aloqili com _______ aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 القرامطة وفتنتهم في مكّة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: القرامطة وفتنتهم في مكّة   الأربعاء نوفمبر 05, 2014 10:09 am

تُعدُّ فرقة "القرامطة" ـ التي وصفها التأريخ بأنّها فرقة مشاغبة ومُتمرّدة، وكانت عاملا أساسيّاً أدّى إلى مذابح جماعية، وإلى حملات إغارة على أموال المسلمين ـ فرعاً من الفرقة المعروفة بـ "الإسماعيلية" حيث ظهرت في قلب المجتمع الإسلامي، وسبّبت الكثير من المتاعب والمشاكل آنذاك بسبب أفكارها وعقائدها الخاصّة، خصوصاً في العهد العبّاسي، ممّا أدّى إلى وقوع العديد من الضحايا نتيجة انحرافاتهم الايديولوجية والمغالاة في أفكارهم. ويمكننا القول بوجود التشابه الكبير بينها وبين فرقة الخوارج المعروفة التي ظهرت في عهد الخلفاء الأمويين وإن اختلفتا من الناحية العقائدية.

 

و"الإسماعيلية" هي فرقة من فرق الشيعة كانت تعتقد بإمامة "إسماعيل بن جعفر الصادق (ع)" وذلك بعد وفاة جعفر الصادق (ع)، وأولاد إسماعيل من بعده ثمّ انقسمت على نفسها إلى عدّة فِرَق أُخرى. وقد انبرى من الفرقة ذاتها شخصيّات فسَّر كلٌّ منهم المذهب الإسماعيلي حسب ما يَرتئيه هو ودعا إلى إمامة شخصيّة معيّنة في ذلك الزّمان.

 

وكان "حمدان قرمط" أحد أبرز أولئك الدعاة من الإسماعيلية، والسّبب المباشر في ظهور العديد من الحوادث في حينها، فأوجد هذا فرقة مُنشعبة عن الإسماعيلية وذلك بعد وفاة أبوالخطّاب الأجدع أحد مؤسّسي فرقة الإسماعيلية، وأدخل "حمدان قرمط" تعديلات وآراء جديدة على المذهب المذكور فسمّي أتباعه بعد ذلك بالقرامطة.

 

وتذكر المصادر لروايات أهل السنّة ـ وعلى غرارها المصادر الغربية كذلك ـ أنّ حمدان قرمط كان أحد تلاميذ عبدالله بن ميمون القدّاح، الذي له تأثيرٌ واضح على تشكيل آراء ومعتقدات حمدان قرمء وتعتبر المصادر ذاتها أنَّ عبدالله بن ميمون هذا هو أحد موالي الإمام جعفر الصادق (ع) وينسبونه إلى اليهوديّة(1) أحياناً والدّيصانية(2) والمجوسية من أصل إيراني(3) أحياناً أُخرى. كما وينسبون الفاطميين "في مصر" إلى حمدان قرمط هذا(4).

 

هذا في حين توثّق المصادر الشيعيّة عبدالله بن ميمون، وتُسقط كل الاحتمالات ـ كما سنرى ـ التي تقول بكونه ينتمي إلى القرامطة أو الإسماعيلية.

وقبل إيراد أيّ نصوص عن علماء ورجالات الشيعة حول عبدالله بن ميمون، نستدعي انتباه الأخوة القُرّاء إلى آراء بعض من الكتّاب المعروفين حول نفس الموضوع.

 

ينقل ابن النديم عن شخص يدعى ابوعبدالله بن رزام حيث كان لهذا الأخير كتاب في الردّ على الإسماعيلية ما يلي (دون أن يؤيّد أو يُفنّد ادّعاءات ابن رزّام هذا) في البداية، كان ميمون قدّاح من أتباع أبوالخطّاب، وكان يجهر بالدعوة إلى إلوهية علي بن أبي طالب، وقد كان وأبنه عبدالله، ديصاني المذهب، ومن محلة على أطراف الأهواز، وكان ابنه عبدالله مشعوذاً وساحراً وقد ادّعى النبوّة لفترة طويلة، وفرّ إلى السلميّة بالقرب من حمص وهناك انضمّ إلى دعوته رجل يسمّى حمدان بن الأشعث الملقّب بـ (قرمط)(5).

 

بعد ذكر قصّة تشتّت أصحاب محمد بن إسماعيل بن جعفر، يتابع الخواجة رشيد الدين القول بأنّ (عبدالله بن ميمون القدّاح كان قد اكتسى حُلّة العابد الزاهد، وقد أقام في منطقة عسكر مكرّم، ومنها رحل إلى كوهستان عجم أهواز حيث قام بدعوة النّاس وإرسال الرسل إلى العراق والري وإصفهان وقم وهمدان)(6).

 

يقول الفخر الرازي في تعريف فرقة الباطنية مايلي

(يروى أنّ رجلا من الأهواز يدعى عبدالله بن ميمون القدّاح وكان من الزنادقة، جاء إلى جعفر الصادق (ع)، وقد قضى أكثر وقته في خدمة ابنه إسماعيل وبعد وفاة إسماعيل أصبح في خدمة ابنه محمّد، ودعا إلى اتّباع هذا الأخير مدعيّاً بتلقّي الزندقة على يده)(7). كما يلاح1 فإنّ عبدالله بن ميمون هذا يعرّف على أنّه مؤسّس فرقة الباطنيّة والقرامطة وعلى أنّه رجل دجّال وكذّاب، في حين هو في المصادر الشيعية أحد أصحاب الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع) المخلصين، وبأنّه أحد رواة الأحاديث الثقات.

 

يقول النجاشي في (الرجال)

كان عبدالله بن ميمون الأسود القداح أحد موالي بني مخزوم... وكان يروي عن الإمام الصادق (ع) وهو رجل ثقة، وتنسب إليه كتب مثل (مبعث النبي) و(صفة الجنّة والنّار)(8).

 

وحسب قول النجاشي وهو أحد علماء الرجال المعروفين، بأنّ عبدالله بن ميمون ثقة، لايبقى مجال للشك في منزلة ابن ميمون الجليلة، خاصّة بعد عِلمنا أنَّ كلّ كتب رجالاتنا لم تورد قدحاً في تعريفها لعبدالله بن ميمون، ولو كان إسماعيلياً كما قيل، لما تردّد علماء الرجال في ذكر ذلك على الإطلاق، ذلك أنّ علماءنا في الرجال يمتلكون حساسية عجيبة تجاه الأشخاص المنتمين إلى مذهب منحرف. ويقول الكشي بعد نقله حديثاً للإمام الباقر (ع) في معرض تأييده لعبدالله بن ميمون كان عبدالله بن ميمون يقول بالتزيّد (كذا)(9).

 

ولايعرف المقصود بكلمة "تزيّد" بوضوح، فربّما أراد معنى أنّه كان "يحبّ زيداً" في حين ذكر البعض احتمالات وتفسيرات غير منطقية لذلك ولا علاقة لها به(10). أضف إلى ما قيل أنّ كل كتب الشيعة في شرح الملل والنحل أمثال فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري، وخلال وصفهم للفرق الإسلامية كالإسماعيلية والقرامطة، لم يذكروا شيئاً بصدد ابن ميمون أو حتّى ثابت بن سنان وهو أحد المعاصرين لحمدان قرمء الذي ألّف كتاباًتحت عنوان "تأريخ أخبار القرامطة" فهو لم يذكر اسم عبدالله بن ميمون البتة.

 

وعلى أي حال وطبقاً للمصادر الشيعية فليست هناك أدنى علاقة بين عبدالله بن ميمون وبين القرامطة. فالشيء المسلَّم به هو أنَّ مؤسّس فرقة القرامطة وهي فرقة متفرعة عن الإسماعيلية، هو رجل يسمّى حمدان بن الأشعث القرمطي الذي اعتزل جماعة محمّد بن إسماعيل بن جعفر بعد وفاة الأخير وأحدث فرقة متشعبة عن الإسماعيلية بعد أن أوجد آراء ومعتقدات خاصّة لهذه الفرقة. وطبقاً لما أورده ابن النديم فإن حمدان قرمط كان مشغولا بالزراعة وتربية الحيوان في قرية تسمى "قس بهرام" وكان رجلا ذكيّاً، ممّا حدا برجل عالم مثل "عبدان"، الذي صنّف كثيراً من الكتب باتّباعه وأرسل رسلا ومبلّغين إلى سواد الكوفة لنشر معتقدهم هذا(11).

 

كلمة القرامطة

علمنا فيما سبق أنّ كلمة القرامطة مأخوذة من لقب مؤسّسها حمدان قرمء ونريد الآن فهم معنى هذه الكلمة أكثر وما تعنيه من مضامين، والسبب الذي من أجله نُسبت هذه الكلمة إلى حمدان. لقد وردت احتمالات كثيرة بهذا الصدد، نذكر أهمّها فيما يلي:

 

ـ يقول ابن النديم أنّ السبب في إطلاق كلمة "قرمط" على حمدان هو أنّه كان قصير القامة(12).

ـ ويقول البغدادي كان يقارب ما بين خطوه في السير أو أنّه كان يضع فواصل قليلة بين السطور في كتاباته(13).

ـ ويقول ابن منظور دونما اشارة إلى وجه تسمية القرامطة بهذا الاسم القرمطة هي المقاربة ما بين القدمين وكذلك بين السطور في الكتابة والدقّة في ذلك(14).

ـ ويقول الجرجاني قرمط هي إحدى قرى واسط(15)، في حين يُسمّي ابن خلف الأشعري لقب حمدان بـ "قرمطويه"(16).

 

ـ وينقل الدكتور مشكور عن الطبري وثابت بن سنان قوله أنّ هذه الكلمة أي قرمء بمعنى كرميتي وتعني حُمرة العين، وينقل عن ابن الجوزي قوله أنَّ كرميتي تعني حدة البصر وقوته، ثمَّ يُضيف ويظهر أن هذه الكلمة مأخوذة عن اللهجة الآرامية المحلية لمدينة واسط واستعيرت منها لهذا المعنى والتي لايزال معناها مُدَلِّس (من دالس مدالسة). يقول كارل نولدرس لكلمة "قرمط" علاقة وثيقة بالأصل اليوناني "قرماطا" وتعني الحَرف. وكذا كلمة "قرمط" التي تُطلق على الخط الخاص بالنّسخ، وقد كُتبت بالألفباء السرّية القرمطية متون كثيرة ذكرت في اليمن(17).

 

ـ وينقل لويس ماسينيون الذي كتب عدّة تحقيقات بخصوص القرامطة، ينقل عن "ولرز" انّه يسوّي بين كلمة القرامطة وكلمة يونانيّة مشابهة لها تماماً، إلاّ أنّه يُحتمل أن تكون هذه الكلمة مشتقة عن اللغة المحليّة الآرامية لمدينة واسء أي بمعنى "مُدَلِّس". ويُطلق المصطلح "قرمط" في علم الخطوط على الخط الكتابي الذي كان يدعى بالنّسخ. وقد عثر گريفين أخيراً على خطوط قرمطية في متون وجدها بالخطّ السرّي في اليمن(18).

 

ـ ينقل بطروشفسكي بعد إيراده لأقوال ماسينيون، في حاشية لكتابه عن لسان "ايفانوف" قائلا إنَّ كلمة "قرمط" مأخوذة عن كلمة "قرميثة" وتعني الفلاح أو الريفيّ في اللهجة السريانية في المناطق السفلى لما بين النهرين، أي اللغة الآرامية نفسها(19).

 

فلو تصوّرنا أن لقب "قرمط" قد أطلق على مؤسّس فرقة القرامطة من قبل مخالفيهم ومناوئيهم، فإن أنسب معنى لذلك هو التدليس والمدلِّس بعد عِلمنا بأنّ أولئك المخالفين قد اطلقوا على عبدالله بن ميمون ـ بغضّ النظر عن صدق انتسابه إلى القرامطة ـ لقب المشعبذ والحيّال. وأمّا في حال تصوّرنا أن هذا اللقب إنّما أُطلق على حمدان قرمط من قبل مريديه ومناصريه فالمعنى الأصح لهذه الكلمة هو "الفلاح"، ذلك أن ابن النديم وكما أوضحنا سابقاً قد ذكر أن حمدان كان يشتغل بالزراعة وتربية الحيوان، مع بقاء الاحتمالات الأخرى لمعنى هذه الكلمة من أنّه كان أحمر العينين أو أنّه كان قريب الخطو في مشيه أو أنّه كان يكتب بخطّ ناعم، علماً بأنَّ هذه الأمور ثانوية وليست ذات أهميّة يُعوَّل عليها.

 

معتقدات القرامطة

تُعدُّ الأصول والمعتقدات الأولية للقرامطة نفسها التي تعتقد بها الإسماعيلية، إلاّ أنَّ هذه الفرقة المتشعّبة عن الإسماعيلية تملك بعض العقائد الخاصّة بها، التي تميّزها عن باقي الفرق والجماعات المنتمية بدورها إلى الإسماعيلية; ولأنَّ تلك العقائد هي كلّ ما ذكرته كتب المناوئين لهذه الفرقة فلايمكن إزاء ذلك الاعتماد على صحّتها ودِقّة انتسابها إلى القرامطة.

وطبقاً لمؤلّفات النوبختي وأبي خلف الأشعري، فإنّ القرامطة يقولون بإمامة محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (ع) ويُعرّفونه على أنّه الإمام القائم المهدي المذكور، بل انّهم يقولون بنبوّته ونبوّة سائر الأئمة كذلك، ويقولون إنّ رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انقطعت عنه يوم الغدير وانتقلت إلى أميرالمؤمنين (ع)ثمّ انتقلت منه إلى باقي الأئمّة، وإنَّ الأئمة مع كونهم يحتفظون بمقام الإمامة فهم يمتلكون مقام الرسالة كذلك. ويُضيف هؤلاء قائلين إنَّ محمّد بن إسماعيل حيٌّ لم يَمت وهو غائب في بلاد الروم(20).

 

ويقول أبوالحسن الأشعري يعتقد القرامطة أنَّ "محمّد بن إسماعيل" حيٌّ وهو نفسه المهدي الذي أُخبر عن ظهوره(21).

وأمّا الشهرستاني فيقول لقد مزجَ أولئك (الذين يُعرفون في العراق بالباطنية والقرامطة والمزدكية والمعروفون في خراسان بالتعليمية والملحدة) كلامهم بكلام بعض الفلاسفة، ولهم في ذلك المؤلّفات. ويقول هؤلاء إنّ الله تعالى ليس موجوداً وليس غير موجود، وكذا فإنّه ليس عالماً وليس جاهلا وليس قادراً ولا عاجزاً. وقس على ذلك سائر صفاته تعالى! ذلك أنّ الإثبات الحقيقي يقتضي أن يكون من جهة إطلاقنا عليه شريكاً مع سائر الموجودات وهو مايُعرف بالتشبيه(22). ويقولون كذلك وكما أنَّ الأفلاك والطبائع هما في حركة دائمة بواسطة تحريك النّفس والعقل، فإنَّ المجتمع البشري أيضاً في حركة مع الشرائع بتحريك النبيّ والوصيّ وهذا حاصلٌ وواقعٌ في كلّ زمان وعلى شكل سبعة فسبعة حتّى ينتهي ويصل إلى دورته الأخيرة ويحين وقت يوم القيامة وتُرفع التكاليف عن البشر(23).

 

ويُضيف أبوالحسن الملطي، بعد أن ينسب إليهم عدداً من العقائد العجيبة كقولهم بعدم وجوب الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ، يُضيف قائلا وهم يُكفّرون من يخالفهم وينسبونه إلى الشرك ويحلّلون ماله ودمه، ويمكنهم أخذه أسيراً لديهم(24).

 

والحقّ أن ما ينسب إلى القرامطة من العقائد والآراء أكثر ممّا قلناه بكثير، وإنّما أردنا ذكر بعض تلك العقائد حتّى تكون أرضية مناسبة لبحوثنا فيما بعد.

 

قيام دولة القرامطة في الإحساء والبحرين

يذكر المؤرخون أن القرامطة تمكّنوا من تشكيل دولة قويّة نسبياً وذلك سنة (286) في المناطق الجنوبية من الخليج الفارسي في البحرين والقطيف والإحساء، وكان يرأسهم شخص يُدعى "أبوسعيد الجنابي" آنذاك. وقد وردت أخبار مختلفة عن هذه الشخصية وهو ما كتبه المؤرّخون هنا وهناك. وأفضل ما لدينا من الأخبار هو ما رواه ابن حوقل عن سوابق ابو سعيد هذا، وكيفيّة تعرّفه على فرقة القرامطة، وتشكيل حكومة لهم في البحرين وأماكن أخرى، ونورد أدناه نصَّ العبارات التي ذكرها ابن حوقل"كان أبوسعيد بهرام الجنابي من "جنابة" وبائعاً للطحين. اعتنق معتقدات القرامطة وآمن بها وانضمَّ إلى "عبدان كاتب" زوج أُخت حمدان قرمء ثمّ بدأ بنشر هذه الدعوة في نواحي ومناطق مدينة جنابة أو "گنابة" ومناطق أخرى مثل فارس، فاستطاع الحصول على أموال كثيرة من النّاس. فكتب حمدان قرمط إلى أبوسعيد كتاباً من "كلواذا" يدعوه للمجيء والمثول لديه. ثمّ أرسله هو وعبدان كاتب إلى البحرين وأمره بدعوة النّاس هناك إلى مذهبه، مُعزّزاً بعثته بالأموال والرسائل والتوصيات الخاصّة بذلك.

 

ولما وصل أبوسعيد إلى البحرين تزوّج هناك امرأة من بني سنبر وبدأ بنشر دعوته بين عرب تلك المنطقة فالتفَّ حوله كثيرون، واستطاع بمساعدتهم فتح مدن كثيرة في تلك الأنحاء فانضمَّ إليه عدد كبير من العشائر والقبائل إمّا من خوف ورهبة أو مودّة ورغبة(25).

 

ويذكر الطبري في تقرير موجز عن ذلك قائلا:

في هذه السنة (286) خرج رجلٌ من القرامطة يُدعى أبوسعيد الجنابي في البحرين فاجتمع حوله جماعة من الأعراب والقرامطة... فاشتدت شوكته وقويت دعوته. فقتل كثيراً من الحضر ثمّ رحل إلى موضع يسمّى القطيف، التي تبعد عدّة منازل عن البصرة وقثل جمعاً كثيراً منهم كذلك. وقيل إنّه كان يرغب في فتح البصرة، فلمّا علم والي البصرة بنيّة القرامطة كتب إلى السلطان يخبره بذلك، فأمره السلطان بجمع الخراج والصدقات ويبني بتلك الأموال سوراً حول البصرة. فكانت مخارج هذا العمل قد وصلت إلى أربعة عشر ألف دينار. وبالفعل فقد استطاع البصريون من بناء سور حول المدينة لحمايتهم من أيّ اعتداء(26).

 

ويورد ابن عماد الحنبلي تفاصيل أكثر حول هذه الحادثة حيث يقول لقد بني السور المحيط بالبصرة بأمر من المعتضد العبّاسي في حين كان ابوسعيد يشتغل بالكيالة، ويقول عن لقبه إنّه كان من "جنابة" وهي إحدى قُرى الأهواز. ثمّ ينقل عن الصولي قوله أنَّ أبوسعيد كان معوزاً فقيراً يبيع الطحين. فجاء إلى البحرين وهناك بدأ ينشر دعوته فانضمَّ إليه جمعٌ ممّن بقي من الزنج واللّصوص، فاشتدت شوكته وتمكّن من دحر جيوش الخليفة مرّات عدّة آنذاك.

 

وطبقاً لما رواه ثابت بن سنان فإن قرامطة البحرين شنّوا هجوماً على مدينة دمشق سنة (306) فقتلوا الكثير من أهالي دمشق، بل إنّهم زادوا على ذلك بحملتهم على مصر فاصطدموا مع جيش جوهر الصقلي قائد قوات المعزّ لدين الله الفاطمي، في منطقة تدعى بـ "عين الشمس" فهزموا جيش الصقلي، إلاّ أنّ جيوش الفاطميين تمكّنت بعد هذه الحملة من دحر قرامطة البحرين وطردهم من مصر. وفي ذلك ينشد حسين بن بهرام قائلا:

 

يا مصر إن لم أسق أرضك من دم يروي ثراك فلاسقاني النيل(27)

 

وقد وردت الكثير من الروايات المشابهة في عدد من كتب التأريخ ولكن لامجال هنا لذكرها جميعاً، ونكتفي بذكر موجز لما أورده ابن الأثير، من أنَّ أبوسعيد الجنابي الذي كان رأس القرامطة في البحرين، لما قُتل كان يحكم الاحساء(28) والقطيف والهجر والطائف وسائر بلاد البحرين، حيث قتله غلام له(29).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: القرامطة وفتنتهم في مكّة   الأربعاء نوفمبر 05, 2014 10:11 am

وبعد مقتل ابوسعيد، تولّى رئاسة القرامطة من بعده ابنه ابوطاهر سليمان الجنابي أحد أكثر الحكام القرامطة شغباً وصخباً، فسار الابن على ما وجد عليه أباه من السلوك والمغالاة. فامتدّت قدرته إلى معظم المناطق، وهو الذي كان يهاجم قوافل الحجّاج مراراً فيقتلهم ويسلب أموالهم، حتّى انتهى به الأمر إلى هجومه على الكعبة المقدسة واحدث فيها مقتلة مريعة، فسرق الحجر الأسود منها كما سنورد ذلك مفصّلا فيما بعد.

 

كان أبوطاهر هذا قاسي القلب ومتهوراً. شنَّ بعد اكتمال السور حول البصرة حملة عليها فاستطاع الدخول إلى المدينة بمساعدة قواته، والسلالم التي استخدمها للعبور من على السور المحيط بالمدينة.

 

وطبقاً لما ذكر ابن كثير فقد كان تحت امرته (1700) فارس، ولمّا تسنّى لهم الدخول إلى المدينة قاموا بمجزرة حقيقية حيث اوقعوا السيف في رقاب النّاس مدّة سبعة عشر يوماً(30).

 

واتّخذ ابوطاهر من "الهجر" مقراً وعاصمة لمُلكه، والتي كانت على مايذكره ياقوت مركز البحرين، وتُطلق هذه التسمية احياناً على مجموع البحرين(31). وكان أبوطاهر يمتلك فدائيين ورجالا انتحاريين كُثراً مما ساعده على إحراز النصر في كلّ غزوة كان يقوم بها. ويُقال إنَّ "ابن أبي الساج" لما أراد المسير بجيشه المؤلّف من ثلاثين ألفاً من الجنود نحو القرامطة لمحاربتهم، وإتماماً للحجّة، أرسل إلى أبوطاهر الجنابي رسولا. فلمّا وصل الرّسول إلى أبوطاهر سأله قائلا كم عدد جنود "ابن أبي الساج"؟ فأجابه الرسول ثلاثون ألف فارس. فسخر منه أبوطاهر قائلا الحقّ أنّه لا يملك حتّى ثلاثة فرسان. ثمّ التفتَ إلى أحد فرسانه وأمره بقتل نفسه، فاستلَّ هذا خنجراً وشقَّ بطنه في الحال. فقال أبوطاهر للرسول ما الذي يستطيع "ابن أبي الساج" عمله مع جنود فدائيين كهؤلاء(32)؟

 

مهما يكن من أمر فقد كان أبوطاهر مخلوقاً عجيباً، فقد أغار على المدن والمناطق المجاورة وقتل الكثير من سكّانها، ومن هذه المناطق الكوفة والبصرة والرقة والقادسية ورأس العين ونصيبين وكفر توثا والموصل وغيرها من المناطق. بل حتّى وصل به الأمر إلى شنّ حملات ضدّ دمشق وفلسطين إلاّ أنّه لم يوفَّق في ذلك، ووصل إلى حدود بغداد لكنّه طفق راجعاً(33).

 

وإضافة إلى ما قيل فأبوطاهر كان شاعراً مُجيداً كذلك، ويُلاحظ ممّا نُسِبَ إليه من الشعر كيف يصف طموحاته وأنّه الداعي إلى المهدي بعينه، بكل وضوح. ويقصد بالمهدي هنا بطبيعة الحال، المهدي الفاطمي الذي خرج في أفريقيا. ومن أشعاره مما يلي:

 

أغرّكم منى رجوعي إلى هجر فعمّا قليل سوف يأتيكم الخبر

إذا طلع المرّيخ من أرض بابل وقارنه كيوان فالحذر الحذر

فيا ويلهم من وقعة بعد وقعة يساقون سوق الشاة للذبح والبقر

سأصرف خيلي نحو مصر وبرقة إلى قيروان الترك والروم والخزر

 

إلى أن يقول:

 

أنا الداع للمهدي لا شكّ غيره أنا الصارم الضرغام والفارس الذكر

أعمّر حتّى يأتي عيسى بن مريم فيحمد آثاري وأرضى بما أمر(34)

 

على كلّ فلسنا هنا بصدد ذكر جميع تفاصيل حياة أبوطاهر، ويُعلَم ممّا أوجزناه أنّ أبوطاهر كان قد شكَّل دولة قويّة في البحرين وجنوب خليج فارس وكان من الصعب مواجهته، ممّا يوضّح لنا السبب في عدم توجيه اللّوم إلى المسلمين حتّى بعد سلب وسرقة الحجر الأسود من قبل القرامطة، كما سنذكر ذلك فيما بعد.

 

هذا وقد تناوب على سدة الحكم في البحرين بعد موت أبو طاهر سنة (332) سلسلة الجنابيين القرامطة، إلاّ أنّهم لم يملكوا نفس القدرة والسلطان السابقين.

 

هجوم القرامطة على مكّة وقصة الحجر الأسود

لقد أدخلت الحملات الوحشية التي كان يقوم بها القرامطة على المدن القريبة والبعيدة الرّعب والهلع في نفوس المسلمين، وخصوصاً عمليات الإبادة والقتل الجماعي التي كان القرامطة يمارسونها، وبالأخصّ على قوافل الحجّ التي كانت تتعرّض دوماً لغارات وحملات من هذا النوع. فقد كان الحجّاج الذين يمرّون بمناطق يُسيطر عليها القرامطة وخصوصاً القادمين من العراق، يتعرّضون لحملاتهم الوحشية، حتّى وصل الأمر إلى أنّه في سنة 263 و316 لم يتمكن أي من الحجّاج القادمين من العراق من أداء مراسم الحجّ في هاتين السنتين(35).

 

وفي سنة 317 وصل الأمر إلى ذورة الخشونة والوحشية فنتجت عنه فاجعة كبرى، فقد امتنع القرامطة على غير عادتهم من مهاجمة قوافل الحجّاج القادمين من العراق باتّجاه الديار المقدّسة، فوصلت القوافل ومنها قافلة العراق بقيادة منصور الديلمي سالمة إلى مكّة دون مضايقة تذكر(36). إلاّ أنَّ القرامطة بقيادة أبوطاهر الجنابي هاجموا الحجّاج يوم التروية في مكّة على حين غرة فقتلوا منهم جمعاً غفيراً، وليس ذلك وحسب بل هجموا على أهل مكّة وعملوا منهم مذبحة مريعة وانتهكوا حرمة وقدسية المسجد الحرام.

 

ويذكر أنّ أبوطاهر هاجم الحجّاج وأهل مكّة على رأس (900) فارس بينما كان هو ثملا ممتشقاً حسامه على ظهر حصانه الذي تبوّل قريباً من بيت الله الحرام(37).

 

وينقل المؤرّخون أنَّ القرامطة قتلوا ما استطاعوا من الحجّاج وأهل مكّة، وهتكوا الحرمات ودنّسوا المقدّسات. فقتلوا ما يقارب (1700) نفس كان معظمهم متمسّكاً بأستار الكعبة(38). وكانت سيوف القرامطة تحصد رؤوس النّاس من الطائفين والمصلّين وحتّى الذين هربوا من بطشهم إلى الوديان والجبال، فكان النّاس يصيحون عليهم أوَ تقتلون ضيوف الله؟ فكان القرامطة يجيبونهم إنَّ من يخالف أوامر الله ليس بضيف له. وقد وصل عدد الذين قُتلوا في هذه الحملة الوحشية قرابة 30 ألف انسان، ورمى القرامطة بجثث أكثر هؤلاء في بطن بئر زمزم ودُفن الكثير كذلك منهم دون أن يُغسلوا أو يكفّنوا(39).

 

وفي تلك الحالة التي كان القرامطة يُذبّحون فيها المسلمين ويعملون من جثثهم كومات متراكمة بعضها فوق بعض، كان أبوطاهر ينشد البيت التالي وهو يقف بقرب الكعبة:

 

أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا(40)

 

هذا وإضافةً إلى المقتلة العظيمة التي أحدثها القرامطة، والوحشية التي اتّبعوها مع الحجّاج، واستيلائهم على أموالهم وأموال أهل مكّة، فقد قاموا بسرقة معظم الحلي والنفائس الموجودة في الكعبة ومن جملة ما سرقوا ستار الكعبة المشرّفة، وقلعوا بابها ثمّ عمدوا إلى ميزابها لقلعه وأرسلوا واحداً منهم إلى سطح الكعبة لأجل ذلك إلاّ أنَّ المرسل لفعل ذلك سقط من على السطح وخرَّ ميّتاً في الحال. وأهم ممّا قيل فقد سرق القرامطة الحجر الأسود بعد أن قلعوه بواسطة مقلاع أو فأس وحملوه معهم إلى البحرين. وقد ورد موضوع سرقة الحجر الأسود من قبل القرامطة في كتب التأريخ جميعاً، وقد اضافت مصادر تأريخية أخرى قائلة إنَّ أبوطاهر ضَرَبَ الحجر الأسود بفأس كانت بيده وذلك في محاولة لقلعه، فانكسر الحجر ثمّ التفت إلى الجموع هناك قائلا لهم أيّها الجهلة! أنتم تقولون إنَّ كلّ من يرد البيت فهو آمن وقد رأيتم ما فعلتُ أنا إلى الآن. فتقدم إليه رجل من الحاضرين ممّن كان قد هيأ نفسه للموت فأمسك بلجام حصان أبوطاهر وأجابه قائلا إنَّ معنى ذلك ليس كما قلت بل انَّ المعنى هو أن من يدخل هذا البيت فعليكم منحه الأمان على نفسه وماله وعرضه حتّى يخرج منه. فامتعظ القرمطي وتحرك بحصانه دون أن ينبسّ ببنت شفة(41).

 

وذكر ابن كثير أنَّ أبوطاهر هدَّم القبّة التي كانت موضوعة على رأس بئر زمزم، وهو الذي أمر رجاله بقلع باب الكعبة ونزع ستارها الذي قطعه إرباً إرباً ووزّعه على أصحابه، ثمّ أمر أحد رجاله بالصعود إلى سطح الكعبة لقلع ميزابها فلمّا سقط الرجل من أعلى السطح ومات انصرف أبوطاهر عن قلع الميزاب، وتوجّه إلى الحجر الأسود وأصدر أوامره إلى رجاله بإخراج الحجر، فعمد أحدهم إلى فأس وبدأ يضرب الحجر به وهو يقول "أين الطيور الأبابيل، أين الحجارة من سجّيل؟" ولمّا قلعوا الحجر أخذوه ورحلوا إلى بلادهم(42).

 

وقد جاء في التكملة لتأريخ الطبري أنّ القرامطة سرقوا الحلي التي كان الخلفاء قد زيّنوا بها الكعبة وأخذوها معهم، ومن تلك الحلي "درّة اليتيم" التي كان وزنها أربعة عشر مثقالا من الذهب، وأفراط مارية وقرون كبش إبراهيم (ع) وعصا موسى والموزونة ذهباً، وطبق ووشيعة من الذهب وسبعة عشر قنديلا من الفضّة وثلاثة محاريب فضيّة أقصر من الإنسان بقليل كانت موضوعة في صدر البيت(43).

 

وقد قيل إن كثيراً من العلماء المحدثين قتلوا أثناء الهجوم الذي قام به القرامطة على الحجّاج أثناء طوافهم، من جملتهم الحافظ أبوالفضل بن حسين الجارودي وشيخ الحنفية في بغداد أبوسعيد أحمد بن حسين البردعي وأبوبكر بن عبدالله الرهاوي وعلي بن بابويه الصوفي وأبوجعفر محمّد بن خالد البردعي (والذي كان يسكن في مكّة)(44).

 

وذُكرَ أنّ أحد المحدّثين في ذلك الوقت أنشد بيتاً من الشعر بينما أحاطت به سيوف القرامطة:

 

ترى المحبّين صرعى في ديارهم ** كفتية الكهف لايدرون كم لبثوا(45)

 

وقد ظلَّ القرامطة يرزحون في مكّة مدّة أحد عشر يوماً وقيل ستّة أيام وبرواية أخرى سبعة أيّام، ورجعوا بعدها إلى هجر مصطحبين معهم الحجر الأسود. ويقال إن أربعين بعيراً هلكوا حينما أرادوا حمل الحجر الأسود، وبقي مكانه في الكعبة خالياً فكان النّاس يمسحون أيديهم بمكانه ويتبركون به(46).

 

وقد حمل القرامطة الحجر الأسود إلى الإحساء، ويدلّ ذلك على أن ما ذكرته المصادر التأريخيّة من أنَّ القرامطة حملوا الحجر الأسود إلى البحرين أو هجر هو صحيح إذ إنَّ منطقة واسعة من شمال الجزيرة العربية اليوم كانت تدعى بالبحرين أو الهجر حيث تقع الإحساء في داخل هذه المنطقة كذلك.

 

هذا، ولما خرج القرامطة من مكّة حاملين معهم الحجر الأسود والأموال التي غنموها من النّاس متوجّهين إلى هجر، تعقَّب "ابن محلب" أمير مكّة من قبل العبّاسيين القرامطة مع جمع من رجاله وطلب منهم ردّ الحجر الأسود إلى مكانه على أن يملّكهم جميع أموال رجاله. إلاّ أنَّ القرامطة رفضوا طلبه مما اضطرّه إلى محاربتهم حتّى قتل على أيديهم(47).

 

وكما قلنا سابقاً فالقرامطة يعتبرون أنفسهم جزءاً من الإسماعيلية، ولذا فقد خطب القرامطة في مكّة باسم عبيد الله المهدي وهو نفسه أبو عبيد الله المهدي الفاطمي العلوي الذي خرج في أفريقيا، ثم كتبوا إليه كلّ ما حدث في مكّة. فكتب عبيد الله المهدي جواباً شديد اللهجة إلى أبوطاهر القرمطي يقول فيه لقد اعترتني الدهشة والعجب من رسالتك التي بعثت بها إليَّ إذ تمنُّ فيها عليَّ بأنّك ارتكبت جرائم وحشية باسمنا في حرم الله وأهله، وفي مكان لم ترق فيه قطرة دم واحدة منذ الجاهلية، ولم يُهن أهله أو تُنتهك حرمهم فيه. بل وتجاوزت حدّك بأخذك الحجر الأسود الذي هو يدالله اليمنى في الأرض فاقتلعته وحملته إلى بلدك. فهل كنت تنتظر منّا الشكر والتقدير على عملك هذا؟ لعنة الله عليك(48).

 

وقد أورد ثابت بن سنان نصّ ومضمون الرسالة بشكل آخر، إذ أرسل عبيدالله المهدي كتاباً إلى أبوطاهر القرمطي بعد أن اطّلع على الأحداث المذكورة يقبّح فيه عمله هذا ويلعنه على فعلته، فمن جملة ما كتب "لقد لطّخت صفحتنا في التأريخ بنقطة سوداء لايمحوها مرور الزمن ولايزيلها غبار المحن... لقد وصمت بعملك هذا دولتنا وشيعتنا والدّعاة لنا بالكفر والزندقة..." واستطرد عبيدالله المهدي في رسالته إلى أبوطاهر القرمطي يحذره من أنّه إن لم يَرُد أموال أهل مكّة التي سرقها وإرجاع الحجر الأسود إلى مكانه ووضع ستار الكعبة عليها مجدّداً فإنّه سيأتيه بجيش لاقِبَلَ له بهم. ثمّ ذكر أخيراً بأنّه بريءٌ منه ومن أعماله كما يبرأ من الشيطان الرجيم(49).

 

هذا وقد ظلّ الحجر الأسود بحوزة القرامطة مدّة 22 سنة في البحرين، ولم تجد كل المحاولات والمساعي التي بذلها قطبا السياسة الإسلامية (أي القطب العبّاسي في بغداد والفاطمي في أفريقيا) من أجل الضغط على القرامطة وإجبارهم على إعادة الحجر الأسود، وقد عرض الخلفاء على القرامطة مبلغاً قدره 50 ألف دينار مقابل إرجاعهم للحجر الأسود، لكنّ القرامطة ظلّوا يخوضون في عنادهم(50). ويقول ابن سنان الذي كان معاصراً لتلك الأحداث لقد عُرِضَت الكثير من الأموال على القرامطة كثمن لردّهم الحجر الأسود لكنّهم رفضوا كلّ تلك العروض، وكان السبب الحقيقي وراء امتثال القرامطة للأمر هو التهديد الذي وجّههُ المهدي العلوي الفاطمي إليهم ممّا أجبرهم على ردّ الحجر الأسود إلى مكّة ثانية(51).

 

وعلى أي حال فقد أرجع الحجر الأسود إلى مكّة سنة (339) وقد حمله رجل من القرامطة يُدعى سنبر (والذي يحتمل أن يكون حمو أبوسعيد القرمطي) ويُقال إن الحجر الأسود حمل قبل إرجاعه إلى مكّة إلى الكوفة ونصب في العمود السابع لمسجد الكوفة حتّى يتسنّى للنّاس رؤيته، وقد كتب شقيق أبوطاهر رسالة جاء فيها(52) أخذناه بقدرة الله ورددناهُ بمشيئة الله(53).

 

ولمّا رُدَّ الحجر الأسود إلى مكّة كان أمير مكّة حاضراً مع حشد من أهلها. وأرجع سنبر الحجر بيديه إلى مكانه، وقيل إن رجلا يُدعى حسن بن مزوّق البناء قام بنصب الحجر عند جدار الكعبة وأحكم مكانه بالجصّ(54)، هذا وقد ورد ذكر أسماء آخرين ممّن ساهموا في ذلك.

 

وفيما يخصّ الشخص الذي قام بوضع الحجر الأسود في مكانه، فقد نُقِلَ عن أحد علمائنا الكبار خبراً يتضمّن حادثة موجزة ننقلها إلى القارئ الكريم باختصار:

 

نُقلَ عن الشيخ الجليل جعفر بن محمّد بن قولويه أحد أبرز العلماء المحدّثين المشهورين لدى الشيعة واستاذ الشيخ المفيد، أنَّ في نفس السنة التي تمَّ إرجاع الحجر الأسود إلى مكّة من قبل القرامطة، قرَّر الشيخ السّفر إلى هذه المدينة المقدّسة.

 

ولما كان عُلماء الشيعة يعتقدون بوجوب حضور المعصوم أو ولي الله; ليقوم بوضع الحجر بنفسه في مكانه، وأنه لايمكن ولايجوز لأي شخص غير المعصوم من وضع الحجر في مكانه، فقد عزم بن قولويه على السفر إلى مكة وأعدّ عدّته ليشهد حضور إمام العصر (ع). لكنّه وللأسف الشديد ساءت حالته الصحيّة أثناء الطريق ممّا اضطرته إلى التخلّي عن السفر والبقاء في بغداد. إلاّ أنّه بعث أحد أصدقائه المعتمدين لديه ويُدعى (ابن هشام) وأرسله نائباً عنه إلى مكّة وسلّمه رسالة وأوصاه بتسليمها إلى الشخص الذي يراه وهو يضع الحجر الأسود وينصبه عند جدار الكعبة. فوصل ابن هشام إلى مكّة ولحسن الحظ كان حاضراً لمراسم وضع الحجر الأسود. يقول ابن هشام لقد رأيت أنَّ كلّ من حاول أن يضع الحجر الأسود في مكانه أن الحجر يسقط من بين يديه، حتّى ظهر شابٌ حسن الصورة آدم الوجه فاستلم الحجر من الواقفين ووضعه في محلّه فاستقرَّ الحجر في مكانه وفرح الحاضرون بذلك. ثمّ خرج ذلك الشاب من المسجد الحرام وذهبت أنا وراءه حتّى تسنّى لي تسليم رسالة ابن قولويه إليه فنظر إليّ دون أن يفتح الكتاب أو يقرأه وقال قل له لابأس عليك فستعمّر ثلاثين سنة أُخرى. ثمّ التفت فلم أجده معي ودهشت من ذلك(55).

 

على أي حال فقد رجع الحجر الأسود إلى مكانه ثانية بعد غياب استغرق 22 سنة وانتهت بذلك محنة المسلمين في الأرجاء كافة، وبقيت وصمة العار هذه مطبوعة على جبين القرامطة إلى انقضاء الدهر.

 

ولا يسعنا إلاّ أن نتصوّر زعماء القرامطة كأفراد وضعوا معتقدات النّاس فيما يخص المهدي وظهوره تحت تصرّفهم وسخّروها لأغراضهم الدنيئة، وكان همهم الوحيد هو الوصول إلى سُدّة الحكم والرئاسة والجاه والمنزلة، وكان السخط الشديد الذي عمّ المسلمين والنّاس عموماً ضد بطش وإرهاب العبّاسيين أرضية مناسبة للقرامطة لتنفيذ أغراضهم، والدعوة الكاذبة في كونهم دعاة المهدي الموعود ممّا حدا بالكثيرين ممَّن عانوا الظلم والقهر إلى الالتفاف حولهم. واجتمع هؤلاء المخدوعون وكان اغلبهم من الفقراء ومتوسطي الحال حول القرامطة الذين ادّعوا زوراً أنّهم رجال المهدي والدعاة إليه، تجرّهم أوهامٌ وأمانيّ في أنَّ القرامطة هم المخلصون لهم من أيدي الظلم العبّاسي، حتّى إذا ما استوى القرامطة على كرسي الزعامة وتسلطوا على رقاب النّاس خيّبوا آمال الكثيرين ممن آمن بهم وصدّق إدّعاءهم، وما كانوا إلاّ شرذمة تركض وراء المال والجاه، واستخدموا أقسى الأساليب وأشدها وحشية في التأريخ.

 

ويلاحظ أن العلّة في ادّعاء القرامطة أنّهم ينتسبون إلى الفاطميين في المغرب، تكمن أولا في أنّ هذه المسألة تتيح لهم سهولة نشر دعوتهم، خصوصاً فيما يتعلّق بكونهم يدعون زوراً إلى الحركة المهدية باسم داعية الفاطميين وهو أبوعبيدالله المهدي العلوي. وثانياً العداوة والخصومة التي كانت بين الفاطميين والعبّاسيين(56) ممّا هيأ لهم جوّاً مناسباً خصوصاً كونهم يعيشون في البلاد التي يسيطر عليها العبّاسيون مستفيدين من سخط النّاس على السلطة العبّاسية، فاستطاعوا تسخير هذا السخط لصالحهم، وقد يكون السبب في فتنة سنة 317 وهجوم القرامطة على مكّة في موسم الحجّ وقتلهم الأبرياء وسلبهم الحجر الأسود، هو تهيئة الأجواء لتسلط الفاطميين على مكّة والسيطرة عليها. نظراً لما كان يُشاع في تلك الفترة من أنّ "أميرالمؤمنين" الحقيقي هو من يستطيع الاستيلاء على الحرمين الشريفين وتعيين أمير الحاج كذلك. لكنّنا لاحظنا كيف أن الخليفة الفاطمي وبّخ القرامطة على تلك الأعمال، وقبّح مسلكهم في الرسالة شديدة اللهجة التي بعثها المهدي العلوي، والتي أوردنا هنا قسماً منها، وكيف أنّه تبرأ منهم ومن أعمالهم واعتبرها وصمة عار لا يمحو آثارها مرُّ السنين.

 

وكما أشرنا آنفاً، كرس القرامطة موضوع المهدية لخدمة أغراضهم الدنيئة. فقد اندحر جيش القرامطة مرّة أمام الجيش العبّاسي سنة 316 وذلك قرب مدينة الكوفة، وسقطت رايات القرامطة من أيديهم وفرّوا هاربين، وقد لوحظ أن الآية الكريمة التالية قد كُتبت على تلك الرايات وهي ﴿ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين﴾(57) ونحن نعرف أن هذه الآية لها علاقة بخلاص قوم موسى من أيدي الفراعنة في مصر، ثمّ فُسِّرت أيضاً بعد ذلك بكونها تصف ظهور الإمام المهدي(ع) وتخليص المجتمع البشري من فراعنة الزمان والطغاة. وهكذا فقد استغل زعماء القرامطة هذه النقطة والاعتقاد السائد حول المهدية، وغدت أُلعوبة بأيديهم في تلك الفترة.

 

وبعد أُفول نجم القرامطة قامت الحكومات في ذلك الوقت بملاحقتهم وقتلهم، ونخصّ بالذكر السلطان محمود الغزنوي الذي كان أشدّ المناوئين للقرامطة. ويُنشد شاعر البلاط الغزنوي "فرخي سيستاني" في ذلك فيقول:

 

قد أخذتَ الرَّيَّ فانظر مُلككَ اليومَ منىً وكذا الصفّا

 

ثم أنشد الشاعر نفسه بعد وفاة السلطان محمود الغزنوي يرثيه قائلا:

 

أبكي وقد فرحَ القرامط إثْرَ موتك فلاخافوا شجاعاً ولابطشاً كبطشك(58)






1- الإسماعيليون في التاريخ، تأليف عدد من المستشرقين، ترجمة يعقوب آثرند، مقالة برنارد لويس، ص80.

2- الفهرست لابن النديم، ص278.

3- الاسلام في ايران، پطروشنسكي، ترجمة كريم كشاورز، ص299.

4- روند نهضتهاي ملي واسلامي در ايران، تأليف انصاف پور، ص454.

5- ابن النديم، المصدر نفسه.

6- رشيد الدين، جامع التواريخ، ص10.

7- اعتقادات فرق المسلمين، الفخر الرازي، ص106.

8- رجال النجاشي، ص148.

9- اختيار معرفة الرجال، الكشّي، ج5، ص687.

10- تنقيح المقال للمامقاني، ج2، ص220.

11- الفهرست، ابن النديم، ص279.

12- المصدر السابق.

13- الفَرْق بين الفِرَق، البغدادي، ص282.

14- لسان العرب، ج7، ص377. وانشد الخيام النيشابوري
انا لااعرف أسرار العوالِم وكذا انت إنني أجهل خط القرمطيّ وكذا أنت.

15- شرح المواقف للجرجاني، ج8، ص388.

16- المقالات والفرق، ص83.

17- أدب الفرق الإسلامية، الدكتور محمد جواد مشكور، ص359.

18- الاسماعيليون في التأريخ، ص134.

19- الاسلام في ايران، ص298.

20- المقالات والفرق، ص83، وفرق الشيعة ص104.

21- مقالات الاسلاميين للاشعري، ج1، ص98.

22- المِلَلْ والنِحَل للشهرستاني، ج1، ص194.

23- المصدر اعلاه.

24- التنبيه والرّدّ للملطي، ص20 ـ 21.

25- صورة الارض، ابن حوقل، ص62.

26- تأريخ الطبري، ج5، ص286.

27- شذرات الذهب، ابن عماد الحنبلي، ج2، ص192.

28- تأريخ أخبار القرامطة، ثابت بن سنان، ص58 ـ 59.

29- ورد في بعض كتب المؤرخين الغربيين المترجمة إلى الفارسية اسم هذه المنطقة بـ "لحساء" وهو خطأ والصحيح هو اسمها المعروف بـ "أحساء" وقد وصل هذا الخطأ عبر التراجم المعورفة للمؤرخين الإيرانيين أمثال (السيد انصاف پور في كتاب روند نهضتها).

30- الكامل لابن الأثير 6 187.

31- البداية والنهاية لابن كثير 11 158.

32- معجم البلدان لياقوت الحموي 5 393.

33- روند نهضتها، انصاف پور، ص470، نقلا عن حبيب السّير.

34- الكامل لابن الأثير، ج5، ص187، وراجع كذلك الخطط للمقريزي، ج1، ص250 فما بعد.

35- النجوم الزاهرة، ابن تغري، ج3، ص226.

36- البداية والنهاية، ابن كثير، ج11، ص163 ـ 165.

37- المصدر السابق، ص171، وانظر كذلك تقي الدين الفارسي في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج2، ص218.

38- اتحاف الورى بأخبار أمّ القرى، نجم عمر بن فهد، ص374، وقد ذكر في شفاء الغرام أنّ عدد الفرسان القرامطة الذين هاجموا مكّة كان (700) فارس.

39- شفاء الغرام، ج2، ص218.

40- تأريخ مكّة، أحمد السّباعي، ج1، ص171.

41- تاريخ أخبار القرامطة، ص54. وقد نُقل هذا الشعر بصيغ مختلفة وقد ذكر ما أوردناه آنفاً في كتب أخرى بالإضافة إلى ما ضمّته من أخبار القرامطة، مثل النجوم الزاهرة ج3، ص224، شذرات الذهب ج2، ص274. اتحاف الورى ج2، ص375، تاريخ مكّة، ج1، ص171، وكتب أخرى كذلك. في حين ورد نصّ عجز البيت بصورة مختلفة في كتب غير التي ذكرناها
الخلقُ وأُفنيهم أنا. البداية والنهاية ج11، ص171، وهو يشبه إلى حدّ بعيد الادعاء بالأُلوهيّة وهو ما يُستبعَد.

42- المنتظم لابن الجوزي، ج6، ص223.

43- البداية والنهاية، ج11، ص172.

44- صلة تأريخ الطبري، عريب القرطبي، ص134 (ذيل حوادث سنة 1316) وجدير بالذكر أنَّ تأريخ الطبري ينتهي في سنة 302. وممّا تجدر إليه الإشارة كذلك أنّ فتنة القرامطة في مكّة حدثت سنة 317 بينما أوردها القرطبي في ذيل الحوادث 316 وهو اشتباه واضح.

45- اتحاف الورى، ج2، ص376.

46- البداية والنهاية، ج11، ص172.

47- اتحاف الورى، ج2، ص178.

48- الكامل لابن الأثير، ج6، ص204، البداية والنهاية، ج11، ص172. ولم يذكر ابن كثير اسم أمير مكّة، في حين أورده ابن الأثير وقال اسمه "ابن محلب" وذكر بعض من المؤرخين ومنهم الذهبي اسم أمير مكّة بأنّه "ابن محارب". العبر في خبر من غبر، ج2، ص167، وهو كذلك في النجوم الزاهرة، ج2، 324.

49- اتحاف الورى، ج2، ص378.

50- تأريخ أخبار القرامطة، ص54.

51- البداية والنهاية، ج11، ص237.

52- تأريخ أخبار القرامطة، ص57.

53- البداية والنهاية، ج11، ص237، تأريخ أخبار القرامطة ص57، الكامل لابن الأثير، ج6، ص335.

54- النجوم الزاهرة، ج3، ص302.

55- اتحاف الورى، ج2، ص395.

56- القطب الراوندي، الخرائج الجرائح، ج1، ص476، كشف الغمّة ج2، ص502 وبحار الأنوار ج52، ص58.

57- وقد وصل حدّ المنافسة بينهما إلى درجة أن الخليفة العبّاسي طعن في نسب الفاطميين في مصر، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم من بني هاشم، وقد أصدر وثيقة سنة 402 موثقة من كبار العلماء والرجال المعروفين من الأسرة العلوية من جملتهم السيد المرتضى والسيد الرضي. في حين كان الرضي قد مدح الفاطميين مراراً في أشعاره. راجع السيوطي. حسن المحاضرة، ج2، ص151، والكامل لابن الأثير، ج7، ص263.


58- الكامل لابن الأثير، ج6، ص194.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
 
القرامطة وفتنتهم في مكّة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
aloqili com _______ aloqili.com :: منتدي القرامطة الفاجرة-
انتقل الى: