aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 مسجد (السيدة زينب) بمصر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمر



عدد المساهمات : 1156
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: مسجد (السيدة زينب) بمصر   الجمعة أكتوبر 30, 2015 4:27 am

هذه الحلقة ستكون عما يسمى قبر السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما المزعوم وجوده في مصر، وهو من القبور التي يُعظمها دعاة الخرافة، ويصرفون من خلالها وما ينسجونه عنها بعضَ جهلة المسلمين عن توحيد ربهم إلى الوقوع في البدع والشركيات، اتباعًا للهوى، أو طلبًا للاسترزاق المحرم.
حتى قال قائلهم وهو الصوفي أحمد فهمي، صاحب كتاب " العقيلة الطاهرة السيدة زينب " في كتابه ص 61 : " كم من مكروب نفّس الله كربته بنفحتها، وكم من مريض عميد توالت عليه الأوصاب، وتواترت عليه الأسقام، وترادفت عليه الأوجاع، فتقمص بزيارتها ثوب العافية.. "!
وقال عن " حرمها "! ص 71: " مازال هذا الحرم قبلة العارفين، وأمن الخائفين، بركاته مشاهدة مرئية، ونفحاته عائدة على زائريه بلا مرية... "! وبمثل هذا الخداع وقعت أمة التوحيد فيما حُذرت عنه. "
وقد كفانا الشيخ محمود المراكبي وفقه الله مؤنة إبطال هذا القبر المكذوب وغيره في كتابه الصادر حديثًا بعنوان: " القول الصريح عن حقيقة الضريح "، وألخص منه هنا ما يتعلق بقبر السيدة زينب، مع قليل من الإضافات.
لم يرد ذكر قبر السيدة زينب الكبرى في العديد من روايات شهود العيان من الرحالة الذين رحلوا إلى مصر، وكتبوا عن آثارها، وتحدثوا عن مزاراتها، وبالطبع أهمها مشاهد تخص آل البيت، ومن أبرز هؤلاء الرحالة: ابن جبير، والهروي، وياقوت الحموي، و ابن بطوطة، وابن دقماق المصري، وخليل بن شاهين الزاهري، وغيرهم.
فلا نجد عند كل هؤلاء أي ذكر لقبر يُنسب إلى زينب بنت علي بن أبي طالب، فمن أين جاء هذا القبر؟
لقد جاء ممن يسمى الرحالة الكوهيني الذي دخل القاهرة في 14 محرم 369هـ في فترة حكم المعز العبيدي (أثناء استيلاء الدولة العبيدية الرافضية على مصر)، حيث زار عدة مشاهد، وقال: " دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيرة، وهو في طرفها البحري ليشرف على الخليج، فنـزلنا إليه بدرج، وعاينا الضريح، فوجدنا عليه دربوزا،... ومكتوب على باب الحجرة هذا ما أمر به عبدالله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله صلوات الله عليه وعليه آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين ".
وقد أنكر العلماء ما ورد على لسان الرحالة الكوهيني لسبب يبرزه لنا البحاثة السابق في كتابه " مرقد العقيلة، ص 58 " بقوله: "إن هذا المشهد ليس للسيدة زينب؛ إذ لو كان لها مشهد بمصر بهذه الأبهة والفخامة التي يذكرها، فلماذا اختفى عن بقية الرحالين والمؤرخين؟ ولماذا اختفى أمره على معاصر الكوهيني: المؤرخ الكبير الذي صرف همه في تحرير حوادث مصر خاصة، وهو ابن زولاق المتوفى 388هـ، الذي كان حيا في مصر وقت زيارة الكوهيني، بينما ينكر دخول أي ولد لعلي لصلبه في مصر، ويقول إن أول من دخلها سكينة بن علي بن الحسين؟ فالظاهر أن ما رآه الكوهيني هو مشهد زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور ابن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب، وبه قال شيخ الأزهر الشيخ محمد بخيت المطيعي".
وتعليقًا على هذا التحليل: إن ما رآه الكوهيني يُـثبت بما لا يدع مجالاً للشك التزوير المتعمد الذي تخطط وتنفذ له الدولة العبيدية الرافضية كي تروج لدى الشعب المصري زيارة الأضرحة، وهي تعلم يقيناً كذب دعواها؛ أي أن الكوهيني اطلع على لوحة كتبها الحاكم نزار بن المعز العبيدي للترويج لحب آل البيت، كما فعل الوزير طلائع بن زريك بعد ذلك بمائتي سنة في مشهد رأس الحسين، والخطأ الذي وقع فيه الكوهيني هو تصديقه لهذه الخدعة، وترديده لها دون أن يتأملها، أو يراجعها مع علماء عصره.
لقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن السيدة زينب بنت علي لم تدخل مصر، وبالتالي لم تدفن فيها، ومن هؤلاء ابن ميسر [677هـ]، وابن تغري بردي [704هـ]، وابن الزيات المصري [814هـ] الذي ذكر جميع المسميات بزينب المدفونات بمصر في قائمة تضم [11] ممن أسمهن زينب، وليس فيهن زينب بنت علي بن أبي طالب، وكذا تلميذه نور الدين السخاوي [814هـ] ترجم للمدفونات بمصر، وذكر منهن [4] اسمهن زينب، وليست منهن زينب الكبرى، وكذلك ابن ظهيرة المصري [891هـ]، والحافظ السخاوي [902هـ]، وله تأليف منفرد عن السيدة زينب الكبرى، ولم يذكر أنها دفنت في مصر، والحافظ السيوطي [911هـ] له رسالة " العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية " لم يشر فيها إلى سفر زينب الكبرى إلى مصر، ودفنها في أراضيها.
ولقد ذكر المقريزي [845هـ] مشهد زين العابدين يعني مشهد رأس زيد بن علي، ومشهد أم كلثوم بنت محمد بن جعفر الصادق، ومشهد السيدة نفيسة، وقال في موضع آخر: "وفي خارج باب النصر في أوائل المقابر قبر السيدة زينب بنت أحمد بن جعفر بن محمد بن الحنفية.. وتسميه العامة مشهد السيدة زينب"، وهذا التصريح منه يكشف منشأ خطأ العامة وانتشار هذا الوهم.
ولقد تأسس بناء المشهد المنسوب لزينب بعد ذلك بناء على رؤيا رآها الصوفي علي الخواص شيخ الصوفي الشهير عبدالوهاب الشعراني في القرن العاشر الهجري!
قال الشعراني: "أخبرني علي الخواص أن السيدة زينب المدفونة بقناطر السباع ابنة الإمام علي رضي الله عنه، وأنها في هذا المكان بلا شك"!! ثم تابعه الصوفية الخرافيون على هذا الكذب والكشف الشيطاني.
لقد اعتمد المثبتون لرواية دخول السيدة زينب القاهرة على ما روي عن الرحالة الكوهيني كما سبق ، وعلى رسالة منسوبة للمؤرخ العبيدلي مكذوبة عليه.
ومضمون هذا: أن زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنها، لما قدمت إلى المدينة عائدة من دمشق، جعلت تخطب في الناس وتؤلبهم على خلع يزيد والأخذ بثأر الحسين، فكتب والي المدينة عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق إلى يزيد يعلمه الخبر، فرد عليه أن فرّق بينها وبينهم، فأمرها بالخروج فاختارت مصر، ودخلتها في شعبان سنة [61هـ]، ومعها فاطمة، وسكينة، وعلي أبناء الحسين، واستقبلها الناس في بلبيس، وتقدم إليها واليها مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستضافها في داره الحمراء، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشرة يوماً، وتوفيت يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة [62هـ]، وصلى عليها مسلمة بن مخلد ورجع بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار حسب وصيتها ".
وجوابًا عن هذا يُقال:
1) استبعاد تصدي السيدة زينب رضوان الله عليها للخطابة في الناس، وهي التي لم يرَ أحد من الأجانب شخصها في نور النهار، وأيضاً في وجود زوجها عبدالله بن جعفر وابن أخيها علي بن الحسين، وهو الولي الوحيد لدم أبيه، وأحق الناس به.
2) انشغال المدينة وأهلها بأحداث عبدالله بن الزبير عن المطالبة بثأر الحسين.
3) أن مصر في ذلك الوقت كان بها مسلمة بن مخلد ومعاوية بن خديج على وجه الخصوص، وقد كانا رأس المطالبين بدم عثمان، ولم يبايعا علياً ولم يأتمرا بأمر نوابه بمصر؛ ولذلك تعدهما الشيعة من ألد أعداء علي ومن أخلص أحباء معاوية، فكيف طابت مصر لزينب أن تتخذها مسكناً لها، ثم تنـزل في داره، وتموت عنده، بل ويصلي عليها!!
4) لم يذكر أي مصدر أن زوجها عبدالله بن جعفر الطيار سافر معها، أو أذن لها بالسفر، أو زارها بعد استقرارها في مصر، ولا أن أحداً من بني هاشم زارها في حياتها، ولا بعد مماتها.
5) أن كتب العبيدلي الأخرى؛ مثل أخبار المدينة، وكتاب النسب لم تشر لما نسب إليه في وريقات رسالته " أخبار الزينبيات "، وكثير من المؤلفين نقلوا عن كتبه كثيراً كأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبين، وشيخ الشرف العبيدلي في تهذيب الأنساب، وابن طقطقي في النسب الأصيلي، والنسابة العمري في المجدي، وأكثرهم تعرض لترجمة زينب الكبرى ولكن لم ينقل أحد عنه أنها ذهبت إلى مصر وماتت بها.
6) أقوال كبار المؤرخين لم تُثبت دخول زينب الكبرى مصر، ومنهم: عبدالرحمن بن الحكم، المعاصر للعبيدلي، والمتوفى سنة 257هـ الذي ألف عدة كتب في أخبار مصر وذكر جملة من الصحابة الذين دخلوا مصر، وليس فيهم ذكر زينب الكبرى ورحلتها إلى مصر، ومعاصرة، محمد ابن الربيع الجيزي ترجم للصحابة والصحابيات الذين دخلوا مصر، وكذا القضاعي [ت:453]، وله تأليف في مزارات مصر سماه أنس الزائرين، وابن جبير الأندلسي أثناء رحلته إلى القاهرة عام 578هـ، وهكذا ابن أسعد الجواني [ت:600]، وله مزارات الأشراف، وابن ميسر المصري [ت:677]، وله كتاب في تاريخ مصر، وابن تغري بردي [ت:704]، وكتابه النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة، وابن دقماق [ت:792]، وله في أخبار مصر وخططها كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار، وابن الناسخ المصري [ت:800] وكتابه مصابيح الدياجي وغوث الراجي، وهو مخطوط لم يطبع بعد، وابن الزيات الأنصاري [ت:814]، وكتابه الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة، ونور الدين السخاوي [ت:814]، وله كتاب تحفة الأحباب، والمقريزي [ت:845]، وكتبه الخطط وإتعاظ الحنفاء، والقاضي ابن ظهيرة [ت:891]، وكتابه الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، والحافظ السخاوي [ت:902]، وله كتاب مفرد في ترجمة زينب الكبرى، والسيوطي [ت:911]، وله كتاب حسن المحاضرة، وكتاب در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة، ترجم فيه مئات الصحابة، وسبع صحابيات ليس فيهن زينب الكبرى، وأحمد بن محمد السلفي [ت576] يصرح بأنه لم يمت لعلي بن أبي طالب ولد لصلبه في مصر.
قلت: وقد أقر بهذا الشيعي حسن الصفار في كتابه " المرأة العظيمة قراءة في حياة السيدة زينب " ص 295وبيّن " ضعف مستند القائلين بسفر السيدة زينب الكبرى إلى مصر، وموتها فيها ".
وقال ص 298: " المصدر الأساس لدعوى هجرة السيدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها ودفنها فيها: رسالة " أخبار الزينبيات " للنسابة العبيدلي، وحول هذه الرسالة ومؤلفها ورواتها، وبالخصوص الرواية المتعلقة بهذا الموضوع، حولها كلام عند أهل التحقيق سندًا ومتنًا ". ويُنظر كتاب " مجموعة وفيات الأئمة " لمجموعة من علماء الشيعة، ص 468469 اعترافهم أيضًا ببطلان دفنها في مصر.
أخيرًا: قال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر في عصره : " جزم كلٌ من ابن الأثير في تاريخه 4/48والطبري 6/264ومابعدها بأن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنه وأخت الحسين رضي الله عنه قد عادت مع نساء الحسين أخيها، ومع أخوات الحسين بعد مقتله إلى المدينة.. ولا عبرة بمن يشذ عنهما أي الطبري وابن الأثير .. وعليه: فلا مدفن لها في مصر، ولا جامع، ولا مشهد ". (مجلة الفتح).
السيدة زينب حفيدة رسول الله ليست مدفونة في مصر بل في المدينة المنورة [فتحي حافظ الحديدي - جريدة القاهرة 27/8/2004].
قرأت في العدد الماضي من "القاهرة" مقالاً بعنوان: "السيدة زينب المصرية والسيدة زينب السورية" للدكتور أحمد راسم النفيس, حيث لخص فيه الرأي في موضوع دفن السيدة زينب في مصر بقوله: "كان للإمام علي بنت هي زينب الكبرى المدفونة في القاهرة على أرجح الأقوال". وحيث إني سبق وقمت بدراسة تاريخية مطولة لهذا الموضوع بحثاً عن الحقيقة المجردة وبدون أي أحكام سابقة.
الخلاصة التي خرجت بها من هذا البحث في أن "السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب لم يكن لها في مصر أي مدفن حتى القرن العاشر الهجري (16 الميلادي) والأدلة على ذلك كثيرة (رغم أن دليلاً واحداً منها يكفي لإثبات ذلك), وهي:
1) آخر ما سجله قدامى المؤرخين عن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب هو ما أورده المؤرخ الحافظ بن عساكر في كتابه الموسوعي: (تاريخ دمشق) بأن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية أمر نعمان بن بشر بترحيل السيدة زينب ورفاقها من الشام إلى الحجاز ويبعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً في خيل وأعوان فيسير بهم إلى المدينة المنورة وقد دفنت بها كما هو ثابت في التاريخ وفي الواقع الحالي هناك, (لاحظ أن المؤرخ ابن عساكر مثل غيره من قدامى المؤرخين لم يذكر وجود شخصيتين باسم السيدة زينب).
2) أن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب والمتوفاة في سنة 62هـ/681م, لم يكن آنذاك مكان ضريحها الحالي بالقاهرة أرضاً, بل كان جزءاً من نهر النيل, وبعد أن انتقل نهر النيل من هنا ظل مكانه مليئاً بالبرك والمستنقعات لمدة حوالي 300 سنة, فكان المكان الحالي لمسجد السيدة زينب في عصر الدولة الأموية جزءاً من بركة قارون وهي التي أخذت في التقلص, وكانت بقيتها موجودة حتى نهاية القرن 19 باسم بركة البغالة, كما أن بركة قارون كانت في موسم الفيضان تتصل ببركة الفيل, حيث كانت تسير فيهما المراكب في هذا الموسم. ولم تستعمل هذه المنطقة للسكن والمقابر إلا في عصور متأخرة نتيجة لتقوية جسور شاطئ نهر النيل, فتوقف غمرها بمياه النيل في موسم الفيضان وقد ذكر علي باشا مبارك في الجزء الأول من الخُطط التوفيقية أن خُط السيدة زينب يقع (في عصره) تحت مستوى فيضان نهر النيل بمقدار من متر إلى متر وثلث.
ومن التقاليد الثابتة في مصر منذ العصر الفرعوني وحتى العصر الحاضر أن الناس يتجنبون دفن موتاهم في المناطق الرطبة القريبة من شاطئ النيل, فكانوا يبتعدون إلى حواف الصحارى الجافة.
3) أن ثمة ضريحاً للسيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب لم يذكر في المراجع التاريخية, سواء في المراجع العامة (وبعضها موسوعي), والتي لن أذكرها هنا لكثرتها, ولا في المراجع المتخصصة في موضوع الخطط والمزارات القاهرية وهي (علي سبيل الحصر).
أكتاب: (مرشد الزوار إلى قبور الأبرار) لموفق الدين بن عثمان المتوفى سنة 615هـ/1218م.
بكتاب (مصباح الدياجي وغوث الراجي وكهف اللاجي) لابن الناسخ, الذي عاش في عصر السلطان المنصور قلاوون في عصر دولة المماليك البحرية في أواخر القرن السابع الهجري.
جكتاب: (الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة) لابن الزيات, المتوفى سنة 814هـ/1442م.
هـكتاب: (تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات) لعلي السخاوي.
وكتاب: (الكوكب السيار إلى قبور الأبرار) لعلي بن جوهر السكري.
وذلك رغم أن كتب الخطط والمزارات هذه قد أسهبت في وصف منطقة قناطر السباع (والمعروفة حالياً بحي ميدان السيدة زينب).
كما أن الرحالة المسلمين الذين زاروا مصر في العصور الوسطى كانوا حريصين على زيارة المشاهد (الأضرحة) الشهيرة سواء لغرض السياحة أو لغرض التبرك بها, ومنهم:
ألرحالة ابن جبير: وقد عدد في كتابه عن رحلته التي كانت في القرن السادس الهجري مشاهد الشريفات العلويات المدفونات بالقاهرة, لم يذكر بينهما ضريح السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب, رغم أنه ذكر ضريحاً آخر للسيدة زينب بنت يحيى المتوج بن زيد.
بالرحالة محمد العبدري: وقد جاء مصر في سنة 688هـ/1289م. حيث زار مزارات: الإمام الشافعي والسيدة نفيسة والجمجمة المنسوبة للحسين بن علي.
ولكنه مثل غيره من زوار مصر لم يذكر ضريح السيدة زينب بنت الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء.
4 )حدث في أواخر عصر دولة المماليك الجراكسة أن نشأت مقولة شعبية بأن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب مدفونة بالقاهرة. وقد قام بنشر هذه المقولة طائفة الأدباتية والمداحين الذين يجوبون المقاهي والموالد للارتزاق, وهذه الطائفة كانت تقوم بتأليف المواويل التي تجذب الناس إليهم.
ولكن اختلفت الأقاويل في تحديد مكانها (مثلما فعلوا أيضاً في الأضرحة الوهمية للسيدة فاطمة النبوية) فكانت هناك مقولة بأن السيدة زينب مدفونة بقبر قرب قناطر السباع, ومقولة أخرى بأنها مدفونة بقبر في جبانة باب النصر.
وقد أرجع هذه الأقاويل مؤرخ المزارات المسمى ابن الناسخ إلى الرؤيا أي الحلم, فقال في صفحة 304 من كتابه المخطوط: (مصباح الدياجي وغوث الراجي وكهف اللاجي): (قبور الرؤيا من النساء مثل زينب الذي بقناطر السباع وزينب الذي بباب النصر وخديجة وعاتكة وصفية..).
5) أما أول نص مكتوب يعلن عن نسبة هذا الضريح إلى السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب فقد ورد في حكاية سجلها الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المتوفى سنة 973هـ/1565م) في بعض كتبه مثل كتاب المنن الكبرى, أي بعد حوالي تسعة قرون من وفاة السيدة زينب!!! فقد حدث في سنة 935هـ/1528م أن حلم أحد الأشخاص وهو علي الخواص بأن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب مدفونة قرب قناطر السباع, فأخبر الناس بذلك وأصبح يداوم على زيارة هذا القبر البسيط وتنظيفه والعناية به.
وهكذا بدأ هذا الضريح في الازدهار ببطء بينما أخذ الضريح المنافس له والموجود بجبانة باب النصر في الاندثار بعد أن حسم علي الخواص المنافسة بينهما.
6) بعد ذلك ابتدئ في تأليف مرويات حديثة لتتفق مع الوضع الجديد بغرض تدعيمه, وأرجعوا هذه المرويات والتي طبعت في كتيبات شعبية إلى عصور قديمة, بل حدث ادعاء بوجود مخطوط (لا وجود له) للعبيدلي, يشرح فيه رحلة السيدة زينب إلى هذه المنطقة.
علماً بأنه لم يذكر أحد من الباحثين) رغم كثرتهم في مصر وخارجها) أنه قرأ هذا المخطوط نفسه والتحقق منه, بمن فيهم المصدر الوحيد لهذا الكلام المزيف وهو حسن قاسم, وربما قد دس عليه, علماً بأن فهارس المكتبات العامة التي بها مخطوطات أصبحت معروفة ومتداولة ومتاحة تماماً لكافة الباحثين دون حاجة إلى الترحال كما كان يحدث سابقاً.
7) منطقة حي السيدة زينب الحالي, بالإضافة إلى كونها جزءاً من نهر النيل إبان وفاة السيدة زينب فإنها كانت تتناثر حول شاطئها هنا الكنائس القبطية والتي كانت تعرف بكنائس الحمراء (مثل كنيسة الزهري الشهيرة), رغم المعروف عن العرب المسلمين في العصور الأولى من الفتح الإسلامي أنهم التزموا بالسكنى في أحياء إسلامية خاصة بهم (الفسطاط العسكر القطائع القاهرة الفاطمية). كما أنه من الثابت أن دار والي مصر آنذاك مسلم بن مخلد الأنصاري كانت في مدينة الفسطاط عاصمة مصر آنذاك, والتي تبعد كثيراً عن المكان الحالي لضريح السيدة زينب. (قال مؤلفو المخطوط المزعوم إن السيدة زينب دفنت في دار والي مصر المذكور).
Cool في القرن 19 لخص العلامة علي باشا مبارك هذا الموضوع, عند حديثه عن مسجد السيدة زينب في الجزء الخامس من الخطط التوفيقية, في قوله: (ثم إني لم أر في كتب التواريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات). والمقصود بعبارة بعد الممات هو نقل وفاتها.
والجدير بالذكر أن التاريخ قد سجل الكثير من مثل هذه الواقعة, حتى أنه لتكرارها نشأت تسمية مصطلح, مشاهد الرؤيا (أي أضرحة الأحلام) وقد أخذ الناس بها لأنها تتفق مع تمنياتهم فمن مشاهد الرؤيا أيضاً:
1) ضريح الإمام جعفر الصادق, بشارع الصنادقية, قرب الأزهر, وذلك رغم وقوع المقريزي ومن بعده علي باشا مبارك في وهم أنه مدفون به, والحقيقة أنه مدفون في المدينة بالحجاز.
2) ضريح السيدة فاطمة أم الغلام بنت الحسين بن علي, بمسجد أم الغلام, بالجمالية والحقيقة أن المدفون به هو السيدة بدرية, وقد أنشأه لها ابنها محمد بن بردبك.
3) ضريح للسيدة رقية بنت الإمام علي, بشارع الخليفة.
4) ضريح لأبي أيوب الأنصاري بشارع البيومي والحقيقة أنه مدفون بالقسطنطينية (استنابول).
5) ثلاثة أضرحة للسيدة فاطمة النبوية في منطقة قسم الدرب الأحمر لوحدها:
الأول: بحارة فاطمة النبوية, قرب السور الشرقي لمدينة القاهرة.
الثاني: بشارع تحت الريع, كما ذكر علي مبارك في الجزء الخامس من الخطط التوفيقية.
والحقيقة أن المدفون به امرأة تدعى فاطمة الشقراء, وقد أخذت بهذا الرأي مؤخراً هيئة الآثار.
الثالث: بسكة النبوية, المتفرعة من درب سعادة, شرق مديرية أمن القاهرة, هذا بالإضافة إلى أضرحة أخرى للسيدة فاطمة النبوية في قسم الوايلي وغيره, كما توجد مشاهد رؤيا أخرى كثيرة في مصر نسبت إلى شخصيات أخرى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1156
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: دراسة تفصيلية عن مكان دفن رأس الحسين رضي الله عنه   الجمعة أكتوبر 30, 2015 4:49 am

[*]

ابتدأ الشيخ عبدالله زقيل - حفظه الله - قبل مدة بسلسلة علمية مهمة بعنوان " قبور ومشاهد مكذوبة " أراد منها التنبيه على بطلان ثبوت كثير من القبور والمشاهد التي يتعلق بها " القبوريون " ، ويستغلونها لترسيخ لشركياتهم وبدعهم في بلاد المسلمين ، واستغلال عواطف السذج والعوام بنهب أموالهم بهذه الأباطيل .

وقد تحدث الشيخ في الحلقة الأولى عن القبر المنسوب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، الموجود في " النجف " ؛ وبين بطلان ثبوته بالأدلة العلمية والتاريخية . والبحث موجود في صفحته بموقع " صيد الفوائد " .

وقد أحببتُ المساهمة مع أخي عبدالله في هذه السلسلة النافعة المباركة - إن شاء الله - من خلال نقل علمي رصين للدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني - حفظه الله - من رسالته " مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية " بين فيه بطلان المشهد الشهير الموجود في مصر ؛ والمسمى بـ ( مسجد الحسين ) ! ؛ وأثبتَ - بالأدلة العلمية والتاريخية - أنه مجرد أكذوبة رافضية من أيام الدولة العبيدية ؛ ثم صدقها الجهال والمغفلون من المنتسبين لأهل السنة . وقد سبقه إلى هذا العلماء المحققون ؛ وعلى رأسهم شيخ الإسلام [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D8%A8%D9%86 %D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9"]ابن تيمية[/url] - رحمه الله - في رسالته عن " رأس الحسين " - رضي الله عنه - ؛ ولكن الدكتور أجاد في عرض المسألة وتلخيصها .

يقول الدكتور الشيباني : ( إن منشأ الاختلاف في موضع رأس الحسين رضي الله عنه عند عامة الناس إنما هو ناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين -التي أقيمت في عصور التخلف الفكري والعقدي- وكلها تدعي وجود رأس الحسين!

ثم إن الجهل بموضع رأس الحسين جعل كل طائفة تنتصر لرأيها في ادعاء وجود الرأس عندها.

وإذا أردنا التحقيق في مكان الرأس فإنه يلزمنا تتبع وجود الرأس منذ انتهاء معركة كربلاء.

لقد ثبت أن رأس الحسين حمل إلى ابن زياد، فجعل الرأس في طست وأخذ يضربه بقضيب كان في يده، فقام إليه أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال: "لقد كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم". ( البخاري ) .

ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافاً بيّناً بشأن رأس الحسين رضي الله عنه.

ولكن بعد دراسة الروايات التي ذكرت أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد بن معاوية وجدتُ أن الروايات على النحو التالي:

- هناك روايات ذكرت أن الرأس أرسل إلى يزيد بن معاوية، وأخذ يزيد ينكت بالقضيب في فم الحسين، الأمر الذي حدا بأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن ينكر على يزيد فعلته.

ولكن هذه الرواية التي ذكرت وصول الرأس وتعامل يزيد معه بهذا النحو، ضعيفة . ( الطبراني وغيره بأسانيد منقطعة أو ضعيفة ) .

ولعل هذه الأسانيد هي التي اعتمد عليها شيخ الإسلام في إنكاره أن يكون الرأس قد وصل إلى يزيد أصلاً.

وكان استدلال شيخ الإسلام على ضعف هذه الرواية "بأن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق".

ونحن نشارك شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده لمتن هذه الرواية؛ بل ونضيف أمراً آخر يدل على فساد متن هذه الرواية ؛ وهو أنه مخالف لتلك الروايات الصحيحة التي بيّنت حسن معاملة يزيد لآل الحسين وتألمه وبكائه على قتل الحسين رضي الله عنه.

ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ورأس الحسين إنما حمل إلى ابن زياد وهو الذي ضربه بالقضيب كما ثبت في الصحيح".

"وأما حمله إلى عند يزيد فباطل، وإسناده منقطع".

وكان اعتماد شيخ الإسلام على نفس الرواية وعدم ثبوت سندها هو اطلاعه -كما يبدو- على رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي التي قال فيها حصين فحدثني مولى ليزيد بن معاوية قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد رأيته يبكي ويقول: "ويلي على ابن مرجانة فعل الله به، أما والله لو كانت بينه وبينه رحم ما فعل هذا".

وهذه الرواية ذكرها البلاذري؛ والطبري، والجوزقاني.

وهذه الرواية إذا نظرنا إلى متنها نجد أنها متوافقة مع ما ثبت عن حسن تعامل يزيد مع أبناء الحسين، ومع ما أبداه يزيد من الحسرة والندامة على قتل الحسين.

وأما إسناد هذه الرواية فإن الرجل المبهم فيها هو الذي جعل شيخ الإسلام ينكر صحتها ويقول "في إسناده مجهول".

ولكن هناك رواية حسنة الإسناد في أنساب الأشراف، تفيد بأن ابن زياد قد حمل الرأس إلى يزيد بن معاوية.

ثم إن هناك رواية أخرى ذكرها الطبراني على الرغم من ضعفها إلا أنها تزيد رواية البلاذري قوة، إضافة إلى الروايات الحديثية والتاريخية الأخرى التي ذكرت حمل الرأس إلى يزيد.

وبإعادة النظر في الرواية التي ذكرها البلاذري والطبري والجوزقاني -رواية حصين- نجد أن الرجل المبهم يذكره البلاذري على أنه مولى يزيد بن معاوية.

وفي رواية الطبري والجوزقاني ذكر أنه مولى معاوية بن أبي سفيان، وهذا الاختلاف في نسبة ولائه بين معاوية وبين يزيد بن معاوية لا يضر، وهو الأمر الذي جعلني أميل إلى أنه القاسم بن عبدالرحمن الدمشقي مولى يزيد بن معاوية، وهو صدوق.

والدليل على ذلك أن أبا مخنف روى نفس الرواية مع قليل من الاختلاف، فقال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير عن القاسم بن عبدالرحمن مولى يزيد بن معاوية قال: لما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد -رأس الحسين وأصحابه- قال:

نفلق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

أما والله يا حسين لو كنت صاحبك لما قتلتك".

وهذه الرواية تتفق مع الروايات الصحيحة في نظرة يزيد لمقتل الحسين وتألمه لما حدث له.

الأمر الذي يجعل من البعيد جداً أن يكون أبو مخنف قد حرّف الرواية أو زاد فيها شيئاً من عنده.

فإذا ثبت أن المولى هو القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي فعندئذ تكون رواية الطبري والبلاذري والجوزقاني حسنة، ثم إذا أضفنا لها الروايات السابقة تجعلنا نؤكد أن الرأس قد حمل إلى يزيد، ولعل هذه الروايات هي التي جعلت [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D8%A8%D9%86 %D9%83%D8%AB%D9%8A%D8%B1"]ابن كثير[/url] يغيّر رأيه أخيراً بشأن رأس الحسين، فبعد أن كان يميل إلى رأي شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عندما قال والصحيح "إنه -أي ابن زياد- لم يبعث برأس الحسين إلى الشام". قال في مكان آخر: "وقد اختلف العلماء في رأس الحسين هل سيّره ابن زياد إلى الشام أم لا، على قولين الأظهر منها أنه سيّره إليه، فقد ورد في ذلك أثار كثيرة والله أعلم" وهو ما ذهب إليه أيضاً الذهبي.

====================

وبعد أن ترجح لدينا الآن أن ابن زياد قد بعث برأس الحسين إلى يزيد وأن الرأس وصل إلى دمشق فإنا سنواجه باختلاف كبير حول المكان الذي قبر فيه رأس الحسين رضي الله عنه .

فالأماكن التي ذكر أن رأس الحسين مقبور بها ستة مدن ؛هي:

1- دمشق 2- الرقة 3- عسقلان 4- القاهرة 5- كربلاء 6- المدينة.

ولكي نصل إلى تحديد دقيق بشأن مكان رأس الحسين، فإنا سنعرض إلى كل هذه المدن التي ذكر بأن الرأس موجود بها، ثم نناقش الروايات التي ذكرت ذلك ومن ثم نحدد مكان الرأس بعد النقد والتمحيص لهذه الروايات.


أولاً: دمشق :

ذكر البيهقي في المحاسن والمساوئ ( بدون سند ! ): أن يزيد أمر بغسل الرأس وجعله في حرير وضرب عليه خيمة ووكل به خمسين رجلاً" .

وقال ابن كثير: "وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبدالرحمن، عن محمد بن عمر بن صالح -وهما ضعيفان- أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي، فأخذ من خزانته وكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق.

قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس".

وقد ذكر النعيمي: من مساجد دمشق: "مسجد الرأس ويقال بأن فيه رأس الحسين رضي الله عنه ".

وأما ابن عساكر فقد ساق بإسناده عن ريا حاضنة يزيد بن معاوية:" أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به فبقي عظماً فطيبه وكفّنه، فلما وصلت المسودة ( أي العباسيين ) سألوا عن موضع الرأس ونبشوه، فالله أعلم ما صُنع به".

قال الذهبي معقباً على هذه القصة: "وهي قوية الإسناد".

ويبدو أن الذهبي لم يتراجع عن تقويته لإسناد هذه القصة كما نقله عنه تلميذه ابن أبيك الصفدي. ( شرح رسالة ابن زيدون ، ص 205).

ولكن عند النظر في إسناد هذه القصة نجد أن ابن عساكر قد جاء بهذه القصة أثناء ترجمة "ريا" حاضنة يزيد، واعتمد في إسناده على طريق واحد فقط وهو: أحمد بن محمد بن حمزة الحضرمي، عن أبيه، عن جده، عن أبي حمزة ابن يزيد الحضرمي .

وسند ابن عساكر هذا سند ضعيف، ولا أعلم على أي شيء اعتمد الذهبي في تقويته لهذا السند؟! مع أنه سوف يضعف كما سنرى الراوي، فالراوي أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي البتلهي: ضعيف.

قال ابن حبان عن والده محمد بن يحيى : ثقة في نفسه، ويتقى حديثه ما روى عنه أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وأخوه عبيد فإنهما يدخلان عليه كل شيء.

وهذه القصة من رواية ابنه أحمد، فهو مما يتقى ويترك.

وقال عنه الذهبي: له مناكير، وقال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر ثم إن جد أبيه بن يزيد الحضرمي لم أعثر له ترجمة.

هذا من جهة السند، وأما بالنسبة للمتن، فإن هذه الرواية يبدو فيها الكذب واضحاً، وفي سياقها نكاره ظاهرة حيث مخالفتها للروايات الصحيحة التي تؤكد حسن معاملة يزيد لأبناء وأسرة الحسين.

ثم إن في المتن نزعة رافضية واضحة حيث ورد في الرواية "ولقد جاء رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له -أي يزيد- لقد أمكنك الله من عدو الله وابن عدو أبيك، فاقتل هذا الغلام أي علي بن الحسين ... فاقطع أصل هذا البيت.. "

وأخيراً فإن راوية القصة (ريا ) هذه ذكرها ابن عساكر ولم يذكر فيها جرحاً ولا تعديلاً، وتكون بذلك مجهولة. وبهذا تكون رواية ابن عساكر التي قواها الذهبي رواية ساقطة لا يعتمد عليها بأي حال من الأحوال، وقد أورد الذهبي بإسناده عن أبي كريب قال: كنت فيمن توثب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطاً وقلت فيه غنائي، فركبت فرسي، وخرجت من باب توما، قال: ففتحه، فإذا فيه رأس مكتوب عليها، هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت فيه بسيفي، فدفنته؟ . وهي رواية ضعيفة جداً، وفي سند هذه الحكاية من لم أعثر لهم على ترجمة، وقد علق المحقق على هذه الحكاية بقوله: "لا يصح فيه من لا يعرف".

ومن ناحية أخرى ما هي فائدة يزيد من احتفاظه برأس الحسين وجعله في خزائن سلاحه ؟!


ثانياً: كربلاء :

لم يقل أحد بأن الرأس في كربلاء إلا الإمامية، فإنهم يقولون: بأن الرأس أعيد إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من القتل، ودفن بجانب جسد الحسين رضي الله عنه، وهو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين .

ويكفي أن هذا القول إنما تفرد به الإمامية (الرافضة ) هم أكذب الخلق على الإطلاق، ومن نظر في كتبهم عرف هذه الحقيقة ، وقد أنكر أبو نعيم (الفضل بن دكين ) على من زعم أنه يعرف قبر الحسين رضي الله عنه .

وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه .


ثالثاً: الرقة :

لقد انفرد سبط ابن الجوزي بإيراد خبر يذكر أن الرأس قبر بالرقة وقال: إن الرأس بمسجد الرقة على الفرات، وأنه لما جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: "لأبعثن إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان" وكانوا بالرقة ، فدفنوه في بعض دورهم ، ثم دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، وهو إلى جانب سور هناك.

وهذا خبر مستبعد ؛ فالرواية ليست مسندة، ولا نعلم أي مصدر اعتمد عليه سبط ابن الجوزي حينما نقل هذا الرأي، ثم إن سبط ابن الجوزي متأخر جداً عن الحدث (ت 654هـ ) ، ثم إضافة إلى ما سبق فإن الخبر فيه نكارة واضحة لمخالفته النصوص الصحيحة التي ثبت فيها حسن معاملة يزيد لأسرة الحسين وتحسرّه وندمه على قتله، ثم إن سبط ابن الجوزي هذا على علو قدره ومكانته قال عنه الذهبي "ورأيت له مصنفاً يدل على تشيعه".


رابعاً: عسقلان :

قال الشبلنجي: "ذهبت طائفة إلى أن يزيد أمر أن يُطاف بالرأس في البلاد فطيف به حتى انتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها". ( نور الأبصار ، ص 121).

ولعل الشبلنجي هو الوحيد الذي قدّم تفسيراً عن كيفية وصول الرأس إلى عسقلان، وأما غيره فقد ذكروا بدون مسببات أن الرأس في عسقلان فقط.

وتعتبر رواية الشبلنجي رواية منكرة، بعيدة عن التصور، فكيف بالواقع المحتم في تلك الفترة بالذات؟!

فهي بالإضافة إلى مخالفتها للروايات الصحيحة التي تفيد أن يزيد تعامل مع أسرة الحسين تعاملاً حسناً، فإن الرواية تعطي تصوراً بعيداً جداً عن واقع المسلمين في ذلك الحين.

فكيف يُعقل أن يُقدم يزيد على هذا العمل من أن يطوف برأس الحسين رضي الله عنه في بلاد المسلمين، والمسلمون لا يتأثرون من هذا الصنيع برأس الحسين رضي الله عنه ؟

ثم أي غرض لهم في دفنه بعسقلان، وكانت إذ ذاك ثغراً يقيم بها المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية أثره، فعسقلان تُظهره لكثرة من ينتابها للرباط، وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يُقصد هذا ممن يقول: إنه عدو له -أي يزيد- مستحل لدمه، ساع في قتله".

وهكذا فقد ثبت من الجهة النظرية والعملية استبعاد بل استحالة دفن الرأس بعسقلان.

ولقد أنكر جمع من المحققين هذا الخبر فقال القرطبي: "وما ذكر أنه في عسقلان فشيء باطل".

وأنكر شيخ الإسلام ابن تيمية وجود الرأس بعسقلان، وتابعه على ذلك ابن كثير.

خامساً: القاهرة :
يبدو أن اللعبة التي قام بها العبيديون (الفاطميون ) قد انطلت على الكثير من الناس.

فبعد أن عزم الصليبيون الاستيلاء على عسقلان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ( 549هـ ) ، خرج الوزير الفاطمي طلائع بن زريك هو وعسكره حفاة إلى الصالحية، فتلقى الرأس ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب، ودفن في المشهد الحسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف، وكان ذلك في يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .

وقد ذكر الفارقي أن الخليفة الفاطمي نفسه قد خرج وحمل الرأس، وذكر الشبلنجي أن الوزير طلائع افتدى الرأس من الإفرنج، ونجح في ذلك بعد تغلبهم على عسقلان وافتداه بمال جزيل.

ولقد حاول بعض المؤرخين أن يؤكدوا على أن الرأس قد نقل فعلاً من عسقلان إلى مصر، وأن المشهد الحسيني في مصر إنما هو حقيقة مبني على رأس الحسين رضي الله عنه .

والعجيب أن القلقشندي استدل على صحة وجود الرأس بمصر بالحادثة التالية : أن القاضي محب الدين بن عبد الظاهر ذكر في كتابه خطط القاهرة، أن السلطان صلاح الدين الأيوبي حين استولى على قصر الفاطميين أمسك خادماً من خدام القصر، وعذبه بأن حلق رأسه وكفى عليه طاساً، وجعل فيه خنافس فأقام ثلاثة أيام لم يتأثر بذلك، فدعاه السلطان وسأله عن شأنه، هل معه طلسم وقاه ذلك فقال: لا أعلم شيئاً، غير أني حملت رأس الحسين على رأسي حين أتي به إلى المشهد، فخلى سبيله وأحسن إليه"!!

وأما الصوفية فيرون أن رأس الحسين هو بالمشهد القاهري، ويذكرون سمجاً من الخرافة، حيث يرون أن القطب يزوره كل يوم بالمشهد القاهري!

وأما أحد المتأخرين وهو حسين محمد يوسف، فقد أثبت أن الرأس الموجود في المشهد الحسيني هو حقيقة رأس الحسين وخطّأ من يقول بغير ذلك؛

وكان الاستدلال الذي جاء به هو : تلك المنامات والكشوفات التي تجلت لبعض المجاذيب (الصوفية ) التي جاء في بعضها أن الرأس هو في الحقيقة رأس الحسين !!

ثم أورد تأييداً لهذا القول باستحداث قاعدة قال فيها "إن الرأس يوجد في القاهرة وذلك بسبب الشك الذي تعارض مع اليقين"، واليقين (هم أصحاب الكشف ) !!

وكما يبدو فإن الوطنية لعبت دوراً كبيراً في هذا التأكيد على أن رأس الحسين موجودة في القاهرة . ( انظر : التحفة اللطيفة ،للسخاوي ، 1/513) .

وهكذا فإن الاستدلال على وجود الرأس في القاهرة كان مبنياً ومستندًا على أن الرأس كان في عسقلان، وقد أثبتنا قبل قليل بطلان وجود الرأس بعسقلان، وبالتالي يكون الرأس الذي حُمل إلى القاهرة، والمشهد المعروف اليوم والمقام عليه المسمى بالمشهد الحسيني كله كذب، وليس له أي علاقة برأس الحسين رضي الله عنه .

وإذا ثبت أن الرأس الذي كان مدفوناً بعسقلان ليس في الحقيقة رأس الحسين، فإذاً متى ادّعي أن رأس الحسين بعسقلان وإلى من يعود ذلك الرأس؟

يقول النويري: إن رجلاً رأى في منامه وهو بعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها، عُيّن له في منامه، فنبش ذلك الموضع، وذلك في أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالي، فابتنى له بدر الجمالي مشهداً بعسقلان. ( نهاية الأرب ،20/478) .

وقام الأفضل بعد ذلك بإخراجه وعطّره ووضعه في مكان آخر من عسقلان وابتنى عليه مشهداً كبيراً.

ولعلك تعجب من إسراع العبيديين الرافضة لإقامة المشهد على هذا الرأس، لمجرد رؤية رجل فقط؟ ولكن إذا عرفت تاريخ العبيديين فإن الأمر لا يُستغرب .

فإحساسهم بأن الناس لا يصدقون نسبتهم إلى الحسين، جعلهم يلجؤون إلى تغطية هذا الجانب باستحداث وجود رأس الحسين بعسقلان، ويُظهرون من الاهتمام به وبناء المشهد عليه والإنفاق على ترميمه وتحسينه من الأموال الشيء الكثير ؛ حتى يصدقهم الناس، ويقولون: إنه لو لم يكن لهم نسب فيه لما اهتموا به إلى هذا الحد .

ثم إن هناك بعداً سياسياً آخر باستحداث وادعاء وجود رأس الحسين بعسقلان دون غيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، وهو محاولة مجابهة الدول السنية التي قامت في بلاد الشام، ومن المعروف أن حكومة المستنصر بالله العبيدي قد صادفت قيام دولة السلاجقة السنية التي تمكن قائدها طغرلبك السلجوقي من دخول بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة.

وأيضاً فإن العبيديين يَرْمُون من استحداث قبر الحسين بعسقلان حماية مصر بوضع أقصى خط لها في شمالها، ثم يكون قبر الحسين محفزاً لجنودهم للقتال والدفاع عنه، وذلك إذا انحسر نفوذهم من بلاد الشام وخاصة إذا تعرضوا لهجوم شامل من دولة السلاجقة السنية البالغة القوة في ذلك الحين.

ولما أن غزى الصليبيون بلاد الشام، واستطاعوا اكتساح الدويلات السنية، وسيطروا على فلسطين، واستولوا على القدس خشي العبيديون من استيلاء الصليبيين على عسقلان، فأرادوا أن يجعلوا من القاهرة المكان المناسب لهذا الرأس، وحتى يبدوا أمام الناس بأنهم حريصون على رأس جدّهم مما يدفع الشبهة عنهم أكثر فأكثر.

ومما يدل على أن استحداث وجود الرأس بعسقلان ونقله إلى مصر ما هو إلا خطة عبيدية ؛ أنه لم يرد أن رأس الحسين وجد في عسقلان في أي كتاب قبل ولاية المستنصر الفاطمي. وهذا مما يعزز كذب العبيديين، وتحقيق أغراض خاصة لهم بذلك.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الرأس المزعوم في مصر ليس في الأصل سوى رأس راهب.

وأنكر عمر بن أبي المعالي أن يكون رأس الحسين قد وجد بعسقلان أو مصر وذلك "لأنه لم يوجد في تاريخ من التواريخ أنه -أي الرأس- نقل إلى عسقلان أو إلى مصر، ويقوي ذلك أن الشام ومصر لم يكن فيهما شيعة علوية يُنقل إليهم ...". ( نهاية الأرب للنويري ، 20/481) .

وقد نقل ابن دحية في كتابه "العلم المشهور" الإجماع على كذب وجود الرأس بعسقلان أو بمصر، ونقل الإجماع أيضاً على كذب المشهد الحسيني الموجود في القاهرة وذكر أنه من وضع العبيديين، وأنه لأغراض فاسدة وضعوا ذلك المشهد .

وقد أنكر وجود الرأس في مصر كل من: ابن دقيق العيد، وأبو محمد بن خلف الدمياطي، وأبو محمد بن القسطلاني، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهم.

وقال ابن كثير "وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين الذين ملكوا مصر قبل سنة أربعمائة إلى سنة ستين وخمسمائة أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية، ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر، الذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة .

وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم، قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم".

وقد كانت هذه المشاهد هي الطريق الموصلة إلى الشرك بالله ؛ ولذا قال شيخ الإسلام: "وما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام، ومن فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله سبحانه، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم، وذلك يوجد في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم، لأنهم أجهل من غيرهم وأكثر شركاً وبدعاً، ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من المساجد ويخربون المساجد أكثر من غيرهم، فالمساجد لا يصلون فيها إن صلوا إلا أفذاذاً، وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد ؛ حتى يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام، ويسمونها الحج الأكبر، وصنف ابن المفيد منهم كتاباً سماه (مناسك حج المشاهد ) وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ما لا يوجد في سائر الطوائف، وإن كان في غيرهم أيضاً نوع من الشرك والكذب والبدع؛ لكنه فيهم أكثر…" .

وبالفعل، فإن الذي يرى أولئك الناس الذين يطوفون بقبر رأس الحسين المزعوم في القاهرة، والذين يرجونه من دون الله ويستغيثون به من دون الله يعلم إلى أي حد بلغ الشرك في ديار المسلمين، ويعلم أيضاً إلى أي حد بلغ تقاعس العلماء عن تبيين الحق وتوضيحه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة ، لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسه".


سادساً: المدينة المنورة :

ذكر ابن سعد : أن يزيد بعث بالرأس إلى عمرو بن سعد والي المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال البلاذري: حدثنا عمر بن شبه، حدثني أبو بكر عيسى بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه قال: إن الرأس بعث به يزيد إلى عمرو بن سعيد والي المدينة .

وهذه الرواية عن واحد من أهل البيت، ولا شك أن أحفاد الحسين هم أعلم الناس برأس الحسين رضي الله عنه، وبذلك يكون كلامهم مقدماً على كلام غيرهم بشأن وجود الرأس.

ثم بالنظر إلى حسن تعامل يزيد مع آل الحسين وندمه على قتل الحسين رضي الله عنه يكون من المتمات لما أبداه يزيد تجاه آل الحسين هو احترام رأس أبيهم، فبإرسال رأس الحسين إلى والي المدينة وأمره بأن يدفن بجانب قبر أمه يكون يزيد قد أدى ما يتوجب عليه حيال رأس الحسين وحيال آل الحسين، بل وحيال أقارب الحسين في المدينة وكبار الصحابة والتابعين.

"ثم إن دفنه بالبقيع: هو الذي تشهد له عادة القوم، فإنهم كانوا في الفتن، إذا قتل الرجل منهم -لم يكن منهم- سلموا رأسه وبدنه إلى أهله، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلموه إلى أهله، وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير، وأن ما كان بينهما من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه". كما أننا لا نجد انتقاداً واحداً انْتُقِد فيه يزيد سواء من آل البيت أو من الصحابة أو من التابعين فيما يتعلق بتعامله مع الرأس، فظني أن يزيد لو أنه تعامل مع الرأس كما تزعم بعض الروايات من الطوفان به بين المدن والتشهير برأسه، لتصرف الصحابة والتابعين تصرفاً آخراً على أثر هذا الفعل، ولما رفض كبارهم الخروج عليه يوم الحرة ولرأيناهم ينضمون مع ابن الزبير المعارض الرئيس ليزيد . ويؤيد هذا الرأي قول الحافظ أبو يعلى الهمداني: "إن الرأس قبر عند أمه فاطمة رضي الله عنها وهو أصح ما قيل في ذلك".

وهو ما ذهب إليه علماء النسب مثل: الزبير بن بكار ومحمد بن الحسن المخزومي.

وذكر عمر بن أبي المعالي أسعد بن عمار في كتابه "الفاصل بين الصدق، والـمَيْن في مقر رأس الحسين" أن جمعا من العلماء الثقات كابن أبي الدنيا، وأبي المؤيد الخوارزمي، وأبي الفرج بن الجوزي قد أكدوا أن الرأس مقبور في البقيع بالمدينة " .

وتابعهم على ذلك القرطبي . وقال الزرقاني: قال ابن دحية : ولا يصح غيره. وشيخ الإسلام يميل إلى أن الرأس قد بعث به إلى واليه على المدينة عمرو بن سعيد وطلب منه أن يقبره بجانب أمه فاطمة رضي الله عنها، والذي جعل شيخ الإسلام يرى ذلك هو : "أن الذي ذكر أن الرأس نقل إلى المدينة هم من العلماء والمؤرخين الذين يعتمد عليهم مثل الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والإطلاع، وهم أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلونه من المجاهيل والكذابين، وبعض أهل التاريخ الذين لا يوثق بعلمهم، وقد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد، حتى يميز بين المقبول والمردود، أو يكون سيئ الحفظ أو متهماً بالكذب أو بالتزيد في الرواية، كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين".

وبذلك يكون رأس الحسين مقبوراً بجانب أمه فاطمة رضي الله عنها، وهو الموافق لما ثبت في الروايات من حسن تعامل يزيد مع آل الحسين، ثم هو الأقرب إلى الواقع الذي يملي على يزيد إرساله إلى المدينة ليقبر بجانب أمه رضي الله عنهما ) اهـ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1156
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: مسجد (السيدة زينب) بمصر   الجمعة أكتوبر 30, 2015 5:13 am

انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها (2/1)

 









[*]

تقديس القبور والأضرحة مفهوم لم يعرفه الإسلام ولو في إشارة يسيرة، بل جاءت نصوصه الثابتة بالنهي الصريح عن كل ذريعة تفضي إلى ذلك المفهوم الذي يُمثِّل خطوة أولى على طريق الانحراف نحو الشرك؛ فمن الأقوال القاطعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يدع مجالاً لتوهُّم نسخ أو تخصيص أو تقييد ما جاء عنه: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (أخرجه الإمام أحمد، [2/367]، وأبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود، [ح:1769])، وعنه: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (أخرجه الإمام أحمد بن حنبل [2/246]، وصححه الألباني في تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، [ص:25]).

هذا في قبره الشريف وفي كل قبر، وعن علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته»" (أخرجه مسلم في الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور، وأبو داود والترمذي والنسائي).

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «يُجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يُبنى عليه» وفي زيادة صحيحة لأبي داود: «أو أن يُكتَب عليه» (أخرجه مسلم في الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر، وأبو داود، [ح:3226]، وانظر: صحيح سنن أبي داود للألباني، [ح:2763]).

ولعن «المتخذين عليها -أي القبور- المساجد والسُرج» (أخرجه الترمذي وأبو داود والإمام أحمد، وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه على (سنن الترمذي) [2/137]: "الشواهد التي ذكرناها ترفعه إلى درجة الصحة لغيره، إن لم يكن صحيحاً بصحة إسناده هذا"، وضعّف الألباني لفظ (السُرج)، انظر: الضعيفة، [ح:225]).

من النور إلى الظلمات:

وعلى ذلك سار سلفنا الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان "ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، لا في الحجاز، ولا اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا خراسان، ولا المغرب، ولم يكن قد أحدث مشهد، لا على قبر نبي، ولا صاحب، ولا أحد من أهل البيت، ولا صالح أصلاً، بل عامة هذه المشاهد محدَثة بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرّقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبّسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المئة الثالثة؛ فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القدّاحية في أرض المغرب، ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر" (مجموع فتاوى شيخ الإسلام [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D8%A8%D9%86 %D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9"]ابن تيمية[/url]، ج27، [ص:466]).

"ولم يكن في العصور المفضلة (مشاهد) على القبور، وإنما كثر بعد ذلك في دولة بني بويه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك. ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة كمشهد علي رضي الله عنه وأمثاله" (المصدر السابق، [ص:167]).

"... وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي رضي الله عنه بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنما دفن علي رضي الله عنه بقصر الإمارة بالكوفة" (المصدرالسابق، [ص:466]).

فعندما بدأت المحدَثات تدب في حياة المسلمين، كان منها ذلك الأمر الجلل "فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد. ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفتُ عليه من أكاذيب أهل الكتاب، حتى صنّف كبيرهم (ابن النعمان) كتاباً في (مناسك حج المشاهد)؛ وكذبوا فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب" (المصدر السابق: [ص:161-162]).

الرواد الأوائل:

وعلى ذلك يتضح أن الذين بذروا بذورَ شرك القبور كانوا رافضة، وهذا ما تؤكده لنا عالمة الآثار الدكتورة "سعاد ماهر فهمي" عندما تسرد أوائل الأضرحة ذات القباب، فتقول: "... ويليها من حيث التاريخ: ضريح إسماعيل الساماني (يُنتسب السامانيون إلى رجل فارسي يُسمّى (سامان)، كان مجوسياً واعتنق الإسلام أواخر عهد الدولة الأموية، وإسماعيل المذكور هو: إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، آلت زعامة السامانيين إليه عام 279هـ، وتوفي سنة 295هـ انظر: [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE %D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A"]التاريخ الإسلامي[/url]، لمحمود شاكر، ج6، [ص:91] [107])، المبني سنة 296 هـ في مدينة بخارى، ثم ضريح الإمام علي رضي الله عنه في النجف الذي بناه الحمدانيون سنة 317 هـ، ثم ضريح محمد بن موسى في مدينة قم بإيران سنة 366 هـ، ثم ضريح (السبع بنات) في الفسطاط سنة 400هـ، وقد احتفظت لنا جبّانة أسوان بمجموعة كبيرة من الأضرحة ذات القباب التي يرجع تاريخ معظمها إلى العصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري" (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج1، [ص:46]).

فبدايات تعظيم القبور واتخاذها مشاهد وأضرحة ارتبطت تاريخياً بأسماء: القرامطة، وبني بويه، والفاطميين (العبيديين)، والسامانيين، والحمدانيين. وجميعهم روافض وإن تفاوتوا في درجة الغلو (انظر: التاريخ الإسلامي، ج6، [ص:149]).

على أن الدكتورة "سعاد ماهر" تذكر لنا "أن أقدم ضريح في الإسلام أُقِيمَت عليه قبة يرجع إلى القرن الثالث الهجري، وقد عُرِف هذا الضريح باسم (قبة الصليبية)، ويوجد في مدينة سامرّاء بالعراق على الضفة الغربية لنهر دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق، ويقول الطبري: "إن أم الخليفة العباسي استأذنت في بناء ضريح منفصل لولدها فأذن لها؛ إذ كانت العادة قبل ذلك أن يدفن الخليفة في قصره، فأقامت قبة الصليبية في شهر ربيع الثاني سنة 284هـ"، وقد ضم الضريح إلى جانب المنتصر الخليفة المعتز والمهتدي، وتُعتَبر قبة الصليبية -نسبة إلى موقع الضريح عند تقاطع طريقين- أوّل قبة في الإسلام" (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون ج1، [ص:46]).

ولكن الدكتورة سعاد تذكر لنا الأضرحة (ذات القباب) فقط، ولا ندري هل كانت قبل قبة الصليبية أضرحة أخرى ليست ذات قباب أم لا؟

عانق الجبت مع الطاغوت:

على أن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن (تقديس القبور والأضرحة) أمر حادث في الإسلام، وإحداثه لم يرتبط بأهل التقوى والعلم، بل ارتبط بأصحاب الدعوات الهدامة وأهل السلطان، وقد أشار [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86 %D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85"]القرآن الكريم[/url] إلى مثل ذلك في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: {قَالَ الَذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} [الكهف من الآية:21]؛ فالذين أرادوا اتخاذ مسجد على قبور الفتية هم أهل الغلبة.

ولعلنا نلمح أن في ذلك جنساً من اتباع سَنَن من كانوا قبلنا في تعانق الجبت مع الطاغوت عند حدوث الانحراف العقدي، وذلك كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء من الآية:51]؛ حيث يتآزر دعاة الأوهام والخرافة مع أصحاب الطاعة والتشريع من دون الله، ويتبادلون الأدوار أحياناً، فتجد الكهان والمنجمين والسحرة يطلبون الطاعة ممن يؤمن بخرافاتهم ويُحلِّون له الحرام، ويُحرِّمون عليه الحلال، كما أنهم يمدون أصحاب السلطان والطاعة بالشرعية التي هم في حاجة إليها، وتجد أصحاب السلطان ممن يُطاعون في معصية الله يستشيرون الخرافيين ويقربونهم ويفسحون المجال للترويج لبدعهم بين الناس. ولا شك أن لكل ذلك أثراً في الواقع.

دينهم وديدنهم:

"كما أن مكانة القبور والأضرحة (المقدسة)! غير قابلة للمساومة في دين الرافضة؛ فطائفة البهرة الإسماعيلية (من غلاة الرافضة) ذات نشاط واسع في عمارة وتجديد المساجد ذات الأضرحة بحجة الاهتمام بالعمارة الإسلامية، وبخاصة في مصر. والقبر الأول الذي يحظى بحج الجماهير في دمشق وهو القبر المنسوب إلى السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ما زال مكتوباً عليه إلى الآن: قام بعمارة البناية الضخمة عليه والمسجد حولها والقبة المزخرفة: محمد بن حسين نظام وأولاده من طائفة الشيعة" (انظر: شهر في دمشق، لعبد الله بن محمد بن خميس، [ص:67]).

وأيضاً فإن أصحاب الأضرحة الكبرى ممن يُنسَب إلى التصوُّف هم في الحقيقة من غلاة الشيعة الباطنية؛ حيث: "من العراق انطلق أحد أتباع الرفاعي إلى مصر، وهو (أبو الفتح الواسطي) (جدُّ إبراهيم الدسوقي) لنشر دعوتهم الباطنية بها، وقد كان ذلك في العهد الأيوبي، وبعد موت الواسطي جاء (البدوي) ليخلفه في دعوته تلك، وقد توزع هؤلاء الدعاة في مصر، فكان (الدسوقي) بدسوق و(أبو الحسن الشاذلي) بالإسكندرية، و(أبو الفتح الواسطي) ما بين القاهرة وطنطا والإسكندرية، ولما مات الواسطي حل محله البدوي بطنطا، وجميعهم من فلول العبيديين الذين طردهم صلاح الدين الأيوبي من مصر، ثم حاولوا العودة تحت ستار التصوُّف والزهد. كما أن كلاّ من ابن بشيش وابن عربي قد تتلمذا على يد (أبي مدين) بالمغرب" (بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، [ص:247]، نقلاً عن (السيد البدوي دراسة نقدية) للدكتور عبد الله صابر).

"وفي أواخر عهدهم أنشأ الفاطميون المشهد الحسيني عام 550هـ عندما شعروا بأن سلطتهم قد ضعفت ليجذبوا إليهم المصريين، وعهدوا إلى ابن مرزوق القرشي 564هـ تربية مريدي الصوفية، فانتظم أتباعه في طوائف وطرق لنشر الدعوة الشيعية؛ إلا أن هذه التنظيمات انهارت بانهيار الدولة الفاطمية وتحوّل المشهد الحسيني إلى ضريح صوفي" (عمار علي حسن، الصوفية والسياسة في مصر، [ص:88]).

والحاصل:

أن تقديس القبور وزيارة المشاهد تقليد شيعي في نشأته، فالشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور؛ حيث تتبعوا أو زعموا قبور من مات قديماً ممن يعظمونهم من آل البيت، وراحوا يبنون على قبورهم ويجعلونها مشاهد ومزارات، ثم جاء الصوفية فنسجوا على هذا المنوال، فجعلوا أهم مشاعرهم هو زيارة القبور وبناء الأضرحة والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات (انظر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، [ص:427]).

الحاجة أمّ الاختراع:

وأصبح تقديس القبور والأضرحة لازماً من لوازم الطرق الصوفية؛ بحيث لا يَتصور أحد وجود طريقة صوفية من غير ضريح أو أكثر تقدسه. ومع تمكن الداء من جسد الأمة ظهرت الحاجة إلى تعدد الأضرحة والمزارات لتلبي رغبات من صرعتهم الأوهام، وضاق بالقبوريين أن يتحرَّوا ثبوت قبور الأولياء المشهورين لدى جمهورهم، ولأن الحاجة أُمّ الاختراع كما يقال فقد وجدوا لهذه الأزمة بعض المخارج والحيل:

فظهر ما يُسمّى بأضرحة الرؤيا، تقول الدكتورة سعاد ماهر: "ظهر في العصور الوسطى وخاصة في أوقات المحن والحروب التي لا تجد فيها الشعوب من تلوذ به غير الواحد القهار أن يتلمسوا أضرحة آل البيت والأولياء للزيارة والبركة والدعاء ليكشف الله عنهم السوء ويرفع البلاء، ومن ثم: ظهر ما يعرف بأضرحة الرؤيا، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجداً أو ضريحاً لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا فكان عليه أن يُقِيم الضريح أو المسجد باسمه" (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج1، [ص:102-103]).

وتلك كانت الدعوى نفسها التي أُقِيمَت عليها (مزارات الشهداء) عند النصارى: "وكان ذلك إبّان القرن الخامس الميلادي؛ حيث أصبح لكل قرية مزار لشهيد يحوي عظاماً لبعض الموتى المجهولين، أُخرِجَت من القبور، ومُنِحَت كل التبجيل والاحترام، دون أدنى دليل يثبت أنها على الأقل بقايا مسيحيين، ويُخلع على هذه الرفات أسماء وألقاب لائقة، وفي حالات كثيرة كان المرجع الوحيد في هذا الشأن حلم أو رؤيا لكاهن أو راهب" (موالد مصر المحروسة، لعرفة عبده علي، [ص:71]).

"وعلى ذلك لا يلزم أن يكون الولي المقام الضريح باسمه ثبت وجوده في ذلك المكان، بل لا يلزم أن يكون وطئت قدمه أرض تلك البلاد أصلاً، ومن هنا ظهرت أضرحة مزعومة ومكذوبة في طول البلاد وعرضها، وتعددت الأضرحة للولي الواحد في أكثر من قُطْر، ولتسويغ ذلك الخطل نسجوا خرافة واضحة الزور والبهتان، فقالوا: إن الأرض لأجسام الأولياء كالماء للسمك، فيظهرون بأماكن متعددة ويزار كل مكان قيل عنه إنه فيه نبي كريم أو ولي عظيم" (الانحرافات العقدية، [ص:285]).

- "ومن الحيل الرائجة لإقامة ضريح أو مشهد: نسج الكرامات حول الشخص المزعوم بأنه ولي، أو حول المكان المزعوم بأنه مكان قبر ولي.

فمِّمَا ينسج حول الأشخاص: ما حدث مع الشيخ "صالح أبي حديد" الذي كان وبعض صحبه من قطاع الطريق، وحين كشف أمره هرب ولجأ إلى بيت مغنية مشهورة، فأخفته وادّعت أنه مجنون ووضعت في رجليه قيداً من حديد، وقد اعتقل لسانه من شدة الخوف، ثم أشاعت هي والمجتمعون من حوله أن له كرامات وإخباراً بالمغيبات، فأقبل عليه الناس بالهدايا والنذور حتى ذاع صيته، وزاره الخديوي إسماعيل واستبشر به وبنى له قبراً بقبة عالية بعد وفاته ووقف عليه الأرض وغيرها" (انظر: الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر المعاصرة، د. زكريا سليمان بيومي [ص:125]، والانحرافات العقدية، [ص:299-300]، وبدع الاعتقاد [ص:267]).

ومن ذلك: "مسجد في حلب يعرف بمسجد العريان، يعتقده أهل المحلة الموجود بها، ويقولون: إنه عرف بالعريان؛ لأنه في أكثر أوقاته يتجرَّد من ثيابه، ويدّعون أن ذلك لغلبة الحال عليه" (انظر: الانحرافات العقدية، [ص:300]).

الواقع الأليم؛ شبكة أضرحة:

ولغفلة جموع كثيرة من الأمة عن حقيقة دينها فقد أنبتت هذه الجذور شبكة واسعة من القبور والأضرحة (المقدسة) عمَّت معظم أنحاء العالم الإسلامي، بل إن بعض الباحثين يُقدِّر عدد الأضرحة في القطر الذي يعيش فيه بما لا يقل عن عدد المدن والقرى في هذا القطر، حيث يقول: "وأضرحة الأولياء التي تنتشر في مدن مصر ونحو ستة آلاف قرية: هي مراكز لإقامة الموالد للمريدين والمحبين، ويمكننا القول: إنه من الصعب أن نجد يوماً على مدار السنة ليس فيه احتفال بمولد ولي في مكان ما بمصر" (عرفة عبده علي، موالد مصر المحروسة، [ص:7]).

بل أصبحت القرى التي تخلو من الأضرحة مثار تندر وتهكم سدنة الأضرحة، فقد ذكر الدكتور زكريا سليمان بيومي أن من القرى التي تخلو من أضرحة الأولياء: (بِيّ العرب) و(أبو سنيطة) و(ميت عفيف) وهي جميعاً مركز الباجور منوفية، وأطلق المشايخ أمثلة شعبية على بخل هذه القرى وخلوها من البركة ما زالت سارية بين الناس حتى الآن! (انظر: الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر المعاصرة، [ص:126]).

ولكي ندرك حجم المأساة أكثر سنورِد بعض ما تيسّر من نماذج توضح حجم انتشار هذه الأضرحة في بعض بقاع العالم الإسلامي، وبالطبع، فليس من بلد به ضريح إلا وله مريدون ممن يعتقدون فيه.

فمن بين ألوف الأضرحة المنسوبة إلى الأنبياء والصحابة والأولياء في العالم الإسلامي يشتهر في مصر من بين أكثر من ستة آلاف ضريح "على تقدير من أشرنا إليهم أكثر من ألف ضريح" (د. سعاد ماهر فهمي، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج1، [ص:44]).

"ويذكر صاحب الخطط التوفيقية علي باشا مبارك أن الموجود في زمنه في القاهرة وحدها مئتان وأربعة وتسعون ضريحاً" (الانحرافات العقدية، [ص:293]).

أما خارج القاهرة فيوجد "على سبيل المثال في مركز فوّة (81) ضريحاً، وفي مركز طلخا (54)، وفي مركز دسوق (84)، وفي مركز تلا (133)، وهي الأضرحة التابعة للمجلس الصوفي الأعلى، بخلاف الأضرحة التابعة للأوقاف أو غير المقيدة بالمجلس الصوفي" (د. زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر المعاصرة، [ص:127-153]).

"كما يوجد في أسوان أحد المشاهد يُسمّى مشهد" (السبعة وسبعين ولياّ) (انظر: الآثار الإسلامية في مصر من الفتح العربي حتى نهاية العصر الأيوبي، مصطفى عبد الله شيحة، [ص:152]).

وتنقسم الأضرحة إلى كبرى وصغرى، وكلما فخم البناء واتّسع وذاع صيت صاحبه زاد اعتباره وكثر زواره. فمن الأضرحة الكبرى في القاهرة: ضريح الحسين، وضريح السيدة زينب، وضريح السيدة عائشة، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح الإمام الشافعي، وضريح الليث ابن سعد. وخارج القاهرة تشتهر أضرحة: البدوي بطنطا، وإبراهيم الدسوقي بدسوق، وأبي العباس المرسي بالإسكندرية، وأبي الدرداء بها أيضاً، وأبي الحسن الشاذلي بقرية حميثرة بمحافظة البحر الأحمر، وأحمد رضوان بقرية البغدادي بالقرب من الأقصر، وأبي الحجاج الأقصري بالأقصر أيضاً، وعبد الرحيم القنائي بقنا.

أما في الشام فقد أحصى عبد الرحمن بك سامي سنة (1890م) في دمشق وحدها 194ضريحاً ومزاراً، بينما عد نعمان قسطالي المشهور منها 44 ضريحاً، وذكر أنه منسوب للصحابة أكثر من سبعة وعشرين قبراً، لكل واحد منها قبة ويزار ويتبرَّك به.

وفي الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية كان يوجد 481 جامعاً يكاد لا يخلو جامع فيها من ضريح، أشهرها الجامع الذي بني على القبر المنسوب إلى أبي أيوب الأنصاري في الآستانة (القسطنطينية).

وفي الهند يوجد أكثر من مئة وخمسين ضريحاً مشهوراً يؤمها الآلاف من الناس.

وفي بغداد كان يوجد أكثر من مئة وخمسين جامعاً في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقلّ أن يخلو جامع منها من ضريح، وفي الموصل يوجد أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً كلها داخل جوامع، وهذا كله بخلاف الأضرحة الموجودة في المساجد والأضرحة المفردة (انظر: الانحرافات العقدية، [ص:289]، [294-295]).

وفي معظم مناطق أوزبكستان كثير من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة والمشائخ ورجال العلم والأولياء، وأصبحت هذه القبور مزارات يفد إليها مريدوها جماعات وأفراداً، يدعون ويبكون، ومن أهم تلك المزارات ضريح قثم بن العباس ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم في سمرقند، وضريح الإمام البخاري في قرية خرتنك (انظر: مجلة (دراسات إسلامية) العدد الأول سنة 1418هـ، مقال (مسلمو أوزبكستان)، لعبد الرحمن محمد العسيري، [ص:217-218]).

بين الحقيقة والوهم:

"وإذا كان ذكر أسماء الأضرحة المشهورة في العالم الإسلامي قد يشق على المتابع فسنذكر هنا طرفاً من الأضرحة المكذوبة والمشكوك في نسبتها: فضريح الحسين بالقاهرة "كِذِبٌ مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم" (مجموع الفتاوى، ج27، [ص:451]، وانظر: [ص:465]).

"فإنه معلوم باتفاق الناس: أن هذا المشهد بني عام بضع وأربعين وخمسمئة، وأنه نقل من مشهد بعسقلان، وأن ذلك المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمئة. فمن المعلوم أن قول القائل: إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني على رأس الحسين رضي الله عنه قول بلا حجة أصلاً" (المصدر السابق، [ص:456]).

وقد ورد عن المشائخ: "ابن دقيق العيد وابن خلف الدمياطي وابن القسطلاني والقرطبي صاحب التفسير وعبدالعزيز الديريني إنكارهم أمر هذا المشهد، بل ذكر عن ابن القسطلاني أن هذا المشهد مبنيٌ على قبر نصراني" (المصدر السابق، [ص:485]، [ص:493]).

"وإضافة إلى مشهدي عسقلان والقاهرة هناك ضريح آخر في سفح جبل الجوشن غربي حلب يُنسَب إلى رأس الحسين رضي الله عنه أيضاً، وهو من أضرحة الرؤيا، وكذلك توجد أربعة مواضع أخرى يقال إن بها رأس الحسين: في دمشق، والحنانة بين النجف والكوفة، وبالمدينة عند قبر أُمّه فاطمة رضي الله عنها، وفي النجف بجوار القبر المنسوب إلى أبيه رضي الله عنه، وفي كربلاء حيث يقال: إنه أعيد إلى جسده" (انظر: الانحرافات العقدية، [ص:288]، ومجلة (لغة العرب)، ج7، السنة السابعة (1929م)، [ص:557-561]، ومعالم حلب الأثرية، عبد الله حجار).

ورغم أن المحققين يقولون إن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما ماتت بالمدينة ودفنت بالبقيع، إلا أن القبر المنسوب إليها والذي أقامه الشيعة في دمشق هو "القبر الأول الذي يحظى بحج الجماهير إليه" (عبد الله بن محمد بن خميس، شهر في دمشق، [ص:67]).

"ولا يقل عنه جماهيرية ذلك الضريح المنسوب إليها في القاهرة، والذي لم يكن له وجود ولا ذكر في عصور التاريخ الإسلامي إلى ما قبل محمد علي باشا بسنوات معدودة كما يذكر أحمد زكي باشا" (سمير شاهين، الوثنية في ثوبها الجديد، [ص:81]).

ويقول علي مبارك في الخطط التوفيقية: "لم أرَ في كتب التاريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات" (المصدر السابق).

وأهل الإسكندرية بمصر يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن أبا الدرداء مدفون في الضريح المنسوب إليه في مدينتهم، ومن المقطوع به عند أهل العلم أنه لم يدفن في تلك المدينة (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج2، [ص:33]).

"ومن أضرحة الرؤيا: "مشهد السيدة رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وذلك بلا خلاف" (مصطفى عبد الله شيحة، مرجع سابق، [ص:143]).

ومنها كذلك: "ضريح السيدة سكينة بنت الحسين ابن علي رضي الله عنهم" (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج1، [ص:102]).

ويذكر المقريزي في خططه (2/45)؛ جملة من الأضرحة المزعومة، منها: "قبر في زقاق المزار تزعم العامة ومن لا علم عنده أنه قبر يحيى بن عقب، وأنه كان مؤدباً للحسين بن علي بن أبي طالب، وهو كذب مختلق وإفك مفترى، كقولهم في القبر الذي بحارة برجوان إنه قبر جعفر الصادق، وفي القبر الآخر إنه قبر أبي تراب النخشبي. إلى غير ذلك من أكاذيبهم" (عن مقال: تأملات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين، لحسين أحمد أمين، مجلة العربي، ع/226، رمضان 1397هـ، [ص:135]).

ومن أشهر الأضرحة أيضاً: ضريح الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنجف بالعراق، وقد مرّ بنا سابقاً كلام ابن تيمية رحمه الله من أنه: "قبر مكذوب، وأن علياً رضي الله عنه دُفِنَ بقصر الإمارة بالكوفة" (انظر أيضاً: مجموع الفتاوى ج27، [ص:493]).

"وفي البصرة عدد من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة منها: قبر عبد الرحمن بن عوف رغم أنه مات بالمدينة ودفن بالبقيع" (الانحرافات العقدية، [ص:291]).

"وفي بلدة الرها من أعمال حلب ضريح يقال إنه لجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما مع أن جابراً توفي في المدينة" (المصدر السابق، وانظر: مجموع الفتاوى، ج27، [ص:494]).

"وفي مدينة نصيبين بالشام -حالياً بجنوب تركيا- قبة يزعمون أنها لسلمان الفارسي، مع أنه رضي الله عنه مدفون في المدائن" (المصدر السابق، [ص:290]).

ويضيف ابن تيمية رحمه الله: "وكذلك بدمشق بالجانب الشرقي مشهد يقال: إنه قبر أُبَيّ بن كعب، وقد اتفق أهل العلم على أن أُبيّاً لم يقدم دمشق، وإنما مات بالمدينة، فكان بعض الناس يقول: إنه قبر نصراني، وهذا غير مستبعد. فلا يستبعد أنهم -أي: النصارى- ألقوا إلى بعض جُهَّال المسلمين أن هذا قبر من يعظِّمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه" (مجموع الفتاوى، ج27، [ص:460]).

وما لم يستبعده رحمه الله حدث مثله في العصر الحاضر "ففي الجزائر كان الشعب هناك يؤم ضريحاً في بعض المناطق الشرقية ويتبرك بأعتابه، ثم اكتُشف أن هذا القبر كان لراهب مسيحي، ولم يصدق الناس ذلك حتى عثروا على الصليب في القبر" (الانحرافات العقدية، [ص:288]).

وفي دمشق أيضاً: "قبور منسوبة إلى أمهات المؤمنين: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة رضوان الله عليهن مع أنهن مدفونات بالمدينة المنورة، وفيها كذلك قبر لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مع أنها ماتت في مكة بعد مقتل ولدها عبد الله بن الزبير بأيام قليلة" (انظر: السابق، [ص:290]، ومجموع الفتاوى، ج27، [ص:170]).

ويُنسَب الناس في الشام قبراً إلى (أم كلثوم) و(رقية) بنتي رسول الله "وقد اتفق الناس على أنهما ماتتا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة تحت عثمان، وهذا إنما هو بسبب اشتراك الأسماء؛ لعل شخصاً يُسمّى باسم من ذكر توفي ودفن في موضع من المواضع المذكورة، فظن الجهال أنه أحد من الصحابة" (مجموع الفتاوى، ج27، [ص:494]).

ومنها (قبر خالد) بحمص، يقال: "إنه قبر خالد بن يزيد بن معاوية، ولكن لما اشتهر أنه خالد، والمشهور عند العامة خالد بن الوليد: ظنوا أنه خالد بن الوليد، وقد اختلف في ذلك: هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد" (المصدر السابق، [ص:492]).

"ولعل لهذا السبب أيضاً وجد ضريح (سيدي خالد بن الوليد) بكفر الحما مركز أشمون منوفية بمصر، وضريح (الشيخ عمار بن ياسر) بناحية بني صالح تبع مركز الفشن" (انظر: الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر المعاصرة، [ص:159]، هامش4، [ص:138]).

انفراط العقد:

"وفي دمشق كذلك ضريح يَدَّعي الناس أنه لرأس يحيى بن زكريا عليهما السلام يقع في قلب المسجد الأموي، وله قبة وشباك، وله نصيبه من التمسح والدعاء، وبجانب المسجد الأموي قبر القائد صلاح الدين الأيوبي، وإلى جانبه في القبة قبر عماد الدين زنكي، وقبور أخرى تُزار ويتوسل بها. وفيها قبور أخرى كثيرة كقبر زيد بن ثابت، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والراجح أنه قبر معاوية بن يزيد بن معاوية، أما قبر معاوية الصحابي فقيل إنه بحائط دمشق الذي يقال إنه قبر هود عليه السلام، وفي دمشق أيضاً قبور كثير من التابعين والقواد العظماء، ومعظم ما يقال عن هذه القبور تخرُّصات وتكهنات معظمها من وضع الشيعة والصوفية، وإلا فليس هناك دليل مادي يثبت قبر كل فرد بعينه" (انظر: عبد الله بن محمد بن خميس، شهر في دمشق، [ص:66]، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج27، [ص:447]، [ص:491]).

"وإضافة إلى ضريح دمشق المنسوب ليحيى بن زكريا عليهما السلام فإن له مزاراً آخر في صيدا جنوب لبنان في قمة جبل يُشرِف على البلد والبحر، وله أيضاً مقام ثالث في الجامع الأموي بحلب؛ حيث توجد حجرة تعرف بـ (الحضرة النبوية) يقال إن بها رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام في صندوق جرن، وقيل إن بها عضواً من أعضاء نبي الله زكريا عليه السلام في صندوق مرمر" (الانحرافات العقدية، [ص:278-279]).

"وفي حلب أيضاً صورة مسجد يعرف بمسجد النبي، منسوب إلى نبي يُدعَى كالب بن يوفنا من سبط يهوذا" (المصدر السابق، [ص:284]).

"ونحو الجنوب إلى معان بشرقي الأردن يوجد مزار النبي هارون، ولا يوجد عند أهل هذه الناحية مقام أشد إكراماً ولا أوفر آياتٍ منه! كما يوجد في شرقي الأردن أيضاً مقام النبي هوشع (يوشع) على قمة جبل بالقرب من السلط، وهو مبني بحجارة قديمة يرتئي الباحثون أن أكثرها يرتقي إلى عهد الصليبيين! كما يوجد في غربي الكرك مزار النبي نوح، وفي بادية البلقاء وموآب يوجد مقام (الخضر الأخضر)" (انظر: المزارات في شرقي الأردن، بقلم الخوري بولس سلمان، مجلة المشرق، 11/11/ 1920م، [ص:902-910]).

"كما يوجد ضريح آخر للخضر عليه السلام في مغارة بمعرَّة النُّعمان بشمال سورية بالشام، ويوجد بها كذلك ضريح آخر ليوشع عليه السلام، وفي معرة النعمان أيضاً يوجد ضريح شيث عليه السلام، مع أن هناك جامعاً كبيراً في الموصل يُسمّى بجامع النبي شيث داخله ضريح يعتقد الناس أنه مدفون فيه، ولم يكن هذا القبر معروفاً قبل القرن الحادي عشر للهجرة، حيث رأى أحد ولاة الموصل في ذلك القرن مناماً يدل على موضع القبر، فبنى الضريح" (انظر: الانحرافات العقدية، [ص:282-283]).

"ومن المقابر المكذوبة باتفاق أهل العلم القبر المنسوب إلى هود عليه السلام بجامع دمشق، فإن هوداً لم يجيء إلى الشام" (انظر: مجموع الفتاوى ج27، [ص:491]، [ص:484]).

وهناك قبر منسوب إليه في حضرموت، وفي حضرموت أيضاً قبر يزعم الناس أنه لصالح عليه السلام، رغم أنه مات بالحجاز، وله أيضاً عليه السلام قبر في يافا بفلسطين، التي بها كذلك مزار لأيوب عليه السلام (الانحرافات العقدية، [ص:283]، [ص:281]).

"ويونس عليه السلام له ضريح في بلدة حلحول بفلسطين، وضريح آخر بقرية نينوى قرب الموصل بالعراق، وثالث في غار بضيعة قرب نابلس بفلسطين، وكلها يُدّعى أن فيها قبره عليه السلام" (انظر: السابق، [ص:281]، [ص:282])، وفي نابلس أيضاً ضريح الأسباط إخوة يوسف عليه السلام، وله عليه السلام قبر في مسجد الخليل بمدينة الخليل بفلسطين، وفي المسجد نفسه ضريح إبراهيم عليه السلام، وكذا: أضرحة تنسب إلى إسحاق ويعقوب عليهما السلام (المصدر السابق، [ص282]، [ص:281]).

ورغم وجود مزار لداود عليه السلام في قضاء كلّز من أعمال حلب بسورية، إلا أن له مزاراً آخر في جنوب غرب صيدا بلبنان، التي في جانبها الشرقي مزار شمعون يزعم الناس أنه من أنبياء بني إسرائيل، وله نفسه مزار آخر في قضاء كلّز أيضاً، وفي صيدا أيضاً مزار (صيدون) يزعم الناس أيضاً أنه من أنبياء بني إسرائيل (المصدر السابق، [ص:281]، [ص:280]).

وذكر الفيروزآبادي في تعريفه لبلدة قرب نابلس تُسمّى (عَوْرَتا): "قيل بها قبر سبعين نبياً، منهم: عزير، ويوشع" (القاموس المحيط، مادة (ع و ر).

وبعد هذا السرد إليك ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في نسبة قبور الأنبياء، فقد حكى عن طائفة من العلماء "منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء، لا يصح شيء منها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت غيره أيضاً قبر الخليل عليه السلام" (مجموع الفتاوى، ج27، [ص:446]).

ويقول أيضاً: "وأما قبور الأنبياء: فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قبره منقول بالتواتر، وكذلك قبر صاحبيه، وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره. ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين" (المصدر السابق، [ص:444]).

وماذا بعد؟

ولم يقف الأمر عند حد نسبة القبور زوراً إلى شخصيات لها نصيبها من الحب والاحترام لدى الناس، بل وصل الادعاء إلى اختلاق بعض هذه الشخصيات من الوهم والعدم ونسبة الأضرحة إليها، فمن ذلك: قبر في طريق بلدة (طورخال) بتركيا لصحابي أسموه (كيسك باش)! (وفي معرة النعمان ضريح لرجل يُدعَى عطا الله) يزعمون أنه صحابي أيضاً" (انظر: الانحرافات العقدية، [ص:290-291]).

"وذكر المقريزي أن في القاهرة قبراً على يسرة من خرج من باب الحديد ظاهر زويلة، يزعمون أنه لصحابي يُدعَى: زارع النوى"! (حسين أحمد أمين، مرجع سابق).

وفي مدينة الشهداء بمصر ضريح داخل مسجد منسوب إلى (شبل) بن الفضل بن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم أن المصادر العلمية تتفق على أن الفضل بن العباس رضي الله عنه لم ينجب إلا بنتاً واحدة اسمها (أم كلثوم) (انظر: الوثنية في ثوبها الجديد، سمير شاهين، [ص:82]).

وأخيراً:

فإننا ربما لا ننتهي إذا حاولنا استقصاء حقيقة القبور والأضرحة المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، والتي على فرض ثبوت صحة نسبتها فإن إقامة المساجد عليها وممارسة الأفعال التي اعتاد الناس على القيام بها حولها. ليس من دين الله في شيء، بل يقع معظمه في دائرة المحرَّمات بدرجاته المختلفة، ومنها ما قد يصل إلى حد الشرك المخرج من الملة.

ولكن إذا ثبت أن ديننا ينهى عن تلك الأفعال، وثبت أن سوس الجهل والأوهام يرتع ناخراً في فسطاط الخرافة، فما الذي يدفع مرتادي الأضرحة والمعتقدين فيها إلى ولوج هذا الكيان والتمسك به؟!

● انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها (1/2)

● انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها (2/2)

● البيان تنشر -ملف خاص- (الخطر الإيراني يتمدد)

خالد بن محمد حامد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1156
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: مسجد (السيدة زينب) بمصر   الجمعة أكتوبر 30, 2015 5:19 am

دوافع تقديس القبور والأضرحة (2/2)

 



عندما أطلق ماركس عبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" لاقت رواجاً بين كثير من الشعوب الأوروبية؛ حيث كانت تتلطخ في أوحال النصرانية المحرفة المشبعة بالوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية التي آلت إلى طغيان كنسي شامل سيطر على عقول الناس وأرواحهم وأموالهم ونظم حياتهم، صاحبه فساد خلقي واسع لرجال الكنيسة واستعباد لأتباعهم وصل إلى حد توزيع قسائم حجوزات في الجنة (صكوك غفران) مقابل أموال يدفعها الراغبون، مستغلين في ذلك شيوع الخرافة والدجل بين هذه الشعوب.




[*]

[size=14][size=18]عندما أطلق ماركس عبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" لاقت رواجاً بين كثير من الشعوب الأوروبية؛ حيث كانت تتلطخ في أوحال النصرانية المحرفة المشبعة بالوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية التي آلت إلى طغيان كنسي شامل سيطر على عقول الناس وأرواحهم وأموالهم ونظم حياتهم، صاحبه فساد خلقي واسع لرجال الكنيسة واستعباد لأتباعهم وصل إلى حد توزيع قسائم حجوزات في الجنة (صكوك غفران) مقابل أموال يدفعها الراغبون، مستغلين في ذلك شيوع الخرافة والدجل بين هذه الشعوب.

جدت مقولة ماركس رواجاً بين هذه الشعوب التي أرادت أن تنعتق من طاغوت الكنيسة، فكفرت بما ينبغي الكفر به، ولكنها -بدلاً من الإيمان الصحيح بالله- انتقلت إلى عبادة طاغوت جديد قديم شعاره: تقديس المادة والعقل.

وما كان للإسلام أن تطوله هذه الشطحات أو تلك الخزعبلات، فهو من جهة يعلي قيمة التفكر والتدبُّر ويراعي الحاجات الطبيعية التي غرزها الله في بني الإنسان والتي تُمثِّل عوامل الدفع للاستخلاف في الأرض وعمارتها، ومن جهة أخرى: فإن العروة الوثقى في دين الله تعني بكل وضوح: الإيمان بالله والدخول في عبوديته وحده لا شريك له، وذلك لا يتم إلا بالخروج من عبادة كل مخلوق أو الخضوع له، حياً كان أو ميتاً، تقياً كان أو فاجراً، عظيماً أو حقيراً، غنياً أو فقيراً: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256]: "جئنا لنُخرِج من شاء الله من العباد من عبادة العباد -كل العباد- إلى عبادة ربِّ العباد".

وعلى الرغم من وضوح هذه القيم في النصوص الشرعية وممارسات الرعيل الأول وأتباعهم، إلا أنه في غفلة من أهـل الإسلام تسلل رويداً رويداً انحراف عقدي وشذوذ فكري أخذ ينخر في جسد الأمة، فعشش في عقول كثير من أبنائها وتربع على قلوبهم حتى أفرخ وثنية سافرة حيناً ومستترة أحياناً... أعني بذلك: داء تقديس القبور والأضرحة والمزارات! ذلك الداء الذي فعل في أمة الإسلام -أو كاد- ما فعلته خرافات الكنيسة وطغيانها بأمة النصارى، أفيون اجتماعي مدمِّرٌ للشعوب تماثل آثاره أفيون المخدرات المدمر للأفراد مع تغييبهم وتخديرهم -إن لم تزد عليها-.

فما هو حصاد السنين من نتائج وآثار تقديس القبور والأضرحة؟ أصل الانحرافات وأخطرها:

من الصعب على الباحث أن يحصر آثار تقديس القبور والأضرحة، ولكن هناك آثاراً يمكن إبرازها، لخطورتها، ولكونها تُعتبَر أمهات لانحرافات أخرى نتجت عن هذا الداء، ويقف على رأس هذه الآثار: أظلم الظلم: الشرك بالله تعالى، فالراصد لأحوال القبوريين يلحظ بوضوح انتشار الشرك بينهم بجميع أنواعه وصوره ودرجاته شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات شرك أكبر، وشرك أصغر، وما أدراك ما يحدثه الشرك من آثار نفسية واجتماعية على الفرد والمجتمع!

فمن شرك الربوبية ظهر واضحاً اعتقاد القبوريين في الأضرحة وأصحابها: أنهم يسمعون ويبصرون ويجيبون من يتوجه إليهم، وأنهم يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وأن لهم قدرة في التصرف والتأثير في الكون بما ليس في طاقة البشر: كالخلق والإفناء، والإحياء والإماتة، وشفاء الأمراض، والنفع والضر، والعطاء والمنع، والإغناء والإفقار، وتحويل الأشياء عن حقيقتها... كما زعم القبوريون أن في الأضرحة وأصحابها القدرة على الرفع والوضع في الدنيا والآخرة، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومحو الذنوب وغفرانها.

وبناءً على هذا التصور المنحرِف في الربوبية نشأ شرك الألوهية، حيث توجه القبوريون إلى الأضرحة وأصحابها بالعبادات والتقربات التي لا يصح صرفها إلا لله عز وجل، ففضلاً عن تبركهم بها على وجه غير مشروع وجعلهم إياها عيداً ومنسكاً حتى إنهم ليحجون إليها... فإنهم عظموها كما لو كانوا يعظمون الله سبحانه، فاقسموا بها، واستشفوا، واستنصروا، ولاذوا. وأيضاً: فإنهم دعوها، واستغاثوا بها، وذبحوا لها، ونذروا، وطافوا حولها، وسيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها الهدي.

فإذا بدأنا بأقل الصور الشركية، وهو ما يحتمل أن يكون ذريعة إلى الشرك أو يكون شركاً أكبر نجد أن التبرك بالقبور والأضرحة من أبرز هذه الصور؛ فلقد اعتاد القبوريون على "أنهم بزيارتهم لهذه الأضرحة ستأتيهم البركة ويشفون من مرضهم أو يفكون عقم نسلهم... وكانوا يَمَسُّون عمامة صاحب الضريح -بعد الولائم- أملاً في شفاء أوجاع الرأس، ويَمَسّون قفطانه للعلاج من الحمى، ولحس الحجر لفك عسر اللسان، وتقديم العرائض طلباً لرفع الظلم، وتمسح النساء في الضريح أملاً في إنجاب الذكور..." (د. زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر، ص: [129]).

ولم يستحي القبوريون في طلبهم المنهوم للبركة المزعومة أن يستسيغوا المعاشرة الزوجية في هذه الأضرحة، فهذا الشعراني صاحب أكبر سجل لخرافات القبوريين يذكر من كرامات البدوي أنه دعاه إلى فض بكارة زوجته فوق قبة قبره "فكان الأمر!"[1]، وفي السودان: "وصل الأمر -في العصر الحاضر- عند بعض الرجال المخرفين إلى مجامعة زوجاتهم عند أضرحة الأولياء، بدعوى نيل البركة" (د. ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع، التبرُّك - أنواعه وأحكامه، ص: [473-474]).

وبالطبع فإن هذا التبرُّك يفتح باب الرقى والتمائم الشركية على مصراعيه.

من الأصغر إلى الاكبر:

فإذا ما تركنا التبرُّك وقصدنا بيان الشرك الصريح في أقوال المعتقدين في الأضرحة وأفعالهم، فإننا نكاد ألا نستطيع الفصل بين أنواع الشرك في هذه الممارسات؛ فالشرك في الربوبية مصاحب للشرك في الأسماء والصفات، وينبني عليه باعتباره نتيجة حتمية: الشرك في الألوهية.
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]وإليك بعض نماذج لهذا الشرك أو ذاك:

من النماذج الصارخة التي تحوي أنواع الشرك كله (ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات) ما أورده أبو بكر العراقي عن أحد القبوريين "وهو إمام وخطيب في أحد مساجد ديالى المهمة، يقول: دعوت الله ست سنوات أن يرزقني الولد فلم أُرزَق، وذهبت إلى شيخي مصطفى النقشبندي في أربيل فما أن استغثت به وطلبت منه الولد حتى رُزِقت بطفلين توأمين!" (حوار مع الصوفية، ص: [56])؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

فهذا (الإمام) أشرك في الربوبية لاعتقاده أن لشيخه النقشبندي القدرة على التصرُّف والتأثير في الكون بالنفع والعطاء من دون الله، ومن ثم فإنه: أشرك في [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A3%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%A1 %D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87 %D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86%D9%89"]أسماء الله الحسنى[/url]: النافع الضار، والوهاب، والرزاق. وأشرك في الألوهية لصرفه عبادة لغير الله؛ وذلك بدعائه لشيخه النقشبندي أن يرزقه الذرية.

فالانحراف في توحيد الربوبية عند القبوريين يتبعه دوماً انحراف في توحيد الألوهية، وإليك إيضاحاً آخر:

يقول عرفة عبده علي: "وقد احتشدت مؤلفات مناقب السيد البدوي بكرامات أسطورية غريبة لا تحصى، منها -على سبيل المثال-: إحياء الموتى، وانقاذ الأسرى في بلاد الفرنجة، وقوله للشيء كن فيكون بإذن الله!".

فماذا ترتَّب على هذا الاعتقاد في البدوي؟
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]يقول الكاتب نفسه: "وكثير من أتباعه يجعلونه في منزلة أسمى من مرتبة الأنبياء![2] فما هذه المنزلة؟ استمع إلى شهادة أحد العلماء: فقد رأى الشيخ رشيد رضا جماعة من هؤلاء القبوريين" تطوف حول قبر السيد البدوي، الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد، لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته العجيبة في قضاء الحوائج[3]، فإذا كان ذلك في أحد القبور، فهل يختلف الحال في الأضرحة الأخرى؟

تفشى الداء:

إذا شملنا واقع الأضرحة بنظرة عامة وجدنا أن الطقوس التي يمارسها المعتقدون في القبور تعدَّت إلى كثير من الصور التي تجسد أنواع الشرك بدرجاته المختلفة، وهذا هو واقع القبوريين:

* فبالأضرحة والقبور أقسموا: يقول الإمام الصنعاني: "...ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه" (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص: [26]).

"...ولن يُصدِّق أحد من الحالف إلا إذا حلف بواحد منهم، وهذا كان شيئاً طبيعياً كُنَّا نراه في القرى ونحن صغار، ولا زال يجري للآن" (د. عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص: [89]).

وهذا الانحراف العقدي أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله تعالى: العظيم*، والرقيب، والشهيد، والعليم.

* وبها لاذوا واحتموا: فكما جعل الله سبحانه البيت الحرام ملاذاً من دخله كان آمناً، جعل سدنة الأضرحة "تلك الأضرحة الوثنية حرماً آمناً يهرع إليها المجرمون والفارون، ويلجأ إليها الخائفون، ليأمنوا في رحابها، ويستريحوا في ظلالها،... وكثيراً ما عفي عن اللائذين بالأضرحة من المجرمين إكراماً للمدفونين أو خشية ورهبة من انتقامهم وبأسهم" (الانحرافات العقدية، ص: [339]).

وقد يدخل ذلك في الإلحاد في أسمائه تعالى: الكافي، والولي، والنصير، والعزيز.

* واليها توجهوا بالطلب والدعاء: وهذه بدأت بأن "بث بعض المتصوفة فكرة أن الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين مستجاب"، وانتهت بأن "أخذ العوام يطوفون بقبور الصالحين، يستعينون بهم، ويخاطبونهم، ويستنهضون هممهم بالصياح والصراخ" (محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص: [217]).

حتى أصبح الواقع "أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان، أغثني..." (روح المعاني، م3، ج6، ص: [128]).

ولا شك أن من الدعاء: الاستغاثة والاستعانة: ومن المفارقات أن تلك العبادة تتجلى واضحة عند القبوريين في المواطن التي كان المشركون يخلصون فيها الدعاء لله وحده؛ لأنهم يعلمون أن آلهتهم لا تجيبهم ولا تنفعهم في تلك المواطن، ويحكي محمد السنوسي أنه "حين كان راكباً في البحر، وهاجت الرياح، وتلاطمت الأمواج حتى كادت السفينة أن تغرق، أخذ يستجير -كما يقول- بكل ما يستحضره من الأولياء كي يكشفوا كربته!" (الانحرافات العقدية، ص: [321]).

وليس هذا حالة خاصة، بل إن "من المشاهد اليوم أن كثيراً من الناس يستغيثون بالمشائخ والأنبياء والأئمة والشهداء"  (جهور علماء الحنفية، ص: [416]، نقلاً عن أبي الحسن الندوي في رسالته: تقوية الإيمان).

فأمثال تلك المشاهدات المستقاة من الواقع الشركي للقبوريين دعت كثيراً من العلماء إلى التصريح بأن شرك الأولين من عباد الأصنام أخف وطأة من شرك القبوريين، وذلك من عدة وجوه بينوها في كتبهم (انظر على سبيل المثال: رسالة: كشف الشبهات؛ للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورسالة: أربع قواعد له أيضاً، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، لمحمد بشير السهسواني الحنفي، ص: [166]، وغاية الأماني في الرد على النبهاني، لمحمود شكري الألوسي: [1/295]).

ومن الدعاء أيضاً: الاستشفاء، ولعلنا نوضح هذا الجانب لاحقاً عند الحديث عن الآثار الاجتماعية للاعتقاد في القبور والأضرحة.

ولا شك أن هذا الانحراف في الدعاء أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى، ومنها:

السميع، المجيب، المعطي، الرزاق، القادر، النافع، الضار، النصير، العليم، الشافي.

* ولها ذبحوا ونذروا: وهذه أيضاً من الشعائر اللازمة للاعتقاد في القبور والأضرحة، "فالرعاة في شرقي الأردن يطوفون بالأغنام حول مقام النبي يوشع" في أزمان الأوبئة ويختارون خير النعاج، ويصعدونها إلى سطح المقام وينحرونها فيسيل دمها على عتبته (مقال: المزارات في شرقي الأردن، ص: [903]).

فـ "غاية الزيارات لمقامات الأولياء هي تقديم الذبائح" (مقال: المزارات في شرقي الأردن، ص: [914]).

وكثيراً ما يقترن الذبح بالنذر، ولا شك أن الذبح والنذر "سواءً أكان ذبحاً، أو إهداء زيت، أو إعطاء نقود..." من العبادات التي لا تجوز إلا لله تعالى، لذلك يقول الإمام الصنعاني رحمه الله: "والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يُسمُّونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يُسمُّونه ولياً وقبراً ومشهداً. والأسماء لا أثر لها ولا تُغيِّر المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر وسمَّاها ماءً، ما شرب إلا خمراً..." (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص: [18-19])

ابحث عن الضريح!

وكل ذلك لا يخص ضريحاً دون آخر، بل هو عام في جميع الأضرحة المقصودة بالتوجه والاعتقادت فحيثما كان ضريح يعتقد فيه؛ كان الشرك بجميع صوره وأنواعه ودرجاته؛ فهذا قبر ابن عربي بدمشق، يحكي عبد الله بن محمد بن خميس مشاهداته عنده، فيقول: "لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون، وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به، ويُعلِنون دعاءهم له من دون الله. وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح وتمرغه وتنادي: اغثني يا محيي الدين. وجدت الصبايا البريئات يجئن إليه، ويمددن أمامه الأكف، ويمسحن الوجوه، ويخشعن، ويتضرعن" (شهر في دمشق، ص: [64]).

باختصار: "عند قبر أبن عربي في دمشق يُمارَس القبوريون شتى ألوان الشرك الأكبر" (علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العقدية، ص: [327]).

وفي الهند: أصبح قبر الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني "مرجع الخلائق في العصر الأخير، ويطوفون حوله، ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال اللائقة بالمعبود، كالسجود، والنذور، وما أشبه ذلك، وضريح الشيخ علي الهجوري في لاهور في باكستان، وهو من القبور العظيمة، والناس يزورونه كل سنة، بل كل يوم، ويطوفون حوله، ويسجدون له، ويُقدِّمون النذور، ويستغيثون به، ويطلبون العون والمدد" (علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العقدية، ص: [327]).

و"عند القبر المنسوب إلى هود في حضرموت يحدث من الشرك الأكبر ما يعجز القلم عن وصفه، شأنه في ذلك شأن كل الأضرحة في البلاد الأخرى. وقد بولغ في تقديس هذا الضريح، فتراهم يشدون الرحال لزيارته وعندهم شيء من بقايا الشعور الوثني الذي كان يشعر به العرب للات والعزى، يستعينون به ويتوجهون إليه، ويولون وجوههم شطره لقضاء الحاجات، واستنزال البركات، ودفع الكربات" (علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العقدية، ص: [326]).

بل لقد اعترف أحد كبار منظِّري القبورية وهو الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري بوجود الشرك الأكبر والكفر الصراح في القبورية، فقال: "إن كثيراً من العوام بالمغرب ينطقون بما هو كفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له، ويُقبِّل الأرض بين يديه في حال سجوده، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية، ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله تعالى وإن عندنا بالمغرب من يقول في ابن مشيش: إنه الذي خلق الابن والدنيا، ومنهم من قال -والمطر نازل بشدة-: يا مولانا عبد السلام، الطف بعبادك! فهذا كفر" (عن: جهود علماء الحنفية، ص: [479-480]، نقلاً عن: إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد على القبور، للغماري).

بين الفرد والمجتمع:

كان هذا عرضاً لأهم صور الشرك، الذي هو أخطر مساوئ الاعتقاد في القبور والأضرحة على دين الإنسان ودنياه، فهو يناقض أساس الاسلام ويهدم الركن الأول منه، كما أنه يحمل في طياته مما يحمل: "التمزق النفسي والتفكير الخرافي، فإذا أمعنا النظر إلى أثر هذا الشرك في المجتمعات وجدنا آثاراً لا يستهان بسوئها، اقترنت بهذه المظاهر الشركية، ومنها:

شرك في التوحيد وشرك فى التشريع:

لا شك أن التشريع مرتبط بالتألُّه والتعبُّد، فهو أحد أقسام التوحيد، لذا: رأينا دائماً أن الانحراف في توحيد العبادة والنسك يصاحبه انحراف في توحيد التشريع والتحاكم، "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف من الآية:26]، وقال في الإشراك به في عبادته: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]، فالأمران سواءً كما ترى إيضاحه" (الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان، ج7، ص: [162]).

وعلى هذا يرتبط التحليل والتحريم التشريع بالمعبود ارتباطاً وثيقاً، حتى لقد توافقت وتزامنت دعوة العرب للشرك بالله في عبادته وتغيير دين إبراهيم عليه السلام، مع إدخال تشريعات لم يأذن بها الله، بل أمر بها الطواغيت، فعمرو بن لحي الذي كان أول من غير دين إبراهيم عليه السلام وأدخل عبادة الأصنام في العرب، كان هو نفسه أول من سيَّب السوائب وشرع لهم الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها (بتصرُّف عن: أضواء على ركن من التوحيد، لعبد العزيز بن حامد، ص: [16]، وحديث أن عمراً بن لحي: "أول من سيَّب السوائب" في البخاري، كتاب: التفسير، باب: [13]).

وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "{وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ} [المائدة من الآية:103]، أنهم يفترون على الله الكذب بتحريم ما حرَّموا على أنفسهم، وأن ذلك من أعمال الكفر به، بل يظنون أنهم يتقربون إليه ولو بالواسطة، لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب... ليست بزعمهم إلا وسائط بينهم وبين الله تعالى... وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه" (تفسير المنار، ج7، ص: [204]).

وتعدَّى أمر التشريع عند القبوريين تسييب عجل للضريح، إلى التلاعب في بعض العبادات المفروضة، ويمثل الحج أبرز مثال لهذا التلاعب، الذي بدأ بسن آداب وطقوس معينة لزيارة تلك الأضرحة، "فالزيارة ليست مجرد مرور عابر، ويجب أن تؤخذ بمعناها الدقيق، فعملية الاستقبال داخل الضريح هي لقاء بين الولي -الداعي- والزائر -الضيف-" (موالد مصر المحروسة، ص: [83]).

"لذلك لم يقتصر القبوريون، على إقامة المباني والأضرحة عليها فحسب، بل صنعوا في آداب زيارتها وترتيبها المصنفات الطوال، منها: كتاب شمس الدين محمد بن الزيات المعروف الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة" (د. سعاد ماهر فهمي، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج1، ص: [47]).

ومن (آداب للزيارة) إلى (مناسك للحج)، فقد "آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسمَّاه: مناسك حج المشاهد مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عُبَّاد الأصنام" (إغاثة اللهفان، لابن القيم، ج1، ص: [197]).

ولم يكتفوا بتصنيف الكتب في ذلك، بل أشاعوا ذلك التشريع في جمهورهم، فالدكتور عبد الكريم دهينة يذكر عن قريته التي بها أكثر من ثلاثين ضريحاً تقام لها موالد ونذور ونسك، أنه "قد أفتى بعضُ الفسقة بأن الحج ينفع إليهم" (الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص: [128]).
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]كما "أن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوي بقنا، فيه غناء عن أداء الحج إلى بيت الله الحرام..." (حسين أحمد أمين، مقال: تأمُّلات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين، ص: [137]).

وعلى ذلك فليس بمستغرب أن يقول السخاوي: "جاء الحُجاج هذه السنة لسيدي أحمد البدوي من الشام وحلب ومكة، أكثر من حجاج الحرمين!" (نقلاً عن: بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص: [268]).

فهذا باب من التشريع، وهو أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله الحسنى: الحكيم، والحكم، والعليم، والعزيز، والملك، والعظيم.
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]وكل ذلك أدَّى إلى الاستهانة بأوامر الله عز وجل، واستبدالها بتعظيم شعائر الأضرحة وأوامر سدنتها، وبذا كانت القبورية أحد الأسباب التي هيأت شعوب العالم الإسلامي لقبول العلمانية الوافدة وتشريع ما لم يأذن به الله.

شرك في التوحيد، ونكوص عن مجاهدة الأعداء:

ولست هنا بصدد تقييم علاقة أهل التصوف بمقاومة الأعداء -سلباً وايجاباً-، ولكننا نريد بيان أثر الأضرحة في جهاد أعداء الأمة، ضمن تأثيرها على حياة الشعوب الإسلامية في شتى المناحي. والمتتبع لأثر الأضرحة في هذا المجال يجد أن الأضرحة والقبور هيمنت على هذا الجانب ضمن هيمنتها على الحياة كلها، فأصبحت الأضرحة والمزارات تُمثّل بحق (أفيون الشعوب الإسلامية)!

فقد اتخذتها الشعوب مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، باعتبار أنها الرموز المقدسة التي لا ينبغي أن تمس، "ففي ريف المغرب الذي كان يحتله الإسبان قامت القبائل هناك بثورة عارمة ضدهم، حين بنى الإسبانيون مركزاً للحراسة بقرب ضريح تقدسه القبائل" (الانحرافات العقدية، ص: [305]).

وقد فطن الأعداء لهذا الأمر، فحرصوا على عدم المساس بهذه القبور والأضرحة لعدم إثارة الذين يقدسونها، بل ساهموا في الترويج لها ولطقوسها، بينما كانوا يبدلون منهج حياة المسلمين تبديلاً كاملاً، وينهبون ثروات البلاد نهباً منظماً، "ويرحل بنا المؤرخ العظيم عبدالرحمن الجبرتي إلى زمن الحملة الفرنسية، يوم تقلد الشيخ خليل البكري نقابة الأشراف... وفيه سأل صاري عسكر عن [url=http://ar.islamway.net/search?domain=default&query="%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF %D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A"]المولد النبوي[/url] ولماذا لم يعملوه كعادتهم؟! فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقُّف الأحوال، فلم يقبل، وقال: لابد من ذلك، وأعطى له ثلاثمئة ريال فرنساوية معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد، ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم..." (عرفة عبده علي، موالد مصر المحروسة، ص: [14]).

وكما مثَّلت القبور والأضرحة لدى المعتقدين فيها مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، فإنها شكَّلت عندهم بديلاً لأي جيش يناهض هؤلاء الأعداء.

فهي عندهم (هيئة المستشارين) التي تُقرِّر قتال الأعداء أو لا تقرِّره، يقول الدكتور عمر فروخ: "لا ريب في أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك واستغلوه في أعمالهم الاستعمارية".

ذكر مصطفى كامل بطل الوطنية المصرية في كتابه (المسألة الشرقية) قصة غريبة في أذن القارئ العادي، قال: ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس: أن رجلاً فرنسياً دخل في الاسلام وسمَّى نفسه سيد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعُيِّن إماماً لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنساويون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل (سيد أحمد) الضريح، ثم خرج مهولاً بما سينالهم من المصائب، وقال لهم: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنساويون آمنين في 26 أكتوبر سنة 1881م" (نقلاً عن: التصوف بين الحق والخلق، لمحمد فهر شقفة، ص: [211]، وانظر: هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، ص: [171]).

وهي عندهم (حرس الحدود) الذي يقوم على صد الأعداء، بل ومنع الفتن والأوبئة! فـ"كل مدينة كبيرة أو صغيرة محروسة بولي من الأولياء، فهو الذي يحميها من العين ومن الغارات ومن نكبات الطبيعة، ومن طمع الطامعين" (الانحرافات العقدية، ص: [324]).

وبناء على ذلك الاعتقاد يذكر الكوثري "أن أرض الشام يحرسها من الآفات والبلايا أربعة من الأولياء الذين يتصرَّفون في قبورهم!" (عن: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د. شمس الدين السلفي الأفغاني، ص: [461]).

وبخلاف الأضرحة الكبرى التي (تحرس) المدن المهمة والمراكز الحيوية، يشيع هذا الاعتقاد أيضاً عند القبوريين في القرى والنجوع، ففي "مركز مغاغة بالمنيا، وعلى وجه التحديد بقرية بني واللمس على البحر اليوسفي، يشتهر مقام سيدي حسن أبو رايتين، ويعتقدون أنه يحرس القرية ويحفظها من السرقة وعداوات الدم، ويلجؤون إليه لرفع المظالم..." (موالد مصر المحروسة، ص: [53-54]).

وهي عندهم وسائل دفاع جوي! فضريح علي الروبي بالفيوم بمصر "أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية، ببركته التي حولت مسار القنابل إلى بحر يوسف!" (موالد مصر المحروسة، ص: [53]).

وهي عندهم مُعين المدد والذخيرة، فأثناء الثورة العرابية روَّج القبوريون إشاعة قوية مفادها "أن كبار الأولياء الدسوقي -البدوي- عبد العال أهدوا أحمد عرابي ثلاثة مدافع ليستعين بها على منازلة الإنجليز" (الصوفية والسياسة، ص: [120]).

وعندما يستدعي الموقف الإمداد بـ (قوات خاصة) لمنازلة عدو شديد البأس يطلب القبوريون المدد من الأضرحة وأصحابها أيضاً، فعندما أغار التتار على بلاد الشام "كان القبوريون يخرجون يستغيثون بالموتى عند القبور، ولذا قال بعض شعراء القبورية":
[/size][/size]
 

[size=14][size=18]ياخائفين من التتر *** لوذوا بقبر أبي عمر
(جهود علماء الحنفية، ص: [458]).
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]وحين أغار جنود الفرنسيين والإفرنج على مصر "صاح المحاربون في المسلمين وصرخوا مستغيثين بغير الله مع الله: يا ربّ يا لطيف، ويا رجال الله، ونحو ذلك" (جهود علماء الحنفية، ص: [460]).

وذكر الشيخ رشيد رضا "أنه عندما زحفت روسيا على مدينة بخارى فزع الناس إلى الاستغاثة بحامي بخاري! -كما يُسمِّيه أهلها- شاه نقشبند، فلم يغنِ عنهم شيئاً" (عن: الانحرافات العقدية، ص: [320]).

وذكر أيضاً أنه "انتشر بين أهل مراكش، عند حلول النوائب بهم، وتعدي الأجانب عليهم، الاجتماع حول قبر الشيخ إدريس في فاس، طالبين أن يكشف ما نزل بهم من الشدة، تاركين ما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم والإعداد العسكري للأعداء" (محمد أحمد درنيقة، مصدر سابق، ص: [218]).

- وهي عندهم (جيوش متكاملة)، فلماذا الإعداد، والقبور والأضرحة عند المعتقدين فيها بمثابة جيوش متكاملة تفعل ما لا يستطيعه المحاربون؟! فقد قال أحد كبار الصوفية في زمن احتلال الإنجليز لمصر، ما معناه: "لو أراد إبراهيم الدسوقي خروج الإنجليز من مصر ما بقي إنجليزي واحد، وقال بعضهم في نكسة سنة 1967م ما يدور حول هذه الفكرة" (د. عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص: [120]).

وذكر الدكتور سيد عويس في كتابه المهم (رسائل إلى الإمام الشافعي) أن إحدى الرسائل الموجهة إلى ضريح الإمام الشافعي، والمؤرخة في أكتوبر سنة 1955م، يطلب صاحبها فيها عقد جلسة شريفة يحضر فيها معه سيدنا الحسين وسيدنا الحسن، والست زينب أم هاشم، وجميع أهل بيت النبي! ويطلبون من الله مسح إسرائيل اليهود، وإزالتها من على وجه الأرض المقدسة في الأسبوع، ويكون -إن شاء الله- آخر ميعاد يوم الثلاثاء القادم! (نقلاً عن مقال: الأضرحة - مدخل تاريخي واجتماعي، للأستاذ. وليد فكري فارس، مجلة التوحيد المصرية، السنة: [24]، العدد: [4]، وانظر : الصوفية والسياسة، ص: [51]).

ولها تعقد احتفالات النصر، فمما يذكره الجبرتي أنه عند "مغادرة الفرنسيين للقاهرة سنة 1216هـ هرع قائد الجيش العثماني حسين باشا القبطان إلى زيارة المشهد الحسيني، وذبح فيه خمس جواميس وسبعة أكباش، واقتسمتها خدمة الضريح" (عن: بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص: [269]).

فهل أضر مؤثر بقوة الأمة أعظم من هذا التخدير الذي سرى في جسدها بفعل أفيون تقديس القبور والأضرحة؟

شرك في التوحيد وتخلُّف في المجتمع:

وترتفع الخرافة إلى ذروتها حينما يعمد القبوريون إلى إضافة التخصصات للأضرحة بعد تقسيم درجاتها إلى كبرى وصغرى، فمثلما كان للإغريق -ومن بعدهم للرومان واليونان- إله لكل شيء. إله للحرب، والهة للحب، وإلهة للخصب، إله للخمر... وجدنا عند القبوريين أضرحة ومزارات تشتهر بتخصصها في حاجات مختلفة، يخصونها بالتوجه إليها لطلب هذه الحاجة منها.

ولعل من هذا القبيل: الأضرحة والمزارات النسائية، كمقام "الشيخة مريم التي يحتفل بمولدها مرتين: مرة في شم النسيم**.

والأخرى في ذكرى مولد النبي، وقد اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم" (موالد مصر المحروسة، ص: [53]).

وكذلك يطلب القبوريون "من ضريح الشيخة صباح في طنطا إبراء النساء من العقم" (الانحرافات العقدية، ص: [336])، ومزار (بنات عين) في معان بالأردن: "انتشر ذكره بين العواقر، يفدن إليه بالقرابين والمصابيح لنيل البرء والشفاء، وهو مختص بالنساء فقط ويدعونه بالمستشفى النسائي!" (مجلة المشرق، 11/11/1920 م، مقال: المزارات في شرقي الأردن، ص: [907]).

وإضافة إلى تلك الأضرحة والمزارات التي اشتهرت بتخصصها النسائي، هناك ضريح (النبي شعيب) في وادي السلط الجنوبي بالأردن "وهو ولي! مرهوب مختص بالأقسام الكبرى، إذا أشكلت الدعاوى واستعجمت مذاهبها، ويطلب القاضي البدوي القسم الرهيب في بركة شعيب..." (مجلة المشرق، 11/11/1920م، مقال : المزارات في شرقي الأردن، ص: [903]).

وفي حلب بسورية اعتاد بعض الناس هناك أن يسافروا إلى ضريح الشيخ ريح زاعمين أنهم يشفون من ريحهم... وللناس في قبر أبي العلاء المعري [بمعرَّة النعمان بسورية أيضاً] اعتقاد عظيم، يبيِّتون على قبره شربة ماء ويستعملونها للبرء من الحمى، وفي مدينة طنطا [بمصر] يطلب الناس هناك من ضريح عِزَّ الرجال -وهو أحد تلاميذ البدوي- شفاء الأطفال، ومن ضريح محمد الحدري المعروف بالعمري شفاء أمراض الروماتيزم!" (الانحرافات العقدية، ص: [336]).

فإذا كان هذا الاعتقاد الناشئ عن الانحرافات في اسم الله تعالى: الشافي، دعا المعتقدين في الأضرحة إلى التوجه إليها بالقربات والعبادات لنيل مرادهم، فإنه أثمر أيضاً تخلفاً اجتماعياً مريعاً؛ حيث استغنى الناس بالأضرحة عن الطب وعلومه، فما حاجتهم إلى طب (الكفار!) وعندهم أضرحة المسلمين التي تشفيهم -وبأيسر السبل- مما يعجز عنه الأطباء؟! وذلك صرف الناس عن تعلم الطب، فأثر ذلك بدوره في تدني مستوى الطب في المجتمع، مما كان يدفع الناس نحو الأضرحة مرة أخرى لطلب الشفاء منها.

وإضافة إلى إهمال تعلُّم الطب فقد أهملت العلوم الأخرى، بل أهملت الخدمات الاجتماعية للأحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات!

"شرك فى التوحيد، وفساد في الأخلاق إضافة إلى المفاسد الأخلاقية التي تحدث حول الأضرحة" (انظر على سبيل المثال: الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، للدكتور زكريا سليمان بيومي، ص: [133-137]).

هناك أشكال من هذه المفاسد ارتبطت بها أيضاً، وفي ذلك تضرب (الموالد) بنصيب وافر، حيث يشيع فيها الفساد الأخلاقي مقترناً بالشرك الأكبر والأصغر.

ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى الأثر النصراني واليهودي في هذه الموالد، حيث تكاد تتطابق أشكال طقوس احتفالات أعياد الميلاد والموالد للقديسين و(الأولياء) النصارى واليهود مع ما يحدث في موالد الأولياء المسلمين (انظر: موالد مصر المحروسة، ص: [17]).

حتى إن مولد (أبي حصيرة) اليهودي في قرية (ميتوه) بدمنهور في مصر -والذي كان يُحتفل به قبل التطبيع مع اليهود على أنه ولي مسلم، ويعقد مولده كل عام على هذا الأساس- يأتي إليه اليهود من أنحاء شتى ليُقيموا مولده، وفيه: "تقاد الشموع وتسكب زجاجات الخمر على القبر، ويرقص النساء والرجال عرايا أو شبه عرايا على أنغام شرائط الكاسيت، وفي نهاية الليل يتمددون وهم سكارى فرادى ومتزاوجين في ظل حراسة جنود الشرطة والأمن المركزي!" (جريدة الوفد القاهرية، 4/8/1416 هـ، ص: [6]).

هذه صورة من موالد (اليهود)، فماذا عن موالد (المسلمين)؟

في صدر مقالها عن موالد الأولياء في مصر، تعرف هيام فتحي دربك (المولد) بأنه: "الاحتفال بيوم ميلاد ولي من أولياء الله، والاحتفالات بالموالد تمارس في المنطقة التي فيها قبر الولي، وهي حفلات فولكلورية شعبية من غناء ورقص وتسلية، والاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وألعاب الأطفال والمراجيح وحلقات الذكر الذي يتخذ مظهر الرقص أحياناً ومظهر الشعوذة أحياناً أخرى، ففيها يقوم الرجال بعمل حركات من قيام وقعود والى الشمال وإلى اليسار وهم يذكرون لفظ الجلالة... الله، الله، حي، حي... وقد يندمج بعضهم في حلقات الذكر فيشد شعره ويتمرغ على الأرض!" (هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص: [41]).

ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى؟
[/size][/size]

 

[size=14][size=18]يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول: "ينصبون خياماً كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً..." (نقلاً عن: هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، ص: [161]).

فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواءً أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط.

فالمولد فرصة لأن "تُنتهك فيه حرمات النساء، وتُشرب الخمور"، حتى إنه "أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكاناً للهو والرقص والغناء الساقط" (د. زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص: [131]).

وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) "فترى الفتيات يرقصنَ حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة..." (المزارات في شرقي الأردن، ص: [906]).

فليس هذا خاصاً ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة.

وبعد:

فقد كانت هذه صورة لبعض نتائج تفشي داء تقديس القبور والأضرحة في العالم الإسلامي، والملاحظ أن هذه الصورة ما كانت إلا تعبيراً عن الهيمنة السلبية على حياة الناس كلها، وليس هذا الحال خاصاً بمحلة دون أخرى، بل وصل الحال إلى أن أصبح "أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات، بل عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعاً من الشرك بالله تعالى!" (الشيخ مسعود الندوي، نقلاً عن: جهود علماء الحنفية، للدكتور شمس الدين السلفي، ص: [472]).

ولم يقتصر ذلك على الجهال والطغام، بل شمل جمهرة من المنتسبين إلى العلم الشرعي أو من يُسمَّون أنفسهم بالمثقفين والمتحضرين! لا ينجو من ذلك إلا المتحصِّن بعقيدته، المستحضر توحيد ربه، الذي امتلأ قلبه بمحبة الله عز وجل وخشيته ورجائه.

إن تقديس القبور والأضرحة داء يعمل في أعز مشخصات هذه الأمة وأبرز ما يميزها، وهو التوحيد، وإن من علامات صحة الجسد إحساسه بالألم؛ فالجسد الميت أو الواقع تحت تأثير مخدر لا يحس بالألم رغم وجود مقتضاه، وهذه الأمة لا تموت ولا تنتهي إلا عند الإيذان بانتهاء الحياة في هذه الدنيا، ولكنها قد تدخل في غيبوبة عن أمر دينها أو أمر دنياها، إما بسبب غفلة من أبنائها أو بسبب كيد من أعدائها، أو بكليهما، وعند ذاك فإن كل من يساهم في إزالة أثر المخدر عنها، وكل من يساعد في إيلامها أو إظهار ألمها، فإنه يضرب بسهم في معافاتها، لأنها عندما تحس بالألم تعرف أنه أصابها داء، وعندما تدرك أنها مريضة تبحث عن الداء الذي أصابها لتقضي عليه وتفيق من رقادها.

فهل يبذل الدعاة -بل كل مسلم موحِّد- جهودهم ويجردون سيوف دعوتهم لإنقاذ الغارقين في غيبوبة الخرافات والأوهام الشركية، الذين أوشكوا على الهلاك؟

هذا ما نرجوه ونأمَله، وندعو الله العلي القدير أن يوفقنا وإياهم لما يحب ويرضى.

ــــــــــــــــ

المراجع:

[1]- (عن: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د. شمس الدين السلفي الأفغاني، ص: [744]، نقلاً عن الطبقات الكبرى للشعراني).

[2]- (موالد مصر المحروسة، ص: [80]).

[3]- (محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص: [207]).

*- (نلاحظ أن الإلحاد في اسمه تعالى: العظيم، يدخل فيه معظم الشركيات، لأنها ناتجة عن تعظيم القبوريين لهذه الأضرحة واصحابها).

**- (أصله عيد فرعوني، ويراد له الانتشار الآن مزاحمة لأعياد المسلمين).


خالد أبو الفتوح
[/size][/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مسجد (السيدة زينب) بمصر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
aloqili.com :: منتدي ال البيت النبوي-
انتقل الى: