعم الله به على علي [ ومما صنع الله له، وأراده به من الخير ] أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس - وكان من أيسر بني هاشم - " يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة (3)، فانطلق [ بنا إليه ] حتى نخفف عنه من عياله "...فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه (4).
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني
__________
(1) نقل الخبر عن ابن اسحاق البيهقي في دلائله 2 / 161 وقال محققه في هامشه " في سيرة ابن هشام " ولم أجده في ابن هشام بنصه.
(2) وهو مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج المخزومي المقري مولى السائب بن أبي السائب روى عن علي وسعد بن أبي وقاص والعبادلة الاربعة.
مولده سنة 21 ه ووفاته سنة 104 ه.
وورد في دلائل البيهقي: مجاهد بن مجاهد بن جبر.
وهو خطأ.
وفي الطبري: مجاهد بن جبر أبي الحجاج (تهذيب التهديب - كاشف الذهبي ج 3).
(3) الازمة: الشدة.
هنا سنة القحط.
(4) الخبر في الطبري 2 / 213 دار القاموس - وسيرة ابن هشام 1 / 264.
وما بين معكوفين زيادة استدركت من الطبري وابن هشام.

يحيى بن أبي الاشعث الكندي - من أهل الكوفة - حدثني إسماعيل بن أبي إياس (1) بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف - وكان عفيف أخا الاشعث بن قيس لامه - أنه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال فبينا نحن [ عنده ] إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت [ معه ] تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه.
فقلت: يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله [ به ]، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه،
وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به.
قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا (2).
وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، وقال: في الحديث: إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي.
ثم ذكر قيام خديجة وراءه.
وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف [ عن عفيف ] قال: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فقلت يا عباس أمر عظيم ! فقال أمر عظيم.
فقال أتدري من هذا ؟ فقلت لا، فقال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، أتدري من الغلام ؟ قلت لا.
قال هذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلت لا، قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي.
وهذا حدثني أن ربك رب السماء والارض أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الارض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
وقال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن أبي الجعد (3) حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي.
قالوا: علي أول من أسلم.
قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين.
وحدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق.
قال: أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه علي بن
__________
(1) في الطبري والبيهقي بن إياس.
(2) في الطبري ودلائل البيهقي: ثالثا.
وهو مناسب أكثر، وفي رواية أخرى في الطبري: رابعا.
والخبر نقله الطبري في تاريخه 2 / 212 والبيهقي في دلائلة 2 / 163 وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير عن علي بن المديني، والحاكم في المستدرك وقال: " هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي.
ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني بأسانيده ورجال أحمد
ثقات 9 / 103.
وما بين معكوفتين في الحديث زيادة من الطبري.
(3) في الطبري: بن الجعد، بدل ابن أبي الجعد، وكلاهما صواب كما في تقريب التهذيب 1 / 339.

أبي طالب، وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام (1).
قال الواقدي أخبرنا إبراهيم عن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
قال: أسلم علي وهو ابن عشر سنين قال الواقدي: وأجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة (2).
وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الامة خديجة وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي، وأسلم علي قبل أبي بكر، وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه، حتى لقيه أبوه قال اسلمت ؟ قال: نعم ! قال وازر ابن عمك وانصره.
قال: وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الاسلام (3).
وروى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس.
قال: أول من صلى علي.
وحدثنا عبد الحميد بن يحيى (4) حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.
قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء وروى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة - رجل من الانصار - سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فأنكره.
وقال: أبو بكر أول من أسلم.
ثم قال: حدثنا عبيدالله بن موسى حدثنا العلاء بن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين وهكذا رواه ابن ماجه عن محمد بن إسماعيل الرازي عن عبيدالله بن موسى الفهمي - وهو شيعي من رجال الصحيح - عن العلاء بن صالح الازدي الكوفي - وثقوه، ولكن قال أبو حاتم: كان من عتق الشيعة - وقال علي بن المديني روى أحاديث مناكير والمنهال بن عمرو ثقة.
وأما شيخه عباد بن عبد الله - وهو الاسدي الكوفي - فقد قال فيه علي بن المديني هو ضعيف الحديث، وقال البخاري فيه نظر.
وذكره ابن حبان في الثقات، وهذا الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله علي رضي الله عنه، وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين ؟ هذا لا يتصور أصلا
والله أعلم.
وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الامة أبو بكر الصديق، والجمع بين الاقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء وظاهر السباقات - وقيل الرجال أيضا - وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب.
فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت.
وأول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما، ورئيسا في قريش
__________
(1) الخبر في الطبري 1 / 213 وسيرة ابن هشام 1 / 262.
(2) الطبري 2 / 214.
(3) نقل الخبر البيهقي في الدلائل 2 / 163.
(4) في الطبري: ابن بحر.
أبو بلج: بفتح أوله وسكون اللام بعدها جيم، الفزاري، الكوفي ثم الواسطي الكبير اسمه يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم أو ابن أبي الاسود، صدوق.
تقريب التهذيب 2 / 401.

مكرما، وصاحب مال، وداعية إلى الاسلام.
وكان محببا متألفا (1) يبذل المال في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله.
قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد ؟ من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى إني رسول الله ونبيه، بعثني لابلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته " وقرأ عليه القرآن، فلم يقر ولم ينكر.
فأسلم وكفر بالاصنام، وخلع الانداد وأقر بحق الاسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه (2) حين ذكرته، ولا تردد فيه " (3) عكم - أي تلبث - وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في
قوله فلم يقر ولم ينكر، منكر فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه، ما يمنعه من الكذب على الخلق.
فكيف يكذب على الله ؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له إن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم، ولا عكم وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناه في سيرته وأوردنا فضائله وشمائله واتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاحاديث، وما روي عنه من الآثار والاحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الخصومة وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق.
وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي " مرتين.
فما أوذي بعدها، وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن ابي سعيد.
قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا (4) ؟ وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال علي بن أبي طالب.
وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق.
رواه أحمد والترمذي والنسائي
__________
(1) في ابن هشام: مألفا، والمألف الذي يألفه الانسان.
(2) في دلائل البيهقي: عتم منه.
(3) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي 2 / 163 - 164 عن ابن اسحق، ولم أجد نص الحديث في سيرة ابن هشام، إنما الجزء الاخير منه، قال: وكان رسول الله يقول فيما بلغني.
(4) في جامع الترمذي 50 كتاب المناقب 16 باب ح 3667.

من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق
شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم علي بن أبي طالب.
قال عمرو بن مرة فذكرته لابراهيم النخعي فأنكره وقال أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وروى الواقدي بأسانيده عن أبي أروى الدوسي وأبي مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف أول من أسلم أبو بكر الصديق.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن رجل قال سئل ابن عباس من أول من آمن ؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فأذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أوفاها وأعدلها * بعد النبي وأولاها بما حملا والتالي الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا عاش حميدا لامر الله متبعا * بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال سألت ابن عباس - أو - سئل ابن عباس - أي الناس أول إسلاما ؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره وهكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره (1).
وقال أبو القاسم البغوي حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
قلت: وهكذا قال إبراهيم النخعي ومحمد بن كعب ومحمد بن سيرين وسعد بن إبراهيم وهو المشهور عن جمهور أهل السنة.
وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا: لم يكن أولهم إسلاما، ولكن كان أفضلهم إسلاما.
قال سعد: وقد آمن قبله خمسة.
وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر.
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر (2).
وروى الامام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود (3) قال: أول من أظهر الاسلام سبعة
__________
(1) نقل الخبر الطبري في تاريخه 2 / 214، وذكر الابيات ما عدا البيت الرابع ورواه الهيثمي في زوائده 9 / 43 وقال: رواه الطبراني وفيه الهيثم بن عدي وهو متروك (2) رواه البخاري في كتاب المناقب باب في فضل أبي بكر، وفي باب إسلام أبي بكر.
ورواه البيهقي في الدلائل من طريقين عن عمار 2 / 167.
(3) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من وجه فيه زيادة وبنفس الاسناد 3 / 384 وقال: صحيح الاسناد، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (11) باب في فضائل أصحاب

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد.
وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا.
فأما ما رواه ابن جرير قائلا: أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن حبلة (1) عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص.
قال: قلت لابي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما قال: لا ! ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما.
فإنه حديث منكر إسنادا ومتنا.
قال ابن جرير وقال آخرون: كان أول من أسلم زيد بن حارثة، ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب، سألت الزهري من أول من أسلم من النساء ؟ قال خديجة، قلت فمن الرجال ؟ قال زيد بن حارثة.
وكذا قال عروة وسليمان بن يسار وغير واحد أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة.
وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه بالجمع بين هذه الاقوال بأن أول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله عزوجل، وكان أبو
بكر رجلا مألفا لقومه محببا (2) سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر.
وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.
فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه - فيما بلغني - الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم أبو بكر.
فعرض عليهم الاسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الاسلام فآمنوا (3)، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا [ الناس ] (4) في الاسلام صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء من عند الله.
وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة (5)، قال: قال طلحة بن
__________
= رسول الله صلى الله عليه وسلم ح 150.
وأحمد في مسنده 1 / 440.
وذكره الهيثمي في زوائده وقال: " إسناده ثقات ".
(1) في الطبري: ابن جبلة.
والخبر في تاريخه 2 / 215.
(2) من سيرة ابن هشام والطبري، وفي نسخ البداية المطبوعة والاصول: محبا.
(3) العبارة في الطبري وسيرة ابن هشام: فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا.
(4) سقطت من الاصل والطبري، واستدركت من سيرة ابن هشام.
(5) في دلائل البيهقي وابن سعد: ابن طلحة.

عبيدالله: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل [ هذا ] الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم ؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا، فقال هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت ومن أحمد ؟ قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الانبياء مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه.
قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حديث (1) ؟ قالوا: نعم محمد بن عبد الله الامين قد تنبأ، وقد اتبعه أبو بكر بن أبي قحافة.
قال فخرجت حتى قدمت على أبي بكر،
فقلت اتبعت هذا الرجل ؟ قال نعم فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب.
فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول صلى الله عليه وسلم فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الراهب فسر [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] بذلك.
فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية - وكان يدعى أسد قريش - فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم فلذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفنا شر ابن العدوية " رواه البيهقي (2) وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الاطرابلسي حدثنا عبيدالله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيدالله حدثني أبي عبيد الله حدثني عبد الله [ بن محمد ] بن عمران بن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني رسول الله ادعوك إلى الله " فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر، ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة بن عبد الاسد والارقم بن أبي الارقم فأسلموا رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن محمد فحدثني أبي، محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: " يا أبا بكر إنا قليل " فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما
__________
(1) في البيهقي وابن سعد: حدت.
وهو مناسب أكثر.
(2) الخبر في ابن سعد ج 3 / 215 - 216 ودلائل البيهقي ج 2 / 166 - 167.

لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب.
فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير (1) أنظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت والله مالي علم بصاحبك.
فقال إذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم.
فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا (2)، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لاهل فسق وكفر، وإني لارجو أن ينتقم الله لك منهم.
قال فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت هذه أمك تسمع، قال فلا شئ عليك منها، قالت سالم صالح.
قال أين هو ؟ قالت في دار ابن الارقم، قال فإن لله على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة.
فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار.
قال فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا (3)، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر (4)، ودعا رسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - أو لابي جهل بن
هشام - فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الاربعاء فأسلم عمر يوم الخميس (5)، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) أم الخير: أم أبي بكر، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
(2) رواه ابن عساكر في تهذيبه عن عائشة.
وروى ابن هشام في السيرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص يذكر الاذى الذي لحق النبي صلى الله عليه وسلم من قومه إلى أن قال: وحدثني بعض إلى أم كلثوم بنت أبي بكر أنها قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما حبذوه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر.
1 / 310.
(3) ذكر أسماءهم ابن إسحاق في السيرة 1 / 269 - 280 وكانوا 54 ما بين ذكر وأنثى.
(4) قال ابن سعد في الطبقات: نال أبو جهل وعدي بن الحمراء وابن الاصداء من النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك حمزة، فدخل المسجد فضرب رأس أبي جهل بالقوس وأسلم حمزة فعز به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وذلك بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أرقم في السنة السادسة من النبوة.
(5) في طبقات ابن سعد: كانت الدعوة ليلة الاثنين، فجاء عمر من الغد بكرة فأسلم في دار الارقم.
3 / 242 وعن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة.
وقال ابن إسحاق: والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة.

وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلا مكة، وخرج أبو الأرقم - وهو أعمى كافر - وهو يقول: اللهم اغفر لبني عبيد الارقم فإنه كفر، فقام عمر فقال يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ قال: " يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا " فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت ؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس.
واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم.
قال ما
عليك بأبي وأمي والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنا، ثم انصرف إلى دار الارقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم.
والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.
وقد استقصينا كيفية إسلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي (1) رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت ما أنت ؟ قال أنا نبي، فقلت وما النبي ؟ قال رسول الله، قلت الله أرسلك ؟ قال: نعم قلت بما أرسلك ؟ قال بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الاصنام، وتوصل الارحام.
قال: قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا ؟ قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا - قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الاسلام.
قال فأسلمت، قلت: فأتبعك يا رسول الله ؟، قال لا ولكن إلحق بقومك، فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني " (2)، ويقال إن معنى قوله عليه السلام حر وعبد اسم جنس وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الاسلام بحسب علمه فإن المؤمنين كانوا إذا ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الاجانب دع أهل البادية من الاعراب والله أعلم.
وفي صحيح البخاري من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم (هامش 42) (1) عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة الامام الامير أبو نجيح السلمي البجلي، أحد السابقين كان يقال هو ربع الاسلام وكان من امراء الجيش يوم اليرموك ترجمته في الاصابة، طبقات ابن سعد 4 / 214 تهذيب التهذيب 8 / 69.
(2) أخرجه مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين وقصرها (52) باب.
ح 294 ص 569.

عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام " (1).
أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه فسهل، ويروي إلا في اليوم الذي أسلمت فيه وهو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالاسلام.
وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الاجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الاثير.
ونص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه والله أعلم.
وأما قوله ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام فمشكل وما أدري على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه والله أعلم (2).
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة.
فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين - فقال - أو فقالا - عندك يا غلام لبن تسقينا ؟ قلت إني مؤتمن، ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت نعم ! فأتيتهما بها فأعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني، ثم قال للضرع أقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول (3) الطيب - يعني القرآن - فقال: " إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
وهكذا رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به.
ورواه الحسن بن عرفة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجودبه (4).
وقال
__________
(1) أخرجه البخاري في 62 كتاب فضائل الصحابة (15) باب فتح الباري 7 / 73.
(2) قال الصالحي في السيرة الشامية 2 / 411: قال الحافظ: قال ذلك سعد بحسب إطلاعه والسبب فيه أنه من كان أسلم في ابتداء الامر كان يخفي اسلامه ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر أو النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقد كانت خديجة أسلمت قطعا فلعله خص الرجال.
ويحتمل قول سعد على الاحرار البالغين ليخرج الاعبد المذكورون (في حديث عمار) وعلي رضي الله عنه أو لم يكن اطلع على أولئك.
ويدل على هذا الاخير أنه وقع عند الاسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الاموي عن هاشم بلفظ: ما أسلم أحد قبلي.
وهذا مقتضى رواية الاصيلي وهي مشكلة لانه قد أسلم قبله جماعة لكن يحتمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ.
وفي المعرفة لابن منده: ما أسلم أحد في اليوم الذي اسلمت فيه، وهذا لا إشكال فيه إذ لا مانع أن يشاركه أحد في الاسلام يوم أسلم.
ورواه الخطيب مثل رواية ابن منده فأثبت فيه (إلا) كبقية الروايات فتعين الحمل على ما قلته.
راجع فتح الباري ج 7 / 67 - 68 دار إحياء التراث العربي بيروت.
(3) في دلائل البيهقي: المقول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:16 pm

4) نقل الخبر من طريقيه البيهقي في دلائل النبوة ج 2 / 171 - 172 وأحمد في مسنده ج 1 / 379 والفسوي في المعرفة والتاريخ ج 2 / 537.

البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الاصبهاني، حدثنا الحسن بن الجهم [ قال ]: حدثنا الحسين بن الفرج [ قال ] حدثنا محمد بن عمر [ قال ] حدثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه - أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان -.
قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول إخوته أسلم.
وكان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به.
ويرى في النوم كأن آت (1) أتاه يدفعه فيها ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه لا يقع، ففزع من نومه، فقال أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال [ أبو بكر ] أريد بك خيرا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الاسلام، والاسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها.
فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد، فقال يا رسول الله يا محمد إلى ما تدعو ؟ قال: " أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، ولا يضر، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده ".
قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وتغيب خالد وعلم
أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتى به.
فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه.
وقال: والله لامنعنك القوت: فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكرمه ويكون معه (2).
إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني رجل (3) ممن أسلم - وكان واعية - أن أبا جهل اعترض (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه [ والتضعيف لامره ]، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، وقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت ؟ قال حمزة ومن يمنعني وقد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين.
فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه.
وقال حمزة في ذلك شعرا (5).
__________
(1) في الدلائل: أباه.
(2) الخبر في دلائل النبوة ج 2 / 172 و 173 وما بين معكوفين من الدلائل.
(3) من سيرة ابن هشام ودلائل البيهقي، وفي نسخ البداية المطبوعة: ممن وهو تحريف.
(4) في سيرة ابن هشام: مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البيهقي فكالاصل.
(5) لم يذكره ابن هشام ولا ابن سعد، وذكر السهيلي في الروض الآنف قطعة له منها:

قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت.
فأقبل حمزة على نفسه وقال: ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا ابن أخي إني قد
وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وأقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غي شديد ؟ فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء، وأني على ديني الاول.
فكان حمزة ممن أعز الله به الدين.
وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به (1).
ذكر إسلام أبي ذر رضي الله عنه قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ]: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، [ قال ]: حدثنا الحسين بن محمد بن زياد [ قال ]: حدثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن مالك (2) بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر.
قال: كنت ربع الاسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (3)، فرأيت الاستبشار في وجه الله صلى الله عليه وسلم.
هذا سياق مختصر (4).
وقال البخاري
__________
= حمدت الله حين هدى فؤادي * إلى الاسلام والدين الحنيف لدين جاء من رب عزيز * خبير بالعباد بهم لطيف إذا تليت رسائله علينا * تحدر دمع ذي اللب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها * بآيات مبينة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع * فلا تغسوه بالقول الضعيف فلا والله نسلمه لقوم * ولما نقض فيهم بالسيوف (1) قصة اسلام حمزة في سيرة ابن هشام 1 / 311 - 312 ببعض تغيير، ودلائل البيهقي ج 2 / 213 وطبقات ابن سعد ج 3 / 9.
(2) في دلائل البيهقي: ملك، وهو تحريف والصواب ما أثبتناه، وهو مالك بن مرثد ذكره العجلي في الثقات.
(كاشف الذهبي 3 / 102).
(3) في دلائل البيهقي: عبده ورسوله، بدلا من رسول الله.
(4) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي 2 / 212.
وما بين معكوفين من الدلائل.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 3 / 341 والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 327.

إسلام أبي ذر: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي حمزة عن ابن عباس.
قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء.
فاسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الآخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الاخلاق وكلاما ما هو بالشعر.
فقال ما شفيتني مما أردت.
فتزود وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال أما آن للرجل يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على مثل ذلك فأقام معه فقال ألا تحدثني بالذي أقدمك ؟ قال إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت.
ففعل فأخبره.
قال فإنه حق وانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري " فقال والذي بعثك بالحق لاصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلا صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام.
فأنقذه منهم.
ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا
إليه فأكب العباس عليه هذا لفظ البخاري.
وقد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم وغيره فقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت [ قال ]: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار - وكان يحلون الشهر الحرام - أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس.
فجاء خالنا فنثى ما قيل له (1) فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد.
قال: فقربنا صرمتنا (2) فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي، قال: فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة، قال: فنافر أنيس من صرمتنا وعن مثلها (3)، فاتيا الكاهن فخير أنيسا.
فأتانا بصرمتنا
__________
(1) في دلائل البيهقي: فنثا علينا ما قيل له: معناه - كما في النهاية - أظهره إلينا وحدثنا به.
(2) الصرمة هي القطعة من الابل وتطلق أيضا على القطعة من الغنم.
(3) نافر: من المنافرة وهي المفاخرة والمحاكمة، فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكما إلى رجل ليحكم أيهما خير وأعز نفرا - وفي الشعر - أيهما أشعر.
هنا تراهن هو وآخر أيهما أفضل، وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذاك فالافضل أخذ الصرمتين.
وكان الحكم:

ومثلها [ معها، قال ]: وقد صليت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، قال: قلت: لمن ؟ قال لله، قلت: فأين توجه ؟ قال حيث وجهني الله.
قال وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل الفيت كأني خفاء (1) حتى تعلوني الشمس قال فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال فانطلق فراث (2) علي، ثم أتاني فقلت ما حبسك ؟ قال: لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك، قال فقلت ما يقول الناس له ؟ قال يقولون (3) إنه شاعر وساحر، وكان أنيس شاعرا.
قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال: فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق ؟ قال نعم ! وكن من أهل مكة على حذر فانهم قد شنعوا له وتجهموا له.
قال فانطلقت حتى
قدمت مكة فتضعفت (4) رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ ؟ قال: فأشار إلى [ الصابئ ] (5) فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يابن أخي ثلاثين من يوم وليلة، مالي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني (6) وما وجدت على كبدي سخفة (7) جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة (Cool أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي وهما يدعوان إساف ونائلة.
فقلت: انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك، فقلت وهن مثل الخشبة (9) غير أني لم أركن (10).
قال: فانطلقتا يولولان ويقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا، قال: فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال مالكما ؟ فقالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا: ما قال لكما ؟ قالتا: قال لنا كلمة تملا الفم، قال وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت، ثم صلى.
قال فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الاسلام.
فقال: " عليك السلام ورحمة الله من أنت ؟ " قال قلت من غفار، قال: فأهوى بيده
__________
= كاهنا فحكم لانيس بأنه الافضل - وهو معنى قوله - فخير أنيسا، أي جعله الخيار والافضل.
(1) الخفاء هو الكساء وجمع أخفية ككساء وأكسية، وفي رواية المقرئ في البيهقي: يعني الثوب.
(2) راث: أي أبطأ علي.
(3) في نسخة البداية المطبوعة: يقولوا وهو تحريف.
(4) أي نظرت إلى أضعفهم فسألته.
(5) من دلائل البيهقي، والمعنى هنا: أي انظروا وخذوا هذا الصابئ.
(6) عكن: جمع عكنة، وهو الطي في البطن من السمن، والمعنى: انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه.
(7) سخفة: بفتح السين وضمها.
وهي رقة الجوع وضعفه وهزاله.
(Cool في الدلائل: أصمخة وهي هنا الآذان، أي ناموا.
(9) المراد هنا سب وإهانة اساف ونائلة، الصنمان، وإغاظة الكفار.
(10) في مسلم: لا أكني.

فوضعها على جبهته، قال: فقلت في نفسي كره أن أنتميت إلى غفار، قال: فاردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه وكان أعلم به مني، قال متى كنت ههنا ؟ قال: قلت كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم.
قال: فمن كان يطعمك ؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها مباركة، إنها طعام طعم " قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، قال: ففعل قال فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب.
الطائف، قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها.
فلبثت ما لبثت (1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني قد وجهت إلي أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك ؟ لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم ؟ ".
قال فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا، قال فقال لي ما صنعت ؟ قال قلت صنعت أني أسلمت وصدقت، قال فما بي رغبة عن دينك.
فاني قد أسلمت وصدقت، ثم أتينا أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما.
فإني قد أسلمت وصدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري (2) وكان سيدهم يومئذ.
وقال: بقيتهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا، قال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم بقيتهم قال: وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ".
ورواه مسلم عن هدية (3) بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه.
وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر وفيه زيادات غريبة فالله أعلم.
وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة والسلام.
ذكر إسلام ضماد روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبي هند، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس.
قال: قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح (4)، فسمع سفهاء من سفه مكة (5) يقولون: إن محمدا مجنون.
فقال: أين هذا الرجل
__________
(1) العبارة في البيهقي ومسلم: فغيرت ما غبرت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) في مسلم: وكان يؤمهم: إيماء بن رحضة الغفاري، وفي البيهقي فكالاصل: خفاف.
(3) في مسلم: هداب بن خالد الازدي.
والحديث أخرجه في 44 كتاب الفضائل (28) ح 132 ص 1919 - 1920 والامام أحمد في مسنده ج 5 / 174.
(4) في مسلم: الريح، والمراد بها: الجنون، ومس الجن.
(5) في البيهقي: سفهاء من سفهاء الناس يقولون:

لعل الله أن يشفيه على يدي ؟ [ قال ]: فلقيت محمدا، فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وأن الله يشفى على يدي من شاء فهلم (1).
فقال محمد: " إن الحمد لله نحمده وتستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات ".
فقال والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة.
وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الاسلام.
فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له وعلى قومك ؟ فقال: وعلى قومي فبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فمروا بقوم ضماد.
فقال صاحب الجيش للسرية هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا ؟ فقال رجل منهم أصبت منهم مطهرة.
فقال ردها عليهم فانهم قوم ضماد.
وفي رواية فقال له ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس (2) البحر (3).
وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة إسلام من أسلم من الاعيان فصلا طويلا، واستقصى ذلك استقصاء حسنا رحمه الله وأثابه.
وقد سرد ابن إسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة رضي الله عنهم.
قال: ثم أسلم أبو عبيدة [ بن الجراح ]، وأبو سلمة [ عبد الله بن عبد الاسد ]، والارقم بن أبي الارقم، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر - وهي صغيرة - وقدامة بن
مظعون، وعبد الله بن مظعون، وخباب بن الارت، وعمير بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القارى، وسليط بن عمرو، وعياش بن أبي ربيعة (4)، وامرأته أسماء بنت سلمة (5) بن مخرمة التيمي، وخنيس بن حذاقة، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث، وامرأته فكيهة ابنة يسار (6)، [ وحطاب بن الحارث وامرأته فكيهة بنت يسار ] (7) ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحي، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر بن عبد مناف (Cool.
وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم (9)، والنحام واسمه
__________
(1) في مسلم: فهل لك، أي فهل لك رغبة.
(2) في البيهقي ناعوس: أي وسطه ولجته وقعره الاقصى.
(3) الخبر في دلائل البيهقي ج 2 / 224 ومسلم في صحيحه: في 7 كتاب الجمعة 13 باب ح 46.
(4) في نسخة من سيرة ابن هشام زاد: وأخوه حاطب بن عمرو.
(5) في ابن هشام والبيهقي: سلامة بن مخرمة التميمية.
(6) في السيرة لابن هشام فاطمة بنت المجلل، وفي البيهقي: أسماء.
(7) ما بين معقوفتين في النص، سقطت من الاصول واستدركت من السيرة والدلائل.
(Cool في السيرة والدلائل: بن عبد عوف.
(9) بن سعيد بن سعد بن سهم: وسعيد بن سعد هذا هو ابن سعد أخو سعيد، وهو جد المطلب بن أبي وداعة.
قاله السهيلي.

نعيم بن عبد الله بن أسيد، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وخالد بن سعيد، وأمينة ابنة خلف بن سعد (1) بن عامر بن بياضة بن (2) خزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله [ بن عبد مناف ] بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بني عدي، وخالد بن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وإياس بن البكير بن عبد
ياليل بن ناشب بن غيرة من بني (3) سعد بن ليث، وكان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقلا، وهما حلفاء بني عدي بن كعب، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان.
ثم دخل الناس [ في الاسلام ] أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الاسلام بمكة وتحدث به.
قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع (4) بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين.
قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم.
فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحي (5) جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الاسلام.
وروى الاموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه.
فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله.
باب الامر بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال، والاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الاعظم إليهم، وذكر ما لقي من الاذية منهم هو وأصحابه رضي الله عنهم.
قال الله تعالى: " وأنذر عشيرتك الاقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم) [ الشعراء: 66 - 67 ].
__________
(1) في السيرة والدلائل: أسعد.
(2) في السيرة والدلائل: من.
(3) في الاستيعاب: غيرة بن سعد.
(4) قال السهيلي: قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين.
إما أن يكون معناه بالذي
تؤمر به من التبليغ، وأما أن يكون معناه أصدع بالامر الذي تؤمره.
(5) اللحي: العظيم الذي على الفخذ، وهو في الانسان: الذي تنبت عليه اللحية.

وقال تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) [ الزخرف: 44 ].
وقال تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) [ القصص: 88 ].
أي إن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة وهي المعاد، فيسألك عن ذلك.
كما قال تعالى: (فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) والآيات والاحاديث في هذا كثيرة جدا.
وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء: (وأنذر عشيرتك الاقربين).
وأوردنا أحاديث جمة في ذلك، فمن ذلك: قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: (وأنذر عشيرتك الاقربين) أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى " يا صباحاه " فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بني عبد المطلب يا بني فهر، يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ " قالوا نعم ! قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب - لعنه الله - تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله عزوجل: (تبت يدا أبي لهب وتب) [ المسد: 1 ] وأخرجاه من حديث الاعمش به نحوه (1).
وقال أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة.
قال: لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الاقربين) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص.
فقال: " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها " (2) ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من
حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، وله طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره.
وقال أحمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه
__________
(1) أخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان 89 باب حديث 355.
والبخاري في 65 كتاب التفسير (111) باب فتح الباري 8 / 736.
وأحمد في مسنده 1 / 281 و 307.
يا صباحاه: كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لانهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمون يوم الغارة يوم الصباح.
فكأن القائل: يا صباحاه قد غشينا العدو.
وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاؤوا الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عاودوه.
فكأنه يريد بقوله يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال.
(2) مسلم: المصدر السابق حديث 348 و 351 و 353.
والبخاري في كتاب الوصايا حديث 2753 و 62 كتاب المناقب ح 3527 وأحمد في مسنده 1 / 206 والنسائي في الوصايا - والدارمي في الرقاق كلهم بأسانيد وطرائق متعددة.
- سأبلها ببلائها: وفي البيهقي ببلالها: معناه سأصلها.
شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها باطفاء الحرارة ببرودة.
ومنه بلوا أرحامكم: أي صلوها.

عن عائشة رضي الله عنها.
قالت: لما نزل: (وأنذر عشيرتك الاقربين).
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم " (1) ورواه مسلم أيضا.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا محمد بن عبد [ الله ] الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب.
قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنذر عشيرتك الاقربين، وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [ الشعراء: 214 - 215 ].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت.
فجاءني جبريل عليه السلام فقال [ لي ]: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك
عذبك بالنار ".
قال [ علي ] فدعاني فقال: " يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين [ فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره فصمت عن ذلك ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك ] فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب " ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث.
فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: " كلوا بسم الله " فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسقهم يا علي " فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله.
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال لهد ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عدلنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالامس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدر إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " ففعلت ثم جمعتهم له وصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس، فأكلوا حتى نهلوا عنه وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم صاحبكم ؟ فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (2).
فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي عدلنا بمثل الذي كنت صنعت بالامس من الطعام والشراب فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " ففعلت ثم جمعتهم له.
فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 307.
(2) ما بين معقوفتين سقطت من دلائل البيهقي، وهي على حال تكرار لا طائل من ورائه ولعل التكرار سهوا من الناسخ

كما صنع بالامس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل من ما جئتكم به.
إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة " (1).
هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه (2) عن عبد الله بن الحارث به.
وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل الابرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي فذكر مثله.
وزاد بعد قوله: " وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي " وكذا وكذا.
قال فاحجم القوم عنها جميعا، وقلت ولاني لاحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي فقال: " إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا ".
قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث وضعفه الباقون.
ولكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن الحسن بن عيسى بن ميسرة الحارثي، عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث.
قال: قال علي: لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الاقربين).
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، وإنا لبنا، وأدع لي بني هاشم فدعوتهم وإنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: وبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام.
فقال: " أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟ " قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال وسكت أنا لسن العباس.
ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال أنت ؟ قال وإني يومئذ لاسوأهم هيئة، وإني لاعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين.
وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا
أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم.
وقد روى الامام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله
__________
(1) رواه ابن سعد في الطبقات مختصرا 1 / 187 والوفا لابن الجوزي 1 / 184 وتكملة الخبر: ثم قال من يوازرني على ما أنا عليه ؟ قال علي: أنا يا رسول الله وإني أحدثهم سنا، وسكت القوم ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك ؟ قال: دعوه، فلن يألوا بابن عمه خيرا.
وما ورد في الخبر بين معكوفتين سقط من الاصل ونسخ البداية المطبوعة واستدرك لمقتضى السياق من دلائل البيهقي.
2 / 179 - 180.
(2) في دلائل البيهقي 2 / 180: قال أبو عمر أحمد بن عبد الجبار بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث.
قال ابن إسحاق: وكان ما أخفى النبي صلى الله عليه وسلم أمره واستسره به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه.

الاسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم.
ومعنى قوله في هذا لحديث ؟: من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشى إذا قام بابلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [ المائدة: 67 ] الآية والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج.
يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء.
وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الاشداء الاقوياء من مشركي قريش بالاذية القولية والفعلية، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إليه طبعا وكان يحنو عليه
ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا.
وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه.
ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار (1).
وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب.
ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الاسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب.
تتضمن أنه يصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب.
قال الامام أحمد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه.
قال: أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز [ يمشي بين ظهراني الناس ] (2) وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه (3).
وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر (4) الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (5)
__________
(1) يفهم من كلام ابن كثير أن أبا طالب، قضى كافرا، وأن الله تعالى قضى بذلك لحكمة عنده حماية لرسوله وذودا للاسلام..أقول هذا تعليل غير سائغ وغير مقبول.
(2) ما بين معقوفتين زيادة من دلائل البيهقي.
(3) مسند أحمد ج 3 (492) ودلائل البيهقي ج 2 / 186.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:26 pm

القطان، حدثنا أبو الأزهر: حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري، حدثنا محمد بن عمر (1) عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي.
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن
دينكم ودين آبائكم.
قلت من هذا ؟ قيل هذا أبو لهب.
ثم رواه من طريق شعبة عن الاشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى (2).
كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى.
وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى بن (3) عبد الله عن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبي طالب.
قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.
فقال: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس (4) - أو قال خنس - يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء.
فقال: " ترون هذه الشمس ؟ " قالوا نعم ! قال: " فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعل (5) منه بشعلة ".
فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا.
رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير.
ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه (6) -.
ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن
__________
(4) وهو محمد بن محمد بن محمش الفقيه.
(5) في الدلائل: الحسين.
(1) في الدلائل: عمرو.
(2) الخبران في الدلائل ج 2 / 185 - 186 وفي مسند أحمد ج 3 / 492.
(3) في الاصل ونسخ البداية المطبوعة: عن عبد الله بن موسى، والصواب ما أثبتناه من دلائل البيهقي: بن عبد الله،
عن موسى.
(4) في الدلائل: كبس أو قال من حفش، والكبس: الكن يأوي إليه الانسان.
(5) في البخاري: تشعلوا وفي الدلائل: تستشعلوا.
(6) رواه البيهقي في الدلائل 2 / 186 - 187 والبخاري في التاريخ الكبير (4 / 1 / 51).

عتبة (1) بن المغيرة بن الاخنس أنه حدث.
أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا أنت.
فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.
فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري (2) ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الامر برسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال أمض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا.
قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فأمضي لامرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا (3) ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قدم أمينا (4) وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ثم قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق لابي طالب في ذلك أشعارا، وفي [ كل ] ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه (5).
وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق [ قال ]: حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع (6) وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة طويلة جرت بين
مشركي مكة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لاجلس له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا
__________
(1) في الدلائل: عقبة، وفي السيرة فكالاصل.
وهو يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس الثقفي، ثقة من السادسة مات سنة ثمان وعشرين (تقريب التهذيب) 2 / 385 / 376.
(2) قال السهيلي: خص الشمس باليمين لانها الآية المبصرة، وخص القمر بالشمال لانها الآية الممحوة..وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم النيرين حين ضرب المثل بهما لان نورهما محسوس والنور الذي جاء به من عند الله.
(3) فامضي: كذا بالاصول باثبات الياء للوزن.
(4) في سبل الهدى: 1 / 437: وكنت ثم أمينا.
(5) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 284 - 285 دون ذكر الاشعار.
وفي دلائل النبوة للبيهقي 2 / 187 - 188.
(6) في الاصل: بضعا وهو تحريف.

رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، وكان قبلته الشام (1).
فكان إذا صلى صلى بين الركنين الاسود واليماني (2)، وجعل الكعبة بينه وبين الشام.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش.
فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم ؟ فقال قمت إليه لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الابل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ذلك جبريل، ولو دنا منه لاخذه " (3).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر (4) [ محمد بن محمد بن يوسف ] الفقيه، حدثنا عثمان [ بن سعيد ] الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح
[ قال ] حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب.
قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله علي إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط.
فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق) فلما بلغ شأن أبي جهل (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) فقال إنسان لابي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد ؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى ؟ والله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد (4).
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لاطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لو فعل لاخذته الملائكة عيانا ".
ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق
__________
(1) في سيرة ابن هشام: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام.
(2) كذا في الاصول والبيهقي، وفي السيرة: بين الركنين اليماني والحجر الاسود.
قال ابن بطوطة في رحلته، عندما كلامه على الاركان: ومن عند الحجر الاسود مبتدأ الطوف، وهو أول الاركان التي يلقاها الطائف، فإذا استلمه تقهقر ؟ عنه قليلا، وجعل الكعبة الشريفة عن يساره ومضى في طوافه، ثم يلقى بعده الركن العراقي، وهو إلى جهة الشمال، ثم يلقى الركن الشمامي وهو إلى جهة الغرب، ثم يلقى الركن اليماني وهو إلى جهة المغرب، ثم يعود إلى الحجر الاسود وهو إلى جهة الشرق.
(رحلة ابن بطوطة - الجزء الاول -).
(3) الخبر في سيرة ابن هشام من حديث طويل ج 1 / 318 - 319 ودلائل البيهقي ج 2 / 190 - 191 ورواه النسوي باسناده إلى أبي هريرة وفيه: فقالوا: مالك: فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا لاختطفته الملائكة عضوا عضوا (راجع السهيلي - الروض الآنف - ودلائل البيهقي 2 / 189).
(4) دلائل النبوة ج 2 / 191.

به (1).
قال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس.
قال، مر أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي.
فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد ؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني، فانتهزه النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال جبريل: (فليدع ناديه سندع الزبانية) والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية العذاب.
وراه (ورواه) أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به (2).
وقال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس.
قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لاتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: " لو فعل لاخذته الزبانية عيانا ".
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس.
قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلى عند المقام لاقتلنه، فأنزل الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) حتى بلغ من الآية: (لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية).
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل ما يمنعك ؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب.
قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الاعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم عن أبي هريرة.
قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا نعم ! قال: فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لاطأن على رقبته، ولاعفرن وجهه بالتراب.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته.
قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص (3) على عقبيه، ويتقي بيديه، قال فقيل له مالك ؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة.
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ".
قال وأنزل الله تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) إلى آخر السورة (4).
وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به.
وقال الامام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا
شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله [ بن مسعود ].
قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط: أنا،
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 248، والبخاري في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة العلق (4) باب فتح الباري 8 / 724 وأخرجه الترمذي في تفسير سورة العلق.
(2) أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 256 وأخرجه الترمذي في تفسير سورة العلق ح 3349 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(3) أي رجع يمشي إلى ورائه.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه (50) كتاب المنافقين 6 باب ح 38 ص 2154، والامام أحمد في مسنده 2 / 37 والبيهقي في الدلائل ج 2 / 189.

فأخذه فألقاه على ظهره.
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف - أو أمية بن خلف - " شعبة الشاك قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبي - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلا ضخما فتقطع.
وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ومسلم من طرق عن أبي (1) إسحاق به.
والصواب أمية بن خلف فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة.
وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا (2) حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله.
وفيه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه صلى الله عليه وسلم دعا على الملا منهم
جملة وعين في دعائه سبعة.
وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة أبنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف.
قال أبو (3) إسحاق: ونسيت السابع.
قلت: وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري (4) قصة الاراشي قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي.
قال: قدم رجل من إراش (5) بإبل له إلى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها.
فأقبل
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة ابن.
والحديث في البخاري في 58 كتاب الجزية 21 باب حديث 3185 وفي 4 كتاب الوضوء 69 باب الحديث 240.
وعند مسلم في صحيحه 32 كتاب الجهاد 39 باب حديث 108.
(2) استضحكوا: أي حملوا أنفسهم على الضحك والسخرية، ثم أخذهم الضحك جدا فجعلوا يضحكون يميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك.
(3) في الاصل ونسخ البداية المطبوعة: " ابن " وما أثبتناه من البخاري ومسلم.
(4) في كتاب الصلاة من رواية اسرائيل عن أبي إسحاق.
قال ابن حجر: واستشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين لانه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة..والجواب: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الاكثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب بل قتل صبرا بعد أن رحلوا عن بدر مدة.
(5) إراش: اسم موضع (معجم البلدان).

الاراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد.
فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي ؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك - يهزون به (1) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من
العداوة، إذهب إليه فهو يعديك عليه.
فأقبل الاراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام معه.
فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه.
فقال: من هذا ؟ قال محمد فاخرج ! فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم (2)، وقد انتقع لونه.
فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: لا تبرح حتى أعطيه الذي له.
قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للاراشي إلحق لشأنك.
فأقبل الاراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خير، فقد أخذت (3) الذي لي، وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت ؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال: اعط هذا الرجل حقه.
فقال: نعم ! لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه [ إياه ].
ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت ؟ فقال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بأبي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الابل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فوالله لو أبيت لاكلني (4).
فصل وقال البخاري: حدثنا عباس (5) بن الوليد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الاوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم [ بن الحارث ] التيمي، حدثني عروة بن الزبير.
سألت ابن [ عمرو بن ] العاص فقلت: أخبرني بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله ؟ قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) [ المؤمنين: 28 ] الآية.
تابعه ابن إسحاق قال أخبرني يحيى بن عروة عن أبيه قال: قلت لعبد الله بن عمرو.
وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن العاص.
وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص.
قال
__________
(1) في دلائل البيهقي: يهوون، أي يشيرون.
(2) في البيهقي: وما في وجهة بايحة.
(3) في البيهقي: أخذ.
(4) الخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 193 - 194.
(5) في الاصل ونسخ البداية المطبوعة: " عياش " وهو تحريف وأثبتنا ما في البخاري.

البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة.
انفرد به البخاري.
وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة (1).
وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الاصم (2) عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة.
قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته (3) ؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه (4) على أمر عظيم - أو كما قال - قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها.
فقال (5): " أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ".
فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع (6) حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه [ أحسن ما يجد من القول ] حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:28 pm

فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم أنا الذي أقول ذلك " ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي (7) دونه ويقول: ويلكم (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) ثم انصرفوا عنه.
فإن ذلك لاكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.
__________
(1) الحديث في سيرة ابن هشام 1 / 309.
والبخاري في صحيحه في 62 كتاب فضائل الصحابة (5) باب حديث 3678، وفي 63 كتاب مناقب الانصار 29 باب حديث 3856 وفي 65 كتاب التفسير (40) باب تفسير سورة المؤمن حديث 4815.
(2) الحاكم: محمد بن عبد الله الحافظ، والاصم: أبو العباس محمد بن يعقوب.
(3) العبارة في سيرة ابن هشام: أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ (4) في دلائل البيهقي: وصبرنا منه، وفي سيرة ابن هشام.
لقد صبرنا منه.
(5) في السيرة والدلائل: فوقف ثم قال: (6) في السيرة والدلائل: واقع.
(7) في الاصل ونسخ البداية المطبوعة: " ينكى " وهو تحريف.

فصل في تأليب الملا من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال " (1).
وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: وحدب (2) على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لدينه (3) لا يرده عنه شئ، فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري - واسمه العاص بن هشام (4) بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، ونبيه ومنبه، إبنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد (5) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم.
قال ابن إسحاق أو من مشى منهم.
فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا،
__________
(1) مسند أحمد ج: 3 / 120.
(2) حدب: أصل الحدب: انحناء الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورق له، وقد يكون الحدب أيضا مستعملا في معنى المخالفة إذا قرن بالقعس، كقول الشاعر: وإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا * لينتزعوا ما خلف ظهرك فاحدب (3) في السيرة: لامره.
(4) قال السهيلي: الذي قاله ابن إسحاق: العاص بن هشام هو قول الكلبي، والذي قاله ابن هشام: " أبو البختري: العاص بن هاشم " هو قول الزبير بن أبي بكر وقول مصعب، وهكذا وجدت في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر سفيان بن العاص.
(5) في السيرة: ابن سعد.

فإما أن تكفه عنا، وأما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه ؟ فقال لهم أبو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما
هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى (1) الامر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا.
وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه، ثم أنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى.
فقالوا [ له ]: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا [ له ] - ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا باسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس أنه حدث: أن قريشا حين قالوا لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني، فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الامر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بدو (2) وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته " قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب.
فقال: أقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمتك لشئ أبدا.
قال ابن إسحاق ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له - فيما بلغني -: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك ؟ وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل ! قال: والله لبئس ما تسومونني ؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبدا.
قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما
تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ؟ فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدالك - أو كما قال - فحقب (3) الامر، وحميت
__________
(1) من السيرة، وفي الاصول سرى، وشرى الامر: كثر واشتد.
(2) في السيرة: بداء، والبداء الاسم من بدا والمراد: ظهر له رأي.
(3) حقب الامر: زاد واشتد، وهو من قولك.
حقب البعير: إذا راغ عنه الحقب من شدة الجهد والنصب وإذا عسر عليه البول أيضا لشدة الحقب على ذلك الموضع.

الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضها.
فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي، ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر (1) تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر (2) أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر بل لهما أمر ولكن تحرجما * كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر (3) أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (4) هما أشركا في المجد من لا أباله * من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منكم ما دام من نسلنا شفر (5) قال ابن هشام: وتركنا منها بيتين أقذع فيهما.
فصل
في مبالغتهم في الاذية لاحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب.
وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون، في بني هاشم وبني عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله
__________
(1) الخور: الضعاف.
والحجاب: القصير، ويروى خبخاب هو الضعيف.
(2) وبر: دويبة على شكل الهرة، ويحتمل أن يكون أراد أنه يصفر في العين لعلو المكان أو بعده.
(3) تجرجما، وجرجمت في السيرة.
ذو علق: جبل في ديار بني أسد.
(4) أغمزا: أغمز فلان في فلان، أو من فلان: إذا صغر شأنه وعابه واستضعفه.
(5) في السيرة: ولا منهم ما كان من نسلنا شفر.
وشفر: أي أحد.

الملعون ].
فقال (1) في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت اشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فان محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها (2) وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذ ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها (3) ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها (4)
بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (5) فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدي والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون.
قال الله تعالى: (واقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) [ الانعام: 109 - 111 ] وقال تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم)
__________
(1) فقال: أي أبو طالب.
(2) الغث: هنا من ليس له نسب، والغث في الاصل: اللحم الضعيف.
(3) في ابن هشام: الخدود بدل الرقاب.
(4) في ابن هشام: اجحارها، والاجحار جمع جحر يريد بيوتها ومساكنها.
والاحجار: المراد بها الحصون والمعاقل.
(5) في نسخ البداية المطبوعة: " الزواء " وهو تحريف.
والذواء: الذي جفت رطوبته.
والاروم: الاصول جمع أرومة.

[ يونس: 96 - 97 ].
وقال تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [ الاسراء: 59 ].
وقال تعالى:
(وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) [ الاسراء: 90 - 93 ] وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد.
وقد روى يونس وزياد (1) عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم - وهو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبي محمد - عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس.
قال: اجتمع علية من أشراف قريش - وعدد أسماءهم (2) - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، [ فأتهم ] فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء (3)، وكان [ عليهم ] حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.
فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك (4)، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك.
لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الاحلام، وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك.
فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا [ لك ] أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك ؟ فقال [ لهم ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق
__________
(1) يونس بن بكير وزياد البكائي وهما راويا السيرة عن ابن إسحاق.
(2) ذكر اسماءهم ابن إسحاق في السيرة: وهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبو البختري بن هشام، والاسود بن المطلب، وزمعة بن الاسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف.
1 / 315.
(3) في السيرة: بداء.
(4) في السيرة: لنكلمك.

بلادا، ولا أقل ماء (1)، ولا أشد عيشا منا.
فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول: أحق هو أو باطل ؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بهذا بعثت [ إليكم ] إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والاخرة، وإن تردوا علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " قالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الاسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم: " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة.
وإن تردوه علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ".
قالوا فاسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال: " ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك " فقالوا: يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس
معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال [ له ]: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله.
ثم سألوك لانفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله [ ويصدقوك ويتبعوك ] فلم تفعل، [ ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل ] ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب.
فوالله لا أو من لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة ومنشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك (2).
ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه (3).
وهذا
__________
(1) في الاصل " مالا " وهو تحريف، وأثبتناه من السيرة.
(2) في السيرة: " أني أصدقك "، وقد أسلم أبو أمية هذا قبل فتح مكة.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 315 وما بعدها.
وما بين معقوفتين في الخبر زيادة استدركت من السيرة.

المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملا مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا اقتضت الحكمة الالهية، والرحمة الربانية، ألا يجابوا إلى ما سألوا لان الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب * كما قال الامام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن
تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الامم.
قال: " لا بل أستأني بهم " فأنزل الله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [ الاسراء: 59 ] الآية.
وهكذا رواه النسائي من حديث جرير (1).
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس.
قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: أدع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال وتفعلوا ؟ قالوا نعم قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال: " بل التوبة والرحمة ".
وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد.
وروى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، عن القاسم عن (2) أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عرض علي ربي عزوجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " لفظ أحمد.
وقال الترمذي هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر (3) - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الاول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الانبياء.
فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وبعض قوله، وقالا إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
قال فقالت له أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث
__________
(1) أخرجه النسائي في التفسير، في السنن الكبرى تحفة الاشراف 4 / 402.
(2) في الاصل ابن أبي أمامة وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه وهو القاسم بن عبد الرحمن لم يرو إلا عن أبي أمامة من الصحابة.
(3) في السيرة: حدثني بعض أهل العلم.
وفي دلائل البيهقي: حدثني رجل من أهل مكة

عجيب (1)، وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الارض ومغاربها ما كان [ نبؤه ] (2)، وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها، فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا.
فسألوه عما أمروهم به.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخبركم غدا بما سألتم عنه " ولم يستثن.
فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة (3) لا يحدث له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف (4) أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عزوجل بسورة [ أصحاب ] (5) الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم [ وخبر ] (5) ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقال الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [ الاسراء: 85 ].
وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك.
ونزل قوله: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) ثم شرع في تفصيل أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت) ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذي القرنين ثم قال: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) ثم شرح أمره وحكى خبره.
وقال في سورة سبحان: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) أي خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها كوني فكانت.
وليس
لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الامر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وقد ثبت في الصحيحين (6) أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية - فإما أنها نزلت مرة ثانية أو
__________
(1) في السيرة: عجب.
(2) سقطت من الاصل واستدركت من السيرة والدلائل.
(3) قال السهيلي عن موسى بن عقبة إن الوحي إنما أبطأ عنه ثلاثة أيام ثم جاءه جبريل بسورة الكهف.
(4) أرجف أهل مكة: خاضوا في الاخبار السيئة التي من شأنها إيقاع الناس في البلبلة والاضطراب لابعادهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(5) ما بين معكوفتين سقط من الاصل واستدركت من السيرة ودلائل البيهقي.
(6) أخرجه البخاري في 96 كتاب الاعتصام بالسنة (3) باب ح 7297.
ومسلم في صحيحه في 50 كتاب صفات المنافقين 4 باب ح 32 ص 2152 عن ابن مسعود قال البيهقي: وحديث ابن مسعود، يدل على أن سؤال اليهود عن الروح، ونزول الآية فيه كان بالمدينة.

ذكرها جوابا - وإن كان نزولها متقدما ومن قال إنها إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر، والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ولما خشي أبو طالب دهم (1) العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشئ أبدا حتى يهلك دونه.
فقال: ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والاذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة * يعضون غيظا خلفنا بالانامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض غضب من تراث المقاول (2)
وأحضرت عند البيت رهطي وأخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضي حلفه كل نافل (3) وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الاعضاد أو قصراتها * مخيسة بين السديس وبازل (4) ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها معقودة كالعثاكل (5) أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل (6) ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي نذر ومن كل راجل
__________
(1) في ابن هشام: دهماء.
(2) عضب: قاطع.
المقاول: الملوك.
يحتمل أن يكون هذا السيف من هبات أو هدايا الملوك لابيه عبد المطلب (3) النافل: المتبرئ.
(4) موسمة: معلمة، والقصرات جمع قصرة: وهي أصل العنق.
والمخيسة: المذللة.
والسديس من الابل: الذي دخل في السنة الثامنة.
والبازل: الذي خرج نابه وذلك في السنة التاسعة.
(5) العثاكل: جمع عثكول وأصلها عثاكيل حذفت الياء للضرورة: وهي الاغصان التي ينبت عليها الثمر.
(6) تماثل: أصلها تماثيل حذفت الياء للضرورة، وهي الصور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:32 pm

وبالمشعر الاقصى إذا عمدوا له * الال إلى مفضي الشراج القوابل (1)
وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون بالايدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الرماح وسرحه * وشبرقه وخد النعام الجوافل (2) فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ يتقي الله عادل يطاع بنا أمر العدا ود أننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل (3) كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن الا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبذي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل (4) ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد اليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (5) وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الانكب المتحامل (6) وإنا لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالاماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل (7)
__________
(1) المشعر الاقصى: عرفة.
إلال: جبل عرفة قال النابغة: يزرن إلالا سيرهن التدافع وسمي كذلك لان الحجيج إذا رأوه الوا في السير واجتهدوا فيه ليدركوا الموقف.
والشراج: جمع شرج: وهو سيل الماء.
(2) السمر: شجر الطلع.
والصفاح: وهو عرض الجبل.
والسرح: شجر عظام.
والشبرق: نبات يقال ليابسه الحلى، ولرطبه الشبرق.
الوخد: السير السريع.
والجوافل: المسرعة.
(3) في السيرة والاكتفاء: يطاع بنا العدى وودوا لو أننا.
وترك وكابل: جبلان.
(4) في سيرة ابن هشام: نبزى بدل نبذي.
نبزى: نغلب عليه، والمراد هنا: لا نبزى محمدا فحذف لا من جواب القسم.
(5) الروايا: الابل التي تحمل الماء واحدتها رواية.
والصلاصل: المزادات لها صلصلة بالماء.
(6) يركب ردعه: أي يخر صريعا لوجهه.
(7) السميدع: السيد.

شهورا وأياما وحولا محرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل (1) وما ترك قوم - لا أبالك - سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل (2) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * نمال (تمال) اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وتكره * إلى بغضنا وجزانا لآكل (3) وعثمان لم يربع علينا وقنقذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل (4) أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل (5) كما قد لقينا من سبينع ونوفل * وكل تولى معرضا لم يجامل (6) فان يلفيا أو يمكن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاء وجامل يناحي بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا * بلى قد تراه جهرة غير خائل (7) أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الارض بين أخشب فمجادل
وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرءا ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذي دغاول (Cool ومر أبو سفيان عني معرضا * كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفي عارمات الدواخل أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدة * ولا معظم عند الامور الجلائل
__________
(1) في السيرة: مجرما بدل محرما، والحول المجرم: الكامل يقال: تجرم العام والشتاء، وتصرم الصيف.
(2) الذرب: الفاحش النطق.
والمواكل: العاجز الذي يكل أموره كلها إلى غيره.
(3) أسيد وبكره: وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
(4) عثمان هو بن عبيدالله أخو طلحة.
وقنفذ: بن عمير جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
(5) أبي: الاخنس بن شريف حليف بني زهرة بن كلاب وسمي الاخنس - وهو علاج - لانه خنس بالقوم يوم بدر (سيرة ابن هشام).
(6) سبيع ابن خالد، أخو بلحرث بن فهر، ونوفل: بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن العدوية.
وكان من شياطين قريش وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة بن عبيدالله في حبل حين أسلما.
(7) في ابن هشام: غير حائل.
(Cool الدغاول: الغوائل، وقيل: الامور الفاسدة.

ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة * أولى جدل من الخصوم المساجل (1) أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل يميران قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل (2)
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل (3) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في الخطوب الاوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدى من كل طمل وخامل (4) فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم * الآن أحطاب أقدر ومراجل (5) ليهن بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل (6) فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل (7) ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غبة غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقة خاذل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل (Cool أشم من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل
__________
(1) المساجل: أصله من المساجلة، وجمعه مسجل بكسر الميم وهو الخصم المدافع وتروى المساحل بالحاء المهملة البلغاء والخطباء.
(2) في ابن هشام: لا يخس: لا ينقص.
ويخيس: من قولهم خاس بالعهد: نقضه.
(3) الغياطل: بنو سهم.
(4) الطمل: الرجل الفاحش، وقيل: اللص.
(5) في السيرة: حطاب بدل أحطاب.
وحطاب جمع حاطب والمراد: كنتم متفقين لا تحطبون إلا لقدور واحدة، فأنتم الآن بخلاف ذلك
(6) لقحة: الناقة ذات اللبن.
والباهل: الناقة التي لا صرار لها على أخلافها فهي مباحة الحلب.
(7) قبله بيتان سقطا من الاصل، وهما في سيرة ابن هشام: وسائط كانت في لؤي بن غالب * نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ورهط نفيل شر من وطئ الحصى * وألام حاف من معد وناعل (Cool قبله أبيات وردت في ابن هشام ج 1 / 298.

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد * له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل (1) فوالله لولا أن أجئ بسبة * تجر على أشياخنا في المحافل لكنا تبعناه على كل حالة * من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الا باطل فاصبح فينا أحمد في أرومة * يقصر عنها سورة المتطاول (2) حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الاموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.
فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت
كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم (3) ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم، فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، [ فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ] (4) ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، تعبد اللات والعزى فيقول: - وهو في ذلك - أحد أحد.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك، وهو يقول أحد أحد، فيقول أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني
__________
(1) هذا البيت والذي قبله سقطا من السيرة.
(2) السورة: بفتح السين: الشدة والبطش، وبضمها: المنزلة.
(3) في ابن هشام: يصيبه.
(4) ما بين معقوفتين سقط من الاصل واستدركت من ابن هشام.
ج 1 / 339.

جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا (1).
قلت: قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول (يا أيها المدثر) فكيف يمر ورقة ببلال، هو يعذب وفيه نظر (2).
ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فاعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والاماء، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس (3) التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت حل أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال فبكم هما ؟ قالت بكذا وكذا.
قال قد أخذتهما
وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها.
قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؟ قال: [ أو ] ذلك إن شئتما.
واشترى جارية بني مؤمل - حي من بني عدي - كان عمر يضربها على الاسلام.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله.
قال قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: يا بني إني أراك تعتق ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعنونك (يمنعونك) ويقومون دونك ؟ قال فقال أبو بكر: يا أبة إني إنما أريد ما أريد.
قال: فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) إلى آخر السورة (4).
وقد تقدم ما رواه الامام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود.
قال أول من أظهر الاسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه [ أبي طالب ]، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.
ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا (5).
__________
(1) أي لاجعلن قبره موضع حنان فاتمسح به متبركا.
(2) وقد تقدم التعليق حول وفاة ورقة بعد فترة الوحي، كما جاء في البخاري، وأن ورقة لم يبق إلى إسلام بلال.
فليراجع في مكانه من هذا الجزء.
(3) كذا في الاصول: وفي ابن هشام: أم عبيس، وان التي أصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر هي زنيرة - كما عند ابن هشام - فقالت قريش عند ذلك: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: كذبوا وبيت الله، فرد الله بصرها.
(راجع ترجمتها في الاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة 4: 322 والاصابة ج 4 / 311).
(4) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 339 - 340 - 341.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 284 وقال: صحيح الاسناد، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الاولياء 1 / 149 وابن عبد البر في الاستيعاب.

قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة.
فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني -: " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة " (1) وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل، حدثنا السرى بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبيدالله، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: " أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة " (2) فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الاسلام.
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد.
قال: أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها (3).
وهذا مرسل.
قال محمد بن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن (4) رأيك، ولنضعن شرفك.
وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك.
وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به لعنه الله وقبحه.
قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال نعم والله ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي [ نزل ] به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له، اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم ! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم.
قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم) [ النحل: 106 ] الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الاهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن مسلم،
عن مسروق، عن خباب بن الارت.
قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد.
فقلت لا والله لاأكفر بمحمد حتى تموت
__________
(1) سيرة ابن هشام: 1 / 342.
(2) الخبر في دلائل البيهقي 2 / 282 وفيه: أو آل ياسر.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 388 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 293 عن عثمان وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(3) قال البيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أول شهيد كان في الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قبلها (ج 2 / 282 - راجع الاستيعاب 4 / 330 على هامش الاصابة، والاصابة 4 / 335).
(4) في نسخة البداية المطبوعة: ولنفلين رأيك، وهو تحريف.
ونفيلن رأيك: أي نقبحنه ونخطئنه .

ثم تبعث.
قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك ؟ فأنزل الله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا) إلى قوله: (ويأتينا فردا) [ مريم: 77 - 80 ] أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الاعمش به (1).
وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث.
وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان واسماعيل (2).
قالا: سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت [ يا رسول الله ] ألا تدعو الله [ لنا ] ؟ فقعد وهو محمر وجهه.
فقال: " قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عزوجل " زاد بيان " والذئب على غنمه " وفي رواية " ولكنكم تستعجلون " انفرد به البخاري دون مسلم (3).
وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وابن
جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب عن خباب.
قال شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا - يعني في الصلاة - وقال ابن جعفر: فلم يشكنا.
وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبابا يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا، قال شعبة يعني في الظهيرة.
ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب.
قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء - زاد البيهقي في وجوهنا وأكفنا - فلم يشكنا.
وفي رواية شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا.
وروا ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الاعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب.
قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا.
والذي يقع لي - والله أعلم - أن هذا
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 110 - 111.
وأخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة مريم.
وأخرجه مسلم في (50) كتاب المنافقين ح (36).
والبخاري في 34 كتاب البيوع 29 باب ح 2091 وفي 15 كتاب الاجارة (15) باب ح 2275 وفي 44 كتاب الخصومات (10) باب ح 2425.
وفي كتاب التفسير - تفسير سورة مريم 3 باب ح 4732 (فتح الباري).
(2) من البخاري والبيهقي.
وفي نسخ البداية المطبوعة: بنان وهو تحريف، وبيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد.
(3) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 29 باب ح 3852 عن الحميدي.
وقال البيهقي: وأخرجاه من أوجه آخر عن إسماعيل، والخبر ليس في مسلم إنما خرجه البخاري أيضا في الاكراه عن مسدد فتح الباري 12 / 315 وفي علامات النبوة في الاسلام عن إسماعيل فتح الباري 6 / 619.
وأخرجه أبو داود: في الجهاد عن اسماعيل.
وأحمد في مسنده 5 / 109.

الحديث مختصر من الاول وهو أنهم شكوا إليه صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم
عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الامر ويظهره ويعلنه وينشره وينصره في الاقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.
ولهذا قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا واكفنا فلم يشكنا، أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الابراد أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر والله أعلم.
باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس.
أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال لم ؟ قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله، قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له [ أو أنك كاره له ].
قال وماذا أقول ؟ فوالله مامنكم رجل أعرف بالاشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.
قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكر.
قال: إن هذا إلا سحر يؤثر بأثره عن غيره فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [ المدثر: 11 - 13 ] الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد [ بن علي ] الصنعاني بمكة عن إسحاق به.
وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا (1).
فيه أنه قرأ عليه: (إن الله يأمر بالعدل
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 198، وأخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 506 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.

والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [ النحل: 90 ] وقال البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، [ قال ]: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم (1) فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا.
فقيل: يا أبا عبد شمس، فقل، واقم لنا رأيا نقوم به (2)، فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع.
فقالوا نقول كاهن ؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان.
فما هو بزمزمة الكهان.
فقالوا نقول مجنون ؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
فقالوا (3) نقول شاعر ؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر: برجزه وهزجه، وقريضه ومقبوضه، ومبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا فنقول هو ساحر ؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وان أقرب القول لان تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [ المدثر: 11 - 13 ] الآيات وفي أولئك النفر (الذين جعلوا القرآن عضين، فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (4) [ الحجر: 91 - 93 ].
قلت: وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليئتنا بآية كما أرسل الاولون) [ الانبياء: 5 ] فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شئ يقولونه باطل، لان من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ.
قال الله تعالى: (أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) [ الاسراء: 48 ].
وقال الامام عبد بن حميد في مسنده حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن الاجلح - وهو ابن عبد الله الكندي - عن الذيال بن حرملة الاسدي عن جابر بن عبد الله.
قال: اجتمع قريش يوما فقالوا أنظروا
__________
= وقال البيهقي: وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة مرسلا، ورواه أيضا معتمر بن سليمان عن أبيه فذكره أتم من ذلك مرسلا.
(1) من البيهقي، وفي نسخة البداية المطبوعة: المواسم وهو تحريف.
(2) في ابن هشام: نقول به بدل نقوم به.
(3) من البيهقي، وفي نسخ البداية المطبوعة: فقال وهو تحريف.
(4) عضين: أي أصنافا.
والخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 198 وما بعدها .

أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة.
فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة (1) قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا.
والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى: أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباه فأختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا.
فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرغت ؟ " قال نعم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) إلى أن بلغ: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) [ فصلت: 2 - 3 ].
فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا ؟ قال لا، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك ؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته.
قالوا: فهل أجابك ؟ فقال نعم ! ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.
قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة.
وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الاصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الاجلح به.
وفيه كلام، وزاد: وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أمسك عتبة (2) على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.
فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه فأتوه.
فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.
فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا.
وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته - وقص عليهم القصة - فأجابني بشئ والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ: (فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن
__________
(1) السخلة: تطلق على الذكر والانثى من أولاد الضأن.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: عقبة وهو تحريف.

ينزل عليكم العذاب (1).
ثم قال البيهقي: عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن
يونس عن محمد بن إسحاق [ قال: ] حدثني يزيد بن زياد (2) مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة (3)، وكان سيدا حليما.
قال - ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد -: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا.
قالوا: بلى يا أبا الوليد ! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والملك وغير ذلك.
وقال ابن إسحاق (4) فقال عتبة: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد ! فقم إليه وكلمه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:37 pm

فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة (5) في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت [ به ] جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم.
فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا الوليد اسمع ".
قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت نريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " قال نعم ! قال اسمع مني، قال افعل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حم تنزل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال: " سمعت يا أبا الوليد ؟ قال سمعت.
قال: " فأنت وذاك " ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله
__________
(1) دلائل البيهقي 2 / 203.
(2) من السيرة ودلائل البيهقي، وفي نسخ البداية المطبوعة: بن أبي زياد وهو تحريف.
(3) عتبة بن ربيعة (2000 ه = 624000 م) بن عبد شمس، أبو الوليد: كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية.
كان موصوفا بالرأى والحلم والفضل، نافذ القول.
نشأ يتيما في حجر حرب ابن أمية، أول ما عرف منه توسطه للصلح في حرب الفجار.
أدرك الاسلام وطغى فشهد بدرا مع المشركين.
أحاط به علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فقتلوه.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: زياد بن إسحاق وهو تصحيف.
(5) في نسخ البداية المطبوعة: الشطر وهو تحريف، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام والسطة: الشرف.

لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي.
خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ [ عظيم ]، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم (1).
ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة.
وقال البيهقي (2): أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الادمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي، حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر.
قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني في هذا الامر اليوم، وأعصوني فيما بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه.
وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.
ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري.
قال:
حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والاخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رأكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا.
ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود.
فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذه عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [ وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها ] (3) فقال الاخنس: وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال ماذا سمعت، تنازعنا
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 314 ودلائل البيهقي 2 / 204 - 205 وما بين معقوفتين في الحديث من السيرة والدلائل.
(2) دلائل البيهقي 2 / 206.
(3) ما بين معقوفتين سقط من الاصل والدلائل واستدرك لمقتضى السياق من الاكتفاء للكلاعي.

نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، واعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نسمع (1) به أبدا ولا نصدقه.
فقام عنه الاخنس بن شريق ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة.
قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في
بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي جهل: " يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ".
فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت ؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك (2).
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأقبل علي فقال: والله إني لاعلم أن ما يقول حق، ولكن [ يمنعني ] شئ.
إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة.
فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم.
ثم قالوا فينا الندوة، فقلنا نعم.
ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا نعم.
ثم أطعموا وأطعمنا.
حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي، والله لا أفعل (3).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، حدثنا محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن خلف، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق.
قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل وأبي سفيان، وهما جالسان.
فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس.
قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي ؟ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل.
فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع.
فأتاهما فقال: " أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للاصل.
وأما أنت يا أبا الحكم، فوالله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا " فقال: بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك.
هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة.
وقول أبي جهل - لعنه الله - كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا، أهذا الذي بعث الله رسولا ؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها.
وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) [ الفرقان: 41 - 42 ].
وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [ الاسراء: 110 ] قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا
__________
(1) في الدلائل: لا نؤمن به.
(2) في الدلائل: ما اتبعتك، وهو مناسب أكثر.
(3) دلائل النبوة 2 / 207.

القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وابتغ بين ذلك سبيلا) وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به (1).
وقال محمد بن إسحاق (2): حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن - وهو يصلي - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع، دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) فيتفرقوا عنك (ولا تخافت بها) فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به (وابتغ بين ذلك سبيلا).
باب هجرة أصحاب رسول الله، من مكة إلى أرض الحبشة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد.
والاهانة البالغة.
وكان الله عزوجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنعه بعمه أبي طالب، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة.
وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة (3)، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة.
وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام،
ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو (4)، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 23، 215.
(2) سيرة ابن هشام ج 1 / 335.
(3) نقل البيهقي في الدلائل قال: وأما الهجرة الثانية وهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث النبي 2 / 297.
ووافق الطبري الواقدي في أن مخرجهم في الهجرة الاولى كان في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، 2 / 221 دار القاموس الحديث.
ويرى البيهقي أن الهجرة الاولى اقتصرت على عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع الدلائل ج 2 / 297.
(4) كذا في الطبري، وفي ابن هشام: يقال: أبو حاطب بن عمرو.

أجمعين.
قال ابن جرير وقال آخرون بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشك.
فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا.
وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عزوجل، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء.
قال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة ؟ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه " فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم.
فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى عن الحسن بن زياد البرجمي، حدثنا قتادة.
قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه وسمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة - يعني أنس بن مالك - يقول: خرج
عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته.
قال: " على أي حال رأيتهما ؟ " قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة (2)، وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صحبهما الله، أن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام " (3).
قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو - وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة - والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة - وولدت له بها زينب - وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة - حليف آل الخطاب، وهو من بني عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر - وهو أول من قدمها فيما قيل - وسهيل بن بيضاء - فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.
قال ابن هشام.
وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم.
قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر.
وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة.
__________
(1) سيرة ابن هشام 1 / 344.
(2) في البيهقي: الدبانة.
(3) دلائل البيهقي 2 / 297 وذكر الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 80 - 81 وقال: رواه الطبراني وفيه عثمان ابن خالد العثماني وهو متروك.

وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب، وفي هذا نظر والله أعلم.
وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها.
وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا، حين بلغهم أن
المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة.
وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانه.
قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا.
وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الاول أظهر كما سيأتي بيانه والله أعلم.
لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم والمترجم عنهما عند النجاشي وغيره، كما سنورده مبسوطا.
ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم.
وهم عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث [ بن حمل ] بن شق الكناني.
وأخوه خالد، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي.
وولدت له بها سعيدا، وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير، فولدت له عمرا وخالدا.
قال وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة، وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي سعيد بن العاص قال ابن هشام: وهو من دوس.
قال وأبو موسى [ الاشعري ] (1) عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة.
وسنتكلم معه في هذا.
وعتبة بن غزوان، ويزيد بن زمعة بن الاسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير (2) بن عبد [ بن قصي ] (3)، وسويبط بن سعد بن حرملة (4)، وجهم بن قيس العبدوي (5)، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن جذيمة (6)، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة.
وولدت بها عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الاسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة (7)، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة، وعمرو بن عثمان بن
__________
(1) من سيرة ابن هشام.
(2) من سيرة ابن هشام، وفي نسخ البداية المطبوعة والاستيعاب: كثير.
(3) زيادة من شرح السيرة لابي ذر.
(4) من السيرة وفي نسخ البداية المطبوعة حريملة وهو تحريف.
(5) العبدوي نسبة إلى عبدالدار، وهو بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
(6) من السيرة وفي نسخ البداية المطبوعة: خزيمة.
(7) في السيرة: جبلة.

عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي - قال (1) وإنما سمي شماسا لحسنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو (2) بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، ومعتب بن عوف بن عامر - ويقال له عيهامة - وهو من حلفاء بني مخزوم.
قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة، وابناه منها جابر وجنادة، وابنها من غيره، وهو شرحبيل بن عبد الله - أحد الغوث بن مزاحم بن تميم، وهو الذي يقال له شرحبيل بن حسنة (3)، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد (4) بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد (4)، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد ابناء الحارث، وسعيد بن قيس بن عدي لامه وهو سعيد بن عمرو التميمي، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد (4) بن سهم، وحليف لبني سهم: وهو محمية بن جزء الزبيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العزى،
وعدي بن نضلة بن عبد العزى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مخرمة العامري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سؤدة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدى، وأبو حاطب بن عمرو العامري، وحليفهم سعد بن خولة - وهو من اليمن، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وسهيل بن بيضاء - وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن ضبة بن الحارث، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوات، وسعيد (5) بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث الفهريون.
قال ابن إسحاق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم
__________
(1) القائل: ابن هشام.
كما في السيرة.
(2) في السيرة: عمر.
(3) قاله ابن هشام.
(4) " سعد " في السيرة وقد تقدم التعليق حوله فليراجع.
(5) في السيرة: سعد.

الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.
قلت: وذكر ابن إسحاق أبا موسى الاشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جدا.
وقد قال الامام أحمد حدثنا حسن بن موسى سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود.
قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحوا من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن
مظعون، وأبو موسى (1) فأتوا النجاشي.
وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد (2) بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا.
قال فأين هم ؟ قالا: في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك ؟ قال إنا لا نسجد إلا لله عزوجل قال وما ذاك ؟ قال إن الله بعث إلينا رسولا ثم أمرنا أن لا نسجد لاحد إلا لله عزوجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة.
قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه ؟ قال نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد.
قال فرفع عودا من الارض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنه الذي نجد في الانجيل.
وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه.
وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا.
وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته.
وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن.
وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة،
__________
(1) سقط اسم أبي موسى من روايتي البيهقي وعيون الاثر.
وسقط اسم عبد الله بن عرفطة من رواية البيهقي.
(راجع عيون الاثر 1 / 118 دلائل البيهقي 2 / 298).
(2) في رواية ابن اسحاق: لم يذكر مع عمرو إلا عبد الله بن أبي ربيعة في رواية زياد، وفي رواية ابن بكير لعمارة بن الوليد ذكر.
وقيل عمرو بن العاص ذهب إلى الحبشة مرتين مرة قبل بدر مع عمارة ومرة بعد بدر ومعه عبد الله بن أبي ربيعة.
ولعمرو وعمارة خلال وجودهما في الحبشة قصة طويلة رواها كثيرون منهم أبو الفرج الاصفهاني في كتاب الاغاني.
وعبد الله بن أبي ربيعة كان اسمه بحيرى فسماه رسول الله حين أسلم عبد الله وهو والد عمر بن عبد الله بن أبي
ربيعة الشاعر مات في خلافة عثمان.

إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم.
وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر.
فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل.
وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل.
وحدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيدالله (1) بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى.
قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي (2)، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك.
قال لهم النجاشي في أرضي ؟ قالا نعم ! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد.
أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره.
والقسيسون جلوس سماطين.
وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك.
فلما انتهينا بدرنا (3) من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عزوجل.
فلما انتهينا إلى النجاشي قال ما منعك أن تسجد ؟ قال لا نسجد إلا لله.
فقال له النجاشي: وما ذاك ؟ قال إن الله بعث فينا رسولا - وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته
أخرجه من العذراء البتول التي لم يقر بها بشر ولم يفرضها ولد: فتناول النجاشي عودا من الارض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه.
مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى.
ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعليه، أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة.
وقال ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني.
فقال له عمرو: ألا تستحي ؟ فأخذ عمارة عمرا فرمي به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة
__________
(1) في دلائل النبوة لابي نعيم ص 205: عبد الله.
(2) في دلائل أبي نعيم ودلائل البيهقي أرض الحبشة.
(3) في دلائل البيهقي: فزبرنا.

حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك.
فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي على الحسن بن سلام السواق عن عبيدالله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله: فأمر لنا بطعام وكسوة قال وهذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بعض وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالاقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر.
قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه.
قال ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم (1).
وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا
بريد (2) بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى.
قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا (3) النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان " وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد [ بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى ] كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم.
وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من تاريخه من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص.
وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم.
وأم سلمة كما سيأتي.
فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا.
رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي.
قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه.
قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي.
فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سفلتنا (4) وسفهائنا، فادفعهم إلينا، قال: لا حتى أسمع كلامهم.
قال فبعث إلينا
__________
(1) دلائل النبوة ج 1 / 299 - 300.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: يزيد وهو تحريف، وما أثبتناه من البخاري.
(3) في البخاري: فوافقنا.
(4) قال الاستاذ حسن في تاريخ الاسلام السياسي 1 / 87: " لم يفكر الرسول في هجرة المسلمين إلى إحدى القبائل العربية، لانها كانت ترفض دعوته في مواسم الحج مجاملة لقريش أو تمسكا بدينها الوثني، وكذلك لم يفكر في =

فقال: ما يقول هؤلاء ؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الاوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه.
فقال لهم النجاشي أعبيد هم لكم ؟ قالوا: لا.
فقال: فلكم عليهم دين ؟ قالوا لا.
قال فخلوا سبيلهم.
قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير
ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار.
فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الاولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم ؟ قلنا يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا لي فلان القس، وفلان الراهب.
فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول ؟ قال النجاشي - وأخذ شيئا من الارض - قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحدا ؟ قالوا: نعم ! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم ؟ قلنا لا، فأضعفها.
قال فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا.
قال نعم ! فحملنا وزودنا.
ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله.
وقل له يستغفر لي.
قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقني، ثم قال: " ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر ؟ " ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا ؟ فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وقال لي قل له يستغفر لي.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات " اللهم اغفر للنجاشي " فقال المسلمون آمين.
ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال ابن عساكر حسن غريب.
وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة رضي الله عنها.
أنها قالت: لما ضاقت مكة [ علينا ] وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم،
__________
= الهجرة إلى مواطن أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين، لان كلا من الجاليتين اليهودية والمسيحية كانت تنازع الاخرى وتنافسها في النفوذ الادبي ببلاد العرب، فهما والحالة هذه لا تقبلان منافسا ثالثا خصوصا إذا كان من العرب الذين كانوا يحتقرونهم، أما اليمن وكانت مستعمرة للفرس ولم يدينوا بدين سماوي فلم يطمئن الرسول
إلى الالتجاء إليها، وكذلك كان شأن الحيرة التي كانت - في ذلك الوقت - بعيدة عن مكة أما الشام فهي بعيدة كذلك.
فضلا عما كان يسودهما - الشام والحيرة - من الاضطراب، إلى جانب أن لقريش صلات وثيقة ومصالح متبادلة وزيارات متبادلة.
لذلك اتجه الرسول إلى بلاد الحبشة لما كان يعرف في ملكها من العدل والتسامح وقال بروكلمان ص 40: إن النبي كان لا يعتبر أن دينه - في ذلك الوقت - يختلف اختلافا كبيرا عن النصرانية فالنجاشي أقرب ممثل سياسي للنصرانية يمكن أن يحتمي به.

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما.
فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم أدفعوا إليه هداياه فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا.
فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا (1)، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم.
فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل.
ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه.
قالوا له: أيها الملك: إن فتية منا سفهاء (2) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فانهم أعلا بهم عينا (3)، فانهم لن
يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك.
فغضب ثم قال: لا لعمر الله ! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل (4) بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا - [ وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم.
فقال: لا والله ! حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه ؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له.
فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني مالكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم ؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم ؟ أنصارى أنتم ؟ قالوا: لا.
قال أفيهود أنتم ؟ قالوا: لا.
قال: فعلى دين قومكم ؟ قالوا: لا.
قال فما دينكم ؟ قالوا: الاسلام.
قال وما الاسلام ؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا.
قال: من جاءكم بهذا ؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الامانة، ونهانا أن نعبد
__________
(1) في الدلائل للبيهقي: في سفهاء من سفهائنا.
(2) في نسخة من الدلائل: من سفهائنا.
(3) في الدلائل: فهم أعلاهم عينا.
أي أبصر بهم.
أي عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم.
(4) في الدلائل: ولم أخل.
والعبارة في ابن هشام: وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

الاوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الاوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا.
قال: والله إن هذا لمن المشكاة (1) التي خرج منها أمر موسى.
قال جعفر: وأما التحية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا.
وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول.
فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا
وزن هذا العود.
فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك.
فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله.
معاذ الله من ذلك.
وقال يونس عن ابن إسحاق ] (2) فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون ؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف.
وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية.
فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الاوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:38 pm

فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الارحام ونحمي الجوار ونصلي لله عزوجل، ونصوم له، ولا نعبد غيره.
وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
قال (3) - فعدد عليه أمور الاسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الاوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما
__________
(1) المشكاة: قال صاحب لسان العرب: " وفي حديث النجاشي: إنما يخرج من مشكاة واحدة.
المشكاة: الكوة غير النافذة، وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل " أراد أن القرآن والانجيل كلام الله تعالى، وأنهما من شئ واحد.
(2) ما بين معقوفتين لم يرد في ابن هشام ولا في الدلائل.
(3) في ابن هشام: قالت، أي أم سلمة، عدوا: في الاصل وأثبتنا ما في ابن هشام.

قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال [ له ] النجاشي: هل معك شئ مما جاء به [ عن الله ] ؟ [ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ] (1).
فقال له جعفر ! نعم: قال هلم فاتل علي مما جاء به، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [ حين سمعوا ما تلا عليهم ].
ثم قال [ لهم ]: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا (2).
فخرجنا من عنده وكان أتقى (3) الرجلين فينا عبد الله بن [ أبي ] ربيعة.
فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم (4)، ولاخبرته أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد.
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا.
فقال: والله لافعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عنه.
فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم (5) عنه ؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فدلى النجاشي يده إلى الارض فأخذ عودا (6) بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطارقته.
فقال: وإن تناخرتم والله ! اذهبوا فأنتم سيوم في الارض - السيوم الآمنون في الارض، ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب.
وقال زياد عن ابن إسحاق ما أحب أن لي دبرا من ذهب.
قال ابن هشام: ويقال زبرا (7) وهو الجبل بلغتهم.
ثم قال النجاشي:
فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.
ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها.
وأخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به.
قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في
__________
(1) سقطت من ابن هشام واستدركت من دلائل النبوة للبيهقي.
(2) العبارة في ابن هشام: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.
(3) من ابن هشام، وفي الاصول ونسخ البداية المطبوعة: أبقى وهو تحريف.
وفي الدلائل: أبقى.
(4) خضراءهم: شجرتهم التي منها تفرعوا.
(5) في السيرة والدلائل: سألكم.
(6) في الدلائل: عويدا.
(7) في السيرة: ويقال: دبرا من ذهب، والدبر: الجبل.

ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون ؟ وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
فجائا الزبير فجعل يليح (1) لنا بردائه ويقول ألا فابشروا، فقد أظهر الله النجاشي.
قلت: فوالله ما علمنا [ أننا ] فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي (2) ثم اقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة، وأقام من أقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة.
فقال عروة: أتدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس
فيه ؟ فقلت لا ! ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة.
فقال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لاب النجاشي ولد غير النجاشي فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه.
فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وأنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا.
قال: ويحكم قتلتم أباه بالامس واقتله اليوم.
بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشى هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون (3) ليس في أحد منهم خير فمرج (4) على الحبشة
__________
(1) في ابن هشام: يلمع.
(2) العبارة في ابن هشام: ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
والخبر بطوله في السيرة ج 1 / 357 - 361 بتغيير طفيف في الالفاظ، وفي دلائل النبوة للبيهقي ج 2 / 303 - 304.
(3) محمقون: المحمق الذي يلد الحمقى.
(4) مرج: قلق واضطراب أمرهم.
وفي هذا دليل على طول المدة في مغيب النشاجي عنهم، راجع الروض الآنف.

أمرهم.
فقال بعضهم لبعض تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه واجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك.
فقال: إذا والله لاكلمنه، فمشى إليه فكلمه فقال أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض مني الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء.
فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه (1).
وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك، فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار (2)، فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا، وسياق ابن إسحق أحسن وأبسط فالله أعلم.
والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والذي ذكره موسى بن عقبة والاموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة.
وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الاشعري.
والمقصود أنهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمر ومعه وعمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع إليها.
فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش.
- وقد ذكر الاموي - قصة مطولة جدا وأنه عاش إلى زمن أمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول أرسلني أرسلني وإلا
مت فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم.
وقد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الاول مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبي ربيعة.
نص عليه أبو نعيم في الدلائل والله أعلم.
وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله
__________
(1) سيرة ابن هشام 1 / 364 ودلائل البيهقي 1 / 301.
(2) الخبر في دلائل البيهقي من طريق اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة 2 / 295 وفيه: فقال التاجر: دعه حتى إذا أردت الخروج فآذني فأدفعه إليك فآذنه التاجر بخروجه فأرسل بالنجاشي حتى أوقفه عند السفينة ولا يدري النجاشي ما يراد به، فأخذ الله عزوجل عمه الذي باعه صعقا فمات.

الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي رضي الله عنه وأرضاه إلى شئ مما سألوا فالله أعلم.
وقد ذكر زياد (1) عن ابن إسحاق: أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الاحسان إلى من نزل عنده من قومه: ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر * وعمرو وأعداء العدو الاقارب وما نالت أفعال النجاشي جعفرا * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (2) ونعلم، ابيت اللعن، أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك المجانب (3) ونعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب (4) وقال يونس (5) عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير.
قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمشهور أن جعفرا هو المترجم رضي الله عنهم.
وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها.
قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به لما مات النجاشي رضي الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
وقال زياد عن محمد بن إسحاق:
حدثني جعفر بن محمد عن أبيه.
قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا.
وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا.
ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له.
فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا: بلى ! قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم ؟ قالوا خير سيرة.
قال: فما بكم ؟ قالوا فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبده ورسوله.
قال ؟ فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا:
__________
(1) هو زياد البكائي راوي السيرة عن ابن هشام.
(2) في ابن هشام: وهل نالت، بدل وما نالت، وفي نسخة لابن هشام: فهل نال أفعال.
(3) في ابن هشام: لديك بدلا من إليك.
أبيت اللعن: تحية كانوا يحيون بها الملوك في الجاهلية.
(4) بعده في ابن هشام: وأنك فيض ذو سجال غزيرة * ينال الاعادي نفعها والاقارب (5) يونس: هو يونس بن بكير راوي السيرة عن ابن هشام.

يقول هو ابن الله.
فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه -: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات (1).
وقال البخاري: موت النجاشي: حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشي - مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة.
(2).
وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد
وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر (3) وكان عبدا صالحا لبيبا زكيا وكان عادلا عالما رضي الله عنه وأرضاه.
وقال يونس عن ابن إسحاق اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي أصحم وهو بالعربية عطية قال وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل.
قلت: كذا ولعله يريد به قيصر فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك.
وقال بعض العلماء إنما صلى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه فلهذا صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
قالوا: فالغايب إن كان قد صلي عليه ببلده لاتشرع الصلاة عليه ببلد أخرى ؟ ولهذا لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم.
قلت: وشهود أبي هريرة رضي الله عنه الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم فتح خيبر ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبي طالب " وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الاشعري وقومه من الاشعريين رضي الله عنهم، ومع جعفر
__________
(1) أخرجه البخاري في 23 كتاب الجنائز (4) باب ومسلم في 11 كتاب الجنائز 22 باب ح 62 ومالك في الموطأ في كتاب الجنائز.
(2) المصدر السابق: وكان موت النجاشي في رجب من سنة تسع ونعاه رسول الله، وصلى عليه بالبقيع.
(3) في الاصل أصحمة بن أبجر، وأثبتنا ما في القاموس.

وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذونخترا أو ذو مخمرا أرسله ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم عوضا عن عمه رضي الله عنهما وأرضاهما.
وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم.
وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي، العلاء بن مدرك، حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبي غالب عن أبي أمامة.
قال قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.
فقال: " إنهم كانوا لاصحابي مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ".
ثم قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني: أنبأنا أبو سعيد بن الاعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن الاوزاعي، عن يحي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة.
قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.
فقال: " إنهم كانوا لاصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ".
تفرد به طلحة بن زيد عن الاوزاعي.
وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو.
قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج ؟ فقال عمرو: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى غاظوا (1) قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر [ بن الخطاب ] فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (2).
قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب (3).
وقال زياد
البكائي: حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم.
قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
__________
(1) في السيرة: عازوا: أي غلبوا قريشا.
(2) سيرة ابن هشام: 1 / 366.
(3) في 62 كتاب فضائل الصحابة (6) باب وفي 63 كتاب مناقب الانصار 35 باب والبيهقي في الدلائل عنه ج 2 / 215

الحبشة.
[ قال ابن إسحاق ] حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله (1) بنت أبي حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عمر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف علي وهو على شركه، فقالت: وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا، قالت: فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت نعم ! والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذا آذيتمونا وقهرتمونا ؟ حتى يجعل الله لنا مخرجا (2).
قالت فقال صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا.
قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا.
قال: أطمعت في إسلامه قالت قلت: نعم ! قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الاسلام (3).
قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الاربعين من المسلمين فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الاربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق ههنا في قصة إسلام عمر وحده رضي الله عنه، وسياقها فإنه قال: وكان إسلام
عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون باسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من بني عدى قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه [ فرقا ] من قومه، وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا (4) له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر ؟ قال أريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله.
فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الارض وقد قتلت محمدا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال: وأي أهل بيتي، قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، فعليك بهما فرجع عمر
__________
(1) واسمها: ليلى بنت أبي حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وكانت من المهاجرين الاوائل إلى الحبشة.
(2) وفي نسخة من السيرة: فرجا.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 367 ودلائل البيهقي 4 / 221.
(4) من ابن هشام وفي الاصل فذكروا.

عائدا إلى أخته فاطمة، وعندها خباب بن الارت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع (1) لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها: فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا (2) له ما سمعت شيئا.
قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا
على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد.
فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما باخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لاخته أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤن آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمدا ؟ وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخي إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا.
قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.
فلما سمع ذلك خباب بن الارت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إني لارجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام - أو بعمر بن الخطاب - فالله الله يا عمر.
فقال [ له ] عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.
فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف، فقال حمزة، فأذن له فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ايذن له " فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لاومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن
__________
(1) مخدع: بضم الميم وفتحها، البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير (النهاية لابن الاثير).
(2) قالا له: أي فاطمة أخته وزوجها سعيد بن زيد.

روى ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول: كنت للاسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (1) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أني جئت فلانا الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال: فقلت لو أني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الاسود واليماني، قال فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت: لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه.
فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة.
قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي، وبكيت ودخلني الاسلام، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية -.
قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لاوذيه، فنهمني (2) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال قلت جئت لاومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " قد هداك الله يا عمر " ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته.
قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان.
قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الاحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر.
قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه، قال عبد الله [ بن عمر ] وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كما رأيت - حتى جاءه فقال له: اعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلا صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا.
قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم.
قال وطلح (3) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد
__________
(1) الحزورة: بفتح الحاء وسكون الزاي وفتح الواو: سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه.
(2) نهمني، من النهم: الزجر.
(3) طلح: أعيا.

كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.
قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم ؟ فقالوا صبأ عمر، قال فمه ؟ رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل.
قال فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه.
قال فقلت لابي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال: ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي (1)، وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لان ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم (2).
وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الاصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن
إسحاق.
قال ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عزوجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا.
فيقال إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان.
ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 373 - 374.
(2) في اسلام عمر تعددت الروايات والاحاديث فعن أسلم قال: أسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وعن ابن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة وقال البيهقي عن ابن اسحق: قال أسلم والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة.
وقال ابن الاثير في الكامل: أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة، وكان اسلامه بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة.
وقيل في إسلامه غير هذا.
قال بروكلمان: وكان من آثار ذلك أن قرر المكيون التعويض عن هذه الخسارة - إسلام عمر - اللجوء إلى تدابير جديدة اقسى، فقاطعوا محمدا وجميع أتباعه وحاصروهم في الحي الذي يسكنونه في شعب أبي طالب.
(أنظر ابن الاثير الكامل - بروكلمان تاريخ الشعوب الاسلامية).

أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لانبتغي الجاهلين).
فصل قال البيهقي في الدلائل: باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ثم روى عن الحاكم عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق.
قال: هذا كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي (1) الاصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسوله فأسلم تسلم (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم.
أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك.
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة وفي ذكره ههنا نظر، فإن الظاهر أن هذه الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب إلى ملوك الارض يدعوهم إلى الله عزوجل قبيل الفتح كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي.
قال الزهري: كانت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران، وهي مدنية بلا خلاف فإنه من صدر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.
فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الاول، وقوله فيه إلى النجاشي الاصحم لعل الاصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم والله أعلم.
وأنسب من هذا ههنا ما ذكره البيهقي أيضا عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه - بمرو - حدثنا حماد بن أحمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق.
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى [ بن مريم ] روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت
بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله
__________
(1) في دلائل البيهقي ج 2 / 308 وفي الحاكم 2 / 623: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الاصحم..وفي الحاكم: النجاشي الاصحم عظيم الجيش.

عزوجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله باريحا بن الاصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق (1).
فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية.
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله.
فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.
فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعوا (2) على ذلك، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا (3) في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل.
فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين (4)، واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الاسواق فلا يتركوا لهم طعاما
__________
(1) دلائل البيهقي ج 2 / 309 - 310.
(2) في دلائل البيهقي: واجتمعوا، وما أثبتناه مناسب أكثر.
(3) كتبها: منصور بن عكرمة العبدري كما في طبقات ابن سعد.
راجع في تعاقد قريش على بني هاشم، وبني المطلب وكتابتهم صحيفة هذا العقد: ابن هشام 1 / 371 ابن سعد 1 / 139 الطبري 2 / 325 النويري 16 / 258 السيرة الحلبية 1 / 449 الدرر في اختصار المغازي والسير، وسبل الهدى والرشاد.
(4) كان هذا العقد والحصار لبني هاشم وبني عبد المطلب في ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل بل إلى السنة التاسعة.

يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو أخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الارضة فلحست كلما كان فيها
من عهد وميثاق.
ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيه إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله عزوجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي طالب.
فقال أبو طالب: لا والثواقب (1) ما كذبني فانطلق يمشي بعصابته من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم، أنكروا ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فعله (2) أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم.
وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم.
فقالوا أبو طالب: إنما أتيتكم لاعطيكم أمرا لكم فيه نصف (3)، إن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - إن الله برئ من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هوله فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم.
فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فافيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم.
قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وعلى المسلمين ] (4) والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه.
فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون فإنا
__________
(1) الثواقب: النجوم جمع ثاقب وهو النجم المضئ.
(2) في ابن سعد: فلعله.
(3) نصف: النصف هي المرأة بين الحدثة والمسنة، والمراد هنا: الامر الوسط بيننا وبينكم لا حيف فيه علينا، ولا عليكم.
(4) من دلائل البيهقي.

نعلم إن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس [ الله ] ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم ؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الاسود وهشام بن عمرو (1)، وكانت الصحيفة عنده (2) وهو من بني عامر بن لؤي - في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن برءاء مما في هذه الصحيفة.
فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضى بليل وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرؤا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي (3).
قال البيهقي: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ - يعني من طريق ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير - يعني كسياق موسى بن عقبة رحمه الله - وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك فالله أعلم.
قلت: والاشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التي قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها ههنا أنسب والله أعلم.
ثم روى البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إسحاق.
قال: لما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه.
فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني (4) عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ثم ذكر القصة بطولها
في دخولهم شعب أبي طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الارضة فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك
__________
(1) زاد ابن سعد: عدي بن قيس، ولم يأت على ذكر هشام بن عمرو.
(2) قال ابن سعد في الطبقات: علقوا الصحيفة في جوف الكعبة وفي رواية أخرى: كانت عند أم الجلاس بنت مخربة الحنظلية خالة أبي جهل.
(3) الابيات في سيرة ابن هشام 1 / 373 من قصيدة مطلعها: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب (4) في الدلائل وسيرة ابن هشام: بني المطلب وهو الصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:41 pm

عمه أبو طالب، ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم.
وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا.
وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الاسلام يفشو في القبائل فاجتمعوا وأئتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي.
قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه.
وقال الواقدي: كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العبدوي.
قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق، وهو الذي
شلت يده فما كان ينتفع بها وكانت قريش تقول بينها: أنظروا إلى منصور بن عكرمة.
قال الواقدي: وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة.
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم.
وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشا.
فقال: يا ابنة عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها ؟ قالت: نعم ! فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول - في بعض ما يقول - يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يده فيقول تبا لكما لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد.
فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب).
قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب: ألا أبلغا عني على ذات بيننا * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب (1)
__________
(1) علق السهيلي على عجز هذا البيت قال: " وهو مشكل جدا لان لا في باب التبرئة لا تنصب مثل هذا إلا منونا، تقول: لا خيرا من زيد في الدار، وإنما تنصب بغير تنوين إذا كان الاسم غير موصول بما بعده.
وأشبه ما يقال في بيت أبي طالب أن خيرا مخفف من خير (كهين وميت) وقوله ممن من متعلقة بمحذوف، كأنه قال: لا خير أخير ممن خصه الله.
وخير وأخير: لفظان من جنس واحد.
فحسن الحذف استثقالا لتكرار اللفظ.

وأن الذي الصقتموا من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب (1) أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب (2) بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب (3) كأن مجال (4) الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة عن الرعب قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم (5) بن الحارث بن أسد.
فقال: مالك وله.
فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل، قال: فأبى أبو جهل - لعنه الله - حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتون بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا مناديا بأمر الله تعالى لا يتقي فيه أحدا من الناس.
__________
(1) راغية السقب: من هو الرغاء، وهو أصوات الابل.
والسقب: ولد الناقة، وأراد به هنا ولده ناقة صالح عليه السلام.
(2) أترت: قطعت.
القساسية سيوف تنسب إلى قساس وهو جبل لبني أسد فيه معدن الحديد.
(3) النسور الطخم: ذات الرؤوس السود.
(4) من ابن هشام، وفي الاصل ونسخ البداية المطبوعة وبعض نسخ ابن هشام: ضحال ولا معنى لها.
(5) من ابن هشام وابن سعد، وفي الاصل: هشام وهو تحريف.

[ المستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وما ظهر فيهم ] (1) فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزؤن به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل [ فيه ] القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار.
فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه، وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة) السورة بكمالها فيه.
والعاص بن وائل ونزول قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا) [ مريم: 77 ] فيه.
وقد تقدم شئ من ذلك.
وأبا جهل بن هشام وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك (2) [ الذي تعبد ] (3) ونزول قول الله فيه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) [ الانعام: 108 ] الآية.
والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة (4) - ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي - وجلوسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الاولين اكتتبها كما اكتتبها، فأنزل الله تعالى: (وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) [ الفرقان: 5 ] وقوله: (ويل لكل أفاك أثيم) [ الجاثية: 7 ].
قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم [ في المجلس ]، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه
وعليهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) [ الانبياء: 98 - 100 ].
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس.
فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام والله ما مقام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم (5).
فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا
__________
(1) سقطت من الاصول: واستدرك لزيادة الايضاح.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل آلهتك وهو تحريف.
(3) ما بين معقوفتين استدركت من ابن هشام.
(4) قال الخشني: والصواب علقمة بن كلدة.
(5) حصب جهنم: كل ما أوقدت به.
قال أبو ذؤيب الهذلي: فأطفئ ولا توقد ولا تك محصبا * لنار العداة أن تطير شكاتها

محمدا: أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى.
فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، أنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته " فأنزل الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) [ الانبياء: 101 - 102 ] أي عيسى وعزير ومن عبد من الاحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى.
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) [ الانبياء: 26 - 29 ] والآيات بعدها.
ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) [ الزخرف: 57 - 58 ] وهذا الجدل الذي
سلكوه باطل.
وهم يعلمون ذلك لانهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل، فقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الاحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرا، ولا أحدا من الصالحين لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى.
فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) ثم قال: (إن هو) أي عيسى (إلا عبد أنعمنا عليه) أي بنبوتنا (وجعلناه مثلا لبني اسرائيل) أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الاخرى: (ولنجعله آية للناس) أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة (ورحمة منا) نرحم بها من نشاء.
وذكر ابن إسحاق: الاخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه: (ولا تطع كل حلاف مهين) [ نون: 10 ] الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث.
قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (1) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين.
ونزل قوله فيه: (وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [ الزخرف: 31 ] والتي بعدها، وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا ؟ وسمعت منه وجهي من وجهك حرام [ أن أكلمك - وأستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه ] (2) إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة - لعنه الله -،
__________
(1) في ابن هشام: عمرو بن عمير.
(2) ما بين معكوفتين من سيرة ابن هشام.

فأنزل الله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتنا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) [ الفرقان: 27 - 28 ] والتي بعدها.
قال ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد
أرم (1).
فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: نعم ! أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك النار.
وأنزل الله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) [ يس: 78 - 79 ] إلى آخر السورة.
قال واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة - الاسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل [ وكانوا ذوي أسنان في قومهم ] (2).
فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر.
فأنزل الله فيهم: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) إلى آخرها.
ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم.
قال: أتدرون ما الزقوم ؟ هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فأنزل الله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الاثيم) [ الدخان: 43 - 44 ] قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه فمر به ابن أم مكتوم (3) - عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة - الاعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه (4) فأنزل الله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الاعمى) إلى قوله: (مرفوعة مطهرة) وقد قيل ان الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم (5).
__________
(1) أرم: بلى.
(2) ما بين معقوفتين من ابن هشام.
(3) وكان اسمه عبد الله وقيل عمرو.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 389 وما بعدها.
(5) ذكر البيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والاسود بن عبد يغوث الزهري والاسود بن المطلب أبو زمعة والحارث بن عنطلة السهمي والعاص بن وائل.
- فالاسود بن عبد يغوث بن وهب بن زهرة، ابن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البلاذري عنه: " كان إذا رأى المسلمين قال لاصحابه: قد جاءكم ملوك الارض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد.
- أما الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام شق عليه فدعا عليه أن يعمي الله بصره ويثكله ولده.
- الحارث بن قيس السهمي ابن العنطلة: نسب إلى أمه، نزل فيه في قول: " ارأيت من اتخذ الهه هواه " لانه كان يعبد حجرا فإذا رأى حجرا أحسن منه تركه وأخذ الاحسن.

ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم) يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد.
فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) [ الحج: 52 ] وذكروا قصة الغرانيق وقد أحببنا الاضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضيعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح.
قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس انفرد به البخاري دون مسلم.
وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت الاسود عن عبد الله.
قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا - أو تراب - فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد قتل كافرا ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة.
وقال الامام أحمد حدثنا إبراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن
طاووس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه.
قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب.
فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرأها إلا سجد معه.
وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به.
وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية والله أعلم.
والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها،
__________
= كان يقول: لقد عز محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر والاحداث ومرور الايام.
- العاص بن وائل السهمي.
قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه: المستهزئون كانوا خمسة وقال في رواية كانوا ثمانية: وقد عدهم البيهقي كما ذكرنا خمسة أما الثلاثة فهم: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشاف ذكره ابن الكلبي والبلاذري وكان سفيها فدعا عليه رسول الله واستعاذ بالله من شره.
وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو الاصداء، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم ويقول للناس هو معلم مجنون فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لعلى جبل إذا اجتمعت عليه الاروى فنطحته حتى قتلته.

فظنوا صحة ذلك فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة وكلاهما محسن مصيب فيما فعل فذكر ابن إسحاق أسماء من رجع منهم، عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وامرأته سهلة بنت سهيل [ بن عمرو ]، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعتبة بن غزوان، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وسويبط بن سعد [ بن حرملة ]، وطليب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود،
وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وشماس (1) بن عثمان، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة - وقد حبسا (2) بمكة حتى مضت بدرا وأحدا والخندق - وعمار بن ياسر - وهو ممن شك فيه أخرج إلى الحبشة أم لا.
ومعتب بن عوف، وعثمان بن مظعون، وابنه السائب، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل - وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق - وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة.
وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو - وقد حبس (3) حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا - وأبو سبرة بن ابي رهم، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل، والسكران بن عمرو بن عبد شمس، وامرأته سودة بنت زمعة - وقد مات بمكة (4) قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم - وسعد بن خولة، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو (5) بن الحارث بن زهير وسهيل بن بيضاء (6)، وعمرو بن أبي سرح فجميعهم ثلاثة وثلاثون رجلا رضي الله عنهم.
وقال البخاري: وقالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريت دار هجرتكم [ أريت سبخة ] (7) ذات
__________
(1) اسم شماس: عامر، وشماس لقب غلب عليه.
أمه صفية بنت ربيعة بن عبد شمس شهد بدرا وقتل يوم أحد وهو ابن أربع وثلاثين سنة.
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفن في أحد كما هو في ثيابه التي مات فيها بعد أن مكث يوما وليلة.
قال حسان بن ثابت يرثيه: اقنى حباءك في ستر وفي كرم * فإنما كان شماس من الناس قد ذاق حمزة سيف الله فاصطبري * كأسا رواء ككأس المرء شماس (2) وحبسهما أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام وهما عما سلمة وأخوا عياش لامه، قيل قد احتالا على عياش أن أمه حلفت ألا يدخل رأسها وهي ولا تغتسل حتى تراه.
فرجع معهما فأوثقاه.
(3) يكنى عبد الله: أبا سهيل وكان الذي حبسه أبوه وأوثقه في مكة وفتنه في دينه، كان أحد الشهود في صلح الحديبية استشهد يوم اليمامة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.
(4) هذا قول ابن إسحاق ووافقه عليه الواقدي، أما موسى بن عقبة وأبو معشر فيقولان أن السكران مات بالحبشة (أنظر الطبقات لابن سعد ج 4 / 204).
(5) يقال فيه: عامر بن الحارث، ولم يذكره ابن عقبة ولا أبو معشر فيمن هاجر إلى أرض وذكره ابن عقبة في البدريين.
(الطبقات ج 4 / 213).
(6) سهيل بن بيضاء: بيضاء هي أمه وأسمها دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر وأبوه وهب بن ربيعة.
أسلم وشهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ومات في المدينة سنة تسع من الهجرة.
(7) من البخاري.
السبخة: الارض تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت شيئا.

نخل بين لابتين " فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة.
وفيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم حديث أبي موسى وهو في الصحيحين، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة إن شاء الله وبه الثقة.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله.
قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد علينا ؟ " قال إن في الصلاة شغلا " وقد روى البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر عن سليمان بن مهران عن الاعمش به، وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله: (وقوموا لله قانتين) [ البقرة: 238 ] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين الحمل على ما تقدم.
وأما ذكره الآية وهي مدنية فمشكل ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك وإنما كان المحرم له غيرها معها والله أعلم.
قال ابن إسحاق: وكان ممن دخل منهم بجوار (1)، [ فيمن سمي لنا ] (2) عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الاسد في جوار خاله أبي طالب، فإن أمه (3) برة بنت عبد المطلب.
فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن
حدثه عن عثمان.
قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد بن المغيرة قال والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والاذى في الله ما لا يصيبني لنقص كثير (4) في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك.
قال [ له ] لم يا ابن أخي ؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عزوجل، ولا أريد أن أستجير بغيره.
قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواري علانية كما جرتك علانية.
قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد
__________
= لابتان: أي الحرتان، وهي الارض فيها حجارة سود كأنها احترقت بالنار.
والحديث أخرجه البخاري من حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة في 39 كتاب الكفالة (4) باب فتح الباري 4 / 475 - 476.
(1) في الاصل: وكان ممن دخل معهم بجوار، وهو تحريف.
وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام.
(2) ما بين معكوفتين سقط من الاصل واستدرك من ابن هشام.
(3) في ابن هشام: وأم أبي سلمة برة بنت عبد المطلب.
(4) في سيرة ابن هشام: كبير بدل كثير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:42 pm


جاء يرد علي جواري.
قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره.
ثم انصرف عثمان رضي الله عنه ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل فقال عثمان: صدقت.
فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.
فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان
يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ [ من ] عثمان.
فقال: والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة.
قال يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس.
فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إلى جوارك فعد.
قال: لا !.
قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الاسد، فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله [ بن عمر ] أبي سلمة أنه حدثه: أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا له: يا أبا طالب لقد (1) منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال إنه استجار بي، وهو ابن اختي وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي.
فقام أبو لهب.
فقال: يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد.
قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة.
وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن امرءا أبو (2) عتيبة عمه * لفي روضة ما أن يسام المظالما أقول له، وأين منه نصيحتي * أبا معتب ثبت سوادك قائما (3)
__________
(1) في الاصل، وفي بعض نسخ ابن هشام: هذا منعت.
(2) كذا في الاصل وابن هشام: أبا معتب، وكنيته: أبو عتبة.
والسواد: هنا: الشخص.
(3) كذا بالاصل: " أبا معتب ".

ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة * تسب بها إما هبطت المواسما وول سبيل العجز غيرك منهم * فإنك لم تخلق على العجز لازما وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى * أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة * ولم يخذلوك غانما أو مغارما جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما بتفريقهم من بعد ود وألفة * جماعتنا كيما ينالوا المحارما كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما تروا يوما لدى الشعب قائما قال ابن هشام: وبقي منها بيت تركناه.
عزم الصديق على الهجرة إلى الحبشة قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كما حدثني محمد بن مسلم [ ابن شهاب ] الزهري عن عروة عن عائشة، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الاذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما - أو يومين - لقيه ابن الدغنة (1) أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الاحابيش (2).
قال الواقدي: اسمه الحارث بن يزيد أحد بني بكر من عبد مناة بن كنانة.
وقال السهيلي: اسمه مالك.
فقال: إلى أين يا أبا بكر ؟ قال أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي.
قال ولم ؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف وتكسب المعدوم.
أرجع فإنك في جواري.
فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام معه ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرض له أحد إلا بخير.
قالت (3): فكفوا عنه.
قالت: وكان لابي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح فكان يصلي فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة.
فقالوا
__________
(1) ابن الدغنة ويقال ابن الدغينية ضبطه القسطلاني والزرقاني.
بفتح الدال وكسر الغين وفتح النون المخففة وأهل
اللغة: بضم الدال والغين وفتح النون المشددة.
وهو ربيعة بن رفيع أهبان بن ثعلبة السلمي، والدغنة: أمه غلبت على اسمه شهد حنينا ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في بني تميم.
(2) الاحابيش: قال ابن إسحاق: الاحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق، وقيل سموا بالاحابيش لانهم تحالفوا جميعا بواد يقال له الاحبش بأسفل مكة، ويقال تحالفوا عند جبيل يقال له: حبشي، فسموا بذلك.
(3) من ابن هشام: وفي الاصل: قال، فراوية الخبر: عائشة.

[ له ]: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق [ ويبكي ] وكانت له هيئة، ونحن نتخوف.
على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء.
قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال [ له ]: يا أبا بكر، إني لم أجرك لتؤذي قومك.
وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت.
قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله.
قال فاردد علي جواري.
قال: قد رددته عليك.
قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم.
وقد روى الامام البخاري (1) هذا الحديث متفردا به وفيه زيادة حسنة.
فقال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب (2) فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (3)، لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الارض فأعبد ربي.
فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل (4)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلدك.
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة (5)، وطاف ابن الدغنة عشية في اشراف قريش فقال لهم:
إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟ فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ابن الدغنة ذلك لابي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره.
ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره [ وبرز ] (6) وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، [ فيتقذف عليه ] (7) نساء المشركين وأبناؤهم
__________
(1) في 63 كتاب مناقب الانصار (45) باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة فتح الباري 7 / 230 - 231، وأخرج جزءا من أول هذا الحديث في كتاب الصلاة، وفي كتاب الاجارة.
(2) من البخاري، وفي الاصل ابن هشام وهو تحريف.
(3) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، مما يلي ساحل البحر، وقال ابن فارس: بضم الغين، وقيل برك الغماد: موضع في أقاصي هجر.
(4) تحمل الكل: هو ما يثقل حمله من القيام بالعيال ونحوه مما لا يقوم بأمر نفسه.
(5) في دلائل البيهقي: فارتحل ابن الدغنة مع أبي بكر رضي الله عنه.
(6) سقطت من الاصل وصحيح البخاري، واستدركت من دلائل البيهقي.
(7) من البخاري، وفي الاصل فكان نساء المشركين، يتقذف أي يتدافعون فيتساقطون، ورواية المواهب: " فيتقصف " أي يزدحم.
وما ورد في الحديث - بين معكوفين زيادة من البخاري ودلائل النبوة للبيهقي.

يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فافزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم.
فقالوا [ له ]: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن في الصلاة والقراءة فيه، وأنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فأنه فإن أحب على أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا [ أن ]
نخفرك ولسنا مقرين لابي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فاتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدت عليه قريش فإما أن تقتصر على ذلك، وأما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجواز الله عزوجل.
ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي مبسوطا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: لقيه - يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة - سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه ؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك.
[ قال ] (1) وهو يقول أي رب ما أحلمك.
أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك.
فصل كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق.
نقض الصحيفة قال ابن إسحاق: هذا وبنو هاشم، وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض [ تلك ] الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن [ ربيعة بن ] الحارث بن حبيب بن نصر [ بن جذيمة ] بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم (2) بن
__________
(1) من ابن هشام، والخبر في السيرة ج 2 / 13.
(2) من سيرة ابن هشام، وفي الاصل هشام وهو تحريف .

عبد مناف لامه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبيه، فدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا (1) فيفعل به مثل ذلك، ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (2) بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب.
فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا.
قال: ويحك يا هشام ! فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها [ حتى أنقضها ].
قال قد وجدت رجلا، قال من هو ؟ قال: أنا قال له زهير: أبغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا، قال: ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، قال قد وجدت لك ثانيا.
قال من ؟ قال أنا، قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت.
قال من هو ؟ قال زهير بن أبي أمية.
قال أبغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال [ له ] نحو ما قال للمطعم بن عدي، فقال وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟ قال نعم ! قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال ابغنا خامسا.
فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الامر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم ثم سمى القوم.
فاتعدوا خطم الحجون (3) ليلا بأعلا مكة فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.
وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول من يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس.
فقال: يا أهل مكة
أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - والله لا تشق.
قال: زمعة بن الاسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها.
قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشور فيه بغير هذا المكان، [ قال ]: وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام
__________
(1) من ابن هشام، وفي الاصل وبعض نسخ ابن هشام " برا " وقال السهيلي: بزا بالزاي.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل عمرو وهو تحريف.
(3) من ابن هشام وفي الاصل حطم، والحجون: موضع بأعلى مكة، وخطمه: مقدمه.

المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم "، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة (1).
فشلت يده فيما يزعمون.
قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي طالب: " يا عم إن الله قد سلط الارضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان ".
فقال أربك أخبرك بهذا ؟ قال " نعم " ! قال فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخي.
فقال القوم: قد رضينا فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شرا.
فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها، قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود (2)
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر * فبطائرها في رأسها يتردد (3) وكانت كفاء وقعة بأثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر ترعد ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيها عند ذاك وينجد (4) فمن ينش من حضار مكة عزة * فعزتنا في بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفك نزداد خيرا ونحمد
__________
(1) قال السهيلي: وللنساب من قريش في كاتب الصحيفة قولان، أحدهما: إن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبدالدار، والقول الثاني: أنه منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم من بني عبدالدار أيضا، وهو خلاف قول ابن إسحاق، ولم يذكر الزبير في كاتب الصحيفة غير هذين القولين، والزبيريون أعلم بأنساب قومهم.
(2) بحرينا: قال السهيلي: يعني الذين بأرض الحبشة، والذين هاجروا إليها من المسلمين في البحر، وأرود: أرفق.
(3) القرقر: اللين السهل، يتردد: المراد حظها من الشؤم والشر.
(4) أيتهم: أي يأتي تهامة، وينجد: أتى نجدا.
وبعده في السيرة: وتصعد بين الاخشبين كتيبة * لها حدج سهم وقوس ومرهد

ونطعم حتى يترك الناس فضلهم * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد (1) جزى الله رهطا بالحجون تجمعوا (2) * على ملا يهدي لحزم ويرشد قعودا لذي حطم (3) الحجون كأنهم * مقاولة بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه * إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد جرئ على جل (4) الخطوب كأنه * شهاب بكفي قابس يتوقد من الاكرمين من لؤي بن غالب * إذا سيم خسفا وجهه يتربد طويل النجاد خارج نصف ساقه * على وجهه يسقي الغمام ويسعد عظيم الرماد سيد وابن سيد * يحض على مقرى الضيوف ويحشد ويبني لابناء العشيرة صالحا * إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد ألظ بهذا الصلح كل مبرأ * عظيم اللواء أمره ثم يحمد (5) قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * وسر أبو بكر بها ومحمد (6) متى شرك الاقوام في حل أمرنا * وكنا قديما قبلها نتودد وكنا قديما لا نقر ظلامة * وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيال قصي هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجئ به غد فإني وإياكم كما قال قائل * لديك البيان لو تكلمت أسود قال السهيلي: أسود اسم جبل قتل به قتيل ولم يعرف قاتله فقال أولياء المقتول لديك البيان لو تكلمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لابنت لنا عمن قتله (7).
ثم ذكر ابن إسحاق شعر حسان يمدح المطعم بن عدي وهشام بن عمرو لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة.
وقد ذكر الاموي ههنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن إسحاق.
وقال الواقدي: سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز متى خرج بنو هاشم
__________
(1) المفيضون: الضاربون بقداح الميسر.
(2) في ابن هشام: تبايعوا.
(3) في ابن هشام: خطم وهو الصواب، وخطم الشئ: مقدمه.
(قاموس).
(4) في ابن هشام: جلى: الامر العظيم.
(5) ألظ: ألح في طلب الشئ.
(6) سهل بن بيضاء، أخو سهيل وبيضاء أمهما سميا باسمها وهي دعد بنت جحدم أسلم بمكة وكتم إسلامه شهد بدرا مع المشركين وأسر، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة فخلي عنه.
(راجع طبقات ابن سعد ج 4 / 213).
(7) زاد السهيلي: فقال أولياء المقتول هذه المقالة، فذهبت مثلا.

من الشعب ؟ قالا: في السنة العاشرة صلى الله عليه وسلم - يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين.
قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق - رحمه الله - بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزات على يديه دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى، وتكذيبنا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول، والله غالب على أمره.
فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة، وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه، قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكمله، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (1) فرقا من أن يبلغني شئ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه.
قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
قال: فمكثت
حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته [ فاتبعته، حتى إذا دخل بيته ] (2) دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال فوالله ما برحوا بي يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك: قال: فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام وتلا علي القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه.
قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الاسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه.
قال فقال: " اللهم اجعل له آية " قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر (3)، وقع بين عيني نور مثل المصباح.
قال فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا بها مثلة (4) وقعت في وجهي لفراقي
__________
(1) الكرسف: القطن.
(2) ما بين معكوفين من ابن هشام.
(3) الحاضر: الجماعة النازلون على الماء.
(4) المثلة: يريد العقوبة والتنكيل.

دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي.
قال: فجعل الحاضرون يتراؤن ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أتهبط عليهم من الثنية، حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي - وكان شيخا كبيرا - فقلت: إليك عني - يا أبة فلست منك ولست مني، قال ولم يا بني ؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: أي بني فدينك ديني.
فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم أئتني حتى أعلمك ما علمت.
قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فأسلم.
قال ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني.
قالت: ولم ؟ بأبي أنت وأمي.
قال قلت [ قد ] فرق بيني وبينك الاسلام، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم.
قالت فديني دينك.
قال: فقلت فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه، وكان ذو
الشرى صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه حوله به وشل من ماء يهبط من جبل.
قالت: بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ؟ قلت: لا، أنا ضامن لذلك.
قال: فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فأبطأوا علي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.
فقلت [ له ]: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس (1) الزنا فادع الله عليهم.
قال: " اللهم أهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم ".
قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الاسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتا - من دوس فلحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة.
فقلت: يا رسول الله إبعثني إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه.
قال ابن إسحاق: فخرج إليه فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حشوت النار في فؤادكا (2) قال ثم رجع [ إلى ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بالمدينة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال
__________
(1) دوس: بطن من شنوءة من الازد القحطانية وهم بنو دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن خالد بن نصر.
منهم أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه عمير بن عامر.
(نهاية الارب للقلقشندي 235).
(2) في مغازي الواقدي 2 / 870: أنا حششت النار في فؤادكا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:43 pm

لاصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر،
وأنه لقيتني امرأة فادخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عني ؟ قالوا: خيرا قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا ماذا ؟ قال أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج منه فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالارض تحفر لي فأغيب فيها.
وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابني.
فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا رحمه الله.
هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا اسناد (1).
ولخبره شاهد في الحديث الصحيح.
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة.
قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن دوسا قد استعصت قال: " اللهم اهد دوسا وائت بهم " رواه البخاري (2) عن أبي نعيم عن سفيان الثوري.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها.
قال أبو هريرة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقلت هلكت دوس.
فقال: " اللهم اهد دوسا، وائت بهم " إسناد جيد ولم يخرجوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ - قال حصن كان لدوس في الجاهلية - فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للانصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا (3) المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص (4) فقطع بها براجمه فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات.
فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه.
فقال له: ما صنع ربك بك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم قال فما لي أراك
__________
(1) قال في الاصابة ج 2 / 225: ذكرها ابن اسحاق في سائر النسخ بلا إسناد، وروي في نسخة من المغازي من طريق صالح بن كيسان عن الطفيل بن عمرو في قصة إسلامه.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 4 / 237 مطولا من وجه آخر، وكذلك الاموي عن ابن الكلبي بإسناد آخر.
وقد ساق ابن عبد البر في الاستيعاب
ج 2 / 232 من طريق الاموي عن ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن الطفيل بن عمرو فذكر قصة إسلامه.
(2) في: 80 كتاب الدعوات (59) باب الحديث 6397 فتح الباري 11 / 196 وأخرجه أيضا في 64 كتاب المغازي (75) باب قصة دوس فتح الباري 8 / 101.
(3) اجتووا المدينة: معناه كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم.
قال أبو عبيد والجوهري: اجتويت البلد إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة.
قال الخطابي: أصله من الجوى وهو داء يصيب الجوف.
(4) مشاقص: جمع مشقص وهو سهم فيه نصل عريض قاله ابن فارس والخليل، وقال غيرهما طويل وليس بالعريض، والاقرب أنه عريض لان قطع البراجم يحصل بالعريض وليس بالطويل.

مغطيا يديك ؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت.
قال فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم وليديه فاغفر " رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان بن حرب به (1).
فإن قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عزوجل عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة ".
فالجواب من وجوه، أحدها: أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته: الثاني: قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالاسلام.
الثالث: قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا.
الرابع: قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك.
الخامس: قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه
فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك ؟ قال: قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت فلما قصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: " اللهم وليديه فاغفر " أي فاصلح منها ما كان فاسدا.
والمحقق أن الله استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب الطفيل بن عمرو.
قصة اعشى بن قيس قال ابن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من (2) أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام، فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا (3) ولكن أرى الدهر الذي هو خائن * إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
__________
(1) صحيح مسلم (1) كتاب الايمان (49) باب حديث 184.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل: عن.
(3) كذا في الاصل خلة وفي ابن هشام " صحبة " ومهدد: اسم امرأة.

وأبتذل العيس المراقيل تعتلي * مسافة ما بين النجير فصرخدا (1) ألا أيهذا السائلي أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا فإن تسألي عني فيا رب سائل * حفي عن الاعشى به حيث أصعدا أجدت برجليها النجاد وراجعت * يداها خنافا لينا غير أحردا (2) وفيها إذا ما هجرت عجرفية * إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا (3) وآليت لا آوي لها من كلالة * ولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم * تراحي وتلقي من فواضله ندى نبي يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا (4) له صدقات ماتغب ونائل * فليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبي الاله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للامر الذي كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الاوثان والله فاعبدا ولا تقربن جارة كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا (5) وذا الرحم القربي بلا تقطعنه * لعاقبة ولا الاسير المقيدا وسبح على حين العشية والضحى * ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا (6) ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا قال إبن هشام: فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم.
فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا.
فقال الاعشى: والله إن ذلك لامر مالي فيه من أرب.
فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر.
فقال الاعشى: أما هذه فوالله إن في نفسي منها العلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آته فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هكذا أورد ابن هشام هذه القصة ههنا وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق رحمه الله، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام رحمه الله، فإن
__________
(1) النجير: موضع في حضرموت من اليمن، وصرخد: موضع بالجزيرة.
(2) في ابن هشام: النجاء بدل النجاد.
والنجاء: السرعة.
والخناف: التي تلوي في السير يديها من النشاط.
(3) أصيد: المائل العنق تكبرا أو من داء أصابه.
(4) أغار: قال ابن دريد في الاشتقاق: من روى: أغار لعمري، فقد لحن وأخطأ.
(5) في ابن هشام: حرة بدلا من جارة.
(6) في ابن هشام: العشيات بدلا من العشية.

الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بني النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الاعشى على القدوم للاسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله: ألا أيها ذا السائلي أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا وكان الانسب والاليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هاهنا والله أعلم.
قال السهيلي: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد.
وقد قال: وقيل إن القائل للاعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة.
وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقوله.
ثم آته فأسلم - لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق هاهنا قصة الاراشي وكيف استعدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك.
قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلت صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: وكان ركانة (1) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (2) بن عبد مناف أشد قريشا، فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه ؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق ؟ ".
قال نعم ! قال: " فقم حتى أصارعك ".
قال فقام ركانة إليه فصارعه فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم
أضجعه لا يملك من نفسه شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه.
فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني ؟ قال [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ]: " وأعجب من ذلك إن شئت أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري " ؟.
قال وما هو ؟ قال: " أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ".
قال:
__________
(1) هو ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي.
وقال البلاذري: لقي ركانة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض جبال مكة..فصارعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرعه وأسلم ركانة في الفتح وقيل اسلم عقب مصارعته.
قال الزبير: مات بالمدينة في خلافة معاوية وقال أبو نعيم مات في خلافة عثمان وقيل عاش إلى سنة إحدى وأربعين (راجع الاصابة 1 / 520).
(2) في ابن هشام: بن عبد المطلب.

فادعها، فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لها: ارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها، قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الارض فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.
هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان.
وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني (1) عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه.
أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال الترمذي غريب ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة.
قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال: يا محمد ما وضع ظهري إلى الارض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك.
وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه غنمه.
وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة إن شاء الله وبه الثقة.
وقد تقدم عن أبي الاشدين أنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصاري من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا إلى مكة فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة (2).
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد، فجلس (3) إليه المستضعفون من أصحابه خباب، وعمار، وأبو فكيهة، يسار (4)، مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين.
هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا.
فأنزل الله عزوجل فيهم: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك ما حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة
__________
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى (10 / 18) وقال وقد رواه أبو أويس المدني، عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن ركانة.
وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر وقال في تقريب التهذيب: أبو الحسن العسقلاني مجهول من السابعة.
ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 452 ورواه أبو داود في المراسيل.
(2) سيرة ابن هشام ج 2 / 32.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل يجلس، وما أثبتناه مناسب أكثر.
(4) في الاصل: أبو فكيهة ويسار، وهو تحريف وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام.

إنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [ الانعام: 52 - 54 ].
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: (إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) [ النحل: 103 ].
ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين
قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أبتر أي لا عقب له فإذا مات انقطع ذكره.
فقال الله تعالى: (إن شانئك هو الابتر) أي المقطوع الذكر بعده، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الاولاد والانسال والعقب، وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد.
وقد روي عن أبي جعفر الباقر: أن العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة.
ثم ذكر نزول قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر) وذلك بسبب قول أبي بن خلف وزمعة بن الاسود والعاص بن وائل والنضر بن الحارث: لولا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك.
قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزؤا به، فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن).
قلت: وقال الله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) وقال تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين).
قال سفيان: عن جعفر بن أياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال: المستهزؤن الوليد بن المغيرة، والاسود بن عبد يغوث الزهري، والاسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل (1)، والعاص بن وائل السهمي.
فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراه الوليد [ أبا عمرو بن المغيرة ] (2) فأشار جبريل إلى أنمله (3) وقال كفيته، ثم أراه الاسود بن المطلب فأومأ إلى عنقه (4) وقال كفيته، ثم أراه الاسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال كفيته، ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه وقال كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال
__________
(1) في دلائل البيهقي: الحارث بن عنطلة السهمي، وهو الحارث بن قيس السهمي وهو ابن العنطلة ينسب إلى أمه وفي السهيلي: أنه ابن الطلاطلة وكان يأخذ حجرا يعبده فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الاحسن.
وفيه نزلت: أرأيت من اتخذ إلهه هواه.
(2) من دلائل البيهقي.
(3) في دلائل البيهقي: أبجله.
(4) في دلائل البيهقي: عينه، وهو مناسب أكثر لما يقتضيه السياق بعد قليل.

كفيته.
فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أنمله فقطعها، وأما الاسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الاسود بن المطلب فعمي.
وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعون عني قد قتلت فجعلوا يقولون ما نرى شيئا.
وجعل يقول يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت، ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني.
فجعلوا يقولون ما نرى شيئا.
فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه.
وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الاصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها.
وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شبرقة (1) حتى امتلات منها فمات منها.
وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة - يعني شوكة - فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته.
رواه البيهقي بنحو من هذا السياق (2).
وقال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، الاسود بن المطلب أبو زمعة دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله ولده " (3).
والاسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطلاطلة (4).
وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون من الله إلها آخر فسوف يعلمون) [ الحجر: 94 ].
وذكر أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الاسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى باطنه فمات منه حبنا (5) ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه (6) كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجل يريش نبلا له
من خراعة فتعلق سهم بازاره فخدشه خدشا يسيرا، فانتقض بعد ذلك فمات.
ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته.
ومر به الحارث بن الطلاطل فأشار إلى رأسه فامتخض (7) قيحا فقتله.
__________
(1) الشبرقة: رطب الضريع (2) دلائل النبوة ج 2 / 317 - 318.
(3) قال البلاذري: خرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام، فلما كان ببعض الطريق جعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورق شجرة جلس في ظلها، حتى عمي، ولما كان يوم بدر قتل ابنه زمعة بن الاسود، قتله أبو دجانة ويقال قتله ثابت بن الجذع.
(4) الطلاطلة، اسم امه وقال الكلبي هو الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وفي السيرة الشامية: اسمه مالك، والطلاطلة أبوه.
(5) الحبن: انتفاخ البطن.
(6) في ابن هشام: كعب رجله.
(7) من ابن هشام، وفي الاصل فامتحض وهو تحريف، أي أن القيح تحرك في رأسه وانتشر.

ثم ذكر ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد.
فقال لهم: أي بني، أوصيكم بثلاث، دمي في خزاعة فلا تطلوه (1)، والله إني لاعلم أنهم منه براء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم.
ورباي في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقري (2) عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به.
وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات، وكان قد قبض عقرها منه - وهو صداقها - فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد، وقالوا إنما قتله سهم صاحبكم، فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الامر.
ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل وإصطلحوا وتحاجزوا.
قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله، وكان شريفا في قومه.
وكانت ابنته (3) تحت أبي سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيد بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبو غائبا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس ؟ وكتب حسان بن ثابت قصيدة (4) له يحض أبا سفيان في دم أبي أزيهر، فقال بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب أشرافنا يوم بدر.
ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله في ربا أبيه من أهل الطائف ؟.
قال ابن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم إن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) [ البقرة: 278 ] وما بعدها.
قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الاسلام بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الاسلمي (5) خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونه أم غيلان (6) ونسوة كن معها حتى منعتهم.
قال السهيلي: يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها.
__________
(1) في ابن هشام: فلا تطلنه، لا تطلوه: لا تهدروه، إذا لم يأخذ بالثأر فقد هدر الدم.
(2) العقر: بالضم، دية فرج المرأة المغصوب.
(3) واسمها: عاتكة.
(4) منها: كساك هشام بن الوليد ثيابه * فأبل وأخلف مثلها جددا بعد (5) في ابن هشام: الفهري.
(6) قال ابن هشام عن أبي عبيدة: أن التي قامت دونه أم جميل.
ويحتمل أن تكونا قامتا معا دونه.
وفي ذلك قال ضرار شعرا منه:
جزى الله عنا أم غيلان صالحا * ونسوتها إذ هن شعث عواطل

قال ابن هشام: فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتته أم غيلان وهي ترى أن ضرارا أخوه، فقال لها عمر: لست بأخيه إلا في الاسلام، وقد عرفت منتك عليه فأعطاها على أنها بنت سبيل.
قال ابن هشام: وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انج يا ابن الخطاب لا أقتلك فكان عمر يعرفها له بعد الاسلام (1) رضي الله عنهما.
فصل وذكر البيهقي هاهنا (2) دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف وأورد ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الاعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن ابن مسعود.
قال: خمس مضين، اللزام (3) والروم، والدخان، والبطشة، والقمر.
وفي رواية عن ابن مسعود.
قال: إن قريشا، لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطئوا عن الاسلام.
قال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " قال فأصابتهم سنة حتى حصت (4) كل شئ، حتى أكلوا الجيف والميتة وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع.
ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبد الله هذه الآية: (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) [ الدخان: 15 ] قال فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم القيامة - أوقال فأخروا إلى يوم بدر - قال عبد الله: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) [ الدخان: 16 ] قال يوم بدر.
وفي رواية عنه (5) قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدبارا.
قال: " اللهم سبع كسبع يوسف " فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام.
فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر.
فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فانجذب (6) السحاب عن رأسه فسقي
__________
(1) في ابن هشام: بعد إسلامه، وهذا يؤكد أن ضرارا أدرك الاسلام وأسلم كما في الاشتقاق 1 / 103 شهد أحدا مع المشركين.
(2) أخرج البيهقي في الدلائل 2 / 326.
(3) أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة الدخان ح 4825 فتح الباري 8 / 574 والترمذي في كتاب التفسير 5 / 379 وأحمد في سنده 5 / 128.
اللزام قال في النهاية هو يوم بدر.
(4) من البخاري والبيهقي، والاصل: فحصت وهو تحريف.
والحديث في فتح الباري 8 / 573، وأخرجه البيهقي من طريق الاعمش عن مسلم عن مسروق عن ابن مسعود به.
(5) من طريق أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود.
(6) في البيهقي: فانحدرت السحابة.

الناس حولهم، قال لقد مضت آية الدخان - وهو الجوع الذي أصابهم - وذلك قوله: (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) وآية الروم (1)، والبطشة الكبرى.
وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بدر.
قال البيهقي: يريد - والله أعلم - البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر.
قال وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية.
ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب [ السختياني ] عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع لانهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن (2)، فأنزل الله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) [ المؤمنون: 76 ] قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرج الله عنهم.
ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روى في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة (3)، ولعله كان مرتين والله أعلم.
فصل ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى: (آلم غلبت الروم في أدنى الارض
وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) [ الروم: 1 - 6 ].
ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة (4) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لانهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لابي بكر فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال [ له ]: " أما أنهم سيظهرون " فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا: إجعل بيننا وبينك أجلا إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا جعلته أداة " (5).
قال دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك.
وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث - أي المراهن - لابي بكر أمية بن
__________
(1) في البيهقي: وآية الردم.
(2) في البيهقي: العلهز بالدم.
والعلهز هو الصوف والوبر كانوا يبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه.
(3) قال القرطبي في أحكام القرآن: وقال ابن عباس: نزلت في قصة تمامة بن أثال لما أسرته السرية وأسلم، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين الميرة، وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز.
12 / 143.
(4) من البيهقي، وفي الاصل عمرو.
(5) وقع خلل ونقص هنا في العبارة، وجاءت عند البيهقي 2 / 330 أكثر وضوحا قال: فجعل بينهم أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا جعلته - أراه قال دون العشرة - قال: فظهرت الروم بعد ذلك.

خلف وأن الرهن كان على خمس قلايص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصديق عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الرهن.
وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر - أو كان يوم الحديبية - فالله أعلم.
ثم روى من طريق الوليد بن مسلم حدثنا أسيد الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه.
قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.
فصل الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ذكر ابن عساكر أحاديث الاسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: أسري (1) برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة.
قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة.
ثم روى الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي.
أنه قال: فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر شهرا (2)، فعلى قول السدي يكون الاسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الاول.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عثمان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس.
قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الاول.
وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.
فيه انقطاع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:44 pm

وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته وقد أورد حديثا لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الاسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم.
ومن الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم.
وينشد بعضهم في ذلك:
__________
(1) لم يختلف القراء في أسرى.
وقال أهل اللغة إن أسرى وسرى بمعنى واحد.
قال السهيلي: السري من سريت إذا سرت ليلا يعني فهو لازم والاسراء يتعدى في المعنى لكن حذف مفعوله حتى ظن من ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى أسري بعبده جعل البراق يسري به.
(2) اختلف العلماء في تحديد في أي زمان وقع الاسراء، واتفقوا على أن الاسراء كان بعد البعثة في مكة - وقبل
الهجرة - وجزم جمع بأنه كان قبل الهجرة بسنة، ورجح النووي أنه كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الاول قبل الهجرة بسنة.

ليلة الجمعة عرج بالنبي * ليلة الجمعة أول رجب وهذا الشعر عليه ركاكة وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به.
وقد ذكرنا الاحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الاسانيد والعزو، والكلام عليها ومعها ففيها مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة.
ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق رحمه الله فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول: ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الاسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها.
قال: وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن [ عبد الله ] بن مسعود وأبي سعيد [ الخدري ] وعائشة ومعاوية وأم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنهم والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره.
وكان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر لي منه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله وقدرته وسلطانه، فيه عبرة لاولي الالباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد.
وكان عبد الله بن مسعود - فيما بلغني - يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الانبياء قبله، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها - فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والارض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية: من لبن، وخمر، وماء.
فذكر أنه شرب اناء اللبن، فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك.
وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن
جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه البراق وهو دابة أبيض، بين البغل والحمار، وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته.
قلت: وفي الحديث وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد ركوب البراق شمس (1) به فوضع جبريل يده على معرفته (2) ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه.
قال فاستحى حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته.
قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، ثم ذكر
__________
(1) شمس به: يقال شمس الفرس: إذا لم يمكن أحدا من ظهره ولا من الاسراج والالجام ولا يكاد يستقر.
(2) المعرفة: اللحم الذي ينبت عليه شعر العرف.

اختياره إناء اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له هديت وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر.
قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فأصبح يخبر قريشا بذلك فذكر أنه كذبه أكثر الناس وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق وقال إني لاصدقه في خبر السماء بكرة وعشية أفلا أصدقه في بيت المقدس وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس فذكرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيومئذ سمي أبو بكر الصديق.
قال الحسن وأنزل الله في ذلك: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) الآية.
وذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ.
أنها قالت: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من بيتي نام عندي تلك الليلة بعدما صلى العشاء الآخرة، فلما كان قبيل الفجر أهبنا (1) فلما صلى (2) الصبح وصلينا معه.
قال: يا أم هاني، لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين " ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فقلت يا نبي الله لا تحدث بهذا الحديث الناس فيكذبونك ويؤذونك.
قال: " والله لاحدثنهموه " فأخبرهم فكذبوه.
فقال وآية ذلك أني مررت
بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (3) مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان.
وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء (4) يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والاخرى برقاء.
قال: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل الذي وصف لهم، وسألوهم عن الاناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه.
وذكر يونس بن بكير عن أسباط عن إسماعيل السدي أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير، فدعا الله عزوجل فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم.
قال فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون.
رواه البيهقي.
قال ابن إسحاق: وأخبرني من لا أتهم عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني فيه صاحبي، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء، يقال
__________
(1) أهبنا: أيقظنا.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل، كان الصبح.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل صحنان.
وضجنان بالتحريك: جبل بناحية تهامة قال الواقدي: بين ضجنان ومكة خمسة وعشرون ميلا.
(4) التنعيم موضع بمكة في الجبل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة.
والبيضاء عقبة - فيه - قرب مكة، اسفل مكة من قبل ذي طوى وأنت مقبل إليها من المدينة.
(راجع معجم البلدان).

له: باب الحفظة عليه بريد (1) من الملائكة يقال له: اسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك، تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك، قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدث بهذا الحديث
(وما يعلم جنود ربك إلا هو).
ثم ذكر بقية الحديث وهو مطول جدا وقد سقناه باسناده ولفظه بكماله في التفسير وتكلمنا عليه فإنه من غرائب الاحاديث وفي إسناده ضعف، وكذا في سياق حديث أم هانئ فإن الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر وفي سياقه غرابة أيضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك ومنها قوله: وذلك قبل أن يوحى إليه، والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شئ ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك، وذلك قبل أن يوحى إليه بل جاءه بعد ما أوحي إليه فكان الاسراء قطعا بعد الايحاء إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون وهو الاظهر، وغسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا - أو ثالثا - على قول أنه مطلوب إلى الملا الاعلى والحضرة الالهية ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الانبياء ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد.
وأنكر حذيفة رضي الله عنه دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه وهذا غريب، والنص المثبت مقدم على النافي.
ثم اختلفوا في اجتماعه بالانبياء وصلاته بهم أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات وهو أنسب كما سنذكره على قولين فالله أعلم.
وقيل إن صلاته بالانبياء كانت في السماء، وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم فصعد فيه إلى السماء ولم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة.
فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة وكلما جاء سماء تلقته منها مقربوها ومن فيها من أكابر الملائكة والانبياء وذكر أعيان من رآه من المرسلين كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية (2) وإدريس في الرابعة، وموسى في السادسة - على الصحيح - وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة وطوافا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتبهم كلهم حتى ظهر
لمستوى يسمع فيه صريف الاقلام، ورفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ألوان متعددة باهرة وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة وفراش من ذهب وغشيها من نور الرب جل جلاله ورأى هناك
__________
(1) في ابن هشام: ملك من الملائكة.
(2) في الاصول لم يذكر الثالثة ولا الخامسة.
وفي ابن هشام: رأى يوسف بن يعقوب صورته كصورة القمر ليلة البدر، وفي الخامسة رأى هارون بن عمران كهلا أبيض الرأس واللحية.

جبريل عليه السلام له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والارض وهو الذي يقول الله تعالى: (لقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى) أي ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا ارتفع عن المكان الذي حد له النظر إليه.
وهذا هو الثبات العظيم والادب الكريم وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.
والاولى هي قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالافق الاعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) وكان ذلك بالابطح، تدلى جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا عظم خلقه ما بين السماء والارض حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى، هذا هو الصحيح في التفسير كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضي الله عنهم.
فأما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث والله أعلم.
وإن كان محفوظا فليس بتفسير للآية الكريمة بل هو شئ آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة والله أعلم.
وفرض الله سبحانه وتعالى على عبده محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه عزوجل حتى وضعها الرب جل جلاله وله الحمد والمنة إلى خمس.
وقال هي خمس وهي خمسون الحسنة بعشر أمثالها، فحصل له التكليم من الرب عزوجل ليلتئذ، وأئمة السنة
كالمطبقين على هذا، واخلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد، وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين وأختاره ابن جرير وبالغ فيه وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين.
وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الاشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه.
وقالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبي ذر في صحيح مسلم.
قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ فقال: " نور أنى أراه " وفي رواية " رأيت نورا ".
قالوا ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الالهية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم: ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس والظاهر أن الانبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الالهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا إليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل - عندما يتقدم ذاك للسلام عليه - هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية.
ومما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة: أممتهم.
ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه عزوجل، فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الاعظم يقدم في الامامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم، ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة فأصبح بها وهو في غاية الثبات

والسكينة والوقار.
وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والامور التي لو رآها - أو بعضها - غيره لاصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه صلى الله عليه وسلم أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخبارهم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة وذلك أن أبا جهل - لعنه الله - رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وهو جالس واجم.
فقال له: هل من خبر ؟ فقال نعم ! فقال: وما هو ؟ فقال إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس.
قال إلى بيت
المقدس ؟ قال نعم ! قال أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أتخبرهم بما أخبرتني به ؟ قال نعم فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم.
فقال أبو جهل: هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره وطار الخبر بمكة وجاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه فأخبروه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا.
فقال: إنكم تكذبون عليه فقالوا والله إنه ليقوله.
فقال: إن كان قاله فلقد صدق.
ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فأخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به.
وفي الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال: فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس علي بعض الشئ، فجلى الله لي بيت المقدس حتى جعلت أنظر إليه دون دار عقيل وأنعته لهم.
فقال: أما الصفة فقد أصاب (1).
وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه مائهم، فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه.
كما قال الله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) [ الاسراء: 60 ] أي اختبارا لهم وامتحانا.
قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مذهب جمهور السلف والخلف من الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك.
ولهذا قال فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه) [ الاسراء: 1 ] والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد والعبد عبارة عنهما.
وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له إذ ليس في ذلك
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 309 عن ابن عباس، وأبو نعيم وابن مردويه من طريق قابوس عن أبيه بسند صحيح.
ونقله البيهقي في دلائله ج 2 / 363.
وأخرج البيهقي الجزء الاخير من الحديث عن جابر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما كذبتني قريش قمت إلى الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه.
والحديث في صحيح البخاري 63 كتاب مناقب الانصار (41) باب حديث الاسراء الحديث 3886.

كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا مناما.
وقوله في حديث شريك عن أنس: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فكذبوه، قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب، وفي حديث أبي أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد الصبي فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر.
وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم.
وقد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه.
قال: وحدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وكما قال إبراهيم عليه السلام: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) وفي الحديث: " تنام عيناي (1) وقلبي يقظان ".
قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان، قد جاءه، وعاين فيه ما عاين، من أمر الله تعالى، على أي حالة كان نائما أو يقظان (2) كل ذلك حق وصدق.
قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلا من الامرين من حديث الجملة، ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظان لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام عائشة رضي الله عنها أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد
يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السموات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما.
لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ومراد من تابعها على ذلك.
لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم.
تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى
__________
(1) من ابن هشام، وفي الاصل عيني وهو تحريف.
والحديث أخرجه البخاري في كتاب التهجد 16 باب والتراويح 1 باب وكتاب المناقب باب 24.
ومسلم في كتاب صلاة المسافرين 125، وأبو داود في كتاب الطهارة 79 والترمذي في كتاب المواقيت 208 وفي كتاب الفتن 63 والموطأ في صلاة الليل 9 وأحمد في مسنده 1 / 22، 278 و 2 / 251 و 5 / 40، 50 و 6 / 36، 73، 104.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل يقظانا وهو خطأ.
والخبر في السيرة ج 2 / 40 - 41.

رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الارهاص والتوطئة والتثبت والايناس والله أعلم.
ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة ؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، والمعراج في المنام.
وقد حكى المهلب (1) بن أبي صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه.
قال السهيلي: وهذا القول يجمع الاحاديث فإن في حديث شريك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر وهذا منام.
ودل غيره على اليقظة، ومنهم من يدعي تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله أن يوفق
بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث إسراءات، مرة من مكة إلى البيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات (2).
فنقول: إن كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) وإن كان إنما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة إلى بيت المقدس وإلى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل والله أعلم.
والعجب أن الامام أبا عبد الله البخاري رحمه الله ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبي طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الامر، وخالفه في ذكره بعد موت أبي طالب، وابن إسحاق أخر ذكر موت أبي طالب على الاسراء، فالله علم أي ذلك كان.
والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج فبوب لكل واحد منهما
__________
(1) في السهيلي: " ورأيت المهلب في شرح البخاري "، وليس هو المهلب الازدي أمير خراسان.
(2) قال صاحب الظلال في تفسير سورة الاسراء " والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك فراشه في بيت أم هانئ إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسرى به وعرج ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.
على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الوقعة المؤكدة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسافة بين الاسراء والمعراج بالروح أو بالجسم وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤيا في اليقظة..المسافة بين هذه الحالات كلا ليست بعيدة، ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول صلى الله عليه وسلم عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة..والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الالهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئا..".

بابا على حدة فقال: باب حديث الاسراء وقول الله سبحانه وتعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده
ليلا) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما كذبتني قريش كنت (1) في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم (2) عن آياته وأنا أنظر إليه " (3).
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر به.
ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال البخاري باب حديث المعراج: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به.
قال: " بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا (4) إذ أتاني آت " فقال (5) وسمعته يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه " فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به.
قال: من نقرة (6) نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصه إلى شعرته.
" فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض " فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس: نعم !: " يضع خطوه عند أقصى طرفه.
فحملت عليه، فانطلق بي جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح قيل من هذا ؟ قال جبرائيل قيل ومن معك ؟ قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم ! قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه [ قال نعم ! ] (7) قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة.
قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا ؟ قال جبرائيل قال ومن معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم ! قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال:
__________
(1) في البخاري والبيهقي: قمت.
(2) في البخاري والبيهقي: أخبرهم.
(3) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 41 باب حديث الاسراء ح 3886 فتح الباري 7 / 196 ومسلم في (1) كتاب الايمان 75 باب حديث 276 وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الاسراء وقال: حسن صحيح.
(4) من البخاري والبيهقي، وفي الاصل مضجعا.
(5) في البخاري والبيهقي: فقد، قال: وسمعته يقول.
(6) في البخاري: ثغرة نحره، والمعنى واحد.
(7) من البيهقي.

مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل قال: ومن معك ؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم ! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء.
فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا ؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك ؟ قال محمد قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال نعم ! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء.
فلما خلصت إذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبرائيل قيل ومن معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال نعم ! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء.
فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح.
فلما تجاوزت بكى، فقيل له ما يبكيك ؟ قال: أبكي لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي.
ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك ؟ قال محمد.
قيل وقد بعث إليه ؟ قال نعم ! قيل مرحبا به فنعم المجئ جاء.
فلما خلصت إذا إبراهيم
قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان.
فقلت: ما هذا يا جبرائيل ؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت باناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن قال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك.
ثم فرض علي الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت ؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم.
قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله جريت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك، فرجعت فوضع عني عشرا.
فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا.
فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا.
فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت ؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم.
قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك.
قال: سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم.
قال: فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ".
هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا (1).
وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن
__________
(1) البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 42 باب المعراج حديث 3887 فتح الباري 7 / 301 وفي 59 كتاب بدء =

أنس عن مالك بن صعصعة.
ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبي بن كعب.
ومن حديث أنس عن أبي ذر.
ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير، ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الاهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن
مخاطبه بما هو الانفع عنده.
ومن جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا.
وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الانبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات.
فكيف يمكن أن يدعي تعدد ذلك ؟ هذا في غاية البعد والاستحالة والله أعلم.
ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس).
قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، والشجرة الملعونة في القرآن.
قال: هي شجرة الزقوم (1).
فصل ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ليلة الاسراء جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاجتمعوا وصلى به جبرائيل في ذلك اليوم إلى الغد والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقتدي بجبرائيل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: " أمني جبرائيل عند البيت مرتين ".
فبين له الوقتين الاول والآخر، فهما وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب.
وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في صحيح مسلم.
وموضع بسط ذلك في كتابنا الاحكام ولله الحمد.
فأما ما ثبت في صحيح البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر (2).
وكذا رواه الاوزاعي عن الزهري، ورواه الشعبي عن مسروق عنها وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر، وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم
__________
= الخلق 6 باب ومسلم في 1 كتاب الايمان 74 باب ح 264 والترمذي في أول تفسير سورة الاسراء والنسائي في قيام الليل وأحمد في مسنده 3 / 148 - 248.
(1) أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة الاسراء (9) باب ح 4716 فتح الباري 8 / 398.
الزقوم: وهي فعول من الزقم اللقم الشديد، والشراب المفرط، وشجرة الزقوم وصفها الله في كتابه العزيز
فقال: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين).
وقيل أكل الزبد والتمر بلغة أفريقيا: الزقوم.
(النهاية لابن الاثير).
(2) أخرجه البخاري في أول كتاب الصلاة، وابن خزيمة 1 / 156 والبيهقي في السنن الكبرى 1 / 362 ومسلم في صلاة المسافرين الحديث 3 ص 478.

جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) [ النساء: 101 ].
قال البيهقي (1): وقد ذهب الحسن البصري إلى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا كما ذكره مرسلا من صلاته عليه السلام صبيحة الاسراء الظهر أربعا، والعصر أربعا والمغرب ثلاثا يجهر في الاوليين، والعشاء أربعا يجهر في الاوليين.
والصبح ركعتين يجهر فيهما.
قلت: فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الاسراء تكون ركعتين ركعتين (2) ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلي ركعتين كما كان الامر عليه قديما وعلى هذا لا يبقي إشكال بالكلية والله أعلم.
فصل [ في ] انشقاق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الله له آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الهدى ودين الحق حيث كان ذلك وقت إشارته الكريمة، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتعبوا أهواءهم وكل أمر مستقر) [ القمر: 1 - 3 ] وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام.
وجاءت بذلك الاحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها.
ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد تقصينا ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطرق والالفاظ محررة، ونحن نشير ههنا إلى أطراف من طرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته.
وذلك مروي عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الثلاثاء يوليو 01, 2014 2:46 pm

أما أنس فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين (3).
فقال: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وهذا من مرسلات
__________
(1) دلائل النبوة ج 2 / 407.
(2) وقال البيهقي في السنن الكبرى 1 / 362: ففي هذا الحديث وما روي في معناه دليل على أن ذلك كان بمكة بعد المعراج، وأن الصلوات الخمس فرضت حينئذ بأعدادهن، وقد ثبت ذلك عن عائشة - رضي الله عنها - خلاف ذلك.
(3) مسند أحمد ج 1 / 377، 413، 447 و 3 / 275 و 4 / 82.
ومسلم في صحيحه في 50 كتاب المنافقين (Cool باب انشقاق القمر ج 4 / 2159.

الصحابة، والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الجميع وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان.
زاد البخاري وسعيد بن أبي عروبة وزاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن قتادة عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما لفظ البخاري (1).
وأما جبير بن مطعم فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم [ عن أبيه ].
قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فرقه على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل.
فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
تفرد به أحمد.
وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به.
وقد رواه البيهقي من طريق ابراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده به (2)، فزاد رجلا في الاسناد.
وأما حذيفة بن اليمان: فروى أبو نعيم في الدلائل (3) من طريق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي.
قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق.
فلما كانت الجمعة الثانية انطلقت مع أبي إلى الجمعة فحمد الله وقال مثله وزاد: ألا وإن السابق من سبق إلى الجمعة.
فلما كنا في الطريق قلت لابي ما يعني بقوله - غدا السباق.
قال من سبق إلى الجنة.
وأما ابن عباس: فقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير (4) حدثنا بكر، عن جعفر [ بن ربيعة ]، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.
قال: إن القمر انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر - وهو ابن مضر (5) - عن جعفر قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر).
__________
(1) أخرجه البخاري في 61 كتاب المناقب 27 باب حديث 3627 فتح الباري 6 / 631 وفي 63 كتاب المناقب 36 باب فتح الباري 7 / 183 وفتح الباري 8 / 617 ومسلم في 50 كتاب المنافقين 8 باب انشقاق القمر حديث (43 - 47 - 48).
(2) دلائل النبوة ج 2 / 268.
(3) لم أجده في دلائل أبي نعيم المطبوع، وفيها روايات أخر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس راجع الصفحات (233 - 236.
) (4) من البخاري فتح الباري 8 / 499 وفي الاصل كثير وهو تحريف.
(5) من البخاري: فتح الباري 8 / 499 وفي الاصل ونسخ البداية المطبوعة نصر وهو تحريف.

قال: قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه وهو من مرسلاته (1).
وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا بكر بن سهيل حدثنا عبد الغني بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن
عطاء عن ابن عباس.
وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر).
قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والاسود بن عبد يغوث، والاسود بن المطلب [ بن أسد بن عبد العزى ]، وزمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم [ كثير ] (2).
فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان (3).
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فعلت تؤمنوا ؟ " قالوا نعم ! وكانت ليلة بدر - فسأل الله عزوجل أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد سلب (4) نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة بن عبد الاسد والارقم بن الارقم اشهدوا.
ثم قال أبو نعيم.
وحدثنا سليمان بن أحمد (5)، حدثنا الحسن بن العباس الرازي، عن الهيثم بن العمان، حدثنا اسماعيل بن زياد، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس.
قال: انتهى أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله ؟ فهبط جبرائيل فقال يا محمد قل لاهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيروا آية إن انتفعوا بها.
فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبرائيل فخرجوا ليلة الشق ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا ونصفا على المروة فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا.
فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر واهب فأنزل الله: (اقتربت الساعة وانشق القمر).
ثم روى الضحاك عن ابن عباس.
قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن بها، فسأل ربه فأراهم القمر قد انشق بجزئين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب.
فقالوا: هذا سحر مفترى.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سحر القمر فنزلت: (اقتربت
__________
(1) البخاري في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة القمر 1 باب ح 4866 فتح الباري 8 / 499 ومسلم في 50 كتاب
المنافقين 8 باب حديث 48.
(2) ما بين معكوفين من دلائل النبوة لابي نعيم ص 234.
(3) أبو قبيس وقعيقعان جبلا مكة.
(4) في دلائل أبي نعيم: قد مثل نصفا.
(5) لا أثر للحديث في دلائل أبي نعيم المطبوع.

الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر).
وهذا إسناد جيد وفيه أنه كسف تلك الليلة فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الارض ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الارض ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر.
وأما ابن عمر فقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الاعمش عن مجاهد به.
قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود (1).
وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وأما عبد الله بن مسعود: فقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عن ابن مسعود.
قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا.
وهكذا أخرجاه من حديث سفيان - وهو بن عيينة - به.
ومن حديث الاعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن سمرة عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " وذهبت فرقة نحو الجبل.
لفظ البخاري (2).
ثم قال البخاري وقال أبو الضحاك عن مسروق عن عبد الله - بمكة - وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله رضي الله عنه (3).
وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن
مسعود.
قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة.
فقالوا: أنظروا ما يأتيكم به السفار ؟ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
قال فجاء السفار فقالوا ذلك (4).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله.
قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين.
فقال كفار قريش لاهل مكة (5): هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، أنظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به.
قال فسئل السفار، قال - وقدموا من
__________
(1) دلائل النبوة ج 2 / 267 ومسلم في (50) كتاب المنافقين عن عبيدالله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن الاعمش عن مجاهد عمر ابن عمر.
ومن طريق شعبة عن أبي معمر عن ابن مسعود ج 4 / 2159.
(2) هذا ليس بلفظ البخاري.
(3) البخاري في 65 كتاب التفسير (1) باب وانشق القمر فتح الباري 8 / 499 وفي 61 كتاب المناقب 27 باب وفي 63 كتاب مناقب الانصار 26 باب.
فتح الباري 7 / 182.
(4) أنظر الحاشية السابقة.
(5) في دلائل البيهقي ج 2 / 266: فقال كفار أهل مكة، ورواه أبو نعيم في دلائله ص 234.

كل وجهة - فقالوا: رأينا.
وهكذا رواه أبو نعيم: من حديث جابر، عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به.
وقال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الاسود عن عبد الله - وهو ابن مسعود -.
قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر.
وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسباط عن سماك به.
وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وانشق القمر حتى صار فرقتين، فرقة خلف الجبل.
فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: " إشهدوا، إشهدوا " وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس، ثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود.
قال: انشق القمر ونحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة.
وحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا معاوية بن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله.
قال: انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين.
ثم روى من حديث علي بن سعيد بن مسروق حدثنا موسى بن عمير عن منصور بن المعتمر عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود.
قال: رأيت القمر والله منشقا باثنتين بينهما حراء.
وروى أبو نعيم من طريق السدي الصغير عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس.
قال: انشق القمر فلقتين.
فلقة ذهبت، وفلقة بقيت.
قال ابن مسعود: لقد رأيت جبل حراء بين فلقتي القمر، فذهب فلقة.
فتعجب أهل مكة من ذلك وقالوا هذا سحر مصنوع سيذهب.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابي بكر: " فاشهد يا أبا بكر " وقال المشركون: سحر القمر حتى انشق.
فهذه طرق متعددة قوية الاسانيد تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها.
وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الارض حتى دخل في كم النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من الكم الآخر فلا أصل له، وهو كذب مفترى ليس بصحيح.
والقمر حين انشق لم يزايل السماء غير أنه حين أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم انشق عن إشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك.
وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد: فانشق القمر بمكة مرتين فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين (1) والله أعلم.
__________
(1) علق ابن حجر في فتح الباري على قول ابن كثير قال: وهذا الذي لا يتجه غيره جمعا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه: فصار فرقتين: فرقة علت * وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين بالاجماع * والنص والتواتر والسماع
فجمع بين قوله: فرقتين وبين قوله: مرتين، فيمكن أن يتعلق قوله بالاجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدد أ.
ه - فتح الباري 7 / 183.

فصل [ في ] وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها.
وقيل بل هي توفيت قبله والمشهور الاول.
وهذان المشفقان، هذا في الظاهر وهذه في الباطن، هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة رضي الله عنها وأرضاها.
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الابتلاء (1) يسكن إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه.
وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا.
فحدثني هشام بن عروة عن أبيه.
قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسله وتبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك " ويقول بين ذلك: " ما نالت مني (2) قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ".
وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أن أحدهم ربما طرح الاذى في برمته إذا نصبت له.
قال فكان إذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة يخرج بذلك الشئ على العود فيقذفه على بابه ثم يقول: يا بني عبد مناف أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق.
قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا (3).
قال ابن إسحاق:
وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد [ بن عباس ] عن بعض أهله عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم..فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه.
__________
(1) في ابن هشام: على الاسلام يشكو إليها.
(2) من ابن هشام 2 / 58: وفي الاصل: ما نالتني.
(3) أي يغلبونا عليه ويسلبونا إياه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:42 am

فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك.
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم (1) كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ".
فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات.
قال: " تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه ".
فصفقوا بأيديهم.
ثم قالوا: يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! إن أمرك لعجب.
قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
قال فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططا.
قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له: " أي عم، فأنت قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة " فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لاسرك بها.
قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بإذنه، قال فقال: يا بان أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها.
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم أسمع " قال وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط: (ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق) [ ص: 1 - 2 ]
الآيات.
وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة (2).
وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما يقول العباس هذا الحديث، يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها - " يعني لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه.
أحدها: أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قول عن بعض أهله وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد.
وقد روى الامام أحمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبي أسامة عن الاعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر قول العباس.
ورواه الثوري أيضا عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس.
ورواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير أيضا (3).
ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري، عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند رأس أبي طالب، فجلس رجل (4) فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك.
وشكوه إلى أبي طالب.
فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ فقال: " يا عم إنما أريد
__________
(1) في الاصل وبعض نسخ ابن هشام: يا عم.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام 2 / 59، والخبر نقله البيهقي عن ابن اسحاق في الدلائل ج 2 / 345، وانظر تفسير ابن كثير - تفسير سورة ص.
(3) أخرجه الترمذي في 48 كتاب التفسير 39 باب ومن سورة ص ح 3232.
(4) في دلائل البيهقي 2 / 345 وردت العبارة: وعند رأس أبي طالب مجلس رجل.

منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة ".
قال: ماهي ؟ قال: " لا إله إلا الله " قال فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ! قال: ونزل فيهم: (ص والقرآن ذي الذكر) الآيات إلى قوله: (إلا اختلاق) [ ص: 1 - 7 ] ثم قد عارضه - أعني سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلا: حدثنا
محمود [ بن غيلان ] حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه (1) رضي الله عنه.
أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل.
فقال: " أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ".
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لاستغفر لك ما لم أنه عنك " فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) [ التوبة: 112 ] ونزلت: (إنك لا تهدي من أحببت) ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله عن عبد الرزاق (2).
وأخرجاه أيضا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وقال فيه: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: على ملة عبد المطلب.
وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما لاستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله - يعني بعد ذلك -: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) ونزل في أبي طالب: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وهكذا روى الامام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: " يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه إلا فزع (3) الموت لاقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لاقر بها عينك.
فأنزل الله عزوجل: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) [ القصص: 56 ] وهكذا قال عبد الله بن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلا الله فأبى أن يقولها، وقال: هو على ملة الاشياخ وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى [ بن محمد بن يحيى ]، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثني عبد الله بن الحارث [ بن
__________
(1) وهو المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم والد سعيد بن المسيب.
(2) أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير تفسير سورة التوبة 16 باب فتح الباري 8 / 341 وفي تفسير سورة القصص (1) باب فتح الباري 8 / 506 وفي 7 / 193 ومسلم في (1) كتاب الايمان (9) باب ح 40 صفحة 1 / 54.
(3) في مسلم: جزع بالجيم والزاي ومعناه الخوف وقال أبو عبيد: الخرع بالخاء والراء: يعني الضعف والخور.

نوفل ] قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: " [ هو ] في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل [ من النار ] " (1) ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن عبد الملك بن عمير به [ و ] أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث حدثني [ يزيد ] ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه " لفظ البخاري (2).
وفي رواية " تغلي منه أم دماغه " وروى مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه " وفي مغازي يونس بن بكير " يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه " ذكره السهيلي.
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا عمرو - هو ابن اسماعيل بن مجالد - حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي عن جابر.
قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قيل له - هل نفعت أبا طالب ؟ قال: " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها " تفرد به البزار.
قال السهيلي: وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: " لم أسمع " لان العباس كان إذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم.
ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدم، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع نفسا إيمانها والله أعلم.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت ناجية بن كعب يقول سمعت عليا يقول: لما توفي أبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن عمك قد توفي.
فقال: " إذهب فواره " فقلت إنه مات مشركا، فقال: " إذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتي " ففعلت فأتيته، فأمرني أن أغتسل.
ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة.
ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية عن علي: لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه ؟ قال: " اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الارض من شئ (3).
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده 1 / 206 و 3 / 9، 50، 55.
(2) وأخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان ح 360 ص 1 / 195.
(3) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز، والامام أحمد في مسنده 1 / 97، 103، 130، 131 وابن خزيمة في صحيحه

محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد (1) من جنازة أبي طالب فقال: " وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم ".
قال: وروي عن أبي اليمان الهوزني عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وزاد، ولم يقم على قبره.
قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه.
قلت: قد روى عنه غير واحد منهم الفضل بن موسى السيناني (2) ومحمد بن سلام البيكندي (3)، ومع هذا قال ابن عدي ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة.
وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولاصحابه من المودة
والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه.
وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري، وشاهد ذلك قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) وقال تعالى في قوم فرعون: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم).
وقال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) وقول بعض السلف في قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) أنها نزلت في أبي طالب حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.
فقد روي عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر والله أعلم.
والاظهر والله أعلم الرواية الاخرى عن ابن عباس، وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به.
وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد - وهو اختيار ابن جرير - وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به.
ولهذا قال: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين، وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن
__________
(1) في دلائل البيهقي 2 / 349: عارض جنازة أبي طالب.
(2) السيناني: نسبة إلى سينان إحدى قرى مرو، كان من أقران ابن المبارك في السن والعلم ولد سنة 115 ه ومات سنة 191.
(3) البيكندي: نسبة إلى بيكند بلدة بين بخارى وجيحون، مقبول من الحادية عشرة.
تقريب التهذيب 2 / 294 / 168.

يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) وهذا اللفظ وهو قوله (وهم) يدل على أن المراد بهذا جماعة وهم المذكورون في سياق الكلام وقوله: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) يدل على تمام الذم.
وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال.
ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الايمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لابي طالب وترحمنا عليه (1).
فصل موت خديجة بنت خويلد وذكر شئ من فضائلها ومناقبها رضي الله عنه وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها.
وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة.
ثم روى من وجه آخر عن الزهري أنه قال: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقبل أن تفرض الصلاة.
وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد.
وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام.
ذكره عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ.
قال البيهقي وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة (2).
__________
(1) أنظر في موت أبي طالب: سيرة ابن هشام ج 1 / 26 - 27 ابن سعد 1 / 141 الروض الآنف 1 / 258 ونهاية الارب للنويري 16 / 277 السيرة الحلبية 1 / 466 والسيرة الشامية 2 / 563.
(2) في وفاة خديجة ذكر ابن سعد في الطبقات أكثر من رواية وبأسانيد مختلفة قال: عن محمد بن عمر عن عبد محمد بن صالح: توفيت خديجة لعشر خلون من شهر رمضان وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وهي يومئذ بنت
خمس وستين سنة.
وعن عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
وعن حكيم بن حزام روى موسى بن عقبة قال قال أبو حبيبة مولى الزبير سمعت حكيم يقول: توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة وهي يومئذ بنت خمس وستين ودفناها بالحجون ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها وذلك قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها وبعد خروج بني هاشم من الشعب ولم تكن سنة الجنازة الصلاة عليها.
=

قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء، وكان الانسب بنا أن نذكر وفاة أبي طالب وخديجة قبل الاسراء كما ذكره البيهقي وغير واحد، ولكن أخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك فإن الكلام به ينتظم ويتسق الباب كما تقف على ذلك إن شاء الله.
وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة.
قال: أتى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به (1).
وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل.
قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة ؟ قال نعم ! ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ورواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.
قال السهيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لانها حازت قصب السبق إلى الايمان، لا صخب فيه ولا نصب لانها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتبعه يوما من الدهر فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة.
وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من
قصب.
وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهن.
لفظ البخاري، وفي لفظ عن عائشة ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه - أو جبرائيل - أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب (2).
وفي لفظ له قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة - وما رأيتها - ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة.
فربما قلت كأنه لم يكن في
__________
= وقال البلاذري في الانساب 1 / 186 عن عروة: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة وروى البيهقي عن الزهري: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقبل أن تفرض الصلاة.
وقاله البخاري عن عروة.
وقال بعضهم: ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، قال البلاذري: وهو غلط.
وكانت خديجة رضي الله عنها أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاده كلهم منها غير إبراهيم بن مارية، وكانت وزيرة صدق للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة وكانت تكنى أم هند بولدها من زوجها أبي هالة.
(1) البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 20 باب حديث 3820 فتح الباري 7 / 133 ومسلم في 44 كتاب فضائل الصحابة 12 باب ح 71 ص 1887.
(2) البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 20 باب ح 3817 فتح الباري 7 / 133 ومسلم في فضائل الصحابة (44) حديث 71 - 72 - 73.
والامام أحمد في مسنده 6 / 58، 202، 279.

الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد " ثم قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع فقال: " اللهم هالة ".
[ قالت ] فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر [ قد ] (1) أبدلك الله خيرا منها.
وهكذا رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به.
وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة إما فضلا وإما عشرة.
إذا
لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله ولكن قال الامام أحمد حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك - هو ابن عمير - عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين.
قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا لم أره تغير عند شئ قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا.
وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم كلاهما عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير به.
وزاد بعد قوله حمراء الشدقين، هلكت في الدهر الاول.
قال: قال فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا.
تفرد به أحمد.
وهذا إسناد جيد.
وقال الامام أحمد أيضا عن ابن إسحاق أخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة.
قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء.
قالت فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها.
قال: " ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبنني، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء " تفرد به أحمد أيضا.
وإسناده لا بأس به ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم.
ولعل هذا أعني قوله: ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء.
كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذ معين.
فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها.
وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وتكلم آخرون في إسناده وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة وهو محتمل أو ظاهر.
وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها قد أبدلك الله خيرا منها أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عزوجل كما قال (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) [ النجم: 32 ] وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء) [ النساء: 49 ] الآية وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من الاصل، على عادة ابن كثير في نقله، واستدركت من البخاري.

العلماء قديما وحديثا وبجانبها طرقا يقتصر عليها أهل الشيع وغيرهم لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم - إلا إبراهيم منها.
وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها، وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات ولها مقام صدق في أول البعثة.
وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة فإنه لم يكن في الامم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ونزلت براءتها من فوق سبع سموات وروت بعده عنه عليه السلام علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " (1) (والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والاحسن التوقف في ذلك إلى الله عزوجل.
ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها فالطريق الاقوم والمسلك الاسلم أن يقول الله أعلم.
وقد روى الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " (2) أي خير زمانهما.
وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس رضي الله عنه.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (3) رواه ابن مردويه في
__________
(1) قال القاري في الموضوعات الصغرى: لا يعرف له أصل.
قال ابن القيم الجوزية في المنار المنيف ص 60 وكل حديث فيه " يا حميراء " أو ذكر حميراء فهو كذب مختلق.
والحميراء تصغير حمراء بمعنى بيضاء اللون مشرب بياضها بحمرة، والعرب تسمي الرجل الابيض: أحمر والمرأة حمراء.
وقال القرطبي صاحب الفهم: والعرب تطلق على الابيض الاحمر: كراهة اسم البياض لكونه يشبه البرص.
قال المزي: كل حديث فيه يا حميراء فهو موضوع إلا حديثا عند النسائي، وقال ابن حجر نحوه في فتح الباري.
وهذا الحصر من هذين الحافظين غير سديد، فقد ورد ذكر الحميراء في حديثين آخرين.
روى الحاكم 3 / 119 في مستدركه عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنظري يا حميراء..قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 7 / 216 بعد ذكر حديث القسطلاني حديث أم سلمة هذا من رواية الحاكم والبيهقي.
حديث صحيح..(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) تقدم تخريجه فليراجع.

تفسيره.
وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده.
قالوا والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل.
وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عزوجل.
وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب الهمداني عن أبي موسى الاشعري.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون.
ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد هو الخبز واللحم جميعا وهو أفخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء: إذا ما الخبز تأدمه بلحم * فذاك، أمانة الله الثريد
ويحمل قوله " وفضل عائشة على النساء " أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج والله أعلم.
فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة - رضي الله عنها - [ بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما ] (1) والصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي.
قال البخاري في باب تزويج عائشة * حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير، ويقول هذه امرأتك.
فاكشف عنها فإذا هي أنت، فأقول إن كان هذا (2) من عند الله يمضه " قال البخاري باب نكاح الابكار.
وقال ابن أبي مليكة قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرك * حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك ؟ قال: " في التي (3) لم يرتع منها " تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها.
انفرد
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من الاصل، واستدركت من سيرة ابن كثير.
(2) في كتاب المناقب ج 4 / 252 (دار الفكر).
وفيه: إن يك هذا، وقوله: ويقول: أي جبريل.
(3) في كتاب النكاح فتح الباري ج 9 / 98 وفيه: الذي بدل التي.

به البخاري ثم قال حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريتك في المنام فيجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت إن يكن هذا من عند الله يمضه " (1) وفي رواية " أريتك في المنام ثلاث ليال " وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة
من حرير خضراء فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:43 am

وقال البخاري [ في باب ] تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن يزيد عن عراك عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك.
فقال: " أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال " (2) هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل وهو عند البخاري والمحققين متصل لانه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها، وهذا من إفراد البخاري رحمه الله.
وقال يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه.
قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد خديجة بثلاث سنين وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبني بها وهي ابنة تسع.
ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة.
وهذا غريب.
وقد روى البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه.
قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، فلبث سنتين (3) أو قريبا من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر.
وقوله تزوجها وهي ابنت ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصحاح وغيرها - وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة.
وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر.
فإن يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنة سبع - أو ست سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة (4)، فهيآنني وصنعنني ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فبنى بي ] وأنا ابنة تسع سنين.
فقوله في هذا الحديث متوفى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
قالت تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج.
فوعكت فتمزق
__________
(1) رواية البخاري تخالف هذا النص راجع المصدر السابق ص 99.
(2) في كتاب النكاح فتح الباري ج 9 / 102.
(3) في كتاب المناقب - باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ج 4 / 252 (دار الفكر).
(4) مجممة: التي شعرها نازل إلى أذنيها، والخبر نقله البيهقي في الدلائل ج 2 / 409.

شعري وقد وفت لي جميمة فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد مني فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لانهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمست (1) به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار قال: فإذا نسوة من الانصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
وقال الامام أحمد في مسند عائشة أم المؤمنين حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو [ حدثنا ] أبو سلمة ويحيي.
قالا [ قالت عائشة ] (2): لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج ؟ قال: من ؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر ؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر.
قال ومن الثيب ؟ قالت: سودة بنت زمعة.
قد آمنت بك واتبعتك.
قال: فاذهبي فاذكريهما علي.
فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ؟ قالت: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: أنظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قال وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة قال: وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له قال: " ارجعي إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الاسلام، وابنتك تصلح لي " فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج.
قالت أم رومان إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه، فدخل أبو بكر على
مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي.
فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبى صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك ؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي أقول هذه تقول ؟ [ قال ] (3) إنها تقول ذلك.
فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده.
فرجع فقال لخولة ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك ؟ قالت أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه.
قالت وددت أدخلي إلى أبي - بكر - فاذكري ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال من هذه ؟ قالت خولة بنت حكيم.
قال فما شأنك ؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.
فقال كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك ؟ قالت تحب ذلك.
قال ادعيها إلي فدعتها قال: أي بنية إن هذه تزعم إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفؤ
__________
(1) في البخاري: فمسحت، في كتاب المناقب - باب في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة - ج 2 / 251 - 252 دار الفكر.
(2) من دلائل البيهقي.
(3) من المسند ج 6 ص 211.

كريم أتحبين أن أزوجك به ؟ قالت نعم.
قال أدعيه لي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه.
فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل (1) يحثي على رأسه التراب.
فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح.
قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الانصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بي فأنزلتني من الارجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشئ من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لانهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الانصار، فأجلستني في حجرة ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك
فيهم، وبارك لهم فيك.
فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة.
حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين (2).
وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي: من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس الازدي (3) عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب.
قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فقالت: يا رسول الله ألا تزوج ؟ قال: ومن ؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا.
قال من البكر ومن الثيب ؟ قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك [: عائشة ]، وأم الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك.
قال: فاذكريهما علي (4).
وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم.
وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي.
وقال الامام أحمد: حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه.
قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية، كان لها خمس صبية - أو ست - من بعلها مات.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يمنعك مني ؟ " قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني
__________
(1) من المسند وفي الاصل فجاء.
(2) مسند أحمد ج 6 / 210 و 211.
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد في حديث طويل 9 / 225 - 227 وقال: " في الصحيح طرف منه، وروى أحمد بعضه، صرح فيه بالاتصال عن عائشة وأكثره مرسل، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة: وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
(3) في البيهقي: الاودي بدل الازدي.
(4) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 2 / 411.

أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية.
قال فهل منعك مني غير ذلك ؟ قالت لا والله، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الابل، صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده.
قلت وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه.
هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل.
ورواه يونس عن الزهري واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة (1) وحكاه عن قتادة وأبي عبيد.
قال ورواه عقيل عن الزهري.
فصل قد تقدم ذكر موت أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان ناصرا له وقائما في صفه ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال، فلما مات اجترأ سفهاء قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون إليه ولا يقدرون عليه.
كما قد رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني (2) حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا محمد بن إسحاق، عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر.
قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: " أي بنية لا تبكين فإن الله مانع أباك " ويقول ما بين ذلك " ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا " (3).
قد رواه زياد البكائي عن محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا والله أعلم.
وروى البيهقي أيضا عن الحاكم وغيره (4) عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما زالت قريش كاعين (5) حتى مات أبو طالب " ثم رواه عن الحاكم عن الاصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين، حدثنا عقبة
__________
(1) قال ابن سعد في الطبقات: إن سودة كانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة وعن محمد بن عبد الله بن سالم عن أبيه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة في رمضان سنة عشر من النبوة بعد وفاة خديجة وقبل تزوج عائشة ودخل بها بمكة وهاجر بها إلى مكة.
(2) في البيهقي: الصغاني بدلا من الصنعاني.
(3) الخبر في دلائل البيهقي ج 2 / 350.
(4) في دلائل البيهقي ج 2 / 349: وأبو سعيد بن أبي عمرو بدلا من " وغيره ".
(5) في دلائل البيهقي: كاعين عني: أي جبنوا، والكاعة جمع كاع وهو الجبان، يقال: كع الرجل يكع كعا: جبن عنه (راجع النهاية لابن الاثير).

المجدر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب " وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صعير (1) وحكيم بن حزام أنهما قالا: لما توفي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيام - اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان ولزم بيته وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا في صنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت.
وسب ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة.
فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد.
فقالوا لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يأتي ويذهب لا يعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إذ جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب يا محمد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال مع قومه.
فخرج إليهما فقال قد سألته فقال مع قومه.
فقالا يزعم أنه في النار.
فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار.
فقال أبو لهب
- لعنه الله - والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار.
واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه.
قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته: أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الاصداء الهذلي.
وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص.
وكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول: يا بني عبد مناف أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق.
قلت: وعندي أن غالب ما روي مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي كما رواه ابن مسعود وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم.
وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله.
وكذلك عزم أبي جهل - لعنه الله - على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك، مما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبي طالب والله أعلم.
فذكرها ههنا أنسب وأشبه.
__________
(1) في الوفاء لابن الجوزي 210 وفي سيرة ابن كثير صقير وهو تحريف وما أثبتناه الصواب: ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير العذري ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلف في صحبته (تقريب التهذيب 1 / 33 / 118).

فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة
والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده.
[ قال ابن إسحاق ] فحدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي.
قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وعمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة، عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط (1) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك ؟ وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك (2) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم (3) ذلك عليه.
فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه.
فعمد إلى ظل حبلة (4) من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها ماذا لقينا من أحمائك.
فلما اطمأن قال - فيما ذكر [ لي ] - " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجمهني أم إلى عدو ملكته أمري.
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات (5)، وصلح عليه أمر
__________
(1) يمرط ثياب الكعبة: أي ينزعه ويرمي به.
(2) في دلائل البيهقي من رواية موسى بن عقبة: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا والله لئن كنت رسول الله لانت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب.
على الله لانت أشر من أن أكلمك.
(3) يذئرهم أي يثيرهم عليه ويجرئهم.
(4) حبلة: طاقات من قضبان العنب وزاد السهيلي: والكرمة.
وفي النهاية: الاصل أو القضيب من شجر الاعناب.
(5) ينقسم الوجه إلى موطنين إذا ذكر في الكتاب والسنة: ففي موطن تقرب واسترضاء بعمل كقوله تعالى: =

الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك ".
قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [ وقالا له ] (1) خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه.
ففعل عداس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال: " بسم الله " ثم أكل، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك ؟ قال نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى.
فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخي، كان نبيا وأنا نبي.
فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه (2).
قال يقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك.
فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال: يا سيدي، ما في الارض شئ خير من هذا لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي.
قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه.
وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق إلا أنه لم يذكر الدعاء وزاد، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى ظل نخلة وهو مكروب وفي ذلك الحائط عتبة (3) وشيبة ابنا ربيعة، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله.
ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم.
وقد روى الامام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن
عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: " والسماء والطارق " حتى ختمها.
قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الاسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم،
__________
= (يريدون وجهه).
فالمطلوب هنا رضاه وقبوله للعمل.
والموطن الثاني من مواطن ذكر الوجه يراد به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده.
أما النور فعبارة عن الظهور وانكشاف الحقائق الالهية وبه أشرقت الظلمات أي أشرق محالها (أنظر الروض الآنف).
(1) من سيرة ابن هشام.
(2) قال السهيلي: وزاد التيمي فيها: إن عداسا حين سمعه يذكر ابن متى، قال: والله لقد خرجت منها - نينوى - وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت أنت متى ؟ وأنت أمي وفي أمة أمية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أخي.
(5) في دلائل البيهقي: عقبة، والصواب ما أثبتناه.

فقال من معهم من قريش نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه (1).
وثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة حدثته: " أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ قال: " ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم.
ثم ناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد ! قد بعثني الله إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني ما شئت إن
شئت تطبق عليهم الاخشبين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا " (2).
فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة (3) وصلى بأصحابه الصبح فاستمع الجن الذين صرفوا إليه قراءته هنالك.
قال ابن إسحاق وكانوا سبعة نفر [ من جن أهل نصيبين ] (4)، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن).
قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك والله أعلم.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي وازداد قومه عليه حنقا وغيظا وجرأة وتكذيبا وعنادا والله المستعان وعليه التكلان.
وقد ذكر الاموي في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أريقط إلى الاخنس بن شريق، فطلب
__________
(1) مسند أحمد ج 4 / 335.
(2) أخرجه البخاري في 59 كتاب بدء الخلق 7 باب ح 3231 فتح الباري 6 / 312 - 313 ومسلم في 32 كتاب الجهاد 39 باب ح 111 ص 1420.
رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 417 وقال رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف عن ابن وهب.
- الاخشبان: هما جبلا مكة: أبو قبيس وقعيقعان.
- أصلابهم وفي رواية البيهقي أشرارهم وفي نسخة للدلائل: أسرارهم، وليست في البخاري ولا عند مسلم (3) نخلة: هما واديان على ليلة من مكة، يقال لاحدهما نخلة الشامية وللآخر نخلة اليمانية.
(4) زيادة من ابن هشام.

منه أن يجيره بمكة.
فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها.
ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي.
فبعثه إلى المطعم بن عدي
ليجيره فقال نعم ! قل له فليأت.
فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم.
فقال: أمجير أو تابع ؟ قال لا بل مجير.
قال إذا لا تخفر.
فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه.
وذهب أبو سفيان إلى مجلسه.
قال فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة توفي مطعم بن عدي بعده بيسير فقال حسان بن ثابت والله لارثينه فقال فيما قال: فلو كان مجد مخلد اليوم واحد * من الناس نحى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبادك ما لبى محل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها * وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفي بخفرة جاره * وذمته يوما إذا ما تجشما وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم أعز وأكرما إباء إذا يأبى وألين شيمة * وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قلت ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسارى بدر: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء (1) لوهبتهم له ".
فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عزوجل، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.
قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا، من لا أتهم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد
__________
(1) كذا في الاصل النقباء وهو تحريف، والارجح ما ذكره ابن الجوزي في الوفا: النتنى.
وفي المواهب: ثم كلمني في هؤلاء النتنى لاطلقتهم له.
وفي النهاية قال: سماهم نتنى لكفرهم.

الدؤلي - أو (1) من حدثه أبو الزناد عنه - وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي.
قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: " يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا وأن تخعلوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به ".
قال وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه.
قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال فقلت لابي: يا أبت، من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب (2).
وقد روى الامام أحمد هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي العباس: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.
عن أبيه: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الدئل - وكان جاهليا فأسلم - قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب - يتبعه حيث ذهب - فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب.
ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الدئلي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.
قلت من هذا ؟ قالوا هذا أبو لهب.
وكذا رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن أبي ذئب وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه.
ثم رواه البيهقي من طريق شعبة عن الاشعث بن سليم عن
رجل من كنانة.
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، فإذا هو أبو جهل وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى.
كذا قال في هذا السياق أبو جهل.
وقد يكون وهما ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا وأنهما كانا يتناوبان على إذائه صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري: أنه عليه السلام أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عزوجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه: قال ابن
__________
(1) من ابن هشام، وفي الاصل: ومن.
(2) الخبر في ابن هشام 2 / 64 - 65.
وفيه: - زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة، ويقال أبو عبد الله المدني، مولى عمر.
(تهذيب التهذيب).
- الدؤلي: وفي رواية الديلي وفي الديلي والدؤلي أقوال.
(تراجم الرجال).

إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن [ عبد الله بن ] حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: " يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم " فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم.
وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه.
فقال له رجل منهم يقال له: بيحرة بن فراس (1): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك (2) على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: " الامر لله يضعه حيث يشاء ".
قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك.
فأبوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كان أدركه
السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلا بلادنا قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب (3) ؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم (4) ؟.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول: " لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء ".
فلم يقبله أحد منهم، وما يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ ! وكان ذلك مما ذخره الله للانصار وأكرمهم به (5).
وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الله بن الاجلح ويحيى بن سعيد الاموي كلاهما عن
__________
(1) بيحرة بن فراس: بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قاله ابن هشام.
وفي الاصل بحيرة.
(2) في ابن هشام: بايعناك.
(3) مثل يضرب لما فات وأصله ذنابي الطير إذا أفلت من الحبالة فطلبت الاخذ به.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام: ج 2 / 65 - 66.
(5) الخبر في دلائل البيهقي ج 2 / 414.

محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن العباس.
قال: قال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا حتى نقر في منازل قبائل الناس " وكانت مجمع العرب.
قال فقلت هذه كندة ولفها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك ؟ قال فبدأ بكندة فأتاهم فقال ممن القوم ؟ قالوا من أهل اليمن.
قال من أي اليمن ؟ قالوا من كندة.
قال من أي كندة ؟ قالوا من بني عمرو بن معاوية، قال فهل لكم إلى خير ؟ قالوا وما هو ؟ قال: " تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله ".
قال عبد الله بن الاجلح: وحدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الملك لله يجعله حيث يشاء " فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به.
وقال الكلبي فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب، الحق بقومك فلا حاجة لنا بك.
فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال ممن القوم ؟ قالوا من بكر بن وائل.
فقال من أي بكر بن وائل ؟ قالوا من بني قيس بن ثعلبة.
قال كيف العدد ؟ قالوا كثير مثل الثرى.
قال فكيف المنعة ؟ قالوا لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم.
قال: " فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا وثلاثين " قالوا ومن أنت ؟ قال أنا رسول الله.
ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي: وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله، ثم مر أبو لهب فقالوا هل تعرف هذا الرجل ؟ قال نعم هذا في الذروة منا فعن أي شأنه تسألون ؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا زعم أنه رسول الله، قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه.
قالوا قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر.
قال الكلبي: فأخبرني عبد الرحمن المعايري (1) عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ، فقال ممن القوم ؟ قلنا من بني عامر بن صعصعة.
قال من أي بني عامر بن صعصعة ؟ قالوا (2): بنو كعب بن ربيعة.
قال كيف المنعة [ فيكم ] ؟ قلنا لا يرام ما قبلنا، ولا يسطلى بنارنا.
قال فقال لهم: " إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي
ولا أكره أحدا منكم على شئ " قالوا ومن أي قريش أنت ؟ قال من بني عبد المطلب.
قالوا فأين أنت من عبد مناف ؟ قال هم أول من كذبني وطردني.
قالوا ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك قال فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بيحرة (3) بن فراس
__________
(1) في دلائل أبي نعيم.
العامري.
(2) في أبي نعيم: قلنا.
(3) في الطبري وابن هشام: بحيرة، وقد تقدم.

القشيري فقال من هذا الرجل أراه عندكم أنكره ؟ قالوا محمد بن عبد الله القرشي قال فما لكم وله ؟ قالوا زعم لنا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه.
قال ماذا رددتم عليه ؟ قالوا بالترحيب والسعة، نخرجك إلى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا.
قال بيحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشئ أشد من شئ ترجعون به بدأتم (1) ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، أتعمدون إلى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه ؟ فبئس الرأي رأيتم.
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك.
قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فألقته.
وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت يا آل عامر - ولا عامر لي - أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم ؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى بيحرة واثنين أعاناه، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الارض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء " قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم: غطيف (2) وغطفان ابنا سهل، وعروة - أو عذرة - بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم.
وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في مغازيه عن أبيه به.
وهلك الآخرون
وهم: بيحرة بن فراس، وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة أحد بني عقيل لعنهم الله لعنا كثيرا.
وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم.
وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه.
وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لابي نعيم رحمهم الله - من حديث أبان بن عبد الله البجلي (3)، عن أبان بن تغلب (4)، عن عكرمة عن ابن عباس [ قال ]: حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله رسوله [ ص ] أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه، وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم، وكان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، فقال: ممن القوم ؟ قالوا من ربيعة، قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها ؟
__________
(1) من الدلائل، وفي الاصل بدءا ثم، وهو تحريف.
(2) في الدلائل غطريف.
(3) وهو أبان بن أبي حازم البجلي الكوفي، وثقه ابن معين والعجلي وابن نمير وقال الذهبي في الميزان 1 / 9 حسن الحديث، قال ابن عدي: هو عزيز الحديث سرده ابن حبان في المجروحين.
(4) في دلائل البيهقي: بن ثعلب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:44 am

قالوا بل من هامها العظمى.
قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى [ أنتم ] فقالوا (1) ذهل الاكبر، قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذي كان يقال [ له ] لا حر بوادي عوف ؟ قالوا: لا.
قال فمنكم بسطام بن قيس: أبو اللواء (2) ومنتهى الاحياء ؟ قالوا: لا.
قال فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا: لا.
قال فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار ؟ قالوا: لا.
قال فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا: لا.
قال فأنتم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا: لا.
قال فأنتم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا: لا.
قال لهم أبو بكر رضي الله عنه: فلستم بذهل الاكبر، بل أنتم [ من ] ذهل الاصغر.
قال فوثب إليه منهم
غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي - حين بقل (3) وجهه - فأخذ بزمام ناقة أبي بكر وهو يقول: إن على سائلنا أن نسأله * والعبء لا نعرفه أو نحمله (4) يا هذا إنك سالتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئا، ونحن نريد أن نسأل فمن أنت ؟ قال رجل من قريش.
فقال الغلام: بخ بخ أهل السؤدد والرئاسة، قادمة العرب وهاديها (5) فمن أنت من قريش ؟ فقال له رجل من بني تيم بن مرة.
فقال له الغلام: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة ؟ أفمنكم قصي بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلبين عليها وأجلى بقيتهم وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة ثم استولى على الدار وأنزل قريشا منازلها فسمته العرب بذلك مجمعا، وفيه يقول الشاعر: أليس أبوكم كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر فقال أبو بكر لا.
قال فمنكم عبد مناف الذي انتهت إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة ؟ فقال أبو بكر: لا.
قال فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الذي هشم الثريد لقومه ولاهل مكة، ففيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف سنوا إليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمخ خالصة لعبد مناف الرايشين وليس يعرف رايش * والقائلين هلم للاضياف
__________
(1) من دلائل البيهقي، وفي الاصل فقال وهو تحريف.
(2) كذا في الاصل وفي البيهقي، وفي أبي نعيم: أبو الملوك.
(3) في البيهقي: تبين.
(4) في البيهقي: والعبو لا نعرفه أو نجهله.
(5) في دلائل أبي نعيم: أزمة العرب وهداتها.

والضاربين الكبش يبرق بيضه * والمانعين البيض بالاسياف لله درك لو نزلت بدارهم * منعوك من أزل ومن إقراف (1) فقال أبو بكر: لا.
قال فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا الذي كأن وجهه قمر يتلالا في الليلة الظلماء.
؟ قال: لا.
قال أفمن أهل الافاضة أنت ؟ قال: لا.
قال أفمن أهل الحجابة أنت ؟ قال: لا.
قال أفمن أهل الندوة أنت ؟ قال: لا.
قال أفمن أهل السقاية أنت ؟ قال: لا.
قال أفمن أهل الرفادة أنت ؟ قال: لا.
قال فمن المفيضين أنت ؟ قال: لا ثم جذب أبو بكر رضي الله عنه زمام ناقته من يده، فقال له الغلام: صادف در السيل در يدفعه * يهيضه حينا وحينا يرفعه (2) ثم قال: أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب.
قال فأقبل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم قال علي: فقلت له يا أبا بكر لقد وقعت من الاعرابي على باقعة.
فقال أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول.
قال ثم انتهينا إلى مجلس عليه (3) السكينة والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم - قال علي وكان أبو بكر مقدما في كل خير - فقال لهم أبو بكر ممن القوم ؟ قالوا من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم، وفي رواية ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وهؤلاء غرر الناس.
وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك.
وكان أقرب القوم إلى أبي بكرمفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره (4).
فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم ؟ فقال له إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة.
فقال له: فكيف المنعة فيكم ؟ فقال: علينا الجهد ولكل قوم جد.
فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على
الاولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله.
يديلنا مرة ويديل علينا [ أخرى ] (5).
لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو هذا فقال مفروق قد بلغنا
__________
(1) الازل: الضيق والشدة، والاقراف التهمة.
(2) في البيهقي: يصدعه بدل يرفعه.
(3) في البيهقي: عليهم.
(4) في البيهقي: تريبته.
(5) من دلائل البيهقي وعند أبي نعيم ويديل علينا مرة.

أنه يذكر ذلك [ فإلى ما تدعو يا أخا قريش ] (1)، ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال صلى الله عليه وسلم: " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد ".
قال له وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) إلى قوله: (ذلك وصاكم به لعلكم تتقون) [ الانعام: 151 ] فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الارض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [ النحل: 90 ] فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك، وإني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلة في الرأي، وطيشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة،
وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا.
ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به.
والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا وإنا إنما نزلنا بين صريين (2) أحدهما اليمامة، والآخر السماوة (3).
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هذان الصريان ؟ فقال له أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا.
ولعل هذا الامر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول.
فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من
__________
(1) من البيهقي وأبي نعيم.
(2) الصريين، وقيل صيرين تثنية صير، والصرى للماء إذا طال مكثة وتغير، وفي النهاية، الصير، الماء الذي يحضره الناس.
(3) السماوة: وفي دلائل البيهقي: السمامة.
وسميت بالسماوة لانها أرض مستوية لا حجر فيها، وهي ماء بالبادية، وهي بين الكوفة والشام.
(معجم البلدان - معجم ما استعجم).

حاطه من جميع جوانبه ".
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه ؟ " فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ! فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) [ الاحزاب: 45 ] ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يدي أبي بكر.
قال علي ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا علي أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية - ما
أشرفها - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا " (1).
قال ثم دفعنا إلى مجلس الاوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
قال علي: وكانوا صدقاء صبراء فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من معرفة أبي بكر رضي الله عنه بأنسابهم (2).
قال فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: " احمدوا لله كثيرا فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا ".
قال وكانت الوقعة بقراقر (3) إلى جنب ذي قار وفيها يقول الاعشى: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * وراكبها عند اللقاء وقلت هموا ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت (4) فلله عينا من رأى من فوارس * كذهل بن شيبان بها حين ولت (5) فثاروا وثرنا والمودة بيننا * وكانت علينا غمرة فتجلت
__________
(1) العبارة في البيهقي: بها يدفع الله عزوجل بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم.
(2) رواه الحاكم وأبو نعيم في دلائل النبوة 1 / 237 - 241.
والبيهقي في الدلائل ج 2 / 422 - 427 وفيه: عن العماني وعن الغلابي عن البجلي فذكره بإسناده ومعناه وروي أيضا باسناد آخر مجهول عن أبان بن تغلب.
وقال القسطلاني في المواهب: أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد حسن.
وما بين معكوفتين زيادة اقتضاها السياق استدركت من دلائل البيهقي.
(3) وقعة ذي قار كانت - لبكر على العجم - وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وخبر أصحابه بها.
وذوقار ماء لبكر قريب من الكوفة وبعد هذا اليوم من مفاخر بكر.
أنظر في الوقعة (العقد الفريد - الطبري 2 / 148 - ابن الاثير 1 / 289 - الاغاني ج 2 / 97 خزانة الادب ج 1 / 343 النقائض 638 طبع أوروبا - معجم البلدان).
(4) رواية البيت في أيام العرب: فصبحهم بالحنو حنو قراقر * وذي قارها منها الجنود فقلت ورواية اللسان: وهم ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت
قال: وصواب إنشاده: هم ضربوا، وهذه هي رواية الديوان ورواية النقائض أيضا.
بنو شيبان بطن في بكر بن وائل.
هامرز: كان على مسلحة كسرى بالسواد، وكان على ألف من الاساورة.
(5) هذا البيت والذي بعده لم نجدهما في ديوانه ولا في المراجع التي بين أيدينا.

هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الاخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب وقد ورد هذا من طريق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم قراقر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الاسلام.
وقال الواقدي: أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى ونحن نازلون بازاء الجمرة الاولى التي تلي مسجد الخيف وهو على راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة، فدعانا فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا، قال وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي.
فقال لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي.
فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ.
فقال القوم دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به.
وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة فكلمه فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجل بقومه فإذا لم يعضدوه فالعدى (1) أبعد.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين إلى أهليهم.
فقال لهم ميسرة: ميلوا نأتي فدك فإن بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل.
فمالوا إلى يهود فاخرجوا سفرا لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الامي العربي يركب الحمار ويجتزي بالكسرة ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالسبط، وفي عينيه حمرة مشرق اللون.
فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه، وإنا [ منه ] في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه.
فقال
ميسرة: يا قوم ألا [ إن ] هذا الامر بين، فقال القوم نرجع إلى الموسم ونلقاه فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه.
فقال: يا رسول الله والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معي فأين مدخلهم يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل من مات على غير دين الاسلام فهو في النار " فقال: الحمد لله الذي أنقذني.
فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر مكان.
وقد استقصى الامام محمد بن عمر الواقدي فقص [ خبر ] القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه عليه السلام نفسه على بني عامر، وغسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني حنيفة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة، وقيس بن الحطيم وغيرهم.
وسياق أخبارها مطولة وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا ولله الحمد والمنة.
__________
(1) في النهاية: العدى بالكسر: الغرباء والاجانب والاعداء، وبالضم: الاعداء خاصة.

وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنا اسرائيل [ بن يونس ] عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله.
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: " هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل ؟ " (1) فأتاه رجل من همدان فقال ممن أنت ؟ قال الرجل من همدان.
قال فهل عند قومك من منعة ؟ قال نعم ! ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل ! قال نعم ! فانطلق وجاء وفد الانصار في رجب (2).
وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن اسرائيل به، وقال الترمذي حسن صحيح.
فصل [ في ] قدوم وفد الانصار عاما بعد عام حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيعة بعد بيعة ثم بعد ذلك تحول إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حديث سويد بن صامت الانصاري وهو سويد بن الصامت (1) بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم.
فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن إسحاق بن يسار: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به [ من الله ] من الهدى والرحمة ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، وعرض عليه ما عنده.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة [ الانصاري ]
__________
(1) أخرجه الترمذي في 46 - كتاب فضائل القرآن ح 2925 وقال: هذا حديث غريب صحيح.
وأخرجه أبو داود في السنة - باب في القرآن ح 4734.
وأخرجه ابن ماجة في المقدمة 13 باب في الجهمية ح 201 وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 2 / 413.
وقال البيهقي هذه الزيادة من رواية مصعب بن المقدام.
(2) في السهيلي: هو سويد بن الصامت بن حوط..وبنت سويد هي أم عاتكة، أخت سعيد بن ريد امرأة عمر بن الخطاب فهو جدها لامها واسم أمها زينب.

عن أشياخ من قومه.
قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا - أو معتمرا - وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الذي يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفري مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغرة النحر (1) يسرك باديه وتحت أديمه * تميمة غش تبتري عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم * من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشني بخير ظالما قد بريتني * وخير الموالي من يريش ولا يبري (2) قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الله والاسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك ؟ قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان - فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعرضها علي، فعرضها عليه فقال: " إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور " فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الاسلام.
فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن.
ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج (3).
فإن كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قتل وهو مسلم.
وكان قتله قبل بعاث (4).
وقد رواه البيهقي (5) عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بأخصر من هذا.
إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد.
قال: لما قدم أبوالحيسر، أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بني عبد الاشهل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم، فقال [ لهم ]: " هل لكم في خير مما جئتم له ؟ قال: قالوا: وما ذاك ؟
__________
(1) المأثور: السيف الموشى.
(2) في ابن هشام: فخير الموالي بدلا من وخير الموالي.
(3) قتل سويدا المجذر بن ذياد واسمه عبد الله، وكان قتله في الجاهلية فهيج قتله وقعة بعاث بين الاوس والخزرج ثم أسلم المجذر والحارث بن سويد بن الصامت، وكان الحارث يطلب غرة المجذر بن ذياد ليقتله بأبيه، ويوم أحد جاءه الحارث من خلفه فضرب عنقه وقتله غيله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الحارث وضرب عنقه عويم بن ساعدة على باب مسجد قباء (طبقات ابن سعد).
(4) بعاث موضع كانت فيه حرب بين الاوس والخزرج.
(5) دلائل النبوة ج 2 / 419.

قال: أنا رسول الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب.
ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال: إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - يا قوم (1) هذا والله خير مما جئتم له.
فأخذ ابوالحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا.
قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الاوس والخزرج.
قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع (2).
قلت: كان يوم بعاث - وبعاث موضع بالمدينة - كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الاوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل.
وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة (3) عن هشام عن أبيه عن عائشة.
قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملاؤهم، وقتل سراتهم (4).
باب بدء إسلام الانصار رضي الله عنهم قال إبن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه.
وانجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الانصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم " من أنتم ؟ " قالوا نفر من الخزرج.
قال: " أمن موالي يهود ؟ " قالوا نعم ! قال " أفلا تجلسون أكلمكم ؟ " قالوا: بلى.
فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن.
قال
وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كان معهم في بلادهم.
وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا
__________
(1) في السيرة: أي قوم.
(2) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي وفيه: الحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ.
(3) من البخاري وفي الاصل أبي أمامة وهو تحريف.
وأخرجه في 63 كتاب مناقب الانصار (1) باب مناقب الانصار ح 3777 فتح الباري 7 / 87.
(4) في البخاري: وقتلت سرواتهم وجرحوا فقدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الاسلام.

[ لهم ] إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله.
قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له: إنا د تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا [ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ] راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا.
قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة (1) بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار.
قال أبو نعيم: وقد قيل إنه أول من أسلم من الانصار من الخزرج.
ومن الاوس أبو الهيثم بن التيهان.
وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم.
وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار - وهو ابن عفراء - النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو [ بن عامر ] بن زريق الزرقي وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد (2) بن جشم بن الخزرج
السلمي ثم من بني سواد، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بني حرام.
وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بني عبيد رضي الله عنهم.
وهكذا روي عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج.
وذكر موسى بن عقبة في ما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية (3) وهم: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة.
فأسلموا وواعدوه إلى قابل.
فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام،
__________
(1) شهد العقبة الاولى والثانية وبايع فيهما، مات قبل بدر، كان نقيبا، أمه سعاد ويقال الفريعة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن الابجر.
لما أسلم عمل على تكسير أصنام بني مالك بن النجار.
أخذته الذبحة ولما توفي مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام جنازته وهو أول من دفع بالبقيع.
(طبقات ابن سعد - الاستيعاب) (2) في الاصل: ساوة بن يزيد، وما أثبتناه من ابن هشام.
ولا يعرف في العرب تزيد إلا هذا، وتزيد بن الحاف بن قضاعة، وإليهم تنسب الثياب التزيدية.
(3) في ابن سعد: قال محمد بن عمر: وأمر الستة أثبت الاقاويل عندنا أنهم أول من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار فدعاهم إلى الاسلام فأسلموا

وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن أبعث إلينا رجلا يفقهنا.
فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن إسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة.
والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان
العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنا عشر رجلا وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا.
وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي.
قال ابن هشام: وهو أنصاري مهاجري.
وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم (1) بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة (2) بن أصرم البلوي، والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الاوس اثنان وهما، عويم بن ساعدة.
وأبو الهيثم مالك بن التيهان.
قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت.
قال السهيلي: أبو الهيثم بن التيهان: اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعون (3) بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس (4).
قال وقيل إنه أراشي وقيل بلوي.
وهذا لم ينسبه ابن إسحاق ولا ابن هشام.
قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات، والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى.
وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم: " وإذ قال إبراهيم رب
__________
(1) في نسخة لابن هشام: أحرم والصواب ما أثبتناه.
(2) قال ابن اسحاق وابن الكلبي خزمة بسكون الزاي، وقال الطبري خزمة بفتح الزاي.
قال في الاستيعاب: ليس في الانصار خزمة بالتحريك.
(3) في ابن سعد: زعوراء.
(4) قال ابن سعد: واسمه مالك بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة حليف لبني عبد الاشهل، أجمع على ذلك موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبو معشر ومحمد بن عمر.
شهد أبو الهيثم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا فخرص عليهم التمرة.
مات في خلافة عمر سنة عشرين
بالمدينة وقيل بقى إلى أيام علي وشهد معه صفين وقتل يومئذ.
قال الواقدي القول الاول اثبت عندنا (الاستيعاب - الطبقات الكبرى - الروض الآنف) .

اجعل هذا البلد آمنا) إلى آخرها.
وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن [ أبي ] (1) مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة - وهو ابن الصامت - قال: كنت ممن حضر العقبة الاولى، وكنا اثني عشر رجلا.
فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض الحرب، على أن لانشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف.
فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر.
وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به نحوه (2).
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت حدثه.
قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الاولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه.
وقوله على بيعة النساء - يعني وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية - وكان هذا مما نزل علي وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة.
وليس هذا عجيب فإن القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير، وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر.
والله أعلم.
قال إبن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب (3) بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي.
وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين.
وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى.
قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم.
وقال ابن إسحاق: فكان عبد الله بن أبي بكر
__________
(1) سقطت من الاصل واستدركت من ابن هشام.
وفي دلائل البيهقي: عن أبي الخير وهو مرثد.
(2) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 43 باب فتح الباري 7 / 219 ومسلم في 29 كتاب الحدود 10 باب ح 44.
(3) يكنى: أبا عبد الله وفي ابن سعد: أبا محمد من أوائل المهاجرين إلى الحبشة، من فضلاء الصحابة شهد بدرا بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يفقههم في الدين ويقرأ عليهم القرآن حتى ظهر الاسلام وفشا في دور الانصار، وهو أول من جمع في الاسلام، قتل يوم أحد شهيدا قتله ابن قمئة وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم معه يوم بدر وأحد، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة وهو ابن أربعين سنة أو يزيد (طبقات ابن سعد - الاستيعاب - الروض الآنف).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:46 am

يقول: لا أدري ما العقبة الاولى.
ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة.
قالوا كلهم: فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الاوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الآذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة.
قال: فمكث حينا على ذلك لا يسمع لاذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له.
قال فقلت في نفسي والله أن هذا بي لعجز، ألا أسأله ؟ فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبي أمامة ؟ فقال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت (1) من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قال: قلت وكم أنتم يومئذ ؟ قال أربعون رجلا.
وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه من طريق
محمد بن إسحاق رحمه الله.
وقد روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة (2)، وفي إسناده غرابة والله أعلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبيدالله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الاشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة ؟ فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال له: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الاشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد لاسيد: لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكمله.
قال فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟
__________
(1) هزم النبيت: جبل على بريد من المدينة قاله السهيلي وأنكره ياقوت في معجمه ونفى أن يكون هزم النبيت جبلا لان هزم: المطمئن من الارض واستحسن قولا - قال: إن صح فهو المعول عليه - وهو: جمع بنا في هزم بني النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات.
(2) قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: إنما كان مصعب بن عمير يصلي بهم ويجمع بهم الجمعات بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليهاجر معه صلى بهم أسعد بن زرارة وقال البيهقي: يحتمل أن لا يخالف هذا قول ابن شهاب، وكأن مصعب جمع بهم معونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه والله أعلم.
(أنظر الحاشية السابقة - وترجمة ابن زرارة وابن عمير في الطبقات ج 3) .

اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
وقال موسى بن عقبة: فقال (1) له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد.
الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه.
قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ قال: أنصفت، قال: ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه (2) مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا - فيما يذكر عنهما - والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا.
قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت ؟ قال كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا.
وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك (3)، قال: فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما سعد فلما رآهما مطمئنين، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف [ عليهما ] متشمتما ؟ ثم قال لاسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه [ من ] قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان.
قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن.
وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف (4).
قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا تغتسل فتطهر
__________
(1) نقل البيهقي الخبر عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري، وجاءت العبارة فيه: فقال لابي أمامة: علام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل، ويدعوهم إليه، لا أراك بعدها تسئ من
جوارنا، فقاموا ورجعوا.
(2) في رواية موسى بن عقبة أن ذلك كان في مرة أخرى، حيث توعدهم وعيدا دون وعيده الاول، فلما رأى منه أسعد بن زرارة لينا قال له: يا ابن خالة استمع من قوله فإن سمعت منكرا فأردده بأهدى منه، وإن سمعته حقا فأجب إليه.
إنما نسب موسى هذا القول لسعد بن معاذ وقال: ويقول بعض الناس: بل أسيد بن حضير.
(3) في ابن هشام: ليخفروك، والاخفار: نقض العهد والغدر.
(4) في البيهقي من رواية موسى قرأ: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.

وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.
قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير (1)، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا سيدنا [ وأوصلنا ] وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال فوالله ما أمسى في دار بني عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو (2) مسلمة، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ماكان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس وهم من الاوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي.
وقال الزبير بن بكار: اسمه الحارث، وقيل عبيدالله واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس.
وكذا نسبه الكلبي أيضا.
وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق.
قلت: وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن إسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن [ أبي ] الصلت الثقفي.
قال ابن إسحاق فيما تقدم: ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الاوس والخزرج، وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود.
فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بني واقف - قال السهيلي: هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو (3) بن غنم بن عدي بن النجار، قال وهو الذي أنزل فيه وفي عمر: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) الآية.
قال ابن إسحاق (4): وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا.
كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته.
قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحروب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه
__________
(1) في رواية ابن عقبة: فقال سعد بن معاذ: بعد قراءة مصعب عليه - ما أسمع إلا ما أعرف، فرجع سعد بن معاذ وقد هداه الله ولم يظهر لهما إسلامه حتى رجع إلى قومه.
(2) في ابن هشام: ومسلمة.
(3) في السيرة: عن ابن هشام: عامر.
(4) سيرة ابن هشام ج 1 / 302.

عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب (1) رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب وقد كان عندي للهموم معرس * ولم اقض منها حاجتي ومآربي (2) نبيتكم شرجين، كل قبيلة * لها أزمل من بين مذك وحاطب (3) أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الاشافي وقعها حق صائب (4)
فذكرهم بالله أول وهلة * واحلال أحرام الظباء الشوازب (5) وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغول للاقصين أو للاقارب تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبري السديف من سنام وغارب وتستبدلوا بالاتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب (6) وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب (7) فاياكم والحرب لا تعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب تزين للاقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بيتت أم صاحب تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب وكم ذا أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب عظيم رماد النار يحمد أمره * وذي شيمة محض كريم المضارب وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيبا غير رب الثواقب
__________
(1) المغلغلة: الرسالة.
(2) المعرس: المكان الذي ينزل فيه المسافر آخر الليل، يقيم فيه للراحة ثم يرتحل.
(3) شرجين: نوعين مختلفين.
الازمل: الصوت المختلط.
المذكى: الموقد، والمذكي: الذي يوقد النار.
(4) الاشافى: جمع اشفى وهي المخرز.
(5) أحرام الظباء: التي يحرم صيدها في الحرم، والشوازب: الضامرة البطون.
(6) الاتحمية: ثياب رقاق تصنع باليمن.
(7) القتير: حلق الدرع.

أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتموا * لنا غاية، قد يهتدى بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والاحلام غير عوازب وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب تصونون أنسابا كراما عتيقة * مهذبة الانساب غير أشائب (1) يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدي بعصائب لقد علم الاقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب (2) وأفضله رأيا وأعلاه سنة * وأقوله للحق وسط المواكب فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب (3) فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رؤوس المناقب فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها، قول امرئ غير كاذب وحرب داحس التي (4) ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره: أن فرسا يقال له داحس كانت لقيس (5) بن زهير بن جذيمة بن رواحة الغطفاني.
أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفاني أيضا يقال لها الغبراء، فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا، ثم إن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله، فشبت الحرب بين بني عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر وجماعات آخرون، وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها.
قال ابن هشام: وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والاول أصح (6) قال وأما حرب حاطب [ فيعني حاطب ] بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن
__________
(1) في ابن هشام: تصونون أجسادا بدل تصونون أنسابا.
(2) الجباجب: المنازل، واحدها، جبجبة، قال السهيلي هي منازل منى.
(3) الاخاشب: أراد الاخشبين، جبلا مكة.
(4) في الاصل: الذي، والصواب ما أثبتناه.
(5) قيس بن زهير سيد بني عبس وكان يلقب بقيس الرأي.
لجودة رأيه من أقواله: أربعة لا يطاقون: عبد ملك.
نذل شبع، وأمة ورثت، وقبيحة تزوجت.
(6) اختلفت الآراء حول ملكية داحس والغبراء، أنظر في ذلك: العقد الفريد ج 3 / 313 سيرة ابن هشام 1 / 303 =

أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس.
كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه يزيد (1) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن فسحم (2) في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ الاسود (3) بن الصامت الاوسي، قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج، ثم كانت بينهم حروب يطول ذكرها أيضا.
والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام، فأسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس ثبطهم عن الاسلام وهو القائل أيضا: أرب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول أرب الناس إما أن ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذي شكول (4)
ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا ديننا عن كل جيل نسوق الهدي ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول (5) وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الامر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته.
وكان الذي ثبطه عن الاسلام أولا عبد الله بن أبي بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر [ به ] يهود فمنعه عن الاسلام.
قال ابن إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج، وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم.
وكذا الواقدي.
قال: كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلامه عبد الله بن أبي فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة (6).
وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن
__________
= الكامل لابن الاثير 1 / 343 الاغاني 8 / 240، 16 / 26 معجم البلدان (أصاد - هباءة) شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1 / 397 مجمع الامثال للميداني 2 / 51.
(1) في الاصول زيد وهو تحريف، من ابن هشام وشرح القاموس مادة فسحم.
(2) في الاصول قسحم، وما أثبتناه من ابن هشام وشرح القاموس مادة فسحم.
(3) في ابن هشام: سويد، وقد تقدم التعليق على ذلك يوم بعاث.
(4) البيتان الاول والثاني ليسا في الطبقات.
ويبدأ الثالث والرابع: ولوشا بدل " ولولا ربنا ".
(5) في الطبقات شطره: تكشف عن مناكبها الجلول.
(6) في ابن سعد: ذي الحجة على رأس عشرة أشهر من الهجرة.

لاثير في كتابه [ أسد ] الغابة، أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فسمع يقول: لا له إلا الله.
وقال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار، فقال " يا خال: قل لا إله إلا الله " فقال: أخال أم عم ؟ قال بل خال قال: فخير لي أن أقول لا إله إلا الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
نعم ! تفرد به أحمد (1) رحمه الله وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) [ النساء: 22 ] الآية.
وقال ابن إسحاق وسعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الاوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب وقال: أعبد إله إبراهيم حين فارق الاوثان وكرهها، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فحسن إسلامه (2)، وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الذي يقول: يقول أبو قيس وأصبح غاديا * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم والبر بالله أول وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا وإن ناب.
غر فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا وإن أنتم أمعزتم فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا (3) وقال أبو قيس أيضا: سبحوا الله شرق كل صباح * طلعت شمسه وكل هلال عالم السر والبيان جميعا * ليس ما قال ربنا بضلال (4) وله الطير تستزيد وتأوي * في وكور من آمنات الجبال
__________
(1) مسند أحمد ج: 3 / 152، 154، 268 حلبي.
(2) في ابن سعد: كاد أن يسلم، وبقي على دين ابراهيم وكان يقال له بيثرب الحنيف، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في شعره وكان يقول: ليس على دين إبراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل.
(أنظر الطبقات ج 4 / 383 وما بعدها).
(3) أمعزتم: وتروى أمعرتم بالراء: أفتقرتم وأصابتكم شدة.
(4) في ابن هشام: لدينا مكان جميعا.

وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفي ظلال الرمال (1) وله هودت يهود ودانت * كل دين مخافة من عضال (2) وله شمس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس وكان أنعم بال (3) يا بني الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال واتقوا الله في ضعاف اليتامى * وبما يستحل غير الحلال واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدي بغير سؤال ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والي يا بني التخوم لا تخزلوها * إن جزل التخوم ذو عقال (4) يا بني الايام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالي واعلموا أن مرها (5) لنفاد * الخلق ما كان من جديد وبالي واجمعوا أمركم على البر والتق * وى وترك الخنا وأخذ الحلال قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة.
قصة بيعة العقبة الثانية (6) قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الانصار من المسلمين [ إلى الموسم ] مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا
__________
(1) الحقاف: جمع حقف، وهو الكدس المستدير من الرمل.
(2) في ابن هشام: كل دين دين إذا ذكرت عضال (3) في ابن هشام: وكان ناعم بال.
(4) في الاصل تجزلوها.
وهو تحريف.
وتخزلوها: تقطعوها.
(5) في الاصل أمرها.
(6) أنظر العقبة الثانية في: طبقات ابن سعد 1 / 221 تاريخ الطبري 2 / 361 وما بعدها سيرة ابن هشام 2 / 81 وما بعدها.
تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 200 ابن سيد الناس 1 / 192، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر (68).

رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله [ وإذلال الشرك وأهله ].
فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الانصار - حدثه أن أباه كعبا حدثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها -.
قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور (1) سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوا فقونني عليه أم لا ؟ قلنا وما ذاك ؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها.
قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن خالفه.
فقال: إني لمصل إليها، قال فقلنا له: لكنا لا نفعل.
قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة.
[ قال: وقد كنا قد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك.
فلما قدمنا مكة ] قال لي يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه قد وقع في نفسي منه شئ.
لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تعرفانه ؟ فقلنا لا، فقال هل تعرفان
العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قال: قلنا نعم ! وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال: فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر ؟ قال: نعم ! فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى ؟ قال: " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها " قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام، قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم.
قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا،
__________
(1) البراء بن معرور: يكنى أبا بشر، وهو أحد النقباء الاثني عشر من الانصار، وهو أول من تكلم من النقباء ليلة العقبة حين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعون.
أوصى بثلث ماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث شاء، مات وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر، قال الواقدي: كان أول من مات من النقباء (الطبقات 3 / 618).

فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا (1).
وقد روى البخاري: حدثني إبراهيم، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال
جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة.
قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة: أحدهم البراء بن معرور.
حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان، قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهد بي خالاي العقبة.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر.
قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول " من يؤويني ؟ من ينصرني ؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة " فلا يجد أحدا يؤويه ولا بنصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: إحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم [ يدعوهم إلى الله عزوجل ] (2) وهم يشيرون إليه بالاصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف ؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا.
فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك ؟ قال " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة " فقمنا إليه [ نبايعه ] (3) وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا، فقال رويدا يا أهل يثرب: فإنا لم نضرب إليه أكباد الابل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم، [ وأن ] تعضكم السيوف.
فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه.
فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله.
قالوا أبط (4) عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا
__________
(1) ما بين معكوفتين في الخبر زيادة من ابن هشام.
(2) زيادة من البيهقي.
(3) من البيهقي.
(4) العبارة في البيهقي: فقلنا: أمط يدك يا أسعد بن زرارة فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقبلها فقمنا إليه نبايعه رجلا رجلا..

نسلبها أبدا.
قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة.
وقد رواه الامام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم (1) كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي إدريس به نحوه.
وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه.
وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروي عن جابر إلا من هذا الوجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر.
قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخذت وأعطيت " وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعني الجعفي - عن داود - وهو ابن أبي هند - عن الشعبي عن جابر - يعني ابن عبد الله - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الانصار: " تؤووني وتمنعوني ؟ " قالو: نعم قالوا: فما لنا ؟ قال: " الجنة " ثم قال: لا نعلمه يروي إلا بهذا الاسناد عن جابر، ثم قال ابن إسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك.
قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع.
وقد صرح ابن إسحاق - في رواية يونس بن بكير عنه - بسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الاحاديث أنهم كانوا سبعين، والعرب كثيرا ما تحذف الكسر، وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة.
كانوا
سبعين رجلا وامرأة واحدة (2)، قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله.
قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه
__________
= أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 339 - 440 والبيهقي في الدلائل ج 2 / 442، 443.
(1) في البيهقي 2 / 443: يحيى بن سليمان عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر، وزاد في وسطه: قال: فقال له عمه العباس: يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث..(2) وفي رواية ابن بكير عن ابن اسحاق قال: كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين من الخزرج والاوس.
وفي ابن سعد: إنهم كانوا سبعين يزيدون رجلا أو رجلين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:47 am

إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام.
قال: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " قال: فأخذ البراء بن معرور بيده [ و ] قال نعم ! فوالذي بعثك بالحق [ نبيا ] لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (1) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله ابناء الحروب [ وأهل الحلقة ] (2) ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم
أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " بل الدم الدم، والهدم الهدم (3).
أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " قال كعب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس.
قال ابن إسحاق: وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة [ بن ثعلبة ] (4) بن امرئ القيس [ بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر ] (4) بن مالك [ الاغر ] (5) بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن (6) خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن
__________
(1) أزرنا: أي نساءنا، والمرأة قد يكنى عنها بالازار، وقد يكنى بالازار عن النفس أيضا.
(2) ما بين معكوفين من ابن هشام.
(3) كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما هدمت من الدماء هدمته أنا.
ويروى أيضا: اللدم اللدم، والهدم الهدم.
وعن ابن هشام الهدم: يعني الحرمة: أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم.
وعلق السهيلي على قول ابن هشام قال: وإنما كنى ابن هشام على حرمة الرجل وأهله بالهدم " لانهم كانوا أهل نجعة وارتحال، ولهم بيوت يستخفونها يوم ظعنهم، فكلما ظعنوا هدموها.
(الخبر في ابن هشام 2 / 82 ونقله الطبري عنه 2 / 362).
(4) من ابن هشام.
(5) من الاستيعاب.
(6) في الاصول والاستيعاب، بن خزيمة، وفي ابن هشام ابن أبي خزيمة، وفي شرح السيرة لابي ذر ابن أبي حزيمة،
وقال في الاستيعاب: ويقال فيه: ابن أبي حليمة.

كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج.
فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الاوس ثلاثة وهم، أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم [ بن الحارث ] (1) بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (2) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس.
قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا، وهو كذلك في رواية يونس عن ابن إسحاق (3).
واختاره السهيلي وابن الاثير في [ أسد ] الغابة.
ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الانصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال: أبلغ أبيا أنه فال رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع (4) أبى الله ما منتك نفسك إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا * أباه عليك الرهط حين تبايعوا (5) أباه البراء وابن عمرو كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر * لانفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به، والقوقلي بن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفي بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقه الغي نازع
__________
(1) من ابن هشام.
(2) في ابن هشام والاستيعاب: ابن زبير.
(3) واختاره ابن سعد في الطبقات قال: وهو أحد النقباء الاثني عشر من الانصار وشهد العقبتين جميعا ووافقه البيهقي في الدلائل من رواية ابن بكير عن ابن سحاق ولم يذكره ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي (ص 71) بل ذكر رفاعة.
(4) فال: بطل.
(5) قوله تبايعوا: ضبطها محقق سيرة ابن هشام: تتابعوا.

وسعد أخو عمرو بن عوف فانه * ضروح لما حاولت ملامر مانع (1) أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة.
قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة.
وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب عن مالك.
قال: كان الانصار ليلة العقبة سبعون رجلا، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس.
وحدثني شيخ من الانصار أن جبرائيل كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة.
رواه البيهقي (2).
وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر [ بن حزم ] (3): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي [ يعني المسلمين ] (4) " قالوا نعم ! وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة
الانصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم ! قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال " الجنة " قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه.
قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعنقاهم وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر [ القوم ] البيعة تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون اقوى لامر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة، كان أول من ضرب على يده.
وبنو عبد الاشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.
قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك.
قال: فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع [ بعد ] القوم (5) وقال *.
__________
* (1) ضروح: مانع ودافع عن نفسه.
(2) دلائل البيهقي ج 2 / 453.
(3) من دلائل البيهقي.
(4) من ابن هشام.
(5) سيرة ابن هشام: 2 / 89 وما بين معقوفتين من السيرة.

ابن الاثير في [ أسد ] الغابة: وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك.
وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك.
قال: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أكثر (1) في
الناس منها.
وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا [ أبو ] (2) عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا أبو نعيم [ الفضل بن دكين ] حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الانصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: " ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم " فقال قائلهم - وهو أبو أمامة - سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت.
ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك.
قال: " أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم " قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال: " لكم الجنة " قالوا فلك ذلك.
ثم رواه حنبل عن الامام أحمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الانصاري فذكره قال: وكان أبو مسعود أصغرهم.
وقال أحمد عن يحيى عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش (3) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي، أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي، حدثنا زهير، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن اسماعيل بن عبيدالله (4) بن رفاعة عن أبيه قال: قدمت روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت فخرقها (5) وقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة.
فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها، وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه.
وقد روى يونس عن ابن إسحاق [ قال ] حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت.
قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا،
__________
(1) في البخاري " بدر أذكر " وفي نسخ البداية المطبوعة: " بدرا كثيرة " وهو تحريف.
(2) من دلائل البيهقي 2 / 451.
(3) في الدلائل: محمد بن محمد بن محمش الفقيه.
(4) في البيهقي عبيد.
(5) في البيهقي: فحرقها.

وأثرة علينا (1)، وأن لا ننازع الامر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
قال ابن إسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك.
قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط ؟ يا أهل الجباجب - والجباجب المنازل - هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب " (2).
قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب.
" أتسمع أي عدو الله ؟ أما والله لا تفرغن لك (3).
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفضوا إلى رحالكم " قال: فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ".
قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا (4)، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا.
وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا، من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شئ وما علمناه، قال: وصدقوا لم يعلموا، قال وبعضنا ينظر إلى بعض.
قال ثم قال القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان (5)، قال فقلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي.
قال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى فاردد إليه نعليه.
قال: قلت والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لاسلبنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبي بن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا (6) علي مثل هذا وما علمته كان.
قال فانصرفوا عنه.
قال ونفر الناس من منى فتنطس (7) القوم الخبر فوجدوه قد كان،
__________
(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل 2 / 452 وزاد هنا فيه: يقول - أي النبي صلى الله عليه وسلم - وإن استوثر عليكم - تابع الوليد - وقومي يلومونني على هذا الحرف.
(2) في النهاية لابن الاثير: هو شيطان اسمه: أزب الكعبة، وقيل الازب: القصير الدميم.
(3) في ابن هشام: لافرعن لك.
(4) كذا في الاصل والسيرة، وفي رواية البيهقي: فرجعنا إلى رحالنا فاضطجعنا على فرشنا.
(5) قال السهيلي: والنعل مؤنثة، ولكن لا يقال: جديدة في الفصيح من الكلام، وإنما يقال: ملحفة جديدة.
قال سيبويه: قال جديدة، فإنما أراد معنى حديثة.
(6) في ابن هشام: ليتفوتوا علي بمثل هذا.
(7) التنطس: تدقيق النظر، وتنطس القوم الخبر: أكثروا البحث عنه.

فخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا.
فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى ؟ عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته - وكان ذا شعر كثير -.
قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضئ أبيض، شعشاع، حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا.
فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة، فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير، فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى (1) لي رجل ممن معهم.
قال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال: قلت: بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي.
وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس: فقال: ويحك فاهتف باسم
الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما، قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الان ليضرب بالابطح ليهتف بكما [ ويذكر أن بينه وبينكما جوار ]، قالا ومن هو ؟ قال: سعد بن عبادة.
قالا: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده، قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق.
وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو.
قال ابن هشام: وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام (2).
وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير (3) قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم (4) ؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول: أيا [ يا ] سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
__________
(1) أوى لي: رحمني ورق لي.
(2) سيرة ابن هشام: ج 2 / 93.
(3) الخبر في دلائل البيهقي وفيه عن: عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير - كذا قال الكلبي - وهو عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن خير.
والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا، والخرائطي.
(4) قال السهيلي في الروض الآنف 1 / 272: فحسبوا أنه يريد بالسعدين القبيلتين: سعد هذيم من قضاعة، وسعد بن زيد بن تميم.

فصل
قال ابن إسحاق: فلما رجع الانصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها.
وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم، عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة [ وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ]، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة (1) كما كانت الاشراف يصنعون، تتخذه إلها يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لاخزينه.
فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الاذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه.
ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك.
فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من [ رجال ] قومه فأسلم برحمة الله، وحسن إسلامه، فقال حين أسلم، وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول: والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن اف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن (2) الحمد لله العلي ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين (3)
هو الذي أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن
__________
(1) مناة: مأخوذ من قولك: منيت الدم وغيره، إذا صببته، لان الدماء كانت تمنى عنده تقربا إليه، ومنه سميت الاصنام الدمى.
(2) مستدن: مستدن، من السدانة، وهي خدمة البيت وتعظيمه، قاله السهيلي، وقال أبو ذر في شرح السيرة: المستدن: الذليل.
(3) قال السهيلي: الدين: في قوله ديان الدين: جمع دينة وهي العادة.
ويجوز أن يكون أراد: الاديان أي هو ديان أهل الاديان، وجمعها على الدين لانها ملل ونحل كما قالوا في جمع حرة: حرائر.

فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان (1) فمن الاوس أحد عشر رجلا، أسيد بن حضير أحد النقباء [ لم يشهد بدرا ]، وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا (2)، وسلمة بن سلامة بن وقش بدري، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن دينار (3) بدري، ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (4) نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث (5) بن ضبيعة البلوي حليف للاوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها.
ومن الخزرج اثنان وستون رجلا، أبو أيوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا، ومعاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون، وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر، وسهل بن عتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على الساقة يوم بدر،
وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة بن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (6) الذي أري النداء [ للصلاة ] وهو بدري، وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي وقتل يوم بني قريظة شهيدا،
__________
(1) رتب ابن هشام في السيرة أسماءهم على حسب القبائل 2 / 97 - 99 ورتبهم الصالحي في السيرة الشامية أبجديا على الاحرف 3 / 293.
(2) يعني أن أسيد حضر بدرا، ولكن أسيد بن حضير لم يشهد بدرا وتخلف هو وغيره من أگابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من النقباء وغيرهم عن بدر، وشهد أحد والخندق والمشاهد كلها.
(3) كذا في الاصل وفي نسخة لابن هشام وهو تحريف والصواب: أبو بردة بن نيار، واسمه هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب..بن الحاف بن قضاعة كما في سيرة ابن هشام والاستيعاب والقاموس مادة (نير).
(4) في ابن هشام: زنبر، وفي الاستيعاب: زبير.
(5) في ابن هشام: حارثة.
(6) في ابن هشام والاستيعاب: بن عبد الله بن زيد مناة بن الحارث بن الخزرج.

طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن له لاجر شهيدين وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن إسحاق: وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا (1)، وزياد بن لبيد (2) بدري، وفروة بن عمرو بن وذفة (3)، وخالد بن قيس بن مالك بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لانه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد (4) بن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا، والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته، وابنه بشر بن
البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه، وسنان بن صيفي بن صخر بدري (5)، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدري، وأخوه يزيد بن المنذر بدري، ومسعود بن زيد (6) بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خذام (7) بن سبيع، وجبار بن صخر [ بن أمية ] بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك (Cool، وسليم بن عامر (9) بن حديدة بدري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري، وصيفي بن سواد بن عباد، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي (10) بدري واستشهد بالخندق،
__________
(1) خرج في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بفدك في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطبقات: 2 / 126).
(2) شهد زياد أحد والخندق والمشاهد كلها، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على حضرموت، ومات زياد في خلافة معاوية بن أبي سفيان.
(3) قال ابن هشام ودفة كما في الاصل.
وفي سيرة ابن هشام وذفة، قال السهيلي: ودفة وهو الاصح..وعمرو بن ودفة هذا هو البياضي.
وذكره أبو ذر ودفة وكذلك ذكره صاحب العين بالدال المهملة، وفي الاشتقاق لابن دريد وذفة بالذال.
(4) في نسخة ابن هشام - محققة - خلدة.
وأشار محققه إلى أن الاصول: خالد.
وفي طبقات ابن سعد: خالد.
شهد عباد وأخوه الحارث بدرا وأحدا.
وشهد الحارث الخندق وشهد اليمامة وجرح ومات في خلافه عمر.
(5) قتل يوم الخندق شهيدا.
(6) في ابن هشام: يزيد.
(7) في ابن هشام والاستيعاب: حرام.
(Cool شهد تبوك، ولم يشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، بقي إلى زمن معاوية ومات سنة 50 ه.
(9) في ابن هشام: عمرو في المكانين، ويقال عامر.
(10) في الاستيعاب: هانئ.

وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير (1) بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخديج بن سلامة (2) حليف لهم من بلى، ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس (3) في خلافة عمر بن الخطاب، وعبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة (4) بن أصرم حليف لهم [ من بني غصينة ] من بلى، وعمرو بن الحارث بن كندة (5)، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري ! وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم (6) بدري وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصاري أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء (7)، والمنذر بن عمرو نقيب بدري أحدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذي يقال له أعتق ليموت، وأما المرأتان فأم عمارة نسيبة (Cool بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية.
قال ابن إسحاق: وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها حبيب (9) وعبد الله، وابنها خبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول نعم، فيقول أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثني عشر جرحا من بين طعنة
__________
(1) قال ابن هشام: هو عمير بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة وهو كذلك في رواية موسى بن عقبة، أما في الطبقات
فكالاصل.
وشهد بدرا وأحدا.
(2) قال الطبري شهد العقبة ولم يشهد بدرا وكان يكنى أبا رشيد.
(3) عمواس: بكسر أوله وسكون الثاني، أو بفتح ثانيه، قرية بفلسطين قرب بيت المقدس (معجم البلدان).
(4) خزمة: بسكون الزاي عند ابن اسحاق وابن الكلبي، وبتحريكها عند الطبري.
(5) في ابن هشام: لبدة بن عمرو بن ثعلبة.
(6) أي لبني سالم بن غنم.
(7) استعد للخروج إلى بدر فنهش قبل أن يخرج فلم يشهد بدرا، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مهاجرا إلى الشام في أول خلافة عمر بن الخطاب ومات بحوران - لسنتين ونصف من خلافة عمر - سنة خمس عشرة، وقيل مات في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة (طبقات ابن سعد 3 / 616).
(Cool أسلمت وحضرت ليلة العقبة وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت أحدا والحديبية وعمرة القضية وحنينا واليمامة وقطعت يدها وقد ضربها ابن قميئة على عاتقها.
(9) من ابن هشام وابن سعد، وفي الاصل خبيب وهو تحريف.

وضربة رضي الله عنها، والاخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي [ بن سنان ] (1) بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها.
باب الهجرة من مكة إلى المدينة قال الزهري عن عروة عن عائشة، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ بمكة - للمسلمين: " قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين " (2) فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة (3) من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.
رواه البخاري.
وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب " وهذا الحديث قد
أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو، حدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عيسى بن عبيد الكندي، عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين " قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة إليها (4).
__________
(1) من طبقات ابن سعد، وهي زوجة خديج بن سلامة شهدت معه العقبة فأسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت خيبرا معه صلى الله عليه وسلم.
ويقال لها: أم شباث.
(2) تقدم تخريجه.
(3) في دلائل البيهقي: بعض من كان هاجر.
(4) دلائل النبوة ج 2 / 458، وأخرجه الترمذي في: 50 - كتاب المناقب (68) باب في فضل المدينة ح 3923 وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى.
وفي سند الحديث غيلان ذكره ابن حبان في الثقات 7 / 311 وقال: يروي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير حديثا منكرا وروى عنه عيسى بن عبيد قال: إن الله أوحى إلي أن دار هجرتك بالمدينة اه.
والحديث رواه البخاري في التاريخ وابن حجر في التهذيب 8 / 254.
وقال: في ثبوته نظر لمخالفته ما في الصحيح وقال الزرقاني: صححه الحاكم وأقره الذهبي في تلخيصه، لكنه قال في الميزان: حديث منكر، ما أقدم الترمذي على تحسينه بل قال غريب.
(شرح المواهب 1 / 318).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:49 am

هذا حديث غريب جدا وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبي عمار
الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن جرير.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين " ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار.
قلت: وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال: روى عنه أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم.
قال ابن إسحاق: لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) [ الحج: 39 - 40 ] الآية.
فلما أذن الله في الحرب وتابعه (1) هذا الحي من الانصار على الاسلام والنصرة له، ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين.
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الانصار، وقال: " إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها " فخرجوا إليها أرسالا وأقام رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش: من بني مخزوم، أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع إليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانا فعزم إليها.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة [ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ] قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيرة ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه، قالت وغضب عند ذلك بنو عبد
الاسد، رهط أبي سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الاسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي.
قالت فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الابطح فما أزال أبكي حتى أمسي - سنة أو قريبا منها - حتى مر بي رجل من بني
__________
(1) في ابن هشام: وبايعه .

عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون (1) هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ؟ قالت فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
قالت فرد بنو عبد الاسد إلي عند ذلك ابني، قالت فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله.
حتى إذا كنت بالتنعيم (2) لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبدالدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية ؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد ؟ قلت: ما معي أحد إلا الله وبني هذا، فقال: والله مالك من مترك فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة (3) ثم تنحى [ عني ] إلى شجرة فاضطجع تحتها.
فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني، وقال: اركبي فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله.
ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية، وهاجر هو وخالد بن الوليد معا، وقتل يوم أحد أبوه وأخوته، الحارث وكلاب ومسافع، وعمه عثمان بن أبي طلحة.
ودفع
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية، ونزل في ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) الآية [ النساء: 58 ].
قال ابن إسحاق.
ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عمار بن ربيعة حليف بني عدي، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير (4) بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد، أبي أحمد، اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق وقيل ثمامة.
قال السهيلي: والاول أصح.
وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم.
فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن
__________
(1) في الاصل: ألا تخرجون من هذه..الخ وما أثبتناه من ابن هشام.
(2) التنعيم: موضع بين مكة وسرف، على فرسخين من مكة.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل: الشجر.
(4) في ابن هشام والاستيعاب: كثير.

عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال: وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب (1) قال ابن هشام: وهذا البيت لابي دواد الايادي في قصيدة له.
قال السهيلي: واسم أبي دواد حنظلة بن شرقي وقيل حارثة.
ثم قال عتبة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها.
فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من فل بن فل (2) ثم قال - يعني للعباس - هذا من عمل ابن أخيك، هذا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا.
قال ابن إسحاق: فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون أرسالا، قال: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة هجرة، رجالهم ونساؤهم وهم: عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة ابنا وهب، وأربد بن جميرة (3) ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وزيد (4) بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم.
والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش.
ومن نسائهم زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجد امة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم.
قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة: ولما رأتني أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب تقول: فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولننا يثرب فقلت لها ما يثرب بمظنة (5) * وما يشأ الرحمن فالعبد يركب إلى الله وجهي والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكي بدمع وتندب ترى أن وترا نائيا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب (6) دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب
__________
(1) الحوب: التوجع، وقيل: الحاجة وقيل: الحوب: الاثم.
(2) في ابن هشام: من قل بن قل، وقال: القل: الواحد.
(3) وقال ابن هشام: ويقال ابن حميرة، وفي الاستيعاب: ابن حمير.
(4) في ابن هشام: يزيد.
(5) في ابن هشام: فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا..(6) في ابن هشام: نأينا بدلا من نائيا .

أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا كفوجين إما منهما فموفق * على الحق مهدي وفوج معذب طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم * عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيبوا نمت بأرحام إليهم قريبة * ولا قرب بالارحام إذ لا تقرب فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم * وأية صهر بعد صهري يرقب ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق أصوب قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة.
فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه.
قال: اتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، التناضب (1) من أضاة (2) بني غفار فوق سرف، وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه، قال: فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش - وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما - حتى قدما إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها فقلت له: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت.
قال: فقال: أبر قسم أمي ولي هنالك مال فاخذه قال: قلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
قال: فأبى علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له
__________
(1) التناضب: قال أبو ذر: بضم الضاد، موضع ومن رواه بالكسر: فهو جمع تنضب: وهو شجر واحدته تنضبة، وقيده الوقشي بكسر الضاد.
وقال السهيلي: " بكسر الضاد كأنه جمع تنضبة، وهو ضرب من الشجر تألفه الحرباء.
وذكره أبو حنيفة في النبات.
وقال ياقوت: تنضب قرية من أعمال مكة بأعلى نخلة فيها عين جارية ".
(2) أضاة: هي الغدير يجمع من ماء المطر.
يمد ويقصر قاله أبو ذر.
وقال السهيلي: الاضاة: الغدير كأنه مقلوب من وضأة على وزن فعلة واشتقاقه من الوضاء وهي النظافة، وجمع الاضاءة إضاء.
وقال السهيلي: اضاة بني غفار، على عشرة أميال من مكة.
أما ياقوت فقال: موضع قريب من مكة فوق سرب قرب التناضب، له ذكر في حديث المغازي، وغفار: قبيلة من كنانة.

أبو جهل: يا [ بن ] أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال: بلى.
فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالارض عدوا عليه فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن.
قال عمر: فكنا نقول: لا يقبل الله ممن افتتن توبة.
وكانوا يقولون ذلك لانفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) [ الزمر: 53 - 55 ] قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص.
قال هشام: فلما أتتني جعلت اقرأها بذي طوى (1) أصعد بها وأصوب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
وذكر ابن هشام أن الذي قدم بهشام بن العاص، وعياش بن أبي ربيعة إلى المدينة، الوليد [ بن الوليد ] بن المغيرة سرقهما من مكة وقدم بها يحملهما على بعيره وهو ماش معهما، فعثر
فدميت أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت وقال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة أنبأنا أبو إسحاق سمع البراء.
قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار وبلال.
وحدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت البراء بن عازب.
قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم.
فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعل الاماء يقلن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الاعلى في سور من المفصل.
ورواه مسلم في صحيحه من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب بنحوه وفيه التصريح بأن سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زعم موسى بن عقبة عن الزهري أنه إنما هاجر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصواب ما تقدم (2).
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه
__________
(1) ذو طوى: موضع بأسفل مكة.
(2) الحديث أخرجه البخاري في 63 كتاب المناقب (46) ح 3925.
وذكره المزي في تحفة الاشراف ولم يشر إلى أن مسلما أخرجه.
وأخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 463 وقال: اختلف في قدوم سعد، فقيل كذا - حسب رواية ابن عقبة - وابن أنه ممن قدم المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم راجع الدرر لابن عبد البر 77 - 79.

زيد بن الخطاب وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي زوج ابنته حفصة وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وواقد بن عبد الله التميمي حليف لهم وخولى بن أبي خولى، ومالك بن أبي خولى حليفان لهم من بني عجل وبنو البكير إياس وخالد وعاقل وعامر وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زنير (1) في بني عمرو بن عوف
بقباء.
قال ابن إسحاق: ثم تتابع المهاجرون رضي الله عنهم: فنزل طلحة بن عبيدالله وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف (2) أخي بلحارث بن الخزرج بالسنح (3).
ويقال بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.
قال ابن هشام: وذكر لي عن أبي عثمان النهدي أنه قال: بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ؟ قالوا: نعم ! قال فإني قد جعلت لكم مالي.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب " (4) وقد قال البيهقي: حدثنا الحافظ أبو عبد الله - إملاء - أخبرنا أبو العباس اسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، أخبرنا عبدان الاهوازي، حدثنا زيد بن الجريش، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي بن صهيب، حدثني أبي وعمومتي عن سعيد بن المسيب عن صهيب.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب " قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيا - فناموا.
فخرجت ولحقني منهم ناس بعدما سرت بريدا (5) ليردوني فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفون لي ففعلوا فتبعتهم إلى مكة فقلت احفروا تحت أسكفة الباب فإن بها (6) أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين.
وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء
__________
(1) في ابن هشام: زنبر.
(2) إساف: ويقال: يساف.
وهو ابن عتبة.
ولم يكن حين نزول المهاجرين عليه مسلما، بل أخر إسلامه حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر (راجع الاستيعاب).
(3) السنح: بعوالي المدينة، بينها وبين منزل النبي صلى الله عليه وسلم ميل (معجم البلدان).
(4) سيرة ابن هشام ج 2 / 120 - 121.
(5) من دلائل البيهقي، وفي الاصل: يريدوا ليردوني.
(6) في الدلائل: تحتها.

قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: " يا أبا يحيى ربح البيع [ ثلاثا: ] (1) فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبرائيل عليه السلام (2).
قال ابن إسحاق: ونزول حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن الحصين وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنسة (3) وأبو كبشة (4) موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء، وقيل: على سعد بن خيثمة، وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة والله أعلم.
قال ونزل عبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحصين ومسطح بن أثاثة وسويبط بن سعد بن حريملة أخو بني عبدالدار وطليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلان بقباء ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع (5)، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبي رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة، دار بني جحجبي، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة.
قال ابن إسحاق وقال الاموي: على خبيب بن أساف أخي بني حارثة، ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش في بني عبد الاشهل، ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار.
قال ابن إسحاق: ونزل العزاب (6) من المهاجرين على سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا والله أعلم أي ذلك كان.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله (7) عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قدمنا [ من ] مكة فنزلنا العصبة، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة.
فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة لانه كان أگثرهم قرآنا.
__________
(1) من الدلائل.
(2) أخرج الجزء الاول منه البخاري في 39 كتاب الكفالة.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 400 وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3) أنس: من مولدي السراة، يكنى أبا مسروح شهد بدرا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم ومات في خلافة أبي بكر.
(4) أبو كبشة: واسمه سليم من فارس وقيل غير ذلك.
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات في خلافة عمر، وهو غير أبي كبشة الذي كانت كفار قريش تذكره وتنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه.
(5) في ابن هشام زاد: أخي بلحارث بن الخزرج، في دار بلحارث بن الخزرج.
(6) في شرح السيرة لابي ذر: الاعزاب وهو أصح.
(7) الخبر في دلائل البيهقي 2 / 463 وفيه: عبد الله مكان عبيدالله.
والعصبة: موضع بقباء.
وما بين معكوفتين زيادة من الدلائل.

فصل في سبب هجرة (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة قال الله تعالى: (وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [ الاسراء: 80 ] أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء [ و ] أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية حيث الانصار والاحباب، فصارت له دارا وقرارا، وأهلها له أنصارا.
قال أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة: عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان (2) عن أبيه عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) (3) وقال قتادة: (أدخلني مدخل صدق) المدينة (وأخرجني مخرج صدق) الهجرة من مكة (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) كتاب الله وفرائضه وحدوده (4).
قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن (5)، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا " فيطمع أبو بكر أن يكونه.
فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم
__________
(1) أنظر في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة: ابن هشام 2 / 123 وما بعدها.
ابن سعد 1 / 227 وما بعدها.
صحيح البخاري 5 / 56 الطبري 2 / 253 وما بعدها دار القاموس.
أنساب الاشراف 1 / 120 عيون الاثر 1 / 221 تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 218 النويري 16 / 330.
الدرر لابن عبد البر (ص 80).
(2) قابوس بن أبي ظبيان، وفي نسخة: طهمان، ذكره ابن حبان في المجروحين وقال: كان ردى الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، ربما رفع المراسيل وأسند الوقوف.
وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير.
وقد روى هذا الحديث مرسلا عن ابن عباس.
(3) أخرجه الترمذي في 48 كتاب تفسير القرآن - باب تفسير سورة الاسراء ح 3139 عن أحمد بن منيع.
وقال: هذا حديث صحيح حسن.
(4) زاد البيهقي: فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لاغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم 2 / 517 وأضاف القرطبي على رواية البيهقي قال: وقال الضحاك: هو خروجه من مكة، ودخوله مكة يوم الفتح (10 / 313).
(5) في ابن سعد: أو مفتون محبوس، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج.

قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير (1) عن عبد الله بن عباس.
وغيره
ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس.
قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ جليل عليه بتلة (2) فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ ؟ قال شيخ من أهل نجد (3) سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا.
قالوا أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش عتبة وشيبة [ ابنا ربيعة ] (4) وأبو سفيان وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الاسود وحكيم بن حزام وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم - قيل إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلاوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت (5).
قال الشيخ
__________
(1) من شرح السيرة لابي ذر: جبير، وما في الاصل " جبر " وهو تحريف.
(2) البتلة: كساء غليظ، وفي رواية ابن بكير عن ابن اسحاق: في بت قال البيهقي: والبت: الكساء.
وقيل الطيلسان من خز، وفي تهذيب اللغة: البت ضرب من الطيالسة يسمى الساج مربع غليظ أخضر.
وجمعه: أبت، وبتات وبتوت.
قال الجوهري في الصحاح: البتي الذي يعمله.
(3) علق السهيلي على قوله شيخ من أهل نجد قال: " وإنما قال لهم، إني من أهل نجد، فيما ذكر بعض أهل
السيرة، لانهم قالوا، لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة، لان هواهم مع محمد، فلذلك تمثل لهم في صورة شيخ نجدي، وقال: قيل لمعنى آخر تمثل بهيئة شيخ نجدي " ا.
ه.
(4) من ابن هشام والبيهقي.
(5) صاحب هذا الرأي: أبو الأسود ربيعة بن عامر، أحد بني عامر بن لؤي.

النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب (1)، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا (2) فيه رأيا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهمم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا.
فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم، قال يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأي ولا رأي غيره (3) فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له.
فأتى جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: " نم على فراشي وتسج (4) ببردي هذا الحضرمي الاخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.
وهذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعلي وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي.
قال: لما اجتمعوا
له وفيهم أبو جهل قال - وهم على بابه - إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الاردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: " نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم " وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) إلى قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) [ يس: 1 - 9 ] ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع
__________
(1) في رواية البيهقي: على قبيلة من قبائل العرب.
(2) في ابن هشام: دبروا (3) وقال ابن الكلبي في جمهرة الانساب: أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل قال: الرأي رأيان: رأي ليس يعرفه * هاد ورأي كنصل السيف معروف يكون أوله عز ومكرمة * يوما، وآخره جد وتشريف (4) تسجى بالثوب: غطى به جسده ووجهه.

على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنظرون ههنا ؟ قالوا محمدا، فقال خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته ! أفما ترون ما بكم ؟ قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش مستجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا (1) فقام علي عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدثنا.
قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)
[ الانفال: 30 ] وقوله: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين) [ الطور: 30 ] قال ابن إسحاق فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة.
باب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أول التاريخ الاسلامي كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية كما بيناه في سيرة عمر رضي الله عنه وعنهم أجمعين.
قال البخاري: حدثنا مطر بن الفضل، ثنا روح، ثنا هشام (2)، ثنا عكرمة عن ابن عباس.
قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة، فمكث فيها (3) ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقد
__________
(1) قال في الروض الآنف 1 / 292 روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر فضل يس، أنها: إن قرأها خائف أمن، أو جائع شبع، أو عار كسي أو عاطش سقي..وعلل امتناعهم من الدخول إليه صلى الله عليه وسلم قال: وذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه في الدار، إنهم هموا بالولوج عليه - وإنهم إنما جاءوا لقتله - فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا..فأصبحوا ينتظرون خروجه - على باب الدار -.
(2) روح بن عبادة، وهشام بن حسان.
(3) في البخاري ورواية البيهقي: بمكة بدلا من فيها.
والحديث أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار (45) باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ح 3902 فتح الباري 7 / 227 والبيهقي في الدلائل 2 / 131.

كانت هجرته عليه السلام في شهر ربيع الاول سنة ثلاث عشرة من بعثته عليه السلام وذلك في يوم الاثنين كما رواه الامام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم
الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (1).
قال محمد بن إسحاق: وكان أبو بكر حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه، فابتاع راحلتين (2) فاحتبسهما في دار يعلفهما إعدادا لذلك.
قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه رسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لامر حدث ! قالت فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخرج عني من عندك " قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي (4)، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ قال: " إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة " قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ؟ قال: " الصحبة " قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي.
ثم قال: يا نبي الله إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقط (5) قال ابن هشام: ويقال عبد الله بن أريقط.
رجلا من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
قال ابن إسحاق: ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر، أما علي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، وكان
__________
(1) تقدم تخريجه في هذا الجزء فليراجع.
(2) قال البيهقي: 2 / 472: وعلف راحلتين، كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.
وفي ابن سعد: وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم - عن محمد بن عمر - من نعم بني قشير.
(3) في ابن هشام: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي.
(4) في البخاري: إنما هما أهلك.
وقد كان أبو بكر قد أنكح عائشة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك.
(5) من ابن هشام، وفي الاصل أرقد.
وقال الزرقاني في شرح المواهب 1 / 339: رقيط، وهو من بني الديل وقيل الدئل كما في فتح الباري.
وكان على دين الكفار ولم يعرف له إسلام فيما بعد كما جزم المقدسي وتبعه النووي، وقال في الاصابة: لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد وعند السهيلي 1 / 8: لم يكن مسلما إذ ذاك ولا وجدنا من طريق صحيحة أنه أسلم بعد ذلك.

رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته.
قال ابن اسحاق: فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ الخروج ] (1) أتى بأبكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لابي بكر في ظهر بيته.
وقد روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق.
قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة قال: " الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والايام.
اللهم أصحبني في سفري.
واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني ولك فذللني.
وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والارض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الاولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، وتنزل بي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك وجميع سخطك.
لك العقبى (2) عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك ".
قال ابن إسحاق: ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر.
وأمر عامر بن فهيرة (3) مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما [ يأتيهما ] إذا أمسى في الغار.
فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما
يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر.
وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا.
فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه.
وسيأتي في سياق البخاري ما يشهد لهذا وقد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق الصديق في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق.
وهذا غريب جدا وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا.
قال ابن إسحاق: وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، قالت أسماء: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا أبنة أبي بكر ؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي.
قالت فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها
__________
(1) من ابن هشام.
(2) من أبي نعيم، وفي الاصل العقبى.
(3) عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق، وكان مولدا من مولدي الازد.
أسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر واعتقه، شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة.
قتله عامر بن الطفيل

قرطي ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم - أو ستة آلاف درهم - فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لاراه قد فجعكم بماله مع نفسه ؟ قالت: قلت: كلا يا أبة إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبة ضع يدك على هذا المال.
قالت فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ولا والله ما
ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري.
قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية، بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.
وهذا فيه انقطاع من طرفيه.
وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وخلفه مرة.
فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك.
حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك.
قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شئ يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مرسل.
وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن اسحاق، أنا موسى بن الحسن ثنا عباد، ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:52 am

قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر.
فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي ؟ " فقال: يا رسول الله اذكر الطلب، فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد، فأمشي بين يديك.
فقال: " يا أبا بكر لو كان شئ لاحببت أن يكون بك دوني ؟ " قال: نعم، والذي بعثك بالحق [ ما كانت لتكون من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك ] (1).
فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار،
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من الاصل واستدركت من دلائل البيهقي ج 2 / 477.

فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان [ في أعلاه ] (1) ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ [ الجحرة ].
فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل.
ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.
وقد رواه البيهقي من وجه آخر (2) عن عمر وفيه: أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة، وخلفه أخرى، وعن يمينه وعن شماله.
وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الاجحرة كلها.
وبقي منها جحر واحد، فألقمه كعبه فجعلت الافاعي تنهشه ودموعه تسيل.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحزن إن الله معنا " وفي هذا السياق غرابة ونكارة.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو.
قالا: ثنا أبو العباس الاصم، ثنا عباس الدوري، ثنا أسود بن عامر: شاذان، ثنا اسرائيل، عن الاسود عن جندب بن عبد الله.
قال: كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، فأصاب يده حجر فقال: إن أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت (3) وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك) (4) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم بل اقتلوه.
وقال بعضهم بل أخرجوه.
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم.
فقالوا: أين صاحبك هذا ؟ فقال: لا أدري.
فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه.
فمكث فيه ثلاث ليال.
وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر: حدثنا بشار الخفاف
__________
(1) من دلائل البيهقي.
(2) رواه من طريق فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ضبة بن محصن الفزاري.
عن عمر..(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 480 ورواه ابن مردويه عن جندب بن عبد الله البجلي.
(4) الانفال 30، قال القرطبي في أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى: (والله خير الماكرين): المكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون وقال الزمخشري في الكشاف: أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا لانه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب.
وفي النهاية 4 / 103: مكر الله: إيقاع بلائه بأعدائه.
وقال العسكري في الفروق اللغوية: إن الكيد والمكر متغايران والشاهد أن الكيد يتعدى بنفسه والمكر يتعدي بحرف.
فيقال كاده يكيده ومكر به ولا يقال مكره والذي يتعدى بنفسه اقوى.

ثنا جعفر وسليمان (1) ثنا أبوعمران الجوني، حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري.
قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار.
وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أئل (2) ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا " وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن بحاله من الشاهد، وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار.
وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل - أعني أبو بكر أحمد بن علي القاضي - [ عن ] عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر.
قال لابنه: يا بني إذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا.
وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول: نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول:
فغمى عليه العنكبوت بنسجه * وظل على الباب الحمام يبيض والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا عمرو بن علي، ثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي - ويلقب بعوين (3) - حدثني أبو مصعب المكي.
قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره (4)، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع قال الدليل - وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي - هذا الحجر ثم لا أدري أين وضع رجله.
فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة.
__________
(1) لعله جعفر بن سليمان الضبعي.
(2) آل المريض: حن ورفع صوته عند ابتلائه بالمصيبة.
(3) الاصل: عوين.
(4) في رواية قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي، حيث ألف كتابا في شرح الحديث سماه الدلائل وجاء فيه: هذا على ما ذكره السهيلي في الروض الآنف 2 / 4: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الغار، وأبو بكر معه أنبت الله على بابه الراءة، وهي شجرة معروفة، فحجبت عن النار أعين الكفار.
والراءة شجرة مثل قامة الانسان ولها خيطان وزهر أبيض كالريش.

حتى إذا أصبحوا (1) قال: أنظروا في الغار، فاستبقه القوم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان، فرجع (2) فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار ؟ قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد.
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما - أي برك عليهما وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى (3).
وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.
قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره عن عون بن عمرو - وهو
الملقب بعوين - بإسناده مثله.
وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الاثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الاثر كرز بن علقمة.
قلت: ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الاثر والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه (4) وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) [ التوبة: 40 ] يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول: (إلا تنصروه) أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره (إذ أخرجه الذين كفروا) من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبي بكر ليس غيره ولهذا قال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) أي وقد لجآ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لان المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما - أو أحدهما - مائة من الابل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الذي يقتص الاثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم، فصعدوا الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما، حفظا من الله لهما.
كما قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا همام أنا ثابت، عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه.
قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار.
لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لابصرنا تحت قدميه ؟ فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به (5).
وقد ذكر بعض أهل السير أن أبا
__________
(1) في الاصل: أصبحن وهو تحريف.
(2) في الاصل: ترجع، وهو تحريف.
(3) رواه أبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي في الدلائل 2 / 482 وابن سعد 1 / 229 وكلهم عن أبي مصعب المكي.
(4) قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) أي على أبي بكر بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم له فسكن جأشة (جأشه) وذهب روعه 8 / 148.
(5) أخرجه البخاري في 62 كتاب فضائل الصحابة (2) باب مناقب المهاجرين ح 3653 وأعاده في 63 كتاب الانصار باب (45).
وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير.
تفسير سورة التوبة ح 3096 والامام أحمد في مسنده 1 / 4.

بكر لما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من هنا " فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه.
وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به.
والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية.
ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم.
قلت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه.
وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا.
فمنه قوله: قال النبي - ولم أجزع - يوقرني * ونحن في سدف من ظلمة الغار لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * وقد توكل لي منه بإظهار وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطولة جدا، وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم.
وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير.
قال فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج - يعني الذي بايع فيه الانصار - بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحبسوه.
أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية.
فأمر عليا فنام على
فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما.
وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، وإن خروجه هو وأبو بكر إلى الغار وكان ليلا.
وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا.
وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل.
قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (1) لقيه ابن الدغنة (2) وهو سيد القارة، فذكرت ما كان من رده لابي بكر إلى مكة وجواره له
__________
(1) برك الغماد: موضع بناحية اليمن مما يلي ساحل البحر، وقال ابن فارس: بضم الغين، وقيل: موضع بأقاضي هجر وقيل وراء مكة بخمس ليال.
(2) ابن الدغنة: ربيعة بن رفيع بن اهبان بن ثعلبة السلمي، سمي باسم امه - الدغنة - شهد حنينا ثم قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني تميم.

كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله.
قالت والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين: وهما الحرتان.
فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال: نعم.
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - (1) أربعة أشهر، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر.
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر (2) الظهيرة، فقال قائل لابي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ مقبلا ] (3) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخرج
من عندك " فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله.
قال: فإنه قد أذن لي في الخروج.
فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم " ! قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن (4).
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين (5).
قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا (6) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج (7) من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر
__________
(1) كذا في الاصل، وفي النهاية لابن الاثير: السمر بضم الميم ضرب من شجر الطلح، وأما الخبط فهو ضرب الشجرة لتناثر ورقها.
(2) في دلائل البيهقي: نحر الظهيرة: أي في أول وقت الحرارة، وهي المهاجرة، ويقال أول الزوال، وهو أشد ما يكون من حر النهار، والغالب في أيام الحر القيلولة فيها.
(3) من البيهقي.
(4) بالثمن: أي لا آخذها إلا بالثمن، وفي رواية ابن إسحاق: لا أركب بعيرا ليس هو لي، قال: فهو لك، قال: لا، ولكن بالثمن الذي ابتعته، قال: أخذته بكذا وكذا، قال: هو لك.
وفي رواية الطبراني عن اسماء بنت أبي بكر: قال بثمنها.
وقد تقدم عن الواقدي ان ثمنها ثمانمائة اشتراها من نعم بني قشير.
فأخذ إحداهما وهي القصواء.
وأخرج ابن حبان: أنها الجذعاء.
(5) النطاق: كل شئ شددت به الوسط، وسميت ذات النطاقين: لانها كانت تجعل نطاقا على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان، تلبس أحدهما، وتحمل في الآخر الزاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الغار.
(6) في البخاري والبيهقي: فكمنا.
(7) يدلج: يخرج بالسحر، يقال أدلج: إذا سار في أول الليل، وادلج: إذا سار في آخره.

منحة (1) من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيعهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدئل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا (2) - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال.
وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل (3).
قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم.
يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس.
فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة (4) ثم قمت فدخلت [ بيتي ] (5) فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت، فخططت بزجه (6) الارض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي (7) حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الازلام فجعل فرسي يقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الارض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لاثر يديها غبار (Cool ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الازلام فخرج الذي أكره،
__________
(1) منحة من غنم، أي غنم فيها لبن، وقد تقع المنحة على الهبة مطلقا لا قرضا ولا عارية.
(2) قال الخطابي: الخريت مأخوذ من خرت الابرة كأنه يهتدي لمثل خرتها من الطريق، وخرت الابرة بالضم ثقبها، قال الكسائي: خرتنا الارض إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها.
وقال ابن الاثير في النهاية: الخريت الماهر الذي
يهتدي لآخرات المفازة، وهي طرقها الخفية.
(3) أخرجه البخاري بطوله في 63 كتاب مناقب الانصار 45 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج جزءا منه في كتاب الصلاة، وفي كتاب الاجارة وفي كتاب الكفالة..وفي مواضع أخر مقاطع مختصرة.
(4) وفي رواية البيهقي: ثم قل ما لبث في المجلس.
(5) من البيهقي.
(6) الزج: الحديدة التي في أسفل الرمح.
(7) في البيهقي: فركبتها فرفعتها تقرب.
والتقريب: السير دون العدو، وفوق العادة، وقيل: أن ترفع الفرس بديها (بيديها) معا، وتضعهما معا.
(Cool في البيهقي: عثان، وهو الدخان.

فناديتهم الامان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم (1) أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع.
فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا: أخف عنا.
فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذي يكره لا يضره.
حتى ناداهم بالامان.
وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة (3) ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فكتب لي كتابا في عظم - أو رقعة أو خرقة - وذكر أنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة (4) مرجعه من الطائف، فقال له: " يوم وفاء وبر، أدنه " فدنوت منه وأسلمت.
قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله
جيد.
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال: كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المدينة.
جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه.
فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا لاسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم، فكتب أو جهل - لعنه الله - إليهم: بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد قال: فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا: أبا حكم والله لو كنت شاهدا * لامر جوادي إذ تسوخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه (5)
__________
(1) في البيهقي: عنهما، والرواية بالمثنى.
(2) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار (45) باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ح 3906.
ورواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 486 - 487.
(3) في ابن هشام: آية.
(4) الجعرانة: بكسر أوله: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب.
(5) في السهيلي: علمت بدل عجبت، ببرهان: بدلا من وبرهان.

عليك فكف القوم عنه فإنني * أخال لنا يوما ستبدو معالمه (1) بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه (2) وذكر هذا الشعر الاموي في مغازيه بسنده عن أبي اسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا.
وقال البخاري بسنده إلى إبن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام [ إلى مكة ] (3)، فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى (4) رجل من اليهود على أطم من آطامهم لامر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول (5) بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته: يا معشر العرب (6) هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين (7) من شهر ربيع الاول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه.
فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع (Cool عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين.
وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل (9) غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال
__________
(1) في الروض الانف: أرى أمره يوما ستبدو معالمه.
(2) في الروض: صدره بأمر يود الناس فيه بأسرهم.
(3) من دلائل البيهقي.
(4) أوفى: صعد إلى مكان عال وأشرف منه على ما تحته.
(5) قال ابن حجر، يزول بسبب عروضهم له، وفي رواية: يلوح بهم.
(6) وفي رواية: يا بني قبلة، وهي جدة الانصار: والدة الاوس والخزرج.
(أنظر شرح المواهب 1 / 350).
(7) منهم من يقول لليلتين مضتا من شهر ربيع الاول، والحديث المعروف لاثنتي عشرة خلت منه، وقيل لثمان خلون وقال أبو سعيد في شرف المصطفى من طريق أبي بكر بن حزم: لثلاث عشرة من ربيع الاول، وهذا يجمع
بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وعن عبد الرحمن بن عويم قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه لبث فيهم ثمان عشرة ليلة (البيهقي 2 / 512).
(Cool في رواية البيهقي: ثلاث ليال.
وفي ابن سعد: أربع عشرة ليلة.
وفي البيهقي عن ابن إسحاق: أقام يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس.
(9) وهما ابنا رافع بن أبي عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وفي البيهقي إنهما كانا في حجر معاذ =

رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: " هذا إن شاء الله المنزل "، ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما (1).
ثم بناه مسجدا.
فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: لا هم إن الاجر أجر الآخرة * فارحم الانصار والمهاجرة (2) فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الاحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات.
هذا لفظ البخاري وقد تفرد بروايته دون مسلم (3)، وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا.
قال الامام أحمد: حدثنا عمرو بن محمد، أبو سعيد العنقزي، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب.
قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي.
فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه ؟ فقال أبو بكر: خرجنا فادلجنا فاحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم
الظهيرة، فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية
__________
= ابن عفراء وقد شهد سهيل بدرا والمشاهد كلها ومات في خلافة عمر، ولم يشهد سهل بدرا وشهد غيرها ومات قبل أخيه سهيل.
وقال الواقدي: عن الزهري: كانا في حجر أسعد بن زرارة.
وفي سيرة ابن هشام: قال معاذ: هما يتيمان لي.
وفي رواية أخرى عنده: وهما في حجر معاذ بن عفراء.
(1) في رواية البيهقي: قال معاذ بن عفراء: سأرضيهما منه فاتخذه مسجدا، وقال قائلون: اشتراه.
وقال الواقدي: ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك.
(2) وفي السيرة لابن هشام: وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: لا عيش إلا عيش الآخرة * اللهم ارحم الانصار والمهاجرة قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم المهاجرين والانصار.
(3) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 45 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتح الباري 7 / 239 وانظر في بناء هذا المسجد: طبقات ابن سعد 1 / 239 سيرة ابن هشام: 2 / 141 صحيح البخاري الجزء الاول.
الطبري تاريخه 2 / 395 وابن عبد البر في الدرر (88) وسبل الهدى 3 / 485 ونهاية الارب للنويري 16 / 344 وغيرها كثير.

ظلها، فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام ؟ فقال لرجل من قريش - فسماه فعرفته - فقلت هل في غنمك من لبن ؟ قال نعم ! قلت هل أنت حالب لي ؟ قال نعم ! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (1) من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل ؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن
مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ قال: " لا تحزن إن الله معنا " حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح - أو رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ وبكيت، قال لم تبكي ؟ [ قلت ] أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك.
فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم اكفناه بما شئت " فسلخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لاعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حاجة لي فيها " ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة [ ليلا ] (2) وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير (3) واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء محمد، قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك " فلما أصبح غدا حيث أمر.
قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبدالدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الاعمى أحد بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا ما فعل رسول الله ؟ قال هو على أثري، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه.
قال البراء: ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل (4) أخرجاه في الصحيحين
__________
(1) الكثبة: كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك، والجمع كتب (أنظر النهاية).
(2) من دلائل البيهقي.
(3) الاناجير: في النهاية الاناجير والاجاجير: يعني السطوح.
(4) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 2 - 3 ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ 1 / 239 والبيهقي 2 / 483 و 503 و 504 وعنهم الصالحي في السيرة الشامية 3 / 345 والبخاري في 63 كتاب 45 باب ح 24 - 39 وفي 66 كتاب 6 باب فتح الباري 7 / 7 و 7 / 259 ومسلم في 53 كتاب الزهد 19 باب 4 / 2310 ح 75.
وأشار المزي في تحفة الاشراف 2 / 55 أن النسائي أخرجه في سننه عن اسماعيل بن مسعود، عن خالد.

من حديث اسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ.
فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به.
وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما (1) فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به.
فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لا أركب بعيرا ليس لي " قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي.
قال: " لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به " قال كذا وكذا.
قال: " أخذتها بذلك " قال هي لك يا رسول الله.
وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم.
وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: وهي الجدعاء وهكذا حكى السهيلي عن ابن إسحاق أنها الجدعاء والله أعلم.
قال ابن إسحق: فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق فحدثت عن اسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم.
قال: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي
__________
(1) العصام: ما تعلق بن السفرة وغيرها.

بكر، وعبد الله بن أرقد (1) كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي.
وكان إذ ذاك مشركا.
قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج (2)، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا (3)، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (4) ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا (5)، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج (6) ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد (7)، ثم أخذ بهما على الجداجد (Cool، ثم على الاجرد (9)، ثم سلك بهما ذا سلم، من بطن أعداء مدلجة تعهن (10)، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:53 am

ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له: ابن الرداء - إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، خرج بهما [ دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة - ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن ريم، ثم قدم بهما ] (11) قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها والله
علم قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن السراج، حدثنا محمد بن عبادة بن موسى العجلي، حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار، حدثني
__________
(1) في ابن هشام: أرقط.
وقد تقدم التعليق عليه.
(2) أمج: بلد من أعراض المدينة، وقيل واد يأخذ من حرة بني سليم.
(معجم البلدان).
(3) قديد: اسم موضع قرب مكة، وفي معجم ما استعجم: أن هذه القرية سميت قديدا لتقدد السيول بها، وهي لخزاعة.
(4) الخرار: موضع بالحجاز، وقيل واد أو ماء في المدينة (معجم البلدان).
(5) لقف: ماء وآبار كثيرة، وقيل واد من ناحية السوارقية على فرسخ.
(6) مجاج: قال ياقوت والصحيح عندنا غير ذلك - قال الزبير بن بكار: وهو مجاح بفتح الميم.
(7) كشد: كذا بالاصل، وفي ياقوت كشر.
بين مكة والمدينة.
(Cool جدا جد: يجوز أن يكون جمع جدجد، وهي البئر القديمة، وهي هنا الارض المستوية الصلبة.
(معجم البلدان).
(9) الاجرد: اسم جبل من جبال القبلية، قال نصر: بين المدينة والشام (معجم البلدان).
(10) تعهن: اسم عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة.
(11) ما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من سيرة ابن هشام.

إياس بن مالك بن الاوس الاسلمي عن أبيه.
قال: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لمن هذه الابل ؟ " فقالوا لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سلمت إن شاء الله، فقال ما اسمك ؟ " قال مسعود، فالتفت إلى أبي بكر فقال: " سعدت إن شاء الله ".
قال فأتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء.
قلت: وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين.
والظاهر أن بين خروجه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما
لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة، قال ابن هشام.
وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم.
وقال الاموي: هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس (2) بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو، ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد، واسمه أكتم (3) بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس، وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا.
وهذه قصة أم معبد الخزاعية: قال يونس عن ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف (4) بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله، وحلب في العس حتى أرغى وقال: " اشربي يا أم معبد " فقالت: اشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح.
وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا: أرأيت محمدا من حليته كذا كذا ؟ فوصفوه لها.
فقالت: ما أدري ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل.
قالت قريش: فذاك الذي نريد.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة، بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي عن أبيه عن جابر.
قال: لما
__________
(1) في ابن سعد ضبيس وفي الاصابة خبيس.
قال السهيلي: اسمها عاتكة بنت خلد إحدى بني كعب من خزاعة وهي أخت حبيش بن خلد، وخلد الاشعر أبوهما هو بن خنيف بن منقد بن ربيعة بن أصرم بن ضمبيس بن عرم بن حبشية بن كعب بن عمرو.
وذكرها ابن سعد قال: عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام..من خزاعة: (2) في ابن سعد: اسمه تميم، وهو ابن عمها عبد العزى وذكر تمام نسبهما وكان منزلهما بقديد.
(3) في البيهقي: خالد بن منقذ بن ربيعة.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ.
فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فأرسلت إليه أم معبد إني أرى وجوها حسانا، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني، فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أردد الشفرة وهات لنا فرقا " يعني القدح فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد.
قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملا القدح فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث فيه إلى أم معبد.
ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد.
وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وإن كان معروفا في النسب.
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الاصبهاني، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق [ رضي الله عنه ].
قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله ! إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال فلم يجبها وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز [ لها ] يسوقها، فقالت: يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " انطلق بالشفرة وجئني بالقدح " قال إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال انطلق، [ فانطلق ] فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها، ثم حلب حتى ملا القدح، ثم قال: انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى.
ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم [ قال ] فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا.
فكانت تسميه المبارك.
وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى
ابنها فعرفه، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك.
فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك ؟ قال أو ما تدرين من هو ؟ قالت: لا، قال هو نبي الله.
قالت: فأدخلني عليه.
قال: فأدخلها فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها - زاد ابن عبدان (1) في روايته - قالت فدلني عليه، فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب.
قال فكساها وأعطاها.
قال: ولا أعلمه إلا قال وأسلمت (2).
إسناد حسن.
وقال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي والله أعلم (3).
وقال
__________
(1) أحد إسناد رواية البيهقي.
واسمه أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان.
(2) قال الواقدي وغيره أنها تأخرت في إسلامها وبيعتها إلى أيام عمر بن الخطاب، وكان ذلك بعد سنة ثماني عشرة (الطبقات 8 / 289).
(3) دلائل البيهقي 2 / 491 - 492 وقال: وقد ذكر ابن اسحاق من قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه واحدة.
=

البيهقي (1) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي.
قالا: ثنا أبو العباس الاصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو أحمد بشر (2) بن محمد السكري ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح (3) عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة (4) جلدة تحتبى وتجلس بفناء الخيمة (5) فتطعم وتسقى، فسألوها هل عندها لحم أو لين (لبن) يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك.
وقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوذكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون (6).
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها، فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ " فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم.
قال: فهل بها من لبن " قالت هي أجهد من ذلك.
قال تأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت إن كان بها حلب فاحلبها.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بأناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيها ثجا حتى
ملاه (7) فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال " ساقي القوم آخرهم " ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن (Cool هزلى لا نقي بهن، مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاء عازب (9) ؟ فقالت: لا والله
__________
= وانظر الروض الآنف 2 / 8 وشرح السيرة لابي ذر 1 / 126 والسيرة الشامية 3 / 350.
(1) في دلائل البيهقي - باب حديث أم معبد - روى البيهقي حديثا طويلا من طرق ثلاث كلها عن حبيش بن خالد أخو عاتكة - أم معبد ج 1 / 277 - 278 ولم يرد في روايته من طريق أبي معبد، ولعل ابن كثير وهم في إسناد هذه الرواية إلى البيهقي، والرواية التالية - والتي رواها ابن سعد في الطبقات 1 / 230 عن أبي معبد قريبة جدا من رواية البيهقي.
(2) في ابن سعد: محمد بن بشر بن محمد السكري.
(3) في ابن سعد: الحر بن الصياح.
(4) امرأة برزة: يريد أنها خلا لها سن فهي تبرز، ليست بمنزلة الصغيرة المحجوبة، والبرزة إذا كانت كهلة لا تحجب احتجاب الشواب وهي مع ذلك عاقلة تجلس للناس وتحدثهم، من البروز وهو الظهور.
(5) كذا في الاصل وابن سعد وفي رواية البيهقي: القبة.
(6) مرملون: أصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل، يريد قد نفد زادهم.
مسنتون، وتروى مشتون أي دخلوا في الشتاء.
ومسنتون: أي داخلون في السنة وهي الجدب والمجاعة.
(7) هكذا في الاصل حتى ملاه، وفي الكلام نقص، وفي ابن سعد: حتى عليه الثمال.
وفي البيهقي: حتى علاه البهاء: أي بهاء اللبن، وهو وبيص رغوته، يريد أنه ملاها.
(Cool في ابن سعد: ما تساوق.
والتساوك: السير الضعيف، وقيل رداءة المشي قال الازهري: تقول العرب: جاءت الغنم تساوك: أي تتمايل من الهزال والضعف في مشيها.
(9) الشاء العازب: أي بعيدة عن المرعى لا تأوي المنزل في الليل.

إنه مر بنا رجل ملوك كان من حديثه كيت وكيت.
فقال صفيه لي فوالله إني لا راه صاحب قريش الذي تطلب.
فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة.
حسن الخلق مليح (1) الوجه لم تعبه ثجلة (2) ولم تزر به صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف (3)، وفي صوته صحل (4).
أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة.
إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر (5) كأن منطقه خرزات نظم ينحدرون، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب.
ربعة لا تنساه (6) عين من طول، ولا تقتحمه (7) عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنصر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا (Cool له رفقاء يجفون به إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لامره.
محفود (9) محشود، لا عابس ولا معتد (10) فقال يعني بعلها: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولا جهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد (11) هما نزلا بالبر وارتحلا به (12) * فأفلح من أمسى رفيق محمد
__________
(1) في ابن سعد: متبلج الوجه، وفي البيهقي: أبلج الوجه.
(2) وفي البيهقي: نحلة.
والثجلة: أي ضخم البطن.
والنحلة والنجلة: بمعنى: الدقة والضمر والنحول.
وصعلة: صغر الرأس.
(3) في البيهقي عطف، قال القتيبي: سألت عنه الرياشي فقال: لا أعرف العطف.
وأحسبه قال غطف: وهو أن تطول الاشغار ثم تنعطف، وقال: وتروى وطف: وهو الطول.
(4) صهل، كما في ابن سعد وفي البيهقي صهل.
هما واحد: أي كالبحة وهو أن لا يكون حادا.
(5) فصل لانزر ولا هذر: أي وسط ليس بقليل ولا كثير.
(6) في ابن سعد: ربعة لا تنشؤه من طول.
وفي البيهقي: ربعة لا بأس من طول: يحتمل أن يكون معناه: إنه
ليس بالطويل الذي يؤيس مباريه عند مطاولته، ويحتمل أن يكون تصحيفا، قال البيهقي: وأحسبه: لا بائن من طول.
(7) لا تقتحمه عين من قصر: لا تحتقره ولا تزدريه.
(Cool في ابن سعد والبيهقي: قدرا.
(9) محفود: مخدوم، محشود: من حشد: أي إذا أردت أنك أعددت له وجمعت.
وقيل: حشده أصحابه: أطافوا به.
(10) في ابن سعد: لا عابث ولا مفند، وفي البيهقي: لا عابس ولا مفند.
(11) في البيهقي: قالا مكان حلا: من القيلولة.
(12) في البيهقي: هما نزلاها بالهدى واهتدت به فقد فاز.

فيال قصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا تجارى وسؤدد (1) سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مربد فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد (2) قال وأصبح الناس - يعني بمكة - وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأجابه حسان بن ثابت: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم (3) * وقد سر (4) من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد [ هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد ] (5) وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا * عمى وهداة يهتدون بمهتد ؟ نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد (6) وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد (7)
ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته، من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمسلمين بمرصد (Cool قال - يعني عبد الملك بن وهب - فبلغني أن أبا (9) معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أبو نعيم (10) من
__________
= وفي ابن هشام: هما نزلا بالبر ثم تروحا..(13) في ابن سعد: لا يجازى بدلا من لا تجارى.
(1) في البيهقي: فغادرها بدلا من فغادره.
ويرددها بدلا من يدر لها وفي ابن سعد: تدر بها.
(2) في ابن سعد والسهيلي: غاب بدل زال.
(3) في ابن سعد والبيهقي وأبي ذر: وقدس: بمعنى طهر.
(4) سقط من الاصل واستدرك من البيهقي.
(5) في البيهقي: مسجد بدل مشهد.
وقبله: وقد نزلت منه على أهل يثرب * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد (6) عجزه في ابن سعد: فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد.
(7) في البيهقي: مقام بدل مكان.
وللمؤمنين بدل للمسلمين.
(Cool في ابن سعد: قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت.
(9) ورواه البيهقي من نفس طرق أبي نعيم: وأسانيده: مكرم بن محرز وليس بكر بن محرز.
وحزام بن هشام بدلا من حرام.

طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام عن (2) حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
أخرج من مكة خرج منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة (2) أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة، وذكر مثل ما تقدم سواء.
قال وحدثناه - فيما أظن - محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى - يعني الكديمي - ثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري: حدثني أبي عن أبيه سليط البدري.
قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق، مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال لها: " يا أم معبد هل عندك من لبن ؟ " قالت: لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة ؟ قالت خلفها الجهد عن الغنم ؟ ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم.
ثم قال البيهقي: يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة، ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ - إملاء - حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن غالب، ثنا أبو الوليد، ثنا عبد الله (3) بن إياد بن لقيط، ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان.
قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت (4) وما بقي لها من لبن، فقال ادع بها، فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم جلس فشرب.
فقال الراعي: بالله من أنت ؟ فوالله ما أريت مثلك قط.
قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك ؟ قال: نعم ! قال فإني محمد رسول الله.
فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك.
قال: فإني أشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك.
قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا.
ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به.
وقد ذكر أبو نعيم ههنا قصة عبد الله بن مسعود فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود.
قال: كنت غلاما يافعا أرعى
غنما لعقبة (5) بن أبي معيط بمكة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - وقد فرا من المشركين - فقال: " يا
__________
(1) من البيهقي: وفي الاصل بن وهو تحريف.
(2) في البيهقي: على خيمتي أم معبد.
(3) في دلائل البيهقي ج 2 / 497: عبيدالله بن إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان.
(4) في البيهقي أخرجت.
وخدجت: ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجت: ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل.
(5) من البيهقي وابن سعد.
وفي الاصل عتبة وهو تحريف.

غلام عندك لبن تسقينا ؟ " فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت نعم ! فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا فحفل الضرع، وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها.
ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: أقلص أقلص.
فلما كان بعد، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد (1).
فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة.
فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم، وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم.
[ وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بمن مصعب بن عبد الله - هو الزبيري - حدثني أبي عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع [ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة فأرسل ] ابراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد - وسعد هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبه (2) - فقال إبراهيم ] أخبرني ] ما حدثك أبوك ؟ قال ابن سعد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر - وكانت لابي بكر عندنا بنت مسترضعة - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال لها سعد: هذا الغائر (3) من ركوبه وبه
لصان من أسلم يقال لهما المهانان.
فإن شئت أخذنا عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خذ بنا عليهما " قال سعد فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه هذا اليماني.
فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان.
فقال: " بل أنتما المكرمان " وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرج [ نا ] حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين أبو أمامة أسعد بن زرارة ؟ " فقال سعد بن خيثمة.
إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ؟ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل.
رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بنى مدلج " انفرد به أحمد (4)
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 2 / 171، والامام أحمد في مسنده 1 / 379 والفسوي في المعرفة والتاريخ 2 / 537.
(2) من مسند أحمد ج 4 / 74 وفي الاصل ركونة، وركوبة: ثنية بنى مكة والمدينة عند العرج قرب جبل ورقان.
(3) من مسند أحمد، وفي الاصل: الغامر.
(4) أخرجه أحمد في مسند ج 4 / 74.
وما بين معكوفين في الخبر زيادة من المسند

فصل في دخوله عليه السلام المدينة واين استقر منزله [ بها ] (1) قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة.
قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت في الصحيحين من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب عن أبي بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك " وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فإن
العشى من الزوال، وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بني النجار إلا عشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم.
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الايام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدا.
وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير [ عن عروة بن الزبير ] (2) عن عبد الرحمن بن عويم (3) بن ساعدة قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح، إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فوالله، ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا - وذلك في أيام حارة - حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه من رجل من اليهود [ وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ] (4) فصرخ بأعلا صوته: يا بني قيلة ! هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك: وركبه (5) الناس وما يعرفونه من أبي بكر،
__________
(1) زيادة من السيرة النبوية لابن كثير.
(2) من ابن هشام.
(3) في ابن هشام: عويمر.
(4) من ابن هشام.
(5) أي ازدحموا عليه.

حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك.
وقد تقدم مثل
ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه.
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم ثنا سليمان [ بن المغيرة ]، عن ثابت عن أنس بن مالك.
قال: إني لا سعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر.
فكمنا في بعض خراب (1) المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا إليهما فقالت الانصار: انطلقا آمنين مطاعين.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق (2) لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو ؟ أيهم هو ؟ فما رأينا منظرا شبيها به.
قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض.
فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه - أو مثله (3) - وفي الصحيحين من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة.
قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله.
فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر (4).
وقال البيهقي أخبرنا أبو عمرو الاديب أخبرنا أبو بكر الاسماعيلي: سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع (5) قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون يعني حين نزل - بقباء على كلثوم (6) بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد، ويقال بل نزل على سعد بن
__________
(1) في رواية البيهقي: حدار.
(2) العواتق: جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك، وقيل هي التي لم تبن من والدتها، ولم تزوج بعد وقد أدركت وشبت.
(3) دلائل النبوة ج 2 / 507.
(4) فتح الباري 7 / 8 ومسلم في 53 كتاب الزهد 19 باب في حديث الهجرة ح 75 ص 4 / 2310.
(5) دلائل النبوة ج 2 / 506 وزاد رزين قال: أيها المبعوث فينا * جئت بالامر المطاع (6) كلثوم بن الهدم بن أمرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، مات بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسر، وكان مسنا، وهو أول من مات من الانصار بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم وكان كلثوم يكنى أبا قيس (الروض - الاستيعاب).

خيثمة، ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته بيت الاعزاب (1) والله أعلم.
ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج.
قال ابن إسحاق: وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم.
فكان علي بن أبي طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين.
يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو ؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟ قالت: هذا سهل بن حنيف.
وقد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا، فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء
ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده، ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك.
وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشر ليلة.
قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه عليه السلام وأقام فيهم بضع عشرة ليلة، وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه.
قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا - يعني في بني عمرو بن عوف بقباء - اثنتين وعشرين ليلة.
وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق: فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي - وادي رانوناء (2) - فكان أول جمعة صلاها بالمدينة (3).
فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " لناقته فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت (4) دار بني
__________
(1) من ابن هشام، وفي الاصل العزاب وهو تحريف.
(2) في رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: ببطن مهزور (دلائل البيهقي 2 / 504).
(3) قال ابن سعد: فلما أتى مسجد بني سالم جمع بمن كان معه من المسلمين وهم مائة.
(4) في ابن هشام: وازنت.

بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ؟ قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا في العدد والمنعة.
قال " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة.
قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخواله - دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن خارجة (1) في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة ؟ قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم، وكل يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراء.
قلت: وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في بيت.
فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل - وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم - فقال عبد الله: أنظر الذين دعوك فأنزل عليهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار.
فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا (2).
قال موسى بن عقبة: وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له، وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم: " دعوها فإنها مأمورة فإنما أنزل حيث أنزلني الله " فلما انتهت [ الناقة ] إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
__________
(1) في الاصابة: أسير بن عمرو بن قيس أبو سليط البدري، وفي ابن هشام: بن أبي خارجة.
(2) نقل الخبر وفاء الوفا 1 / 184 ونقله البيهقي في الدلائل 2 / 500 وفيه: فقال له سعد بن عبادة: إنا والله يا رسول الله لقد كنا قبل الذي خصنا الله به منك، ومن علينا بقدومك، أردنا أن نعقد على رأس عبد الله بن أبي
التاج ونملكه علينا.

قال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت [ إلى ] خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت (1) ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار.
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله.
وقال البيهقي في الدلائل: وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن علي بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن اسماعيل بن أبي الورد ثنا إبراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس.
قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله.
فقال: " دعوا الناقة فإنها مأمورة " فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أتحبونني ؟ " فقالوا: أي والله يا رسول الله.
فقال: " وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم " هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى (2).
ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، ثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصي، ثنا عيسى بن يونس، عن عوف الاعرابي، عن ثمامة عن أنس.
قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار، وإذا جوار يضربن
بالدفوف يقلن: نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يعلم الله أن قلبي يحبكم " (3) ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به.
وفي صحيح البخاري عن معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز،
__________
(1) قال السهيلي: " وفسره ابن قتيبة على تلحلح: أي لزم مكانه ولم يبرح.
قال: وتحلحل، معناه زال عن موضعه.
وقال أبو ذر: تحلحلت معناه: تحركت وانزجرت.
(2) نقله السيوطي عن البيهقي في الخصائص 1 / 190 ورواه البيهقي في الدلائل 2 / 508.
(3) في البيهقي 2 / 508: يحبكن.

عن أنس قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين - حسبت أنه قال من عرس - فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال: " اللهم أنتم من أحب الناس إلي " قالها ثلاث مرات.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك.
قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف (1)، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم اصرعه " فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، ثم قال: مرني يا نبي الله بما شئت.
فقال: " قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا ".
قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة له.
قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة ثم بعث إلى الانصار فجاؤوا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين.
فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح، وقيل في المدينة: جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه ويقولون: جاء نبي الله.
قال فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب، قال فإنه ليحدث
أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لاهله يحترف (2) لهم، فعجل أن يضع الذي يحترف فيها فجاء وهي معه، وسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله، وقال نبي الله: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بأبي قال فانطلق فهيئ لنا مقيلا، فذهب فهيأ [ لهما مقيلا ] (3) ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا، فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك نبي الله حقا، وأنك جئت بحق ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم (4)، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئت بحق أسلموا ".
فقالوا: ما نعلمه، ثلاثا.
وكذا رواه البخاري منفردا به عن محمد (5) غير منسوب عن عبد الصمد به.
__________
(1) يريد هنا: دخول الشيب في لحيته دونه لا السن.
(2) في دلائل البيهقي: يخترف، في الموضعين.
اخترف: جنى من الثمار.
(3) زيادة من البيهقي.
(4) زاد البيهقي في روايته للخبر: فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا اني قد أسلمت قالوا في ما ليس في، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم.
الخ دلائل ج 2 / 527.
(5) أخرجه البخاري في 63 كتاب الانصار 45 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ح 3911 فتح الباري ج 7 / 199.
قال ابن حجر في الفتح: محمد: هو ابن سلام، وقال أبو نعيم في المستخرج: أظنه أنه محمد بن المثنى أبو موسى.
ورواه البيهقي من طريق أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج عن عبد الوارث.

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم السماعي حدثني أبو أيوب.
قال: لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون
تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: " يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت " فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن.
فلقد انكسر حب (1) لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ فيؤذيه، قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا - أو ثوما - فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا، قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ؟ فقال: " إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه " قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد (2).
وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن - أو أبي الخير - مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم عن أبي أيوب فذكره.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو الحيري، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو النعمان، ثنا ثابت بن يزيد (3) ثنا عاصم الاحول عن عبد الله بن الحارث عن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل، وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم - يعني في ذلك - فقال [ النبي صلى الله عليه وسلم ]: " السفل أرفق بنا " فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو، وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فإذا جئ به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له لم يأكل ففزع وصعد إليه فقال أحرام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ولكني أكرهه " قال فإني أكره ما تكره - أو ما كرهت - قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الملك (4).
رواه
__________
(1) حب: الجرة الضخمة.
(2) سيرة ابن هشام ج 2 / 144.
والبيهقي في الدلائل ج 2 / 510 وقال: رواه ابن إسحاق..غير أنه قال عن
أبي أمامة الباهلي عن أبي أيوب.
(3) في البيهقي: بن زيد.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 509، ومسلم في 36 كتاب الاشربة 31 باب إباحة أكل الثوم ح 171.
وأخرجه الترمذي في كتاب الاطعمة 13 باب ح 1807.
عن محمود بن غيلان وقال: حسن صحيح.
وأخرجه أحمد في مسنده 4 / 249، 5 / 94، 96، 100 و 106.

مسلم عن أحمد بن سعيد به، وثبت في الصحيحين عن انس بن مالك قال: جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر (1) وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول، قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها، قال: " كل فإني أناجي من لا تناجي " وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب أخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده، وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن، فقلت أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: " بارك الله فيك " ودعا أصحابه فأكلوا، ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم، وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث والاربعة يحملون الطعام يتناوبون، وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو نازل في دار أبي أيوب - مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا خلف بن عمرو العكبري، ثنا سعيد بن منصور، ثنا عطاف بن خالد، ثنا صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن
محمد بن علي وبين دار الحسن بن ريد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل.
فانبعثت به راحلته فقال: " دعوها فإنها مأمورة " ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك فأنقل رحلك إلي ؟ قال: نعم ! فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل ؟ قال: " ان الرجل مع رحله حيث كان " وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد، وهذه منقبة عظيمة لابي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه، حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه لما قدم أبو أيوب البصرة - وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وملكه كل ما أغلق عليها بابها.
ولما أراد الانصراف أعطاه ابن عباس عشرين ألفا، وأربعين عبدا.
وقد صارت دار أبي بعده إلى مولاه أفلح.
فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار وصلح ما وهي من بنيانها ووهبها لاهل بيت فقراء من أهل المدينة.
وكذلك نزوله
__________
(1) في النهاية لابن الاثير: بدر: طبق مستدير، شبهه بالبدر لاستدارته.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:54 am

عليه السلام في دار بني النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم دار بني مالك بن النجار.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير دور الانصار بنو النجار، ثم بنو عبد الاشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الانصار خير " فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا فقيل قد فضلكم على كثير: هذا لفظ البخاري.
وكذلك رواه البخاري ومسلم من
حديث أنس وأبي سلمة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، ومن حديث عبادة بن سهل عن أبي حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله سواء.
زاد في حديث أبي حميد، فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الانصار فجعلنا آخرا، فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خيرت دور الانصار فجعلتنا آخرا ؟ قال: " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الاخيار " قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الانصار الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) [ التوبة: 100 ] وقال تعالى: (والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [ الحشر: 9 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا الهجرة لكنت أمرءا من الانصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الانصار وشعبهم، الانصار شعار والناس دثار " وقال: " الانصار كرشي وعيبتي " وقال: " أنا سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم " وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة حدثني عدي بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: " الانصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق.
فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله " وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به.
وقال البخاري أيضا حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " آية الايمان حب الانصار، وآية النفاق بغض الانصار " ورواه البخاري أيضا عن أبي الوليد [ و ] الطيالسي ومسلم من حديث خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن مهدي أربعتهم عن شعبة به.
والآيات والاحاديث في فضائل الانصار كثيرة جدا.
وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس المتقدم ذكره أحد شعراء الانصار في قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ونصرهم إياه ومواساتهم له ولاصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من
الاسلام وما خصهم به من رسوله عليه السلام:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واطمأنت به النوى (1) * وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا فأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا بذلنا له الاموال من جل مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا (2) نعادي الذي عادى من الناس كلهم * جميعا ولو كان الحبيب المواسيا ونعلم أن الله لا شئ غيره * وإن كتاب الله أصبح هاديا (3) أقول إذا صليت في كل بيعة * حنانيك لا تظهر علينا الاعاديا (4) أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة * تباركت اسم الله أنت المواليا فطا معرضا إن الحتوف كثيرة * وانك لا تبقي لنفسك باقيا (5) فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه * إذا هو لم يجعل له الله واقيا ولا تحفل النخل المعيمة ربها * إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا (6) ذكرها ابن إسحاق وغيره، ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عجوز من الانصار قالت: رأيت عبد الله بن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يروي هذه الابيات.
رواه البيهقي.
فصل وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته عليه السلام إليها وصارت كهفا لاولياء الله وعباده
__________
(1) في ابن هشام: فلما أتانا أظهر الله دينه.
(2) في ابن هشام: من حل، وتروى من جل بالجيم ومعناه: العظيم الكبير من الابل، أو معظم كل شئ.
(3) في ابن هشام: ونعلم أن الله أفضل هاديا.
(4) في ابن هشام: ورد البيت والذي بعده: أقول إذا أدعوك في كل بيعة * تباركت قد أكثرت لاسمك داعيا أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة * حنانيك لا تظهر علي الاعاديا (5) قال ابن هشام: هذا البيت والذي يليه لافنون التغلبي، وهو صريم بن معشر في أبيات له وبعدهما: كفى حزنا أن يرحل الركب غدوة * واترك في جنب الالهة ثاويا قالهما لما أحس بالموت، بعد أن بركت ناقته على حية فنهشته الحية فمات.
(6) في الاصل المقيمة، والتصويب من ابن هشام وشرح السيرة لابي ذر.
والمعيمة: العاطشة.

الصالحين، ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين، ودار هدى للعالمين.
والاحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه إن شاء الله.
وقد ثبت في الصحيحين من طريق حبيب بن يساف عن جعفر بن عاصم عن أبي هريرة.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الايمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " (1) ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن شبابة عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وفي الصحيحين أيضا من حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع أبا الحباب سعيد بن يسار سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت بقرية تأكل القرى، يقول: يثرب، وهي المدينة، تنقي الناس كما ينقي الكير خبث الحديد " (2) وقد انفرد الامام مالك عن بقية الائمة الاربعة بتفضيلها على مكة.
وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الوليد، وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الحسن بن سفيان ثنا ابو موسى الانصاري، ثنا سعيد بن سعيد، حدثني أخي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فاسكني أحب البلاد إليك " فأسكنه الله المدينة " (3)،.
وهذا حديث غريب جدا والمشهور عن
الجمهور أن مكة أفضل من المدينة إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها ههنا ومحلها ذكرناها في كتاب المناسك من الاحكام إن شاء الله تعالى.
وأشهر دليل لهم في ذلك ما قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " وكذا رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الليث عن عقيل عن الزهري به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه يونس عن الزهري به.
ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وحديث الزهري عندي أصح.
قال الامام أحمد: حدثنا
__________
(1) رواه مسلم في 1 كتاب الايمان 65 باب ح 233.
والبخاري في 29 كتاب فضائل المدينة 6 باب ح 1876 فتح الباري 4 / 93 عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف.
وأخرجه الترمذي في الايمان وابن ماجه في المناسك وأحمد في المسند 1 / 184.
(2) أخرجه البخاري في 29 فضائل المدينة (2) باب فتح الباري 4 / 87 ومسلم في 15 كتاب الحج 88 باب ح 488 وأحمد في 2 / 237، 247، 384.
أمرت بقرية: اي أمرني ربي بالهجرة إلى قرية - يثرب -.
- تأكل القرى: تغلبها وتظهر عليها.
- تنقي، وفي النهاية: تنفي: تخرجه عنها من النفي، وتنقي من إخراج النقي وهو المخ أو من التنقية وهي إفراد الجيد من الردئ.
(3) دلائل النبوة ج 2 / 519.

عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحزورة فقال: " علمت أنك خير أرض الله وأحب الارض إلى الله،
ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " (1) وكذا رواه النسائي من حديث معمر به.
قال الحافظ البيهقي وهذا وهم من معمر، وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو أيضا وهم والصحيح رواية الجماعة (2).
وقال أحمد ايضا حدثنا إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، عن معمر.
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في سوق الحزورة: " والله إنك لخير أرض الله وأحب الارض إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " ورواه الطبراني عن أحمد بن خليد الحلبي عن الحميدي عن الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء به.
فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم والله أعلم.
وقائع السنة الاولى من الهجرة اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة - وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رفع إليه صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه، إنه يحل عليه في شعبان.
فقال عمر: أي شعبان ؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية ؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك.
فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد.
وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم.
وكانوا يؤرخون بملك اسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك.
وقال آخرون أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون بل بمبعثه، وقال آخرون بل بهجرته، وقال آخرون بل بوفاته عليه السلام.
فمال عمر رضي الله عنه إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره.
واتفقوا معه على ذلك.
وقال البخاري في صحيحة: التاريخ ومتى أرخوا التاريخ.
حدثنا عبد الله بن مسلم ثنا عبد العزيز عن أبيه عن سهل بن سعد.
قال: ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمة المدينة.
__________
(1) أخرجه الترمذي في المناقب باب في فضل مكة ح 3925 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في المناسك.
والنسائي في المناسك في سننه الكبرى على ما ذكره المزي في تحفة الاشراف 5 / 316 و 11 / 54.
(2) دلائل النبوة ج 2 / 518.

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه.
قال: استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على الهجرة.
وقال أبو داود الطيالسي عن قرة (1) بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال: قام رجل إلى عمر فقال أرخوا.
فقال ما أرخوا ؟ فقال شئ تفعله الاعاجمم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا.
فقال عمر: حسن فأرخوا، فقالوا من أي السنين نبدأ.
فقالوا من مبعثه، وقالوا من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا وأي الشهور نبدأ ؟ قالوا رمضان، ثم قالوا المحرم فهو مصرف (2) الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا (3) على المحرم.
وقال ابن جرير: حدثنا قتيبة ثنا نوح بن قيس الطائي (4) عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) هو المحرم فجر السنة وروى عن عبيد بن عمير.
قال: إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة يكسي البيت، ويؤرخ به الناس (5)، ويضرب فيه الورق.
وقال أحمد: حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار قال: إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الاول وأن الناس أرخوا لاول السنة.
وروى محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي أنهما قالا: أرخ بنو اسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم واسماعيل البيت (6)، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة
- أو ثماني عشرة - وقد ذكرنا هذا الفصل محررا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الائمة.
__________
(1) من الطبري، وفي الاصل فروة وهو تحريف.
(2) في الطبري: منصرف.
(3) من الطبري وفي الاصل فأجتمعوا.
(4) في الطبري: 2 / 253: الطاحي.
(5) في الطبري: ويؤرخ التاريخ.
(6) في رواية الطبري: فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقي بتهامة من بني اسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة وبني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي.
وعلق الطبري على رواية ابن اسحاق قال: وهذا الذي رواه علي بن مجاهد عن ابن إسحاق غير بعيد من الحق لانهم لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحي من نواحي بلادهم.

وحكى السهيلي وغيره عن الامام مالك أنه قال: أول السنة الاسلامية ربيع الاول لانه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) أي من أول يوم حلول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سني التاريخ عام الهجرة.
ولا شك أن هذا الذي قاله الامام مالك رحمه الله مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لان أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الاولى سنة الهجرة.
وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم.
فنقول وبالله المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة، وقد بايع
الانصار بيعة العقبة الثانية كما قدمنا في أوسط أيام التشريق وهي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة قبل سنة الهجرة، ثم رجع الانصار وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة فهاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه في الطريق كما قدمنا ثم خرجا على الوجه الذي تقدم بسطه وتأخر علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره ليؤدي ما كان عنده عليه السلام من الودائع ثم لحقهم بقباء فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء.
قال الواقدي وغيره: وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول.
وحكاه ابن إسحاق إلا أنه لم يعرج عليه ورجح أنه لثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور.
وقد كانت مدة إقامته عليه السلام بمكة بعد البعثة (1) ثلاث عشرة سنة في أصح الاقوال، وهو رواية حماد بن سلمة عن أبي جمرة (2) الضبعي عن ابن عباس.
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة.
وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن معمر عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة.
وتقدم أن ابن عباس كتب أبيات صرمة بن أبي أنس بن قيس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وقال الواقدي عن إبراهيم بن اسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه استشهد بقول صرمة:
__________
(1) يعني هنا من أول الوقت الذي استنبى فيه، عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم.
(2) من الطبري، وفي الاصل: أبي حمزة الضبي.
وأبو جمرة الضبعي، واسمه نصر بن عمران بن عصام الضبعي، البصري نزيل خراسان مشهور بكنيته، ثقة ثبت من الثالثة مات سنة ثمان وعشرين.
تقريب التهذيب 2 / 72 / 300.

ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وهكذا رواه ابن جرير عن الحارث عن محمد بن سعد عن الواقدي خمس عشرة حجة، وهو قول غريب جدا، وأغرب منه ما قال ابن جرير: حدثت عن روح بن عبادة ثنا سعيد عن قتادة قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة، وعشرا بالمدينة.
وكان الحسن يقول: عشرا بمكة، وعشرا بالمدينة، وهذا القول الآخر الذي ذهب إليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب إليه أنس بن مالك وعائشة وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم، وهو رواية عن ابن عباس رواها أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال: قرن إسرافيل برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يلقى إليه الكلمة والشئ وفي رواية يسمع حسه ولا يرى شخصه، ثم كان بعد ذلك جبريل.
وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا، وحاول ابن جرير (1) أن يجمع بين قول من قال إنه عليه السلام أقام بمكة عشرا، وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الذي ذكره الشعبي والله أعلم.
فصل ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف وهي قباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل ثماني عشرة ليلة.
وقيل بضع عشرة ليلة وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال.
والاشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه عليه السلام أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء، وقد ادعى السهيلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسسه في أول يوم قدم إلى قباء وحمل على ذلك قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) ورد قول من أعربها: من تأسيس أول يوم، وهو مسجد شريف فاضل نزل فيه قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) [ التوبة: 108 ] كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث الذي في صحيح (2) مسلم أنه مسجد المدينة
والجواب عنه.
وذكرنا الحديث الذي رواه الامام أحمد: حدثنا حسن بن محمد ثنا أبو إدريس ثنا
__________
(1) قال ابن جرير في 2 / 251: فلعل الذين قالوا كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عزوجل وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبى فيه وكان اسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة.
أنظر الحاشية قبل السابقة.
(2) صحيح مسلم في مناسك الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الاشعثي كلاهما عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط.

شرحبيل عن عويم بن ساعدة أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (1).
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وله شواهد أخر.
وروى عن خزيمة بن ثابت ومحمد بن عبد الله بن سلام وابن عباس.
وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).
قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.
ثم قال الترمذي غريب من هذا الوجه.
قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيف والله أعلم.
وممن قال بأنه المسجد الذي أسس على التقوى ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير.
ورواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وحكى عن الشعبي والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير وعطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره فيما بعد ويصلي فيه، وكان يأتي قباء كل سبت تارة راكبا وتارة ماشيا وفي الحديث: " صلاة في مسجد قباء كعمرة " وقد ورد في حديث أن جبرائيل عليه السلام هو الذي أشار للنبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبلة مسجد قباء، فكان هذا
المسجد أو مسجد بني في الاسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة.
واحترزنا بهذا عن المسجد الذي بناه الصديق بمكة عند باب داره يتعبد فيه ويصلي لان ذاك كان لخاصة نفسه لم يكن للناس عامة والله أعلم.
وقد تقدم اسلام سلمان في البشارات، [ و ] أن سلمان الفارسي لما سمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ذهب إليه وأخذ معه شيئا فوضعه بين يديه وهو بقباء قال هذا صدقة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكله وأمر أصحابه فأكلوا منه، ثم جاء مرة أخرى ومعه شئ فوضعه وقال هذه هدية فأكل منه وأمر أصحابه فأكلوا.
تقدم الحديث بطوله.
فصل في إسلام عبد الله بن سلام قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف، عن زرارة، عن عبد الله بن سلام.
قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب.
فكان أول شئ سمعته يقول: " [ يا أيها الناس ] (2) افشوا السلام وأطعموا
__________
(1) مسند أحمد ج 3 / 422.
(2) من دلائل البيهقي .

الطعام [ وصلوا الارحام ] (1) وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " (2) ورواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن عوف الاعرابي عن زرارة بن أبي أوفى به عنه.
وقال الترمذي صحيح.
ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بني عمرو بن عوف.
وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار.
والله أعلم.
وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس.
قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فأدعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا
أني قد أسلمت فإنهم إن يعلموا اني قد أسلمت قالوا في ما ليس في.
فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه.
فقال لهم: " يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق فأسلموا " قالوا ما نعلمه.
قالوا [ ذلك ] للنبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرار.
قال: " فأي رجل فيكم عبد الله (3) بن سلام ؟ قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا.
قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا حاش لله ما كان ليسلم (4).
قال: " يا ابن سلام اخرج عليهم " فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق.
فقالوا: كذبت.
فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (5).
هذا لفظه.
وفي رواية (6) فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الاصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني (7) ثنا عبد الله بن أبي بكر، ثنا حميد.
عن أنس.
قال: سمع عبد الله بن سلام
__________
(1) من المسند.
(2) رواه أحمد في المسند 5 / 451، والترمذي في الزهد باب حديث افشوا السلام..عن محمد بن بشار عن عبد الوهاب الثقفي، وغندر وابن أبي عدي ويحيى بن سعيد أربعتهم عن عوف بن أبي جميلة.
وأخرجه ابن ماجة في كتاب الصلاة - باب ما جاء في قيام الليل عن بندار، وفي أول كتاب الاطعمة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
والبيهقي في الدلائل 2 / 531 من طريق يعقوب بن سفيان، ومن طريق علي بن أحمد بن عبدان.
كلاهما عن عوف.
(3) في ابن هشام: الحصين بن سلام.
(4) في الصحيح كررت العبارة: حاش لله ماكان ليسلم ثلاث مرات مؤكدا عليهم.
(5) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 45 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ح 3911 ورواه البيهقي من طريق عبد الوارث عن ابن صهيب عن أنس 2 / 526.
(6) في رواية حميد الطويل عن أنس.
ونقلها البيهقي في الدلائل 2 / 528.
(7) في دلائل البيهقي: الصغاني.

بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم.
- وهو في أرض له - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله (1) أهل الجنة ؟ وما بال الولد إلى أبيه أو إلى أمه (2) ؟ قال: " أخبرني بهن جبريل آنفا " قال جبريل ؟ قال: " نعم ! " قال: عدو اليهود من الملائكة.
ثم قرأ: " من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك باذن الله) [ البقرة: 97 ] قال: " أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم (3) إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد [ إلى أبيه ] (4)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد " فقال.
أشهد أن لا إله إلا الله أو (و) أنك رسول الله.
يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني.
فجاءت اليهود.
فقال: " أي رجل عبد الله [ بن سلام ] (5) فيكم ؟ " قالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا.
قال: " أرأيتم إن أسلم ؟ " قالوا أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
قالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه.
قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 68

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 9:57 am

ورواه البخاري عن عبد بن منير (6) عن عبد الله بن أبي بكر به ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به.
قال محمد إبن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله بن سلام: قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم - وكان حبرا عالما -.
قال: لما سمعت برسول الله وعرفت صفته واسمه وهيئته و [ زمانه ] الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسرا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف.
فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت [ لي ] عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمة.
والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به.
قال فقالت له: يا ابن أخي أهو الذي كنا
نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قال: قلت لها: نعم ! قالت فذاك إذا.
قال فخرجت إلى
__________
(1) سقطت من البيهقي.
(2) عبارة البيهقي: وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه.
(3) سقطت من البيهقي، وفي الصحيح: تحشرهم.
(4) من البيهقي.
(5) سقطت من الاصل والبيهقي واستدركت من الصحيح.
(6) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة 6 باب فتح الباري 8 / 165 عن عبد الله بن منير، ولعله تحريف من الناسخ والصواب عبد بن حميد.
ورواه في 63 كتاب مناقب الانصار 51 باب حدثني حامد بن عمر فتح الباري 7 / 272.

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود وقلت (1): يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن يعلموا بذلك بهتوني وعابوني، وذكر نحو ما تقدم.
قال فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث [ فحسن إسلامها ] (2).
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثني محدث عن صفية بنت حيي قالت: لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقهما في ولد لهما قط اهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فوالله ماجاآنا إلا مع مغيب الشمس.
فجاآنا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لابي: أهو هو ؟ قال: نعم والله ! قال تعرفه بنعته وصفته ؟ قال نعم والله ! قال: فماذا في نفسك منه ؟ قال عداوته والله ما بقيت (3).
وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه
وسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعون فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بني النضير - فجلس إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه - وكان فيهم مطاعا - فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا.
فقال له أخوه أبو ياسر يا ابن أم أطعني في هذا الامر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك، قال لا والله لا أطيعك أبدا، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.
قلت: أما أبو ياسر واسمه وأما حيي بن أخطب فلا أدري ما آل إليه أمره، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بني قريظة كما سيأتي، إن شاء الله.
فصل ولما ارتحل عليه السلام من قباء وهو راكب ناقته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانواناء فكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقا لانه والله أعلم لم يكن
__________
(1) في ابن هشام: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: (2) من ابن هشام 2 / 164 ونقل الخبر البيهقي عنه في الدلائل: 2 / 530.
(3) سيرة ابن هشام 2 / 165 والبيهقي في الدلائل 2 / 532.

يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه.
ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الاعلى، أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف
رضي الله عنهم: " الحمد لله أحمده واستعينه، وأستغفره واستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الاجل.
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد وغى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا.
وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة [ من ربه ] (1)، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر (2) السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.
والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لاخلف لذلك فإنه يقول تعالى: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه: (من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) (ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما) وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه.
وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فاحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت (3) فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه،
__________
(1) من الطبري.
(2) في الطبري: من أمره في السر والعلانية.
(3) كذا في الاصل والقرطبي نقلا عن ابن جرير، وفي الطبري: لما بعد اليوم.

الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " هكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال (1).
وقال البيهقي: باب - أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة -: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان والاخنس (2) بن شريق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد أيها الناس فقدموا لانفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام على رسول الله (3) ورحمة الله وبركاته " ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال: " أن الحمد لله أحمده واستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله [ وحده لا شريك له ] (4)، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم [ ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم ] (5) فإنه من (6) يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الاعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (7).
وهذه الطريق أيضا مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الالفاظ.
__________
(1) ذكر الخطبة القرطبي في تفسيره بنحوها مطولا بلا اسناد ج 18 / 98.
وانظر تاريخ الطبري ج 2 / 255 - 256 دار القاموس الحديث.
(2) في البيهقي: بن الاخنس.
(3) في ابن هشام: والسلام عليكم وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) من ابن سحاق والبيهقي.
(5) سقطت من الاصل واستدركت من ابن هشام والبيهقي.
(6) في ابن هشام: فإنه كل يختار.
(7) الخطبتان في ابن هشام ج 2 / 146 - 147 ودلائل البيهقي 2 / 524 - 525.

فصل في بناء مسجده الشريف ومقامه بدار أبي أيوب وقد اختلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، وقال غيره أقل من شهر والله أعلم.
قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال سمعت أبي يحدث فقال حدثنا أبوالتياح يزيد بن حميد الضبي، حدثنا أنس بن مالك.
قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملا بني النجار فجاؤا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه، وملا بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملا بني النجار فجاؤوا فقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا " فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، قال (1): فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع.
قال فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم
يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يقول (2): " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة * فانصر الانصار والمهاجرة " وقد رواه البخاري (3) في مواضع أخر ومسلم من حديث أبي عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد.
وقد تقدم في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مربدا - وهو بيدر التمر - ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل، فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا.
قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ينقل معهم التراب: هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
__________
(1) قال: أي أنس.
(2) في البخاري: ويقولون.
(3) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 46 باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة ح 3932 وأخرجه أيضا في كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ؟ وأخرجه مسلم في كتاب المساجد باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد.
وابن ماجة في الصلاة.

ويقول: لا هم إن الاجر أجر الآخرة * فارحم الانصار والمهاجرة وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بياضة، قال وقيل ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: وذكر محمد بن إسحاق أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو فالله أعلم.
وروى البيهقي: من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن حماد الضبي، ثنا
عبد الرحيم بن سليمان عن اسماعيل بن مسلم عن الحسن.
قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال: " ابنوه عريشا كعريش موسى " فقلت للحسن: ما عريش موسى ؟ قال إذا رفع يديه بلغ العريش - يعني السقف - وهذا مرسل.
وروى من حديث حماد بن سلمة عن أبي سنان عن يعلى بن شداد بن أوس، عن عبادة: أن الانصار جمعوا مالا فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد ؟ فقال: " ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى " (1) وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبد الله بن موسى عن سنان (2) عن فراس عن عطية العوفي عن ابن عمر أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت سواريه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها تخربت (3) في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع وبجريد النخل، ثم انها تخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر، فما زالت ثابتة حتى الآن.
وهذا غريب.
وقد قال أبو داود أيضا: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي عن أبي صالح ثنا نافع عن ابن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا.
وغيره عثمان رضي الله عنه وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (4) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن يعقوب بن إبراهيم به (5).
__________
(1) دلائل البيهقي: ج 2 / 540.
(2) في سنن أبي داود والبيهقي: عن عبيدالله بن موسى، عن شيبان.
(3) في أبي داود والبيهقي نقلا عنه: نخرت بدل تخربت في الموضعين.
(4) القصة: هي الجص كما في النهاية، وفي البيهقي: والفضة.
(5) رواه البخاري في 8 كتاب الصلاة 62 باب المساجد فتح الباري 1 / 54 ورواه أبو داود في كتاب الصلاة باب بناء =

قلت: زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأولا قوله صلى الله عليه وسلم: " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم.
قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه ؟ وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه.
فعمل فيه المهاجرون والانصار ودأبوا فيه.
فقال قائل من المسلمين: لئن قعدنا والنبي يعمل * لذلك منا العمل المضلل وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: لا عيش إلا عيش الآخرة * اللهم ارحم الانصار والمهاجرة فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والانصار " قال فدخل عمار بن ياسر وقد اثقلوه باللبن فقال: يا رسول قتلوني يحملون علي ما لا يحملون.
قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده - وكان رجلا جعدا - وهو يقول: " ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما يقتلك الفئة الباغية " وهذا منقطع من هذا الوجه بل هو معضل بين محمد بن إسحاق وبين أم سلمة وقد وصله مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن سعيد والحسن - يعني ابني أبي الحسن البصري - عن أمهما خيرة مولاة أم سلمة عن أم سلمة قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تقتل عمار الفئة الباغية " ورواه من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار وهو ينقل الحجارة:
" ويح لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " (1) وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن يحدث عن أمه عن أم سلمة قالت: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحمل كل واحد لبنة لبنة، وعمرا يحمل لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ظهره.
وقال " ابن سمية، للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة
__________
= المساجد ح 451 و 452 ج 1 / 123.
ونقل الحديثان البيهقي في الدلائل ج 2 / 541.
(1) - أخرج الحديث مسلم عن أم سلمة من طرق متعددة في كتاب الفتن 4 / 2335 - 2336.

الباغية " (1) وهذا إسناد على شرط الصحيحين.
وقد أورد البيهقي وغيره من طريق جماعة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي سعيد الخدري.
قال: كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين.
فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن (2).
لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد عن عبد العزيز بن المختار عن خالد الحذاء، وعن ابراهيم بن موسى عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به إلا أنه لم يذكر قوله تقتلك الفئة الباغية.
قال البيهقي: وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم من طريق عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: " بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية " (3) وقد رواه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال حدثني من هو خير مني - أبو قتادة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر " بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار - ناقه من وجع كان به - فجعل يحمل لبنتين لبنتين قال أبو سعيد
فحدثني بعض أصحابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفض التراب عن رأسه ويقول: " ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " (4).
قال البيهقي: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه (5).
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق اسماعيل الصفار، وهو جزء من حديث أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 289 وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 319.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 546.
ورواه البخاري في 8 كتاب الصلاة 63 باب فتح الباري 1 / 541 عن مسدد، وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد عن إبراهيم بن موسى.
وأخرجه مسلم في كتاب الفتن 4 / 2335، والترمذي في مناقب عمار بن ياسر 5 / 669 وأحمد في مسنده 2 / 161.
وقال البيهقي: وفي رواية البخاري عن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب ترك لفظة " تقتلك الفئة الباغية " وكأنه إنما تركها لمخالفة أبي نضرة عن أبي سعيد عكرمة في ذلك.
(3) دلائل النبوة ج 2 / 548، ومسلم في كتاب الفتن 4 / 2335.
(4) مسلم في كتاب الفتن باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة 4 / 2335 ورواه الامام أحمد في مسنده 3 / 5.
(5) العبارة في الدلائل: 2 / 549: وقد بين عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في هذه الرواية ما سمع من غيره من هذا =

قال: ويشبه أن يكون قوله: الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم.
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم.
وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه.
وقد كان علي أحق بالامر من معاوية.
ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم لانهم وإن كانوا بغاة في نفس الامر فإنهم كانوا
مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم.
وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الالفة واجتماع الكلمة.
وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالامر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الامة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم.
وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود ههنا أنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بانيه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل (1): حدثنا أبو عبد الله الحافظ املاء، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: [ لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ] (2) جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء ولاة الامر بعدي ".
ثم رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة.
قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع حجرا.
ثم قال " ليضع ابو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء الخلفاء من بعدي " وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا، والمعروف ما رواه الامام أحمد عن أبي النضر عن
__________
(1) = الحديث ونقل فيها حمل اللبنة واللبنتين كما نقلها عكرمة.
(1) دلائل النبوة ج 2 / 553.
(2) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل.

حشرج بن نباتة العبسي (1) وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: " الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك " ثم قال سفينة أمسك، خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة علي ست سنين، هذا لفظ أحمد.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا " وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له عليه السلام المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل إليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول عليه السلام عنده، فرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يسكت كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة رضي الله عنهم.
وما أحسن ما قال الحسن البصري بعدما روي هذا الحديث عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه (2) ؟ ! تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي.
قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ا