aloqili com _______ aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمر



عدد المساهمات : 1000
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة   الإثنين أكتوبر 31, 2016 8:42 am

يوسف، الإمام العلامة، عز الدين الأردبيلي. صاحب كتاب الأنوار في الفقه، ذكره العثماني في طبقاته فيمن هو باق إلى سنة خمس وسبعين وقال: كبير القدر، غزير العلم، أناف على السبعين. جمع كتابا في الفقه سماه الأنوار مجلدان لطيفان. عظيم النفع، اختصر به الروضة وغيرها، وجعله خلاصة المذهب، وهو باق بأردبيل، أفاض الله عليه فضله الجزيل - انتهى. وقال في أول كتابه: إنه جمعه من الشرح الكبير، والصغير، والروضة، وشرح اللباب، والمحرر، والحاوي، والتعليقة. قال: وقد أهمل في الكتب المذكورة كثيرا من المسائل المهمة أو أبهم وأورد فيها كثيرا مما لا يقع أو لا يقع إلا نادرا فضممت إلى مهمات الكتب أشياء لا غنى لأحد عنه: منقولا من كتب الأئمة المعتبرين وبما حمله من كتب المذهب. قال: قد اعتمدت في كل مسألة على الكتب السبعة المذكورة أولا فإن اختلف في ترجيح مسألة اعتمدت على الأكثر من الكتب السبعة. قلت: وله شرح مصابيح البغوي في ثلاثة أجزاء.
الطبقة السابعة والعشرون
وهم الذين كانوا في العشرين الخامسة من المائة الثامنة

(1/173)


إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي ابن جماعة، الكناني، قاضي مصر والشام، وخطيب الخطباء، وشيخ الشيوخ، وكبير طائفة الفقهاء، وبقية رؤساء الزمان، برهان الدين أبو إسحاق بن الخطيب زين الدين أبي محمد بن قاضي مصر والشام بدر الدين. ولد في مصر في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقدم دمشق صغيرا، فنشأ عند أقاربه في المزة، وأحضر على جده، وسمع من أبيه وعمه، وطلب الحديث بنفسه، وهو صغير في حدود الأربعين وسمع من شيوخ مصر والشام. ولازم المزي والذهبي، وحصل الأجزاء، وتخرج على الشيوخ، واشتغل في فنون العلم، وتوفي والده سنة تسع وثلاثين وهو صغير، فكتبت خطابة القدس باسمه، واستنيب له مدة، ثم باشر بنفسه وهو صغير، وانقطع في بيت المقدس، ثم أضيف إليه تدريس الصلاحية بعد وفاة العلائي، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية بعد عزل أبي البقاء في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وباشر بنزاهة وعفة، ومهابة وحرمة، وعزل نفسه، فسأله السلطان وترضاه حتى عاد واستمر إلى أن عزل نفسه ثانيا في شعبان سنة سبع - بتقديم السين - وسبعين، وعاد إلى القدس على وظائفه. ثم سئل في العود إلى القضاء، فأعيد في صفر سنة إحدى وثمانين، فباشر ثلاث سنين إلى أن عزل نفسه في صفر سنة أربع وثمانين، وعاد إلى القدس، ثم خطب إلى قضاء دمشق والخطابة بعد موت القاضي ولي الدين في ذي القعدة سنة خمس وثمانين، ثم أضيف إليه مشيخة الشيوخ بعد سنة من ولايته، وقام في أمور كبار فتمت له. ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال. الإمام الفقيه، المحدث المفيد، أحد من طلب وعني بتحصيل الأجزاء، وقرأ وتميز، وهو في ازدياد من الفضائل، ولي خطابة القدس بعد والده، وقرأ على كثير - انتهى. وحكي عنه أنه قال: ما وليت قط فقاهة ولا إعادة. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: عزل نفسه في أثناء ولايته غير مرة، ثم يسأل ويعاد، وكان محببا إلى الناس، وإليه انتهت رئاسة العلماء في زمانه، فلم يكن أحد يدانيه في سعة الصدر، وكثرة البذل، وقيام الحرمة، والصدع بالحق، وقمع أهل الفساد، مع المشاركة الجيدة في العلوم، واقتنى من الكتب النفيسة بخطوط مصنفيها وغيرهم ما لم يتهيأ لغيره - انتهى. وقد وقفت له على مجاميع وفوائد بخطه. وجمع تفسيرا في نحو عشرة مجلدات. وقفت عليه بخطه، وفيه غرائب وفوائد. توفي سنة الفجأة في شعبان سنة تسعين وسبعمائة، ودفن بتربة أقاربه بني الوجيه في المزة.
(1/174)


أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن أحمد بن سالم بن داوود بن يوسف بن جابر، الإمام العلامة، المطلع، صاحب التصانيف المشهورة، شهاب الدين أبو العباس الأذرعي، شيخ البلاد الشمالية، وفقيه تلك الناحية ومفتيها، والمشار إليه بالعلم فيها. مولده في إحدى الجماديين سنة ثمان - وقيل: سنة سبع - بتقديم السين - وسبعمائة في ذرعات وسمع من جماعة. وقرأ على الحافظين المزي والذهبي، وأجاز له جمع من دمشق ومصر والإسكندرية، وخرج له الحافظ شهاب الدين ابن حجي جزءا واشتغل في دمشق على الكثير وأخذ عن ابن النقيب وابن جملة، ولازم الفخر المصري، وهو الذي أذن له في الإفتاء في سنة خمس وثلاثين، ودخل القاهرة وحضر درس الشيخ مجد الدين السنكلومي، ثم سكن حلب، وناب في الحكم فيها مدة عن ابن الصائغ أول ما قدم، فلما مات ترك ذلك وأقبل على الاشتغال، والتدريس، والتصنيف، والكتابة، والفتوى، ونفع الناس. وحصل له كتب كثيرة لقلة الطلاب هناك. ونقل منها في تصانيفه بحيث أنهلا يوازيه أحد من المتأخرين في كثرة النقل. وكتب على المنهاج القوت في عشرة مجلدات، والغنية أصغر من القوت، والتوسط، والفتح بين الروضة، والشرح في نحو عشرين مجلدا، والتنبيهات على أوهام المهمات في نحو ثلاثة مجلدات، وصل فيه إلى الطلاق. وله أسئلة سأل عنها قديما الشيخ تقي الدين السبكي، وله أسئلة عل التوشيح وغير ذلك، وكتبه مفيدة. وهو ثقة، ثبت في النقل، وكثير من الكتب التي نقل عنها قد عدمت، فأبقى الله تعالى ذكرها بنقله عنها وإيداع ما فيها من الفوائد والغرائب في كتبه لكنه قليل التصرف ولا يد له في غير الفقه. وضعف بصره في آخر عمره، وثقل سمعه جدا، وسقط من سلم فكسرت رجله، وصار ضعيف المشي. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: اشتهرت فتاويه في البلاد الحلبية، وكان سريع الكتابة، مطرح النفس، كثير الجود، صادق اللهجة، شديد الخوف من الله تعالى. وقدم القاهرة بعد موت الإسنوي، وأخذ عنه بعض أهلها ثم رجع، ورحل إليه من فضلاء المصريين الشيخ بدر الدين الزركشي، والشيخ برهان الدين البيجوري، وكتب عنه شرح المنهاج. وكان فقيه النفس، لطيف الذوق، كثير الإنشاد للشعر، وله نظم قليل، وكان يقول الحق، وينكر المنكر، ويخاطب نواب حلب بالغلظة. وكان محبا للغرباء محسنا إليهم، معتقدا لأهل الخير، كثير الملازمة لبيته، لا يخرج إلا لضرورة. وكان كثير التحري في أموره. وقال غيره: إنه كان يأخذ العقد على أصحابه أنهم لا يلون القضاء. وشاعت فتاويه في الآفاق مع التوقي الشديد. خصوصا في الطلاق. وكان عسرا في الإذن في الإفتاء. لم يأذن إلا لجماعة يسيرة، منهم القاضي شرف الدين الأنصاري وشرف الدين الداديخي. وقد بالغ ابن حبيب في الثناء عليه في ذيله على تاريخ والده. توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة في حلب، ودفن خارج باب المقام تجاه تربة ابن الصاحب.
(1/175)


أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب بن مرحم، الإمام العلامة، بقية السلف، مفتي المسلمين، صدر المدرسين، شهاب الدين، أبو العباس الزهري، البقاعي، الدمشقي. مولده سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين وسبعمائة تقريبا، وقال بعضهم: سنة إحجدى وعشرين. قدم دمشق صغيرا مع بعض أقاربه سنة اثنتين وثلاثين، وسمع بها من الحافظين المزي والبرزالي ثم رجع إلى بلده، ثم قدم ثانيا للاشتغال قبل الأربعين، ولازم الشيخ فخر الدين المصري، ثم القاضي بهاء الدين أبا البقاء، وكان يقرىء أولادهما. وأخذ عن الشيخ شمس الدين ابن قاضي شهبة وغيره من مشايخ العصر، وأخذ الأصول عن الشيخ نور الدين الاردبيلي ثم عن الشيخ برهان الدين الإخميمي، وبرع في ذلك. وأذن له القاضي بهاء الدين بالإفتاء سنة ثلاث وخمسين ودرس في القليجية، وولي إفتاء دار العدل. ودرس في العادلية الصغرى، والعصرونية، ثم في الشامية البرانية، نزل له عنها جدي في شهر مولدي ربيع الأول سنة تسع وسبعين، وناب في القضاء للبلقيني مدة يسيرة عن القاضي كمال الدين المعري فمن بعده من القضاة آخرهم ابن جماعة. وولاه منطاش القضاء والتدريس في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين، فاستمر بقية أيام منطاش شهرا ونصفا، وانفصل بانفصاله، وعجب الناس من دخوله في ذلك مع وفور عقله، وانقطع بعد ذلك على العبادة والاعتكاف في الجامع في الحلبية. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجي: وكان من أعيان الفضلاء، معروفا بحل المختصر والمنهاج في الأصول، ومعرفة التعجيز والتمييز في الفقه ويستحضرهما. وله مشاركة جيدة في العربية، وأصول الدين. وله نظم. ثم انتهت إليه رئاسة الشافعية بعد موت اقرانه. وتفرد بالمشيخة مدة. وكان رجلا عارفا بالأمور، ويتيمن برأيه، ويستشار في الأمور. وله حظ من صلاة وصيام وعبادة، قليل الوقيعة في الناس، حافظا للسانه - انتهى. ومن تصانيفه العمدة، أخذ التنبيه، وزاده التصحيح. وشرح التنبيه في مجلدات من الزنكلوني والتنويه. ومصنفاته ليست على قدر علمه. وكان شكلا حسنا مهيبا، كأنما خلق للقضاء. وكان مقتصدا في ملبسه وعيشته. توفي في المحرم سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة الصوفية.
أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحيم، العالم المفتي الحبر، شهاب الدين أبو العباس بن الجباب، مولده في رجب سنة سبع - بتقديم السين - وثلاثين وسبعمائة في دمشق. وكان أبوه مصريا، قدم دمشق وأعاد بالرواحية والأسدية ثم توجه بعد الخمسين إلى قضاء الشويك فتوفي فيها سنة بضع وستين، فقدم ولده دمشق، وجلس إليه، ودخل بين الفقهاء، وتنزل بالمدارس، ولم يشتغل على شيخ. وإنما كان يطالع ويشتغل وحده، ثم صحب القونوي وكان يرسل معه الرسائل، ثم إنه ترك المدارس أيام القاضي ولي الدين، وجلس في الجامع يشغل ويفتي. وكان يرجع إلى دين، ويعاني القوة وآلات الحرب. أخذ ذلك عن القونوي، وكان فيه إحسان إلى الطلبة ويساعدهم، وعنده مروءة وعصبية. وكان يحج كثيرا ويتجر في أثناء ذلك، وكان ينهي عن المنكر ويعلم الناس في طريق الحج أمور دينهم. توفي في ذي القعدة سنة ثمانمائة متوجها إلى الحج في أسفل العقبة ودفن عند الطبيلية.

(1/176)


أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين بن عبد المحسن. العلامة البارع المفتي النظار، نجم الدين أبو العباس، الياسوفي الأصل الدمشقي المعروف بابن الجابي. مولده في أواخر سنة ست وثلاثين وسبعمائة، سمع الحديث، وكتب بخطه طباقا، والمشتبه للذهبي. وطالع فن الحديث وفهم فيه. وأخذ الفقه عن المشايخ الثلاثة الغزي والحسباني وحجى وغيرهم، وأخذ الأصول عن الشيخ بهاء الدين الإخميمي، ودرس وأفتى، وأشغل، واشتهر اسمه، وشاع ذكره. وكان أولا فقيرا، ودرس في الدماغية ثم تمول، ورث هو وابنه مالا من جهة زوجته، وكثر ماله ونما، واتسعت عليه الدنيا. وسافر إلى مصر في تجارة، وحصل له وجاهة في القاهرة بكاتب السر الأوحد. وولي تدريس الظاهرية أخذها من ابن الشهيد، وأعاد في الشامية الجوانية. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: برع في الفقه والأصول، وكان يتوقد ذكاء، سريع الإدراك والفهم، حسن المناظرة. ما كان في أصحابنا مثله. له الإقدام والجرأة في المحافل مع الكلام المتين. وكان ينسب إلى حدة في بحثه، وربما خرج على من يباحثه ومع ذلك ما كنت أحب مناظرة أحد سواه، ولا يعجبني مباحثة غيره، فإنه كان منصفا، سريع التصور، وإنما كان يحتد على من لا يجاريه في مضماره. توفي في جمادى الأولى سنة سبع - بتقديم السين - وثمانين وسبعمائة، ودفن في مقبرة الصوفية.
أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف، الفقيه الفرضي المدرس، شهاب الدين أبو العباس بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله بن القاضي نجم الدين أبي حفص بن القاضي شرف الدين أبي عبد الله الأسدي، المعروف بابن قاضي شبهة، والدي. مولده في رجب سنة سبع - بتقديم السين - وثلاثين وسبعمائة، وحفظ التنبيه وغيره، واشتغل على والده وأهل طبقته، وأذن له والده في الإفتاء، واشتغل في الفرائض، ومهر فيها، وصنف فيها مصنفا ودرس وأعاد، وجلس للاشغال في الجامع الأموي مدة. وكان كريم النفس جدا، كثير الإحسان إلى الطلبة، والفقهاء، والغرباء، وإلى أقاربه وذوي رحمه. ولم يكن ببلده في طائفته أكرم منه ومن الشيخ نجم الدين ابن الجأبي. توفي في ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة، ودفن في باب الصغير بقبر والده - رحمهما الله تعالى.
أبو بكر بن علي بن عبد الله، أبو محمد الشيباني، الشيخ الإمام القدوة، الزاهد، العابد، الخاشع، الناسك الرباني، بقية مشايخ علماء الصوفية، الموصلي، ثم الدمشقي. مولده سنة أربع وثلاثين وسبعمائة على ما بلغني، في الموصل، واشتغل فيها وحفظ الحاوي الصغير، ثم حفظ التنبيه. وقدم دمشق وهو شاب. وكان يعاني الحياكة، فأقام في القبيات عند منزله المعروف زمانا طويلا، وهو يشتغل بالعلم، ويسلك طريق الصوفية والنظر في كلامهم، ولازم الشيخ قطب الدين مدة، واجتمع بالشيخ عبد الله اليافعي وغيره من الصالحين والعلماء، وكان يطالع كثيرا الحديث، ويحفظ جملة من الحديث، ويعزوها إلى رواتها. وصار له يد في الفقه، وصار له أتباع. ولم يزل يعمل بيده إلى آخر الوقت وكان من كبار الأولياء، وسادات العباد. جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، ووفق للعلم والعمل. وكان يحضر مواعيده كبار العلماء فيسمعون منه الفوائد العجيبة، والنكت الغريبة. وكان القاضي شهاب الدين الزهري ممن يحضر مجالسه، ويبالغ في تعظيمه، وكذلك الشيخ شمس الدين الصرخدي. وكان يتردد إليه ثواب الشام ويتمثلون أوامره. وحج غير مرة، وعظم قدره عند السلطان الملك الظاهر، لما عاد إلى الملك. وكان يكاتبه، ويأمره بما فيه نفع المسلمين. وكان السلطان في سنة ست وتسعين اجتمع إليه، وصعد السلطان إلى منزله، ورقي السلم، وأعطاه مالا فأبى أن يقبله، وكان إذ ذاك في القدس وكان في أواخر عمره يذهب إلى هناك مدة، ثم يرجع إلى دمشق، فتوفي في القدس في شوال سنة سبع بتقديم السين وتسعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة ماملا. وله مصنفات صغار في التصوف وغيره. وله منسك صغير في نحو كراستين، ذكر فيه المذاهب الأربعة.

(1/177)


حجى بن موسى بن أحمد بن سعد بن عشم بن غزوان بن علي بن مشرف بن تركي، الإمام العلامة فقيه الشام، وحافظ المذهب، علاء الدين أبو محمد السعدي، الحسباني. مولده سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. اشتغل في صغره في القدس، وحفظ كتبا. وأخذ عن الشيخ تقي الدين ابن القلقشندي، ثم قدم الشام في سنة أربع وثلاثين فقرا على شيوخها، وسمع الحديث من البرزالي وأبي العباس الجزري، وشيخه الذي أنهاه في الشامية الشيخ شمس الدين ابن النقيب وغيرهم، وحدث وأفتى وأعاد في الشامية البرانية وغيرها. قال ولده: حافظ العصر، أحد من اعتنى بالفقه، وتحصيله، وتقريره، وحفظه، وتحقيقه، وتحريره، وكان كثير الاطلاع، صحيح النقل، عارفا بالدقائق والغوامض، معروفا بحل المشكلات مع فهم صحيح، وسرعة إدراك، وقدرة على المناظرة برياضة، وحسن خلق، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وشهد له الإمام شرف الدين قاسم، خطيب جامع جراح وكان من المشار إليهم بالفقه أنه فقيه المذهب، ولذلك قال القاضي تاج الدين لأخيه الشيخ بهاء الدين عنه أنه فقيه الشام، وكان يقال: فقهاء المذهب ثلاثة، هو أحدهم وخاتمهم، وكان فارغا عن طلب الرئاسة في الدنيا، ليس له شغل ولا لذة إلا في الاشتغال في العلم والمطالعة. ولا يتردد إلى أهل الدولة. وله أوراد لا يخل بها من الصلاة، والقراءة، والمواظبة على صلاة الجمعة في الجامع الأموي مع بعد داره عنه، لا يخل بذلك يأتيه ماشيا ولو كان مطر، أو وحل، ولا يخرج من بيته إلا على طهارة. ويحب التوسعة على أهله وعياله في النفقة، لا يجمع مالا ولا يدخره، ومات ولم يخلف شيئا سوى ثياب بدنه، ولا يحسد أحدا، ويجانب الشر ما استطاع، وكان محببا إلى الناس، وكان مع فهمه وذكائه لا يعرف صنجه عشرة من عشرين، ولا درهم من درهمين، ولا يحسن براية قلم، ولا تكوير عمامة. توفي في صفر سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ودفن في مقبرة الصوفية في طرفها الغربي إلى جانب ابن الصلاح، بينه وبين السهروردي مدرس القيمرية.
الحسن بن علي بن سرور بن سليمان، الإمام العالم، العامل العابد، الفقيه الأوحد، بدر الدين أبو محمد بن الخطيب علاء الدين، الرمثاوي الأصل، الدمشقي، المعروف بابن خطيب الحديثة. مولده منه ست وثلاثين وسبعمائة. اشتغل في صغره، وحصل، وكتب في الشامية على مسائل بسبب الإنتهاء فيها في جماعة. فكان أحسنهم كتابة، وذلك سنة بضع وخمسين. وسمع الحديث، ثم ترك المدارس والوظائف، وأقبل على العباد والطاعة. قال صاحبه الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان يقوم الليل، ويتحرى وسطه وينام، ويصوم يوما ويفطر يوما، وتارة يفطر أياما ويصوم مثلها، ويواظب على صوم الأيام الثلاثة، ويكثر من تلاوة القرآن والتسبيح، وهو مع ذلك على زيه الأول، ولباس الفقهاء. وكان شكلا حسنا ذا وجه نير وانبساط مع من يحادثه، وإذا خلا وحده فلا تراه إلا مصليا أو تاليا أو ذاكرا، أو ما شاء الله من أنواع الخير، ويكثر المطالعة في الكتب الفقهية والزهدية وغير ذلك. وكان فهمه في الفقه والعلم فهما جيدا. وله أسئلة ويبدي إشكالات، ويجيب ويبحث وبالجملة فما في الفقهاء مثله، ولا أعبد منه. توفي في شهر رمضان سنة ثمانمائة، ودفن في باب الصغير بالقرب من مسجد الذبان.

(1/178)


سليمان بن يوسف بن مفلح بن أبي الوفاء، الإمام العالم، الفقيه، المحدث، صدر الدين أبو الفضل ويقال أبو الربيع، الياسوفي، المقدسي، ثم الدمشقي. مولده تخمينا سنة تسع بتقديم التاء وثلاثين وسبعمائة، وقدم دمشق صغيرا، وحفظ محفوظات. وكان يحفظ في مختصر ابن الحاجب كل يوم مائتي سطر حتى ختمه. ودأب في الاشتغال، ولازم الشيخين عماد الدين الحسباني وعلاء الدين حجي وحصل، وفضل في مدة قريبة. ولازم أيضا الشيخ ولي الدين المنفلوطي، وقرأ الأصول على الشيخ بهاء الدين الإخميمي. وتنزل بالمدارس ثم تركها، وتزهد مدة وتصاحب هو وبدر الدين ابن خطيب الحديثة، وكان الآخر ترك الوظائف، وكان على قدم جيد، وصار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأوذي في ذلك غير مرة. ثم حبب إليه الحديث، فأخذ في السماع والطلب ولازم الحافظ تقي الدين بن رافع وأخذ عنه الفن، ورحل إلى مصر وحلب، ودرس في الأكزية، وناب في تدريس العزيزية وغيرها، وأفتى، وشارك في فنون الحديث، وخرج تخاريج مفيدة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان حفظه مشهورا بالذكاء، وسمعنا بقراءته شيئا كثيرا وكان صحيح الفهم، جيد الذهن، يناظر ويبحث جيدا إلا أنه صار بآخره يستروح إلى التمسك بظواهر الآثار، يسلك طريق الاجتهاد، ويصرح يتخطئة الكبار. وقد سمعت منه وسمع مني، وحدثت أنا وإياه جميعا، وأنشدني من نظمه. وذكر له الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي ترجمة طويلة، وبالغ في الثناء عليه وقال: كان من محاسن الدهر، لم تر عيناي في بابه مثله انتهى. وقد أخبرني عنه جماعات بكلمات قبيحة في جماعة من كبار الأئمة، واستزراء بكتب الفقه. وكان يميل إلى ابن تيمية ومذاهبه. توفي في شعبان سنة تسع بتقديم التاء وثمانين وسبعمائة مسجونا في قلعة دمشق من قبل السلطان بسبب الظاهرية وقيامهم على السلطان، ودفن في مقبرة الصوفية، بالقرب من قبر ابن تيمية.
عبد الله بن محمد بن عبد البرين يحيى بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى ابن تمام، قاضي القضاة ولي الدين أبو ذر بن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء بن القاضي سديد الدين أبي محمد الأنصاري، السبكي. مولده في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة في القاهرة، وسمع على جماعة. وسمع في دمشق من الحافظ المزي وأبي العباس الجزري وغيرهما، وحفظ الحاوي الصغير، وأخذ عن والده وغيره، وأفتى ودرس في الشامية الجوانية، والرواحية، والأتابكية، والقيمرية، وناب في القضاء، وولي وكالة بيت المال، ثم ولي القضاء والخطابة، ومشيخة دار الحديث والتدريس، سنة وسبعين نحو ثمان سنين ونصفا إلى أن توفي. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: وكان أديبا بارعا. له نظم فائق، وقصائد طنانة. وبلغني أن له ديوانا أنشدني من نظمه، وقد حفظ الحاوي وكان يذاكر به، ويدرس منه ومن الكشاف. وله مشاركة في العربية وكان جيد الفهم، فطنا عارفا بالأمور، كثير المداراة، لين العريكة، بعيدا من الشر، صبورا على الأذى، وعنده شفقة ورحمة وإحسان إلى الفقراء في السر. توفي في شوال سنة خمس وثمانين وسبعمائة، ودفن عند والده في تربة السبكيين رحمهم الله تعالى
عباس بن حسين بن بدر، الشيخ العالم، المفتي، المقرئ، شرف الدين المصري. اشتغل في العلم، وتميز، وأفتى ودرس، وخطب، وأشغل بالعلم. قال بعض المؤرخين المصريين: وكان فيه نفع كثير للطلبة في القراءات والفقه. وسمعت بعض الفقهاء المصريين من تلامذه الشيخ سراج الدين البلقيني يثني على المذكور، ويصفه بالعلم والدين وحسن الخلق ونفع الطلبة، قال: وكان الطالب يقرأ عليه، فإذا تنبه، ذهب إلى حلقة الشيخ سراج الدين البلقيني. توفي في القاهرة في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة.

(1/179)


علي بن خلف بن خليل بن عطاء الله، القاضي علاء الدين، الغزي، قاضي غزة. مولده سنة اثنتين عشرة وسبعمائة، وهو أخو القاضي شمس الدين الغزي، وأسن منه. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان له قديم اشتغال في دمشق، وسمع من ابن الشحنة وجماعة. أجاز لي ولم أسمع منه انتهى. وبلغني أن أخاه والشيخ عماد الدين الحسباني قرءا عليه في أول أمرهما، وأنه اجتمع إلى الشيخ سراج الدين البلقيني، فسأله عن شيء يمتحنه به، قال: تمتحنني وأنا لي تلميذان أفتخر بهما على الناس أخي، والحسباني. وولي قضاء غزة مدة، ثم عزل بسبب سوء سيرة أولاده، وأقام مدة في قرن الحارة منقطعا إلى العبادة. ورأيت أجزاء بخطه مختصر تأريخ الإسلام للذهبي. وبلغني انه اختصر التأريخ جميعه. توفي في ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة في غزة.
علي بن زيادة بن عبد الرحمن، العالم الخير علاء الدين، الحبكي. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: أحد قدماء طلبة والدي، وكان أول ما قدم دمشق اشتغل على الشيخ علاء الدين بن سلام معيد الشامية، فلما توفي لازم والدي، وتفقه به، وحضر عند القاضي بهاء الدين أبي البقاء وعند شيخ الشافعية ابن قاضي شهبة، وقرأ في الأوصل والعربية، وكان الغالب عليه الفقه، وكان يفتي بآخره. وعنده ديانة وتورع وملازمة لمباشرة وظائفه، لا يترك الحضور بها، وإن بطل المدرسون. وعنده وسواس في اجتناب النجاسة، ودرس نيابة في المجاهدية والفلكية والكلاسة. توفي في ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، جاوز الخمسين ظنا، ودفن في مقبرة الصوفية في تربة القاضي شهاب الدين الزهري، وكان صاحبه. والحبكي بالحاء المهملة والباء الموحدة والكاف نسبة إلى قرية من قرى حوران.
عمر بن مسلم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم، الإمام العلامة، الأوحد، المفنن، الفقيه، المحدث، المفسر، الواعظ، زين الدين، أبو حفص، القرشي، الملحي، الدمشقي. ولد في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وورد دمشق بعد الأربعين، واشتغل في الفقه على خطيب جامع جراح شرف الدين قاسم، وأخذ عن الشيخ علاء الدين حجى، وأخذ علم الأصول عن بهاء الدين الإخميمي، واشتغل في الحديث، وشرع في عمل المواعيد، وكان يعمل مواعيد نافعة، تفيد الخاصة والعامة، وانتفع به خلق كثير من العوام، وصار لديهم فضيلة. وأفتى، وتصدى للإفادة، ودرس في المسرورية، ثم في الناصرية. ووقع بينه وبين ابن جماعة بسببها، وحصلت له محنة، ثم عوض عنها في الأتابكية، ثم أخذت منه، فلما ولى ولده قضاء دمشق في سنة إحدى وتسعين ترك له الخطابة وتدريس الناصرية والأتابكية، ثم فوض إليه دار الحديث الأشرفية. فلما جاءت دولة الظاهر أخذ واعتقل مع ابنه في القلعة، وجرت لهما محن، وطلب منهما أموال، فرهن الشيخ كثيرا من كتبه على المبلغ الذي طلب منهما. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: برع في علم التفسير، وأما علم الحديث فكان حافظا للمتون، عارفا بالرجال، وكان سمع الكثير من شيوخنا، وله مشاركة في العربية انتهى. وكان القاضي تاج الدين هو الذي أدخله بين الفقهاء، فلما حصلت له المحنة كان ممن قام عليه، وكان مشهورا بقوة الحفظ ودوامه، إذا حفظ شيئا لا ينساه، كثير الإنكار على أرباب الشبه، شجاعا، مقداما، كثير المساعدة لطلبة العلم، يقول الحق على من كان من غير مداراة في الحق ولا محاباة، وملك من نفائس الكتب شيئا كثيرا، وكان كثير العمل والأشغال، لا يمل من ذلك، ولم يزل حاله على أحسن نظام إلى أن قدر اله تعالى عليه ما قدر. توفي معتقلا في قلعة دمشق في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، ودفن في القبيبات، وشهد جنازته خلائق لا يحصون كثرة.

(1/180)


عيسى بن عثمان بن عيسى، الإمام العلامة، الفقيه، مفتي المسلمين، مفيد الطالبين، أقضى القضاة شرف الدين، أبو الروح، الغزي. قدم دمشق للأشغال في سنة تسع بتقديم التاء وخمسين، وله نحو عشرين سنة، واشتغل في الفقه على المشايخ شمس الدين ابن قاضي شهبة، وعماد الدين الحسباني، وشمس الدين الغزي، وعلاء الدين حجى، والقاضي تاج الدين السبكي. وسافر إلى الشيخ صدر الدين بن الخابوري في طرابلس، فأذن له بالإفتاء. ودخل الديار المصرية وأخذ عن الشيخ جمال الدين الإسنوي؛ ولم يزل مواظبا على الإشتغال والمطالعة، واشتهر بمعرفة الفقه، وحفظ الغرائب، وفي زمن القاضي ولي الدين أخذ تصديرا على الجامع، وتصدى للأشتغال، واعتنى بذلك. وكثرت طلبته وصار بعد موت الشيخ نجم الدين ابن الجابي هو عين المصدرين في الجامع، ويحضر عنده فضلاء الطلبة، وتصدى للإفتاء بعد موت الشيخين الزهري وابن الشريشي، وجمع مصنفات كثيرة في الفقه، منها: شرح المنهاج الكبير في نحو عشرة مجلدات، وشرح صغير في مجلدين ملخص فيه كلام الأذرعي، وذكر فيه فؤائد كثيرة من كتاب الأهوار، وآخر بينهما في الرد على نكت النشائي، ومختصر الروضة، وفيه زيادات كثيرة أخذها من المنتقى وغيره، والقواعد يذكر القاعدة وما يستثى منها، وأدخل فيه ألغاز الإسنوي وزاد عليه، ومختصر المهمات في مجلدين، وأدب القضاء. وجمع كتابا كبيرا في الفقه سماه الجواهر والدرر يذكر فيه قواعد ومسائل غريبة، وفروقا بين مسائل، وأن القاعدة الفلانية تخالف القاعدة الفلانية في كذا وكذا، وآخر في الرد على المهمات سماه مدينة العلم. وغالب مصنفاته احترقت في الفتنة وناب في القضاء عن القاضي سري الدين وعن غيره. ودرس في المسرورية بعد موت الشيخ زين الدين القرشي. ثم نزل له القاضي بدر الدين بن أبي البقاء عن تدريس الرواحية بعوض قبل موته بنحو ثلاث سنين. ذكره الحافظ شهاب الدين بن حجى، وكان بينه وبينه ما يكون بين الأقران، فذكر بعض ترجمته ثم قال: وفي الجملة لم يكن بالمحبب للناس، بل كانوا يمقتونه. وكان من أعيان الفقهاء إلا أنه كان قاصر الفهم، ومتساهلا في نقله. لم يزل يتهم، وكان ربما أتى في ذلك من جهة الفهم لا التعمد. وكان في أول أمره فقيرا، فحصل مالا من ميراث زوجات تزوجهن، وأثرى وكثر ماله. توفي في رمضان سنة تسع بتقديم التاء وتسعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة باب الصغير.
محمد بن إبراهيم بن محمد، القاضي العالم، المفنن المدرس، الأديب الكاتب، فتح الدين، أبو بكر، النابلسي الأصل الدمشقي، المعروف بابن الشهيد، كاتب السر في دمشق. مولده سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، واشتغل في العلوم، وتفنن، وفاق أقرانه في النظم والنثر والكتابة، وولي كتابة السر ومشيخة الشيوخ في ذي القعدة سنة أربع وستين، فباشر مدة ثلاث سنين ونصف، ثم عزل ثم أعيد إلى الوظيفتين بعد أشهر، واستمر أكثر من سبع سنين، ثم عزل من كتابة السر، وأعيد غير مرة. ومدة ولايته خمس عشرة سنة وأشهرا. ودرس في الظاهرية والناصرية الجوانيتين، وولاه منطاش الخطابة، فكان يخطب خطبا فصيحة بليغة، لكن لم يكن عليها قبول. وكان بينه وبن نائب الشام الأمير سيف الدين بيدمر عداوة شديدة، عندما يلي نيابة الشام يعزل المذكور ويصادر ويؤذي، وتارة يختفي، وفي بعض النوب في اختفائه منه نظم السيرة النبوية من عدة كتب ثلاثة مجلدات في خمسة وعشرين ألف بيت وسماه الفتح القريب في سيرة الحبيب، وضم إلى ذلك فوائد الروض مع زيادات وإشكالات، يدل على سعة باعه في العلم، وحدث بها في دمشق. وممن سمع ذلك الحافظ شهاب الدين بن حجي، وحدث فيها بالقاهرة أيضا. وشرح مجلدة منها في اثنتي عشرة مجلدة، وهو الثلث من المنظوم. وكان الشيخ سراج الدين البلقيني يثني على فضائله. توفي قتيلا في ظاهر القاهرة لقيامه على الظاهر، في شعبان سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.

(1/181)


محمد بن أبي بكر بن شجرة بن محمد، الإمام الفقيه، القاضي، المفتي، بدر الدين أبو عبد الله، التدمري الأصل، الدمشقي. اشتغل، وتقدم، واشتهر، وولي القضاء في معاملة الشام، وآخر ما ولي قضاء القدس في أيام البلقيني فشكاه أهل القدس، وجاءت كتب أعيانهم مشحونة بثلبه، والحط عليه، فعزل وقدم دمشق، وأقام بها. وكان يدرس في المدرسة الموقوفة عليه وعلى أقاربه. وله تصدير على الجامع. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان يفتي كثيرا ويكتب على الفتاوي خطا حسنا بعبارة حسنة إلا أنه سيء السيرة في قضائه وفتواه مشهور بذلك. كان يتمحل للمستفتي حتى يفتيه بما يوافق غرضه، ويأخذ منه جعلا على ذلك. اجتمعت إليه مرة، حضر عندي، فأعجبني فهمه، واستنباطه في الفقه، وغوصه على استخراج المسائل الحوادث من أصولها، وردها إلى القواعد. ثم ذكر فيه بن حجى كلاما لا أوثر ذكره. توفي في شهر ربيع الأول سنة سبع بتقديم السين وثمانين وسبعمائة في عشر السبعين ظنا، ودفن في سفح قاسيون.
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله، الإمام العلامة كمال الدين أبو الفضل، القرشي العقيلي بفتح العين الطالبي، النويري الأصل، المصري، ثم المكي، قاضي مكة وخطيبها. مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وتفقه في دمشق على الشيخ شمس الدين بن النقيب وتقي الدين السبكي وتاج الدين المراكشي، وسمع في دمشق من بن النقيب ومن المزي وغيرهما، وفي مكة من جماعة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان رجلا عالما مستحضرا لفقه كثير. وبلغني أنه كان يستحضر شرح مسلم للنووي، وكان منسوبا إلى كرم ونعمة وافرة؛ وقال بن حبيب في تأريخه: إنه ولي قضاء مكة نيفا وعشرين سنة. توفي في رجب سنة ست وثمانين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الكريم بن عساكر بن سعد بن أحمد بن محمد بن سليم بن مكتوم، الإمام العالم العلامة، الحبر الفقيه، المحدث، النحوي، بدر الدين أبو عبد الله السويدي الأصل، الدمشقي، المعروف بابن مكتوم. مولده سنة بضع وأربعين وسبعمائة، وسمع من جماعة وحفظ التنبيه، ثم الحاوي، وطلب الحديث، وقرأ بنفسه وكان يقرئ صحيح البخاري في الجامع في رمضان بعد الظهر مدة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وهو رجل فاضل، قرأ في الفقه على والدي، وعلى الحسباني ولازمه وصحبه، وقرأ في النحو على أبي العباس العتابي. وبرع فيه، وتصدر للأشغال بالجامع خمس عشرة سنة. وكان يفتي بآخره، وأعاد في الناصرية والعادلية الصغرى، وولي مشيخة النحو في الناصرية أيضا. وكان رجلا خيرا، عنده ديانة. وله عبادة من صوم وقراءة انتهى. وكان فيه إحسان إلى طلبة العلم والفقراء، يضيفهم ويفطرهم في رمضان. وعنده بر وصلة لأقاربه، ويقلل في ملبسه، ويشتري حاجته بنفسه ويحملها. وهو قليل الخلطة بالفقهاء وغيرهم. توفي في جمادى الأولى سنة سبع بتقديم السين وتسعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة باب الصغير عند والده وعمه، عند قبر الشيخ حماد.
محمد بن سليمان، الإمام العلامة، المصنف، الجامع بين أشتات العلوم، شمس الدين أبو عبد الله الصرخدي. أخذ العلوم عن مشايخها في ذلك العصر. وممن أخذ عنه الشيخ شمس الدين ابن قاضي شهبة، والشيخ عماد الدين الحسباني، وأبو العباس العتابي، وكان أجمع أهل البلد لفنون العلم. أفتى ودرس، وأشغل وصنف، غير أن لسانه كان قاصرا، وقلمه أحسن من لسانه. وكان حظه من الدنيا قليلا، لم يحصل له شيء من المناصب. وإنما درس في التقوية والكلاسة نيابة، وله تصدير في الجامع. وكان ينصر مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري كثيرا، ويعادي الحنابلة. وصنف شرح المختصر ثلاثة أجزاء، واختصر إعراب السفاقسي واعتراض عليهما في مواضع، واختصر المهمات وغير ذلك، وكتب الكثير بخطه. واحترق غالب مصنفاته في الفتنة قبل تبييضها. وكان فقيرا، وله عائلة. توفي في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، ودفن في باب الصغير بالقرب من معاوية رضي الله عنه.

(1/182)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1000
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة   الإثنين أكتوبر 31, 2016 8:44 am



محمد بن عبد الله بن أحمد، الإمام العالم، الفاضل الفقيه، القاضي بدر الدين، أبو عبد الله، الهكاري، الصلتي، قاضي حمص. اشتغل على أبيه، وكان أبوه مدرس الصلت، واشتغل في القدس أيضا. قال الحافظ شهاب الدين بن حجي: وولي التدريس بعد أبيه ثم قدم علينا دمشق فسمع فيها الحديث على جماعة وترافقنا في السماع زمانا، وكتب وقرأ وجمع. وكان مكبا على الاشتغال وتعليق الفوائد. وولي قضاء الصلت مضافا إلى التدريس، وولاه البلقيني قضاء حسبان ولم يزل يتنقل في قضاء البر. وولي القدس والخليل ونابلس، وآخر ما ولي حمص، وفيها توفي في رجب سنة ست وثمانين وسبعمائة، ولم يبلغ الخمسين. واختصر ميدان الفرسان في ثلاثة مجلدات، وهو اختصار عجيب، حذف عبارة الكتب التي عنده، وأبقى ما عداها، وهو مفيد في الجملة.
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن أبي بكر بن عطية، الإمام المدرس، العلام الأصل، زين الدين بن الفاضي تقي الدين بن الإمام العلامة صدر المدرسين زين الدين بن القاضي علم الدين بن الشيخ الأمام خطيب المسلمين زين الدين، العثماني، الدمياطي الأصل، الدمشقي، سبط القاضي تقي الدين السبكي. مولده سنة سبع بتقديم السين وأربعين وسبعمائة، وحضر على جماعة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: سمع من جده عدة من مصنفاته. وكان له اشتغال في الفقه، ويفهم فيه فهما جيدا، وعنده تحقيق. درس في العذراوية سنة تسع بتقديم التاء وستين، انتزعها من يد خاله القاضي تاج الدين، وكان ينوب عنه. فنفي هو من القاهة. وكان من خيار الناس وأغزر خلق الله مروءة، ما رأينا أحدا أكثر مروءة وتفضلا على أصحابه، ومساعدة لمن يقصده، ولا أشد تواضعا وأدبا ورئاسة منه. توفي في شوال سنة سبع بتقديم السين وثمانين وسبعمائة، ودفن في تربة خاله في سفح قاسيون.
محمد بن بهادر بن عبد الله، العالم العلامة، المصنف المحرر، بدر الدين أبو عبد الله المصري، الزركشي. مولده سنة خمس وأربعين، أخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني، ورحل إلى حلب إلى شهاب الدين الأذرعي وتخرج في مغلطاي في الحديث، وسمع الحديث في دمشق وغيرها. قال بعض المؤرخين: كان فقيها، أصوليا، أديبا، فاضلا في جميع ذلك ودرس وافتى، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين في القرافة الصغرى. وحكى لي الشيخ شمس الدين البرماوي أنه كان منقطعا إلى الاشتغال بالعلم، لا يشتغل عنه بشيء. وله أقارب يكفنونه أمر دنياه. توفي في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن في القرافة الصغرى بالقرب من تربة الأمير بكتمر الساقي. ومن تصانيفه تكملة شرح المنهاج للأسنوي، واعتمد فيه على النكت لابن النقيب، وأخذ من كلام الأذرعي والبلقيني، وفيه فوائد وأبحاث تتعلق بكلام المنهاج حسنة، لكنه يهم في النقل والبحث كثيرا، ثم أكمله لنفسه، ولكن الربع الأول منه عدم وهو مسودة. وخادم الشرح والروضة، وهو كتاب كبير، فيه فوائد جليلة، كتبه على أسلوب التوسط للأذرعي، والنكت على البخاري، والبحر في الأصول، في ثلاثة أجزاء، جمع فيه جمعا كثيرا لم يسبق إليه. وشرح جمع الجوامع للسبكي في مجلدين، وتخريج أحاديث الرافعي. وله مصنفات أخر، منها مصنف في الأدب سماه ربيع الغزلان، وخطه ضعيف جدا، قل من يحسن استخراجه.

(1/183)


محمد بن عبد الدائم بن محمد بن سلامة. قاضي القضاة، ناصر الدين أبو عبد الله، الأنصاري، الشاذلي، المعروف بابن ميلق وهو لقب جده لأمه. ولد سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وسمع وحدث، وكان في أول أمره يتصوف، وينتحل خرقة الشاذلية ويعظ. وصنف كتبا في الوعظ والرقائق. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: رأيت في تصنيف له أنه تفقه على الشيخ جمال الدين الإسنوي، وأذن له بالإفتاء، وأنه آخذ عن بهاء الدين بن عقيل وأنه أخذ قديما عن ابن عدلان وابن الأنصاري وعماد الدين البلبيسي. وكان رجلا يسلك يعظمونه، فأدخله القاضي برهان الدين بن جماعة في سلك الفقهاء، وولاه تدريسا، وولي أيضا خطابة مدرسة السلطان حسن. ثم إن السلطان ولاه القضاء وعظمه. فلما انفصل السلطان إلى الكرك، عزل في دولة منطاش بعدما كان كتب مع الدولة في ما يتعلق بالسلطان، وربما كتب ما يؤدي إلى قتله. فلما عاد الظاهر أهانه ومقته، وانقلب اعتقاده فيه بغضا، وقد اجتمعت به أيام ولايته، ورأيت المصريين يحطون عليه، وينسوبه إلى قصد الأذى للفقهاء انتهى وكانت ولايته القضاء في شعبان سنة تسع وثمانين، وذلك بعدما شرط شروطا فأجيب إليها، وولي في عزة زائدة، وعزل في شوال سنة إحدى وتسعين، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع بتقديم السين وتسعين وسبعمائة، ودفن خارج باب النصر في حوش الصوفي.
محمد بن علي بن يوسف، أقضى القضاة، الخطيب جمال الدين أبو عبد الله الإسنوي، المصري، الأطروش، حفظ التعجيز في الفقه، وقدم مصر سنة إحدى وعشرين، وقرأ العربية على أبي الحسن النحوي والد الشيخ سراج الدين بن الملقن، ورحل إلى بيت المقدس وأخذ عن الشيخ برهان الدين الجعبري. وشرح التعجيز شرحا حسنا، وباشر نيابة الحكم في القاهرة مدة طويلة. وكان عالما، صالحا، ذا مهابة وصيانة وعفة وديانة، شديدا في أقضيته. وقع له مع يلبغا قضية مشهورة. قال ابن الملقن: وهو آخر من توفي من طلبة والدي. وقال غيره: كان ملازما لبيته، لا يتردد إلى أحد مع الصلابة في الدين. وثقل سمعه، وصار يعرف بالأطروش. وكان يقرئ الكافية والشافية لابن مالك إقراء حسنا، وكذلك المصباح في أصول الفقه. مات في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وهو في عشر السبعين، ودفن في تربة بلديه الشيخ جمال الدين الإسنوي.

(1/184)


محمد بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الحق بن عبد الخالق، الإمام العالم، النحرير، القاضي بدر الدين أبو اليمن بن الإمام العلامة شيخ الإسلام سراج الدين أبي حفص، الكناني المصري البلقيني، سبط العلامة بهاء الدين بن عقيل. ولد في صفر سنة ست وقيل سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وقدم دمشق مع والده سنة تسع وستين، وهو مراهق وقد حفظ عدة كتب فعرضها على مشايخ الشام إذ ذاك، وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البخاري وابن القواس وغيرهم. وأخذ عن والده وعن غيره من علماء عصره، منهم جده الشيخ بهاء الدين وجمال الدين الإسنوي، فنون العلم، وتقدم وتميز، وفاق أقرانه بادتهاده، وجودة ذهنه، ودرس وأشغل، وأفتى، ونزل له والده عن قضاء العسكر في شعبان سنة تسع وسبعين. وكان حسن الذات، مليح الصفات. حكى جماعة من رفقته جملة من محاسنه ومكارمه. وأما جودة ذهنه فأمر قد شاع وذاع، وكان يكثر البحث مع والده، ويعارضه، وكان والده يسر بذلك كثيرا. وقد ذكر له الأديب زين الدين طاهر بن حبيب ترجمة حسنة وقال: كان كلفا بالجود لا متكلفا، مطبوعا على مكارم الأخلاق لا متطبعا، وأخذ الفقه عن والده شيخ الإسلام، وتبحر فيه إلى أن روت عنه أفواه المحابر وألسن الأقلام، وشارك أهل العلوم، فكان له منهم أوفى نصيب، وجامل أرباب الفنون فظهر لهم بكل معنى غريب، ثم دون العلم الشريف وكرس وباشر الوظائف الجلية، وأفتى، ودرس وتولى قضاء العساكر في الديار المصرية، واستمر إلى أن تطاولت إليه يد القضاء القسرية. توفي في القاهرة في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ودفن في مدرسة والده التي أنشأها داخل القاهرة في حارة بهاء الدين بالقرب من باب القنطرة وجامع الحاكم في بيت من بيوتها جعلوه مدفنا، وكان قد حصل له مرض الاستسقاء، وتوفي وله نيف وثلاثون سنة، وكان من حقه أن يؤخر إلى الطبقة الآتية لكن سرعة وفاته أوجبت ذكره في هذه الطبقة. وجدى أسن من والده ببضع وثلاثين سنة رحمهم الله تعالى. وولي وظائفه من قضاء العسكر والتداريس أخوه القاضي جلال الدين.
(1/185)


محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف، الأسدي، العلامة، شيخ الشافعية، وبقية السلف، شمس الدين أبو عبد الله بن القاضي نجم الدين أبي حفص بن القاضي شرف الدين، ابن قاضي شهبة، جدي مولده في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وستمائة، تفقه بعمه الشيخ كمال الدين والشيخ برهان الدين الفزاري، وأخذ النحو عن عمه المذكور، وكان معيدا للطلبة في حلقة عمه، فلما توفي عمه في ذي القعدة سنة ست وعشرين جلس مكانه، يشغل من ذلك التأريخ إلى أن ضعف، وانقطع بعد السبعين، كل ذلك وهو من جمع عن الناس، مقبل على العبادة وعدم الالتفات إلى أمور الدنيا، وراضيا بالعيش الخشن، يخدم نفسه، ويشتري الحاجة ويحملها. وقد أخذ عنه الناس العلم طبقة بعد طبقة، وممن أخذ عنه في ابتداء الأمر المشايخ العلماء: ابن خطيب يبرود، وابن كثير، والأذرعي. وأعاد في الشامية البرانية وغيرها، وولي في آخر عمره تدريس الشامية البرانية بغير سؤال في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، فباشرها سنة وثلاثة أشهر، ثم نزل عنها لضعفه. وقد سمع من أبي جعفر بن الموازيني كتاب الأموال لأبي عبيد في سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع من طائفة وحدث، سمع منه خلق من الحفاظ والمحدثين، منهم العراقي، والهيثمي، والقرشي، وابن سند، وابن حجى، وابن الحسباني، والياسوفي، وابن ظهيرة. قال الشيخ تقي الدين بن رافع: كان ابن قاضي شهبة بالشام مثل الشيخ مجد الدين السنكلومي في القاهرة وجميع الجماعة طلبته. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان ممن جلس عنده وهو يعيد الشيخان ابن خطيب يبرود وابن كثير، وبعد الاشتغال جماعة من شيوخنا، وقرأ عليه الناس طبقة بعد طبقة، وكان مشهورا بمعرفة التنبيه وشرحه، وحسن تقريره، وكذلك كان يقرئ الجرجانية في النحو، وكنت ممن حضر عنده، وحصل لي بركته وسمعت منه. ولم يكن يحضر المحافل ولا يفتي. وقد سمع من ابن الموازيني، وست الأهل بنت علوان، ووزيره، وطائفة. روى لنا عن الأول كتاب الأموال لأبي عبيد، وعن الثانية جفر الجفار، وعن الثالثة ثلاثيات البخاري. وكان عنده انجماع عن الناس، وعدم معرفة بأمور الدنيا، بمعزل عن طلب الرئاسة والدخول في المناصب، على أنه قد ولي نيابة الحكم بإشارة الشيخ تقي الدين السبكي، وكان لا يتصدى لذلك. وكان علماء البلد والمشار إليهم فيها غالبهم تلاميذه، وتلاميذ تلاميذه. وقال الحافظ برهان الدين الحلبي سبط بن العجمي في مشيخته: اجتمعت إليه، فوجدته رجلا من علماء السلف في غاية من العلم، والخير، والدين والنزاهة انتهى. وقد سمعت غير واحد من مشايخنا وأصحابنا يبالغون في الثناء عليه، ووصفه بالزهد ولورع، وأنه لو استسقى الناس في ذلك الوقت لاستسقوا به أو بالشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني. وكان معيد الشامية البرانية، وابن خطيب يبرود مدرسها. فكان ابن خطيب يبرود يقول: ما زال الشيخ شمس الدين معيدا لي، لكن كان في الصغر معيدا لي وفي الكبر معيدا عني. وكان يستحضر الرافعي، وينزله على التنبيه تنزيلا عجيبا، خضع له أهل عصره في ذلك، وسمعت شيخنا شرف الدين الغزي يحكى أنه لما دخل إلى مصر في حياة الشيخ جمال الدين الإسنوي سأله الإسنوي عن علماء دمشق، قال: فذكرتهم له، فلما ذكرت شيخنا الشيخ شمس الدين ابن قاضي شهبة، قال لي: هذا مثل الشيخ مجد الدين النزنكلوني عندنا. جمع بين العلم والعمل. وقال الحافظ برهان الدين الحلبي أخبرني بعض صالحي طلبة حلب عن الشيخ شهاب الدين الأذرعي انه قال: ما صرت مسلما إلا لما اجتمعت بابن قاضي شهبة. قلت: لعله عني عمه الشيخ كمال الدين فإنه كان يسمى ابن قاضي شهبة أيضا، فإن وصف الشيخ كمال الدين بذلك أليق لقرب سن الأذرعي من سن الشيخ. توفي في المحرم سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ودفن في باب الصغير إلى جانب عمه الشيخ كمال الدين. وكان من حقه أن يذكر ي الطبقة التي قبل هذه، فإنه أسن من أكثر ممن ذكر فيها، وبعضهم أخذ عنه، بل هو أسن من بعض من ذكر في الطبقة الخامسة والعشرين، وقد كان الحافظ شهاب الدين بن حجى يعيب الترتيب على الوفيات بمثل ذلك، ويذكر جدي وبعض من ذكر في الطبقة الخامسة والعشرين.
(1/186)


محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي، الإمام العلامة، صدر العراق، ومدرس بغداد وعالمها، ورئيس العلماء بالمشرق، غياث الدين أبو المكارم بن الإمام صدر العراق محيي الدين بن شيخ العراق جمال الدين، الواسطي الأصل، البغدادي، المعروف بابن العاقولي. مولده ي رجب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة في بغداد، ونشأ فهيا، وسمع من والده وجماعة، وأجاز له جماعة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان مدرس المستنصرية في بغداد كأبيه وجده، ودرس أيضا في النظامية كأبيه، ودرس هو في غيرهما. وكان هو وأبوه وجده كبراء بغداد، انتهت إليهم الرئاسة بها في مشيخة العلم والتدريس، وكان هذا قد تفرد بذلك. وصار هو المشار إليه والمعول عليه، القضاة والوزراء إلى بابه، والسلطان يخافه. وكان مشاركا في علوم عديدة، بارعا في الحديث، وعلمي المعاني والبيان، وشرح مصابيح البغوي، وخرج لنفسه أربعين حديثا، وفيها أوهام، وسقوط رجال في الأسانيد. وكانت نفسه قوية، وفهمه جيد. وكان بالغا في الكرم حتى ينسب إلى الإسراف. ولما دخل تمرلنك بغداد هرب منها مع السلطان أحمد، فنهبت أمواله، وسبيت حريمه. وقدم الشام، واجتمعنا إليه، وأنشدنا من نظمه. فلما رجع السلطان إلى بغداد رجع معه، فأقام دون خمسة أشهر. وقال الحافظ برهان الدين الحلبي: وكان صدرا، رئيسا، نبيلا، مهابا، إماما، علامة، متبحرا في العلوم، غاية في الذكاء، مشارا إليه، بارعا في الأدب. وله مكارم أخلاق مشهورة. وبلغني من غير واحد أنه كان يدخله كل سنة زيادة على مائة ألف درهم. كلها ينفقها، وهو من بيت رئاسة. وصنف كثيرا، منها شرح المصابيح للبغوي شرحا جامعا، وصنف في الرد على الرافضة في مجلد، وجمع لنفه أربعين حديثا وله شعر حسن منه قصيدة سماها عدة الوحيد وعمدة التوحيد. توفي في صفر سنة سبع بتقديم السين وتسعين وسبعمائة، ودفن في القرب من معروف الكرخي بوصية منه، ولم يدفن في المدرسة التي بناها على قبر والده. وقال بعضهم: إنه كتب على المهمات. وله مشيخة.
محمد بن موسى بن محمد بن سند بن تميم، الإمام العالم، الحافظ، شمس الدين أبو العباس اللخمي، المصري الأصل، الدمشقي، المعروف بابن سند. مولده في ربيع الأول سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وسبعمائة. طلب الحديث في حدود الخمسين، وسمع من جماعة في دمشق ومصر، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وقرأ الفقه على الشيخ شرف الدين قاسم خطيب جامع جراح، وقرأ الأصول في الديار المصرية على الشيخ جمال الدين الإسنوي. وأخذ العربية عن تاج الدين المراكشي، وأذن له في إقرائها. وأخذ في القدس عن الحافظ صلاح الدين العلائي، وأجازه بالفتوى والتدريس. وصحب القاضي تاج الدين ولازمه وكان يقرأ عليه تصانيفه في الدروس. وقرأ عليه السيرة النبوية بالجامع، وولاه وظائف، وناب في الحكم عن القاضي سري الماليك، ثم عن القاضي ولي الدين نحو خمس سنين. ذكره الذهبي في المعجم الختص وهو آخر من ذكرهم فيه وفاة، وقال: الفقيه، الفاضل، شاب يقظ، اشترى اجزاء وكتبا، وطلب الحديث وقرأ، وخطه مليح، ولسانه منطلق. قرأ علي طبقات الحفاظ، مولده سنة بضع وعشرين وسبعمائة. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان من أحسن الناس قراءة للحديث، كان يرجح على كل أحد لحسن قراءته وفصاحته، وخرج لنفسه أربعين متباينة المتن والإسناد، وخرج لغيره، وتفنن في الفن. سمعنا بقراءته كثيرا، وله محفوظات في الفقه، والصول، والعربية. وقرأ في العربية على الشيخ تاج الدين الماركشي، وأجازه في الفتيا ابن كثير والقاضي تاج الدين، وكان ذكيا، قليل التحصيل انتهى وقد تغير بآخره تغيرا كثيرا، ونسي حتى القرآن، وكان يقال إن ذلك بوقيعته في الناس. توفي في صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة الصوفية.

(1/187)


محمد بن يوسف بن علي، الإمام العلامة، شمس الدين أبو عبد الله الكرماني، ثم البغدادي. مولده في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة، وأخذ عن والده وعن جماعة بكرمان، ثم ارتحل إلى الشيخ عضد الدين فلازمه اثنتي عشرة سنة، وقرأ عليه تصانيفه، ثم طاف البلاد، ودخل مصر والشام والعراق، وحج، صم استوطن بغداد، وصنف كتبا في علوم شتى، في العربية، والكلام، والمنطف. وشرح البخاري شرحا جيدا في أربعة مجلدات، وفيه أوهام فاحشة، وتكرار كثير، لا سيما في ضبط أسماء الرواة. وله شرح على مختصر ابن الحاجب في ثلاثة مجلدات، يذكر فيه عبارات الشراح برمر، وذكر من شروح الكتاب المشهورة سبعة شروح، وسماها الكواكب السبعة، وذكر من شروحه الخفية ثلاثة، فاحتوى كتابه على عشرة شروح. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان مشارا إليه بالعراق وتلك البلاد في العلم. تصدى لنشر العلم في بغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلا على شأنه، لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعا باليسير،، ملازما للعلم، شريف النفس، متواضعا، بارا لأهل العلم، متكبرا على أهل الدنيا. توفي راجعا من الحج في المحرم سنة ست وثمانين وسبعمائة، ونقل إلى بغداد، فدفن في مقبرة باب ابرز عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بوصية منه في موضع أعده لنفسه، ثم بنى عليه ابنه هناك قبة ومدرسة.
محمود بن أحمد بن صالح، الفقيه الصالح، شرف الدين الصرخدي. أخذ عن الشيخ فخر الدين المصري، وسمع الحديث. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجي: وكان أحد الفقهاء الأخيار، وكان يجلس في الجامع يقرئ الطلبة شرحا وتصحيحا، وعنده تبتل، وخشوع، وله أوراد. وكان مصفرا، نحيفا، وانقطع بآخره عن حضور المدارس لضعف بصهر، قال لي والدي: قدم علينا وهو شاب في الشامية فكنا نشبه طريقته بطريقة النووي. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وقد جاوز الخمسين.
محمود بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، الإمام العلامة الورع، بقية السلف، مفتي المسلمين، أقدم المدرسين، أقضى القضاة شرف الدين أبو الثناء بن الإمام العلامة جمال الدين بن الإمام العلامة كمال الدين البكري، الوائلي، المعروف بابن الشريشي، شيخ الشافعية ومدرس البادرائية. مولده سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وسبعمائة بحمص، أخذ العلم عن والده، والشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة وأضرابهما من مشايخ عصره، وقرأ في الأصول، والنحو، والمعاني والبيان، وشارك في ذلك كله مشاركة قوية. ونشأ في عبادة، وتقشف، وسكون، وأدب، وانجماع عن الناس. ودرس بالبادرائية في ربيع الأول سنة خمسين، نزل له والده عنها، واستمر يدرس فيها إلى حين وفاته، وناب للقاضي تاج الدين في آخر عمه فمن بعده ودرس في الرواحية مدة يسيرة، ولازم الإشغال والإفتاء، واشتهر بذلك، وصار هو المقصود بالفتاوى من سائر الجهات، وكان يكتب على الفتاوى كتابه حسنة. وبلغني عن الشيخ زين الدين القرشي أنه قال: يقبح علينا أن نفتي مع وجود ابن الشريشي. وتخرج عليه خلق كثير من فقهاء البادرائية وغيرهم. وكتب بخطه أشياء كثيرة. وكان محببا إلى الناس، كله خير ليس فيه شيء من الشر، وانتهت إليه وإلى رفيقه الشيخ شهاب الدين الزهري رئاسة الشافعية. وله نثر ونظم حسن. وكان مباركا له في رزقه، ليس له سوى البادرائية وتصدير على الجامع، ولا يزال يضيف الطلبة ويحسن إليهم، ويكثر الحج. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: لازم القاضي تاج الدين، وحضر حلقته، فاستنابه في الحكم قبل موته بيسير، واستمر ينوب عن القضاة الذين بعده نحو عشرين سنة. وتصدر للإشغال في الجامع، وأفتى، واشتهر بالإشغال والفتيا. وكان ساكنا وقورا، قليل الشر، ريض الأخلاق، ولديه مشاركة حسنة في الأصول، والعربية، وألدب انتهى. ولم أر في مشايخي أحسن من طريقته، ولا أجمع لخصال الخير منه، وكان يعلب بالشطرنج، وكان رأسا فيه. توفي في صفر سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ودفن في تربتهم بالصالحية، مقابل جامع الأفرم في السفح.

(1/188)


يوسف بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف، العالم المفتي، المدرس، القاضي جمال الدين أبو المحاسن بن الإمام العلامة الزاهد الورع شيخ الشافعية، شمس الدين بن القاضي نجم الدين، الأسدي، المعروف بابن قاضي شهبة. عمي. مولده في رمضان سنة عشرين وسبعمائة، وسمع الحديث من جماعة، وتفقه على والده، وعلى أهل عصره، وأذن له والده في الإفتاء، وكان يثني على فهمه. وتنقل في قضاء البر ثم ترك ذلك، وأقام في دمشق على وظائف والده. نزل له عنها في حياته، وهي تصدير في الجامع، وإعادات، ثم درس في العصرونية، ودرس في المجاهدية نيابة. وكان فاضلا في الفقه، غير أنه حصل له ثقل في لسانه في مرضة مرضها، فكان يعسر عليه الكلام وكان خيرا، دينا، منجمعا على نفسه، ساكنا، حسن الشكل. توفي في شوال سنة تسع بتقديم التاء وثمانين وسبعمائة، ودفن عند والده رحمهما الله تعالى.
الطبقة الثامنة والعشرون
وهم الذين كانوا في العشرين الأولى من المائة التاسعة
إبراهيم بن موسى بن أيوب، الأبناسي، برهان الدين، أبو محمد، العالم، الفقيه، العابد. وله في أبناس بفتح الهمزة وسكون الموحدة، بعدها نون، وفي آخرها سين مهملة، وهي قرية صغيرة في الوجه البحري سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريبا، كذا نقل من خطه. وقدم القاهرة وله بضع وعشرون سنة، وسمع فيها وفي دمشق من جماعة، وخرج له الحافظ ولي الدين ابن العراقي مشيخة. وتخرج في الفقه على الشيخين جمال الدين الإسنوي وولي الدين المنفلوطي وغيرهما، وتخرج في الحديث في مغلطاي. قال المؤرخ ناصر الدين ابن الفرات: كان شيخ الديار المصرية، مربيا للطلبة. وله مصنفات في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، وحج وجاور مرات. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه فيما كتب إلي أنه مه في الفقه، والأصول، والعربية وشغل فيها، وبنى زاوية في المقس ظاهر القاهرة، وأقام فيها يحسن إلى الطلبة، ويجمعهم على التفقه، ويرتب لهم ما يأكلون، ويسعى لهم في الرزق، خصوصا الواردين من الضاحي، فصار أكثر الطلبة في القاهرة من تلامذته، وتخرج عليه منهم خلق كثير وكان حسن التعليم، لين الجانب، متواضعا، بشوشا، متعبدا، متقشفا، مطرح التكلف. وقد درس في مدرسة السلطان حسن، وفي الآثار النبوية، وفي الجامع الأزهر. وقد عين للقضاء مرة فتوارى، وذكر أنه فتح المصحف فخرج قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. ولم يزل مستمرا على طريقته وإفادته ونفعه إلى أن حج في سنة إحدى وثمانمائة، فمات راجعا في المحرم بعيون القصب بالقرب من عقبة أيلة، ودفن هناك. ورثاه صديقه شيخنا العراقي بقصيدة دالية طويلة، وأثنى عليه فيها كثيرا رحمهما الله تعالى.
أبو بكر بن حسين بن عمر بن محمد بن يونس بن أبي الفخر بن عبد الرحمن بن نجم الدين العثماني، المراغي، ثم المصري، القاضي زين الدين، نزيل المدينة. ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، أو في أول التي يليها، وأجاز له أبو العباس ابن الشحنة، فكان آخر من حدث عنه في الدنيا بالإجازة، وأجاز له أيضا المزي والبرزالي وآخرون، من دمشق وحماة وحلب وغيرها. وتفرد بالرواية عن أكثرهم، وسمع في القاهرة من جماعة. وخرج له الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه أربعين حديثا. وقرأ على الشيخ تقي الدين السبكي شيئا من محفوظاته عرضا قبل أن يلي القضاء. وحضر درس الشيخ شمس الدين ابن ابن اللبان، ولازم الشيخ جمال الدين الإسنوي، وقرأ عليه القطعة من شرح المنهاج ثم أكمل عليها. وأخذ عن مغلطاي وغيره من المحدثين، ثم تحول إلى المدينة الشريفة، فسكنها، وحصل بها بعض جهات تقوم بحاله، ولازم الإشغال في الروضة الشريفة، والتحديث إلى أن صار شيخها المشار إليه، ثم ولى قضاءا بعد أن شاخ وانهزم وبلغ الثمانين، وفباشرها قليلا ثم عزل، فتألم لذلك. توفي في المدينة في ذي الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة.

(1/189)


أبو بكر بن سليمان بن صالح، الشيخ عماد الدين الذاذيخي. تفقه على الشيخ زين الدين الباريني، وأخذ العربية عن أبي عبد الله بن جابر الضرير، وأبي جعفر الغرناطي، ورحل إلى دمشق فأخذ عن الشيخين عماد الدين ابن كثير وشمس الدين الموصلي وغيرهما، ومهر، وبرع، ودرس، وأفتى في حلب. توفي في أحد الربيعين ببعض أعمال حلب سنة ثلاث وثمانمائة في الفتنة. وذاذيخ قرية في سرمين.
أبو بكر بن محمد بن صالح، الجبلي بكسر الجيم وسكون الموحدة اليماني، الفقيه، المعروف بابن الخياط. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر امتع الله ببقائه: نشأ في تعز وتفقه إلى أن مهر، ودرس في المدرسة الأشرفية وغيرها في تعز، وتخرج عليه جماعة. وكان يقرر دروسه من الرافعي بلفظ الأصل، ويشارك في غير الفقه. وولي القضاء مدة يسيرة، ثم استعفى، ومات في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثمانمائة.
أحمد بن أبي بكر بن علي بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يعقوب، التاشري، الزبيدي، اليماني، شهاب الدين ابن رضي الدين بن موفق الدين. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: شيخ أهل زبيد في القه، برع فيه، وشارك في غيره، وتخرج عليه أهل البلد مدة، وانتهت إليه رئاسة الفتوى، وولي الحكم فيها قليلا وكان شديدا على مبتدعة الصوفية، وكان لهم شوكة قائمة، ومع ذلك فكان لا يفتر عن الإنكار عليهم، وجمع في بيان فساد قالتهم شيئا كثيرا. رأيته في زبيد، ونعم الشيخ كان. توفي في المحرم سنة خمس وعشرة وثمانمائة.
أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال، الشيخ شهاب الدين أبو العباس ابن الإمام العلامة عماد الدين ابن الحسباني. مولده سنة تسع بتقديم التاء وأربعين وسبعمائة. واشتغل في صباه بعلم الفرائض وأتقنها، ثم اشتغل بالعربية على أبي العباس العتابي فبرع فيها، وطلب الحديث وقرأه قراءة حسنة، وحصل الكتب وفضل في هذا العلم، ورحل إلى القاهرة، وسمع فيها وفي دمشق من جماعة، وحصل الأجزاء وضبط الأسماء، واعتنى بتحرير المشتبه منها، وكتب بخطه أشياء نسخا وتصنيفا. وشرع في تفسير كبير، وقف عليه البلقيني وأثنى عليه. وكان حضره عند والده في حلقة الفقه، وفهمه جيد صحيح. ودرس في الأمينية والإقبالية وغيرهما، وخطب في جامع التوبة. وأفتى، وحكم نيابة مدة، ثم بعد الفتنة ولي قضاء القضاة استقلالا، وشارك في الخابة ومشيخة الشيوخ. وكانت نفسه سامية وامتحن من جهة الدولة وكاد يهلك، وجرى له مع القاضي برهان الدين ابن جماعة فتنة، وآذاه ابن جماعة كثيرا. وكان عليه مأخذ في دينه، وأكثر الفقهاء يكرهونه. مات في ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، ودفن في سفح قاسيون.

(1/190)


أحمد بن حجى بن موسى بن أحمد بن سعد بن غشم بن غزوان بن علي بن مشرف بن تركي، الإمام العالم العلامة، الحافظ المحقق، ذو الخصال الزكية، والأخلاق المرضية، وشيخ الشافعية، شهب الدين أبو العباس بن الإمام العلامة فقيه الشام علاء الدين أبي محمد السعدي، الحسباني،، الدمشقي. مولده في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وحفظ التنبيه وغيره، وسمع الحديث من خلائق، وأجاز له خلق من بلاد شتى. وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الأجزاء، وقد كتب أسماء مشايخه مجردا في بعض مجاميعه على حروف المعجم. وأخذ الفقه عن والده والشيخ شمس الدين ابن قاضي شهبة وقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء وغيرهم، واستفاد من مشايخ العصر منهم الأذرعي، والحسباني، وابن قاضي الزبداني، وابن خطيب يبرود، والغزي، والقاضي تاج الدين السبكي، وشمس الدين الموصلي. وتخرج ف علوم الحديث على الحافظين: ابن كثير وابن رافع. وأخذ النحو عن أبي العباس العتابي وغيره. ودرس وأفتى، وأعاد وناب في الحكم. وصنف وكتب بخطه الحسن ما لا يحصر كثرة. فمن ذلك شرح على المحرر لابن عبد الهادي كتب منه قطعا، ورد على مواضع من المهمات للأسنوي، وعلى مواضع من الألغاز له، وبين غلطه فيها، وجمع فوائد في علوم متعددة في كراريس كثيرة سماها جمع المفترق، وكتابا سماه الدارس من أخبار المدارس، يذكر فيه ترجمة الواقف وما شرطه، وتراجم من درس في المدرسة إلى آخر وقت. وهو كتاب نفيس يدل على إطلاع كثير. وقد وقفت على كراريس منه مخرمة. وكتب ذيلا على تأريخ ابن كثير وغيره، بدأ فيه من سنة تسع وستين، فكتب غلي قبيل وفاته بيسير. وكان قد أوصاني بتكميل الخرم المذكور فأكملته، وأخذت التأريخ المذكور، وزدت عليه حوادث من تواريخ المصريين وغيرهم بقدر ما ذكره الشيخ، وتراجم أكثر من التراجم التي ذكرها بكثير، وبسطت الكلام في ذلك، وجاء إلى آخر سنة أربعين وثمانمائة في سبعة مجلدات كبار، ثم اختصرته في نحو نصفه. وقد ولي الشيخ في أواخر عمره الخطابة، ومشيخة الشيوخ شريكا لغيره، وانتهت المشيخة في البلاد الشامية إليه. وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة، وخطه مليح. وكان يضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه. وكان حسن الشكل، دينا، خيرا. له أوراد من صلاة وصيام. وعند أدب كثير، وحشمة، وحسن معاشرة. وعنه أخذت هذا الفن، واستفدت منه كثير، وحشمة، وحسن معاشرة. وعنه أخذت هذا الفن، واستفدت منه كثيرا. توفي في المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة، ودفن عند والده على جادة الطريق رحمه الله تعالى وجمعنا وإياه في مستقر رحمته.
أحمد بن راشد بن طرخان، الشيخ الإمام العلامة، مفتي المسلمين، أقضى القضاة، شهاب الدين أبو العباس الملكاوي، الدمشقي. أحد الأئمة العلماء المعتبرين، وأعيان الفقهاء الشافعيين. اشتغل في الفقه، والحديث، والنحو، والأصول على مشايخ عصره. بلغني عن الشيخ شهاب الدين الزهري تغمده الله برحمته أنه قال: ما في بلد من أخذ العلوم على وجهها غيره. وكان ملازما للأشغال والاشتغال، وتخرجت عليه جماعة. وناب في القضاء ودرس في الدماغية، وناب في الشامية الجوانية. وكان في آخر عمره قد صار مقصودا بالفتاوى من سائر الأقطار، وكان يكتب عليها كتابة حسنة، وخطه جيد، وكان في ذهنه وقفة، وعبارته ليست كقلمة، وكان يرجع إلى دين وملازمة لصلاة الجماعة، لكنه كان يميل إلى ابن تيمية كثيرا، ويعتقد رجحان كثير من مسائله، وفي أخلاقه حدة، وعنده نفرة من الناس، انفصل من الوقعة وهو متألم مع ضعف بدنه السابق، وحصل له جوع، فمات في رضمان سنة ثلاث وثمانمائة وهو في عشر السبعين ظنا، ودفن في مقبرة باب الفراديس في طرفها الشمالي من جهة المغرب.

(1/191)


أحمد بن عماد بن محمد، الشيخ شهاب الدين الأقفهسي المصر، ولد قبل الخمسين، واشتغل في الفقه والعربية وغير ذلك، وأخذ عن الشيخ جمال الدين الإسنوي، وقرأ عليه من أول المهمات إلى الجنايات، وكتاب أحكام الخناثي، وقرأ على شمس الدين ابن الصائغ الحنفي شرح البزدوي، وكان يحضر عند الشيخين البلقيني والعراقي ويتكلم، ويفيده ويعظمه الشيخان. قال الحافظ برهان الدين ابن العجمي في مشيخته: وكان من العلماء الأخيار المستحضرين، ولديه فوائد في فنون عديدة، دمث الأخلاق، طاهر اللسان، حسن الصحبة، قال: وكتب على المهمات كتابا حافلا فيه فيه تعقبات نفيسة، وصنف عدة تصانيف. وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: وله تعقب على المهمات في قدر حجمه، وله نظم كثير سمعت منه. ومن تصانيفه كتاب تسهيل المقاصد لزوار المساجد، وهو كتاب مفيد في بابه، وكتاب التبيان فيما يحل ويحرم من الحيوان، وكتاب رفع الإلباس عن وهم الوسواس، والاقتصاد في الاعتقاد، ونظم حوادث الهجرة وشرحه، ونظم النجاسات المعفو عنها، وشرحه، والقول التام في أحكام المأمون والإمام. توفي سنة ثمان وثمانمائة والأفقهسي بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الفاء وسكون الهاء.
أحمد بن عمر بن محمد، الإمام العالم الأوحد، بدر الدين الطنبذي. أحد مشاهير الشافعية الأعلام بالقاهرة، اشتغل كثيرا ولازم أبا البقاء والإسنوي والبلقيني وغيرهم، وأفتى ودرس ووعظ، ومهر في العربية والتفسير والأصول والفقه، وسمع الحديث من جماعة. وكان ذكيا فصيحا، يلقي على الطلبة دروسا كاملة، وتخرجت عليه جماعة منهم، لو كنه لم يكن مرضي الديانة سامحه الله تعالى. توفي في ربيع الأول سنة تسع بتقديم التاء وثمانمائة في القاهرة، وقد أناف على الستين.
أحمد بن محمد بن عماد بن علي، المصري ثم المقدسي، الشيخ شهاب الدين ابن الهائم. ولد سنة ثلاث أو سنة ست وخمسين وسبعمائة، واشتغل في القاهرة ومهر في الفرائض والحساب، مع حسن المشاركة في بقية العلوم. ولما ولي القمني تدريس الصلاحية أحضره إلى القدس واستنابه في التدريس، وصار يعد من شيوخ المقادسة ثم استقل بتدريس الصلاحية. وفي آخر عمره أشرك الأمير نوروز معه في التدريس المذكور شمس الدين الهروي. وجمع في الفرائض والحساب تصانيف. وله العجالة في استحقاق الفقهاء أيام البطالة. وكان قد نشأ له ولد نجيب، كان نادرة الدهر، فأصيب به، فصبر واحتسب. وكانت له محاسن كثيرة، وعنده ديانة متينة. وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولكلامه وقع توفي في القدس في رجب سنة خمس عشرة وثمانمائة.
أحمد بن محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد، الإمام العالم، شهاب الدين أبو العباس الحواري الدمشقي. مولده سنة سبع بتقديم السين وخمسين وسبعمائة. قدم دمشق من بلده وقرأ القرآن، ثم أنه اقرأ ولدي الشيخ شهاب الدين الزهري، واشتغل في العلم معهما وبسببهما على الشيخ شهاب الدين، ولازمه كثيرا. وحضر عند مشايخ العصر إلى أنه تنبه وفضل. وحضر الدروس مع الفقهاء، وانتهى في الشامية البرانية سنة خمس وثمانين، وظهر فضله، وأذن له الشيخ شهاب الدين الزهري بالإفتاء في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، ثم نزل له الشيخ شهاب الدين ابن حجى عن إعادة الشامية البرانية في رمضان سنة اثنتين وثمانمائة بعوض، وجلس للأشغال في الجامع. ولما كان بعد الفتنة ناب في القضاء، ولازم للأشغال في الجامع، وانتفع به الطلبة، وقصد بالفتاوى، وكان يكتب عليها كتابة حسنة، ودرس في آخر عمره في العذراوية. وكان عاقلا، ذكيا، يتكلم في العلم بتؤده وسكون، وعنده إنصاف، وله محاضرة حسنة، ونظم، ومنه قوله:
واخجلتي وفضجتي في موقف ... صعب المسالك والخلائق تعرض
وتوقفي لمهدد لي قائل ... أصحيفة سودا وشعرك أبيض
وكان في يده جهات كثيرة، ومات ولم يحج. وكان اشتغاله على كبر. ولم يكن له محتصر يحفظه. وإنما كان يستحضر من التمييز لأنه علق بعضه بخاطره لما أقرأه لولدي الشيخ، مرض بالاستسقاء، وطال مرضه، حتى رأى العبر في نفسه. توفي في المارستان النوري في جمادى الأولى سنة تسع بتقديم التاء عشرة وثمانمائة، ودفن في مقبرة الصوفية عند شيخه.

(1/192)


أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن، الشيخ الإمام العالم المفنن، قاضي القضاة، خطيب الخطباء، إمام البلغاء، ناصر الشرع، شهاب الدين أبو العباس، الناصري، الباعوني. ولد في قرية الناصرية من البلاد الصفدية سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. وحفظ القرآن وله عشر سنين، وحفظ المنهاج في مدة يسيرة، ثم المنهاج البيضاوي والألفية وغير ذلك. وقدم دمشق وعرض كتبه على جماعة من العلماء منهم القاضي تاج الدين السبكي، والمشايخ ابن خطيب يبرود، وابن قاضي الزبداني، وابن قاضي شهبة، والموصلي، وابن الشريشي، والزهري وغيرهم، وأخذ عنهم. وسمع الحديث من جماعة من المسندين. وقرأ النحو على الشيخ أبي عبد الله المالكي وأبي العباس العتابي، ومهر في ذلك، وكتب له العتابي إجازة بخطه الحسن، وترجمه بما له من الفصاحة واللسن. وكتب الخط المليح، ثم رجع إلى صفد بعد أن قضى من طلب العلم أربه، فاشتغل بالعلم، وأفتى، وفاق في النظم والنثر، وصحب الفقراء والصالحين. ثم توجه إلى الديار المصرية واجتمع بالملك الظاهر، فولاه الخطابة في الجامع الأموي، فقدم في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين، ثم لما قدم السلطان في سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء في ذي الحجة، فباشر بعفة ومهابة زائدة وتصميم في الأمور مع نفوذ كلمة، وكان يكاتب السلطان بما يريد، فيرجع الجواب بما يختاره، وانضبطت الأوقات في أيامه، وحصل للفقهاء معاليم كثيرة، ودرس التفسير والفقه في مدارس القضاء وغيرها، وولي مشيخة الشيوخ انتزعها من كاتب السر ابن أبي الطيب في شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين، ثم وقعت له أمور أوجبت تغير خاطر السلطان عليه، منها أنه طلب منه أن يقرضه من مال الأيتام شيئا فامتنع، فعزله بعدما باشر سنتين ونصفا في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وكشف عليه. وعقدت له مجالس وحصل في حقه تعصب ولفقت عليه قضايا باطلة، أظهر الله تعالى براءته منها، ولم يسمع عنه مع كثرة أعدائه أنه ارتشى في حكم من الأحكام، ولا أخذ شيئا من قضاة البر، كما فعله من بعده من القضاة، ثم ولي خطابة القدس مدة طويلة، ثم خطابة دمشق ومشيخة الشيوخ غير مرة. ثم ولاه الناصر القضاء في صفر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، فلم يمكنه إجراء الأمور على ما كان أولا لتغير الأحوال واختلاف الدول، ثم صرفه الأمير شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة. وفي فتنة الناصر ولي قضاء الديار المصرية مدة الحصار ثم انتقض. وكان خطيبا بليغا، له اليد الطولى في النظم والنثر مع السرعة في ذلك. وكان من أعظم أنصار الحق وأعوانه، أعز الله تعالى به الدين، وكف به أكف المفسدين. وكان طاهر الديانة، كثير البكاء، وكتب الكثير بخطه، وجمع أشياء. توفي في أوائل المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة، وكانت جنازته مشهودة ودفن في السفح في حوش بزاوية الشيخ أبي بكر بن داود رحم الله الجميع.
تاج بن محمود الأصفهندي، الشيخ تاج الدين، نزيل حلب. قدم من بلاد العجم حاجا، ثم رجع فسكن في حلب، وتصدى للأشغال فيها، وأقام في المدرسة الرواحية، وأقرأ العربية وغيرها. وتكاثر عليه الطلبة، فلم يكن يتفرغ لغير ذلك، بل يصلي الصبح ويقرئ إلى الظهر في الجامع، ثم يقرئ من الظهر إلى العصر في جامع منكلي بغا، ثم يجلس من العصر إلى المغرب في الرواحية للإفتاء، وكان أعزب مع العفة والديانة، وعدم المعرفة بأمور الدنيا؛ ولما طرق التتار البلاد أسر مع من أسر فاستنقذه صاحب شماخي، وأخذه إلى بلده مكرما، فأقام عنده إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة سبع بتقديم السين وثمانمائة، عن سبع وسبعين سنة بتقديم السين فيهما. أخذ عنه غالب أهل حلب وانتفعوا به. وأقرأ الحاوي، وقد شرح المحرر في الفقه.

(1/193)


الحسين بن علي بن محمد بن عبد الرحمن، القاضي، الإمام البارع، الأديب، بدر الدين ابن قاضي أذرعات. اشتغل في الفقه على الشيخين شرف الدين ابن الشريشي ونجم الدين بن الجأبي وغيرهما، وأخذ النحو عن الشيخ شرف الدين الأنطاكي، وفضل في ذلك واشتهر به، وكان يتكلم كلاما حسنا، وعبارته جيدة، وكتب الخط الحسن، وكان يكتب كل يوم كراسا، وكان الشيخ سراج الدي البلقيني لما قدم الشام أذن له في الإفتاء، وناب في الحكم، وأشغل في الجامع وأفتى، وترك نيابة الحكم في آخر عمره، وانجمع عن مخالطة الناس، وكان على طريقة حسنة. توفي في صفر سنة أربع عشرة وثمانمائة شهيدا بالطاعون، ودفن في مقبرة الشيخ رسلان.
رسلان بن أبي بك بن رسلان بن نصير بن صالح، الإمام العالم، البارع الأوحد، أقضى القضاة، جمال الفقهاء بهاء الدين أبو الفتح البلقيني المصري، ابن أخي الشيخ سراج الدين. ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة، وأخذ عن عمه وغيره من مشايخ القاهرة، ودرس وأفتى، وأشغل وناب في القضاء، وكان من أذكياء العالم، بلغني أنه كان ينتصر للرافعي في مباحثات عمه للرافعي، فيقول له عمه: كن فقيه عمك، ولا تكن فقيه الرافعي، قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: كان من العلماء الأئمة، وحمدت سيرته في القضاء، وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: تفقه على عمه وغيره حتى مهر في الفقه، وشارك في الفنون، وتصدى للأشغال والتدريس، وانتفع به الطلبة وأفتى، فكثر النفع به مع الوقار وحسن الخلق والشكل. مات في جمادى الآخرة سنة ثلا وثمانمائة، ودفن في مقبرة الصوفية.
سعد بن إسماعيل بن يوسف بن يعقوب بن سرور بن نصر بن محمد، الشيخ الإمام سعد الدين النواوي الدمشقي. مولده سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وسبعمائة. قدم دمشق صغيرا، وسمع الحديث، واشتغل، ولازم الشيخ تاج الدين المراكشي مدة، وتفقه على الشيخ شمس الدين ابن القاضي شهبة، وقرأ على الشيخ عماد الدين ابن كثير علوم الحديث الذي ألفه، وأذن له بالفتوى، وأشفل في الجامع، وأعاد في الناصرية والقيمرية، وكتب في الإجازات وعلى الفتاوى، ودرس في آخر عمره في أم الصالح، وناب في القضاء، وحصل له بعد الفتنة فاقة بعدما كان مثريا. توفي في ربيع الآخر سنة خمس وثمانمائة في بلد الخليل عليه السلام قاضيا بها، وكان قد ولي ذلك مدة يسيرة.
عبد الله بن محمد بن طيمان. الإمام العالم، المفنن البارع الناسك، جمال الدين الطيماني المصري، ثم الدمشقي. مولده قبيل السبعين وسبعمائة، وقرأ الحاوي الصغير، وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني، ولازمه مدة. وأخذ الأصول والنحو، والعلوم العقلية عن الشيخ عز الدين ابن جماعة. وقدم دمشق مرات بسبب وقف عليه في دمشق، أولها في آخر أيام الشيخ نجم الدين بن الجابي، ثم إنه في آخر أمره أقام في الشام يشغل ويفتي ويصنف. ودرس في الركينة والعذراوية والظاهرية والشامية الجوانيتين. وولي خدمة الخانقاه السمساطية، وشرع في جمع أشياء لم تكمل. واختصر شرح الشيخ شرف الدين الغزي على المنهاج، ولخص من كلام الأذرعي وغيره أشياء على المنهاج، لم يشتهر لغلاقة لفظه واختصاره. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: اشتغل وفضل وبرع، وقدم علينا دمشق طالبا، فاضلا، ولازم التحصيل والشغل للطلبة، وكان يفتي ويتصوف، وأخذ عني، وكان تركي الشكل، ولا يتكلم إلا معربا، وعمامته صغيرة، وللناس فيه عقيدة انتهى. ولما قدم في المرة الأخيرة ظهرت فضائله وعلومه، وأقر له مشايخ البلد، حضر مرة عند الشيخ شرف الدين الغزي فشرع يستحضر كلام المهمات مرة بعد اخرى. فقال له الشيخ: أنت تحفظ المهمات البارحة كنت أطالع في هذه المراضع، وأنت تحفظها أكثر مني. وكان يدرس دروسا مليحة مشحونة بفوائد الشيخ سراج الدين البلقيني ومباحثه، ويؤديها بفصاحة وتعدد. قتل في منزله في التعديل، في الفتنة التي بين الناصر وغرمائه في صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة عن نحو سبع بتقديم السين وأربعين سنة، ودفن في مقابر الحموية بالقرب من قبر عاتكة إلى جانب الشيخ الزاهد علي بن أيوب رحمهما الله تعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1000
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة   الإثنين أكتوبر 31, 2016 8:46 am

عبد الرحمن بن علي بن خلف، الفارسكوري، المصري، العلامة زين الدين. ولد سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني وغيرهما. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر فيما كتبه إلي: أجاد الخط، ومهر في الفنون، وطلب الحديث بنفسه، فقرأ الكثير، وكتب بخطه وسمع، وعمل شرحا على شرح ابن دقيق العيد للعمدة في أربعة مجلدات، أجاد فيه، وكان له حظ من عبادة ومروءة، وسعي في قضاء حوائج من يقصده، ولا سيما أهل الحجاز، وكان مقلا، ثم قرر في تدريس المنصورية ونظر الظاهرية وتدريسها في سنة ثلاث وثمانمائة، فباشر ذلك أحسن مباشرة، وعمرت الظاهرية في أيامه، وقد جاور في مكة عاما، وما في القاهرة في رجب سنة ثمان وثمانمائة.
عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن لاجين، الرشيدي، زين الدين ابن شمس الدين بن العلامة برهان الدين، الموقت. ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وانتفع على جماعة، وسمع في دمشق من جماعة وحدث، وكان عنده علم بالميقات، وولي رئاسة المؤذنين، وكان يخطب في جامع أمير حسين ظاهر القاهرة. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: وكان بارعا في الحساب والفارئض والميقات، وشرح الجعبرية والشنهية والياسمينية في الجبر والمقابلة، وله مجاميع حسنة انتهى. وقد وقفت على شرحه لفرائض عبد العزيز الأشنهي، وفيه أوهام عجيبة، صادرة عن عدم تأمل. توفي في القاهرة في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانمائة.
عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم، المغربي الأصل المصري، الشيخ العالم الصالح زين الدين أبو هريرة ابن أبي أمامة بن النقاش. ولد في ذي الحجة سنة سبع بتقديم السين وأربعين وسبعمائة، وأسمع من جماعة. قال صاحبه الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: حفظ المنهاج، ودرس بعد وفاة أبيه في جهاته، واشتهر بالديانة والأمانة وصدق اللهجة، وجودة الرأي، والصدع بالحق والصرامة، ثم ولي الخطابة في الجامع الطولوني، فكان يعلن في خطبته بعدم الظلم، وينكر ما يشاهده، أو يسمع به من الوقائع، وجرت له في ذلك خطوب مع الترك والقبط، وهو مع ذلك معظم عندهم. وكان مقتصدا في ملبسه، متفضلا على المساكين ممن ينسب إلى السنة، كثير الإقامة في منزله، مقبلا على شأنه، عارفا بأمر دينه ودنياه، يكتسب غالبا من الزراعة ومن كرى العقار، ويبر أصحابه، ويقوم بحقوقهم مع محبة الحديث وأهله، وكثرة الحج والمجاورة، وكان بيننا مودة. مات في ذي الحجة سنة تسع بتقديم التاء عشرة وثمانمائة، ودفن عند باب القارفة على قارعة الطريق بوصية منه، ليترحم عليه كل من مر به. ثم بنيت له هناك مصطبة، وجعل على قبره صندوق خشب، ودفن في جنبيه جماعة رحمه الله تعالى.

(1/195)



عبد الرجيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، الحافظ الكبير، الميد، المتقن، المحرر، الناقد، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي، نزيل القاهرة. ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وحفظ التنبيه وعدة كتب. واشتغل في الفقه والقراءات، وسمع في غضون طلبه للعلم من جماعة وأخذ عن الشيخ برهان الدين الرشيدي وشهاب الدين النحوي السمين. وولع بتخريج أحاديث الإحياء، ورافق الزيلعي الحنفي في تخريجه أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية فكانا يتعاونا. وكان مفرط الذكاء، فأشار عليه القاضي عز الدين بن جماعة بطلب الحديث لما رآه مكبا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك، فطلبه على وجهه من سنة اثنتين وأربعين، وسمع من جماعة في القاهرة، ثم أكثر الترحال إلى الشام والحجاز، وهم بالتوجه إلى بغداد، فتر عزمه، وسمع في حلب وحماه وحمص وبعلبك وطرابلس وغيرها. وسمع في الإسكندرية، وأراد التوجه إلى تونس، فلم يتفق له ذلك، وأخذ علم الحديث عن الشيخ علاء الدين بن التركماني الحنفي، وأخذ الفقه عن العلامة جمال الدين الإسنوي والعماد البلبيسي وغيرهما. وخرج أربعين حديثا متباينة البلاد، وأخذ عنه ابنه الشيخ ولي الدين، والشيخ نور الدين الهيثمي، وبرهان الدين الأبناسي، وكمال الدين الدميري، وزين الدين الفارسكوري، وجمال الدين بن ظهيرة، وشهاب الدين بن حجر، وبرهان الدين العجمي الحلبي، ودرس في الكاملية والفاضلية. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع اله ببقائه: لكن لم يكملها رأيتها بخطه وقد زادت على الثلاثين، ثم أقبل على التصنيف فنظم علوم الديث لابن الصلاح، ثم شرحه، وعمل نكتا على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلا على ابن سيد الناس، فكت منه نحو عشرة مجلدات إلى دون ثلثي الجامع. وخرج أحاديث الإحياء وبيض منه قدر مجلدين، ولو كمل لكان في ستة مع أن مسودته فيها كاملة بخطه، ثم اختصر هذا في مجلد سماه المغني. وله نظم غريب القرآن، ونظم السيرة النبوية فيألف بيت، ونظم المنهاج البيضاوي. واستدرك على المهمات في الفقه كتابا سماه تتمات المهمات، وعمل الوفيات ذيلا على ذيل أبي الحسين بن أيبك. وعقد مجلس الإملاء في كل ثلاثاء غالبا، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس من حفظه كثيرة الفائدة، وولي قضاء المدينة النبوية سنة ثمان وثمانين، فأقام بها نحو ثلاث سنين. قال الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان محدث الديار المصرية، انتهت إليه معرفة علم الحديث وكتب وجمع وصنف، وخرج أحاديث الإحياء. وولي في القاهرة مشيخة الحديث في عدة مواضع، ثم علت سنة، ودرس في القاهرة بالفاضلية وغيرها، وكان حسن الوجه والشبيه. وقال صاحبه الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: صار المنظور إليه في هذا الفن وقد وصفه بحافظ العصر الشيخ جمال الدين الإسنوي، ذكره ذلك في البطقات في ترجمة ابن سيد الناس، وفي المهمات أيضا. وكان شيوخ العصر يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة كالسبكي والعلائي وعز الدين بن جماعة وابن كثير. وكان مع ذكائه سريع الحفظ جدا. أخبرني أنه حفظ من الإلمام في يوم واحد أربعمائة سطر، وأنه حفظ نصف الحاوي في الفقه في خمسة عشر يوما أو اثني عشر الشك منيز وذكر جملة من محاسنه ومآثره. وكان لا يترك قيام الليل، وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس، ويصلي الضحى. ولم أر في جميع مشايخي أحسن صلاة منه. مات بعد خروجه من الحمام في شعبان سنة ست وثمانمائة رمه الله تعالى، ودفن في تربة خارج باب البرقية. قال رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وعيسى عليه الصلاة والسلام عن يمينه، والشيخ زين الدين العراقي عن يساره.
(1/196)


عبد اللطيف بن أحمد، الفوي المصري ثم الحلبي، سراج الدين. ولد سنة أربعين وسبعمائة تقريبا، واشغتل في القاهرة على الشيخين جمال الدين الإسنوي وشمس الدين الكلائي وغيرهما، ثم قدم دمشق وصحب القاضي فتح الدين ابن الشهيد والقاضي ولي الدين بن أبي البقاء، ثم دخل حلب، فقطنها وشغل الناس فيها في الجامع الكبير وولي قضاء العسكر، ثم صرف عنه، ثم ولي تدريس الظاهرية فتوزع في نصفها، قال الحافظ شهاب الدين ابن جحى عند ذكر قدومه دمشق: وعنده معرفة بالأدب والشعر، ثم توجه إلى حلب وأقام فهيا ودرس، وكان معدودا من علمائها. وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: كان ماهرا في الفرائض، مشاركا في غيرها، سريع الإدراك، كثير الاشتغال، قوي التصرف. له نظم ونثر، ولم يزل مقيما في حلب إلى أن خرج منها وقدم دمشق في أواخر المحرم سنة إحدى وثمانمائة، وتوجه إلى القاهرة، فقتل في خان غباغب ولم يعرف قاتله، وقيل: إنه تقبع في حلب.
عثمان بن إبراهيم بن أحمد، الشيخ فخر الدين البرماوي المصري. ولد سنة بضع وستين وسبعمائة. اشتغل بالفقه والحديث والعربية حتى مهر فيها، ولازم الشيخ فخر الدين إمام جامع الأزهر في القراءات حتى نبغ، واشتقر بعد شيخه المذكور في درس القراءات في الظاهرية الجديدة. وولي مشيخة الإقراء أيضا في الشيخونية. وسمع الكثير، واستملي بعض مجالس من أمالي العراقي، وناب في الحكم عن القاضي جلال الدين، وباشر قراءة البخاري عليه في القلعة. مات فجأة في شعبان سنة ست عشرة وثمانمائة، خرج من الحمام فمات.
علي بن أحمد، اليماني، المعروف بالأزرق، من أهل أبيات حسين. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: كان كثير العناية بالفقه، مشهورا بالذكاء، جمع كتابا كبيرا وانتفع به أهل تلك البلاد، مات في سنة تسع بتقديم التاء وثمانمائة.
علي بن محمد بن يحيى، الصرخدي، الشيخ علاء الدين، نزيل حلب. تفقه وسمع الحديث على المزي وغير، ثم قطن حلب، وكان يبحث مع الأذرعي كثيرا ويلازم منزله، ولا يكتب على الفتوى إلا نادرا، ودرس آخرا في جامع تغري بردى. مات في فتنة التتار في سنة ثلاث وثمانمائة.

(1/197)


عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق، الشيخ الفقيه المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي المتكلم، النحوي اللغوي، المنطقي الجدلي، الخلافي النظار، شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، منقطع القرين، فريد الدهر، أعجوبة الزمان، سراج الدين أبو حفص، الكناني العسقلاني الصل، البلقيني المولد، المصري. مولده في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة في بلقينة من قرى مصر الغريبة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين في بلده، وحفظ الشاطبية، والمحرر للرافعي، والكافية الشافية لابن مالك، ومختصر ابن الحاجب، وقدم القاهرة سنة ست وثلاثين، واجتمع بالقاضي جلال الدين القزويني والشيخ تقي الدين السبكي، وأثنيا عليه مع صغر سنه، ثم قدمها في سنة ثمان وثلاثين وقد ناهز الاحتلام مستوطنا، ودرس الفقه على الشيخ نجم الدين الأسواني وابن عدلان وزين الدين الكتناني وشمس الدين بن التاج، وحضر عند الشيخ تقي الدين السبكي وبحث معه في الفقه. وأخذ الأصول عن الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وأجازه بالإفتاء. وأخذ النحو والأدب عن الشيخ أبي حيان، وتخرج على غيرهم من مشايخ العصر، وسمع البخاري من الشيخ جمال الدين بن شاهد الجيش، ومسلم من القاضي شمس الدين ابن القماح، وسمع بقية الكتب الستة وغيرها من المسانيد وغيرها من جماعة. وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي، وابن الجوزي وابن نباتة وابن الخباز وغيرهم، واشتهر اسمه وعلا ذكره، وظهرت فضائله، وبهرت فوائده، واجتمعت الطلبة للاشتغال عليه بكرة وعشيا. قال ولده القاضي جلال الدين: وكان يلقى الحاوي في الأيام اليسيرة، ووصل في ذلك إلى أنه ألقاه في جامع الأزهر في ثمانية أيام. وحج في سنة أربعين مع والده، واجتمع بالشيخ صلاح الدين العلائي في القدس، ثم حج في سنة تسع وأربعين، ثم صاهر ابن عقيل في سنة اثنتين وخمسين، وناب عنه لما ولي القضاء تلك المدة اليسيرة، وولي تدريس الزاوية بعد وفاة ابن عقيل. وكان قبل ذلك قد ولي تدريس الحجازية فإن واقفتها عمرتها لأجله. ثم ولي قضاء الشام سنة سبع وستين، فباشره مدة يسيرة، ثم استعفى وعاد إلى القاهرة، وولي تدريس الملكية بعد وفاة الإسنوي، وتدريس جامع طولون بعد وفاة أبي السبكي، وقضاء العسكر بعد ابن السبكي، وكان قد ولي قبل سفره إلى الشام إفتاء دار العدل في سنة خمس وستين رفيقا لبهاء الدين السبكي وهو أول شيء وليه من المناصب. وولي تدريس الألجهية من واقفها، وولي تدريس الشافعي رضي الله عنه بعد عزل ابن جماعة. فلما عاد ابن جماعة عوضه تدريس الفقه في جامع طولون، ودرس في الظاهرية البرقوقية وولي درس لتفسير ومشيخة الميعاد فيها، ثم نزل عن بعض وظائفه لولديه، واستمر بيده الزاوية والضاهرية إلى حين وفاته، أقام مدرسا في الزاوية ستة وثلاثين سنة يقرر فيها مذهب الشافعي على أعظم وجه وأكمله، وظهر له الأتباع والأصحاب، وصار هو الإمام المشار إليه، والمعول في الإشكال والفتاوى عليه، وأتته الفتاوي من الأقطار البعيدة، ورحل الناس من الأقطار النائية للقراءة عليه، وخضع له كل من ينسب إلى علم من العلوم الشرعية، وغيرها. وخرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثا عن أربعين شيخا، وخرج له الحافظ ولي الدين ابن العراقي مائة حديث من عواليه وأبداله، وقد أثنى عليه علماء عصره طبقة بعد طبقة من قبل الخمسين إلى حسن وفاته. وكان الشيخ شمس الدين الأصفهاني كثير التعظيم له، وأجازه الشيخ أبو حيان، وكتب له في إجازته ما لم يكتب لأحد قبله، وسنه إذ ذاك دون العشرين. وكان القاضي عز الدين ابن جماعة يعظمه، ويبالغ في تعظيمه جدا، وكتب له ابن عقيل على بعض تصانيفه: أحق الناس بالفتوى في زمانه. وقال له أيضا: لم لا تكتب على سيبويه شرحا؟ هذا مع اتفاق الناس في ذلك الزمان على أن ابن عقيل هو المرجوع إليه في علم النحو. وذكر له ولده القاضي جلال الدين ترجمة في مجلدة مشتملة على مناقبه، وفوائدة، وأنشد قول القائل:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل

(1/198)


قال: وقد ختم القرآن العظيم بميعاده، وأتى فيه من الوعظ ما يكون إن شاء الله تعالى، تعالى شيئا لإسعاده. وكان من العلوم بحيث يقضى له في كل علم بالجمع، وكان كثير الصدقة، طارحا للتكلف، قائما في الحق، ناصرا للسنة، قامعا لأهل البدعة، مبطلا للمكوس والمظالم، معظما عند الملوك. أبطل في دولة الشرف مكس الملاهي. وأبطل في دولة المنصور مكس القراريط. وكان مكس القراريط كثير البشاعة جدا. وعرض عليه الملك المنصور أيام طشتمر قضاء الديار المصرية فامتنع غاية الامتناع. وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: طلب العلم في صغره، وحصل الفقه والنحو والفرائض، وشارك في الأصول وغيره، وفاق الأقران في الفقه، ثم أقبل على الحديث، وحفظ متونه، وحفظ رجاله، فحفظ من ذلك شيئا كثيرا. وكان في الجملة أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك، وطبقة شيوخه موجودون، وبعد صيته. ثم قدم علينا قاضيا بالشام، وهو إذ ذاك كهل، فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت، واعترفوا بفضله، ثم رجع إلى بلده، وبنى مدرسة في القاهرة، وأثرى وكثر ماله، وتصدى للفتوى والإشغال. وكان معول الناس في ذلك عليه، ورحلوا إليه، وكثرت طلبته في البلاد، وأفتوا ودرسوا، وصاروا شيوخ بلادهم في أيامه. وكان صحيح الحفظ، قليل النسيان، ثم صار له اختيارات يفتي فيها. وله نظم كثير متوسط في الحكم والمواعظ ونحو ذلك. وبه تصانيف كثيرة لم تتم، يصنف قطعا ثم يتركها، وقلمه لا يشبه لسانه. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر بعد ذكر ابتداء أمر الشيخ: وصار معظما عند الأكابر، كثير السمعة عند العامة، وتصدى لتتبع الشيخ جمال الدين الإسنوي في خطابه حتى كان يتوقى الإفتاء هيبة له، وعول الناس عليه في الإفتاء، فكان يتصدى لذلك من بعد صلاة العصر إلى المغرب غالبا، ولا يفتر غالبا من الأشغال إما مطالعة وإما تصنيفا وإما إقراء، وكان عظيم المروءة، جميل المودة، كثير الاحتمال، كثير المباسطة مع مهابته. وكان يعمل مجلس الوعظ، ويجمع عنده الفقراء والصلحاء، ويحصل له خشوع وخضوع، وشهد جمع جم بأنه العالم الذي على رأس القرن. وممن رأيت خطه بذلك في حقه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي. وقال الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي سألني الشيخ شهاب الدين الأذرعي عن مولد الشيخ سراج الدين البلقيني فذكرته له، فقال: أنا أصلح أن أكون والده. ثم ذكر لي أنه لم ير أحفظ منه لنصوص الشافعي انتهى. توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة، ودفن في مدرسته التي أنشأها في درب بهاء الدين. رثاه تلميذه الإمام الحافظ أبو الفضل أحمد بن حجر بقصيدة ظنانة ومن تصانيفه كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، كتاب تصحيح المنهاج أكمل منه الربع الأخير في خمسة أجزاء، وكتب من ربع النكاح تقدير جزء ونصف، الكشاف على الكشاف وصل فيه إلى أثناء سورة البقرة في ثلاثة مجلدات ضخمة، وشرح البخاري كتب منه نحو خمسين كراسا على أحاديث يسيرة إلى أثناء الإيمان، ومواضع مفرقة، سماه بالفيض الباري على صحيح البخاري، التدريب في الفقه كتب منه إلى الرضاع، والتأديب مختصر التدريب كتب منه النصف، ومنهج الأصلين أكمل منه أصل الدين، وكتب منه قريبا من نصف أصول الفقه، كتاب المنصوص والمنقول عن الشافعي في الأصول، كتب منه قطعة صالحة، ترتيب الأم على الأبواب وقد أكمله ولكن بقي منه بقايا، والفوائد المحضة على الشرح والروضة، كتب منه أجزاء مفرقة، الملمات برد المهمات، كتب منه أجزاء مفرقة، الينبوع في إكمال المجموع، كتب منه أجزاء من النكاح، العرف الشذي على جامع الترمذي، كتب منه قطعة صالحة، والسبب في عدم إكماله لغالب مصنفاته اشتغاله بالإشغال، والتدريس، والتحديث، والإفتاء.
عمر بن عبد الله بن عمر بن داود، الشيخ زين الدين ابن الشيخ جمال الدين، الكفري الدمشقي. كان فقيها فاضلا في الفقه، موصوفا باستحضار الروضة، وأذن له بالفتوى، وتصدر في الجامع الأموي. وعرض عليه نيابة القضاء فامتنع. وكان يرجع إلى دين، وعنده قوة نفس. قتل في أواخر ربيع الآخر أو أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانمائة على يد التتار في قرية بيت أيما. وكان قد خرج إليها هاربا.

(1/199)


عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الشيخ الإمام العالم العلامة، عمدة المصنفين، سراج الدين الدين أبو حفص الأنصاري، الأندلسي الأصل، المصري، المعروف بابن الملقن. كان أبوه نحويا معروفا بالتقدم في ذلك، ومات وولده صغير، فرباه زوج أمه الشيخ عيسى المغربي الملقن، فعرف به. ولد في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. أخذ عن الإسنوي ولازمه، وعن غيره من شيوخ العصر، وسمع الحديث الكثير، حتى انه ذكر مرة أنه سمع ألف جزء حديثية، ودخل دمشق سنة سبعين طالبا للحديث. وصنف قديما في حياة شيخه، واشتهر بشرح المنهاج الكبير له، ووقف عليه الأذرعي، واستفاد منه، واعترضه في مواضع، وقد مات الأذرعي قبله بدهر، ودرس وأفتى، وصنف التصانيف الكثيرة في أنواع العلوم، واشتهرت في حياته، ونقلت إلى البلاد، ونفع الله تعالى بها. وأولى علومه الحديث، وناب في الحكم، ثم سعى في القضاء على مستخلفه ابن أبي البقاء. وجرى له في ذلك كائنة مشهورة، قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: وتخرج في الحديث بزين الدين الرحبي، وعلاء الدين مغلطاي، وكتب عنهما الكثير، وأكثر من تحصيل الأجزاء، وسماع الكتب الكبار. وعني بالفقه، فأخذ عن شيوخ عصره، ومهر في الفنون. وكان في أول أمره ذكيا فطنا. رأيت خطوط فضلاء ذلك العصر في طبقات السماع توصفه بالحفظ ونحوه من الصفات العلمية، ولكن لما رأيناه لم يكن في الاستحضار ولا في التصرف بذاك، فكأنه لما طال عمره استروح، وغلبت عليه الكتابة، فوقف ذهنه، واعتنى بالتصنيف، فشرح كثيرا من الكتب المشهورة كالمنهاج والتنبيه والحاوي، فله على كل واحد منها عدة تصانيف. يشرح الكتاب شرحا كبيرا ووسطا وصغيرا، ويفرد لغاته وأدلته وتصحيحه ونحو ذلك. ومن محاسن تصانيفه شرح الحاوي، رأيت منه نسخة، كتبت عنه في حدود سنة خمسين، وشرح البخاري في عشرين مجلدة، وعمله في نصفه الأول أقوى من عمله في نصفه الآخر. وقد ذكر أن بينهما مدة عشرين سنة، ثم شرح زوائد مسلم ثم زوائد أبي داود ثم زوائد الترمذي ثم زوائد النسائي ثم زوائد ابن ماجة كذا رأيت بخطه. ولكن لم يوجد ذلك بعده، لأن كتبه احترقت قبل موته بقليل، وزاح فيها من الكتب النفيسة الموقوفة وغير الموقوفة شيء كثير. وصنف في كل فن، فشح الألفية في العربية، ومنهاج البيضاوي، مختصر ابن الحاجب وعمل الأشباه والنظائر وجمع في الفقه كتابا سماه الكافي أكثر فيه من النقول الغريبة. واشتهر اسمه، وطار صيته، ورغب الناس في تصانيفه، لكثرة فوائدها وبسطها، وجودة ترتيبها. وكانت كتابته أكثر من استحضاره. فلما دخل الشام فاتحوه في كثير من مشكلات تصانيفه فلم يكن له بذلك شعور، ولا أجاب عن شيء منه، فقالوا في حقه. ناسخ كثير الغلط، وقد تغير قبل موته فحجبه ولده إلى أن مات. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجى تغمده الله برحمته: صنف في أيام شيخه الإسنوي قديما شرح المنهاج، ثم صنف تخريج أحاديث الرافعي، ورد علينا دمشق في سنة سبعين طالبا لسماع الحديث، فاعتنى به القاضي تاج الدين لما ورد عليه، وكتب له على مؤلفه، وأرسله إلى الشيخ عماد الدين بن كثير فكتب له أيضا. وإنما استعان بكتاب القاضي عز الدين بن جماعة، ثم كتب بعد ذلك كتبا عديدة. والمصريون ينسبونه إلى سرقة تصانيفه، فإنه ما كان يتحضر شيئا، ولا يحقق علما، ويؤلف المؤلفات الكثيرة على معنى النسخ من كتب الناس. وقال غيره: كان فريد الدهر في كثرة التواليف وحسنها، وعبارته حسنة. وكان منقطعا عن الناس جدا. وكان من أعذب الناس ألفاظا، وأحسنهم خلقا، وأجملهم صورة، كثير المروءة والإحسان والتواضع، وكان موسعا عليه، كثير الكتب جدا، ثم احترق غالبها قبل موته. توفي في ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة، ويدفن في حوس الصوفية خارج باب النصر. ومن العجائب أن المشايخ الثلاثة هو والبلقيني والعراقي كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن: الشيخ في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والعراقي في معرفة الحديث وفنونه. وكل من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة. ومن تصانيفه تخريج أحاديث الرافعي سماه البدر المنير في ستى مجلدات، واختصره في نحو عشره سماه الخلاصة، ثم اختصره في تصنيف لطيف وسماه المنتقى، وتخريج أحاديث المهذب وتخريج أحاديث الوسيط
(1/200)


شرح العمدة سماه الإعلام بفوائد عمدة الأحكام وهو من أحسن مصنفاته، تلخيص مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، الاعتراض على مستدرك الحاكم، الإشراف على أطراف الكتب الستة، المقنع في علوم الحديث، مختصر دلائل النبوة، عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج في ثمانية مجلدات، والعجالة شرح مختصر في ثلاثة مجلدات، الاعتراض على المنهاج مجلد، شرح التنبيه الكبير شرح ثاني متوسط نحو الزنكلوني، وآخر صغير، والأمنية على أسلوب نكت النشائي وطبقات المحدثين وطبقات الشافعية وطبقات القراء وطبقات الصوفية وتاريخ دولة الترك وشرح الحاوي في ثلاثة مجلدات، ونكت عليه جزء، وشرح المنهاج البيضاوي وغاية السول في خصائث الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. وقال بعضهم: بلغت مصنفاته نحو ثلاثمائة مصنف. واختصر تهذيب الكمال للمزي ورجال الكتب الستة الزائدة على ذلك مسند أحمد وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم والدار قطني والبيهقي. ح العمدة سماه الإعلام بفوائد عمدة الأحكام وهو من أحسن مصنفاته، تلخيص مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، الاعتراض على مستدرك الحاكم، الإشراف على أطراف الكتب الستة، المقنع في علوم الحديث، مختصر دلائل النبوة، عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج في ثمانية مجلدات، والعجالة شرح مختصر في ثلاثة مجلدات، الاعتراض على المنهاج مجلد، شرح التنبيه الكبير شرح ثاني متوسط نحو الزنكلوني، وآخر صغير، والأمنية على أسلوب نكت النشائي وطبقات المحدثين وطبقات الشافعية وطبقات القراء وطبقات الصوفية وتاريخ دولة الترك وشرح الحاوي في ثلاثة مجلدات، ونكت عليه جزء، وشرح المنهاج البيضاوي وغاية السول في خصائث الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. وقال بعضهم: بلغت مصنفاته نحو ثلاثمائة مصنف. واختصر تهذيب الكمال للمزي ورجال الكتب الستة الزائدة على ذلك مسند أحمد وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم والدار قطني والبيهقي. 3
محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، قاضي القضاة صدر الدين أبو المعالي السلمي، المناوي، المصري. مولده في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وأبوه حينئذ ينوب عن القاضي عز الدين بن جماعة، ونشأ في سعادة وحفظ التنبيه، وسمع الحديث من جماعة، وجمع له الحافظ أبو زرعة مشيخة في خمسة أجزاء. وناب في الحكم وهو شاب، ودرس وأفتى، وولي إفتاء دار العدل وتدريس الشيخونية والمنصورية، ثم ولي قاء القاهرة استقلالا أربع مرات نحو خمس سنين في مدة إحدى عشرة سنة ونصف. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر امتع الله ببقائه: وكتب شيئا على جامع المختصرات، وخرج أحاديث المصابيح، وتكلم على مواضع منه، وحدث، وحضرت بعض المجالسين عليه. وكان كثير التودد إلى الناس، مهابا، شهما، معظما عند الخاص والعام. له صورة كبيرة، وحشمة بالغلة، وكلمة نافذة، ويسار ظاهر. وكان منذ نشأ يسلك طريق برهان الدين بن جماعة في التعاظم، ثم ألان جانبه بعد الاستقلال. وكانت له عناية بتحصيل الكتب النيسة فحصل منها شيئا كثيرا، عرفت بعده. وكان يهاب الملك الظاهر، فلما مات أمن على نفسه. وتحقق انهم لا يقدمون على عزله، لما تقرر له في القلوب من المهابة، فسافر مع العسكر إلى قتال تنم فازدادت حرمته، وعظم فوق ما في نفسه، ثم سافر معهم إلى قتال اللنك فانعكس الأمر وأسر وأهين جدا، وسافروا به وهو في قيد، فغرق في نهر الزاب في شوال سنة ثلاث وثمانمائة بعد أن قاسى أهوالا. ومن العجائب أنه كان يهاب ركوب البحر، فكان لا يتوجه إلى منزلهم في الروضة بجانب المقياس أيام زيادة النيل خشية من ركوب البحر، فاتفق أنه لم يمت إلا غريقا رحمه الله تعالى.

(1/201)


محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الشيخ الإمام العلامة المحقق المفنن، الجامع بين أشتات العلوم، فريد العصر، عز الدين أبو عبد الله بن الشيخ شرف الدين بن قاضي القضاة عز الدين بن قاضي القضاة بدر الدين. كالناني، الحموي الأصل، المصري، شيخ الديار المصرية في العلوم العقلية. ولد في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة بطريق ينبع، وأحضر إلى أبي الفتح الميدومي وأبي الحسن القرمي وأبي عبد الله البياني، وسمع على جده، وأجاز له جماعة من شيوخ مصر والشام باستدعاء الحافظ زين الدين العراقي، وحبب إليه الاشتغال فأكب عليه، ولم يلتفت إلى شيء من الأشياء إلا إليه، فمهر في النحو والمعاني والبيان والمنطق، وتوغل في الكلام والطب والتشريح. وكان آية من الآيات في معرفة العلوم الأدبية والعقلية والأصلين، وأخذ عنه غالب أهل مصر. قال الشيخ جمال الدين الطيماني رحمه الله تعالى: إنه كان يقرأ عليه، ويسمع دروسه، وكان إذ ذاك نحو خمسين درسا في اليوم والليلة في دقائق العلوم. قال: وكان يستحضر الكفاية لابن الرفعة، ومع ذلك فليس هو ممن يشار إليه في علم الفقه. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه فيما كتب به إلي: إنه فاق الأقران بذكائه، وقوة حافظته، وحسن تقريره، وتصدى للأشغال، فكان لا يمل مع اطراح التكلف وعدم الحرص والتقنع باليسير. وصنف التصانيف الكثيرة المبسوطة والمختصرة، منها شرح جمع الجوامع، وحاشية على العضد. وقد جمع تصانيفه في نحو من عشرين فنا، ورتبها، وهي تزيد على مائتي مصنف، ضاع أكثرها بأيدي الطلبة. ولم يكن يقرئ كتابا إلا ويكتب عليه حاشية. وما سمع أحد شيخا في عصره يقرر أحسن من تقريره. وقد صنف في العروض وفنون الأدب، ولم يكن له ملكة في النظم ولا في حسن الاختصار.
وكان من علو همته لا ينظر شيئا إلا وأحب أن يقف على أصله ويشارك فيه، حتى أن له تصنيفا في الرمل، وفي لعب الرمح والنشاب وتركيب النقط. وبالجملة فكان من العوم بحيث يقضي له في كل علم بالجميع. وبلغني أنه كان يتحرى أن لا يكون إلا على طهارة، ولا يمكن أحدا عنده من الغيبة مع ما هو فيه من ممازحة الطلبة ومفاكهتهم، والتواضع المفرط. مات في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وثمانمائة شهيدا بالطاعون ولم يخلف بعده مثله.
محمد بن أحمد بن خليل الغراقي بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء وبعد الألف قاف، نسبة إلى بعض قرى الديار المصرية، الشيخ شمس الدين. ولد قبل الستين وسبعمائة، وقدم القاهرة، وأخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقنين وغيرهما، ولازم الاشتغال إلى أن برع. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: انتهت إليه الرئاسة في معرفة الفرائض، وقصده الطلبة لذلك، حتى صار غالبهم الآن من طلبته. وكان منتصبا للأشغال في الجامع الأزهر مع الدين والخير وحسن السمت والتواضع والصبر على الطلبة. ةباشر الإمامة في الجامع المذكور نيابة. وكان قد سمع الحديث من القاضي عز الدين بن جماعة وغيره، وحدث قليلا انتهى وقال غيره: كان كثير النفع، يلازم تلاوة القرآن. قيل: إنه كان يختم في كل يوم وليلة ختمة، وإنه حج وجاور. وكان يعتمر كل يوم أربع عمر. توفي في شعبان سنة ست عشرة وثمانمائة.
محمد بن أحمد بن علي بن سليمان، المعري ثم الحلبي، الشيخ بدر الدين بن الركن. ولد سنة بضع وثلاثين وسبعمائة، وتفقه بزين الدين الفارسي وتاج الدين بن الدريهم. وأخذ عن القاضي تاج الدين السبكي. وكتب بخطه شيئا كثيرا، وهو متقن لكنه ضعيف. وخطب في جامع حلب مدة، وأنشأ خطبا في مجلده، وجمع كتابا سماه روض الأفكار في الحكايات والأخبار في مجلد، فيه فوائد وغرائب. وكان له نظم ونثر وإيثار مع حدة خلق، أخذ عنه الحلبيون. ومات في فتنة التتار سنة ثلاث وثمانمائة.

(1/202)


محمد بن إسماعيل بن علي، الشيخ الإمام العلامة، شيخ القدس وعالم تلك النواحي، شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ العلامة شيخ الشافعية في القدس تقي الدين، القلقشندي. ولد سنة خمس واربعين وسبعمائة، وأسمع على أبي الفتح الميدومي، وأخذ عن أبيه، وجده لأمه الحافظ صلاح الدين العلائي. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: اشتغل ومهر وساد حتى صار شيخ القدس في الفتوى والتدريس، وسمعت منه. وما في شهر رجب سنة تسع بتقديم التاء وثمانمائة في القدس، ودفن في مقبرة ماملا عند والده وأخيه في الحوش المقابل لزاوية القلندرية وتربة بهادر. أخوه هو الشيخ برهان الدين لا أحفظ وقت وفاته. وقد حكى لي الحافظ شهاب الدين بن حجى تغمده الله برحمته: أنه قدم دمشق أيام ابن جماعة وحضر الدروس. قال: فجاء عليه أنه يحفظ جملة كتب وعجيب كيف لم يعتن بوقت وفاته وتحرير ترجمته.
محمد بن عبد الله بن أبي بكر القليوبي، الشيخ شمس الدين. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر امتع الله ببقائه: اشتغل وتقدم، ومهر وفضل، وشغل الناس واشتهر بالدين والخير، وكان متقللا. فلما كان في أواخر عمره قرر في مشيخة الناصرية في سرياقوس فصلح حاله. وكان متواضعا، لين الجانب، صحب الشيخ ولي الدين الملوي وتأدب بآدابه. مات في جمادى الأولى سنة اثنتين عشرة وثمانمائة.
محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة بن مروزق بن محمد بن سليمان بن علي بن عليان بن قاسم، القرشي، المخزومي، المكي، القاضي العالم قاضي مكة وخطيبها، وفقيه الحجاز ومفتيه وحافظه، جمال الدين أبو حامد. ولد ليلة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وسمع على الشيخ خليل المالكي، وعلى الشيخ عبد الله اليافعي، وعلى القاضي عز الدين بن جماعة. ورحل إلى القاهرة ودمشق وحلب والإسكندرية وغيرها. وسمع من جماعة كثيرين، وتفقه في مكة بقاضيها أبي الفضل النويري، وفي دمشق والقاهرة على قاضيهما أبي البقاء السبكي، وفي دمشق على عماد الدين الحسباني، وفي حلب على الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني، وأجازه بأربعة علوم: الحديث والفقه وأصوله والعربية، وعن الشيخ سراج الدين ابن القن، وأجازه بالفتوى والتدريس. وأفتى، وتصدى للتدريس نحو أربعين سنة، ثم ولي قضاء مكة من سنة ست وثمانمائة إلى أن مات إلا أنه صرف مرارا وأعيد، ومات وهو على القضاء. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: اشتغل بالفقه والفنون، وعني بالحديث، فرحل فيه مرارا إلى دمشق وحلب ومصر والقدس، وحصل الأجزاء وفوائد الشيوخ، وكتب بحطه الدقيق الحسن كثيرا، وأثبت أسماء من سمع منه، وثبته كثير، وتصدى للإفادة قديما، واستمر على ذلك مع الدين والخير والصبر على الطلبة. وكان كتب شيئا على الحاوي، وخرج له الحافظ صلاح الدين الأقفهسي معجما جيدا، وحدث بالكثير. وكان كثير الأوراد، حسن السمت، ظاهر الوقار، قليل الكلام فيما لا يعنيه. وقال الحافظ تقي الدين الفاسي فيما أخبرني به: كان بارعا في الفقه والنحو، مشاركا في الأصول، وغير ذلك، حافظا لأسماء الرواة، عارفا بالعالي والنازل، وغير ذلك من متعلقات الحديث. ويستحضر كثيرا من شرح مسلم فيما يتعلق بغريب الحديث والفقه. وكان حسن السيرة في قضائه، ذا حظ من العبادة والخير. وقد أذن له في الإفتاء عماد الدين الحسباني، والشيخ سراج الدين البلقيني، والشيخ سراج الدين بن الملقن. وأخذ علم الحديث عن الحافظ زين الدين بن العراقي. وكتب على الحاوي من البيع إلى الوصايا، ذكر فيه فروعا كثيرة، وجمع جزءا فيما يتعلق بزمز، ونظم قواعد الإعبارب لابن هشام، وله شعر كثير حسن. توفي في رمضان سنة سبع بتقديم السين عشرة وثمانمائة في مكة.
محمد بن علي بن يعقوب، النابلسي ثم الحلبي، الشيخ شمس الدين، ولد سنة بضع وخمسين وسبعمائة، وحفظ التنبيه، ثم حفظ المنهاج، ثم حفظ التمييز، وشرع في حفظ الحاوي، وحفظ الشاطبية، والتسهيل، ومختصر بن الحاجب ومنهاج البيضاوي وغير ذلك، وتفقه ومهر ودرس، وكان يكرر على محفوظاته، قال بعض المتأخرين: كان سريع الإدراك، محافظا على الطهارة، شديد الورع، سليم اللسان، صحيح العقيدة، لا أعلم في حلب أحدا على طريقته. توفي في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانمائة.

(1/203)


محمد بن علي، الشيخ شمس الدين المصري، المعروف بابن القطان. ولد سنة ثلاثين وسبعمائة. وكان أبوه قطانا داخل باب زويلة، فنشأ ولده هذا في طلب العلم، ولازم الشيخ بهاء الدين بن عقيل فتقدم عنده، ولما بنى بدر الدين الجزولي مدرسته على شاطئ النيل، قرره فيها إماما، وابن عقيل مدرسا، وتزوج شمس الدين ابنة بهاء الدين. وقرأ في الأصول على عماد الدين الإسنائي، والعربية على الشيخ شمس الدين بن الصائغ. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه في الوفيات التي كتبها لي: طلب العلم وجد إلى أن وجد، ومهر في الفقه والعربية وفي القراءات، وصنف فيها، وعلق على الألفية شرحا، ورأيت بخطه شرح الحاوي لشيخنا بن المقلن في مجلدين، كتبه عن مؤلفه في سنة خمسين، ودرس في عدة أماكن وأفتى، وكان قد انفرد في مصر بذلك حتى كان كثير من الرؤساء يقدمه على كثير من المشايخ لقوة ذهنه وكثرة استحضاره. ثم ناب في الحكم بآخره عن القاضي جلال الدين. ومات على ذلك في شوال سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وهو أول شيخ اشتغلت عليه. وكان أبي قد جعله أحد الأوصياء، فتصرف تصرفا عجيبا سامحه الله تعالى.
محمد بن محمد بن الخضر بن شمرى، الزبيري الأسدي العيزري، الشيخ شمس الدين، نزيل غزة. ولد في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة. اشتغل في القاهرة فأخذ عن الشيخ شمس الدين بن عدلان وبرهان الدين الحكري وغيرهما، وانتقل إلى غزة سنة أربع وأربعين فقطنها وارتحل إلى دمشق، فأخذ عن الشيخ بهاء الدين الإخميمي والقطب التحتاني والشيخ عماد الدين بن كثير، والقاضي تاج الدين عن مواضع في جمع الجوامع، أجابه عنها، وسماها منع الموانع. وكتب إلي أنه علق على الشرح الكبير، ونظم أرجوزة في العربية، وغير ذلك، وصار المشار إليه في العلم ببلاد غزة انتهى. وقد وقفت له على مصنفات كثيرة بخطه في علوم متعددة، منها مختصر القوت وقفت على الربع الأخير منه، وعبارته عقدة. وشرح جمع الجوامع للسبكي، ووقفت بخطه على اعتراضات له على فتوى للشيخ سراج الدين البلقيني، وقد وقف عليها القاضي جلال الدين ابن الشيخ فرد ما قاله، وأرسله إليه فعاد، واعترض ما قاله القاضي جلال الدين، وقد وقفت له على كراسة جمع فيها ترجمة لنفسه، وعدد فيها تصانيفه، وهي كثيرة، منها الظهير على فقه الشرح الكبير في خمسة مجلدات، وكنز المحتاج إلى إيضاح المنهاج والسراج الوهاج في حل المنهاج، وأوضح المسالك في المناسك، وأسنى المقاصد في القواعد، وشرح المختصر لابن حاجب وشرح الألفية، وشرح الحاجبية. توفي في ذي الحجة سنة ثمان وثمانمائة.

(1/204)


محمد بن محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام، قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله بن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء بن القاضي سديد الدين بن القاضي صدر الدين، الأنصاري، الخزرجي السبكي. مولده في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وسمع من جماعة، وأخذ عن والده وغيره من علماء العصر، وفضل في عدة فنون، وأشغل ودرس وأفتى، وحدث في مصر والشام وغيرهما. ودرس في دمشق في الأتابكية والرواحية وغيرهما. وناب عن والده في القضاء في القاهرة وباشر عدة وظائف. وولي مشيخة الحديث في القبة المنصورية. ولما انتقل والده إلى قضاء الشام، ولي عوضه تدريس الشافعي والمنصورية، ثم ولي القضاء عوضا عن ابن جماعة في شعبان سنة تسع وسبعين عقب قتل الأشرف، وكثر القول فيه لكونه ولي بمال بذله. وأعيطت قبة الشافعي للبلقيني، والمنصورية للقرمي، فباشر سنة ونحو أربعة أشهر، ثم عزل وأعيد ابن جماعة، واستمر بطالا، ليس بيده وظيفة أزيد من ثلاث سنين، ثم أعيد إلى القضاء في صفر سنة أربع وثمانين، فباشر خمس سنين ونحو خمسة أشهر، ثم عزل. فلما توفي ابن جماعة ولي خطابة الجامع الأموي، وتدريس الغزالية، ثم صرف في رجب سنة إحدى وتسعين، ثم ولي القضاء في القاهرة مرتين عن القاضي صدر الدين المناوي، وعزل في المرتين به. ومدة مباشرته في ولاياته الأربع ثمان سنين ونصف في مدة ثمانية عشر سنة، وولي في آخر وقت تدريس الشافعي، واستمرت بيده إلى أن مات. وكان لينا في مباشرته، وفي لسانه رخاوة. وكان ولده جلال الدين غالبا على أمره فمقته الناس. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: اشتغل في الفقه وغيره، فمهر وكان لين الجانب، قليل المهابة، بخيلا بالوظائف، حسن الخلق، كثير الفكاهة، منصفا في البحث. وكان أعظم ما يعاب به تمكينة ولده جلال الدين من أمور. توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة، ودفن خارج باب النصر.
محمد بن موسى بن عيسى، الدميري المصري، كمال الدين. ولد في حدود الخمسين، وتكسب بالخياطة، ثم خدم الشيخ بهاء الدين السبكي وأخذ عنه وعن الشيخ جمال الدين الإسنوي. ولما صنف الإسنوي التمهيد مدح الإسنوي بأبيات، فكتب له الشيخ جمال الدين الإسنوي، وأثنى عليه ثناء كثيرا. وتخرج ومهر في الفنون، وقال الشعر، وولي تدريس الحديث بالقبة الركنية، بالقرب من باب النصر، وحج مرارا، وجاور، وتكلم على الناس في جامع الظاهر بالحسينية. وكان ذا حظ من العبادة والتلاوة، لا يفتر لسانه غالبا عنهما، وله شرح المنهاج في أربعة مجلدات، ضمنه فوائد كثيرة، خارجة عن الفقه، والديباجية في شرح سنن ابن ماجه في أربعة مجلدات، وجمع كتابا سماه حياة الحيوان، أجاد فيه: ذكر فيه جملا من الفوائد الطبية والخواص والأدبية والحديثية وغير ذلك. وله خطب مدونة جمعية ووعظية. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر في المعجم: وكان له حظ من العبادة تلاوة وصياما ومجاورة في مكة والمدينة. واشتهرت عنه كرامات، وأخبار بأمور مغيبات يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالب الناس يعتقد أنه يقصد بذلك الستر. توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانمائة.

(1/205)


محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن إدريس ابن فضل الله، الشيرازي، الفيروزابادي، القاضي مجد الدين أبو الطاهر. إمام عصره في اللغة، كان يرفع نسبه إلى الشيخ أبي إسحاق صاحب التنبيه، ويقول: إن جده فضل الله ولد الشيخ أبي إسحاق، ولا يبالي بما يشاع بين الناس أن الشيخ لم يتزوج فضلا عن أن يعقب. ولد في سنة تسع وعشرين بكارزين من أعمال شيراز، وتفقه ببلاده، وطلب الحديث، وسمع من الشيوخ، ومهر في اللغة، وهو شاب. وسمع من جماعة وقدم الشام بعد الخمسين، إما سنة خمس، أو في السنة التي بعدها، وسمع فيها الحديث، ودخل القدس وسمع من الحافظ صلاح الدين العلائي، ثم دخل مصر ويمنع فيها، وقدم مكة، وسمع فيها، ولقي جماعة من الفضلاء، وأخذ عنهم، وأخذوا عنه. واشتهرت فضائله، وكتب الناس تصانيفه. وذكره الصفدي في تذكرته، وعظمه، وكتب عنه بيتين في سنة سبع وخمسين في دمشق. وجال في البلاد الشمالية والشرقية، ودخل الروم ثم الهند. وله مجاورة في الحرمين. وكان كثير الكتب جدا، ولا يافر إلا وهي معه في عدة أعدال على عدة جمال، ويفتحها في غالب المنازل ويطالع فيها، واتفق أنه قدم اليمن بعد التسعين من الهند عقب وفاة القاضي جمال الدين الريمي شارح التنبيه، فقرره الملك الأشرف إسماعيل في القضاء بالبلاد اليمنية، فلم يزل ذلك باسمه إلى أن مات، وكان قد جاور في غضون ذلك في مكة مرارا، ثم يرجع، وكان الأشرف يكرمه كثيرا. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: أخذ عن القاضي تقي الدين السبكي، وعن ولده تاج الدين، وعن القاضي عز الدين ابن جماعة، وفي شيوخه كثرة. وقد خرج له الحافظ شمس الدين محمد بن موسى المراكشي ثم المكي مشيخة عن جمع كثير من شيوخه. وأما معرفته باللغة، وأطلاعه على نوادرها فأمر مستفيض، وكان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ كذا كذا سطرا ذكرها. وكان يعاب بالسهو في العبارة إلا أنا ما جربنا عليه في نقله شيئا. توفي بزبيد في شوال سنة سبع بتقديم السين عشرة وثمانمائة، ودفن في تربة الشيخ إسماعيل الجبرتي. وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، وهم الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين بن الملقن في كثرة التصانيف في فني الفقه والحديث، والشيخ شمس الدين الغماري في العربية، والشيخ أبو عبد الله بن عرفة في فقه المالكية. وفي سار العلوم بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي في اللغة. وذكر له الحافظ برهان الدين في مشيخته ترجمة طويلة وقال: كان في اللغة بحر علم لا يكدره الدلاء، وألف فيها تواليف حسنة، قال: وكان معظما عند الملوك، أعطاه تيمورلنك خمسة آلاف دينار، ومع ذلك فإنه كان قليل المال لسعة نفقاته. وكان سريع الحفظ، يحكى عنه انه كان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر. وعد تصانيفه وهي بضع وأربعون مصنفا. ومن تصانيفه: القاموس المحيط في اللغة، بالغ في اختصاره وتحريره وميز ما زاده على الصحاح بالحمرة، وهو شيء كثير جدا، لعله لو جرد كان قدر الصحاح، إلا أنه محذوف الشواهد، وشرع في شرح مطول على البخاري ملأه بغرائب المنقولات ونوادر اللغات، كمل منه ربع العبادات في عشرين مجلدا. وشوارق الأسرار في شرح مشارق الأنوار أربعة مجلدات. وصنف للإشراف كتابا سماه الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد في أربعة أسفار. وصنف لولده الناصر كتابا سماه تسهيل الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول أربعة مجلدات، وبضائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز مجلدان، وشرح عدة الأحكام مجلدان، وكتاب المرقاة الأرفعية في طبقات الشافعية، وكتاب المرافة الرقية في طبقات الحنفية. وألف كتابا على المجمل لابن فارس. أخذ عليه فيه ألف مكان، ومع هذا كان يثني على صاحبه ابن فارس.
(1/206)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1000
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة   الإثنين أكتوبر 31, 2016 8:52 am

موسى بن محمد بن محمد بن جمعة، الأنصاري السعدي، العبادي، القاضي شرف الدين أبو البركات قاضي حلب. ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ونشأ في حجر عمه شهاب الدين خطيب حلب، وقرأ، وتفقه ببلاده، ثم رحل إلى القاهرة، وأخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوي وولي الدين المنفلوطي وغيرهما. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر: أمتع الله ببقائه: وحصل من كل فن طرفا صالحا، وأدمن الاشتغال، ودرس، وأفتى. وكان فاضلا، دينا، خيرا. شرح الغاية القصوى للبيضاوي، لكنه لم يكمله. وخطب في جامع حلب، ثم ولي القضاء مرارا. وقال الحافظ برهان الدين الحلبي: كان عالما بأصول الفقه، والنحو، والحساب، والفرائض، والمعاني. وعنده فوائد جمة، وكان يلقي دروسا مطولة في الفقه والحديث بسرعة، كأنه يحفظها عن ظهر قلب، صحيح الذهن، من قضاة العدل في وقتنا، وصار محط رحال طلبة العلم في حلب. ثم أسر مع اللنكية فلما عادوا أطلق، وذلك في شعبان سنة ثلاث وثمانمائة، فتوجه إلى أريحا وهو موعوك فمات في شهر رمضان ودفن بها، ثم نقل إلى حلب، فدفن خارج باب المقام.
يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله، الحموي، الشيخ جمال الدين، خطيب المنصورية، وشيخ البلاد الشمالية في عصره، وعالمها ومفتيها. ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، واشتغل وتميز إلى أن فاق الأقران، خصوصا في العربية. وكان يذكر مع الشيخ سراج الدين البلقيني، وسمعت الشيخ ذكره في وقت وأثنى عليه، واجتمع إليه الشيخ جمال الدين الطيماني بعد الفتنة بطرابلس وأثنى عليه كثيرا. وكان رجلا حسنا، متواضعا، دينا، ريض الأخلاق، متواضعا، على طريقة السلف. رحلت إليه الطلبة من البلاد، وأذن لجماعة بالإفتاء منهم القاضي ناصر الدين البارزي والقاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية وذكره في ذيل تاريخ حلب وقال: أخذ الأصول عن بهاء الدين الإخميمي، والفقه عن القاضي تاج الدين السبكي، وجمال الدين ابن الشريش، وصدر الدين ابن الخابوري. وقرأ النحو واللغة والحديث والبيان والفرائض على القاضي سري الدين المالكي، ودأب، وحصل. وكان شيخا عالما متقنا، حاذقا، عارفا بالفقه، والأصول، والبيان، والتفسير، والنحو، وغير ذلك. وأفتى وشغل، ودرس في حماة في العصرونية، وصنف مصنفات منها شرح الإمام في أحاديث الأحكام ستة مجلدات كبار، وشرح ألفية ابن مالك في مجلدين، وشرح فرائض المنهاج في مجلد. وكان يحفظ كثيرا من أشعار العرب، وله نظم. توفي بحماة في شوال سنة تسع بتقديم التاء وثمانمائة.
يوسف بن الحسين بن محمود، السرائي الأصل، التبريزين الفقيه، عز الدين الحلوائي. ولد سنة ثلاثين وسبعمائة، وتفقه ببلاده، وقرأ على الشيخ جلال الدين الفريدسي والشيخ بهاء الدين الخونجي والقاضي عضد الدين، وأخذ عن الشيخ شمس الدين الكرماني شرحه على البخاري. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: وتفنن في العلوم، ومهر ودرس، وشرح منهاج البيضاوي، ثم تحول من تبريز لما أخربها أتباع طقتمر خان إلى ماردين، فأقام فيها مدة، ثم عاد إلى تبريز، فأكرمه صاحبها حينئذ، وكتب على الكشاف جواشي مفيدة، وشرح الأربعين النواوية، وكان زاهدا، عابدا، معرضا عن أمور الدنيا، مقبلا على العلم، ولما حج وزار المدينة النبوية أقام فيها سنة، وكان لا يكترث بما يعرض له من عوارض الدنيا، بل لا يزال منشرحا، وتحول من تبريز لما كثر الظلم بها، فسكن جزيرة ابن عمر إلى أن مات سنة أربع وثمانمائة.
الطبقة التاسعة والعشرون
وهم الذين كانوا في العشرين الثانية من المائة التاسعة

(1/207)


إبراهيم بن أحمد، البيجوري المصري الشيخ، الفقيه، برهان الدين. ولد قبل الخمسين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخ جمال الدين الإسنوي، ورحل إلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي في حلب، وكتب عنه القوت، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه في وفياته التي كتبها لي: مهر في الفقه حتى شاع انه كان يستحضر الروضة وأصلها. وذكره الشيخ عماد الدين الحسباني فقال: هو أعلم الشافعية في عصره. وكان دينا، خيرا، متواضعا. ولي رآخره مشيخة الفخرية. وكان للطلبة به انتفاع شديد، فإنه كان لا يمل من الاشتغال والإشغال. ولما جمع القاضي ولي الدين العراقي النكت على الكتب الثلاثة. التنبيه، والمنهاج، والحاوي، صار بعض الطلبة يقرأ من ذلك على البيجوري، فكان يرد من حفظه أشياء عجيبة، ويتناقض في أماكن كثيرة، فكان ذلك الطالب يراجع المصنف بما يعترض به البيجوري، فيصلح كتابه على وفق ما يقول البيجوري ولم يقدر أن البيجوري صنف شيئا، وكان يأبى من الكتابة على الفتوى، وإنما يفتي مشافهة انتهى. وحكى لي صاحبنا جمال الدين بن الشيخ شهاب الدين الأذرعي أن البيجوري لما قدم عليهم كتب القوت، كان يكتب المجلدة في شهرين، وينظر في اليوم والليلة على مواضع، ويعرضها على الشيخ، وبعضها يصلحه، وبعضها ينازعه فيه. وقد رأيت في نسخة المصنف بالقوت تنظيرات كثيرة، والظاهر أنها بخط البيجوري، وأكثرها لسقوط كلمة أو حرف. وسمعت الشيخ جمال الدين الطيماني يصفه بحفظ الفقه كثيرا. وقال صاحبنا الشيخ محيي الدين المصري: كان البيجوري شيخا وأنا صبي. قال: وفارقته في سنة خمس وثمانين، وهو يسرد الروضة حفظا. وكان فقيرا خاملا. توفي في رجب سنة خمس وعشرين وثمانمائة في القاهرة.
إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد. إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد، العجلوني الدمشقي، الإمام العالم، قاضي القضاة، برهان الدين، أبو إسحاق، المعروف بابن خطيب عذراء. ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، حفظ المنهاج، واشتغل على مشايخ ذلك الوقت، ولازم الشيخ علاء الدين حجى كثيرا، وفضل في الفقه، وأنهاه ابن خطيب يبرود في الشامية البرانية بغير كتابة، شهد له باستحقاق ذلك الشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني، ثم توجه إلى حلب أيام الشيخ شهاب الدين الأرذعي، فأقام فيها مدة طويلة وصحب الخطيب ابن عشائر وغيره. وحكى لي الشيخ شهاب الدين ابن حجى تغمده الله برحمته أن الشيه برهان الدين كان في زمن الأذرعي يستحضر الروضة بحيث أنه أفتى الأذرعي بشيء يعترضه، ويقول: المسألة في الروضة في الموضع الفلاني، ودرس في حلب في جامع منكلي بغا. ولما عاد البلقيني من حلب أثنى عليه ثناء حسنا، ووصفه بالفضل والاستحضار. ثم ولي قضاء صفد في حياة الملك الظاهر بواسطة الشيخ محمد المغيربي وغيره، ثم عزل، وولي بعد الفتنة مرتين أو ثلاثا، ثم قدم دمشق في رمضان سنة ست وثمانمائة، وبقي بطالا مدة، حصل له حاجة وفاقة، ثم تنزل بمدارس الفقهاء، وحصل له تصدير في الجامع، فجلس وأشغل، وانتفع به جماعة، وناب في القضاء، وولي قضاء الركب سنة عشرين، ثم في آخر سنة اثنتين وعشرين ترك القضاء وكنت أنا السبب في ذلك، واشتمر بطالا إلى أن مات، وظهر منه كراهية القضاء بعد أن كان يميل إله ميلا كثيرا. وفي آخر عمره نزل له القاضي نجم الدين ابن حجى عن نصف تدريس الركنية، فدرس فيها درسين أو ثلاثة. وكان يحفظ كثيرا من الفروع، وجملة من ديوان المتنبي، ويتعصب له ويبالغ، ويحفظ أسئلة حسنة من كلام السهيني وغيره. وهو سليم الخاطر، سهل الانقياد، وكان شكلا حسنا، بهيا. وقد كتب شرحا على المنهاج في أجزاء، غالبه مأخوذ من الرافعي، وفيه فوائد غريبة، ولم يكن له اعتناء بكلام المتأخرين، ولا يد له في شيء من العلوم سوى الفقه. توفي في المحرم سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ودفن في مقبرة الشيخ رسلان بالقرب من المسجد الذي هناك على جادة الطريق على يمين المتوجه إلى باب شرقي رحمه الله تعالى.

(1/208)


أبو بكر بن عمر بن عرفات، الخزرجي، الشيخ العالم، زين الدين القمني، المصري، أصله من قمن من الريف، وقدم مصر في آخر دولة الأشرف واشتغل على الشيخ سراج الدين البلقيني وغيره. وكان يصحب الترك وتقدم في أيام الأمير قلمطاي الدوادار، واشتهر في زمنه، وولي تدريس الصلاحية في القدس عوضا عن الشيخ شمس الدين الجزري، لما سافر إلى بلاد الروم، واستمرت بيده بعد الفتنة مدة، ودرس في مصر في مدارس أخر. ودخل في تركة المحلى ونال منها مالا، وانقطع في آخر عمره على تاوة القرآن وانجماع على الخير، ولكنه كان يستزرئ بالناس، ويتكلم في كثير من الفقهاء بأشياء فيها مبالغة، مع أن بعض من تكلم فيه قد يكون أولى منه، ولم يشتهر له تصنيف ولا تلميذ، ولم أقف له على فتوى. توفي في رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة شهيدا بالطاعون، وقد قارب الثمانين أو جاوزها. وكانت له جنازة عظيمة مشهورة.
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن، الإمام العالم الرباني الزاهد الورع، تقي الدين، الحصني، الدمشقي، الحسيني، ثبت نسبه على قاضي حسبان متأخرا. مولده في أواخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وقدم دمشق، وسكن البادرائية، وأخذ عن الشيخ شرف الدين ابن الشريشي والشيخ شهاب الدين الزهري والشيخ نجم الدين ابن الجأبي والشيخ شمس الدين الصرخدي والشيخ شرف الدين الغزي والشيخ بدر الدين ابن مكتوم، وغيرهم من علماء العصر. وكان خفيف الروح، منبسطا، لهنوادر ويخرج من الطلبة إلى المفتوحات، ويبعثهم على الانبساط واللعب، وذلك مع الدين والتحرز في أقواله وأفعاله، وتزوج عدة نساء، ثم إنه أقبل على العبادة قبل الفتنة زاد تقشفه وإقباله على الله تعالى وانجماعه عن الناس، وصار له أتباع واشتهر اسمه، وامتنع من مكالمة أكثر الناس، لاسيما من يتخيل فيه شيئا، وأطلق لسانه في القضاة ونحوهم من أرباب الولايات. وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات لعل أنه لا يوجد في تراجم كبار الأولياء أكثر منها، ولم يتقدموه إلا بالسبق في الزمان. والحاصل أنه ممن جمع بين العلم والعلم. وكان أشعريا، منحرفا على الحنابلة، يطلق لسانه فيهم ويبالغ في الحط على ابن تيمية، ولا يرضى إلا وسكن زاويته عند مسجد المزاز في الشاغور عدة سنين، وأصابه وقر في سمعه وضعف في بصره، وقد قام في عمارة رباط داخل باب الصغير، وساعده الناس في ذلك بأموالهم وأنفسهم، ثم شرع في عمارة خان السبيل شمالي المصلى، وفرغ من عمارته في مدة قريبة، ولم يبق فيه عند وفاته إلا تتمات، وقد كتب بخطه كثيرا قبل الفتنة وبعدها. جمع شرحا على التنبيه في خمسة مجلدات، وشرحا على المنهاج في خمسة مجلدات، وشرح مسلما في ثلاثة مجلدات، ولخص المهمات في مجلدين، ولخص تخريج أحاديث الإحياء في مجلد وشرح الواوية مجلد، وأهوال القبول مجلد، وسير نساء السلف العابدات مجلد، وقواعد الفقه مجلد، من التفسير آيات متفرقة مجلد، وتأديب القوم مجلد، وسير السالك مجلد، وتنبيه السالك على مضار المسالك ستة مجلدات، وشرح الغاية مجلد لطيف، وشرح الهداية كذلك، قمع النفوس مجلد، ودفع الشبه مجلد، وشرح أسماء الله الحسنى مجلد. توفي في جمادى الآخرة سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وثمانمائة، ودفن في القبيبات في أطراف العمارة على جادة الطريق عند والدته رحمهما الله تعالى.

(1/209)


أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدر بن عثمان بن جابر بن فضل بن ضوء، الشيخ العلامة، شهاب الدين، أبو نعيم، العامري، الغزي. مولده في ربيع الأول سنة ستين وسبعمائة في غزة، كما أخبرني بذلك، وحفظ التنبيه والعمدة ومختصر ابن الحاجب، وتفقه على الشيخ علاء الدين بن خلف الغزي أخي الشيخ شمس الدين، وسمع عليه صحيح البخاري، وكان سمعه من ابن الشحنة، ثم رحل إلى القدس فأخذ عن جماعة من علمائها. ورحل إلى دمشق سنة تسع بتقديم التاء وسبعين وهو فاضل، فقرأ على المشايخ الموجودين: الزهري وابن الشريشي والغزي وبرهان الدين الصنهاجي المالكي، وأنهى في الشامية البرانية في سنة ثلاث وثمانين، وقرأ نصف المختصر على الزهري، وقرأ النصف الأخير بغير، وختم الكتاب في جمادى الآخر سنة إحدى وتسعين، وفي هذا الشهر أذن له الشيخ شهاب الدين الزهري بالإفتاء مع ولدي الشيخ، والشيخ شهاب الدين ابن نشوان، وحفظ الحاوي الصغير بعد ذلك، وجلس للإشتغال في الجامع، وأفتى وصنف، ثم حصلت له محنة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وحج وجاور في مكة ثلاث مرات. وناب بعد الفتنة في القضاء، واستمر مدة طويلة، وناب في المارستان، وباشر في الجامع فانحط بسبب ذلك. وكان فصيحا، ذكيا، جريا، مقداما، بديهته أحسن من رؤيته، وطريقته جميلة. وباشر القضاء على أحسن وجه. توفي بمكة مجاورا في شوال سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ودفن في مقابر النويريين في المعلى. وكان قد كتب بخطه قبل الفتنة أشياء، منها مختصر المهمات، وعلق تعلقا على الحاوي في أربعة مجلدات، وشرح جمع الجوامع للسبكي، وشرح قطعة من عمدة الأحكام، وصل فيه إلى أثناء الصداق، وكتب قطعة من رجال البخاري، وكتب على المنهاج قطعة مطولة في مجلدين إلى كتاب الصلاة، وكتب قطعة على منهاج البيضاوي ولخص الوفيات لابن خلكان، وجمع كتابا في التفسير، وجمع أشياء غير ذلك. وله تعاليق وفوائد كثيرة. وكان كثير الإشغال والكتابة. لا يمل من ذلك مع اشتغاله بالقضاء وغيره من أمور الدنيا رحمه الله تعالى.
أحمد بن عبد الرحمن بن عوض، الطنبذي، شهاب الدين. ولد سنة إحدى وخمسين، واشتغل وهو كبير، فحفظ الحاوي وعدة كتب، ودخل القاهرة فعرضها على القاضي برهان الدينابن جماعة في ولايته الأولى، ثم رجع إلى بلده وأكب على الأشتغال، وحفظ ماينيف على خمسة عشر ألف بيت رجز في عدة علوم. منها تفسير الشيخ عبد العزيز الديريني، ونظم المطالع، ثم قدم القاهرة فقطنها، ولازم البلقيني، والعراقي، وابن الملقن، والأبناسي. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: وتميز ولا سيما في الفرائض، ودرس في المنكوتمرية وصنف كتابا شرح فيه جامع المختصرات في ثمانية مجلدات، طالت مجالستي له، والسماع من فوائده. وكتب بخطه من تصانيفي كثيرا. مات في شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة.

(1/210)


أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ الفقيه، المصنف، قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة بن الإمام العلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل، العراقي الأصل، المصري. ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة وبكر به أبوه، فأحضره عند أبي الحرم القلانسي خاتمة المسندين في القاهرة، واستجاز له من أبي الحسن الفرضي، ثم رحل به إلى الشام سنة خمس وستين فأحضره في الثالثة على جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري ثم رجع وأسمعه في القاهرة من جماعة من المسندين ثم طلب بنفسه وهو شاب، فقرأ الكثير، ودأب على الشيوخ، وكتب الطباق بخطه ثم رحل إلى الشام صحبة صهره الحافظ نور الدين الهيثمي بعد الثمانين، فسمع الكثير ثم رجع، وهو مع ذلك ملازم للإشتغال بالفقه، والعربية، والفنون، حتى مهر واشتهر، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، وحفظ وكتب عنه الكثير، وأخذ عن علماء عصره. قال الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: ونشأ صينا، دينا، خيرا، مع جمال الصورة وطيب النغمة والتودد إلى الناس، وناب في الحكم، ودرس في عدة أماكن، ثم استقر في جهات والده بعد وفاته، وعقد مجلس الإملاء بعده واشتهر صيته وصنف التصانيف، وخرج التخاريج وولي مشيخة الجمالية، ثم ولي منصب القضاء بعد القاضي جلال الدين البلقيني فباشره سنة وربع سنة مباشرة حسنة بعفة ونزاهة وصلابة، إلى أن تعصب عليه بعض أهل الدولة، فصرف، فشق ذلك عليه جدا، وانحرف مزاجه. مات في شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة وله ثلاث وستون سنة وثمانية أشهر. ومن تصانيفه تحرير الفتاوى على التنبيه، والمنهاج، ونكت الحاوي لابن الملقن، وشحن الكتاب بفوائد الشيخ سراج الدين البلقيني، وبسبب ذلك اشتهر الكتاب، واجتمع شمل فوائد الشيخ وجمع حواشي الشيخ على الروضة في مجلدين، وشرح بهجة ابن الوردي في مجلدين، وشرح جمع الجوامع للسبكي في مجلدة وله وفيات ابتدأ فيها من سنة مولده رحمه الله تعالى. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: وشرح منظومة أبيه في الأصول، وشرع في شرح سنن أبي داود، فكتب نحو السدس منه في سبعة مجلدات.
أحمد بن محمد بن عطاء الله بن ظهيرة، العالم، قاضي القضاة محب الدين بن الشيخ الإمام جمال الدين. اشتغل على والده، وأخذ علم الأصول عن الشيخ شهاب الدين الغزي، لما جاوز في سنة تسع وثمانمائة، وأجازه بالإفتاء هو والقاضي جلال الدين بن البلقيني، ومهر في الفنون وأفتى. ولما توفي والده ولي القضاء مكانه إلى حين وفاته. وكان عنده وسوسة في الطهارة والصلاة، ودرس في أماكن في مكة، وصار بعد والده شيخ الحجاز ومفيته. توفي سنة سبع بتقديم السين وعشرين وثمانمائة، قارب الأربعين.

(1/211)


أحمد بن محمد بن الصلاح بن محمد بن عثمان، الإمام العالم العلامة، الجامع بين أشتات العلوم، بقية العلماء الأعلام، قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس الأموي المصري. مولده في صفر سنة سبع بتقديم السين وستين وسبعمائة، وسمع الحديث، من أول سنة خمس وسبعين، سمع الكثير وكتب الطباق والأجزاء وخطه حسن حلو. وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني والحافظ زين الدين العراقي والشيخ سراج الدين بن الملقن: وغيرهم من علماء العصر، وتفنن في العلوم، ودرس، وأفتى، وناب في القضاء مدة، ودخل في قضايا كبار وفصلها. وولي بعض المعاملات على قاعدة فقهاء مصر، وحصل منها ومن المتجر مالا، ومهر في صنعة القضاء. وحج وجاور في سنة إحدى وعشرين، وولي تدريس الشيخونية ومشيخة خانقاه سعيد السعداء، ثم ولي قضاء دمشق مسؤولا في ذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين، وباشر بعفة، وسار سيرة مرضية بحسب الوقت مع أنه لم يخل من كاذب عليه وحاسد نعم. كان عنده لين، وعدم بحث عن القضايا الباطلة، بل يتساهل ويعرض عن كل ما قدم إليه، فإنه لا يعرف أهل البلد، وكان لا ينكر ما يقع من نوابه من الأحكام الباطلة مع علمه بما يقع منهم، ويصرح بأنه لا يجوز لهم ذلك. كل ذلك مداراة على المنصب، وكان لا يتولى الحكم بنفسه، ولا يفضل شيئا من الأمور إلى أن عزل في شعبان سنة خمس وثلاثين ودرس في الغزالية ودار الحديث الأشرفية، ورجع إلى بلده، وأعيدت إليه جهاته. وفي أوائل سنة ثمان وثلاثين عرض عليه قضاء دمشق على أن يعطى ألف دينار فامتنع، ثم نزلوا إلى خمسمائة فلم يقبل. فغضب عليه، وهدد بأنه يخرج من مصر، ثم في آخر السنة ولي تدريس الصلاحية في القدس بعدما امتنع في ذلك وقدم القدس، وأقام فيه إلى أن توفي وأراد الله له الخير إن شاء الله تعالى. وكان ناضلا في الفقه والحديث والنحو، يحفظ كثيرا من تواريخ المصريين ووفياتهم، حسن المحاضرة، لطيف المفاكهة. يكتب عل الفتاوى كتابة مليحة وكان شكلا حسنا. وله أوراد من صلاة وذكر وغيرهما. توفي في شهر ربيع الآخر سنة أربعين وثمانمائة، وخلف دنيا طائلة.
إسماعيل بن محمد بن أبي بكر الحسيني، العالم المصنف، شرف الدين اليمني، الشهير بالمقرئ. مولده سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وتفقه على الشيخ كمال الدين الريمي، شارح التنبيه. وسكن بزبيد، ومهر في الفقه، والعربية، وتعانى النظم، فمهر فيه. ذكره الحافظ شهاب الدين بن حجر في معجمه وقال: استفدت منه الكثير، وقال لي بعض المتأخرين: شامخ العرنين في الحسب، ومنقطع القرين في علوم الأدب، تصرف للملك الأشرف صاحب اليمن في الأعمال الجليلة. ناظر اتباع ابن العربي فعميت عليهم الأبصار، ودفعهم بما بلغ حجة في الإنكار. وله فيهم غرر القصائد مشيرا إلى تنزيه الصمد الواحد. وله المدح الرائق والأدب الفائق. وله من المصنفات مختصر الروضة، ومختصر الحاوي الصغير، وشرحه في ثلاثة أجزاء. وله عنوان الشرف في الفقه قدر التنبيه، ويؤخذ منه أربع علوم أخر: النحو، والتاريخ، والعروض، والقوافي. ترشح لقضاء الأقضية بعد القاضي مجد الدين، ودرس في مدارس منسوبة إلى ملوك قطرة. ولم يزل محترما إلى أن توفي في سنة سبع بتقديم السين وثلاثين وثمانمائة في رجب منها ظنا.

(1/212)


إسماعيل بن أبي الحسن بن علي بن عبد الله، العالم المعمر، مجد الدين أبو الفداء البرماوي المصري. ولد قبل الخمسين وسبعمائة بسنة أو بسنتين، وأخذ عن الإسنوي وأهل طبقته. ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني مدة طويلة وشارك في الفنون وتقدم، واشتهر بمعرفة الفقه، وقرأ عليه طلبة الشيخ الفضلاء. حكى لي القاضي شهاب الدين الأموي أنه قرأ عليه هو وشمس الدين البرماوي، وجمال الدين الطيماني، وجمال الدين بن ظهيرة جامع المختصرات في سنة إحدى وثمانين تقاسموه. وقرأ عليه أيضا زين الدين الفارسكوري وفخر الدين البرماوي. وفي آخر عمره ترك الإشغال من نحو عشرين سنة، وكان في جميع عمره خاملا لم يحصل له وظيفة، وإنما درس في مدرسة خاملة ظاهر القاهرة، وخطب في جامع عمرو في مصر. تكان لخموله يقال إن في اعتقاده شيئا. ذكره الحافظ شهاب الدين بن حجر في معجمه وقال: له مجاميع حسنة، وفوائد مستحسنة. وعليه اشتغل قريبه شمس الدين وغيره من الشيوخ الموجودين الآن، وكان كثير الاستحضار. توفي في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وثمانمائة.
سعد بن عبد الله بن الشيخ سعد الدين، الآمدي ثم الطرابلسي. أقام في طرابلس مدة، يشغل، ويفتي قليلا. وكان فاضلا في الأصول. ويحل الحاوي ولكنه لم يكن محمودا في دينه على ما بلغني. توفي في إحدى الجماديين سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة.
عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصر بن صالح بن عبد الخالق بن عبد الحق، الإمام العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة، جلال الدين أبو الفضل بن الإمام العلامة شيخ الإسلام بقية المجتهدين سراج الدين أبي حفص، الكنائي المصري البلقيني. ولد في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وحفظ عدة محفوظات، ودخل دمشق مع أبيه لما ولي القضاء في سنة تسع وستين، فاستجاز له الشيخ شهاب الدين بن حجى شيوخ ذلك الوقت. ولما رجع والده إلى القاهرة، صرف همته إليه، حتى مهر في مدة يسيرة، وتقدم، واشتهر بالفضل وقوة الحفظ. ثم لما مات أخوه في سنة إحدى وتسعين استقر في قضاء العسكر، ودخل مع أبيد دمشق في سنة ثلاث وتسعين والمشايخ إذ ذاك كثيرون، فظهر فضله، وعلا صيته. وكان والده يعظمه، ويصغي إلى أبحاثه، ويصوب ما يقول. ثم دخل دمشق معه ثانيا، واستمر على الطلب والاجتهاد، والإفتاء والتدريس، وشغل الطلبة إلى أن ولي القضاء بعد تحقق موت القاضي صدر الدين المناوي في سنة أربع وثمانمائة، ثم صرف، ثم أعيد مرارا إلى أن تعصب له جمال الدين الأستادار فرحل عنه القاضي شمس الدين الإخنائي إلى الشام، فاستمر من سنة ثمان وثمانمائة إلى أن صرف في وقعة الناصر في دمشق، ثم أعيد عن قريب، واستمر إلى أن صرف في سن اثنتين وعشرين بالهروي، ثم أعيد بعد سنة بل أقل. وقد جلس في بعض المرات التي قدم فيها مع الناصر في الجامع الأموي، وقرئ عليه البخاري، وكان يتكلم على مواضع منه. وكان فصيحا، بليغا، ذكيا، سريع الإدراك، وكان قد نقص عما كان عليه قبل ولاية القضاء. قال لي مرة: نسيت من العلم بسبب القضاء والأسفار العارضة بسببه ما لو حفظه شخص لصار عالما كبيرا. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر امتع الله ببقائه: كان له في القاهرة صيت لذكائه وعظمة والده في النفوس. وكان عن عجائب الدنيا في سرعة الفهم، وجودة الحفظ. وكان من محاسن القاهرة انتهى. وكان يكتب على الفتاوى كتابة مليحة بسرعة. وكان سليم الباطن، لا يعرف الخبث ولا المكر كوالده رحمهما الله تعالى. وكتب أشياء لم تشتهر. وقفت له على نكت المنهاج في مجلدين. توفي في شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة في بعلة القولنج، ثم الصرع، ويقال: إنه سم: ودفن في قبر أبيه في مدرسته التي أنشأها رحمهما الله تعالى.

(1/213)


عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن علي، الشيخ شرف الدين بن الإمام العلامة شمس الدين بن الإمام العلامة تقي الدين القلقشندي، سبط الشيخ صلاح الدين العلائي. أخذ عن والده، وفضل، وانتهى إلى أن صار عين الشافعية في بلده، وبيده الخطابة مشاركا لغيره. ولما سكن الهروي هناك حصل بينهما شرور كثيرة ومرافعات، وقوى الهروي عليه. وقد رأيت خطه على فتوى، وهي تدل على كثرة استحضار وجودة تصرف، لا أعلم من حاله شيئا غير ذلك. توفي في آخر سنة عشرين وثمانمائة عن نحو خمسين سنة. وأخوه زين الدين عبد الرحمن سمع من أبيه، ومن خاله شهاب الدين بن صلاح الدين العلائي وجماعة، ورحل إلى دمشق، وسمع على بعض الشيوخ، وأخذ عن الشيخ شهاب الدين بن حجى. ثم قدم القاهرة مرارا، وعلق بخطه أشياء. وكان حسن الخط، حاذقا. توفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة.
عبد الوهاب بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب بن يرحم، الإمام العلامة صدر المدرسين مفتي المسلمين، قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الشافعية قاضي القضاة، شهاب الدين أبي العباس، البقاعي الأصل، الدمشقي، المعروف بابن الزهري. مولده سنة سبع بتقديم السين وستين وسبعمائة، وحفظ التمييز للبارزي وغيره، وأخذ عن والده وعن الشيخ نجم الدين بن الجابي والشيخ شرف الدين بن الشريشي وغيرهم من مشايخ العصر هو وأخوه القاضي جمال الدين، ونشأ على طريقة حسنة، وملازمة لطلب العلم، وانتهى في الشامية البرانية في جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وسبعمائة هو وأخوه وجماعة من الطلبة منهم الشيخ شهاب الدين ابن نشوان وشمس الدين بن زهرة بسؤال الشيخ شهاب الدين بن حجى: وحضر قراءة المختصر على والده، وفرغ منه في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين. وفي هذا الشهر أذن له والده في الإفتاء، ودرس ي العادلية الصغري في حياة والده. وناب عن والده في القضاء تلك المدة اليسيرة، ثم ناب بعد ذلك في القضاء مدة طويلة، ونزل له والده عند موته عن تدريس الشامية البرانية ولأخيه جمال الدين، فباشرا ذلك، ثم توفي أخوه في أول سنة إحدى وثمانمائة فنزل له عند موته عن نصف الشامية والقليجية وقضاء العسكر وغير ذلك، واستمر على ذلك بعد الفتنة، وتصدى للإفتاء. وكان يكتب كتابة حسنة، ويستحضر التمييز إلى آخر وقت، وذهنه جيد. وكان عاملا، ساكنا، كثير التلاوة، ويقوم الليل. وعنده حشمة وأدب، ولسانه طاهر. وقد ولاه الأمير نوروز القضاء بعد وفاة ابن الإخنائي في رجب سنة ست عشرة وثمانمائة، فباشر إلى أن قدم المؤيد في أول السنة الآتية، وباشر يعفة، ولكن نقم بعض الناس ولايته على هذا الوجه. توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وشعرين وثمانمائة، ودفن في مقبرة الصفية على والده رحمهما الله تعالى.

(1/214)


علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن علي بن إسحاق بن سلام بن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام بالتشديد فيهما، الإمام العالم، المفنن المحرر، علاء الدين بن الشيخ العالم كمال الدين، المعروف بابن سلام، الدمشقي. ولد سنة خمس أو ست وخمسين وسبعمائة، وحفظ التنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب، واشتغل في الفقه على جدي وعلى الشيخ علاء الدين بن حجى وتلك الطبقة، وفي النحو والأصول على مشايخ عصره، ورحل إلى القاهرة لإكمال قراءة المختصر على الراكراكي المالكي. قال لي: وكان يعرف المختصر أحسن من الذي صنفه. ولازم الاشتغال حتى فضل ومهر، واشتهر بالفضل وهو صغير. قال لي: كنت أبحث في الشامية البرانية في حلقة ابن خطيب يبرود. وكان يحضر الدروس، فلا يترك شيئا يمر به حتى يعترضه، وينتشر البحث بين الفقهاء بسبب ذلك. وفي الفتنة التيمرية حصل له نصيب وافر من العذاب والحريق، وأصيب ماله كما جرى لغيره، وأخذوه معهم إلى ماردين، ثم رجع من هناك. وبعد وفاة الشيخ شهاب الدين بن حجى نزل له القاضي نجم الدين بن حجى عن تدريس الظاهرية البرانية. ولما توفي الشيخ شهاب الدين بن نشوان، ساعده القاضي نجم الدين، حتى نزل له القاضي تاج الدين بن الزهري عنتدريس العذراوية. ولما ولي القاضي نجم الدين تدريس الشامية البرانية، نزل له عن نصف تدريس الركنية، وللشيخ برهان الدين بن خطيب عذراء عن النصف الأخير، فتوفي الشيخ برهان الدين عاجلا، فأضيف إليه النصف الآخر. وكان فاضلا في الفقه، يستحضر كثيرا من الرافعي، ويحفظ عليه إشكالات وأسئلة حسنة، ويعرف المختصر معرفة جيدة، ويعرف الألفية معرفة تامة، ويحفظ كثيرا من تواريخ المتأخرين. وله يد طولى في النظم والنثر. وكان من جمعا عن الناس، ولا يكتب على الفتاوى إلا قليلا. وبحثه أحسن من تقريره. وكان كثير التلاوة، حسن الصلاة، مقتصدا في ملبسه، وغيره، شريف النفس، مليح المحاضرة، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يطلق لسانه في بعض الناس، ويأتي في ذلك بعبارات غريبة. وكان ينسب إلى محبة ابن العربي صاحب الفصوص. ويتردد إلى زيادة قبره. حج في سنة تسع وعشرين وثمانمائة، فلما قضى حجه ورجع، مرض بين الحرمين، ومات بوادي بني سالم، ونقل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فدفن في البقيع، وغبطه الناس بذلك.
(1/215)


)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عمر



عدد المساهمات : 1000
تاريخ التسجيل : 28/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة   الإثنين أكتوبر 31, 2016 8:53 am



عمر بن حجى بن موسى بن أحمد بن سعد، الإمام العالم، المفنن، ناصر السنة، وقامع الظلمة والمبتدعة، قاضي القضاة نجم الدين أبو الفتوح بن العلامة فقيه الشام، علاء الدين أبي محمد، السعدي. الحسباني، الدمشقي. مولده سنة سبع بتقديم السين وستين وسبعمائة، وحفظ التنبيه في ثمانية أشهر، وحفظ غيره من المختصرات، وأسمعه أخوه من جماعة من مشايخه وغيرهم، واستجاز له وسمع هو بنفسه من خلق في مصر والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن أخيه، وعن المشايخ الموجودين في ذلك العصر، منهم شهاب الدين الزهري، وشرف الدين بن الشريشي، ونجم الدين بن الجأبي، وشرف الدين الغزي؛ ورحل إلى القاهرة سنة تسع بتقديم التاء وثمانين، وأخذ عن المشايخ بها: الشيخ سراج الدين البلقيني وزين الدين العراقي وسراج الدين بن الملقن وبدر الدين الزركشي وغيرهم. وأجازه ابن الملقن بالتدريس، وكتب بخطه من مصنفات البلقيني وغيره. ولازم الشيخ شرف الدين الأنطاكي مدة طويلة، وانتفع به كثيرا في النحو وكان هو أجل علومه، وطالع شرح المحصول اللأصفهاني وكتب منه أجوبة أسئلة ذكرها الإسنوي في شركه، ولم يتعرض لأجوبتها كذا حكاه لي رحمه الله تعالى. وحج سنة ست وثمانين مع أخيه. وولي إفتاء دار العدل في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، ثم ولي مشيخة خانقاه عمر شاه. ثم وقع بينه وبين القاضي شهاب الدين الباعوني والحاجب الكبير تمربغا المنجكي، وآل ذلك إلى أن حصلت له محنة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين، ونزل له أخوه عن إعادة الأمينية في سنة ثمان وتسعين، وحج في سنة تسع وتسعين، وجاور. وبعد الفتنة ولي القضاء في حماة مرتين، ووقع بينه وبين نائب حماة في الثانية، وهم بقتله، فسلمه الله منه. وولي قضاء طرابلس أيضا مرتين، ولم يذهب إليه في الثانية، وولي القضاء في دمشق في شهر ربيه الآخر سنة تسع وثمانمائة، ثم انفصل بعد شهرين، ثم ولي القضاء بعد ذلك ست مرات، ومدة مباشرته إحدى عشرة سنة وكسرا، وذلك في مدة إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. ووقع بينه وبين جماعة من معاصريه من النياب والقضاة وغيرهم فتن وشرور، وحصل له بذلك محن، وأوذي فصبر، وأظهر من الشجاعة وثبات الجأش ما يعجز عن مثله، وكل ذلك والله ينصره على أعدائه، ويرفع كلمته عليهم. وقد درس في الشاميتين، والركنية، والظاهرية، والغزالية. وفي أواخر عمره في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ولي الكتابة السر في الديار المصرية، فباشرها دون سنة. ثم وقع بينه وبين جان بك الدوادار فتنة فعزل، وأخرج على وجه غير مرضي. وغرم مالا كثيرا. وكان حسن التصرف في العلوم إلى الغاية، جيد الذهن، حاد القريحة، ذكيا، فصيحا، يلقي الدروسبتأني وتوأدة، ويرد على من يبحث معه بالعلم، لا بالقوة. قال لي الشيخ جمال الدين الطيماني رحمه الله تعالى: إنه كان يدرس أحسن من أخيه الشيخ شهاب الدين، وصدق في ما قال، لأن الشيخ كان يستروح ولا يعتني بنا يلقيه، وأما قاضي القضاة فكان يعتني بدروسه كثيرا. وكان حسن الملتقي للناس، كثير المباسطة لهم، محسنا للغرباء والواردين عليه، كثير المساعدة لأهل العلم والإحسان إليهم والتودد لهم. وكان قامعا للظلمة والمبتدعة، لا يهاب أحدا منهم ولا يبالي، والله ينصره ويؤيده، وحصل للفقهاء به عز ورفعة. وكان يعتقد الفقراء والصالحين ويكرمهم ويزورهم. ومحاسنه جمة، ومناقبه كثيرة، وعليه مآخذ، ورحمة الله تعالى واسعة. قتل بمنزله بين الربوة والنيرب في ذي القعدة سنة ثلاثين وثمانمائة، ودفن إلى جانب أخيه رحمهما الله تعالى عن ثلاث وستين سنة وكسر. ورئييت له منامات حسنة تدل على سعادته في الآخرة، كما كان في الدنيا إن شاء الله تعالى.
محمد بن إبراهيم بن أيوب، العلامة بدر الدين بن العصياتي، الحمصي. قدم دمشق ونزل في المدرسة البادرائية، وأخذ عن القرشي وابن الشريشي وغيرهما، وسمع الصحيح على بعض أصحاب ابن الشحنة ومسلم والنسائي على ابن الكويك، وشارك في عدة علوم، وأقام ببلاده وصار شيخها وأفتى، ودرس، ووعظ، وانتفع به جماعة. وكان خيرا، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. مات في أوائل سنة أربع وثلاثين وثمانمائة ببلده عن نحو ستين سنة ظنا. ثم رأيت الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه ذكره في معجمه مختصرا.

(1/216)


محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف، الشيخ نجم الدين، المرجاني، المكي. مولده سنة ستين أو إحدى وستين وسبعمائة، سمع الحديث في مكة على القاضي عز الدين بن جماعة وغيره، وفي دمشق من ابن خطيب المزة ويوسف بن الصيرفي وغيرهما، وحدث، وعني بالعربية ومتعلقاتها. قال لي صاحبنا الحافظ تقي الدين الفاسي رحمه الله تعالى: ومهر في ذلك مع مشاركة في الفقه وغيره، وتصدى للتدريس والإفادة كثيرا. ونظم أبياتا في معنى قواعد الإعراب لابن هشام، وفيها زيادات عليها، وشرحها، وكتب شرحا على التنبيه. وله نظم حسن. وفيه خير ومروءة، ودرس في المنصورية في مكة. توفي في مكة رجب سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
محمد بن أحمد بن موسى، الشيخ العالم، شمس الدين، أبو عبد الله، العجلوني الكفري الأصل، الدمشقي. مولده في شوال سنة سبع بتقديم السين وخمسين وسبعمائة، وحفظ التنبيه وأدرك جدى الشيخ شمس الدين وغيره من المشايخ، وأخذ عنهم يسيرا. ثم لازم الشيخ شرف الدين الغزي مدة طويلة وانتفع به، واشتهر بحفظ الفروع من شبيبته. وكتب بخطه الكثير نسخا لنفسه وللناس، وكان له قدرة على الكتابة. وناب للقاضي علاء الدين بن أبي البقاء قبل الفتنة، ثم باشر نيابة القضاء بعد الفتنة غير مرة وولي تدريس الصارمية ونظرها، وعمر بعضها، ودرس في حصة من تدريس العزيزية، نزل له عنها القاضي شمس الدين الإخنائي في مرض موته. وتصدر في الجامع من مدة قريبة، ولم ينحب عليه أحد من الطلبة، وحج مرات وجاور في مكة مرات، وجمع مختصر شرح البخاري لابن الملقن في أربع مجلدات، والكرماني في ثلاثة، وشرح غاية الاختصار، وكتب نكتا على التنبيه في مجلدات. وغير ذلك. وكان لا يعرف شيئا من العلوم غير الفقه، وطرفا من الحديث. وينظم كثيرا، ولا يعرف العروض. وكان كثير التغير، لا يثبت على حال، ولا يبقى على كلمة، وعنده صبر واحتمال ورياضة. توفي في المحرم سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، ودفن في مقبرة الصوفية. ونزل عن غالب وظائفه للسيد شهاب الدين بن نقيب الأشراف، ولامه الناس على ذلك رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الدائم بن موسى، الشيخ الإمام، العالم المفنن، شمس الدين أبو عبد الله العسقلاني الأصل، البرماوي، المصري. مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني، والشيخ سراج الدين بن الملقن، والشيخ زين الدين العراقي، والشيخ عز الدين بن جماعة، ومجد الدين البرماوي، والقاضي بدر الدين بن أبي البقاء. وكان في صغره في خدمته، وسمع الكثير وفضل وتميز في الفقه والنحو، والحديث والأصول وكانت معرفته بهذه العلوم الثلاثة أكثر من معرفته بالفقه. وأقام في مصر يشغل ويفتي في حساة الشيخ وبعده وهو في غاية ما يكون من الفقر. ثم قدم دمشق في جمادى الأول سنة إحدى وعشرين، فأكرمه القاضي نجم الدين بن حجى، وأنزله عنده، وجلس في الجامع يقرئ اجتمع عليه الطلبة، وظهر فضله، وقصد بالفتاوى، ثم عاد إلى مصر، ثم قدم دمشق ثانيا في سنة ثلاث وعشرين بطلب من قاضي القضاة وناب في القضاء في ربيع الآخر من السنة، وولي إفتاء دار العدل عوضا عن الشيخ شهاب الدين الغزي، ثم تدريس الرواحية ونظرها، عوضا عن الشيخ برهان الدين بن خطيب عذراء، ثم تدريس الأمينية عوضا عن تاج الدين بن الحسباني، ودرس فيها يوما واحدا، وغير ذلك من الوظائف وكان يشغل في الجامع ويجتمع عليه كثير من الطلبة وأقرأ في الجماديين ورجب وشعبان المنهاج في سنة، والتنبيه في سنة أخرى، والحاوي في أخرى، ثم عاد إلى مصر بعد عزل قاضي القضاة ومحنته في رجب سنة ست وعشرين، وحج من مصر سنة ثمان وعشرين، وجاور في مكة، ورجع إلى مصر في سنة ثلاثين، وقد عين له تدريس الصلاحية في القدس ونظرها، وذلك بمساعدة القاضي نجم الدين بن حجى، فجاء إلى القدس فأقام فيها يسيرا، وتعلل، ومات في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، ودفن في مقبرة ماملا. وكتب شرحا على البخاري لم يبيضه، وجمع شرحا على العمدة سماه جمع العدة لفهم العمدة، وأفرد أسماء رجال العمدة. وله الألفية في الأصول وشرحها، أخذ أكثره من البحر للزركشي، وله منظومة أخرى في الفرائض وغير ذلك.

(1/217)


محمد بن عبد الرحيم بن أحمد، الإمام العلامة، شمس الدين المصري، المعروف بالمنهاجي، وهو سبط الشيخ شمس الدين ابن اللبان. ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وسبعمائة، واشتغل. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه: ومهر في مدة قريبة، وأتقن الفقه والأصول والعربية، وشغل الناس مدة، وأقام بجامع عمرو بن العاص يعمل المواعيد، ويشغل الناس بالعلم، وانتفع به أهل مصر خصوصا. وكان متواضعا، من جمعا، حسن النظم والنثر. له قصائد نبوية سائرة، ومقاطيع مستحسنة. حج في وسط عام سنة ست وثلاثين في البحر، وحصل له في الطريق مشاق، ودخل مكة، فحصل له قبول تام، وعمل بها عدة مواعيد، وأقرأ الحديث، وشغل بالعلم، ثم حج مع الناس صحيحا، فلما رمي الجمرة في الثالث مات في آخر النهار، ودفن بجوار السيدة خديجة رضي الله عنها.
محمد بن عطاء الله بن محمد بن أحمد بن محمود، الإمام العلامة، قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد الرازي الأصل وكان يقصر عليها، الهروي ثم المقدسي. ولد سنة سبع وستين. اشتغل بالعلم ببلاده وأخذ عن العلامة سعد الدين التفتازاني، وغيره وتقدم عند تمر، ثم دخل بلاد الشام غير مرة، وسكن القدس، فأكرمه الأمير نوروز، وفوض إليه الصلاحية في القدس، ودرس فيها، وتصدى للأخذ عنه، ثم ولي قضاء الديار المصرية من قبل المؤيد، وعزل القاضي جلال الدين ابن الشيخ به. وجرت أموره، وتعصب جماعة الشيخ عليه، وحصل له إهانة، ورافعه أهل القدس لأنه ولي عليهم نظر القدس والخليل، وفهم المؤيد أن ذلك تعصب عليه وحظ نفس، فرجع المذكور إلى القدس على تدريس الصلاحية وغيرها. ثم ولي من قبل الأشرف بن سامي كتابة السر في الديار المصرية مدة يسيرة، ثم القضاء عوضا عن العلامة شهاب الدين بن حجر مدة يسيرة أيضا، ثم رجع إلى القدس على تدريس الصلاحية وحج في تلك السنة وعاد إلى القدس، وأقام ملازما للأشغال، والإشغال، والفتوى، والتصنيف. وكان إماما عالما، غواصا على المعاني، يحفظ متون أحاديث كثيرة، ويسرد جملة من تواريخ العجم. وكان رئيسا مهابا، حسن الشكالة، ضخما، لين الجانب على ما فيه من طبع الأعاجم. ولقد سمعت الشيخ شهاب الدين بن حجى يثني عليه، ويتعجب من سرده لتواريخ العجم. وقال لي الشيخ جمال الدين الطيماني: إنه يحل الكتب المشكلة ويتخلص منها، تخرج به جماعة ببيت المقدس. وصنف شرح مسلم وغيره. توفي في بيت المقدس في ذي الحجة سنة تسع بتقديم التاء وعشرين وثمانمائة، وبني في القدس مدرسة، ولم يتمها.
محمد بن علي بن محمد بن أبي بكر، القاضي العلام، جمال الدين الشيبي المكي. مولده في أول سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، رحل إلى مصر، والشام وغيرهما، واشتغل في العلم، وأخذ عن مشايخ ذلك الوقت، ورجع إلى مكة، وولي إمامة البيت في سنة ثمان وعشرين، وولي قضاء مكة في شعبان سنة ثلاثين. قال لي بعض علماء مكة وحفاظها: كان رحمة الله قد أجمع الناس على محبته، لا تراه عين إلا قرت برؤيته، ولا تسمع به أذن إلا وأصغت لحسن سيرته؛ وصنف تصانيف كثيرة منها شيء على الحاوي الصغير، ومنها كتاب سماه قلب القلب شحنه من الفوائد، وأودعه درر الفرائد، دل على سعة إطلاعه، ومنها كتاب الأمثال صنفه لصاحب اليمن الملك الناصر أحمد بن الملك الأشرف، وفي آخر حياته صنف كتابا سماه اللطيف في القضاء. وله ذيل على حياة الحيوان سماه طيب الحياة ودخل إلى شيراز، وأكرمه صاحبها، ووصل مراغة وبغداد. وكتب بخطه الجوادث من يوم يلوغه إلى يوم وفاته، وكان خاتم زمانه. توفي في شهر ربيع الآخر سنة سبع بتقديم السين وثلاثين وثمانمائة.

(1/218)


محمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله ابن المسلم، القاضي ناصر الدين بن كمال الدين بن فخر الدين بن كمال الدين الجهني، ابن البارزي، الحموي، نويل القاهرة وكاتب السر بها. ولد في شوال سنة تسع بتقديم التاء وستين وسبعمائة، ومات أبوه وهو صغير في سنة ست وسبعين. فنشأ عند أخواله، واشتغل بالعلم، وحفظ الحاوي الصغير، وعدة كتب. وكان ذكيا، فتخرج في مدة يسيرة، وولي قضاء بلده سنة ست وتسعين، ثم عزل، وأعيد، وولي كتابة السر في بلده، جمع بينهما وبين القضاء. وحصل له أذى كثير من نائب حماة أشبك ابن أزدمر، ثم اتصل بخدمة الأمير شيخ لما كان نائب طرابلس. فلما أخذ دمشق من الأمير نوروز في سنة إحدى عشرة، جاء المذكور إليه، فولاه الخطابة في الجامع الأموي، فكان يخطب خطبا بليغة بفصاحة وصوت جهوري. وكان يحضر مع الفقهاء في قراءة البخاري بدار السعادة، وظهر علمه، وفضله، وقوة إدراكه، وحسن ادائه. ولما جاء الناصر في سنة اثنتي عشرة، حصل له أذى من الأستادار جمال الدين، ثم ولي قضاء حلب مدة يسيرة، ثم عزل في ربيع الآخر سنة أربع عشرة. ولما انتصر الأمير شيخ علي الناصر فرج، توجه القاضي ناصر الدين معه، فولاه كتابة السر في الديار المصرية بعد أن تسلطن بثلاثة أشهر في شوال سنة خمس عشرة، وتقدم عنده، وصار أكثر الأمور مرجعها إليه، ويستبد بكثير منها. وكان كثير الإدلال على السلطان، يراجعه، ويرادده، ولا يفعل إلا ما يريد، وله الحرمة الوافرة. وكان رئيسا كبيرا، ذا مروءة وعصبية وهمة عالية. وله في الأدب اليد الطولى وهو من بيت الرئاسة والعلم. وقدم مع السلطان في سنة سبع عشرة في فتنة نوروز، توجه معه إلى حلب، وعاد إلى مثر، ثم قدم ثانيا في سنة ثمان عشرة في فتنة قان بابي، وتوجه مع السلطان إلى بلاد الشمال، ورجع إلى مصر، ثم قدم مع السلطان ثالثا في سنة عشرين، ودخلوا أطراف بلاد الروم، وفتحوا مدنا، وقلاعا، ثم عادوا إلى مصر. قال الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله ببقائه فيما كتب إلي: ولي قضاء حلب لما ولي المؤيد بنائبها، ثم قدم معه القاهرة، فاستقر في كتابة السر. وكان شهما، مقدما، متفوها، كثير الاستحضار، جامعا بين الجد والهزل، متعصبا لأصحابه، قائما بأمورهم، صعبا على ما يعاديه وقد عظم أمره جدا في الدولة المؤيدية، بحيث سكن السلطان بعسكره في داره التي أنشأها بشاطيء النيل، وصار مدار معظم الأمور عليه وجمع مالا كثيرا جدا مع بشاشة الوجه، وحسن الملتقي، وملازمة السلطان، إلى أن أدركه الأجل المحتوم، وذكره في معجمه وقال: كان يتوقد ذكاءه مع بعد عهد بالإشغال والمطالعة، ويستحضر كثيرا من محفوظاته الفقهية، والأدبية، وغيرها، وينشد القصيدة الطويلة التي حفظها من عشرين سنة لا يتعلثم فيها. ولم أر لأبناء جنسه من يجري مجراه والله المسؤل أن يعفو عنه بمنه. توفي في شوال سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة رحمه الله تعالى.
محمود بن أحمد بن محمد، الشيخ الإمام العلامة، القاضي، المصنف نور الدين الحموي المشهور بابن خطيب الدهشة، قاضي حماة وعالمها ولد سنة ستين وسبعمائة، واشتغل في بلده على جماعة، ورحل إلى مصر والشام، وأخذ عن علمائها، وسمع الحديث، ودرس، وأفتى، وصنف الكثير. فمن تصانيفه مختصر القوت للأذرعي في أربعة أجزاء، سماه إعانة المحتاج إلى شرح المنهاج، ومختصر المطالع، وشرح الكافية والشافية لابن مالك، والتقريب في علم الغريب وغير ذلك. وولي القضاء بحماة من قبل المؤيد، فباشره مباشرة حسنة. وكان عنده زهد وتقشف، ثم عزل، وتفرد مدة يمشيخة حماة بعد موت رفيقه الشيخ جمال الدين ابن خطيب المنصورية. وكان كثير الاستحضار، ولكن كان فيه غفلة، وعنده تساهل فيما ينقله ويقوله، أخذ عنه جماعة. توفي في شوال سنة أربع وثلاثين، ووالده كان من الفيوم، وقدم من الديار المصرية إلى حماة، وهو من جماعة الشيخ أبي حيان وقرره المؤيد في خطابه الدهشة حين بناه. وله مصنفات، منها المصباح المنير في غريب الشرح الكبير في مجلدين، وهو كتاب نافع، وشرح عروض ابن الحاجب شرحا حسنا. وله ديوان خطب. لا أعلم وقت وفاته.

(1/219)


موسى بن محمد بن نصر، الشيخ العالم، القاضي شرف الدين أبو الفتح البعلي، المعروف بابن السقيف. مولده سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، أخذ الفقه الحديث في بلده عن الخطيب جلال الدين وعماد الدين ابن بردس، وقدم دمشق وأخذ عن المشايخ الثلاثة: شهاب الدين الزهري وشرف الدين بن الشريشي وزين الدين القرشي، ورجع إلى بلده، وتصدى للإفتاء والاشتغال من سنة إحدى وثمانين، وقرأ عليه جماعة وتميزوا، وحضر عندي بعض طلبته، فرأيته فاضلا يستحضر أشياء غريبة مليحة، فسألته عمن أخذت ذلك، فقال: عن الشيخ شمس الدين المذكور، وأخبرني أنه كان له ورد في الليل، لا يخل به حضر ولا سفر، وينكر المنكر، وولي قضاء بعلبك مرارا، فباشره على وجه حسن، وكان أفقه من بقي في بلده مع مشاركة في الأصول والنحو والفرائض، وكان يلازم الاشتغال، ويحب طلبة العلم ويبرهم، وكان سليم الباطن، توفي في بلده في جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
يحيى بن يحيى بن أحمد بن حسن، الشيخ العالم، المحدث الفقيه الواعظ، أقضى القضاة، محيي الدين، أبو زكريا، القبابي، المصري، ثم الدمشقي، مولده في أواخر سنة ستني، أو أول سنة إحدى وستين، واشتغل في القاهرة وأقام في مدرسة السلطان حسن، وحفظ التنبيه، ومختصر ابن الحاجب والألفية. وأخذ عن الشيخ سراج الدين البلقيني وابن الملقن والأبناسي وغيرهم من علماء العصر. وأخذ الحديث عن الشيخ زين الدين العراقي، والأصول عن الشيخ عز الدين بن جماعة، النحو عن الشيخ محب الدين ابن هشان، ثم حفظ الحاوي الصغير، وتميز وفضل، وقدم دمشق في سنة خمس وثمانين، وحضر المدارس مع الفقهاء، فاشتهر فضله، وأثنى المشايخ عليه. بلغني أن الشيخ سهاب الدين الزهري قال: ما جاءنا من طلبة مصر أفضل منه. ولزم الشيخ شهاب الدين المذكور وقرأ عليه نصف المختصر، وأذن له بالإفتاء، وعمل ميعادا في الجامع قبل الفتنة بيسير، وازدحمت الناس عليه، فلما وقعت الفتنة افتقر، فاحتاج أن يقيم في قرية في البر، فذهب إلى بيت روحا، فأقام فيها مدة، ثم سافر إلى مصر فلم يحصل فيها شيئا فعاد، ودخل في المواعيد، فأقبل عليه الناس لعلمه وفصاحته، وانتفع به جماعة من العوام، وقرأ صحيح البخاري للأمير نوروز مرتين، واستنابه القاضي نجم الدين بن حجى في سنة إحدى عشرة، وباشر لمن بعده من القضاة، ولم يحمد في ذلك. وكان في بصره ضعف ثم إنه تزايد إلى أن أضر قبل الثلاثين، وهو مستمر على مباشرة نيابة القضاء، وربما أخذ بيده، وعلم. وكان يكتب عنه في الفتوى، ويكتب هو اسمه ودرس في المدرسة الدولعية، وناب في تدريس الشامية البرانية مرتين. وكان فصيحا، ذكيا، فاضلا في فنون، جيد الذهن، حسن الظاهر والباطن، لين العريكة، سهل الانقياد، قليل الحسد والغيبة، وعنده مروءة وعصبية. وفي أواخر عمره بعد موت رفقته دخل الجامع، واشتغل، وأقرأ التنبيه، والمنهاج، والحاوي، خلا كل واحد في مدة أشهر، لكن من غير مطالعة ولا تحرير، بل يجري على الظواهر. توفي في صفر سنة أربعين وثمانمائة، ودفن في مقبرة باب الصغير شرقي قبر سيدنا بلال رضي الله عنه بالقرب من جادة الطريق. وقباب قرية من قرى أشموم الرمان من الوجه البحري من الديار المصرية. وكان والده خطيب القرية المذكورة. وقباب قرية في العراق بالقرب من يعقوبا. وقباب محلة في نيسابور.
يوسف بن إسماعيل بن يوسف، الأنبابي بفتح الهمزة وسكون النون بعدها موحدتان بينهما ألف، المصري، الشيخ جمال الدين. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر أمتع الله ببقائه: ولد سنة ستين فيما أظن، كان يذكر له نسبا إلى سعد بن عبادة الأنصاري. وكان أبوه ممن يعتقده المصريون، وبنى له زاوية في أنبابة في البر الغربي في الجيزة، ونشأ ولده هذا محبا في العلم، فسمع من شيوخها، ومهر في العربية ولازم شيخنا العراقي، وكان يعظمه، ثم انقطع بزاوية أبيه. يشغل الناس بالعلم، ويكرم الواردين، فاشتهر أمره، وصار للترك فيه اعتقاد. وحج مرات. مات في شوال سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن في زاوية والده وخلف مالا طائلا.

(1/220)


هذا آخر كتاب طبقات الفقهاء. ولله الحمد والمنة، وله الشكر والنعمة، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. نجزت هذه النسخة المباركة في عاشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، على يد العبد الفقير الذليل الراجي عفو ربه الملك الجليل محمد بن أحمد بن محمد بن سيف، الحمصي، الشافعي جعله الله من أهل العلم، وزينه بالحلم، وختم له بخير ولجميع المسلمين آمين.
اتفق الفراغ من كتاب الطبقات في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وبلغ مقابلة هذه النسخة على أصلها المنقول مع كتابة الزوائد التي في حواشيها. وكتبه مؤلفه أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب ابن محمد بن ذؤيب الأسدي ابن قاضي شهبة عفا الله عنه.
هذا ما وجد في خاتمة نسخة ش: وكان الفراغ من نسخا يوم الخميس التاسع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، علقها لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن عبد الرزاق الأريحي الشافعي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.
قال المصنف شيخنا وأستاذنا، الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام بقية المجتهدين، أمتع اله الوجود بوجود، وأفاض عليه سحاب نعمه وجوده: اتفق الفراغ من تصنيفها في ذي القعدة الحرام سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وكتب بخطه الكريم ما صورته وكتبه مؤلفة أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، ابن قاضي شهبة الشافعي.
بلغ مقابلة بأصله كأنها على نسخة مقابلة عليها خط شيخنا المصنف رحمه الله تعالى. وكان رحمه الله تعالى زاد في الطبقات زيادات كثيرة كتبها بخطه، فزدتها ونقلتها من خطه، وعلى النسخة المقابلة عليها خط الحافظ شهاب الدين بن حجر أمتع الله المسلمين بحياته، وكتب عليها فوائد، وأرسلها إلى شيخنا المصنف، فلما وقف عليها أعجبه ذلك وقال: وقف على هذا الكتاب الشيخ الإمام العلامة حافظ العصر، وأستاذ المؤرخين، قاضي القضاة، شهاب الدين، أبو العباس أحمد بن حجر، أمتع الله المسلمين بوجوده وأفاض عليه من سحاب كرمه وجوده، وأصلح فيه مواضع، وأفاد جملة من الفوائد. وكان ذلك كالشهادة للكتاب بالتزكية والقبول، فلله الحمد والمنة. وكتبه أبو بكر بن أحمد بن قاضي شهبة الأسدي الشافعي.
وفي ختام نسخة م ما نصه: وكان الفراغ من نسخها نهار الأربعاء رابع عشر شهر الله المحرم الحرام من شهور سنة أربع وأربعين وثمانمائة على الفقير إلى عفو مولاه القدس عمر بن علي بن أحمد المارديني الخفي عامله الله بجميل لطفه الخفي، وغفر له، ولوالديه، ولمشايخه، ولكل المسلمين أجمعين وذلك على باب الشامية البرانية، رحم الله واقفتها، ونور ضريحها آمين.

(1/221
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الكتاب : طبقات الشافعية المؤلف : ابن قاضي شهبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
aloqili com _______ aloqili.com :: منتدي الكتب التاريخية-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: