aloqili com _______ aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

  عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:09 am

اسمه

عقيل بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (١) ، ويكنّى أبا يزيد بابن له (٢).

وقد بحثت عن ( يزيد ) فلم أجد له ذكراً ، وإنّما أُلصق به لغاية ينشدها واضعوا الروايات!

وانفرد القاضي نعمان برواية كنّاه فيها ( أبا فضاعة ) (٣) ، وهي رواية أحادية الجانب ، ولم نجدها إلّا في المصدر المذكور ، كما لا نعرف من أين أخذها!

وقيل : يكنّى ( أبا عيسى ) ، ولم يتابعه أحد على هذه التكنية (٤) ، وهذه الرواية مصيرها مثل سابقتها.

وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، من المهاجرات المبايعات (٥).

__________________

١ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٢ ، البخاري : التاريخ الكبير ٤ / ٢٣ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٦٩ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٤ / ٦٣.

٢ ـ ابن سعد : الطبقات ١ / ١٢١ ، ابن أبي شيبة : المصنف ٨ / ٦٢ ، البخاري : التاريخ الكبير ٤ / ٢٣ ، ابن قتيبة : المعارف / ٢٣ ، ابن ماكولا : إكمال ٦ / ٢٢٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٨ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢١.

٣ ـ شرح الأخبار٣ / ٢٤٤.

٤ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٢.

٥ ـ لمزيد من التفصيل ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١٨.

١٥

ولادته
لم نهتد إلى تاريخ محدد لميلاده ولو بشكل تقديري سوى إشارة واحدة وردت عند السيّد طاهر الخطيب تفيد أنّ ولادته كانت قبل الفيل بعشر سنوات (١) ، وقد أسندها إلى كتاب ( مقاتل الطالبيين ) للأصفهاني و ( عمدة الطالب ) ، ولم نجد ذلك عند مراجعة هذين المصدرين.
وعن تسلسله في الولادة ، فقد نقل ابن عساكر روايتين بهذا الخصوص :
الأولى : أسندها إلى ابن سعد قال : « عقيل بن أبي طالب ... كان أسن من جعفر وعلي عليه السلام ».
الثانية : قال فيها : « عقيل أخو جعفر وعلي عليه السلام وكان أكبر منهما » (٢).
وقد أيّد ذلك القاضي نعمان بقوله : « لأبي طالب ثلاث من الولد ، أكبرهم سناً عقيل بن أبي طالب ، وأوسطهم جعفر ، وأصغرهم عليّ عليه السلام ، فلمّا شبّ عقيل دفعه أبو طالب إلى عبّاس أخيه ، ولمّا شبّ جعفر دفعه إلى حمزة ، ولمّا شبّ عليّ عليه السلام دفعه إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم » (٣).
وأقرّ الجندي ذلك عندما أشار إلى تدوين الدواوين بقوله : « كان عمر ينظر لمصلحة المسلمين يوم دوّن الدواوين فدعا الأخ الأكبر لعليّ عليه السلام عقيل بن أبي طالب » (٤).
__________________
١ ـ عقيل بن أبي طالب / ١٥.
٢ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤ ، ٩ ، وينظر ابن حجر : الإصابة ٤ / ٤٣٨ ، القندوزي : ينابيع المودّة ١ / ٦٤٨.
٣ ـ شرح الأخبار ١ / ١٨٨.
٤ ـ جعفر الصادق عليه السلام / ٣٥.
١٦

أمّا ابن الأثير فقد رجّح أنّ عقيلاً هو أكبر أولاد أبي طالب ، مشيراً بقوله : « عقيل أخو عليّ وجعفر لأبويهما وهو أكبرهما » (١). والحال نفسها مع الذهبي الذي عدّ عقيل أكبر إخوته وآخرهما موتاً (٢).
وقد أورد هشام بن محمّد الكلبي ( ت ٢٠٤ هـ ) رواية عن أولاد أبي طالب ، ذاكراً طالب أكبرهم وعقيل وجعفر وعلي أصغرهم ، والفارق الزمني في الولادة بين كلّ أخ وآخر عشر سنوات (٣).
وذكر البلاذري رواية عن الهيثم بن عدي عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام قوله : « كان بين جعفر وعلي عليه السلام تسع سنين وجعفر أكبرهما وبين جعفر وعقيل أربع » (٤).
وذكر المسعودي رواية غير مسندة أشار فيها إلى أنّ الفارق الزمني بين عقيل وجعفر سنتان فقط (٥).
وعند النظر والتحقّق من الروايات تتضح أمور :
١ ـ فيما يخصّ رواية ابن الكلبي ، فهو لم يوضّح الأسباب التي جعلت فاطمة بنت أسد تنجب بهذا الشكل الذي لم يكن له مثيل ، هذا ولم نعرف سرّ ذلك وما الغاية منه؟
__________________
١ ـ أُسد الغابة ٣ / ٤٢٢.
٢ ـ سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨.
٣ ـ الزبيري : نسب قريش / ٣٩ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٤٠ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٣ ، ابن حزم : جمهرة / ١٤ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣ ، ٤ ، السهيلي : الروض ١ / ٢٨٤ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١ / ١٣.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٤.
٥ ـ مروج الذهب ٢ / ٣٥.
١٧

ولماذا الفارق الزمني بين كلّ أخ وآخر عشر سنوات؟ وفي الوقت الذي حدد فيه ترتيبهم الزمني من الأكبر إلى الأصغر ، أهمل شأن بناته ولم يذكر الفارق الزمني بينهن وبين إخوتهن ، وبين كلّ واحدة والأخرى ، كما لم نعرف هل الأولاد أكبر أم البنات؟ هذه الأمور بحاجة إلى معالجة وسنحاول بسط القول فيها ، وهذه التساؤلات تنسحب على بقية الروايات.
فضلاً عن ذلك أنّ ابن الكلبي مطعون فيه ، حيث قال عنه ابن حنبل بأنّه صاحب سمر ونسب ما ظننت أنّ أحداً يحدّث عنه (١) ، وهو أحبّ من أبيه (٢) ، وكان يروي عنه أحاديث ليس لها أصول ، وكان غالياً في التشيّع وأخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها (٣) ، حتّى قيل عنه متروك الحديث وليس بثقة (٤) ، وليس من المستبعد أن تكون هذه الرواية من متروكاته. ومقابل هذا ذكره النجاشي ولم يتعرض إلى تجريحه ، وإنّما أشار إلى فضله وعلمه ، وكذلك ذكره السيّد الخوئي قدس سره ونقل ما قاله النجاشي فيه (٥).
هذا ولم نعرف هل أنّ التشيّع هي جريمته التي جعلت بعضهم ينظرون إليه بهذا المنظار! أم أنّ أغلوطاته هي السبب؟ وربّما هذه الرواية من أغلوطاته ، ولا يصحّ تضعيفه ؛ لأنّها مذهبية.
٢ ـ فيما يخصّ رواية الهيثم بن عدي ( ت ٢٠٧ هـ ) ، فإنّه مطعون فيه ، فقد
__________________
١ ـ العقيلي : الضعفاء ٤ / ٣٣٩ ، ابن عدي : الكامل ٧ / ١٠٩ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٣٠٤.
٢ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٦٩.
٣ ـ ابن حبّان : المجروحين ٣ / ٩١.
٤ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٣٠٤.
٥ ـ معجم رجال الحديث ٢٠ / ٣٣٦.
١٨

كذّبه يحيى بن معين ، وقال بأنّه كوفي ليس بثقة (١) ، وسكت عنه البخاري (٢) ، وذكره العقيلي في الضعفاء ، وقال عنه المديني لا أرضاه في الحديث ضعيف ولا في الأنساب (٣) ، وقيل يوجد في حديثه مناكير التي رواها عن الثقات (٤) ، وربما تكون هذه الرواية أحد أحاديـثه المناكيـر التي رواها عن الثقات ، وقيل إنّه متروك الحديث (٥) ، وصاحب أخبار وتدليس (٦).
وقد نوقشت أدلّة كثيرة حول ثبوتية أولاد أبي طالب ، وثبت بالدليل أنّ عقيلاً هو أكبر أبنائه ، وما قيل إنّ طالب هو الأكبر هي رواية مفتعلة أريد منها تضليل أبي طالب.
٣ ـ للفائدة ننوّه إلى أنّ الرواية القائلة أنّ تسلسل ولادة أبناء أبي طالب والفارق الزمني بينهم عشرة سنوات رواية غير صحيحة ، وقد دحضت بالكامل ، بل لم تقف أمام النقد العلمي الصحيح (٧) ، والصحيح ما ذكره المسعودي من أنّ الفارق الزمني بينهم سنتان ، فهو مقبول وأقرب للواقع.
__________________
١ ـ تاريخ ١ / ٢٦٧ ، وينظر أبو داود : سؤالات ٢ / ٣١١ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ٣٥٢ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٤٦.
٢ ـ التاريخ الكبير ٨ / ٢١٨ ، وينظر ابن عدي : الكامل ٧ / ١٠٤ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ٣٥٣٠.
٣ ـ العقيلي : الضعفاء ١ / ١٥٩.
٤ ـ العقيلي : الضعفاء ١ / ١٥٩.
٥ ـ الزيلعي : نصب الراية ١ / ١٦٤ ، المتقي الهندي : كنز العمال ٤ / ٢٥٩ ، الألباني : إرواء الغليل ١ / ٥١.
٦ ـ ابن حجر : طبقات المدلّسين / ٥٧.
٧ ـ للتفصيل ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٢٢ ـ ٣٤.
١٩

نشأته وتربيته
أمّا عن نشأته وتربيته فقد نشأ وتربّى في كنف أبيه أبي طالب ، وأمّه فاطمة بنت أسد ، فكان حصّة أبيه في قضية معروفة رغم زيفها وعدم صحّتها ، مفادها أنّ قريشاً أصابتها أزمة وأملق أبو طالب فيها إلى الدرجة التي حدت بمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم وعمّه العبّاس أن يتقاسما أبناء أبي طالب ، وهذا ما أشار إليه ابن هشام بقوله : « إنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم للعبّاس عمّه وكان من أيسر بني هاشم : يا عبّاس ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً ... فقال العبّاس : نعم ، فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب فقالا له : إنما نريد أن نخفف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه ، فـقال أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ... فأخذ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عليّاً عليه السلام وأخذ العبّاس جعفراً ولم يزل عند العبّاس حتّى أسلم واستغنى » (١).
وأضاف ابن معد إلى ذلك قوله : « دعا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عمّه العبّاس فقال له : يا أبا الفضل ، إنّ أخاك كثير العيال مختل الحال ضعيف النهضة ... وقد نزل به ما نزل
__________________
١ ـ السيرة النبوية ١ / ٢٢٩ ، وينظر الطبري : تاريخ ٢ / ٣١٣ ، الصدوق : علل الشرائع١ / ١٦٩ ، الحاكم : المستدرك٣ / ٥٧٧ ، الكراجكي : كنز ١ / ٢٥٥ ، ابن عبد البر : الاستيعاب ١ / ٣٧ ، الطبري : المسترشد / ٥٦٤ ، الأربلي : كشف الغمّة ١ / ٧٩ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٥٨ ، ابن جبير : نهج الإيمان / ١٦٧ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٥٠ ، ابن كثير : البداية٣ / ٢٥ ، المجلسي : البحار ١٨ / ٢٠٨.
٢٠

من هذه الأزمة وذو الأرحام أحقّ بالرفد وأولى بحمل الكَل في ساعة الجهد ، فانطلق بنا إليه لنعينه على ما هو فيه ، فلنحمل عنه بعض أثقاله ونخفف عنه من عياله يأخذ كلّ واحد منّا وأحداً من بنيه ليسهل ذلك عليه بعض ما ينوء فيه ، فقال العبّاس : نِعمَ ما رأيت والصواب فيما أتيت ، هذا والله الفضل الكريم والوصل الرحيم ، فلقيا أبا طالب فصبّراه ولفضل آبائه ذكّراه ... فأخذ العبّاس جعفر وأخذ حمزة طالباً وأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عليّاً عليه السلام ... » (١).
وفي رواية أخرى أنّ عقيلاً كان من حصّة العبّاس (٢).
وقد دحضت هذه الروايات وثبت عدم صحّتها بحجج وبراهين قويّة ، وكانت النتيجة أنّه لم تكن هناك أزمة نهائياً ، ولم يكن هناك تقسيم بين أولاد أبي طالب ، وإنّما أولاده نشأوا وتربّوا في بيته ، وما قيل هو افتراءات على سيّدنا أبي طالب (٣).
وقيل : إنّ أبا طالب كان يحبّ عقيلاً حبّاً شديداً لقوله : « إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ».
وللردّ على ذلك نقول :
من القائل إنّ أبا طالب يحبّ عقيلاً أكثر من بقية أولاده؟ ولماذا؟ أليس التأكيد عليه لغاية وضعها الوضّاعون بقصد التوصّل إلى هدف معيّن؟! واختلقوا حديثاً عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يفيد حبّ أبي طالب عقيلا!
__________________
١ ـ الحجّة / ٣٤.
٢ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ١ / ١٨٨.
٣ ـ للتفاصيل يراجع المحمداوي : أبو طالب / ٥١.
٢١
وهذا الحديث روي عن طريقين :
الأوّل : رواه الصدوق عن ابن عبّاس قوله : « قال عليّ عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً قال : ( أي والله إنّي لأحبّه حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له ، وأنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك ) » (١).
الطريق الثاني : ورد عن ابن سعد عن أبي إسحاق قوله : « إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال لعقيل : ( إنّي أحبّك حبّين حبّاً لقرابتك منّي وحبّاً لما كنت أعلم من حبّ عمّي إيّاك ) » (٢).
ولكن من غير المعقول أن يميّز أبو طالب بالحبّ بين أولاده ويفاضل بينهم ، وبهذا تحوم الشكوك حول صحّة صدور الحديث عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم! ولربما وضع ليتمم ما خطط إليه بعضهم في تأكيد رواية حبّ أبي طالب لابنه عقيل ، وهل يصح أن يفضّل أبو طالب عقيلاً وهو الأكبر سناً على من هو أصغر منه كجعفر أو عليّ عليه السلام الذي هو أصغر أولاده ، والصغير غالباً أكثر تعلّقاً بوالديه والعكس صحيح؟!
وعن سند الحديث الذي رواه الصدوق فقد ضعّفه السيّد الخوئي قدس سره (٣).
أمّا عن سند الطريق الثاني فقد رواه ابن سعد ، وهذا يكفيه أنّه من تلامذة الواقدي ، فضلاً عن ذلك أنّه روى مناكير ليس لها من الصحّة شيء ، وادّعى أنّه روى الحديث عن الفضل بن دكين ، واسمه عمرو بن حمّاد القرشي التيمي ت
__________________
١ ـ الأمالي ١ / ١٢٩.
٢ ـ الطبقات ٤ / ٤٤ ، الطبراني : المعجم الكبير ١٧ / ١٩١ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٦ ، السهيلي : الروض٢ / ٣٥٣.
٣ ـ معجم رجال الحديث ١٢ / ١٧٥.
٢٢
٢١٩ هـ ، أبو نعيم الملائي (١) ولقّب بالأحول (٢).
وهناك اختلاف في مواقف علماء الجرح والتعديل منه! ففي الوقت الذي عدّه ابن حبّان بأنّه حافظ ثبت متقن (٣) ، أشار في موضع آخر إلى أنّه لم يدرك من روى عنه (٤) ، وهذا معناه أنّه يروي المراسيل ، وهذا تجريح فيه. وقال الذهبي عنه : الحافظ الثبت الكوفي (٥) ، وفي موضع آخر ذكره بأنّه حافظ حجّةٌ إلّا أنّه يتشيّع من غير غلو ولا سب (٦).
فيا ترى هل أنّ التشيّع فيه شيء ممّا ينقص الرجال؟! أم أنّه مأخوذ من المتابعة وشيعة الرجل أتباعه وبما أنّهم تابعوا الإمام عليّاً عليه السلام سمّوا بالشيعة ، وقد عاب الذهبي على الرجل لأنّه شيعي؟
أمّا عن أصل الحديث ، فقد روي عن أبي إسحاق السبيعي وهو عمرو ابن عبد الله الهمداني الكوفي الذي انقطع فيه سلسلة السند ولم ترفع إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، وهذا ما أشار إليه الذهبي بقوله : « روي من وجوه مرسلة ... » (٧) وذكر الحديث ، وقد عدّه من الذين أفسدوا حديث أهل الكوفة ، حيث إنّه شاخ ونسي وتغيّر حفظه ، وعلى أثر ذلك اختلط فترك حديثه مع ابن عيينة
__________________
١ ـ زيد بن عليّ : المسند / ١٥ ، مالك : الموطأ ١ / ٧ ، البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ١١٨ ، التاريخ الصغير ٢ / ٣١٠ ، الطوسي : الرجال ١ / ٢٦٦.
٢ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل٧ / ٦١ ، المزّي : تهذيب الكمال ٣٢ / ١٩٦ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ١.
٣ ـ مشاهير / ٢٧٥ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ١ / ١٧٥.
٤ ـ ابن حبّان : الثقات ٧ / ٣٢.
٥ ـ تذكرة الحفاظ ١ / ٣٧٢.
٦ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٣٥.
٧ ـ سير أعلام النبلاء ٣ / ١٠٠.
٢٣
لاختلاطه (١) ، فضلاً عن ذلك هو صنيعة بني أمية ، عاش في دولة معاوية وصرف له راتباً ، وغزا معهم ما يقارب ست أو سبع غزوات في ولاية زياد ابن أبيه ، وكان يصف أيام زياد بأنّها عرس ، والمبالغة في عدد شيوخه واضحة جدّاً ، قيل : إنّه روى عن سبعين شيخاً أو ثمانين لم يرو عنهم غيره ، وأحصيت مشيخته فكان تعدادها ما يقارب ثلاثمائة شيخ ، وقيل : أربع مائة ، وأنّه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً ، وأنّه يقرأ سورة البقرة في ركعة واحدة ، كما أنّه ضعف قبل وفاته بسنتين ، فما يقدر على القيام ، فإذا استتم قرأ وهو قائم ألف آية!
وعلى الرغم من هذا التهويل في ترجمته ، اتّهمه ابن حنبل بالتدليس (٢) ، وأيّده على ذلك ابن حبّان ، وذكره حسين الكرابيسي في المدلّسين ، وقال عنه الجوزجاني : كان قوم من أهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم ـ يعني التشيّع ـ هم رؤوس محدّثي الكوفة مثل أبي إسحاق والأعمش ... أمّا أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون ولا ينتشر عنهم عند أهل العلم إلّا ما حكى أبو إسحاق عنهم ، فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك عندي الصواب (٣).
كما وردت رواية عند البلاذري تشير إلى حبّ أبي طالب لعقيل نقلها عن المدائني بقوله : « كان عقيل يقول : لا يختر أحدكم ولداً فإنّي كنت أعزّ ولد أبي فصرت أخسّهم » (٤).
__________________
١ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٢٧٠ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٩٢.
٢ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٩٢ ـ ٣٩٨ ، وينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٨ / ٥٦.
٣ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٨ / ٥٩.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٧٦.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:09 am

والرواية لا يعتدّ بها لضعف سندها! فالرواية نقلها البلاذري ، وهو من ألدّ أعداء آل أبي طالب ، فقد سخّر حياته لخدمة بني العبّاس ، وكرّه سواهم من آل أبي طالب ، فقد نقل عنهم كلّ غريب ، وعذره لأنّ ظروف العصر حتمت عليه أن يفعل هكذا؛ لأنّه جالس المتوكّل ونادمه ، وله مدائح في المأمون العبّاسي ، وسوس آخر عمره ، وشرب البلاذر (١) للحفظ ، ورابط في البيرمستان ، وفيه مات أيام المعتمد سنة ٢٧٩ هـ (٢).
وقيل : إنّ البلاذري سمع الرواية من أبي الحسن عليّ بن محمّد المدائني ت ٢٢٥ هـ (٣) مولى عبد الرحمن بن سمرة ، صاحب الأخبار ، وأقل ماله من الروايات المسندة (٤).
المدائني مذكور في كتب الرجال ، روى عن قطب الدين الراوندي ، ويروي عنه موسى بن طاووس (٥) عامي المذهب ، وله كتب كثيرة حسنة في السير ، وله كتاب مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، وكتاب الخونة لأمير المؤمنين عليه السلام (٦) ، وقيل : إنّه ليس بالقوي (٧).
__________________
١ ـ هي ثمرة شبيهة بنوى التمر ولبّه مثل لبّ الجوز ، حلو لا مضرة فيه ، وقشره متخلخل ، وفي تخلخله عسل لزج ذو رائحة ، ومن الناس يقضمه فلا يضره ، وخصوصاً مع الجوز ، جيد لفساد الذهن وجميع الأعراض الحادثة في الدماغ من البرودة والرطوبة نافع من برد العصب والاسترخاء والنسيان وذهاب الحفظ. البلاذري : أنساب الأشراف / ٧ للمحقق ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٩ / ١٩٧ هامش (٢).
٢ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٧٥ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ١٣ / ١٦٢.
٣ ـ ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٧٥.
٤ ـ ابن عدي : الكامل ٥ / ٢١٣.
٥ ـ ابن طاووس : فتح الأبواب هامش المحقق حامد الخفاف / ١٣٠.
٦ ـ الطوسي : الفهرست / ١٥٩ ، ينظر السمعاني : الأنساب ٣ / ٢٩٧ ، ابن داود : الرجال ٢ / ٦٢ ، العلامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٥٦ ، التفرشي : نقد الرجال ٥ / ١٣٩ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ١٣ / ١٨٩.
٧ ـ المناوي : فيض القدير ٢ / ٤٢٤.
٢٥
يظهر من كلام ابن طاووس أنّ أحدهما فقيه ، حيث أشار إلى ذلك بقوله : « وأخبرني والدي قدّس روحه عن شيخه الفقيه عليّ بن محمّد المدائني » (١) ، وفي موضع آخر وصفه بالشيخ الفقيه الكمال (٢).
__________________
١ ـ ابن طاووس : إقبال الأعمال ١ / ١٩٨.
٢ ـ ابن طاووس : فتح الأبواب / ٨٩.
٢٦
صفاته
في البدء يجب أن نشير إلى فقر المعلومات عن هذا الموضوع لنقص المادّة العلمية المتوفّرة ، فنحن لم نجد ما يشير إلى كرمه مثلاً ، حيث لم يوصف بذلك ؛ لأنّه عاش فقيراً حسبما صوّرته الروايات.
وكلّ الذي وجدناه أنّه كان يسقي الحجيج ، وهذا ما رواه ابن سعد عن عطاء ابن أبي رباح قوله : « رأيت عقيل بن أبي طالب شيخاً كبيراً بعل العرب قال وكان عليها غروب ودلاء ، قال : ورأيت رجالاً منهم بعد ما معهم مولى في الأرض يلفون أرديتهم فينزعون في القميص حتّى أنّ أسافل قميصهم لمبتلة بالماء فينزعون قبل الحج أيام منى وبعده » (١).
أمّا عن شجاعته ، فلم يرد له ذكر في المصادر في السنوات الأولى للدعوة ، وقد ورد ذكره في غزوة مؤتة وحنين وصفين ، وقد تمّ مناقشة ذلك ولم يثبت له حضور في كافّة المعارك ، لا في حروب الدعوة ، ولا الحروب التي خاضها أمير المؤمنين عليه السلام ، فربّما كان مريضاً مقعداً ، فلم يتيسّر معرفة ذلك (٢) ، بل ورد ما يفيد جبنه وعدم شجاعته ، وهذا ما أشار إليه البلاذري عن المدائني عن بكير بن الأسود عن أبيه عن شيخ من قريش قوله : « قال رجل لعقيل بن أبي طالب : يا أبا يزيد إنّك لجبان تترك أخاك وتصير مع معاوية؟ فقال : أجبن منّي من سفك دمه بين أخي
__________________
١ ـ الطبقات ٤ / ٤٤ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٤١ ، الزمخشري : الفائق ٣ / ٦٣.
٢ ـ ينظر موقفه من حروب المسلمين ( الفصل الرابع ).
٢٧
ومعاوية ليكون أحدهما أميراً » (١).
هذا القول إن صحّ فهو يعبّر عن موقف سياسي في اعتزال القتال ، لكنّه لم يصحّ! لأنّ عقيل لم يترك أخيه ويذهب إلى معاوية حسب زعمهم ، فهذه أكاذيب حيك حولها محادثات دارت بين عقيل ومعاوية ، وقد نوقشت القضية ، ولم يثبت شيء ممّا ذكر حول قضية ذهابه إلى معاوية (٢).
وعن سند الرواية فهو مطعون فيه من جهة البلاذري الذي كان همّه وجلّ جهده أن يفتري على أبي طالب وأولاده ، فقد نقل عنهم كلّ غريب وشاذ ، ما لا يتصوّره عقل عاقل ، وقد وضع سند لروايته عن المدائني وهو مطعون فيه كما بيّناه.
أمّا بكير بن الأسود الذي بدوره نقل عن أبيه ، فهما مجهولان لم يجد لهما الباحث ذكراً ، والأخير هذا نقل عن شيخ من قريش ، ولم يسمّ الشيخ الذي نقل عنه ، فقريش كلّها شيوخ ، وهذه خرافات وخزعبلات لا تصدر إلّا عن أصحابها ، ممّن يروق لهم اللعب في روايات معروف زيفها ودسّها من أمثال البلاذري والواقدي وابن سعد ومن نحا منحاهم من أمثال ابن حجر والمتقي الهندي وغير هذين ، علماً أنّ الرواية أحادية الجانب انفرد بها البلاذري وحده ، الذي وصف عقيل بالجبن ، فالغريب كيف يوصف هاشمي بالجبن ، فمَن أبيه وأخيه؟! وهم علّموا الناس كيف يكونون شجعاناً ، ولا أعلم أين البلاذري من قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( لو ولد أبو طالب الناس كلّهم لكانوا
__________________
١ ـ أنساب الأشراف / ٧٣.
٢ ـ ينظر ذهابه إلى معاوية ( الفصل الخامس ).

٢٨

شجعاناً ) (١).
ومن صفاته الأُخر هي الحكمة ، وهي الصفة التي اتّسم بها أبيه وجدّه ، فهو تربّى في كنف أبيه ، فلا يستبعد أنّه تعلّمها منه كما تعلّم منه أكثم بن صيفي ، حيث كان أبو طالب وعبد المطلب حكماء قريش (٢) ، ولهذا قيل : إنّه كان حكيماً.
وهذا ما روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه وكّله في مجلس أبي بكر وعمر فقال : « هذا عقيل فما قضي عليه فعليّ وما قضي له فلي » ، وروي أنّه قال : « إنّ للخصومة قحماً وإنّ الشيطان يحضرها » (٣) ، وإنّ الإمام عليه السلام اعتزل القضاء إشفاقاً من المعصية فوكّلها لعقيل (٤).
وقد اعترض الشافعي على رواية توكيل الإمام عليّ عليه السلام لأخيه عقيل في الخصومات أيام عثمان وعدّها أيام عمر بن الخطاب (٥) ، وقد ذكر ابن شبة النميري بسلسلة سند عن عبد الله بن جعفر الطيّار قوله : « كان عليّ عليه السلام لا يحضر الخصومة ويقول : إنّ لها لحمي وإنّ الشيطان يحضرها ، وقد جعل الخصومة إلى عقيل بن أبي طالب فلمّا كبر ورقّ حوّلها إليّ ـ يعني إلى عبد الله بن جعفر الطيّار » (٦) ، وقيل : إنّ الإمام عليه السلام اختاره ؛ لأنّه كان ذكيّاً حاضر الجواب (٧)! وهذا
__________________
١ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١ / ٧٨ ، للتفاصيل راجع المحمداوي : أبو طالب / ٨.
٢ ـ المحمداوي : أبو طالب / ٥٨.
٣ ـ السرخسي : المبسوط ٢ / ٣٦٠.
٤ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ١٥٥.
٥ ـ كتاب الأم ٣ / ٢٣٧.
٦ ـ تاريخ المدينة ٣ / ١٠٤٢.
٧ ـ السرخسي : المبسوط ١٩ / ٣ ، الكاشاني : بدائع ٦ / ٢٢ ، وينظر زيد بن عليّ : المسند / ٢٩ ، البيهقي : السنن الكبرى ٦ / ٨١.
٢٩
هو الصحيح ، ولهذا قد وصف بالذكاء ، ودلّ على ذلك سرعة البديهة لديه ، والقدرة على الردّ السريع والحاسم ، كما حدث معه في أثناء حواره مع معاوية إن صحّ.
ولم يكن توكيل الإمام عليه السلام إيّاه اعتباطاً وإنّما وكّله عن حساب ، فالمعروف عن عقيل أنّه ينطق بالحكمة والقول السديد. ومن أدلّة ذلك : قوله عندما ودّع أبا ذر رضي الله عنه حين نفاه عثمان بن عفان : « ما عسى أن نقول يا أبا ذر ، وأنت تعلم أنّا نحبّك ، وأنت تحبّنا فاتّق الله ، فإنّ التقوى نجاة ، واصبر فإنّ الصبر كرم ، واعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس ، فدع اليأس والجزع » (١)
وروى ابن أبي شيبة ت ٢٣٥ هـ عن حسين عن عبد الملك بن أبجر قوله : « كانوا يتكلّمون ، قال : فخرج الإمام عليّ عليه السلام ذات مرّة ومعه عقيل ومع عقيل كبش ، فقال الإمام عليه السلام : يقصر أحدنا بذكره ، قال : قال عقيل : أمّا أنا وكبشي فلا » (٢).
الملاحظ على الرواية أنّها أحادية الجانب انفرد فيها ابن أبي شيبة وحده ، ولم تكن لها أصول في بقية المصادر ، ثمّ إنّ صاحبها أشار بكلمتي كانوا يتكلّمون ، ولم نعرف مَن هم الذين يتكلّمون ، فلم يذكر أسماءهم. وعن سندها رويت عن حسين ، ولا نعرف من هو ، فهناك كثير ممّن سمّوا بهذا الاسم. وعن منشأ الرواية وهو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر ، وثّقه ابن حنبل وابن
__________________
١ ـ الجوهري : السقيفة / ٧٨ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٨ / ٢٥٢ ، العاملي : وسائل الشيعة ١١ / ٣٤٦.
٢ ـ المصنف ٤ / ٢١٤.
٣٠
معين (١) وكذلك العجلي ، وكان رجل صالح يعالج الناس بصيراً بالطب (٢) ، إذاً فهو طبيب لا محدّث ، وقيل : مستقيم الحديث (٣) عابد (٤) ، ومقابل ذلك ورد عند البخاري ما يشير إلى ذمّه ، قال ابن حميد في حديثه : الكناني (٥). وما يضعف الرواية أنّ ابن أبجر تابعي (٦) ، هذا ولم نعلم هل أنّه أدرك أمير المؤمنين عليه السلام حتّى ينقل عنه ، أم أنّه روى الحديث مرسلاً؟
وروى البلاذري عن أبي الحسن المدائني عن عليّ بن مجاهد قوله : « إنّ عليّاً عليه السلام رأى عقيلاً يوماً ومعه تيس (٧) يقوده ، فقال له عليّ عليه السلام : إنّ أحد الثلاثة لأحمق ، قال : أمّا أنا وتيسي فلا » (٨).
الملاحظ على الرواية أنّ سندها مطعون فيه من جهة عليّ بن مجاهد بن مسلم القاضي الرازي الكابلي ت ١٨٢ هـ كذّاب يضع الحديث ويضع له إسناداً (٩) ، وهو متروك الحديث وليس في شيوخ أحمد أضعف منه (١٠) ، كذّبه يحيى بن الضريس ووثّقه غيره (١١) ، وقد جمع ابن حجر معظم آراء علماء
__________________
١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٣٥١.
٢ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٢.
٣ ـ ابن حبّان : الثقات ٨ / ٣٧٤.
٤ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٦١٥.
٥ ـ التاريخ الكبير ٥ / ٤١٦.
٦ ـ النووي : شرح مسلم ٣ / ٤٤.
٧ ـ الذكر من الماعز إذا تجاوز السنة ، ينظر الخليل : العين ٧ / ٢٨٧ ، الجوهري : الصحاح ٣ / ٩١٠ ، الطوسي : المبسوط ١ / ١٩٩.
٨ ـ أنساب الأشراف / ٧٢.
٩ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١١٨ ، الأميني : الغدير ٥ / ٢٤٥.
١٠ ـ العقيلي : الضعفاء ٣ / ٢٥٢ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٧٠٢ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي١ / ١٤٧.
١١ ـ الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٤٦.
٣١
الجرح والتعديل فيه فقال : « أبو داود عن أحمد كتبت عنه ما أرى به بأساً ، وقال ابن حبّان عن ابن معين : رأيته على باب هشيم ، ولم أكتب عنه شيئاً ما أرى به بأساً وكان صنّف كتاب المغازي ، وقال يحيى بن المغيرة : سمعت يحيى بن الضريس يقول : لم يسمع عليّ بن مجاهد من ابن إسحاق ... وقال : كذّاب ... » (١) ، ومن تصانيفه كتاب في أخبار بني أمية (٢) ، تركه أبو غسان بن زنج ولم يرتضه (٣) ، ويحيى بن معين لم أكتب عنه شيئاً ، ولم يرضه محمّد بن عمرو وتركه (٤) ، فضلاً عن ذلك أنّ الحادثة وقعت في حياة الإمام عليّ عليه السلام ومنشأ الرواية عليّ بن مجاهد توفّي سنة ١٨٢ هـ ، فمن الذي أخبره بذلك.
وفي رواية الزمخشري ت ٥٣٨ هـ ، قال : « وذكر أنّ عقيلاً أخاه مرّ عليه بعتود يقوده فقال كرّم الله وجهه : إنّ أحد الثلاثة أحمق ، فقال عقيل : أمّا أنا وعتودي فلا » ، وقيل : هذا جاء على سبيل الدعابة (٥).
أورد الزمخشري الرواية من دون سند مكتفياً بالقول وذكر ، وما نعرف ماذا يعني بهذه الكلمة!!
فهو سطر الرواية على شاكلة سابقتها التي استعملت كلمتي كانوا يتكلمون ، وقد نسوا أو تناسوا أنّ هذه رواية تاريخية صحّت أم لم تصحّ ، فالأجدر التحقّق منها قبل ذكرها ، حتّى يتجنّب الآخرون الوقوع في الخطأ ،
__________________
١ ـ تهذيب التهذيب ٧ / ٣٣.
٢ ـ كحالة : المعجم ٧ / ١٧٥.
٣ ـ العقيلي : الضعفاء ٣ / ٢٥٢.
٤ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١١٨ ، ينظر السمعاني : الأنساب ٥ / ٥ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٤٦.
٥ ـ الفائق ٣ / ٢٠٤.
٣٢
وتحاشي ألفاظ ( قالوا ، ذكروا ، تكلّموا ).
هذه الألفاظ وهذه الرواية المغلوطة المكذوبة التي استعملت ألفاظ ( تكلّموا وذكروا ) أوقعت السرخسي ت ٤٨٣ هـ في الخطأ وأصدر حكماً مهمّاً ، وذلك في معرض إشارته إلى توكيل أمير المؤمنين عليه السلام لأخيه عقيل في الخصومات ؛ لأنّه ذكيٌّ سريع الجواب ، ودلل على ذكائه وسرعة جوابه بالبديهية بقوله : « حكى أنّ عليّاً عليه السلام استقبله يوماً ومعه عنز له فقال له عليّ عليه السلام على سبيل الدعابة : أحد الثلاثة أحمق ، فقال عقيل رضي الله عنه : أمّا أنا وعنزي فعاقلان » (١). الملاحظ على السرخسي أنّه بدّل الكلمة مستعملاً كلمة حكى من دون أن يراجع سند الرواية أو يسندها ، وإنّما أخذها جاهزة وكأنّها قرآن ، وحقيقة لا جدال فيها.
والحال نفسها مع ابن عساكر فقد أورد رواية بقوله : « دخل عقيل على عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومعه كبش فقال عليّ : عليه السلام إنّ أحد الثلاثة لأحمق ، فقال عقيل : أمّا أنا وكبشي فلا » (٢).
وخلاصة ذلك أنّ القضية لم يكن عقيل طرفاً ، فيها وإنّما استفاد وضّاع الروايات من أمرين :
الأوّل : دعابة أمير المؤمنين عليه السلام مع رجل ما ، حيث ذكرها ابن شهر آشوب بقوله : « وقال عليه السلام حين استقبله رجل مع تيس ، وقلّده عمامته : إنّ أحد الثلاثة لأحمق فقال : أمّا أنا وتيسي فلا » (٣).
__________________
١ ـ السرخسي : المبسوط ١٩ / ٣ ، الكاشاني : بدائع ٦ / ٢٢.
٢ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٠.
٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٧٧.
٣٣
والثاني : ما رواه مالك من أنّ عقيلاً كان عنده تيس يطرقه الغنم ويأخذ عليه الأجر ، وقد نوقشت هذه الرواية وفنـّدت بحجج قويّة (١) ، فاستفادوا من ذلك ونسجوا قضية كبش عقيل لوصفه بالحمق.
ولم تكن هذه الرواية الوحيدة التي وصفته بالحمق ، وإنّما تبعتها رواية مفتراة أخرى هي رواية عمر بن الخطاب ، الذي أراد أن يخطب أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، فطلبها من أبيها الذي ذهب بدوره إلى الصفّة فوجد العبّاس وعقيلاً والحسن فشاورهم في الأمر فغضب عقيل وقال : « يا عليّ ما تزيدك الأيام والشهور والسنون إلّا العمى في أمرك ، والله لئن فعلت ليكونن وليكونن لأشياء عددها ، ومضى يجر ثوبه ، فقال الإمام عليّ عليه السلام للعبّاس : ما ذلك منه نصيحة ولكن درّة عمر أحرجته إلى ما ترى ، أما والله ما ذاك رغبة فيك يا عقيل ولكن أخبرني عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول : ( كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي ) فضحك عمر وقال : ويح عقيل سفيه أحمق » (٢).
وقد وصف عقيل أنّه أعمى حيث كبر وأضرّ آخر أيامه ، وهذا ما أكّدته بعض الروايات ، حيث فقد بصره وهو في الكوفة ، وعندما سافر إلى معاوية كان أعمى (٣) ، وأنّ العمى كما يبدو لم يكن أصابه بصورة فجائية وإنّما عيناه كانت
__________________
١ ـ المدوّنة الكبرى ٤ / ٤٢٧. وللتفصيل ينظر مبحث وضعه المعاشي / الدليل الرابع ( الفصل الأوّل ).
٢ ـ الطبراني : المعجم الكبير ٣ / ٤٤.
وقيل : أم كلثوم كانت صغيرة في ذلك الوقت ، ولأهمّية الرواية فقد نوقشت في بحث مستقل ولم يثبت صحّتها ، وذلك لعدم وجود بنت لأمير المؤمنين عليه السلام اسمها أم كلثوم وثبت أنّها وهمّ وليس حقيقة. ( وللتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت أمير المؤمنين حقيقة أم وهم؟ ( بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م ).
٣ ـ ينظر مبحث وضعه المعاشي ( الفصل الأوّل ) ، وكذا بداية مبحث زوجاته ( الفصل الثاني ).
٣٤
ترمد ، وفي ذلك روايات منها ما رواه الصدوق (١).
وذكر العلوي عن تعليق أبي نصر البخاري النسابة أوتعليقة ابن دينار قال : وجدته بخطّ أحدهما أنّ عقيل بن أبي طالب كان أعور يكاد يخفى ذلك على متأمّله (٢). وهذه الرواية لم أجدها في بقية المصادر.
أمّا عن لباسه، فلا نعرف شيئاً عن ذلك ، وكلّ الذي وجدناه أنّه أحرم في ثوبين وردائين ، فاعترض عمر على ذلك فقال له عقيل : « إنّ أحداً لا يعلّمنا بالسنّة » (٣).
وقيل : إنّه عندما خطب فاطمة بنت عتبة ارتدى ملحفة مورسة (٤) ، أي : مصبوغة بالورس ، وهو نبات أصفر كان يصبغ به الملابس ، وكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يلبس الملحفة الموروسة في بيته (٥).
وقد مدح جعدة بن هبيرة المخزومي ابن أم هانئ بنت أبي طالب أخواله بقوله :
أنا من بني مخزوم إن كنت سائلاً

ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي ينوء علـيّ بخاله

وخالي عليٌّ ذو الندى وعقيل (٦)
__________________
١ ـ ينظر الصدوق : علل الشرائع ١ / ٤٤ ، الطوسي : الأمالي / ٣٥١ ، الراوندي : الخرائج ١ / ١٨. وينظر مبحث علاقاته الاجتماعية.
٢ ـ المجدي في أنساب الطالبين / ٧ ، ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.
٣ ـ ابن أبي شيبة : المصنف ٤ / ٢١٤ ، الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٣٩ ، ابن حزم : الأحكام ٤ / ٥٤.
٤ ـ ينظر : الكليني : الكافي ٦ / ٤٤٨ ، اليوسفي : موسوعة التاريخ الإسلامي ٢ / ٣٦٨.
٥ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٢٠.
علماً أنّ رواية زواج عقيل من فاطمة بنت عتبة مطعون فيها ، وقد نوقشت وتمّ تفنيدها. ( وللتفصيل ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة ، زوجة عقيل / بحث غير منشور ).
٦ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٤٤ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ٢٨٥ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٠ / ٧٩ ، النووي : المجموع ١٨ / ١٥٦.
٣٥

وكذلك حسان بن ثابت الذي أشار إلى ذلك بقوله :

تأوبني ليل بيثرب أعسر

وهم إذا ما نوم الناس مسهر
هم جبل الإسلام والناس حولهم

رضام إلى طود يروق ويبهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمّه

علي ومنهم أحمد التخير
وحمزة والعبّاس منهم ومنهم

عقيل وماء العود من حيث يعصر (١)
__________________

١ ـ ابن هشام : السيرة النبوية ٣ / ٨٣٧ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٠٩ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٥ / ٦٣.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:21 am

علمه بالنسب وأيّام الناس

ورد العلم بالنسب وأيّام الناس في حديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في حادثة وقعت بحضوره صلى الله عليه و آله و سلم.

فقد روي أنّه دخل يطوف فإذا جماعة قد طافوا برجل ، فقال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( ما هذا؟ ) قالوا : علّامة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم : ( وما العلّامة؟ ) قالوا : عالم بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهلية والشعر والعربية ، فقال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( ذلك علم لا يضرّ من جهله ولا ينفع من علمه ) (١).

وهذا ما ثبت فعلاً مع عقيل حيث لم ينفعه علمه بالنسب وأيّام الناس ، بحيث لم تدفع عنه أيّة تهمة من التهم التي ألصقت به ، وبقي بسببها مطعوناً في دينه ، والأكثر من كلّ ذلك قضية فقره ، فلو كان يحسن شيئاً من العلوم أو الصنائع المتعارف عليها في زمانه لسد رمقه منها وما هجر أخيه وذهب إلى معاوية كي يوفي ديونه حسب زعمهم ، لكنّه تشبّث بعلم النسب ، حيث ورد في طيّات بعض المصادر شواهد تفيد ذلك ، ومن العجب! أنّها لم تذكره بأنّه نسّابة أسوة بابن الكلبي وغيره من النسّابين ، حيث نقل كثير من أخباره فيما يخصّ النسب.

وهذا ما أشار إليه ابن حبيب تحت ( عنوان حكّام المفاخرات والمنافرات

__________________

١ ـ الصدوق : الأمالي / ٣٤٠ ، معاني الأخبار ١ / ٣٢ ، ابن إدريس الحلّي : السرائر ٣ / ٦٢٦ ، العلامة الحلّي : تحرير الأحكام ١ / ٣٩.


٣٧

من قريش ) ناقلاً عن ابن الكلبي قوله : « كان في قريش أربعة نفر يتحاكمون إليهم في عقولهم ، ويحكمون بين الناس في المفاخرة ، وكلّ قد أدرك الإسلام ، منهم عقيل ... ومخرمة بن نوفل ... (١) ، وحويطب بن عبد العزّى (٢) ... ، وأبو الجهم ابن حذيفة بن غانم العدوي (٣) ، وكان أبغضهم إليهم عقيل بن أبي طالب ؛ لأنّ الثلاثة كانوا يعدّون محاسن الرجلين إذا تنافرا إليهم فأيّهما كان أكثر محاسن فضّلوه ، وكان عقيل يعدّ المساوئ فأيّهما كان أكثر مساوئ أخّره ، فيقول الرجلان : وددنا أنّا لم نأته ، أظهر من مساوينا ما كان خافياً عن الناس » (٤) ، وعلى أثر ذلك نال عداوة قريش وكرههم ، حيث كان يكثر من ذكر مثالب الناس (٥).
الملاحظ على الرواية أنّها ذكرت أربعة نسّابين ، وكلّهم تأخّر إسلامهم إلى فتح مكّة! وهذا واضح من تراجمهم.
ومن نتيجة صدقه وأمانته في نقل الأنساب ، وقوله : الفاجر في فجوره والبارّ في برّه ، رماه ذوي الأحساب والأنساب السيئة بالحمق ، وهذا ما ذكره الجاحظ بقوله : « ... كان أكثرهم ذكراً لمثالب الناس ، فعادوه لذلك وقالوا فيه وحمّقوه ...حتّى ألّف بعض
__________________
١ ـ ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي كان من المؤلّفة قلوبهم ، أسلم عند الفتح ، وكان عالماً بنسب قريش وأحاديثها ، له من الولد صفوان وبه يكنّى ، وقيل : كان يكنّى بأبي الأعور توفّي سنة ٥٤ هـ وله من العمر ١١٥. ينظر الحاكم : المستدرك ٣ / ٤٨٩ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ١٠ / ١٤.
٢ ـ ابن أبي قيس بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، من مسلمة الفتح ، مات في أواخر أيام معاوية وهو ابن ١٢٠سنة ، ولا تحفظ له رواية عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلّا شيء ذكره الواقدي.ينظر ابن أبي عاصم : الآحاد ٢ / ١٣٢ ، الحاكم : المستدرك ٢ / ٤٩٢ ، النووي : شرح مسلم ٧ / ١٣٧.
٣ ـ اسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي المدني ، أسلم يوم فتح مكّة ، ومات بعد مقتل عمر بن الخطاب. ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٥١ ، النووي : المجموع ٤ / ٩٧ ، شرح مسلم ٤ / ٦٤.
٤ ـ المنمّق / ٣٨٦ ، وينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٥٠ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٤٣٩
٥ ـ جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ١٨.
٣٨
الأعداء فيه الأحاديث ... » (١) ، لكن رغم ذلك بقي حكماً بين الناس يتوجّهون إليه لحلّ مشاكلهم (٢).
وروي أنّ الخليفة عمر بن الخطاب مرّ على عقيل ومخرمة وعبد الله بن السائب بن أبي حبيش (٣) وهم يتذاكرون بالأنساب فسلّم عليهم ، ثمّ جاوزهم فجلس على المنبر فكبّر عليه ، ثمّ قال : « أيّها الناس أوفوا الطحين واملكوا العجين ، وخير الطحين ملك العجين ، ولا تأكلوا البيض فإنّما البيض لقمة ، فإذا تركت كانت دجاجة ثمن درهم ، وإياكم والطعن في النسب ، اعرفوا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتأخذون به وتقطعون به ، واتركوا ما سوى ذلك ... » (٤) ، يتّضح من ذلك أنّ الخليفة أراد تنبيه عقيل بالكفّ عن ذكر الأنساب السيئة لبعض الناس ؛ لأنّه يذكر مساوئ هؤلاء ، والتي على أثرها تعرض للنفي كما سنوضّحه.
وكان الناس يأخذون أخبار النسب منه في يوم الجمعة ، حيث يطرح فراشه في المسجد ، ويتحدّث لهم في الأنساب فلا يقوم حتّى يزيل ظل جدار المسجد الذي يجلس بجانبه ، فكان أهل المدينة يقولون : « وقت الجمعة حيث يبلغ الشمس طنفسة أبي يزيد ـ أي : فراشه ـ » (٥). ولهذا قال هشام بن محمّد (٦) : إنّ
__________________
١ ـ البيان والتبيين ٢ / ٣٢٤.
٢ ـ الزركلي : الأعلام ٥ / ٤.
٣ ـ ابن المطلب بن أُسد بن عبد العزّى القرشي الأسدي ابن عمّة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عاتكة ، قيل : له صحبة. ابن حجر : الإصابة ٤ / ٨٨
٤ ـ ابن شبة النميري : تاريخ المدينة ٣ / ٧٩٦.
٥ ـ ينظر مالك : الموطأ ، وقت الصلاة / ١٢ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٤ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢.
٦ ـ ابن السائب أبو المنذر الكلبي ، عالم مشهور بالفضل والعلم ، عارف بالأيام ، مختصّاً بالمذهب الجعفري. ( البخاري : التاريخ الكبير ٨ / ٢٠٠ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٦٩ ، ابن حبّان : المجروحين ٣ / ٩١ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ٣٣٩ ).
٣٩
أباه أخذ نسب قريش عن أبي صالح (١) الذي أخذه بدوره عن عقيل بن أبي طالب (٢).
وروى ابن عساكر أنّ محمّد بن عقيل قدم على أبيه وهو بمكّة فقال : « ما أقدمك يا بني؟ قال : قدمت لأنّ قريش تفاخرني فأردت أن أعلم أشرف الناس قال : أنا وابن أمّي ثمّ حسبك بسعيد بن العاص » (٣).
هذا ولا نعلم هل أنّ علمه محصور بنسب قريش فقط ، أم بالأحساب والأنساب كلّها ، حيث تراوحت الآراء في ذلك؟
فعلى سبيل المثال ما ذكره الجاحظ بقوله : « كان عقيل ناسباً عالماً بالأمهات ، بيّن اللسان سديد الجواب ... » (٤).
وقيل : « كان ... نسّابة عالماً بأنساب العرب وقريش » (٥).
وابن حجر وصفه بأنّه : « عالماً بالنسب » (٦).
وحصر بعضهم علمه بنسب قريش فقط ، وهذا ما أشار إليه البلاذري بقوله : « وكان من نسّاب قريش وعلماؤها » (٧) ، وابن سعد : « كان عقيل عالماً بنسب
__________________
قيل : اسمه ذكوان السمان الزيات ، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة ، تابعي واسع الرواية ، مولى أم هانئ. قيل : إنّه ضعيف ، وله ثلاث أولاد. ( ينظر ، المديني : سؤالات / ١١١ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٤٥٠ ، السمعاني : الأنساب ٣ / ١٨٥ ).
١ ـ ابن النديم : الفهرست / ١٠٧.
٢ ـ ابن سعيد بن أحيحة بن العاص بن أمية بن عبد شمس. ( ابن سعد : الطبقات ٥ / ٣ ).
٣ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢١ / ١١٧.
٤ ـ الجاحظ : البيان والتبيين ١ / ٣٢٢.
٥ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.
٦ ـ تقريب التهذيب ١ / ٦٨٤ ، وينظر العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ٨.
٧ ـ أنساب الأشراف / ٦٩ ، وينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٨.
٤٠
قريش » (١) ، والقندوزي : « أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها ، صحابي فصيح اللسان سديد الجواب ... » (٢).
وكان أنسب قريش وأعلمها بأيامها ، ولكنه كان مبغضاً إليهم ؛ لأنّه كان يعدّ مساوئهم (٣).
وقيل : إنّه أبعد من المدينة إلى الطائف على إثر ذكره لمثالب الناس ، وهذا ما ذكره البلاذري عن المدائني عن حسان بن عبد الحميد عن أبيه قوله : « إنّ عقيل بن أبي طالب ، وأبا الجهم بن حذيفة العدوي ومخرمة بن نوفل الزهري اتّخذوا مجلساً ، فكان لا يمر بهم أحد إلّا عابوه وذكروا مثالبه ، فشكوا إلى عمر ابن الخطاب ، فأخرجهم من المدينة إلى الطائف ، ويقال : إنّه فرّق بينهم في المجالس » (٤).
هذه الرواية تخالف الرواية القائلة من أنّ له فراشاً يطرح في المسجد النبوي الشريف وتأخذ عنه الناس علم النسب! فهذا يمثّل جانب إيجابي ، في حين صوّرته رواية المدائني وكأنّه يغتاب الناس في المسجد النبوي ، وهذا لا يصحّ ، فهو ابن أبي طالب ، وأخوه أمير المؤمنين عليه السلام ، ثمّ إنّه قد أسلم في هذه الأثناء على سبيل الفرض وسمع أحاديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والآيات القرآنية التي نهى فيها الله عن الغيبة ، كما جاء في قوله تعالى : (وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) (٥).
__________________
١ ـ الطبقات ١ / ١٢١ ، وينظر ابن كثير : البداية ٧ / ٤٧ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢.
٢ ـ ينابيع المودّة ١ / ٤٦٨.
٣ ـ الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢ ، وينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٣.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٧٣.
٥ ـ الحجرات / ١٢.
٤١
وفي الوقت نفسه ناقضت رواية أخرى جاء فيها انّ عمر بن الخطاب هو الذي دعا عقيل وغيره إلى تدوين الدواوين لعلمه بالأنساب (١) ، فلماذا أبعده؟! هل أنّه تعرّض لنسبه كما تعرّض لنسب غيره؟!!
هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :
فهي مجروحة ابتداءً من البلاذري وهو الشخص الناقل لها ، فهو مطعون فيه (٢) ، وقد سمع الرواية من أبي الحسن عليّ بن محمّد المدائني ت ٢٢٥ هـ ، وهو مطعون فيه أيضاً (٣) ، الذي أخذها عن حسّان بن عبد الحميد ، فهو في عداد المجاهيل (٤).
__________________
١ ـ ابن سعد : الطبقات ٣ / ٢٩٤.
٢ ـ تقدّمت الإشارة الى ذلك في مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٣ ـ تقدّمت الإشارة الى ذلك في مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٤ ـ قد أجهد الباحث نفسه في البحث عنه فلم يجد له شيء يذكر ، ثمّ عرج في البحث عن شيوخ المدائني ، فلم يجد من بينهم شخص بهذا الاسم ، علماً أنّه أخذ من شيوخ شتّى مثل محمّد بن صالح ( البلاذري : أنساب الأشراف ٣٤٦ ) ، أبي عمرو بن المبارك ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ١٩ / ٢٠٩ ) ، يزيد بن عياض بن جعدبة ( البلاذري : أنساب الأشراف ٤٦ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢١ / ١٣٠ ، المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٢٣٦ ) ، أبي المقدام ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٩ / ٣٠٤ ) ، إبراهيم بن حكيم ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٠ / ٤١١ ) ، عليّ بن يزيد ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤٩٤ ) ، محمّد بن سعيد بن حسان الأزدي ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٣٣٧ ) ، جويرية بن أسماء ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٤ / ٤١٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٦ ) ، مالك بن الهيثم بن عوف ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق٥٦ / ٥١٦ ) ، محمّد بن غسّان الكندي ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٤ / ٤٠٢ ، الشيخ المحمودي : نهج السعادة ٣ / ٣٢٧ ) ، مسلمة بن المحارب ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٨ / ١٥٧ ) ، يزيد بن معاد ابن زياد ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦٥ / ٣٩٤ ) ، خلاد بن عبيد ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦ / ٢٣٣ ) ، عليّ بن مدرك ( المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٢ ، يروي عن جدّه لأمّه الأسود بن قيس ، وشريك بن عبد الله النخعي وهو من أقرانه ، وروي عنه عليّ بن محمّد المدائني وهو متأخر الوفاة عن النخعي ، وقيل : إنّه مجهول ، المزّي : تهذيب الكمال ٢١ / ١٢٩ ) ، أبو عبد الله السلمي ( المزّي : تهذيب الكمال ٨ / ٢٠٠ ) ، المفضل بن محمّد ( المزّي : تهذيب الكمال ٢٨ / ٤٢١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٢٤٦ ) ، يعقوب بن داود الثقفي ( المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٤١٧ ) ، أبو معشر
٤٢
ولعلمه بالنسب كان أحد الذين دعاهم الخليفة عمر بن الخطاب لتدوين الدواوين ، فقد روى ابن سعد عن أستاذه الواقدي بسند غير صحيح قوله : « إنّ عمر بن الخطاب استشار المسلمين في تدوين الدواوين ، فقال له عليّ ابن أبي طالب : تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال وتمسك منه شيئاً ، وقال عثمان بن عفان : أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإنْ لم يحصوا حتّى نعرف من أخذ ممّن لا يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر ، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة (١) : يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً وجنّدوا جنوداً فدوِّن ديواناً وجنِّد جنوداً ، فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم (٢) وكانوا من نسّاب قريش فقال : اكتبوا الناس على منازلهم ، فكتبوا فبدأوا ببني هاشم ، ثمّ اتّبعوهم أبا بكر وقومه ، ثمّ عمر وقومه على الخلافة ، فلمّا نظر إليه عمر قال : وددت والله إنّه هكذا ولكن ابدأوا بقرابة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الأقرب فالأقرب حتّى تضعوا عمر حيث وضعه
__________________
( ابن حجر : الإصابة ١ / ٢٤٢ ) ، الصلت بن دينار ( ابن حجر : الإصابة ٧ / ١٨٤ ) ، أبو مخنف وعوانه بن الحكم ( أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٥١ ) ، شريك بن الأعمش ( ابن كثير : البداية ٧ / ١٥٦ ) ، سعيد بن خالد ( ابن كثير : البداية ٧ / ١٥٨ ) ، عبد الله بن أبي بكر ( ابن كثير : البداية ٨ / ٣٧٢ ) ، أبو بكر الهذلي ( ابن كثير : البداية ٩ / ٢٠٠ ) ، محمّد بن عبد الله بن أخي الزهري عن الزهري ( الصالحي : سبل الهدى ٢ / ١٨٦ ).
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ شيوخ المدائني قد جمعناهم من المصادر من دون التحقّق من صحّتهم ، ويمكن تمييز الخلط الواضح بين شيوخ المدائني الفقيه عن العامي ، وقد ذكرناهم إتماماً للفائدة ، ولم نجد بينهم حسان بن عبد الحميد ، وهو في عداد المجاهيل ، ولم أجد له ذكراً في المصادر التي اطّلعت عليها ، وهذا وحده كاف في إبطال صحّة الرواية ، وقد نقل البلاذري إحدى الروايات عن المدائني مباشرة عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من دون إكمال سلسلة السند ، ( الأنساب / ٢٠٠ ).
١ ـ لم نجد ترجمة له ، حيث لم توجد شخصية بهذا الاسم ، وأشار السيّد العسكري بأنّ المقصود لعلّه الوليد بن الوليد بن المغيرة ، وقد راجعت ترجمته ولم أجد له علماً بالنسب ، كان ممن أسر يوم بدر كافراً. العسكري : معالم المدرستين ٢ / ٨٥ ، ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٣١ ، ابن حمزة : من له رواية / ٤٥٦ ، ابن حجر : الإصابة ٦ / ٤٨٤.
٢ ـ ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، يكنّى أبو محمّد توفّي سنة ٥٧ هـ. ( ينظر ابن خياط : طبقات / ٣٧ ، الطوسي : الرجال ١ / ٤٤ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال /.٩٦ ).
٤٣
الله » (١).
لقد وردت كثير من علامات الاستفهام حول هذه الرواية! لذا يجب التوقّف عندها وإخضاعها للتحليل التاريخي ، خاصّة فيما يتعلّق بمتنها من أمور ، وهي :
إنّ اليعقوبي ذكر الرواية ولم يشر إلى الوليد بن المغيرة بأنّه هو الذي أشار على ابن الخطاب مكتفياً بالقول : « دوّن عمر الدواوين وفرض العطاء سنة ٢٠ هـ ، وقال : قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديواناً فدعا عقيل ... » (٢).
إنّ الشخصين اللذان أشركا مع عقيل في تدوين الدواوين أحدهم ممّن أقيم عليه الحد في خلافة عمر بن الخطاب واتّهم في أفحش الأمور وأقبحها حيث كان زانياً في الإسلام.
وقد أشار البلاذري إلى هذه الحادثة بقوله : « إنّ عقيلاً قال للمسيب بن حزن أبي سعيد بن المسيب : يا ابن الزانية وقد كانت أمّه أسلمت فرفعوا إلى عمر بن الخطاب فقال : هات بيّنتك ، فأتى بمخرمة بن نوفل ، وبأبي جهم بن حذيفة العدوي فقالا : نشهد أنّ أمّه زانية ، قال : وبأيّ شيء علمتما ذلك؟ قال : نكناها في الجاهلية ، فجلدهم عمر ثمانين ثمانين » (٣).
ويبدو أنّ الرواية قد أصابها شيء من التحريف ، وأنّهم فعلوا بها في الإسلام لا
__________________
١ ـ الطبقات ٣ / ٢٩٤ ، وينظر البلاذري : فتوح٣ / ٥٤٩ ، الطبري : تاريخ ٣ / ٢٧٧ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٢ / ٩٤ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ٤ / ٥٦٥ ، العسكري : معالم المدرستين ٢ / ٨٥ ، بيومي : الزهراء عليها السلام / ٦٢.
٢ ـ تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٣.
٣ ـ أنساب الأشراف / ٧٤.
٤٤
في الجاهلية ؛ لأنّ عمر أقام عليهم الحد وجلدهم ، فإذا كان البغاء في الجاهلية فلماذا الجلد؟! وإنّما جلدهم على حدّ أقيم في الإسلام ، فإذا كلّ باغ في الجاهلية يجلد في الإسلام لاحتاجت قريش إلى من يجلدها! فلا يصحّ لخليفة المسلمين أن يشرك زان في تقسيم أرزاقهم ، وهل خلت الأرض من مسلم عادل يشارك عقيل في وضع الديوان غيره؟!
ولماذا دوّن الديوان في خلافة عمر؟ ولماذا لم يستمر تقسيم الأرزاق جرياً على ما أجراه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأبو بكر من بعده؟ ولماذا شاور الإمام عليّ عليه السلام وعثمان بن عفان ولم يعمل بمشورتهما؟ علماً أنّ الإمام عُرف بسداد الرأي والحكمة ، خاصّة وأنّ عمر نفسه قال : « لولا عليّ لهلك عمر » (١).
ومن القائل أنّهم بدأوا في بني هاشم؟ وما الدليل على ذلك؟ ثمّ متى حصل بنو هاشم على حقوقهم ، أفي خلافة رسول الله؟ أم في فدك؟ أم في الهجوم على بيت الزهراء بنت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟!
هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها فمطعون فيها :
بدءاً من أوّل رواتها وهم محمّد بن عمر الواقدي ، فقد اتّفق علماء الجرح والتعديل على تجريحه.
فقال عنه البخاري : بأنّه متروك الحديث ، وذكره في الضعفاء (٢) ، وفي موضع آخر قال : « عن معمر ومالك سكتوا عنه وتركه أحمد وابن نمير » (٣) ، وكان أحمد يكذبه ، ويحيى بن معين قال عنه : ليس بشيء ، واتّهمه ابن المديني بوضع الحديث (٤) ، وقيل : إنْ
__________________
١ ـ زيد بن عليّ : المسند / ٣٣٥ ، الكليني : الكافي ٧ / ٤٢٤ ، القاضي النعمان : دعائم الإسلام ٢ / ٤٥٣.
٢ ـ الضعفاء الصغير / ١٠٩ ، النسائي : الضعفاء / ٢٣٢ ، العقيلي : الضعفاء ٤ / ١٠٧ ، أبو نعيم : الضعفاء / ١٤٧.
٣ ـ البخاري : التاريخ الكبير ١ / ١٧٩.
٤ ـ ابن حبّان : المجروحين ٢ / ٢٩٠ ، وينظر الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٦٦٢.
٤٥
كان هناك كاذباً في الدنيا فلم يصل إلى ما وصل إليه الواقدي ، وقال عنه الشافعي : كتب الواقدي كذب ، وابن حنبل اتّهمه بقلب الأحاديث ، وإسحاق بن راهويه : يضع الحديث ، ويحيى بن معين : لا يكتب حديثه ، وقال يحيى بن معين : « نظرنا في حديث الواقدي فوجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث مناكير فقلنا يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه ويحتمل أن تكون منهم ، ثمّ إذا نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب ومعمّر فإنّه يضبط حديثهم فوجدناه قد حدّث عنهما بالمناكير فعلمنا أنّه منه فتركنا حديثه ، وقد ضعّفه أبو زرعة » (١).
أمّا الشخص الذي نقل عنه الواقدي فهو عائذ بن يحيى ، غير معروف ، ولم ينقل عنه إلّا أحاديث قليلة جدّاً.
وعن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية المديني فلم يسلم من التجريح ، ولاسيما مالك فقد قال عنه : ليس بشيء (٢) ، وأبوه لم يعرف حاله (٣) ، وضعّفه ابن حجر (٤) ، يحيى بن معين : لا يحتج به ، والنسائي : ليس بثقة (٥) ، ومالك : قدم علينا سفيان فكتب عن قوم يرمون بالتخنيث ـ يعني أبو الحويرث ـ ، قال أبو داود : ولا تناكحوه وكان يخضب رجليه ، وهو مرجئياً من المدينة ، وليس بذاك (٦) ، وقد روى الواقدي أحياناً عنه وفيه انقطاع (٧).
__________________
١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٠ ، ينظر ابن عدي : الكامل / ٢٤١.
٢ ـ المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥ ، وينظر ابن حنبل : العلل ٢ / ٣١١ ، ابن عدي : الكامل ٤ / ٣٠٩.
٣ ـ ابن حجر : فتح الباري ٨ / ١٠٧.
٤ ـ ابن حجر : فتح الباري ١ / ٣٥٧.
٥ ـ ابن عدي : الكامل / ٣٠٩ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥.
٦ ـ المزّي : تهذيب الكمال ١٧ / ٤١٥.
٧ ـ ابن حجر : فتح الباري ٨ / ١٠٧.
٤٦

أمّا جبير بن الحويرث بن نقيد بن بجير بن عبد الدار بن قصي ، صحابي صغير له رؤية بلا رواية ، حدّث عن أبي بكر وعمر ، وحدّث عنه سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ، وقال الزبير بن بكار : إنّ أباه الحويرث ممّن أهدر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم دمه يوم الفتح (١) ، أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولم يرو عنه ، قيل في صحبته نظر ، وعدّ من التابعين (٢) ، أمّا أبوه فقد قتله الإمام عليّ عليه السلام كافراً (٣).

ومن الأمور التي افتريت على أمير المؤمنين عليه السلام وعقيل على حدّ سواء ما ذكره ابن عنبة ت ٨٢٨ هـ بقوله : « وروي أنّ أمير المؤمنين قال لأخيه عقيل : ... أُنظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً ، قال : تزوّج أم البنين الكلابية فانّه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوّجها » (٤).

وعلى هذه الرواية إشكاليات ، منها أنّ الإمام عليّ عليه السلام معصوم ، وللعصمة شروط كثيرة ، وعقيل بالرغم من أنّه أخوه من أمّه وأبيه لكنّه لم ينل درجة الإمامة والوصاية ، ثمّ هو ممّن تأخّر إسلامه حسب زعم الروايات ، أضف إلى ذلك أنّ الإمام وصف بالعلم والحلم ، ووصف بمعجزات علمية كثيرة ، ومن يكون بهذه المنزلة هل يصحّ أن يكون غير قادرٍ على اختيار زوجته؟ وفإنّ عوام الناس قادرون على ذلك ، فكيف به عليه السلام؟ وأعتقد أنّ الرواية فيها إجحاف بحقّه وقصر نظر وعدم فهم لشخصيّته الفهم التامّ إلى حدّ المظلومية.

والملاحظ على الرواية أنّها أحادية الجانب انفرد بها ابن عنبة المتوفى سنة

__________________

١ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٣٩.

٢ ـ ابن حجر : الإصابة ١ / ٥٦٩.

٣ ـ ابن حجر : الإصابة ١ / ٦٢٨.

٤ ـ عمدة الطالب / ٣٥٧ ، جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ٤٤٢.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:34 am

هـ ، وذكرها من دون سلسلة سند مكتفياً بالقول : « وقد روي » ، ولا نعرف من الذي روى ، ثمّ لم نجدها في بقية المصادر التي اطّلعنا عليها ، والحادثة وقعت بعد وفاة الزهراء عليها السلام ، يا ترى كم هو عدد السنوات من وفاتها إلى وفاة ابن عنبة حتّى يورد الأخبار غير مسندة.
وقد وضع الوضّاعون والدسّاسون ما ينبأ عن وجود محادثات دينية وفلسفية جرت بين عقيل ومعاوية على اعتبار أنّ الأوّل ذهب إلى الثاني لدين لزمه ، ومن جملة الأشياء التي دارت بينهما وجعلت الناس تنفر من عقيل قوله للحقيقة كما هي ؛ لأنّه لم يجامل أحداً ، خاصّة عندما سألوه عن أحسابهم وأنسابهم ، فتعرّض إلى نسب معاوية والضحاك وعمرو بن العاص (١).

__________________

١ ـ للتفصيل ينظر ذهابه إلى معاوية ( الفصل الخامس ).

٤٨

وضعه المعاشي
وردت كثير من الروايات التاريخية التي تؤكّد فقر عقيل المادي ، ومن الغريب أنّ حالة الفقر المزعومة هذه وصف بها أبوه أبو طالب سابقاً! فيا ترى ما هو الموجب لهذا الاتّهام (١)؟ وما ينقص المصادر افتقارها إلى وضع حدّ تقريبي لفقره ، متى كان فقيراً؟ في حياة أبيه أم بعد مماته؟ ولماذا؟!
وهناك أدلّة للقائلين بفقره ، منها :
الأوّل : أشارت إحدى الروايات أنّه كان يطلب عطاءً أكثر من الإمام عليّ عليه السلام ، وهذا ما أشار إليه الكوفي عن محمّد عن عبيد الله بن محمّد بن عائشة عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن عمر بن موسى عن زيد بن عليّ عن أبيه عن عمّته زينب بنت عليّ عن أسماء بنت عميس ، قالت : حدّثتني أم هانئ بنت أبي طالب ، قالت : « كان عليّ عليه السلام من أجود الناس ، لقد كان أبوه يوجه معه باللطف إلى بعض أهله فيقول : يا أبه هذا قليل فزده ، ثمّ يأتي أمّه فاطمة بنت أسد فيقول : يا أمّه زيدي عليه من نصيبي!! فتفعل ، ولقد كان يدفع إليه وإلى عقيل الشيء يسوى بينهما ، فيميل عقيل عليه ويقول له : أعطيت أنت أكثر ممّا أعطيت أنا! فيضع عليّ نصيبه بين يديه ويقول له : خذ منه ما تريد! » (٢).
والذي يتدبّر في الرواية يتّضح له الآتي :
__________________
١ ـ لمزيد من التفصيل انظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.
٢ ـ الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٩.
٤٩
إنْ صحّت فهي تشير إلى أنّه يطلب من أبيه المال أكثر من إخوته ، بدليل قيام الإمام عليه السلام بمنحه شيئاً من حصته ، والرواية تؤكّد أنّ أبا طالب يعطي لأولاده عطاءً ـ يعني مصروفاً متساوياً ـ لكن عقيل يطمع في الزيادة ، وهذا يشير إلى كون عقيل يتّسم بالأنانية ، لذا يبغي الزيادة ، أو الغيرة من أخيه ، أو أنّه يحبّ الإكثار من المال ، وعدم القناعة.
وهذه الرواية ربّما وضعت لتأكيد حالة ذهاب عقيل إلى معاوية لطلب المال ، فكان عقيل ذا طمع وشره ، ويطلب المال ولا يقنع بالقليل ، خاصّة عندما يقول للإمام عليه السلام أعطيت أكثر من عطائي فيعطيه عليه السلام حتّى يرضى عقيل.
ثمّ من أين تأتي الأموال لأبي طالب حتّى يعطي منها لأولاده؟ وهو الذي وصف بالفقر والحاجة (١)؟ ومتى عاش الإمام عليّ عليه السلام في بيت أبي طالب حتّى ينفق عليه؟ وماذا عن الأزمة التي أصابت أبا طالب ، حتّى قسّم أولاده بين العبّاس بن عبد المطلب والرسول صلى الله عليه و آله و سلم (٢)؟
إذن خلاصة الأمر أنّ الرواية مزيّفة وغير صحيحة ، وقد تفرّد بها الكوفي فقط ، هذا ما يخصّ المتن.
أمّا عن سندها ، فهو بحاجة إلى إخضاعه لعلم الجرح والتعديل لمعرفة رواته ، الذي فيهم :
محمّد بن زكريا بن دينار ت ٢٩٨ هـ ، مولى بني غلاب أبو عبد الله ـ وبنو غلاب قبيلة بالبصرة من بني نصر بن معاوية ـ وقيل : إنّه ليس له بغير البصرة
__________________
١ ـ لمزيد من التفصيل انظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.
٢ ـ ينظر مبحث اسمه ( الفصل الأوّل ).
٥٠
منهم أحد ، وكان من الوجوه في البصرة ، أخبارياً واسع العلم ، صنّف كتباً كثيرة (١) ، هو أحد الرواة للسير والأحداث والمغازي ، وكان ثقة صادقاً (٢) ، صاحب حكايات وأخبار ، يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات ؛ لأنّه في روايته عن المجاهيل بعض المناكير (٣) ، قيل : إنّه يضع الحديث (٤) ، وأكّد ذلك ابن الجوزي ، فقد روى حديثاً ما فقال : « هذا حديث موضوع وضعه محمّد » (٥).
أمّا عبيد الله بن محمّد بن عائشة ، واسم جدّه حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقيل له : ابن عائشة ـ والعائشي والعيشي والعيش نسبة إلى عائشة بنت طلحة ـ لأنّه من ذريّتها ، ثقة جواد رمي بالقَدَر ولم يثبت ، توفّي سنة ٢٨٨ هـ (٦) ، وهو بصري أخباري صادق حسب تعبير الذهبي ، وإمام وعلّامة ثقة ، صدّقه أبو حاتم في الحديث ، وكان عنده عن حماد بن سلمة تسعة آلاف حديث ، وكان طلّاباً للحديث ، عالماً بالعربية وأيّام الناس لولا ما أفسد نفسه ، وهو صدوق (٧) ، طلبه هارون العبّاسي في مجلسه (٨). ( يفهم ممّا تقدّم بعض عبارات الذم له ، منها عبارة أفسد نفسه ، ولم تكمل العبارة ، أي : بماذا أفسد
__________________
١ ـ النجاشي : رجال / ٣٤٦ ، ابن داود : رجال / ١٧٢ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٢٥٩ ، إيضاح الاشتباه / ٢٧٦.
٢ ـ ابن النديم : الفهرست / ١٢٠.
٣ ـ ابن حبّان : الثقات ٩ / ١٥٤.
٤ ـ الدارقطني : سؤالات / ١٤٨.
٥ ـ الموضوعات ١ / ٤١٨.
٦ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٦٣٨.
٧ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٤.
٨ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٤.
٥١
نفسه ، وأنّه روى عن راو واحد تسعة آلاف حديث ، إذن كم لديه من الأحاديث إذا كان له هذا الكم عن شيخ واحد ، فالأمر فيه تهويل ومبالغة وغرائب فلا يؤخذ منه ).
وعن إسماعيل بن عمرو البجلي ، فهو ضعيف ، ضعّفه أبو حاتم والدارقطني ، وابن عدي ، وذكره ابن حبّان في الثقات (١) ، وقد تفرد في رواية أحد الأحاديث (٢) ، والرواية التي نحن بصددها تفرّد بها الراوي ، ولم يتابع عليها وهي من رواة الآحاد ، ذكره ابن أرومة فأثنى عليه وقال : شيخ مثل إسماعيل ضيّعوه ، وقيل : يغرب كثيراً ، وله غرائب في حديثه تكثر ، وهو صاحب غرائب ومناكير مات سنة ٢٢٧ هـ (٣) ، وذكر البغوي أنّه توفّي بعد هذا التاريخ بسنة (٤) ـ إذن الأمر في وفاته مختلف ـ.
والأكثر من كلّ ذلك هناك ركاكة في السند! منها لماذا روى زيد عن أبيه عن عمّته من دون جدّه ، فلماذا هذه الانعطافة في السند؟!
ثمّ لماذا عن أسماء بنت عميس وهي زوجة أمير المؤمنين عليه السلام من دون الإمام نفسه؟! وينسحب ذلك على أم هانئ (٥).
الثاني : روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله : ( ... والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من
__________________
١ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ٢ / ١٢٤ ، ٢ / ٢٤١ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٢ / ١٠٥.
٢ ـ المتّقي الهندي : كنز العمال ٣ / ٢٢٧.
٣ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ١ / ٢٨٠.
٤ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٦٧.
٥ ـ هذا ما يراه الباحث ، وربما عند غيره ، لا يشكّل ضعفاً في الرواية.
٥٢
فقرهم كأنّما سودّت وجوهم بالعظلم ، وعاودني مؤكّداً وكرر عليّ مردداً فأصغيت إليه سمعي فظنّ أنّي أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقي ، فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى.
وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت : أصلة أم صدقة أم زكاة فذلك محرّم علينا أهل البيت؟ فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية ، فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني أم متخبط أم ذو جنّة أم تهجر؟! والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذّة لا تبقى ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين ) (١).
وقد رويت هذه الرواية بطريقة أخرى ، نقلاً عن عقيل قوله : « ...أصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم ، فقال : أئتني عشية لأدفع لك شيئاً ، فجئته يقودني أحد ولدي ـ دلالة على أنّه أعمى ـ فأمره بالتنحي ، ثمّ قال : ألا فدونك ، فأهويت
__________________
١ ـ الإمام عليّ عليه السلام : خطب نهج البلاغة ٢ / ٢١٧ ، الشريف المرتضى : رسائل ٣ / ١٣٩ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٤٥ ، الديلمي : إرشاد القلوب ٢ / ٢١٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٢ / ٩٧.
وقد أخذت هذه الرواية ونسج على منوالها أشياء كثيرة ومعظمها مطعون فيه ، ينظر مبحث ذهابه إلى معاوية.
٥٣
حريصاً قد غلبني الجشع أظنّها صرّة فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً فلمّا قبضتها نبذتها ، وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره ، فقال لي : ثكلتك أمّك هذه من حديدة أوقدت لها نار الدنيا فكيف بي وبك غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم ، ثمّ قرأ : (إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) (١) ، ثمّ قال : ليس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه الله لك إلّا ما ترى فانصرف إلى أهلك ... » (٢).
قيل : إنّ الله سبحانه وتعالى حرّم الصدقات على أولاد أبي طالب وأحلّ لهم الخمس بقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ..) (٣) ؛ لأنّ مستحق الخمس هم أولاد الإمام عليّ عليه السلام وأولاد إخوته جعفر وعقيل ، وقيل : آل العبّاس (٤).
وطبقاً لما ورد في هذه الرواية وغيرها ، يستفاد منها أنّ آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، هم من آل بيت النبيّ عليهم السلام ، وهذا ما أكّده ابن طاووس عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قوله : ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقرابتي قال : آل عقيل ، وآل جعفر ، وآل العبّاس ) (٥).
وهذا مشكل ، وعليه اعتراضات كثيرة!
فحديث الثقلين مروي عن عدّة طرق يفيد أنّ آل بيت النبيّ عليهم السلام هم نسل فاطمة عليها السلام فقط وهم أصحاب الكساء ، وقد علّق على ذلك السيّد محمّد صادق
__________________
١ ـ غافر / ٧١.
٢ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٢٥٤ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ١٦٠ ، أحمد زكي : جمهرة رسائل العرب ١ / ٥٢٥.
٣ ـ الأنفال / ٤١.
٤ ـ الطوسي : النهاية / ٥٩٨ ، ابن البرّاج : المهذب البارع ١ / ١٧٩ ، المحقّق الحلّي : شرائع الإسلام ١ / ١٣٦.
٥ ـ الطرائف / ١١٦ ، ينظر المجلسي : البحار ٢٣ / ١٠٩.
٥٤
النجمي بقوله : « ويروى هذا الحديث عن زيد فسأله المسلمون من أهل بيته؟ قال : من حرم الصدقة بعده ، قال : ومن هم؟ قال : هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، قال : كلّ هولاء حرم الصدقة؟ قال : نعم.
أقول : أخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه بأسانيد متعدّدة ، ولكنّه أسقط الشقّ الأخير منه الذي يختصّ بقصّة الغدير ... بينما زيد بن أرقم هو من جملة المئات من رواة حديث الغدير ... ولا يخفى أنّ زيد بن أرقم عندما حدّث بهذا الحديث ، فقد حرّف المفهوم الصحيح والواقعي لأهل البيت عليهم السلام وأدخل فيهم آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ، بينما الحديثان اللذان نقلناهما ذيل آية التطهير والمباهلة نرى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قد عرّف أهل البيت عليهم السلام بحيث لم يجعل مجالاً لزيد بن أرقم وأشباهه أن يبدوا رأيهم الخاص وحسب أهوائهم » (١).
ومن أدلّة تحريم الصدقة على آل أبي طالب ، ما ذكر عندما قدّم للرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام وأبي ذر والمقداد وحمزة وعقيل وزيد طبقاً من رطب : « ...فقلت : هذه صدقة ، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : كلوا ، وأمسك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام وحمزة وعقيل ، ووضعت طبقاً آخر ، فقلت لهم : هذه هدية ، فمدّ يده الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وقال : كلوا بسم الله ... » (٢) ، فإذا كان عقيل لم يأكل الصدقات على عهد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فكيف يطلب من أمير المؤمنين عليه السلام أن يعطيه من أموال المسلمين؟!
كما لا يجوز له أن يطلب من الإمام عليّ عليه السلام الأموال ؛ لأنّه عليه السلام عندما تولّى الخلافة صعد المنبر فخطب بالناس قائلاً : ( ... يا معشر المهاجرين والأنصار ، يا معشر قريش اعلموا والله إنّي لا أرزؤكم من فيئكم شيئاً ما قام لي عذق بيثرب
__________________
١ ـ أضواء على الصحيحين / ٣٣٢.
٢ ـ علي بن يوسف الحلّي : العدد القوية / ١١٧.
٥٥
أفتروني مانعاً نفسي وولدي ومعطيكم؟! ولأسوينَّ بين الأسود والأحمر ، فقام إليه عقيل بن أبي طالب فقال : لتجعلني وأسوداً من سودان المدينة واحداً؟! فقال له : اجلس رحمك الله تعالى ، أما كان هاهنا من يتكلّم غيرك؟ وما فضلك عليهم إلّا بسابقة أو تقوى ) (١).
وقد صوّرت هذه الرواية وكأنّ عقيل غير عارف بعدل أمير المؤمنين عليه السلام وزهده في الدنيا! في حين ذكرت أنّه كان أعمى ، فلعلّه فقد بصره في أواخر أيامه لكبر سنّه ، وإذا كان في هذا العمر فسوف يكون أولاده في سن يؤهّلهم للعمل! وإذا كان هكذا فلماذا الفقر؟! وكان أمير المؤمنين عليه السلام يعطي العطيات له ولولده (٢).
وروي أنّ عقيل جاءه وهو جالس في مسجد الكوفة ، فسلّم عليه ، وكان عقيل حينئذٍ أعمى ، فأمر إبنه الحسين عليه السلام أن يشتري له قميصاً وأزاراً ورداءً ونعلاً ، وجاء في اليوم التالي فطلب المال ثانية ، فوعده أن يعطيه من عطائه (٣).
وقيل : انّ الإمام كساه من كسوته ، فلمّا حضر العشاء ، فإذا هو خبز وملح فقال عقيل : ليس إلّا ما أرى؟ فقال : أو ليس هذا من نعمة الله ، وله الحمد كثيراً؟ فطلب منه أن يعطيه ما بقى من دينه ، فكان مائة ألف درهم ، فاعتذر الإمام عليه السلام لعدم توفّر المال لديه ، فأراد عقيل أن يعطيه من بيت مال المسلمين ، فرفض الإمام عليه السلام ، وكانا يتكلّمان من فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق ، فقال له الإمام عليه السلام : أكسر صناديق التجار وخذ من أموالهم ـ أراد أن
__________________
١ ـ المفيد : الاختصاص / ١٥١ ، الكليني : الكافي ٨ / ١٨٢ ، النوري : مستدرك الوسائل ١١ / ٩٤.
٢ ـ الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٨.
٣ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٢ / ١٢٤.
٥٦
يختبره ـ فردّ عليه بقوله : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم؟! فردّ عليه أمير المؤمنين عليه السلام : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكّلوا على الله وأقفلوا عليها؟! وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً ... ، ثمّ انطلقنا إلى الحيرة فإنّ فيها تجّاراً مياسير ، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أو سارقاً جئت؟ فقال عليه السلام : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً ، قال له : أفتأذن لي أن أخرج إلى معاوية؟ ... وعندما خرج قال للإمام عليه السلام :
سيغنيني الذي أغناك عنّي ، ويقضي ديننا ربّ قريب (١).
وقيل : إنّ الإمام خرج به يوم الجمعة وقت الصلاة فقال له : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين؟ قال : بئس الرجل ، قال : فإنّك أمرتني أن أخونهم وأعطيك ... (٢).
الثالث : يظهر من بعض الروايات أنّ عقيلاً عاش في حالة فقر دائم ، وهذا ما أشار إليه الحاكم في معرض حديثه عن الأموال التي أتت إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من البحرين ، فأمر بها ونثرت على حصير ، ونودي إلى الصلاة ، فجاء صلى الله عليه و آله و سلم يميل على المال قائماً ، فجاء الناس ، وجعل يعطيهم ، وما كان يومئذ عدد ولا وزن ، وما كان إلّا قبضاً ، فجاء العبّاس بن عبد المطلب فقال : يا رسول الله إنّي أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ، ولم يكن لعقيل مال ، أعطني من هذا المال ... (٣). ( وقد نوقشت القضية وتمّ تفنيدها في محلّها ) (٤).
__________________
١ ـ حجازي : درر الأخبار / ٢٨٦.
٢ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٢.
٣ ـ المستدرك ٣ / ٣٣٠.
٤ ـ ينظر آخر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).
٥٧
الرابع : وروى مالك عن ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عمّن حدّثه قوله : « إنّ عقيل بن أبي طالب كان لا يرى بأساً في الرجل يكون عنده تيس يطرقه الغنم ويأخذ عليه الجعل » (١). يظهر أنّه يكسب رزقه من فحل الأغنام الذي يأخذ عنه الأجر لقاء تلقيح أغنام غيره.
وهذه رواية مرفوضة إطلاقاً ، ولم تعرف هذه السمة عن عقيل.
وإذا دقق النظر في سندها فهي مجروحة من جهة عبد الجبار بن عمر الأيلي فهو مقدوح فيه ، فقال عنه البيهقي : غير محتجّ به ، وليس بشيء (٢) ، وضعيف (٣) ، وعنده مناكير (٤) ، وليس بالقوي (٥) ، وفي حديثه وهم (٦) ، وكان رديء الحفظ يأتي بالمعضلات عن الثقات ، ولا يحتج به إلّا فيما وافق الثقات (٧) ، وهو لا شيء (٨) ، وليس بثقة ومتروك ، ومنكر الحديث (٩) ، ولم يوثّقه إلّا ابن سعد (١٠).
أمّا ابن وهب ـ فلم نستطع أن نحدد شخصيته ـ فقيل : هو أبو محمّد عبد
__________________
١ ـ المدونة الكبرى ٤ / ٤٢٧.
٢ ـ السنن الكبرى ٩ / ٣٥٤ ، ابن حجر : تلخيص الحبير ٤ / ٦٥٦.
٣ ـ المديني : سؤالات / ١٣٤.
٤ ـ ابن الأشعث : سؤالات ٢ / ١٦٦ ، ابن ماجة : سنن ١ / ٥٣٤ ، الترمذي : سنن ٤ / ٢٢٠ ، ابن معين : تاريخ ١ / ١٢٣
٥ ـ البخاري : التاريخ الصغير ٢ / ٤٢.
٦ ـ البخاري : الضعفاء الصغير / ٨٢.
٧ ـ العقيلي : الضعفاء ٣ / ٩١.
٨ ـ ابن حبّان : المجروحين ٢ / ١٥٨.
٩ ـ ابن حزم : المحلّى ١ / ١٤٣ ، ينظر ابن ماجة : سنن ١ / ٥٣٤ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٣١.
١٠ ـ الطبقات ٧ / ٥٢٠.
٥٨
الله بن سلمة الفهري المصري (١) ، وذكر الأردبيلي أنّ ابن وهب العامي كذّاب وضعيف جدّاً (٢) ـ ، من دون أن نعرف هل أنّه ابن وهب صاحب الرواية أم غيره؟ ـ أمّا الهندي ، فقال عنه : « ابن وهب مقدوحاً مجروحاً مهجوراً مثبوراً » (٣) ، وكان مدلّسا (٤) ، وعدّ ابن معين حديثه والريح سواء ، وأنّه ليس بذاك في ابن جريج كان يستصغر ، وقيل : إنّه سمع منه ( ٣٧٠ ) شيخاً ، وروى ( ١٥٠ ) ألف حديثاً ، وحديثه كله عند حرملة سوى حديثين (٥) ، وقال أحمد بن حنبل : وفي حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء ، وصدقه أبو عوانة ؛ لأنّه يأتي بأشياء منكرة لا يأتي بها غيره ، وكان يتساهل في الأخذ والسماع ، وأنّه يسيء الحفظ (٦).
وقد علّق المارديني على هذه الرواية بقوله : « رواية فاسدة ... عن عبد الجبار ابن عمر ، وهو ضعيف ... وقد أجَلَّ الله قدر عقيل في نسبه ، وعلو قدره أن يكون تيّاساً يأخذ الأجرة على قضيب تيسه » (٧).
وأخيراً نتساءل لماذا كان عقيل فقيراً وقد وضعه عمر في المرتبة الأولى من العطاء كونه من بني هاشم؟!
__________________
١ ـ مالك : الموطأ ١ / ١٠.
٢ ـ مجمع الفوائد ١١ / ٢٢١.
٣ ـ إفحام الأعداء / ١٧٦ ، وينظر ١٨١ من الكتاب نفسه.
٤ ـ ابن سعد : الطبقات ٧ / ٥١٨.
٥ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٥٢١.
٦ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٦ / ٦٥ ، ٦٦.
٧ ـ ابن التركماني : الجوهر النقي ٨ / ١٩٣.
٥٩

أدلّة القائلين بغناه وعدم فقره :

هناك أدلّة تؤيّد غناه وتدحض قضية فقره ، منها :

الدليل الأوّل : إنّه تزوج عدّة زوجات وأنجب عدّة أولاد ، فمن كان فقيراً هل باستطاعته أن يفعل هذا؟! أليس من الأجدر به أن يبقى على زوجة واحدة وقليل من الأطفال حتّى يعالج قضية فقره؟! فكثرة عدد زوجاته التي ترتب عليه زيادة عدد أطفاله ألم يكن دليلاً على غناه وعدم فقره؟

ثمّ عدد أولاده وكبر سنّهم ، فلماذا لا يؤهّلهم للعمل لسدّ رمقهم من مأكل وملبس؟

ورغم فقره المزعوم قيل : إنّه تزوج فاطمة بنت عتبة ، فوعدته أنّها تنفق عليه فتزوّجها. وهذه رواية مرفوضة لا تؤيّدها الأدلّة الكافية!

والأكثر من ذلك صيّرته الروايات عندما ذهب إلى معاوية كي يوفي ديونه ، تزوّج هناك أكثر من زوجة! هذه كثير من الخزعبلات وقف الباحث عندها وتحقق من عدم صحّتها (١).

الدليل الثاني : إذا فرضنا أنّه كان فقيراً ، فعندما ملك دور بني هاشم ورباعهم لماذا لم يصبح غنياً؟! حيث ورد أنّه ملك دور ورباع بني هاشم بعد هجرتهم وباعها ، إلى الحدّ الذي باع فيه منزل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (٢).

__________________

١ ـ ينظر مبحث ذريته ( الفصل الثاني ).

٢ ـ الواقدي : المغازي ٢ / ٨٢٩ ، ابن سعد : الطبقات ٢ / ١٣٦ ، السرخسي : المبسوط ١٠ / ٥٢ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٧٦٢ ، النووي : المجموع ١٩ / ٣٤٦ ، ابن كثير : البداية ٧ / ٤٧ ، النباطي : الصوارم ٣ / ٦٠.
٦٠
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:41 am

وهذه النقطة يستوجب التوقّف عندها للأسباب التالية :

كيف سمحت قريش له أن يتملّك دور المهاجرين من بني هاشم؟! فلا ندري هل ملك هذه الدور لأنّهم أقاربه ، بحيث سمح لكلّ فرد غير مهاجر يتملّك أملاك أقاربه من المهاجرين ، وخدمت هذه النقطة عقيل؟!

من الأجدر معرفة عقيدته في هذه الفترة ، هل كان مسلماً أم لا؟ لأنّ هذا يترتب عليه أثر ، وإذا كان مسلماً ، وخرج إلى بدر كارهاً بدليل وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم له وللعبّاس بن عبد المطلب (١) فلا يجوز له شرعاً أن يبيع أملاك المهاجرين من بني هاشم. وهذا ما أشار إليه صاحب الجواهر بقوله : « مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها ... ومن قاعدة تسلّط الناس على أموالهم وغيرها ممّا يقتضي ذلك ، مؤيّداً بيع عقيل رباع أبي طالب وجملة من الصحابة منازلهم كإضافتها إليهم ... » (٢) ، وأضاف العلّامة الحلّي قائلاً : « ...يعني أنّ عقيلاً باع رباع أبي طالب ولو كانت غير مملوكة ، ولم يؤثّر بيع عقيل شيئاً ... » (٣).

الدليل الثالث : من أدلّة ثرائه أنّ له دوراً ، ومنها داره المعروفة بـ ( دار ابن القبطي ) على باب المسجد في الكوفة (٤) ، وقيل : إنّه استولى على دار النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وهي دار السيّدة خديجة عليها السلام (٥) ، وكذلك حصل على دار محمّد بن يوسف (٦)

__________________

١ ـ ينظر مبحث إسلامه ( الفصل الثالث ).

٢ ـ جواهر الكلام ٢٢ / ٣٥٢.

٣ ـ منتهى المطلب ٢ / ١٠١٨ ، تذكرة الفقهاء ١ / ٥١.

ذكر المحقّق النراقي أنّ تقرير النبيّ بيع عقيل داره بمكّة ، حديث ضعيف وضعفه ظاهر ( مستند الشيعة ١٤ / ٢٧٦ ).

٤ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٢٣٥.

٥ ـ السرخسي : المبسوط ١٠ / ٥٢ ، النووي : المجموع ١٩ / ٣٤٦.

٦ ـ أخو الحجاج بن يوسف. ينظر الطبري : تاريخ ١ / ٥٧١.


٦١

وهي الدار التي ولد فيها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولم تزل بيده حتّى وفاته ، وله دار في المدينة (١) ، ويمكن أن تكون هذه الدار في البقيع حيث دفن فيها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (٢) ، وكذلك قيل : إنّه ورث أملاك أبي طالب ، وهو حديث مصنوع وكذب موضوع على أصل غير ثابت (٣).
تنبيه :
بعد أن عرضنا أدلّة الفريقين ، أي : أدلّة القائلين بفقره ، والقائلين بغناه ، ربما يسأل بعضهم إلى أين توصّل الباحث خاصّة بعد أن عرض أدلّة فقره وردّ عليها ، وأدلّة غناه وردّ عليها ، أو على بعضها ، فماذا يرجّح؟ وهل يقول بفقره ، أم عكس ذلك؟ أم أنّه ذو مستوى معاشي مناسب ، ليس بالفقير المدقع إلى درجة البؤس والشعث ، وليس بالغني إلى درجة كونه من أصحاب الأملاك؟ فالباحث يرجّح الشقّ الأخير.
وكذلك لم نجد شيئاً عن عمله الأساسي ، فهل عمل بالتجارة أم في غيرها؟ من الكسب الحلال ، أم اكتفى بالعطاء؟ ولماذا لم يعيّن أحد أبنائه في وظائف إدارية؟ ألم يكونوا جديرين؟ وهل يعقل أنّ الإمام عليه السلام يرى فقر أخيه ويسكت من دون أيّة مساعدة؟ فربما العطاء غير كاف والأقربون أولى بالمعروف ، أفلا توجد أبواب أخر للمساعدة ، غير الصدقات والزكاة ، ومسألة الخمس؟ فإذا كان غير مشمول بالخمس فله حقّ أخذ الصدقة ، وإذا كان غير مشمول
__________________
١ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٢.
٢ ـ الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٥٥.
٣ ـ المفيد : إيمان أبي طالب / ١٦٢.
٦٢
بالصدقة فله حقّ أن يأخذ الخمس ، وإذا كان غير مشمول بالاثنين فله الحقّ أن يأخذ من حصّة أخيه في الخمس ، ولا يظن أنّ الإمام عليه السلام يبخل عليه في ذلك.
وتبقى مسألة طمع عقيل وحبّه للمال جديرة بالذكر ، فربما يعود ذلك لكثرة أفراد أسرته.
علاقاته الاجتماعية :
سنحاول في هذا المبحث بسط القول عن علاقة عقيل بأفراد أسرته وأقربائهِ ومن تبعهم ، لاسيّما أبوه وأمّه وإخوته.
وتجدر الإشارة بالقول إلى قلّة المعلومات في هذا الجانب ، اللّهمّ إلّا ما استطعنا أن نستشفّه من بعض الروايات. ومن ذلك ما ورد أنّ أبا طالب كان يحبّه أكثر من بقية أولاده ، وقد نسب لعقيل قوله : « لا يختر أحدكم ولداً وأنا أعزّ ولد أبي طالب » ، وكذلك حديث للنبي صلى الله عليه و آله و سلم مفاده ( أنّه يحبّه لحبّ أبي طالب له ) ، وقد تمّ الوقوف على هذه الروايات ولم يثبت صحّتها (١).
ولم يسجّل له حضور في دفن أبيه وأمّه ، حيث أغفلت المصادر ذكره ، وإذا ذكرته فلم يتسن لنا الوقوف عليه.
وبخصوص علاقته مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فلم نعرف شيئاً عنها سوى الحديث الذي ذكرناه ، ورواية أخرى عن جابر رضي الله عنه : أنّ عقيل دخل على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقال له : مرحباً بك أبا يزيد كيف أصبحت؟ قال : بخير صبّحك الله يا أبا القاسم (٢) وقيل : إنّ أبا طالب أرسله في بداية الدعوة لطلب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بعد أن شكته قريش لدى عمّه أبا طالب ، ولم يثبت ذلك (٣).
__________________
١ ـ للتفصيل ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٢ ـ المتّقي الهندي : كنز العمال ١٣ / ٥٦٢.
٣ ـ ينظر أوّل مبحث إسلامه ( الفصل الثالث ).
٦٣
أمّا عن علاقته مع أخواته ، فلم نجد شيئاً من ذلك ، ولم يطرأ لها ذكر ، والحال نفسها مع أخيه جعفر ، فتكاد تكون العلاقة معدومة بينهما ، سوى رواية غير صحيحة أنّه شارك معه في غزوة مؤتة ، ولم تثبت صحّتها (١) ، وقيل : إنّ عقيلاً كان يذنب جعفراً ويضربه ـ كما سنوضّحه ـ ولم نجد شيئاً من الزواج والتصاهر بين أسرة جعفر وعقيل.
وعن علاقته مع أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد دنّسها بعض المؤرّخين ، ورووا بذلك روايات مفتعلة ، وجعلوها أدلّة على سوء العلاقة بينهما ، ومنها :
الأوّل : ما رواه ابن شهر آشوب عن أبي الفتح الحفار بإسناده أنّ عليّاً عليه السلام قال : ( ما زلت مظلوماً منذ أن كنت ، قيل له : عرفنا ظلمك في كبرك ، فما ظلمك في صغرك؟ فذكر أنّ عقيلاً كان به رمد فكان لا يذرهما حتّى يبدأ بي ).
قال ابن الحجاج (٢) :
وقديماً كان العقيل تداوى

وسوى ذلك العليل عليل
حين كانت تذر عين علي

كلّما التاث أو تشكى عقيل (٣)
والملاحظ على الرواية ، أنّها من منفردات ابن شهر آشوب ، وإسنادها غير تام ، فقد أشار إلى أبي الفتح الحفّار ، وهو هلال بن محمّد بن جعفر بن سعدان
__________________
١ ـ ينظر مبحث غزوة مؤتة ( الفصل الرابع ).
٢ ـ لم نستطع تمييزه لكثرة الأعلام المشهورين الذين سمّوا بهذا الاسم ، مثل شعبة بن الحجاج وعبد الرحمن بن الحجاج ، فربما هو أبو عبد الله بن الحجاج ت ٣٩١ هـ شاعر مقل من العصر البويهي. ( الزركلي : الأعلام ٢ / ٢٣١ ).
٣ ـ مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٨٧.
٦٤
ابن عبد الرحمن بن ماهويه بن مهيار بن المرزبان المتوفّي سنة ٤١٤ هـ وكان صدوقاً (١) ، وقيل ثقة (٢).
وكذلك ما رواه الصدوق عن حمزة بن محمّد بن أحمد العلوي عن أحمد ابن محمّد الكوفي عن عبد الله بن حمدون عن الحسين بن نصير عن خالد عن حصين عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن أبيه عليهما السلام قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما زلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين مبتلين بمن يؤذينا ، ولو كان المؤمن على رأس جبل لقيّض الله عزّ وجل له من يؤذيه ليأجره على ذلك ) ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ( ما زلت مظلوماً منذ أن ولدتني أمي حتّى أن كان عقيل ليصيبه رمد فيقول : لا تذروني حتّى تذروا عليّاً ، فيذروني وما بي رمد ) (٣).
والملاحظ على الرواية ، أنّ صاحبها نقلها عن حمزة بن محمّد بن أحمد ابن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام (٤) ، فقد ذكره السمعاني بقوله : « ... نجم أهل بيت النبوّة في زمانه ، الشريف حسباً ونسباً ، والجليل همّة قولاً وفعلاً وسلفاً وخلفاً ... وميلاً إلى الحديث وأهله ، ونشر محاسن الخلفاء والمهاجرين والأنصار وذبّاً عنهم ، وإنكاراً للوقيعة فيهم ... ذكر يزيد بن معاوية فقال : أنا لا أكفّر يزيد لقول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : « إنّي سألت الله أن لا
__________________
١ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ١٤ / ٧٦.
٢ ـ ابن كثير : البداية ١٢ / ٢١.
٣ ـ علل الشرائع ١ / ٤٤ ، الاعتقادات / ١٠٥ ، ينظر الطوسي : الأمالي / ٣٥١ ، ينظر الراوندي : الخرائج ١ / ١٨٠ ، البحراني : حلية الأبرار ٢ / ٣٣٤ ، المجلسي : البحار ٢٧ / ٦٢ ، هادي النجفي : ألف حديث / ٢٧ ، حجازي : درر الأخبار / ٤٦٠ ، الريشهري : ميزان الحكمة ١ / ١٤٦.
٤ ـ الصدوق : الهداية / ٦٣.
٦٥
يسلّط على أمّتي أحداً من غيرهم فأعطاني ذلك » (١).
فالمتمعّن في العبارة الأخيرة ـ إنْ صحّت ـ تكفي العلوي تجريحاً! فهل هناك عاقل على البسيطة لم يكفّر يزيد؟! وبماذا يكون الشخص كافراً إذا كان من قتل ابن بنت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كذلك؟! وينطبق عليه قول الإمام الصادق : عليه السلام ( من شكّ في كفر أعدائنا الظالمين لنا فهو الكافر ) (٢).
والأكثر من ذلك يوحى من كلامه أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم طلب يزيد من الله سبحانه وتعالى حتّى يقتل الحسين عليه السلام!!
وبما أنّه علوي ومن ذرية طاهرة ، الأفضل به أن ينقل عن أبيه عن جدّه ، فلماذا نقل عن أحمد بن محمّد الكوفي؟! وربما هذه من الأسباب التي جعلت البروجردي ، لا يعتمد على روايته بقوله : « حمزة بن محمّد ... روي عنه ، ولكنه غير مذكور في علم الرجال ، فلا أعتمد على روايته » (٣).
أمّا أحمد بن محمّد الكوفي ، فمصيره مثل سابقه ، فإنّه مجهول في هذه الطبقة (٤) ، وهو من شيوخ الكليني ، وثّقه العلّامة الحلّي وابن داود والمجلسي والطريحي والكاظمي ، روى عنه الكليني بعناوين مختلفة (٥) ، وعدّه التفرشي من
__________________
١ ـ الأنساب ٣ / ١٨٩ ، لمراجعة نصّ الحديث ينظر الطبراني : المعجم الصغير ١ / ٧ ، المعجم الكبير ٢٠ / ٤٤ ، المعجم الأوسط ٨ / ٢٠٠.
٢ ـ الصدوق : الاعتقادات / ١٠٤.
٣ ـ طرائف ١ / ١٧٠.
وهذا صحيح جدّاً بحيث بحثنا عنه ولم نجده سوى السيّد الخوئي وقف عنده ( قدّس سره ) فذكر ثلاث أسماء لشخصية واحدة. ( معجم رجال الحديث ٧ / ٢٩٢ ).
٤ ـ أنظر السيّد مصطفى الخميني : الطهارة الكبير ٢ / ١١.
٥ ـ الغفار : الكليني والكافي / ٥٢٥.
٦٦
أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام ، وهو أخو كامل بن محمّد ، ثقة (١) ، وخالفه البروجردي فقال : « أحمد ... أخو كامل بن محمّد وكلاهما غير معلوم الحال ، حتّى أنّ أخاه أخفى ، وإن كان الظاهر من هذا كونه أجلى فإنّه غير مذكور أصلاً » (٢) ، وذكره السيّد الخوئي مكتفياً بالقول : إنّه ورد في إسناد جملة من الروايات تبلغ أربعين مورداً (٣) ، ترجمه النجاشي ، وعدّ من كتبه كتاب الممدوحين والمذمومين (٤).
وعبد الله بن حمدون ، فهو غير معروف ولم يذكر إلّا في هذه الرواية ، ولم ينقل عنه غيرها ، ثمّ اسم أبيه يوحي أنّه من أهل الأندلس ، مثل سحنون وفرحون.
والحال نفسها مع الحسين بن نصير ، وخالد ، وحصين ، الواردين في الرواية.
ونحن نتسائل لماذا ذكرهم من دون ذكر آبائهم حتّى نعرف من هم؟!
أمّا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ، فلا يعرف هل المقصود به ابن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام ، فإذا كان هو المقصود ، فهو حسن المذهب ، مقدّماً في أهل بيته ، بعيداً ممّا يعاب عليه مثله ، وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام وغيره ، وروي عنه (٥) ولم يذكر الحصين بين تلامذته ، فإذا كان من تلامذة الإمام عليه السلام لماذا لم ينقل الرواية عنه؟! وعدّه
__________________
١ ـ نقد الرجال ١ / ١٧٠.
٢ ـ طرائف ١ / ٢٨٠.
٣ ـ معجم رجال الحديث ٣ / ١٢٨.
٤ ـ السبحاني : كلّيات في علم الرجال / ٤٤.
٥ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٣٠٨.
٦٧
التفرشي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (١) ، وقد ذكره السيّد الخوئي وأورد الاختلافات بصدده (٢).
ويمكن أن يطرح تساؤل كيف يكون يحيى بن عبد الله بن الحسن بن أبي طالب ، وهو نقل الرواية عن أبيه عبد الله عن عليّ بن الحسين عن الإمام الحسين عليه السلام ، أليس من الأفضل أن ينقل مباشرة عن أبيه عن الإمام الحسن عليه السلام؟! ممكن أن يكون غير هذا النسب!
والغريب في السند أنّ الراوي الأوّل من نسل الإمام زيد بن عليّ ، والراوي الأخير رواها عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام ، وفي منتصف السند دخلت مسمّيات وشخصيات غير معروفة!! فالأجدر أن يكون سندها من الذرية الطاهرة أفضل من حمدون وحصين وغيرهم.
أمّا الطوسي فقد روى الحادثة بسند يختلف عن سند رواية الصدوق ، ولم يشر إلى قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم الوارد في رواية الصدوق مكتفياً بقول أمير المؤمنين عليه السلام (٣).
وقد رفض العلّامة المجلسي الرواية بقوله : « لا تخلو الرواية من غرابة بالنظر إلى التفاوت بين مولد أمير المؤمنين عليه السلام وعقيل ، فإنّ من المستبعد أن يكلّف من له اثنان وعشرون سنة مثلاً تقديم من له سنتان في الأضرار ، وأبعد منه قبول الوالدين منه ذلك » (٤).
__________________
١ ـ نقد الرجال ٥ / ٧٦.
٢ ـ معجم رجال الحديث ٢١ / ٦٧.
٣ ـ الأمالي / ٣٥١.
٤ ـ البحار ٢٧ / ٢٠٨.
علماً أنّنا من الرافضين لرواية الفارق الزمني الكبير بين أولاد أبي طالب ، وقد سبق وأن ناقشنا ذلك.
٦٨
وما يسجّل على الرواية أنّ عقيلاً هو أكبر إخوته ، فلماذا يطلب أن يذروا عليّاً عليه السلام من دون جعفر ، وإذا ذرّ أيّ منهم بماذا يخدم ذلك عقيلاً؟
ثمّ إنّ الرواية تتحدّث عن أولاد أبي طالب وكأنّهم تربّوا في كنفه! وفي روايات أخر يقولون : إنّ أبا طالب أملق وحصل ما حصل من تقسيم أولاده! وماذا عن تربية الإمام عليّ عليه السلام في بيت النبوّة منذ صغره؟ وهل أنّ عقيلاً يرمد منذ صغره حتّى عمى وهو كبير؟ فلم نجد ما يدل على رمد عينيه إلّا في هذه الرواية ، وهذا يظهر منه كبر سنّه قياساً بأمير المؤمنين عليه السلام ، فالعمى حالة طبيعية لمن يكبر ويتقدّم بالعمر.
الثاني : مظلومية الإمام عليّ عليه السلام الذي ذكرها بقوله : ( ما زلت مظلوماً منذ أن قبض الله نبيه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى يوم الناس هذا ، ولقد كنت أظلم قبل ظهور الإسلام ، ولقد كان أخي عقيل يذنب أخي جعفر فيضربني ) (١).
يظهر من الرواية مدى كراهية عقيل للإمام عليه السلام وحقد الإمام عليه السلام عليه ، وشعوره نحوه بالظلم! هذه روايات مرفوضة ؛ لأنّها موضوعة ، ولابدّ من ردّها.
فمن جهة يقسّمون أولاد أبي طالب كلّ في بيت من أقاربه ، ومن جهة أخرى يظهرونهم وكأنّهم تربّو في بيت واحد! ثمّ ما ذنب الإمام عليه السلام مع عقيل ، فإذا كان جعفر قد أذنب ، فلماذا يضرب الإمام عليه السلام؟!
وفي رواية سابقة أن رمدت عين عقيل ويريدون أن يذروه فيرفض حتّى يذروا عين الإمام عليه السلام وما به رمد.
وما يضعف الرواية أنّها وردت عند ابن أبي الحديد من دون سند ، ولم تردّ
__________________
١ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٢٠ / ٢٨٣.
٦٩
عند غيره ، وفيها غرابة ، وبناء على ذلك لا يمكن الركون إليها.
وللردّ على القائلين بسوء علاقة عقيل بالإمام عليّ عليه السلام ، لدينا بعض الأدلّة التي تؤيّد العلاقة الحسنة بينهما ، منها :
الدليل الأوّل : حضوره ليلة زفاف الإمام عليّ عليه السلام من الصديقة الطاهرة عليها السلام أسوة بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم ، وحمزة وجعفر يمشون خلفهما شاهرين سيوفهم (١).
ويؤيّد هذه الرواية ما رواه الشيخ أبو الحسن المرندي : « قال عليّ عليه السلام : فلمّا كان بعد شهر دخل عليّ أخي عقيل بن أبي طالب ، فقال : يا أخي ما فرحت بشيء كفرحتي بتزويجك فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله يدخلها عليك فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما ، قال عليّ عليه السلام : والله يا أخي لأحبّ ذلك وما يمنعني من مسألته إلّا الحياء منه » (٢).
وقيل : إنّه كان حاضراً في أثناء وفاة الزهراء عليها السلام (٣).
وما يردّ الرواية أنّ عقيلاً لم تذكر له هجرة للمدينة ؛ لأنّ زواجه عليه السلام فيها ، ثمّ إنّ جعفراً كان مهاجراً في الحبشة.
الدليل الثاني : الكتاب الذي بعثه عقيل إليه بخصوص غارة أتباع معاوية على الحيرة.
وهذا ما أشار إليه البلاذري عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد قوله : « إنّ عقيلاً كتب إلى أخيه عليّ عليه السلام : أمّا بعد كان
__________________
١ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ١٢٩ ، التبريزي : اللمعة البيضاء / ٢٦٧.
٢ ـ الخوارزمي : المناقب / ٣٥٠ ، المجلسي : البحار ٤٣ / ١٣١ ، المرندي : مجمع النورين / ٥٨.
٣ ـ الفتّال : روضة الواعظين / ١٩١ ، ينظر الطبرسي : إعلام الورى / ١٥٢.
٧٠
الله جارك من كلّ سوء ، وعاصمك من المكروه على كلّ حال ، إنّي خرجت ـ يا بن أم ـ معتمراً ولقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) في نحو من أربعين شابّاً من أبناء الطلقاء فقلت لهم ـ وعرفت المنكر ـ : أين تريدون يا بني الطلقاء؟ أبمعاوية تلحقون عداوة لنا غير مستنكرة منكم تحاولون تغيير أمر الله وإطفاء نور الحقّ!!! فأسمعوني وأسمعتهم ، ثمّ إنّي قدمت مكة وأهلها يتحدّثون بأنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة وما يليها ، فأف لدهر جرّأ علينا الضحاك ، وما الضحاك إلّا فقع بقرقر (٢) ، فاكتب إليّ يا بن أم برأيك وأمرك ، فإن كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا متّ.
فكتب إليه الإمام عليّ عليه السلام : أنّ ابن أبي سرح وغيره من قريش قد اجتمعوا على حرب أخيك اليوم كاجتماعهم على حرب ابن عمّك قبل اليوم ، وإنّ الضحاك أقل وأذل من أن يقرب الحيرة ، ولكنه أغار على ما بين القطقطانية والثعلبية » (٣) (٤).
أظهرت الرواية علامات الحبّ والمودّة الأخويّة عندما يخاطبه يا بن أم ، وقد ربط مصيره بمصير الإمام عليه السلام إمّا الحياة وإمّا الموت ، رافعاً من معنويات الإمام بأنّه وأولاده في خدمته ، لكن الله سبحانه وتعالى ادّخر أولاد عقيل لنصرة
__________________
١ ـ كان يكتب الوحي للرسول صلى الله عليه و آله و سلم ويملي غير ما يأمره به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فحكم بقتله ولو كان معلقاً في أستار الكعبة ، وبقى هارباً حتّى استعمله عثمان على مصر. ( الصدوق : معاني الأخبار / ٣٤٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٤٠ ، المازندراني : شرح أصول الكافي ١٢ / ٢٦٥ ).
٢ ـ الفقعه يشبه به الرجل الذليل ، فيقال هو فقع بقرقر ، ويقال أيضاً أذل من فقع بقرقر لأنّ الدواب تنحله بأرجلها. ( ابن منظور : لسان العرب ٨ / ٢٥٥ ).
٣ ـ موضع طريق بمكة. ( ابن منظور : لسان العرب ١ / ٢٣٨ ).
٤ ـ أنساب الأشراف / ٧٤.
٧١
الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام في يوم كربلاء ، وقدّر للشهيد مسلم بن عقيل أن يحضر صفين ويقاتل بها ، حتّى وافاه أجله في الكوفة نموذجاً للشهادة في الإسلام ، وليس كما صوّرت علاقاتهما الرواية السابقة.
وللحقّ والحقّ يقال : إنّ الرواية ضعيفة من جهة عبّاس بن هشام ، فهو غير معروف ، وأبوه إذا كان هشام الكلبي ففيه طعن (١).
وعن أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي ، شيخ من أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم ، وكان يسكن إلى ما يرويه ، روى عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام ، وقيل : عن أبي جعفر عليه السلام ولم يصحّ (٢) ، ذكره الشيخ الطوسي بقوله : « لوط بن يحيى ... الأزدي الكوفي صاحب المغازي » (٣) ، ولم يشر إلى تجريحه أو توثيقه ، مكتفياً بالقول : « من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن أصحاب الحسن والحسين عليهما السلام على ما زعم الكشي ، والصحيح أنّ أباه من أصحاب الإمام عليّ عليه السلام وهو لم يلقه » (٤) ، وقد ظن العلّامة الحلّي أنّ الطوسي من القائلين بأنّ لوطاً من أصحاب الإمام عليه السلام فقال : « لعل الشيخ الطوسي والكشي أشارا إلى الأب ـ يعني أبوه ـ والله أعلم » (٥) ، وابن داود عن الشيخ الطوسي قال : « وعندي أنّ هذا غلط ؛ لأنّه لم يلق أمير المؤمنين عليه السلام وإنّما كان أبوه يحيى من أصحابه ، قيل : إنّه روى عن أبي جعفر عليه السلام ولم
__________________
١ ـ ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٢ ـ النجاشي : رجال / ٣١٩.
٣ ـ الطوسي : الرجال / ٢٧٥.
٤ ـ الطوسي : الفهرست / ٢٠٤.
٥ ـ العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٢٣٤.
٧٢
يصحّ » (١) ، والسيّد الخوئي قدس سره أشار إلى أنّ لوطاً لم يدرك أمير المؤمنين عليه السلام مستدلّاً على رواية لوط لخطبة الإمام عليّ والزهراء عليهم السلام بواسطتين ، وهذا يدلّ على عدم دركه إياه عليه السلام (٢).
وقد أورد ابن سعد ترجمة مخنف بن سليم بن حارث فذكر أنّه صحب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومن ولده أبو مخنف (٣) ، وذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وجعله من ثقات ومحدّثي الإمامية ، ومن العلماء وشيخ المؤرّخين ، وأشار إلى الاختلاف في سنة وفاته وجعلها تتراوح بين سنة ١٥٧ ، ١٧٠ ، ١٧٥ هـ (٤).
تجدر الإشارة إلى قوله وغيره ـ كما سيأتي ـ بأنّه إمامي ، وهذا لم يصرّح به كبار علماء الإمامية ، مثل الطوسي والنجاشي وغيرهم ، وإنّما أشار إلى صحبته للإمام الصادق عليه السلام وإلى مؤلّفاته في تاريخ الإمامية ، ولم يذكروه بأنّه إمامي ، أمّا ابن أبي الحديد المعتزلي فقال : « أبو مخنف من المحدّثين وممّن يرى صحّة الإمامة بالاختيار وليس من الشيعة ، ولا معدود من رجالها » (٥).
وبعد أن عرض موقف علماء الإمامية منه ، وكان خالياً من الطعن ، فبالحري التعرّف على موقف الفريق الثاني الذي انهال عليه تجريحاً لا لذنب ارتكبه ، وإنّما ظناً منهم أنّه شيعي حسب زعمهم!
__________________
١ ـ رجال / ١٥٧ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٧٥.
٢ ـ معجم رجال الحديث ١٥ / ١٤٢.
٣ ـ الطبقات ٦ / ٣٥.
٤ ـ الفائق ٢ / ٦٢٥.
٥ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٧.
٧٣
فقد أشار الألباني إلى حديث مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام فوثّق كلّ رواته باستثناء لوط بن يحيى مشيراً بأنّه إخباري هالك (١) وكفى ، من دون أن يبرز العوامل الذي جعلته يقول بضعفه.
وأشار ابن أبي حاتم إلى ضعفه ، عن يحيى بن معين قوله : « أبو مخنف ليس بثقة » ، وعبد الرحمن عن أبيه ، أنّه متروك الحديث (٢) ، ونقل ابن عدي عن ابن معين أنّه ليس بشيء ، وفي رواية ثانية عنه ليس بثقة ، وقيل هذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه بعضهم ، فإن لوط معروف بكنيته وباسمه حدّث بأخبار المتقدمين الصالحين من السلف ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنّما وصفته لا يستغني عن ذكر حديثه ، فأني لا أعلم له من الأحاديث المسندة ما أذكره وإنّما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحبّ ذكره (٣).
أمّا الذهبي فقد كان متحاملاً عليه جداً ، فوصفه بأنّه أخباري تالف في الحديث ، لا يوثق به ، تركه أبو حاتم وضعفه الدارقطني (٤) وروى عن طائفة من المجهولين (٥). ومن المحتمل أنّ سليمان بن أبي راشد أحد المجهولين الذين نقل عنهم ، فقد بحثنا عنه ولم نجده.
والثقفي فقد أورد الرواية نفسها التي وردت عند البلاذري مع شيء بسيط من
__________________
١ ـ إارواء الغليل ٨ / ١١٧.
٢ ـ الجرح والتعديل ٧ / ١١٧.
٣ ـ الكامل ٦ / ٩٢.
٤ ـ ميزان الاعتدال ٣ / ٤١٩.
٥ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٠١.
٧٤

الاختلاف ، منها بدلاً ( من أبناء الطلقاء ) ذكر ( أبناء الشائنين ) ، وأضاف على قصّة إغارة الضحاك قوله : « فاحتمل من أموالهم ما شاء ثمّ انكفأ راجعاً سالماً » ثم قال : « ... وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أنّ شيعتك وأنصارك خذلوك فاكتب إليّ يا بن أم برأيك ... فوالله ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواقاً ، وأقسم بالأعزّ الأجلّ إنّ عيشاً نعيشه بعدك في الحياة لغير هنيء ولا مريء ولا نجيع ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته » (١).

وردّ عليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب : سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو.

أمّا بعد كلأنا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد ، فقد وصل إليّ كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي (٢) تذكر فيه أنّك لقيت عبد الله بن سعيد بن أبي سرح مقبلاً من قديد في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى المغرب ، وإنّ ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه وصدّ عن سبيله وبغا عوجاً ، فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشاً ، وخلهم وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، ألا وإنّ العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه وجحدوا فضله ، وبادوه العداوة ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كلّ الجهد ، وجرّوا عليه جيش الأحزاب ، اللّهمّ فاجز قريشاً عنّي الجوازي فقد قطعت رحمي وتظاهرت

__________________

١ ـ الغارات ٢ / ٤٢٩ ، وينظر ابن معصوم : الدرجات الرفيعة / ١٥٥.

٢ ـ قدم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فسلّم عليه وسأله عن اسمه؟ فقال له : اسمه أبو مغوية بن عبد اللات والعزى ، فسمّاه صلى الله عليه و آله و سلم أبو راشد. ( ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٥ / ٩٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ١٩١ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٢٧٨ ).
٧٥
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:44 am

عليّ ، ودفعتني عن حقّي ، وسلبتني سلطان ابن أمي ، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وسابقتي في الإسلام ، أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كلّ حال.

وأمّا ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها ، ولكنّه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتّى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانية (١) ، فما والى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين فلمّا بلغه ذلك فرّ هارباً فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولّى هارباً ، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً ونجا جريضاً بعدما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق فلأيا بلأي ما نجا ، والله ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه فإنّ رأيي جهاد المحلّين حتّى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزّة ، ولا تفرّقهم عني وحشة ؛ لأنّي محقّ والله مع الحقّ ، ووالله ما أكره الموت على الحقّ ، وما الخير كلّه بعد الموت إلّا لمن كان محقّاً.

وأمّا ما عرضت عليّ من مسيرك اليّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك فأقم راشداً محموداً ، فوالله ما أحبّ أن تهلكوا معي إن هلكت ، ولا تحسبن أنّ ابن أمّك ، ولو أسلمه الناس متخشّعاً ولا متضرّعاً ، ولا مقرّاً للضيم واهناً ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد ، إنّي لكما قال أخو بني سليم :

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني صبور

على ريب الزمان صليب
يعزّ عليّ أًن ترى بي كآبة

فيشمت عاد أو يساء حبيب (٢)

__________________

١ ـ اسم موضع قرب مكة. ( ياقوت الحموي : معجم ٤ / ٣١٣ ).

٢ ـ الثقفي : الغارات ٢ / ٤٣١ ، وينظر الإسكافي : المعيار والموازنة / ١٨٠ ، ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ١ / ٧٥ ، ابن الدمشقي : جواهر ١ / ٣٦٦ ، المحمودي : نهج السعادة ٥ / ٣٠٠.


٧٦

وقد ورد الكتاب في ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين قوله : ( فسرحت إليه جيشاً كثيفاً من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك شمّر هارباً ونكص نادماً ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفّلت الشمس للإياب فاقتتلوا شيئاً كلّا ولا ، فما كانّ إلّا كموقف ساعة حتّى نجا جريضاً بعد ما أخذ منه بالمخنق ، ولم يبق منه غير الرمق ، فلأيا بلأي ما نجا فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، وجماحهم في التيه ، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قبلي ، فجزت قريشاً عنّي الجوازي فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي.
وأمّا ما سألت عنه من رأيي في القتال فإنّ رأيي في قتال المحلّين حتّى ألقى الله لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة ، ولا تفرّقهم عنّي وحشة .... ) (١).
الدليل الثالث : لا يعتقد أن تسوء علاقته مع أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو الذي روى عنه قوله : ( افترقت اليهود على كذا وكذا فرقة ، والنصارى على كذا وكذا ، ولا أرى هذه الأمّة إلّا ستختلف كما اختلفوا ويزيدون عليهم فرقة ، إلّا أنّ الفرق كلّها على ضلال إلّا أنا ومن اتّبعني ، يقول ذلك ثلاثاً ) (٢).
أمّا عن علاقته مع الخلفاء وخاصّة الشيخين ، فقد اتّسمت بالسلبية!
ـ فعن علاقته مع الخليفة الأوّل ، فلم نجد إلّا موقفاً واحداً ولم يذكر غيره في المصادر المتوفرّة بين أيدينا.
وهذا ما أشار إليه ابن عساكر عن أبي سعد بن البغدادي عن أبي المظفر
__________________
١ ـ نهج البلاغة ٣ / ٦٠.
٢ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار / ٢١٧.
٧٧
محمّد بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد عن إبراهيم بن خرّشيد عن أبي بكر النيسابوري عن أحمد بن عيسى عن عمر بن أبي سلمة عن صدقة ـ وهو ابن عبد الله ـ عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن المقدام قوله : « استب عقيل بن أبي طالب ، وأبو بكر قال : وكان أبو بكر سباباً أو نشاباً غير أنّه تحرّج من قرابته من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فأعرض عنه ، ولكنه شكاه إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فقام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في الناس : إلّا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه ، فوالله ما منكم رجل إلّا على باب بيته ظلمة إلّا باب أبي بكر فإنّ على بابه النور ، فوالله لقد قلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله ، وخذلتموني وواساني واتّبعني » (١).
الملاحظ على سند الرواية الآتي :
هناك طعن في سندها! ففيها أبو سعد البغدادي ، لم يرو عنه إلّا ابن عساكر ، قيل : إنّه شعلة من نار ، قال السمعاني : انّه سمع معمّر بن الفاخر يقول : إنّه يحفظ صحيح مسلم ، وقال ابن النجار : هو إمام في الزهد والحديث ، واعظ ، كتب عنه شجاع الذهلي ، وإذا أكل اغرورقت عيناه ، قيل : إنّه حجّ إحدى عشرة حجّة توفّي سنة ٥٤ هـ وحمل إلى أصبهان ودفن بها (٢).
وأبو المظفر، بقي مجهولاً بالنسبة لنا ، ولم نجد ما يدلّنا عليه. والحال نفسها مع إبراهيم بن خرشيد ، وعن أبي بكر النيسابوري ، هو عبد الله بن محمّد بن زياد ، ذكر من طريقه ٢٧٥حديثاً (٣) قيل : ثقة (٤).
__________________
١ ـ تاريخ مدينة دمشق ٣٠ / ١٠٩ ، ينظر الطبراني : مسند الشاميين ٣ / ٣٧٨.
٢ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ٢٠ / ١٢١.
٣ ـ الدارقطني : علل ١ / ١٤ ، ١ / ٦٠.
٤ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٩.
٧٨
أمّا صدقة بن عبد الله السمين ، وثّقه دحيم وأبو حاتم وضعّفه الجمهور (١) ، مثل أبي داود وغيره (٢) ، وقال عنه أحمد بن حنبل : « ما كان من حديثه مرفوع منكر ، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل وهو ضعيف جدّاً ... » (٣) ، وفي موضع آخر قال : « ... وهو شامي ... أبو معاوية ليس بشيء ، وهو ضعيف الحديث أحاديثه مناكير ليس يسوي حديثه شيئاً » (٤) ، ومقابل ذلك وثّقه ابن شاهين (٥) ، وعن دحيم محلّه الصدق غير أنّه يشوبه القدر ، كتب عن الأوزاعي ( ١٥٠٠ ) حديث ، وسأل عنه أبو زرعة فقال : « كان شامياً قدرياً ليناً » (٦) ، وقد نقل المنّاوي آراء علماء الجرح والتعديل فيه (٧) ، وكذلك الألباني (٨).
ونصر بن علقمة ، أبو علقمة الحمصي ، روى عن أخيه محفوظ بن علقمة وغيره (٩) ، لم نجد عنه معلومات وافية عن حياته ، ولا عن موقف علماء الجرح والتعديل منه ، سوى نتف وإشارات لا يمكن الركون إليها كثيراً ، منها ما أشار إليه الهيثمي إلى توثيقه (١٠) ، وذكره ابن حبّان في الثقات (١١) ، وأشار ابن حجر
__________________
١ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ٥ / ٤١.
٢ ـ ينظر ابن معين : تاريخ / ١٣٣ ، ابن الأشعث : سؤالات ٢ / ١٨٣ ، ابن أبي عاصم : السنة / ١٢٣ ، النسائي : الضعفاء / ١٩٦ ، ابن عدي : الكامل ١ / ١٠ ، الدارقطني : علل ٩ / ٢٧٢ ، الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٨٧٨.
٣ ـ العلل ١ / ٣٠٠ ، وينظر البخاري : التاريخ الكبير ٤ / ٢٩٦ ، الضعفاء الصغير / ٦٣ ، العقيلي : الضعفاء ٢ / ٢٥٦.
٤ ـ ابن حنبل : العلل ١ / ٥٥١.
٥ ـ ابن حبّان : الثقات / ١٧٧.
٦ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٤٢٩.
٧ ـ فيض القدير ١ / ١٣٨ ، ٦٦٩.
٨ ـ سلسلة الأحاديث الضعيفة / ٥٣٠ ، إرواء الغليل ١ / ٥٣ ، ٣ / ٢٨٦.
٩ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٤٦٩.
١٠ ـ مجمع الزوائد ٦ / ٢١٢.
١١ ـ الثقات ٧ / ٥٣٨ ، ينظر الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٣١٩.
٧٩
بأنّه مقبول من السادسة (١) ، وفي موضع آخر أشار بأنّه أرسل عن أبي الدرداء ، ونقل عن أبي حاتم عن أبيه أنّه أرسل عن جبير بن نفير (٢) ، هذا كلّ الذي وجدناه عنه ، ولم نجد غيره.
وأخوه محفوظ بن علقمة ، أبو جنادة الحضرمي الحمصي ، فقد ترجم له البخاري مشيراً أنّه روى عن أبيه ، وروى عنه ثور بن يزيد والوضين بن عطاء (٣) وكفى ، ولم يذكر شيئاً غير ذلك يدلّ على توثيقه أو تجريحه ، على العكس من ابن معين الذي وثّقه (٤) ، وأبو زرعة لا بأس به (٥) ، وابن حبّان من المتقنين وكان يغرب (٦) ، وترجم له في الثقات (٧) ، ونقل عن عبد الرحمن بن عائذ وهو ضعيف يرسل (٨) ، روى عن أبيه وسلمان المحمّدي يقال : مرسل (٩).
أمّا عبد الرحمن بن عائذ الأزدي الشامي ، ويقال : الثمالي (١٠) ، ترجم له ابن حبّان في الثقات ، وقيل : إنّه لقى الإمام عليّ عليه السلام وعداده في أهل الشام روى عنه أهلها (١١) ، وفي موضع آخر قال : « من عبّاد أهل الشام قدم العراق زمن خالد بن
__________________
١ ـ تقريب التهذيب ٢ / ٢٤٣ ، تهذيب التهذيب ٢ / ١٦٣.
٢ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٣٨٣ ، ينظر المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٣٥٣.
٣ ـ التاريخ الكبير ٨ / ٥٨.
٤ ـ تاريخ / ٢١٣ ، ينظر الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٢٤٥ ، ابن حجر : تلخيص الحبير ٢ / ٢٠ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٩ / ٣٥٤.
٥ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٤٢٢.
٦ ـ ابن حبّان : مشاهير / ٢٨٨.
٧ ـ الثقات ٧ / ٥٢٠.
٨ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٥٧١.
٩ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ٥٤.
١٠ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٥ / ٣٢٤.
١١ ـ الثقات ٥ / ١٠٧.
٨٠
عبد الله القسري ، فكتب عنه العراقيون أهل الكوفة وأهل البصرة ... » (١) ، وأرسل عن معاذ والكبار ، وثّقه النسائي وكان صاحب كتب (٢) ، قال عنه ابن حجر : « ثقة ووهم من ذكره في الصحابة ، قال أبو زرعة لم يدرك معاذاً » (٣) ، وجعله ابن كثير عالماً له روايات وكتب كثيرة ، روى عن جماعة من الصحابة وأُسر في وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج (٤) ، وفي موضع آخر جعله تابعي ثقة معروف عن الإمام عليّ عليه السلام ، لكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه ، وفي هذا نظر ؛ لأنّه يروي عن عمر كما جزم به البخاري ، ورواه أحمد والدارقطني من حديث معاوية (٥) ، وقد أرسل حديث ( تحريم سوء الظن ) (٦) ، سأل عنه أحمد بن حنبل فقال : « لا أدري من هو » (٧).
أمّا عن المقدام بن معدي كرب ، هكذا ذكره الطوسي (٨) ولم يذكر ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه ، وقيل : من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (٩) ، نزل حمص ، وله عن معاذ ، مات سنة ٨٧ هـ (١٠).
وخلاصة كلّ ذلك لم نجد ما يشير إلى توثيقه أو تجريحه.
__________________
١ ـ ابن حبّان : مشاهير / ١٨٣.
٢ ـ الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٦٣٢.
٣ ـ تقريب التهذيب ١ / ٥٧٦ ، ينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ٢٩ ، الألباني : إرواء الغليل ٨ / ٨٩.
٤ ـ البداية ٩ / ١٣٥.
٥ ـ ابن حجر : تلخيص الحبير ٢ / ٢٠.
٦ ـ الكحلاني : سبل السلام ٤ / ١٨٩ ، الشوكاني : نيل الأوطار ١ / ٤٢٤.
٧ ـ العلل١ / ٣٢٣.
٨ ـ الرجال / ٤٧ ، البروجردي : طرائف ٢ / ١٤٧.
٩ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٣٤ / ٢٢٦ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٤١٤.
١٠ ـ الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٢٩٠ ، ابن كثير : البداية ٩ / ٨٨ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ٢١٠.
٨١
هذا عن سند الرواية ، ولم نجد من وقف عندها سوى العلّامة الأميني الذي أشار إليها بقوله : « وما أخرجه ابن عساكر عن المقدام أنّه قال : استبّ عقيل بن أبي طالب وأبو بكر. وكأنّ ابن حجر استشعر من هذه الكلمة ما لا يروقه فقال : سبّاباً أو نسّاباً ، لكن الرجل أنصف في التردد ، وقد جاء بعده السيوطي فحذف كلمة سباباً وجعلها نسّاباً بلا ترديد ، والمنقّب يعلم أنّ لفظة نسّاباً لا صلة لها بقوله استبّا ، بل المناسب كونه سبّاباً ، وكأنّ الراوي يريد بذلك أنّه فاق عقيلاً بالسبّ ؛ لأنّه كان ملكة له ، وإن كان يسع المحوّر أن يقول بإرادة كونه نسّاباً أنّه كان عارفاً بحلقات الأنساب ومواقع الغمز فيها ، فكان إذا استبّ يطعن مستابّه في عرضه ونسبه ، لكنّه لا يجدي المتمحّل نفعاً فانّه من أشنع مصاديق السبّ ، وفيه القذف وإشاعة الفحشاء.
ويظهر من لفظ الحديث كما في الخصائص الكبرى ... أنّ السباب بين أبي بكر وعقيل كان بمحضر من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان ذلك في أخريات أيّامه صلى الله عليه و آله و سلم ، ومن شواهد كونه سبّاباً ( وسباب المسلم فسوق ) ... » (١). وقد حاولنا متابعة هذه الأخبار التي أوردها الأميني فلم نوفّق.
ـ أمّا عن علاقته مع عمر بن الخطاب ، فقد تجسّدت في موضعين :
الأوّل : عندما دعاه إلى تدوين الدواوين حتّى يكتب الناس على منازلهم باعتبار أنّ عقيلاً عالم في الأنساب فتمّ ذلك ، وهذه تعدّ علاقة إيجابية بينهما ، لكن الذي حصل ـ والذي عثرنا عليه في إحدى الروايات ـ أنّ عقيلاً تعرّض للنفي من المدينة في خلافة عمر ، وذلك لأنّه تعرّض لكثير من الأنساب السيّئة فاستاء منه الخليفة ونفاه خارج المدينة (٢).
__________________
١ ـ الأميني : الغدير ٧ / ٢٢٤.
٢ ـ للمزيد ينظر مبحث علم عقيل بالنسب وأيّام الناس ( الفصل الأوّل ).
٨٢
والثاني : موقفه من زواج عمر من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام ـ علماً أنّنا من الرافضين لهذا الزواج ؛ لأنّه مفتعل وغير صحيح وقد نوقش وفنّد بكثير من الأدلّة (١) ـ لكن على فرض صحّة هذه الرواية فإنّ الإمام عليّ عليه السلام قد استشار عقيلاً في الأمر.
وهذا ما رواه الدولابي عن عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن حبيب كاتب مالك بن أنس عن عبد العزيز الداروردي عن زيد بن أسلم ، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال : « خطب عمر إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أم كلثوم فاستشار عليّ العبّاس وعقيلاً والحسن ، فغضب عقيل وقال لعلي : ما تزيدك الأيام والشهور إلّا العمى في أمرك ، والله لئن فعلت ليكونن وليكونن ، قال عليّ للعبّاس : والله ما ذاك منه نصيحة ولكن درّة عمر أحوجته إلى ما ترى أم والله ما ذاك منه لرغبة فيك يا عقيل ولكن أخبرني عمر بن الخطاب أنّه سمع رسول الله يقول : ( كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي ) (٢) » (٣).
وعلى هذه الرواية ملاحظات عدّة :
منها ما يتعلّق في سندها ، حيث إنّ بعض رواتها مطعون فيهم من جهة عبد الرحمن بن خالد ، أورده الذهبي في الضعفاء ، وابن يونس منكر الحديث (٤) ،
__________________
١ ـ للتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام حقيقة أم وهم؟ ( بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م ).
٢ ـ ورد الحديث عند الطوسي : الأمالي / ٣٤٠ ، الطبراني : المعجم الأوسط ٤ / ٢٥٧ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٧.
٣ ـ الذريّة الطاهرة / ١١٥ ، ينظر الطبراني : المعجم الكبير ٣ / ٤٤ ، الطبري : ذخائر العقبى / ١٧٠ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٤ / ٢٧١.
٤ ـ المناوي : فيض القدير ٥ / ٥٣٢.
٨٣
هذا ولم نجد معلومات وافية عنه ، هذا كلّ الذي وجدناه.
وحبيب كاتب مالك ، تركه النسائي (١) ، وأورده العقيلي في الضعفاء مشيراً بأنّه كذّاب ، وأبو داود أنّه أكذب الناس (٢) ، وابن عدي حبيب أضعف من أبي حذافة ولعلّه شرّ منه (٣) ، وقد جمع العلّامة الأميني آراء علماء الجرح والتعديل فيه ، ولم يذكر من أثنى عليه ـ أي : وثّقه ـ فقد أجمعت الآراء على تجريحه ، متمثّلة في العبارات : ليس بثقة ، وكان يكذب ، ولم يرضاه أحمد وأثنى عليه شرّاً وسوء ، وكان يضع الحديث ، ومتروك الحديث روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة ، كان يدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم ، وأحاديثه كلّها موضوعة ، وعامّة حديثه موضوع المتن مقلوب السند ، ولا يحتشم في وضع الحديث عن الثقات ، وهو ذاهب الحديث ، وقد كتب عنه عشرين حديثاً عرضت على ابن المديني فكذّبها كلّها (٤).
أمّا عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ، ويكنّى أبا زيد ، اشتراه عمر سنة ١٢ هـ من سوق ذي المجاز ، وتوفّي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان (٥) ، قيل هو مدني ثقة من كبار التابعين (٦).
ومنها ما يتعلّق بمتنها ، لوجود كثير من المتناقضات :
__________________
١ ـ الضعفاء / ١٧١.
٢ ـ الضعفاء ١ / ٢٦٥.
٣ ـ ابن عدي : الكامل ١ / ١٧٥.
٤ ـ الغدير ٩ / ٣٣١.
٥ ـ ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٠ ، ابن معين : تاريخ ١ / ١٦٦.
٦ ـ العجلي : معرفة الثقات ١ / ٢٢٣.
٨٤
وفي مقدّمتها فارق السن بينهما، فالمعروف أنّ عمر بن الخطاب خطب أمّها الزهراء عليها السلام من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وفشل ، ثمّ يعود ويخطب ابنتها ، فالمعروف أنّها ولدت قبيل وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (١) ، أي : مقاربة لوفاته ، وذكر الذهبي ولادتها سنة ست للهجرة ، وهي رأت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولم تحفظ عنه شيئاً (٢). ولعلّه أراد أن يلتمس عذراً لعمر عندما قال أدركت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ـ أي : كي يجعلها صحابية ويرفع من عمرها ـ لكن الشقّ الثاني من الرواية انقلب وبالاً عليه عندما قال : لم تحفظ من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم شيئاً! فهذا يترتب عليه أثر ، أو بمعنى آخر أنّها طفلة لم تدرك الحلم ، أي : غير مميزة ، فمن أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وهو غير مميز لا ينقل ما حفظه ؛ لأنّه لم يدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إدراك تمييز ، فكيف بأمير المؤمنين عليه السلام أن يزوج ابنته وهي دون سن الزواج؟!
ثمّ إنّ عمر بن الخطاب من الذين انتهكوا حرمة دار الإمام عليّ عليه السلام بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وروّعوا عياله وحدث ما حدث ، فيا ترى هل أنّ الإمام عليه السلام أراد أن يعترف بفضل عمر عليه في ردّ الخلافة لصاحبها الشرعي! فجازاه الإمام على عدله وإحسانه إياه! فلأيّ فعل قام به ابن الخطاب مع الإمام عليه السلام حتّى يكافئه ويزوّجه ابنته؟!
والأكثر من ذلك أنّ الكفاءة شرط أساس في الزواج فهل كان عمر كفئاً لها؟ وكيف تتحقق الكفاءة مع من كان جدّها رسول الله عليه السلام وأباها وليّ الله وأمّها سيّدة نساء العالمين ، وجميعهم أصحاب الكساء الذين نصّ عليهم المولى في كتابه ، خاصة أنّ الإمام عليه السلام هو من أرسى دعائم الإسلام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ،
__________________
١ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٦١٤.
٢ ـ سير أعلام النبلاء ٣ / ٥.
٨٥
فكيف يتمكّن ابن الخطاب أن يكون كفئاًً لها؟! فهذا الشرط وحده كاف لإسقاط الرواية وإبطال حجّيتها.
ثمّ هناك من هو أكفأ منه ، وهو عبد الله بن جعفر الطيار ( ذو الجناحين ) ، وهو من دمها ولحمها وابن عمّها ، وهم من طينة النبوّة والإمامة.
ثمّ إذا كان الإمام عليه السلام مقتنعاً بهكذا مصاهرة ، فلماذا يشاور ابنه وأخاه وعمّه ، رغم أنّ المشورة في أمور الزواج واردة؟! ولماذا لم يعمل بمشورتهم ويضرب بها عرض الجدار على حسب زعمهم؟!
ـ وأمّا عن علاقته مع الخليفة عثمان ، فلم يتّضح شيء منها ، سوى رواية خلافه مع زوجته المفتعلة فاطمة بنت عتبة.
فالرواية مفتعلة ومرفوضة ، وذلك لأنّ الخلاف مرّة حدث في خلافة عمر ، وأخرى في خلافة عثمان ، علماً أنّ الأمر لم يحصل لأنّ الزواج لم يكن موجوداً من الأساس (١).
ومن الجدير بالذكر أنّنا لم نجد معلومات عن علاقاته مع صحابة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، سوى رواية واحدة ، أنّه شارك في توديع أبا ذر رضي الله عنه عندما نفاه عثمان بن عفان (٢) ، وكان له كلام في ذلك الموقف (٣).
هذه الدلائل التي حصلنا عليها فيما يخصّ علاقاته الاجتماعية.
__________________
١ ـ ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة ( بحث غير منشور ).
٢ ـ الصدوق : من لا يحضره الفقيه ٢ / ٢٧٥ ، العاملي : وسائل الشيعة ١١ / ٣٤٦.
٣ ـ ينظر مبحث صفاته ( الفصل الأوّل ).
٨٦
الفصل الثاني :
 ذرّيته

٨٧

٨٨

مفهوم الذرية
الذرّية لغة : مأخوذة من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً ، أي : خلقهم ، وجاء في قوله تعالى : (وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ ...) (١) ، وقال تعالى : (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٢) ، يكثركم ـ أي : في الخلق ـ والذرّية منه وهي نسل الثقلين ، وجمعها ذراري ، والذرء عدد الذرية (٣) ، وذر الله الخلق في الأرض ، أي : نشرهم ، والذرّية فعلية منه ، وهي منسوبة إلى الذر وهو صغار النمل ، جاء ذلك في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (٤) ، أي : أخرجهم من صلب آدم كالذر ، وذرّية الرجل ولده ، وفي التنزيل العزيز : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ـ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ...) (٥) ، والذرية اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى ، وأصلها من الذر ، بمعنى التفريق ؛ لأنّ الله سبحانه ذرّهم في الأرض (٦) ، وهي تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء ، قال تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (٧) ، أراد بذلك آباءهم الذين حملوا في
__________________
١ ـ الشورى / ١١.
٢ ـ الملك / ٢٤.
٣ ـ ابن منظور : لسان ١ / ٧٩.
٤ ـ الأعراف / ١٧٢.
٥ ـ آل عمران / ٣٣ ـ ٣٤.
٦ ـ ابن منظور : لسان ٤ / ٣٠٥ ، ينظر ابن الأثير : النهاية ٢ / ١٥٧.
٧ ـ يس / ٤١.
٨٩
السفينة مع نبيّنا نوح عليه السلام ، وفي قول النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم عندما رأى امرأة مقتولة في بعض غزواته ـ إن صحّ ذلك ـ قال : ( ما كانت هذه لتقاتل ، ثمّ قال لرجل : الحق خالداً فقل له : لا تقتل ذرّية ولا عسيفاً ) فسمى النساء ذرّية (١).
والذرّية أخرجت من صلب سيّدنا آدم عليه السلام على صورة الذر فملأ بهم الأفق ، وجعل على بعضهم نوراً ، وعلى الآخر ظلمه ، فلمّا رآهم عجب من ذلك ، فسأل ربّه فقال تعالى : ـ هؤلاء ذرّيتك ـ يريد تعريفه كثرتهم ، فشبّههم بالذر الذي أخرجه من ظهره وجعله علامة على كثرتهم (٢).
وقيل : إنّ العترة هي الذرّية ، والأخيرة هي الولد وولد الولد (٣) ، وهذا الرأي تنقصه الدقّة ، حيث قَصَر الذرّية على الأولاد وأولادهم من دون البنات ، وهذا يغاير الواقع ، فعترة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من ابنته فاطمة عليها السلام ، وذرّية أسد من ابنته فاطمة أم أمير المؤمنين عليه السلام ، إذن الذرّية من الذكور والإناث ، وإلّا يكون النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من دون ذرّية.
وقد نضع بهذا الخصوص تساؤلاً : هل يدخل أولاد البنات في الذرّية لقوله تعالى : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلّ مِنَ الصَّالِحِينَ) ... إلى قوله : (وَعِيسَى) (٤) ولم يكن ابن أبيه ، ولأنّ الذرّية اسم الفرع المتولّد من الأصل والأب والأم أصلان في الإنجاب ، بل التولّد والتفرّع من جانب الأمّ
__________________
١ ـ ابن منظور : لسان العرب ١٤ / ٢٨٥.
٢ ـ المفيد : المسائل السروية / ٤٤.
٣ ـ ابن حمزة الطوسي : الوسيلة / ٣٧٨.
٤ ـ الأنعام / ٨٤ ـ ٨٥.

٩٠
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:49 am

أرجح ؛ لأنّ ماء الفحل يصير مستهلكاً في الرحم ، وإنّما يتولد الولد منها بواسطة ماء الفحل (١).

وقيل : إنّ الذرّية الأعقاب ، وهم النسل من الأولاد وأولادهم (٢) ، وطبقاً لهذا الرأي فإنّ البنات مستثنيات.

وقد حصر السرخسي الذرّية في الأولاد فقط مشيراً إلى قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (٣) ، يعني آباءهم فسمّي الأب بهذا الاسم ؛ لأنّ الولد ذري منه ، وسمّي به الولد لأنّه ذري من الأب ، والمراد بقوله تعالى : (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) (٤) ، أي : الولد ومن يقوم مقام الولد (٥).

وقد ردّ ابن عابدين على هذا القول أنّ الذرّية اسم للفرع المتولّد من الأصل ، والأبوان أصلان للولد ، ومعنى الأصلية والتولّد في جانب الأمّ أرجح ، لأنّ الولد يتولّد منها بواسطة ماء الفحل (٦).

وقيل : انّ الذرّية هي النسل والحرث والزرع (٧) ، وقوله تعالى : (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ) (٨) لا يكون الذرّية من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم (٩).

__________________

١ ـ العلّامة الحلّي : تذكرة الفقهاء ٩ / ١٠٠.

٢ ـ المحقّق الكركي : جامع المقاصد ٤ / ١٢٦.

٣ ـ يس / ٤١.

٤ ـ النساء / ١٧٦.

٥ ـ السرخسي : المبسوط ٢٩ / ١٥٢.

٦ ـ حاشية رد المحتار ٤ / ٣١٢.

٧ ـ العيّاشي : تفسير ١ / ١٠٠.

٨ ـ آل عمران / ٣٤.

٩ ـ العياشي : تفسير ١ / ١٧٠.


٩١

وتكون الذرّية جمعاً نحو قوله تعالى : (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) (١) ، وقوله : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) (٢) ، وتكون واحداً كقوله : (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ـ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) (٣).
وقد أشار أبو هلال العسكري إلى الفرق بين الذرّية والآل بقوله : « آل الرجل ذو قرابته ، وذرّيته نسله ، فكلّ ذرّية آل ، وليس كلّ آل بذرّية ، وآل يخصّ الأشراف وذوي الأقدار بحسب الدين أو الدنيا ، فلا يقال آل حجام وآل حائك ، بخلاف الذرّية » (٤).
وبما أنّ الزوجات أصل في إنجاب الذرّية ، حريّ بنا أن ندرس زوجات عقيل ، ومن ثمّ أولاده وبناته.
__________________
١ ـ الأعراف / ١٧٣.
٢ ـ الإسراء / ٣.
٣ ـ آل عمران ٣٨ ـ ٣٩.
٤ ـ الفروق اللغوية / ٦.
٩٢
زوجاته
اختلفت المصادر في وضع حدّ تقريبي لهنّ ، ولم نستطع أن نقف على عددهن ، ولم نعرف أحسابهن وأنسابهن ، وهناك روايات وردت لدى بعض المؤرّخين ذكرت له زوجات عديدات ، ومن هذه الروايات :
أوّلاً : رواية ابن سعد ، قال : « وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد يزيد وبه يكنّى وسعيد وأمّهما أم سعيد بنت عمرو بن يزيد بن مدلج من بني عامر بن صعصعة (١) ، وجعفر الأكبر وأبو سعيد الأحول وهو اسمه وأمّهما أم البنين بنت الثغر وهو عمر بن الهصّار بن كعب بن عامر ... وأم الثغر أسماء بنت سفيان أخت الضحاك بن سفيان (٢) ... ومسلم بن عقيل ... وعبد الله بن عقيل وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر وأمّهم خليلة أم ولد ، وعلي لا بقية له وأمّه أم ولد ، وجعفر الأصغر وحمزة وعثمان لأمهات أولاد ، ومحمّد ورملة وأمّهما أم ولد ، وأم هانئ وأسماء وفاطمة وأم القاسم وزينب وأم النعمان لأمهات أولاد شتّى » (٣).
__________________
١ ـ ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد هاجر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إليهم وعرض عليهم أمره فلم يجيبوه ولهم مضارب في البصرة ، ولهم ماء الحوأب. ( ينظر الهلالي : كتاب سليم / ٦٩ ، ابن سعد : الطبقات ١ / ٢١٧ ، السمعاني : الأنساب ٢ / ٦٦ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٢٥ ).
٢ ـ ابن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ومن عمّاله على الصدقات. ( ابن حبّان : الثقات ٣ / ١٩٨ ).
٣ ـ الطبقات ٤ / ٤٢.
٩٣
ثانياً : رواية البلاذري ، قال : « عقيل ... فيكنّى أبا يزيد باسم ابن له ... وولد عقيل مسلماً وعبد الله الأصغر وعبيد الله وأم عبد الله ومحمّداً ورملة لأم ولد يقال لها : حلية ، وعبد الرحمن وحمزة وعلياً وجعفر الأصغر وعثمان وزينب وفاطمة تزوجها عليّ بن يزيد (١) ... وأسماء تزوجها عمر بن عليّ بن أبي طالب (٢) وأم هانئ لأمهات شتّى ، ويزيد وسعيد أمّهما أم عمر بنت عمر الكلابية ، وأبا سعيد وجعفر الأكبر وعبد الله الأكبر أمّهم أم البنين الكلابية وبعضهم يقول : أم أنيس ... » (٣).
وما يسجّل على هاتين الروايتين : أنّهما غير مسندتين ، وفيهما إرباكات لكثرة أسماء زوجاته ، وكيفية زواجه منهنّ ، هل تمّ قبل البعثة النبوية أم بعدها؟
وطبقاً لهاتين الروايتين يمكن أن نتعرّف على زوجاته من هنّ :
١ ـ أم سعيد بنت عمرو بن يزيد بن مدلج من بني عامر بن صعصعة الوارد اسمها في رواية ابن سعد ، وفي رواية البلاذري سمّاها أم عمر بنت عمر الكلابية. وقد بحثت كثيراً عن أم سعيد فلم أجد لها ذكراً ، وقد حاولت معرفة أبيها وأهلها ، فلم أجد ضالّتي وبقيت مبهمة ، والحال نفسها مع ولديها يزيد وسعيد.
٢ ـ أم البنين بنت الثغر عمر بن الهصّار بن كعب بن عامر ، وقد سمّاها
__________________
١ ـ ابن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. ( المزّي : تهذيب الكمال ٩ / ٢٢٤ ).
٢ ـ أمّه الصهباء بنت عباد بن تغلب من سبي خالد بن الوليد في حروب الردّة ، وقيل : هو توأم رقيّة بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، توفّي مع المختار في حربه مع مصعب بن الزبير سنة ٦٧ هـ. ( ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٣٠٤ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٤ / ١٦١ ).
٣ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.
٩٤
البلاذري بأم البنين الكلابية ، وقيل : أم أنيس (١) ، وقيل : هي أم البنين بنت الشقر ابن الهضاب (٢) ، وقيل : إنّ أمّه هي الخوصاء بنت الثغرية ، واسم أبيها عمرو بن عامر بن الهضاب بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري ، وأمّها أردة بنت حنظلة بن خالد بن كعب (٣).
ومهما اختلف في اسمها ونسبها خلاصة الأمر أنّها شخصية واحدة ، وهذا واضح من خلال القاسم المشترك بين تسمياتها المختلفة ألا وهو ابنها جعفر ، وفي كلّ ترجمة له يذكر اسم أمّه هكذا مع اختلاف يسير ، ورغم اختلاف التسمية فإنّ أم البنين ثابتة الوجود بوجود ابنها جعفر.
٣ ـ خليلة طبقاً لرواية ابن سعد ، وقد بحثنا عنها في أغلب المصادر فلم نجد عنها معلومات وافية ، وكلّ الذي وجدناه هو الاختلاف في اسمها. وقيل : ( حلية ) في رواية البلاذري ، وعلية في رواية الأصفهاني الذي أشار إليها بقوله : « مسلم بن عقيل وأمّه أم ولد يقال لها : علية ، وكان عقيل اشتراها من الشام فولدت له مسلماً ولا عقب له » (٤) ، ويروى أنّ اسمها حيلة (٥).
وقيل : إنّ أصلها نبطية ، وهذا ما أشار إليه ابن حبيب الذي عقد موضوعاً في أسماء النبطيات من قريش بقوله : « مسلم بن عقيل ... أمّه خليلة من آل فهريدي » (٦) ، وأشار ابن قتيبة إلى أصلها بأنّها من آل فرزندا (٧). وقد بحثنا عن
__________________
١ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.
٢ ـ أبو مخنف : مقتل / ٢٣٩ ، الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٢٤٠.
٣ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٦١.
٤ ـ أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٥٢.
٥ ـ شمس الدين : أنصار الحسين عليه السلام / ١٢٤.
٦ ـ ابن حبيب : المنمق / ٤٠٢.
٧ ـ ابن قتيبة : المعارف / ٢٠٤.
٩٥
هذا الأصل فلم نجد له شيئاً يذكر وهو مجهول لدينا ، كما عجزت أن أحدّد اسمها ولقبها.
ولم تذكر المصادر كيفية زواج عقيل بها ، سوى أنّه تزوّجها في أثناء سفره إلى الشام في قصّة طويلة عريضة ، أشار إليها المدائني بقوله : « قال معاوية يوماً لعقيل بن أبي طالب : هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم ، جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلّا بأربعين ألفاًَ ، فأحبّ معاوية أن يمازحه ، فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهماً؟ قال : أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف ، فضحك معاوية وقال : مازحناك يا أبا يزيد ، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولدها مسلماً ، فلمّا أتت على مسلم ثماني عشرة سنة ـ وقد مات عقيل أبوه ـ قال لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة ، وإنّي أعطيت بها مائة ألف وقد أحببت أن أبيعك إيّاها فادفع لي » ، وفي رواية أخرى « إنّ عقيلاً رأى فتاة وطلب من معاوية أن يزوّجه إيّاها فزوّجه منها ، وأنجبت له مسلم بن عقيل » (١).
ومع أنّ هذه الرواية منحولة وغير صحيحة لأسباب :
منها : أنّ مسلماً عمره أكبر من ذلك بكثير ، فهو أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وعاش أيامه ، وشارك في أحداث كوفان ، وقتل وهو متزوّج وله كثير من الولد ممّن استشهد مع الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام سنة ٦١ هـ.
ومنها : أنّ عقيل ذهب إلى معاوية بسبب فقره أم ليشبع غريزته ويتزوّج زوجتين إضافة إلى زوجاته السابقات؟!
__________________
١ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ١١ / ٢٥٠ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٧٥٠ ، جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ١٦.
٩٦
فضلاً عن ذلك أنّ الرواية ذكرته بأنّه أعمى في أثناء سفره ، وبعضها ذكرت أنّ فترة بقائه يوم واحد وبعدها جمع غرائره ورجع ، ولم تذكر أنّه رجع ومعه زوجتان تزوّجهما في الشام.
وهذه رواية غير صحيحة من عدّة وجوه منها : أنّ ذهابه حسب بعض الروايات في أثناء معركة صفين ، ولم يثبت ذهابه! والشواهد تقول : إنّ مسلماً كان على ميمنة جند أمير المؤمنين عليه السلام في المعركة المذكورة كما سنوضّحه (١).
٤ ـ قيل : إنّه تزوّج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، ولم يثبت ذلك (٢).
٥ ـ وقد ذكرت المصادر بأنّه سافر إلى الشام والكوفة والبصرة (٣) ، وقيل : إنّه تزوّج امرأة من بني جشم في البصرة.
وهذا ما أشار إليه الدارمي بقوله : « حدّثنا محمّد بن كثير العبدي البصري ثنا سفيان عن يونس عن الحسن قال : سمعته يقول : قدم عقيل البصرة فتزوّج امرأة من بني جشم ، فقالوا له : بالرفاء والبنين ، فقال : لا تقولوا ذلك إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نهانا عن ذلك وأمرنا أن نقول : بارك الله لك وبارك عليك » (٤).
فعن سلسلة الحديث :
ففيه محمّد بن كثير العبدي من ثقات أهل البصرة ت ٢٢٣ هـ (٥) توفّي في
__________________
١ ـ ينظر مبحث أولاده ( الفصل الثاني ).
٢ ـ للتفاصيل ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة ( بحث غير منشور ).
٣ ـ ابن سعد : الطبقات / ٣٠ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٢ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٢٢٢ ، الصالحي الشامي : سبل الهدى ١١ / ١١٥.
٤ ـ سنن ٢ / ١٤٣ ، وينظر ابن أبي شيبة : المصنف ٣ / ٤٠٨ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٥ ، البيهقي : السنن الكبرى ٧ / ١٤٨ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٦ / ٢٥٧ ، ٤١ / ٥ ، الذهبي : تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠١٣ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٦ / ٤٨٤.
٥ ـ السمعاني : الأنساب ٤ / ١٣٧ ، وينظر ابن الأشعث : سؤالات ١ / ٢٠.
٩٧
سن التسعين ، وقد روى عن سفيان الثوري وإسرائيل وكان تقيّاً فاضلاً (١) ، وبما أنّه نقل عن الثوري فالثوري مطعون فيه كما سنوضّحه ، وهو من شيوخ البخاري روى عنه ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير وقد توبع عليها ، وثّقه أحمد ابن حنبل ، وصدّقه أبو حاتم ، ولكن ابن معين لا يوثّقه (٢) وقال في حديثه ألفاظ كأنّه ضعفه ، ولم يكن لسائل أن يكتب عنه ، وهو ليس بثقة ، وقيل ضعيف (٣) ، وقد نهى أن يكتب حديثه لأنّه ليس بالثقة (٤) ، وقيل لم يصب من ضعفه (٥).
أمّا عن سفيان الثوري ، فهو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله الثوري الكوفي ، من مشاهير علماء وفقهاء ومحدّثي وحفاظ ومتصوّفة وقرّاء العامة ، ولد في الكوفة سنة ٩٧ هـ ونشأ بها ، انخرط في شرطة هشام بن عبد الملك الأموي ، وكان ممّن شهد أو باشر وأعان على قتل الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين عليهما السلام ، وفي عهد المنصور الدوانيقي طلب منه أن يلي الحكم فأبى وخرج من الكوفة سنة ١٤٤ هـ إلى مكّة المكرّمة والمدينة ، ثمّ هرب إلى البصرة ، وتوارى بها حتّى توفّي سنة ١٦٢ هـ (٦). وهذه الترجمة تنافي كونه من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ولم تذكر ملازمته للإمام عليه السلام وإنّما هو من أعيان بني أمية ، ذكره التفرشي في أصحاب الإمام عليه السلام (٧) ، وقيل ليس من
__________________
١ ـ ابن حبّان : الثقات ٩ / ٧٧ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٧١.
٢ ـ ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ٤٤٢.
٣ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٧١.
٤ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ٣٣٤.
٥ ـ ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٢٥ ، ينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ١٢٧.
٦ ـ الشبستري : أصحاب ٢ / ٤٩.
٧ ـ الرجال ٢ / ٣٣٢.
٩٨
أصحابه (١) ، وقد اتّهمه العسكري بالتصحيف (٢) ، ولم يوثقه النسائي (٣) ، وذكره العقيلي في الضعفاء وقال : إنّ حديثه باطل (٤).
وسفيان ، هو الذي حدّث بحلّية النبيذ إلّا الخمر (٥) ، وكان ممّن يقول بالوضوء فيه (٦) ، ومن لم يشرب النبيذ هو مبتدع ؛ لأنّ عمر شربه ، ومن لم يمسح على خفّيه هو صاحب بدعة ؛ لأنّ عمر قد فعل ذلك ، ومن لم يأكل طعام أهل الذمّة وذبائحهم فهو ضال ؛ لأنّ الإمام عليّ عليه السلام قد أكلها ، وهو القائل أنّه رأى الإمام عليّ عليه السلام على منبر الكوفة وهو يقول : ( لئن أتيت برجل يفضّلني على أبي بكر وعمر لأجلدنّه حدّ المفتري ... حبّ أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر ) ، وقد أورد غرائب كثيرة ذكرها السيّد الخوئي قدس سره لبيان حقيقة الرجل (٧) ، لا نريد الردّ عليها.
ويونس بن عبيد بن دينار مولى عبد القيس من أهل البصرة ، لم يسمع من أنس شيئاً ، من سادات أهل زمانه علماً وفضلاً وحفظاً وإتقاناً مبغضاً لأهل البدع ، شديد التقشّف والفقه في الدين والحفظ الكثير (٨) ثقة (٩) ، وقيل : ثبت فاضل ورع (١٠).
__________________
١ ـ ابن داود : رجال / ٢٤٨ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٥٥ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٣٦٦.
٢ ـ تصحيفات / ٧٥.
٣ ـ الضعفاء / ١٥٤.
٤ ـ الضعفاء ٢ / ٦٩.
٥ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٩.
٦ ـ الألباني : ضعيف / ٩.
٧ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٨ ـ ١٦٠.
٨ ـ ابن حبّان : الثقات ٧ / ٦٤٧.
٩ ـ الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٤١٨ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١١ / ٣٨٩ ، ابن المبرد : بحر الدم / ١٧٩.
١٠ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ٢ / ٣٤٩.
٩٩
والحسن بن أبي الحسن يسار البصري ، أبو سعيد ت ١١٠ هـ ، الإمام الشيخ ، نشأ بالمدينة وحفظ القرآن ، كان كاتباً في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد ، قال فيه ابن سعد : كان جامعاً عالماً رفيعاً ثقة حجّة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً ، وما أرسله فليس هو بحجّة ، وقال عنه الذهبي : هو مدلّس فلا يحتجّ بقوله عمّن لم يدركه ، وقد يدلّس عمّن لقيه ويسقط من بينه وبينه ، ولكنه حافظ علامة من بحور العلم فقيه النفس كبير الشأن عديم النظير مليح التذكير بليغ الموعظة (١) ، كان يلقي كلّ أهل فرقة بما يهوون ويتصنّع للرئاسة ، وكان رئيس القدرية (٢).
وقد انقطعت سلسلة سند الحديث في الحسن البصري ، فهو لم يَرَ عقيلاً ولم يدركه (٣) ، فلا ندري من أين أخذ الحديث؟! أضف إلى ذلك أنّه روى كثيراً من الغرائب والمناكير (٤).
وقد ورد الحديث في صورة ثانية لدى أحمد بن حنبل : عن الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عياش عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال : « تزوّج عقيل ... فخرج علينا فقلنا بالرفاء والبنين فقال : مه لا تقولوا ذلك فإنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد نهانا عن ذلك وقال : قولوا بارك الله فيك وبارك لك فيها » (٥).
__________________
١ ـ تذكرة الحفاظ ١ / ٧١.
٢ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ٥ / ٢٥٦.
٣ ـ النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٨.
٤ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ٩ / ١٥٩ ـ ١٦٠.
٥ ـ المسند ١ / ٢٠١ ، الطبري : ذخائر العقبى / ٣٣٢ ، ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٤.
١٠٠
المتمعّن في سلسلة سند الرواية يجد الآتي :
الحكم بن رافع أبو اليمان البهراني الحموي ، احتجّ الشيخان بحديثه ، يقال : إنّه رأى مالكاً ولم يسمع منه لما رأى عنده من الحجاب والفراش ، وهذا ليس من أخلاق العلماء حسب رأيه ، فقال عنه أبو حاتم : ثقة نبيل (١) وصدوق (٢) وشيخ صالح يقرأ القرآن (٣) ، ذكره ابن حبّان في الثقات (٤) ، وقال العجلي لا بأس به (٥) ، وثّقه ابن معين ، وضعّفه أبو زرعه (٦) في الوقت الذي روى فيه أنّه سمع شعيب (٧) ، رفض عليّ بن المديني سماعه من شعيب ، وأن أحاديث أبي اليمان تشبه أحاديث الدواوين (٨) ، وابن ماكولا فيه وهم (٩) ، توفّي في حمص سنة ٢٢٢ هـ (١٠).
أمّا إسماعيل بن عياش ، أبو عتبة العنبسي الحمصي أحد الأعلام ، وفد على المنصور فولّاه خزانة الثياب ، وكان محتشماً نبيلاً ، من العلماء العاملين ، ومن أوعية العلم ، إلّا أنّه ليس بمتقن لما سمعه من غير بلده ، كأنّه كان يعتمد على حفظه فوقع فيه خلل عن الحجازيين ، ولم يكن هناك شامياً أو حجازياً أحفظ
__________________
١ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ١ / ٥٨٠.
٢ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ١٢٩.
٣ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٨ / ٥٣.
٤ ـ الثقات ٨ / ١٩٤.
٥ ـ معرفة الثقات ١ / ٣١٤.
٦ ـ المناوي : فيض القدير ٤ / ٥٤٢.
٧ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٢ / ٣٤٤ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ٧ / ١٩١.
٨ ـ الباجي : التعديل والتجريح ١ / ٥٣٠ ، ينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ٦ / ٤٧٠.
٩ ـ إكمال ٤ / ٥٤.
١٠ ـ ابن سعد : الطبقات ٧ / ٤٧٢.
١٠١
منه ، يحتجّ به في الشاميين ، قيل : يحدّث من حفظه ، ولم يحمل معه كتاباً قط ، وقال عبد الله بن أحمد : كان يحفظ عشرة آلاف حديث فقال لي أبي أحمد بن حنبل : هذا مثل وكيع ، وقال الفسوي : كنت أسمعهم يقولون علم الشام عند إسماعيل ، وقال البخاري : في حديثه عن غير الشاميين نظر ، والنسائي ضعفه مع أنّه احتجّ به ، وإسماعيل هو القائل أنّه ورث عن أبيه أربعة آلاف دينار أنفقها في طلب العلم ، عاش ثمانين سنة ، وتوفّي على الأصحّ سنة ٢٨٢ هـ ، هذا ما أورده الذهبي في ترجمته له (١).
وقد أوصى أبو إسحاق الفزاري (٢) ، زكريا بن عدي (٣) بقوله : « اكتب عن بقية (٤) ما روي عن المعروفين ولا تكتب عنه ما روي عن غير المعروفين ، ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش ، ما روي عن المعروفين ولا غيرهم » (٥).
وقد جعل النووي هذا الرأي مخالفاً لقول الجمهور من الأئمّة على حدّ زعمه ، وذكر ما قاله البخاري : ما روى عن الشاميين أصحّ ، فإذا حدّث عن أهل بلاده فصحيح ، وإذا حدّث عن أهل المدينة ، فليس بشيء ... ، ويقولون علم الشام عند إسماعيل بن عياش ... وتكلّم فيه قوم ، وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام ولا يدفعه دافع ، وأكثر ما تكلّموا قالوا : يغرب عن ثقات المكّيين والمدنيين ، وأمّا روايته عن أهل الحجاز فإنّ كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم ، وقال أبو حاتم : هو لين الحديث ، ولا أعلم أحداً كفّ عن حديثه إلّا أبا إسحاق
__________________
١ ـ تذكرة الحفاظ ١ / ٢٥٣.
٢ ـ إبراهيم بن محمّد ، من العلماء الجهابذة النقاد من أهل الشام. ( ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٢٨١ ).
٣ ـ يكنى أبا يحيى مولى لبنو تيم الله ،رجلاً صدوقاً توفّي سنة ٢١٢ هـ. ( ابن سعد : الطبقات ٦ / ٤٠٧ ).
٤ ـ هو بقية بن الوليد أبو محمّد الكلاعي وفيه طعون. ( ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٢ / ٤٣٤ ).
٥ ـ مسلم : الصحيح ١ / ١٩ ، وينظر الجصّاص : الفصول ١ / ٤٥.
١٠٢
الفزاري (١).
وقد روى عن أهل الحجاز والعراق أحاديث مناكير ، فإنّ روايته ضعيفة عنهم ، وإنّما حديثه عن أهل الشام ، وقال أحمد بن حنبل : إسماعيل أصلح من بقية ، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات (٢). وثّقه يحيى بن معين ، وقيل : عنده علم الشام (٣) ، وقال عنه وكيع : « قدم علينا إسماعيل بن عياش فأخذ منّي أطرافاً لإسماعيل بن أبي خالد فرأيته يخلط في أخذه (٤) ، والبيهقي إسماعيل ليس بالقوي (٥) ، والهيثمي إسماعيل فيه كلام (٦) وروايته عن الحجازيين ضعيفة (٧).
أمّا عبد الله بن محمّد بن عقيل ضعيف مقدوح فيه ، ولا يحتجّ بحديثه (٨) ، وذكره القمي في ( جامع الخلاف ) أنّه ضعيف عندهم (٩) ، وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث (١٠) وليس بذاك (١١) ، وفيه مقال ، ومختلف فيه (١٢) ، وسيّئ الحفظ يصلح حديثه للمتابعات ، فأمّا إذا انفرد فيحسن ، وأمّا إذا خالف فلا يقبل ، وقد
__________________
١ ـ النووي : شرح مسلم ١ / ١٦.
٢ ـ النووي : شرح مسلم ١ / ١٦.
٣ ـ الجصّاص : الفصول ١ / ١٤٥ ، النووي : شرح مسلم ١ / ١٦ ، الذهبي : تذكرة الحفاظ ١ / ٢٥٤.
٤ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٢٢٠.
٥ ـ الزيلعي : نصب الراية ٢ / ١٩٤.
٦ ـ مجمع الزوائد ٢ / ٨٠٣.
٧ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ٢ / ١١٤ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ٧ / ٧٢٥ ، الألباني : إرواء الغليل ٢ / ٣٤٢.
٨ ـ الفاضل الآبي : كشف الرموز ٢ / ٤٤١.
٩ ـ جامع الخلاف / ٤٠٢.
١٠ ـ النووي : المجموع ١ / ٤٣٥.
١١ ـ النووي : المجموع ٢٤ / ٣٧٧.
١٢ ـ ابن حجر : تلخيص الحبير ١ / ٤١١ ، ٧ / ٢٦٥.
١٠٣
خالف رواية نفسه (١) ، والمارديني ابن عقيل لم يكن بالحافظ ، وأهل العلم مختلفون في جواز الاحتجاج بروايته (٢).
ومن الجدير ذكره أنّ أحمد لم يذكر زواج عقيل من امرأة بصرية ، وهذا هو محل الخلاف الذي جعلنا نتحرّى عن صحّة الرواية ، بسبب كثرة الزوجات التي نسبت لعقيل ، فقيل : إنّه سافر إلى الشام وتزوّج فيه ، وفنّد ذلك. وقيل : إنّه تزوّج امرأة من البصرة في أثناء سفره لها ، وتزوج عمّة قاضي الموصل كما سنبطل القول في ذلك.
فالذي يدرس شخصية عقيل يجده وكأنّه أفنى حياته في السفر والتجوال ، وكثرة الزيجات ، علماً أنّ السفر في مواصلات تلك الفترة أمر في غاية الصعوبة ، خاصّة وأنّ سفره كان غريباً ، جاب أصقاع العراق من الكوفة والبصرة والموصل وتزوّج هناك ، ثمّ سافر إلى الشام ، فالسفر إلى هذه الأماكن أمرٌ لا يصدّق ، ولا يمكن لأحد أن يسافر إلى هذه الجهات إلّا بمواصلات القرن العشرين ، ولا يتمكّن أيّ إنسان أن يجوب تلك الأماكن وبمواصلات ذلك الزمن إلّا على بساط النبيّ سليمان عليه السلام.
وربما قائل يقول : إنّ السفر أمر طبيعي ، وإلّا كيف كان يسافر العلماء بحثاً عن الحقيقة وطلب العلم ، وأنّ مسألة المواصلات آنذاك لم تَحُلْ دون السفر ، كما أنّ طول عمره يوفّر له فرص السفر.
ولكن لماذا السفر؟! وإلى من يسافر؟! وماذا عن نفقات السفر وهو فقير
__________________
١ ـ ابن حجر : تلخيص الحبير ٥ / ١٢٣.
٢ ـ الجوهر النقي ١ / ٢٣٧.
١٠٤
الحال؟! وعند من ينزل؟! وهل يسافر وافداً متكسباً أم لسبب آخر؟ ولابدّ من التساؤل أنّ أسفاره لماذا؟ هل للتجارة والعمل أم لطلب العلم أم ماذا؟ ولم يثبت ذلك. إذن لا توجد مبررات لسفره!
وقد نقل ابن أبي عاصم الحديث عن الحسن نفسه ولم يشر إلى زواج عقيل من امرأة بصرية ، فكلّ الذي قاله إنّه قدم العراق وتزوّج (١) ، فربما تكون هذه الزوجة من الكوفة أو غيرها إنْ صحّ زواجه.
ويرد على هذا إشكال لأنّ ذهابه إلى الكوفة كان لطلب المال لا لغرض الزواج كما سنوضّحه ، وكذلك الحاكم قال : إنّ عقيلاً قدم علينا فتزوّج امرأة وذكر الحديث (٢).
ويبطل الحديث ما ذكره الشوكاني عن صاحب كتاب ( جامع الأصول ) من أنّ المتزوّج هو الإمام عليّ عليه السلام وهو الذي صاهر بني جشم ، وعزاه إلى النسائي (٣). فقد أشار الرعيني بأنّه لا توجد كراهية لها عند المالكية (٤).
وما يسجّل على حديث الرفاء والبنين ورفض النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم على حدّ زعمهم ، فهناك شواهد على بقائه في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إنْ صحت ، وفيها روايات ، منها :
أوّلاً : رواية الطبراني ( ت ٣٦٠ هـ ) ، عن عليّ بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكّار عن محمّد بن حسن عن يعلى بن المغيرة عن ابن أبي رواد قال : « دخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفّيت فيه فقال لها : بالكره
__________________
١ ـ الآحاد ١ / ٢٧٩.
٢ ـ الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٧.
٣ ـ نيل الأوطار ٦ / ٢٦٦.
٤ ـ مواهب الجليل ٥ / ٢٦.

١٠٥
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:55 am

منّي ، ما الذي أرى منك يا خديجة ، وقد جعل الله في الكره خيراً كثيراً ، أما علمت أنّ الله زوّجني معك في الجنّة ، مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : قد فعل الله ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم ، فقالت : بالرفاء والبنين » (١).

وقد روى الهيثمي الحديث نفسه مشيراً إليه بأنّه منقطع الإسناد ، وفيه محمّد ابن الحسن بن زبالة وهو ضعيف (٢).

أمّا عن صاحب الرواية ، فهو الزبير بن بكّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير بن العوام ، أدركه ابن أبي حاتم ولم يكتب عنه ، رغم أنّ أبيه كتب عنه (٣) لكنه امتنع لأسباب لم يذكرها. لكنها تبدو واضحة ، لعدم مصداقية رواياته ، مثل الرواية قيد البحث وغيرها من مناكيره ، هي التي جعلته لم يكتب عنه. ولأسباب أشار إليها الشيخ المفيد إجمالاً بقوله : « الزبير بن بكّار ، ولم يكن موثوقاً به فيما يذكره ، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام وغير مأمون فيما يدّعيه على بني هاشم » (٤).

وقد روى حديثاً عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقال عنه الهيثمي : « ... رجاله رجال الصحيح خلا الزبير بن بكّار ، وهو ثقة ، وقد تفرّد به ... » (٥) ، والخوئي ناقلاً عن صاحب كتاب ( معجم الأدباء ) قوله : « إنّه أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ، وأنّه نقل عنه روايات يظهر منها بطلان مذهب العامة ، وحقيقة مذهب

__________________

١ ـ المعجم الكبير ٢٢ / ٤٥١ ، ينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٤٣٩ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٢ / ١٣٢.

٢ ـ مجمع الزوائد ٩ / ٢١٨.

٣ ـ الجرح والتعديل ٣ / ٥٨٥.

٤ ـ المسائل السروية / ٨٦.

٥ ـ مجمع الزوائد ٥ / ٣.


١٠٦

الخاصة » (١) ، وقد روى عن الضعفاء مثل سفيان بن عيينة (٢).
وكان للسيّد ناصر الدين الهندي وقفة مع الزبير بن بكار ، حيث كفانا مهمّة البحث عنه ، فقد جمع آراء كثيرة عنه ، وأظهر عدم مصداقية الرجل ، حيث قدح به الحافظ الكبير أبو الفضل أحمد بن علي ... بن عنبر السليماني ، بأن ذكره في الضعفاء ، وأنّه منكر الحديث (٣) ، وقد اعترض الذهبي على ذلك مشيراً إلى أنّ الزبير إمام صاحب نسب ثقة قاضي مكة من أوعية العلم ، وبهذا لا يلتفت إلى ما قاله السليماني (٤) ، والمزّي جعله ثقة من أهل العلم (٥).
ثانياً : رواية الصدوق ، قال : « دخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على خديجة وهي لما بها فقال لها : بالرغم منّا ما نرى بك يا خديجة فإذا قدمت على ضرائرك فأقرئيهنّ السلام فقالت : من هن يا رسول الله؟ قال : مريم ابنة عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امراة فرعون ، قالت : بالرفاء يا رسول الله » (٦).
هذا الحديث لم يسنده الصدوق ، وأسنده ابن كثير عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عبّاس ، وجعل الحديث ضعيفاً (٧).
ثالثاً : قيل : إنّ الحديث لم يكن مع خديجة وإنّما مع عائشة ، وهذا ما أشار
__________________
١ ـ معجم رجال الحديث ٨ / ٢٢٢.
٢ ـ سوف يأتي في آخر ( الفصل الثالث ).
٣ ـ إفحام الأعداء / ١٥٧.
٤ ـ ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦.
٥ ـ تهذيب الكمال ٩ / ٢٩٦.
٦ ـ من لا يحضره الفقيه ١ / ١٤.
٧ ـ تفسير ٤ / ٤١٦.
١٠٧
إليه الطبراني عن محمّد بن نوح بن حرب العسكري عن خالد بن يونس السمتي عن عبد النور بن عبد الله عن يونس بن شعيب عن أبي أمامة قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول لعائشة : أشعرت أنّ الله عزّ وجل زوّجني في الجنّة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وامرأة فرعون » (١)؟ فيه خالد بن يوسف السمتي وهو ضعيف (٢) ، ويونس بن شعيب عن أبي أمامة منكر الحديث (٣).
الملاحظ على الحديث أنّه مطعون فيه ، بغض النظر عن سنده ، ففي المتن ما يدلّ على ذلك ، وذلك لأنّه غير متفق عليه ، مرّة الحديث مع السيّدة خديجة عليها السلام وأخرى مع عائشة! وأيتهما كانت فليس من أخلاقه صلى الله عليه و آله و سلم أن يخاطب زوجته وهي تحتضر بهذا المنطق ، ويخبرها بخبر كهذا ، فالأجدر أن يقوم صلى الله عليه و آله و سلم بالدعاء لها وقراءة القرآن وغير ذلك.
وفي رواية ثانية : أنّ عمر بن الخطاب عندما خطب أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام ـ إن صحّ ـ قال : « رفئوني رفئوني ( أي : قولوا لي بالرفاء والبنين ) » (٤).
وتجدر الإشارة إلى علّة نهي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عن القول بكلمتي الرفاء والبنين بالرغم من أنّ فيهما صيغة دعاء ، فالرفاء في اللغة هو الاتّفاق وحسن الاجتماع ، ويكون من الهدوء والسكون (٥) ، يقال : رفأت الثوب أرفؤه ، وقولهم بالرفاء والبنين ، أي : الالتئام والاجتماع وأصله الهمز ، وإن شئت كان معناه السكون والطمأنينة ، وقد يكون أصله
__________________
١ ـ المعجم الكبير ٨ / ٢٥٩.
٢ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٢١٧.
٣ ـ ابن عدي : الكامل ٧ / ١٨٠ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٤٨١.
٤ ـ وقد ناقشنا ذلك وفندناه في بحث مستقل بعنوان ( أم كلثوم ) ( بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م ).
٥ ـ الفراهيدي : العين ٨ / ٢٨١.
١٠٨
غير الهمز (١).
وإنّ أصل كراهية الأمر ، أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عندما زوج فاطمة من أمير المؤمنين عليهم السلام قالوا لهم : بالرفاء والبنين ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم : ( لا بل على الخير والبركة ) (٢) ، وإنّه قال لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره بزواجه : ( بارك الله لك ) ، والحال نفسها مع جابر رضي الله عنه ، فيستحبّ أن يقال لكلّ واحد من الزوجين : بارك الله لكلّ واحد منكما في صاحبه وجمع بينكما ، فهو صيغة دعاء ومعناه الالتئام ولمّ الشمل (٣).
فإذا كان الأمر كذلك فلماذا الكراهة؟! وفي بعض الروايات وصل الأمر حدّ النهي! قيل : لأنّه من عادات الجاهلية ، ولهذا سنّ غيره (٤).
وهذا أمر مردود! فالإسلام أقرّ كثيراً من عادات وتقاليد الجاهلية وطوّر بعضها وأضاف عليها وأصبحت شرعية ، لا نريد الدخول في تفاصيلها.
وقيل : نهى عنها لأنّها لم يكن فيها حمد وثناء ولا ذكر لله.
وقيل : لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر ، وإلّا فهو دعاء للزوجين بالالتئام والائتلاف فلا كراهية فيه.
وقيل : الذي يظهر أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية ؛ لأنّهم كانوا يقولونه تفاؤلاً لا دعاء.
__________________
١ ـ ابن السكيت : ترتيب / ١٧٦ ، الجوهري : الصحاح ٦ / ٢٣٦.
٢ ـ المجلسي : البحار ٤٣ / ١٤٤ ، الحرّ العاملي : وسائل الشيعة ٢٠ / ٢٤٦ ، التبريزي : اللمعة البيضاء / ٢٧١.
٣ ـ النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٥.
٤ ـ المجلسي : البحار ٤٣ / ١٤٤.
١٠٩
فيظهر أنّه لو قيل بصورة الدعاء لم يكره كأن يقول : اللّهمّ ألّف بينهما وارزقهما بنين صالحين (١).
وما طرح أعلاه يوجد عليه إشكال ، فإذا كان فيه بغض للبنات ، فهناك من تعاليم الإسلام ما هو أبغض على هذا الزعم ، ففي قوله تعالى : (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) (٢) ألم يمتعضن من هذا؟! علماً أنّ من عادات العرب سواء قبل البعثة النبوية أم بعدها هو الحب للذكور من دون البنات.
وما ذكر من صيغة الدعاء ( وارزقهما بنين صالحين ) ، ولم يقل ( ذرية صالحة ) حتّى تشمل البنات ألا تغضب البنات من ذلك؟!
وربما يعترض بعضهم على ما ذكرناه ، بشأن البنات وبغضهن ، فليس بالضرورة المقصود بالآية بغض البنات ، فالله لا يصدر عنه بغض ، وإنّما في ذلك منفعة ومصلحة تفهمها كلّ مسلمة ، فلا تتبغّض منه ، وقد يكون المراد من لفظة البنين الذكور والإناث.
أمّا عن قبيلة الزوجة التي تزوّجها عقيل :
فهي من بني جشم من البصرة ، فقد بحثت جاهداً لمعرفة هذه القبيلة ، وهل لها مضارب في البصرة ، فلم أجد لها جذوراً فيها. والذين ذكروا الرواية لم يحدّدوا أيّ بطن من بطون جشم ، سوى البلاذري فإنّه حدّد بني جشم بن سعد (٣) ، وقد حاولت معرفة أصل هؤلاء ، فلم أعرفه ، سوى ما ذكره كحالة من
__________________
١ ـ النووي : مجموع ١٦ / ٢٠٨ ، الشوكاني : نيل الأوطار ٦ / ٢٦٦.
٢ ـ النساء / ١١.
٣ ـ أنساب الأشراف / ٧٠ ، الطبراني : المعجم الكبير ١٧ / ١٩٣.
١١٠
أنّ جشم بن سعد بن زيد مناة من تميم ، وهم بطن من العدنانية (١) ، وذكر البكري أنّ بني جشم بن عامر بن قداد في بني عامر بن صعصعة (٢) ، وهذا الرأي له ما يؤيّده ، فقد أوردنا سابقاً أنّ عقيلاً تزوّج امرأة من بني عامر ، فربما هي الزوجة التي تزوّجها في البصرة إن صحّت.
أمّا السمعاني فأشار إلى بني جشم بقوله : « بني جشم بن الحارث بن سعد ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة » (٣) ، وابن أبي عاصم : أنّ بني جشم بن الحارث بن الخزرج بن الأوس بن عبد الأشهل (٤).
خلاصة الأمر ، إنّنا لم نجد لبني جشم سكن في البصرة ، والأصحّ أنّ ما أشير إليه من أنّ عقيلاً تزوّج في البصرة هي نفسها من عامر بن صعصعة ، وقد ناقشنا زواجه منها سابقاً.
٦ ـ قد انفرد البلاذري في رواية مفادها : « إنّ عقيلاً تزوّج ابنة سنان بن الحوتكة من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ... » ثمّ ذكر الحديث (٥).
٧ ـ كذلك تزوّج من عمّة قاضي الموصل عقيل بن عبد الرحمن الخولاني ، وهذا ما ذكره الكوفي بقوله : « حدّثنا محمّد قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن يزيد عن المفضل بن دكين ومحمّد بن عبد الله الأسدي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر عن عقيل بن عبد الرحمن الخولاني قاضي الموصل ، وكانت عمّته تحت عقيل بن أبي طالب قال : حدّثتني عمّتي قالت : دخلت على
__________________
١ ـ الطبراني : المعجم الكبير ١ / ١٨٩.
٢ ـ الطبراني : المعجم الكبير ١ / ٦١.
٣ ـ أنساب ٢ / ٦٢.
٤ ـ الآحاد ٣ / ٤٠٥.
٥ ـ أنساب الأشراف / ٧٥.
١١١
عليّ عليه السلام بالكوفة وهو جالس على برذعة حمار منتثلة قالت : فدخلت على امرأة له من بني تميم فعذلتها ولمتها وقلت لها : هذا بيتك ممتلئ ثياباً وأمير المؤمنين عليه السلام جالس على برذعة ... قالت : لا تلوميني فإنّا لا نخرج إليه ثوباً وتنكره إلّا وبعث به إلى بيت مال الله فأُلقي فيه!!! » (١).
وقد بحثت عن الخولاني هذا فلم أجد عنه شيئاً يذكر ، ولم أعرف متى تولّى قضاء الموصل ، في أيّ عصر ، ولم أعرف من هي زوجته إذا كان متزوّجاً ، ومن هم أولاده إذا كان عنده أولاد ، وما نعرف شيئاً عن صفاته ، وكلّ الذي وجدناه عن ترجمته هو عقيل ابن عبد الرحمن ، وأنّ عمّته كانت تحت عقيل بن أبي طالب ، روى عن الإمام عليّ عليه السلام وعن كعب وروى عنه أبو السفر ، وأبو إسحاق الهمداني (٢) ، وقد حاولت البحث عن عمّته من هي ، فلم أعرفها.
وأشارت الرواية أنّ عمّته هي التي رأت الإمام عليّ عليه السلام ، في حين أنّ ابن شهر آشوب ذكر أنّ عقيل الخولاني هو الذي رأى الإمام عليه السلام وليس عمّته (٣). هذا ما يخصّ المتن.
أمّا سند الرواية ، فمطعون فيه ، فمحمّد أوّل الرواة لم نستطع تحديده ، ولم نعرف أباه ونسبه حتّى نعرف موقف علماء الجرح والتعديل منه ، والحال نفسها مع أحمد بن محمّد بن يزيد ، لوجود ثلاثة أشخاص بهذا الاسم.
والفضل بن دكين مطعون فيه (٤).
ومحمّد بن عبد الله الأسدي لا يوجد ما يفيد توثيقه أو تجريحه ، فقد ذكره
__________________
١ ـ الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٧٢ ، الطبرسي : مكارم الأخلاق / ١٣٣.
٢ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ٥٣ ، ابن حبّان : الثقات ٥ / ٢٧٣ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٢١٩.
٣ ـ مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٦٦.
٤ ـ ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
١١٢
ابن أبي حاتم فقال : « محمّد بن عبد الله الأسدي ، روى عن وابصة بن معبد ، روى عنه معاوية بن صالح سمعت أبي يقول بذلك » (١) ، وقيل : كان يصوم الدهر ، وكان إذا تسحّر برغيف لم يصدع ، فإذا تسحّر بنصف رغيف صدع من نصف النهار إلى آخره ، فإن لم يتسحّر صدع يومه أجمع ، توفّي سنة ٢٠٣ هـ (٢).
ويونس بن أبي إسحاق فيه غفلة شديدة ، وكانت فيه سخنة ، وقيل أحمد يضعّف حديث يونس عن أبيه ، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : حديث مضطرب وصدّقه أبو حاتم ، إلّا أنّه قال : لا يحتجّ بحديثه (٣).
وأبو السفر ، سعيد بن يحمد ، وقيل : فيه أحمد الهذلي الثوري ( ت ١١٣ هـ ) ثقة من الثالثة ، لكنه قليل الحديث (٤) ، وثّقه ابن معين ، (٥) ويكفيه أنّه أموي النسب (٦) ، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، وأنّه سمع أباه يقول : أبو السفر صدوق (٧).
__________________
١ ـ الجرح والتعديل ٧ / ٣٠٩.
٢ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ٣ / ٢١ ، القمي : الكنى ٢ / ٢٩٣.
٣ ـ النسائي : خصائص / ٣٧.
٤ ـ ابن سعد : الطبقات ٦ / ٢٩٩ ، ابن حبّان : مشاهير / ١٧٠ ، الثقات ٤ / ٢٩٣ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٤ / ٥٤١.
٥ ـ الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٢٤٦ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٥ / ٧٠.
٦ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٢ / ١٠١.
٧ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٧٣.
١١٣
أولاده
لم نستطع أن نقف على عدد أولاد عقيل كي نستطيع معرفة الذين استشهدوا يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ ، إذ اختلفت المصادر في وضع حدّ تقريبي لأولاده ، وهناك روايات وردت لدى بعض المؤرّخين ذكرت له أبناء وبنات كثيرون ، ومن هذه الروايات وأهمّها هي :
١ ـ رواية مصعب الزبيري ت ١٥٦ هـ ، قال : « وولد عقيل ... يزيد وبه يكنى وسعيداً لا بقية لهما ... وجعفراً الأكبر وأبا سعيد الأحول لا بقية لهما ... ومسلم ... وعبد الله الأكبر ... وعبد الله الأصغر ... وعبد الرحمن وعلياً الأكبر وجعفراً الأصغر ... وحمزة وعيسى وعثمان » (١).
٢ ـ رواية ابن سعد ت ٢٣٠ هـ ، قال : « وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد يزيد وبه يكنّى وسعيد ... وجعفر الأكبر وأبو سعيد الأحول وهو اسمه ... ومسلم ابن عقيل ... وعبد الله بن عقيل وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر ... لأم ولد وعلي لا بقية له ... وجعفر الأصغر وحمزة وعثمان لأمهات أولاد ومحمّد ورملة ... وأم هانئ وأسماء وفاطمة وأم القاسم وزينب وأم النعمان ... » (٢).
٣ ـ رواية البلاذري ت ٢٧٩ هـ ، قال : « عقيل ... فيكنّى أبا يزيد باسم ابن له ... وولد عقيل مسلماً وعبد الله الأصغر وعبيد الله وأم عبد الله ومحمّداً ورملة ...
__________________
١ ـ نسب قريش ٣ / ٨٤.
٢ ـ الطبقات ٤ / ٤٢ ، وينظر أوّل مبحث زوجاته ( الفصل الثاني ).
١١٤
وعبد الرحمن وحمزة وعلياً وجعفر الأصغر وعثمان وزينب وفاطمة تزوّجها عليّ بن يزيد ... من بني عبد المطلب ... وأسماء تزوّجها عمر بن عليّ بن أبي طالب وأم هانئ ... ويزيد وسعيد ... وأبا سعيد وجعفر الأكبر وعبد الله الأكبر ... فقتل من بني عقيل مع الحسين عليه السلام جعفرالأكبرومسلم وعبد الله الأكبروعبدالرحمن ومحمّدبن عقيل » (١).
٤ ـ رواية ابن حزم ت ٤٥٦ هـ ، أحصى اثني عشر ولداً له بقوله : « ولد عقيل ابن أبي طالب عبد الله وعبد الرحمن قتلا مع الحسين عليه السلام ومسلم القائم المقتول بالكوفة وعلي وحمزة وجعفر وسعيد وأبو سعيد وعيسى وعثمان ويزيد وبه كان يكنى ، لا عقب لواحد منهم ، ومحمّد وله العقب لا عقب لعقيل إلّا من محمّد ... » (٢).
٥ ـ رواية الذهبي ت ٧٤٨ هـ : حددهم ثمانية أولاد هم : مسلم ويزيد وسعيد وجعفر وأبو سعيد الأحول ومحمّد ، وعبد الرحمن وعبد الله (٣).
٦ ـ رواية العلوي ت ق٩ هـ ، قال : « ولد عقيل .. ثمانية عشر ذكراً وهم يزيد وسعيد وأبان وعثمان وعبد الرحمن وحمزة وجعفر وعبد الله وعبد الله الأصغر وجعفر الأصغر وعلي وعلي الأصغر وعيسى ومحمّد ومسلم وأبو سعيد وعبد مناف.
أعقب من جملتهم ستة ، وأعقب عبد الرحمن المقتول بالطف سعيداً ، وأعقب عبد مناف هاشماً ، وأعقب مسلم قتيل الكوفة مسلماً وعبد العزيز وعبد الله قتيل الطف ، وأعقب عبد الله الأكبر محمّداً وعلياً وعقيلاً ومسلماً وعبد الرحمن ، وأعقب أبو سعيد الأحول قتيل الطف محمّداً قتل بالطف أيضاً وكلّ
__________________
١ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.
٢ ـ جمهرة / ٦٩.
٣ ـ سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨.
١١٥
انقرض ، وعقبه من ولده محمّد وهو لأم ولد » (١).
وطبقاً لما ورد أعلاه فقد نسب له ولدان ، وهم :
أوّلاً : يزيد ، وبه يكنّى ، ليس له ذكر ـ وقد بحثت عنه فلم أجد له ذكراً ، وبقي مبهماً بالنسبة لنا ـ ومن المحتمل أنّه شخصية وهمية غير موجودة وإنّما ألصق بعقيل ، وهو كنيته فقط ، وليس بالضرورة أن يكون شخصية حقيقية ، ومن المستبعد أن يكنّى عقيل بهكذا كنية فهو هاشمي ، ولم يسمع عن هاشمى سمّى أو كنّى بهذه الكنية ، وهذه من مسمّيات بني أمية ، مثل يزيد بن معاوية ، ويزيد ابن المهلب وغيرها ، ربما هذه من الأمور التي افتريت عليه ، وهذه لها سابقة في التاريخ ، حيث أبوه أبو طالب ألصق به ولداً اسمه طالب من دون الاعتماد على حقيقة ثابتة ، فقد أثبت التحقيق العلمي عدم وجوده (٢) ، فليس من المستبعد أن يلصق بعقيل ما ألصق بأبيه من قبل.
ثانياً : جعفر الأكبر ، وقد اختلف في اسم أمّه أم البنين بنت الثغر (٣) ، وكذلك اختلف في اسمه اختلافاً بسيطاً ، فقيل : جعفر الأكبر قتل مع الحسين عليه السلام (٤) ، وفي رواية أبي مخنف سمّاه جعفر من دون لقب الأكبر ، وأنّ قاتله هو عبد الله بن عزرة رماه بسهم فقتله (٥) ، وفي رواية أخرى قتله بشر بن حوط الهمداني (٦) ، وعند الأصفهاني قتله عروة بن عبد الله الخثعمي (٧) ، وروي العلّامة المجلسي أنّ
__________________
١ ـ المجدي في أنساب الطالبين / ٣٠٧.
٢ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٢٤.
٣ ـ ينظر مبحث زوجاته ( الفصل الثاني ).
٤ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.
٥ ـ مقتل / ١٦٨ ، وينظر شمس الدين : أنصار الحسين عليه السلام / ١٣٣.
٦ ـ أبو مخنف : مقتل / ٢٤٠ ، ينظر الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، العسكري : معالم المدرستين ٣ / ١٤٤.
٧ ـ مقاتل الطالبيين / ٦١.
١١٦
جعفر خرج للمعركة وهو يرتجز :
أنا الغلام الابطحي الطالبي

من معشر في هاشم وغالب
ونحن حقاً سادة الذوائب

هذا حسين أطيب الاطائب
مـن عـترة الـبر الـتقـي العاقب
وروي أنّه قتل خمسة عشر فارساً ، وقيل : رجلين (١).
يمكن أن يكون هناك مبالغة في كثرة عدد من قتل ؛ لأنّ الراوي لم يكن وقف عليهم وأحصاهم وذكر أسماءهم ، فالقول أنّه قتل رجلين هو أقرب للصحّة!
ثالثاً : سعيد بن عقيل ، اختلف فيه ـ فقد تحققت عنه كثيراً ، فوجدت الروايات مختلفة حوله ـ فمرّة يذكر بعنوان سعيد ولم يذكر عنه تفاصيل وفي الغالب يذكر باسم أبي سعيد ، وأخرى يلقّب بأبي سعيد الأحول ، فقد سمّاه ابن خياط سعيد ، ولم يذكر عنه أيّة معلومات سوى أنّه ذكر أنّ عبد الله بن مسلم بن عقيل أمّه رقية بنت محمّد بن سعيد بن عقيل (٢).
وذكره السيّد الخوئي قدس سره في معرض حديثه عن محمّد بن سعيد بقوله : « قال ابن داود من القسم الأوّل محمّد بن سعيد بن عقيل ... وقال ابن شهر آشوب : وروي أنّه قاتل محمّد بن سعيد الأحول بن عقيل فقتله لقيط بن إياس الجهني. وتقدّم بعنوان محمّد بن أبي سعيد بن عقيل » (٣). وهذا لا يصح! لأنّها سوف تصبح
__________________
١ ـ البحار ٤٥ / ٣٢.
٢ ـ الطبقات / ٤٢.
٣ ـ معجم رجال الحديث ١٧ / ١١٩.
١١٧
ابنة ابن ابن عمّه ، أي : أنّ مسلم ابن عم جدّها سعيد بن عقيل ، وهذا لا يصح من حيث الفارق العمري ، وتنفي هذه الرواية رواية أخرى مفادها أنّ أم عبد الله بن مسلم رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام (١).
إذن لم يكن هناك اتّفاق حول اسمه ، ومن الجدير بالإشارة أنّ المقتول بالطف هو محمّد بن أبي سعيد ولم يذكر بعنوان محمّد بن سعيد (٢).
وأنجب أبو سعيد ولداً اسمه محمّد قتل بالطف ، قتله لقيط بن إياس الجهني رماه بسهم فقتله (٣) ، وقد تزوّج محمّد فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السلام وأمّها أم ولد وأنجبت له بنتاً اسمها حميدة (٤) ، في حين ذكره ابن عساكر عن الزبير بن بكار جعل فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السلام زوجة أبي سعيد بن عقيل فولدت له حميدة (٥).
وفي الوقت الذي سمّي فيه قاتله بأنّه لقيط نسب إليه قاتل آخر ، وهذا ما أشار إليه شمس الدين بقوله : « غلام في أذنه قرطان قتله هاني بن ثبيت » (٦) ، وذكره الخوارزمي آخر الشهداء من بني هاشم في ترتيب الخوارزمي ... ، وذكر بعض أرباب المقاتل أنّ هذا الغلام هو محمّد بن أبي سعيد بن عقيل وأنّ قاتله
__________________
١ ـ ابن سعد : الطبقات / ١٧٩ ، البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.
٢ ـ الطوسي : الرجال / ١٠٥ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٩ ، ابن طاووس : إقبال الأعمال ٣ / ٧٦ ، العسكري : معالم المدرستين ٣ / ١٤٤.
٣ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين / ٦٢ ، العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ٣٠٧ ، ابن طاووس : إقبال الأعمال ٣ / ٧٦ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٣.
٤ ـ ابن سعد : الطبقات ٨ / ٤٦٥ ، الطبرسي : إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ١٧ ، ٧٠ / ٣٦ ، المزّي : تهذيب الكمال ٣٥ / ٢٦١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٢ / ٣٩٣.
٥ ـ تاريخ مدينة دمشق ٧٠ / ٣٦ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣ ، النمازي : مستدرك ٨ / ٢٥٧.
٦ ـ بحثت عنه ولم أجد ترجمة له.
١١٨
هاني بن ثبيت الحضرمي (١) ، أمّا القاضي نعمان فقال : إنّ قاتله هو لقيط بن إياس الجهني وأشار إلى مقتله بقوله : « محمّد بن أبي سعيد بن عقيل أمّه أم ولد قال حميد بن مسلم الأزدي : لمّا صرع الحسين عليه السلام خرج غلام مذعوراً يلتفت يميناً وشمالاً فشد عليه فارس فضربه ، فسألت عن الغلام ، قيل : محمّد بن أبي سعيد ، وعن الفارس لقيط بن إياس الجهني ، وقال هشام الكلبي : حدّثني هاني بن ثبيت الحضرمي ، قال : كنت ممّن شهد مقتل الحسين عليه السلام فوالله أنّي لواقف عاشر عشرة ليس منّا رجل إلّا على فرس ، وقد حالت الخيل وتضعضعت إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية عليه أزار وقميص وهو مذعور يتلفت يميناً وشمالاً ، فكأنّي أنظر إلى درّتين في أذنيه يتذبذبان كلّما التفت ، إذ أقبل رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه ، ثمّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف ، قال هشام الكلبي : انّ هاني بن ثبيت الحضرمي هو صاحب الغلام وكنّى عن نفسه استحياءً أو خوفاً » (٢).
وهنا لابدّ من تساؤل يطرح نفسه أين أبوه؟ لم يذكر له موقف في اليوم العاشر من المحرم ، فالعجيب سجّل موقف لغلام صغير ، ولم يذكر لأبيه أيّ شيء! فهل أنّ أباه توفّي قبل واقعة الطف ، فلم يطرأ له ذكر فيها؟ ـ هذا ما بحثنا عنه ولم نجد له إجابة! ـ وإلّا كيف يفسّر خروجه للمعركة من دون أهله وهو غلام ، وربما جاء التركيز على الابن كونه غلاماً صغيراً كان خائفاً مذعوراً لصغره ولهول الواقعة ، وكان قتله بشكل مؤلم ومفجع؟! بينما أبوه استشهد في القتال كغيره ، ويبدو أنّ خروجه بعد استشهاد أهله وذويه وبعد أن أُحرقت الخيام فذعرت النساء من ذلك فحتم عليه الخروج.
__________________
١ ـ شمس الدين : أنصار الحسين عليه السلام / ١٣٦.
٢ ـ هامش إبصار العين / ٥١ ، الخوارزمي ٢ / ٤٧ ، الكامل ٤ / ٩٢.
١١٩
رابعاً : مسلم بن عقيل الهاشمي ، يكنّى أبا داود (١) ، وكان أشجع ولد عقيل (٢) ، وأشبه ولد عبد المطلب بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم (٣) ، وروي أنّ عقيل سافر إلى الشام ، وتزوّج من جارية هناك ، فولدت له مسلماً ، وهذه الرواية مرفوضة تماماً وفنـدت بالكامل (٤) ، أمّا عن ولادته فلم نجد شيئاً عنها.
وقد تزوّج رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام فولدت له عبد الله وعليّاً ، وكذلك تزوّج امرأة من بني عامر بن صعصعة فأنجبت له مسلم بن مسلم ، وعبد الله لأم ولد ومحمّداً (٥).
إذن إنّه تزوّج ثلاث زوجات ، لكن الطبرسي أشار إلى زوجته رقية ، ولم يشر إلى بقية زوجاته ، وذكر أولاده ، وهم : عبد الله وعليّ ومحمّد ابني مسلم (٦) ، وذكرنا فيما سبق أنّه تزوّج رقية بنت محمّد بن سعيد بن عقيل ، وهذا وهم.
ومن الجدير ذكره أنّ التاريخ قد أهمل جوانب كثيرة من شخصيته وسلّطت الأضواء حول ذهابه إلى الكوفة وكيفية استشهاده وأغفلت جوانب كثيرة من حياته ، منها هل أنّه أكبر أولاد أبيه؟ وربما قائل يقول : كيف يكون كذلك والرواية المرفوضة تقول : إنّ أباه تزوّج أمّه في الشام ، وأصبح عمره ثماني عشرة سنة واستشهد؟! وكيف له بهذا العمر الصغير أن يتزوّج ثلاث
__________________
١ ـ ابن حبّان : الثقات ٥ / ٣٩١.
٢ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٧.
٣ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٧ / ٢٦٦.
٤ ـ ينظر مبحث زوجاته / خليلة ( الفصل الثاني ).
٥ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.
٦ ـ إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣ ، النمازي : مستدرك ٤ / ١٨٥.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 2:58 am

نساء ، وينجب خمسة أولاد؟! وصفاته وحياته قبل أن يذهب إلى الكوفة؟ وهل أنّه أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أم لا؟ أصحابي أم غير ذلك؟

وقد حاولنا الإجابه عن هذه التساؤلات ، فلم نجد ما يدلّنا على شيء إلّا النزر القليل ، ومنها ما رواه الزركلي ـ وهو متأخّر الوفاة ـ بأنّ مسلماً من أصحاب الرأي والعلم والشجاعة ، وجعله تابعياً وليس صحابياً (١) ، وقيل : إنّه من أصحاب الحسن والحسين عليهما السلام ، وقيل : من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حيث كان على ميمنة جنده يوم صفين (٢).

أمّا ابن حجر فقد ذكر أسماء الذين رأوا النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من أقاربه مثل الحسن والحسين عليهما السلام وعقيل وابنه مسلم (٣) ، إذن إنّه رأى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسمع كلامه ، والقاعدة عندهم تقول : « كلّ من رأى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسمع حديثه فهو صحابي » (٤) ، وأنّه أدرك جماعة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (٥) ، وهذا ينفي كونه متأخّر الولادة.

أمّا عن استشهاده فقد خرج في الكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة سنة ستين هجرية ، وقتل يوم الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة ، وكان توجّه الحسين عليه السلام من مكّة إلى العراق يوم خروج مسلم بالكوفة يوم التروية (٦) ، وقد استشهد وترك مجموعة أولاد ، وهم :

__________________

١ ـ الأعلام ٧ / ٢٢٢.

٢ ـ النمازي : مستدرك ٥ / ١٣٧ ، وينظر الخوئي : معجم رجال الحديث ١٩ / ١٦٥.

٣ ـ ابن حجر : فتح الباري ٧ / ٦٣.

٤ ـ للتفاصيل راجع المحمداوي : أبو طالب / ١٢٥.

٥ ـ ابن حبّان : الثقات ٥ / ٣٩١.

٦ ـ المفيد : الإرشاد ٢ / ٦٦ ، ابن كثير : البداية ٨ / ١٧١ ، النمازي : مستدرك ٥ / ١٣٨.


١٢١

عبد الله ـ شهيد الطف ـ ، وأمّه رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام (١). وهذا الأمر ينفي كون مسلم استشهد وله من العمر ثماني عشرة سنة ، بدليل وجود ابن له استشهد في الطف! وهو أوّل هاشمي برز للأعداء يوم كربلاء.
يروى أنّ أوّل ما أمر ابن سعد بقطع الماء عن معسكر الحسين عليه السلام خطب عليه السلام خطبته المشهورة نذكرها إتماماً للفائدة وللتبرّك ولم نعلق عليها ، قال : ( اللّهمّ إنّي لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي ، وقد نزل بي ما قد ترون ، وأنتم في حلّ من بيعتي ، وليست لي في أعناقكم بيعة ، ولا لي عليكم ذمّة ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وتفرّقوا في سواده ، فإنّ القوم إنّما يطلبونني ، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري ).
فقام إليه عبد الله بن مسلم ..فقال : يا بن رسول الله ، ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيّدنا وابن سيّد الأعمام وابن نبيّنا سيّد الأنبياء ، لم نضرب معه بسيف ، ولم نقاتل معه برمح ، لا والله أو نرد موردك ، ونجعل أنفسنا دون نفسك ، ودماءنا دون دمك ، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا ممّا لزمنا (٢) ، وقد برز للمعركة وهو يرتجز ويقول :
أقسمت لا أقتل إلّا حرا

وقد وجدت الموت شيئاً مرّا
أكره أن ادعى جباناً فرا

إنّ الجبان من عصا وفرا
__________________
١ ـ ابن حبّان : الثقات ٢ / ٣١١ ، الطوسي : الرجال / ١٠٣ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ١٩٢ ، التفرشي : الرجال ٣ / ١٤٤.
٢ ـ الصدوق : الأمالي / ٢٢٠ ، المجلسي : البحار ٤٤ / ٣١٦ ، البحراني : العوالم / ١٥٦.
١٢٢
فقتل منهم ثلاثة ثمّ قتل (١).
وقد اختلفت الروايات في أرجوزته ، وكذلك في عدد من قتلهم ، فقد روى القندوزي أبياتاً غير ما ذكرناه مشيراً عن عبد الله بن مسلم قوله :
نحن بنو هاشم الكرام

نحمي عن السيّد الإمام
نجل عليّ السيّد الضرغام

سبط النبيّ الملك العلّام
وفي رواية أنّه عليه السلام منع عبد الله من النزول وقال له : ( أنت في حلّ من بيعتي حسبك قتل أبيك مسلم خذ أمّك واخرج من المعركة ) ، فقال : لست والله ممّن يؤثر دنياه على آخرته ، وقاتل حتّى قتل نيفاً وخمسين فارساً ثمّ قتل ، فلمّا نظر إليه الحسين عليه السلام قال : ( اللّهمّ اقتل قاتل آل عقيل ... احملوا عليهم بارك الله فيكم وبادروا إلى الجنّة التي هي دار الإيمان ) (٢).
وما نريد ذكره بخصوص الرواية ، هو المبالغة في كثرة القتلى نيفاً وخمسين فارساً ، وقيل : ثمانية وتسعين (٣) ، فالرواية السابقة أكثر قبولاً ، خاصّة وأنّ القندوزي متأخّر الوفاة ولا نعرف من أين أتى بهذه الرواية؟ وتشير الرواية إلى أنّ عبد الله غير متزوّج ، وانّ أمّه هي التي خرجت معه إلى كربلاء ، فلو كان متزوّجاً لقال له الإمام خذ زوجتك وارحل ، ويبدو أنّه أكبر أولاد مسلم.
__________________
١ ـ الصدوق : الأمالي / ٢٢٦ ، الفتّال : روضة الواعظين / ١٨٨ ، المجلسي : البحار ٤٤ / ٣٢١ ، البحراني : العوالم / ١٧٠.
٢ ـ ينابيع المودّة ٣ / ٧٣ ، الشريفي : كلمات / ٤٦٩.
وقد بحثت عن الرواية ولم أجدها في بقيّة المصادر.
٣ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٤.
١٢٣
وقيل : إنّه دخل المعركة وهو يرتجز :
اليوم ألقى مسلماً وهو أبي

وفتية ماتوا على دين النبيّ
ليسوا بقوم عرفوا بالكذب

لكن خيار وكرام النسب
من هاشم السادات أهل الحسب (١)
ومن الجدير ذكره أنّ الأبيات الأخيرة أقرب للصحّة ؛ لأنّه فعلاً يلقى أباه الشهيد مسلماً الذي استشهد قبله.
وقد اختلف كذلك في اسم قاتله ، فقيل : قتله عمرو بن صبيح الصيداوي ، رماه بسهم أصابه وهو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته فصرعه (٢) ، وقيل : إنّ قاتله أسد بن مالك (٣) (٤) ، ويروى عامر بن صعصعة (٥) ، وهذا ما أشار إليه السيّد ابن طاووس بقوله : « السلام على القتيل بن القتيل عبد الله بن مسلم بن عقيل ولعن الله قاتله عامر بن صعصعة ، وقيل : أسد بن مالك ، السلام على عبيد الله بن مسلم بن عقيل ، ولعن الله قاتله وراميه عمرو بن صبيح الصيداوي » (٦) ، علماً أنّ عبيد الله هو ابن عقيل وليس ابن مسلم (٧).
وفي محاكمات صاحب الثار المختار الثقفي ، طلب عمرو بن صبيح لاشتراكه
__________________
١ ـ المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٢ ، البحراني : العوالم / ٢٧٥ ، الأمين : لواعج / ١٧١.
٢ ـ أبو مخنف : مقتل / ١٥٦ ، الدينوري : الأخبار / ٢٥٦ ، المفيد : الإرشاد ٢ / ١٠٧ ، الطبرسي : إعلام الورى / ٤٦٥.
٣ ـ لم أجد ترجمة له.
٤ ـ الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، شمس الدين : أنصار الحسين / ١٣٣.
٥ ـ لم أجد ترجمة له.
٦ ـ إقبال الإعمال ٣ / ٧٦ ، المجلسي : البحار ٩٨ / ٢٧١ ، البحراني : العوالم / ٣٣٧.
٧ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠.
١٢٤
في مأساة كربلاء ، فلم يعترف بقتله لعبد الله بن مسلم وكان يقول : طعنت بعضهم وجرحت فيهم وما قتلت منهم أحداً ، فأتوه أصحاب المختار ليلاً وهو على سطح داره من حيث لا يشعر بعد أن هدأت العيون وسيفه تحت رأسه ، فأخذوه وسيفه معه ، فقال : قبّحك الله سيفاً ما أقربك وأبعدك ، فجيء به إلى المختار فحبسه في القصر.
فلمّا أن أصبح أذن لأصحابه وقيل ليدخل من شاء أن يدخل ، ودخل الناس وجيء به مقيّداً ، فقال : أما والله يا معشر الكفرة الفجرة أن لو بيدي سيفي لعلمتم أنّي بنصل السيف غير رعش ولا رعديد ما يسرني إذ كانت منيتي قتلاً أنّه قتلني من الخلق أحد غيركم لقد علمت أنّكم شرار خلق الله غير أنّي وددت أنّ بيدي سيفاً أضرب به فيكم ساعة ، ثمّ رفع يده فلطم عين ابن كامل ـ عبد لله الشاكري صاحب الشرطة ـ وهو إلى جنبه فضحك ابن كامل ، ثمّ أخذ بيده وأمسكها ، ثمّ قال : إنّه يزعم أنّه قد جرح في آل محمّد وطعن فمرنا بأمرك فيه ، فقال المختار : عليّ بالرماح ، فأُتي بها ، فقال : اطعنوه حتّى يموت فطعن بالرماح حتّى مات (١).
وكذلك حاكم شخصاً آخر اتّهم في قتله لعبد الله بن عقيل ، فروى الطبري أنّ المختار بعث عبد الله بن كامل الشاكري إلى رجل يقال له زيد بن الرقاد كان يقول : « لقد رميت فتى منهم بسهم وأنّه لواضع كفّه على جبهته يتّقي النبل فأثبت كفّه في جبهته فما استطاع أن يزيل كفّه عن جبهته ».
وروى الطبري أيضاً عن أبي مخنف : أنّ ذلك الفتى هو عبد الله بن مسلم ابن عقيل ، وأنّه قال عندما أصابه السهم : « إللهم إنّهم استقلّونا واستذلّونا اللّهمّ
__________________
١ ـ أبو مخنف : مقتل / ٣٨٠ ، ابن نما الحلّي : ذوب النضار / ١٢٢ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٧٦.
١٢٥
فاقتلهم كما قتلونا وأذلهم كما استذلّونا » ، بعدها رمى الغلام بسهم آخر فقتله فكان يقول : « جئته ميتاً فنزعت سهمي الذي قتله من جوفه ، فلم أزل أنضنض السهم من جبهته حتّى نزعته وبقى النصل في جبهته مثبتاً ما قدرت على نزعه » ، فلمّا أتى ابن كامل داره أحاط بها واقتحم الرجال عليه ، فخرج مصلتا بسيفه وكان شجاعاً ، فقال ابن كامل : لا تضربوه بسيف ولا تطعنوه برمح ولكن ارموه بالنبل وارجموه بالحجارة ، ففعلوا ذلك به فسقط ، فقال ابن كامل : إن كان به رمق فأخرجوه ، فأخرجوه وبه رمق ، فدعا بنار فحرقه بها وهو حيّ لم تخرج روحه (١).
وله زيارة خاصّة هذا نصّها : « السلام عليك يا عبد الله بن مسلم ... فما أكرم مقامك في نصرة ابن عمّك ، وما أحسن فوزك عند ربّك ، ولقد كرّم فعلك ، وأجلّ أمرك ، وأعظم في الإسلام سهمك ، رأيت الانتقال إلى ربّ العالمين خيراً من مجاورة الكافرين ، ولم تر شيئاً للانتقال أكرم من الجهاد والقتال ، فكافحت الفاسقين بنفس لا تحيم عند البأس ويد لا تلين عند المراس ، حتّى قتلك الأعداء من بعد أن رويت سيفك وسنانك من أولاد الأحزاب والطلقاء ، وقد عضّك السلاح ، وأثبتك الجراح ، فغلبت على ذات نفسك غير مسالم ولا مستأسر ، فأدركت ما كنت تتمنّاه ، وجاوزت ما كنت تطلبه وتهواه ، فهنّأك الله بما صرت إليه ، وزادك ما ابتغيت الزيادة عليه » (٢).
علي بن مسلم ، أخو عبد الله لأمّه ولأبيه. وقد بحثنا عنه ، فلم نجد عنه شيئاً يذكر.
مسلم بن مسلم ، ذكر في رواية واحدة أوردها الأسفراييني ولم يوردها
__________________
١ ـ تاريخ ٤ / ٥٣٤ ، وينظر ابن كثير : البداية ٨ / ٣٠٠ ، ابن خلدون : العبر ٣ / ٢٦.
٢ ـ المجلسي : البحار ٩٨ / ٢٤٤.
١٢٦
غيره ، ومفادها أنّه برز للمعركة وهو يقول :
اليوم ألقى مسلماً وهو أبي

وفتية ماتوا على دين النبيّ
وألتقي بسادة نالوا المنى

أولاد مولانا الرسول العربيّ
ثمّ قاتل حتّى قتل منهم تسعين فارساً (١).
والمسجّل على الرواية ، أنّ هذه الأبيات نسبت إلى عبد الله شهيد الطف ، والمبالغة في كثرة عدد من قتلهم ، خاصّة أنّه لم يذكر لهما قاتل ، هذه المعلومات القليلة عن هاتين الشخصيّتين ، إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عدم وجودهما.
والحال نفسها مع محمّد بن مسلم ، وأمّه أم ولد.
ويروى عن الإمام الباقر عليه السلام : ( إنّ بني أبي طالب حملوا حملة واحدة فصاح فيهم الإمام الحسين عليه السلام : ( صبراً على الموت يا بني عمومتي ) فاستشهد من بينهم محمّد بن مسلم قتله أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني ) (٢).
أمّا حميدة بنت مسلم ، فقد ذكرت في روايتين :
إحداهما رواها ابن عنبة بقوله : « وأعقب عبد الله بن محمّد من رجلين محمّد وأمّه حميدة بنت مسلم وأمّها أم كلثوم بنت عليّ عليه السلام » (٣).
والثانية : عن ابن ماكولا قوله : « محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عقيل .. فيه
__________________
١ ـ الإسفراييني : نور العين / ٤٤.
٢ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ٢٣٨ ، شمس الدين : أنصار الحسين / ١٣٦ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ١٨ / ٢٧٠.
٣ ـ عمدة الطالب / ٣٢.
١٢٧
العقب أمّه حميدة بنت مسلم بن عقيل ، وأخوه مسلم بن عبد الله بن محمّد بن عقيل » (١).
وانّ مسلماً تزوّج رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام حسبما أشير إليه سابقاً ، وأنجبت منه.
ومن الجدير ذكره أنّه لم يبق لمسلم عقب حيث انقرض عقبه (٢) ، وهذا ما ذكره أبو نصر البخاري أيضاً أنّه لم يبق من نسل عقيل شيء سوى من ابنه محمّد ، وكلّ ما يذكر من نسل عقيل غير ذلك فهو غير صحيح ؛ لأنّ مسلماً انقرض نسله ، فلا يصحّ له نسل باق (٣).
خامساً : عبد الله بن عقيل ، وهو الابن الثاني من زوجته خليلة ، ولم نجد شيئاً يدلّنا عن تفاصيل حياته قبل استشهاده ، وقد قمنا بالتحقيق عن شخصيته ، فلم نعثر على ترجمة وافية له سوى نتف وإشارات متفرّقة عن كيفية استشهاده ، وكلّ الذي ذكره الطبري أنّه قتله عمرو بن صبيح الصدائي ، مكتفياً بالقول وأمّه أم ولد (٤) ، ولم يشر إلى اسمها خليلة ، وفي رواية المدائني : قتله عثمان بن خالد ابن أشم الجهني ورجل من همدان (٥) ، وقيل : قتله عمرو بن الصبيح أضعفه
__________________
١ ـ إكمال ٦ / ٢٣٥.
وقد حاولت جاهداً أن أجد هاتين الروايتين في بقية المصادر فلم يتيسّر لي ذلك ، علماً أنّهما وردتا من دون سند.
٢ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.
٣ ـ سرّ السلسلة العلوية / ٤.
٤ ـ تاريخ ٤ / ٣٥٩.
٥ ـ أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبيين / ٦٢ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٥ ، البحراني : العوالم / ٢٧٧.
١٢٨
بسهم رماه به بشير بن حوط الهمداني (١). وقد اجتهدنا في البحث آملين أن نجد للجهني ترجمة فلم نجد ذلك ، وكلّ الذي وجدناه هو أنّ عثمان بن خالد الجهني وبشير بن سوط الهمداني أخذهما المختار وأحرقهما بالنار (٢).
وذكره الطوسي بقوله : « عبد الله بن عقيل ... الهاشمي المدني تابعي سمع جابر » (٣).
وقد أشار إليه الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بقوله : « ورد ذكره في الزيارة والإرشاد والطبري والأصفهاني والمسعودي. الذي ورد ذكره في الزيارة هو أبو عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ورجّحنا أنّ الاسم ورد في الزيارة بهذه الصورة خطأ ، لانفراد الزيارة بهذا الاسم من بين المصادر ، ولاتّفاق الزيارة مع الطبري في أنّ القاتل هو عمرو بن صبيح الصيداوي أو الصدائي. أمّه أم ولد. قتله في رواية الأصفهاني عثمان ابن خالد الجهني ورجل من همدان » (٤).
أمّا السيّد الخوئي قدس سره فقد أورد ثلاث تراجم لثلاث شخصيات كلّ منهم اسمه عبد الله بن عقيل ، فالأوّل روى عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد أرجعه أنّه وعبد الله بن عقيل الذي قتل مع الحسين عليه السلام أنّهما واحد ، وقال بأنّ هذا مغاير لعبد الله بن عقيل التابعي من أصحاب السجاد عليه السلام الذي ذكره الطوسي (٥).
هذه كلّ الأخبار التي وجدناها حول هذه الشخصية.
وبالجملة ، لا يمكن الركون إليها ولا الاطمئنان إلى وجود شخصية عبد
__________________
١ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ١٥٩.
٢ ـ الأمين : لواعج / ١٧٣.
٣ ـ الرجال / ١١٧.
٤ ـ أنصار الحسين عليه السلام / ١٣٤.
٥ ـ معجم رجال الحديث ١١ / ٢٧٧.
١٢٩
الله ، حيث لم نجد إلّا قاتلاً ومقتولاً ولم نعرف أيّ شيء آخر عنهما ، وبهذا لا يمكن الاعتماد على وجود ولد لعقيل اسمه عبد الله ، والله أعلم.
سادساً : عبد الرحمن بن عقيل ، وهو الابن الثالث لعقيل من زوجته خليلة ، حسب رواية ابن سعد ، في حين أنّ البلاذري لم يذكر اسم أمّه مكتفياً بالقول أنّه لأم ولد.
وقد بحثنا هذه الشخصية من كلّ جوانبها ولم نجد معلومات يمكن الركون إليها ، وكلّ الذي وجدناه حول مقتله في واقعة الطف ، وما يتعلّق بزوجته التي اختلفت المصادر حولها ، فقيل : هي زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام فأنجبت له من الأولاد اثنان ، هما : سعيد وعقيل (١) ، وقد بحثنا عنهما فلم نجد أيّ شيء يدلّنا على وجودهما ، بل هما في عداد المجاهيل ، وقيل : إنّ زينب الصغرى تزوّجت محمّد بن عقيل ، أمّا أخوه عبد الرحمن فقد تزوّج أم هانئ ( فاختة ) بنت أمير المؤمنين عليه السلام (٢) ، وقد ذكر الطبرسي ابنتين لأمير المؤمنين عليه السلام كلّ منهما تسمّى زينب إحداهما تزوّجت محمّد بن عقيل ، والأخرى تزوّجت أخوه عبد الرحمن ، وكلّهن حلائل أبناء عقيل (٣).
لعلّه أراد إحداهن رقية الصغرى وحصل تصحيف في الرواية ، وهذا ما أشار إليه جعفر النقدي الذي نقل عن الطبرسي قوله في إعلام الورى : « كانت زينب الصغرى عند محمّد بن عقيل ... وأمّا رقية الصغرى فكانت عند عبد الرحمن بن عقيل ... » (٤).
__________________
١ ـ الطبرسي : إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣ ، النمازي : مستدرك ٤ / ٣١٦.
٢ ـ العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ١٨.
٣ ـ إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، وينظر : النمازي : مستدرك ٧ / ٣٨٦ ، وينظر جعفر النقدي : الأنوار العلوية / ٤٤٨.
٤ ـ الأنوار العلوية / ٤٤٨.
١٣٠
وقيل : إنّ زينب الصغرى تزوّجت محمّد بن عقيل وأنجبت له ولداً اسمه عبد الله (١) ، أمّا ابن حبيب فجعل زوجها جعدة بن هبيرة المخزومي (٢) (٣) ، وقد راجعنا ترجمته وتراجم بنات أمير المؤمنين عليه السلام فلم نصل إلى نتيجة مقبولة وبقي الخلاف قائماً ، وهذا ما أشار إليه ابن شهر آشوب عن الشيخ المفيد في معرض حديثه عن ذرية أمير المؤمنين قوله : « ... فولد من فاطمة عليها السلام ... وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى تزوّجها عمر ، وذكر أبو محمّد النوبختي في كتاب الإمامة أنّ أم كلثوم كانت صغيرة ومات عمر قبل أنّ يدخل بها ، وأنّه خلف على أم كلثوم بعد عمر عون بن جعفر ، ثمّ محمّد بن جعفر ، ثمّ عبد الله بن جعفر ... ومن أم سعيد ـ زوجة الإمام عليه السلام ـ نفيسة وزينب الصغرى ورقية الصغرى ... » (٤).
وذكر البلاذري أنّ أم الحسن بنت أمير المؤمنين عليه السلام تزوّجت جعدة ، ثمّ خلف عليها عبد الله بن الزبير ، وزينب الصغرى تزوّجها كثير بن العبّاس قبل أختها أو بعدها ، ورملة وأُمامة وخديجة تزوّجها عبد الرحمن بن عقيل (٥) ،
__________________
١ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧٠ ، ابن حبّان : المجروحين ٢ / ٣ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٦ / ٧٨ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٤٨٤ ، القيسي : مجلس في حديث جابر / ٣٨ ، الطوسي : الخلاف ٣ / ٥٥٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٢ / ٢٥٧ ، الشهرستاني : وضوء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ١ / ٣٢١ ، ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣٢ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٦ / ١٣.
٢ ـ وأمّه أم هانئ بنت أبي طالب ، ولي خراسان في خلافة الإمام عليّ عليه السلام. ( ينظر الطوسي : الرجال / ٦٠ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ١٩١ ، النووي ، المجموع : ١٨ / ١٥٦ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ٤١٢ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ٤ / ٣٤٦ ).
٣ ـ المحبّر / ٥٦.
٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٨٩.
٥ ـ أنساب الأشراف / ١٩٣ ، ينظر العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ١٨.
١٣١

وذكر ابن عنبة أم كلثوم وأنّ اسمها رقية تزوّجت عمر بن الخطاب فأولدها زيداً ، وزينب الكبرى تزوّجت عبد الله بن جعفر فأولدها عقيلاً وعوناً وعبّاساً ، وأم الحسن تزوّجت جعدة (١) ، وأشار إليها التبريزي الأنصاري بقوله : « زينب الصغرى المكنية بأم كلثوم التي اختلفت الأخبار فيها ، ففي بعضها انّ عمر بن الخطاب خطبها » (٢) ، في حين أنّ ابن الخشاب البغدادي جعل ابنتين لأمير المؤمنين إحداهما زينب الصغرى والأخرى أم كلثوم (٣).

أمّا عن وفاته فقد استشهد يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ مع الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام ، يروى أنّه خرج إلى المعركة وهو يرتجز بقوله :

أبي عقيل فاعرفوا مكاني

من هاشم وهاشم إخواني
كهول صدق سادة الأقران

هذا حسين شامخ البنيان

وسيّد الشيب مع الشبان

فقتل سبعة عشر فارساً (٤).

وقد اختلفت الروايات حول قاتله ، فقيل عثمان بن خالد الجهني (٥) ، وقيل : قتله عثمان بن خالد الجهني وبشير بن سوط القابضي معاً (٦) ، وقد أخذهما

__________________

١ ـ عمدة الطالب / ٦٣.

٢ ـ اللمعة البيضاء / ٢٨٠.

٣ ـ تاريخ مواليد الأئمّة / ١٤.

٤ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٤ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٣.

٥ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار٣ / ١٥٩ ، المفيد : الإرشاد ٢ / ١٠٧ ، ابن نما الحلّي : مثير / ٥٠ ، العسكري : معالم المدرستين ٣ / ١٢٤.

٦ ـ الطبري : تاريخ ٤ / ٤٣١ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٦١.
١٣٢
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:02 am

المختار الثقفي فضرب أعناقهما وأحرقهما بالنار (١) ، في حين أنّ البحراني لم يسمّهما مشيراً بأنّ المختار أخذ رجلين اشتركا في دم عبدالرحمن وفي سلبه فضرب عنقيهما ثمّ أحرقهما بالنار (٢).

في الوقت الذي سمّى فيه المجلسي قاتله عثمان بن خالد الجهني (٣) ، أورد زيارة خاصّة تقرأ عند مرقده الشريف ، لم نعرف منشأها هل رويت عن إمام معصوم أم عن غيره! هذا نصّها : « السلام عليك يا عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب ، صنو الوصي أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آله وعلى أبيك ما دجى ليل وأضاء نهار ، وما طلع هلال وما أخفاه سرار ، وجزاك الله عن ابن عمّك والإسلام أحسن ما جزى الأبرار الأخيار ، الذين نابذوا الفجّار وجاهدوا الكفّار ، فصلوات الله عليك يا خير ابن عم ، زادك الله فيما أُتاك حتّى تبلغ رضاك كما بلغت غاية رضاه ، وجاوز بك افضل ما كنت تتمنّاه » (٤).

وفي رواية ثانية أوردها المجلسي أيضاً بقوله : « السلام عليك يا عبد الرحمن ابن عقيل بن أبي طالب ورحمة الله وبركاته ، سلاماً يرجيه البيت الذي أنت فيه أضأت ، والنور الذي فيه استضأت ، والشرف الذي فيه اقتديت ، وهنّاك الله بالفوز الذي إليه وصلت ، وبالثواب الذي ادّخرت لقد عظمت مواساتك بنفسك ، وبذلت مهجتك في رضا ربّك ونبيّك وأبيك وأخيك ففاز قدحك ، وزاد ربحك ، حتّى مضيت شهيداً ، ولقيت الله سعيداً صلوات الله عليك وعلى أخيك وعلى إخوتك

__________________

١ ـ الأمين : لواعج الأشجان / ١٧٣.

٢ ـ مدينة المعاجز ٤ / ٩٠.

٣ ـ البحار ٤٥ / ٦٨.

٤ ـ المجلسي : البحار ٩٨ / ٢٤٤.


١٣٣

الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » (١).
سابعاً : محمّد بن عقيل ، أمّه أم ولد ، وله أخت اسمها رملة طبقاً لرواية ابن سعد (٢) ، وقد حاولنا البحث عن جوانب هذه الشخصية لمعرفة تفاصيلها فلم نهتد إليها ، وكلّ الذي وجدناه عنه يتعلّق بابن له يدعى عبد الله بن محمّد الهاشمي المدني ، أمّه زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، عبد الله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (٣).
وعلى هذا اعتراض ؛ لأنّ زينب الصغرى أُلصق فيها كثير من الأزواج ، وعن اسمها مرّة زينب وأخرى أم كلثوم ، ويدعم هذا قول الشبستري الذي أشار إليه بقوله : « عبد الله بن محمّد بن عقيل ... وأمّه أم كلثوم بنت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام المعروف بالأحول » (٤) ، ومرّة تزوّجت عمر بن الخطاب ، وأخرى غيره ، وقد ناقشنا ذلك في هذا المبحث ، ومن الاختلافات في تسميتها ما أشار إليه النمازي عن الطبرسي في ( الإعلام ) في تعداد بنات أمير المؤمنين عليه السلام : زينبتين صغيرتين ، الأولي : تزوّجها محمّد بن عقيل ، والثانية ، عند أخيه عبد الرحمن ، ثمّ ذكر أنَّ احتمال اتّحادهما وتعدد الأزواج والأولاد خلاف ظاهر السياق كما هو واضح (٥).
ولقد اختلفت الروايات حول أمر زوجته زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين
__________________
١ ـ البحار ٩٨ / ٢٤٥.
٢ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٢.
٣ ـ الطوسي : الخلاف ٣ / ٥٥٩ ، ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١ ، الشهرستاني : وضوء النبيّ ( ص ) ١ / ٣٢١.
٤ ـ الفائق ٢ / ٣٠٤.
٥ ـ مستدرك ٤ / ٣١٦.
١٣٤
عليه السلام التي ولدت له القاسم وعبد الرحمن وعبد الله (١) ، فقيل : اسمها أم كلثوم ، وهذا ما أشار إليه الشبستري في معرض حديثه عن ولدها أبي محمّد بقوله : « عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي العقيلي المدني ، وأمّه أم كلثوم بنت الإمام أمير المومنين عليه السلام المعروف بالأحول ت ١٤٥ هـ » (٢) ، في حين أغلب المصادر أشارت إلى أنّ اسم أمّه ـ أي : عبد الله بن محمّد ـ هي زينب الصغرى (٣) وأمّها أم ولد (٤) ، وقيل : إنّ أم كلثوم هي زينب الصغرى ، فقد ذكرها القاضي نعمان في المتن بقوله : « أم كلثوم بنت عليّ عليه السلام » ، وفي الهامش أشير إلى اسمها زينب الصغرى ، وقد كانت مع الحسين عليه السلام بكربلاء وكانت مع السجاد عليه السلام في الشام ثمّ في المدينة ، وقد خطبت بالكوفة من وراء كلّتها وزوجها عون بن جعفر (٥).
ونقل الشيخ المفيد عن حذلم بن ستير في المتن قوله : « لمّا قدمت الكوفة ... ورأيت زينب بنت عليّ عليه السلام ولم أر خفرة قط ... » ، وفي الهامش هي زينب الصغرى المكنّاة بأم كلثوم (٦) فمن المعتقد أنّ ما ذكر أعلاه وهم.
وقد ميّز التبريزي بين بنات أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : « زينب الكبرى وكانت في
__________________
١ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٧١ ، النمازي : مستدرك ٤ / ٣١٦ ، العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ١٨.
٢ ـ الفائق ٢ / ٣٠٤.
٣ ـ ابن حبّان : المجروحين ٢ / ١ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٢ / ٢٥٧ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٤٨٤ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٦ / ٧٨ ، القيسي : مجلس في حديث جابر / ٣٨ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٦ / ١٣ ، الشهرستاني : وضوء النبيّ ١ / ٣٢٠.
٤ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٢ / ٢٥٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ١٣٠.
٥ ـ شرح الأخبار ٣ / ١٩٨ ، هامش (٣).
٦ ـ المفيد : الأمالي / ٣٢١ ، هامش (٤).
١٣٥
الفصاحة والبلاغة والزهد والعبادة والفضل والشجاعة أشبه الناس بأبيها وأمّها ، وكانت بعد شهادة الحسين عليه السلام أمور أهل البيت ، بل جميع بني هاشم قاطبة بيدها ، وخطبها ومكالماتها مع يزيد وابن زياد لعنهما الله مشهورة مأثورة ... وكانت زوجة عبد الله بن جعفر ، وكان لها منه ولدان استشهدا في الطف بين يدي الحسين عليه السلام ... وزينب الصغرى المكنية بأم كلثوم التي اختلفت الأخبار فيها ، ففي بعضها أنّ عمر ابن الخطاب خطبها في أيام خلافته فامتنع علي عليه السلام من ذلك ... » (١).
وذكر البحراني عن سلمان المحمّدي قوله : « أهدي إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عنب ، فطلب منّي أن أحضر الحسن والحسين عليهما السلام ، فذهبت أطرق عليهما منزل أمّهما فلم أرهما ، فأتيت منزل أختهما أم كلثوم » ، وأشير في الهامش أنّ المراد من أم كلثوم هي خالتهما التي كانت في الجاهلية تحت ابن لأبي لهب وإلّا أختهما زينب الصغرى يومئذ لم تكن ولدت ... (٢) ، وهذا غير صحيح فالمراد بأم كلثوم هي أختهما زينب العقيلة زوجة عبد الله بن جعفر وليس كما ادّعى صاحب الهامش ، رغم أنّ عبد الله بن جعفر وزينب كانا صغيري السن في ذلك الوقت ، فربما كانت الرواية منحولة.
أمّا ابن الخشاب فقد ذكر ابنتين لأمير المؤمنين عليه السلام ، هما : زينب الصغرى وأم كلثوم الصغرى من أم ولد (٣) ، ومن المحتمل أنّهما واحدة ، حيث جعلهما الشيخ المفيد كذلك لكنّه أخطأ في اسم أمّها فقال : « زينب الصغرى المكنّاة أم
__________________
١ ـ اللمعة البيضاء / ٢٨٠.
٢ ـ مدينة المعاجز ٤ / ١٦ ، هامش (١).
٣ ـ تاريخ مواليد الأئمّة / ١٥.
١٣٦
كلثوم ، وأمّها فاطمة البتول سيّدة نساء العالمين » (١) وقد ذكر أنّ أمّها أم ولد (٢).
وذكر الطبرسي بنتين لأمير المؤمنين عليه السلام كلّ واحدة منهما اسمها زينب الصغرى ، إحداهما تزوّجت محمّد بن عقيل فولدت له عبد الله وفيه العقب من ولد عقيل ، والأخرى تزوّجت عبد الرحمن بن عقيل فولدت له سعيداً وعقيلاً (٣) ، فمن المحتمل أنّهما واحدة ، وربما بعد وفاة محمّد بن عقيل تزوّجت أخاه عبد الرحمن.
وروى الزبير بن بكار قائلاً : « وقد انقرض ولد عقيل بن أبي طالب إلّا من محمّد بن عقيل وعنده زينب الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو لأمّ ولد فولدت له عبد الله بن محمّد » (٤).
وفي الوقت الذي ذكر فيه أنّ زينب الصغرى زوجة محمّد بن عقيل ، ذكر ابن حبيب أنّها تزوّجت فراس بن جعدة بن هبيرة (٥) ، وهذه الرواية أحادية الجانب ، ولم نجدها في بقية المصادر ، وماتت زينب الصغرى بالمدينة (٦) ولم يحدد تاريخ لوفاتها ، ولا نعرف هل خرجت إلى كربلاء أم لا؟ هذه بقيت مجهولة لدينا.
وقيل : إنّ العقب من ولد عقيل هو من ابنه محمّد ؛ لأنّ مسلماً منقرض
__________________
١ ـ الإرشاد ١ / ٣٤٥ ، ابن بطريق : العمدة / ٢٩ ، الأربلي : كشف الغمة ٢ / ٦٧.
٢ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٢ / ٢٥٧ ، ابن عنبه : عمدة الطالب / ٣٢.
٣ ـ إعلام الورى ١ / ٣٩٧ ، المجلسي : البحار ٤٢ / ٩٣.
٤ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٢ / ٢٥٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ١٣٠.
٥ ـ المحبر / ٥٦.
٦ ـ النمازي : مستدرك ٤ / ٣١٦.
١٣٧
العقب (١) ، وهذا ما أشار إليه أبو نصر البخاري بقوله : « فكلّ عقيلي في الدنيا ليس من ولد محمّد بن عقيل بن أبي طالب فهو مدع ؛ إذ لم يبق نسل إلّا من ولده محمّد بن عقيل ، والذين ينتسبون إلى مسلم بن عقيل وسعيد بن عقيل الأحول فلا يصـحّ لهم نسب » (٢). يظهر من هذه الرواية أنّ هناك اثنين من نسل عقيل كلّ منهما يلقّب بالأحول ، وفي رواية ابن ماكولا سمّي عبد الله بن محمّد ابن عقيل بالأحول (٣).
أمّا عن وفاته ، فلم نجد عنها شيئاً سوى ما ذكره البلاذري أنّه قتل مع الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء (٤) ، حيث رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم فقتله (٥) ، وقد بحثنا عن ترجمة القاتل فلم نجد عنه شيئاً سوى أنّه قتل محمّد بن أبي سعيد بن عقيل ، ولم نجد شيئاً غيره (٦).
ثامناً : أولاد أخر : مثل عبد الله الأصغر بن عقيل من زوجته خليلة. ولم نجد ما يدلّنا عليه.
والحال نفسها مع عليّ بن عقيل وأمّه أم ولد ، ولا بقية له ، فلم نجد شيئاً عنه سوى ما ذكر أنّه قتل يوم الطف (٧).
__________________
١ ـ ابن عنبة : عمدة الطالب / ٣١.
٢ ـ سرّ السلسلة العلوية / ٤.
٣ ـ ابن ماكولا : إكمال ٦ / ٢٣٥.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.
٥ ـ الدينوري : الأخبار الطوال / ٢٥٧.
٦ ـ ابن طاووس : إقبال الأعمال ٣ / ٧٦ ، المجلسي : البحار ٩٨ / ٢١٧ ، البحراني : العوالم / ٣٣٧.
٧ ـ أبو مخنف مقتل / ٢٤٠ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٦١ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ٣٣ ، البحراني : العوالم / ٢٧٧.
١٣٨
وكذلك الحال مع بقية أولاده جعفر الأصغر وحمزة وعثمان ، فهؤلاء مجهولون تماماً ولم يطرأ لهم أيّ ذكر سوى ما ذكرته رواية ابن سعد سالفة الذكر.
ويبدو على الرواية ارتباكات كثيرة لكثرة الأسماء دون معرفة أمّهاتهم جملةً وتفصيلاً ، وقد ذكرنا الرواية من دون معرفة أسماء زوجاته بدقّة ، كم عددهنّ وكيفية زواجه منهنّ ، هل تمّ قبل الإسلام أم بعده؟
ومهما كان تعداد أولاده فقد قتل جلّهم يوم عاشوراء من شهر محرم الحرام عام ٦١ هـ مع سيّد الشهداء الحسين بن عليّ عليه السلام ، يُروى انّ سبعة أشخاص قتلوا من صلبه ، ولذلك قيل فيهم :
عيني جودي بعبرة وعويل

واندبي إن ندبتِ آل الرسول
تسعة كلّهم لصلب علي

قد أصيبوا وسبعة لعقيل (١)
ومن هؤلاء السبعة مسلم وجعفر بن عقيل ، قتله بشر بن حوط الهمداني ، وكذلك عبد الرحمن (٢) ، وعبد الله (٣) ، ومحمّد (٤) ، وأبو سعيد (٥) ، وهم مدفونون ممّا يلي رجل الحسين عليه السلام في مشهده ، حيث حفر لهم وألقوا في مدفن شهداء الطف ، باستثناء غريب كوفان مسلم بن عقيل حيث مشهده في الكوفة ، وأنشد
__________________
١ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٣٦.
٢ ـ أبو مخنف : مقتل / ٢٤٠ ، ٣٧٣ ، أبو الفرج : مقاتل الطالبيين / ٦١.
٣ ـ الطبرسي : تاج المواليد / ٣٢ ، وينظر القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ١٩٥ ، الديلمي : إرشاد القلوب ٢ / ١٢٥.
٤ ـ العاملي : وسائل الشيعة ٢٤ / ٢٧٦.
٥ ـ ابن قتيبة : المعارف / ٢٠٤.
١٣٩
بعض من يرثي حاضري الطف بقوله :
عين أبكي حمزة وعويل

واندبي الطيّبين آل الرسول
واندبي سبعة لظهر علي

قد تولوا وستة لعقيل
فالستة من ولد عقيل المقتولون في الطف : عبد الرحمن ، حمزة ، جعفر ، عبد الله بن مسلم ، أبو سعيد الأحول بن عقيل ، وولده محمّد بن أبي سعيد (١).
ويقال إنّ الذين قتلوا مع الحسين عليه السلام ستة ، قال الشاعر :
عين جودي بعبرة وعويل

واندبي إن ندبت آل الرسول
تسعة منهم لصلب عليّ

قد أبيدوا وستة لعقيل
ويروى خمسة (٢).
أمّا ابن شهر آشوب فأشار إلى الاختلافات في عدد الشهداء من أولاد عقيل بقوله : « واختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيت عليهم السلام ... أنّهم كانوا سبعة وعشرين ، تسعة من بني عقيل ، مسلم ، جعفر ، عون ، عبد الرحمن ، محمّد بن مسلم ، عبد الله بن مسلم ، جعفر بن محمّد بن عقيل ، ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل ... » (٣) إذن عددهم تسعة من صلب عقيل ، ستة منهم أولاده ، وثلاثة أحفاده (٤).
في حين جعلهم ابن كثير ستة ، وهم : مسلم وجعفر وعبد الرحمن وعبد الله ،
__________________
١ ـ العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ٣٠٧.
٢ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٦٩.
٣ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٩.
٤ ـ ينظر الجدول رقم (٦).
١٤٠
وقتل كذلك عبد الله بن مسلم بن عقيل وابن عمّه محمّد بن أبي سعيد بن عقيل (١). وقيل قتل : من بني عقيل مع الحسين عليه السلام جعفر الأكبر ومسلم وعبد الله الأكبر وعبد الرحمن ومحمّد بن عقيل (٢).
__________________
١ ـ ابن كثير : البداية ٨ / ٢٠٦.
٢ ـ البلاذري : أنساب الأشراف / ٦٩.
١٤١
بناته
أمّا بناته فيروى أنّ له ست بنات ، هنّ : أم هانئ ، وأسماء ، وفاطمة ، وأم القاسم ، وزينب أم النعمان لأمّهات أولاد ، ورملة وهي أخت محمّد بن عقيل لأمّه أم ولد حسب رواية ابن سعد (١) ، في حين جعلها البلاذري شقيقة مسلم وعبد الله الأصغر وعبيد الله ، وأم عبد الله ومحمّد لأمّهما حلية (٢) ، قيل : إنّها تزوّجت عمرو بن الحسن بن عليّ (٣) عليهم السلام وأنجبت منه ولداً اسمه محمّد (٤). وهذه أهم المعلومات التي حصلنا عليها حول رملة وزوجها ، وهي بعمومها فقيرة وغير وافية ، ولا يمكن الاطمئنان إلى وجود رملة وزوجها ، وربما هي أسماء وهميّة لا وجود لهما وخاصّة رملة ، فهي اسم من دون أثر ، وقد تعقّب الباحث سيرة ابنها محمّد ، فلم يجد ما يهديه إلى معرفة أمّه ، وكلّ الذيّ وجده هو ما يتعلّق بروايته للحديث.
__________________
١ ـ الطبقات ٤ / ٤٢.
٢ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.
٣ ـ ابن أبي طالب بن عبد المطلب خرج مع الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، ووقع في السبي لصغر سنّه ، أمّه أم ولد ، وقد أنجب ابنه محمد ، الذي انقرض ولده ودرجوا ولم يبق منهم أحد ، وهذا يتعارض مع الأخبار الكثيرة التي نقلت عن محمّد بن عمرو وأولاده ، وفي الوقت نفسه رويت أخبار تفيد أنّ عمرو استشهد في يوم عاشوراء. ينظر أخباره في ( أبو مخنف : مقتل / ٢٤٣ ، ابن حبّان : الثقات ٢ / ٣٠٩ ، الطبري : تاريخ ٤ / ٣٥٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤٥ / ٤٨٤ ، مراجع من العلماء : مجموعة وفيات / ١٢٧ ).
٤ ـ ابن خياط : طبقات / ٤٥٠ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ١٧ ، المزّي : تهذيب الكمال ٢٦ / ٢٠٣ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٣٢٩.
١٤٢
وقيل : خمسة ، وهنّ : أم لقمان ، وأم هانئ ، وأسماء ، ورملة ، وزينب ، حيث خرجن يبكين قتلى الطف (١).
وقيل : إنّ زينب كانت أكبرهنّ وأوفرهنّ عقلاً (٢) ، وتزوّجت عمر الأكبر بن الإمام عليّ عليه السلام ، فأنجبت له محمّداً وأم موسى وأم حبيب (٣).
وروي أنّ عمر قد تزوّج أسماء بنت عقيل ، كما سنوضّحه.
وقد اختلفت الروايات حول الباكية من بناته على قتلى الطف ، فقيل : أسماء من فعلت ذلك ، حيث خرجت مع جماعة من النساء إلى قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولاذت وشهقت عنده ، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار قائلة :
ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم

يوم الحساب وصدق القول مسموع
خذلتم عترتي أو كنتم غيبا

والحقّ عندي ولي الأمر مجموع
أسلمتموهم بأيدي الظالمين فما

منكم له اليوم عند الله مشفوع
ما كان عنده غداة الطف إذ حضروا

تلك المنايا ولا عنهن مدفوع (٤)
ويبدو أنّ زينب هي أم النعمان وأم لقمان ، وربما حدث تصحيف في الاسم ، فهي الباكية بالأبيات هذه نفسها ، وقد اختلف الاسم فقط ، فقيل : أم لقمان خرجت حاسرة ومعها أخواتها وهي ناعية الحسين عليه السلام بقولها :
ماذا تقولون إذا قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
__________________
١ ـ الديلمي : ارشاد القلوب ١٣٢ / ٢ ، ماينظر الأمين : لواعج الأشجان.
٢ ـ النمازي : مستدرك ٣١٧ / ٤.
٣ ـ البلاذري : أنساب الأشراف ١٩٢ /
٤ ـ المفيد : الأمالي ٣١٩ / ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٢٦٣ / ٣.
١٤٣
 
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم أُسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي (١)
وفي رواية أنّ زينب بنت عقيل خرجت على الناس في البقيع تبكي قتلاها بقولها :
مـاذا تقولون إذا قال النبيّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وقد أضحوا بحضرتكم

منهم أُسارى وقتلى ضرجوا بدم
هل كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وقيل : إنّها تلت (٢) قوله تعالى : (قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٣).
وقيل : إنّ فاطمة بنت عقيل رثت قتلى الطف ، ومنهم آل عقيل ، وقد حددتهم بأنّهم خمسة ، وأشارت إلى ذلك بقولها :
عين ابكي بعبرة وعويل

واندبي إنْ ندبتِ آل الرسول
ستة كلّهم لصلب علي

قد أصيبوا وخمسة لعقيل (٤)
وفي رواية ثانية ذكرها القندوزي أيضاً عن فاطمة بنت عقيل وهي ترثي قتلى الطف ، جعلت القتلى من صلب الإمام عليّ عليه السلام تسعة بدلاً من الستة ، وهذا
__________________
١ ـ المفيد : الإرشاد ٢ / ١٢٤ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ١٢٣ ، الأمين : لواعج / ٢١٦.
٢ ـ القاضي نعمان : شرح الأخبار ٣ / ١٩٩ ، ابن طاووس : اللهوف / ٩٩ ، ابن نما الحلّي : مثير / ٧٥ ، القندوزي : ينابيع المودّة ٣ / ٤٧.
٣ ـ الأعراف / ٢٣.
٤ ـ القندوزي : ينابيع المودّة ٣ / ١٥٣.
١٤٤
واضح من قولها :
تسعة كلّهم لصلب عليّ

قد أصيبوا وخمسة لعقيل (١)
ويروى أنّها إحدى الفواطم اللاتي تقاسمن قطعة القماش التي أعطاها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم للإمام عليّ عليه السلام فشققها بينهن : وهن فاطمة بنت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وفاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت عقيل (٢).
وقد تزوّجت من عليّ بن يزيد حسب رواية البلاذري. وبدورنا بحثنا عن الأخير فوجدناه قد تزوّج وأنجب عبد الله ومحمّداً ومسلماً ، وأمّهم ابنة عقيل بن أبي طالب من زوجته أم ولد ، وكذلك أنجب بنتاً اسمها عبدة من زوجته ابنة عقيل ، هذا ولم تشر الروايات إلى اسم زوجته ، ولم تحدد من هي ابنة عقيل ، فقد اكتفت بما ذكرناه ، فهي فاطمة حتماً.
هذه كلّ الأخبار التي حصلنا عليها عن فاطمة ، وبهذا لا يمكن الاعتماد على وجودها ، ولم نعرف أمّها من هي؟ ولا شيئاً عن وفاتها؟ وهل خرجت مع إخوتها في واقعة كربلاء أم لا؟ وتفاصيل كثيرة بقيت مجهولة للباحث سوى نتف وإشارات متفرّقة منسوبة إليها حيناً ومنسوبة إلى غيرها حيناً آخر (٣).
وعن أم القاسم بنت عقيل ، فقد بحثنا عنها ولم نجد شيئاً يذكر ، وهي في عداد المجاهيل ، وربما ألصقت به.
وأسماء بنت عقيل ، فقد ذكر البلاذري أنّها تزوّجت عمر بن عليّ بن أبي
__________________
١ ـ ينابيع المودّة ٣ / ٤٨.
٢ ـ المازندراني : شرح أصول الكافي ٦ / ١٦٧.
٣ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٩ / ٢٢٤ ، مصعب الزبيري : نسب قريش / ٨٥ ، الخطيب البغدادي : تاريخ ١٣ / ٤٥٦.

١٤٥
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:05 am

طالب (١).

وعند الرجوع إلى شخصية عمر ، نرى روايات حول زوجاته ، منها :

رواية ابن سعد ، قال : « محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، وأمّه أسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، فولد محمّد بن عمر ، عمر وعبد الله وعبيد الله ، وكلّهم قد روي عنه الحديث ، وأمّهم خديجة بنت عليّ بن حسين بن عليّ عليهم السلام ، وجعفر ابن محمّد وأمّه أم هاشم بنت جعفر بن جعفر بن جعدة » (٢).

ورواية ابن خياط ، قال : « محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، أمّه أم عبد الله ، واسمها أسماء بنت عقيل » (٣).

ورواية العلوي ، قال : « وولد عمر بن عليّ بن أبي طالب ستة ، منهم : ثلاث نساء ، هنّ أم حبيب ، وأمّها أم عبد الله بنت عقيل ، وأم موسى ، وأم يونس ، وأمّهما أسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، والرجال محمّد ... وأمّه أسماء بنت عقيل » (٤).

ورواية ابن ماكولا ، قال : « أسماء بنت عقيل بن أبي طالب كانت عند عمر ابن عليّ ... فولدت له محمّداً وفيه العقب ، وأم حبيب وأم موسى وعبد الله بن محمّد بن عقيل الأحول » (٥). يتّضح أنّ أم عبد الله هي أسماء ، وهي نفسها زينب.

إذن الروايات مختلفة حول أبناء وبنات أسماء من زوجها عمر ، ففي رواية

__________________

١ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.

٢ ـ الطبقات ٥ / ٣٢٩.

٣ ـ الطبقات ٥ / ٤١٧.

٤ ـ المجدي في أنساب الطالبين / ٢٤٤.

٥ ـ إكمال ٦ / ٢٣٥.


١٤٦

ابن سعد أنّها ولدت محمّداً فقط ، وفي رواية ابن خياط أنّ أم محمّد هي أم عبد الله ، وأمّها أسماء بنت عقيل ، وفي رواية العلوي أنّ أم عبد الله بنت عقيل ، أنجبت أم حبيب من زوجها عمر بن عليّ ، وأنجب من أسماء بنت عقيل محمّداً وأم موسى وأم يونس ، في حين ورد في رواية ابن ماكولا أنّ أسماء ولدت محمّداً وأم حبيب وأم موسى وعبد الله بن محمّد بن عقيل ، وفيما يخصّ الأخير فهو من ذرية عقيل ، فالخلط في الأولاد والزوج يظهر منه أنّ زينب وأسماء هما شخصية واحدة.
أمّا عن زينب ، فقيل : هي زينب الصغرى ، ولم نجد عنها أخباراً يمكن الاطمئنان إليها ، وكلّ الذي وجدناه أنّها رثت قتلى الطف ، وهناك اختلاف حول المراثي التي قالتها.
فقد روى القاضي نعمان عن الزبير بن بكار قوله : « لمّا أتى أهل المدينة مقتل الحسين عليه السلام خرجت زينب بنت عقيل ... وهي زينب الصغرى ترثي أهلها ... وروى هذه الأبيات منسوبة إلى أسماء بنت عقيل » (١).
أمّا الصالحي الشامي فقد نقل هذه المراثي عن أبي بكر الأنباري منسوبة إلى زينب بنت عقيل ، وقد جعلها أخت الإمام الحسين عليه السلام ، مشيراً بقوله : « إنّ زينب بنت عقيل ... لمّا قتل أخوها الحسين عليه السلام أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها » ، ثمّ أشار إلى أبيات الرثاء (٢). لعلّه أراد بأخت الحسين عليه السلام زينب بنت أمير المؤمنين عليهم السلام.
في حين أنّ القندوزي نسب الأبيات إلى زينب بنت عقيل ، حيث نقل عن
__________________
١ ـ شرح الأخبار ٣ / ٥٤٧.
٢ ـ سبل الهدى ١١ / ٧٧.
١٤٧
الواقدي قوله : « لمّا وصلت السبايا بالرأس الشريف للحسين عليه السلام المدينة لم يبق بها أحد وخرجوا يضجون بالبكاء ، وخرجت زينب بنت عقيل ... كاشفة وجهها ناشرة شعرها تصيح وا إخوتاه ، وا أهلاه ، وا محمّداه ، وا عليّاه ، وا حسيناه ، ثمّ قالت شعراً » (١).
يظهر من الرواية أنّ زينب كانت في المدينة ، ولم تخرج مع إخوتها إلى كربلاء ، ولم نعرف أسباب عدم خروجها.
وعندما شعر والي المدينة بخطر زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام ؛ لأنّها ألبَّت الناس عليه حاول إبعادها من المدينة فرفضت ، فأشارت عليها زينب بنت عقيل بقولها : « يا ابنة عمّاه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوء منها ما نشاء فطيبي نفساً وقرّي عيناً وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ارحلي إلى بلد آمن » (٢).
ومهما يكن من شيء ، فقد اختلفت الروايات حول نسبة هذه الأبيات إلى صاحبها الأصلي ، قيل : هي لأم لقمان ، حيث روى الشيخ المفيد : أنّها لما سمعت نعي الحسين عليه السلام خرجت حاسرة عن رأسها ومعها أخواتها أم هانئ وأسماء ورملة وزينب بنت عقيل تبكي قتلاها بالطف وأنشدت هذه الأبيات (٣). في حين نسبها ابن شهر آشوب إلى زينب بنت عليّ عليه السلام ، وإلى الإمام زين العابدين عليه السلام ، وأبي الأسود الدؤلي ، وإلى أسماء بنت عقيل (٤). ونسبها البحراني مرّة إلى الإمام
__________________
١ ـ ينابيع المودّة ٣ / ٤٧.
٢ ـ مراجع من العلماء : مجموعة وفيات / ٤٦٨.
٣ ـ المفيد : الإرشاد ٢ / ١٢٤ ، المجلسي : البحار ٤٥ / ١٦٤.
٤ ـ مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٦٢.
١٤٨
زين العابدين عليه السلام ، وأخرى إلى أم لقمان بنت عقيل (١). أمّا ابن عساكر فقد نقل بهذا الخصوص روايتين إحداهما منقولة عن أبي بكر الأنباري نسبها إلى زينب بنت عليّ عليه السلام ، والأخرى عن الزبير بن بكار منسوبة إلى زينب الصغرى بنت عقيل (٢). وقد نسبها بعضهم إلى امرأة من بنات عبد المطلب ، حيث خرجت ناشرة شعرها واضعة كفّها على رأسها باكية وهي تردد هذه الأبيات (٣). وروى القندوزي رواية مفادها أنّ سبايا الحسين عليه السلام لما سير بهم إلى الشام ومعهم رأس الحسين عليه السلام نزلوا على أوّل منزل وكان خراباً فوضع الرأس الشريف وإذا هاتف يردد هذه الأبيات (٤).
__________________
١ ـ العوالم / ٣٦٨.
٢ ـ تاريخ مدينة دمشق ٦٩ / ١٧٧ ، ينظر الصالحي : سبل الهدى ١١ / ٧٧.
٣ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٦ / ٤٢٩ ، ابن كثير : البداية ٦ / ٢٦٠ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥.
٤ ـ ينابيع المودّة ٣ / ٨٩.

١٤٩

١٥٠

الفصل الثالث :
 إسلامه


١٥١

١٥٢

أدلة القائلين بتأخر إسلامه
من المعروف أنّ الدعوة الإسلامية ابتدأت بتلك الثلّة القليلة من المسلمين التي تمخّض عنها اجتماعهم بعد نزول قوله تعالى : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) (١) ، وما فعله الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عندما عمل وليمة لعشيرته وقومه حضر فيها كثير من بني هاشم ، وقد تصدّى أبو طالب للحديث في أثناء ذلك عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه و آله و سلم للدخول في الإسلام ، وقد سجّلت بعض المواقف للمؤيّد والمعارض ، ومن خلال ذلك لم يسجّل لعقيل أيّ موقف (٢).
وهذا يمكن أن يعدّ الدليل الأوّل ، حيث غُيّب دوره تماماً وكأنّه غير موجود!
الدليل الثاني : لم يظهر دوره على مسرح الأحداث إلّا عندما تذمّرت قريش من دعوة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وذهبوا يشكون ذلك إلى عمّه أبي طالب ، فأرسل عقيلاً ليحضر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وهذا ما أشار إليه ابن إسحاق عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن موسى بن طلحة ، قال : أخبرني عقيل بن أبي طالب ، قال : « جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا فانهه عنّا ، فقال : يا عقيل انطلق فاتني بمحمّد ، قال : فانطلقت إليه فاستخرجته
__________________
١ ـ الشعراء / ٢١٤.
٢ ـ للتفاصيل ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١١.
١٥٣
من خنس (١) » (٢).
فلم يظهر من الرواية ما يفيد إسلامه أو عدمه ، وإنّما كان دوره دور المبلّغ للنبي صلى الله عليه و آله و سلم بأنّ عمّه يريده لا غير ، وهذا لا يترتب عليه أثر.
ومن الجدير بالذكر ، أنّ هذه الرواية الوحيدة التي وردت لدى ابن إسحاق فيما يخصّ عقيل! وممكن لهذه الملاحظة أن تدحض الروايات التي تخصّ عقيلاً مما نسبوه إلى ابن إسحاق.
والرواية مجروحة من جهة طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله ت ١٤٦ هـ ، قيل : له أحاديث صالحة (٣) ، وثّقه العجلي (٤) ، وأبو زرعة صالح (٥) ، وبالمقابل ذكره النسائي في الضعفاء وقال : إنّه ليس بالقوي (٦) ، وأبو داود ليس به بأس (٧) ، ذكره ابن حبّان وقال « ..طلحة بن يحيى ... التيمي القرشي ، عداده في أهل الكوفة ، يروي عن عمّه موسى بن طلحة وعمّته عائشة ... كان يخطأ ... قيل : إنّه رأى ابن عمر ، وليس عليه اعتماد » (٨) ، وقيل : إنّه أدرك عبد الله بن جعفر (٩) ، له
__________________
١ ـ قيل : كبس بيت صغير ، وقيل : غار في الجبال. ( ابن منظور : لسان ٦ / ١٩٠ ، الزبيدي : تاج ٤ / ٢٢٩ ).
٢ ـ السير والمغازي / ١٥٠ ، وينظر البخاري : تاريخ ٧ / ٥٠ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٥٧٧ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٦٦ / ٣١٥ ، ابن كثير : البداية ٣ / ٥٥ ، السيرة النبوية ١ / ٤٦٣.
٣ ـ ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٦١.
٤ ـ معرفة الثقات ١ / ٤٨١.
٥ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٤٧٨ ، ينظر ابن حجر : تهذيب التهذيب ٥ / ٢٥.
٦ ـ الضعفاء / ١٩٨.
٧ ـ سؤلات ١ / ١٦٠.
٨ ـ الثقات ٦ / ٤٨٧ ، ينظر مشاهير / ٢٥٨.
٩ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٥ / ١٣٣.

١٥٤
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:07 am

أحاديث منكرة (١) ، وذكر الذهبي أنّ البخاري أنكر حديثه (٢) ، وأنّه نقل الرواية عن عمّه موسى بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان (٣) المتوفّي في الكوفة سنة ١٠٣ هـ ، وقيل : سنة ١٠٤ هـ ، ثقة كثير الحديث (٤) ، قيل : أنّه رجل صالح (٥) ، تابعي خيّرٌ (٦) ، لم يوثّقه المحقّق السبزواري (٧). إذن الرواية مرسلة! لأنّ الراوي لم يدرك عقيلاً ، المتوفّي في حدود سنة خمسين هجرية (٨).

الدليل الثالث : أيّدت إحدى الروايات قضية كفره في تلك الفترة! وهذا ما أشار إليه الكوفي بقوله : « حدّثنا محمّد ، قال : حدّثنا أبو عثمان القارئ ، قال : حدّثني الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم ، قال : كان أبو طالب يعطي عليّاً قدحاً من لبن كي يصبّه على اللات ، فكان عليّ عليه السلام يتأخّر الرجوع حتّى يسمر ، فأنكر ذلك أبو طالب فبعث بعقيل فإذا هو يشرب اللبن ويبول على اللات فأخبر عقيل أبا طالب بذلك ، فأخذ أبو طالب القدح منه ودفعه إلى عقيل فكان يصبّه على اللات » (٩).

وهذه من روايات الآحاد ، والذي يتدبّرها يعرف سذاجة الوضع فيها ؛ لأنّ أبا طالب لم يسجد لصنم قط ، وإنّما كان مسلماً موحّداً على ملّة خليل

__________________

١ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٥ / ٢٥.

٢ ـ الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٥١٥.

٣ ـ ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦١ ، ابن خياط : طبقات / ٢٦١.

٤ ـ ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦٣.

٥ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٢.

٦ ـ العجلي : الثقات ٢ / ٣٠٦.

٧ ـ ذخيرة المعاد ٢ / ٣٣٢.

٨ ـ ينظر مبحث وفاته ( الفصل الخامس ).

٩ ـ مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٦٦.


١٥٥

الرحمن عليه السلام (١). ثمّ لماذا يعطي القدح للإمام عليّ عليه السلام رغم علمه بإسلامه؟! فالأجدر به أن يعطيه لعقيل منذ البداية ، فهذه خرافة مقروءة من عنوانها.
أمّا عن سند الرواية ، ففيه محمّد بن أبي الضيف المكي (٢) المخزومي ، واسمه زيد حجازي مولى بني مخزوم (٣) ، وقيل : اسمه زياد بن سعد بن ضميرة (٤) الضمري السلمي ، ويقال : زياد بن سعد بن ضميرة حجازي ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح (٥) ، وأورد ابن حجر كثرة الاختلافات في اسمه ، وهو من أتباع التابعين (٦).
وخلاصة ما تقدّم لم نجد ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه.
وأبو عثمان القاري ، وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم ت ١٣٢ هـ من القارة حليف بني زهرة ، كان ثقة وله أحاديث حسنة (٧) ، وثّقه العجلي (٨) ، وضعّفه العقيلي مشيراً بأنّه يحدّث الرجل بالحديث ولا يحدّث بحديثه كلّه ، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه (٩) ، وقيل : ما به بأس صالح الحديث (١٠) ،
__________________
١ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١١ ـ ١٧.
فقد بحثت جاهداً لعلّي أجد للرواية أصولاً في بقية المصادر ، فلم يتسن لي ذلك.
٢ ـ المزّي : تهذيب الكمال ٢٤ / ٤٥٤ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ١٨٢.
٣ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٩ / ٢٠٨ ، ينظر تقريب التهذيب ٢ / ٨٩.
٤ ـ الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٤١٠.
٥ ـ الجرح والتعديل ٣ / ٥٣٥.
٦ ـ تهذيب التهذيب ٣ / ٣١٨.
٧ ـ ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٨٨ ، المزّي : تهذيب الكمال ١٥ / ٢٧٩.
٨ ـ معرفة الثقات ٢ / ٤٦.
٩ ـ الضعفاء ٢ / ٢٨١.
١٠ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ١١١ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٥٧٤.
١٥٦
وأنّه من أهل الفضل والنسك والفقه والحفظ (١) ، كان يخطئ (٢) ، وأحاديثه ليست بالقويّة ، وقيل : حجّة (٣).
الملاحظ أنّ القاري متقدّم الوفاة على الأصمعي ، فالأجدر بالأخير أن يروي عن القاري!
وعن الأصمعي (٤) أبي سعيد البصري الباهلي المتوفّي ٢١٦ هـ (٥) ، والأصمعي نسبة إلى أحد أجداده (٦) المدعو عليّ بن أصمع الذي وقف جدّه بحضرة الحجّاج الثقفي فصاح : « أيّها الأمير إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج ، فتضاحك الحجاج وقال ... وليتك موضع كذا » (٧) ، وتجدر الإشارة إلى أنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت أيام بني أمية تقرّباً إليهم ، فيظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم!
قيل : إنّ الأصمعي سنّي صدوق (٨) ، وصفه النووي بأنّه إمام مشهور من كبار
__________________
١ ـ ابن حبّان : مشاهير / ١٤١.
٢ ـ ابن حبّان : الثقات ٥ / ٣٣.
٣ ـ ابن عدي : الكامل ٤ / ١٦٠.
٤ ـ هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن أصمع بن مظهر بن رباح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا ابن سعيد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان. السمعاني : الأنساب ١ / ١٧٨.
٥ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٥ / ٤٢٨ ، التاريخ الصغير ٢ / ٣٠٨.
٦ ـ السمعاني : أنساب الأشراف / ١٧٧.
٧ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٦ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ٨.
٨ ـ المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ٨٤.
١٥٧
أئمة اللغة المكثرين والمعتمدين منهم ، وكان من ثقات الرواة ومتقنيهم (١) ، ثقة (٢) ، سئل يحيى بن معين عن الأصمعي فقال : « لم يكن ممّن يكذّب ، وكان من أعلم الناس في فنّه » (٣). وهذا صحيح إلى حدّ ما ، فهو عالم في فنّه لكن اللغة فنـّه ، وليس محدّثاً أو راوياً للأخبار ، وهذا ما أشار إليه ابن النديم عن المبرد قوله : « كان الأصمعي أنشد للشعر والمعاني ، وكان أبو عبيدة كذلك ويفضّل على الأصمعي بعلم النسب » (٤). وذكر السمعاني أنّ الأصمعي ليس فيما يروي من الحديث عن الثقات إذا كان دونه ثقة تخليط ، وكان ممّن أكثر الحكايات عن الأعراب (٥) ، وقليل الرواية للمسندات (٦) ، وكان بخيلاً يجمع أحاديث البخلاء ، كافأه هارون العبّاسي بمائة ألف (٧) ، وكان النمازي شديداً عليه فقال : « صاحب كتب خبيث ملعون ، يبغض أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّه قطع يد جدّه أصمع بن مظهر في السرقة ... » (٨).
أمّا نافع بن أبي نعيم ، فلم نجد له ترجمة ، وإنّ ما وجدناه هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني مولى بني ليث ، أصله من أصفهان ، يأخذ عنه فيما يخصّ القرآن ، وليس في الحديث بشيء ، وثّقه ابن معين ، والنسائي ليس به بأس ، وذكره ابن حبّان في الثقات ، له نسخة عن ابن أبي الزناد ، وعن
__________________
١ ـ شرح مسلم ١ / ٨٦.
٢ ـ ابن شاهين : تاريخ / ١٥٩ ، الشوكاني : نيل الأوطار ٥ / ٨٥.
٣ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٣٦٣ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٦.
٤ ـ الفهرست / ٦١.
٥ ـ الأنساب ١ / ١٧٧ ، وينظر ابن حبّان : الثقات ٨ / ٣٨٩.
٦ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٦.
٧ ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٧٩.
٨ ـ مستدرك ٦ / ٣٧٧.
١٥٨
الأعرج ، والمزّي : « لم أر في أحاديثه شيئاً منكراً ، وأرجو أنّه لا بأس به » توفّي سنة ١٦٩ (١). وهذا لا يصح النقل عنه لانقطاع السند فيه ، فالحادثة وقعت في بداية الدعوة ، وتحديداً في حياة أبي طالب المتوفّي في السنة العاشرة من البعثة (٢).
إذن هناك رواة أسقطوا من السند ، وهذا يضعفها ، بل يجعلها مرفوضة تماماً.
الدليل الرابع : قيل : إنّ عقيلاً والعبّاس بن عبد المطلب كانا حاضرين في أثناء حصار الشعب إلّا أنّهما كانا على دين قومهما ، وهذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد بقوله : « ... انّ بني هاشم عندما حصروا في الشعب بعد أن منعوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من قريش ، كانوا صنفين مسلمين وكفّاراً ، فكان عليّ عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب مسلمين ... وكان من المسلمين المحصورين في الشعب مع بني هاشم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، وهو إن لم يكن من بني هاشم إلّا أنّه يجري مجراهم ؛ لأنّ بني المطلب وبني هاشم كانوا يداً واحدة ، لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام ، وكان العبّاس رحمه الله في حصار الشعب معهم إلّا أنّه كان على دين قومه ، وكذلك عقيل بن أبي طالب وطالب بن أبي طالب ... وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث ، وكان شديداً على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يبغضه ويهجوه بالأشعار ، إلّا أنّه لا يرضى بقتله ... محافظة على النسب » (٣).
__________________
١ ـ تهذيب الكمال ٢٩ / ٢٨٢.
٢ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١٧٥.
٣ ـ شرح نهج البلاغة ١٤ / ٦٤.
١٥٩
وهذه الرواية عليها إشكال ، حيث لم نجد لعقيل والعبّاس أيّ دور يذكر! ثمّ لماذا يدخلون الشعب وهم كفّار؟!
وما قيل : إنّ الحصار فرض على بني هاشم كافرهم ومؤمنهم ، فهذا رأي خاطئ وغير مقبول ، وإذا صحّ فلماذا لم يُحاصر أبو لهب وغيره؟ وإذا دخل كفّار بني هاشم في الشعب هذا معناه العداء لهم بسبب خلافات أُخَر لا علاقة لها بالإسلام ، وهذا وهم؛ لأنّ الخلاف عقائدي يتعلّق بالإسلام من جهة والوثنية من جهة أخرى.
وهذه الرواية من بدع بني العبّاس أرادوا تأصيل دور أبيهم في الدفاع عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم متناسين أنّها انقلبت وبالاً عليهم ، حيث كشفت عن إسلام العبّاس بن عبد المطلب المتأخّر!
وإذا كان الحصار على بني هاشم فما ذنب عبيدة بن الحارث أن يكون معهم في الشعب؟! وقد أشار صاحب الرواية إلى ذلك ، لأنّه يجري مجراهم ، أي : لأنّه مسلم ، وهذا هو الصحيح ، فالحصار شمل المسلمين دون المشركين ، وذلك لأنّهم دخلوه برغبتهم بقصد حماية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وما أضيف من أسماء الكفّار إلى قائمة النازلين في الشعب فهذه من روايات أهل البدع والضلال ، وإلّا ما ذنبهم يتحمّلون المعاناة من الجوع والعطش وغيره! وقد حاولنا أن نجد الرواية في بقية المصادر فلم نوفق ، ولم نجد لها سلسلة سند.
وقد فات على منتحل الرواية أن يعرف أنّ الداخلين في الشعب كلّهم مسلمون لم يكن فيهم كافر ، دخلوه بإرادتهم حفاظاً على نبيّ الرحمة صلى الله عليه و آله و سلم ، فعندما رأت قريش تصلّب موقف أبي طالب في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ورأوا
١٦٠
منه الجدّ في ذلك ، أبدوا لبني عبد المطلب الجفاء ، فانطلق بهم أبو طالب وقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله من ظلم قومهم ، فدعا ربّه قائلاً : « اللّهمّ إن أبى قومنا إلّا النصر علينا فعجّل نصرنا وحل بينهم وبين قتل ابن أخي » ، ثمّ أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه فقال : « ... ندعو بربّ هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم ، والله لتنتهين عن الذين تريدون ، أو لينزلـن الله بكم في قطيعتنـا بعض الذي تكرهـون ، فأجابوه أنّكم يا بني عبد المطلب لا صلح بيننا وبينكم ، ولا رحم إلّا على قتل هذا الصبي ـ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ـ ... » (١).
بعد هذه المحاورة الكلامية ، تيقّن أبو طالب أنّ قومه مصرّون على قتل النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، ويترتّب على ذلك الحرب والقطيعة وما يَجّر مجرى الحرب من ويلات على الطرفين ، لذا فضّل أبو طالب ومعه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم تحاشي الصدام المسلّح مع قريش ، وأرادوا أن يتحصّنوا في مكان آمن يستطيعوا من خلاله حماية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من خطر المشركين ، فاختار الشعب ليكون ملجأ له ولأتباعه ، فأشار على عمّه أبي طالب في دخول الشعب فوافق على ذلك (٢). ويؤيّد هذا قول أمير المؤمنين عليه السلام وهو يحاجج أحد اليهود في دخول نبيّ الله يوسف عليه السلام السجن قائلاً : « لئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن فلقد حبس رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نفسه في الشعب ، ثلاث سنين ... » (٣). يبدو من ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي حبس نفسه ، وأراد الحماية فالتجأ إلى هناك.
وفي رواية أخرى أنّ أبا طالب هو الذي اختار الشعب وهذا ما أشير إليه :
__________________
١ ـ ابن إسحاق : السير والمغازي / ١٥٨.
٢ ـ انظرالمرتضى : الفصول المختارة / ٥٨ ، الأصفهاني : دلائل / ٢٠٠.
٣ ـ الطبرسي : الاحتجاج ١ / ٢١٥.
١٦١
« ... فلمّا بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخل الشعب ... فحلف لهم بالكعبة ... والحرم والركن والمقام لئن شاكت محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم وحصّن الشعب ... » (١).
وخلاصة كلّ ما تقدّم ، أنّ اختيار الشعب تمّ بإرادة الداخلين فيه ، واتّخذوه ملجأ لحماية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فدخلوه وتحصّنوا فيه ، وعندما لاحظت قريش تمركز بني هاشم هناك أحكمت عليه طوق الحصار والعزلة وكلّ ما يصبّ في هذا الاتّجاه ، وليس كما تصوّر بعضهم أنّ الشعب كان سجناً حقيقياً لهم! وأشار إلى ذلك الفتّال بقوله : « اجتمعت قريش في دار الندوة وكتبوا الصحيفة على بني هاشم لا يكلموهم ولا يبايعوهم حتّى يسلّموا إليهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ليقتلوه ، ثمّ أخرجوهم من بيوتهم ، حتّى ... نزلوا شعب أبي طالب ووضعوا عليهم الحرس » (٢).
وأخيراً ما يمكن تسجيله من ملاحظات على الرواية أنّها جمعت بين المؤمنين والمشركين في الشعب! وهذا غير صحيح ، فالمسلم دخله عن عقيدة وإيمان بالله ورسوله ، أمّا الكافر فمن أجل ماذا دخل الشعب؟!
وإذا احتجّ بعضهم بالقول : إنّهم دخلوه بدافع عاطفي للدفاع عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
نقول : فلماذا لم يؤمنوا برسالته بدافع عاطفي أيضاً؟! وإذا حملتهم العاطفة على دخول الشعب ، فلماذا خرجوا لقتاله في بدر من أمثال العبّاس بن عبد المطلب ،
__________________
١ ـ الطبرسي : إعلام الورى / ٤٩ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٦٣ ، الراوندي : قصص / ٣٢٧ ، البحراني : حلية الأبرار ١ / ٨٢.
٢ ـ الفتّال : روضة الواعظين / ٥٣.
١٦٢
الذي أسر في المعركة (١) ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الذي فدى نفسه برماحه (٢) ، وأبو سفيان المغيرة بن الحارث ابن عبد المطلب ، أسلم قبل الفتح (٣) شهد بدراً مع المشركين (٤) ، وكان يؤذي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم (٥) ، والحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، وأمّه صربية بنت سعيد القشب ، أسلم سوية مع أبيه (٦) وزوجته هند بنت أبي سفيان (٧) ، فمن كانوا كذلك كيف يدخلون الشعب ويدافعون عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والحال ذاته مع الذين خرجوا لقتاله؟!
فلا يجوز أن نجمع هؤلاء مع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ، وأبي طالب المدافع والحامي ، وأمير المؤمنين وسيّد الوصيين ، وعبيدة بن الحارث ـ الذي اختلف في اسم جدّه فقيل : هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٨) ـ بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي ، وأمّه سخيلة بنت خزاعي بن الحويرث الثقفية ، الذي أسلم قبل دخول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم دار الأرقم بن أبي الأرقم (٩) ، وقد آخى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بينه وبين بلال (١٠) ، وقد جرح يوم بدر فمات
__________________
١ ـ ينظر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).
٢ ـ ينظر ابن سعد : الطبقات ٢ / ١٨ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٤٥.
٣ ـ الطبراني : المعجم الكبير ٢٠ / ٣٦٦ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٤٥٦.
٤ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٨١.
٥ ـ النووي : شرح مسلم ١٦ / ٤٧.
٦ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٥٦.
٧ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ١٣٩.
٨ ـ ابن حنبل : المسند ، مسند العشرة / ٩٠٤.
٩ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٥٦.
١٠ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٣٥٦.
١٦٣

شهيداً (١) ، كان صاحب أوّل سرية أرسلها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمقاتلة المشركين في السنة الأولى من الهجرة (٢) ، ولمّا قطعت ساقه في معركة بدر قال : يا رسول الله ألستُ شهيداً؟ قال : بلى ، قال : أما والله لو كان أبو طالب حيّاً لعلم أنّي أحقّ بما قال :

كذبتم وبيت الله نبزي محمّدا

ولمّا نطاعن دونه ونناضل (٣)

الدليل الخامس : أثيرت قضية إسلامه في أثناء وفاة أبي طالب ، واحتج بعضهم بكفره ؛ لأنّه ورث أباه من دون إخوته جعفر وعلي عليهم السلام ، وهذا ما أشار إليه الشيخ المفيد بقوله : « وعند وفاة أبي طالب كان طالب وعقيل حاضرين وهما مقيمان على خلاف الإسلام ولم يسلم واحد منهما بعد » (٤).

ومن الأدلّة التي كفّر بها عقيل :

هو موضوع إرث أبي طالب الذي أخذه هو وطالب من دون عليّ وجعفر عليهم السلام ، حسبما ذهب إليه بعضهم ، ورووا بذلك حديثاً مفتعلاً في عدّة صور ، منها :

الصورة الأولى : رواها مالك عن ابن شهاب عن عليّ بن الحسين عليه السلام : « أنّه أخبره إنّما ورث أبا طالب عقيل وطالب ولم يرثه عليّ عليه السلام ، قال : فلذلك تركنا نصيبنا من الشعب » (٥).

الصورة الثانية : وردت عند البخاري ، قال : « حدّثنا أصبغ ، قال : أخبرني ابن

__________________

١ ـ ابن سعد : الطبقات ٣ / ٢٣٣.

٢ ـ ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٢٦٠ ، ابن حبّان : الثقات ٣ / ٨٨ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ٨٠.

٣ ـ الطبري : تاريخ ٢ / ١٤٨ ، المتّقي الهندي : كنز العمال ١٠ / ٤١٥.

٤ ـ إيمان أبي طالب / ٢٦٦ ، ينظر النووي : المجموع ١٩ / ٣٤٦.

٥ ـ الموطأ : باب الفرائض / ٩٦.
١٦٤
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:10 am

وهب عن يونس عن الزهري عن عليّ بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامه بن زيد رضي الله عنه أنّه قال : يا رسول الله أين تنزل في دارك بمكة؟ فقال : وهل ترك عقيل من رباع أو دور ، وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا عليّ عليه السلام شيئاً ؛ لأنّهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين ، فكان عمر بن الخطاب يقول : لا يرث المؤمن الكافر » (١).

وجاء عند البخاري أيضاً قوله : « حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ، حدّثنا سعدان بن يحيى ، حدّثنا محمّد بن حفصة عن الزهري عن عليّ بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أنّه قال زمن الفتح : يا رسول الله أين تنزل غداً؟ قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : وهل ترك لنا عقيل من منزل ، ثمّ قال : لا يرث المؤمن الكافر ولا يرث الكافر المؤمن. قيل للزهري : ومن ورث أبا طالب؟ قال : ورثه عقيل وطالب ، قال معمر عن الزهري : أين تنزل غداً في حجّته؟ ولم يقل يونس : حجّته ولا زمن الفتح » (٢).

الصورة الثالثة : وردت عند أحمد بن حنبل ، قال : « حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا معمر عن الزهري عن عليّ بن الحسين عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد قـال : قلت : يا رسول الله أين تنزل غداً في حجّته؟ قال : وهل ترك لنا عقيل منزلاً ، ثمّ قال : نحن نازلون غداً إنْ شاء الله بخيف بني كنانة ، يعني المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر ، وذلك أنّ بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يناكحوهم ... ثمّ قال عند ذلك : لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ، قال الزهري : والخيف الوادي » (٣).

__________________

١ ـ الصحيح : الحج / ١٤٨٥ ، وينظر ابن ماجة : سنن ، الفرائض / ٢٧٢٠ ، ابن سلمة : شرح معاني الآثار ٤ / ٤٩.

٢ ـ البخاري : الصحيح : المغازي / ٣٩٤٦.

٣ ـ المسند : الأنصار / ٢٠٧٧١.


١٦٥

وبعد النقد والتحقق في الرواية يتّضح أنّ سلسلة سندها مطعون فيها! حيث كان أصبغ بن سعيد أحد رواتها ، ويكفيه أنّه أحد موالي بني أمية (١) ، وكان ورّاقاً لابن وهب (٢) ، كما وردت عنه رواية مكذوبة (٣).
وابن وهب فهو مطعون فيه (٤).
ويونس بن يزيد الأيلي ، فإنّ ابن المبارك لم يرو أحاديثه ولا يعجبه ذلك (٥) ، وكان سيّء الحفظ (٦) ، وأنكر حديثه ؛ لأنّه يأتي بأشياء منكرة ، وضعف أمره فكان يكتب الحديث ثمّ ينقطع كلامه فيكون أوّله عن ابن المسيب وبعضه عن الزهري فيشتبه عليه ، وقال أحمد : إنّه يروي أحاديث منكرة (٧) ، وقابله وكيع وذاكره بأحاديث الزهري المعروفة ولم يقم حديثاً واحداً منها (٨) ، وعدّه ابن سعد أنّه ليس حجّة (٩) ، وكذلك روي عنه حديث منكر مفاده أن لا بأس أن يقرأ المجنب القرآن (١٠) ، وقال عنه الألباني بأنّ حديثه عن الزهري ضعيف الإسناد (١١).
وبخصوص الزهري فهو مطعون فيه (١٢).
__________________
١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٢ / ٣٢١.
٢ ـ الذهبي : تذكرة الحفاظ ٢ / ٤٥٧.
٣ ـ ابن حزم : المحلّى ١٠ / ١١٣.
٤ ـ انظر مبحث وضعه المعاشي ( الفصل الأوّل ).
٥ ـ ابن حنبل : العلل ٢ / ٢٤١.
٦ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٢٤٨ ، الباجي : التعديل والتجريح ٣ / ١٤٢.
٧ ـ ابن المبرد : بحر الدم / ١٨٠.
٨ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٢٤٨.
٩ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٤٨٤.
١٠ ـ ابن حزم : المحلّى ١ / ٧٩.
١١ ـ ضعيف سنن الترمذي / ٣٤٥ ، ٣٥٥.
١٢ ـ الكليني : الكافي ٧ / ٢٩٦ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ١٠ / ١٦٣ ، العاملي : وسائل الشيعة ٢٩ / ٧٣.
١٦٦
وبصدد عمرو بن عثمان هو الآخر مجهول ، وقيل : لعلّه يكون ابن عثمان بن عفان (١) ، لكن استبعده مالك وقال بأنّه وهم (٢) ، وذكره الباجي ضمن المجروحين (٣).
هذا ما قيل في سند الرواية الذي تراوح ما بين الضعفاء وعمّال بني أمية ، ومنهم من اختل حاله. فما ظنّك برواياتهم ، بعد أن أنكر أحاديثهم علماء الجرح والتعديل وقد بيّناه؟!!
وما يخصّ السند أيضاً ، فقد انقطع سند الصورة الأولى عند الإمام السجاد عليه السلام ، ولم يخبرنا صاحب الرواية هل أنّ الإمام أخذ روايته عن أبيه عن جدّه لكون القضية تخصّ أسرته؟!
ومهما يكن من شيء فخلاصة الأمر أنّ سندها مقطوع عند الإمام عليه السلام ، وهو تابعي.
في حين أسندت الرواية الثانية عن عمرو بن عثمان وهو مجهول ، وهذا عليه إشكال ؛ لأنّه يفترض في حديث الإمام عليه السلام أن ينقل عن أبيه عن جدّة دون أن يروي عن مجاهيل!
أمّا رواية البخاري فقد وردت في صورتين وهي مسندة عن الزهري ، وعلى الرغم من ذلك اختلفت الصورة الأولى عن الثانية باختلافات ، منها :
في الصورة الثانية أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سأل عن محلّ نزوله زمن الفتح ، في حين لم يرد ذلك في الصورة الأولى عند البخاري! وفي الصورة نفسها ذكر أنّ عمر
__________________
١ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٢٨١.
٢ ـ البخاري : التاريخ الكبير ٦ / ٢٥٣ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٢٤٢.
٣ ـ التعديل والتجريح ٣ / ١١٠٤.
١٦٧
ابن الخطاب رضي الله عنه هو الذي قال : إنّ المسلم لا يرث الكافر ، في حين جاء في الصورة الثانية خلاف ذلك ، وأفادت بأنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي قال هذا! وإذا صحّ قول ابن الخطاب فما قيمته مقابل وجود الرسول صلى الله عليه و آله و سلم! فليس من حقّ أيّ شخص أن يتصدّى للإفتاء مقابل وجود شخص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، فكيف يصحّ ذلك لعمر بن الخطاب؟! وبالسند نفسه عن الزهري أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي قال : ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) (١)! وأنّ هذا الحديث قد أصبح محلّ نقض عند ابن حنبل الذي أشار بقوله : « سمعت أبي يقول : لم يسمع من ... عن الزهري حديث عليّ بن الحسين عليه السلام عن عمرو بن عثمان ... عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : لا توارث بين أهل ملّتين » (٢).
وفي الصورة الثانية ـ الرواية الثانية للبخاري ـ وردت عبارة ( قيل للزهري : من ورث أبا طالب؟ قال : ورثه طالب وعقيل ) ، إذن الزهري هو الذي قال ذلك وليس الرسول صلى الله عليه و آله و سلم! ثمّ إنّه اكتفى بهذا القول ، ولم يقل : إنّهما كافران وعلي وجعفر مسلمان ، على العكس من الصورة الثانية ـ الرواية الأولى للبخاري ـ التي أدلت بذلك!
وقد ورد محلّ نزول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في أثناء حجّته حسبما رواه معمر عن الزهري ، في حين أنّ يونس بن يزيد لم يشر إلى ذلك ، علما بأنّهما أخذا من مصدر واحد وهو الزهري! فلماذا الأصل الواحد والرواية مختلفة؟! فهل أنّ الزهري روى لهم الرواية على وجهين؟ وإنّ رواية محمّد بن حفصة عن
__________________
١ ـ مالك : الموطأ ، الفرائض / ٩٥٩٠ ، ابن حنبل : المسند ، مسند الأنصار ٢٠٧٥٢ ، ٢٠٨٠٧ ، مسلم : الصحيح ، الفرائض / ٣٠٢٧ ، الدارمي : سنن ، الفرائض / ٢٨٧٤ ، أبو داود : سنن ، الفرائض / ٢٥٢١ ، ابن ماجة : سنن ، الفرائض / ٢٧١٩ ، الترمذي : سنن ، الفرائض / ٢٠٣٣.
٢ ـ ابن حنبل : العلل ٢ / ٢٦٥.
١٦٨
الزهري ذكر الحادثة زمن الفتح ولم يقل : في حجّة الوداع.
وروى ابن ماجة الصورة الثانية التي وردت عند البخاري نفسها وبالسند نفسه عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وأضاف عليها أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قال : ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) (١) ، فلماذا الإضافة في الحديث؟ أليس ذلك دليلا على وضعه؟!
ويدعم ذلك الاختلاف حول الزمان الذي سئل فيه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عن مكان نزوله ، هل في زمن الفتح أم في حجّة الوداع؟ فلم يتّفق على ذلك!
وإذا صحّ قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( وهل ترك لنا عقيل من منزل ) ، هذا يعني أنّه ملك دور بني هاشم بعد هجرتهم إلى المدينة وباعها حتّى منزل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (٢). وهنا نتساءل : كيف سمحت له قريش أن يفعل ذلك؟ وإذا كان قد باع دور بني هاشم فسيصبح حتماً من أثرياء قريش ، وإذا كان كذلك فلماذا وصف بالفقر؟! (٣)
علماً أنّنا لم نعثر ولو على دار واحدة قد باعها عقيل! وحتّى الدار التي وهبها له الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قد بقيت بحوزته حتّى وفاته (٤)! فمتى باع دور بني هاشم حتّى يشتكي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم منه حسبما صوّرته الرواية؟!
وبصدد ما ورد من قول : إنّ طالباً وعقيلاً هما اللذان ورثا أباهما ؛ لأنّهما كافران من دون جعفر وعلي عليهم السلام ، مستندين على قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( لا يرث
__________________
١ ـ سنن ، الفرائض ٢٧٢.
٢ ـ الواقدي : المغازي ٢ / ٦٩٤ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٤٥٨.
٣ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.
٤ ـ ابن هشام : السيرة النبوية ٤ / ٤.
١٦٩
المسلم الكافر ... ) وعلى اعتبار أنّ أبا طالب مات كافراً!
وللردّ على ذلك نقول : إنّ قضية إسلام أبي طالب نوقشت والحمد لله ، فقد ثبت إسلامه بحجج وبراهين قويّة (١) ، ولماذا يجوز للإمام عليّ عليه السلام دفن أبيه وتجهيزه ولا يجوز له أن يرثه؟! فهذا تناقض واضح!! فإمّا هذا ، وإمّا هذا ، إمّا لا يغسله ولا يكفّنه لأنّه كافر وحتّى لا يأخذ من تركته حسب زعمهم ، وإمّا إنْ غسّله وكفّنه لأنّه مسلم فله الحقّ أن يأخذ من تركته.
وإذا فرضنا جدلاً أنّ أبا طالب مات كافراً ، فمن حقّ الإمام أن يأخذ من تركته طبقاً لما جاء في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد بقوله : « إنّ ما يرويه العامّة من أنّ عليّاً عليه السلام وجعفراً لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئاً حديث موضوع ومذهب أهل البيت بخلاف ذلك فإنّ المسلم عندهم يرث الكافر ، ولا يرث الكافر المسلم ولو كان أعلى درجة منه ... وقوله صلى الله عليه و آله و سلم : ( لا توارث بين أهل ملّتين ) ، نقول بموجبه بأنّ التوارث تفاعل ولا تفاعل عندنا في ميراثهما ، واللفظ يستدعي الطرفين في التضارب ... » (٢).
والشيء الملاحظ أنّ كلّ صور الحديث أشارت إلى أنّ عقيلاً وطالباً هما اللذان ورثا أباهما ؛ لأنّهما كافران من دون جعفر وعلي عليهم السلام ، وهذا غير صحيح! لأنّ قضية الورث ليس لها دخل في الإسلام أو عدمه ، ولهذا لابدّ من البحث عن أمور أخر لتبرير الموضوع.
أي حتّى نبرهن على أنّ عقيلاً هو الذي ورث أباه وحده من دون باقي
__________________
١ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ١١٠ ـ ١٤٥.
٢ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ٦٩ ، ينظر الطوسي : التبيان ٣ / ١٢٩.
١٧٠
إخوته ، لابد من الوقوف عند أولاد أبي طالب ومعرفة وضعهم الاقتصادي على حدّ سواء ، فالمعروف أنّ عليّاً عليه السلام حين وفاة أبيه كان يعيش مع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وهو غير متزوّج ، وقد أوضحنا أنّه تزوّج في المدينة ، أمّا جعفر فهو الآخر كان مهاجراً في الحبشة ومتزوّجاً وله بعض الأولاد ، أمّا طالب فهو شخصية وهمية ألصقت بأبي طالب من دون الاستناد إلى روايات صحيحة (١) ، فالثابت وجوده من أولاد أبي طالب في بيته هو عقيل فقط.
هذه الأمور برمّتها هي التي جعلت عقيلاً يرث أباه من دون غيره ، وفي الوقت الذي سلّطت فيه الروايات الضوء على ورثة أبي طالب ، لم يرد ذكر زوجته وأم أولاده فاطمة بنت أسد ، وهل أخذت حصّة من الورث أم لا؟ فربما كان الورث كلّه لفاطمة ؛ لأنّها كانت تقيم مع ابنها عقيل في بيت واحد فترك لها إرث أبي طالب.
وبعد أن نوقشت الروايات المتعلّقة بإرث أبي طالب والتأكّد من صحّتها وعدمه سواء ورثه عقيل أم لا ، نريد أن نعرف مقدار تركته وما هي؟ وهل كانت نقداً أم عيناً؟
وللإجابة عن ذلك نقول : لم نقف على أيّ شيء يذكر من تركته ، وإنّما وجدت روايات بهذا الصدد وهي بحمد الله غير صامدة أمام النقد العلمي الصحيح ، وقد تمّ مناقشتها من دون الوقوف على صحّتها.
ثمّ من أين يأتي أبو طالب بالتركة إذا كان غير قادر على توفّير لقمة العيش لعياله وأولاده الذين قسّموا بين رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم والعبّاس بن عبد المطلب؟! فمن كان غير قادر على معيشة عائلته حسبما صوّرته الروايات هل يترك
__________________
١ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٣٤ ، ١٠١ ـ ١٠٤.
١٧١
تركة؟! أليس هو ذلك الرجل البائس الفقير الذي لا يستطيع أن يشبع أولاده من كسر الخبز إلّا عندما يأكل معهم محمّد صلى الله عليه و آله و سلم فيقول له أبو طالب : إنّك لمبارك (١) ، إذن قضية ميراث أبي طالب مفتعلة أريد بها تكفيره وابنه عقيل على حدّ سواء!
الدليل السادس : روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في محنته بعد استشهاد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بأن عقيلاً والعبّاس حديثي عهد بالإسلام ، حيث أشار الإمام عليه السلام مطالباً بإعادة حقّه في الخلافة بقوله : ( فلمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه ، ثمّ آليت يميناً أنّي لا أرتدي إلّا للصلاة حتّى أجمع القرآن ، ففعلت ، ثمّ أخذته وجئت به فعرضته عليهم قالوا : لا حاجة لنا به ، ثمّ أخذت بيد فاطمة ، وابنيّ الحسن والحسين ، ثمّ درت على أهل بدر أهل السابقة ، فأنشدتهم حقّي ، ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلّا أربعة رهط سلمان وعمار والمقداد وأبو ذر ، وذهب مـن كنت أعتضد بهم علـى دين الله مـن أهل بيتي ، وبقيت بين خفيرين قريبي العهد بجاهليـة عقيل والعبّاس ) (٢).
وما يسجّل على الرواية فيما يخصّ سندها ، أنّ الطبرسي هو الذي رواها ، وهو متوفّي سنة ٥٦٠ هـ ، وأسندها عن إسحاق بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وهو الآخر متوفّي سنة ٢٤٠ هـ (٣) ، فالفرق شاسع جدّاً بينهما من حيث العمر! فياترى من الذي أخبر الطبرسي بذلك؟ فلابدّ من أسماء رواة أسقطوا من السند ، ثمّ لم يذكر صاحب الرواية من هم آباء الإمام عليه السلام.
__________________
١ ـ ينظر المحمداوي : أبو طالب / ٤٩.
٢ ـ الطبرسي : الاحتجاج / ٢٨١.
٣ ـ العلوي : المجدي في أنساب الطالبين / ١١٨ ، الطبرسي : الاحتجاج ١ / ٢٨٠ ، هامش (٣) للمحقق.
١٧٢
وفي رواية أخرى عن الإمام أنّه قال في تلك الأيام : ( لو كان حمزة وجعفر حيّين لما طمع في هذا الأمر أحد ، ولكنّي ابتليت بجلفين جافيين عبّاس وعقيل ) (١).
وروى الكليني عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن عليّ بن النعمان عن عبد الله بن مسكان عن سدير قال : « كنّا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم صلى الله عليه و آله و سلم واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال رجل من القوم أصلحك الله فأين كان عزّ بني هاشم ، وما كانوا فيه من العدد؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : ( من كان بقي من بني هاشم إنّما كان جعفر وحمزة فمضيا ، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام عبّاس وعقيل وكانا من الطلقاء ، أما والله لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما ) » (٢).
وعن سند الرواية ، فتوجد الكثير من المرويات الصادرة عن هؤلاء الرواة ، مع اختلاف ألقابهم ، ومنهم :
محمّد بن يحيى العطار ، وهو من مشايخ الكليني (٣) ، ذكره النجاشي بقوله : ... العطار القمي شيخ أصحابنا في زمانه ، ثقة .. كثير الحديث ، له كتب منها مقتل الحسين عليه السلام وكتاب النوادر (٤) ، وذكر الطوسي فقال عنه كثير الرواية (٥) ، وقد وثّقه ابن
__________________
١ ـ الشوشتري : الصوارم المهرقة / ٧٣.
٢ ـ الكافي ٨ / ١٨٩.
٣ ـ الصدوق : الهداية / ١٩٦.
٤ ـ رجال / ٣٥٣ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٣٤٧ ، الخوئي : معجم رجال الحديث ١٩ / ٣٣.
٥ ـ الرجال / ٢٩٧.
١٧٣
داود (١).
أمّا الحسين بن سعيد بن حماد البجلي الأحمسي الكوفي (٢) أهوازي مولى الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام (٣) ثقة ، روى عن الإمام الرضا عليه السلام ، وأبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالث عليهم السلام ، أصله كوفي انتقل مع أخيه الحسن وتوفّي في قم ، وله ثلاثون كتاباً (٤).
وأمّا عليّ بن النعمان الأعلم النخعي ، أبو الحسن مولاهم الكوفي ، روى عن الإمام الرضا عليه السلام ، وكان ثقة وجيها ثبتاً صحيحاً واضح الطريقة (٥) ، وذكر الطوسي رجلاً اسمه عليّ بن النعمان النخعي (٦) ، هذا ولم نعرف هل أنّهما واحد أم اثنان؟
وعبد الله بن مسكان ، أبو محمّد ، مولى عنزة ، ثقة عين ، روى عن أبي الحسن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، وقيل : إنّه روى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، وليس بثبت (٧) ، وهذا تجريح فيه ، لكن مقابل ذلك وثّقه الطوسي (٨) ، وذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، وقال إنّه من محدثي الإمامية ، وكان فقيهاً معظّماً من الفقهاء الأعلام والرؤساء العظام المأخوذ منه الحلال والحرام والفُتيا والأحكام (٩).
__________________
١ ـ ابن داود : رجال / ١٨٧.
٢ ـ الطوسي : الرجال / ١٨١ ، ٣٥٥.
٣ ـ الطوسي : الرجال / ٣٨٥.
٤ ـ الطوسي : الفهرست / ١١٢ ، ابن داود : رجال / ٨٠.
٥ ـ النجاشي : رجال / ٥٧٤ ، العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ١٨٠ ، ابن داود : رجال / ١٤٢.
٦ ـ الرجال / ٢٤٥.
٧ ـ النجاشي : رجال / ٢١٥ ، ينظر العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ١٩٤.
٨ ـ الفهرست / ١٦٨.
٩ ـ الفائق ٢ / ٣٠٩.
١٧٤

أمّا عن منشأ الرواية الذي نقلها عن الإمام الباقر عليه السلام ، فهو سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي ، روى عن الإمام الباقر عليه السلام ، صالح الحديث (١) ، وثّقه ابن معين (٢) ، وجرحه بعضهم مثل النسائي فجعله ليس بثقة (٣) ، وقد احتجّ عليه لأنّه يغلو في الرفض ، كذّبه البخاري (٤) ، ونقم عليه العقيلي لأنّه روى حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مفاده أنّه قال للإمام عليّ عليه السلام بأنّه أخوه ، فوصفه بالضلال (٥) ، وذكره ابن حبّان فقال : « سدير منكر الحديث جدّاً على قلّة روايته كان ابن عيينة يقول : رأيته ، وكان كذّاباً » (٦) ، وقيل : مذموم المذهب (٧) ، ومتروك الحديث (٨). أعتقد أنّ سبب هذه الطعون فيه ؛ لأنّه شيعي أو رافضي حسب زعمهم ، ومن موالي أمير المؤمنين عليه السلام فلذلك اتهموه بالكذب ، علماً أنّه أصدق من الذي اتّهمه بالكذب ، ومن الذي ذمّ مذهب الشيعة ، كيف يكون الإمام الصادق عليه السلام مذموماً؟! وعلى ما استند في ذمّ المذهب؟ فهذه كبيرة لا تقال ، أيكون ذلك هو آخر ما توصّل إليه العلم الحديث؟!!

الدليل السابع : الملاحظ على تاريخ عقيل أنّه حافل بالمتناقضات! والذي يبحث عن شخصيته ليستقرئها بشكلها الصحيح ، يحتاج إلى خوارزمية لتفكّ له كثيراً من المتناقضات ، إلى الحدّ الذي يصعب على المهتم بالبحث عنه أن يميّز الخطأ من الصواب.

__________________

١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٣٢٣.

٢ ـ تاريخ ١ / ٣٩٣.

٣ ـ النسائي : الضعفاء / ١٩٢.

٤ ـ العقيلي : ضعفاء ٢ / ١٧٩.

٥ ـ العقيلي : ضعفاء ٢ / ١٨٠.

٦ ـ المجروحين ١ / ٣٥٤.

٧ ـ ابن عدي : الكامل ٣ / ٤٦٣.

٨ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ١١٦.
١٧٥
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:12 am

وخير دليل على ذلك قضية إسلامه ، فبعد أن عرضنا شيئاً منها ، نلحظ الاختلاف في سنة إسلامه ، فهناك عدّة آراء ، منها :

ـ إنّه أسلم قبل بدر وكان يكتم إسلامه ، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بوصية منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في بدر أوصى فيها المسلمين بالحفاظ على أرواح نفر من بني هاشم أُخرجوا كارهين للقتال ، فقال لهم : ( إذا لقيتم العبّاس ابن عبد المطلب لا تقتلونه ، وإذا لقيتم عقيلاً لا تقتلونه ) ، فيروى أنّ قريشاً أصرّت على إخراج العبّاس وعقيل إلى بدر كرهاً ووقعا أسيرين في المعركة (١). وهذه الرواية متداولة على الألسن ، وهي تفيد إسلامهما قبل بدر وتؤيّد قضية كتمانهما للإسلام ؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بالحفاظ عليهما ، فإذا لم يكونا مسلمين فلماذا أوصى بهما؟ وحاشاه أن يوصي بالكفّار!

وإذا أراد أحداً أن يتفوّه بالقول بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بهما بدافع القرابة.

نقول : فلماذا لم يوص في الحفاظ على غيرهما مثلاً؟!

وهذه عليها إشكال فإذا كانا مسلمين ويكتمان الإيمان فلماذا يأخذ منهما فدية الأسر التي دفعها العبّاس عوضاً عنه (٢)؟ وهل دفعا الفدية ليوهما قريشاً بأنّهما كافران حتّى يبقيا بمثابة عين للرسول صلى الله عليه و آله و سلم يوافيانه بأخبار وتحركات العدو كما فعله العبّاس بن عبد المطلب؟ فقد روي عن الواقدي أنّ العبّاس كتب إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بتوجّه قريش لمحاربته في معركة أحد ، وإحاطته علماً بمقدار قوّة قريش الحربية كي يستعد لملاقاتهم بصورة جيّدة (٣). وهذه رواية لا يترتّب

__________________

١ ـ ينظر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).

٢ ـ ينظر مبحث معركة / كيفية التعامل مع الأسرى ( الفصل الرابع ).

٣ ـ الملاح : الوسيط / ٢٦٢.


١٧٦

عليها أثر لعدم وثاقة الواقدي (١).
ـ وذكر ابن سعد عن النوفلي رواية مفادها أنّ عقيلاً أسلم بعد الأسر ، مشيراً إلى أنّه بعد أن وقع في الأسر قال للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : « لم يبق من أهل بيتك أحد إلّا وقد أسلم ».
وقد جرحت هذه الرواية متناً وسنداً (٢) ، وكان التناقض واضحاً عند الزركلي بخصوص إخراج عقيل إلى بدر ، حيث أشار إلى ذلك بقوله : « بقي عقيل على الشرك إلى أن كانت واقعة بدر فأخرجته قريش كارهاً فشهدها معهم » (٣). فإذا كان مشركاً فعلاً فعلامَ الإكراه؟!
ـ أمّا السيّد طاهر الخطيب ، فقد أرجع إسلام عقيل إلى ما بعد واقعة بدر ، كما أنّه رجّح أن يكون أسلم قديماً ولم يهاجر ، وأُخرج إلى بدر كارهاً وأُسر وفدى نفسه ، وأنّه أسلم منذ بداية الدعوة الإسلامية وكان يكتم إسلامه (٤). إلّا أنّنا لم نجد ما يدلل على ذلك وقد تتبعنا أخباره منذ بداية الدعوة فلم يطرأ له ذكر.
ـ وذكر السهيلي بأنّه أسلم عام الحديبية ، وهذا ما أشار إليه بقوله : « عقيل ممّن أسلم وحسن إسلامه أسلم عام الحديبية ـ يعني سنة ٦ هـ » (٥) ، بينما ذكر ابن كثير خلاف ذلك ، وأشار بقوله : « أسلم عقيل قبل الحديبية ... » (٦) ، فالاثنان
__________________
١ ـ ينظر مبحث علمه بالنسب وأيّام الناس ( الفصل الأوّل ).
٢ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٦.
٣ ـ الأعلام ٥ / ٤٠ ، ينظر الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٢١٨.
٤ ـ عقيل بن أبي طالب / ١٤.
٥ ـ السهيلي : الروض ٥ / ٣٥٣.
٦ ـ البداية ٨ / ٥٢.
١٧٧
تأرجحا وجعلا الحديبية الحدّ الفاصل لإسلامه.
ـ وقيل : أسلم بعد الحديبية ، وهاجر في أوّل سنة ٨ هـ ، ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين وكأنّه كان مريضاً (١).
ـ أمّا ابن عساكر فقد وضع معركة مؤتة حدّاً لإسلام عقيل فقال : « أسلم عقيل سنة ثمان ، وشهد مؤتة » (٢) ، وأضاف يروى أنّ إسلامه قبل مؤتة فيما ذكر أهل العلم (٣). ولم يذكر من هم أهل العلم؟
ـ وقد أخّر البلاذري إسلامه إلى يوم الفتح (٤) ، وهذا ما رواه ابن عساكر عن أبي القاسم بن السمرقندي عن أبي الحسين النقور عن محمّد بن عبد الله بن الحسين الدقاق عن محمّد بن عليّ بن إسماعيل الأيلي عن مقدام بن داود بن عيسى عن يحيى بن عبد الله بن بكير عن عبد الله بن السمح التجيبي عن عباد ابن كثير عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس : « أنّ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أجارت أبا العاص بن عبد شمس ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جوارها ، وأنّ أم هانئ بنت أبي طالب أجارت أخاها عقيل بن أبي طالب يوم الفتح فأجاز رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جوارها ». وعقّب ابن عساكر على ذلك بأنّ هذا حديث غير محفوظ إنّما أجارت رجلين من أحمائها من بني مخزوم (٥). وهذا قول غير صحيح وسيتّضح زيفه عندما نتطرّق إلى أدلّة إسلامه المبكر!
__________________
١ ـ ابن حجر : الإصابة ٤ / ٤٣٨.
٢ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤.
٣ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٠.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٦٩.
٥ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٥.
١٧٨
فيا ترى ما هو الموجب لتأخير إسلامه؟! وقد أسلم إخوته وأمّه وأبوه؟! ولماذا إسلامه في الحديبية قبلها أو بعدها أو عام الفتح؟!
فربما قائل يقول : إنّه رأى قوّة ومنعة المسلمين فدخل في الإسلام.
فهل من صاحب لبّ يعقل الأشياء ولا يعرف قوّة ومنعة المسلمين إلّا يوم الفتح!! ولم يعرفها قبل ذلك من خلال سير الأحداث وانتصارات المسلمين في ساحات الوغى ، ولم يبق إلّا المعاندين من أمثال أبي سفيان وغيره! وحاشا لله أن يكون عقيل منهم وأبوه حامي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأمّه فاطمة بنت أسد التي ربّت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وآوته في بيتها ، فيفترض أن يسلم أسوة بأفراد عائلته المسلمة!
ـ وجعله ابن حجر تابعياً وليس صحابياً ، وأشار إلى ذلك بقوله : « عقيل بن أبي طالب تابعي وليس صحابياً أرسل شيئاً فذكره بعضهم في الصحابة ، أخرج أبو جعفر النحاس من طريق محمّد بن عبد الرحمن القرشي أحد المتروكين ... » (١). وكان لعقيل صحبة! وهذا ما أشار إليه الحاكم بقوله : « أبو يزيد عقيل ... من الصحابة » (٢).
وبدورنا نسأل من هو الصحابي؟
لابدّ من إعطاء ضابطة كلّية عن معنى الصحابي ، وكيف تتحقّق الصحبة؟ ثمّ ندخل في إيراد المصاديق عن عقيل بن أبي طالب ، ونطبّق عليه الشروط الواجب توفّرها في الصحابي ، فإذا توفّرت فيه فهو صحابي له ما للصحابة وعليه ما عليهم ، ولابد من تعريف الصحابي!
__________________
١ ـ الإصابة ٣ / ١٠٩.
٢ ـ معرفة علوم الحديث / ٢٢٨ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١١ ، القندوزي : ينابيع المودّة ١ / ٤٦٨.
١٧٩
لغة : مشتق من الصحبة ، وليس مشتقاً من قدر خاص منها ، بل هو جارٍٍ على كلّ من صحب غيره قليلاً أو كثيراً ، يقال : صحبت فلاناً حولاً وشهراً ويوماً وساعةً ، وهذا يوجب في حكم اللغة إجراءها على من صحب النبيّ ساعة من نهار (١).
أمّا الصحابي في الاصطلاح : وهو من أقام مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين ، وقيل : إنّ الصحابي هو كلّ من رأى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه ، وهناك رأي يقول : كلّ من رأى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من المسلمين فهو من الصحابة ، وقيل : انّ اسم الصحبة لا يطلق إلّا على من صحبه صلى الله عليه و آله و سلم ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته (٢).
وقد عرّف ابن حبّان الصحابي بأنّه من شهد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسمع منه شيئاً ثمّ سمّى ذلك الشيء (٣) ، وعلى رأي أنّه من شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنّها نزلت في كذا وكذا (٤).
وطبقاً لهذه الضابطة التي أوردناها ، كم يكون عدد صحابة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم؟ فقد رآه البار والفاجر ، وسمع حديثه عامّة الناس من الرجال والنساء ، وبعض المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر ، فهل يكون كلّهم صحابة؟! فقد رووا أحاديثه وعايشوه فترة من الزمن ، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن الأثير
__________________
١ ـ الطريحي : مجمع البحرين ٢ / ٥٨٥ ، وينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ١٢ ، ابن حجر : الإصابة ١ / ٧.
٢ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ١٢ ، وللتفاصيل ينظر العمري : بحوث / ٦١.
٣ ـ الصحيح ٤ / ٩٥.
٤ ـ الحاكم : معرفة علوم الحديث / ٢٠.
١٨٠
بقوله : « ... وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على ما شرطوه كثيرون ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شهد حنيناً ، ومعه اثنا عشر ألفاً سوى الأتباع والنساء ، وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم وترك مكّة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً ، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين ، فهؤلاء كلّهم لهم صحبة ، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان ، وكذلك حجّة الوداع ، وكلّهم له صحبة ولم يذكروا إلّا هذا القدر مع أنّ كثيراً منهم ليست له صحبة ... » (١).
بعد كلّ هذا نستطيع القول : إنّ كلّ من رأى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وسمع حديثه ليس بالضرورة أن يكون صحابياً! ثمّ ما قيمة الرؤية والسماع إن لم يلتزم بما رآه وسمعه؟ فكلّ من رأى وسمع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ولم يسر على سيرته فهو ليس صحابياً! فالصحابي من رأى فعل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وسمع حديثه وسار على نهجه حتّى وفاته ، أمّا إذا سمع ورأى والتزم بذلك خلال فترة وجود النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم على قيد الحياة ، ثمّ عدل عن نهج الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بعد وفاته ، فيكون قد تجرّد من الصحبة. وفي كتب السير والتاريخ والتراجم الكثير ممّن صحب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولم يلتزم بأوامره ونواهيه التي هي أوامر الله ونواهيه!!
وأشار الشوشتري إلى تعريف الصحابي بقوله : « ... لا ريب في أنّ الصحابي من لقي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مؤمناً به وموته على الإسلام ، وأنّ الإيمان والعدالة مكتسبان ... فالصحابي كغيره في أنّه لا يثبت إيمانه إلا بحجّة ، لكن قد جازف أهل السنّة كلّ المجازفة فحكموا بعدالة كلّ الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم
__________________
١ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ١ / ١٢.
١٨١
يلابس ، وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام ، والداخلون على غير بصيرة ، والشكاك كما وقع من فلتات ألسنتهم كثيراً ، وكان فيهم شاربوا الخمر وقاتلوا النفس وسارقوا الرداء وغيرها من المناكير ، بل كان فيهم المنافقون ... ويدعون بالصحابة ولم يكونوا بالنفاق معروفين ولا متميزين ظاهراً ، قال الله سبحانه : (وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ...) (١) ، بل كان فيهم من يبتغي له الغوائل ويتربّص به الدوائر ويمكر ويسعى في هدم أمره » ، وأشار في نهاية حديثه إلى اغتيال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على يد أناس يدعون صحابته (٢).
وكذلك روي عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وهو يخاطب المسلمين بقوله : ( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أيّ قوم أنتم ). قال عبد الرحمن بن عوف : نكن كما أمرنا الله ، فقال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : ( أو غير ذلك تتنافسون ثمّ تتحاسدون ثمّ تتدابرون ثمّ تتباغضون ) ، وفي رواية : ( ثمّ تنطلقون في مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض ) ، وهذا ذمّ من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لأصحابه (٣)! فهل يصح أن يقول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هكذا عن صحابته إنْ لم يكن عارفاً بما يفعلون بعده؟
بعد هذا العرض الموجز عن الصحبة وكيفية تحققها ندخل في إيراد المصاديق عن عقيل بن أبي طالب.
__________________
١ ـ محمّد / ٣.
٢ ـ الصوارم المهرقة ١ / ٦.
٣ ـ الحلّي : نهج الحق / ٣٢١.
١٨٢
فإذا كان الصحابي من سمع حديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، قيل : إنّه روى أحاديث لكنها قليلة ، وهذا ما أشار إليه الحاكم بقوله : « كان من حقّ شرفه ونسبه أن نقرّب ذكره من إخوته وعشيرته وإنّما تأخّر لقلّة روايته للحديث » (١) ، وفي رواية : « إنّه قليل الحديث » (٢) ، حيث روي عنه أحاديث يسيرة ، روى عنه ابنه محمّد وحفيده عبد الله وموسى بن طلحة وعطار بن أبي رباح ومالك بن أبي عامر ، وأبو صالح ذكوان السمان والحسن البصري (٣) ـ وهناك اعتراض على سماع الحسن البصري منه (٤) وقد وثّقه العجلي (٥) ـ.
__________________
١ ـ المستدرك ٣ / ٥٧٥.
٢ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٤٢٤.
٣ ـ ابن ماكولا ، إكمال ٦ / ٢٣٥ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٤ ، الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ٢ / ٣٠.
٤ ـ النووي : المجموع ١٦ / ٢٠٨.
٥ ـ معرفة الثقات ٢ / ١٤٥.
١٨٣
ومن أحاديثه
الحديث الأوّل : ما نقله عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في قضية الرفاء والبنين ، وقد نوقشت القضية وفنّدت في محلّها (١).
الحديث الثاني : روى الحافظ الأصبهاني ، أحمد بن أبي سعيد بن إسحاق ابن إبراهيم المديني ، عن إسحاق بن إسماعيل ومحمّد بن عاصم ، عن القاضي أبي أحمد عن أبي بكر أحمد بن أبي سعيد بن إسحاق بن إبراهيم المديني عن إسحاق بن إسماعيل عن إسحاق بن سليمان عن أبي الجنيد عن جعفر بن أبي المغيرة عن عقيل بن مسلم عن عقيل بن أبي طالب قوله : « إنّ النبـيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال لعمر ابن الخطاب : ( إنّ غضبك عزّ ورضاك حكم ) » (٢). وقد حاولنا أن نجد للقضية أصلاً في بقية المصادر ، فلم يتسن لنا ذلك.
وعن سند الرواية ، فهو مشوّش ومطعون فيه ، من جهة أشخاص غير معروفين ، ابتداءً من أوّل راوٍ لها وهو عقيل بن مسلم ، فهو مجهول الحال وغير معروف. وقد حاولت جاهداً أن أقف على حقيقة الرجل فلم أوفق ، وكلّ الذي وجدته هو ما ورد عن ابن عساكر قوله : « أبو مسلم عقيل بن مسلم الأسدي السمرقندي » (٣) ، وكذلك ما ذكره ابن ماكولا : « مسلم بن عقيل البرجمي كوفي روى عن عطية العوفي ، وروى
__________________
١ ـ ينظر مبحث زوجاته ( الفصل الثاني ).
٢ ـ الأصبهاني : ذكر أخبار أصبهان ١ / ٩٧ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال / ١٢ / ٥٥٦.
٣ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٢٢ / ١٧١.
١٨٤
عنه طاهر بن مدار » (١) ، وكفى هذا كلّ الذي ذكروه ، وهذا لا ينهض أنْ يكون دليلاً على وجوده. ويبقى تساؤل يمكن أن يطرح نفسه ، هل أنّ مفتعل الرواية أراد أن يوهم الناس بذكر عقيل بن مسلم ، ليجعله من ذرية مسلم بن عقيل بن أبي طالب؟ فما ظنّك برواية مصدرها مجهول؟!
ويدعم ذلك أنّ الشخص الذي نقل عنه ، وهو جعفر بن أبي المغيرة نقل عن سعيد بن جبير (٢) ، ولم ينقل عن عقيل هذا! وهو كوفي كان ينزل قم (٣) ، وثّقه أحمد بن حنبل (٤) ، وأشار في موضع آخر فقال : « جعفر ليس بالمشهور ، وقد أسلم عليه » (٥) ، وهو تابعي دخل مكّة أيام عبد الله بن عمر مع سعيد بن جبير (٦) ، وذكره ابن مندة وقال : ليس بالقوي في سعيد بن جبير (٧) وقيل : صدوق (٨). ومن علامة ضعفه هو الشخص الراوي عنه ، وهو أبو الجنيد ، واسمه خالد بن الحسين ، ليس بثقة (٩) ، كان ببغداد وحديثه عن الضعفاء ، أو قوم لا يعرفون (١٠) مثل ابن أبي المغيرة ، وأورد ابن عدي مناكيره ، وفي جميعها حدّثنا
__________________
١ ـ ابن ماكولا : إكمال ٦ / ٢٣٥.
٢ ـ ابن أبي شيبة : المصنّف ٣ / ١٦٨ ، ابن أبي الدنيا : التواضع / ١٩ ، الطوسي : الأمالي ٥٩٨.
٣ ـ ابن معين : تاريخ ٢ / ٢٨١.
٤ ـ العلل ٣ / ١٠٢ ، ابن شاهين : تاريخ / ٥٥.
٥ ـ ابن حنبل : العلل٣ / ٢٨٣.
٦ ـ ابن حبّان : طبقات المحدّثين ١ / ٣٥٣.
٧ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ٩٣.
٨ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ١٦٤.
٩ ـ ابن معين : تاريخ ٢ / ٣،٣ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٩ / ٣٥٤ ، ابن عدي : الكامل ٣ / ٤٠ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٤ / ٥١٢.
١٠ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ٨ / ٤١.
١٨٥
أبو جنيد الضرير (١).
أمّا عن إسحاق بن إبراهيم ، فلم نستطع معرفته لوجود ثلاثة أشخاص بهذا الاسم. وقد حاولنا معرفته من خلال شيخه أبي الجنيد وتلميذه إسحاق بن إسماعيل اللذين وردا في الرواية ، فلم نوفّق ، وبهذا بقي لدينا في عداد المجاهيل.
والحال نفسها مع إسحاق بن إسماعيل ، فالأمر مختلف فيه ، فهناك ما يقارب أربعة أشخاص سمّوا بهذا الاسم : الأوّل : الطالقاني ثقة ، لكنّه تكلّم من سماعه عن جرير وحده (٢) ، والثاني : ابن نوبخ ، والثالث : النيسابوري من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام ثقة ، كان ترد عليه التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل (٣) ، والرابع : السمرقندي (٤). هذا ، ولا نعرف من هو المقصود به ، علماً أنّ هذه التسمية كررت مرّتين في السند!
وقد أورد ابن حجر ثلاث تراجم لثلاث شخصيات كلّ منهم سمّي إسحاق ابن إسماعيل : أوّلهما : مذحجي الأصل ، أبو يعقوب الرملي النحاس ، روى عنه النسائي ، وقال : « صالح » ، وفي موضع آخر قال : « لا أدري ما هو » ، وقال : « كتبت عنه ولم أقف عليه » ، والمزّي لم يقف على روايته ، وأبو نعيم حدّث بأحاديث من حفظه فأخطأ فيها ، والثاني : إسحاق بن إسماعيل بن العلاء ، وقيل : ابن عبد
__________________
١ ـ ابن حجر : لسان ٢ / ٣٧٥.
٢ ـ ابن أبي الدنيا : الورع / ١٧.
٣ ـ الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٨٠ ، البروجردي : طرائف ١ / ٢٨٢ ، وينظر العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٥٨.
٤ ـ الذهبي : تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٦٣.
١٨٦
الأعلى الأيلي ، كنيته أبو يعقوب ، روى عن سفيان بن عيينه ، توفّي سنة ٢٠٨ هـ ، والثالث : إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، أبو يعقوب نزيل بغداد يعرف باليتيم ، روى عن جرير وابن عيينة وغيرهم ، فيه كلام ضعّفه جرير ، توفّي سنة ٢٠٣ هـ ، وثّقه بعضهم (١).
أمّا أبو بكر أحمد بن أبي سعيد المديني فلم نجد ترجمة له ، أي أنّه غير معروف ، وقد تكرر مرّتين في السند ، في هذه المرّة نقل عن أبي أحمد القاضي ، والأخرى هو الذي نقل عنه الحافظ الأصفهاني.
أمّا أبو أحمد القاضي ، فهناك كثير ممّن سمّوا بهذا الاسم ، منهم : محمّد بن محمّد بن مكي بن يوسف الجرجاني قدم بغداد ، وروى بها عن محمّد بن يوسف كتاب الصحيح للبخاري ، قال ابن عساكر : « لم يحدّثنا عنه أحد شيوخنا البغداديين ، ولكن حدّثنا عنه أبو نعيم الأصفهاني ، وقد تكلّموا فيه وضعّفوه ، توفّي بأرجان سنة ٣٧٤ هـ (٢) ، وابن حبّان : أبو أحمد القاضي لم يك من أهل الضلالة (٣) ، ومنهم منصور ابن محمّد ، أبو أحمد القاضي الحنفي النيسابوري ، قدم بغداد حاجّاً وحدّث بها عن محمّد بن الحسن السراج ، وبشير بن أحمد الأسفراييني (٤) ، ومنهم محمّد بن أحمد ابن إبراهيم العسال ، أبو أحمد القاضي ، وهو شيخ أبي نعيم (٥) محمّد بن أحمد بن محمّد الحنفي » (٦).
__________________
١ ـ تهذيب التهذيب ١ / ١٩٧ ، وينظر هامش (٢) من الصفحة نفسها.
٢ ـ تاريخ مدينة دمشق ٥٥ / ٢٠٩.
٣ ـ طبقات المحدّثين ١ / ٩٤.
٤ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ١٣ / ٨٦.
٥ ـ ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٢.
٦ ـ الحاكم الحسكاني : شواهد ٢ / ٥٠١.
١٨٧
أمّا عن متن الرواية ، فنحن لم نعرف المناسبة التي قال فيها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الحديث في حقّ الرجل! ثمّ متى كان الغضب عزّاً؟! وما شكل العزّ الذي يأتي من الغضب؟! فربما قصد من أدلى بهذه الرواية أن يشبّه الخليفة عمر رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم! حيث استفاد من الرأي القائل إنّ كلّ حركات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسكناته رضاه وغضبه هي تشريع وحكم سماوي.
كما وردت رواية أخرى عند الطبري عن ابن حميد قوله : عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال : « كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي ، فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين ، فقال له : « النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي وأنت جالس؟ » فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال : « ما أظن إلّا سيمرّ عليك من ينكر عليك » ، فمرّ عليه عمر ... فقال له : « يا فلان ، النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي وأنت جالس؟ » فقال له : مثلها ، فقال : هذا من عملي ، فوثب عليه فضربه حتّى انتهى ، ثمّ دخل المسجد فصلّى مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فلمّا انتقل صلى الله عليه و آله و سلم قام إليه عمر ، فقال : يا نبيّ الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلّي ، فقلت له : النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي وأنت جالس؟ فقال : سر إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : ( فهلّا ضربت عنقه ) فقام عمر مسرعاً ، فقال : ( يا عمر ارجع فإنّ غضبك عزّ ورضاك حكم ، إنّ لله في السماوات السبع ملائكة يصلّون ، له غنى عن صلاة فلان ) ، فقال عمر : يا نبيّ الله وما صلاتهم؟ فلم يرد عليه شيئاً ، فأتاه جبريل فقال : يا نبيّ الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء؟ قال : ( نعم ) فقال : اقرأ على عمر السلام ، وأخبره أنّ أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزّة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحي
١٨٨
الذي لا يموت » (١).
الملاحظ عن سند الرواية ، أنّ سعيد بن جبير لم يسم الرجل المسلم الذي مرّ على الرجل المنافق! ولم يذكر اسم الأخير أيضاً! فالكلام دار حول مجهولين ، وهذا أوّل بوادر ضعف الرواية! ثمّ كيف عرف المسلم بأنّ هناك من ينكر على المنافق؟ وفعلاً جاء عمر بن الخطاب وأنكر عليه فعلته ، عندما مرّ عليه وضربه!!
وهذا عليه إشكال لأسباب ، منها : لماذا ضرب عمر الرجل المنافق؟ ألأنّه لم يصلّ خلف النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟ فإنّ عمر نفسه لم يصلّ بعد ، وجاء متأخّراً عن الصلاة! ثمّ من الذي خوّله أن يضرب الرجل ، وعلى ما استند في ذلك؟ وأنّ الله نهى عن ذلك بقوله : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (٢) ، وبما أنّ الله نهى من أن يُكره أحد على الدخول في الإسلام ، فكيف طابت نفس عمر أن يضربه مع علمه بنهي الله سبحانه عن ذلك؟
وربما يكون فعل ـ عمر إنْ صح ـ لا يكون من باب الإكراه في الدين ، فالرجل كما يظهر أنّه مسلم إلّا أنّه منافق أو متهاون في العبادة وأداء الصلاة ، وعمل عمر هنا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويحقّ للمسلم أن يجبر غيره على أداء الفرائض كالصلاة والصيام حتّى وإن كان ذلك بالقوّة ، فتارك الصلاة أو المتجاهر بالإفطار قد يعاقبان بالضرب أو الحبس.
لكن السؤال المطروح هنا : هل أنّ ذلك الرجل قام للصلاة بعد ضربه؟ إذن
__________________
١ ـ تفسير ١ / ٣٠٢ ، ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٧ / ١٨٦ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٢ / ٥٩٨.
٢ ـ البقرة / ٢٥٦.
١٨٩
ما الفائدة من ضربه إذا لم ينته عن فعله ، ولم يقم للصلاة؟! فالرواية لم توضّح كون المنافق ارتدع وصلّى.
والسؤال الآخر : أين كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يصلّي؟ أليس في الجامع ، إذن فالرجل المنافق كان جالساً في الجامع ، وإذا كان كذلك فلماذا حضر ولم يصلّ؟ خاصّة وأنّ المنافق هو الذي يظهر خلاف ما يبطن ، أي : إظهار الإيمان وكتم الشرك. ولكن الرواية توضّح أنّ الرجل لم يكن منافقاً بدليل أنّه لم يكتم فعله ، فكان عليه أن يتظاهر بالصلاة كمنافق! وإذا كان كافراً ، فلا يدخل المساجد الكفّار ، ولا يوجد ما يوجب عدم الصلاة ، فلماذا الحضور للجامع ، وأمام مرأى الصحابة؟ فربما أمر أقعد الرجل ، أو أنّ الرواية لا تدخل العقل.
والسؤال الأخير : كيف للرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يطلب ضرب عنقه؟ هل لمجرد عدم الصلاة؟!
فإنّ المسألة تحتاج إلى معالجات أُخر!! وبهذا يمكن القول إنّ الحديث موضوع لتبرير سياسة عمر القائمة على الشدّة ، إذ أراد الراوي أن يوضّّح بأنّ عمر كان كذلك أيام الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وكان يشيد به ويثني عليه.
أمّا عن كلام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عندما نقل له عمر الحادثة فقال : ( هلّا ضربت عنقه ) إن صحّ الكلام ، ربما أراد توبيخ عمر وليس الرضا عنه! بدليل أنّ الأخير عندما همّ أن يضرب الرجل ثانية منعه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فإذا كان المقصود هو مدح عمر فقد انقلب الأمر وبالاً عليه : لأنّه لم يلتزم بأحكام القرآن ، ولذلك منعه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم! وبما أنّ الموقف كذلك وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غير راض عن عمر فكيف يقول له : ( يا عمر غضبك عزّ ورضاك حكم )؟! ثمّ لماذا جبرائيل عليه السلام قرأ على عمر السلام؟ هل

١٩٠
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:15 am

لأنّه لم يعمل بنصّ القرآن أم لأنّه سأل عن صلاة أهل السماء؟!

هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :

فهي مقطوعة السند في سعيد بن جبير ، وهو تابعي لم يدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولم يسمع حديثه ، فمن أين أخذ الرواية وهي تتعلّق بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟ فالمفروض أنْ تروى عن طريق صحابي وليس عن طريق تابعي! فهناك حلقة مفقودة في سلسلة السند ، استطاع أحد الوضّاع أن يعيدها للسند زوراً ، وهو إبراهيم بن رستم المروزي ، فقد تفنن في وضع السند ، فجعل من أنس بن مالك الوسيلة في ذلك ، فأصبحت سلسلة السند عن طريق سعيد بن جبير عن أنس بن مالك! لكن أحد المحقّقين عن الأسانيد أنكر عليه فعلته؛ لأنّ الحديث ورد عن سعيد مرسلاً ، ولم يوصله إلّا المروزي هذا ، وهو مطعون فيه ، فقيل : محلّه الصدق ، وثّقه ابن معين ، لكن ضعّفه ابن عدي ، وأبو حاتم ليس بذاك (١) ، ونقل الألباني عن الدارقطني ليس بالقوي ، وقيل : منكر الحديث (٢) ، يوجد له حديث أنكر هذا (٣) ، توفّي سنة ٢١١ هـ (٤).

أمّا عن جعفر بن أبي المغيرة ، وهو حلقة الوصل بين هذه الرواية والرواية السالفة ، حيث شكل القاسم المشترك في سلسلة سند الروايتين ، فهو مطعون فيه كما بيّناه.

أمّا عن يعقوب القمي ، هو ابن عبد الله بن سعد بن مالك بن هانئ بن عامر

__________________

١ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ٣٢٧.

٢ ـ إرواء الغليل ١ / ٢٩٠.

٣ ـ ابن عدي : الكامل ١ / ٢٦٣.

٤ ـ البغدادي : هدية العارفين ١ / ١.


١٩١

ابن أبي عامر ... الأشعري ، كنيته أبو الحسن ، من أهل قم نزل الري ، قوّاه النسائي ، لكن المنذري والدارقطني جعلاه ليس بالقوي (١) ، والشوكاني فيه مقال (٢) وغير ثقة (٣) ، ذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وقال : « محدّث لم يذكره أكثر أصحاب كتب الرجال والتراجم في كتبهم ، روى عنه محمّد بن عبد الحميد » (٤) ، ذكره ابن حبّان بأنّه شيخ متقن (٥) ، روى عنه جرير بن عبد الحميد ، كان إذا مرّ عليه يقول : « هذا مؤمن آل فرعون » (٦) ، قيل : إنّه محدّث فقيه وثّقه بعض العامّة ، ووصفوه بأنّه محدّث أهل قم ، وكان صدوقاً يهم ، وقال آخرون : ليس بالقوي ، توفّي سنة ١٧٣ هـ ، وقيل : سنة ١٧٤ هـ (٧) ، ذكره البرقي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، ولا يستبعد أن يكون هو ويعقوب بن عبد الله بن جندب شخصية واحدة ، علماً أنّه من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ، وقيل : من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام (٨) ، وأنّ يعقوب بن عبد الله بن جندب من رجال الشيخ الطوسي (٩) ، وقد عقّب البروجردي على أنّ ابن جندب هذا غير معروف ، ولا يعتدّ بحديثه (١٠).
أمّا محمّد بن حميد بن حيان التميمي الحافظ أبو عبد الله الرازي ت ٢٤٨ هـ ،
__________________
١ ـ ابن حجر : فتح الباري ١٠ / ١١٦ ، مقدّمة فتح الباري / ٤٥٩.
٢ ـ نيل الأوطار ٤ / ٣٤٥.
٣ ـ ابن أبي عاصم : كتاب السنّة / ٣٣٢.
٤ ـ الفائق ٣ / ٤٥٨.
٥ ـ الثقات ٧ / ٦٤٥.
٦ ـ ابن حبّان : طبقات المحدّثين ٢ / ٣٤.
٧ ـ الشبستري : الفائق ٣ / ٤٥٧.
٨ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ٢١ / ١٥٢.
٩ ـ رجال / ٣٦٩ ، وينظر التفرشي : نقد الرجال ٥ / ٩٨.
١٠ ـ البروجردي : طرائف ١ / ٣٧٢.
١٩٢
حافظ لكنه ضعيف (١) ، وليس بالقوي (٢) ، لم يحدد الهيثمي موقفه تجاهه ، فقد ضعّفه ومن ثمّ وثّقه ، وفي موضع آخر وثّقه وقال : فيه خلاف (٣) ، وابن حجر فيه مقال (٤) وأنّه حافظ ضعيف ، لكن ابن معين حسّن الرأي فيه (٥) قال عنه : ثقة كيّس ، لكن البخاري قال : فيه نظر ، وكذّبه الكوسج وأبو زرعة (٦) ، وفي رواية أوردها ابن عساكر ثمّ ضعّفها عن الإمام عليّ عليه السلام قال : « قال رسول الله : اتّقوا غضب عمر فإنّ الله يغضب إذا غضب » ، وهذا الحديث فيه أبو لقمان ، وهو ضعيف يروي المنكرات عن الثقات (٧).
الحديث الثالث : ومن الأحاديث التي رواها عقيل قوله : « إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمّا أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة ، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه ، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه ، فقرأ من سورة إبراهيم : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (٨) ، فرقّ القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه » (٩).
الحديث الرابع : وقد أورد المتّقي الهندي في مسند عقيل عن أبي إسحاق السبيعي عن الشعبي عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن عمر عن عقيل ،
__________________
١ ـ ابن أبي عاصم : كتاب السنّة / ٥٣.
٢ ـ المارديني : جواهر ١ / ٤.
٣ ـ مجمع الزوائد ٥ / ٤٧ ، ٩ / ٢٩٠.
٤ ـ فتح الباري ١ / ٣٦٨.
٥ ـ المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ١٤٨.
٦ ـ المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ١٥٨.
٧ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤٤ / ٧٢.
٨ ـ إبراهيم / ٣٥.
٩ ـ الطباطبائي : الميزان ١٢ / ٧٩.
١٩٣
ومحمّد بن عبد الله بن أخي الزهري عن الزهري : « أنّ العبّاس بن عبد المطلب مرّ بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وهو يكلّم النقباء ويكلّمونه فعرف صوت صلى الله عليه و آله و سلم. فنزل وعقل راحلته ، ثمّ قال لهم : يا معشر الأوس والخزرج هذا ابن أخي وهو أحبّ الناس إليّ فإنْ كنتم صدّقتموه وآمنتم به وأردتم إخراجه معكم فإنّي أريد أن آخذ عليكم موثقاً تطمئن به نفسي ولا تخذلوه ولا تغرّوه فإنّ جيرانكم اليهود وهو لكم » (١).
وعلى هذه الرواية بعض علامات الاستفهام! منها يتعلّق بالسند ، ومنها بالمتن.
وفيما يخصّ المتن ، وهو معارضة العبّاس نفسه للدعوة الإسلامية ، فقد كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يدعو الناس في سوق ذي المجاز بقوله : ( قولوا : لا إله إلّا الله تفلحوا ) ، والعبّاس يسمع قوله ويرد عليه : « أشهد أنّك كذّاب »! ولم يكتف بذلك ، بل أخبر أبا لهب فأقبلا يناديان : « أنّ ابن أخينا كذّاب فلا يغرّنكم عن دينكم » (٢). وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام معارضة العبّاس للدعوة ، حيث أشار إلى هذا المعنى بقوله : ( إنّ الله لمّا بعث رسوله محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه والناصر له ... والعبّاس وأبو لهب يكذّبانه ويؤلبّان عليه شياطين الكفر ، وأبوكم ـ أبو العبّاسيين ، العبّاس بن عبد المطلب ـ يبغي له الغوائل ويقود إليه القبائل في بدر ، وكان في أوّل رعيلها وصاحب خيلها ورجلها المطعم يومئذ ... والناصب له الحرب ) (٣). وروي أنّه نزل فيه قوله تعالى : (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي
__________________
١ ـ كنز العمّال ١ / ٣٢٦.
٢ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٥٦ ، المجلسي : البحار ١٨ / ٢٠٣.
٣ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٢٦١ ، المجلسي : البحار ٤٧ / ١٧٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٧ / ٢٠٤.
١٩٤
الآخِرَةِ أَعْمَى) (١) ، وقوله : (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ) (٢).
أمّا أصل الحديث ، فقد روي عن أبي إسحاق السبيعي الشيعي ، ففيه طعون (٣). هذا ، ولا نعرف مدى صحّة هذه الطعون ، فربما طعن فيه ؛ لأنّه شيعي.
وعبد الملك بن عمير ، فقد كان مدلّساً (٤) ، وذكره أبو نعيم في الضعفاء ؛ لأنّه يروي المناكير (٥) ، ولم يوصف بالحفظ (٦) ، وقيل : إنّ أبا عوانة أوثق منه (٧) ، وقد اضطرب حديثه مع قلّة ما رواه ، حيث غلط في كثير من أحاديثه ، وقلّ ما روي عنه (٨) ، وقد اختلط وتغيّر حفظه قبل موته ، وقد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد بقوله : « ...فمن أبناء الشام وأجلاف محاربي أمير المؤمنين عليه السلام المشتهرين بالتعصّب والعداوة له ولعترته ولم يزل يتقرّب إلى بني أمية بتوليد الأخبار الكاذبة ... والطعن في أمير المؤمنين حتّى قلّدوه القضاء ، وكان يقبل الرشى ويحكم بالجور والعدوان ، وكان متجاهراً بالفجور والعبث بالنساء » ، فمن ذلك أنّ الوليد بن سريع خاصم أخته كلثم بنت سريع إليه في أموال وعقار ، وكانت كلثم من أحسن نساء وقتها وأجملهن فأعجبته فوجّه القضاء على أخيها تقرّباً إليها وطمعاً فيها ، فظهر ذلك عليه واستفاض عنه ، وفيه قال هذيل الأشجعي (٩) :
أتاه وليد بالشهود يقودهم

على ما ادعى من صامت المال والخول
__________________
١ ـ الاسراء٧٢ /
٢ ـ هود / ٣٢
٣ ـ ينظر مبحث نشأته و تربيته ( الفصل الاول ).
٤ ـ انب حبّان : الثقات ١١٦ / ، ابن العجمي : التبيين لأسماء المدلسين ٣٩ / ، ابن حجر : طبقات المدلسين ٤١ /.
٥ ـ الضعفاء٩٣ /
٦ ـ ابن حنبل : العلل ٢٤٩ / ١.
٧ ـ ابن المبرد : بحر الدم ٢٠٢ /
٨ ـ ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ٣٦٠ / ٥ ، ابن حجر : تقريب التهذيب ٦١٨ / ١.
٩ ـ هذيل بن عبدالله بن سالم ، شاعر كوفي معروف بالهجاء ( ابن حزم : جمهرة٢٤٩ / ، الزركلي : الأعلام ٧٢ / ٩.
١٩٥

يسوق إليه كلثماً وكلامها

شفاء من الداء المخامر والخبل
فما برحت تومي إليه بطرفها

وتومض أحيانا إذا خصمها غفل (١)
وهو الذي احتز رأس عبد الله بن يقطر (٢) بالكوفة ـ أحد أنصار الحسين عليه السلام ـ بعد أن رمى به من فوق القصر (٣) ، وفوق ذلك كلّه أنّه من أشياع بني أمية ، وكان يجهز على أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وهم جرحى (٤) ، وهو من المقرّبين إلى ابن زياد ، وهو الذي رمى رأس الحسين عليه السلام في مجلس ابن زياد (٥). وبعد كلّ هذه المساوئ وثّقه بعضهم (٦)!!
أمّا الزهري ، فهو مطعون فيه ، وقد بيّنا ذلك سابقاً.
ـ كما روى عبد الله بن محمّد بن عقيل عن أبيه عن جدّه عقيل : « أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال لعلي : ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبي بعدي » ) (٧).
ـ وبالسند المتقدّم نفسه عن عقيل قوله : « نازعت عليّاً وجعفر بن أبي طالب في شيء فقلت : والله ما أنتما بأحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم منّي إنّ قرابتنا لواحدة ، وإنّ أبانا لواحد ، وإنّ أمّنا لواحدة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( أمّا أنت يا جعفر إنّ
__________________
١ ـ الإفصاح / ٢٢٠ ، وينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٧ / ٦٢.
٢ ـ كان رسول الإمام الحسين عليه السلام إلى ابن زياد ، الذي أمر به فرمي من فوق القصر مكشوفاً فوقع على الأرض وبه رمق فذبحه عبد الملك. ( الفتّال : روضة الواعظين / ١٧٧ ).
٣ ـ الشيخ المفيد : الإرشاد ٢ / ٧١ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٥١٨.
٤ ـ القمي : كتاب الأربعين ١ / ٢٧٥ ، المجلسي : البحار ٢٣ / ١٦٢.
٥ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٥ ، الحنفي : نظم / ٢٢٠.
٦ ـ ابن معين : تاريخ ١ / ٢٠٠ ، العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٠٤ ، الخزار القمي : كفاية الأثر / ٣٢٨ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.
٧ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٣٨ / ٧ ، ابن طاووس : الطرائف ١ / ٥٣.
١٩٦
خلقك يشبه خلقي ) » (١).
الحديث الخامس : روى الزهري عن محمّد بن عقيل عن أبيه عقيل ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن نكاح المتعة في غزوة تبوك ) (٢).
لا نريد أن ندخل في تفاصيل الموضوع خشية الإطالة والدخول في مطبّات ، لكن الذي نريد قوله : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم ينه عن زواج المتعة ، وإنّ الذي حرّمها هو عمر بن الخطاب ، وكتب الشيعة شاهد صدق على بقاء المتعة لديهم إلى اليوم.
أمّا عن سند الحديث ، فنكتفي بتجريح الشيخ المفيد له ، فقد أشار إلى أنّ الحديث أرسله يحيى عن الحسن والمرسل لا حجّة فيه ، وأسنده الزهري وفيه طعن ، حيث قال عنه نافع : الزهري ساقط الحديث ، ونقّاد الأثر شديد التدليس ، والراوي عن محمّد بن مسلم ، إسماعيل بن يونس ، وهو ضعيف عند أصحاب الحديث ، فقال ابن معين : ليس بحجّة (٣).
الحديث السادس : ذكر ابن أبي عاصم أنّ عقيلاً تختّم في يمينه وقال : « تختّم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في يمينه » (٤) ، وعلّق بقوله : « غريب سنداً والمتن مشهور ومعروف من حديث عليّ عليه السلام أمّا عن عقيل فلم أجد من خرّجه » (٥).
وبعد عرض هذه الأحاديث التي رويت عنه ، هل تحققت صحبته أم لا؟!!
__________________
١ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٥٤ / ٢٢٧.
٢ ـ المفيد : خلاصة الإيجاز / ٣٢.
٣ ـ للتفصيل راجع خلاصة الإيجاز / ٣٢.
٤ ـ الآحاد ١ / ٢٧٩.
٥ ـ ابن أبي عاصم : الآحاد ١ / ٤٩.
١٩٧
وخلاصة القول : نحن نعتقد بسلامة موقف الرجل ، ولم يكن له ذنب يؤاخذ عليه سوى أنّه ابن أبي طالب وأخو أمير المؤمنين عليه السلام ، وكلّ التهم التي حيكت ضدّه فهي لغرض الإطاحة بأخيه عليه السلام وأبيه والنيل منهما!
١٩٨
ورود اسمه في أسباب النزول
ورد اسم عقيل في أسباب نزول بعض الآيات :
منها قوله تعالى : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (١).
المراد من قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ ) ، أي : أزلنا عن صدور أهل الجنّة ما فيها من أسباب العداوة من الغلّ ، أي الحقد والحسد والتباغض والتنافس ، فالغلّ هو الحقد الذي ينغل في القلب ، ومنه الذي يجعل من العنق ، والغلول الخيانة التي يطوّق عارها صاحبها. أمّا عن قوله : ( عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ )، فالسرير هو المجلس الرفيع ، موطأ للسرور ، وجمعه أسرّة ، وبعد أن نزع الله من قلوبهم الغلّ أصبحوا إخوانا متوادّين كائنين على مجالس السرور متقابلين متواجهين ينظر بعضهم بعضاً ، لا يرى الرجل قفا زوجته ، ولا هي كذلك ؛ لأنّ الأسرّة تدور بهم كيف شاؤوا حتّى يكونوا متقابلين في عموم أحوالهم ، وقيل : متقابلين في الزيارة (٢) ، متحابّين في الله بعضهم بعضا (٣) ، أي : عدم تتبّع أحدهم عورات إخوانه وزلّاتهم كما يفعل ذلك من في صدره غلّ وهو معنى لطيف (٤).
وقد اختلف في أسباب نزولها ، ففي ذلك عدّة آراء :
__________________
١ ـ الحجر / ٤٧.
٢ ـ الطوسي : التبيان ٦ / ٨١١ ، الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٣.
٣ ـ ابن البطريق : خصائص الوحي / ٢٤٤.
٤ ـ الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٧.
١٩٩
أوّلاً : نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأخيه عقيل وجعفر وعمّه حمزة وأبي ذر وعمار والمقداد والحسن والحسين عليهما السلام (١).
وإذا صحّ نزول الآية في هؤلاء النفر ، هل كان في صدورهم غلّ؟!! فهم من خيرة الصحابة ولهم مواقف مشرّفة في الذبّ عن حمى الإسلام ونشر الدعوة.
أمّا عن عقيل ، فلم تسجّل له المصادر التي اطّلعنا عليها أيّ شيء يذكر ، بل الذي حصل العكس ، فهو لم يشارك في حروب الدعوة إلى الإسلام إلّا بعد فتح مكّة ، بل أُسر في أحد المعارك مع الكفّار ، وترك أمير المؤمنين عليه السلام في أيام محنته ، وسافر إلى معاوية حسبما أشارت إليه الروايات ، ولم تسجّل له هجرة أسوة بباقي المسلمين.
وإذا صحّ ورود اسمه مع من نزلت فيهم فهو يدحض كلّ ما قيل فيه.
وفي رواية أبي هريرة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( يا رسول الله أنا أحبّ إليك أم فاطمة؟ قال : فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها ، وكأنّي بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس ، وإنّ عليه أباريق عدد النجوم ، وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفاطمة وعقيل في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين ، وأنت معي وشيعتك ، ثمّ قرأ رسول الله الآية ) (٢).
ثانياً : روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّها نزلت في شيعة آل البيت ، فقال عليه السلام : ( والله ما عنى غيركم ) يعني الشيعة ، وفي رواية أنّه عليه السلام قال : ( أنتم والله التي نزلت
__________________
١ ـ الحسكاني : شواهد التنزيل ١ / ٤١٣.
٢ ـ الطباطبائي : الميزان ١٢ / ١٧٦.
٢٠٠
فيهم ـ يعني شيعتنا ـ فقد فتح الله أبصاركم وأعمى أبصار غيركم ) (١).
ثالثاًً : روي عن الكلبي عن أبي صالح عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( أنّها نزلت في عشرة أشخاص هم أبو بكر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن مالك وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن مسعود ) (٢).
وهذه الرواية عليها إشكال! لأنّ الكلبي مطعون فيه (٣) ، أمّا أبو صالح ذكوان السمّان المدني مولى غطفان ، وكان أبو هريرة والسيّدة عائشة من شيوخه في الحديث (٤) ، ذكره ابن أبي حاتم في المجروحين (٥) ، وكان من محبّي عثمان بن عفان ، فإذا ذكره بكى (٦) ، ووثّقه العجلي (٧).
رابعاً : في رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( نزلت فينا أهل بدر ، وأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين نزلت فيهم ) (٨).
فإذا كانت نزلت في أهل بدر ، فهذا ينفي نزولها في عقيل وغيره ؛ لأنّه لم يكن مع الذين قاتلوا في بدر!
وقد أشكل الطباطبائي على تلك الروايات على ما فيها من الاختلاف في التطبيقات من الرواة ، والآية تأبى بسياقها على أن تكون نازلة في بعض
__________________
١ ـ العياشي : تفسير ٢ / ٢٤٤ ، فرات الكوفي : تفسير / ٢٢٦ ، الحويزي : نور الثقلين ٣ / ٢٠.
٢ ـ الثوري : تفسير / ١٥٩.
٣ ـ ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٤ ـ الذهبي : تذكرة الحفاظ ١ / ٨٩.
٥ ـ الجرح والتعديل ٣ / ٤٥.
٦ ـ ابن المبرد : بحر الدم / ٥٣.
٧ ـ معرفة الثقات ١ / ٤٥.
٨ ـ ابن جرير : جامع البيان ٨ / ٢٤٠ ، ١٤ / ٤٩.
٢٠١
المذكورين مثل عمر وأبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم! كيف وهي من جملة آيات تقصّ ما قضاه الله وحكم به يوم خلق ( آدم عليه السلام ) وأمر الملائكة بالسجود له؟ ثمّ قضى ما قضى ، ولا تعلّق لذلك بأشخاص مخصوصين (١).
وعلى الرأي القائل إنّها نزلت في بدر ، أشار الطباطبائي قائلاً : « وقوع الجملة في سياق هذه الآيات وهي مكية يأبى نزولها في بدر ، وقد وقعت الجملة أيضاً في قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ ...) وهي أيضاً في سياق آيات أهل الجنّة وهي مكيـّة ، وروي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يحبس أهل الجنّة بعد دخولهم الجنّة بعدما يجوزون الصراط حتّى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنّة ، وليس في قلوبهم غلّ » (٢).
خامساً : روى ابن سعد روايات منسوبة لأمير المؤمنين عليه السلام ، منها : أنّ ابن جرموز (٣) جاء يستأذن الإمام عليّ عليه السلام فاستجفاه ، فقال له أصحابه : أمّا أصحاب البلاء فتجفوهم ، فقال عليّ عليه السلام : ( بفيك التراب إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين أنزل فيهم الآية ) ، وفي رواية أخرى قال عليه السلام : ( إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ) (٤).
سادساً : عن معاوية الضرير ... : « دخل عمران بن طلحة (٥) على عليّ عليه السلام بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحّب به ، وقال : ( إنّي لأرجو أن يجعلني الله وإياك
__________________
١ ـ الميزان ١٢ / ١٧٧.
٢ ـ الميزان ٨ / ١٣٩.
٣ ـ عمرو بن جرموز الذي قتل الزبير بن العوام على وجه الغيلة في معركة الجمل سنة ٣٦ هـ. ( القمي : الكنى ١ / ٢٣٨ ).
٤ ـ طبقات ١ / ٢٣٨.
٥ ـ عمران بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، وأمّه حمنة بنت جحش ابن رئاب من بني أُسد ابن خزيمة ( ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٦٦ ).
٢٠٢
من اللذين قال الله عنهم : (إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (١) ) قال : ورجلان جالسان على ناحية البساط فقالا : الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا في الجنّة ، فقال عليّ عليه السلام : ( قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة؟! ) ، ثمّ قال لعمران : ( كيف أهلك من بقي من أمهات أولاد أبيك أمّا إنّا لم نقبض أرضكم هذه السنين ونحن نريد أن نأخذها مخافة أن ينتهبها الناس ، يا فلان اذهب معه إلى ابن قرظة (٢) فمره فليدفع أرضه وغلّة هذه السنين ، يا ابن أخي وائتنا في الحاجة إذا كانت لك ) (٣). وهذه الرواية مطعون فيها من جهة أبي معاوية الضرير ، فهو مطعون فيه (٤).
سابعاً : عن ربعي بن حراش (٥) قال : « انّي لعند عليّ عليه السلام جالس إذ جاء ابن طلحة فسلّم على عليّ فرحّب به فقال : ترحّب يا أمير المؤمنين ، وقد قتلت والدي وأخذت مالي! قال : ( أمّا مالك فهو ذي متروك في بيت المال فاغد إلى مالك فخذه ، وأمّا قولك قتلت أبي فإنّي أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم ... ) قال رجل من همدان : الله أعدل من ذلك ، فصاح عليه صيحة تداعى له القصر قال : ( فمن إذاً إذا لم نكن نحن ) (٦).
ثامناً : عن ابن عبّاس قال : « إنّ أوّل ما يدخل أهل الجنّة إليها تعرض لهم
__________________
١ ـ الحجر / ٤٧.
٢ ـ لم نجد ترجمة له.
٣ ـ ابن سعد : الطبقات ٣ / ٢٤٤ ، الطبري : تفسير ١٤ / ٤٩.
٤ ـ سوف يأتي الكلام عنه في آخر هذا الباب.
٥ ـ ابن جحش بن عمرو بن عبد الله .. بن عبد بن مالك ، قيل : توفّي سنة ١٠١ هـ. ( ابن سعد : الطبقات ٦ / ١٢٧ ).
٦ ـ الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٥.
٢٠٣
عينان ، فيشربون من إحداهما فيذهب الله ما في قلوبهم من غلّ ، ثمّ يغسلون من العين الأخرى ، فتشرق ألوانهم وتصفوا وجوهم ، وتجري عليهم نضرة النعيم ». وعن عليّ بن الحسين عليه السلام : ( أنّها نزلت في أبي بكر وعمر وعلي عليه السلام والصحابة ) ، يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغلّ. وإنّ القول الأوّل أصح ، يدلّ عليه سياق الآية (١).
تاسعاً : في رواية ثانية : ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام وحمزة وجعفر وأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد والحسن والحسين عليهما السلام » (٢).
عاشراً : عن الواحدي أنّه روى عن عليّ بن هشام بن كثير النوا قال : « قلت لأبي جعفر : إنّ فلاناً حدّثني عن عليّ بن الحسين عليهم السلام أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ، قال : والله إنّها لفيهم نزلت وفيهم نزلت ، قلت : وأيّ غلّ هو؟ قال : غلّ الجاهلية ، فلمّا أسلموا هؤلاء القوم وأجابوا أخذ أبا بكر الخاصرة ، فجعل الإمام عليّ عليه السلام يسخن يده ، فيضمخ يده خاصرة أبي بكر ، فنزلت هذه الآية » (٣).
ومنها قوله تعالى : (هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) (٤).
وقد فسّر الطوسي كلمتي ( أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ) ، مشيراً إلى أنّ التأييد تمكين من الفعل على أتمّ ما يصح فيه ، فيقال : أيّده تأييداً وتّأيداً تّأيداً ، والأيد القوّة ،
__________________
١ ـ القرطبي : تفسير ١٠ / ٣٣.
٢ ـ الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٣.
٣ ـ أسباب النزول / ١٨٦ ، الحسكاني : شواهد ١ / ٤١٣.
٤ ـ الأنفال / ٦٢.
٢٠٤

والمعنى قوّاه بالنصر من عنده بالمؤمنين الذين ينصرونه على أعدائه (١).

وفي أسباب نزولها عدّة وجوه ، منها :

أوّلاً : روى ابن شهر آشوب عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهد في تفسير الآية : « أي : قوّاك بأمير المؤمنين عليه السلام وجعفر وحمزة وعقيل » (٢).

ثانياً : الصدوق عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قوله : ( مكتوب على العرش : أنا الله لا إله إلّا أنا ، وحدي لا شريك لي ، ومحمّد عبدي ورسولي ، أيّدته بعليّ فأنزل الله عجل الله تعالى( هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ) (٣) ، فكان النصر عليّ عليه السلام ودخل مع المؤمنين (٤).

وعلّق الطباطبائي على ذلك بقوله : « ولفظ الآية لا يساعد على ذلك ، اللّهمّ إلّا أن يكون المراد بالاتّباع تمام الاتّباع الذي لا يشذّ عنه شأن من الشؤون ، ومن للتبعيض دون البيان إن ساعد عليه السياق » (٥).

ثالثاً : أشار بعض المفسّرين من أنّها نزلت في الأنصار (٦).

وخلاصة الأمر ، أنّ الآية تتعلّق بالنصر والمؤمنين ، فلا أحد يشك في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أوّل من ناصره ودافع عنه ، وأوّل المؤمنين ، فلا ريب أنّها

__________________

١ ـ التبيان ٥ / ١٥١.

٢ ـ مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٤٢.

٣ ـ الأنفال / ٦٢.

٤ ـ الصدوق : الأمالي / ٢٨٤ ، وينظر الحسكاني : شواهد ١ / ٢٩٢ ، ابن البطريق : خصائص الوحي / ١٩٠.

٥ ـ الميزان ٩ / ١٣٢.

٦ ـ الطبري : تفسير ١٠ / ٤٦ ، النحاس : معاني ٣ / ١٦٨ ، السيوطي : الدر ٣ / ١٩٩.
٢٠٥
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:18 am

نزلت فيه وحده ، أو مع بقية المؤمنين ، ففي كلّ الأحوال إنّ الإمام عليّ عليه السلام مخصوص بذلك.

أمّا عن سند رواية ابن شهر آشوب : ففيه أبو معاوية الضرير ، هو محمّد ابن حازم التميمي الكوفي (١) ، فقد روى الحديث عن الأعمش ، وقيل : كان عنده رجل أعمى أحفظ من أبي معاوية للحديث (٢) ، وعدّه ابن حبّان مدلّساً (٣) ، وهو مضطرب الحديث في غير حديث الأعمش ، ولا يحفظ حفظاً جيّداً ، كما أنّه روى أحاديث منكرة (٤) ، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل بأنّه حفظ عن الأعمش ( ١٦٠٠ ) حديث وعندما مرض نسي منها ( ٤٠٠ ) حديث ، وحفظ ( ١٢٠٠ ) منها (٥) ، وقال ابن حنبل بأنّ عليّ بن مزهر أثبت من أبي معاوية الضرير (٦) ، وإذا سئل عن حديث الأعمش ، قال : صار حديثه في فمي علقماً أو أمرّ منه لكثرة تردده (٧) حيث سمع من الأعمش ( ٢٠٠٠ ) حديث وعندما مرض نسي ( ٦٠٠ ) منها (٨) ، ورغم ذلك ذكره العجلي في الثقات (٩).

والأعمش ، اسمه سليمان بن مهران مولى بني كاهل (١٠) ، فقد اتّهمه ابن

__________________

١ ـ الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٦٨٥.

٢ ـ ابن حنبل : العلل ١ / ٢٣٤.

٣ ـ مشاهير / ١٧٩ ، الثقات ٤ / ٣٠٢.

٤ ـ العلل ١ / ٣٧٩ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٧ / ٢٤٦ ، الباجي : التعديل والتجريح ٢ / ٦٨٥.

٥ ـ ابن معين : تاريخ ١ / ٢٧٦

٦ ـ ابن حنبل : العلل ١ / ٣٨٢.

٧ ـ ابن حنبل : العلل ١ / ٣٦٢.

٨ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٢٣٧.

٩ ـ معرفة الثقات ١ / ٤٣٢ وينظر الذهبي : تذكرة الحفاظ ٢ / ٥٢١.

١٠ ـ ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٤٢.


٢٠٦

قتيبة بالكذب (١) ، وقيل : إنّه شيعي مهمل (٢) ، وكان يحدّث عن الضعفاء (٣) ، وهو نفسه اعترف بأنّه نسي لأبي صالح شيخه ( ١٠٠٠ ) حديث (٤) ، ورغم ذلك فقد وثّقه ابن معين (٥) ، علماً بأنّه حفظ ( ٤٠٠٠ ) حديث ، وقيل : ربما غلط في حديثه (٦).
__________________
١ ـ تأويل مختلف الحديث / ١٣٨.
٢ ـ ابن داود : رجال / ١٠٦.
٣ ـ ابن معين : تاريخ ١ / ٢٦٧.
٤ ـ ابن عدي : الكامل ١ / ٦٣.
٥ ـ تاريخ / ٥٤.
٦ ـ ابن سعد : الطبقات ٦ / ٣٤٢.
٢٠٧
ورود اسم عقيل في الحديث النبوي
ورد اسمه في الحديث النبوي الشريف في مواقف مختلفة مع أناس ضحّوا في سبيل الدعوة ، بحيث جعل من رفقاء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الذين وهبهم الله له ، ومن ذلك :
الحديث الأوّل : ما رواه ابن عساكر بسند طويل انتهى إلى سفيان بن عيينة عن كثير النواء عن المسيب بن نجبة عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام : أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال : ( أعطي كلّ نبي سبعة رفقاء وأعطيت أنا أربعة عشر ) ، وقيل لعلي عليه السلام : من هم؟ فقال : ( أنا وابناي الحسن والحسين وحمزة وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير ) (١).
فالمعروف عن الإمام عليّ وابنيه عليهم السلام وعمّه وأخيه جعفر أنّهم قد أدّوا ما أدّوه في سبيل الإسلام ، أمّا عقيل ومن تبعه فما هي مواقفهم اتّجاه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى يضعهم في مقام أئمّة معصومين؟!
والأكثر من ذلك أنّ الرواية جمعت ما بين قاتل ومقتول! فالمعروف أنّ طلحة والزبير خرجا على أمير المؤمنين عليه السلام وقاتلاه في واقعة الجمل ، وحصل ما حصل.
ثمّ هل من الإنصاف أن يكون طلحة والزبير وغيرهم بمنزلة أمير المؤمنين
__________________
١ ـ تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٧ ، وللمزيد ينظر الحاكم : المستدرك ٣ / ١٩٩.
٢٠٨
وابنيه عليهم السلام وعمّه وأخيه الذين سالت دماؤهم في سبيل الإسلام.
وبمعنى آخر ، هل نضع على قدم المساواة من سالت كلّ دمائه مع من لم تجري منه قطرة في سبيل الإسلام ، فأين العدل؟!!
فلعلّ المراد بالأربعة عشر نجيباً الواردين في الحديث هم الاثنا عشر المعصومين عليهم السلام وحمزة وجعفر ، أمّا ما ذكر من أسماء فهي من حشو الرواة.
وقد نسج على منوال هذا الحديث صور أخر وأدخلت فيه أسماء كلّ من هبّ ودبّ!!
ـ الصورة الأولى : رواها ابن حنبل بسند فيه معاوية بن هشام عن سفيان عن سالم بن أبي حفصة قال : بلغني عن عبد الله بن مليل ، فغدوت إليه فوجدتهم في جنازة ، فحدّثني رجل عنه قال : « سمعت عليّاً عليه السلام يقول : ( أُعطي كلّ نبي سبعة نجباء وأُعطي نبيكم أربعة عشر نجيباً ، منهم أبو بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر ) » (١).
وعنه في رواية أخرى وبنفس السند قال : « سمعت عليّاً عليه السلام يقول : ( أُعطي كلّ نبي سبعة نجباء من أمّته ، وأُعطي ... منهم أبو بكر وعمر ) » (٢).
الملاحظ على الرواية أنّها لم تذكر من النفر المشار إليهم إلّا الخليفتين عمر وأبا بكر وغيرهم ، وهؤلاء لم يؤدّوا ولو شيئاً قليلاً قياساً بالذي أدّاه حمزة وجعفر وعلي عليه السلام في أحداث الدعوة ، فلماذا اقتصر ابن حنبل على ذكرهم من دون غيرهم ، ولم يذكر اسم الرجل الذي حدّث عن عبد الله بن مليل؟!
__________________
١ ـ المسند ١ / ١٤٩.
٢ ـ ابن حنبل : المسند ١ / ١٤٢.
٢٠٩
وقد أشكل الدارقطني على الحديث فذكره في علله قائلا : « هو حديث يرويه سالم بن أبي حفصة وكثير النواء عن عبد الله بن مليل ، واختلف عن كثير » (١).
ـ الصورة الثانية : روى ابن أبي عاصم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الفضل ابن دكين عن فطر بن خليفة عن كثير بياع النواء قال : « سمعت عبد الله بن مليل يقول سمعت عليّاً يقول : وقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( إنّه لم يكن نبي إلّا أُعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء ، وإنّي أُعطيتُ أربعة عشر حمزة وأبو بكر وعمر وعلي وجعفر والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وعمار بن ياسر والمقداد وسلمان ) » (٢).
ـ الصورة الثالثة : الطبراني بسند طويل انتهى إلى سفيان بن عيينة عن كثير النواء عن أبي إدريس عن المسيب بن نجبة قال : « قال عليّ عليه السلام : ( إنّ كلّ نبي أُعطي سبعة نجباء رفقاء وإنّا أُعطيتْ لنا أربعة عشر ) ، قلنا لعليّ : من هم؟ قال : ( أنا وابناي وجعفر وحمزة وأبو بكر وعمر ومصعب بن عمير وبلال وسلمان وعمار وعبد الله بن مسعود ) (٣). ولم يتمّ الأربعة عشر في هذا الحديث ، وإنّما ذكر اثني عشر فقط »!
ـ الصورة الرابعة : أورد البخاري الحديث مرتبكاً عن سعد أبي غيلان الشيباني سمع كثير النواء عن يحيى بن أم الطويل الثمالي عن عبد الله بن مليل قال : « قال عليّ عليه السلام : ( قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : أربعة عشر نجباء ) » (٤).
__________________
١ ـ العلل ٣ / ٢٦٢.
٢ ـ الآحاد ١ / ١٩. وينظر كتاب السنة / ٦٠٣ ، الخطيب البغدادي : تاريخ ١٢ / ٤٨٣ ، الحسكاني : شواهد ١ / ٤٨٩.
٣ ـ المعجم الكبير ٦ / ٢١٦.
٤ ـ التاريخ الكبير ٤ / ٦٣.
٢١٠
ـ الصورة الخامسة : ذكر الخوارزمي نفس حديث عبد الله بن مليل ، وأضاف إليه العبّاس بن عبد المطلب مع النجباء (١).
وخلاصة ذلك : إنّ في كلّ صور الحديث لم يرد اسم عقيل ، سوى رواية ابن عساكر ، والظاهر أنّ كلّ راو يضع ما يحلو له من الأسماء ، ولهذا اختلفت من رواية إلى أخرى!
وسند الحديث فمطعون فيه ، تكلّم عنه الهيثمي فقال : « وذكر فيهم في بعض طرقه مصعب بن عمير ، وفيه كثير النواء ، وثّقه ابن حبّان ، وضعّفه الجمهور وبقية رجاله ثقات (٢) ، واعتبره الحاكم حسن الإسناد (٣) ، وعلى قول الحاكم اعتراضات ، منها : أنّ كثير النواء فيه طعون ، وهو كثير بن إسماعيل ضعيف (٤) ، وفيه ذموم كثيرة (٥) ، وسمّي كثير النواء ؛ لأنّه يبيع نوى التمر الذي يستعمل علفاً للحيوان فاشتهر به » (٦).
وقد عدّه بعضهم من الشيعة ، مثل الذهبي بقوله : « شيعي جلد ... مفرط التشيّع » (٧). وعلى هذا الرأي اعتراض ، فهو لم يكن شيعياً ولم يحسب على الشيعة ، وما ذهب إليه الذهبي هو رأي خاطئ ، ينقصه أن يعرف من هم
__________________
١ ـ المناقب / ٢٨٩.
٢ ـ مجمع الزوائد ٩ / ١٥٧.
٣ ـ المستدرك ٣ / ١٩٩.
٤ ـ النسائي : الضعفاء / ٢٢٩ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٤٠٢ ، الثقفي : الغارات ٢ / ٢٨٨ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ١٦٠.
٥ ـ البحراني : الحدائق ١٣ / ٣٧٥.
٦ ـ الثقفي : الغارات ٢ / ٢٨٨.
٧ ـ ميزان الاعتدال ٣ / ٤٠٢ ، وينظر المباركفوري : تحفة الأحوذي ١٠ / ١٦.
٢١١
الشيعة؟! ولنا عتب معه ؛ لأنّه يرمي كلّ مذموم على طائفة الشيعة ، فإذا كان شيعياً فقد ذمّه الإمام الصادق عليه السلام! وهذا ما رواه الطوسي عن أبي بصير قوله : « ذكر أبو عبد الله عليه السلام كثير النواء ، وسالم بن أبي حفصة ... فقال : ( كذّابون مكذّبون؟ كفّار عليهم لعنة الله ) قال : قلت : جعلت فداك كذّابون قد عرفناها فما معنى مكذّبون؟ قال : ( كذّابون يأتوننا فيخبرونا أنّهم يصدّقونا وليسوا كذلك ، ويسمعون حديثنا فيكذبون به ) » (١) ، وعن الإمام عليه السلام أيضاً قال : ( اللّهمّ إنّي إليك من كثير النواء بريء في الدنيا والآخرة ) (٢) ، وعن حنان بن سدير قال : « كنت عند أبي عبد الله أنا وجماعة من أصحابنا ، فقد ذكر كثير النواء ، قال : وبلغه عنه أنّه ذكره بشيء ، فقال لنا أبو عبد الله : ( أما إنّكم إنْ سألتم عنه وجدتموه لغية ) » (٣).
وفي الحديث سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي ، أبو محمّد مولى لبني عبد الله بن رويبة من بني هلال بن عامر بن صعصعة (٤) ، كان جده أبا عمران عاملاً من عمّال خالد القسري (٥) ، ذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام بأنّه كوفي مكي أعور من كبار علماء وفقهاء ومحدّثي العامّة ، ويعدّونه من ثقاتهم ، ويقولون : تغيّر حفظه في أواخر أيامه ، وربما دلّس ، وكان حافظاً ومفسّراً (٦) ؛ أمّا عن تدليسه فقال عنه الذهبي : إنّه يدلّس عن الثقات ، ويخطئ في نحو عشرين حديثاً عن الزهري ، واختلط سنة ١٩٧ هـ
__________________
١ ـ الرجال ٢ / ٢٩٦.
٢ ـ الطوسي : الرجال ٢ / ٥١٠.
٣ ـ ابن إدريس الحلّي : مستطرفات / ٥٦٦.
٤ ـ ابن سعد : الطبقات ٥ / ٤٩٧ ، الطوسي : الرجال / ٢٢٠.
٥ ـ النجاشي : الرجال / ١٩٠ ، ابن داود : الرجال / ١٠٤.
٦ ـ أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ٢ / ٥٤.
٢١٢
فمن سمع منه في تلك السنة فلا شيء (١) ، وحاول سبط ابن العجمي أن يحفظ مكانته مشيراً إلى تدليسه بأنّه لا يدلّس إلّا عن الثقات ، وكان أئمّة الحديث يقبلوا ذلك منه (٢) ؛ وذكره ابن حنبل في علله (٣) ، والترمذي ناقلاً عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : « ألا تعجبون من سفيان بن عيينة لقد تركت جابر الجعفي لقبوله لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ، ثمّ هو يحدّث عنه » (٤) ؛ وكان يحفظ سبعة آلاف حديث ، ولم يكن له كتب (٥) ، وربما هذا سبب أخطائه فمن لديه هذا الكم الهائل من الأحاديث لابدّ أن يخطئ أو يخلط بينها ، وقد يكون ذلك سبباً في ترك حديثه (٦) ، ورغم ذلك وثّقه ابن سعد وجعله ثبتاً حجّة ، توفّي عن عمر ٩١ سنة (٧) ، ولكبر السنّ أثره في إرباك حديثه.
والمسيب بن نجبة بن رباح بن عوف ، شهد القادسية والمشاهد كلّها مع أمير المؤمنين عليه السلام ، واستشهد يوم عين الوردة (٨) مع التوّابين الذين تابوا من خذلان الإمام الحسين عليه السلام ، فبعث برأسه إلى مروان بن الحكم فنصبه بدمشق (٩) ، من التابعين الكبار ورأسهم وزهّادهم الذين أفناهم الحرب (١٠) ، ذكره الطوسي
__________________
١ ـ ميزان الاعتدال ٢ / ١٧٠.
٢ ـ التبيين لأسماء المدلّسين / ٢٧.
٣ ـ علل ١ / ٤٠.
٤ ـ العلل / ٤١١.
٥ ـ العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤١٧.
٦ ـ السقاف : تناقضات ١ / ٥٨.
٧ ـ الطبقات ٥ / ٤٩٨.
٨ ـ وهي ناحية قرقيسيا ، موضع في الجزيرة العربية ، شهد مذبحة الأمويين لأنصار الإمام الحسين عليه السلام بعد استشهاده ، حيث خرجوا للمطالبة بالثأر للإمام سنة ٦٥ هـ ، فتمّت تصفيتهم. ( ابن سعد : الطبقات ٤ / ٢٩٣ ، اليعقوبي : تاريخ٢ / ٢٥٧ ياقوت الحموي : معجم ٤ / ١٧٩ ).
٩ ـ ابن سعد : الطبقات ٦ / ٢١٦.
١٠ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ١٩ / ١٨٠.
٢١٣
في رجاله (١) ، وابن حبّان في الثقات (٢) ، وغير هذا لم نجد ما يدلّ على تجريحه.
وقد وجدنا الضعف والركاكة ، بل نكران الحديث وغرابته في المنشأ وهو عبد الله بن مليل ، وهو مجهول (٣) ـ وقد اجتهدنا في البحث لعلّنا نجد ما يدلّ على توثيقه أو تجريحه فلم يتسن لنا ذلك ـ ، والفضل بن دكين غير مطعون فيه (٤).
الحديث الثاني : قيل : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والعبّاس وعقيل : ( أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ).
قال الصدوق : ذكر عقيل وعبّاس غريب في هذا الحديث لم أسمعه إلّا من محمّد بن عمر الجعابي (٥). وعلّق السيّد الخوئي على الحديث بأنّ فيه عبد الله بن محمّد الرازي ، وهو مجهول فلا اعتماد على روايته (٦).
وهذه لم تكن الرواية الغريبة التي رواها الصدوق ، فقد روى عن سلمان المحمّدي رضي الله عنه : أنّه رأى سبعة نفر يمشون وتظلّهم غمامة ، حتّى أقبلوا عليه وهي تظلّهم ، فإذا هم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام وأبو ذر والمقداد وعقيل وحمزة وزيد بن حارثة (٧). وقد ذكر في حاشية المصدر نفسه الذي نقل الخبر
__________________
١ ـ الرجال / ٩٦.
٢ ـ الثقات ٥ / ٤٣٧.
٣ ـ الكوفي : مناقب أمير المؤمنين ٢ / ٥٣٣ ، هامش (٢) للمحقق محمّد باقر المحمودي.
٤ ـ ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٥ ـ عيون أخبار الرضا ٢ / ٥٩.
٦ ـ معجم رجال الحديث ١٠ / ٢٥٤.
٧ ـ إكمال الدين / ١٦٤ ينظر الفتّال : روضة الواعظين / ٢٧٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٩ ، الراوندي : الخرائج ٣ / ١٠٨١ ، المجلسي : البحار ٢٢ / ٣٥٨ ، علي خان : الدرجات الرفيعة / ٢٠٣ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٣ / ٣٥٩.
٢١٤
تعقيباً مفاده : أنّ الرواية وهم ؛ لأنّ إسلام عقيل قبل الحديبية ، وهو لم يشهد المواقف التي قبلها ، وقد أسر مع المشركين في بدر ، وكان حمزة استشهد يوم أحد ، وإسلام سلمان كان بقباء حين قدوم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مهاجراً ، فإن لم تقبل ذلك فلا أقل من حضوره في غزوة الأحزاب ، فإنّ المسلمين حفروا الخندق بمشورته ، فكيف يجمع بين حمزة وعقيل مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قبل إسلام سلمان ، ولعل عقيل تصحيف ، علماً أنّ الأمر في الخبر سهل ؛ لأنّه مرسل ، وهو يشبه القصص والأساطير (١) ؛ وما يضعف الرواية أنّها وردت من دون سند.
الحديث الثالث : روي أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال : ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقرابتي ، قال : آل عقيل وآل جعفر وآل العبّاس ) (٢).
وعن هذا الحديث ، فهناك ما هو أصحّ منه ، من أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام : ( أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ) (٣).
خلاصة ما عرضناه من أدلّة : لم يظهر من خلال مناقشتها أنّه متأخّر الإسلام ، ولا هناك ما يفيد إسلامه المبكر ، سوى رواية حضوره في زواج الإمام من الزهراءJ ، وهذا إن صحّ يترتب عليه أثر ، أي : يترتب عليه هجرة إلى المدينة.
فضلاً عن ذلك أنّه من أسرة مسلمة ، فأبوه كمؤمن آل فرعون وحامي الدعوة ، وأمّه هي من ربّت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وأخوه أمير المؤمنين عليه السلام أوّل الناس إسلاماً وإيماناً ، وجعفر من وصل جناح النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في الصلاة ، فإذا كانت نشأته
__________________
١ ـ الصدوق : إكمال الدين / ١٦٤ ( حاشية المحقّق ).
٢ ـ ابن طاووس : الطرائف ١ / ١١٦.
٣ ـ ابن حنبل : مسند ٢ / ٤٤٢ ، المفيد : الاعتقادات / ١٠٥ ، الطوسي : الأمالي / ٣٣٦ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ٣ / ١٨.
٢١٥
وتربيته وسط هذه الأجواء ، فلماذا أسلم متأخّراً؟!
إذن هو أسلم بإسلام أمّه وأبيه وإخوته!
وإذا كان ثمّة من يعترض على هذا الرأي ، ويقول : إنّه حضر بدر مع المشركين وأُسر فيها ، وأسلم بعد الأسر.
نقول : إنّه لم يحضر فيها ، ولا في كلّ الحروب ، ولم يشارك فيها لعلّة ما!
وإذا كان بزعم بعضهم أسلم بعد بدر بدليل مشاركته فيها.
فليعلموا أنّه لم يشارك المسلمين حروبهم مع المشركين حتّى بعد إسلامه ، وما ذكر من حضوره في مؤتة وحنين وغيرها فهذا افتراء لم يكن قائماً على أساس قوي ، حيث تهاوت هذه الروايات ، وخرّت على عروشها أمام النقد العلمي الصحيح.
٢١٦
الفصل الرابع :
موقفه من معارك المسلمين

٢١٧

٢١٨

موقفه من معارك المسلمين
معركة بدر
روي أنّه اشترك في بدر مع المشركين وأسّر مع العبّاس بن عبد المطلب ، وأسلموا بعد الأسر (١) ، ونسبت وصية للرسول صلى الله عليه و آله و سلم أوصى فيها بالحفاظ على أرواح بني هاشم الذين خرجوا لقتال المسلمين ؛ لأنّهم أُخرجوا كارهين ، وهذه الوصية في عدّة صور ، منها :
١ ـ رواية القاضي نعمان : عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله : ( لمّا أن كانت ليلة بدر أصابنا وعك من حمّى ، وشيء من مطر ، فافترق الناس يستترون تحت الشجر ، فنظرت إليهم من الليل ، فلم أر غير رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فلم يزل قائماً يصلّي والناس نيام حتّى انفجر الصبح ، فصاح الصلاة عباد الله ، فأقبل الناس إليه من تحت الشجر ، فصلّى بهم ، فلمّا انفتل أقبل عليهم فذكر فضل الجهاد ورغّبهم فيه ، ثمّ قال لهم : ( إنّ بني عبد المطلب قوم أخرجوا كرهاً ولم يريدوا قتالكم ، فمن لقي منكم أحداً فلا يقتله إن قدر عليه وليأسره ، وليأت به أسيراً ) قال : فلمّا انهزم القوم ، وقتل من قتل ، وأُسر من أُسر منهم ، نظرت فإذا عقيل في الأسرى ، مشدودة يده إلى عنقه بنسعة (٢) ، فصددت عنه ، فصاح بي : يا عليّ يا بن أم ، أما والله لقد رأيت مكاني ، ولكنك عمداً تصدّ عنّي
__________________
١ ـ الطبرسي : إعلام الورى / ٧٦.
٢ ـ حبل من الجلود مظفور. السيوطي : الديباج ٤ / ٢٨٣.
٢١٩
قال عليّ عليه السلام : فلم أجبه بشيء ، وأتيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقلت : يا رسول الله هل لك في أبي يزيد ... فقال صلى الله عليه و آله و سلم : ( انطلق بنا إليه ) ، فمضينا نمشي نحوه ، فلمّا رآنا قال : يا رسول الله إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم ، وإلّا فأدركوه ما دام القوم يحدثان قرحتهم ، فقال : رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( بل قتله الله يا عقيل ) (١).
المتمعّن في الرواية يجد أنّها وردت من دون سلسلة سند! فقد نقلها القاضي نعمان ت ٣٦٣ هـ مباشرة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وإنّ الوصية لم تصرّح بأسماء بني عبد المطلب الذين أُخرجوا للقتال كرهاً؛ وإذا صحّت الوصية ، وكان عقيل من ضمن المشمولين في الوصية فلماذا أدار الإمام عليه السلام وجهه عن عقيل؟!
وهناك تناقض في الرواية ، بما أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بالحفاظ على أرواح بني عبد المطلب ، وأعلمَ قومه أنّهم أُخرجوا كارهين لقتالهم ، فلماذا يوصي بأسرهم؟! أليس من الأجدر أن يوصي بعدم التعرّض لهم لأنّهم مسلمين؟!
وعن موقف الإمام عليّ عليه السلام ، لماذا يصدّ بوجهه عن أخيه وهو الناقل لوصية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟ فما معنى الصدود؟ ألم يظهر من ذلك أنّ عقيلاً كان كافراً في هذه الأثناء؟ وإذا كان مسلماً فلماذا يصدّ عنه؟!
وإذا صحّت الوصية ، فلماذا أخذ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم الفدية عن أسرى بني عبد المطلب ـ كما سنوضحه لاحقاً ـ؟!
وقد اختلفت هذه الرواية عن ثانية تالية.
٢ ـ رواية ابن سعد : نقلها ... عن ابن إسحاق حدّثني العبّاس بن عبد الله بن
__________________
١ ـ شرح الأخبار ٣ / ٢٣٩ ، ينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.

٢٢٠
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:21 am

معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس : « أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال لأصحابه يوم بدر : ( إنّي عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم من بني هاشم فلا يقتله ، من لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فلا يقتله ، فإنّما خرج مستكرهاً ) ، قال : فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العبّاس ، والله لئن لقيته لألحمنّه السيف ، قال : فبلغت مقالته الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقال لعمر بن الخطاب : ( يا أبا حفص ) ، قال عمر : والله إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بأبي حفص ( أيضرب عمّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالسيف ) ، فقال عمر : دعني لأضرب عنق أبي حذيفة بالسيف ، فوالله لقد نافق ، قال : وندم أبو حذيفة على مقالته فكان يقول والله : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفاً إلّا أن يكفّرها الله عزّ وجلّ عنّي بالشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيداً » (١).

الملاحظ على الرواية ، أنّ الوصية شملت رجالاً من بني هاشم وليس بني عبد المطلب كما أشارت إليه الرواية السابقة ، وخصّت منهم العبّاس ، ولم يطرأ لعقيل ذكرٌ ، على العكس من سابقتها التي وصفته بأنّه مربوط بحبل.

أمّا عن قول أبي حذيفة ، فمن حقّه أن يعترض على قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إنْ صح ، فلقد قتل أبوه وأخوه وعمّه في بدر مع المشركين وهو مع المسلمين ، ولا يقتل المشركين من بني هاشم! علماً أنّ وصية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لم تقل انّهم مسلمون ، بل قالت : ( رجالاً من بني هاشم وغيرهم أخرجوا كرهاً ) ، فلم يثبت إسلامهم حتّى يوصي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فيهم.

فضلاً عن ذلك لم نعرف المقصود برجالات من بني هاشم؛ أمّا كلمة

__________________

١ ـ الطبقات ٤ / ١٠.


٢٢١

( غيرهم ) فبقيت مبهمة وغير معروف المقصود منها ، فيا ترى من هم المنصوص عليهم؟
أمّا عن موقف عمر عندما أراد ضرب أبي حذيفة ، هل هذه شجاعة منه؟ أي : هل أنّه أراد أن يبرز بطولته في حضرة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في دم مسلم لمجرد أنّه تفوّه بكلام؟ وقد تكرر هذا الموقف من عمر في أكثر من مرّة! خاصّة عندما أشار على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بقتل الأسرى ـ كما سنوضّحه ـ ، وفي موقف سابق أراد أن يضرب عنق رجل لم يصلّ مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فهل يريد أن يجرّب سيفه؟! فالأجدر به أن يدّخر ذلك إلى يوم فرّ أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عنه في أحد وحنين ...!! علماً أنّ التاريخ لم يسجل لعمر أيّ موقف بطولي في ميادين الوغى ، فهاتيك سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم اقرأها واطّلع على تاريخ الرجل ، فما هذه الشجاعة مع رجل مات فيما بعد قتيلاً في اليمامة؟!
٣ ـ رواية ابن هشام : عن محمّد بن إسحاق قال : حدّثني العبّاس بن عبد الله ابن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس : « إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال لأصحابه يومئذ : ( إنّي قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، من لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد (١) فلا يقتله ، ومن لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فلا يقتله ، فإنّه إنمّا أُخرج مستكرهاً ) قال : فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العبّاس ، والله لئن لقيته
__________________
١ ـ لقد بحثت عنه فلم أجد له ترجمة وافية ، وكلّ الذي وجدته ، ولدين له أحدهما الأسود والآخر المطلب ، وقيل : هو أحد الداخلين في دار الندوة مع إبليس للنظر في أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم. ( ابن سعد : الطبقات ٥ / ١٧٨ ، ٢٤٤ ، الحسكاني : شواهد١ / ٢٧٩ ).
٢٢٢
لألحمنّه السيف ، قال : فبلغت مقالته الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقال لعمر بن الخطاب : ( يا أبا حفص ) ، قال عمر : والله إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بأبي حفص ، ( أيضرب عمّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالسيف؟ ) فقال عمر : دعني لأضرب عنق أبي حذيفة بالسيف فوالله لقد نافق ، قال : وندم أبو حذيفة على مقالته فكان يقول : والله ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ ، ولا أزال منها خائفاً إلّا أن يكفّرها الله عزّ وجلّ عنّي بالشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيداً » (١).
الملاحظ على روايتي ابن سعد وابن هشام أنّ أصلهما واحد وفروعهما مختلفة ، فقد أشارت رواية ابن سعد إلى الحفاظ على العبّاس فقط ؛ لأنّه أخرج مستكرهاً ، في حين أشرك معه أبو البختري في رواية ابن هشام الذي أشار إلى سبب الحفاظ على روح العبّاس بسبب إكراهه على الخروج ولم يشر إلى ذلك السبب مع أبي البختري ، أي : لماذا الحفاظ عليه؟ وفي رواية ابن هشام كان اعتراض أبي حذيفة على العبّاس فقط من دون أن يعترض على أبي البختري ، فإذا نصّت الوصية ـ إن صحّت ـ على هؤلاء الاثنين لاعترض أبو حذيفة على كليهما؟!
ومن ذلك يتّضح أنّ الوصية ملفّقة ، فأدخل أسماءهم زوراً وبهتاناً ، ولم يرد فيها ذكر عقيل!!
وقد علّق ابن حجر على الرواية بأنّ فيها من لم يسمّ عن ابن عبّاس ، وأنّ المراد من كلمة ( غيرهم ) هو أبو البختري ، الذي قتله أبو اليسر ، وقيل : المجذر (٢).
__________________
١ ـ السيرة النبوية ٢ / ٤٥٩ ، وينظر الطبري تاريخ ٢ / ١٥١ ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٨٣ ، ابن كثير : البداية ٣ / ٣٤٨.
٢ ـ الإصابة ٥ / ٥٧٣.
٢٢٣
أمّا عن سند الرواية ، فمطعون فيه من جهة ابن إسحاق ، إضافة إلى ذلك أنّها مقطوعة السند في العبّاس بن عبد الله بن معبد الذي رواها عن بعض أهله ، وكلّ الذي عرفنا عنه أنّه من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (١) ، وذكره الطوسي في الرجال (٢) ، أي : أنّه رواها عن مجهول. وقد حاولنا معرفة موقف علماء الجرح والتعديل منه فلم نوفّق ، ولم نعثر على شيء من ذلك.
وقد أشكل ابن كثير على هذا السند ( ابن إسحاق عن العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله ، عن ابن عبّاس ) في رواية تخصّ إسلام أبي طالب بن عبد المطلب فقال : « وقد استدلّ بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أنّ أبا طالب مات مسلماً بقول العبّاس في هذا الحديث : يا بن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها ... والجواب عن هذا من وجوه ، أحدها : إنّ في السند مبهماً لا يعرف حاله وهو عن بعض أهله ، وهذا إبهام في الاسم والحال ، ومثله يتوقّف فيه لو انفرد » (٣). لكنه لم يجانب الحق والحقيقة ولم يعترض على السند نفسه ، الذي ورد في وصية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم المراد منها الحفاظ على روح العبّاس (٤)! وقد كشف عن نفسه وعن بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام عندما ذهب إلى تكفير أبيه ، ومحبّته وولائه لآل العبّاس عندما حاول تبرئة جدّهم العبّاس من ذلك.
٤ ـ رواية ابن أبي عاصم : وقد اختصر الوصية بكلام موجز لم يذكر فيها التفاصيل السالفة ، ونصّت بالحفاظ على العبّاس بن عبد المطلب من دون عقيل الذي لم يطرأ اسمه فيها! فقد نقل رواية ابن إسحاق عن العبّاس بن معبد عن
__________________
١ ـ التفرشي : نقد الرجال ٣ / ٢١ ، الشبستري : الفائق ٢ / ١٨٩.
٢ ـ الطوسي : الرجال / ٢٤٨.
٣ ـ السيرة النبوية ٢ / ١٢٣.
٤ ـ ابن كثير : البداية ٣ / ٣٤٨ ، تفسير ٢ / ٣٣٩.
٢٢٤
بعض أهله عن ابن عبّاس قوله : « إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال يوم بدر : ( من لقي العبّاس فليكفّ عنه فإنّه خرج مستكرهاً ) » (١).
خلاصة كلّ ذلك ، أنّ عقيلاً لم يكن له أيّ ذكر في الوصية ، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنمّا يدلّ على أنّ الوصية من موضوعات بني العبّاس ، وأنّ عقيلاً غير موجود في المعركة مع المشركين.
فأجاب السيّد طاهر الخطيب بقوله : « ... أعتقد أنّ الغاية من إكراه بني هاشم وإخراجهم من قبل قريش إلى بدر كان من طريق أن يكون حافزاً لغيرهم من قريش ؛ لأنّ قريشاً إذا نظرت إلى بني هاشم وهم عشيرة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وأقرب الناس إليه يخرجون لحربه ويقفون ضدّ دعوته فقريش أولى بالخروج والحرب ؛ لأنّه الخصم لهم في العقيدة ، والرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان عالماً بخروجهم من ديارهم بالإكراه ، فأصدر أمراً يقضي بعدم قتل بني هاشم » (٢).
الغريب! أنّ الروايات تتحدّث عن إكراه بني هاشم ، وعندما نريد معرفتهم لم نجد أحداً ، سوى العبّاس فقط! أمّا عقيل فلم يكن حاضراً في المعركة ، ونوفل بحاجة إلى دراسة حتّى نقف على حقيقة أمره ، وهؤلاء من بني عبد المطلب.
وفي رواية : أنّ قريشاً أشاعت وأذاعت بأنّ من لم يخرج للمعركة نهدم داره ، فخرج عقيل والعبّاس ونوفل وهم كارهون (٣).
__________________
١ ـ الآحاد ١ / ٢٦٨.
٢ ـ عقيل بن أبي طالب / ٥٨.
٣ ـ أبو حمزة الثمالي : تفسير / ١٨١ ، الطوسي : التبيان ٤ / ٤٣١ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٢٧١ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ٢٤.
٢٢٥
وهذه رواية مرفوضة! فإذا كانوا مكرهين لِمَ أخذت منهم الفدية حسب زعم الروايات؟!
وروى ابن حنبل عن حجاج عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن الإمام عليّ عليه السلام قال : ( لمّا قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك ، وكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يتخبّر عن بدر ، فلمّا بلغنا أنّ المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى بدر ـ وبدر بئر ـ فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم ، رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط ، فأمّا القرشي فانفلت ، وأمّا مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له : كم القوم؟ فيقول : هم والله كثيرٌ عددهم شديدٌ بأسهم ، فجهد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يخبره كم هم فأبى ، ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سأله كم ينحرون من الجزر؟ فقال : عشراً في كلّ يوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( القوم ألف ، كلّ جزور لمائة وتبعها ).
ثمّ إنّه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يدعوا ربّه عزّ وجل ويقول : ( اللّهمّ إنّك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد ).
قال : فلمّا أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وحرّض على القتال ، ثمّ قال : ( إنّ جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء (١) من الجبل ) فلمّا دنا القوم منّا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( يا عليّ ناد لي حمزة ) وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم ، ثمّ قال رسول
__________________
١ ـ الضلع جبل مستطيل من الأرض ليس بمرتفع في السماء ، وفي حديث ان ضلع قريش عند هذه الضلع الحمراء أي ميلهم ، والضلع الجزيرة في البحر ، والضلع الميل ، ضلع عن الشيء مال عنه. ( ابن منظور : لسان ٨ / ٢٢٧ ).
٢٢٦
الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر ، فجاء حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم : يا قوم إنّي أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير ، يا قوم أعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، وقد علمتم أنّي ليس بأجبنكم.
فسمع ذلك أبو جهل فقال : أنت تقول هذا ، والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعباً ، فقال عتبة : إياي تعير يا مصفر أسته؟! ستعلم اليوم أينا الجبان.
قال : فبرز عتبة وأخيه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا : من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار ستة ، فقال عتبة : لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمّنا من بني عبد المطلب ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم : ( قم يا عليّ وقم يا حمزة وقم يا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ) ، فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة وأسرنا سبعين ، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعبّاس بن عبد المطلب أسيراً ، فقال العبّاس : يا رسول الله إنّ هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال اسكت لقد أيّدك الله تعالى بملك كريم ، فقال عليّ عليه السلام : فأسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العبّاس وعقيلاً ونوفل بن الحارث ) » (١).
الملاحظ على الرواية ، أنّ سندها مطعون فيه من جهة أبي إسحاق السبيعي (٢) ، هو المسؤول عن وضع سند الرواية ، فاختلق شخصية حارثة بن
__________________
١ ـ المسند ، مسند العشرة / ٩٠٤ ، وينظر ابن كثير : البداية ٣ / ٣٣٩ ، السيرة ٢ / ٤٢٣ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٠ / ٣٥٩.
٢ ـ ينظر مبحث نشأته وتربيته ( الفصل الأوّل ).
٢٢٧
مضرب ، وجعل منها حلقة وصل بينه وبين الإمام عليّ عليه السلام ، خشية أن يروي الحديث مرسلاً عن الإمام عليه السلام ، فهذا الرجل لم يرو عنه غير السبيعي (١) ، ذكره النووي أنّه حارثة بن مضرب العبدي الكوفي ، وهو ثقة من الطبقة الثانية ، وغلط من نقل عن المديني أنّه تركه حسب ما روي عن ابن حجر (٢) ، وثّقه ابن معين (٣) ، وقيل : حسن الحديث (٤) ، سمع عمر والإمام عليّ عليه السلام ، روى عنه أبو إسحاق ، ويقال : أنّ الشعبي روى عنه ، وهذا غير صحيح (٥) ، تركه ابن المديني (٦).
تجدر الإشارة هنا ، أنّ الرواية لم يكن لها أصول تاريخية أخرى فقد انفرد بها ابن حنبل ، وإنّها وردت عند أبي داود (٧).
أمّا عن متن الرواية ، فأصلها واحد وفروعها مختلفة ، فالرواية منقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام لكنها اختلفت تبعاً للنقلة لها ، ففي رواية القاضي نعمان المشار إليها سابقا أنّه صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بالحفاظ على بني هاشم ، في حين لم يرد ذلك في هذه الرواية! وذكر القاضي نعمان قصّة أسر عقيل ، في حين لم يرد ذلك في هذه الرواية ، وأنّ المأسور هنا هو العبّاس! أمّا عقيل فقد حشر اسمه حشراً في الرواية ، فهو لم يحضر المعركة إطلاقاً ، وأنّ وضّاع الروايات حشروه زوراً وعدواناً.
__________________
١ ـ ابن حنبل : العلل ٣ / ٣٣ ، ابن حبّان : الثقات ٤ / ١٨١ ، ابن حجر : تهذيب التهذيب ٢ / ١٤٥.
٢ ـ المجموع ١٤ / ٤٢.
٣ ـ تاريخ / ٩١ ، العجلي : معرفة الثقات ١ / ٢٨٠ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٣٨١.
٤ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٢٥٥.
٥ ـ البخاري : التاريخ الكبير٣ / ٩٤.
٦ ـ الذهبي : ميزان الاعتدال ١ / ٤٤٦.
٧ ـ المسند ، باب الجهاد / ٢٢٩١.
٢٢٨
كما ورد في رواية ابن حنبل تفصيلات كثيرة لم ترد في الرواية السابقة ، ومن هذه التفصيلات : قضية أسر اثنين من المشركين ، ومحاولة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم معرفة عدد جيوش المشركين ، واستشفّ عددهم من خلال ما ينحرون يومياً ، وقد دلّت هذه الحادثة على المقدرة العسكرية العالية للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، في حين ورد في رواية أخرى عدم مقدرته العسكرية إلى الحدّ الذي لم يعرف كيف يتصرّف بالأسرى فأشار عليه فلان وفلان!! ـ كما سنوضّحه ـ علماً أنّ الرواية لم تسمّ الشخصين الذين أسرا أحدهما قرشي والثاني مولى لعقبة بن أبي معيط.
وقد حاول صاحب الرواية إعطاء عتبة دور الكاره لقتال المسلمين ، فإن مرّ ذلك على السذج البسطاء كي يغيّروا نظرتهم عن الرجل ، فالله سبحانه حاكم عادل ، يعلم ما في الأرحام وما تخفي الصدور ، وهو العالم بنيّة عتبة ، فإذا كان كذلك ـ أي : أنّه كاره للحرب ـ فلماذا هو في طليعة القوم المشركين مثلما كان حمزة في طليعة القوم المؤمنين؟ ولماذا هو من طلب مبارزة فرسان بني هاشم إن كان كارهاً لقتالهم؟
وقد أورد أحمد بن حنبل رواية أخرى : عن أبي نوح قراد عن عكرمة بن عمار عن سماك الحنفي أبي زميل عن ابن عبّاس عن عمر قال : « لمّا كان يوم بدر ... نظر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيّف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم القبلة ، ثمّ مدّ يده وعليه رداؤه وإزاره ، ثمّ قال : ( اللّهمّ أين ما وعدتني ، اللّهمّ أنجز ما وعدتني ، اللّهمّ إنْ تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً ) قال : فما زال يستغيث ربّه ويدعوه حتّى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فرداه ، ثمّ التزمه من ورائه ، ثمّ قال : يا نبي الله كفاك مناشدة ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك ، وأنزل الله
٢٢٩
تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (١) ، فلمّا كان يومئذ والتقوا ، فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أبا بكر وعليّاً وعمر ، فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فأنا أرى أن تأخذ منهم الفداء ، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار ، وعسى الله عزّ وجل أن يهديهم فيكونون لنا عضداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما ترى يا بن الخطاب؟ فقال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أري أن تمكّني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر : غدوت إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء ، ولقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ...) إلى قوله : (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٢) من الفداء ، ثمّ أحلّ لهم الغنائم ، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون ، وفرّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكسرت رباعيته ، وهشّمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، فأنزل
__________________
١ ـ الأنفال / ٩.
٢ ـ الأنفال / ٦٧ ـ ٦٨.
٢٣٠
الله : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا [ إلى قوله ] : [ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) بأخذكم الفداء » (٢).
ويسجّل على هذه الرواية بعض الملاحظات :
منها : أنّ في سندها أبا نوح قراد ، وهو عبد الرحمن بن غزوان الحراني (٣) ، مولى نصر بن مالك الخزاعي ، بغدادي ، قال عنه ابن معين : ليس به بأس ، صالح الحديث ، وقيل : صدوق (٤) ، وقيل : يحفظ وله مناكير ، وثّقه ابن المديني ، توفّي سنة ٢٠٧ هـ (٥). ومن مناكيره ما أورده الأميني في موضع التعرّض لحديث غريب رواه فذكر عن عبّاس الدوري قوله : « ليس في الدنيا أحد يحدّث بهذا الحديث ـ ليس الحديث الذي نحن بصدده ـ غير قراد ... وقد سمعه يحيى منه وأحمد لغرابته وانفراده » (٦) ووصفه أحمد أنّه رجلٌ عاقلٌ (٧).
وأمّا عكرمة بن عمار ، فمختلف في الاحتجاج به (٨) ، وقد ضعّفه ابن حزم فقال : « ... ضعيف روينا من طريقه خبراً موضوعاً ليس فيه أحد يتهم غيره » (٩) ، وفي موضع آخر قال : « ضعيف فلا حجّة فيه » (١٠) ، و « ضعيف جدّاً » (١١) ، « منكر
__________________
١ ـ آل عمران / ١٦٥.
٢ ـ أحمد بن حنبل : المسند ، مسند العشرة / ٢١٦ ، ينظر مسلم : الصحيح ، الجهاد والسير / ٣٣٠٩ ، أبو داود : سنن ، الجهاد / ٢٣١٥ ، الترمذي : سنن ، تفسير / ٣٠٠٦ ، الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٩ ، تفسير ١٠ / ٥٧.
٣ ـ العظيم آبادي : عون المعبود ٢ / ٣٣٤.
٤ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ٢٧٤.
٥ ـ الذهبي : الكاشف في معرفة من له رواية ١ / ٦٣٩.
٦ ـ الغدير ٧ / ٢٧٥.
٧ ـ ابن المبرد : بحر الدم / ٩٧.
٨ ـ النووي : المجموع ٤ / ٣٦٠.
٩ ـ المحلّى ٧ / ٤٠٨.
١٠ ـ المحلّى ٩ / ٢٥٢.
١١ ـ المحلّى ١١ / ١٢٩.
٢٣١

الحديث جدّاً روينا من طريقه حديثاً موضوعاً مكذوباً » (١) ، وظهر كذب رواية عكرمة ... ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أنّ عكرمة ... وضعه أو أخذ عن كذّاب وضعه فدلّسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة لروايته (٢) ، وأبو داود مضطرب الحديث (٣) ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ، وقيل : ثقة (٤) ، وثّقه ابن معين (٥) ، وقال : « كان أميّاً وحافظاً » (٦) ، توفّي سنة ١٥٩ أو ١٦٠ هـ (٧) ، وأشار إليه الألباني بقوله : « والحقّ أنّ عكرمة هذا حسن الحديث لولا أنّ حديثه هذا منقطع » (٨) ، وأورده الذهبي في الضعفاء (٩) ، وقال : « الحديث ضعيف ، لا يصحّ إسناده ، وله علّتان ، الأولى : أنّه من رواية عكرمة ... عن يحيى بن أبي كثير ، وقد طعن العلماء في رواية عكرمة عن يحيى خاصّة ، وقال أبو داود : في حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ، وقيل : صدوق يغلط » (١٠). وذكره السقاف ، فقال : « ... ساق له مسلم حديثاً منكراً ، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عبّاس ، وقد حكم عليه بالوضع ، قلت : هو حكم صحيح لا غبار عليه » (١١).

__________________

١ ـ ابن حزم : الأحكام ٦ / ٧٦٤.

٢ ـ ابن حزم : الأحكام ٦ / ٧٦٥.

٣ ـ سؤالات ٢ / ٣٨.

٤ ـ سؤالات ١ / ٣٧٨.

٥ ـ تاريخ ٢ / ١٠٠.

٦ ـ ابن معين : تاريخ ٢ / ٢٠٨.

٧ ـ ابن خياط : طبقات / ٥٢٦.

٨ ـ إرواء الغليل ٣ / ٢٧.

٩ ـ الألباني : إرواء الغليل ٨ / ٣١٨.

١٠ ـ الألباني : تمام المنّة / ٥٨.

١١ ـ دفع شبه التشبيه / ٥٣.
٢٣٢
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:24 am

وسماك بن الوليد ، أبو زميل الحنفي ، كوفي أصله من اليمامة ، وثّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ، وقيل : صدوق لا بأس به (١) ، احتجّ به مسلم (٢) ، وقيل : إنّه ثبت متقن قدم البصرة ، فحدّثهم بها ، فكتب عنه العراقيون (٣) ، وسماك تابعي (٤).

وما يضعّف الرواية بشكل كبير ، أنّ ابن عبّاس نقل عن عمر ، والخبر يخصّ العبّاس ، فالأجدر به أن ينقل عن أبيه ؛ لأنّ الموضوع يخصّه!

وعن متن الرواية ، نقول : لا بأس أن يدعو النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ربّه ويطلب منه النصر ، والغريب في صيغة الدعاء هذه أنّه صلى الله عليه و آله و سلم يساوم ربّه إمّا أن ينصره وإمّا أن لا يعبد ، فهذه ليست من أخلاق الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فدعواته مهذّبة ، فيها لطف ، وليس مساومة! والأغرب في الأمر أنّ أبا بكر طلب من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يكف عن مناشدة ربّه ؛ لأنّه سوف يوفي بوعوده تّجاه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، وكأنّ الله سبحانه قطع وعداً للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يحارب والنصر يكون حليفه بإذن الله! علماً أنّ المسلمين خسروا بعض المعارك ، مثل : أحد وغيرها.

وقد ذكر في الرواية السابقة التي نقلناها عن ابن حنبل أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والمسلمين أسروا اثنين من المشركين ، وسألوهم عن عدد المشركين ، وفي هذه الرواية لم يطرأ أيّ ذكر لذلك ، وإنّما الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي نظر إلى كثرة عدد المشركين من دون أن يخمّن كم عددهم من خلال عدد ما ينحرون!

__________________

١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٢٨. وينظر ابن حبّان : الصحيح ٢ / ٢٢٢ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ٧ / ٣٨٨.

٢ ـ العظيم آبادي : عون المعبود ١٤ / ١١.

٣ ـ ابن حبّان : مشاهير / ١٩٩.

٤ ـ العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤٣٧.


٢٣٣

أمّا عن عدد الأسرى والقتلى ، وكأنّ الرواية حبكت بشكل بحيث يصعب الكشف عنها وتبيان أنّها موضوعة ، خاصّة التنسيق بين عدد قتلى الطرفين في معركة بدر وأحد فهي متكافئة ، ففي بدر قتل المسلمون سبعين مشركاً وحدث العكس في أحد ، وقد اعتبر ابن حنبل خسارة المسلمين في أحد هو قصاص من المسلمين الذين اشترطوا دفع الفدية لقاء إطلاق سراحهم ، وهذا واضح من قوله : « فلمّا كان يوم أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء » فاعتبر الفدية عمل غير حسن من جانب المسلمين لذلك عوقبوا بمثلها ، فكسرت رباعية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكذا وكذا ، بعد أن فرّ أصحابه حسب زعم ابن حنبل!
وبهذا نحن نتساءل ، من الذي فرّ من أصحابه؟!! وهل هذا يعني ذمّاً لهم؟ وهل أنّ عمر وأبا بكر وعثمان فرّوا من المعركة؟ فالمعروف أنّ حمزة استشهد فيها ، وعلياً عليه السلام هو الذي دافع عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلى حين ما تمكّن من إنقاذ حياته ، وبعكسه لتمكّن المشركون من قتله ، خاصّة وهو جريح يذود بدمه الطاهر ، وقد عدّت هذه الحادثة عقوبة وقصاصاً أنزل بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم! فالله سبحانه وتعالى أراد أن يجبر خاطر المشركين وحتّى يوازن كفّتي الميزان عوّضهم عن خسارتهم في بدر نصراً في أحد! ولأنّ المسلمين فعلوا كذا في بدر أنزل الله بهم المصيبة في أحد ، حيث جاء ذلك في قوله تعالى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا ) إلى قوله : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) بأخذكم الفداء ، هذا هو الواضح من منطوق الرواية؟!!
والغريب بكاء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسؤال عمر عنه!! فهو لاحظه وصاحبه يبكيان فيقول : أخبروني ما الأمر؟ إن وجدت بكاء بكيت ، وإلّا تباكيت. أعتقد كلام الراوي واضح قال : يبكيان ، فلماذا السؤال والتباكي؟!

٢٣٤

ومن العجيب! أنّ الروايات تصف النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وكأنّه شخصية ضعيفة ، للمرّة الثانية ، فقد بكى عندما ظنّ أنّ عمّه أبا طالب سوف يخذله (١) وفي هذه الرواية! علماً أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قوي استمد قوّته من الله سبحانه وتعالى.
ويلاحظ أيضاً أنّ أصل الرواية واحد ، هو عمر ، لكن الرواية مختلفة ، فقد أشار ابن حنبل في روايته بأنّ عدد المسلمين الذين حضروا معركة بدر كانوا ثلاثمائة رجل ، في حين نقل مسلم عن ابن الخطاب أيضاً مشيراً أنّ عددهم كان ثلاثمائة وتسعة عشر ، وأضاف على الرواية قوله : « بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقياً ، فنظر إليه ، فإذا هو قد خطم أنفه وشهق وجهه كضربة السوط فاخضرّ ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ... » (٢).
الشخص الذي أسر عقيلاً :
وردت عدّة روايات في الكيفية التي أُسر فيها عقيل ، لكنها وردت من دون أسانيد ، حتّى يمكن التحقق من صحّتها ، فعلى سبيل المثال :
١ ـ رواية ابن هشام : قال : « عبيد بن أوس (٣) ، يقال له : مقرن ؛ لأنّه قرن أربعة
__________________
١ ـ راجع المحمداوي : أبو طالب / ٤٢ ، ١٥٧.
٢ ـ مسلم : الصحيح ، الجهاد والسير / ٣٣٠٩.
٣ ـ ابن مالك بن زيد بن عامر ... بن ظفر الأنصاري ، وقيل بن مالك بن سواد ، وأمّه لميس بنت قيس بن القريم بن أمية ... بن سلمة بن الخزرج ، وكان له عقب فانقرضوا. ( ابن سعد : الطبقات ٣ / ٤٥٣ ، ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨ ).
٢٣٥
أسرى في يوم بدر ، وهو الذي أسر عقيل بن أبي طالب يومئذٍ » (١).
الملاحظ على الرواية أنّها لم تسمّ الأشخاص الأربعة ، ولا كيفية أسرهم!
٢ ـ رواية ابن سعد : والتي يظهر منها أنّه غير متأكّد من صحّتها فأشار بقوله : « ويقولون إنّه ـ يعني عبيد بن أوس ـ الذي أسر العبّاس ونوفلاً وعقيلاً ، فقرنهم في حبل وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال له ... لقد أعانك عليهم ملك كريم ، وسمّاه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مقرناً ، وبنو سلمة يدعون أنّ أبا اليسر كعب بن عمرو (٢) أسر العبّاس ، وكذلك كان يقول أيضاً محمّد بن إسحاق ، وأجمع على ذكر عبيد في بدر موسى بن عقبة ومحمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر ، ولم يذكره أبو معشر ، وهذا عندنا منه وهم أو ممّن روى عنه ؛ لأنّ أمر عبيد بن أوس كان أشهر في بدر من أن يخفى » (٣).
ومن الجدير ذكره أنّ رواية ابن سعد هذه وردت من دون سند ، وعبيد بن أوس قيل : فيمن شهد بدراً ، وقال البغوي : لا تُعرف له رواية ، وعقّب على ذلك ابن حجر بقوله : « هو قول ابن الكلبي ، والمعروف أنّ الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر كعب بن عمرو ، فلعل عبيد أسر نوفلاً وعقيلاً فقرنهما » (٤).
أضف إلى ذلك ما ذكره ابن هشام أنّ عُبيداً قرن أربعة أسرى ، في حين
__________________
١ ـ السيرة النبوية ٢ / ٥٠٩.
٢ ـ أبو اليسر كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو بن تميم بن سوادة بن غانم بن كعب بن سلمة ، من أهل بدر شهد العقبة ، وهو الذي أسر العبّاس ، توفّي سنة ٥٥ هـ بالمدينة ، وهو آخر أهل بدر ، وكان رجلاً قصيراً ، ذا بطن. ( الطبراني : المعجم الكبير ١٩ / ١٦٤ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٤٩١ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٢ / ٣٥٧ ، الهيثمي : مجمع الزوائد ٩ / ٣١٦ ).
٣ ـ الطبقات ٣ / ٤٥٣.
٤ ـ ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨.
٢٣٦
جعلهم ابن سعد ثلاثة ، وأنّ أبا معشر لم يذكر حضور عبيد في بدر ، أمّا عن أنّه أسر أربعة ، فهذا غير ممكن ، أي : هل أنّه وجدهم مكتوفّي الأيدي ومربّطين بحبال فاقتادهم من حبالهم؟!
وقد أخرج أبو موسى ، أنّ عبيد بن أوس بن مالك بن سواد الأنصاري من الأوس ، ثمّ من بني سواد بن كعب شهد بدراً ، هو الذي أسر عقيلاً ، وقد اعترض ابن الأثير على ذلك فقال : « قد أخرج ابن مندة هذا ولم يسقط منه إلّا أسر عقيل ، ولعل أبا موسى اشتبه عليه حيث لم ينسبه ابن مندة فظنّه غيره وهو هو فلا وجه لاستدراكه ، لأنّه لم يستدرك كلّ من أسقط نسبه » (١).
وروى ابن حنبل : عن يزيد عن محمّد بن إسحاق عن من سمع عكرمة عن ابن عبّاس قال : « كان الذي أسر العبّاس بن عبد المطلب أبو اليسر بن عمرو ، وهو كعب بن عمرو أحد بني سلمة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( كيف أسرته يا أبا اليسر؟ ) قال : لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل ، هيئته كذا هيئته كذا ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( لقد أعانك عليه ملك كريم ) » (٢).
المتمعّن في الرواية يجد أنّ الشخص الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر ، فقد ثبت أنّ العبّاس كان أسيراً في المعركة أمّا عقيل فلم يؤسر فيها ، حيث لم يثبت اسم الشخص الذي أسره ، ولا ثبت عليه دفع الفدية ، وإن كلّ ما ورد هو عبارة عن افتراءات ليس لها من الصحّة شيء ، وقد انتحل وضّاع الروايات رواية ابن حنبل هذه ، فأضافوا اسمه مع العبّاس وجعلوه مع الأسرى.
وفي رواية أخرى لابن حنبل ، قال : « جاء رجل من الأنصار قصير بالعبّاس
__________________
١ ـ ابن الأثير : أُسد الغابة ٣ / ٣٤٦.
٢ ـ أحمد بن حنبل : المسند ، مسند بني هاشم / ٣١٤٠ ، وينظر الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٢.
٢٣٧
ابن عبد المطلب أسيراً ، فقال العبّاس : يا رسول الله إنّ هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : ( اسكت لقد أيدك الله بملك كريم ) ، فقال عليه السلام : فاسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العبّاس وعقيل ونوفل » (١).
٣ ـ رواية الواقدي : عن موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه ، قال : وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قالا : أُسر من بني هاشم عقيل بن أبي طالب ، قال محمود : أسّره عبيد بن أوس الظفري ، وأسّر نوفل بن الحارث جبّار بن صخر (٢) وعتبة حليف لبني هاشم من بني فهر (٣).
من هذه الرواية ندرك أكاذيب الواقدي وميوله العبّاسية ، حيث إنّه لم يذكر العبّاس من ضمن الأسرى ، وأهمل شأنه!
هذا ولا نعرف هل المقصود بنوفل نوفل بن الحارث أم نوفل بن العدوية؟ حيث روى ابن أبي الحديد عن الواقدي أنّ جبار بن صخر أسر يوم بدر نوفل ابن خويلد من بني أسد (٤) ، فهل أنّ الأمر اختلط على الواقدي أم أنّ جبّاراً أسر الاثنين معاً (٥)؟
__________________
١ ـ أحمد بن حنبل : المسند ، مسند العشرة / ٩٠٤.
٢ ـ ابن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة ، وأمّه عتيكة بنت خرشة بن عمرو بن عبيد بن عامر بن بياضة ، ويكنّى أبا عبد الله شهد المشاهد كلّها مع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم توفّي سنة ٣٠ هـ بالمدينة. ( ابن سعد : الطبقات ٣ / ٥٧٦ ، الطبراني : المعجم الكبير ٢ / ٢٦٩ ، الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٢٣ ، النووي : المجموع ٤ / ٢٩٢ ).
٣ ـ المغازي ١ / ١٣٨ ، ينظر ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ٢٠٠ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٣٥٤.
٤ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٨٢ ، ينظر ابن حبّان : الثقات ١ / ١٧٤.
٥ ـ وقد تمّت مراجعة الواقدي ولم نجد الرواية.
٢٣٨
٤ ـ رواية ابن سعد ( الثانية ) : وقد أجرى تحريفاً على رواية الواقدي المشار إليها وبنفس السند عن محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود ابن لبيد قال : حدّثنا عبيد بن أوس مقرن من بني ظفر قال : « لمّا كان يوم بدر أسرت العبّاس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفاً للعبّاس فهرياً فقرنت العبّاس وعقيلاً ، فلمّا نظر إليهما رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم سمّاني مقرناً ، وقال : أعانك عليهما ملك كريم » (١).
وفي رواية ابن سعد أنّه أسر العبّاس وعقيل ونوفل ، عبيد بن أوس مقرن من بني ظفر قال : « لمّا كان يوم بدر أسّرت العبّاس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب » وفي هذه الرواية أنّه أسّر العبّاس وحليفه الذي لم يفصح عن اسمه ، وعقيل.
أمّا عن سند رواية الواقدي ، ففيها محمّد بن صالح ، يوجد مجموعة أشخاص سمّوا بهذا الاسم ، لكن ألقابهم مختلفة ، منهم النيلي ، وهو مجهول وفيه اشتباه (٢) ، والعدوي ليس له ترجمة (٣) ، وابن جعفر البغدادي من ساكني البصرة والجزيرة ، ضعيف لا يحتج به ، وليس له أصل جيد ، ولا يبني عليه أحدٌ خيراً (٤) ، والتمّار ليس بالقوي (٥) ، وقيل : إنّ التمّار مدني ثقة (٦) ، والتمّار هذا سمّاه ابن أبي حاتم : محمّد بن صالح بن دينار مديني ، وثّقه أحمد بن حنبل ، وقيل :
__________________
١ ـ الطبقات ٤ / ١٢.
٢ ـ الأردبيلي : مجمع الفوائد ٢ / ١١٥.
٣ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ١ / ١٧٢.
٤ ـ الدارقطني : سؤالات / ٩٥.
٥ ـ السبكي : السيف الصقيل / ١٤٤ ، الذهبي : ميزان الاعتدال ٣ / ٥١٨.
٦ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ١٤١.
٢٣٩
شيخ ليس بالقوي (١) ، وأنّه يروي المناكير عن المشاهير ، ولا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد (٢) ، وربما هذه الرواية من مناكيره ، وروى حديثاً مرسلاً (٣).
وعن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري المدني ، من صغار التابعين ، وثّقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة وابن سعد والبزار وآخرون ، لكن ضعّفه عبد الحق وغيره (٤) ، وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر (٥) ، وكذلك المتقي الهندي (٦) ، وقد حاول سبط ابن العجمي دفع تهمة التدليس عنه فقال : « ذكر الحاكم في المستدرك حديثاً في الزكاة عن قيس بن سعد بن عبادة منقطع ... وعاصم لم يدرك قيساً ، وإذا كان كذلك فقد تقدّم أنّ هذا إرسال ظاهر ، وليس بتدلّيس على الأصح ، ولا ينبغي ذكره مع المدلّسين » (٧) ، وعدّه من سادات الأنصار ت سنة ١٢٩ هـ (٨) ، في حين أرّخ المباركفوري وفاته سنة ١٢٠ هـ وعدّه ثقة عالماً بالمغازي (٩) ، وذكره البخاري ولم يُشر إلى توثيقه أو تجريحه (١٠).
وفي سند الحديث محمود بن لبيد بن رافع ، ثقة قليل الحديث (١١) ، ذكره
__________________
١ ـ الجرح والتعديل ٧ / ٢٨٧.
٢ ـ ابن حبّان : المجروحين ٢ / ٢٦٠.
٣ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ١ / ١٨٨.
٤ ـ ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ١٤٠ ، ينظر ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٦ / ٣٤٦.
٥ ـ ابن حجر : فتح الباري ٧ / ٣٩٧.
٦ ـ كنز العمّال ٧ / ١٢٧.
٧ ـ التبيين لأسماء المدلّسين / ٣٥.
٨ ـ ابن حبّان : مشاهير / ١١٥.
٩ ـ تحفة الأحوذي ١ / ٤٠٦.
١٠ ـ التاريخ الكبير ٦ / ٤٧٨.
١١ ـ ابن رافع بن امرئ القيس بن يزيد بن عبد الأشهل ، أمّه أم منظور بنت محمّد بن سلمة ... من بني حارثة من الأوس توفّي بالمدينة سنة ٩٦ هـ. ( ابن سعد : الطبقات ٥ / ٧٧ ، العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٢٦٦ ، ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٨٨ ).
٢٤٠
النووي بقوله : « وقد أعلّ قوم حديثه » (١) ، وقال عنه ابن حزم : « وأمّا خبر محمود ابن لبيد فمرسل ولا حجّة فيه » (٢) ، وفي موضع آخر قال : « وأمّا حديث محمود فمنقطع » (٣) ، وهو يروي المراسيل عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم (٤) ، رغم الاختلاف في صحبته ، فقيل : له صحبة ، وقيل لا ، توفّي سنة ٩٦ هـ (٥) ، وقد ادّعى محمود بن لبيد أنّ عبيد بن أوس حدّثه بهذا الحديث ، في حين أنّ البغوي نفى أن تكون لعبيد رواية (٦).
وروي أنّ العبّاس كان محبوساً مع الأسرى وموثقاً ، فبات رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ساهراً ، فقال له أصحابه : مالك لا تنام يا رسول الله؟ قال : ( سمعت أنين العبّاس من وثاقه ) ، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (٧).
وهذه رواية عبّاسية مقروءة من راويها ابن أبي الحديد ، حيث عاش في عصر بني العبّاس فمن شأنه أن يمجّد تاريخ جدّهم ، وفي الرواية اتّهام لشخص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم الذي وصفوه بأنّه يميل إلى عمّه الكافر من دون غيره؟ وحاشاه أن يفعل ذلك! لأنّ الله سبحانه وتعالى كان ينهى عن موالاة الكفّار ، فما بالك إذا كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم؟! وكل الذي يمكن قوله : كفى بنو العبّاس إساءة وجسارة لشخص النبيّ الكريم ، لكن بالمقابل كشفت الرواية عن أنّ عقيلاً لم يكن من ضمن المأسورين!! فإذا كان كذلك ، لأفصح الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عن ذلك ولقال : أئن
__________________
١ ـ المجموع ١٧ / ١٢٣.
٢ ـ المحلّى ١٠ / ١٦٨.
٣ ـ ابن حزم : المحلّى ١١ / ٢٢٥.
٤ ـ ابن حبّان : الثقات ٥ / ٤٣٤ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٨٥.
٥ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٨ / ٢٨٨.
٦ ـ ابن حجر : الإصابة ٤ / ٣٣٨.
٧ ـ المجلسي : البحار ١٩ / ٣٣٨.
٢٤١
لأنين العبّاس وعقيل ، فلماذا حصر الخبر بالعبّاس ، هذا يدلّ على أنّ العبّاس وحده هو المأسور!
ورغم كلّ ما ورد من أدلّة حول براءة عقيل وعدم حضوره مع المشركين في بدر ، وضع السيّد جعفر مرتضى العاملي نفسه في دور المدافع عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وتنزيهه عمّا ألصق به من تهمة أنّه كان يميل إلى عمّه العبّاس ، فضرب بذلك عرض الجدار مؤيّداً الروايات القائلة بأسر عقيل ، بقوله : « وعلى كلّ حال ، فقد كان من جملة الأسرى عبّاس وعقيل ، وقد سهر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليله ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي الله؟ قال : أنين العبّاس ، فقام رجل من القوم ، فأرخى من وثاقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما بالي ما أسمع أنين العبّاس؟ فقال رجل من القوم : إنّي أرخيت من وثاقه شيئاً ، فقال : فافعل ذلك بالأسرى كلّهم ، وهذه هي الرواية القريبة والمعقولة ، التي تمثّل عدل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ودقّته في مراعاة الإحكام الإلهية ، وصلابته في الدين ، وهي المناسبة لمقامه الأسمى ، وما عُرفَ عنه من كونه لم تأخذه في الله لومة لائم ، لا تلك الروايات التي تمثل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم متحيزاً إلى أقاربه ، وأنّه هو الذي طلب منهم أن يرخوا من وثاق العبّاس فقط ، فإنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن ليرفق بأقاربه ، ويعنف بغيرهم ، والرواية التي تقول هذا لم ترد على الوجه الصحيح والكامل ، إلّا أنْ يقال : إن علم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بأنّه قد خرج مكرهاً ، فكان ذنبه أخف » (١).
هذا ولا أعرف على ما استند في جعل عقيل من ضمن الأسرى؟! علماً أنّ الرواية التي أوردها تتحدّث عن العبّاس من دون عقيل!! والحال نفسه مع ابن معصوم الذي نقل عن ابن سعد قوله : « لا خلاف أنّه كان في الأسرى » (٢).
__________________
١ ـ الصحيح من سيرة النبيّ ٥ / ١٢٠.
٢ ـ علي خان : الدرجات الرفيعة / ٨٠.
٢٤٢
وبعد أن أُسر عقيل حسب زعم ابن سعد ، سأل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عن قتلى المشركين ، وهذا ما أشار إليه عن عليّ بن عيسى النوفلي عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال : « قال عقيل بن أبي طالب للنبيّ عليه السلام : من قتلت من أشرافهم أنحن فيهم؟ قال : فقال : أبو جهل ، فقال : الآن صفا لك الوادي ، قال : وقال له عقيل : إنّه لم يبق من أهل بيتك أحد إلّا وقد أسلم ، قال : فقل لهم فليلحقوا بي ، فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا ، وذكر أنّ العبّاس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكة أمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة » (١).
أكثر ما يثير الاستغراب في الرواية ، هو وصف أبي جهل وأضرابه بأنّهم أشراف!! فهؤلاء فراعنة ، فهل يصحّ أن يقال عن عبد المطلب وأبي طالب من الأشراف ، وهؤلاء المشركون منهم؟! وقد أجاب الإمام عليّ عليه السلام عن هذا التساؤل فوصفهم بأنّهم فراعنة لا أشراف في معرض حديثه مع اليهودي الذي قال له : « بأنّ موسى أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى » ، فأجابه الإمام عليه السلام : ( لقد كان محمّد كذلك أرسله إلى فراعنة شتّى مثل أبي جهل ... ) وعدّد أسماء هؤلاء (٢). ثمّ إنّ صاحب الرواية قال : ( وذكر ) ولم يُشر إلى الذي ذكر وأبقى الرواية مبهمة!!
هذا عن متن الرواية ، أمّا عن سندها :
فقد أسندها محمّد بن سعد ، وقد قلنا عنه سابقاً : إنّه ما أراد للطالبيين خيراً ، فهو نقل كلّ شيء فيه غرابة عنهم ، وأخذ الرواية عن علي بن عيسى النوفلي ،
__________________
١ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٦.
٢ ـ الطبرسي : الاحتجاج ١ / ٢٦١.
٢٤٣
فقد بحثت عنه لعلّي أجد عنه أخباراً يمكن أن توصّلني إلى نتيجة منطقية ، فكلّ الذي وجدته هو ما نقله الحاكم بقوله : « لمّا أسر نوفل بن الحارث ببدر ، قال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : أفد نفسك يا نوفل ، قال : مالي شيء أفدي به يا رسول الله ، قال : أفد نفسك برماحك التي بجدة ، قال : والله ما علم أحد أنّ لي بجدة رماحاً بعد الله غيري ، أشهد أنّك رسول الله ، ففدى نفسه ، وكانت ألف رمح ، وآخى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بينه وبين العبّاس ، وكانا شريكين في الجاهلية » (١). وقد روى عن أبيه عن عمّه إسحاق بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث قال : « فدى العبّاس نفسه وابن أخيه عقيلاً بثمانين أوقية ذهب ، وقيل ألف دينار » (٢) وكذلك نقل عن أبان بن عثمان (٣).
هذه كلّ الأخبار التي وجدناها عنه ، ولم نجد غيرها ، علماً أنّ ابن سعد هو الوحيد الذي نقل عنه ، ولم نجد أحداً نقل عنه غيره ، وأنّه لم يرد إلّا في هذه المواضع التي ذكرناها ، وبقى مجهول لدينا ، فلم نعرف ميلاده ، ولا حتّى وفاته ، ولم يطرأ له ذكر في كتب الرجال.
وما ينطبق على النوفلي ينطبق على إسحاق بن الفضل ، فالأمر مختلف حوله ، فقد أورد الشبستري اثنين بهذا الاسم : الأوّل إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي المدني ، والثاني إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن سعد ، وقيل : سعيد بن نوفل بن الحارث بن المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي ، وقيل : اسمه إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن فضل بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن
__________________
١ ـ الحاكم : المستدرك ٣ / ٢٤٦.
٢ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ١٤.
٣ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٣.
٢٤٤
الحارث بن عبد المطلب ، محدّث روى عن أحد الإمامين الباقر أو الكاظم عليهما السلام روى عنه عمر بن أذينة (١) ، وذكره البخاري بقوله : « إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي سمع مغيرة بن عطية عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه » (٢).
أمّا البروجردي فقد ترجم له بأنّه إسحاق بن الفضل بن يعقوب بن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، روى عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله ، في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (٣).
هذا كلّ الذي وجدناه حول سند الرواية ، وأكثر ما يضعّفها أنّ النوفلي نقل عن أشياخه ، ولم يذكرهم ، ولا نعرف من هم أشياخه ، ولا يسمّيهم صاحب الرواية.
وفي رواية أخرى لم يكن عقيل هو السائل ، وإنّما النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي سأله قال لعقيل : « قتل أبو جهل ، فقال : الآن قد صفا لك الوادي ... وقال له عقيل : إنّه لم يبق من أهل بيتك أحد إلّا وقد أسلم قال : فقل لهم فليلحقوا بي فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا وذكر أنّ العبّاس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكة » (٤).
وقيل : إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمّا علم بأسر عقيل انتهى إليه فقال له : « يا أبا يزيد قتل أبو جهل ، فقال : إذا لا تنازعون في تهامة ، فقال : إن كنتم أثخنتم القوم فإلّا فاركبوا أكتافهم ، فتبسم رسول الله من قوله » (٥).
__________________
١ ـ الفائق ١ / ١٤٤.
٢ ـ التاريخ الكبير ١ / ٣٩٩ ، ينظر الدارمي : سنن ١ / ٣٢ ، البروجردي : طرائف ٢ / ٨ ، الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٨٧.
٣ ـ طرائف ٢ / ٨ ، الأبطحي : تهذيب ٢ / ١٥١.
٤ ـ ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.
٥ ـ الكليني : الكافي ٨ / ٢٠٢ ، القمي : تفسير ١ / ٢٩٦ ، الفيض الكاشاني : التفسير الصافي ٢ / ٢٨٥ ، الحويزي : نور الثقلين ٢ / ١٣٥ ، ٢ / ١٦٨ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ١٤٠.
٢٤٥
وفي رواية القاضي نعمان : عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( فلمّا انهزم القوم ، وقتل من قتل ، وأسر من أسر منهم نظرت فإذا عقيل في الأسرى ... فصاح بي : يا عليّ يا ابن أم ، أما والله لقد رأيت مكاني ، ولكنك عمداً تصدّ عنّي ، قال عليّ عليه السلام : فلم أجبه بشيء وأتيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقلت : يا رسول الله هل لك في أبي يزيد مشدودة يده ... فقال صلى الله عليه و آله و سلم : انطلق بنا إليه فمضينا نمشي نحوه ، فلمّا رآنا قال : يا رسول الله إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم ، وإلّا فأدركوه ما دام القوم بحدثان فرحتهم فقال : رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بل قتله الله يا عقيل ) (١).
وفي رواية عن عبد الله بن مسعود قال : « دفعت يوم بدر إلى أبي جهل وقد أقعد فأخذت سيفه فضربت به رأسه ، فقال : رويعتا بمكة فضربته بسيفه حتّى برد ، ثمّ أتيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقلت : يا رسول الله قتلت أبا جهل ، فقال عقيل وهو أسير عند النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : كذبت ما قتلته ، قال : بل أنت الكذّاب الآثم يا عدو الله قد والله قتلته ، قال : فما علامته؟ قال : بفخذه حلقة كحلقة الحجل » (٢).
بعد عرض ذلك ، لم يتبيّن من السائل ومن المسؤول! وهذا إن دلّ على شيء ، إنمّا يدلّ على براءة عقيل من الأسر.
كيفية تعامل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مع الأسرى
مثلما اختلفت الروايات في كيفية خروج عقيل للمعركة ، والاختلاف في إسلامه ، نجدها مختلفة في الآلية التي يجب أن يتّبعها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في التعامل مع الأسرى من بني هاشم ، فإذا صحّت وصية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم المشار إليها سابقاً ، فهذا يتعارض مع الروايات القائلة بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم اشترط عليهم أن يدفعوا فدية الأسر ،
__________________
١ ـ شرح الأخبار ٣ / ٢٣٩ ، وينظر ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣.
٢ ـ الهيثمي : مجمع الزوائد ٦ / ٧٩.
٢٤٦
وفي ذلك روايات ، منها :
١ ـ رواية أحمد بن حنبل ، قال : « فلمّا كان يومئذ والتقوا فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلاً وأُسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أبا بكر وعليّاً وعمر ، فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، فأنا أرى أن تأخذ منهم الفداء ، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار ، وعسى الله عزّ وجل أن يهديهم فيكونون لنا عضداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما ترى يا بن الخطاب؟ فقال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكّني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم ، فهوى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر : غدوت إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، قال صلى الله عليه و آله و سلم : الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء ولقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ـ إلى قوله ـ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) (١) من الفداء ثمّ أحل لهم الغنائم ، فلمّا كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وكسرت رباعيته وهشّمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه ، فأنزل الله : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا ـ إلى قوله ـ إِنَّ اللّهَ
__________________
١ ـ الأنفال / ٦٧ ـ ٦٨.
٢٤٧

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) ».

وقد جرحت الرواية متناً وسنداً وثبت عدم صحّتها (٢).

٢ ـ روي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كره أن يأخذ الفدية من الأسرى في معركة بدر ، حتّى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه ، فقال : « يا رسول الله هذا أوّل حرب لقينا المشركين والإثخان في القتل أحبّ إليّ من استيفاء الرجال ، وقال عمر : يا رسول الله! كذّبوك وأخرجوك فقدّمهم وأضرب أعناقهم ، ومكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، ومكّني من فلان أضرب عنقه ، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر! وقال أبو بكر : أهلك وقومك استأن بهم واستبقهم وخذ منهم الفدية ، فيكون لنا قوّة على الكفّار ... فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ( لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ ) (٣).

٣ ـ في رواية أخرى : أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أمر الإمام عليّ عليه السلام أن يقتل النضر بن حارث بن كلدة (٤) ، وعقبة بن أبي معيط (٥) ، فخافت الأنصار أن يقتل الأسرى كلّهم فقاموا إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا : يا رسول الله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك ، هبهم لنا يا رسول الله ، وخذ منهم الفداء ، وأطلقهم ، فأنزل الله قوله : [ ما كان النبيّ أن يكون ... ] فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقهم ، وشرط أنّه يقتل منهم في عام قادم بعدد من يأخذوا منهم الفداء ، فرضوا منه

__________________

١ ـ آل عمران / ١٦٥.

٢ ـ ينظر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).

٣ ـ الطبري : تفسير ٤ / ٤٥٩ ، الطباطبائي : الميزان ٩ / ١٣٩.

٤ ـ ابن علقمة حامل لواء المشركين في بدر قتله أمير المؤمنين عليه السلام في بدر. ابن سعد : الطبقات ٢ / ١٥ ، ٤ / ١٢٢ ، ٥ / ٨٤٤.

٥ ـ واسم أبي معيط إبان بن أبي عمرو ، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية. ( ابن خياط : طبقات / ٤٠ ).
٢٤٨
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:26 am

بذلك (١).

٤ ـ في رواية ابن مسعود : أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عندما جيء بالأسرى استشار أصحابه ، فقال : عمر كذا ، وقال : أبو بكر كذا ، أمّا عبد الله بن رواحة (٢) فقال : « يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثمّ أضرم عليهم ناراً ، فقال له العبّاس : قطعت رحمك ، فسكت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فلم يجبهم ، ثمّ دخل ، فاختلف أمر الناس فافترقوا ... ثمّ خرج رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال : ( إنّ الله ليلين قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللبن ، ويشدد قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة ، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : (فَمَنْ تَبِعَنِي فانّه مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٤) ، وإنّ مثلك يا عمر مثل نوح (٥) قال : (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (٦).

٥ ـ روي أنّه لمّا قتل المشركون يوم بدر أسر منهم سبعون أسيراً ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فيهم أبا بكر وعمر ، فقال أبا بكر : يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وأرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على المشركين ، وعسى أن يهديهم الله بعد اليوم فيكونوا لنا عذراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما تقول أنت يا عمر؟ قال : أرى أن تمكّنني من فلان ـ قريب لعمر ـ

__________________

١ ـ القمي : تفسير ١ / ٢٦٩.

٢ ـ ابن ثعلبة بن امرئ القيس الأمير الشهيد أبو عمرو الأنصاري الخزرجي. ( الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٣٢ ).

٣ ـ إبراهيم / ٣٦.

٤ ـ المائدة / ١١٨.

٥ ـ ابن شبة النميري : تاريخ المدينة ٣ / ٨٦١.

٦ ـ نوح / ٢٦.


٢٤٩

فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ... حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين (١).
وعلى هذه الروايات بعض الإشكالات ، منها : أنّ ما نسب من استشارة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنه يقصد منه الإساءة والجسارة على مقام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وبهذا نسبوا إليه عدم الخبرة العسكرية إلى الحدّ الذي اتّهموه بعدم مقدرته على التعامل مع الأسرى إلّا بمشورة هؤلاء النفر!
ثمّ ما معنى حصر المشورة بهم من دون غيرهم من الصحابة وقادة الجيش أمثال حمزة وعليّ عليه السلام وهم رأس الحربة ، وأداته العسكرية ، علماً أنّهم في مقدّمة الجيش دائماً يقدّمهم في كلّ معركة فلماذا لم يعرض عليهم الأمر؟!
وإذا صحّت وصية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في بني عبد المطلب ، فما هذه الجرأة من جانب عمر بن الخطاب عندما أراد أن يخالف وصية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بقتلهم!! فإذا كانوا كفّاراً فلماذا أوصى بحمايتهم والحفاظ عليهم ، علماً أنّ الله قد نهاه عن ذلك في قوله : ( وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (٢)!
ـ أشارت بعض الروايات إلى عمر بن الخطاب وكأنّه سفاك متعطش لقتل الأسرى ، إذ كان يحمل حربة يوم بدر لايؤتى بأسير إلّا وجرحه بها! فلمّا أُسر العبّاس بن عبد المطلب وعقيل طلبا من آسريهما أن لا يذهبا بهما إلى ابن الخطاب خشية أن يقتلهما (٣) ، فالمعروف عنه أنّه صحابي والصحابي يجب أن يتخلّق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وهو نهى عن التعرّض للأسرى.
__________________
١ ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ١٢ / ٦٠ ، المجلسي : البحار ١٩ / ٢٤٠.
٢ ـ الكهف / ٥١.
٣ ـ ابن أبي شيبة : المصنف ٨ / ٤٧٨.
٢٥٠
الأجدر بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يستشير الله سبحانه وتعالى ، فاتّصاله مباشر معه ، وجبرائيل الواسطة بينهما ويعمل بقدرة الله سبحانه ، وإنّ باستطاعته أن يسلك أيّ سبيل بقدرة الله ، من دون مشورة أيّ أحد ، فبقي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم متحيّراً حتّى عمل بمشورة أبي بكر!
وقد تبدو الرواية متناقضة ، ففي رواية سابقة أنّ عمر أراد أن يضرب أبا حذيفة؛ لأنّه أراد التعرّض إلى بني هاشم ، وفي هذه الرواية يشير بقتلهم!
ويظهر أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم استحسن مشورة سعد وعمر بقتل الأسرى ، وهذا واضح من قوله : « فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ » لكنه جامل أبا بكر وعمل برأيه!
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسرى تعدادهم سبعون أسيراً ، وقد أهملوا بالكامل ولم يرد لهم ذكر ، والغريب سلّط الضوء على العبّاس ؛ لأنّه عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وعقيل لأنّه أخو أمير المؤمنين عليه السلام ، علماً أنّه لم يثبت بالدليل أنّ عقيلاً كان من ضمن الأسرى!
أمّا الأشخاص الذين أدلوا بآرائهم اتّجاه الأسرى فلم يسجّل لهم دور في المعركة باستثناء أمير المؤمنين عليه السلام فقد قتل سبعة وعشرين ولم يأسر أحداً (١).
والملاحظ على الروايات أنّها عبارة عن اتّهامات موجّهة إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وكأنّه غير عارف بكيفية التصرّف بالأسرى! فيشير عليه فلان بعمل كذا ، وفلان نفعل كذا ، حتّى صوّروه وكأنّه ألعوبة في أيدي هؤلاء! وليت الأمر يقف عند
__________________
١ ـ القمي : تفسير ١ / ٢٦٩.
٢٥١
هذا الحد ، بل تعدّاه إلى أن يشير عليه الحباب بن المنذر بتغيير موقع المعركة ، وبهذا نسب إليه عدم الخبرة العسكرية! هذه الأمور برمّتها هي اتّهامات لا غير وليس لها من الصحّة شيء ، فالأمر يخصّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وهو : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ـ إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحَى) (١).
والمثير في الأمر أنّ بعض الروايات صوّرت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وكأنّه غير عارف بشيء ، وليس باستطاعته أن ينشر الإسلام لولا مستشاريه الاثنين عمر وأبا بكر ، فلا يقطع أمراً إلّا بمشاورتهما! ومن الأمثلة على ذلك قضية التصرّف في الأسرى ، وقضية دعائه الوارد في هذه الرواية ، وغيرها الكثير الكثير.
وممّا يلفت النظر في هذه الرواية أنّه صلى الله عليه و آله و سلم استشار عمر وأبا بكر وعلياً عليه السلام ، فسمع آراءهما ولم يسمع من الإمام عليّ عليه السلام! فيا ترى ماذا كان رأيه؟ فقد أغفلته الرواية! علماً بأنّه عليه السلام وعمّه حمزة هم قادة المعركة ، والتاريخ سجّل دورهما في المعركة ، فالأجدر أن يأخذ رأيهما من دون الشيخين الذي لم يذكر لهما أيّ دور في المعركة.
ويلحظ الدسّ في الرواية بما أنّ الأمر مرتبط بالإمام عليّ عليه السلام أصرّ صاحبها على ذكر عقيل ، وهو لم يثبت حضوره في المعركة! في حين أنّ العبّاس بن عبد المطلب كان ثابت الوجود في المعركة ، وثبتت قضية أسره ، فقد تعامى الراوي عنه وذكر : « وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه » ، فلا يتجرّأ صاحب الرواية على ذكر العبّاس!! وهذا الأمر إنْ دلّ على شيء إنمّا يدلّ على أنّها من بدع بني العبّاس ، لينالوا من الإمام عليّ عليه السلام على اعتبار أنّ أخاه حضر
__________________
١ ـ النجم / ٣ ـ ٤.
٢٥٢
المعركة مشركاً ، وقد أُسقط اسم العبّاس عمداً بقصد التضليل على الناس لعلّ المراد بأخ حمزة أن يكون أبو لهب مثلاً!
وقد علّق السيّد جعفر مرتضى عن موقف عمر عندما أراد قتل الأسرى بقوله : « إنّ عمر بن الخطاب يطلب من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يضرب عليّ عليه السلام عنق أخيه عقيل ، ويضرب حمزة عنق أخيه العبّاس ، ويعتبرهم أئمّة الكفر ، وهو طلب غريب حقّاً ، كما أنّ سكوته عن فراعنة وزعماء قريش أغرب وأعجب!! ولاسيّما وهو يسمع الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم يأمر الجيش ـ وعمر مِن ومع الجيش ـ بعدم قتل بني هاشم ، وهؤلاء بالذات ، وبعض من غيرهم ؛ لأنّهم خرجوا مكرهين ، هذا عدا عن أنّه كان يعرف دفاعهم عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في مكّة ودخولهم معه الشعب ، وتحمّلهم المشاق والمتاعب في سبيله.
وقد تقدّم أنّه لم يشهد معركة بدر أحد من بني عدي ، وهم قبيلة عمر ، إذن فلسوف تكون الضربة في جلد غيره! وماذا يهم لو قتل الناس كلّهم ما دام هذا الرجل على قومه وأهله.
ومن هنا نعرف أنّ ما أضافه بعضهم ـ حين ذكره لقول عمر : ومكّنى من فلان ، فأضاف كلمة قريب لعمر ، كما يظهر من مراجعة الروايات التي تذكر كلام ـ عمر هذا ـ لا يصحّ ، إذ لم يكن من أقارب عمر في بدر! إلّا إذا كانت قرابة من ناحية النساء ، وهي ليست بذات أهمية لديهم آنئذٍ لو كانت.
وعلى كلّ حال ، فقد سبقنا العبّاس بن عبد المطلب ... إلى إساءة الظن بعمر من هذه الناحية ، وذلك حين فتح مكة حتّى أنّه ليقول له ـ حين أكثر في شأن أبي سفيان وأصرّ على قتله ـ : لا ، مهلاً يا عمر ، أما والله أنْ لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك عرفت أنّه من رجال بني عبد مناف!
٢٥٣
ومنعهم حتّى من التفكير في الدخول في دين يكلّفهم بمباشرة قتل إخوانهم ، بل وقد يدفع ضعفاء النفوس من المسلمين إلى الارتداد ، إذا رأوا أنفسهم مكلّفين بقتل أحبائهم ... مع إمكان أن يقوم غيرهم بهذا الأمر » (١).
ومن الجدير ذكره ، نحن لا نتّفق معه حول رأيه الوارد سلفاً ، بخصوص موقف العبّاس من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ودفاعه عنه ، فهذا لا يصحّ ، وقد برهنا على عدم صحتّه.
وبعد أن فُرضت عليهم الفدية ، دفعها عنهم العبّاس بن عبد المطلب ؛ لأنّ عقيل كان فقيراً ، والفهري حليف العبّاس ، فلذلك أُلزم أن يدفع الفدية عنهما. وفي ذلك روايات ، منها :
ـ رواية البخاري ، عن عليّ بن عبد الله عن إسماعيل بن إبراهيم عن روح ابن القاسم عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : « كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال لي : لو قد جاءنا مال البحرين ، قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا. فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وجاء مال البحرين قال أبو بكر : من كانت له عند رسول الله عدّة فليأتيني ، فأتيته ، فقلت : إنّ رسول الله قد كان قال لي : لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، فقال لي : أحثه فحثوت حثية ، فقال لي : عدها ، فعددتها فإذا هي خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة ».
ـ وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : « أُتي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بمال من البحرين ، فقال : انثروه في المسجد ، فكان أكثر مال أُتي به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إذ جاءه العبّاس فقال : يا رسول أعطني إنّي فاديت نفسي
__________________
١ ـ الصحيح من سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ٥ / ١١٨.
٢٥٤
وفاديت عقيلاً ، قال : خذ ، فحثا في ثوبه ، ثمّ ذهب يقلّه فلم يستطع ، فقال : أؤمر بعضهم يرفعه اليّ ، قال : لا ، قال : فارفعه أنت عليّ ، قال : لا ، فنثر منه ، ثمّ ذهب يقلّه فلم يرفعه ، فقال : أؤمر بعضهم يرفعه عليّ ، قال : لا ، قال : فارفعه أنت عليّ ، قال : لا ، فنثر منه ثمّ احتمله على كاهله ثمّ انطلق ، فما زال يتبعه بصره حتّى خفى علينا عجباً من حرصه ، فما قام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وثمّ منها درهم » (١).
وفي موضع ثان ذكر البخاري الشقّ الثاني من الحديث فقط ، أي : ما رواه عن إبراهيم بن طهمان عن أنس (٢) وترك الشقّ الأوّل منه.
وما يسجّل على ما ذكره البخاري في سند الصورتين للحديث :
ففي الأوّل دمج الحديثين في صورة واحدة ، الأولى رويت عن جابر رضي الله عنه وهو صحابي أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وسمع حديثه ، فصحّ النقل عنه ، والصورة الثانية نقلت عن أنس وهو صحابي أيضاً ، إذاً أصل الحديث ـ على فرض صدوره عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ـ صحابيان ، لكن الرواية مختلفة من صورة إلى أخرى طبقاً لما أوردناه!
وفيما يخصّ رواية جابر ، صوّرته وكأنّه يطلب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بدين ، فقضاه عنه أبو بكر بعد وفاته صلى الله عليه و آله و سلم ، هذا ولا نعرف على ماذا استند في إعطاء المال له؟! على أيّ مسوّغ شرعي أباح له أن يعطي من أموال المسلمين؟ فإذا صحّ الحديث عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه كان يرجو أن تأتي أموال من البحرين ، لكن الأموال لم تأت في حينها ، وبهذا لم يكن لجابر حقّ في مطالبة أبي بكر ، الذي اعتبر نفسه المسؤول عن إيفاء ديونه صلى الله عليه و آله و سلم! ثمّ هل هو وريثه الشرعي؟! فهناك من هو أحق مثل ابنته ،
__________________
١ ـ الصحيح : الجزية والموادعة / ٢٩٢٩.
٢ ـ الصحيح : الصلاة ١ / ١٠٨.
٢٥٥
وزوجها! وعلى كلّ فإن أراد أن يعطيه حقّه فليعطه ، لكن ما معنى أن يعطيه ثلاثة أضعاف! يا ترى ما الموجب لذلك؟!
أمّا رواية أنس فقد نصّت على أنّ الأموال أتت في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وليس بعد وفاته كما في رواية جابر ، ولم يطرأ ذكر للأموال التي أعطاها أبو بكر لجابر ، في حين ذكرت رواية أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم نثرها في المسجد ولم يعط منها لأحد ، ثمّ ترك الأموال وذهب للصلاة وبعد فراغه منها ، وزع الأموال على من هبّ ودبّ ، حسب ما صوّرته الرواية. وهذا لا يصح إطلاقاً! فهو يوزّع الأموال على مستحقيها ، وعندما جاء العبّاس طلب منه أن يعطيه ، فأعطاه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وهذا يناقض رواية جابر من أنّ أبا بكر أعطى لجابر ، وهذا التناقض إن دلّ على شيء إنمّا يدلّ على ضعف الرواية!
وقد أشارت رواية أنس إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد وزّع الأموال كلّها ، في حين تذكر رواية جابر أنّ أبا بكر أعطى لجابر فقط!
وقد ذكرت رواية أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد أعطى للعبّاس من الأموال ، وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن إسحاق الذي تعرّض إلى أسر العبّاس من دون ذكر لعقيل في معرض حديثه عن قوله تعالى : (فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (١) ، فكان العبّاس بن عبد المطلب يقول : « فيّ والله نزلت حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إسلامي وسألته أن يقاضي بالعشرين الأوقية التي أخذ منّي ، فأبى عليّ فعوّضني الله عشرين عبداً كلّهم تاجر يضرب بمالي مع ما أرجو من
__________________
١ ـ الأنفال ٦٩ ـ ٧٠.
٢٥٦
رحمته ومغفرته » (١). وقد علّق سهيل زكار ـ محقق سير ومغازي ابن إسحاق ـ بقوله : « يدلّ هذا على ميول عبّاسية للمؤلّف لم تكن في نسخته الأولى » (٢). إذن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يعط ما أخذ منه من أموال بدر. هذا ما يخصّ متن الرواية.
ـ أحمد بن حنبل عن يزيد عن محمّد بن إسحاق عن من سمع عكرمة عن ابن عبّاس قال : « كان الذي أسر العبّاس بن عبد المطلب أبو اليسر بن عمرو ، وهو كعب ابن عمرو أحد بني سلمة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : كيف أسرته يا أبا اليسر؟ قال : لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل ، هيئته كذا هيئة كذا ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : لقد أعانك عليه ملك كريم ، فقال للعبّاس : أفدِ نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحدم أحد بني الحارث بن فهر ، قال : فأبى ، فقال : إنّي كنت مسلماً قبل ذلك وإنّما استكرهوني ، قال : الله أعلم بشأنك إن يك ما تدّعي حقّاً فالله يجزيك بذلك ، وأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا فأفد نفسك ، وكان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب ، فقال : يا رسول الله احسبها لي من فداي ، قال : لا ، ذاك شيء أعطاناه الله منك ، قال : فإنّه ليس لي مال ، قال : فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل وليس معكما أحد غيركما فقلتَ : إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولقثم كذا ، قال : فوالذي بعثك بالحقّ ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرهما ، وإنّي لأعلم أنّك رسول الله » (٣).
والمتمعّن في الرواية يجد أنّها موضوعة لأسباب ، منها :
إنّ الذي أسر العبّاس هو أبو اليسر ، وفي رواية أخرى أسره مقرن ، وتكاد
__________________
١ ـ السير والمغازي / ٣٠٧.
٢ ـ ابن إسحاق : السير والمغازي / مقدّمة المحقق / ١٤.
٣ ـ المسند ، مسند بني هاشم / ٣١٤٠ ، وينظر الطبري : تاريخ ٢ / ١٦٢.
٢٥٧
تجمع الروايات على أنّ أبا اليسر هو الذي أسره وابن أخيه نوفل ، فقد ثبت أسرهما في المعركة ، أمّا عقيل فلم يؤسر في المعركة ، وهذا واضح من سياق كلام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : ( أفد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ) ، فإذا كان المقصود عقيل ونوفل ، فالأصح من حيث اللغة أن يقول : ابني أخيك ، فالحديث في سياقه يدلّ على شخص واحد ، لذلك قال : ابن أخيك ، والمراد به نوفل بن الحارث ، وقد كرر ذلك مرّتين ، أمّا عقيل فحشر اسمه حشراً في القضية ، حيث لم يثبت اسم الشخص الذي أسره ، ولا ثبت عليه دفع الفدية ، وإن كلّ ما ورد هو عبارة عن افتراءات ليس لها من الصحّة شيء.
ثمّ أين العدل والانصاف أن يأخذ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الفدية من عبّاس عن نفسه وابني أخيه وحليفه عتبة؟
ثمّ إنّ الرواية قالت : إنّه مسلم ، وبما أنّه كذلك فلماذا الفدية؟! وقد أنكر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم على العبّاس عندما قال له : إنّي كنت مسلماً قبل ذلك وإنّما استكرهوني ، قال : ( الله أعلم بشأنك إنْ يك ما تدّعي حقّاً فالله يجزيك بذلك ) ، المراد من ذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غير عارف بأنّ العبّاس مسلم ، لكنه بالمقابل كان يعرف ما في سريرة العبّاس!! خاصّة أمواله التي أودعها في مكة عند زوجته أم الفضل ، وكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم حينها في المدينة ، إذن من أعلمه بذلك؟ تبدو القضية متناقضة! وهذا افتراء على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، إن كان يعلم الغيب فلماذا لم يعرف هل أنّ العبّاس مسلم أم لا؟ ولماذا لم يعرف كيف يفعل مع الأسرى في بدر لولا مشورة فلان وفلان.
وخلاصة كلّ ما تقدّم : أنّ العبّاس أسلم يوم بدر ولم يسلم قبل ذلك تبعاً لهذه الرواية ولقوله : « وإنّي لأعلم أنّك رسول الله ».
٢٥٨
وأضاف الطبرسي عن العبّاس بن عبد المطلب قوله : « أشهد أنّك صادق ، وأن لا إله إلّا الله ، وأنّك عبده ورسوله ، والله لم يطّلع عليه أحد إلّا الله ، ولقد دفعت إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتاباً في أمرك ، فأمّا إذا أخبرتني بذلك فلا ريب ، قال العبّاس : فأبدلني الله خيراً من ذلك ، لي الآن عشرون عبداً ، إنّ أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً ، وأعطاني زمزم ، وما أحبّ أنّ لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربّي » (١).
يظهر من الرواية أنّه أسلم حينما أُسر ، أمّا قبل ذلك فلم يكن مسلماً!
ويؤيّد ذلك ما رواه الأصفهاني بقوله : « عمّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتى به رسول صلى الله عليه و آله و سلم ، فأخذ فداءه ، فقسّمه بين المسلمين » (٢).
وقيل : أسلم قديماً وكان يكتم إسلامه.
وقيل : أسلم يوم بدر (٣).
وتجدر الإشارة بالقول إلى أنّ إسلامه وكتمه إسلامه قضية غير ناهضة ، كتبنا عنها فيما سبق.
ويؤيّد اشتراكه في بدر كافراً الإمام الصادق عليه السلام الذي أشار إلى هذا المعنى بقوله : ( ... وأبوكم ـ يعني أبو العبّاسيين ـ يبغي له الغوائل ، ويقود إليه القبائل في بدر ، وكان في أوّل رعيلها ، وصاحب خيلها ، ورجلها المطعم ... والناصب له
__________________
١ ـ جوامع الجامع ٢ / ٣٩.
٢ ـ مقاتل الطالبيين / ٤٢ ، ينظر المجلسي : البحار ٤٤ / ٦١.
٣ ـ الطبري : ذخائر العقبى / ١٩١ ، الصالحي : سبل الهدى ١١ / ٨٩.
٢٥٩
الحرب ) (١).
وبرواية الكليني قال : ( ... فجيء بالعبّاس ، فقيل له : أفد نفسك وأفد ابن أخيك ، فقال : يا محمّد تتركني أسأل قريشاً في كفّي ، فقال : أعط ممّا خلفت عند أم الفضل وقلت لها : إن أصابني في وجهي هذا شيء فأنفقيه على ولدك ونفسك ، فقال : يا بن أخي من أخبرك بهذا؟ فقال : أتاني به جبرائيل عليه السلام من عند الله عزّ وجلّ ، فقال : ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلّا أنا وهي أشهد أنّك رسول الله ... فرجع الأسرى كلّهم مشركين إلّا العبّاس وعقيل ... وفيهم نزلت هذه الآية : (قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ (٢) ) (٣).
__________________
١ ـ ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ٢٦١ ، المجلسي : البحار ٤٧ / ١٧٦ ، النوري : مستدرك الوسائل ١٣ / ٢٠٤.
٢ ـ الأنفال / ٧٠.
٣ ـ الكافي ٨ / ٢٠٢ ، ينظر العياشي : تفسير ٢ / ٦٨ ، القمي : تفسير ١ / ٢٦٩ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٣ ، الحويزي : نور الثقلين ٢ / ١٦٨.
٢٦٠

غزوة مؤتة

بعد حضوره المزعوم في واقعة بدر وقضية أسره ، يكاد يختفي ذكره في المصادر التي اطّلعنا عليها فلم يطرأ له ذكر في أحد ، لا مع الكفّار ولا مع المسلمين ، حتّى سنة ٨ هـ ، قيل : إنّه هاجر في أوّلها وشهد واقعة مؤتة ، وحصل على خاتم من غنائمها (١) ، وفي ذلك روايات ، منها :

أوّلاً : رواية الطبراني : عن أحمد بن خليد عن إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي عن شريك عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر قال : « بارز عقيل بن أبي طالب رجلاً يوم مؤتة فنفله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم خاتمه وسلبه » (٢).

الملاحظ على سند الرواية ، فيه أحمد بن خليد بن يزيد الكندي ، أبو عبد الله الحلبي المتوفّي بعد سنة ٢٨٠ هـ ، ذكره ابن حبّان في الثقات (٣) ، والذهبي قال : « ما علمت به بأساً » (٤) ، روى عنه الطبراني حديثاً ما ، فعلّق عليه الهيثمي بقوله : « رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة » (٥) ، هذا ولم نعرف هل أنّه أراد مدحه أو قدحه ، خاصّة وأنّه استعمل أداة الاستثناء ( غير ) ، قد روى عنه حديثاً مفاده : « إنّ الله سبحانه وتعالى يسأل عبده

__________________

١ ـ ابن سعد : الطبقات ٤ / ٤٣ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨.

٢ ـ المعجم الأوسط ١ / ١٣٤ ، البيهقي : السنن الكبرى ٦ / ٣٠٩ ، المتّقي الهندي : كنز العمّال ١٣ / ٥٦٢.

٣ ـ الثقات ٨ / ٥٣.

٤ ـ سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٨٩.

٥ ـ مجمع الزوائد ٨ / ٢١٠.
٢٦١
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:27 am

يوم القيامة عن جاهه كما يسأله عن ماله » ، فأشار ابن حبّان إلى ذلك بقوله : « وهذا حديث لا أصل له من كلام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم » (١) ، وعلّق عليه الخطيب البغدادي بقوله : « هذا حديث غريب جدّاً ، لا أعلمه ، يروى بهذا الإسناد ، تفرّد به أحمد ابن خليد » (٢) ، والمناوي بقوله : « لا يروى إلّا بهذا الإسناد ، تفرد به أحمد بن خليد،ولا يثبت عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بوجه من الوجوه » (٣).

أمّا عن إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ، كان ببغداد ، ترجم له البخاري ، ولم يُشر إلى تجريحه أو توثيقه (٤) ، وذكره ابن أبي حاتم بقوله : « إسماعيل بن عبد الله ... روى عن شريك ونظرائه ، وأدركته ولم أكتب عنه سمعت أبي يقول ذلك » (٥) ، وقيل : إنّه منكر الحديث ، لكن ابن معين وثّقه (٦) ، قدم بغداد ، وحدّث بها عن شريك بن عبد الله النخعي ، توفّي في البصرة سنة ٢٢٩ هـ ، وثّقه الدارقطني (٧) ، وقيل : صدوق تكلّم فيه الأزدي بلا حجّة (٨) ، وذكره ابن حبّان في الثقات (٩).

أمّا شريك بن عبد الله بن الحارث بن شريك بن عبد الله بن النخعي القاضي

__________________

١ ـ المجروحين ٣ / ١٣٧.

٢ ـ تاريخ ٨ / ٩٩.

٣ ـ فيض القدير ١ / ٥٤٨.

٤ ـ التاريخ الكبير ١ / ٣٦٦.

٥ ـ الجرح والتعديل ٢ / ١٨١.

٦ ـ المناوي : فيض القدير ٥ / ٦٧٠.

٧ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ٦ / ٢٥٩.

٨ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٩٦.

٩ ـ الثقات ٨ / ١٠٠.


٢٦٢

الكوفي ، اختلف في نسبه ، قيل : جدّه سنان بن أنس الذي قتل الإمام الحسين عليه السلام (١). ويؤيّد ذلك أنّه قدم البصرة فأبى أن يحدّث أهاليها ، فرجموه بالحجارة وهم يقولون : يا بن قاتل الحسين (٢) ، وهذا ربما غير صحيح ؛ لأنّه لم يرد سنان في نسبه ، أضف إلى ذلك أنّ الإمام عليه السلام استشهد سنة ٦١ هـ وشريك توفّي سنة ١٧٧ هـ أو ١٧٨ هـ. وشريك هذا فيه تجريح ، أورده ابن عدي في الضعفاء وذكر تخليطاً في أصوله (٣) ، وأنّه يدلّس لكن ليس كثيراً (٤) ، ولمّا تولّى القضاء تغيّر حفظه ، وكان يتبرّأ من التدليس (٥) ، ويخطئ كثيراً (٦) ، وقيل : مختلف فيه (٧) ، وذكر ابن الجعد عن أبي نعيم قوله : ما كتبت عند شريك بعدما ولي القضاء إلّا حديثاً واحداً (٨) ، قيل ليحيى بن سعيد : يقولون : إنّما خلط شريك بآخره ، فقال : ما زال مخلطاً (٩). وثّقه يحيى بن معين وصدّقه ، لكن له أغاليط ، وسئل أبو زرعة عن شريك يحتجّ بحديثه؟ قال : كثير الحديث صاحب وهم يغلط أحياناً ، قيل : إنّه حدّث بواسط أحاديث بواطيل (١٠).
لكن مع هذا فقد وثّقه بعضهم ، حيث ذكره العجلي في الثقات فقال : « ...
__________________
١ ـ ابن عدي : الضعفاء ٤ / ٦.
٢ ـ العجلي : معرفة الثقات ١ / ٤٥٦.
٣ ـ الضعفاء ٤ / ٦.
٤ ـ سبط ابن العجمي : المدلّسين / ٣٣.
٥ ـ ابن حجر : المدلّسين / ٣٣ ، المباركفوري : تحفة الأحوذي ١ / ٥٦.
٦ ـ ابن حجر : تقريب التهذيب ١ / ٤١٧.
٧ ـ ابن حجر : مقدّمة فتح الباري / ٤٥٧.
٨ ـ مسند / ٣٥٢.
٩ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٣٦٥.
١٠ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٤ / ٣٦٧.
٢٦٣
كوفي ثقة وكان حسن الحديث ، وكان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي سمع منه تسعة آلاف حديث » (١) ، فإذا كان راو واحد سمع منه هذا الكم من الأحاديث ، إذن كم يحفظ منها؟! وهذا الأمر مبالغ فيه ، وربما هذا التخليط والتخبيط في أحاديثه من كثرة ما يرويه.
أورده العقيلي في الضعفاء مشيراً أنّ يحيى بن سعيد لا يحدّث عن شريك ، وضعّف حديثه جدّاً ، وقال عنه ابن حنبل : « كان عاقلاً صدوقاً محدّثاً عندي » ، وسئل هل يحتجّ بحديثه؟ فرفض إعطاء رأيه ، وهو القائل : « قبض النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أنّ فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشّونا ، ثمّ استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل ، فلمّا حضرته الوفاة جعل الأمر شورى بين ستّة نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فاجتمعوا على عثمان ، فلو علموا أنّ فيهم أفضل منه كانوا قد غشّونا » (٢).
إذن إنّه ممّن يقول بتفضيل الخلفاء الثلاثة على أمير المؤمنين عليه السلام! وبهذا فقد أخطأ من نسبه إلى الشيعة (٣) الذين يقولون العكس ، قيل : إنّه ثقة حسن الحديث (٤) ، ومن الأثبات (٥) ، وصدوقاً فاضلاً عدلاً عابداً (٦).
أمّا أصل الرواية هو عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب العقيلي
__________________
١ ـ معرفة الثقات ١ / ٤٥٣.
٢ ـ العقيلي : الضعفاء ٢ / ١٩٣ ـ ١٩٤.
٣ ـ الطبسي : رجال الشيعة / ١٧٤.
٤ ـ الخطيب البغدادي : تاريخ ٩ / ٢٨٢.
٥ ـ ابن حجر : المدلّسين / ٣٣.
٦ ـ ابن حجر : تهذيب التهذيب ١ / ٤١٧.
٢٦٤
الهاشمي ، أمّه أم كلثوم (١) بنت أمير المؤمنين عليه السلام المعروف بالأحول ، من محدّثي الإمامية الأجلّاء ، وكان مقرئاً فقيهاً ، وثّقه بعض العامّة ، وبعضهم قالوا : إنّه من الضعفاء ، لا يحتج بحديثه وفي حديثه لين ، توفّي سنة ١٤٥ هـ بعد أن طال عمره (٢) ، وقيل : إنّه تابعي ثقة جائز الحديث (٣) لكن ابن حنبل أنكر حديثه (٤) ، وضعّفه ابن المديني (٥) ، وجعله ابن عيينه سيّئ الحفظ (٦) ، والطوسي كأنّه غير مقتنع في قدح عبد الله بن محمّد مشيراً أنّه ضعيف عندهم ـ أي : عند العامّة ـ ومقدوح فيه لا يحتجّون بخبره (٧) ، وذكره في الرجال من دون مدح أو قدح (٨) ، والهيثمي قال : إنّ حديثه حسن وفيه ضعف (٩) ، والعظيم آبادي قال : بعضهم احتجّ بحديثه وتكلّم فيه بعضهم الآخر (١٠) ، وعدّه التفرشي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (١١) ، وابن حبّان قال : كان من سادات المسلمين من فقهاء أهل البيت وقرّائهم ، إلّا أنّه رديء الحفظ ، كان يحدّث على التوهم ، فيجيء بالخبر على غير سننه ، فلمّا كثر ذلك في أخباره وجب مجانبتها والاحتجاج بضدّها ... كان
__________________
١ ـ تجدر الإشارة هنا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن له بنت بهذا الاسم ، وللتفصيل ينظر المحمداوي : أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام حقيقة أم وهم؟ ( بحث منشور في مجلة آداب البصرة عام ٢٠٠٨ م ).
٢ ـ الشبستري : الفائق ٢ / ٣٠٤.
٣ ـ العجلي : معرفة الثقات ٢ / ٥٨.
٤ ـ ابن المبرد : بحر الدم / ٩٠.
٥ ـ المديني : سؤالات / ٨٨.
٦ ـ المديني : سؤالات ١ / ١٦٤.
٧ ـ تهذيب الأحكام ٩ / ٢٦٦ ، ينظر القمي : جامع الخلاف / ٤٠٢ ، الفاضل الآبي : كشف الرموز ٢ / ٤٤١.
٨ ـ الطوسي : الرجال / ٢٦٤.
٩ ـ مجمع الزوائد ٥ / ١٦.
١٠ ـ العظيم آبادي : عين المعبود ٢ / ٢٢٩.
١١ ـ نقد رجال ٣ / ١٤٠ ، وينظر الخوئي : معجم رجال الحديث ١١ / ٣٣٠.
٢٦٥
يحيى بن معين وعبد الرحمن لا يحدّثان عن عبد الله ... حدّثنا جعفر بن أبان قال : قلت ليحيى بن معين : عاصم بن عبيد الله وابن عقيل أيّهما أعجب إليك؟ قال : ما فيهما أحد يعجبني ... (١) ، وكان ابن عيينة لا يحمد حفظ ابن عقيل ، وسفيان قال : في حفظه شيء فكرهت أن ألقيه ، ويحيى بن معين ، ليس بذاك ، وأنّه ضعيف في كلّ أمره ، وقيل : إنّه لين الحديث ، ليس بالقوي ، ولا ممّن يحتجّ بحديثه (٢).
أمّا العقيلي فقد ذكره في الضعفاء ، فنقل عن يحيى بن معين عن ابن عيينة قوله : « أربعة من قريش يمسك عن حديثهم ، قلت من هم؟ قال : فلان وعلي بن زيد ، وزيد بن أبي زياد وعبد الله بن محمّد بن عقيل وهو الرابع ، فقال يحيى : نعم ... » ، وكان مالك لا يروي عنه ويحيى بن سعيد كذلك ، وقيل عنه : ضعيف الحديث ، وقيل : خيّر فاضل موصوف بالعبادة ، وإن قيل فيه شيء ففي حفظه (٣). في حين نقل ابن عدي عن ابن عيينة وجعله أضعف الأربعة ، وأضاف : أنّ مالك لم يدخله في كتبه ، وقد توقف عنه عامّة ما يروي عنه ، وكان يختلف إلى جابر ويسأله عن سنن رسول الله (٤).
من كلّ ما تقدّم يظهر أنّ الرجل خالي من التجريح وأُلصق به ذلك بدوافع طائفية ومذهبية ؛ لأنّه من نسل أبي طالب الطاهر!
ثانياً : رواية ابن سعد : عن الفضل بن دكين عن قيس بن الربيع عن جابر عن
__________________
١ ـ المجروحين ٢ / ٣.
٢ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٥ / ١٥٣.
٣ ـ الضعفاء ٢ / ٢٩٨.
٤ ـ الكامل ٤ / ١٢٧.
٢٦٦
عبد الله بن محمّد بن عقيل قال : « أصاب عقيل بن أبي طالب خاتماً يوم مؤتة فيه تماثيل ، فأتى به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فنفله إياه ، فكان في يده ، قال قيس : فرأيته أنا » (١).
الملاحظ على الروايتين أنّ الأولى نقلت عن ابن عقيل عن جابر ، وفي الثانية حصل العكس ، أي : نقلت عن جابر عن ابن عقيل! والاثنين على غير صواب ، لعدم اعتبار الروايتين ، وتعارضهما مع المأثور من سنّة النبيّ وآل بيته عليهم السلام حيث نهى صلى الله عليه و آله و سلم عن الصور والتماثيل بقوله : ( إنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير ) (٢) ، وعن الإمام الصادق عليه السلام : ( أنّه كره أن يصلّي وعليه ثوب فيه تماثيل ) (٣) ، وقد جرت أحكام الفقهاء على هذا الأساس ، لذلك كان هذا الفعل مكروه ، وهذا ما أشار إليه الطوسي بقوله : « ... ولا يصلّي في ثوب فيه تماثيل ، ولا في خاتم كذلك » (٤).
أمّا عن السند فمقدوح فيه ، من جهة قيس بن الربيع فالأمر مختلف حوله ، فقد وثّقه بعضهم وضعّفه آخرون ، وتتجسّد هذه المعأدلّة في شاهدين عند ابن أبي حاتم والعقيلي ، فالأوّل لم يشر إلى تجريحه بل أشار إلى وثاقته ناقلاً عن شعبة قوله : « ... عليك بهذا الأسدي يعني قيس بن الربيع ... ذاكرني ... الحديث فجعل يقع على الضحك ، وإنّما أضحك كأنّما أسمعها من أصحابي ... قدمت
__________________
١ ـ الطبقات ٤ / ٤٣.
٢ ـ مالك : الموطأ ٢ / ٩٦٦.
٣ ـ الكليني : الكافي ٣ / ٤٠٢.
٤ ـ المبسوط : ١ / ٨٤ ، ينظر المحقق الحلّي : المعتبر ٢ / ٩٨ ، شرائع الإسلام ١ / ٥٦.
٢٦٧
الكوفة فما أتيت شيخاً إلّا وجدت قيساً قد سبقني إليه ، وإن كنّا لنسمّيه الجوال ... ادخلوا على قيس قبل أن يموت ... سمعت أبا حصين يثني عليه » (١).
أمّا العقيلي فذكر أنّ وكيع ضعّفه ونقل عن أبي داود عن شعبة قوله : « يعذرني من يحيى هذا الأحول لا يرضى قيس ... » ، وقيل : إنّ يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه ، وأنّه لا يعرف بين الناس ذكرهم ، وقيل : إنّ أبا داود له مجلس في البصرة ، فذكر قيس بن الربيع فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، فقال : لا تفعلوا فإنّي سمعت شعبة يقول : كلّما جالست قيساً ذكرت أصحابي الذين مضوا فأبوا أهل المسجد ، فقال : اكتبوا فإنّ له في صدري سبعة آلاف حديث ، وقد حدّث عنه عبد الرحمن ثمّ تركه ، وقد استعمله المنصور الدوانيقي على قضاء المدائن ، فكان يعلّق النساء من ثداياهن ويرسل عليهن الزنانير ، أقام الحدّ على رجل فمات (٢).
أمّا بقية المصادر ، فقد أشارت إليه بأشكال متفاوتّه ، مثل ابن حجر ضعّفه (٣) ، ونقل المارديني بأنّ البيهقي سكت عنه (٤) ، وابن قدامة عن ابن حنبل منكر الحديث (٥) ، وأبو داود عن ابن حنبل وليُ قيس فلم يحمد (٦) ، والهيثمي قال : وثّقه شعبة وضعّفه يحيى بن معين (٧) ، ويحيى بن معين ت ٢٣٣ هـ قال : « قيس
__________________
١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ١٥٠.
٢ ـ الضعفاء ٣ / ٤٧٠.
٣ ـ تلخيص الحبير ٥ / ١٣٢.
٤ ـ الجواهر ١ / ٧٠.
٥ ـ المغني ١١ / ٩١.
٦ ـ سؤالات ١ / ٢٧٢.
٧ ـ مجمع الزوائد ١ / ٨٨.
٢٦٨
بن الربيع ليس بشيء » (١) ، وابن معين الدوري ت ٢٣٣ هـ ، وفي موضع آخر قال : لا يساوي شيء (٢) ، يتّضح أنّ شخصية ابن معين واحدة ، لكن هناك فرق في سنة الوفاة ، والنسائي كوفي متروك الحديث (٣) ، والبخاري قال : « أُتي قيس من قبل ابنه ، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرَج كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك » (٤) ، والطوسي في رجاله قال : « قيس بن الربيع ، بتري » (٥) يعني من الزيدية ، وفي موضع آخر « قيس بن الربيع الأسدي أبو محمّد الكوفي » (٦) يظهر أنّه جعلهما اثنان وهما شخص واحد ، وذكره التفرشي بقوله : « قيس بن الربيع بتري ، من أصحاب الباقر ، رجال الشيخ. بتري رجال الكشي » (٧) ، والإمام الخوئي في قوله : « عدّه الشيخ تارة في أصحاب الباقر عليه السلام ... وأخرى في أصحاب الصادق عليه السلام ... » (٨) ، هذا ولم يذكر تجريحه أو توثيقه.
وقيل : قاض ضعيف الحديث ، ثمّ اختلف العامّة في حديثه ، فمنهم من قال بأنّه صدوق تغيّر لمّا كبر ، وضعّفه آخرون ، وذكر ثلاثة تواريخ لوفاته هي ١٦٥ ، ١٦٧ ، ١٦٨ هـ (٩). وترجم له العجلي في الثقات ، وأشار بأنّ الناس يضعّفونه ، وكان شعبة يروي عنه ، وكان معروفاً بالحديث صدوقاً ، وابنه أفسد عليه كتبه فترك
__________________
١ ـ ابن معين : تاريخ ١ / ١٩٣.
٢ ـ ابن معين : تاريخ ١ / ٢١٤.
٣ ـ الضعفاء / ٢٢٨.
٤ ـ التاريخ الصغير ٢ / ١٥٨.
٥ ـ الرجال / ١٤٤ ، وينظر ابن داود : رجال / ٢٦٧.
٦ ـ الطوسي : الرجال / ٢٧٢.
٧ ـ التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٥٦.
٨ ـ الخوئي : معجم رجال الحديث ١٥ / ٩٥.
٩ ـ الشبستري : الفائق ٢ / ٦٠١.
٢٦٩
الناس حديثه (١).
وعلّق الطبراني على هذا الحديث بقوله : « إنّ هذا الحديث لم يروه عن ابن عقيل إلّا شريك تفرّد به إسماعيل بن عبد الله بن زرارة » (٢).
أمّا الهيثمي فقال : « وهذا الحديث رواه الطبراني وفيه عبد الله بن محمّد بن عقيل ، وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات » (٣).
بعد أن جرحنا الأسانيد بقي ما ينفي الرواية منه.
وللردّ على القائلين بحضوره في المعركة ، نقول : أين هو من أخيه جعفر الطيّار عندما قطعت يداه ومثّل في جسده؟ أليس من الأجدر الدفاع عن أخيه أفضل من حصوله على الغنيمة؟!
وبمعنى آخر ، ما موقفه من استشهاد جعفر الطيّار ، وما دوره في المعركة؟ حيث اكتفت المصادر بذكر الغنيمة من دون أيّة إيضاحات أُخر ، فضلاً عن ذلك إنّ الرواية اختصّت بغيره.
ثالثاً : رواية الواقدي : « قيل : إنّ المسلمين غنموا بعض أمتعة المشركين ، فكان ممّا غنموا خاتماً جاء به رجل إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقال : قتلت صاحبه يومئذ! فنفله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إيّاه » (٤).
__________________
١ ـ معرفة الثقات ٢ / ٢٢١.
٢ ـ المعجم الأوسط ١ / ١٣٤.
٣ ـ مجمع الزوائد ٥ / ٣٣٢.
٤ ـ المغازي ٢ / ٧٦٨.

٢٧٠
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1145
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشّبهة علي صالح رسن المحمداوي   الجمعة مارس 06, 2015 3:36 am

خيبر

لم يسجّل له موقف فيها ، ولم يفترى عليه في الحضور كما في المعارك السابقة ، حيث وردت إشارة عند الواقدي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أطعمه في خيبر مائة وأربعين وسقاً (١).

أمّا ابن سعد فروى عن عليّ بن عيسى النوفلي عن إسحاق بن الفضل : أنّ عقيلاً بعد عودته المزعومة من مؤتة مرض فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا الطائف ولا خيبر ولا في حنين ، وقد أطعمه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في خيبر مائة وأربعين وسقاً كلّ سنة ، ونفى وجوده في حنين ، ثمّ استدرك ذلك وأشار إلى حصوله على الغنيمة فيها (٢).

تجدر الإشارة بالقول سند الرواية مطعون فيه (٣) ، وفي الوقت الذي أشار فيه ابن سعد إلى إغفال ذكر عقيل في فتح مكة ، أشارت رواية أخرى أنّه أُسّر في يوم الفتح ، وقد ناقشناها في محلّها (٤).

__________________

١ ـ المغازي ٢ / ٦٩٤.

٢ ـ الطبقات ٤ / ٤٣ ، ابن عساكر : تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ٩ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ٢١٨.

٣ ـ ينظر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).

٤ ـ ينظر مبحث معركة بدر ( الفصل الرابع ).


٢٧١

حنين
أيّدت بعض المصادر حضوره في معركة حنين ، وفي ذلك روايات ، منها :
أوّلاً : رواية ابن هشام : عن زيد بن أسلم قوله : « دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه ملطّخ دماً ، فقالت له : إنّي قد عرفت أنّك قاتلت فما أصبت من غنائم المشركين؟ فقال : دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك فدفعها إليها ، فسمع منادي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول : من أخذ شيئاً فليردّه من الخيط والمخيط ، فقال لزوجته : ما أرى إبرتك إلّا قد ذهبت فأخذها فألقاها في الغنائم » (١).
الملاحظ على الرواية ، أنّها تكاد تخلو من سلسلة السند ، سوى أنّها رويت عن زيد بن أسلم ، وزيد هذا مطعونٌ فيه ، وفيه كثير من التجريح ، وهذا ما أشار إليه الشهرستاني بقوله : « ولذا قلنا : إنّ ما رواه زيد بن أسلم لا يعدو أن يكون شاذاً أو منكراً » (٢) ، وذكره الطوسي بأنّه مولى عمر بن الخطاب المدني العدوي ، وفيه نظر (٣) ، إشارة إلى تجريحه ، وكان يحيى يقول : « مرسلات معاوية بن قرّة (٤)
__________________
١ ـ السيرة النبوية ٤ / ١٠١ ، وينظر عبد الرزاق الصنعاني : المصنف ٥ / ٢٤٢ ، القاضي نعمان : شرح الأخبار / ٣١٥ ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ١ / ١٥٨ ، ابن حجر : الإصابة ٨ / ٢٧٢ ، الصالحي : سبل الهدى ٥ / ٣٩٥.
٢ ـ وضوء النبيّ / ١٤٧.
٣ ـ الرجال / ٢٠٧.
٤ ـ ابن إياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم ، كان ثقة ( ابن سعد : الطبقات ٧ / ٢٢١ ).
٢٧٢
أحبّ إليّ من مرسلات زيد بن أسلم » (١) ، وعن حماد بن زيد أنّه قدم المدينة ، فسأل عبد الله بن عمر بأنّ الناس يتكلّمون في زيد ، فقال : ما أعلم به بأساً إلّا أنّه يفسّر القرآن برأيه (٢) ، وهذا تجريح ؛ لأنّ هناك أسساً وقواعد لتفسير القرآن ، فلا يحقّ لمن هبّ ودبّ أن يفسّر كلام الله تعالى حسب هواه وبرأيه! علماً أنّ الحادثة وقعت في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وزيد تابعي كان يجالس عمر بن الخطاب كثيراً (٣) ، فالأجدر به أن يرويها عن عمر من دون سواه ، لكنه رواها عن أبيه ، ورغم ذلك قيل : إنّه من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام (٤).
وما يسجّل على المهتمّين بهذا الشأن أنّهم وضعوا منهجاً خاصّاً للصحبة ، فليس كلّ من أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هو صحابي ، وما ينطبق على صحبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ينطبق على صحابة المعصومين عليهم السلام ، فأصحاب الصادق عليه السلام ليس فيهم ممّن قدح فيه ، وكذلك وثّقه عبد الله بن أحمدبن حنبل (٥) ، وقيل : إنّه من المتقنين ، توفّي سنة ١٣٦ هـ (٦).
ثانياً : رواية الواقدي : الذي نقل خبر الغنائم لفاطمة بنت الوليد بن عتبة وجعلها زوجة عقيل بدلاً من فاطمة بنت عتبة (٧).
قبل أن نسلّط الضوء على متن الرواية لنا وقفة على سلسلة سندها ، والتي هي مطعون فيها من جهة راويها محمّد بن عمر الواقدي فقد اتّفق علماء الجرح
__________________
١ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ١ / ٣٤٥.
٢ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٥٥٥.
٣ ـ الأردبيلي : جامع الرواة ١ / ٣٤٠.
٤ ـ العلّامة الحلّي : خلاصة الأقوال / ٣٤٧.
٥ ـ ابن أبي حاتم : الجرح والتعديل ٣ / ٥٥٥.
٦ ـ ابن حبّان : مشاهير / ١٣٠.
٧ ـ المغازي ٣ / ٩١٨ ، ينظر ابن الأثير : أُسد الغابة ٥ / ٥٢٥ ، ابن حجر : الإصابة ٨ / ٢٧٢.
٢٧٣
والتعديل على تجريحه (١).
وبما أنّ الأمر يتعلّق بفاطمة بنت الوليد فقد تمّ مراجعة ترجمتها للوقوف على حقيقة الأمر ، فلم يثبت زواجها من عقيل (٢)!
ثالثاً : رواية الطوسي : الذي أيّد مشاركة عقيل في حنين مشيراً بأنّ الناس فرّوا من المعركة فلم يبق مع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلّا نفراً قليلاً من ضمنهم عقيل ، فكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يقول Sad أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب )(٣) ، وقد ذكر الواقدي الحادثة ولم يشر إلى مشاركة عقيل فيها (٤).
وفي غير ذلك لم يطرأ له ذكر في حروب المسلمين ، ولربما أصابه مرض عضال فأقعده عن المشاركة في أحداث الدعوة الإسلامية ، وهذا ما ذكره ابن سعد بقوله : « ... شهد غزوة مؤتة ، ثمّ رجع ، فعرض له مرض ، فلم يسمع له بذكر » (٥).
هذا كلّ ما ذكرناه عن اشتراكه في الأحداث التي دارت بين المسلمين والكفّار ، والذي يمكن أن نلخصه بأنّه لم يسجّل له أيّ حضور في المعارك سواء في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو بعده ، ولا حتّى في الحروب التي خاضها أمير المؤمنين عليه السلام عندما قاتل الناكثين والمارقين والمنافقين ، وهذا ليس جبن منه ، ولكن ربما كانت فيه علّة ما أقعدته عن الانخراط في الحروب.
__________________
١ ـ ينظر مبحث علمه بالنسب وأيّام الناس ( الفصل الأوّل ).
٢ ـ ينظر المحمداوي : فاطمة بنت عتبة ( بحث غير منشور ).
٣ ـ الأمالي / ٥٧٤.
٤ ـ المغازي ٣ / ٩٠٢.
٥ ـ الطبقات ٤ / ٤٣.
٢٧٤
بل أتّهم أنّه كان مع معاوية في صفين ، مستدلّين بحادثة أوهن من بيت العنكبوت! بأنّه ركبه ديْن وذهب إلى معاوية ، في قصّة طويلة عريضة ، لله الحمد لم يثبت صحّتها (١).
وكان دوره في صفين ، أنّه خرج للعمرة وعلم بالخطر الذي يهدد خلافة الإمام عليه السلام ، فبعث له كتاباً ـ إن صحّ ـ يحذّره من خطر معاوية ، فأجابه الإمام عليه السلام على ذلك (٢).
وفي الوقت الذي عدّه بعضهم دليلاً على ذهابه إلى معاوية ، وحضوره معه في صفين ، وهذا ما أشار إليه ابن معصوم بقوله : « القائلون بأنّ عقيلاً فارق أخاه في حياته زعموا أنّه شهد صفين مع معاوية غير أنّه لم يترك نصح أخيه والتعصّب له ، فرووا أنّ معاوية قال يوم صفين :لا نبالي وأبو يزيد معنا،فقال عقيل : وكنت معكم يوم بدر » (٣) ، ممكن اعتباره دليلاً على عدم ذهابه! فكيف هو مع معاوية ، ويفشي سرّه ويبعث البعوث لأخيه؟! وماذا يكون مصيره إذا علم به معاوية؟! فإذا صحّ ذلك فإنّه خرج جاسوساً يترقب أخبار معاوية العدائية ضدّ أخيه عليه السلام.
علماً أنّ كتابه الذي أرسله ، لم يذكر فيه أنّه خرج من الشام للعمرة ، ولم يطرأ لذلك ذكر! فهو بلا شك خرج من بيته في المدينة قاصداً مكة ، ولمّا علم بالطريق كتب بذلك كتاباً إلى أمير المؤمنين عليه السلام بخصوص غارة أتباع معاوية على الحيرة ،
__________________
١ ـ ينظر مبحث معركة بدر / كيفية تعامله مع الأسرى ( الفصل الرابع ) ، وذهابه إلى معاوية ( الفصل الخامس ).
٢ ـ ينظرمبحث علاقاته الاجتماعية ( الفصل الأوّل ).
٣ ـ الدرجات الرفيعة / ١٥٥.
٢٧٥
وهذا ما أشار إليه البلاذري عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد قوله : « إنّ عقيلاً كتب إلى أخيه عليّ عليه السلام : أمّا بعد كان الله جارك من كلّ سوء ، وعاصمك من المكروه على كلّ حال ، إنّي خرجت ـ يا بن أم ـ معتمراً ولقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء ، فقلت لهم ـ وعرفت المنكر ـ : أين تريدون يا بني الطلقاء؟ أبمعاوية تلحقون عداوة لنا غير مستنكرة منكم تحاولون تغيير أمر الله وإطفاء نور الحق!! فأسمعوني وأسمعتهم ، ثمّ إنّي قدمت مكة وأهلها يتحدّثون بأنّ الضحاك بن قيس أغار على الحيرة وما يليها ، فأف لدهر جرأ علينا الضحاك ، وما الضحاك إلّا فقع بقرقر (٢) ، فاكتب إليّ يا بن أمّ برأيك وأمرك ، فإنْ كنت الموت تريد تحمّلت إليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا مت. فكتب إليه الإمام عليّ عليه السلام : ( أنّ ابن أبي سرح وغيره من قريش قد اجتمعوا على حرب أخيك اليوم كاجتماعهم على حرب ابن عمك قبل اليوم ، وإن الضحاك أقل وأذل من أن يقرب الحيرة ، ولكنه أغار على ما بين القطقطانية والثعلبية ) (٣) » (٤).
وللحقّ والحقّ يقال : إنّ الرواية ضعيفة من جهة عبّاس بن هشام ، فهو غير معروف ، وأبوه إذا كان هشام الكلبي ففيه طعن (٥) ، وعن أبي مخنف لوط بن
__________________
١ ـ كان يكتب الوحي للرسول صلى الله عليه و آله و سلم ويملي غير ما يأمره به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فحكم بقتله ولو كان معلّقاً في أستار الكعبة ، وبقى هارباً حتّى استعمله عثمان على مصر. ( الصدوق : معاني / ٣٤٧ ، ابن شهر آشوب : مناقب آل أبي طالب ١ / ١٤٠ ).
٢ ـ يشبه به الرجل الذليل ، فيقال : هو فقع بقرقر ، أذل من فقع بقرقر لأنّ الدواب تنحله بأرجلها. ( ابن منظور : لسان ٨ / ٢٥٥ ).
٣ ـ موضع طريق بمكة. ابن منظور : لسان ١ / ٢٣٨.
٤ ـ أنساب الأشراف / ٧٤.
٥ ـ ينظر مبحث سيرته الشخصية ( الفصل الأوّل ).
٢٧٦
يحيى بن سعيد الغامدي بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي ، أبو مخنف شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم ، وكان يسكن إلى ما يرويه ، روى عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام وقيل : عن أبي جعفر عليه السلام ولم يصّح (١) ، ذكره الشيخ الطوسي بقوله : « لوط بن يحيى ... الأزدي الكوفي صاحب المغازي » (٢) ، ولم يشر إلى تجريحه أو توثيقه ، مكتفياً بالقول : « من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن أصحاب الحسن والحسين عليهما السلام » على ما زعم الكشي ، والصحيح أنّ أباه من أصحاب الإمام عليّ عليه السلام وهو لم يلقه (٣) ، وقد ظنّ العلّامة الحلّي أنّ الطوسي من القائلين بأنّ لوطاً من أصحاب الإمام عليه السلام فقال : « لعلّ قول الشيخ الطوسي والكشي إشارة إلى الأب ـ يعني أبوه ـ والله أعلم » (٤) ، وابن داود عن الشيخ الطوسي قال : « وعندي أنّ هذا غلط ؛ لأنّه لم يلق أمير المؤمنين عليه السلام وإنّما كان أبوه يحيى من أصحابه ، قيل : إنّه روى عن أبي جعفر عليه السلام ولم يصح » (٥) ، والسيّد الخوئي قدس سره أشار إلى أنّ لوطاً لم يدرك أمير المؤمنين عليه السلام ، مستدلاً على رواية لوط لخطبة الإمام عليّ والزهراء عليهم السلام بواسطتين ، وهذا يدلّ على عدم دركه إياه عليه السلام (٦).
بعد هذا لا نريد أن نخالف ما ذكره العلماء الأجلّاء آنفاً ، ولكن تجدر
__________________
١ ـ النجاشي : رجال / ٣١٩.
٢ ـ الرجال / ٢٧٥.
٣ ـ الفهرست / ٢٠٤.
٤ ـ خلاصة الأقوال / ٢٣٤.
٥ ـ رجال / ١٥٧ ، التفرشي : نقد الرجال ٤ / ٧٥.
٦ ـ معجم رجال الحديث ١٥ / ١٤٢.
٢٧٧
الإشارة إلى ترجمة أبيه التي أوردها ابن سعد من أنّ مخنف بن سليم بن حارث ... صحب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومن ولده أبو مخنف (١) ، وهذا وهم! لأنّ أبوه يحيى وليس مخنف ، وإذا كان الأخير أباه فإنّ لوطاً بلا شك قد أدرك أمير المؤمنين عليه السلام.
وذكره الشبستري في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، وجعله من ثقات ومحدّثي الإمامية ، ومن العلماء وشيخ المؤرّخين ، وأشار إلى الاختلاف في سنة وفاته وجعلها تتراوح بين سنة ١٧٠ هـ ، ١٥٧ هـ ، ١٧٥ هـ (٢).
تجدر الإشارة إلى قوله وغيره كما سيأتي بأنّه إمامي ، وهذا لم يصرّح به كبار علماء الإمامية ، مثل : الطوسي والنجاشي وغيرهم ، وإنّما أشار إلى صحبته للإمام الصادق عليه السلام وإلى مؤلفاته في تاريخ الإمامية ، ولم يذكروه بأنّه إماميٌ ، أمّا ابن أبي الحديد المعتزلي فقال : « أبو مخنف من المحدّثين ، وممن يرى صحّة الإمامة بالاختيار وليس من الشيعة ، ولا معدود من رجالها » (٣).
وبعد أن عرض موقف علماء الإمامية منه ، وكان خالياً من الطعن ، فمن الحريّ التعرّف على موقف الفريق الثاني الذي انهال عليه تجريحاً لا لذنب ارتكبه ، وإنّما لأنّه شيعي حسب زعمهم.
فقد أشار الألباني إلى حديث مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام فوثّق كلّ رواته باستثناء لوط بن يحيى مشيراً بأنّه إخباري هالك (٤) وكفى ، من دون أن يبرز
__________________
١ ـ الطبقات ٦ / ٣٥.
٢ ـ الفائق ٢ / ٦٢٥.
٣ ـ شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٧.
٤ ـ إرواء الغليل ٨ / ١١٧.
٢٧٨
العوامل التي جعلته يقول بضعفه.
وأشار ابن أبي حاتم إلى ضعفه ، عن يحيى بن معين قوله : أبو مخنف ليس بثقة ، وعبد الرحمن عن أبيه أنّه مترو