aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةالتسجيلدخول
كل المراجع التي ذكرها احمد بن علي الراجحي في كتبة من نسب احمد عمر الزيلعي من ولد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب هو ادعاء كاذب .
اليمن كانت مركز تجميع القرامطة والصوفية والاحباش
لم تذكر كتب الانساب علي الاطلاق لاحمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب الا الامير همام بن جعفر بن احمد وكانوا بنصبين في تركيا حاليا.... الكذب واضح والتدليس واجب للمزور .
ال الزيلعي اصلا من الحبشة .....واولاد احمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن ابي طالب كانوا بنصبين في تركيا حاليا
قال ابن بطوطة: وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام، ووصلت إلى مدينة زيلع، وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان
زيلع من بلاد الحبشة في قارة افريقيا .... ونصبين من تركيا من قارة اسيا
أنطلقت مني أحلى التهاني بالعيد ، فأرجو من قلبك أن يسمح لها بالهبوط.

شاطر | 
 

 كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:04 am

فقدم سعد وعتبة فافداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الاجر، فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله فيهم: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) [ البقرة: 218 ] فوصفهم (2) الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك
__________
(1) قال الواقدي عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف غنائم أهل نخلة، ومضى إلى بدر، حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم.
(2) في ابن هشام: فوضعهم.

عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير.
وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وكذا روى شعيب عن الزهري عن عروة نحوا من هذا وفيه، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين.
وقال عبد الملك بن هشام: هو أول قتيل قتله المسلمون، وهذه أول غنيمة غنمها المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أول من أسره المسلمون (1).
قلت: وقد تقدم فيما رواه الامام أحمد: عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: فكان عبد الله بن جحش أول أمير في الاسلام.
وقد ذكرنا في التفسير لما أورده ابن إسحاق شواهد مسندة فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح.
أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش وكتب له كتابا
وأمره أن [ لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا.
وقال " لا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك " فلما قرأ الكتاب استرجع وقال سمعا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع منهم رجلان (2) وبقي بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) الآية.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره: عن أبي مالك، عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وسهل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لاصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنني موص وماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وتخلف عنه سعد وعتبة أضلا راحلة لهما فأقاما (3) يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة.
فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي ورجعوا بالغنيمة والاسيرين فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون.
وقال المشركون إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب.
وقال المسلمون إنما
__________
(1) مغازي الواقدي 1 / 13 النويري 17 / 6 ابن هشام 2 / 257 الدرر ص 99.
دلائل النبوة للبيهقي 3 / 17.
(2) في الطبري: رجلا.
وفي البيهقي عن الزهري: تخلف رجلان.
(3) في الطبري: فأتيا بحران يطلبانها.

قتلناه في جمادي.
قال السدي (1): وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى الآخرة.
قلت: لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رؤى تلك الليلة فالله أعلم.
وهكذا روى العوفي عن ابن عباس أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب ولم يشعروا وكذا تقدم في حديث جندب الذي رواه ابن أبي حاتم.
وقد تقدم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة دخل أولئك في الحرم فيتعذر عليهم ذلك فأقدموا عليهم عالمين بذلك وكذا قال الزهري عن عروة رواه البيهقي فالله أعلم أي ذلك كان: قال الزهري عن عروة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله براءة رواه البيهقي (2).
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق في غزوة عبد الله بن جحش جوابا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام.
قال ابن هشام هي لعبدالله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد فانا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا * ينازعه غل من القيد عاند فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر وقال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمد بن إسحاق.
وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي والله أعلم.
وقيل في شعبان منها.
قال ابن إسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش: ويقال صرفت القبلة (3) في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) في الطبري: وقيل، متابعا السدي كلامه.
(2) دلائل النبوة 3 / 17.
(3) كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى صخرة بيت المقدس، وكان أول ما فرضت القبلة إليها والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وكان يحب =

المدينة.
وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة.
قال الجمهور الاعظم: إنما صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة.
ثم حكى عن محمد بن سعد عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظر والله أعلم.
وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأن الذين أورثوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون) [ البقرة: 144 ].
وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لانه أول نسخ وقع في الاسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله: (ما ننسخ من آية، أو ننسأها (1) نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم سمع زهيرا عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا - وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: (وما كان ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم) [ البقرة: 143 ] رواه مسلم من وجه آخر (2).
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله:
(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) [ البقرة: 144 ].
قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
فأنزل الله: (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وحاصل الامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الامام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا - أو سبعة شهرا - وهذا = استقبال الكعبة وكان يصلي بمكة ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك.
وكان يؤثر أن يصرف إلى الكعبة فأمره الله أن يستقبل الكعبة.
(1) ننسأها: كذا في الاصل، وهي قراءة أبي عمرو، وصورتها في القرآن الكريم: ننسها.
(2) أخرجه مسلم في (5) كتاب المساجد 2 باب ح 11 و 13 والبخاري في 8 كتاب الصلاة 31 باب التوجه نحو القبلة.
والحديث رواه الشافعي في الرسالة، وأخرجه مالك في الموطأ في 14 كتاب القبلة (4) باب ما جاء في القبلة ح 6 ص 1 / 195.

يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم.
وكان عليه السلام يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عزوجل فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فأنزل الله عزوجل: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية.
فلما نزل الامر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر.
وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر.
قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك (1).
والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والاغبياء قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال: (وإن الذين أورثوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم) الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) أي هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه الذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي خيارا (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الانبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلناكم خيار الامم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لاجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم كما ثبت في صحيح البخاري: عن أبي سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الامة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى والاحرى.
ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة.
وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة.
فقال: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول).
قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع
__________
(1) فتح الباري 8 كتاب الصلاة 32 باب وفي مسلم 5 كتاب المساجد 2 باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة ح 13.

الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الامر إلا على الذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لانهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه (إن الله بالناس لرؤف رحيم) والاحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الاحكام الكبير.
وقد روى الامام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن محمد بن الاشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني في أهل الكتاب -: " إنهم لم يحسدونا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الامام آمين ".
فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر قال ابن جرير (1): وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان وقد قيل إنه فرض في شعبان (2) منها، ثم حكى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى [ وغرق فيه آل فرعون ] (3).
فقال: " نحن أحق بموسى منكم " فصامه وأمر (4) الناس بصيامه، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) الآية [ البقرة: 183 - 185 ] وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية من إيراد الاحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والاحكام
المستفادة منه ولله الحمد.
__________
(1) تاريخ الطبري ج 2 / 265.
(2) قال ابن سيد الناس: فرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا، وقال القرطبي: الصحيح سبعة عشر شهرا وهو قول مالك وابن المسيب وابن اسحاق وقال الواقدي: الثبت عندنا الاول.
(3) زيادة من الطبري.
(4) قال ابن الاثير: لما فرض رمضان لم يأمرهم بصوم عاشوراء ولم ينههم عنه.

وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل.
قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة.
وقال وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الاخرى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان.
قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا.
ثم إن رجلا من الانصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهدا شديدا فقال: " مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا " فأخبره، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم) إلى قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل).
ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث
الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.
وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
ولتحرير هذا، موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير وبالله المستعان.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك، قال وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة (1) وكان للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعياد.
قلت: وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب (2) كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
(1) في الطبري وابن الاثير: العنزة وهي عصا في رأسها سنان مثل سنان الرمح.
(2) أي زكاة المال.

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة بدر العظمى * يوم الفرقان يوم التقى الجمعان قال الله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [ آل عمران: 123 ] وقال الله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الانفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه.
قال ابن إسحاق رحمه الله بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع
بأبي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلا - أو أربعون - منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين، قال وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث (1) بدر قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: " هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس (2) من لقي من الركبان تخوفا على أموال (3) الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن
__________
(1) بدر: اسم بئر حفرها رجل من غفار اسمه بدر، قيل هو بدر بن قريش بن يخلد، وبه - في قول - سميت قريش، وقيل إن بدرا: رجل كانت له بئر بدر وهي على أربع مراحل من المدينة.
قال ابن سعد: كانت بدر موسما من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب، وبين بدر والمدينة ثمانية برد وميلان.
(معجم البلدان - شرح المواهب - الروض الانف - طبقات ابن سعد).
(2) في ابن هشام والواقدي: يتحسس بالحاء.
قال السهيلي: التحسس أن تتسمع الاخبار بنفسك، والتجسس بالجيم هو أن تفحص عنها بغيرك.
(3) في ابن هشام: على أمر الناس.

محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن (1) عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.
قال ابن أسحاق: فحدثني من لا أتهم عن
عكرمة، عن ابن عباس، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير.
قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني (2) وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم علي ما أحدثك، قال لها وما رأيت ؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالابطح، ثم صرخ بأعلا صوته ألا انفروا يا آل غدر (3) لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها.
ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابيه (4) عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش [ في أنديتها ]، قال العباس: فغدوت لاطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط (5) من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال: قلت: وما ذاك ؟ قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: قلت: وما رأت ؟ قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير شئ (6) إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال: ثم تفرقنا فلما
__________
(1) في ابن سعد: وكان بلغ المشركين بالشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصد انصرافهم فبعثوا ضمضم بن عمرو حين فصلوا من الشام إلى قريش بمكة يخبرونهم بما بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) أفظعتني: اشتدت علي، وفي ابن الاثير: افزعتها.
(3) في ابن هشام: بالغدر، وتروى يا أهل غدر شرحها السهيلي: جمع غدور، وهي بضم الغين والدال، وهي تحريض لهم، أي إن تخلفتم فأنتم غدر لقومكم.
قال أبو عبيد تقول: يا غدر، أي يا غادر فإذا جمعت قلت: يا آل غدر.
(4) من ابن هشام وابن الاثير، وفي الاصل: لابنه.
(5) ذكرهم ابن عقبة في روايته: أبا جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية وأبي بن خلف وزمعة بن الاسود وأبا البختري في نفر من قريش.
(6) قال ابن عقبة أن العباس رد عليه قال: هل أنت منته، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، فقال من حضرهما: =

أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت ؟ قال: قلت: قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير، وايم الله لا تعرضن له، فإذا عاد لاكفيكنه، قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه.
قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لامشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال: قلت في نفسي: ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه ؟ ! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره، وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة (1)، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الامر، فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ [ كلا ] (2) والله ليعلمن غير ذلك.
وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن إسحاق.
قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول.
قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها.
قال ابن إسحاق: وحدثني ابن أبي نجيح: أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبي معيط (3) وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا علي، استجمر فإنما أنت من النساء قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال ثم تجهز وخرج مع الناس هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة.
وقد رواها البخاري على نحو آخر فقال: حدثني أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق، حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لامية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية
__________
= ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقا.
(1) اللطيمة: جميع ما حملت الابل للتجارة قاله أبو الزناد، وقال غيره: اللطيمة: العطر خاصة.
(2) من ابن هشام.
(3) قال الواقدي: آتاه عقبة بن أبي معيط وأبو جهل، وعقبة معه مجمرة فيها بخور ومع أبي جهل مكحلة ومرود.
فأدخلها عقبة تحته وقال: تبخر.
فإنما أنت امرأة.
وقال أبو جهل: اكتحل، فإنما أنت امرأة.

بمكة، قال سعد لامية أنظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال يا [ أبا ] (1) صفوان من هذا معك ؟ قال هذا سعد.
قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أو يتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد - ورفع صوته عليه - أما والله لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة.
فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي
الحكم فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنهم قاتلوك " قال بمكة ؟ قال لا أدري ؟ ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد ؟ قالت: وما قال لك ؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له بمكة.
قال: لا أدري.
فقال أمية والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يوم بدر.
استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ عبتني (2) فوالله لاشترين (3) أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر.
وقد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به نحوه، تفرد به البخاري.
وقد رواه الامام أحمد: عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيد كلاهما عن إسرائيل وفي رواية إسرائيل قالت له امرأته: والله إن محمدا لا يكذب (4).
قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان (5) بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب.
فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بني عامر بن لؤي قتله رجل من بني بكر بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا
__________
(1) من صحيح البخاري.
(2) في صحيح البخاري ودلائل البيهقي: إذ غلبتني.
(3) قال الواقدي: ابتاعوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فغنمه المسلمون يوم بدر، فصار في سهم خبيب بن اساف، وفي رواية يساف.
(4) رواه البخاري في 64 كتاب المغازي 2 باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر ح 3950 فتح الباري 7 / 282 وفي 61
كتاب المناقب 25 باب ح 3632 فتح الباري 6 / 629 عن أحمد بن إسحاق.
ورواه البيهقي من طريقيه في دلائله 3 / 25.
(5) من ابن هشام، وفي الاصل: كانوا تحريف.

وخاص بسيفه في بطنه ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: لما اجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي وكان من أشراف بني كنانة.
فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا.
قلت: وهذا معنى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) [ الانفال: 47 - 48 ] غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة منزلة ومعه جنوده وراياته كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم.
فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله.
وهذا كقوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) [ الحشر: 16 ] وقد قال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [ الاسراء: 81 ] فابليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من هزم يومئذ بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم كما غرهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس (1) يقودونها ومعهم القيان (2) يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين.
وذكر المطعمين لقريش يوما يوما، وذكر الاموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل نحر لهم عشرا (3)، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا، [ ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا ] (4) ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا، [ ونحر لهم مقبس الجمحي
__________
(1) في رواية الواقدي وابن الاثير: مائة فرس.
(2) ذكر الواقدي اسماءهن: سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب، وعزة مولاة الاسود بن المطلب، ومولاة أمية بن خلف.
(3) نحر لهم بمر.
(4) زيادة من رواية موسى بن عقبة، دلائل البيهقي 3 / 109.

على ماء بدر تسعا ] (1) ثم أكلوا من أزوادهم.
قال الاموي: حدثنا أبي حدثنا أبو بكر الهذلي قال: كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان وستون درعا.
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر.
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال (2) مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب، والاخرى مع بعض الانصار.
قال ابن هشام كانت راية الانصار مع سعد بن معاذ وقال الاموي كانت مع الحباب بن المنذر.
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار.
وقال الاموي: وكان معهم فرسان على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الاخرى الزبير بن العوام (3) ومن سعد بن خيثمة ومن المقداد بن
الاسود.
وقد روى الامام أحمد من حديث أبي إسحاق: عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد (4).
وروى البيهقي: من طريق ابن وهب عن أبي صخر عن أبي معاوية البلخي (5) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود - يعني يوم بدر - وقال الاموي: حدثنا أبي، حدثنا اسماعيل بن أبي خالد عن التيمي قال: كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فارسان، الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن الاسود على الميسرة (6).
قال ابن إسحاق: وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن
__________
(1) زيادة من رواية ابن عقبة، دلائل البيهقي 3 / 110.
(2) قال ابن هشام: خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان.
وقال الواقدي: يوم الاحد لاثنتي عشرة خلت من رمضان، وفي ابن الاثير والطبري لثلاث ليال خلون من شهر رمضان.
وعند ابن سعد يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره.
(3) العبارة غير مستقيمة في الاصل.
ورواية البيهقي عن ابن عقبة - ولعلها أصوب - على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الآخر سعد بن خيثمة، ومرة الزبير بن العوام، ومرة المقداد بن الاسود.
(4) وفي رواية للنسائي: على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
رواه في الصلاة تحفة الاشراف 7 / 357 ورواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 49.
والمقداد بن الاسود من أول من أظهر الاسلام، وكان من الفضلاء النجباء الخيار الكبار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(5) دلائل النبوة ج 3 / 39 وفيه: البجلي بدل البلخي.
(6) في رواية للواقدي: كان معهم فرسان: فرس للمقداد - ولا اختلاف عندنا أن المقداد له فرس - وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي وقبل للزبير (ابن الاثير) وكان اسم فرس المقداد: سبحة وفرس مرثد: السيل.
وفي رواية لقتيبة عند ابن سعد: كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس وذكر الفرسان الثلاثة.
والاول أرجح

أبي مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة (1) يعتقبون بعيرا.
كذا قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة حدثنا عاصم بن بهدلة عن زربن حبيش عن عبد الله بن مسعود.
قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا نحن نمشي عنك.
فقال: " ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الاجر منكما " وقد رواه النسائي عن الفلاس عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة به (2).
قلت: ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء، ثم كان زميلاه علي ومرثد بدل أبي لبابة (3) والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاجراس أن تقطع من أعناق الابل يوم بدر، وهذا على شرط الصحيحين.
وإنما رواه النسائي عن أبي الاشعث، عن خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
قال شيخنا الحافظ المزي في الاطراف وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة.
وقد رواه هشام عن قتادة عن زرارة عن أبي هريرة فالله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب.
قال سمعت كعب بن مالك يقول: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد تفرد به (4).
قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش ثم مر على تربان (5) ثم على ملل ثم على غميس الحمام ثم على صخيرات اليمامة ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة، وهي الطريق المعتدلة حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الاعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: نعم ! فسلم عليه ثم قال: لئن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه، قال له سلمة بن
__________
(1) أبو كبشة وانسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 39 والنسائي في السير تحفة الاشراف 7 / 26 والحاكم في المستدرك 3 / 20 وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(3) المشهور عند أهل المغازي أن أبا لبابة رده النبي صلى الله عليه وسلم من الروحاء واستخلفه على المدينة، وعده ابن سعد من المتخلفين في المدينة ولم يذكر مسيرة إلى الروحاء، وفي ابن الاثير أن زميلي النبي صلى الله عليه وسلم علي وزيد بن حارثة.
(4) أخرجه البخاري مطولا في كتاب الاحكام باب هل للامام أن يمنع المجرمين، وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه ؟ وللحديث طرق أخرى ذكرها المزي في تحفة الاشراف 8 / 311 - 312.
(5) تربان: بالضم دار بين الحفير والمدينة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:05 am

سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج وهي بئر الروحاء ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف (1) ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا ؟ فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع (2) واديا يقال له وحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ثم انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس (3) بن عمرو الجهني، حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان (4) الاخبار عن أبي سفيان صخر بن حرب وعيره.
وقال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس إليها فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين والله أعلم.
قال ابن إسحاق رحمه الله: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما (5) ؟ فقالوا: يقال لاحدهما: مسلح وللآخر: مخرئ، وسأل عن أهلهما فقيل بنو النار، وبنو حراق، بطنان من غفار، فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما وتفاءل باسمائهما واسماء أهلهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد،
يقال له: ذفران فجزع فيه، ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي أيها الناس " وإنما يريد الانصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الانصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى: عدو من بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال:
__________
(1) المنصرف: موضع بين مكة وبدر وبينهما أربعة برد (معجم البلدان).
(2) جزع الوادي: قطعه عرضا، ولا يجزع الوادي إلا عرضا.
(3) في مصنف أبي داود: بسبسة: قاله السهيلي ونسبه ابن الاثير لجهينة وغيره إلى ذبيان وقال: هو بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان.
(4) وفي رواية: يتحسسان تقدم شرحها.
(5) كذا في الاصل، وهو تحريف، وفي ابن هشام: ما اسماهما ؟ وهو أصح.

" أجل " قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء.
لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على
بركة الله.
قال: فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ثم قال: " سيروا وابشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم " هكذا رواه ابن إسحاق رحمه الله.
وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الاسود مشهدا لان أكون صاحبه [ كان ] أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين.
فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، [ قال ] فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه [ لذلك ] وسره انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به (1) ورواه النسائي من حديثه وعنده: وجاء المقداد بن الاسود يوم بدر على فرس فذكره.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبيدة - هو ابن حميد - عن حميد الطويل عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الانصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الانصار.
فقال بعض الانصار: يا رسول الله إذا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك.
وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح.
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور (2) حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة، إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها (3) إلى برك الغماد لفعلنا، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس.
قال فانطلقوا
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (4) باب فتح الباري 7 / 287، وأعاده في التفسير مرتين، مرة عن أبي نعيم، ومرة عن حمدان بن عمر، تفسير سورة المائدة باب قوله: (فاذهب أنت وربك فقاتلا..) وما بين معكوفين في الحديث زيادة من الصحيح.
(2) في الحديثين مشاورة النبي للناس: قال فيها العلماء إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم الانصار، لانه لم يكن بايعهم على أن
يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه، فلما عرض الخروج لابي سفيان - في بدر - أراد أن يعلم موقفهم من الموضوع المطروح، وهل أنهم يوافقون على ذلك أم لا ؟ فكانت إصابتهم له كاملة، واستعدادهم للقتال حسن.
(3) كتابة عن ركضها، فإن الفارس إذا أراد ركض مركوبه يحرك رجليه من جانبيه، ضاربا على موضع كبده

حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول مالي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فإذا ضربوه.
قال: نعم ! أنا أخبركم هذا أبو سفيان فإذا تركوه فسألوه قال مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية، فإذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف فقال والذي نفسي بيده انكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مصرع فلان يضع يده على الارض ههنا وههنا، فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به نحوه.
وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه - واللفظ له - من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الانصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: " إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها ؟ " فقلنا نعم ! فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ؟ " فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير، ثم قال: " ترون في قتال القوم ؟ " فقلنا مثل ذلك.
فقام المقداد بن عمرو [ فقال ]: إذا لا نقول لك يا رسول كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، قال فتمنينا معشر الانصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله عزوجل على رسوله: (كما أخرجك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) وذكر تمام الحديث.
وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن
عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده.
قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ " فقال أبو بكر يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا، قال ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ " فقال عمر مثل قول أبي بكر ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ " فقال سعد بن معاذ يا رسول الله إيانا تريد ؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعل أن تكون خرجت لامر وأحدث الله إليك غيره فانظر الذي أحدث الله إليك فامض فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وعاد من شئت وسالم من شئت وخذ من أموالنا ما شئت.
فنزل القرآن على قول سعد: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) الآيات.
وذكره الاموي في مغازيه وزاد بعد قوله وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت.
وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لامرك
__________
(1) رواه أبو داود في كتاب الجهاد باب الاسير ينال منه ويضرب.
وأخرجه مسلم في 32 كتاب الجهاد 30 باب غزوة بدر ح 83 ص 3 / 1403.

فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك (1).
قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول الله من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية (2) وترك الحنان بيمين وهو كئيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه (3).
قال ابن هشام هو أبو بكر.
قال ابن إسحاق - كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم.
فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك ؟ قال: نعم ! قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا
للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا.
للمكان الذي به قريش، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء " ثم انصرف عنه.
قال يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق ؟ قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ سفيان الضمري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (4) وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج (5) وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما (6) قالا: نحن لابي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه وسلم.
وقال: " إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش ؟ قالا: هم [ والله ] وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة
__________
(1) نقله البيهقي في الدلائل 3 / 107 بنحوه في باب سياق قصة بدر عن مغازي موسى بن عقبة.
(2) كذا في الاصل، وفي ابن هشام والواقدي وتاريخ الطبري ومعجم البلدان: الدبة: وهي بلد بين الاصافر وبدر.
(3) في الواقدي: معه قتادة بن النعمان، ويقال عبد الله بن كعب المازني، ويقال: معاذ بن جبل.
(4) في الواقدي: بسبس بن عمرو بدلا من الزبير بن العوام، وفي روايته أنه صلى الله عليه وسلم أنه التفى صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ببسبس فأخبره خبر قريش.
وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم بعث بسبس وعدي بن أبي الزغباء يتحسسان أخبار قريش (الطبري - ابن الاثير - سيرة ابن هشام طبقات ابن سعد).
(5) في ابن الاثير: الجحجاح، وفي الواقدي ذكر ثلاثة: أسلم غلام منبه بن الحجاج، ويسار غلام عبيد بن سعيد بن العاص، وأبو رافع غلام أمية بن خلف.
(6) أذلقوهما: بالغوا في ضربهما وآذوهما.

القصوى، والكثيب العقنقل.
فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم ؟ قالا كثير.
قال ما عدتهم، قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القوم ما بين التسعمائة إلى الالف " ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الاسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبدود.
قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ".
قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو وعدي بن ابي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه.
ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي الذي لك.
قال مجدي: صدقت ثم خلص بينهما.
وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء.
فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا ؟ قال ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى.
فقال: هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع.
وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا.
فقال: إني رأيت فيما يرى النائم، واني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف،
وفلان وفلان فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه.
فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال هذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا وقال الاخنس بن

شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفا لبني زهرة - وهم بالجحفة (1): يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة (2) لا ما يقول هذا.
قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الاخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد (3).
قال: ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب (4) - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة.
فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع.
وقال في ذلك: لا هم إما يغزون طالب * في عصبة محالف محارب (5) في مقنب من هذه المقانب * فليكن المسلوب غير السالب (6) وليكن المغلوب غير الغالب قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل، الكثيب الذي خلفه قريش، والقليب ببدر في
العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.
قلت: وفي هذا قال تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم) أي من ناحية الساحل (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) الآيات [ الانفال: 42 ].
وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا (7) فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الجحفة: كانت قرية كبيرة على طريق المدينة، من مكة على أربع مراحل (معجم البلدان 3 / 62).
(2) في السيرة الحلبية وفي الواقدي: في غير منفعة.
(3) في الواقدي: وكانوا مائة، والاثبت أقل من مائة.
وأما بنو عدي فرجعوا من الطريق، وقيل من مر الظهران.
وقال ابن سعد: كانت بنو عدي بن كعب مع النفير فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة.
(4) في رواية للطبري عن ابن الكلبي أن طالب أخرج كرها مع المشركين.
وأنه رجع إلى مكة فيمن رجع قبل بدر.
ج 2 / 276.
وفي رواية لابن الاثير والطبري: أنه لم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولا فيمن رجع إلى مكة.
(5) في رواية ابن عقبة: إما يخرجن طالب * في نفر مقاتل محارب وفي الطبري الشطر الاول: يا رب إما يغزون طالب (6) مقنب: المقنب الجماعة من الخيل، نحو ثلاثمائة.
(7) الدهس: كل مكان لين لم يبلغ أن يكون رملا.

وأصحابه منها ماء لبدلهم الارض ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
قلت وفي هذا قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام) [ الانفال: 12 ] فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا،
وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر، وهذا تثبيت الباطن والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق) [ الانفال: 13 ] أي على الرؤوس (واضربوا منهم كل بنان) أي لئلا يستمسك منهم السلاح (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، ذلكم فذقوه وأن للكافرين عذاب النار) [ الانفال: 14 ].
قال ابن جرير: حدثني هارون بن إسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا اسرائيل ثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي بن أبي طالب.
قال: أصابنا من الليل طش من المطر - يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني قائما يصلي - وحرض على القتال.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي (1).
قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وسيأتي هذا الحديث مطولا.
ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به (2): وقال مجاهد: أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الارض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم.
قلت: وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يقول " يا حي يا قيوم " يكرر ذلك ويلظ به عليه السلام.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به.
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح.
قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر
__________
(1) تاريخ الطبري: 2 / 269.
(2) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في الصلاة، عن محمد بن المثنى، عن محمد، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب تحفة الاشراف 7 / 357

عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور (1) ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أشرت بالرأي ".
قال الاموي: حدثنا أبي قال: وزعم الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الاقماص (2) وجبريل عن يمينه إذا أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو السلام ومنه السلام وإليه السلام " فقال الملك (3) إن الله يقول لك أن الامر [ هو ] الذي أمرك به الحباب بن المنذر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل هل تعرف هذا ؟ فقال ما كل أهل السماء أعرف وأنه لصادق وما هو بشيطان فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الرأي ما أشار به الحباب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم وأنه ملك وليس بشيطان.
وذكر الاموي (4) أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملؤا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث: أن سعد بن معاذ.
قال: يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا
من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبالك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش كان فيه.
قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) كذا في الاصل وابن هشام والواقدي نغور: نفسد قاله أبو ذر في شرح السيرة، وفي ابن سعد وكامل ابن الاثير نعور: أي ندفن.
(2) كذا في الاصل، ولم نعثر في أي من الكتب التي بأيدينا على هذا النص، ولعلها الاقباص: جمع قبص والقبص الجماعة من الناس.
(3) في ابن سعد: إن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: الرأي ما أشار به الحباب.
(4) أنظر دلائل البيهقي ج 3 / 110.

تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي جاؤا منه إلى الوادي - قال: " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك (1) وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم (2) الغداة ".
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له أحمر " إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر " إن يطيعوه يرشدوا قال: وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم.
وقال: " إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا " قال: فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة.
قال: فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر.
قلت: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله.
ففي صحيح البخاري عن البراء.
قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلثمائة ويضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمن (3).
وللبخاري أيضا عنه.
قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والانصار نيفا وأربعون ومائتان (4).
وروى الامام أحمد: عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر، وكان المهاجرون ستة وسبعين وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة.
وقال الله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم) [ الانفال: 43 ] الآية.
وكان ذلك في منامه تلك الليلة وقيل إنه نام في العريش وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا.
ذكره الاموي (5) وهو غريب جدا.
وقال تعالى:
__________
(1) تحادك: تعاديك.
(2) أحنهم: أي أهلكهم.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 6 باب عدة أصحاب بدر ح 3959 وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجهاد عن أبي عامر العقدي.
(4) رواه البخاري من طريقين فتح الباري 64 كتاب المغازي 6 باب ح 3958، 7 / 290 عن مسلم بن إبراهيم، وعن ابن أبي شيبة فتح الباري 7 / 391.
(5) نقله البيهقي في الدلائل 3 / 113.

(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا) [ الانفال: 44 ].
فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على
هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء) فإن المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة (1) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا.
ولهذا قال: (والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار).
قال إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيد (2) وعبد الله [ قال ]: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أني لاقول لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين ؟ فقال أراهم مائة.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الانصار قالوا: لما أطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا القوم أصحاب محمد، قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة (3) رجل يزيدون قليلا، أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد.
قال: فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا (4) تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم، حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم [ يا معشر قريش ] (5) ؟ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال وما ذاك يا حكيم ؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال: قد فعلت.
أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله.
فأت ابن الحنظلية (6) - يعني ابا جهل - فإني لا أخشى أن يشجر (7) أمر الناس غيره، ثم قام عتبة
__________
(1) في الاصل: السابقة وهو تحريف.
(2) في دلائل البيهقي ج 3 / 67: أبي عبيد.
(3) في رواية البيهقي: عنه: ثلاثمائة وخمسون.
(4) البلايا: جمع بلية، قيل هي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت.
وفي ابن الاثير: الولايا وهي جمع ولية: البرذعة.
(5) من دلائل البيهقي 3 / 65 والخبر في سيرة ابن هشام 2 / 274 وكامل ابن الاثير 2 / 123.
(6) قال ابن هشام: الحنظلية أم أبي جهل، وهي أسماء بنت مخربة أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن =

خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن اصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه - أو ابن خاله - أو رجلا من عشيرته فارجوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون.
قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها (1) فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا.
فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي.
فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرمي فأكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه.
قال: فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا (2) على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.
فلما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ والله سحره قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له (3).
وقد روى ابن جرير: من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن،
قال: ائذن له فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد أدن، فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر.
فقال: خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ؟ قال أفعل ماذا ؟ قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك، فتحمل بديته ويرجع الناس.
فقال أنت علي بذلك وأذهب إلى ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك ؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي اليوم إلى بني مخزوم فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم بمن معك ؟ قال أما وجد رسولا غيرك ؟ قلت: لا ! ولم أكن لاكون رسولا لغيره.
قال حكيم: فخرجت مبادرا إلى
__________
= مالك بن زيد بن مناة بن تميم.
(7) من ابن هشام وفي الاصل: يسجر.
(1) يهنها: أي يتفقدها قاله أبو ذر.
وفي الكامل لابن الاثير: يهيئها: يتفقدها ويصلحها (2) في ابن هشام: استوسقوا: اجتمع أمرهم.
(3) سيرة ابن هشام 2 / 275 والبيهقي في الدلائل 3 / 65 وابن الاثير 2 / 124.

عتبة لئلا يفوتني من الخبر شئ وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر.
فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة: انتفخ سحرك ؟ فقال له عتبة: ستعلم، فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة بئس الفأل هذا، فعند ذلك قامت الحرب (1).
وقد صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعباهم أحسن تعبية فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف.
قال: صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليلا.
وروى الامام أحمد من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أسلم أبا عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب يقول: صفنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " معي معي " تفرد به أحمد وهذا إسناد حسن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:08 am

وقال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي ابن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال " استويا سواد " فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: استقد، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير صلى الله عليه وسلم وقاله.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟ قال: " غمسه يده في العدو حاسرا " فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره.
وقال ابن إسحاق: وغيره وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة كما أشار به سعد بن معاذ.
وقد روى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل عن علي أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس ؟ فقالوا أنت يا أمير المؤمنين، فقال أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس.
قال ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يحاده، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم
__________
(1) تاريخ الطبري ج 2 / 278.

رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو ؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الارض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه.
ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.
فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار رضي الله عنه وأرضاه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به " اللهم إنك أن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض " وجعل يهتف بربه عزوجل ويقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك " ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه.
وجعل أبو بكر رضي الله عنه يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت أن الصديق إنما قال بعض مناشدتك ربك من باب الاشفاق لما راى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر، وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي بأنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف والصديق في مقام الرجاء وكان مقام الخوف في هذا الوقت - يعني أكمل - قال لان لله أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الارض بعدها، فخوفه ذلك عبادة.
قلت وأما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه والله أعلم.
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن واستغاث بربه سيد الانبياء وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الارض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء فكان أول من قتل من المشركين الاسود بن عبد الاسد المخزومي.
قال ابن إسحاق: وكان رجلا
شرسا سئ الخلق فقال: أعاهد الله لاشربن من حوضهم أو لاهدمنه أو لاموتن دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (1) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد - زعم - أن تبر يمينه (2) واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
قال الاموي: فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز فخرج إليهم فتية من الانصار ثلاثة وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء،
__________
(1) أطن: أطار (شرح أبي ذر).
(2) في الواقدي: زحف الاسود حتى وقع في الحوض فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه.
وقال موسى بن عقبة في روايته: فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض فهدم منه واتبعه حمزة حتى قتله (أنظر دلائل البيهقي 3 / 113 - مغازي الواقدي 1 / 68).

والثالث عبد الله بن رواحة (1) - فيما قيل - فقالوا من أنتم ؟ قالوا رهط من الانصار.
فقالوا مالنا بكم من حاجة.
وفي رواية فقالوا: أكفاء كرام ولكن أخرجوا إلينا من بني عمنا، ونادى مناديهم: يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي " وعند الاموي أن النفر من الانصار لما خرجوا كره (2) ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه أول موقف واجه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه فأحب أن يكون أولئك من عشيرته فأمرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج.
قال ابن إسحاق فلما دنوا منهم قالوا من أنتم ؟ - وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح - فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي.
قالوا نعم ! كفاء كرام.
فبارز عبيدة وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما
فحازاه إلى أصحابهما (3) رضي الله عنه.
وقد ثبت في الصحيحين: من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) [ الحج: 19 ] نزلت في حمزة وصاحبه، وعتبة وصاحبه يوم برزوا في بدر (4).
هذا لفظ البخاري في تفسيرها.
وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي ثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب.
أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عزوجل في الخصومة يوم القيامة.
قال قيس: وفيهم نزلت: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، تفرد به البخاري (5).
وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال الاموي: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن المبارك عن اسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي.
قال: برز عتبة وشيبة والوليد وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعلي.
فقالوا تكلموا نعرفكم.
فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبد المطلب.
فقال كفؤ
__________
(1) قال الواقدي: الثبت عندنا، بنو عفراء الثلاثة: معاذ ومعوذ وعوف.
(2) في الواقدي وابن سعد: استحيى من ذلك.
(3) في ابن هشام: إلى أصحابه.
وقال ابن الاثير في تاريخه: وقد قطعت رجله، فلما أتوا به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله ؟ قال: بلى.
(4) أخرجه البخاري في كتاب التفسير 3 باب (هذان خصمان..) فتح الباري 8 / 443.
(5) أخرجه البخاري عن محمد بن عبد الله الرقاشي عن معتمر في كتاب المغازي باب قتل أبي جهل.

كريم.
وقال علي: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء (1)، فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم فقتلهم الله.
فقالت هند [ بنت عتبة ] في ذلك: أعيني جودي بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب (2)
تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * يعلونه بعد ما قد عطب (3) ولها نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة.
قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشرفه (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله: ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل (5) ثم مات رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أنك شهيد " رواه الشافعي رحمه الله.
وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع (6) مولى عمر بن الخطاب رمي بسهم فقتله.
قال ابن إسحاق فكان أول من قتل، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات.
وثبت في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل
__________
(1) في الواقدي: وقال عتبة: وأنا أسد الحلفاء..يعني بالحلفاء الاجمة.
علق ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 / 334 قال: قد رويت هذه الكلمة على صيغة أخرى " وأنا أسد الحلفاء " وروى " وأنا أسد الاحلاف " أراد أنه سيد حلف المطيبين.
ورد قوم هذا التأويل فقالوا: إن المطيبين لم يكن يقال لهم الحلفاء ولا الاحلاف، وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم.
وقال قوم: إنما عنى حلف الفضول وكان بعد حلف المطيبين، بزمان وهذا التفسير بعيد وغير صحيح لان بني عبد شمس لم يكونوا في حلف الفضول.
فقد بان أن ما ذكره الواقد أصح وأنبت.
(2) في رواية البيهقي: أيا عيني بدل أعيني.
(3) البيت في رواية ابن عقبة: يذيقونه حر أسيافهم.
يعلونه بعد ما قد ضرب (4) في السيرة الحلبية وانسان العيون: فأفرشه.
(5) في الواقدي وابن الاثير: حوله بدلا من دونه.
وقبله في الواقدي: كذبتم وبيت الله نخلى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناظل (6) في ابن سعد: قتله عامر بن الحضرمي.
وكان حارثة أول قتيل من الانصار قتله حبان العرقة.
ويقال عمير بن الحمام وقد قتله خالد بن الاعلم العقيلي.
وفي رواية ابن عقبة ان عمير أول قتيل قتل (دلائل البيهقي 3 / 113 - ابن سعد 2 / 12، ابن الاثير 2 / 126.

يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع - يعني من النياح - وكانت لم تحرم بعد.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الاعلى ".
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض.
وقد (1) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل.
وفي صحيح البخاري عن أبي أسيد.
قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر إذا أكثبوكم - يعني المشركين فارموهم واستبقوا نبلكم (2).
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن (3) إسحاق حدثني عبد الله بن الزبير.
قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يوم بدر يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الاوس يا بني عبيدالله، وسمى خيله خيل الله.
قال ابن هشام: كان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد.
قال ابن إسحاق: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر رضي الله عنه - يعني وهو يستغيث الله عزوجل - كما قال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) [ الانفال: 9 - 10 ].
قال الامام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم
بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الارض أبدا " فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه.
فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا رسول الله كفاك (4) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [ الانفال: 9 ] وذكر تمام الحديث كما سيأتي (5) وقد رواه مسلم
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 10 باب فتح الباري 7 / 306 وأخرجه أبو داود في الجهاد وأحمد في مسنده 3 / 498.
(2) من دلائل البيهقي، وفي الاصل أبي وهو تحريف.
وفيه: ابن إسحاق: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة عن عروة بن الزبير.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل: وقال وهو تحريف.
(4) في الاصل ورواية البيهقي: كذلك والتصحيح من مسند أحمد.
(5) أخرجه الامام أحمد في مسنده: ج 1 / 30 ومسلم في كتاب الجهاد (32) (18) باب الامداد بالملائكة ح (58) ص 3 / 1383 والبيهقي في الدلائل 3 / 51.

وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه على ابن المديني والترمذي، وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم إن هذه الآية نزلت في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد ذكر الاموي وغيره أن المسلمين عجوا إلى الله عزوجل في الاستغانة بجنابه والاستعانة به وقوله تعالى: (بألف من الملائكة مردفين) أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفي عن ابن عباس.
وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم.
وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس (مردفين) وراء كل ملك ملك.
وفي رواية عنه بهذا الاسناد (مردفين) بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة.
وقد روى
علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وهذا هو المشهور.
ولكن قال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي.
قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيهما أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة، ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي فزاد: ونزل اسرافيل في الف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة، وهذا غريب وفي إسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الاقوال ويؤيدها قراءة من قرأ (بألف من الملائكة مردفين) بفتح الدال والله أعلم.
وقال البيهقي أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عبيدالله (1) بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، حدثنا عبيدالله بن عبد الرحمن بن موهب، أخبرني إسماعيل بن عوف (2) بن عبد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده [ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ] (3) قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل، قال: فجئت فإذا هو ساجد يقول: " يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم " لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده (4).
وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيدالله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي.
وقال الاعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود.
قال ما سمعت مناشدا ينشد [ حقا له ] (5) أشد من مناشدة
__________
(1) في البيهقي: عبد الله.
(2) في البيهقي: اسماعيل بن عون عن عبيدالله، وفي ابن سعد: اسماعيل بن عون بن عبيدالله.
(3) من البيهقي.
(4) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 / 49.
والخبر في طبقات ابن سعد 2 / 26.
(5) من دلائل البيهقي ج 2 / 50.

محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، جعل يقول: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم التفت وكأن شق وجهه القمر.
وقال " كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية " (1) رواه النسائي من حديث الاعمش به.
وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره.
وقد ثبت إخباره عليه السلام بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم، وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب.
ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر، وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم.
وقد روى البخاري (2): من طرق عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: " اللهم أنشدك عهدك ووعدك، الله إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [ القمر: 45 - 46 ] وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) قال عمر: أي جمع يهزم وأي جمع يغلب ؟ قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة - وإني لجارية العب - (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك
فان الله منجز لك ما وعدك، وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم [ خفقة ] (3) وهو في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع " يعني الغبار.
قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم.
وقال: " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة " قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 50 ومسلم مطولا في 32 كتاب الجهاد (18) باب الامداد بالملائكة في غزوة بدر ح 58 وأحمد في مسنده 1 / 30 - 32.
(2) في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة القمر (5) باب قوله: (سيهزم الجمع) ح 4875 فتح الباري 8 / 619 وأخرجه في كتاب الجهاد.
باب: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي كتاب المغازي باب: إذ تستغيثون ربكم.
(3) من ابن اسحاق، وخفق: نام نوما سريعا.

قال: ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله (1).
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن سليمان، عن ثابت، عن أنس.
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسا (2) عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أدري ما استثني من بعض نسائه، قال فحدثه الحديث.
قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال: " إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا " فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال " لا إلا من كان ظهره حاضرا " وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتقد من أحد منكم إلى شئ حتى أكون أنا دون " فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والارض " قال: يقول عمير بن الحمام الانصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والارض ؟ قال: نعم ! قال بخ بخ ؟ فقال رسول الله: " ما يحملك على قول بخ بخ ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها " قال فأخرج تمرات من قرنه
فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل ثمراتي هذه إنها حياة طويلة، قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله (3).
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به، وقد ذكر ابن جرير (4) أن عميرا قاتل وهو يقول رضي الله عنه: ركضا إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد وقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي.
قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتو يناها (5) وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحيز (6) عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر - وبدر
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 2 / 279.
(2) عند مسلم: بسيسة، وفي كتب السيرة بسبس وهو بسبس بن عمرو، ويقال ابن بشر من الانصاري.
قال النووي: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسما له، والآخر لقبا.
(3) ورواه البيهقي من طريق أبي النضر 3 / 68 ومسلم في 33 كتاب الامارة 41 باب ثبوت الجنة ح 145 ص 1509 وأبو داود مختصرا في كتاب الجهاد باب بعث العيون عن هارون بن عبد الله.
(4) تاريخ الطبري ج 2 / 281.
(5) اجتويناه: أصابنا الجوى، وهو المرض والتعب والارهاق، وقد أصاب بعض الصحابة مرض من جو المدينة بعد الهجرة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا للمدينة وأهلها.
(6) في البيهقي: يتخبر: أي يتعرف.

بئر - فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين: رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت، وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم ؟ فيقول هم والله كثير عددهم
شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له كم القوم ؟ قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم.
فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها " (1) ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف (2) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول: " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله (3) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال " إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل " فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي ناد حمزة " وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الاحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهي عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست باجبنكم (4).
فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لا عضضته (5) قد ملات رئتك جوفك رعبا.
فقال: إياي تعير يا مصفر استه (6) ؟ سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز فخرج فتية من الانصار مشببة فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قم يا حمزة، وقم يا علي، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب " فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين وجاء رجل من الانصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله والله إن هذا ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم.
فقال الانصاري: أنا أسرته يا رسول الله.
فقال: " اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم " قال: فأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي.
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 86 و 126 و 1 / 156 دون ذكر بدر.
ورواه البيهقي من طريق الحسن بن محمد الزعفراني وفيه: أخذنا رجلين: أحدهما عربي والآخر مولى.
وروى ابن هشام بنحوه في السيرة 2 / 255 - 256.
(2) في رواية البيهقي: والجحف.
(3) في رواية البيهقي: الصلاة جامعة.
(4) زاد البيهقي، يا قوم إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير.
(5) أي قلت له: أعضض بأير أبيك.
(6) يا مصفر استه: قال في النهاية: رماه بالابنة، وانه كان يزعفر استه ! وقيل كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحنكه التجارب.

وقد تفرد بطوله الامام أحمد (1).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:09 am

وروى أبو داود بعضه من حديث اسرائيل به، ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثير كما قال الله تعالى آمرا لهم: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) الآية [ الانفال: 45 ].
وقال الاموي: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق.
قال: قال الاوزاعي: كان يقال قلما ثبت قوم قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء.
وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لاصحابه: ألا ترونهم - يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات - أو قال الافاعي -.
قال الاموي في مغازيه: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب.
وقال " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [ فيقتل ] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم، وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالابدان جمعا بين المقامين الشريفين.
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا اسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
ورواه النسائي من حديث أبي إسحاق عن حارثة عن علي قال: كنا إذا حمى البأس ولقى القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبي عون، عن أبي صالح الحنفي عن علي.
قال: قيل لعلي ولابي بكر رضي الله عنهما يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، واسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل - أو قال يشهد الصف (3) - وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق، وكان ميكائيل على المجنبة الاخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في المسيرة وكان علي بن أبي طالب فيها (4) وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن علي.
قال: كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم
__________
(1) الحديث بطوله في مسند أحمد 1 / 117 وذكره الهيثمي في الزوائد 6 / 75 وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة.
وروى أبو داود بعضه في كتاب الجهاد باب: في المبارزة.
(2) مسند أحمد 1 / 126 وأعاده في 1 / 156 واختصره في 1 / 86.
(3) مسند أحمد 2 / 255 ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى 1 / 201 والصالحي في السيرة الشامية وعزاه للامام أحمد والبزار والحاكم: في 4 / 63.
(4) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 55 وأبو يعلى والحاكم عن علي رضي الله عنه.
وذكره الهيثمي في الزوائد 6 / 77 وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 61.

أخرى ثم أخرى فنزل ميكائيل في ألف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك أبو بكر، واسرافيل في ألف في الميسرة وأنا فيها، وجبريل في ألف قال ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطي وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت: وببئر بدر إذ يكف مطيهم * جبريل تحت لوائنا ومحمد وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن
معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
انفرد به البخاري.
وقد قال الله تعالى: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق - يعني الرؤس - واضربوا منهم كل بنان) وفي صحيح مسلم: من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل حدثني ابن عباس.
قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس [ يقول: ] أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو حطم [ أنفه ] وشق وجهه كضربة السوط واخضر (1) ذلك أجمع فجاء الانصاري فحدث ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة " فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين (2).
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عمن حدثه عن ابن عباس عن رجل من بني غفار.
قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا، وإنا لفي جبل (3) ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة (4)، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل، وسمعنا قائلا يقول: (قدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا لكدت أن أهلك ثم انتعشت (5).
بعد ذلك.
وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن ابي بكر عن بعض
__________
(1) واخضر: من مسلم، وفي الاصل وحضر وهو تحريف.
(2) رواه مسلم في 32 كتاب الجهاد (28) باب: الامداد بالملائكة في غزوة بدر ح 58 ص 1383.
- حيزوم: اسم فرس الملك، وهو منادى بحذف حرف النداء، أي: يا حيزوم.
- أبو زميل: وهو سماك الحنفي.
- ما بين معكوفين في الحديث من صحيح مسلم.
(3) الخبر في الواقدي 1 / 76: ونحن على احدى عجمتي بدر العجمة الشامية - العجمة من رمل.
(4) في ابن هشام: الدبرة، وهي الدائرة.
(5) العبارة في ابن هشام وأبي نعيم والواقدي: وأما أنا فكدت أن أهلك ثم تماسكت.

بني ساعدة (1)، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة - وكان شهد بدرا - قال - بعد أن ذهب بصره - لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لاريتكم الشعب (2) الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى.
فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم: (أني معكم فثبتوا الذي آمنوا).
وتثبتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا فإنهم ليسوا بشئ والله معكم كروا عليهم.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود (3) بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون [ من الناس يثبتونهم ] (4) فيقول: إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشئ، إلى غير ذلك من القول فذلك قوله: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا) الآية [ الانفال: 12 ].
ولما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال (5) فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا.
وروى البيهقي: من طريق سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال أبو أسيد - بعدما ذهب بصره - يا ابن أخي والله لو كنت أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله بصري لاريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار.
وروى البخاري (6) عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب، عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر " هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه اداة الحرب ".
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وأخبرني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه.
وحدثني عابد (7) بن يحيى عن أبي الحويرث
عن عمارة بن أكيمة الليثي عن عكرمة عن حكيم بن حزام قالوا: لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) روى الخبر البيهقي في الدلائل 3 / 53 عن سهل بن سعد عن أبي أسيد الساعدي وذكره.
(2) في الواقدي: وهو الملص، وهو موضع بعينه، أنشد أبو حنيفة: اللسان 7 / 95.
فما زال يسقى بطن ملص وعرعرا * وأرضهما حتى أطمأن جسيمها (3) من الواقدي 1 / 79 وفي نسخ البداية المطبوعة: دواد، وهو تحريف.
(4) من الواقدي.
(5) عبارة البيهقي: حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال.
(6) في 64 كتاب المغازي (11) باب ح 3995 فتح الباري 7 / 312.
(7) في الواقدي: عائذ بن يحيى.
الخبر في المغازي ج 1 / 81: وفيه عمارة بن أكيمة عن حكيم بن حزام، وسقط من الاسناد اسم: عكرمة.

رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول " اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين " وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله ألفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والارض، فلما نزل إلى الارض تغيب عني ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته ".
وروى البيهقي عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه.
قال: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف (1).
وقال ابن إسحاق: حدثني والدي، حدثني رجال من بني مازن عن أبي واقد (2) الليثي قال: إني لاتبع رجلا من المشركين لاضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله.
وقال يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التيمي عن الربيع بن أنس.
قال: كان الناس [ يوم بدر ] يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الاعناق وعلى البنان مثل سمة النار
وقد أحرق به (3).
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم (4) عن ابن عباس.
قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الايام، وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون (5).
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن موسى [ بن عبد الله ] بن أبي أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين يقتلون ويأسرون.
وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره.
قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري، لاريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري.
قال: وحدثني خارجة بن إبراهيم عن أبيه.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: " من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ؟ " فقال جبريل: يا محمد ما كل أهل السماء أعرف (6).
قلت: وهذا الاثر مرسل، وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل كما قاله السهيلي وغيره والله أعلم.
وقال الواقدي حدثني إسحاق بن
__________
(1) دلائل النبوة 3 / 56 ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 63 عن البيهقي وأبي نعيم.
(2) كذا في الاصل والبيهقي عن ابن إسحاق، وفي السيرة لابن هشام: أبي داود المازني، قال السهيلي: اسم أبي داود هذا: عمرو، وقيل: عمير بن عامر.
(3) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 56 ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 63 عن البيهقي.
(4) مقسم: وهو مولى عبد الله بن الحارث.
(5) سيرة ابن هشام ج 2 / 286.
(6) مغازي الواقدي 1 / 76 و 77.

يحيى عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال فما ادري كم يد مقطوعة وضربة جائفة (1) لم يدم كلمها وقد رأيتها يوم بدر.
وحدثني محمد بن يحيى عن أبي عقيل (2) [ عن رافع بن خديج ] عن أبي بردة بن
نيار قال: جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا طويلا [ ضربه فتدهدى أمامه ] فأخذت رأسه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك فلان من الملائكة " وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه.
قال: كان السائب بن أبي حبيش يحدث في زمن عمر يقول: والله ما أسرني أحد من الناس، فيقال فمن ؟ يقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها فأدركني رجل أشعر طويل على فرس أبيض (3) فأوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر من أسر هذا ؟ حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أسرك ؟ قلت: لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسرك ملك من الملائكة " اذهب يا ابن عوف بأسيرك.
وقال الواقدي: حدثني عابد بن يحيى (4) حدثنا أبو الحويرث عن عمارة بن أكيمة عن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد (5) من السماء قد سد الافق فإذا الوادي يسيل نهلا فوقع في نفسي أن هذا شئ من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة ولقي الملائكة وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني أبي عن جبير بن مطعم.
قال: رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الاسود قد نزل من السماء مثل النمل الاسود، فلم أشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع " يعني من المعركة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة وقد حصل النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان، كما قال: " (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن، ولهذا قال ابن مسعود: النعاس في المصاف من الايمان.
والنعاس في الصلاة من النفاق.
وقال الله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين) [ الانفال: 19 ].
قال
__________
(1) جائفة: طعنة تبلغ الجوف (قاموس).
(2) في الواقدي: أبي عفير.
وما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من المغازي 1 / 78.
(3) في الواقدي: فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والارض.
(4) في الواقدي: عائذ.
(5) البجاد: كساء، وفي النهاية: وفي حديث جبير بن مطعم: نظرت والناس يقتتلون يوم حنين إلى مثل البجاد: الاسود يهوي من السماء، أراد الملائكة (ج 1 / 60).

الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال - حين التقى القوم - اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة.
فكان هو المستفتح وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري (1)، ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الاموي حدثنا أسباط بن محمد القرشي عن عطية عن مطرف في قوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) قال: قال أبو جهل: اللهم [ اعن ] أعز الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين.
فنزلت: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) [ الانفال: 7 ] قال أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ ذلك أهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول صلى الله عليه وسلم يريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها لكيلا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يحبون أن يلقوا العير، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم، وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم.
فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمون ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا (2) ! فأمطر الله
عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا فاذهب الله عنهم رجز الشيطان فصار الرمل لبدا (3) ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة.
فكان
__________
الاستفتاح: طلب النصر، وكان للمسلمين، وقد بان الامر للكفار وانكشف الحق لهم.
وفي ذلك ثلاثة أقوال: أ - يكون خطابا للكفار، لانهم استفتحوا - قول أبي جهل - فقالوا: اللهم أقطعنا الرحم.
وقول النضر: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء..فقتل يوم بدر.
قال القاضي: إذا حملنا الفتح على البيان والحكم والقضاء فقد يراد به الكفار.
ب - يكون خطابا للمؤمنين: أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وفتح الله عليكم.
قال القاضي: وهذا القول أولى لان قوله (فقد جاءكم النصر) لا يليق إلا بالمؤمنين.
ج - يحتمل كونه خطابا للمؤمنين، ثم للكفار وهو توعده لهم إن عادوا إلى الايقاع بالمسلمين والتعدي عليهم نعد إلى مثل بدر.
قال القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار.
وقاله الحسن ومجاهد والسدي.
(أنظر تفسير الرازي ج 15 / تفسير الآية) (2) في رواية أن بعضهم كانوا محدثين من الاحتلام.
(3) في رواية البيهقي: كدا.

جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة (1) مجنبة وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه ذريته (2) وهم في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما اصطف الناس قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض أبدا ".
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب
عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار ؟ قال: (إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب) [ الانفال: 48 ] وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في الدلائل (3).
وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد العزيز بن عمران، ثنا هشام بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الانصاري عن رفاعة بن رافع.
قال: لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل إليه.
وأقبل أبو جهل فقال: يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فوللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجلا ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى.
ثم قال أبو جهل متمثلا: ما تنقم الحرب الشموس مني * بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي وروى الواقدي عن موسى بن يعقوب الزمعي [ عن عمه ] عن أبي بكر بن أبي سليمان بن (4) أبي حثمة سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك، فألح عليه فقال حكيم: التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الارض مثل وقعة الحصاة
__________
(1) في رواية البيهقي: في خمسمائة مجنبة.
(2) في البيهقي: معه راية في صورة.
(3) دلائل النبوة ج 3 / 78 - 79 عن طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي عن ابن عباس.
(4) في الاصل تحريف، الصواب أثبتناه من الواقدي.
والعبارة في الاصل: موسى بن يعقوب الزمعي عن ابي
بكر بن أبي سليمان عن أبي حتمة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:12 am

في الطست، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا.
قال الواقدي: وحدثنا [ أبو ] (1) إسحاق عن محمد عن (2) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (3) عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا (4)، وكان ذلك من أشد الرعب علينا.
وقال الاموي: حدثنا أبي، ثنا ابن أبي إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل حين التقى القوم قال: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة.
فكان هو المستفتح.
فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم فقال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها ثم قال لاصحابه " احملوا فلم تكن إلا الهزيمة " فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم.
وقال زياد عن ابن إسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: " شدوا " فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال السدي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم بدر " أعطني حصباء من الارض " فناوله حصباء عليها تراب فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم إن هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر، وقد فعل عليه السلام مثل ذلك في غزوة حنين كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله وبه الثقة.
وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرض
أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الانصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم ؟ " قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك.
فكان الاثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال.
قال ابن إسحاق: وحدثني
__________
(1) من الواقدي، وفي الاصل إسحاق وهو تحريف.
(2) من الواقدي، وفي الاصل ابن.
(3) في المغازي: ابن عبد.
(4) في الواقدي: في الطساس بين أيدينا ومن خلفنا.

العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ: " إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيزهم ؟ قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها " فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف.
فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: " يا أبا حفص " قال عمر: والله إنه لاول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ " فقال عمر: يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق.
فقال أبو حذيفة: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه.
مقتل أبي البختري بن هشام
قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة (1).
كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الانصار فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة وهو من بني ليث.
قال وزميلي ؟ فقال له المجذر (2) لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك، قال لا والله إذا لاموتن أنا وهو جميعا لا يتحدث عني نساء قريش بمكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة.
وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر: لن يترك (3) ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله قال: فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد وقال في ذلك: إما جهلت أو نسيت نسبي * فأثبت النسبة إني من بلى الطاعنين برماح اليزني * والطاعنين الكبش حتى ينحني (4)
__________
(1) قال الواقدي: كان أبو البختري قد لبس السلاح يوما بمكة في بعض ما كان بلغ من النبي صلى الله عليه وسلم من الاذى وقال: لا يعترض اليوم أحد لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السلاح.
(2) الواقدي روى القصة وسمى الرجل صاحب القصة مع أبي البختري: أبا داود المازني.
(3) في ابن هشام: لن يسلم ابن حرة زميله.
(4) في ابن هشام: والضاربين بدل والطاعنين.

بشر بيتم من: أبوه البختري * أو بشرن بمثلها مني بني أنا الذي يقال أصلي من بلى * أطعن بالصعدة حتى تنثني وأعبط القرن بعصب مشرفي * أرزم للموت كإرزام المري (1) فلا يرى مجذرا يفري فرى ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك
به فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.
فصل في مقتل أمية بن خلف قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف.
قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك ؟ قال: فأقول: نعم ! قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف.
قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال فقلت له: يا أبا علي اجعل ما شئت.
قال: فأنت عبد الاله، قال: قلت: نعم ! قال: فكنت إذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده، قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها فلما رآني.
قال يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال يا عبد الاله فقلت: نعم ! قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التي معك ؟ قال: قلت: نعم ها الله (2)، قال: فطرحت الادراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن (3) ؟ [ قال ]: ثم خرجت أمشي بهما.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن (4) عبد الرحمن بن عوف.
قال: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما: يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة
__________
(1) قال ابن هشام: المري: الناقة التي يستنزل لبنها على عسر، وقيل: هي الناقة الغزيرة اللبن.
القرن: المقاوم في الحرب.
العضب: السيف القاطع.
(2) في السيرة وشرح السيرة لابي ذر والسهيلي: ها الله ذا.
قال السهيلي: أي هذا قسمي، فكأنه قال: ها أنذا مقسم.
(3) قال ابن هشام: يريد باللبن: أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن.
(4) كذا في الاصل: والظاهر أن كلمة " عن " مقحمة.

في صدره ؟ قال: قلت: حمزة.
قال: ذاك الذي فعل بنا الافاعيل.
قال عبد الرحمن فوالله إني لاقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على [ ترك ] الاسلام - فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال أسيري، قال لا نجوت إن نجا، ثم قال صرخ بأعلا صوته يا أنصار الله ! رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (1) فأنا أذب عنه، قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء [ بك ]، فوالله ما أغني عنك شيئا.
قال فهبر وهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما.
قال فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا فجعني بأدراعي وبأسيري.
وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق فقال في الوكالة حدثنا عبد العزيز - هو ابن عبد الله - حدثنا يوسف - هو ابن الماجشون - عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لاحرزه حين نام الناس فابصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس [ من ] الانصار فقال: أمية بن خلف ؟ ! لا نجوت إن نجا أمية بن خلف فخرج معه فريق من الانصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لاشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له أبرك فبرك فألقيت عليه نفسي لامنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه.
تفرد به البخاري من بينهم كلهم.
وفي مسند رفاعة بن رافع أنه هو الذي قتل أمية بن خلف (2).
مقتل أبي جهل لعنه الله قال ابن هشام: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز [ وهو يقاتل ] ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني * بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى،
__________
(1) أي جعلونا في حلقة كالسوار وأحدقوا بنا.
(2) في الواقدي، قتله خبيب بن يساف، وقد ضرب أمية خبيت حتى قطع يده من المنكب، وتزوج خبيب بابنة أمية بعد مقتله.
1 / 83.

وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد (1) عن عكرمة، عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا.
قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (2) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى (3) حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، واجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لاسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.
قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان.
ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق.
وقاتل معوذ (4) حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أنظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبدالله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش (5) في أحدهما جحشا لم يزل أثره به.
قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته.
فوضعت رجلي على عنقه.
قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فأذاني ولكزني ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال وبماذا أخزاني ؟ قال: أعمد من رجل قتلتموه (6) أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال: قلت لله
ولرسوله.
قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، قال: ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:
__________
(1) في السيرة: ابن يزيد.
(2) قال ابن هشام: الحرجة الشجر الملتف.
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب: أنه سأل أعرابيا عن الحرجة، فقال: هي شجرة من الاشجار لا يوصل إليها.
(السيرة 2 / 287).
(3) مرضخة: جمعها مراضخ، والمرضخة حجر يرضخ به النوى أي يكسر.
عن النهاية.
(4) ذكر السهيلي الغلامين اللذين قتلا أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء، وفي مسلم أنهما: معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح.
وفي رواية ابن إدريس عن ابن إسحاق كما في رواية مسلم.
وقال أبو عمرو: أن ابني عفراء قتلاه عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أنس.
وقال الواقدي: قتله معاذ بن عمرو بن الجموح.
وفي رواية أخرى عنده: قتله ابنا الحارث.
وهما ابنا عفراء.
(5) جحش جحشا أي خدش خدشا،.
وفي الصحاح: الجحش: سحج الجلد اي قشره (الصحاح)، وفي الاصل: حجش.
(6) أعمد من رجل قتلتموه ويقال: أعمد من رجل قتله قومه قال ابن هشام: أي ليس عليه عار إن قتلتموه أو قتله قومه.
وقال أبو ذر: يريد: أكبر من رجل قتلتموه على سبيل التحقير منه لفعلهم به.

يا رسول الله هذا رأس عدوالله.
فقال: " الله الذي لا إله غيره ؟ ".
وكان يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نعم ! والله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله.
هكذا ذكر ابن إسحاق رحمه الله.
وقد ثبت في الصحيحين (1) من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف.
قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين اظلع منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل ؟ فقلت
نعم وما حاجتك إليه ؟ قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الاعجل منا فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان ؟ هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: " أيكما قتله ".
قال كل منهما أنا قتلته.
قال: هل مسحتما سيفيكما ؟ " قالا: لا.
قال فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: " كلاهما قتله " وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح - والآخر معاذ بن عفراء.
وقال البخاري حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده.
قال: قال عبد الرحمن: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت يا ابن أخي ما تصنع به ؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء.
وفي الصحيحين أيضا: من حديث أبي (2) سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ينظر ماذا صنع أبو جهل " قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد.
قال: فأخذ بلحيته قال فقلت: أنت أبو جهل ؟ فقال وهل فوق رجل قتلتموه - أو قال قتله قومه (3) - وعند البخاري: عن أبي أسامة عن إسماعيل بن قيس (4) عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله ؟ فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه.
وقال الاعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبي جهل وهو
__________
(1) أخرجه البخاري عن مسدد في كتاب الخمس - باب من لم يخمس الاسلاب.
وأخرجه أيضا في المغازي عن ابن المديني ويعقوب بن إبراهيم.
وأخرجه مسلم في 32 كتاب الجهاد 13 باب ح 32 ص 1372.
عن يحيى بن يحيى.
(2) في البخاري والبيهقي: سليمان.
(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 8 باب قتل أبي جهل فتح الباري 7 / 293 وفيه عن سليمان التيمي.
ورواه
مسلم في كتاب الجهاد والسير - باب قتل أبي جهل 3 / 1425.
(4) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 8 باب قتل أبي جهل ح 3961 فتح الباري 7 / 293.
وفيه: عن أبي أمامة عن اسماعيل عن قيس عن ابن مسعود.
وليس كما في الاصل: اسماعيل بن قيس فهو تحريف.

صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد.
ومعي سيف ردئ فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة ؟ قال: فقتلته، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت قتلت أبا جهل، فقال الله الذي لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي إليهم فدعا عليهم (1).
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله.
قال: هل هو إلا رجل قتله قومه، فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فندر (2) سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الارض فأخبرته فقال " الله الذي لا إله إلا هو ؟ " فرددها ثلاثا، قال: قلت الله الذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال: " الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا كان فرعون هذه الامة " وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلني سيفه.
وقال أبو إسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقلت: قد قتلت أبا جهل فقال: " الله الذي لا إله إلا هو ؟ " فقلت الله الذي لا إله إلا هو مرتين - أو ثلاثا - قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده " ثم قال: " انطلق فأرنيه " فانطلقت فأريته فقال: " هذا فرعون هذه الامة " (3).
ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي إسحاق السبيعي به.
وقال الواقدي وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال: " رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الامة ورأس أئمة الكفر " فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما ؟ قال " الملائكة وابن
مسعود قد شرك في قتله " رواه البيهقي (4).
وقال البيهقي أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الازهر عن أبي إسحاق قال: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا ؟ فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا.
ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم، عن سلمة بن رجاء، عن الشعثاء - امرأة من بني أسد (5) - عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جئ
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 88.
(2) ندر: سقط.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 88 وأبو داود في كتاب الجهاد 142 عن محمد بن العلاء عن إبراهيم بن يوسف بن أبي اسحاق عن أبيه..والنسائي في السير - في السنن الكبرى - تحفة الاشراف 7 / 162.
(4) دلائل النبوة ج 3 / 89 عن الواقدي، والخبر في المغازي 1 / 91.
(5) دلائل النبوة ج 3 / 89 وفيه قالت: دخل علي عبد الله بن أبي أوفى، فرأيته صلى الضحى ركعتين فقالت له =

برأس أبي جهل.
وقال ابن ماجه حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا هشام (1) أخبرنا مجالد، عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الارض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة " (2).
وقال الاموي في مغازيه: سمعت أبي، ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الارض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " وقال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا
أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل.
وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص - ومر به - إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت أباك إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدث عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله (3).
قال ابن إسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا (4) من حطب فقال: " قاتل بهذا يا عكاشة " فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض
__________
= امرأته: إنك صليت ركعتين فقال..وذكر تمام الحديث.
(1) في البيهقي: هشيم.
(2) الخبر في دلائل البيهقي 3 / 90، ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 80 وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت " عن الشعبي.
(3) سيرة ابن هشام 2 / 290 ورواه الواقدي في المغازي 1 / 92 وقال في أوله: وأقبل العاص بن سعيد يحث للقتال، فالتقى هو وعلي فقتله علي.
(4) في الواقدي: عودا.

الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى: العون.
ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الاسدي أيام الردة، وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمي عند مجال (1) وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه.
قال ابن إسحاق: وعكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال: " اللهم اجعله منهم " وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - " منا خير فارس في العرب " قالوا ومن هو يا رسول الله ؟ قال " عكاشة بن محصن " فقال ضرار بن الازور: ذاك رجل منا يا رسول الله، قال ليس منكم ولكنه منا للحلف.
وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني عمر بن عثمان الخشني (2) عن أبيه عن عمته قالت: قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين، ولم يزل عنده حتى هلك.
وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الاشهل عدة قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب (3) فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد (4).
رده عليه السلام عين قتادة قال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد [ عبد الله ] بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز (5) بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن
__________
(1) ابن أقرم: قال ابن هشام: هو ثابت ابن أقرم الانصاري وانظر الخبر في سيرة ابن هشام 2 / 290 ومغازي الواقدي 1 / 93.
(2) في البيهقي والواقدي: الجحشي.
(3) ابن طاب: ضرب من الرطب.
وعراجين: جمع عرجون.
والعرجون: العذق أو إذا يبس واعوج.
(4) من ابن سعد، وفي الاصل أبي عبيدة وهو تحريف.
والخبران في المغازي الواقدي 1 / 93 والبيهقي في الدلائل 3 / 99 عنه.
- وعكاشة بن محصن بن حرثان من السابقين الاولين شهد بدرا له ترجمة في الاصابة 2 / 492.
- سلمة بن أسلم بن حريس بن عدي بن مجدعة بن حارثة، يكنى أبا سعد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:14 am

شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها قتل يوم جسر أبي عبيد سنة 14 ه له ترجمة في ابن سعد 2 / 446.
(5) في البيهقي: عبد الرحمن.

قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان: أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا " فدعاه فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيب (1) - وفي رواية فكانت أحسن عينيه -.
وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أيما رد فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند ذلك منشدا قول أمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا: تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فصل قصة أخرى شبيهة بها قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن صالح، أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا عبد العزيز بن عمران، [ حدثني رفاعة بن رافع بن مالك ] (2).
قال: لما كان يوم بدر تجمع الناس على أمية (3) بن خلف، فأقبلت إليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت ابطه، قال فطعنته بالسيف فيها طعنة، ورميت
بسهم يوم بدر، ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي فما أذاني منها شئ.
وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ولم يخرجوه (4).
ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر.
قال ابن هشام (5): ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال: أين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن: لم يبق إلا شكة ويعبوب * وصارم يقتل ضلال الشيب يعني لم يبق إلا عدة الحرب، وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة، هذا يقوله في حال كفره.
وقد روينا في مغازي الاموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشى هو وأبو بكر الصديق بين
__________
(1) دلائل النبوة 3 / 100.
(2) من البيهقي، والعبارة في الاصل: حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه رافع بن مالك.
(3) من الدلائل.
وفي الاصل أبي، وقد تقدم في قصة قتل أمية، - في رواية - أن رفاعة بن رافع هو الذي قتله.
(4) الخبر في دلائل البيهقي 3 / 100، ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 82 وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والاوسط، وفيه عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف.
(5) سيرة ابن هشام: 2 / 291.

القتلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نفلق هاما " فيقول الصديق: من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملاها فذهبوا ليخرجوه فتزايل [ لحمه ] فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " قالت فقال له أصحابه: يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال:
" لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق " قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا (1) قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول: " يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " فقال المسلمون: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتنادي قوما قد جيفوا ؟ فقال: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني " وقد رواه الامام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه.
وهذا على شرط الشيخين قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " (2).
قلت: وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الاحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الاحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: (وما أنت بمسمع من في القبور) وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم للاحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها.
وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت: رحمه الله، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن " قالت وذاك مثل قوله
__________
(1) قال السهيلي معارضا قول عائشة: وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه السلام.
(2) سيرة ابن هشام ج 2 / 292، والكامل لابن الاثير 2 / 129.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال، قال انهم ليسمعون
ما أقول وإنما قال إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق، ثم قرأت: (وإنك لا تسمع الموتى) [ النمل: 81 ] (وما أنت بمسمع من في القبور) [ فاطر: 22 ] تقول حين تبوؤا مقاعدهم من النار (1).
وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به، وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله.
ثم قال البخاري: حدثني عثمان ثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا " ثم قال: " إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم " وذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت (إنك لا تسمع الموتى) حتى قرأت الآية.
وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع كلاهما عن هشام بن عروة.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي (2) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ".
فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ".
قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما (3): وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن سعيد بن أبي عروبة.
ورواه الامام أحمد: عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك فذكر مثله.
فلم يذكر أبا طلحة وهذا إسناد صحيح، ولكن الاول أصح وأظهر والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم
أتاهم فقام عليهم فقال: " يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " قال فسمع عمر صوته فقال يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون ؟ يقول الله تعالى: (إنك لا
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (Cool قتل أبي جهل ح 3979 وأخرجه مسلم في الجنائز عن أبي كريت عن أبي أسامة، والنسائي في الجنائز عن محمد بن آدم.
(2) شفة الركي: على طرف البئر.
وفي رواية: شفير.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (Cool باب قتل أبي جهل ح 3976 ومسلم في صفة الجنة والنار (17) باب ح 78.

تسمع الموتي) فقال: " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ".
ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به.
وقال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت: عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب (1) تداولها الرياح وكل جون * من الوسمي منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا وأمست * يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة القلب الكئيب (2) وخبر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهمم حراء * بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه * على الاعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاظي الكعوب
بنو الاوس الغطارف آزرتها * بنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال * ذوي حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب (3) ألم تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا: * صدقت وكنت ذا رأي مصيب قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب في القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال: " يا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا.
وقال
__________
(1) القشيب: الجديد.
قال السهيلي: أراد حسان بالقشيب هنا: الذي خالطه ما يفسده إما من دنس وإما من قدم.
يقال طعام مقشب: إذا كان فيه السم.
(2) في ابن هشام: الصدر.
(3) كباكب: جماعات

البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان ثنا عمرو عن عطاء عن ابن عباس (الذين بدلوا نعمة الله كفرا) قال: هم والله كفار قريش.
قال عمرو: هم قريش، ومحمد نعمة الله (وأحلوا قومهم دار البوار) قال: النار يوم بدر.
قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت: قومي الذين هم آووا نبيهم * وصدقوه وأهل الارض كفار إلا خصائص أقوام هم سلف * للصالحين من الانصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم * لما أتاهم كريم الاصل مختار أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة * نعم النبي ونعم القسم والجار (1) وقاسموهم بها الاموال إذ قدموا * مهاجرين وقسم الجاهل النار (2) سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا والاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار (3) وقال إني لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزي والعار ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكر.
وعبد الرزاق.
قالا: حدثنا إسرائيل، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى قيل له عليك العير ليس دونها شئ، فناداه العباس وهو في الوثاق: إنه لا يصلح لك.
قال لم ؟ قال لان الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك.
وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين، هذا مع حضور ألف من الملائكة وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير.
ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية، وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا فيهن من الامم والدواب والاراضي والمزروعات، وما لا يعلمه إلا الله، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط.
كما تقدم.
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين وبين تعالى حكمه في ذلك فقال: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) [ محمد: 4 ] الآية.
وقال
__________
(1) القسم: بالكسر: الخط والنصيب، وبعده في ابن هشام: فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم دارا هي الدار
(2) قوله الجاهل: في ابن هشام الجاحد.
(3) قوله والاهم: في ابن هشام دلاهم.

تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين.
ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء) الآية [ التوبة: 14 - 15 ].
فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الانصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله فشفى الله به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه والله أعلم.
وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم لانه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه جماعة منهم، الحارث بن زمعة بن الاسود، وأبو قيس بن الفاكه [ وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ] (1) وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج.
قال وفيهم نزل قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) [ النساء: 97 ] وكان جملة الاسارى يومئذ سبعين أسيرا كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب، وابن عمه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك فالله أعلم.
وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل وقد اختلف الصحابة في الاسارى أيقتلون أو يفادون على قولين، كما قال الامام أحمد:
حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس - وذكر رجل - عن الحسن.
قال استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الاسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم " قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم، قال فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول نرى أن تعفو عنهم وأن نقبل منهم الفداء.
قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء.
قال وأنزل الله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم) الآية، انفرد به أحمد (2).
وقد روى الامام أحمد - واللفظ له - ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا علي بن المديني وصححه من حديث عكرمة بن عمار حدثنا
__________
(1) سقط من الاصل، واستدرك من ابن هشام.
(2) مسند أحمد ج 3 / 243.

سماك الحنفي - أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فذكر الحديث كما تقدم إلى قوله: فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر، فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ترى يا ابن الخطاب ؟ " قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [ أبكي ] (1) للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد
عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن (2) في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم) [ الانفال: 67 ] من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث (3).
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة، عن [ أبي ] (4) عبيدة عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تقولون في هؤلاء الاسرى ؟ قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم.
قال: وقال عمر: يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم.
قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فادخلهم فيه ثم اضرمه عليهم نارا.
قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا.
فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
فخرج عليهم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه، حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك
__________
(1) من دلائل البيهقي.
(2) يثخن في الارض: أي يكثر قهر عدوه وقتله.
(3) أخرجه مسلم في حديث طويل في 32 كتاب الجهاد (18) باب الامداد بالملائكة ح 58 وأخرجه أبو داود في الجهاد باب فداء الاسير بالمال عن أحمد بن حنبل عن أبي نوح عن عكرمة.
(4) من المسند، وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود.

غفور رحيم) [ إبراهيم: 36 ] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [ المائدة: 118 ] وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) [ نوح: 26 ] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال:
(ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم) [ يونس: 88 ] أنتم عالة فلا يبقين (1) أحد إلا بفداء أو ضربة عنق قال عبد الله: فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء (2) فإني قد سمعته يذكر الاسلام قال فسكت، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال: " إلا سهيل بن بيضاء " قال فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم) إلى آخر الآيتين.
وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي معاوية.
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك.
وقد روى عن أبي أيوب الانصاري بنحوه (3).
وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك من حديث عبيدالله بن موسى حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال: لما أسر الاسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر أسره رجل من الانصار قال وقد أوعدته الانصار أن يقتلوه.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الانصار أنهم قاتلوه " قال عمر أفآتيهم ؟ قال: نعم فأتى عمر الانصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله رضى ؟ قالوا: فإن كان له رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده قال له عمر: يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك.
قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم واستشار عمر فقال اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) الآية.
ثم قال الحاكم في صحيحه هذا حديث صحيح
__________
(1) في المسند والبيهقي: ينفلتن.
(2) قال الواقدي في المغازي 1 / 110 " قال ابن واقد: هذا وهم، سهيل بن بيضاء من مهاجرة الحبشة، ما شهد بدرا، إنما هو أخ له يقال له سهل.
قال ابن سعد: وسهيل شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما لا شك فيه شهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات عمره أربعون سنة.
أما سهل فأسلم بمكة وكتم إسلامه وأخرجه المشركون معهم قال: والذي روى هذه القصة في سهيل فقد أخطأ: وسهيل أسلم قبل عبد الله بن مسعود ولم يستخف بإسلامه.
(طبقات ابن سعد 3 / 415 و 4 / 213).
(3) أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد باب في المشورة 4 / 213 وكذا في تفسير سورة الانفال ح 3084 ومسند أحمد 1 / 383 والبيهقي في الدلائل ج 3 / 138 - 139.
والحاكم في المستدرك 3 / 22 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي وأضاف: صحيح سمعه جرير بن عبد الحميد.

الاسناد ولم يخرجاه، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال خير أصحابك في الاسارى إن شاؤا الفداء وإن شاؤا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم، قالوا الفداء أو يقتل منا.
وهذا حديث غريب جدا، ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم.
وقد قال ابن إسحاق: عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن إسحاق وغيره وقال الاعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا.
وهكذا روى عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وقال مجاهد والثوري: (لولا كتاب من الله سبق) أي لهم بالمغفرة.
وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الاول أن المغانم وفداء الاسارى حلال لكم، ولهذا قال بعده: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وهكذا روي عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والاعمش، واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا القول بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الانبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس
عامة ".
وروى الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا " ولهذا قال تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فأذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الاسارى وقد قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي (1) ثنا سفيان بن حبيب، ثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (2)، وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم (3).
وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة فقال تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم) الآية [ الانفال: 70 ].
وقال الوالبي عن ابن عباس نزلت في العباس ففادي نفسه بالاربعين أوقية من ذهب قال العباس، فأتاني الله أربعين عبدا - يعني كلهم يتجر له - قال وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه (4).
وقال ابن إسحاق: حدثني العباس بن
__________
(1) العيشي: من سنن أبي داود ودلائل البيهقي.
وفي الاصل: العبسي وهو تحريف.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب فداء الاسير بالمال ح 2691 ج 3 / 61 - 62.
(3) قال الواقدي: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء يوم بدر أربعة آلاف لكل رجل.
وفي رواية له: أرفعهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى الفين إلى ألف إلى قوم لا مال لهم من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) دلائل البيهقي 3 / 143.

عبد الله بن مغفل (1) عن بعض أهله عن ابن عباس قال لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر والاسارى محبوسون بالوثاق، بات النبي صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه مالك لا تنام يا رسول الله ؟ [ وقد أسر العباس رجل من الانصار ] (2) فقال: " سمعت انين عمي العباس في وثاقه " فأطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: وكان رجلا موسرا ففادي نفسه بمائة أوقية من ذهب.
قلت: وهذه المائة كانت عن نفسه وعن ابني أخويه عقيل ونوفل، وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر كما أمره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ادعى أنه كان قد أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أما ظاهرك فكان علينا والله أعلم باسلامك وسيجزيك " فادعى أنه لا مال عنده قال: " فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم ؟ " فقال والله إني لاعلم أنك رسول الله إن هذا شئ ما علمه إلا أنا وأم الفضل رواه ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس.
وثبت في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة: قال الزهري حدثني أنس بن مالك قال: إن رجالا من الانصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إيذن لنا فلنترك لابن اختنا العباس فداءه.
فقال: " لا والله لا تذرون منه درهما " (3) قال البخاري وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمال من البحرين فقال: " انثروه في المسجد " فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال " خذ " فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي.
قال " لا " قال فارفعه أنت علي، قال " لا " فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال " لا " قال فارفعه أنت علي، قال " لا " فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق.
فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم.
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن أسباط بن نصر عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي.
قال: كان فداء العباس وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب كل رجل أربعمائة دينار (4)، ثم توعد تعالى الآخرين فقال: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فامكن منهم والله عليم حكيم).
فصل والمشهور أن الاسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين سبعين كما ورد في غير ما
__________
(1) في دلائل البيهقي: بن معبد.
وهو العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني.
(2) من البيهقي.
(3) أخرجه البخاري في كتاب العتق (49)، 11 باب إذا أسر أخو الرجل ح 2537 وأعاده في الجهاد - باب فداء المشركين.
(4) دلائل النبوة ج 3 / 40

حديث مما تقدم وسيأتي إن شاء الله، وكما في حديث البراء بن عازب في صحيح البخاري أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين.
وقال موسى بن عقبة: قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ومن الانصار ثمانية (1)، وقتل من المشركين تسعة وأربعين، وأسر منهم تسعة وثلاثين.
هكذا رواه البيهقي عنه.
قال: وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين (2).
ثم قال أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق.
قال واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا، أربعة من قريش وسبعة من الانصار وقتل من المشركين بضعة وعشرون (3) رجلا وقال في موضع آخر: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون (4) أسيرا، وكانت القتلى مثل ذلك.
ثم روى البيهقي: من طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث عن عقيل عن الزهري قال: وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر، ورجل من الانصار وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك، قال ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: قال البيهقي - وهو الاصح - فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم، ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فأصابوا منا سبعين [ يعني يوم أحد ] (5).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا (6).
قلت والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وكأنه أخذه من هذا الذي ذكرناه والله أعلم.
وفي حديث عمر المتقدم أنهم كانوا زيادة على الالف، والصحيح الاول لقوله عليه السلام: " القوم ما بين التسعمائة إلى الالف " وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا كما سيأتي التنصيص على ذلك وعلى أسمائهم إن شاء الله، وتقدم في حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن وقعة
بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وقاله أيضا عروة بن الزبير وقتادة واسماعيل
__________
(1) في الدرر في اختصار المغازي: الجميع أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار: ستة من الاوس واثنان من الخزرج.
(2) في دلائل البيهقي: الكفار ج 3 / 122 - 123.
(3) في دلائل البيهقي: وأربعون.
(4) في دلائل البيهقي: أربعة وأربعين.
وفي رواية ابن هشام قال: كان قتلى قريش: خمسين رجلا.
وقال عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: القتلى سبعون والاسرى كذلك.
(راجع سيرة ابن هشام 2 / 372 - دلائل النبوة 3 / 123).
(5) من دلائل البيهقي ح 3 / 124.
(6) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي باب 10 ح 3986 وأعاده في التفسير - سورة آل عمران - وأخرجه أبو داود في الجهاد في باب أي وقت يستحب اللقاء ورواه البيهقي في الدلائل 3 / 124.

والسدي الكبير وأبو جعفر الباقر.
وروى البيهقي من طريق قتيبة عن جرير عن الاعمش عن إبراهيم عن الاسود عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر قال: " تحروها لاحدى عشرة بقين فإن صبيحتها يوم بدر " (1).
قال البيهقي: وروي عن زيد بن أرقم أنه سئل عن ليلة القدر فقال ليلة تسع عشرة ما شك، وقال يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
قال البيهقي: والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان.
ثم قال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق ثنا أبو نعيم ثنا عمرو بن عثمان سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب الانصاري عن يوم بدر فقال: إما لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة خلت أو لاحدى عشرة بقيت.
وإما لسبع (2) عشرة بقيت.
وهذا غريب جدا.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي من طريق الواقدي وغيره
بإسنادهم إليه أنه شهد يوم بدر مع المشركين فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجعلت أقول في نفسي ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء والله لو خرجت نساء قريش بالسهاء (3) ردت محمدا وأصحابه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:16 am

فلما كان بعد الخندق قلت لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد وقد وقع في نفسي الاسلام، قال فقدمتها فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد في ملا من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه فسلمت.
فقال: يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء، فقلت: أشهد أنك رسول الله فإن هذا الامر ما خرج مني إلى أحد قط، ولا تزمزمت (4) به إلا شيئا حدثت به نفسي، فلولا أنك نبي ما أطلعك [ الله ] (5) عليه، هلم أبايعك على الاسلام فأسلمت.
فصل وقد اختلفت الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ لمن تكون منهم وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون.
ففرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم تحرسه خوفا من أن يرجع
__________
(1) دلائل النبوة 3 / 128، وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 20 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي رواية للاسود عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة احدى وعشرون وليلة ثلاث وعشرون (أبو داود - الصلاة - دلائل البيهقي 3 / 128).
(2) في البيهقي 3 / 129: لتسع عشرة.
(3) من سيرة ابن كثير، وفي الاصل: بالها وهو تحريف.
والسهاء: جمع سهوة.
وهي القوس المواتية.
(4) في الواقدي: ترمرمت ترمرم: أي حرك فاه للكلام (الصحاح).
(5) من مغازي الواقدي 1 / 98.

أحد من المشركين إليه.
وفرقة ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون، وفرقة جمعت المغانم من متفرقات الاماكن.
فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين لما صنع من الامر
المهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الانفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء، يقول عن سواء.
وهكذا رواه أحمد عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق به ومعنى قوله على السواء أي ساوى فيها بين الذين جمعوها وبين الذين اتبعوا العدو وبين الذين ثبتوا تحت الرايات لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه كما قد يتوهمه بعض العلماء منهم أبو عبيدة وغيره والله أعلم.
بل قد تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذو الفقار من مغانم بدر (1).
قال ابن جرير: وكذا اصطفى جملا لابي جهل كان في أنفه برة من فضة، وهذا قبل إخراج الخمس أيضا.
وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم، نحن حويناها وليس لاحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق به منا نحن نفينا منها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فأنزل الله: (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله ولرسوله فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) [ الانفال: 1 - 5 ] فقسمها رسول الله بين المسلمين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع فإذا أقبل راجعا نفل الثلث وكان يكره الانفال.
وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث آخره وقال الترمذي هذا حديث حسن.
ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن، وقال الحاكم صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجه.
وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا، فسارع في ذلك شبان الرجال وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، قال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم
__________
(1) رواه البيهقي عن ابن عباس 3 / 136، والترمذي في السير، باب في النفل.
وابن ماجة في الجهاد باب: السلاح.

إلينا، فتنازعوا فأنزل الله تعالى: (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله وللرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (1).
وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها ههنا ومعنى الكلام أن الانفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله يحكما فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد ولهذا قال تعالى: (قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) ثم ذكر ما وقع في قصة بدر وما كان من الامر حتى انتهى إلى قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) الآية فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الانفال الذي جعل مرده إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فبينه تعالى وحكم فيه بما أراد تعالى، وهو قول أبي زيد وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر على السواء بين الناس، ولم يخمسها.
ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم، وهكذا روى الوالبي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي وفي هذا نظر.
والله أعلم.
فإن سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر فيقتضي أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضا، ثم في الصحيحين: عن علي رضي الله عنه أنه قال في قصة شار فيه اللذين اجتب أسنمتهما حمزة إن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر ما يرد صريحا على أبي عبيد أن غنائم بدر لم تخمس والله أعلم.
بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير وغيرهما وهو الصحيح
الراجح.
والله أعلم.
فصل في رجوعه عليه السلام من بدر إلى المدينة وما كان من الامور في مسيره إليها مؤيدا منصورا عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة،
__________
(1) أخرجه البيهقي من طريق وهب بن بقية، وزاد في آخره: يقول: فكان ذلك خيرا لهم، فكذلك أيضا أطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.
وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في النفل ح 2737 عن وهب وح 2738 عن زياد بن أيوب عن هشيم عن داود..وح 2739 عن هارون بن محمد بن بكار بن بلال.
وأخرجه النسائي في التفسير عن المعتمر بن سليمان.
ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 89 عن ابن حبان وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر.

وثبت في الصحيحين أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام، وقد أقام عليه السلام بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم وكان رحيله منها ليلة الاثنين، فركب ناقته ووقف على قليب بدر فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره، ثم سار عليه السلام ومعه الاسارى والغنائم الكثيرة وقد بعث عليه السلام بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر، أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة (1) إلى السافلة.
قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا [ التراب ] على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر.
قال أسامة: فلما قدم أبي - زيد بن حارثة - جئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة.
وأبو جهل بن
هشام، وزمعة بن الاسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج.
قال قلت: يا أبة أحق هذا ؟ قال إي والله يا بني.
وروى البيهقي: من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على [ رقية ] (2) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ أيام بدر ] (3)، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة (4) فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأينا الاسارى.
وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه (5) وقال الواقدي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالاثيل (6) فلما صلى ركعة تبسم فسئل عن تبسمه فقال: مر بي (7) ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسم إلي وقال: إني كنت في طلب القوم، وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر، على فرس أنثى معقود الناصية وقد عصم ثنييه الغبار، فقال: يا محمد إن ربي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت ؟ قال: نعم.
قال الواقدي قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الاثيل فجاءا يوم الاحد حين
__________
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب، أبو أسامة الكلبي، الامير الشهيد، سيد الموالي وأسبقهم إلى الاسلام.
وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يسم الله تعالى في كتابه صحابيا باسمه إلا زيد بن حارثة وعيسى بن مريم عليه السلام، عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس وقدمه على الامراء في غزوة مؤتة فقاتل وقتل فيها طعنا بالرماح.
(2) من دلائل البيهقي.
(3) من دلائل البيهقي.
(4) الهيعة: كل ما أفزع من صوت، قال أبو عبيد: هي صيحة الفزع.
(5) أخرجه البيهقي في الدلائل 3 / 130 - 131.
والحاكم في المستدرك 3 / 217 عن أبي أمامة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر بعث بيشيرين..الخ وقال في آخره: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
(6) الاثيل: موضع بالصفراء، قال الواقدي: واد طوله ثلاثة أميال وبينه وبين بدر ميلان.
(7) من الواقدي، وفي الاصل: يرى وهو تحريف.

اشتد الضحى، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته، يا معشر الانصار، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وأبو جهل، وقتل زمعة بن الاسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو.
قال عاصم بن عدي: فقمت إليه فنحوته فقلت: احقا يا ابن رواحة ؟ فقال إي والله وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسرى مقرنين.
ثم تتبع دور الانصار بالعالية يبشرهم دارا دارا والصبيان ينشدون معه يقولون: قتل أبو جهل الفاسق، حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة، فلما جاء المصلى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أمية بن خلف وأبو جهل وأبو البختري وزمعة بن الاسود، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل بعض الناس لا يصدقون زيدا ويقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا (1) حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا.
وقد زيد حين سوينا [ التراب ] على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، وقال رجل من المنافقين لاسامة: قتل صاحبكم ومن معه ؟ وقال آخر لابي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا وقد قتل علية أصحابه وقتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا فقال أبو لبابة: يكذب الله قولك.
وقالت اليهود: ما جاء زيد إلا فلا.
قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبي فقلت أحق ما تقول ؟ فقال إي والله حق ما أقول يا بني فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك، فقال إنما هو شئ سمعته من الناس يقولونه.
قال فجئ بالاسرى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد شهد معهم بدرا وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا.
قال الواقدي: وهم سبعون في الاصل مجتمع عليه لا شك فيه.
قال ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه.
فقال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكن ظننت أنها
عير ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت.
فقال له رسول الله " صدقت " (2).
قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الاسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار.
فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام [ يقال إنه ] هو عدي بن أبي الزغباء -: أقم لها صدورها يا بسبس * ليس بذي الطلح لها معرس ولا بصحراء عمير محبس * إن مطايا القوم لا تحبس
__________
(1) الفل: القوم المنهزمون ويقع على الواحد والاثنين والجمع.
عن النهايه.
(2) الخبر في مغازي الواقدي 1 / 114 - 115 وفي دلائل البيهقي من طريق الحسين بن الفرج عن الواقدي.
ج 3 / 131 - 133.

فحملها على الطريق أكيس * قد نصر الله وفر الاخس قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بني المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به.
فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثني عاصم بن عمرو ويزيد بن رومان ما الذي تهنئوننا به.
والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " أي ابن أخي أولئك الملا " قال ابن هشام: يعني الاشراف والرؤساء (1).
مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء (2) قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية (3) قتل عقبة بن أبي معيط.
قال ابن إسحاق: فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله: فمن للصبية يا محمد ؟ قال " النار " وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح أخو بني
عمرو بن عوف كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
وكذا قال موسى بن عقبة في مغازيه وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الاسارى أسيرا غيره.
قال ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت.
قال: يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا ؟ قال على عداوتك الله ورسوله.
وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟.
قال: " نعم ! أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي " قال ابن هشام ويقال بل قتل عقبة علي بن أبي طالب فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم.
قلت: كان هذان الرجلان من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وهجاء للاسلام وأهله لعنهما الله وقد فعل.
قال ابن هشام: فقالت قتيلة بنت الحارث أخت (4) النضر بن
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 2 / 297.
(2) الصفراء: قال ابن سعد واد من المدينة على ثلاث ليال.
وقيل: كثير النخل والزرع وهو على مرحلة من بدر.
(3) في الواقدي: قتل عقبة صبرا في الصفراء.
وفي روايته أن النضر قتله علي بن أبي طالب في الاثيل صبرا بالسيف بأمر النبي مغازي الواقدي 1 / 138 و 149.
والاغاني 1 / 19.
(4) في معجم البلدان - أثيل -: إنها ابنته .

الحارث في مقتل أخيها: يا راكبا أن الاثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية * ؟ إن تزال بها النجائب تخفق (1) مني اليك وعبرة مسفوحة * جادت بوابلها وأخرى تخنق (2) هل يسمعن النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ينطق (3)
أمحمد يا خير ضئ كريمة * من قومها والفحل فحل معرق (4) ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن * باعز ما يغلو به ما ينفق (5) والنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه * لله أرحام هنالك تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا * رسف المقيد وهو عان موثق قال ابن هشام: ويقال والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: " لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه ".
قال ابن إسحاق: وقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموضع أبو هند، مولى فروة بن عمرو البياضي حجامه عليه السلام ومعه زق خمر (6) مملوء حيسا - وهو التمر والسويق بالسمن - هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منه ووصى به الانصار.
قال ابن إسحاق ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم.
قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبدالدار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالاسارى فرقهم بين أصحابه، وقال " استوصوا بهم خيرا " قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى، قال أبو عزيز: مر بي
__________
(1) في ديوان الحماسة وياقوت: بلغ به ميتا فإن تحية.
(2) في ديوان الحماسة: " مني إليه " ويروى: جادت لمائحها تعنى أباها - كما في رواية ياقوت - لانه هو الذي يستبكيها ويستنزف دمعها.
(3) في الاغاني: إن كان يسمع هالك لا ينطق ويروى: أو ينطق.
(4) في الاغاني: أمحمد ولانت نسل نجيبة.
(5) البيت في الاغاني أو كنت قابل فدية فلنأتين بأعز ما يغلو لديك وينفق وقال محققه: صححه الشنقيطي: لو كنت قابل فدية.
(الاغاني ج 1 / 19.
دار الكتب).
(6) في سيرة ابن هشام: ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند، مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا، قال ابن هشام: الحميت: الزق.

أخي مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرني فقال: شد يديك به فإن أمه (1) ذات متاع لعلها تفديه منك، قال أبو عزيز فكنت في رهط من الانصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبزة إلا نفحني بها فأستحي فأردها فيردها علي ما يمسها.
قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لابي اليسر (2) - وهو الذي أسره - ما قال: قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي ؟ فقال له مصعب إنه أخي دونك فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي فقيل لها أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها.
قلت: وأبو عزيز هذا اسمه زرارة فيما قاله ابن الاثير في غابة الصحابة، وعده خليفة بن خياط في أسماء الصحابة.
وكان أخا مصعب بن عمير لابيه، وكان لهما أخ آخر لابويهما وهو أبو الروم بن عمير وقد غلط من جعله قتل يوم أحد كافرا ذاك أبو عزة كما سيأتي في موضعه والله أعلم.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد (3) بن زرارة.
قال: قدم بالاسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، قال: تقول سودة: والله إني لعندهم إذا أتينا فقيل: هؤلاء الاسارى، قد أتي بهم، قالت: فرجعت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما ؟ فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت " يا سودة أعلى الله وعلى رسوله تحرضين " قالت (4): قلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت.
ثم كان من
قصة الاسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من كيفية فدائهم وكميته إن شاء الله.
ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر - رضي الله عنه - قال الحافظ البيهقي (5): أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد، حدثنا
__________
(1) أمه: الخناس بنت مالك العامرية، وأخته هند بنت عمير، أم شيبة بن عثمان حاجب الكعبة، جد بني شيبة (الروض الآنف).
(2) في الواقدي: أسره أبو اليسر، ثم اقترع عليه فصار لمحرز بن نضلة، - وما قاله مصعب في شأن أخيه أبي عزيز كان لمحرز وليس لابي اليسر -.
(3) من ابن هشام، وفي الاصل سعد وهو تحريف.
(4) من ابن هشام، وفي الاصل: قال وهو تحريف.
(5) أخرجه الحافظ البيهقي في الدلائل - باب قدوم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة على أهل المدينة..وما فعل =

أحمد بن سليمان (1) النجاد، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا، حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبدان بن عثمان، ثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن (2) جابر عن عبد الرحمن - رجل من أهل صنعاء -.
قال أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان ثياب جالس على التراب.
قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم.
إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله [ عزوجل ] قد نصر نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان [ وفلان ] وقتل فلان وفلان [ وفلان ] (3).
التقوا بواد يقال له بدر، كثير الاراك كأني أنظر إليه كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمرة إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاط (4) ؟ قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى إن حقا على عباد الله أن يحدثوا الله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت له هذا التواضع.
وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة
قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له ما وراءك ؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الاسود ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام.
فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية والله لن (5) يعقل هذا، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال هو ذاك جالسا في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
قال موسى بن عقبة: ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن وعقرت خيول كثيرة ورواحل.
وذكر السهيلي عن كتاب الدلائل لقاسم بن ثابت أنه قال لما كانت وقعة بدر سمعت أهل مكة هاتفا من الجن يقول: أزار الحنيفيون بدرا وقيعة * سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤي وأبرزت * خرائد يضربن الترائب حسرا فيا ويح من أمسى عدو محمد * لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
__________
= النجاشي حين بلغه الفتح ج 3 / 133 ونقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 104.
(1) من البيهقي وفي الاصل سلمان تحريف.
وهو أحمد بن سليمان الفقيه.
(2) من البيهقي، وفي الاصل عن - تحريف.
(3) ما بين معكوفين من البيهقي.
(4) في البيهقي: الاخلاق.
(5) في ابن هشام: والله إن يعقل هذا.

قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه.
وكان أبو لهب قد
تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة - وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل إلا بعث مكانه رجلا - فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل الاقداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان - واسمه المغيرة - ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.
قال فقال أبو لهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر، قال فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا، ويأسروننا كيف شاؤا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض، والله ما تليق (1) شيئا ولا يقوم لها شئ.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجر بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة.
قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال وثاورته (2) فاحتملني وضرب بي الارض ثم برك علي يضربني - وكان رجلا ضعيفا - فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فبلغت في رأسه شجة منكرة، وقالت استضعفته إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة (3) فقتلته.
زاد يونس عن ابن إسحاق: فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا ما دفناه حتى أنتن.
وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون حتى قال لهم رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه ؟ فقالا إنا نخشى عدوة هذه القرحة، فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه فوالله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلا مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة.
[ قال يونس عن ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تمر على مكان أبي لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوزه ] (4).
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا
__________
(1) ما تليق: ما تبقي.
(2) ثاورته: ثبت له.
(3) العدسة: قرحة قاتلة كالطاعون.
(4) ما بين المعكوفين، سقط من الاصل وابن هشام واستدركت تتمة للخبر من دلائل البيهقي ج 3 / 146.

تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا (1) بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء.
قلت: وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت وهو تركهم النوح على قتلاهم، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين.
قال ابن إسحاق: وكان الاسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده، زمعة وعقيل والحارث، وكان يحب أن يبكي على بنيه قال فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له - وكان قد ذهب بصره - أنظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ولده زمعة - فإن جوفي قد احترق، قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته قال فذاك حين يقول الاسود: أتبكي أن أضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص * ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكى إن بكيت أبا (2) عقيل * وبكى حارثا أسد الاسود وبكيهم ولا تسمي جميعا * وما لابي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسراهم قال ابن إسحاق: وكان في الاسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه " فلما قالت قريش لا
تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبي وداعة وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى: صدفتم لا تعجلوا، وانسل من الليل وقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به.
قلت: وكان هذا أول أسير فدى ثم بعثت قريش في فداء أسراهم فقد مكرز بن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم أخو بني سالم بن عوف فقال في ذلك:
__________
(1) من ابن هشام وفي الاصل: تستأنسوا تحريف.
حتى تستأنوا: أي تؤخروا فداءهم حتى لا يتشدد في طلب الفداء.
(2) في ابن هشام: على.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:17 am

أسرت سهيلا فلا ابتغي * أسيرا به من جميع الامم (1) وخندف تعلم أن الفتى * فتاها سهيل إذا يظلم ضربت بذي الشفر حتى انثنى * وأكرهت نفسي على ذي العلم (2) قال ابن إسحاق: وكان سهيل رجلا أعلم (3) من شفته السفلى.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي: أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: " لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا ".
قلت: هذا حديث مرسل بل معضل.
قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا: " إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه " قلت: وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب، ونجم النفاق بالمدينة وغيرها.
فقام بمكة فخطب الناس وثبتهم على الدين الحنيف كما سيأتي في موضعه.
قال ابن إسحاق فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا هات الذي لنا (4).
قال:
اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه، فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم.
وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام.
فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: وكان في الاسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب.
قال ابن إسحاق وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط.
قال ابن هشام: بل كانت أمه أخت أبي معيط.
قال ابن هشام: وكان الذي أسره علي بن أبي طالب.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال فقيل لابي سفيان أفد عمرا ابنك، قال أيجتمع على دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرا ؟ دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم.
قال فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما في غنم له بالبقيع (5) فخرج من هنالك معتمرا ولم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء
__________
(1) في الواقدي: فلم ابتغ 1 / 143.
(2) في مغازي الواقدي: ضربت بذي السيف حتى انحنى.
وقال ابن أبي الحديد: ذي العلم بسكون اللام، ولكنه حركه - هنا - للضرورة، وكان سهيل أعلم مشقوق الشفة العليا (شرح نهج البلاغة 3 / 350).
(3) الاعلم مشقوق الشفة العليا، وأما مشقوق الشفة السفلى فهو: الافلح.
(4) في الواقدي: هات مالنا.
(5) كذا في الاصل البقيع: وهو موضع داخل المدينة وفيها مقابرها.
ولعل الارجح النقيع وهو الاقرب، فالنقيع موضع قرب المدينة.

معتمرا، وقد كان عهد قريش أن قريشا لا يعرضون لاحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو وقال في ذلك: أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإن بني عمرو لئام أذلة * لئن لم يكفوا عن أسيرهم الكبلا
قال: فأجابه حسان بن ثابت يقول: لو كان سعد يوم مكة مطلقا * لاكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا بعضب حسام أو بصفراء نبعة * نحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا (1) قال ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم فأعطاهم النبي (2) فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد.
قال ابن إسحاق: وقد كان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب.
قال ابن هشام: وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام.
قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي، وكان عليه السلام قد زوج ابنته رقية - أو أم كلثوم (3) من عتبة بن أبي لهب، فلما جاء الوحي قال أبو لهب: اشغلوا محمدا بنفسه، وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول، فتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه ومشوا إلى أبي العاص فقالوا فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت، قال: لا والله إذا (4) لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره [ خيرا ] (5) فيما بلغني.
قلت: الحديث بذلك في الثناء عليه في
__________
(1) نبعة من النبع والنبع: شجر يصنع منه القسي.
(2) قال الواقدي: أن عمرو بن أبي سفيان صار في سهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرعة.
(3) قال السهيلي: كانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت عتبة بن أبي لهب، وأم كلثوم تحت عتيبة.
فطلقاهما بعزم أبيهما عليهما وأمهما حين نزلت تبت يدا أبي لهب.
طلقاهما قبل الدخول بهما.
أسلمت رقية وأم كلثوم بعدما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياة أمهما خديجة، وتزوج عثمان رقية وهاجرا إلى الحبشة، وهاجرت أم كلثوم إلى المدينة مع عيال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما توفيت رقية خلف عثمان بن عفان على أم كلثوم وكانت بكرا، ولم تزل عنده حتى توفيت ولم تلد له شيئا.
(الطبقات ج
8 / 36 - 38 الروض الآنف).
(4) في نسخة لابن هشام: إني.
(5) من ابن هشام.

صهره ثابت في الصحيح كما سيأتي.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الاسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص، وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما.
قلت: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها قالت: فلما رأها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ".
قالوا نعم ! يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
قال ابن إسحاق: فكان ممن سمي لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاسارى بغير فداء: من بني أمية أبو العاص بن الربيع، ومن بني مخزوم المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم (1) أسره بعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله فلحق بقومه قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب يعني أن تهاجر إلى المدينة - فوفى أبو العاص بذلك كما سيأتي.
وقد ذكر ذلك ابن إسحاق ههنا فأخرناه لانه أنسب والله أعلم.
وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب.
وقال ابن هشام كان الذي أسر أبي العاص (2) أبو أيوب خالد بن زيد.
قال ابن إسحاق: وصيفي بن أبي رفاعة بن عائذ (3) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ترك في أيدي أصحابه، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه فخلوا سبيله ولم يف لهم: قال حسان بن ثابت في ذلك:
ما كان صيفي ليوفي أمانة * قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد (4) قال ابن إسحاق: وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمع، كان محتاجا ذا بنات، قال: يا رسول الله لقد عرفت مالي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن علي، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا.
فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك:
__________
(1) ذكره الواقدي في: بني أبي رفاعة، وقال: كان الذي أسره أبو أيوب الانصاري وهو ما ذكره ابن هشام، وما سيرد بعد أسطر تحريف.
(2) راجع الحاشية السابقة.
(3) عائذ كذا في الاصل: قال أبو ذر: قال الزبير بن بكار من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، ومن كان من ولد عمران بن مخزوم فهو عائذ (شرح أبي ذر ص 167) فعلى ذلك، فالصواب عابد على قول أبي ذر.
(4) في ديوان حسان: ذمة بدل: أمانة .

من مبلغ عني الرسول محمدا * بأنك حق والمليك حميد وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى * عليك من الله العظيم شهيد وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة لها درجات سهلة وصعود فإنك من حاربته لمحارب * شقي ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله * تأوب ما بي، حسرة وقعود قلت: ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم فلما كان يوم أحد أسر أيضا، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا أدعك تمسح عارضيك وتقول خدعت محمدا مرتين " ثم أمر به فضربت عنقه كما سيأتي في غزوة أحد.
ويقال إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " وهذا من الامثال التي لم تسمع إلا منه عليه السلام.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمر بن وهب شيطانا من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر.
قال ابن هشام: والذي أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر عن عروة: فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان: والله ما أن في العيش [ بعدهم ] (1) خير، قال له عمير صدقت، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة: ابني أسير في أيديهم.
قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: علي دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شئ ويعجز عنهم.
فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك، قال: سأفعل.
قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف.
فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا وحزرنا (2) للقوم يوم بدر، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه.
قال: فأدخله علي، قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لمن كان معه من الانصار: أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه
__________
(1) من ابن هشام.
(2) حزرنا: أي الذي قدر عدد المسلمين تخمينا يوم بدر.

رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: " أرسله يا عمر، أدن يا عمير " فدنا ثم قال: أنعم صباحا - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله " قد أكرمنا الله بتحية خير من
تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة " قال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال: " فما جاء بك يا عمير ؟ " قال جئت لهذا الاسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: " فما بال السيف في عنقك " قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا ؟ قال: " أصدقني ما الذي جئت له ؟ " قال ما جئت إلا لذلك، قال: " بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك " فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لاعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للاسلام وساقني هذا المساق.
ثم شهد شهادة الحق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن وأطلقوا أسيره " ففعلوا.
ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الاذى لمن كان على دين الله وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول ابشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا.
قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه ناس كثير.
قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب - أو الحارث بن هشام - هو الذي رأى عدو الله إبليس حين نكص على عقبية يوم بدر وفر هاربا وقال: إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون، وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج (1).
فصل ثم إن الامام محمد بن إسحاق رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر وهو من أول سورة الانفال إلى آخرها فأجاد وأفاد، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير فمن أراد
الاطلاع على ذلك فلينظره ثم ولله الحمد والمنة.
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 2 / 317 - 318 ونقله البيهقي عن موسى بن عقبة كتاب المغازي يزيد كلمة وينقص كلمة والمعنى واحد.
في دلائل النبوة ج 3 / 147 - 149

فصل ثم شرع ابن إسحاق في تسمية من شهد بدرا من المسلمين فسرد أسماء من شهدها من المهاجرين أولا، ثم أسماء من شهدها من الانصار أوسها وخزرجها إلى أن قال: فجميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والانصار من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلثمائة رجل وأربعة عشر رجلا (1)، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الاوس أحد وستون رجلا.
ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا.
وقد سردهم البخاري في صحيحه مرتبين على حروف المعجم بعد البداءة برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين مرتبين على حروف المعجم وذلك من كتاب الاحكام الكبير للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي وغيره بعد البداءة باسم رئيسهم وفخرهم وسيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم حرف الالف أبي بن كعب النجاري سيد القراء، الارقم بن أبي الارقم وأبو الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أسعد بن يزيد بن الفاكه بن يزيد بن خلدة بن عامر بن العجلان.
ثم أسود بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم، كذا قال موسى بن عقبة.
وقال الاموي: سواد بن رزام بن ثعلبة بن عبيد بن عدي شك فيه، وقال سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، سواد بن زريق بن ثعلبة، وقال ابن عائذ سواد بن زيد، أسير بن عمرو الانصاري أبو سليط، وقيل أسير بن عمرو بن أمية بن لوزان بن سالم بن ثابت الخزرجي، ولم يذكره موسى بن
عقبة، أنس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث الاوسي، كذا سماه موسى بن عقبة، و [ سماه ] الاموي في السيرة أنيس.
__________
(1) قال الواقدي: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
وفي رواية ابن بكير عن ابن إسحاق ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون من المهاجرين ومن الانصار مائتان وستة وثلاثون رجلا.
وروى البخاري عن البراء قال: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر بعدة أصحاب طالوت.
وروى عنه قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين وكانت الانصار نيفا وأربعين ومائتين وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة.
(مغازي الواقدي ج 1 البخاري كتاب المغازي 6 باب - وأبو داود في الجهاد باب في نفل السرية تخرج من العسكر).

[ قلت: وأنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عمر بن شبة النميري: حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري عن أبيه عن ثمامة بن أنس قال: قيل لانس بن مالك: أشهدت بدرا ؟ قال وأين أغيب عن بدر لا أم لك ؟ ! وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الانصاري، ثنا أبي عن مولى لانس بن مالك أنه قال لانس: شهدت بدرا ؟ قال لا أم لك وأين أغيب عن بدر ؟ قال محمد بن عبد الله الانصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه قال: شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه: هكذا قال الانصاري ولم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي ] أنس بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أنسة الحبشي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن ثابت بن المنذر النجاري، أوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الخزرجي.
وقال موسى بن عقبة أوس بن عبد الله بن الحارث بن خولى، أوس بن الصامت الخزرجي أخو عبادة بن الصامت، إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر حليف بني عدي بن كعب.
حرف الباء بجير بن أبي بجير حليف بني النجار، بحاث بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة البلوي حليف الانصار، بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد بن عمرو بن سعيد بن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني حليف بني ساعدة وهو أحد العينين هو وعدي بن أبي الزغباء كما تقدم، بشر بن البراء بن معرور الخزرجي الذي مات بخيبر من الشاة المسمومة، بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير ويقال إنه أول من بايع الصديق، بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الاوسي رده عليه السلام من الروحاء واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره.
حرف التاء تميم بن يعار بن قيس بن عدي بن أمية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، تميم مولى خراش بن الصمة، تميم مولى بن غنم بن السلم.
وقال ابن هشام: هو مولى سعد بن خيثمة.
حرف الثاء ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان، ثابت بن ثعلبة ويقال لثعلبة هذا الجدع بن

زيد بن الحارث بن حرام بن غنم بن كعب بن سلمة، ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عسيرة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار النجاري، ثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري، ثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد بن مالك بن غنم بن عدي بن النجار النجاري، ثابت بن هزال الخزرجي، ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس، ثعلبة بن عمرو بن عبيد بن مالك النجاري ثعلبة بن عمرو بن محصن الخزرجي، ثعلبة بن عنمة بن عدي بن نابئ السلمي، ثقف بن عمرو من بني حجر آل بني سليم وهو من حلفاء بني كثير بن غنم بن دودان بن
أسد.
حرف الجيم جابر بن خالد بن [ مسعود بن ] عبد الاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار النجاري، جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أحد الذين شهدوا العقبة.
[ قلت: فأما جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي أيضا فذكره البخاري فيهم في مسند عن سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر وقال كنت أمتح لاصحابي الماء يوم بدر.
وهذا الاسناد على شرط مسلم لكن قال محمد بن سعد ذكرت لمحمد بن عمر - يعني الواقدي - هذا الحديث فقال هذا وهم من أهل العراق وأنكر أن يكون جابر شهد بدرا وقال الامام أحمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة.
ورواه مسلم عن أبي خيثمة عن روح (1) ].
جبار بن صخر السلمي، جبر بن عتيك الانصاري، جبير بن إياس الخزرجي.
حرف الحاء الحارث بن أنس بن رافع الخزرجي، الحارث بن أوس بن معاذ بن أخي سعد بن معاذ الاوسي، الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس رده عليه السلام من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج حليف لبني زعور ابن عبد الاشهل، الحارث بن الصمة الخزرجي رده عليه السلام لانه كسر من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، الحارث بن عرفجة الاوسي، الحارث بن قيس بن خلدة أبو خالد الخزرجي، الحارث بن النعمان بن أمية

الانصاري.
حارثة بن سراقة النجاري أصابه سهم غرب (1) وهو في النظارة فرفع إلى الفردوس،
حارثة بن النعمان بن رافع الانصاري حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي.
حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الاشجعي من بني دهمان هكذا ذكره ابن هشام عن غير ابن إسحاق.
وقال الواقدي حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود كذا ذكره ابن عائذ في مغازيه.
وقال ابن أبي حاتم حاطب بن عمرو بن عبد شمس سمعته من أبي وقال هو رجل مجهول، الحباب بن المنذر الخزرجي ويقال كان لواء الخزرج معه يومئذ، حبيب بن أسود مولى بني حرام من بني سلمة وقال موسى بن عقبة حبيب بن سعد بدل أسود، وقال ابن أبي حاتم حبيب بن أسلم مولى آل جشم بن الخزرج أنصاري بدرى حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الانصاري أخو عبد الله بن زيد الذي أرى النداء، الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حرف الخاء خالد بن البكير أخو إياس المتقدم، خالد بن زيد أبو أيوب النجاري، خالد بن قيس بن مالك بن العجلان الانصاري، خارجة بن الحمير حليف بني خنساء من الخزرج وقيل اسمه حارثة بن الحمير وسماه ابن عائذ خارجة فالله أعلم.
خارجة بن زيد الخزرجي صهر الصديق، خباب بن الارت حليف بني زهرة وهو من المهاجرين الاولين وأصله من بني تميم ويقال من خزاعة (2)، خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين الاولين، خراش بن الصمة السلمي، خبيب بن اساف بن عنبة الخزرجي، خريم بن فاتك ذكره البخاري فيهم، خليفة بن عدي الخزرجي، خليد بن قيس بن النعمان بن سنان بن عبيد الانصاري السلمي، خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي السهمي قتل يومئذ فتأيمت منه حفصة بنت عمر بن الخطاب، خوات بن جبير الانصاري ضرب له بسهمه وأجره لم يشهدها بنفسه، خولى بن أبي خولى العجلي حليف بني عدي من المهاجرين الاولين، خلاد بن رافع، وخلاد بن سويد، وخلاد بن عمرو بن الجموح الخزرجيون.
حرف الذال
ذكوان بن عبد قيس الخزرجي، ذو الشمالين بن عبد (3) بن عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من بني خزاعة حليف لبني زهرة قتل يومئذ
__________
(1) في تاريخ خليفة: قتله حبان بن العرفة بسهم وهو يشرب من الحوض.
(2) الصواب أنه تميمي، اشترته في الجاهلية امرأة من خزاعة وأعتقته، وكان من حلفاء بني عوف،..من زهرة فهو تميمي النسب، خزاعي بالولاء، زهري بالحلف (الاستيعاب).
(3) في تاريخ خليفة: " عبد عمرو " قتله أسامة الجشمي (سيرة ابن هشام).

شهيدا.
قال ابن هشام: واسمه عمير وإنما قيل له ذو الشمالين لانه كان أعسرا.
حرف الراء رافع بن الحارث الاوسي، رافع بن عنجدة قال ابن هشام: هي أمه، رافع بن المعلى بن لوذان الخزرجي قتل يومئذ (1).
ربعي بن رافع بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن عجلان بن ضبيعة وقال موسى بن عقبة ربعي بن أبي رافع، ربيع بن إياس الخزرجي، ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف لبني عبد شمس بن عبد مناف وهو من المهاجرين الاولين، رخيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة الخزرجي، رفاعة بن رافع الزرقي أخو خلاد بن رافع، رفاعة بن عبد المنذر بن زنير الاوسي أخو أبي لبابة، رفاعة بن عمرو بن زيد الخزرجي.
حرف الزاي الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، زياد بن عمرو وقال موسى بن عقبة زياد بن الاخرس بن عمرو الجهني.
وقال الواقدي زياد بن كعب بن عمرو بن عدي بن رفاعة بن كليب بن برذعة بن عدي بن عمرو بن الزبعري بن رشدان بن قيس بن جهينة، زياد بن لبيد الزرقي، زياد بن المزين بن قيس الخزرجي، زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي بن عجلان بن ضبيعة، زيد بن حارثة بن شرحبيل (2) مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
رضي الله عنه، زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، زيد بن سهل بن الاسود بن حرام النجاري أبو طلحة رضي الله عنه.
حرف السين سالم بن عمير الاوسي، سالم بن [ غنم بن ] عوف الخزرجي، سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي شهد مع أبيه، سبيع بن قيس بن عائد الخزرجي، سبرة بن فاتك ذكره البخاري، سراقة بن عمرو النجاري، سراقة بن كعب النجاري أيضا، سعد بن خولة مولى بني عامر بن لؤي من المهاجرين الاولين، سعد بن خيثمة الاوسي قتل يومئذ شهيدا (3)، سعد بن الربيع الخزرجي الذي قتل يوم أحد شهيدا، سعد بن زيد بن مالك الاوسي وقال الواقدي: سعد بن زيد بن الفاكه الخزرجي، سعد بن سهيل بن عبد الاشهل التجاري، سعد بن عبيد الانصاري، سعد بن عثمان بن خلدة الخزرجي أبو عبادة وقال ابن عائذ أبو عبيدة، سعد بن معاذ الاوسي وكان
__________
(1) قتله عكرمة بن أبي جهل (قاله خليفة بن خياط).
(2) في ابن هشام: " شراحيل ".
(3) قتله طعيمة بن عدي.
ويقال عمرو بن عبدود (تاريخ خليفة).

لواء الاوس معه، سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي ذكره غير واحد منهم عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني فيمن شهد بدرا، ووقع في صحيح مسلم ما يشهد بذلك حين شاور النبي صلى الله عليه وسلم في ملتقى النفير من قريش فقال سعد بن عبادة كأنك تريدنا يا رسول الله الحديث والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ، والمشهور أن سعد بن عبادة رده من الطريق قيل لاستنابته على المدينة وقيل لذعته حية فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة فالله أعلم سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري أحد العشرة، سعد بن مالك أبو سهل قال الواقدي تجهز ليخرج فمرض فمات قبل الخروج، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ابن عم عمر بن الخطاب يقال قدم
من الشام بعد مرجعهم من بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، سفيان بن بشر بن عمرو الخزرجي، سلمة بن أسلم بن حريش الاوسي، سلمة بن ثابت بن وقش بن زغبة، سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة، سليم بن الحارث النجاري سليم بن عمرو السلمي، سليم بن قيس بن فهد الخزرجي، سليم بن ملحان أخو حرام بن ملحان النجاري، سماك بن أوس بن خرشة أبو دجانة ويقال سماك بن خرشة، سماك بن سعد بن ثعلبة الخزرجي وهو أخو بشير بن سعد المتقدم، سهل بن حنيف الاوسي، سهل بن عتيك النجاري.
سهل بن قيس السلمى، سهيل بن رافع النجاري الذي كان له ولاخيه موضع المسجد النبوي كما تقدم، سهيل بن وهب الفهري وهو ابن بيضاء وهي أمه، سنان بن أبي سنان بن محصن بن حرثان من المهاجرين حليف بني عبد شمس بن عبد مناف، سنان بن صيفي السلمي، سواد بن زريق بن زيد الانصاري.
وقال الاموي سواد بن رزام، سواد بن غزية بن أهيب البلوي، سويبط بن سعد بن حرملة العبدري، سويد بن مخشى أبو مخشى الطائي حليف بني عبد شمس وقيل اسمه أزيد بن حمير.
حرف الشين شجاع بن وهب بن ربيعة الاسدي أسد بن خزيمة حليف بني عبد شمس من المهاجرين الاولين شماس بن عثمان المخزومي قال ابن هشام واسمه عثمان بن عثمان وإنما سمي شماسا لحسنه وشبهه شماسا كان في الجاهلية، شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي لم يسهم له وكان على الاسرى فأعطاه كل رجل ممن له في الاسرى شيئا فحصل له أكثر من سهم.
حرف الصاد صهيب بن سنان الرومي من المهاجرين الاولين، صفوان (1) بن وهب بن ربيعة الفهري أخو سهيل بن بيضاء قتل شهيدا يومئذ، صخر بن أمية بن خنساء السلمي.
__________
(1) في تاريخ خليفة: " صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:18 am

حرف الضاد ضحاك بن حارثة بن زيد السلمي، ضحاك بن عبد عمرو النجاري، ضمرة بن عمرو الجهني وقال موسى بن عقبة: ضمرة بن كعب بن عمرو حليف الانصار وهو أخو زياد بن عمرو.
حرف الطاء طلحة بن عبيد الله التيمي أحد العشرة قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، طفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين وهو أخو حصين وعبيدة، طفيل بن مالك بن خنساء السلمى.
طفيل بن النعمان بن خنساء السلمي ابن عم الذي قبله.
طليب بن عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد بن قصي ذكره الواقدي.
حرف الظاء ظهير بن رافع الاوسي ذكره البخاري.
حرف العين عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح الانصاري الذي حمته الدبر حين قتل بالرجيع، عاصم بن عدي بن الجد بن عجلان رده عليه السلام من الروحاء وضرب له بسهمه وأجره، عاصم بن قيس بن ثابت الخزرجي عاقل بن البكير (1) أخو إياس وخالد وعامر، عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس النجاري، عامر بن الحارث الفهري كذا ذكره سلمة عن ابن إسحاق وابن عائذ وقال موسى بن عقبة وزياد عن ابن إسحاق عمرو بن الحارث، عامر بن ربيعة بن مالك العنزي حليف بني عدي من المهاجرين، عامر بن سلمة بن عامر بن عبد الله البلوي القضاعي حليف بني سالم بن مالك بن سالم بن غنم.
قال ابن هشام ويقال عمر بن سلمة، عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة من المهاجرين الاولين، عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، عامر بن مخلد النجاري، عائذ بن ماعض بن قيس الخزرجي، عباد بن بشر بن وقش الاوسي، عباد بن قيس بن عامر الخزرجي، عباد بن قيس بن عبشة الخزرجي أخو سبيع المتقدم، عباد بن الخشخاش القضاعي، عبادة بن الصامت
الخزرجي، عبادة بن قيس بن كعب بن قيس، عبد الله بن أمية بن عرفطة، عبد الله بن ثعلبة بن خزمة أخو بحاث المتقدم، عبد الله بن جحش بن رئاب الاسدي، عبد الله بن جبير بن النعمان الاوسي، عبد الله بن الجد بن قيس السلمي، عبد الله بن حق بن أوس الساعدي.
وقال موسى بن عقبة والواقدي وابن عائذ عبد رب بن حق، وقال ابن هشام عبد ربه بن حق، عبد الله بن الحمير حليف لبني حرام وهو أخو خارجة بن الحمير من أشجع، عبد الله بن الربيع بن
__________
(1) قتله مالك بن زهير (تاريخ خليفة).

قيس الخزرجي، عبد الله بن رواحة الخزرجي، عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الخزرجي (1) الذي أرى النداء، عبد الله بن سراقة العدوي لم يذكره موسى بن عقبة ولا الواقدي ولا ابن عائذ وذكره ابن إسحاق وغيره، عبد الله بن سلمة بن مالك العجلان حليف الانصار، عبد الله بن سهل بن رافع أخو بني زعورا، عبد الله بن سهيل بن عمرو خرج مع أبيه والمشركين ثم فر من المشركين إلى المسلمين فشهدها معهم.
عبد الله بن طارق بن مالك القضاعي حليف الاوس (2)، عبد الله بن عامر من بلى ذكره ابن إسحاق، عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي وكان أبوه رأس المنافقين، عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سلمة زوج أم سلمة قتل يومئذ، عبد الله بن عبد مناف بن النعمان السلمي، عبد الله بن عبس، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عبد الله بن عرفطة بن عدي الخزرجي، عبد الله بن عمر بن حرام السلمي أبو جابر، عبد الله بن عمير بن عدي الخزرجي، عبد الله بن قيس بن خالد النجاري، عبد الله بن قيس بن صخر بن حرام السلمي.
عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار جعله النبي صلى الله عليه وسلم مع عدي بن أبي الزغباء على النفل يوم بدر، عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى من المهاجرين الاولين، عبد الله بن مسعود الهذلي حليف بني زهرة من المهاجرين الاولين، عبد الله بن مظعون الجمحي من المهاجرين الاولين، عبد الله بن
النعمان بن بلدمة السلمي، عبد الله بن أنيسة بن النعمان السلمي، عبد الرحمن بن جبر بن عمرو أبو عبيس الخزرجي، عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة أبو عقيل القضاعي البلوي، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري أحد العشرة رضي الله عنهم، عبس بن عامر بن عدي السلمي، عبيد بن التيهان أخو أبو الهيثم بن التيهان ويقال عتيك بدل عبيد، عبيد بن ثعلبة من بني غنم بن مالك، عبيد بن زيد بن عامر بن عمرو بن العجلان بن عامر، عبيد بن أبي عبيد، عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أخو الحصين والطفيل وكان أحد الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر فقطعت يده ثم مات بعد المعركة رضي الله عنه، عتبان بن مالك بن عمرو الخزرجي عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية البهراني حليف بني أمية بن لوذان، عتبة بن عبد الله بن صخر السلمي، عتبة بن غزوان بن جابر من المهاجرين الاولين، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الاموي أمير المؤمنين أحد الخلفاء الاربعة وأحد العشرة تخلف على زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، عثمان بن مظعون الجمحي أبو السائب أخو عبد الله وقدامة من المهاجرين الاولين، عدي بن أبي الزغباء الجهني وهو الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسبس بن عمرو بين يديه عينا، عصمة بن
__________
(1) في الاصابة: عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد الله.
(2) في الاصابة: عبد الله بن طارق بن عمرو بن مالك البلوي حليف بني ظفر.

الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان، عصيمة حليف لبني الحارث بن سوار من أشجع وقيل من بني أسد بن خزيمة، عطية بن نويرة بن عامر بن عطية الخزرجي، عقبة بن عامر بن نابي السلمي، عقبة بن عثمان بن خلدة الخزرجي أخو سعد بن عثمان، عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري وقع في صحيح البخاري أنه شهد بدرا وفيه نظر عند كثير من أصحاب المغازي ولهذا لم يذكروه، عقبة بن وهب بن ربيعة الاسدي أسد خزيمة حليف لبني عبد شمس وهو أخو شجاع بن وهب من المهاجرين الاولين، عقبة بن وهب بن كلدة حليف بني غطفان، عكاشة بن محصن
الغنمي من المهاجرين الاولين وممن لا حساب عليه، علي بن أبي طالب الهاشمي أمير المؤمنين أحد الخلفاء الاربعة وأحد الثلاثة الذين بارزوا يومئذ رضي الله عنه، عمار بن ياسر العنسي المذحجي من المهاجرين الاولين، عمارة بن حزم بن زيد النجاري، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أحد الخلفاء الاربعة وأحد الشيخين المقتدى بهم رضي الله عنهما، عمر بن عمرو بن إياس من أهل اليمن حليف لبني لوذان بن عمرو بن سالم وقيل هو أخو ربيع وورقة، عمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر أبو حكيم، عمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبشة بن الحارث بن فهر الفهري، عمرو بن سراقة العدوى من المهاجرين، عمرو بن أبي سرح الفهري من المهاجرين.
وقال الواقدي وابن عائذ معمر بدل عمرو، عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم وهو في بني حرام، عمرو بن الجموح بن حرام الانصاري، عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم ذكره الواقدي والاموي، عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر أبو خارجة ولم يذكره موسى بن عقبة، عمرو بن عامر بن الحارث الفهري ذكره موسى بن عقبة، عمرو بن معبد بن الازعر الاوسي، عمرو بن معاذ الاوسي أخو سعد بن معاذ.
عمير بن الحارث بن ثعلبة ويقال عمرو بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة السلمي، عمير بن حرام بن الجموح السلمي ذكره ابن عائذ والواقدي، عمير بن الحمام بن الجموح بن عم الذي قبله قتل يومئذ شهيدا (1)، عمير بن عامر بن مالك بن الخنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن أبو داود المازني، عمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو وسماه الاموي وغيره عمرو بن عوف وكذا وقع في الصحيحين في حديث بعث أبي عبيدة إلى البحرين، عمير بن مالك بن أهيب الزهري أخو سعد بن أبي وقاص قتل يومئذ شهيدا (2)، عنترة مولى بني سليم وقيل إنه منهم فالله أعلم، عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث النجاري وهو ابن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجارية قتل يومئذ شهيدا، عويم بن ساعدة الانصاري من بني أمية بن زيد، عياض بن غنم الفهري من المهاجرين الاولين رضي الله عنهم أجمعين.
__________
(1) قتله خالد بن الاعلم (قاله خليفة بن خياط).
(2) قتله عمرو بن عبدود (قال خليفة)

حرف الغين غنام بن أوس الخزرجي ذكره الواقدي وليس بمجمع عليه.
حرف الفاء الفاكه بن بشر بن الفاكه الخزرجي، فروة بن عمرو بن ودفة الخزرجي.
حرف القاف قتادة بن النعمان الاوسي.
قدامة بن مظعون الجمحي من المهاجرين أخو عثمان وعبد الله، قطبة بن عامر بن حديدة السلمي.
قيس بن السكن النجاري، قيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد المازني كان على الساقة يوم بدر.
قيس بن محصن بن خالد الخزرجي، قيس بن مخلد بن ثعلبة النجاري.
حرف الكاف كعب بن حمان ويقال جمار ويقال جماز وقال ابن هشام كعب بن عبشان ويقال كعب بن مالك بن ثعلبة بن جماز وقال الاموي كعب بن ثعلبة بن حبالة بن غنم الغساني من حلفاء بني الخزرج بن ساعدة، كعب بن زيد بن قيس النجاري، كعب بن عمرو أبو اليسر السلمي، كلفة بن ثعلبة أحد البكائين ذكره موسى بن عقبة، كناز بن حصين بن يربوع أبو مرثد الغنوي من المهاجرين الاولين.
حرف الميم مالك بن الدخشم ويقال ابن الدخشن الخزرجي، مالك بن أبي خولى الجعفي حليف بني عدي، مالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي، مالك بن قدامة الاوسي، مالك بن عمرو أخو ثقف بن عمرو وكلاهما مهاجري وهما من حلفاء بني تميم بن دودان بن أسد، مالك بن قدامة الاوسي، مالك بن مسعود الخزرجي، مالك بن ثابت بن نميلة المزني حليف لبني عمرو بن عوف،
مبشر بن عبد المنذر بن زنير الاوسي أخو أبي لبابة ورفاعة قتل يومئذ شهيدا (1)، المجذر بن زياد البلوي مهاجري، محرز بن عامر النجاري، محرز بن نضلة الاسدي حليف بني عبد شمس مهاجري، محمد بن مسلمة حليف بني عبد الاشهل، مدلج ويقال مدلاج بن عمرو أخو ثقف بن عمرو مهاجري، مرثد بن أبي مرثد الغنوي، مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين الاولين وقيل اسمه عوف، مسعود بن أوس الانصاري النجاري، مسعود بن خلدة الخزرجي، مسعود بن ربيعة القاري حليف بني زهرة مهاجري، مسعود بن سعد ويقال ابن عبد سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، مسعود بن سعد بن قيس الخزرجي، مصعب بن عمير العبدري مهاجري كان معه اللواء يومئذ، معاذ بن جبل الخزرجي،
__________
(1) قتله أبو ثور (تاريخ خليفة)

معاذ بن الحارث النجاري وهذا هو ابن عفراء أخو عوف ومعوذ، معاذ بن عمرو بن الجموح الخزرجي، معاذ بن ماعض الخزرجي أخو عائذ، معبد بن عباد بن قشير بن الفدم بن سالم بن غنم ويقال معبد بن عبادة بن قيس وقال الواقدي قشعر بدل قشير وقال ابن هشام قشعر أبو خميصة، معبد بن قيس بن صخر السلمي أخو عبد الله بن قيس، معتب بن عبيد بن إياس البلوي القضاعي، معتب بن عوف الخزاعي حليف بني مخزوم من المهاجرين، معتب بن قشير الاوسي معقل بن المنذر السلمي، معمر بن الحارث الجمحي من المهاجرين، معن بن عدي الاوسي، معوذ بن الحارث الجمحي وهو ابن عفراء أخو معاذ بن عوف، معوذ بن عمرو بن الجموح السلمي لعله أخو معاذ بن عمرو، المقداد بن عمرو البهراني وهو المقداد بن الاسود من المهاجرين الاولين وهو ذوالمقال المحمود ابن المتقدم ذكره وكان أحد الفرسان يومئذ، مليل بن وبرة الخزرجي، المنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي، المنذر بن قدامة بن عرفجة الخزرجي، المنذر بن محمد بن عقبة الانصاري من بني جحجبي، مهجع مولى عمر بن الخطاب أصله من اليمن وكان أول قتيل من المسلمين يومئذ.
حرف النون نصر بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر بن كعب، نعمان بن عبد عمرو النجاري وهو أخو الضحاك.
نعمان بن عمرو بن رفاعة النجاري، نعمان بن عصر بن الحارث حليف لبني الاوس، نعمان بن مالك بن ثعلبة الخزرجي ويقال له قوقل، نعمان بن يسار مولى لبني عبيد ويقال نعمان بن سنان.
نوفل بن عبيدالله بن نضلة الخزرجي.
حرف الهاء هانئ بن نيار أبو بردة البلوي خال البراء بن عازب، هلال بن أمية الواقفي وقع ذكره في أهل بدر في الصحيحين في قصة كعب بن مالك ولم يذكره أحد من أصحاب المغازي، هلال بن المعلى الخزرجي أخو رافع بن المعلى.
حرف الواو واقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي من المهاجرين، وديعة بن عمرو بن جراد الجهني ذكره الواقدي وابن عائذ، ورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي أخو ربيع بن إياس، وهب بن سعد بن أبي سرح ذكره موسى بن عقبة وابن عائذ والواقدي في بني عامر بن لؤي ولم يذكره ابن إسحاق

حرف الياء يزيد بن الاخنس بن جناب بن حبيب بن جرة السلمي قال السهيلي شهد هو وأبوه وابنه يعني بدرا ولا يعرف لهم نظير في الصحابة ولم يذكرهم ابن إسحاق والاكثرون لكن شهدوا معه بيعة الرضوان، يزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي وهو الذي يقال له ابن قسحم (1) وهي أمة قتل يومئذ شهيدا ببدر، يزيد بن عامر بن حديدة أبو المنذر السلمي، يزيد بن المنذر بن سرح السلمي وهو أخو معقل بن المنذر.
باب الكنى
أبو أسيد مالك بن ربيعة تقدم، أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجاري وقال ابن هشام أبو الاعور الحارث بن ظالم وقال الواقدي أبو الأعور كعب بن الحارث بن جندب بن ظالم، أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان تقدم.
أبو حبة بن عمرو بن ثابت أحد بني ثعلبة بن عمرو بن عوف الانصاري.
أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من المهاجرين وقيل اسمه مهشم، أبو الحمراء مولى الحارث بن رفاعة بن عفراء، أبو خزيمة بن أوس بن أصرم النجاري، أبو سبرة مولى أبي رهم بن عبد العزى من المهاجرين، أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين، أبو الصياح (2) بن النعمان وقيل عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة رجع من الطريق وقتل يوم خيبر رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه، أبوعرفجة من حلفاء بني جحجبي، أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو لبابة بشير بن عبد المنذر تقدم، أبو مرثد الغنوي كناز بن حصين تقدم، أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو تقدم، أبو مليل بن الازعر بن زيد الاوسي.
فصل فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلثمائة وأربعة عشر رجلا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو إسحاق سمعت البراء بن عازب يقول: حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ممن شهد بدرا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة.
قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن (3).
ثم رواه البخاري من طريق اسرائيل وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء نحوه.
قال ابن جرير:
__________
(1) في تاريخ خليفة: " ابن فسحم " قتله نوفل بن معاوية.
(2) في ابن هشام: أبو ضياح بن ثابت بن النعمان.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 6 باب عدة أصحاب بدر ح 3959 فتح الباري 7 / 290 و 7 / 391.

وهذا قول عامة السلف إنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.
وقال أيضا حدثنا محمود ثنا وهب
عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء.
قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والانصار نيفا وأربعين ومائتين.
هكذا وقع في هذه الرواية وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، ثنا أبو مالك الجبني عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان المهاجرون يوم بدر [ سبعة و ] (1) سبعين رجلا.
وكان الانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا.
وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.
وحامل راية الانصار سعد بن عبادة.
وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلثمائة وستة رجال.
قال ابن جرير: وقيل كانوا ثلثمائة وسبعة رجال.
قلت: وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم والاول عدهم بدونه فالله أعلم.
وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا.
وأن الاوس أحد وستون رجلا.
والخزرج مائة وسبعون رجلا وسردهم.
وهذا مخالف لما ذكره البخاري ولما روى عن ابن عباس فالله أعلم.
وفي الصحيح عن أنس: أنه قيل له شهدت بدرا.
فقال وأين أغيب ؟ وفي سنن أبي داود عن سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال: كنت أميح لاصحابي الماء يوم بدر وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء فالله أعلم.
قلت: وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم: عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره، وطلحة بن عبيدالله كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره (2) وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق (3) وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه زاد الواقدي: وأجره، وخوات بن جبير (4) لم يحضر
الوقعة وضرب له بسهمه وأجره، وأبو الصياح بن ثابت (5) خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب ساقه
__________
(1) من تاريخ الطبري ج 2 / 272.
(2) قال الواقدي: سعيد بن زيد وطلحة بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحسسان له العير.
(3) قال الواقدي: رده من الروحاء.
(4) في الواقدي: كسر بالروحاء.
(5) ذكره الواقدي فيمن حضر بدر وسماه: أبو ضياح بن ثابت من بني ثعلبة بن عمرو بن عوف.

فصيل حجر فرجع وضرب له بسهمه وأجره قال الواقدي وسعد أبو مالك (1) تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء فضرب له بسهمه وأجره (2).
وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين ستة وهم: عبيدة بن الحارث بن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء رحمه الله، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري قتله العاص بن سعيد (3) وهو ابن ست عشرة سنة ويقال إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل رضي الله عنه، وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي (4)، وصفوان بن بيضاء (5)، وعاقل بن البكير (6) الليثي حليف بني عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ (7)، ومن الانصار ثمانية وهم: حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومعوذ وعوف ابنا عفراء (Cool، ويزيد بن الحارث (9) - ويقال ابن قسحم - وعمير بن الحمام (10)، ورافع بن المعلى بن لوذان (11)، وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر (12) رضي الله عن جميعهم، وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم.
قال ابن إسحاق: وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الاسود واسمها بغرجة - ويقال ستجة - وعلى الاخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان يحمل إحداهما للمهاجرين علي بن أبي طالب، والتي للانصار يحملها سعد بن عبادة، وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق، ورأس مشورة الانصار سعد بن
معاذ.
__________
(1) في الواقدي: سعد بن مالك، وهو من بني البدي.
(2) وذكر الواقدي وابن اسحاق: أن صبيحا مولى أبي العاص بن أمية تجهز للخروج ثم مرض.
وأن عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان خرج فرده رسول الله وضرب له بسهمه مع أصحاب بدر - وقيل في سبب رده أنه بلغه شئ عن أهل مسجد الضرار، وكان قد استخلفه على قباء والعالية فرده لينظر في ذلك -.
وذكر الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لجعفر بن أبي طالب بسهمه وأجره، وقال: ولم يذكره أصحابنا.
(3) في الواقدي: قتله عمرو بن عبد، وقتل عمرو أيضا سعد بن خيثمة.
(4) قال الواقدي: قتله أبو أسامة الجشمي.
(5) قتله طعيمة بن عدي، ويقال قتل طعيمة أيضا سعد بن خيثمة.
(6) في الواقدي وابن سعد: ابن أبي البكير، قتله مالك بن زهير الجشمي.
(7) قتله عامر بن الحضرمي.
(Cool قتلهما أبو جهل.
(9) قتله نوفل بن معاوية الديلي.
(10) قتله خالد بن الاعلم.
قال الواقدي: وهو أول قتيل قتل من الانصار في الاسلام، ويقال: أول قتيل أنصاري قتل في الاسلام عاصم بن ثابت بن الافلح.
(11) قتله عكرمة بن أبي جهل.
(12) قتله أبو ثور.

وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا.
وقال الواقدي كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا وهذا التحديد يحتاج إلى دليل وقد تقدم في بعض الاحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف فلعله عدد أتباعهم معهم والله أعلم.
وقد تقدم الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنه قتل منهم سبعون وأسر
سبعون وهذا قول الجمهور، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له: فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود (1) وقد حكى الواقدي الاجماع على ذلك وفيما قاله نظر، فإن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك (2) وهما من ائمة هذا الشأن فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم.
وقد سرد أسماء القتلى والاسارى ابن إسحاق وغيره وحرر ذلك الحافظ الضياء في أحكامه جيدا وقد تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم وهو الاسود بن عبد الاسد المخزومي، وأول من فر وهو خالد بن الاعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بني مخزوم وما أفاده ذلك فإنه أسر وهو القائل في شعره: ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم فما صدق في ذلك، وأول من أسروا عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلا صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الاسارى، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين وأنه عليه السلام أطلق جماعة من الاسارى مجانا بلا فداء منهم أبو العاص بن الربيع الاموي، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي كما تقدم، وفادى بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الاسرى لئلا يحابيه لكونه عمه مع أنه قد سأله الذين أسروه من الانصار أن يتركوا له فداءه فأبى عليهم ذلك، وقال لا تتركوا منه درهما، وقد كان فداؤهم متفاوتا فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب.
قال موسى بن عقبة وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه كما قال الامام أحمد حدثنا علي بن عاصم قال: قال داود: ثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ناس من الاسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الانصار الكتابة، قال فجاء غلام يوما يبكي إلى أمه فقالت
__________
(1) العطن: معناه مبرك الابل حول الماء، واستعاره هنا لقتلى المشركين يوم بدر وعتبة بن ربيعة، والاسود بن عبد الاسد المخزومي.
(2) قال ابن عقبة وعروة: قتل من المشركين تسعة وأربعون رجلا وأسر منهم تسعة وثلاثون رجلا.
(الدرر في اختصار المغازي والسير ص 109).

ما شأنك ؟ فقال ضربني معلمي فقالت: الخبيث يطلب بدخل بدر والله لا تأتيه أبدا.
انفرد به أحمد وهو على شرط السنن وتقدم بسط ذلك كله ولله الحمد والمنة.
فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين قال البخاري في هذا الباب: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق عن حميد سمعت أنسا يقول: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الاخرى فترى ما أصنع فقال: " ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس " تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة عن أنس وأن حارثة كان في النظارة وفيه: " أن ابنك أصاب الفردوس الاعلى " وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فإن هذا الذي لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها فإذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا ثم روى البخاري ومسلم جميعا: عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب قصة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ولفظ البخاري " أليس من أهل بدر ولعل الله
اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم - " فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم.
وروى مسلم عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير عن جابر أن عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا حاطبا قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبت لا يدخلها إنه شهد بدرا والحديبية " وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثني الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبية " تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم.
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال: إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".
ورواه أبو داود عن أحمد بن سنان وموسى بن إسماعيل كلاهما عن يزيد بن هارون به.
وروى البزار في

مسنده ثنا محمد بن مرزوق ثنا أبو حذيفة ثنا عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لارجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله " ثم قال لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه.
قلت: وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه وهو على شرط الصحيح والله أعلم.
وقال البخاري في (1) باب شهود الملائكة بدرا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير، عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري.
قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة قال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلى سبيله - يعني كما تقدم - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج (2) حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها، فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه (3) - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز: قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: حدثت
عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة فقالت يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت: فقلت ما أردت ذلك، فقالت: أي ابنة عم لا تفعلي، إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطبني (4) مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال، قالت والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت: ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك.
قال ابن إسحاق: فتجهزت فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودج لها، وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والفهري (5) فروعها هبار بالرمح
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي فتح الباري 7 / 311.
(2) يأجج: اسم لمكانين: أحدهما: على ثمانية أميال من مكة.
والثاني: أبعد منه، وفيه بني مسجد الشجرة وبينه وبين مسجد التنعيم ميلان.
(3) شيعه: قريب منه.
قال في النهاية: نحوا من شهر.
(4) في ابن هشام: لا تضطني، وفي رواية لا تظطني: أي لا تستحي، وبالظاء: من ظنت أي لا تتهميني ولا تستريبي بي.
(5) من السهيلي، وفي الاصل وابن هشام لم يذكر اسم الفهري مع الواو بل هبار بن الاسود بن المطلب بن عبد العزى الفهري.
واسمه نافع بن عبد القيس كما ذكره ابن هشام وفي رواية البيهقي عن ابن إسحاق.

وهي في الهودج وكانت حاملا فيما يزعمون فطرحت (1) وبرك حموها كنانة ونثر كنانته، ثم قال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه.
وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال: يا أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا إن ذلك عن ذل
أصابنا وإن ذلك ضعف منا ووهن ولعمري مالنا بحبسها من أبيها من حاجة وما لنا من نؤرة.
ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الاصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها، قال ففعل.
وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك: أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العوارك وقد قيل إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر بعدما قتل منهم الذين قتلوا.
قال ابن إسحاق: فأقامت ليال حتى إذا هدأت الاصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى البيهقي في الدلائل: من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عروة عن عائشة فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه لتجئ معه فتلطف زيد فأعطاه راعيا من مكة فأعطى الخاتم لزينب فلما رأته عرفته فقالت من دفع إليك هذا ؟ قال رجل في ظاهر مكة فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هي أفضل بناتي أصيبت في " قال: فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين فأتى عروة فقال: ما حديث بلغني أنك تحدثته ؟ فقال عروة والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب واني انتقص فاطمة حقا هولها وأما بعد ذلك [ فلك ] (2) أن لا أحدث به أبدا (3).
قال ابن إسحاق فقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف.
قال ابن هشام هي لابي خيثمة: أتاني الذي لا يقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم وإخراجها لم يخز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم (4)
__________
(1) قيل أن هبار نخس الراحلة فسقطت على صخرة فهلك جنينها، ولم تزل تنزف دما حتى ماتت بالمدينة (أنظر الاستيعاب).
(2) من دلائل البيهقي.
(3) دلائل البيهقي باب ما جاء في زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم..ج 3 / 156.
(4) عطر منشم: مثل، يكنى به عن شدة الحرب، قيل في أصله أن منشم كانت امرأة من خزاعة تبيع العطر والطيب فيشرى منها للموتى، حتى تشاءموا بها لذلك.

وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم * ومن حربنا في رغم أنف ومندم قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه * بذي حلق جلد الصلاصل محكم فأقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس من لهام مسوم نزوع قريش الكفر حتى نعلها * بخاطمة فوق الانوف بميسم ننزلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم يدى الدهر حتى لا يعوج سربنا * ونلحقهم آثار عاد وجرهم ويندم قوم لم يطيعوا محمدا * على أمرهم وأي حين تندم فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم فأبشر بخزي في الحياة معجل * وسربال قار خالدا في جهنم قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر هو عامر بن الحضرمي.
وقال ابن هشام إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي فأما عامر بن الحضرمي فإنه قتل يوم بدر.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الاشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدوسي، عن أبي هريرة.
قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها فقال: " إن ظفرتم بهبار بن الاسود والرجل (1) الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار " فلما كان الغد بعث إلينا فقال: " إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموها، ثم رأيت أنه لا ينبغي لاحد أن يحرق بالنار إلا الله عزوجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما " تفرد به ابن إسحاق وهو على شرط السنن ولم يخرجوه وقال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا الليث عن بكير عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا فاحرقوهما بالنار " ثم قال حين أردنا الخروج: " إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وأن النار لا
يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموها فاقتلوهما " وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: " أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت " قالوا نعم ! قال: " أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم وإنه بجير على المسلمين أدناهم " ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال: " أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له " قال:
__________
(1) في ابن هشام: أو الرجل الآخر، ويعني نافع بن عبد القيس.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الاسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت.
ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الاول ولم يحدث شيئا [ بعد ست سنين ] (1)، وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي ليس بإسناده بأس ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين.
وقال السهيلي لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت وفي لفظ ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين، وفي رواية بعد سنتين بالنكاح الاول رواه ابن جرير وفي رواية لم يحدث نكاحا.
وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فإن
كان قبل الدخول تعجلت الفرقة وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة فإن أسلم فيها استمر على نكاحها وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها وزينب رضي الله عنها أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد بدر بشهر وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان فمن قال ردها عليه بعد ست سنين أي من حين هجرتها فهو صحيح ومن قال بعد سنتين أي من حين حرمت المسلمات على المشركين فهو صحيح أيضا، وعلى كل تقدير فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها فكيف ردها عليه بالنكاح الاول ؟ فقال قائلون يحتمل أن عدتها لم تنقض وهذه قصة يمين يتطرق إليها الاحتمال، وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الاول الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.
قال الامام أحمد هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيدالله العرزمي.
والعرزمي لا يساوي حديثه شيئا والحديث الصحيح الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على النكاح الاول.
وهكذا قال الدارقطني لا يثبت هذا الحديث والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الاول.
وقال الترمذي هذا حديث في إسناده مقال والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال آخرون بل الظاهر انقضاء عدتها، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف ففي قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى
__________
(1) من ابن إسحاق.

انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان وهي امرأته ما لم تتزوج وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه والله أعلم.
ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال (نكاح من أسلم من
المشركات وعدتهن) حدثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركي أهل الحرب يقاتلونهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه.
فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد هذا لفظه بحروفه، فقوله فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة لا تعتد بثلاثة قروء، وقد ذهب قوم إلى هذا وقوله فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه يقتضي أنه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنها ترد إلى زوجها الاول ما لم تنكح زوجا غيره كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء.
والله أعلم.
ما قيل من الاشعار في بدر العظمى فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق عن حمزة بن عبد المطلب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أمرا كان من عجب الدهر * وللحين أسباب مبينة الامر وما ذاك إلا أن قوما أفادهم * فخافوا تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر بجمعهم * وكانوا رهونا للركية من بدر (1) وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا إلينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية * لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يختلي الهام حدها * مشهرة الالوان بينة الاثر ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا * وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر (2) وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤي بن غالب * كرام تفر عن الذوائب من فهر أولئك قوم قتلوا في ضلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر
لواء ضلال قاد إبليس أهله * فخاس بهم، إن الخبيث إلى غدر
__________
(1) الركية: البئر غير المطوية.
(2) تجرجم: تسقط، الجفر: البئر المتسعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:21 am

وقال لهم، إذ عاين الامر واضحا * برئت إليكم ما بي اليوم من صبر فاني أرى مالا ترون وإنني * أخاف عقاب الله والله ذو قسر فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا * لدى مأزق فيه مناياهم تجري وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمدا.
وقال علي بن أبي طالب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل بما أنزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوي العقل فآمن أقوام بذاك وأيقنوا * فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم ذو العرش خبلا على خبل (1) وامكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف عصوا بها * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذي حمية * صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل تبيت عيون النائحات عليهم * تجود بإسبال الرشاش وبالوبل
نوائح تنعي عتبة الغي وابنه * وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل ثوى منهم في بئر بدر عصابة * ذوو نجدات في الحروب وفي المحل دعا الغي منهم من دعا فأجابه * وللغي أسباب مرمقة الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن الشغب والعدوان في أسفل السفل (2) وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث أيضا تركناها قصدا وقال كعب بن مالك: عجبت لامر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا * بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
__________
(1) الخبل: الفساد.
(2) في ابن هشام: في أشغل الشغل.

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم * من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا * بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والاوس حوله * له معقل منهم عزير وناصر وجمع بني النجار تحت لوائه * يمشون في الماذي والنقع ثائر (1) فلما لقيناهم وكل مجاهد * لاصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأن الله لا رب غيره * وأن رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت ريض خفاف كأنها * مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهن أبدنا جمعهم فتبددوا * وان يلاقي الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه * وعتبة قد غادرته وهو عائر وشيبة والتيمي غادرت في الوغى * وما منهم إلا بذي العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها * وكل كفور في جهنم صائر
تلظى عليهم وهي قد شب حميها * بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا * فولوا وقالوا: إنما أنت ساحر لامر أراد الله أن يهلكوا به * وليس لامر حمه الله زاجر وقال كعب في يوم بدر: ألا هل أتى غسان في نأي دارها * وأخبر شئ بالامور عليمها بأن قد رمتنا عن قسي عداوة * معد معا جهالها وحليمها لانا عبدنا الله لم نرج غيره * رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها نبي له في قومه إرث عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤي عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها وقال كعب أيضا: لعمر أبيكما يا ابني لؤي * على زهو لديكم وانتخاء لما حامت فوارسكم ببدر * ولا صبروا به عند اللقاء وردناه ونور الله يجلو * دجى الظلماء عنا والغطاء رسول الله يقدمنا بأمر * من أمر الله أحكم بالقضاء
__________
(1) الماذي: الدروع البيض اللينة السهلة، وقد تطلق على السلاح كله.

فما ظفرت فوارسكم ببدر * وما رجعوا إليكم بالسواء فلا تعجل أبا سفيان وارقب * جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها * وميكال فيا طيب الملاء وقال حسان بن ثابت: قال ابن هشام: ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي (1):
مستشعري حلق الماذي يقدمهم * جلد النحيزة ماض غير رعديد (2) أعني رسول إله الخلي فضله * على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم * وماء بدر زعمتم غير مورود (3) مستعصمين بحبل غير منجذم * مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود واف وماض شهاب يستضاء به * بدر أنار على كل الاماجيد وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة * إبادتنا الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر (4) قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيية (وشيبة) يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده * وطعمة أيضا عند ثائرة القتر فكم قد قتلنا من كريم مسود * له حسب في قومه نابه الذكر (5) تركناهموا للعاويات يتيتهم (يتينهم) * ويصلون نارا بعد حامية القعر (6) لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر (7) وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في يوم بدر، في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلي
__________
(1) وردت القصيدة في ديوان حسان منسوبة إليه من غير اختلاف في ذلك.
(2) مستشعري: من استشعر، يقال استشعر الثوب: إذا لبسه على جسمه من غير حاجز، ومنه الشعار ما يلي الجسم من الثياب.
(3) في ابن هشام: غير مردود.
وبعده في سيرة ابن هشام: ثم وردنا ولم نسمع لقولكم * حتى شربنا رواء غير تصريد التصريد: تقليل الشرب.
والرواء: التملؤ من الشرب.
(4) قاصمة الظهر: الداهية التي تقصم الظهور، أي تكسرها فتبيتها (فتبينها).
(5) في ابن هشام مرز بدل مسود.
(6) يتينهم أي يأتونهم مرة بعد مرة.
(7) حامت: من الحماية، اي الامتناع، وفي رواية خامت: أي جبنت.

مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأنكرها ابن هشام: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة * يهب لها من كان عن ذاك نائيا بعتبة إذ ولى وشيبة بعده * وما كان فيها بكر عتبة راضيا فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم * أرتجي بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت * من الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا تعرفت صفوه * وعاجلته حتى فقدت الا دانيا فأكرمني الرحمن من فضل منه * بثوب من الاسلام غطى المساويا وما كان مكروها إلي قتالهم * غداة دعا الاكفاء من كان داعيا ولم يبغ إذ سألوا النبي سواءنا * ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا لقيناهم كالاسد تخطر بالقنا * نقاتل في الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائبا (1) وقال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت أيضا يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر ؟ وتركه قومه لا يقاتل دونهم: تبلت فؤادك في المنام خريدة * تشفي الضجيع ببارد بسام (2) كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عاتق كدم الذبيح مدام (3) نفج الحقيبة بوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الاقسام (4) بنيت على قطن أجم كأنه * فضلا إذا قعدت مداك رخام (5) وتكاد تكسل أن تجئ فراشها * في جسم خرعبة وحسن قوام (6)
أما النهار فلا أفتر أذكرها * والليل توزعني بها أحلامي أقسمت أنساها وأترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامي بكرت إلي بسحرة بعد الكرى * وتقارب من حادث الايام
__________
(1) قال أبو ذر في غريب السيرة: المنائيا: يريد المنايا، وقد تكون الهمزة متقلبة عن الياء الزائدة في منية.
(2) رواية الديوان وابن هشام: تسقي بدل: تشفي.
(3) العاتق: الخمر القديمة، قال الخشني في غريب السيرة: وتروى عاتك: وهي الخمرة القديمة التي احمرت (4) نفج: مرتفعة وعالية.
والحقيبة: هنا ردف المرأة.
(5) القطن: ما بين الوركين إلى بعض الظهر.
(6) خرعبة: الحسنة القوام.

زعمت بأن المرء يكرب عمره * عدم لمعتكر من الاصرام (1) إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام (2) يذر العناجيج الجياد بقفرة * مر الذمول بمحصد ورجام (3) ملات به الفرجين فارمدت به * وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الاله به ذوي الاسلام طحنتهم والله ينفذ أمره * حرب يشب سعيرها بضرام لولا الاله وجريها لتركنه * جزر السباع ودسنه بحوامي (4) من بين مأسور يشد وثاقة * صقر إذا لاقى الاسنة حامي (5) ومجدل لا يستجيب لدعوة * حتى تزول شوامخ الاعلام بالعار والذل المبين إذا رأى * بيض السيوف تسوق كل همام
بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه * نسب القصار سميدع مقدام (6) بيض إذا لاقت حديدا صممت * كالبرق تحت ظلال كل غمام قال ابن هشام تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها (7).
قال ابن هشام فأجابه الحارث بن هشام أخو أبي جهل عمرو بن هشام فقال: القوم أعلم ما تركت قتالهم * حتى رموا فرسي بأشقر مزبد (Cool وعرفت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي فصددت عنهم والاحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
__________
(1) الاصرام: جمع صرم وصرم جمع صرمة بالكسر وهي القطعة من الابل ما بين العشرين إلى الاربعين.
والمعتكر: الابل التي يرجع بعضها على بعض، فلا يمكن عدها لكثرتها.
(2) بعده في الديوان: جرداء تمزع في الغبار كأنها * سرحان غاب في ظلال غمام (3) في ابن هشام والديوان: الدموك بدل الذمول، الدموك: البكرة بآلتها، والمحصد: الحبل الشديد الفتل الرجام: حجر يربط في الدلو، ليكون أسرع لها عند إرسالها في البئر.
(4) حوامي: جمع جامية، وهي ما عن يمين سنبك الفرس وشماله.
(5) البيت في الديوان: من كل مأسور يشد صفاده * صقر إذا لاقى الكتيبة حامي (6) القصار: أراد بهم الذين قصر سعيهم عن طلب المكارم.
(7) في ديوان حسان خمسة أبيات بعد هذا البيت لا ثلاثة.
(Cool في ابن هشام: الله أعلم مكان القوم أعلم.
وشطره الثاني في ابن هشام: حتى حبوا مهري...وفي السهيلي:: حتى علوا مهري

وقال حسان أيضا:
يا حار قد عولت غير معول * عند الهياج وساعة الاحساب إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة * مرطى الجراء طويلة الاقراب (1) والقوم خلفك قد تركت قتالهم * ترجو النجاء وليس حين ذهاب ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى * قعص الاسنة ضائع الاسلاب (2) عجل المليك له فأهلك جمعه * بشنار مخزية وسوء عذاب وقال حسان أيضا: لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الاسر والقتل الشديد بأنا حين تشتجر العوالي * حماة الحرب يوم أبي الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم سارا * إلينا في مضاعفة الحديد وفر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالاسود وولت عند ذاك جموع فهر * وأسلمها الحويرث من بعيد لقد لاقيتموا ذلا وقتلا * جهيزا نافذا تحت الوريد وكل القوم قد ولوا جميعا * ولم يلووا على الحسب التليد وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا * وحلما أصيلا وافر اللب والعقل (3) عبيدة فابكيه لاضياف غربة * وأرملة تهوي لاشعث كالجذل وبكيه للاقوام في كل شتوة * إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكيه للايتام والريح زفزف * وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها * فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى * ومستنبح أضحى لديه على رسل (4) وقال الاموي في مغازيه حدثني سعيد بن قطن قال قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا:
__________
(1) سرح اليدين: يريد بها الفرس.
(2) القعص: القتل بسرعة.
(3) الصفراء: موضع بين مكة والمدينة.
(4) مستنبح: الرجل الذي يضل بالليل، فيتكلف نباح الكلب فيهتدي بصياحه.

ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم * بتأويلها فل من القوم هارب (1) رأى فأتاكم باليقين الذي رأى * بعينيه ما تفري السيوف القواضب فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما * يكذبني بالصدق من هو كاذب (2) وما جاء إلا رهبة الموت هاربا * حكيم وقد أعيت عليه المذاهب أقامت سيوف الهند دون رءوسكم * وخطية فيها الشبا والتغالب كأن حريق النار لمع ظباتها * إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب ألا بأبي يوم اللقاء محمدا * إذا عض من عون الحروب الغوارب مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم * كفاحا كما تمري السحاب الجنائب (3) فكم بردت أسيافه من مليكة * وزعزع ورد بعد ذلك صالب فما بال قتلى في القليب ومثلهم * لدى ابن أخي أسرى له ما يضارب فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم * من الله حين ساق والحين حالب فكيف رأى عند اللقاء محمدا * بنو عمه والحرب فيها التجارب ألم يغشكم ضربا يحار لوقعه * الجبان وتبدو بالنهار الكواكب حلفت لئن عادوا لنصطلينهم * بخارا تردى تجر فيها المقانب (4) كأن ضياء الشمس لمع ظباتها * لها من شعاع النور قرن وحاجب وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الاموي: هلا صبرتم للنبي محمد * ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر
ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها * حريق بأيدي المؤمنين بواتر ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا * قليلا بأيدي المؤمنين المشاعر ووليتموا نفرا وما البطل الذي * يقاتل من وقع السلاح بنافر أتاكم بما جاء النبيون قبله * وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر سيكفي الذي ضيعتموا من نبيكم * وينصره الحيان: عمرو وعامر وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا
__________
(1) البيت في دلائل البيهقي: ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم * بتصديقها فل من القوم هارب (2) البيت في دلائل البيهقي: فقلتم - ولم أكذب - كذبت وإنما * يكذبنا بالصدق من هو كاذب (3) الجنائب: الرياح التي تهب جنوبا، وهي تمري السحاب تستنزل مطره.
(4) في نسخ البداية المطبوعة تجربتها (تجريتها) والصواب: تجر فيها.

يومئذ من قومه وهو بعد على دين قومه إذ ذاك: ألا إن عيني أنفذت دمعها سكبا * تبكي على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا * وأرداهموا إذ الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكي للملمات غدوة * فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا (1) فيا أخوينا عبد شمس ونوفل * فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا (2) ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة * أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا (3) فلولا دفاع الله لا شئ غيره * لاصبحتموا لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطئ التربا
أخا ثقة في النائبات مرزءا * كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا فوالله لا تنفك نفسي حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا فصل وقد ذكر ابن إسحاق أشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخي بني محارب بن فهر وقد أسلم بعد ذلك، والسهيلي في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك: عجبت لفخر الاوس والحين دائر * عليهم غدا والدهر فيه بصائر (4) وفخر بني النجار إن كان معشر * أصيبوا ببدر كلهم ثم صائر (5) فان تك قتلى غودرت من رجالنا * فإنا رجال بعدهم سنغادر (6) وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم * بني الاوس حتى يشفي النفس ثائر (7)
__________
(1) في ابن هشام: لهما بدل لهم.
وفي ابن هشام بعده: هما أخواي لن يعدا لغية * تعد ولن يستام جارهما غصبا (2) في الاصل: ونوفل تحريف والصواب: ونوفلا من ابن هشام.
(3) في ابن هشام: وجيش أبي يكسوم.
(4) بصائر: جمع بصيرة، وهي الحجة والدليل قال تعالى: (بل الانسان على نفسه بصيرة) أي حجة.
(5) في ابن هشام: صابر.
(6) في الاصل: رجالا تحريف.
(7) العناجيج: جمع عنجوج، وهو الطويل السريع.
والثائر: الطالب بثأره.

ووسط بني النجار نكرها * لها بالقنا والدارعين زوافر (1) فنترك صرعى تعصب الطير حولهم * وليس لهم إلا الاماني ناصر
وتبكيهم من أرض يثرب نسوة * لهن بها ليل عن النوم ساهر وذلك أنا لا تزال سيوفنا * بهن دم ممن يحاربن ماثر فان تظفروا في يوم بدر فإنما * بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر (2) وبالنفر الاخيار هم أولياؤه * يحامون في اللاواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى علي وسط من أنت ذاكر (3) أولئك لا من نتجت من ديارها * بنو الاوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤي بن غالب * إذا عدت الانساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك * غداة الهياج الاطيبون الاكابر فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها وهي قوله: عجبت لامر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر واسمه شداد بن الاسود بن شعوب.
قلت: وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر: تحيي بالسلامة أم بكر * وهل لي بعد قومي من سلام فماذا بالقليب قليب بدر * من القينات والشرب الكرام وماذا بالقليب قليب بدر * من الشيزى تكلل بالسنام (4) وكم لك بالطوي طوي بدر * من الحومات والنعم المسام وكم لك بالطوى طوى بدر * من الغايات والدسع العظام
__________
(1) زوافر: جمع زافرة: وهي الحاملات للثقل.
(2) قصيدة ضرار بن الخطاب قسمان: القسم الاول منها إلى هنا يسلك فيه ضرار سبيل التهديد والوعيد بما ستحققه قريش من إدراك ثأرها - وهو لا ينظر إلى الامر من زاوية الحرب بين مسلمين ومشركين - بل هي حرب بين قريش والانصار فهي في نظره حرب قبلية لا حرب دفاع عن دين.
والقسم الثاني في قصيدته من هنا يتخذ وجهة أخرى، تتجه فيها معانيه إلى عصبية قرشية واضحة، وهي الفخر بالمهاجرين من قريش على اخوانهم من الانصار.
(3) بعده في ابن هشام: ويدعى أبو حفص وعثمان منهم * وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر (4) الشيزى: جفان من خشب.
والسنام: لحم ظهر البعير وإنما أراد أصحابها الذين يطعمون فيها.

وأصحاب الكريم أبي علي * أخي الكأس الكريمة والندام وانك لو رأيت أبا عقيل * وأصحاب الثنية من نعام إذا لظللت من وجد عليهم * كأم السقب جائلة المرام يخبرنا الرسول لسوف نحيا * وكيف حياة أصداء وهام قلت وقد أورد البخاري بعضها في صحيحه ليعرف به حال قائلها.
قال ابن إسحاق وقال أمية بن أبي الصلت يرثي من قتل من قريش يوم بدر: ألا بكيت على الكرا * م بني الكرام أولي الممادح كبكاء الحمام على فرو * ع الايك في الغصن الجوانح (1) يبكين حرا مستكي * نات يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيا * ت المعولات من النوائح من يبكيهم يبكي على * حزن ويصدق كل مادح ماذا ببدر والعقن * قل من مرازبة جحاجح (2) فمدافع البرقين فال * حنان من طرف الاواشح (3) شمط وشبان بها * ليل مغاوير وحاوح (4) ألا ترون لما أرى * ولقد أبان لكل لامح أن قد تغير بطن مك * ة فهي موحشة الاباطح
من كل بطريق لبط * ريق نقي الود واضح (5) دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق فاتح (6) ومن السراطمة الخلا * جمة الملاوثة المناجح (7) القائلين الفاعل * ين الآمرين بكل صالح المطعمين الشحم فو * ق الخبز شحما كالانافح (Cool
__________
(1) الجوانح: الموائل.
(2) العقنقل: الكثيب من الرمل المنعقد.
والمرازبة واحدها مرزبان: الرئيس الجحاجح: جمع جحجاح.
السيد.
(3) البرقين والحنان والاواشح: مواضع.
(4) وحاوح: جمع وحواح وهو القوي النفس (5) في ابن هشام: نقي اللون.
(6) دعموص: دويبة تغوص في الماء.
(7) السراطمة: جمع سرطم وهو الواسع الحلق.
والخلاجمة: جمع خلجم: وهو الضخم الطويل.
(Cool الانافح: جمع إنفحة وهي شئ يخرج من بطن ذي الكرش داخله أصفر فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن.

نقل الجفان مع الجفا * ن إلى جفان كالمناضح (1) ليست بأصفار لمن * يعفو ولا رح رحارح (2) للضيف ثم الضيف بعد الضيف والبسط السلاطح (3) وهب المئين من المئ * ين إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤبل صادرات عن بلادح لكرامهم فوق الكرا * م مزية وزن الرواجح كمثاقل الارطال بال * قسطاس بالايدي الموائح (4)
خذلتهموا فئة وهم * يحمون عورات الفضائح الضاربين التقدمية * بالمهندة الصفائح ولقد عناني صوتهم * من بين مستسق وصائح لله در بني ع * لي أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارة * شعواء تحجر كل نابح (5) بالمقربات المبعدا * ت الطامحات مع الطوامح مردا على جرد إلى * أسد مكالبة كوالح ويلاق قرن قرنه * مشي المصافح للمصافح بزهاء ألف ثم أل * ف بين ذي بدن ورامح قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين ودم المؤمنين واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر ذي العلم الاكمل والعقل الاشمل ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات وبذل الالوف والمئات في طاعة رب الارض والسموات، وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والاسلام رضي الله عن جميعهم ما اختلط الضياء والظلام.
وما تعاقبت الليالي والايام.
وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق رحمه الله خوف الاطالة وخشية الملالة وفيما أوردنا كفاية ولله الحمد والمنة.
وقد قال الاموي في
__________
(1) الممناضح: الحياض.
(2) رحارح: أي واسعة من غير عمق.
(3) السلاطح: الطوال العراض.
(4) الموائح: التي تتمايل لثقل ما ترفعه.
(5) تحجر، وتروى تجحر: أي تلجئه إلى جحره.

مغازيه سمعت أبي حدثنا سليمان بن أرقم عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن شعر الجاهلية (1).
قال سليمان فذكر ذلك الزهري فقال: عفا عنه إلا قصيدتين، كلمة أمية التي ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الاعشى التي يذكر فيها الاخوص.
وهذا حديث غريب وسليمان بن أرقم هذا متروك والله أعلم.
[ غزوة بني سليم في سنة ثنتين من الهجرة ] (2) قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان - أو في شوال (3) - ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري - أو ابن أم مكتوم الاعمى - قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى في إقامته تلك جل الاسارى من قريش.
قال السهيلي: والقرقرة الارض الملساء، والكدر طير في ألوانها كدرة.
فصل [ في غزوة السويق ] (4) قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن
__________
(1) لم يظهر للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم موقف من الشعر إلا من أمرين: الاول نهيه عن رواية الشعر الذي يذكر الاعراض ويثير كوامن الاحقاد ويشيد بالعصبية والانساب.
والثاني: محاربته غلبة الشعر على قلب المرء حتى يشغله عن دينه وإقامة فروضه ويمنعه من ذكر الله وأثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه.
وقد كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشعراء - أيا كانوا - وفق هذا المنهج فقد أباح لهم قول الشعر واستمع إليهم وأشاد بشعرهم وأثاب عليه.
(2) سقط من نسخ البداية المطبوعة.
واستدرك من كتب المغازي والسير.
وتسمى بغزوة قرارة الكدر أو قرقرة الكدر.
وقرارة الكدر وهي بناحية معدن بني سليم قريب من الارحضية وراء سد معونة، وبين المعدن والمدينة ثمانية برد (طبقات ابن سعد 2 / 31).
(3) في الواقدي وابن سعد للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره وغاب عن المدينة خمس عشرة ليلة.
وحمل لواؤه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وفي كامل ابن الاثير: لعشر ليال مضين من شوال سنة ثنتين.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: في غزوة بني سليم وهو تحريف، وما أثبتناه من كتب المغازي والسير.
وكانت كما في

لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الانصار - حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة (1) حتى يغزو محمدة، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: نيب (2) من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلا (3) من الانصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم.
قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر، قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أزوادا كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق (4)، فسميت غزوة السويق.
قال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة ؟ قال نعم.
قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ويمدح سلام بن مشكم
اليهودي: وإني تخيرت المدينة واحدا * لحلف فلم أندم ولم أتلوم (5) سقاني فرواني كميتا مدامة * على عجل مني سلام بن مشكم ولما تولى الجيش قلت ولم أكن * لافرحه: أبشر بعز ومغنم تأمل فإن القوم سر وإنهم * صريح لؤى لاشماطيط جرهم وما كان إلا بعض ليلة راكب * أتى ساعيا من غير خلة معدم
__________
الواقدي وابن سعد وابن الاثير: يوم الاحد لخمس خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره.
(1) قال السهيلي: الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم وإسماعيل كما بقي معهم الحج والنكاح.
(2) في الطبري: تيت، قال في معجم البلدان وهو جبل قرب اليمامة، وفي كتاب نصر: تيب جبل قرب المدينة (معجم البلدان - ج 2: مادة تيت).
(3) قال ابن الاثير في الكامل: واسمه معبد بن عمرو.
(4) السويق: قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزود به ملتوتا بماء أو سمن أو عسل (شرح المواهب اللدنية 1 / 553).
(5) في الواقدي بيتان فقط، هذا البيت والآخر: وذاك أبو عمرو يجود وداره * بيثرب مأوى كل أبيض خضرم

فصل في دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري عن علي بن
الحسين عن أبيه الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله من الخمس يومئذ فلما أردت ابتني فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي باذخر فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفي من الاقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الانصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت من فعل هذا ؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت وهو في شرب من الانصار وعنده قينته وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، قال علي فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت فقال مالك ؟ فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في البيت معه شرب فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدا لابي فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه.
هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الاموال من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها وقد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري وابن جرير وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم.
وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه رضي الله عنهم قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي وذلك قبل تحريم الخمر والله أعلم.
وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبادة السكران مسلوبة
لا تأثير لها لا في طلاق ولا إقرار ولا غير ذلك كما ذهب إليه من ذهب من العلماء كما هو مقرر في كتاب الاحكام.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجل سمع

عليا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فقلت ما لي من شئ ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها إليه فقال: " هل لك من شئ ؟ " قلت لا قال: " فأين درعك الخطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا ؟ " قال هي عندي قال: فأعطنيها قال فأعطيتها إياه.
هكذا رواه أحمد في مسنده وفيه رجل مبهم وقد قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثنا عبدة ثنا سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطها شيئا قال: ما عندي شئ.
قال أين درعك الحطمية (1) ؟ ورواه النسائي عن هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن أيوب السختياني به.
وقال أبو داود حدثنا كثير بن عبيد الحمصي ثنا أبو حيوة عن شعيب بن أبي حمزة حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا فقال يا رسول الله ليس لي شئ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطها درعك " فأعطاها درعه ثم دخل بها.
وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن علي قال: خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لا، قالت فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك، فقلت وعندي شئ أتزوج به ؟ فقالت أنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك، قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما جاء بك ألك حاجة ؟ " فسكت فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة، فقلت نعم ! فقال: " وهل عندك من شئ تستحلها به " فقلت: لا والله يا
رسول الله ! فقال: " ما فعلت درع سلحتكها " فوالذي نفس علي بيده أنها لخطمية ما قيمتها أربعة دراهم فقلت عندي.
فقال قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا - مات صغيرا - وأم كلثوم وزينب ثم روى البيهقي: من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن علي قال:
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا.
وأخرج ابن سعد في طبقاته 8 / 20: عن عكرمة: أن عليا خطب فاطمة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما تصدقها قال ما عندي ما أصدقها.
قال: فأين درعك الحطمية التي كنت منحتك ؟ قال: عندي.
قال: أصدقها إياها.
قال: فأصدقها وتزوجها.
قال عكرمة: كان ثمنها أربعة دراهم، وعنه قال: أمهر علي فاطمة بدنا قيمته أربعة دراهم وعن ابن دينار عن عكرمة قال: تزوجت فاطمة على بدن من حديد.
وعن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال.
أن النبي قال له: أين درعك الحطمية.

جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر (1).
ونقل البيهقي عن كتاب المعرفة لابي عبد الله بن منده أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك لسنة أخرى (2).
قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير فيكون ذلك كما ذكرناه في أوخر (أواخر) السنة الثانية والله أعلم.
فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة تقدم ما ذكرناه من تزويجه عليه السلام بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين، فكان
ممن توفي فيها الشهداء يوم بدر وهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصار تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور، وتوفي بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب لعنه الله كما تقدم، ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين وجدوا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفيت وساووا عليها التراب.
وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك.
ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوجه بأختها الاخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين ويقال إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الاخرى غيره رضي الله عنه وأرضاه.
وفيها حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف، وفيها فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم، وفيها فرضت الزكاة ذات النصب، وفرضت زكاة الفطر وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود بني حارثة وصانعوا المسلمين وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه ومنهم من انحل بالكلية فبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه.
__________
(1) الخبر في مسند أحمد 1 / 14 ودلائل البيهقي 3 / 161، وفي تجهيزها قال ابن سعد: كان فيما جهزت به سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف وتور من أدم وقربة وجاءوا ببطحاء فطرحوها في البيت.
(8 / 23).
(2) الخبر في تزويج فاطمة من علي رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 160 - 161 وأخرج الجزء الاخير منه أحمد في مسنده 1 / 14 وإسناده صحيح.

قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه.
قال ابن جرير: وقيل إن الحسن بن علي ولد فيها، قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها.
قال فإن
ويقال إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الاخرى غيره رضي الله عنه وأرضاه.
وفيها حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف، وفيها فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم، وفيها فرضت الزكاة ذات النصب، وفرضت زكاة الفطر وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود بني حارثة وصانعوا المسلمين وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه ومنهم من انحل بالكلية فبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه.
__________
(1) الخبر في مسند أحمد 1 / 14 ودلائل البيهقي 3 / 161، وفي تجهيزها قال ابن سعد: كان فيما جهزت به سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف وتور من أدم وقربة وجاءوا ببطحاء فطرحوها في البيت.
(8 / 23).
(2) الخبر في تزويج فاطمة من علي رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 160 - 161 وأخرج الجزء الاخير منه أحمد في مسنده 1 / 14 وإسناده صحيح.

قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه.
قال ابن جرير: وقيل إن الحسن بن علي ولد فيها، قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها.
قال فإن كانت هذه الرواية صحيحه فالقول الاول باطل (1).
تم الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة
__________
(1) الخبر في تاريخ الطبري 2 / 300 وفيه قال: ومات في هذه السنة في ذي الحجة عثمان بن مظعون فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع.
وقال: وفيها صلى يوم العاشر من ذي الحجة وخرج بالناس إلى المصلى فصلى بهم فذلك أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بالمدينة بالمصلى في عيد وذبح فيه بالمصلى بيده شاتين.

البداية والنهاية - ابن كثير ج 4
البداية والنهاية
ابن كثير ج 4

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه.
حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الرابع دار إحياء التراث العربي

...

سنة ثلاث من الهجرة في أولها كانت: غزوة نجد ويقال لها غزوة ذي أمر (1): قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزا نجدا، يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عثمان بن عفان.
قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع ولم يلق كيدا (2).
وقال الواقدي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بني ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه، فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الاول سنة ثلاث واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما (3) وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا، وهربت منه الاعراب في رؤوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف وذلك بمرأى من
المشركين، واشتغل المشركون في شؤونهم، فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد، فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم ؟ قال: الله.
ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني ؟ قال لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا.
فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: ويلك، مالك ؟ فقال: نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك وشهدت أن محمدا رسول الله والله
__________
(1) ذو أمر: واد بطريق فيد إلى المدينة على نحو ثلاث مراحل من المدينة بقرية النخيل (وفاء الوفاء ج 2 / 249) وتسمى في بعض كتب السير: غزوة غطفان انظر فيها: سيرة ابن هشام 3 / 49 مغازي الواقدي 1 / 195 ابن سعد 2 / 34 تاريخ الطبري 3 / 2 النويري 17 / 77 السيرة الحلبية 2 / 279 عيون الاثر 1 / 362.
(2) سيرة ابن هشام ج 3 / 49.
(3) في الكامل لابن الاثير: اثنتي عشرة ليلة، وكانت الغزوة في المحرم سنة ثلاث.

لا أكثر عليه جمعا، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام.
قال: ونزل في ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) الآية [ المائدة: 11 ] (1).
قال البيهقي: وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان، قلت: إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لان ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه ولم يكن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتله.
والله أعلم (2).
غزوة الفرع (3) من بحران قال ابن إسحاق: فأقام بالمدينة ربيعا الاول كله أو إلا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع.
وقال الواقدي: إنما كانت غيبته عليه السلام عن المدينة عشرة أيام.
فالله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:23 am

خبر يهود بني قينقاع في المدينة (4) وقد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فالله أعلم وهم المرادون بقوله تعالى (كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم) [ الحشر: 11 ] قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني قينقاع.
قال وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سوقهم ثم قال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم اني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.
فقالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك لا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعن (5) عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا) [ آل عمران: 12 - 13 ] يعني أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش (فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد
__________
(1) الخبر في الواقدي ج 1 / 195 وطبقات ابن سعد بنحوه ج 2 / 34.
(2) دلائل النبوة للبيهقي 3 / 169.
(3) الفرع: قرية من ناحية المدينة، بينها وبين المدينة ثمانية برد.
وبحران: موضع بين الفرع والمدينة.
وانظر في هذه الغزوة سيرة ابن هشام 3 / 50 مغازي الواقدي 1 / 196 ابن سعد 2 / 35 تاريخ الطبري 3 / 2 عيون الاثر 1 / 362 النويري 17 / 79 الكامل في التاريخ 2 / 142.
(4) انظر في غزوة بني قينقاع: سيرة ابن هشام ج 3، وابن سعد ج 2 تاريخ الطبري ج 3 مغازي الواقدي 1 / 176 عيون الاثر 2 / 352 السيرة الشامية ج 4 السيرة الحلبية ج 2.
(5) في ابن هشام: أو عن.

بنصره من يشاء أن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) [ آل عمران: 13 ] قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد.
قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر [ بن عبد الرحمن ] بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ هناك منهم فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه قال: فأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام: وكان يقال لها ذات الفضول.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسلني، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال ويحك أرسلني قال: لا والله لا أرسك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الاحمر والاسود تحصدهم في غداة واحدة اني والله امرؤ أخشى الدوائر.
قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك.
قال ابن هشام واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي عن عبادة بن الوليد بن (1) عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) الآيات حتى قوله
(فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) يعني عبد الله بن أبي إلى قوله (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) يعني عبادة بن الصامت.
وقد تكلمنا على ذلك في التفسير.
سرية زيد بن حارثة [ إلى ذي القردة ] (2) إلى عير قريش صحبة أبي سفيان أيضا وقيل صحبة صفوان * قال يونس بن (3) بكير عن ابن
__________
(1) من ابن هشام، وفي الاصل عن تحريف.
(2) من كتب المغازي.
(3) من ابن هشام والبيهقي وفي الاصل عن تحريف.

إسحاق: وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر.
قال ابن إسحاق: وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان يعني العجلي حليف بني سهم ليدلهم على تلك الطريق.
قال ابن إسحاق فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة (1) فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك حسان بن ثابت: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك (2) بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا: لها ليس الطريق هنالك قال ابن هشام: وهذه القصيدة في أبيات لحسان، وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث.
وقال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الاولى (3) على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم بن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه واجتمع بكنانة بن أبي الحقيق في
بني النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الاموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الاموال وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين وقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ خمسها عشرين ألفا وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم رضي الله عنه.
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلت عليه في جمادى الآخرة منها.
مقتل كعب بن الاشرف وكان من بني طئ ثم أحد بني نبهان ولكن أمه من بني النضير.
هكذا ذكره ابن إسحاق قبل جلاء بني النضير وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بني النضير والصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي: فإن بني النضير إنما كان أمرها بعد وقعة أحد وفي محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقه إن شاء الله.
قال البخاري في صحيحه [ باب ] (4) قتل كعب بن الاشرف: حدثنا علي بن
__________
(1) القردة: من أرض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق.
(2) فلجات: جمع فلجة وهي العين الجارية.
المخاض: الابل الحوامل.
(3) في مغازي الواقدي: جمادى الآخرة، وفي ابن سعد: على رأس سبعة وعشرين شهرا.
(4) من البخاري - 64 كتاب المغازي 15 باب قتل كعب بن الاشرف ح 4037 فتح الباري 7 / 336.

عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو [ بن دينار ] سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الاشرف فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله (1) ؟ قال: نعم.
قال فأذن لي أن أقول شيئا قال: قل.
فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا واني قد أتيتك استسلفك.
قال: وأيضا والله لتملنه.
قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شئ يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا
قال: نعم ارهنوني.
قلت أي شئ تريد قال: ارهنوني نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم.
قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللامة.
قال سفيان يعني السلاح.
فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة ؟ وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم.
قال انما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة.
أن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لاجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال إذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال: ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمرو قال عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب قال عمرو فقال أتاذن لي أن أشم رأسك ؟ قال نعم.
فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أتأذن لي ؟ قال نعم.
فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه (2).
وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الاشرف وكان رجلا من طئ ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها.
فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج إلى مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت [ أسيد بن ] (3) أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار، ويندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها: طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع وذكر جوابها من حسان بن ثابت رضي الله عنه ومن غيره.
ثم عاد إلى المدينة فجعل يشبب
__________
(1) في دلائل البيهقي: يا رسول الله أعجب إليك أن أقتله ؟ (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، وأخرجه مسلم في 32 كتاب الجهاد 42 باب قتل كعب بن الاشرف ح
119.
وأبو داود في الجهاد باب يؤتى العدو على غرة ح 2768.
(3) من الواقدي والبيهقي.

بنساء المسلمين (1) ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الاشرف أحد بني النضير أو فيهم قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق ؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال.
فقال له كعب بن الاشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا.
قال فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) [ النساء: 51 - 52 ] وما بعدها (2).
قال موسى ومحمد بن إسحاق: وقدم المدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من نساء المسلمين.
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة - من لابن الاشرف ؟ فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الاشهل: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك، قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا.
قال: إنما عليك الجهد.
قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول، قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.
قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد الاشهل.
وكان أخا كعب بن الاشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الاشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الاشهل أبو عبس بن جبر أخو بني حارثة، قال فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة
فتناشدا شعرا - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا بن الاشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني، قال أفعل.
قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال، وجهدت الانفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا.
فقال كعب: أنا ابن الاشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا بن سلامة أن الامر يصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: اني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك، قال ترهنوني أبناءكم ؟ قال لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد
__________
(1) يروى انه شبب بأم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب فقال في أبيات منها: أراحل أنت لم ترحل لمنقبة * وتارك أنت أم الفضل بالحرم (2) نقله البيهقي في الدلائل عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى ج 3 / 190 - 191، والخبر في الدرر لابن عبد البر (143) وعيون الاثر (1 / 356).

سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها.
فقال: إن في الحلقة لوفاء.
قال: فرجع سلكان إلى.
أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: " انطلقوا على اسم الله - اللهم أعنهم " ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وأن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني.
فقالت: والله إني لاعرف في صوته الشر.
قال: يقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا: هل لك يا بن الاشرف أن تتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال إن شئتم.
فخرجوا فمشوا ساعة.
ثم إن أبا نائلة
شام بده (يده) في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدوا الله ! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا (1) في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس (2) بجرح في رجله أو في رأسه أصابه بعض سيوفنا، قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه.
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنهم جاؤوا برأس كعب بن الاشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وفي ذلك يقول كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له في يوم بني النضير ستأتي.
قلت: كان قتل
__________
(1) مغولا: حديدة دقيقة لها حد ماض (شرح على المواهب اللدنية 2 / 15).
(2) في رواية موسى بن عقبة: أن الذي أصيب هو عباد بن بشر، وهو أيضا في رواية جابر بن عبد الله (انظر دلائل البيهقي.
ودرر ابن عبد البر).

كعب بن الاشرف على يدي الاوس بعد وقعة بدر، ثم إن الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحقيق بعد
وقعة أحد كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة.
وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت: لله در عصابة لاقيتهم * يا بن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف (1) مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف قال محمد بن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الاوسي على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله، وكان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه ولم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله أقتلته ؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله.
قال محيصة: فقلت والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال فوالله إن كان لاول إسلام حويصة وقال والله لو أمرك محمد بقتلي لتقتلني ؟ قال: نعم، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها.
قال: فوالله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة.
قال ابن إسحاق: حدثني بهذا الحديث مولى لبني حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها.
وقال في ذلك محيصة: يلوم ابن أم لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قارب (2) حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرني أني قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصرى ومأرب وحكى ابن هشام عن أبي عبيدة عن أبي عمرو المدني: أن هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة فإن المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما نقدم فأسلم حويصة يومئذ.
فالله أعلم.
تنبيه: ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر
كانت إذ ذاك حلالا وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد.
والله أعلم.
تنبيه آخر: خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم وكذلك قتل كعب بن الاشرف
__________
(1) ذفف: أي سريعة القتل.
(2) في ابن هشام: ابن أمي بدلا من ابن أم.
وفيه أبيض قاضب بدلا من قارب، وقاضب: قاطع.

اليهودي على يدي الاوس وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي وكذلك مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الاحزاب وقصة الخندق كما سيأتي.
غزوة أحد في شوال سنة ثلاث فائدة: ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال: سمي أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح " أحد جبل يحبنا ونحبه " قيل معناه أهله وقيل لانه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله (وان منها لما يهبط من خشية الله) وفي الحديث عن أبي عبس بن جبر " أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة، وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبو اب النار " قال السهيلي مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه عليه السلام قال " المرء مع من أحب " وهذا من غريب صنع السهيلي فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرءا.
وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك.
قال ابن إسحاق: للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه، قال مالك: وكانت الوقعة في أول النهار (1).
وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى أن تصبروا وتتقوا
ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) [ آل عمران: (121 - 124 ] الآيات وما بعدها إلى قوله (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) [ آل عمران: 179 ] وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
ولنذكر ههنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رح: وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت.
قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة.
__________
(1) قال الواقدي وابن سعد: كانت يوم السبت لسبع خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره وقال مالك على أحد وثلاثين.

فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا.
قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) [ الانفال: 36 ] قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها (1) ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، وكان في الاسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا فقال: إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه.
قال: بلى،
فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن أغنيك وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر.
فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول: أيا بني عبد مناة الرزام * أنتم حماة وأبو كم حام (2) لا يعدوني نصركم بعد العام * لا تسلموني لا يحل اسلام قال: وخرج نافع (3) بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويقول: يا مال مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم قال: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها فقال له: أخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق.
قال: فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن (4) التماس الحفيظة وأن لا يفروا، وخرج أبو سفيان صخر بن حرب، وهو قائد الناس، ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي أم ابنه عبد الله بن
__________
(1) أحابيشها: من اجتمع إلى العرب وانضم إليهم من غيرهم.
(2) الرزام: جمع رازم، وهو الذي يثبت ولا يبرح مكانه، يريد أنهم يثبتون في الحرب ولا ينهزمون (قاله أبو ذر).
(3) في ابن هشام: مسافع.
(4) الظعن: جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج، قال الطبري: وكن خمس عشرة امرأة.

عمرو وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته.
قال: وكان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها أبا دسمة اشف واشتف.
يعني تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب.
قال: فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال لهم قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب (1) سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة.
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب.
ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا (2) والله خير (3) فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر " (4) وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الاصم، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: تنفل (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر.
قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد، ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك.
فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه.
قال: وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الاداة: إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، وأني مردف كبشا وأولته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم، ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير " (6) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به.
وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد
__________
(1) في رواية البيهقي: ذؤابة سيفي.
(2) جاء في غير مسلم زيادة: ورأيت بقرا تنحر، وبها يتم تأويل الرؤيا - حيث أن نحر البقر أول بقتل الصحابة الذين قتلوا يوم أحد.
(3) والله خير: قال القاضي عياض: قد ظبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: والله خير، على المبتدأ والخبر.
(4) أخرجه مسلم في 42 كتاب الرؤيا 42 باب ح 20.
والبخاري في أكثر من موضع في كتاب المغازي فتح الباري 7 / 374، وفي كتاب المناقب باب علامات النبوة في الاسلام وفي كتاب التعبير باب إذا رأى بقرا تنحر.
كما أخرجه ابن ماجه في كتاب تعبير الرؤيا.
باب تعبير الرؤيا.
(5) من البيهقي، وفي الاصل تعقل تحريف.
(6) أخرجه البيهقي في الدلائل 3 / 204، ورواه أحمد في مسنده 1 / 271 عن ابن عباس.

عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت.
أني أقتل كبش القوم، وأولت كسر ضبة سيفي، قتل رجل من عترتي.
فقتل حمزة وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وكان صاحب اللواء (1).
وقال موسى بن عقبة رح ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر، حتى [ طلعوا من بئر الحماوين ثم ] (2) نزلوا ببطن الوادي الذي قبلي أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر، فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم " رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ضبته.
أو قال: به فلول فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا ".
فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك ؟ قال: أولت البقر الذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي.
ويقول
رجال: كان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعته وخرقوا شفته يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص، وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ.
وقال: أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو ويقتله الله وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثو واجعلوا الذراري في الاطام فان دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانو قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى صارت كالحصن.
فقال الذين لم يشهدوا بدرا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير.
وقال رجل من الانصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا ؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع (3) ؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم: حمزة بن عبد المطلب قال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم (4).
وقال نعيم (5) بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة،
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 3 / 205، وفيه: وقتل طلحة بن أبي طلحة وكان صاحب اللواء.
وفي سيرة ابن هشام: وقتل من المشركين يوم أحد: من قريش ثم من بني عبدالدار بن قصي من أصحاب اللواء: طلحة بن أبي طلحة..قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والحديث نقله الصالحي في السيرة الشامية 4 / 274 وعزاه للامام أحمد، والطبراني والحاكم والبيهقي وذكره الهيثمي في زوائده 6 / 107 وقال رواه الطبراني واللفظ له، والبزار وأحمد وفيه علي بن زيد وهو سئ الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح.
(2) زيادة من رواية موسى بن عقبة في دلائل البيهقي.
(3) في رواية موسى في دلائل البيهقي: إذا لم نمنع الحرث يزرع.
(4) في البيهقي: لنجالدنهم.
وهو مناسب أكثر.
(5) في البيهقي: يعمر، وفي الواقدي: النعمان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:26 am

فوالذي نفسي بيده لادخلنها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت.
واستشهد يومئذ.
وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن
غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذي سبق لاصحاب بدر من الفضيلة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلامته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة، وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا: يا رسول الله أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا.
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلثمائة فبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة.
قال البيهقي رح هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فالله أعلم (1).
قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة (2) قال ولم يكن من المسلمين فرس واحدة (3) ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى.
وقال محمد بن إسحاق: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه قال لهم: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن لا يخرج إليهم، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله لا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه.
فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس
وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك.
فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول الله إن
__________
(1) دلائل النبوة ج 3 / 220.
(2) في رواية البيهقي عنه: طلحة بن عثمان أخو شيبة بن عثمان والصواب عثمان بن أبي طلحة - أبو شيبة - وقد حمل اللواء بعد قتل أخيه طلحة بن أبي طلحة (مغازي الواقدي 1 / 226).
(3) قال الطبري: لم يكن معه إلا فرسان، فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لابي بردة بن نيار الحارثي.

شئت فاقعد فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه.
قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم.
قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال.
فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) [ آل عمران: 167 ] يعني انهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وذلك لان وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) الآية [ النساء: 88 ] وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح.
وذكر الزهري أن الانصار استأذنوا حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم.
وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بني سلمة وبني حارثة لما رجع عبد الله بن أبي وأصحابه همتا أن تفشلا فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال: (إذ همت طائفتان
منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [ آل عمران: 122 ] قال جابر بن عبد الله: ما أحب أنها لم تنزل والله يقول: (والله وليهما) كما ثبت في الصحيحين عنه (1).
قال ابن إسحاق: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فإني أرى السيوف ستسل اليوم.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه، فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر،
__________
(1) رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة آل عمران فتح الباري 8 / 225 وفي كتاب المغازي 18 باب فتح الباري 7 / 357 ومسلم في 44 كتاب فضائل الصحابة ح 171.

وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الاشهل قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل (1) من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بني قبلة ولما نضارب ؟ وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.
وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق وظاهر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يعني لبس درعا فوق درع ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبدالدار.
قلت وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظي ذكره ابن قتيبة وأورده السهيلي، وهو الذي يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (2) ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيلي أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله أن رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه.
قال ابن إسحاق رح: وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله ؟ قال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني.
قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه.
هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا يزيد وعفان قالا: حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه.
فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به.
قال ابن إسحاق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند
__________
(1) في الواقدي هو: عمارة بن يزيد بن السكن.
(2) وقبله في الطبري: رأيت عرابة الاوسي ينمى * إلى الخيرات منقطع القرين

الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين.
قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمرو بن الخطاب، عن رجل من الانصار من بني سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: انها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بني عبدالدار يحرضهم على القتال: يا بني عبدالدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا ! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع (1).
وذلك الذي أراد أبو سفيان.
قال: فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضن على القتال فقالت هند فيما تقول: ويها بني عبد الدار * ويها حماة الاديار ضربا بكل بتار وتقول أيضا: أن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الاوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر، وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان.
فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الاوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق.
وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق.
فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب
قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة.
قال ابن إسحاق: فأقبل (2) الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس.
قال ابن هشام: وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لانظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه
__________
(1) تقدم أن لواء المشركين كان مع طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصي.
وقد حمله بعد قتله أخوه عثمان.
(2) في ابن هشام: اقتتل.

فقالت الانصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول إذا تعصب فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول (1) وقال الاموي: حدثني أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال: لعلك إن أعطيتك تقاتل في الكيول ؟ قال لا.
فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي * أن لا أقوم الدهر في الكيول وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفعه الكيول يعني مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم أسمع هذا الخرف إلا في هذا الحديث.
قال ابن هشام: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجلا لا يدع جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله.
ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها فقلت: الله ورسوله أعلم.
وقد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام
بذلك (2).
قال ابن إسحاق: قال أبو دجانة: رأيت انسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اضرب به امرأة وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه إليه فأعطى السيف حقه قال: فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع اللامة يجوز المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم.
قال وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لامته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة.
قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فوقتين (فرقتين) ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب ؟ أنا أبو دجانة (3).
__________
(1) الكيول: آخر الصفوف في الحرب.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 233 وفيه أن الزبير سأل أبا دجانة لما انكشف القتال: قلت له: كل عملك قد رأيت ما خلا رفعك السيف على المرأة - لم يذكر اسمها البيهقي - ثم لم تضربها، قال: أي والله أكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل به امرأة.
قال الواقدي هي: عمرة بنت الحارث.
(3) الخبر في دلائل البيهقي ج 3 / 216 عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري.

مقتل حمزة رضي الله عنه قال ابن إسحاق وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول: إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا
فحمل عليه حمزة فقتله، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار، فقال حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور، وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي - غلام جبير بن مطعم - والله إني لانظر لحمزة يهد (1) الناس بسيفه، ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الاورق إذ قد تقدمني إليه سباع فقال حمزة: هلم يا بن مقطعة البظور، فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي، فغلب فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لي بشئ حاجة غيره.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش (2) بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيدالله بن عدي بن الخيار، أحد بني نوفل بن عبد مناف، في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها فلما قدمناها قال عبيدالله بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله ؟ قال قلت له: إن شئت.
فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه إنكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه وان تجداه وبه بعض ما به فانصرفا عنه ودعاه.
قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له وإذا شيخ كبير مثل البغاث، وإذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيدالله بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت ؟ قال: نعم.
قال أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك إليها فوالله ما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما.
قال: فجلسنا إليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته ؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد
__________
(1) يهد: فيها روايتان، يهد بالدال أي يردي الناس ويهلكهم.
ويهذ بالذال يسرع في قطع لحوم الناس بسيفه (قاله
الخشني في شرح غريب السيرة)، وفي الواقدي يفري الناس فريا.
(2) عياش في الاصل، وهو تحريف، والصواب عباس.
قاله أبو ذر.

أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لي جبير (1): إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق.
قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة واتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الاورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ، فوالله لا تهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إلي يا بن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لاعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت الحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أوحشي أنت ؟ قلت نعم يا رسول الله.
قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة ؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، قال فكنت أتنكب برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله عزوجل، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الانصار من الناحية الاخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشد عليه الانصاري بالسيف
فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شر الناس.
قلت: الانصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة.
وقال الواقدي في الردة: هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.
وقال سيف بن عمرو: هو عدي بن سهل وهو القائل: ألم تر أني ووحشيهم * قتلت مسيلمة المعتبن ويسألني الناس عن قتله * فقلت ضربت وهذا طعن والمشهور أن وحشيا هو الذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله
__________
(1) الخبر في مغازي الواقدي 1 / 286، وقال في رواية أخرى: كان وحشي عبد الابنة الحارث بن عامر بن نوفل.
قالت له: إن أبي قتل يوم بدر فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حر: إن قتلت محمدا، أو حمزة بن عبد المطلب، أو علي بن أبي طالب.
(1 / 285) .

العبد الاسود.
وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار.
فذكر القصة كما تقدم.
وذكر أن عبيدالله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم (1)، وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما.
وقال في سباقته: فأما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع يا بن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذلك آخر العهد به، إلى أن قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج مسيلمة الكذاب قلت لاخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان
قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الانصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: واأمير المؤمناه قتله العبد الاسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة.
قلت: وتوفي وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص (2) وكان أول من لبس الثياب المدلوكة.
قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا.
قلت: وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذي قتل مصعبا هو أبي بن خلف فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع علي بن أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء المشركين مع عبدالدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من علي بن أبي طالب فدفعه إلى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء علي بن أبي طالب.
قال ابن إسحاق: وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين.
قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار وأرسل علي أن قدم الراية، فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين.
هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة ؟ قال: نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا
__________
(1) رواه البخاري في 64 كتاب المغازي 23 باب مقتل حمزة بن عبد المطلب ح 4072 فتح الباري 7 / 367.
(2) قال البيهقي: مات غريقا في البحر، وفي الاصابة 3 / 631 سكن حمص ومات فيها.

ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه.
فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه ؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله.
وقد فعل ذلك
علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه.
وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا.
ففي ذلك يقول الحارث بن النضر: أفي (1) كل يوم فارس غير منته * وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويه وذكر يونس عن ابن إسحاق: أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا إلى البراز فأحجم عنه الناس فبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الارض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " (2) وقال: لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه.
وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص (3) وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح فقتل نافع (4) بن أبي طلحة وأخاه الجلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول يا بني من أصابك ؟ فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبي الاقلح.
فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه.
ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي.
قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر، واسمه عمرو، ويقال عبد عمرو بن صيفي، وكان يقال لابي عامر في الجاهلية الراهب، لكثرة عبادته، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول عليه السلام.
وحنظلة الذي يعرف بحنظلة الغسيل لانه غسلته الملائكة كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الاوس (5) وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه " فسئلت صاحبته قال الواقدي: هي جميلة بنت أبي بن
__________
(1) في الاصل: أتى، وأثبت ما في الروض الانف ج 2 / 133.
(2) الخبر في البيهقي عن يونس بن بكير، وقال فيه: إن رجلا من المشركين ولم يسم طلحة.
(3) الخبر في ابن هشام ج 3 / 78 ودلائل البيهقي 3 / 239.
وقال السهيلي: " رواه الكشي في تفسيره عن سعد قال: لما كف عنه علي طعنته في حنجرته، فدلع لسانه اندلاع لسان الكلب ثم مات ".
وكان أبو سعد قد أخذ لواء المشركين بعد مقتل طلحة كما في رواية البيهقي وذكره الواقدي - أبو سعيد وقتله سعد بن أبي وقاص.
(4) في ابن هشام: مسافع، وفي الواقدي وابن سعد مسافع بن طلحة بن أبي طلحة.
(5) في ابن هشام: شداد بن الاسود.
وفي الواقدي: قتله الاسود بن شعوب.
وقال السهيلي في الروض: إن الذي قتل حنظلة جعونة بن شعوب الليثي مولى نافع بن أبي نافع.

سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة.
فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك غسلته الملائكة.
وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا للرحم برا بالوالد.
قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب في ذلك: لاحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس وقال ابن شعوب: ولولا دفاعي يا بن حرب ومشهدي * لالفيت يوم النعف غير مجيب (1) ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت * عليه ضباع أو ضراء كليب (2).
وقال أبو سفيان: ولو شئت نجتني كميت طمرة * ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعي يالغالب * وأدفعهم عني بركن صليب فبكي ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمي من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب وسلي الذي قد كان في النفس أنني * قتلت من النجار كل نجيب
ومن هاشم قرما كريما ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب (3) فلو أنني لم أشف نفسي منهم * لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم * بهم خدب من مغبط وكئيب (4) أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب
__________
(1) النعف: ما انحدر من حزونة الجبل.
(2) في ابن هشام: قرقرت بدل فرفرت أي أسرعت وخفت.
وفيها: ضباع عليه، بدل من: عليه ضباع.
(3) القرم: الفحل من الابل، ويريد به هنا حمزة رضي الله عنه.
(4) الجلابيب: جمع جلباب، الازار.
وكان المشركين يسمعون من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلابيب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:27 am

فصل قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد
منهم، [ قال ابن إسحاق ] (1) فحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صؤاب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر (2) من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت - يعني اللهم هل أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء وشر فخر * لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيه لعبد * وألام من يطا عفر التراب ظننتم، والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه * وما أن تعصبان على خضاب وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم: إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب (3) أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الاسواق بيع الجلائب
__________
(1) من سيرة ابن هشام.
(2) قال ابن سعد في الطبقات 2 / 40 حمل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة (من بني عبد الدار) وبعد ما قتله علي حمل اللواء عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة قتله حمزة.
فحمله أبو سعد بن أبي طلحة فقتله سعد بن أبي وقاص فحمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة - قتله عاصم بن أبي الاقلح - فحمله الحارث بن طلحة بن أبي طلحة قتله عاصم أيضا.
فحمله كلاب بن طلحة بن أبي طلحة فقتله الزبير ثم حمله الجلاس أخوه فقتله طلحة بن عبيدالله، فحمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي.
ثم حمله شريح بن قارظ فقتل ثم كان آخرهم صؤاب قتله قزمان وهو أثبت القول.
(3) شرك: قال أبو ذر بكسر الشين وضمها: موضع.
قيل: جبل بالحجاز.

قال ابن إسحاق: فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه، فجعل يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) [ آل عمران: 128 ] قال ابن جرير في تاريخه (1): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط عن السدي قال: أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إلي عباد الله، إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمي بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله.
فقال: يا كذاب أين تفر ؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك ؟ قال: أليس قال لاقتلنك لو كانت تجتمع (2) ربيعة ومضر لقتلهم.
فما يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح، وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس بن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال: أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله عزوجل في الذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) الآية.
فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الارض ".
ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ: أعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر.
وذكر تمام القصة.
وهذا غريب جدا وفيه نكارة.
قال
__________
(1) تاريخ الطبري: ج 3 / 20 دار القاموس الحديث.
(2) في الطبري: بجميع.

ابن هشام: وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن ابي سعيد أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وان عبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيدالله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسسه النار قلت: وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمي عليه فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ) الآية.
رواه ابن جرير وهو مرسل وسيأتي بسط هذا في فصل وحده.
قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال الله تعالى (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بأذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على
المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم) الآية [ آل عمران: 152 - 153 ].
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثني سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيدالله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكر ذلك فقال: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله إن الله يقول في يوم أحد (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس والحس القتل (حتى إذا فشلتم) إلى قوله (ولقد عفا عنكم والله ذوفضل على المؤمنين) وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع.
ثم قال أحموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا.
فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا (وشبك بين أصابع يديه) والتبسوا فلما أخل الرماة تلك المحلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد ! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى.
قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا.
قال فرقى نحونا، وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله.
ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، مرتين (يعني آلهته)، أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر بن

الخطاب ألا أجيبه ؟ قال: بلى.
قال: فلما قال اعل هبل قال: الله أعلى وأجل.
قال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت عينها، فعاد عنها - أو فعال عنها - فقال أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر، قال فقال
أبو سفيان يوم بيوم بدر، الايام دول وأن الحرب سجال قال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا.
ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا.
قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه.
وقد رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل (1) من حديث سليمان بن داود الهاشمي به وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس.
وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وهو المستعان.
قال البخاري: حدثنا عبيدالله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهورا علينا فلا تعينونا.
فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة ! فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا.
فأبوا، فلما أبوا صرفت (2) وجوههم فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد ؟ فقال لا تجيبوه.
فقال أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال لا تجيبوه.
فقال أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لاجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك.
فقال أبو سفيان: أعل هبل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا ما نقول ؟ قال قولوا: الله أعلى أو جل (وأجل).
فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه، قالوا ما نقول ؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني (3).
وهذا من إفراد البخاري دون مسلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق: أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير، قال ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد
بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم، *
__________
) (1) روى الطبري طرفا منه في تاريخه 3 / 23.
وفي تفسيره 7 / 287 ورواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 269 - 271.
من لفظ الدارمي.
(2) أي تحيروا فلم يدروا أين وكيف يذهبون.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 17 باب غزوة أحد ح 4043.

الغنيمة.
ظهر أصحابكم، فما تنظرون ؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ! فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد ؟ ثلاثا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لاحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك.
فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
ثم أخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه قالوا يا رسول الله وما نقول ؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل.
قال: إن العزى لنا ولا عزى لكم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه ؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول ؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
ورواه البخاري من حديث زهير وهو ابن معاوية مختصرا وقد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق (1).
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وعلي بن زيد عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من الانصار ورجل من قريش، قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في
الجنة ؟ فجاء رجل من الانصار فقاتل حتى قتل.
فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنصفنا أصحابنا.
ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به.
وقال البيهقي في الدلائل: بإسناده عن عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الانصار [ فيهم ] (2) طلحة بن عبيدالله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله (3).
فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الانصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قتل الانصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء ؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله.
فقال رجل من الانصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الاول ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه فيستأذنه رجل من الانصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل
__________
(1) رواه البخاري عن عمرو بن خالد عن زهير في 64 كتاب المغازي 10 باب ح 3986.
وأخرجه أبو داود في الجهاد.
(116) باب في الكمناء ح 2662.
(2) من دلائل البيهقي، وفي الاصل وطلحة وهو تحريف.
(3) في سنن النسائي: فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من للقوم ؟ فقال طلحة بن عبيدالله: أنا

من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهؤلاء ؟ فقال طلحة أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال: حس، فقال لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء.
ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون (1).
وروى البخاري: عن عبد الله بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد (2).
وفي الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل عن معتمر بن سليمان، عن أبيه عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الايام التي يقاتل فيهن غير
طلحة وسعد عن حديثهما (3).
وقال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي (4) سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبي وأمي.
وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن مروان به (5).
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن شداد عن علي بن أبي طالب قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبو يه لاحد إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي.
قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبي وقاص: أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال سعد: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول: أرم فداك أبي وأمي.
حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (6).
وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده.
يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام.
وقال أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا ثابت، عن أنس أن أبا طلحة (7) كان يرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه يترس به وكان
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 3 / 236، وأخرجه النسائي في كتاب الجهاد باختلاف.
باب: ما يقول من يطعنه العدو، عن عمرو بن سواد (6 / 29 - 30).
(2) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 18 باب ح 4063 وفي كتاب فضائل الصحابة ح 3724.
(3) عن حديثهما: أي هما حدثاني بذلك.
روى الحديث البخاري في 64 كتاب المغازي 18 باب ح 4060 وفي 62 كتاب فضائل الصحابة ح 3722.
ومسلم في 44 كتاب فضائل الصحابة 6 باب ح 47.
(4) في البيهقي: الزهري.
(5) في 64 كتاب المغازي 18 باب ح 4055.
(6) الخبر في البيهقي 3 / 239 وفي سيرة ابن هشام 3 / 25.
(7) أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الاسود بن حرام الخزرجي النجاري الانصاري أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن
بني أخواله، من أعيان البدريين، أحد النقباء الاثني عشر العقبيين،.
شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم.
مات في غزوة بحرية.

راميا وكان إذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك.
وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت.
وقال البخاري حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بجحفة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لابي طلحة.
قال ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك.
ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وانهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان (1) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملانها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا (2).
قال البخاري وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فاخذه (3).
هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ويشهد له قوله تعالى (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ، قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم) [ آل عمران: 154 ] قال البخاري:
حدثنا عبد ان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ ؟ قالوا ابن عمر فأتاه فقال إني سائلك عن شئ أتحدثني.
قال أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد قال: نعم.
قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال نعم.
قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال نعم.
قال فكبر.
قال ابن عمر: تعال لاخبرك ولابين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له
__________
(1) من الصحيح والبيهقي، وفي الاصل تنقران وهو تحريف.
(2) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 18 باب ح 3811 ومسلم في 32 كتاب الجهاد 47 باب ح 136.
(3) أخرجه البخاري في 64 / كتاب المغازي 21 باب ح 4068.
والنعاس: هو الذي من الله به على أهل الصدق واليقين من المؤمنين يوم أحد، لما علم ما في قلوبهم من خوف، فصرفهم عن التفكير في ذلك بانزال النعاس عليهم لئلا يرهقهم الخوف ويضعف عزائمهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:29 am

رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، أما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان اذهب بهذا الآن معك.
وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر والترمذي من حديث أبي عوانه عن عثمان بن عبد الله بن موهب به.
وقال الاموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم إلى المبقى دون الاعوص، وفر عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الانصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الاعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم.
لقد ذهبتم فيها عريضة.
والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حال التحام الحرب وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خلقها
وبارئها.
وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) الآية وقال هاهنا (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين الكمل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق.
ولهذا قال بعد هذا (طائفة قد أهمتهم أنفسهم) الآية.
ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: " إن تشأ لا تعبد في الارض " كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد: " اللهم إنك أن تشأ لا تعبد في الارض " ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: " أرأيت إن قتلت فأين أنا ؟ قال في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ".
ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر رضي الله عنهما وأرضاهما.
فصل فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المشركين قبحهم الله قال البخاري (1): ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد * حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله "
__________
(1) في كتاب المغازي 24 باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
ح 4073.
ومسلم في 32 كتاب الجهاد 38 باب ح 106.

ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الاموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: " اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله " صلى الله عليه وسلم.
وقال أحمد: حدثنا عفان،
حدثنا حماد، أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد وهو يسلت (1) الدم عن وجهه وهو يقول: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعو إلى الله " فأنزل الله (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) [ آل عمران: 128 ]: ورواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به (2)، ورواه الامام أحمد: عن هشيم ويزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل الله تعالى (ليس لك من الامر شئ) وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما والله إني لاعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها [ حتى إذا صارت رمادا ] (3) ألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه وأراه قال حمية، قال فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وهو يخطف المشي خطفا، لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكما صاحبكما " يريد طلحة وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله قال: وذهبت لانزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذي
__________
(1) يسلت: يمسح.
(2) رواه مسلم في 32 كتاب الجهاد 37 باب غزوة أحد.
ح 104.
(3) زيادة من دلائل البيهقي.
وقال محققه في هامشه: لانها تعمل عمل المواد القابضة، فإنها عندما تستعمل على الجرح فإنها ترسب البروتين السطحي فيكون طبقة على التهتكات والجروح، فتحمي الجرح من المخترقات الجرثومية وغيرها.
وتوقف النزيف بترسيب العنصر البروتيني في الدم، ومن جهة أخرى فإن لها خاصية ترسيب بروتين البكتريا فتموت، فيكون فعلها في حماية الجرح والقضاء على أي جرثوم قريب منه.
(دلائل البيهقي ج 3 / 260) .

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأزم عليها بفيه.
فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لاصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني.
قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى فوقعت ثنيته الاخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة رضي الله عنه من أحسن الناس هتما (1).
فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة [ أو أقل أو أكثر ] (2) وإذا قد قطعت اصبعه فأصلحنا من شأنه (3).
وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروه عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع خرجنا أربعة (4) فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه (5).
قال الواقدي: ثبت عندي أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قمئة، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا وان الرباعية التي كسرت له عليه السلام هي اليمنى السفلى.
قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: [ والله ] ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وان كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على من دمى وجه
رسوله ".
وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الجزري، عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته، ودمى وجهه فقال " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار (6).
وقال أبو سليمان الجوزجاني: حدثنا محمد بن الحسن، حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حرب عن ابيه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوى وجهه يوم أحد بعظم بال.
هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للاموي في وقعة أحد.
ولما نال
__________
(1) الهتم: كسر الثنايا من أصلها.
(2) من رواية البيهقي.
(3) الحديث في دلائل البيهقي 3 / 263 من طريق يونس بن حبيب، ورواه ابن حبان عن عائشة والصالحي في السيرة الشامية من ابن حبان والطيالسي 4 / 295.
(4) وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وابن قميئة، وأبي بن خلف.
(5) الخبر في الواقدي ج 1 / 237.
(6) الخبر في تفسير عبد الرزاق عن مقسم، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عباس، ونقله عنهما الصالحي في السيرة الشامية 4 / 294 ونقله البيهقي عنه في الدلائل 3 / 265.

عبد الله بن قمئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نال رجع وهو يقول: قتلت محمدا.
وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا إن محمدا قد قتل ! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن حوزة الاسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره، وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسنجزي (وسيجزي) الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب
الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين * وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين * يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) [ آل عمران: 144 - 151 ].
وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد.
وقد خطب الصديق رضي الله عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم تلا هذه الآية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) الآية.
قال: فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد إلا يتلوها.
وروى البيهقي في دلائل النبوة: من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الانصار وهو يتشحط في دمه.
فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل.
فقال الانصاري: إن كان محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) الآية.
ولعل هذا الانصاري هو أنس بن النضر رضي الله عنه وهو عم أنس بن مالك.
قال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، لئن الله اشهدني قتالا للمشركين ليرين ما أصنع.
فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك ؟ قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم (2)، قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت (فمنهم من قضى نحبه
__________
(1) الخبر في دلائل النبوة ج 3 / 248.
(2) زاد البيهقي في روايته: وقد مثلوا به، قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه.

ومنهم من ينتظر).
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد والنسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه (1).
وقال أحمد: حدثنا بهز وحدثنا هاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس.
عمي (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به ولم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
قال فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، ولئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع.
قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين ؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد.
قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية.
قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه.
ونزلت هذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا) [ الاحزاب: 23 ] قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.
ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد.
ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن المبارك وزاد النسائي وأبو داود وحماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال أبو الاسود عن عروة بن الزبير قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد.
فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوه أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الارض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك ؟ إنما هو خدش.
فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذي نفسي
بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات إلى النار فسحقا لاصحاب السعير (1).
وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب نحوه.
وقال ابن إسحاق: لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: [ أي محمد ] (3) لانجوت ان نجوت.
فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه ! فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم - كما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا
__________
(1) رواه البخاري في 56 كتاب الجهاد 12 باب ح 2805.
وأخرجه مسلم عن أنس في 33 كتاب الامارة 41 باب ح 148.
(2) تقدم الحديث عن موسى بن عقبة في سياق كيف كانت الوقعة، والخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 258.
(3) من ابن هشام.
ج 3 / 89.

انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.
ذكر الواقدي عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك.
قال الواقدي وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لاسير ببطن رابغ بعد هوي (1) من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة بجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبي بن خلف.
وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله " ورواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس " اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله " وقال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبكه أو ما تبكيه مازالت الملائكة تظله
بأجنحتها حتى رفع.
هكذا ذكر هذا الحديث ههنا معلقا وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر عن شعبة.
ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به وقال البخاري: حدثنا عبد ان أخبرنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ابراهيم أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال وقتل حمزة هو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا) وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا.
ثم جعل يبكي حتى برد الطعام (2).
انفرد به البخاري.
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الاعمش عن شقيق عن خباب بن الارت قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الاذخر.
ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها (3).
وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الاعمش به.
وقال البخاري: حدثنا عبيدالله بن سعيد حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ
__________
(1) في ابن هشام: الشعراء، وقال: الشعراء ذباب له لدغ.
(2) أي بعد ساعة، وهم في طريقهم إلى مكة.
والخبر في مغازي الواقدي 1 / 252 ودلائل البيهقي 3 / 259.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز ح 1274 فتح الباري 3 / 140 - 141 - 142.
(4) يهديها: أي يجتنيها، وهذا استعارة لما فتح الله عليهم من الدنيا.
والخبر أخرجه البخاري في 81 كتاب الرقائق 7 باب وفي 23 كتاب الجنائز 27 باب ح 1276 وأخرجه مسلم في 11 كتاب الجنائز 13 باب ح 44.

إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله أخراكم.
فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي.
قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى
قتلوه.
فقال حذيفة يغفر الله لكم.
قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل.
قلت: كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا: انه لم يبق من آجالنا إلا ظم ء حمار فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ.
وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ولم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك.
فصل قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
وفي الحديث عن جابر بن عبد الله أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدهما وكانت لا ترمد إذا رمدت الاخرى.
وروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان.
والمشهور الاول أنه أصيبت عينه الواحدة.
ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت ؟ فقال له مرتجلا: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاول أمرها * فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك: تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبو الا ثم وصله فأحسن جائزته رضي الله عنه.
فصل قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الانصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا
خالة أخبريني خبرك فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي.
قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا ؟ قالت ابن قمئة، أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت إن نجا فاعترضت

له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة.
ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
قال ابن إسحاق: وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، يقبع (يقع) النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده.
قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله في رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: فما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك.
فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه.
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج.
فصل قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكر لي الزهري - كعب بن مالك قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر،
فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إلي ] (1) أن انصت.
قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين.
فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف (فذكر قتله عليه السلام أبيا كما تقدم).
قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف، كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود - فرسا - أعلفه كل يوم فرقا (2) من ذرة، أقتلك عليه.
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله.
فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد.
فقالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك.
فوالله لو بصق علي لقتلني.
فمات عدو الله بسرف (3) وهم قافلون به
__________
(1) من ابن هشام.
(2) الفرق: بفتح الراء واسكانها: مكيال يسع ستة عشر منا، وقيل اثني عشر رطلا.
(3) سرف: موضع على ستة أميال من مكة وقيل سبعة وتسعة واثني عشر، بها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت =

إلى مكة.
قال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه * أبي يوم بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم * وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية إذ يغوث: يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا * أبا جهل لامهما الهبول (1) وأفلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم، أسرته قليل وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا من مبلغ عني أبيا * فقد ألقيت في سحق السعير (2)
تمني بالضلالة من بعيد * وتقسم إن قدرت مع النذور تمنيك الاماني من بعيد * وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ * كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الاحياء طرا * إذا تابت ملمات الامور قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب، حتى ملا درقته ماء من المهراس (3) فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول: " اشتد غضب الله على من دمى نبيه " وقد تقدم شواهد ذلك من الاحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية.
قال ابن إسحاق، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب معه أولئك النفر من أصحاب إذ علت عالية من قريش الجبل.
قال ابن هشام: فيهم خالد بن الوليد.
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا.
فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى اهبطوهم من الجبل، ونهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيدالله، فنهض به حتى استوى عليها، فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ " أوجب (4) طلحة " حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما صنع.
قال ابن هشام: وذكر عمر مولى عفرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:
__________
= الحارث وبنى بها فيها وبها توفيت (معجم البلدان).
(1) الهبول: الفقد، هبلته أمه: أي فقدته.
(2) في ابن هشام: لقد.
(3) المهراس: ماء بأحد، وقيل حجر ينقر ويجعل إلى جانب البئر، ويصب فيه الماء لينتفع به الناس.
(4) أوجب: أي وجبت له الجنة.

كان فينا رجل أتي (1) لا يدرى من هو يقال له: قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر " إنه لمن أهل النار " قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر.
قال بماذا أبشر فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت.
قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل له نفسه.
وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الاسلام " هذا من أهل النار " فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت إنه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إلى النار " فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله " ثم أمر بلالا فنادى في الناس " إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ".
وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق.
قالوا: إن اليوم يوم السبت.
قال: لا سبت لكم.
فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء.
ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا " مخيريق خير يهود " قال السهيلي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال مخيريق - وكانت سبع حوائط - أوقافا بالمدينة لله قال محمد بن كعب القرظي وكانت أول وقف بالمدينة.
وقال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من
هو ؟ فيقول أصيرم بني عبد الاشهل، عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الاصيرم ؟ قال: كان يأبى الاسلام على قومه.
فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخد سيفه، فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال: فبينما رجال من بني عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه فقالوا [ ما جاء بك يا عمرو ] (2) أحدب على
__________
(1) أتي: غريب.
قال الواقدي: كان: قزمان عديدا في بني ظفر، وكان لهم حائطا محبا، وكان مقلا لا ولد له ولا زوجة وكان شجاعا يعرف بذلك في حروبهم وكان يكنى بأبي الغيداق.
(2) من ابن هشام ج 3 / 95.

قومك أم رغبة في الاسلام ؟ فقال: بل رغبة في الاسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي، وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني.
فلم يلبث أن مات في أيديهم.
فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إنه من أهل الجنة ".
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي، عن أشياخ من بني سلمة قالوا: كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الاسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لارجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك " وقال لبنيه " ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة " فخرج معه فقتل يوم أحد رضي الله عنه (1).
قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة - كما حدثني صالح بن كيسان - والنسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عن الآذان والانوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما (2) وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا.
وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
وذكر موسى بن عقبة: أن الذي بقر عن كبد حمزة وحشي فحملها إلى هند فلاكتها فلم تستطع أن
تسيغها فالله أعلم.
قال ابن إسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر * ولا أخي وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي عمري * حتى ترم أعظمي في قبري قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر * م الهاشميين الطوال الزهر (3) بكل قطاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلي صقري
__________
(1) قال الواقدي: " قال أبو طلحة: نظرت إلى عمرو حين انكشف المسلمون، وهو في الرعيل الاول...وابنه يعدو في اثره حتى قتلا جميعا، ودفن هو وعبد الله بن عمرو في قبر واحد.
وقال السهيلي: انه لما خرج - عمرو - قال: اللهم لا تردني، فاستشهد، فجعله بنوه على بعير ليحملوه إلى المدينة، فاستصعب عليهم البعير...فلما لم يقدروا عليه، دفنوه في مصرعه.
(2) الخدم: جمع خدمة، وهي الخلخال.
(3) م الهاشميين: أراد من الهاشميين.
فحذف النون من (من) لالتقاء الساكنين.

إذ رام شيب وأبوك غدري * فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال ابن إسحاق: وكان الحليس بن زيان أخو بني الحارث بن عبد مناة - وهو يومئذ سيد الاحابيش - مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق.
فقال الحليس: يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما (1).
فقال:
ويحك أكتمها عني فإنها كانت زلة.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا سفيان، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت [ فعال ] (2)، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل (أي ظهر دينك).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر " قم يا عمر فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء (3)، " قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار " فقال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه.
فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا ؟ فقال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن.
قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:30 am

قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت.
قال: ولما أنصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينك موعد.
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: أخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة، وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة.
والذي نفسي بيده إن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم.
قال علي: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة.
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي، عن ابن رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استووا حتى أثني على ربي عزوجل " فصاروا خلفه صفوفا فقال " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا ومبعد لما قربت.
اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.
__________
(1) لحما: أي ميتا لا يستطيع الانتصار لنفسه.
(2) من ابن هشام.
(3) لا سواء: أي لا نحن سواء، وقد جاز دخول لا في هذا الموضع، لان القصد فيه نفي الفعل: أي لا نستوي.

اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والامن يوم الخوف.
اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا.
اللهم حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك.
اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق " (1) ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به.
فصل قال ابن إسحاق وفرغ الناس لقتلاهم، فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الاحياء هو أم في الاموات ؟ فقال رجل من الانصار (2): أنا.
فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال: فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الاحياء أنت أم في الاموات فقال: أنا في الاموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته.
وأبلغ قومك [ الانصار ] (3) عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
قال ثم لم أبرح حتى مات وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره.
قلت: كان الرجل الذي التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه فلما قال: إن رسول الله أمرني أن أنظر خبرك أجابه بصوت ضعيف وذكره (4).
وقال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب كان الرجل الذي التمس سعدا أبي [ بن ] كعب فالله أعلم.
وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة رضي الله عنه وهو الذي آخى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: " لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم " فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من
__________
(1) الدعاء في مسند أحمد ج 3 / ص 424.
(2) في الواقدي: محمد بن مسلمة، وسيأتي اسمه بعد قليل.
(3) من الواقدي.
(4) الخبر في الواقدي باختلاف 1 / 292 - 293.

الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب (1).
قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب، وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس: أن الله أنزل في ذلك (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) الآية [ النحل: 126 ].
قال: فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة.
قلت: هذه الآية مكية (2) وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا.
فالله أعلم.
قال: وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة [ بن جندب ] قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه، حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة.
وقال ابن هشام: ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة قال " لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت قط موقفا أغيظ إلي من هذا " ثم قال " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في [ أهل ] السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله " قال ابن هشام: وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الاسد أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبي لهب.
الصلاة على حمزة وقتلى أحد وقال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة " وهذا غريب وسنده ضعيف.
قال السهيلي: ولم يقل به أحد من علماء الامصار (3).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 3 / 101 (2) قال الرازي في التفسير الكبير: سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في آخرها.
وحكى الاصم عن بعضهم: أنها كلها مدنية.
وقال قتادة: من قوله " كن فيكون " إلى آخرها مدني.
وقال الرازي: قال الواحدي: ما عليه العامة ان النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال: لامثلن بسبعين منهم مكانك.
فنزل جبريل بخواتيم سورة النحل فكف النبي صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد.
وقال القرطبي في تفسيره: 10 / 201: أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد.
(3) قال السهيلي لم يؤخذ به لوجهين: أحدهما: ضعف إسناده، قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، يعني الحسن بن عمارة فيما ذكروا، ولا خلاف في ضعفه عند أهل الحديث.
وإن كان غيره فهو مجهول والجهل يوبقه والوجه الثاني: انه حديث لم يصحبه العمل، ولا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه صلى على شهيد في شئ من مغازيه إلا هذه الرواية .

ليبتليكم) فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة (1) سبعة من الانصار واثنين من قريش وهو عاشرهم - فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم
عنا..فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا، فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا الله أعلى وأجل، فقالوا الله أعلى وأجل.
فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم.
ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة (2)، وفلان بفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون.
قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملا منا، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبد فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأكلت شيئا ؟ قالوا: لا، قال ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه وجئ برجل من الانصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الانصاري وترك حمزة وجئ بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة " تفرد به أحمد وهذا إسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب.
فالله أعلم.
والذي رواه البخاري أثبت حيث قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة.
وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا (3).
تفرد به البخاري دون مسلم.
ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به.
وقال أحمد حدثنا محمد يعني ابن جعفر حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد: فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم وثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا زكريا بن عدي، أخبرنا [ ابن ] (4) المبارك، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر
__________
(1) في الواقدي: في أربعة عشر: سبعة من المهاجرين وسبعة من الانصار.
(2) يعني: حنظلة بن أبي عامر بحنظلة بن أبي سفيان.
(3) أخرجه البخاري في الصحيح عن قتيبة في 64 كتاب المغازي 26 باب فتح الباري 7 / 374.
وفي 23 كتاب الجنائز 72 باب فتح الباري 3 / 309.
ورواه أبو داود في الجنائز باب في الشهيد هل يغسل.
ورواه الترمذي في الجنائز باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد.
ورواه النسائي في الجنائز باب ترك الصلاة عليهم.
وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهداء.
(4) من صحيح البخاري.

قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للاحياء والاموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض واني لانظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها.
قال: فكان آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه البخاري في مواضع أخر ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث يزيد بن أبي حبيب به نحوه.
وقال الاموي حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عمارة، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قالت عائشة: خرجنا من السحر مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد نستطلع الخبر حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (1) قال: فنظرنا فإذا أسيد بن حضير، ثم مكثنا بعد ذلك، فإذا بعير قد أقبل، عليه امرأة بين وسقين قالت فدنونا منها فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح.
فقلنا لها ما الخبر قالت: دفع الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذ من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا.
ثم قالت لبعيرها: حل.
ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا ؟ قالت: أخي وزوجي.
وقال ابن إسحاق: وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (2) وكان أخاها لابيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي.
قالت ولم ؟ وقد بلغني أنه مثل
بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك لاحتسبن ولاصبرن إن شاء الله.
فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت.
قال ابن إسحاق: ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به غير أنه لم ينقر عن كبده رضي الله عنهما.
قال السهيلي: وكان يقال له المجدع في الله قال وذكر سعد أنه هو وعبد الله بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه فكان ذلك ودعا عبد الله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله فكان ذلك وذكر الزبير بن بكار: أن سيفه يومئذ انقطع فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فصار في يد عبد الله بن جحش سيفا يقاتل به ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر.
وقد تقدم في صحيح البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد في الكفن الواحد
__________
(1) البيت في تاج العروس ونسبه: لحمل بن سعدانة وعجزه: ما أحسن الموت إذا حان الاجل.
وقال في اللسان: يعني به حمل بن بدر.
(2) أي إلى حمزة بن عبد المطلب.

وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وبين عمرو بن الجموح لانهما كانا متصاحبين ولم يغسلوا بل تركهم بجراحهم ودمائهم.
كما روى ابن إسحاق: عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال: أنا شهيد على هؤلاء أنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك.
قال: وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ما من جريح يجرح في الله
إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى اللون لون الدم والريح ريح المسك وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال ادفنوهم بدمائهم وثيابهم.
رواه أبو داود وابن ماجه من حديث علي بن عاصم به.
وقال الامام أبو داود في سننه: حدثنا القعنبي، أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر أنه قال: جاءت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر ؟ فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد.
قيل: يا رسول الله فأيهم يقدم ؟ قال: أكثرهم قرآنا.
ثم رواه من حديث الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر فذكره: وزاد واعمقوا (1).
قال ابن إسحاق: وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: ادفنوهم حيث صرعوا (2).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله وعتاب، حدثنا عبد الله، حدثنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المديني، حدثني أبي سمعت جابر بن عبد الله يقول: استشهد أبي بأحد فأرسلني اخواني إليه بناضح لهن فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بني سلمة.
فقال فجئته وأعوان لي فبلغ ذلك نبي الله وهو جالس بأحد فدعاني فقال: والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته فدفن مع أصحابه بأحد.
تفرد به أحمد.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الاسود بن قيس، عن نبيح، عن جابر بن عبد الله: أن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم أن ردوا القتلى إلى مضاجعهم (3).
وقد رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري والترمذي من حديث شعبة
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز باب في تعميق الحفر ح 3215 وح 3216 و 3217 وأخرجه الترمذي ح 1713 وقال حسن صحيح.
(2) الخبر في سيرة ابن هشام 3 / 103.
(3) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 297 وأبو داود في الجنائز باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض، والترمذي في كتاب
الجهاد، باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله 4 / 215.
وأخرجه النسائي في الجنائز، باب أين يدفن الشهيد =

والنسائي أيضا وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة كلهم عن الاسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين يقاتلهم، وقال لي أبي عبد الله: يا جابر لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما مصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لاحببت أن تقتل بين يدي.
قال: فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي: ألا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدأ فخرج طائفة منه.
فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل (1)، ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه كما هو ثابت في الصحيحين.
وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم إليهم فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث (2) دما.
وفي رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالامس.
وذكر الواقدي: أن معاوية لما أراد أن يجري العين (3) نادى مناديه: من كان له قتيل بأحد فليشهد، قال جابر: فحفرنا عنهم فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته [ وما تغير من حاله قليل ولا كثير ] (4) ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح (5) ويده على جرحه فأزيلت عنه فانبعث جرحه دما، ويقال: إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك رضي الله عنهم أجمعين وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا.
وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال لي ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن علي دينا فاقض واستوص بإخواتك خيرا، فاصبحنا وكان أول قتيل،
فدفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو
__________
= 4 / 79.
وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.
(1) انظر الحاشية السابقة.
(2) في دلائل البيهقي 3 / 291: فانثعب.
(3) في مغازي الواقدي 1 / 267: الكظامة، والكظامة: قناة وهي آبار تحفر في الارض متناسقة ويخرق بعضها إلى بعض تحت الارض فتجمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الارض.
(النهاية ج 4 / 22).
(4) من الواقدي.
(5) في الواقدي والبيهقي: عبد الله قد أصابه جرح في وجهه، فيده على وجهه فأميطت يده عن جرحه فثعب الدم (جرى) فردت إلى مكانها فسكن الدم.

كيوم وضعته هيئة (1) غير أذنه.
وثبت في الصحيحين: من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عن الثوب ويبكي فنهاه الناس فقال رسول الله تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه.
وفي رواية أن عمته هي الباكية (2).
وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا فيض بن وثيق البصري حدثنا أبو عبادة الانصاري، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر " يا جابر ألا أبشرك ؟ قال بلى بشرك الله بالخير، فقال: أشعرت أن الله أحيا أباك فقال: تمن علي عبدي ما شئت أعطكه.
قال: يا رب عبد تك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع " (3).
وقال البيهقي: حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الاسفرايني، حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد، حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر، حدثنا علي بن المديني، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير (4) بن بشير بن الفاكه الانصاري قال: سمعت
طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الانصاري ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مالي أراك مهتما ؟ قال: قلت يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا وقال له: يا عبدي سلني أعطك.
فقال: أسألك أن تردني إلى الدينا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني القول: انهم إليها لا يرجعون.
قال يا رب: فأبلغ من ورائي.
فأنزل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) الآية [ آل عمران: 169 ].
وقال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أبشرك يا جابر ؟ قلت بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد، أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله ما تحب أن أفعل بك ؟ قال: أي رب أحب أن تردني إلى الدينا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى " (5) وقد رواه أحمد عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن ابن عقيل عن جابر، وزاد: فقال الله إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون.
وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن
__________
(1) في البيهقي: هنية.
أخرجه البخاري في 23 كتاب الجنائز 77 باب ح 1351 فتح الباري 3 / 214.
وأخرجه البيهقي في الدلائل 3 / 294 وفي السنن الكبرى 4 / 57.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي 26 باب ح 4080 ومسلم في 44 كتاب فضائل الصحابة 26 باب ح 130.
(3) دلائل النبوة ج 3 / 298.
(4) سقطت من الدلائل.
(5) سيرة ابن هشام ج 3 / 127.

إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر أصحاب أحد " أما والله لوددت أني غودرت مع
أصحابه بحضن الجبل " يعني سفح الجبل، تفرد به أحمد.
وقد روى البيهقي من حديث عبد الاعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير، وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه فدعا له ثم قرأ (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية [ الاحزاب: 23 ] قال " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " (1) وهذا حديث غريب، وروى عن عبيد بن عمير مرسلا.
وروى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشعب قال " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وكان عمر بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله (2).
قال الواقدي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم كل حول فإذا بلغ نقرة الشعب (3) يقول " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان، وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم فتبكي عندهم وتدعو لهم، وكان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردون عليكم.
ثم حكى زيارتهم عن أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وأم سلمة رضي الله عنهم (4).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم (5)، حدثني الحكم بن نافع، حدثنا العطاف بن خالد، حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما إلى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلي وما في الوادي داع ولا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي " السلام عليكم " قالت: فسمعت رد السلام علي يخرج من تحت الارض أعرفه كما أعرف أن الله عزوجل خلقني وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرت كل شعرة مني (6).
وقال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال
__________
(1) دلائل البيهقي 3 / 284 وقال في آخره: كذا وجدته في كتابي عن أبي هريرة.
ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 200 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي: والحديث عند الحاكم عن أبي ذر، ورواه ابن
مردويه عن خباب بن الارت.
(2) دلائل البيهقي: 3 / 306.
(3) في رواية البيهقي عن الواقدي: تفوه الشعب رفع صوته: أي دخل في أوله.
(4) الخبر في مغازي الواقدي ج 1 / 313 - 314.
(5) وهو إبراهيم بن سعيد.
(6) الخبر في دلائل البيهقي من طريق الحسين بن صفوان البردعي 3 / 308.
.

النبي صلى الله عليه وسلم " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخوانا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد.
فقال الله عزوجل: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (1).
وروى مسلم والبيهقي: من حديث أبي معاوية، عن الاعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أرواحهم في جوف طير خضر (2) تسرح في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألوني ما شئتم.
فقالوا يا ربنا ما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى.
قال: فلما رأى (3) أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا (4).
فصل في عدد الشهداء
قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والانصار تسعة وأربعون رجلا وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم.
وقال قتادة عن أنس قتل من الانصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قتل من الانصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون ويوم جسر أبي عبيد سبعون وهكذا قال عكرمة وعروة
__________
(1) الخبر في دلائل البيهقي 3 / 304 وفي سنن أبي داود في الجهاد باب في فضل الشهادة ح 2520.
وسيرة ابن هشام ج 3 / 126.
(2) في البيهقي: أرواحهم كطير خضير.
(3) في صحيح مسلم: فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا.
(4) الحديث موقوف.
أخرجه مسلم في 33 كتاب الامارة 33 باب ح 121.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 3 / 303، والترمذي في تفسير سورة آل عمران: وقال: حسن صحيح وأخرجه ابن ماجه في الجهاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:31 am

والزهري ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد ويشهد له قوله تعالى (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا) يعني أنهم قتلوا يوم سبعين وأسروا سبعين وعن ابن إسحاق قتل من الانصار - لعله من المسلمين - يوم أحد خمسة وستون أربعة من المهاجرين حمزة وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الانصار، وسرد أسماءهم على قبائلهم وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا.
وعن عروة كان الشهداء يوم أحد أربعة أو قال سبعة وأربعين وقال موسى بن عقبة تسعة وأربعون وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا (1) وقال عروة تسعة عشر وقال ابن إسحاق اثنان وعشرون (2).
وقال الربيع عن
الشافعي ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي وقد كان من الاسارى يوم بدر فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية واشترط عليه ألا يقاتله فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن علي لبناتي وأعاهد أن لا أقاتلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه.
وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " (3).
فصل قال ابن إسحاق ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن زوج المرأة منها لبمكان " لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها (4).
وقد قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبد الله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه عن حمنة بنت جحش: أنه قيل لها: قتل أخوك.
فقالت: رحمه الله وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فقالوا: قتل زوجك قالت: واحزناه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشئ " قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل بن (5) محمد بن سعد بن أبي
__________
(1) في الدرر في المغازي لابن عبد البر: جميعهم سبعون رجلا (ص 156).
وقد ذكر ابن سيد الناس في عيون الاثر ما يزيد على المائة نقلا عن كتب السير والطبقات وعقب على ذلك بأنه ذكر أن قتلى أحد سبعون، وإنما نشأت هذه الزيادة من الخلاف في الرواية والاسماء.
(2) أسماء القتلى من المسلمين والمشركين.
(3) الخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 280.
(4) سيرة ابن هشام ج 3 / 104.
(5) من ابن هشام وفي الاصل " عن " تحريف.

وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبو ها (1) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل.
قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير وهو ههنا القليل.
قال امرؤ القيس: لقتل بني أسد ربهم * ألا كل شئ خلاه جلل (2) أي صغير وقليل.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: " اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني في هذا اليوم " وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة ".
وقال موسى بن عقبة في موضع آخر: ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف علي مخضبا بالدماء قال: " لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف " وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء علي بن أبي طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فانها قد شفتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة " (3) قال ابن هشام: وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو ذو الفقار (4)، قال: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد لا سيف إلا ذو الفقار (5)، قال: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: " لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا " قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار بني عبد الاشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " لكن
__________
(1) في مغازي الواقدي السميراء بنت قيس إحدى نساء بني دينار وقد نعي لها ابناها: النعمان بن عبد عمرو،
وسليم بن الحارث - ولم يذكر ابن اسحاق غيرهما فيمن استشهد من بني دينار - وسماه ابن سعد: سلم.
ولم أجد في الاسماء التي ذكرت فيمن استشهد يوم أحد اسم زوجها وكانت تحت الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار (وسليم ابنه) (مغازي الواقدي 1 / 292 - سيرة ابن هشام 3 / 131 طبقات ابن سعد ج 3 - ج Cool.
(2) في نسخة لابن هشام: سواه بدل خلاه.
وربهم: يعني ملك بني أسد " حجر ".
(3) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 283 والحاكم في المستدرك 3 / 24 وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
(4) كان ذو الفقار سيفا للعاصي بن منبه، فلما قتل كافرا يوم بدر صار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلى علي بن أبي طالب.
(5) في ابن هشام: لا سيف إلا ذو الفقار لا فتى إلا علي.

حمزة لا بواكي له " فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى دار بني عبد الاشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بني عبد الاشهل قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن في باب المسجد يبكين فقال: " ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن " (1) قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام، وهذا الذي ذكره منقطع ومنه مرسل وقد أسنده الامام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن زيد، حدثني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد فجعل نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن حمزة لا بواكي له " قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: " فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة " وهذا على شرط مسلم.
وقد رواه ابن ماجه: عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع عن ابن عمر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء بني عبد الاشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكن حمزة لا بواكي له " فجاء نساء الانصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ويحهن ما انقلبن بعد مرورهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم " وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزقة
المدينة إذا النوح والبكاء في الدور قال: " ما هذا " قالوا: هذه نساء الانصار يبكين قتلاهم فقال: " لكن حمزة لا بواكي له " واستغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة فمشوا إلى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: والله لا تبكين قتلى الانصار حتى تبكين عم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة وزعموا أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما هذا " فأخبر بما فعلت الانصار بنسائهم فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال: " ما هذا أردت، وما أحب البكاء " ونهى عنه (2).
وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير سواء.
قال موسى بن عقبة: وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحزين المسلمين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل وقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه، وقال المنافقون مثل قولهم وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين يعني فيمن قتل منهم فقال: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم " الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.
__________
(1) نقله البيهقي في الدلائل ج 3 / 301.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 300 عن عروة بن الزبير.

خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح في أثر أبي سفيان قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد، وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم (1)، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبهم أشد القرح - بطلب
العدو ليسمعوا بذلك وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال.
فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك.
فقال لا، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا.
فقال الله في كتابه: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) [ آل عمران: 172 ] قال وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته (2)، قال وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الاسد (3).
وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير سواء.
وقال محمد بن إسحاق في مغازيه: وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الاحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد من حضر يومنا بالامس.
فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له.
قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
قال ابن إسحاق رحمه الله: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الاشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لاخي وقال لي: اتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة (4) ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد وهي من المدينة على ثمانية (5) أميال فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة.
قال ابن هشام: وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، [ أن ]
__________
(1) في رواية البيهقي: تبيدوهم.
(2) في قتال أحد، وقد ناشدني ألا أترك نساءنا جميعا وإنما أوصاني بالرجوع للذي أصابه من القتل فاستشهده الله عز وجل - زيادة في رواية البيهقي.
قال الواقدي: قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالامس غيري.
(3) نقل الخبر البيهقي في الدلائل ج 3 / 313 عن عروة بن الزبير.
(4) عقبة: من الاعتقاب في الركوب، نوبة.
(5) في ابن سعد: على عشرة أميال طريق العقيق متياسرة عن ذي الحليفة إذا أخذتها في الوادي.

معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم (1) معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الاسد فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: اصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم.
فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط.
قال ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل.
قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر.
قال وما قلت ؟ قال قلت: كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل (2) تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل (3) إني نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذي أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.
ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون ؟ قالوا المدينة، قال: ولم ؟ قالوا نريد الميرة ؟ قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها
إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم.
قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم.
فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وكذا قال الحسن البصري.
وقد قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال، حدثنا أبو بكر (4)، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا
__________
(1) صفقتهم معه: أي اتفاقهم معه.
يقال: أصفقت مع فلان على الامر: إذا اجتمعت معه عليه.
(2) الجرد: الخيل العتاق.
(3) وفي رواية: إذا تعظمت البطحاء بالخيل.
(4) أحمد بن عبد الله بن يونس.
وأبو بكر هو ابن عياش.

وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (1).
تفرد بروايته البخاري وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبو اك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير (2).
هكذا رواه البخاري وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة.
وأخرجه ابن ماجه من طريقه عن هشام بن عروة به.
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي سعيد عن هشام بن عروة به ورواه من حديث السدي عن عروة وقال في كل منهما صحيح ولم يخرجاه.
كذا قال.
وهذا السياق غريب جدا فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الاسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقون.
وقد روى
ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة وكانت وقعة أحد في شوال وكانا التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وانهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين القرح واشتكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا بهم، ويتبعوا ما كانوا متعبين، وقال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل.
فجاء الشيطان يخوف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) وهذا غريب أيضا.
وقال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا (3) وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا فرجعوا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة " والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب " قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك، قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، جد عبد الملك بن مروان
__________
(1) أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة آل عمران 13 باب ح 4563.
(2) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 25 باب ح 4077 ومسلم في كتاب فضائل الصحابة 6 باب ح 51 وح 52 عن أبي كريب.
(3) حربوا: غضبوا

لامه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر ثم من عليه فقال: يا رسول الله أقلني، فقال: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة [ بعدها و ] تقول خدعت
محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه.
قال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت (1)، فضرب عنقه " وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: ستجدانه في مكان (2) كذا وكذا فاقتلاه ففعلا رضي الله عنهما.
قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن أبي كما حدثني الزهري، له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، له شرفا في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوه.
ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع.
ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخد المسلمون ثيابه من نواحيه، وقالوا اجلس أي عدو الله والله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا (3) أن قمت أشدد أمره.
فلقيه رجال من الانصار (4) بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك ؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب إلي رجال من أصحابه (5) يجبذونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: والله ما أبغي أن يستغفر لي.
ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل عمران عند قوله (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) قال إلى تمام ستين آية.
وتكلم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية.
ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان رضي الله عنهم ومن الانصار إلى تمام خمسة وستين رجلا واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا على قبائلهم أيضا.
__________
(1) قال الواقدي: لم يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أسيرا غير أبي عزة، وقد أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه.
أما
المغيرة فلم يأخذ رسول الله، فقد انهزم يومئذ فمضى على وجهه قريبا من المدينة، فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفان فضرب بابه فأدخله عثمان ناحية البيت.
فأجله ثلاثا ثم ارتحل.
المغازي ج 1 / 332.
(2) في الواقدي: بالجماء.
(3) أي أمرا عظيما.
(4) في الواقدي: لقيه معوذ بن عفراء.
(5) منهم: أبو أيوب الانصاري وعبادة بن الصامت.

قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بين يديه أمر الزبير - ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الافلح - فضرب عنقه.
فصل فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الاشعار وإنما نورد شعر الكفار لنذكر جوابها من شعر الاسلام ليكون أبلغ في وقعها من الاسماع والافهام وأقطع لشبهة الكفرة الطغام.
قال الامام محمد بن إسحاق رحمه الله وكان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبي وهب المخزومي وهو على دين قومه من قريش فقال: ما بال هم عميد بات يطرقني * بالود من هند إذ تعدو عواديها (1) باتت تعاتبني هند وتعذلني * والحرب قد شغلت عني مواليها مهلا فلا تعذليني إن من خلقي * ما قد علمت وما إن لست أخفيها مساعف لبني كعب بما كلفوا * حمال عب ء وأثقال أعانيها (2) وقد حملت سلاحي فوق مشترف * ساط سبوح إذا يجري يباريها (3) كأنه إذ جرى عير بفدفدة * مكدم لا حق بالعون يحميها من آل أعوج يرتاح الندي له * كجذع شعراء مستعل مراقيها (4) أعددته ورقاق الحد منتخلا * ومارنا لخطوب قد ألاقيها (5)
هذا وبيضاء مثل النهي محكمة * لظت علي فما تبدو مساويها (6) سقناكنانة من أطراف ذي يمن * عرض البلاد على ما كان يزجيها قالت كنانة أنى تذهبون بنا * قلنا: النخيل فأموها ومن فيها (7) نحن الفوارس يوم الجر من أحد * هابت معد فقلنا نحن نأتيها هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما * مما يرون وقد ضمت قواصيها ثمت رحنا كأنا عارض برد * وقام هام بني النجار يبكيها
__________
(1) العميد: المؤلم الموجع.
والعوادي: الشواغل.
(2) المساعف: المطيع عب ء: هنا الامور الشاقة العظام.
(3) مشترف: مشرف.
الساطي: الفرس البعيد الخطو.
(4) أعوج: اسم فرس مشهور في العرب.
(5) المارن: الرمح اللين.
(6) لظت: أي ألصقت، ورواية أبي ذر: نيطت: علفت.
(7) النخيل: عين قرب مكة.

كأن هامهم عند الوغى فلق * من قيض ربد نفته عن أداحيها (1) أو حنظل ذعذعته الريح في غصن * بال تعاوره منها سوافيها قد نبذل المال سحا لا حساب له * ونطعن الخيل شزرا في مآقيها وليلة يصطلي بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها (2) وليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قد بت أسريها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسري أفاعيها أوقدت فيها لذي الضراء جاحمة * كالبرق ذاكية الار كان أحميها أورثني ذلكم عمرو ووالده * من قبله كان بالمشتى يغاليها (3)
كانوا يبارون أنواء النجوم فما * دنت عن السورة العليا مساعيها (4) قال ابن إسحاق فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال (قال ابن هشام: وتروى لكعب بن مالك وغيره.
قلت: وقول ابن إسحاق أشهر وأكثر والله أعلم): سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم * إلى الرسول فجند الله مخزيها أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها والقتل لاقيها جمعتموهم أحابيشا بلا حسب * ائمة الكفر غرتكم طواغيها ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت * أهل القليب ومن ألقيته فيها (5) كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبي وهب المخزومي أيضا: ألا هل أتى غسان عنا ودونهم * من الارض خرق سيره متنعنع (6) صحارى وأعلام كأن قتامها * من البعد نقع هامد متقطع تظل به البزل العراميس رزحا * ويحلو به غيث السنين فيمرع به جيف الحسرى يلوح صليها * كما لاح كتان التجار الموضع به العين والآرام يمشين خلفة * وبيض نعام قيضه يتقلع (7)
__________
(1) القيض: قشر البيض الا على.
والاداحي: جمع أدحى.
وهو الموضع الذي تبيض فيه النعام.
(2) النقرى: أن تخص قوما بالدعوة دون قوم.
(3) في ابن هشام: بالمثنى بدل بالمشتى.
(4) السورة: الرفعة والمنزلة.
(5) أهل القليب: يعني قتلى بدر من المشركين (6) متنعنع: مضطرب.
(7) العين: بقر الوحش.

مجالدنا عن ديننا كل فخمة * مذربة فيها القوانس تلمع (1) وكل صموت في الصوان كأنها * إذا لبست نهي من الماء مترع ولكن ببدر سائلوا من لقيتم * من الناس والانباء بالغيب تنفع وانا بأرض الخوف لو كان أهلها * سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا إذا جاء منا راكب كان قوله * أعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع فمهما يهم الناس مما يكيدنا * فنحن له من سائر الناس أوسع فلو غيرنا كانت جميعا تكيده * البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا نجالد لا تبقى علينا قبيلة * من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا ولما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا * علام إذا لم نمنع العرض نزرع (2) وفينا رسول الله نتبع أمره * إذا قال فينا القول لا نتظلع (3) تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع نشاوره فيما نريد وقصرنا * إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع وقال رسول الله لما بدوا لنا * ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا وكونوا كمن يشري الحياة تقربا * إلى ملك يحيا لديه ويرجع ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا * على الله إن الامر لله أجمع فسرنا إليهم جهرة في رحالهم * ضحيا علينا البيض لا نتخشع بملمومه فيها السنور والقنا * إذا ضربوا أقدامها لا تورع (4) فجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرنا فأربع (5) نغاورهم تجري المنية بيننا * نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهادى قسي النبع فينا وفيهم * وما هو إلا اليثربي المقطع ومنجوفة حرمية ضاعدية * يذر عليها السم ساعة تصنع (6)
تصوب بأبدان الرجال وتارة * تمر بأعراض البصار تقعقع وخيل تراها بالفضاء كأنها * جراد صبا في قرة يتريع
__________
(1) الفحمة: الكتيبة العظيمة.
والقوانس: رؤوس بيض السلاح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:33 am

2) العرض: موضع خارج المدينة.
(3) لا نتظلع: أي لا نميل عنه.
وتروى: لا نتطلع.
(4) الملمومة: الكتيبة المجتمعة.
(5) نصية: خيار القوم.
(6) المنجوفة: السهام.
الحرمية: نسبة إلى أهل الحرم.
الصاعدية: نسبة إلى صاعد أحد الصناع.

فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا * وليس لامر حمه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم * كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية * كأن ذكانا حر نار تلفع وراحوا سراعا موجعين كأنهم * جهام هراقت ماءه الريح مقلع (1) ورحنا وأخرانا بطاء كأننا * أسود على لحم ببشة ضلع (2) فنلنا ونال القوم منا وربما * فعلنا، ولكن ما لدى الله أوسع ودارت رحانا واستدارت رحاهم * وقد جعلوا، كل من الشر يشبع ونحن أناس لا نرى القتل سبة * على كل من يحمي الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا نرى * على هالك عينا لنا الدهر تدمع (3) بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله * ولا نحن مما جرت الحرب نجزع بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش * ولا نحن من أظفارنا نتوجع (4) وكنا شهابا يتقي الناس حرة * ويفرج عنه من يليه ويسفع فخرت علي ابن الزبعري وقد سرى * لكم طلب من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معد وغيرها * من الناس من أخزى مقاما وأشنع ومن هو لم يترك له الحرب مفخرا * ومن خده يوم الكريهة أضرع شددنا بحول الله والنصر شدة * عليكم وأطراف الاسنة شرع تكر القنا فيكم كأن فروعها * عزالى مزاد ماؤها يتهزع (5) عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر * بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع فحانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا * أبى الله إلا أمره وهو أصنع قال ابن إسحاق:: وقال عبد الله بن الزبعرى في يوم أحد وهو يومئذ مشرك بعد: يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل والعطيات خساس بينهم * وسواء قبر مثر ومقل
__________
(1) الجهام: السحاب الرقيق الذي ليس فيه ماء.
(2) في ابن هشام: ظلع بدل ضلع، وبيشة: موضع كثير الاسود.
(3) جلاد: جمع جليد، وهو الصبور.
(4) في ابن هشام: أظفارها.
(5) فروعها في الاصل وهو تحريف والصواب في ابن هشام: فروغها بالغين وهي الطعنات المتسعة.
عزالى: جمع عزلاء وهي فم المزادة.

كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل (1) أبلغا حسان عني آية * فقريض الشعر يشفي ذا الغلل كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل وسرابيل حسان سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل (2) كم قتلنا من كريم سيد * ماجد الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع * غير ملتاث لدى وقع الاسل فسل المهراس ما ساكنه * بين أقحاف وهام كالحجل ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل (3) ثم خفوا عند ذاكم رقصا * رقص الحفان يعلو في الجبل (4) فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل لا ألوم النفس إلا أننا * لو كررنا لفعلنا المفتعل بسيوف الهند تعلو هامهم * عللا تعلوهم بعد نهل قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه: ذهبت بابن الزبعري وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الاسياف في أكتافكم * حيث نهوى عللا بعد نهل نخرج الاصبح من أستاهكم * كسلاح النيب يأكلن العصل (5) إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أشباه الرسل إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم إلى سفح الجبل بخناطيل كأشداق الملا * من يلاقوه من الناس يهل (6) ضاق عنا الشعب إذ نجزعه * وملانا الفرط منه والرجل
__________
(1) بنات الدهر: حوادثه.
(2) سرابيل: الدروع.
(3) بركها: صدرها.
عبد الاشل: هم بنو عبد الاشهل.
(4) الحفان: فراخ النعام.
(5) الاصبح: قال السهيلي: وصف اللبن الممذوق المخرج من بطونهم، وفي ابن هشام الاضياح: اللبن الممزوج
بالماء.
العصل: نبات يصلح الابل إذا أكلته.
(6) أشداق: تحريف، وفي ابن هشام أشداف ويراد بها جمع شدف، وكتب اللغة جمعت شدف على شدوف.
وروى أبو ذر: أمذاق أي: أخلاط الناس

برجال لستم أمثالهم * أيدوا جبريل نصرا فنزل (1) وعلونا يوم بدر بالتقى * طاعة الله وتصديق الرسل وقتلنا كل رأس منهم * وقتلنا كل جحجاح رفل (2) وتركتا في قريش عورة * يوم بدر وأحاديث المثل ورسول الله حقا شاهدا * يوم بدر والتنابيل الهبل في قريش من جموع جمعوا * مثل ما يجمع في الخصب الهمل (3) نحن لا أمثالكم ولد آستها * نحضر البأس إذا البأس نزل قال ابن إسحق: وقال كعب يبكي حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحد رضي الله عنهم نشجت وهل لك من منشج * وكنت متى تدكر تلجج تذكر قوم أتاني لهم * أحاديث في الزمن الاعوج فقلبك من ذكرهم خافق * من الشوق والحزن المنضج وقتلاهم في جنان النعيم * كرام المداخل والمخرج بما صبروا تحت ظل اللواء * لواء الرسول بذي الاضوج (4) غداة أجابت بأسيافها * جميعا بنو الاوس والخزرج وأشياع أحمد إذ شايعوا * على الحق ذي النور والمنهج فما برحوا يضربون الكماة * ويمضون في القسطل المرهج كذلك حتى دعاهم مليك * إلى جنة دوحة المولج وكلهم مات حر البلاء * على ملة الله لم يحرج كحمزة لما وفى صادقا * بذي هبة صارم سلجج (5)
فلاقاه عبد (6) بني نوفل * يبربر كالجمل الادعج فأوجره حربة كالشهاب * تلهب في اللهب الموهج ونعمان أوفى بميثاقه * وحنظلة الخير لم يحنج (7) عن الحق حتى غدت روحه * إلى منزل فاخر الزبرج
__________
(1) أيدوا جبريل: قال أبو ذر: أي أيدوا بجبريل.
(2) الجحجاح: السيد، رفل: الذي يجر ثوبه خيلاء.
(3) الهمل: الابل المهملة التي تترك في المرعى دون راع.
(4) الاضوج جمع ضوج: جانب الوادي.
(5) السلجج: المرهق.
(6) يريد به وحشي قاتل حمزة.
(7) لم يحنج: لم يحد عن وجه الحق ولم يمل عما أراده.

أولئك لا من ثوى منكم * من النار في الدرك المرتج قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحد وهي على روي قصيدة أمية بن أبي الصلت في قتلى المشركين يوم بدر.
قال ابن هشام: ومن أهل العلم بالشعر من ينكر هذه لحسان والله أعلم: يامي قومي فاندبي بسحيرة شجو النوائح * كالحاملات الوقر بالثقل الملحات الدوالح المعولات الخامشات وجوه حرات صحائح * وكأن سيل دموعها الانصاب تخضب بالذبائح ينقضن أشعارا لهن هناك بادية المسائح * وكأنها أذناب خيل بالضحى شمس روامح من بين مشرور ومجزور يذعذع بالبوارح * يبكين شجو مسلبات كدحتهن الكوادح (1) ولقد أصاب قلوبها مجل له جلب قوارح * إذ أقصد الحدثان من كنا نرجي إذ نشايح (2) أصحاب أحد غالهم دهر ألم له جوارح * من كان فارسنا وحامينا إذا بعث المسالح
ياحمز لا والله لا أنساك ما صر اللقائح * لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح (3) ولما ينوب الدهر في حرب لحرب وهي لافح * يا فارسا يا مدرها ياحمز قد كنت المصامح (4) عنا شديدات الخطوب إذا ينوب لهن فادح * ذكرتني أسد الرسول وذاك مدرهنا المنافح عنا وكان يعد إذ عد الشريفون الجحاجح * يعلو القماقم جهرة سبط اليدين أغر واضح لا طائش رعش ولا ذو علة بالحمل آنح * بحر فليس يغب جارا منه سيب أو منادح (5) أودى شباب إلى الحفائظ والثقليون المراجح * المطعمون إذا المشاتي ما يصفقهن ناضح لحم الجلاد وفوقه من شحمه شطب شرائح * ليدافعوا عن جارهم ما رام ذوالضغن المكاشح لهفي لشبان رزئناهم كأنهم المصابح * شم بطارقة غطارفة خضارمة مسامح (6) المشترون الحمد بالاموال أن الحمد رابح * والجامزون بلجمهم يوما إذا ما صاح صائح (7) من كان يرمى بالنواقر من زمان غير صالح * ما أن تزال ركابه يرسمن في غبرصحاصح (Cool راحت تبارى وهو في ركب صدورهم رواشح * حتى تؤوب له المعالي ليس من فوز السفائح (9)
__________
(1) مشرور: الذي وضع لحمه على خصفة ليجف.
يذعذع: يغرق.
البوارح: الرياح الشديدة.
(2) مجل: أي جرح ندي.
جلب: جمع جلبة وهي قشرة الجرح التي تكون عند البرء.
(3) اللقائح: جمع لقحة، وهي الناقة التي لها لبن.
تلامح: أي تنظر بعينها نظرا سريعا ثم تغضها.
(4) المدره: المدافع عن القوم بلسانه ويده.
والمصامح: الشديد الدفاع.
(5) الآنح: البعير الذي إذا حمل الثقل أخرج من صدره صوت المعتصر.
(6) الغطارفة: السادة، الخضارفة: المكثرون من العطاء.
(7) الجامزون: الواثبون.
(Cool النواقر: الدواهي والمصائب، والصحاصح: جمع صحصح: الارض المستوية الملساء.
(9) السفائح: جمع سفيح وهو من قداح الميسر.

ياحمز قد أوحدتني كالعود شذبه الكوافح * أشكو إليك وفوقك الترب المكور والصفائح (1)
من جندل يلقيه فوقك إذ أجاد الضرح ضارح * في واسع يحشونه بالتراب سوته المماسح فعزاؤنا أنا نقول وقولنا برح بوارح * من كان أمسى وهو عما أوقع الحدثان جانح فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النوافح * القائلين الفاعلين ذوي السماحة والممادح من لا يزال ندى يديه له طوال الدهر مائح (2) قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.
قال ابن إسحاق وقال كعب بن مالك يبكي حمزة وأصحابه: طرقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت أن سلخ الشباب الاغيد ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غوري وصحوك منجد فدع التمادي في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند ولقد أتى لك أن تناهى طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد ولقد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد ولو آنه فجعت حراء بمثله * لرأيت رأسي صخرها يتبدد قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسؤدد والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكمي مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذولبدة شثن البراثن أربد (3) عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المنية معلما في أسرة * نصروا النبي ومنهم المستشهد ولقد إخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الاسعد (4) وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين: نقتل من نشاء ونطرد
فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزبد وأمية الجمحي قوم ميله * عضب بأيدي المؤمنين مهند
__________
(1) الكوافح: الذين يتناولون بالقطع.
(2) المائح الذي ينزل في البئر فيملا الدلو إذا كان ماؤها قليلا.
(3) الششن: الغليظ.
(4) العقنقل: الكثيب من الرمل.

فأتاك فل المشركين كأنهم * والخيل تثفنهم نعام شرد (1) شتان من هو في جهنم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلد وقال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة وأصحابه يوم أحد.
قال ابن هشام: وأنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك فالله أعلم: بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول (2) عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول الا يا هاشم الاخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عني لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفى الغليل نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل ومتركنا أمية مجلعبا * وفي حيزومه لدن نبيل (3) وهام بني ربيعة سائلوها * ففي أسيافنا منها فلول ألا يا هند فابكي لا تملي * فأنت الواله العبرى الهبول ألا يا هند لا تبدي شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب وهي أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين: أسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبي من أعجم وخبير فقال الخبير إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير دعاه إله الحق ذوالعرش دعوة * إلى جنة يحيا بها وسرور فذلك ما كنا نرجي ونرتجي * لحمزة يوم الحشر خير مصير
__________
(1) تثفنهمم: تطردهم.
(2) أبو يعلى: كنية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
(3) مجلعب: الممتد مع الارض.
الحيزوم: أسفل الصدر.
اللدن: الرمح اللين.

فوالله لا أنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضري ومسيري على أسد الله الذي كان مدرها * يذود عن الاسلام كل كفور فياليت شلوي عند ذاك وأعظمي * لدى أضبع تعتادني ونسور أقول وقد أعلى النعي عشيرتي * جزى الله خيرا من أخ ونصير قال ابن إسحاق: وقالت نعم، امرأة شماس بن عثمان تبكي زوجها والله أعلم، ولله الحمد والمنة:
يا عين جودي بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان لباس (1) صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس أقول لما أتى الناعي له جزعا * أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي وقلت لما خلت منه مجالسه * لا يبعد الله منا قرب شماس قال فأجابها أخوها [ أبو ] (2) الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال: اقنى حياءك في ستر وفي كرم * فإنما كان شماس من الناس لا تقتلي النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس قد كان حمزة ليث الله فاصطبري * فذاق يومئذ من كأس شماس وقالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين رجعوا من أحد: رجعت وفي نفسي بلابل جمة * وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي من أصحاب بدر من قريش وغيرهم * بني هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيري ومركبي وقد أورد ابن إسحاق في هذا أشعارا كثيرة تركنا كثيرا منها خشية الاطالة وخوف الملالة وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد.
وقد أورد الاموي في مغازيه من الاشعار أكثر مما ذكره ابن إسحاق كما جرت عادته ولا سيما ههنا فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابت: أنه قال في غزوة أحد فالله أعلم: طاوعوا الشيطان إذ أخزاهم * فاستبان الخزي فيهم والفشل حين صاحوا صيحة واحدة * مع أبي سفيان قالوا اعل هبل فأجبناهم جميعا كلنا * ربنا الرحمن أعلى وأجل أثبتوا تستعملوها مرة * من حياض الموت والموت نهل واعلموا أنا إذا ما نضحت * عن خيال الموت قدر تشتعل وكأن هذه الابيات قطعة من جوابه لعبد الله بن الزبعرى والله أعلم.
__________
(1) إبساس ؟: أن تستدر لبن الناقة بأن تمسح ضرعها وتقول لها: بس بس.
وهنا: استعارة للدمع الفائض.
(2) من ابن هشام

آخر الكلام على وقعة أحد فصل قد تقدم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسرايا، ومن أشهرها وقعة أحد كانت في النصف من شوال منها، وقد تقدم بسطها ولله الحمد.
وفيها في أحد توفي شهيدا أبو يعلى ويقال أبو عمارة أيضا حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الملقب بأسد الله وأسد رسوله وكان رضيع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو سلمة بن عبد الاسد أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه، فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل رضي الله عنهم فإنه كان من الشجعان الابطال ومن الصديقين الكبار وقتل معه يومئذ تمام السبعين رضي الله عنهم أجمعين.
وفيها عقد عثمان بن عفان على أم كثلوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أختها رقية وكان عقده عليها في ربيع الاول منها وبنى بها في جمادى الآخرة منها كما تقدم فيها ذكره الواقدي.
وفيها قال ابن جرير: ولد لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب (1) قال: وفيها علقت بالحسن رضي الله عنهم.
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر سنة أربع من الهجرة النبوية في المحرم منها: كانت سرية أبي سلمة بن عبد الاسد أبي طليحة الاسدي فانتهى إلى ما يقال له قطن (2).
قال الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة وغيره قالوا: شهد أبو سلمة أحدا، فجرح جرحا على عضده [ فرجع إلى منزله ] (3) فأقام شهرا يداوى، فلما كان المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا
من الهجرة دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها وعقد له لواء وقال: سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم، وأوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة فانتهى إلى أدنى قطن وهو ماء لبني أسد وكان هناك
__________
(1) في تاريخ الطبري: في النصف من شهر رمضان.
(2) قطن: جبل بناحية فيد، به ماء لبني أسد بن خزيمة (ابن سعد 2 / 50).
(3) من الواقدي.

طليحة الاسدي وأخوه سلمة ابنا خويلد وقد جمعا حلفاء من بني أسد ليقصدوا حرب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل منهم (1) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تمالاوا عليه فبعث معه أبا سلمة في سريته هذه.
فلما انتهوا إلى أرضهم تفرقوا وتركوا نعما كثيرا لهم من الابل والغنم فأخذ ذلك كله أبو سلمة وأسر منهم معه ثلاثة مماليك وأقبل راجعا إلى المدينة فأعطى ذلك الرجل الاسدي الذي دلهم نصيبا وافرا من المغنم، وأخرج صفي النبي صلى الله عليه وسلم عبدا وخمس الغنيمة وقسمها بين أصحابه ثم قدم المدينة.
قال عمر بن عثمان فحدثني عبد الملك بن عبيد (2) عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، عن عمر بن أبي سلمة قال: كان الذي جرح أبي أبو أسامة الجشمي فمكث شهرا يداويه فبرأ فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم يعني من سنة أربع إلى قطن فغاب بضع عشرة ليلة، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى (3).
قال عمر: واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشر ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال فكانت أمي تقول: ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه، قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى فيه.
قال: وماتت أم سلمة في ذي القعدة سنة تسع وخمسين.
رواه البيهقي (4).
قلت سنذكر في أواخر هذه السنة في شوالها تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة وما يتعلق بذلك من ولاية الابن أمه في النكاح ومذاهب العلماء في ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
غزوة الرجيع
قال الواقدي: وكانت في صفر يعني سنة أربع بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ليجيزوه قال والرجيع (5) على ثمانية أميال من عسفان.
قال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد (6) عاصم بن عمر بن الخطاب،
__________
(1) هو الوليد بن زهير بن طريف عم زينب الطائية وكانت تحت طليب بن عمير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الواقدي.
(2) في الواقدي: ابن عمير.
(3) في الواقدي: الآخرة.
(4) رواه البيهقي عن الواقدي مطولا في الدلائل ج 3 / 319 - 322 وقال في نهايته: ماتت أم سلمة بعد ذلك سنة إحدى وستين والله أعلم (5) الرجيع: ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدور الهدة والهدة على سبعة أميال من عسفان (الطبري - ابن سعد - الواقدي).
(6) قال الحافظ عبد العظيم: غلط عبد الرزاق وابن عبد البر، فقالا هذا في عاصم: هو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، وذلك وهم، وإنما هو خال عاصم، لان أم عاصم بن عمر جميلة بنت ثابت، وعاصم هو أخو جميلة.
ذكر ذلك الزبير القاضي وعمه مصعب.
إرشاد الساري 6 / 312.

فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا
إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أو نار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما هذا أو الغدر فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة [ بعد بدر ] (1) فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات (2) الحارث يستحد بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك إن شاء الله.
وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة، وانه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقا رزقه الله.
فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت.
فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو.
ثم قال: اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا.
ثم قال: ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلوممزع قال: ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشئ من جسده يعرفونه وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شئ (3).
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله يقول: الذي قتل خبيبا هو أبو سروعة قلت واسمه عقبة بن الحارث وقد أسلم بعد ذلك وله حديث في الرضاع وقد قيل: إن أبا سروعة وعقبة إخوان.
فالله أعلم.
هكذا ساق البخاري في كتاب المغازي من صحيحه قصة الرجيع ورواه أيضا في التوحيد وفي
__________
(1) من دلائل البيهقي والواقدي، وفي الطبري يوم أحد.
(2) ذكرها الواقدي: ماوية مولاة لبني عبد مناف، قال: وقد أسلمت بعد وحسن اسلامها.
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 10 باب ح 3989.
وأخرجه في كتاب الجهاد باب هل يستأسر الرجل ؟
وأعاده في المغازي.
وأخرجه أبو داود في الجهاد باب: في الرجل يستأسر.

الجهاد من طرق: عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان وأسد بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة ومنهم من يقول عمر بن أبي سفيان والمشهور عمرو.
وفي لفظ للبخاري بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح وساق بنحوه.
وقد خالفه محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير في بعض ذلك ولنذكر كلام ابن إسحاق ليعرف ما بينهما من التفاوت والاختلاف على أن ابن إسحاق إمام في هذا الشأن، غير مدافع كما قال الشافعي رحمه الله من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق.
قال محمد بن إسحاق حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب.
قال ابن إسحاق وهو أمير القوم (1)، وخالد بن البكير الليثي حليف بني عدي وعاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، أخو بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة بن عامر (2) وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر رضي الله عنهم هكذا قال ابن إسحاق أنهم كانوا ستة (3) وكذا ذكر موسى بن عقبة وسماهم كما قال ابن إسحاق، وعند البخاري أنهم كانوا عشرة وعنده أن كبيرهم عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح فالله أعلم.
قال ابن إسحاق فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدور الهدأة (4) غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم، وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.
فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت (5) فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وقال عاصم بن ثابت والله أعلم ولله الحمد والمنة:
ما علتي وأنا جلد نابل * والقوس فيها وتر عنابل (6) تزل عن صفحتها المعابل * والموت حق والحياة باطل (7)
__________
(1) في ابن سعد والسهيلي: أمر عليهم عاصم بن ثابت.
(2) في ابن هشام: عمرو.
(3) قال الواقدي: سبعة نفر، وزاد معتب بن عبيد أخا عبد الله بن طارق لامه.
وذكر ابن سعد أنهم كانوا عشرة، عليهم عاصم، ولم يذكر سوى سبعة زاد على ابن اسحاق معتب بن عبيد.
(4) الهدأة: قال ياقوت: الهدأة: وهو موضع بين عسفان ومكة، وكذا ضبطه أبو عبيد البكري الاندلسي، وقال أبو حاتم: يقال لموضع بين مكة والطائف الهدة بغير ألف، وهو غير الاول.
(5) زاد الواقدي وابن سعد: ومعتب بن عبيد.
(6) عجزه في الواقدي: النبل والقوس لها بلابل.
(بلابل جمع بلبل: أي شدة الهم).
(7) المعابل: جمع معبلة، وهو نصل عريض طويل.

وكل ما حم الاله نازل * بالمرء والمرء إليه آيل إن لم إقاتلكم فأمي هابل وقال عاصم أيضا: أبو سليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد إذا النواجي افترشت لم أرعد * ومجنأ من جلد ثور أجرد ومؤمن بما على محمد وقال أيضا: أبو سليمان ومثلي راما * وكان قومي معشرا كراما (1) قال: ثم قاتل حتى قتل وقتل صاحباه.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن سهيل وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها (2) يوم أحد لئن قدرت على رأس
عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فيذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به.
وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا.
فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
قال ابن إسحاق: وأما خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران (3) انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران.
وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة.
فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي (4) حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله بأبيه.
قال: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم (5) وأخرجه من
__________
(1) في الواقدي: أن أبو سليمان ومثلي رامى * ورثت مجدا معشرا كراما أصبت مرثدا وخالدا قياما (2) الحارث ومسافع: وفي ابن سعد: مسافع وجلاس.
(3) الظهران: واد قرب مكة.
(4) قال الواقدي وابن سعد: ابتاعه حجير بثمانين مثقال ذهب، ويقال اشترته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل بمائة من الابل.
والاول أصح.
(5) التنعيم: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة (معجم البلدان).

الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم: أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم
ليقتل: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، واني جالس في أهلى.
قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا قال: ثم قتله نسطاس.
قال: وأما خبيب بن عدي: فحدثني عبد الله ابن أبي نجيح، أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان عندي خبيب حبس في بيتي فلقد اطلعت عليه يوما وأن في يده لقطفا من عنب، مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح أنهما قالا: قالت: قال لي حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل.
قالت: فأعطيت غلاما من الحي الموسى، فقلت له: أدخل بها على هذا الرجل البيت، فقالت فوالله ان هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت ! أصاب والله الرجل وثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي.
ثم خلى سبيله.
قال ابن هشام: ويقال إن الغلام ابنها (1).
قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب حتى جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه، وقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة.
قال: فكان خبيب أو (أول) من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين (2)
__________
(1) قيل هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (شرح المواهب اللدنية) وفي الواقدي: أبي حسين ابن ماوية.
(مغازي 1 / 358).
(2) يوجد على الهامش في هذا المكان ما نصه: " حاشية بخط المصنف، قال السهيلي: وإنما صارت سنة لانها فعلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستحسنت من صنيعه، قال وقد صلاها زيد بن حارثة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساق بإسناده من طريق أبي بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين عن يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة استأجر من رجل بغلا من الطائف واشترط عليه الكرى أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خربة فإذا
بها قتلى كثيرة، فلما هم بقتله قال له زيد: دعني حتى أصلي ركعتين.
فقال: صل ركعتين فطالما صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، قال: فصليت ثم جاء ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، فإذا صارخ يقول لا تقتله، فهاب وذهب ينظر فلم ير شيئا، ثم جاء ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، فسمع أيضا الصوت يقول: لا تقتله، فذهب لينظر ثم جاء، فقلت: يا أرحم الراحمين، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة في رأسها شعلة من نار فطعنه بها حتى أنفذه فوقع ميتا، ثم قال: لما دعوت الله في المرة الاولى كنت في السماء السابعة ولما دعوته في المرة الثانية كنت في السماء الدنيا ولما دعوته في الثالثة أتيتك.
قال السهيلي: وقد صلاها حجر بن عدي ابن الادبر حين حمل إلى معاوية من العراق ومعه كتاب زياد ابن أبيه وفيه انه خرج عليه وأراد خلعه، وفي الكتاب شهادة جماعة من التابعين منهم الحسن وابن سيرين، فلما دخل على معاوية قال، السلام عليك يا أمير المؤمنين.
قال =

قال: ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا (1) ولا تغادر منهم أحدا، ثم قتلوه.
وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان فلقد رأيته يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زلت عنه.
وفي مغازي موسى بن عقبة: أن خبيبا وزيد بن الدثنة قتلا في يوم واحد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع يوم قتلا وهو يقول وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش.
وذكر أنهم لما صلبوا زيد بن الدثنة رموه بالنبل ليفتنوه عن دينه فما زاده إلا إيمانا وتسليما.
وذكر عروة وموسى بن عقبة أنهم لما رفعوا خبيبا على الخشبة نادوه يناشدونه أتحب أن محمدا مكانك ؟ قال: لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه فضحكوا منه.
وهذا ذكره ابن إسحاق في قصة زيد بن الدثنة فالله أعلم.
قال موسى بن عقبة: زعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبا (2).
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عقبة بن الحارث قال سمعته يقول: والله ما أنا قتلت خبيبا لانا كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض
أصحابنا قال: كان عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام (3) فكانت تصيبه غشية، وهو بين ظهري القوم، فذكر ذلك لعمر، وقيل إن الرجل مصاب، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد ما هذا الذي يصيبك ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل وسمعت دعوته، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي.
فزادته عند عمر خيرا.
وقد قال الاموي: حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق وبلغنا أن عمر قال: من سره أن ينظر إلى رجل نسيج وحده فلينظر إلى سعيد بن عامر.
قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انسلخت الاشهر الحرم ثم قتلوه.
وقد روى البيهقي من طريق إبراهيم بن إسماعيل حدثني جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جده عمرو بن أمية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه عينا وحده قال جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون، فأطلقته، فوقع إلى الارض ثم اقتحمت فانتبذت
__________
= أو أنا أمير المؤمنين ؟ وأمر بقتله فصلى ركعتين قبل قتله ثم قتله رحمه الله.
قال: وقد عاتبت عائشة معاوية في قتله فقال إنما قتله من شهد عليه، ثم قال: دعيني وحجرا فإني سألقاه على الجادة يوم القيامة، قالت: فأين ذهب عنك حلم أبي سفيان ؟ قال: حين غاب مثلك من قومي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:34 am

ن الهامش.
(1) قال ابن الاثير في النهاية: يروى بكسر الباء: جمع بدة وهي الحصة والنصيب.
أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحدة حصته ونصيبه.
ويروى بالفتح: أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد، من التبديد (ج 1 / 65).
(2) الخبر نقله البيهقي عن موسى بن عقبة وعروة في الدلائل ج 3 / 326 واختصر ابن عبد البر في الدرر 159 - 161.
(3) في الواقدي: على حمص.

قليلا، ثم التفت فلم أر شيئا فكأنما بلعته الارض فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة (1).
ثم روى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: لما قتل أصحاب الرجيع قال ناس من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا لا هم أقاموا في أهلهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله فيهم (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا
ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام) [ البقرة: 204 ] وما بعدها.
وأنزل الله في أصحاب السرية (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) [ البقرة: 207 ].
قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة خبيب حين اجمعوا على قتله (قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها له): لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع (2) وكلهم مبدي العداوة جاهد * علي لاني في وثاق بمضبع (3) وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي * وما أرصد الاعداء لي عند مصرعي (4) فذا العرش صبرني على ما يراد بي * فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيروني الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت * ولكن حذاري جحم نار ملفع (5) فوالله ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مضجعي (6) فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا أني إلى الله مرجعي وقد تقدم في صحيح البخاري بيتان من هذه القصيدة وهما قوله: فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقال حسان بن ثابت يرثي خبيبا فيما ذكره ابن إسحاق:
__________
(1) دلائل النبوة 3 / 331 - 332.
(2) ألبوا: جمعوا.
تقول ألبت القوم على فلان إذا جمعتهم عليه وحضضتهم وحرشتهم به، فتألبوا، أي اجتمعوا.
مجمع: مكان الاجتماع.
(3) في ابن هشام: بمصيع.
(4) في ابن هشام: الاحزاب بدل الاعداء.
(5) الجحم: الملتهب المتقد، ومنه سميت النار الجحيم.
ملفع: مشتمل.
تلفع بالثوب: إذا اشتمل به.
(6) في ابن هشام: مصرعي بدل مضجعي.
أرجو: أي أخاف وهي لغة وقد حمل بعض المفسرين في قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي لا تخافون.

ما بال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ الفلق (1) على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق (2) فاذهب خبيب جزاك الله طيبة * وجنة الخلد عند الحور في الرفق ماذا تقولون إن قال النبي لكم * حين الملائكة الابرار في الافق فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد أوعث في البلدان والرفق وقال ابن هشام: تركنا بعضها لانه أقذع فيها، وقال حسان يهجو الذين غدروا بأصحاب الرجيع من بني لحيان فيما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم ولله الحمد والمنة والتوفيق والعصمة.
ان سرك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والانسان مثلان لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شأن وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا وبني لحيان على غدرهم بأصحاب الرجيع رضي الله تعالى عنهم أجمعين: لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان جرامون شر الجرائم (3) أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم (4) هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم رسول رسول الله غدرا ولم تكن * هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوما عليهم * بقتل الذي تحميه دون الحرائم (5) أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظيم الملاحم لعل هذيلا أن يروا بمصابه * مصارع قتلى أو مقاما لماتم ونوقع فيها وقعة ذات صولة * بوافي بها الركبان أهل المواسم بأمر رسول الله إن رسوله * رأى رأي ذي حزم بلحيان عالم قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم محلهم دار البوار ورأيهم * إذا نابهم أمر كرأي البهائم
__________
(1) في الديوان وابن هشام: القلق أي المتحرك الساقط.
(2) الفشل: الجبان الضعيف.
ورواية الصدر في الديوان: على خبيب وفي الرحمن مصرعه.
(3) جرامون: كاسبون.
(4) الزمعان: جمع زمع، وهو الشعر الذي يكون فوق الرسغ من الدابة وغيرها.
(5) تحميه: يعنى عاصم وقد حمته الدبر.

وقال حسان رضي الله عنه أيضا يمدح أصحاب الرجيع ويسميهم بشعره كما ذكره ابن إسحاق رحمه الله تعالى: صلى الاله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب وابن لطارق وابن ذثنة منهم * وافاه ثم حمامه المكتوب (1) والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالي إنه لكسوب منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد إنه لنجيب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.
سرية عمرو بن أمية الضمري قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه وعبد الله بن أبي عبيدة عن جعفر بن [ الفضل بن الحسن بن ] (2) عمرو بن أمية الضمري وعبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عوف (3) (وزاد بعضهم على بعض) قالوا: كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة: اما أحد يغتال محمدا فإنه يمشي في الاسواق فندرك ثأرنا ؟ فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله، وقال له: إن أنت وفيتني (4) خرجت إليه حتى أغتاله، فإني هاد بالطريق خريت، معي خنجر مثل خافية النسر.
قال: أنت صاحبنا.
وأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فإني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد.
قال قال العربي: لا يعلمه أحد.
فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبح ظهر الحي (5) يوم سادسه، ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المصلى فقال له قائل: قد توجه إلى بني عبد الاشهل، فخرج الاعرابي يقود راحلته حتى انتهى إلى بني عبد الاشهل، فعقل راحلته، ثم أقبل يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده.
فلما دخل ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه إن هذا الرجل يريد غدرا والله حائل بينه وبين ما يريده.
فوقف وقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب فذهب ينحني على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يساره، فجبذه أسيد بن حضير وقال: تنح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجذب بداخل ازاره فإذا الخنجر فقال: يا رسول الله: هذا غادر.
فأسقط في يد الاعرابي وقال: دمي دمي يا محمد.
وأخذه أسيد بن حضير يلببه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصدقني ما
__________
(1) لم ينون طارق لضرورة الشعر، على مذهب الكوفيين، والبصريون لا يرونه ضروريا.
(2) سقطت من الاصل واستدركت من الطبري: 3 / 32.
(3) في رواية البيهقي: عون.
(4) في رواية البيهقي: قويتني.
(5) في البيهقي: الحرة.
صبح سادسه

أنت وما أقدمك ؟ فان صدقتني نفعك الصدق وإن كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به.
قال العربي فأنا آمن ؟ قال وأنت آمن.
فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير ثم دعا به من الغد فقال قد أمنتك فاذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك قال وما هو فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك أنت رسول الله، والله يا محمد ما كنت أفرق من الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي.
وضعفت (1) ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان، ولم يطلع عليه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم وأقام أياما ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أمية الضمري ولسلمة بن أسلم بن حريس (2) أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه.
قال عمرو فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرنا، وقال لي صاحبي: يا عمرو هل لك في أن نأتي مكة فنطوف بالبيت سبعا، ونصلي ركعتين فقلت [ أنا أعلم باهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها و ] (3) اني أعرف بمكة من الفرس الابلق.
فأبى علي فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا (4) وصلينا ركعتين فلما خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني وقال: عمرو بن أمية واحزناه.
فنذر (5) بنا أهل مكة فقالوا ما جاء عمرو في خير.
وكان عمرو فاتكا في الجاهلية.
فحشد أهل مكة وتجمعوا، وهرب عمرو وسلمة وخرجوا في طلبهما واشتدوا في الجبل.
قال عمرو: فدخلت في غار، فتغيبت عنهم حتى أصبحت وباتوا يطلبوننا في الجبل، وعمى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا له فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التميمي يختلي لفرسه حشيشا فقلت لسلمة بن أسلم: إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة، وقد انفضوا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا، قال فخرجت إليه فطعنته طعنة تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح، فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم [ ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه ] (6) وقلت لصاحبي لا تتحرك، فأقبلوا حتى أتوه وقالوا من قتلك ؟ قال: عمرو بن أمية الضمري.
فقال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت لخير.
ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فإنه
كان بآخر رمق فمات، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى [ سكن
__________
(1) في البيهقي: وضعفت نفسي.
(2) في الاصل حريش، وهو تحريف، وما أثبتناه من شرح المواهب 2 / 178.
(3) سقط من الاصل واستدركت من تاريخ الطبري 3 / 32 وفي البيهقي: وأنا أعرف أهل مكة إنهم أمسوا انفجعوا بأفنيتهم.
(4) كذا في الاصول والطبري، وفي البيهقي: سبعا وهو مناسب أكثر.
(5) في الطبري: فتبادرنا، وفي البيهقي: فنيد بنا.
(6) من الطبري، وفي البيهقى: ودخلت الغار.

عنا الطلب ثم ] خرجنا [ إلى التنعيم ] (1) فقال صاحبي: يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله ؟ فقلت له: أين هو ؟ قال هو ذاك مصلوب حوله الحرس.
فقلت: أمهلني وتنح عني فإن خشيت شيئا فانج إلى بعيرك فاقعد عليه، فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، ودعني فإني عالم بالمدينة.
ثم استدرت (2) عليه حتى وجدته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في أثري، فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها - يعني صوتها ثم أهلت عليه التراب برجلي، فأخذت طريق الصفراء فأعيوا ورجعوا وكنت لا أدري مع بقاء نفسي فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وأقبلت حتى أشرفت على الغليل: غليل ضجنان (3) فدخلت في غار معي قوسي وأسهمي وخنجري، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بني الدبل بن بكر أعور طويل يسوق غنما ومعزى، فدخل الغار وقال: من الرجل ؟ فقلت رجل من بني بكر فقال: وأنا من بني بكر ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول: فلست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا فقلت في نفسي: والله أني لارجو أن أقتلك.
فلما نام قمت إليه فقتله شر قتلة قتلها أحد قط، ثم خرجت حتى هبطت، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان
الاخبار، فقلت: استأسرا فأبى أحدهما فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقا ثم أقبلت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدمت المدينة أتى صبيان الانصار وهم يلعبون وسمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرو، فاشتد الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهامه بوتر قوسي فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ثم دعا لي بخير.
وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام.
رواه البيهقي (4).
وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا فلعله دفن مكان سقوطه.
والله أعلم.
وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق وساقها بنحو من سياق الواقدي لها لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر.
فالله أعلم ولله الحمد.
سرية بئر معونة (5) وقد كانت في صفر منها وأغرب مكحول رحمه الله حيث قال: إنها كانت بعد الخندق.
قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: بعث رسول
__________
(1) ما بين معكوفين من الطبري.
(2) في الطبري والبيهقي: اشتددت.
(3) الغليل: منابت الطلح، وضجنان: موضع بعينه.
(4) رواه الطبري في تاريخه ج 3 / 31 - 32.
والبيهقي عنه في دلائله ج 3 / 333 - 337.
(5) انظر في غزوة بئر معونة: طبقات ابن سعد 2 / 51 سيرة ابن هشام 3 / 193 مغازي الواقدي 1 / 337 تاريخ الطبري 3 / 33 ابن حزم ص 178، عيون الاثر 2 / 61، النويري 17 / 130 دلائل النبوة للبيهقي 3 / 338.

الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة فقال القوم: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فقتلوهم فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة وذاك بدء القنوت وما كنا نقنت.
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بنحوه.
ثم قال البخاري: حدثنا عبد الا علي بن حماد، حدثنا يزيد بن
زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو، فأمدهم بسبعين من الانصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.
قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك رفع " بلغوا عنا قومنا إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " (1) ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث حراما (أخا لام سليم) (2) في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر (3) أو أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف (4) فطعن (5) عامر في بيت أم فلان فقال: غدة كغدة البكر (6) في بيت امرأة من آل فلان (7)، ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه فانطلق حرام أخو أم سليم وهو (Cool رجل أعرج ورجل من بني فلان فقال: كونا قريبا حتى آتيهم فإن آمنوني كنتم قريبا وإن قتلوني أتيتم أصحابكم فقال: أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم وأومأوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه قال همام *
__________
) (1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 28 باب غزوة الرجيع ح 4090 فتح الباري 7 / 385.
(2) حرام خال أنس بن مالك، وأم سليم قيل اسمها سهلة وقيل رملة وقيل مليكة (قاله ابن عبد البر) بنت ملحان كانت تحت مالك بن النضر أبو أنس بن مالك في الجاهلية فولدت له أنسا أسلمت مع قومها وعرضت الاسلام على زوجها فغضب ورفض وخرج إلى الشام وهناك هلك، فخلف عليها أبو طلحة الانصاري.
(3) السهل: البوادي، وأهل المدر: أي أهل البلاد.
(4) في البيهقي: بألف أشقر وألف شقراء.
(5) طعن: أصابه الطاعون.
(6) البكر: بفتح الباء الموحدة، وسكون الكاف: الفتى من الابل بمنزلة الغلام من الناس، ولانثى: بكرة وقيل في الطاعون أنواع: الطاعون من حيث اللغة: نوع من الوباء قاله في الصحاح.
وعند أهل الطب: ورم ردئ
قتال.
يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا.
(7) قيل من آل سلول، وقيل هي سلول بنت شيبان امرأة أخيه.
والرجل الذي من بني فلان: المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الخزرجي.
(Cool في الاصل: وهو رجل أعرج، ورواية البيهقي: ورجلان معه: رجل أعرج، هذا الرجل هو كعب بن زيد من بني دينار بن النجار، قال الذهبي: شهد بدرا وقل مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.

أحسبه حتى أنفذه بالرمح فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الاعرج وكان في رأس جبل، فأنزل الله علينا.
ثم كان من المنسوخ " انا لقد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله (1).
وقال البخاري: حدثنا حبان، حدثنا عبد الله، أخبرني معمر حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك يقول لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه وقال فزت ورب الكعبة.
وروى البخاري عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل: من هذا وأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة قال لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى أني لانظر إلى السماء بينه وبين الارض ثم وضع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فنعاهم فقال: إن أصحابكم قد أصيبوا وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا.
، فأخبرهم عنهم وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمى عروة به، ومنذر بن عمرو وسمى به منذر.
هكذا وقع في رواية البخاري مرسلا عن عروة وقد رواه البيهقي من حديث يحيى بن سعيد عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة فساق من حديث الهجرة وأدرج في آخره ما ذكره البخاري ههنا فالله أعلم (2).
وروى الواقدي: عن مصعب بن ثابت، عن أبي الاسود وعن عروة: فذكر القصة وشأن عامر بن فهيرة وأخبار عامر بن الطفيل انه رفع إلى السماء وذكر أن الذي قتله جبار بن
سلمى الكلابي قال: ولما طعنه بالرمح قال فزت ورب الكعبة ثم سأل جبار بعد ذلك: ما معنى قوله فزت قالوا: يعني بالجنة، فقال: صدق والله ثم أسلم جبار بعد ذلك لذلك (3).
وفي مغازي موسى بن عقبة عن عروة أنه قال: لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يرون أن الملائكة وارته.
وقال يونس عن ابن إسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة (4) على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فعرض عليه الاسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد لو
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 28 باب غزوة الرجيع ح 4091.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 352 وقال رواه البخاري في الصحيح كما تقدم.
في الحاشية السابقة.
(3) مغازي الواقدي 1 / 349.
(4) سمي عامر بملاعب الاسنة في يوم سوبان، يوم حرب كانت بين قيس وتميم، وذلك أن كان يخاطب أخاه طفيل فارس قرزل الذي كان قد أسلمه في هذا اليوم وفر.
فقال: فررت وأسلمت ابن أمك عامرا * يلاعب أطراف الوشيج المزعزع

بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك.
فقال صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد.
فقال أبو براء أنا لهم جار.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمر وأخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين فيهم: الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر في رجال من خيار المسلمين: فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم.
فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على
الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم وقالوا: لن نحفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم - عصية ورعلا وذكوان والقارة - فأجابوا إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا أسيافهم، ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه به رمق فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الانصار، من بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب القوم، إلا الطير تحوم حول العسكر فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة.
فقال الانصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى ؟ فقال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصاري لكني لم أكن لارغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لاخبر عنه الرجال.
فقاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم.
قال وخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر، حتى نزلا في ظل هو فيه وكان مع العامريين عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلمه عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما قالا: من بني عامر فأمهلهما، حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بالخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد قتلت قتيلين لادينهما " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا " = فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره، فقال حسان بن ثابت في إخفاء عامر أبا براء ويحرض بني أبي براء على عامر: بني أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد (1)
__________
(1) قال أبو ذر: يريد قول لبيد: نحن بني أم البنين الاربعة * المطعمون الجفنة المدعدعة
قال السهيلي: وإنما قال الاربعة وهم خمسة: طفيل وعامر وربيعة وعبيدة الوضاح ومعاوية معوذ الحكماء.
لانه أباه =

تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي أبو ك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد قال ابن هشام: أم البنين أم أبي براء (1) وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قال فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه (2) ووقع عن فرسه وقال: هذا عمل أبي براء، إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي (3).
وذكر موسى بن عقبة عن الزهري نحو سياق محمد بن إسحاق: قال موسى وكان أمير القوم المنذر بن عمرو وقيل مرثد بن أبي مرثد.
وقام ؟ حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة - فيما ذكره ابن إسحاق رحمه الله والله أعلم: على قتلي معونة فاستهلي * بدمع العين سحا غير نزر على خيل الرسول غداة لاقوا * ولاقتهم مناياهم بقدر (4) أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر فيا لهفي لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من أبيض ماجد من سر عمرو غزوة بني النضير وفيها سورة الحشر في صحيح البخاري عن ابن عباس: أنه كان يسميها سورة بني النضير.
وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد.
وقد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره: عن أبيه، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري
به، وهكذا روى حنبل بن إسحاق عن هلال بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة
__________
= ربيعة قد كان مات قبل ذلك لا كما قال بعضهم من أجل القافية.
(1) قال السهيلي: واسمها ليلى بنت عامر.
(2) أشواه: أخطأ مقتله.
وقيل انه بعدما وقع وثب قوم عامر عليه فأخذوه وقالوا لعامر: اقتص فأخرجه من الحي، ثم حفر بئرا وقال: اشهدوا اني قد جعلت ديته في هذه البئر ثم رد فيها ترابها، قال الزرقاني: وعامر بن الطفيل ابن أخي أبي براء ملاعب الاسنة.
(3) الخبر في ابن هشام ج 3 / 195 ونقله صاحب الدرر ص 162.
وقال: سياق ابن اسحاق أحسن وأبين.
(4) عجزه في الديوان: مناياهم ولاقتهم بقدر.

ثنتين، قال ثم غزا بني النضير، ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع.
وقال البيهقي: وقد كان الزهري يقول هي قبل أحد، قال وذهب آخرون إلى أنها بعدها وبعد بئر معونة أيضا (5).
قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم فإنه بعد ذكره بئر معونة ورجوع عمرو بن أمية وقتله ذينك الرجلين من بني عامر ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد قتلت رجلين لادينهما ".
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية للعهد الذي كان صلى الله عليه وسلم أعطاهما، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عهد وحلف، فلما أتاهم صلى الله عليه وسلم قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك عى ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي.
فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام
وخرج راجعا إلى المدينة.
فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة.
فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر، بما كانت يهود أرادت من الغدر به (2)، قال الواقدي: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم وحمى حيي بن أحطب وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يخرجون ونابذوه بنقض العهود فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم، قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشرة ليلة (3).
وقال ابن إسحاق: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيوء لحربهم والمسير إليهم.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وذلك في شهر ربيع الاول.
قال ابن إسحاق فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر حينئذ، وتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها، قال وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ووديعة ومالك [ بن أبي قوقل ] وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وان أخرجتم خرجنا معكم.
فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا
__________
(1) دلائل النبوة ج 3 / 354.
(2) سيرة ابن هشام ج 3 / 201.
(3) في الواقدي 1 / 374: يوما.

رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة (1).
وقال العوفي عن ابن عباس أعطى كل ثلاثة بعيرا يعتقبونه وسقا (2) رواه البيهقي وروى: من طريق يعقوب بن محمد عن الزهري (3) عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليه بني النضير، وأمره أن
يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال.
وروى البيهقي وغيره أنه كانت لهم ديون مؤجلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا وتعجلوا.
وفي صحته نظر، والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف (4) بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها.
فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث: انهم استقبلوا بالنساء والابناء والاموال، معهم الدفوف والمزامير، والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم.
قال: وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني النخيل والمزارع - فكانت له خاصة، يضعها حيث شاء فقسمها على المهاجرين الاولين دون الانصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما (5) (وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصمة حكاه السهيلي).
قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: وهما يامين بن عمير، أبو (6) كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب فأحرزا أمو الهما.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله لعنه الله.
قال ابن إسحاق: فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكمالها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله، وما عمل به فيهم.
ثم شرع ابن إسحاق يفسرها وقد تكلمنا عليها بطولها مبسوطة في كتابنا التفسير ولله الحمد قال الله تعالى: (سبح لله ما في السموات وما في الارض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر (Cool ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا انهم مانعتهم
__________
(1) الحلقة: السلاح كله، أو خاص بالدروع.
(2) في البيهقي: وسقاء قال والجلاء: إخراجهم من أراضيهم إلى أرض أخرى.
(3) في رواية البيهقي ج 3 / 360: يعقوب بن محمد الزهري.
(4) النجاف: العتبة التي بأعلى الباب.
والاسكفة: العتبة التي بأسفله.
(5) زاد الواقدي: انه أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق.
(6) في الاصول بن وهو تحريف، والتصويب عن شرح السيرة لابي ذر الخشني.
(7) كانت أخت يامين: الرواع بنت عمير تحت عمرو بن جحاش ابن عم يامين الذي جعل لرجل من قيس عشرة دنانير على أن يقتل عمرو فاغتاله فقتله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك (الواقدي 1 / 374).
(Cool قوله أول الحشر: عن عروة عن عائشة: كان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

حصونهم من الله فأتاهم من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الابصار ولولا أن كتب عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فان الله شديد العقاب.
ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ولنجزى الفاسقين).
سبح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة وأخبر أنه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية والسفلية وأنه العزيز وهو منيع الجناب فلا ترام عظمته وكبرياؤه وانه الحكيم في جميع ما خلق وجميع ما قدر وشرع، فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا الله ورسوله وجانبوا رسوله وشرعه وما كان من السبب المفضي لقتالهم كما تقدم حتى حاصرهم المؤيد بالمرعب والرهب مسيرة شهر ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح إهانة لهم واحتقارا فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الابصار.
ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم الجلاء وهو التسيير والنفي من جوار الرسول من المدينة لاصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي وهو القتل مع ما ادخر لهم في الآخرة من العذاب الاليم المقدر لهم.
ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم وترك ما بقي لهم وأن ذلك كله سائغ فقال ما قطعتم من لينة - وهو جيد الثمر - أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله.
إن الجميع قد أذن فيه شرعا وقدرا فلا حرج عليكم فيه ولنعم ما رأيتم من ذلك
وليس هو بفساد كما قاله شرار العباد إنما هو إظهار للقوة واخزاء للكفرة الفجرة.
وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين) (1).
وعند البخاري: من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير [ وقطع وهي البويرة ] (2) ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير (3)
__________
(1) سورة الحشر آية 5.
والحديث رواه البخاري في تفسير سورة الحشر، ومسلم في 32 كتاب الجهاد والسير 10 باب ح 29.
(2) ما بين معكوفين سقطت من الصحيح، واثبتت في رواية الليث.
والحديث أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 14 باب حديث بني النضير، فتح الباري (7 / 329).
(3) سراة القوم: سادتهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:36 am

بني لؤي: يريد بهم شجعان قريش.
قال الكرماني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاربه، وذلك لان قريشا هم الذين حملوا كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج معهم إلى الخندق.

فأجابه أبو سفيان بن الحارث (1) أنه يقول: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بستر * وتعلم أي.
أرضينا نضير قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر اجلاء بني النضير وقتل كعب بن الاشرف فالله أعلم.
لقد خزيت بغدرتها الحبور * كذاك الدهر ذو صرف يدور (2) وذلك أنهم كفروا برب * عظيم أمره أمر كبير
وقد أتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير فقال: بلى لقد أديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يخز الكفور فلما أشربوا غدرا وكفرا * وجد بهم عن الحق النفور (3) أرى الله النبي برأي صدق * وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره نعم النصير فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير (4) غداة أتاهم في الزحف رهوا * رسول الله وهو بهم بصير وغسان الحماة مؤازروه * على الاعداء وهم لهم وزير فقال السلم ويحكم فصدوا * وخالف أمرهم كذب وزور (5) فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير
__________
(1) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان على كفره وقد أسلم بعد في الفتح وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) الحبور: جمع حبروهم علماء اليهود.
(3) في شرح السيرة لابي در: وحاد بهم بدل وجد بهم: أي مال بهم.
(4) أبارهم: أهلكهم.
(5) في رواية أبي ذر: وحالف: أي صاحب.

وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسمال (1) اليهودي، فتركناها قصدا.
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، ويقال قالها قيس بن بحرين طريف الاشجعي: أهلي فداء لامرئ غير هالك * أحل اليهود بالحسي المزنم (2) يقيلون في خمر العضاه وبدلوا * أهيضب عودا بالودي المكمم (3) فإن يك ظني صادقا بمحمد * تروا خيلة بين الضلا ويرمرم (4) يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم * عدو وما حي صديق كمجرم عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم وكل رقيق الشفرتين مهند * توورثن من أزمان عاد وجرهم فمن مبلغ عني قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم بأن أخاهم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسمو من الدنيا إلى كل معظم نبي تلافته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم فقد كان في بدر لعمري عبرة * لكم يا قريش والقليب الملمم غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم (5) رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لامر حبه الله محكم قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب، وقال ابن هشام قالها رجل من المسلمين ولم أر أحدا يعرفها لعلي:
عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم.
اللاء من * لدى الله ذي الرأفة الاراف
__________
(1) في ابن هشام: سماك اليهودي.
(2) الحسى والحساء: مياه تغور في الرمل وتمسكها صلابة الارض قاله أبو ذر.
وقال السهيلي: ما يحس من الطعام والمزنم: المقلل اليسير قال السهيلي: يريد أحلهم دار غربة في غير عشائرهم.
والمزنم هنا: الرجل يكون في القوم وليس منهم، أي المبعد الطريد.
(الروض الانف 2 / 177).
(3) في ابن هشام: جمر بدل خمر.
والودي: صغار النخل.
(4) الصلا ويرمرم: موضعان.
(5) معلم: الموضع المرتفع المشرف.

رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى أحمد المصطفى فأصبح أحمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف فيا أيها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف وان تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبي الاشرف غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كالجمل الاجنف فأنزل جبريل في قتله * بوحي إلى عبده ملطف فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذي هبة مرهف فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف فجلاهم ثم قال: اظعنوا * دحورا على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوي زخرف
إلى أذرعات ردافا وهم * على كل ذي دبر أعجف (1) وتركنا جوابها أيضا من سماك (2) اليهودي قصدا ثم ذكر تعالى حكم الفئ وأنه حكم بأموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملكها له فوضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله تعالى كما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان يعزل نفقه أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عزوجل (3).
ثم بين تعالى حكم الفئ وأنه للمهاجرين والانصار والتابعين لهم باحسان على منوالهم وطريقتهم ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
قال الامام أحمد: حدثنا عارم وعفان قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن
__________
(1) أدرعات: موضع بالشام.
أعجف: هزيل ضعيف.
(2) في الاصل سمال وهو تحريف.
(3) أخرجه البخاري في تفسير سورة الحشر 3 باب ح 4885 من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه مسلم في 32 كتاب المغازي 15 باب ح 48.
والنسائي في عشرة النساء وأبو داود في الامارة والترمذي في الجهاد وقال: حسن صحيح.
والبيهقي في الدلائل ج 3 / 185.
الكراع: الدواب الصالحة للحرب عدة للحوادث.
- وفي رواية البيهقي: فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنة..

مالك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم: أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى فتحت عليه قريظة والنضير قال: فجعل يرد بعد ذلك.
قال: وإن أهلي أمروني أن آتي نبي الله صلى الله عليه وسلم فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله.
قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا والله الذي لا
إله إلا هو لا أعطيكهن وقد أعطانيهن أو كما قالت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك كذا وكذا وتقول كلا والله ويقول لك كذا وكذا وتقول كلا والله قال ويقول لك كذا وكذا حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما قال أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به.
ثم قال تعالى ذاما للمنافقين الذين مالوا إلى بني النضير في الباطن كما تقدم ووعدوهم النصر فلم يكن من ذلك شئ بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم وغروهم من أنفسهم فقال (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وأن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد أنهم لكاذبون.
لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون) [ الحشر: 11 - 12 ] ثم ذمهم تعالى على جبنهم وقلة علمهم وخفة عقلهم النافع ثم ضرب لهم مثلا قبيحا شنيعا بالشيطان حين قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين.
قصة عمرو بن سعدى القرظي حين مر على ديار بني النضير وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب وقد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الاسلام وأظهر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة.
قال الواقدي حدثنا إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها وفكر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل (1) وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية.
قال رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل، والعقل البارع قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل.
ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة وقد أوقع قبل ذلك بابن الاشرف ذي عزهم ثم بيته في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم أهل جد يهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم
رأسه حتى سباهم وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب.
يا قوم قد رأيتم ما رأيتم
__________
(1) في البيهقي: لم ترك.

فأطيعوني، وتعالوا نتبع محمدا والله إنكم لتعلمون أنه نبي، قد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير، وابن حراش وهما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا هذه، فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم، ثم أعاد هذا الكلام ونحوه وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء.
فقال الزبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في كتاب باطا التوراة التي نزلت على موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا، قال فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه ؟ قال: أنت يا كعب.
قال كعب: فلم والتوراة ما حلت بينك وبينه قط، قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتبعته اتبعناه، وإن أبيت أبينا.
فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أن قال عمرو ما عندي في أمره إلا ما قلت: ما تطيب نفسي أن أصير تابعا.
رواه البيهقي (1).
غزوة بني لحيان ذكرها البيهقي في الدلائل، وإنما ذكرها ابن إسحاق فيما رأيته من طريق هشام عن زياد عنه في جمادي الاولى من سنة ثنتين من الهجرة بعد لخندق وبني قريظة وهو أشبه مما ذكره البيهقي والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار وغيره قالوا: لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبا بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة، فسلك طريق الشام ليرى (2) أنه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم [ من هذيل، ليصيب منهم غرة ] فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة " فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا، فذكر أبو عياش الزرقي: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان صلاة الخوف (3).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عياش قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقالوا: قد كانوا على
__________
(1) رواه البيهقي عن الواقدي في الدلائل ج 3 / 361 - 363 وفي الواقدي منه وباختلاف كبير ونقله الصالحي في السيرة الشامية ج 4 / 463 - 465 وزاد في آخره، على المحاورة بين عمرو بن سعدي وكعب بن أسد.
(2) في الدلائل: وورا على الناس.
(3) قال بعض العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، وقال أصحاب المغازي والسير، في أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان وذي قرد.
قال الواقدي: أول ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنوات (قال الواقدي غزوة بني لحيان سنة ست) قال الواقدي: وهذا أثبت عندنا من غيره.
الحديث رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 365، وما بين معكوفين من الدلائل.
وانظر مغازي الواقدي ج 1 / 396.

حال لو أصبنا غرتهم (1).
ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم.
قال فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر [ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ] قال فحضرت فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح فصففنا خلفه صفين ثم ركع فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم ثم انصرف.
قال فضلاها (فصلاها) رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بأرض عسفان ومرة بأرض بني سليم.
ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه (2).
وقد رواه أبو داود: عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد والنسائي عن الفلاس عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن محمد بن المثنى وبندار عن غندر عن شعبة ثلاثتهم عن
منصور به.
وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه واحد منهما لكن روى مسلم (3) من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من جهينة فقاتلوا قتالا شديدا فلما أن صلى الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وقالوا إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الاولاد " فذكر الحديث كنحو ما تقدم وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر بنخل فهم به المشركون ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، قال: فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فصلى بأصحابه صلاة العصر فصفهم صفين: بين أيديهم رسول الله والعدو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء فكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون (4)، وقد استشهد البخاري في صحيحه برواية هشام هذه عن أبي الزبير عن جابر.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي (5)، حدثنا عبد الله بن شقيق حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم
__________
(1) في سنن أبي داود: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة.
(2) أبو داود في كتاب الصلاة، صلاة الخوف ح 1236 ج 2 / 11.
(3) صحيح مسلم: 6 كتاب صلاة المسافرين 57 باب صلاة الخوف ح 307.
(4) أخرجه البخاري معلقا.
فتح الباري 7 / 436.
وأخرجه مسلم في 6 كتاب المساجد 57 باب صلاة الخوف ح 308 ص 1 / 575.
(5) الهنائي: نسبة إلى هناءة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، بطن من الازد.
اللباب 3 / 294.

وهي العصر، فاجتمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة.
وإن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن
يقيم أصحابه شطرين فيصلي ببعضهم ويقدم الطائفة الاخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم واسلحتهم ثم تأتي الاخرى فيصلون معه ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ليكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولرسول الله ركعتان.
ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الصمد به، وقال الترمذي حسن صحيح.
قلت إن كان أبو هريرة شهد هذا فهو بعد خيبر إلا فهو من مرسلات الصحابي ولا يضر ذلك عند الجمهور والله أعلم.
ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبي داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد لكن الظاهر أنها واحدة.
بقي الشأن في أن غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها، فإن من العلماء منهم الشافعي من يزعم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد يوم الخندق فإنهم أخروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال ولو كانت صلاة الخوف مشروعة إذ ذاك لفعلوها ولم يؤخروها، ولهذا قال بعض أهل المغازي: إن غزوة بني لحيان التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان كانت بعد بني قريظة.
وقد ذكر الواقدي بأسناده عن خالد بن الوليد قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بأزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف.
قلت: وعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بعد الخندق وبني قريظة كما سيأتي.
وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم.
وسنذكر إن شاء الله تعالى كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
غزوة ذات الرقاع (1) قال ابن إسحاق:: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادي ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر (2).
قال ابن هشام: ويقال عثمان بن عفان، قال ابن إسحاق فسار حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع.
قال ابن هشام لانهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع، وقال
الواقدي بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض.
وفي حديث أبي موسى: إنما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر.
قال ابن إسحاق: فلقي بها جمعا [ عظيما ] من
__________
(1) انظر في غزوة ذات الرقاع: ابن سعد ج 2 / 61 سيرة ابن هشام 3 / 213 أنساب الاشراف: 1 / 163 مغازي الواقدي 1 / 395 صحيح مسلم شرح النووي 12 / 17 تاريخ الطبري 3 / 39 ابن حزم ص 182 عيون الاثر 2 / 72 النويري 17 / 158 دلائل البيهقي 3 / 369 السيرة الحلبية 2 / 353.
(2) قال ابن سعد: استعمل عثمان بن عفان، وقال الزرقاني: قاله ابن اسحاق وتعقبه ابن عبد البر بأنه خلاف ما عليه الاكثر، وبأن أبا ذر لما أسلم بمكة رجع إلى بلاده فلم يجئ إلا بعد الخندق.

غطفان فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف، [ ثم انصرف الناس ] (1) وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف ههنا: عن عبد الوارث بن سعيد التنوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن جابر بن عبد الله وعن عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر وعن عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد ولا ذات الرقاع ولم يتعرض لزمان ولا ومكان وفي كون غزوة ذات الرقاع التي كانت بنجد لقتال بني محارب وبني ثعلبة بن غطفان قبل الخندق نظر.
وقد ذهب البخاري إلى أن ذلك كان بعد خيبر واستدل على ذلك بأن أبا موسى الاشعري شهدها كما سيأتي وقدومه إنما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه وكذلك أبو هريرة وقد قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف، ومما يدل على أنها بعد الخندق أن ابن عمر إنما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أول ما أجازه يوم الخندق.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فذكر صلاة الخوف، وقول الواقدي: أنه عليه السلام خرج إلى ذات الرقاع في أربعمائة ويقال سبعمائة من أصحابه ليلة السبت لعشر خلون من المحرم سنة خمس فيه نظر، ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق لان الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهود، وقيل في شوال سنة أربع، فتحصل على هذا القول مخلص من
حديث ابن عمر، فأما حديث أبي موسى وأبي هريرة فلا.
قصة غورث بن الحارث قال ابن إسحاق في هذه الغزوة: حدثني عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من بني محارب، يقال له: غورث (2)، قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا: بلى وكيف تقتله ؟ قال: أفتك به.
قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره.
فقال: يا محمد، انظر إلى سيفك هذا ؟ قال: نعم، فأخذه ثم جعل يهزه ويهم، فكبته الله.
ثم قال: يا محمد، أما تخافني ؟ قال: لا، ما أخاف منك ؟ قال: أما تخافني وفي يدي السيف.
قال: لا، يمنعني الله منك.
ثم عمد إلى سيف النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فأنزل الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [ المائدة 5: 11 ].
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان: أنهم إنما أنزلت في عمرو بن جحاش، أخي بني النضير وما هم به (3).
هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورث هذا عن عمرو بن عبيد القدري رأس الفرقة
__________
(1) من ابن هشام، قال ابن سعد والواقدي:: وقد غاب خمس عشرة ليلة.
(2) قال الخطابي: غويرث، وحكى الخطيب فيه: كورث (شرح المواهب) (3) سيرة ابن هشام ج 3 / 216.

الضالة ؟ وهو وإن كان لا يتهم بتعمد الكذب في الحديث إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروي عنه لبدعته ودعائه إليها.
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه ولله الحمد.
فقد أورد الحافظ البيهقي (1) هاهنا طرقا لهذا الحديث من عدة أماكن، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث الزهري عن سنان بن أبي سنان وأبي سلمة عن جابر: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته القائلة في واد كثير العضاه (2) فتفرق الناس يستظلون بالشجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة (3) فعلق بها سيفه.
قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعونا فأجبناه، وإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال: من يمنعك مني ؟ قلت: الله.
فقال: من يمنعك مني ؟ قلت: الله.
مشام (4) السيف وجلس، ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك، وقد رواه مسلم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على الشجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف رسول الله فاخترطه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخافني ؟ قال: لا.
قال: فمن يمنعك مني ؟ قال: الله يمنعني منك، قال: فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف وعلقه.
قال: ونودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان.
وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به.
قال البخاري وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: أن اسم الرجل غورث بن الحارث.
وأسند البيهقي من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب وغطفان (5) بنخل فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وقال: من يمنعك مني ؟ قال: الله، فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف.
وقال: من يمنعك مني ؟ فقال كن خير آخذ.
قال: تشهد أن لا إله إلا الله قال: لا.
ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون
__________
(1) تناول البيهقي قصة غورث في دلائل النبوة في باب عصمة الله عزوجل رسوله صلى الله عليه وسلم عما هم بن غورث بن الحارث من قتله وكيفية صلاته في الخوف ج 3 / 373.
(2) العضاه: شجر عظيم الشوك، شوكه كالطلح، والعوسج.
(3) في البيهقي: سمرة.
(4) شام: كلمة من الاضداد تعني إذا سل سيفه وإذا أغمده، والمراد هنا: أغمده.
والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي 31 باب غزوة ذات الرقاع فتح الباري 7 / 426 ورواه مسلم في 43
كتاب الفضائل (4) باب ح 13 وح 14.
(5) في البيهقي: محارب خصفه بنخل.

مع قوم يقاتلونك، فخلي سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس.
ثم ذكر صلاة الخوف وأنه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين (1).
وقد أورد البيهقي هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبي جثمة (حثمة)، وحديث الزهري عن سالم [ بن عبد الله ] عن أبيه [ عبد الله بن عمر ] في صلاة الخوف بنجد (2).
وموضع ذلك كتاب الاحكام.
والله أعلم.
قصة الذي أصيبت امرأته يومذاك قال محمد بن إسحاق: حدثني عمي صدقة (3) بن يسار عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا، أتى زوجها، وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا [ هذه ] (4) فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الانصار.
فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فلما خرجا إلى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره ؟ قال: بل أكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الانصاري يصلي، قال: وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة (4) القوم فرمى بسهم فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائما قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أثبت قال: فوثب الرجل فلما رآها عرف أنه قد نذرا به، فهرب قال: ولما رأى المهاجري ما بالانصاري من الدماء قال سبحان الله: أفلا أهببتني أول ما رماك ؟ قال كنا في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى
أنفذها، فلما تابع علي الرمي ركعت فأذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.
هكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي وقد رواه أبو داود عن أبي توبة عن عبد الله بن المبارك عن ابن إسحاق به.
وقد ذكر الواقدي عن عبد الله العمري عن أخيه عبيدالله عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه حديث صلاة الخوف
__________
(1) دلائل البيهقي ج 3 / 375.
(2) دلائل النبوة ج 3 / 379 وما بين معكوفين من الدلائل.
(3) صدقة بن يسار رجل خزري سكن مكة، وليس بعم لمحمد بن اسحاق.
وأخرج الحديث أبو داود في سننه عن ابن اسحاق ولم يذكر فيه " عمي " قاله أبو ذر، ورواه ابن جرير بإسناده دون ذكر عمي.
راجع الخبر في سيرة ابن هشام ج 3 / 218.
(4) الربيئة: الطليعة الذي يحرس القوم، يقال ربأ القوم إذا حرسهم (شرح أبي ذر ص 295) .

بطوله قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة، وكان في السبي جارية وضيئة وكان زوجها يحبها فحلف ليطلبن محمدا ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق.
قال الواقدي وكان جابر بن عبد الله يقول بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فأقبل إليه أبواه أو أحدهما حتى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه، فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه فوالله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه (1).
قصة جمل جابر قال محمد بن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل، على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا جابر ؟ قلت: يا
رسول الله أبطأ بي جملي هذا.
قال: أنخه، قال فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو أقطع عصا من شجرة، ففعلت.
فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب، فركبت فخرج، والذي بعثه بالحق يواهق (2) ناقته مواهقة.
قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال: قلت بل أهبه لك قال: لا ولكن بعنيه، قال: قلت فسمنيه، قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا إذا تغبنني يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قال: قلت لا، قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الاوقية، قال فقلت: أفقد رضيت ؟ قال: نعم، قلت فهو لك، قال: قد أخذته ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد، قال قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيبا أم بكرا، قال: قلت بل ثيبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قال: قلت يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا (3)، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن فتقوم عليهن.
قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارا (4) أمرنا بجزور فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها، قال: فقلت والله يا رسول الله ما لنا نمارق، قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا، قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا.
قال: فحدثت المرأة الحديث، وما
__________
(1) مغازي الواقدي 1 / 397 ونقله عنه البيهقي في الدلائل 3 / 379.
(2) يواهق ناقته: أي يباريها في السير ويماشيها، ومواهقة الابل مد أعناقها في السير (النهاية 4 / 234).
(3) في الواقدي: تسعا.
(4) صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة (معجم البلدان).

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة، فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: ما هذا، قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال:
فأين جابر ؟ فدعيت له، قال: فقال: يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك، قال: ودعا بلالا فقال: اذهب بجابر، فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا، قال: فوالله ما زال ينمي عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا.
يعني يوم الحرة (1).
وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن وهب بن كيسان عن جابر ينحوه (2) قال السهيلي: في هذا الحديث إشارة إلى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله أن الله أحيا والده وكلمه فقال له تمن علي.
وذلك أنه شهيد وقد قال الله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) وزادهم على ذلك في قوله (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ثم جمع لهم بين العوض والمعوض فرد عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون) والروح للانسان بمنزلة المطية كما قال عمر بن عبد العزيز.
قال: فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر جمله وهو مطيته، فأعطاه ثمنه ثم رده عليه وزاده مع ذلك.
قال ففيه تحقيق لما كان أخبره به عن أبيه.
وهذا الذي سلكه السهيلي هاهنا إشارة غريبة وتخيل بديع والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ترجم الحافظ البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) (3) على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال: باب ما كان ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع.
وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من الاحكام والله أعلم.
وقد جاء تقييده بهذه الغزوة وجاء تقييده بغيرها كما سيأتي ومستبعد تعداد ذلك والله أعلم.
غزوة بدر الآخرة وهي بدر الموعد التي تواعدوا إليها من أحد كما تقدم.
قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادي الاولى وجمادي الآخرة ورجبا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن
__________
(1) المراد وقعة الحرة التي كانت بالمدينة أيام يزيد بن معاوية على يد مسلم بن عقبة المري، وكان سببها حركة المدينة
ضد يزيد واخراجهم مروان بن الحكم وبنى أمية من المدينة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:37 am

ورد يزيد بإرساله قائده ابن عقبة حيث ابيحت المدينة ثلاثة أيام أمام جيشه بما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام (انظر الطبري ج 7 / 6 - 7).
(2) في 34 كتاب البيوع 34 باب شراء الدواب فتح الباري 4 / 320 (3) ج 3 / 381.

عبد الله بن أبي بن سلول.
قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام عليه ثمانيا ينتظر أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة، من ناحية الظهران.
وبعض الناس يقول قد بلغ عسفان، ثم بدا في الرجوع فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا.
فرجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
قال: وأتى مخشي بن عمرو الضمري، وقد كان وادع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ودان على بني ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم يا أخا بني ضمرة، وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة.
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا.
قال ابن إسحاق وقد قال عبد الله بن رواحة يعني في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك قال ابن هشام وقد أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا * لابت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا غصيتم رسول الله أف لدينكم * وأمركم السئ الذي كان غاويا فإني وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك (1) بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك (2) أقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك (3) بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك ترى العرفج العامي تذري أصوله * مناسم أخفاف المطي الرواتك فإن تلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عني رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك
__________
(1) فلجات: جمع فلج، وهو الماء الجاري: سمي فلجا لانه فدخ في الارض، وفرق بين جانبيه.
(2) عالج: مكان فيه رمل كثير.
(3) أرعن: الجيش الكثير الذي له اتباع وفضول.

قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أسلم فيما بعد ذلك: أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك (1) خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مد من أهل الموسم المتعارك (2) اقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك على الزرع تمشي خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدكادك أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطي الرواتك (3) حسبتم جلاد القوم عند فنائكم (4) * كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات دينها أنت ناسك (5) قال ابن هشام: تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها، وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبي سفيان وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وأخذوا معهم بضائع، وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى مجنة ورجوعه وفي مقاولة الضمري، وعرض النبي صلى الله عليه وسلم المنابذة فأبى ذلك (6).
قال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة.
وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان لكن قال في سنة ثلاث وهذا وهم فإن هذه تواعدوا إليها من أحد وكانت أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم والله أعلم.
قال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين (7).
وقال غيره: فانقلبوا كما
__________
(1) الغفا: التمر، وقيل: هو غبرة تعلو التمر قبل أن يطيب.
نغتال: نقطع.
الخروق: القفار.
(2) المدمن: الموضع الذي ينزلون فيه فيتركون به الدمن، أي آثار الدواب والابل، وأرواثها وبعارها.
(3) سلع وقارع: جبلان.
(4) في ابن هشام: قبابهم، وفي طبقات الشعراء: حول بيوتكم.
(5) وتروى: ولا حرمات الدين أنت بناسك.
(6) نقل الخبر البيهقي في الدلائل 3 / 385 و 386.
والدرر في اختصار المغازي والسير (ص: 168).
(7) مغازي الواقدي: 1 / 384.

قال الله عزوجل: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله (ذو) فضل عظيم) [ آل عمران: 174 ].
فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة قال ابن جرير: وفي جمادى الاولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان رضي الله عنه يعني من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست سنين فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قلت: وفيه توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي وأمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهب.
وكان إسلام أبي سلم وأبي عبيدة وعثمان بن عفان والارقم بن أبي الارقم قديما في يوم واحد، وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة إلى أرض الحبشة ثم عاد إلى مكة وقد ولد لهما بالحبشة أولاد، ثم هاجر من مكة إلى المدينة وتبعته أم سلمة إلى المدينة كما تقدم، وشهد بدرا واحدا ومات من آثار جرح جرحه بأحد رضي الله عنه وأرضاه، له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة سيأتي في سياق تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة قريبا.
قال ابن جرير: وفي ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن علي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.
قال وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية.
وقد حكى أبو عمر بن عبد البر: عن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال: كانت أخت ميمونة بنت الحارث (1).
ثم استغربه وقال لم أره لغيره.
وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم.
وأصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشا (2) ودخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها.
قال أبو عمر بن عبد البر عن علي بن عبد العزيز الجرجاني: ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف.
قال ابن الاثير في [ أسد ] الغابة: وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد.
قال أبو عمر: ولا خلاف أنها
ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة (3) حتى توفيت رضي الله
__________
(1) تقدم نسب زينب بنت خزيمة، أما ميمونة فهي بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة.
(2) النش: نصف أوقية، وهو عشرون درهما.
(3) في طبقات ابن سعد: مكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت في آخر ربيع الآخر، صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع.

عنها.
وقال الواقدي في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة (1) بنت أبي أمية.
قلت: وكانت قبله عند زوجها أبي أولادها أبي سلمة بن عبد الاسد وقد كان شهد أحدا كما تقدم، وجرح يوم أحد فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعما ومغنما جيدا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين (2) من جمادي الاولى من هذه السنة، فلما حلت في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مررا فتذكر أنها امرة غيري أي شديدة الغيرة وانها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله أي نفقتهم ليس إليك، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها، فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي صلى الله عليه وسلم تعني قد رضيت وأذنت.
فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنة.
وان الذي ولى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو أكبر ولدها وساغ هذا لان أباه ابن عمها فللابن ولاية أمه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوة بالاجماع.
وكذا إذا كان معتقا أو حاكما، فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعي وحده وخالفه الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله.
ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه وهو كتاب النكاح من الاحكام الكبير إن شاء الله.
قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعني ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به، قال: " لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا فعل به ".
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال.
فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي، فقالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت أم
__________
(1) واسمها: هند بنت أبي أمية (سهيل) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
(2) في ابن سعد: لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع.

سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عمر بن أبي سلمة عن أمه أم سلمة عن أبي سلمة به.
وقال الترمذي حسن غريب.
وفي رواية للنسائي عن ثابت عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه.
ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن عبد الملك بن قدامة الجمحي عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة به.
وقال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني من بدر الموعد - راجعا إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع.
وقال الواقدي: وفي
هذه السنة يعني سنة أربع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود.
قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال تعلمته في خمسة عشر يوما.
والله أعلم.
سنة خمس من الهجرة النبوية غزوة دومة الجندل في ربيع الاول منها قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل (1).
قال ابن هشام في ربيع الاول، - يعني من سنة خمس - واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع إلى المدينة قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية سنته.
هكذا قال ابن إسحاق (2).
وقد قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له أن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، يقال له: مذكور، هاد خريت.
فلما دنا من دومة الجندل، أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلا منهم فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
قال الواقدي: وكان خروجه عليه السلام إلى دومة
__________
(1) دومة الجندل: دومة بضم الدال وتفتح بالضم عند أهل اللغة، وبالفتح عند أصحاب الحديث قاله الجوهري.
من أعمال المدينة، تقع شمالي نجد وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة.
قال البكري: سميت بدومى بن اسماعيل وكان نزلها (الروض الانف وشرح المواهب 2 / 95).
(2) سيرة ابن هشام 3 / 224

الجندل في ربيع الآخر (1) سنة خمس.
قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة وابنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة.
وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر وهذا مرسل جيدا، وهو يقتضي أنه عليه السلام غاب في هذه الغزوة شهرا فما فوقه على ما ذكره الواقدي رحمه الله.
غزوة الخندق أو الاحزاب وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الاحزاب فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون أن بيوتنا عورة وما هي بعورة أن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فاحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وان يأت الاحزاب يودوا لم أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم
إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال
__________
(1) في تاريخ ابن جرير عن الواقدي: في ربيع الاول، وكذلك في شرح المواهب: " وكان في شهر ربيع الاول على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة وكان رجوعه إلى المدينة في العشرين من ربيع الآخر.
" وفي المغازي للواقدي: في ربيع الاول على رأس تسعة وأربعين شهرا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ربيع الاول، وقدم لعشر بقين من ربيع الآخر.
1 / 402.

وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شئ قديرا) [ الاحزاب: 9 - 27 ] وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة، ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الاحزاب في شوال سنة أربع.
وكذلك قال الامام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه.
قال البيهقي: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لان مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس (1)، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم.
وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الاول إلى آخرها كما حكاه
البيهقي.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بأن بدرا في الاولى، وأحدا في سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع (2).
وهذا مخالف لقول الجمهور فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الاول سنة الهجرة، فصارت الاقوال ثلاثة والله أعلم.
والصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم، فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين (3) من طريق عبيدالله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض
__________
(1) انظر الدلائل ج 3 / 395 وفيها فصل البيهقي أقوال غير واحد من العلماء وأصحاب السير في تاريخ وقعة الخندق في باب التاريخ لغزوة الخندق ص 392 وما بعدها.
(2) نقل الخبر البيهقي في الدلائل ج 3 / 397.
وقال ابن سعد في الطبقات 2 / 65: وكانت غزوة الاحزاب في ذي القعدة سنة خمس.
وذكر الواقدي: انها كانت يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس.
(ج 2 / 440).
(3) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 29 باب غزوة الخندق والترمذي في 13 كتاب الاحكام 24 باب ح 1361 وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح والعمل به عند أهل العلم..ويرون: أن الغلام إذا استكمل خمس عشرة سنة فحكمه حكم الرجال، وإن احتلم قبل خمس عشرة فحكمه حكم الرجال.

يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الاحزاب في أواخر الخامسة عشرة.
قلت: ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الاحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها.
ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير.
ثم كتب به إلى الآفاق (1) واعتمد على ذلك جمهور العلماء.
والله أعلم.
وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره (2).
قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس.
فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، ومن لا أتهم عن عبيدالله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض.
قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري (3) وحيى بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار (4) الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) الآيات [ النساء: 51 ].
فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان، من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان
__________
(1) انظر دلائل النبوة ج 3 / 395 وفي نهايته: وكتب (عمر بن عبد العزيز) إلى عماله أن افرضوا لابن خمس عشرة وما كان سوى ذلك، فالحقوه بالعيال وهو ما اعتمده سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق.
(2) انظر في غزوة الخندق: ابن سعد 2 / 65 سيرة ابن هشام 3 / 224 أنساب الاشراف 1 / 165 صحيح البخاري 5 / 107 ابن حزم ص 184 السيرة الحلبية ؟ 2 / 401 عيون الاثر 2 / 76 السيرة الشامية 4 / 512 دلائل البيهقي 3 / 392 مغازي الواقدي 2 / 440 مسلم شرح النووي 12 / 145.
(3) النضري نسب إلى طائفة من بني نضير، والقياس نضيري إلا أن يكون من باب قولهم: ثقفي وقرشي وهو خارج
عن القياس.
(4) في الواقدي: أبو عامر الراهب

وقائدها عيينة (1) بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع (2).
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الامر، ضرب الخندق على المدينة.
قال ابن هشام: يقال: إن الذي أشار به سلمان.
قال الطبري والسهيلي: أول من حفر الخنادق منوشهر بن أيرج بن أفريدون وكان في زمن موسى عليه السلام.
قال ابن إسحاق: فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف، ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام.
وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، ألا أن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم) [ النور: 62 - 64 ].
قال ابن إسحاق: فعمل المسلمون فيه حتى احكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، فقالوا فيما يقولون: سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا وكانوا إذا قالوا عمرا قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، وإذا قالوا ظهرا قال لهم ظهرا (3).
وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن
حميد سمعت أنسا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والانصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
__________
(1) عيينة بن حصن، اسمه حذيفة وسمي عيينة لشتر كان بعينه، أسلم ثم ارتد أسر يوم تنبأ طليحة الاسدي وأتي به أبو بكر فمن عليه، ولم يزل مظهرا الاسلام حتى مات.
قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: الاحمق المطاع فقد كان يتبعه عشرة آلاف قناة (انظر شرح المواهب والروض الانف).
(2) زاد عقبة في روايته: وأقبل أبو الا عور فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش.
وقال عروة: كان الذين حزبوا الاحزاب نفرا من بني وائل ومن بني النضير، ومن بني وائل حي من الانصار من أوس الله وحوح بن عمرو..وقريش وغطفان.
(3) الظهر: القوة والمعونة، والضمير المستتر في " سماه " و " كان " راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم للبائس الفقير أكبر عون.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول مع المسلمين آخره عندما كانوا يرتجزون الشعر كان يرد معهم أواخر الابيات.
وجعيل هذا: هو جعيل بن سراقة (شرح أبي ذر ص 300).

" اللهم أن العيش عيش الآخرة * فاغفر الانصار والمهاجرة " فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا (1) وفي الصحيحين من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس نحوه.
وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس بنحوه (2).
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: جعل المهاجرون والانصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا أبدا قال يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لهم " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الانصار والمهاجرة " قال يؤتون بمل ء كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم
جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن (3).
وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والانصار " (4).
ورواه مسلم عن القعنبي عن عبد العزيز به.
وقال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الالى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: أبينا، أبينا (5).
ورواه مسلم من حديث شعبة به.
ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثني إبراهيم بن يوسف، حدثني أبي عن أبي إسحاق عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الاحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 29 باب غزوة الخندق ح 4099.
(2) مسلم في 32 كتاب الجهاد 44 باب غزوة الاحزاب ح 130 ص 1432.
(3) فتح الباري الحديث 4100 ج 7 / 316.
- الاهالة: الزيت والشحم، والسنخة: المتغيرة الريح والطعم.
(4) فتح الباري ح 4098 ج 7 / 314 ومسلم في 32 كتاب الجهاد 44 باب ح 126،.
والاكتاد: جمع كتد وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.
وتروى أكبادنا.
(5) فتح الباري ح 4104 كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
ومسلم في 32 كتاب الجهاد 44 باب.
ح 125.

رواحة وهو ينقل من التراب يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا ان الالى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا ثم يمد صوته بآخرها.
وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا علي بن أحمد بن عبد ان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلي (1) حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخي، حدثنا المسيب بن شريك، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي عثمان، عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال: بسم الله وبه هدينا * ولو عبد نا غيره شقينا يا حبذا ربا وحب دينا (2) وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق: " اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فأصلح الانصار والمهاجرة " وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر عن شعبة.
قال ابن إسحاق: وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني، من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون.
فمن ذلك: أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية (3)، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا باناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق [ نبيا ] (4) لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة.
هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وقد قال البخاري، رحمه الله: حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرا فقال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل.
ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (5) فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت
__________
(1) في دلائل البيهقي: البلخي.
(2) كذا في الاصل والسيرة الشامية 4 / 517 وفي دلائل النبوة للبيهقي 3 / 414: فأحب ربا وأحب دينا (3) الكدية: القطعة الصلبة من الارض لا يعمل فيها المعول، وهي كالصخرة العظيمة.
(4) من ابن هشام.
(5) في البخاري: أهثم، وأهيل: رمل يسيل لا يتماسك.
فتح الباري ج 7 / 317 كتاب المغازي.
قال ابن حجر:

بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر ؟ فعندك شئ ؟ قالت عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة.
ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الاثافي قد كادت أن تنضج، فقلت طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.
قال كم هو ؟ فذكرت له، فقال كثير طيب، قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال قوموا فقام المهاجرون والانصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:38 am

قالت هل سألك ؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا.
وبقي بقية قال: كلي هذا وأهدى، فإن الناس أصابتهم مجاعة.
تفرد به البخاري.
وقد رواه الامام أحمد: عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم، عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم.
ورواه البيهقي في الدلائل: عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بقصة الكدية والطعام وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه: لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا قوموا إلى جابر فقاموا، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاءنا بخلق (1) على صاع من شعير وعناق.
ودخلت على امرأتي أقول: افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق (2) أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم
طعامك ؟ قلت: نعم.
فقالت الله ورسوله أعلم [ قد أخبرناه ما عندنا ] (3).
قال فكشفت عني غما شديدا، قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خدمي ودعيني من اللحم.
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد، ويغرف اللحم، ويخمر هذا، ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملا ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلي واهدي.
فلم تزل تأكل وتهدي يومها.
وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر به وأبسط أيضا، وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال ثلثمائة.
وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن جابر.
فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال وكانوا ثلثمائة (4).
ثم قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن أبي الزبير، حدثنا ابن ميناء سمعت جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شئ فاني رأيت
__________
= امرأة جابر اسمها: سهيلة بنت مسعود الانصارية.
وأخرجه أحمد في مسنده.
(1) في البيهقي: بالخلق.
(2) في البيهقي: بالجند.
(3) زيادة من الدلائل ج 3 / 415 - 417.
(4) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 424 والحاكم في المستدرك 3 / 31.

برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا.
فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك.
فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ.
فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي،
فقالت: بك وبك.
فقلت: قد فعلت الذي قلت.
فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف، فأقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وان برمتنا لتغط كما هي، وان عجيننا كما هو.
ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبي عاصم به نحوه (1).
وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال: حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وكانت عندي شويهة غير جد سمينة، قال: فقلت والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق قال: وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا فقلت: يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فانا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي قال وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده.
قال: فلما أن قلت ذلك قال: نعم ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله، قال: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، قال: فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها.
والعجب أن الامام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عنه عن جابر مثله سواء.
قال محمد بن إسحاق وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها، وانطلقت بها، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 425، والبخاري في 56 كتاب الجهاد، وفي المغازي 29 باب غزوة الخندق، ومسلم في 26 كتاب الاشربة 20 باب ح 141.
والحاكم في المستدرك 3 / 31 وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
- الخمص: ضمور البطن من الجوع.
السؤر: يروى بالهمزة، وبتركها.
وهي لفظة فارسية.
وبالهمز: البقية.
وبدونه: الطعام الذي يدعى إليه.

ألتمس أبي وخالي، فقال: تعالي يا بنية، ما هذا معك ؟ قالت: قلت يا رسول الله هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه.
فقال: هاتيه قالت: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملاتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لانسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء.
فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد (1).
قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي صخرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى قال ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال: قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال: قلت: نعم.
قال: أما الاولى فإن الله فتح علي باب اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح علي باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق.
قال البيهقي: وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه (2)، وذكره أبو الاسود عن عروة ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي وفي حديثه نظر.
لكن رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار، كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال: واحتق المهاجرون والانصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الانصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة
بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره عنها فجاء فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعني المدينة حتى كأنها مصباح في جوف ليل (3) مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.
وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لي من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.
ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.
ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا،
__________
(1) سيرة ابن هشام ج 3 / 228 والبيهقي في الدلائل 3 / 427.
(2) دلائل النبوة ج 3 / 418.
(3) في الطبري: بيت مظلم.

واستبشر المسلمون وقالوا الحمد الله موعود صادق.
قال: ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما.
وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) [ الاحزاب: 12 ] وهذا حديث غريب (1).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هارون بن ملول، حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: فتح الروم، ثم ضرب أخرى فكبر،
فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا.
وهذا أيضا غريب من هذا الوجه.
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي فيه ضعف فالله أعلم.
وقال الطبراني أيضا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو نميلة، حدثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟ قال رجل: نعم.
قال: أما لا فتقدم فدلنا عليه.
فانطلوقا إلى [ بيت ] الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا فجاء الرجل يسعى وقال: بأبي وأمي وله معزة ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الجدي من ورائها فذبح الجدي وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر، فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها وقال بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا، فأكلوا منها حتى صدروا، ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوني فأكون أول من ضربها.
فقال: بسم الله.
فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة.
فقال عندها المنافقون:
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 598 وقال الذهبي سنده ضعيف.
كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال فيه الدارقطني وغيره: متروك.
وقال ابن معين: ليس بشئ.
قال الشافعي وأبو داود: ركن من أر كان الكذب، وضرب أحمد على حديثه.
قال ابن حبان: له عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة.

نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم، ثم قال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن
أحمد بن عبد ان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا محمد (1) بن غالب بن حرب، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن ميمون (2) بن استاذ الزهري، حدثني البراء بن عازب الانصاري قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لابصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لابصر قصر المدائن الابيض، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لابصر أبو اب صنعاء من مكاني الساعة (3).
وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن استاذ هذا وهو بصري روى عن البراء وعبد الله بن عمرو وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الا عرابي قال أبو حاتم عن إسحاق بن منصور عن ابن معين كان ثقة وقال علي بن المديني كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.
وقال النسائي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ضمرة عن أبي زرعة السيباني عن أبي سكينة رجل من البحرين عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) فنذر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة، ثم ضرب الثانية وقال: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكمات الله وهو السميع العليم، فنذر الثلث الآخر، وبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فنذر الثلث الباقي وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس فقال سلمان يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إلا كانت معها برقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان رأيت ذلك ؟ قال: أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله قال: فإني حين ضربت الضربة الاولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع أن يفتحها علينا
ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا بذلك قال: ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا ثم قال: ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة
__________
(1) في البيهقي: أحمد.
(2) هو ميمون مولى عبد الرحمن بن سمرة.
قال فيه ابن معين: لا شئ.
وضعفه العقيلي.
الميزان 4 / 235.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 3 / 421 والنسائي في السير في (السنن) عن محمد بن عبد الا على، عن معتمر، عن عوف عن ميمون عن البراء..تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف (2 / 65).

وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم " هكذا رواه النسائي مطولا وإنما روى منه أبو داود: دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم عن عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني (1) به.
ثم قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول: حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك.
وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا وقد وصل من غير وجه ولله الحمد فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدي.
وقد رواه البخاري منفردا به عن يحيى بن بكير وسعد بن عفير كلاهما عن الليث به وعنده قال أبو هريرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلو نها.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح
خزائن الارض فتلت في يدي ".
وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه.
وفي الصحيحين: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ".
وفي الحديث الصحيح: " إن الله زوى لي الارض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ".
فصل قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة، بين الجرف وزغابة، في عشرة آلاف (2) من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمي، إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين.
فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام.
قال ابن هشام واستعمل على المدينة [ عبد الله ] (3) بن أم مكتوم.
قلت وهذا معنى قوله تعالى (إذ
__________
(1) السيباني: نسبة إلى سيبان، بطن من حمير، توفي أبو زرعة سنة 148 ه.
وكان ثقة.
اللباب 1 / 585.
(2) في ابن سعد: في أربعة آلاف.
أما جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف.
(3) من ابن سعد.

جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وقد زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) [ الاحزاب: 10 ] قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبيد (1)، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة [ في قوله تعالى ]: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار) قالت ذلك يوم الخندق.
قال موسى بن عقبة: ولما نزل الاحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم (2).
قال ابن إسحاق: وخرج حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له فناداه: ويحك يا كعب افتح لي.
قال ويحك يا
حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا.
قال: ويحك افتح لي أكلمك.
قال: ما أنا بفاعل.
قال والله ان أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك (3) أن آكل معك منها.
فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام، قال: وما ذاك ؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام (4) قد هراق ماؤه، يرعد ويبرق وليس فيه شئ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا.
وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة: ذكرهم (5) ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه.
قال ابن إسحاق فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذورة والغارب حتى سمع له - يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي محاربته مع الاحزاب - على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.
فنقض كعب بن أسد العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا: وتكون الرهائن تسعين (6) رجلا
__________
(1) في البخاري: عبدة.
أخرجه البخاري في المغازي 29 باب غزوة الخندق.
ومسلم في كتاب التفسير ح 12 (4 / 2316).
(2) أنظر الخبر بطوله في سياق قصة الخندق من مغازي موسى بن عقبة.
دلائل البيهقي 3 / 400.
(3) الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش، وهو البر يطحن غليظا.
(4) الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
(5) قال عمرو بن سعد القرظي: يا معشر يهود، إنكم قد حالفتم محمدا على ما قد علمتم أن لا تخونوه ولا تنصروا عليه عدوا، وأن تنصروه على من دهم يثرب، فأوفوا على ما عاهدتموه عليه، فإن لم تفعلوا فخلوا بينه وبين عدوه
واعتزلوهم.
(الدرر في اختصار المغازي ص 169 - دلائل البيهقي 3 / 401).
(6) في رواية الدرر: سبعين.

من أشرافهم.
فنازلهم حيي على ذلك.
فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الاوس، وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير (1).
قال: انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه (2) ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس.
قال: فخرجوا حتى أتوهم.
قال موسى بن عقبة: فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم (يريدون بني النضير) ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة.
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه.
فقالوا أكلت أير أبيك (3).
فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن (4).
وقال ابن إسحاق: نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.
ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر ابشروا يا معشر المسلمين.
قال موسى بن عقبة: ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة فاضطجع ومكث طويلا فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير.
ثم انه رفع رأسه وقال ابشروا بفتح الله ونصره.
فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة.
قال
سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسالك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ لا تعبد.
قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط (5) وحتى قال أوس بن قيظي: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملا من رجال قومه، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة.
قلت: هؤلاء وأمثالهم
__________
(1) قال الواقدي: الا ثبت عندنا سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير 2 / 458 (2) اللحن: اللغز، وهو أنه يخالف ظاهر الكلام معناه.
(3) الدرر لابن عبد البر ص 170 دلائل البيهقي عن موسى 3 / 403.
(4) في الواقدي: العبارة قيلت لسعد بن عبادة والذي قالها: نباش بن قيس.
(5) زاد الواقدي: قال: وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.

المرادون بقوله تعالى (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ان يريدون إلا فرارا) [ الاحزاب: 12 - 13 ].
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل، فلما اشتد على النابس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن الزهري إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك واستشار هما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم
شيئا تصنعه لنا ؟ فقال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لاني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء.
على الشرك بالله وعبادة الاوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالاسلام، وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال ليجهدوا علينا.
قال: فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش - منهم عمرو بن عبد ود أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بني محارب بن فهر - تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال أجل.
قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام.
قال: لا حاجة لي بذلك.
قال: فإني أدعوك إلى النزال.
قال له: لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك.
قال له علي: لكني

والله أحب أن أقتلك.
فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم
أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
قال ابن إسحاق وقال علي بن أبي طالب في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب (1) فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي.
قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان بن ثابت: فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم * ما أن يحور عن المعدل (2) ولم تلو ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل (3) قال ابن هشام: الفراعل صغار الضباع.
وذكر الحافظ البيهقي (4) في دلائل النبوة: عن ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة قال: خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى: من يبارز ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
فقال إنه عمرو، اجلس.
ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إلي رجلا ؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول الله ؟ فقال: اجلس.
ثم نادى الثالثة، فقال: ولقد بححت من النداء * لجمعهم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف القرن المناجز ولذاك إني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز قال فقام علي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا.
فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان
عمرا.
فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه، حتى أتى وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز في نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز
__________
(1) الحجارة: يعني الانصاب التي كانوا يعبدونها ويذبحون لها.
(2) الظليم: ذكر النعام.
يحور وفي رواية تجور.
(3) ولم تلو: وتروى ولم تلق.
(4) دلائل النبوة ج 3 / 432 باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من محاصرة المشركين إياهم من البلاء.

إني لارجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء * يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال: يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك ؟ فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرفنا أن عليا قد قتله.
فثم يقول علي: أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي اليوم يمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي إلى أن قال: عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبد ت رب محمد بصواب إلى آخرها.
قال ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوءته،
فاستحييت ابن عمي أن أسلبه، قال وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.
وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عنه (1) البيهقي أن عليا طعنه في ترقوته، حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال هو لكم لا نأكل ثمن الموتى (2).
وقال الامام أحمد: حدثنا نصر بن باب، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئا.
وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حجاج، وهو ابن ارطاة، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن رجلا من المشركين قتل يوم الاحزاب فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا خير في جسده ولا في ثمنه " (3).
وقد رواه الترمذي: من حديث سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس وقال غريب.
وقد ذكر موسى بن عقبة: أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال: " إنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله
__________
(1) في الاصل عن وهو تحريف.
(2) روى البيهقي الخبر، في الدلائل 3 / 438 عن ابن اسحاق وفيه: أن عليا طعن نوفل بن عبد الله بن المغيرة في ترقونه.
(3) الحديث أخرجه الامام في مسنده ج 1 / 248 والبيهقي في الدلائل ج 3 / 440.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة


عدد المساهمات : 1756
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 67

مُساهمةموضوع: رد: كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي   الأربعاء يوليو 02, 2014 10:39 am

ولعن ديته.
فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه " (1) وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فسأل المبارزة فخرج إليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين حتى فل في سيفه فلا وانصرف وهو يقول: اني امرو أحمي وأحتمي * عن النبي المصطفى الامي (2) وقد ذكر ابن جرير (3): أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول:
قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب.
فنزل إليه علي فقتله وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه إليهم وهذا غريب من وجهين.
وقد روى البيهقي: من طريق حماد بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الاطم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي فأصعد على ظهره فأنظر [ إليهم كيف يقتتلون، وأطأطئ له، فيصعد فوق ظهري فينظر ] (4) قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شئ إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الاطم قلت يا أبة رأيتك اليوم، وما تصنع قال " ورأيتني يا بني ؟ قلت: نعم قال فدى لك أبي وأمي (5).
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الانصاري أخو بني حارثة: أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة.
قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن.
قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب.
قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة، قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرفل بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا جمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل (2) فقالت له أمه: الحق بني فقد والله أخرت.
قالت عائشة: فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي.
قالت: وخفت عليه، حيث أصاب السهم منه، فرمى
__________
(1) نقله البيهقي عن موسى في الدلائل 3 / 404.
(2) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 437 وزاد في آخره.
أن عليا طعنه في ترقوته فمات.
انظر الحاشية رقم 2.
وهو الارجح لما تقدم من حديثي الامام أحمد وابن عقبة.
ولعل إقحام رواية ابن اسحاق للخبر في مقتل عمرو سهو من الناسخ.
(3) تاريخ الطبري 3 / 49.
(4) من دلائل البيهقي.
(5) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 440.
(6) جمل: قال أبو ذر: جمل اسم رجل وهذا الرجز تمثل به سعد.
وقال السهيلي: حمل: بالحاء المهملة هو بيت تمثل به، يعني به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن كعب بن عليم بن جناب الكلبي.
(الروض الانف ج 2 / 192)

سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الاكحل.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال رماه حيان (1) بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقي لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذو رسولك وكذبوه وأخرجوه.
اللهم وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك: أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبي جهل: أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي * فداك بآطام المدينة خالد ألست الذي ألزمت سعدا مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند (2) قضى نحبه منها سعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد قال ابن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان.
قال ابن هشام ويقال: إن الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان.
قلت: وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي بيانه.
فحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت
صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينهما وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت.
فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأنزل إليه فاقتله.
قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته.
فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاستلبه فانه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل.
قال: مالي بسلبه
__________
(1) قال السهيلي: حبان: هو ابن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.
وقال الواقدي في رواية ويقال رماه: أبو أسامة الجشمي.
(2) مريشة وتروى: مرشة: يعني رمية أصابته فأطارت رشاش الدم منه، والعاند: العرق الذي لا ينقطع منه الدم.

حاجة يا ابنة عبد المطلب (1).
قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدري (2) أتم أم لا قال: ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقلوبهم وفي رواية وقبورهم نارا.
فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول " والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وإني لارجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (3).
وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق " ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس " (4) وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي به.
ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الاعرج عن عبيدة عن علي به: وقال الترمذي حسن صحيح.
ثم قال البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها.
فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (5).
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 3 / 239 ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 3 / 442.
وقد علق أبو ذر والسهيلي عليه، واستبعدا أن يكون حسان بن ثابت من الجبن بهذه المنزلة.
قال السهيلي: " وقد رفع هذا الحديث بعض العلماء وأنكره، وذلك انه منقطع الاسناد.
وقال: لو صح هذا لهجي به حسان، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعرى وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن.
فدل هذا على ضعف حديث ابن اسحاق.
وإن صح فلعل حسان أن يكون معتلا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال.
وهذا أولى ما تأول عليه.
وممن أنكر أن يكون هذا صحيحا ابن عبد البر في الدرر.
وقال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعبيره بذلك من أعلام النبوة، لانه كان شاعره صلى الله عليه وسلم.
(2) في رواية البيهقي: حتى مما يدري الرجل أتم صلاته أم لا.
(3) رواه ابن عبد البر في الدرر ص 169 - 177 والبيهقي عنه في الدلائل ج 3 / 402.
(4) رواه البخاري في 56 كتاب الجهاد 98 باب ح 2931 وأعاده في 64 كتاب المغازي 19 باب ح 4111 ومسلم في 5 كتاب المساجد 35 باب ح 202 وح 206 وح 204 وأحمد في مسنده 1 / 79، 81.
(5) رواه البخاري في 9 كتاب مواقيت الصلاة 36 باب.
ومسلم في 5 كتاب المساجد 36 باب ح 209.

طرق عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال " اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملا بيوتهم نارا واملا قبورهم نارا " ونحو ذلك تفرد به أحمد وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره.
وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الاحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الاحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) [ البقرة: 238 ].
وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والاوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة - كما سيأتي - " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدا من الفريقين واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.
وقال آخرون من العلماء، وهم الجمهور، منهم الشافعي: هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ وهو مشكل قال ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان وقد ذكرها ابن إسحاق وهو إمام في المغازي قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق فالله أعلم.
وأما الذين قالوا: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء من رواية أبي هريرة وأبي سعيد.
قال الامام [ أحمد ]: حدثنا يزيد وحجاج قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن
المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) [ الاحزاب: 25 ] قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل.
قال حجاج في صلاة الخوف (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) [ البقرة: 239 ] وقد رواه النسائي عن الفلاس عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب به.
قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة
__________
= قوله هشام هو ابن أبي عبد الله.
ويحيى بن أبي كثير.
وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
- بطحان: واد بالمدينة.

الظهر حتى غربت الشمس فذكره (1).
وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله.
قال: فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مؤمل، يعني ابن إسماعيل، حدثنا حماد، يعني ابن سلمة، عن عبد الكريم يعني ابن أبي المخارق عن مجاهد عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى الظهر ثم أمره، فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن، وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام، فصلى العشاء ثم قال " ما على وجه الارض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم " تفرد به البزار وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبي عبيدة عن عبد الله.
فصل في دعائه عليه السلام على الاحزاب قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر حدثنا الزبير - يعني ابن عبد الله - حدثنا ربيح بن أبي سعيد
الخدري عن أبيه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شئ نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر، قال " نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا " قال فضرب الله وجوه أعدائه بالريح (2).
وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر - وهو العقدي (3) - عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد فذكره وهذا هو الصواب.
وقال الامام أحمد: حدثنا حسين، عن ابن أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الاحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل قال ثم جاء ودعا عليهم وصلى.
وثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاحزاب فقال " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب اهزم الاحزاب.
اللهم اهزمهم وزلزلهم (4).
وفي رواية اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم.
وروى البخاري عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 445 والنسائي في كتاب الصلاة، باب الاذان للغائب من الصلاة 2 / 17.
(2) مسند الامام أحمد ج 3 / 3.
(3) هو أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي القيسي، يروي عن شعبة اللباب 2 / 144 والكاشف للذهبي ج 3 / 311.
(4) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 29 باب فتح الباري 7 / 406 ومسلم في 32 كتاب الجهاد والسير (7) باب ح 21

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الاحزاب وحده فلا شئ بعده " (1) وقال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
قال: ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوه بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا باسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل
عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة " (2) فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم.
قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديهم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه.
قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني.
قالوا: نفعل، قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم ؟ فأرسل إليهم: أن نعم.
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني.
قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم،
__________
(1) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي 29 باب غزوة الاحزاب.
ح: 4114.
(2) هي من جوامع كلمه، وهي أقوال صائبة بعيدة عن التكلف، نابعة من سلامة الطبع وصفاء الذهن.
وهي موجزة تؤدى بألفاظ قليلة دالة على معان وفيرة جليلة.
وقد أخذت بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم صفات الحكمة من حيث طابعها وسمتها.
قال الجاحظ: " إنه كلام لم يسبقه إليه عربي، ولم يشاركه فيه عجمي ولم يدع لاحد ولا ادعاه أحد مما صار مستعملا ومثلا سائرا.
" وقد حدد الجاحظ أسلوب الحكمة عند النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: " الكلام الذي قل حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف " ومن الامثال لكلامه صلى الله عليه وسلم:
يا خيل الله اركبي - مات حتف انفه - الان حمي الوطيس - لا يلسع المؤمن من جحر مرتين - الخيل معقود بنواصيها الخيل - رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس - إنما الاعمال بالنيات

قال: فاكتموا عني قالوا: نفعل.
ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنيع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، هلك الخف والحافر (1) فاعدوا (2) للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه.
فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك منه.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة: قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق.
فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم.
فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله الريح في ليلة (3) شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم (4).
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة.
وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فانه ذكر ما حاصله: أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم عشاء، فأشار إليه أن تعال، فجاء فقال: ما وراءك ؟ فقال (5): إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم
فيناجزوك، فقالت قريظة نعم فأرسلوا إلينا بالرهن.
وقد ذكر فيما تقدم: أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني مسر إليك شيئا فلا تذكره، قال: إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان.
وقال
__________
(1) الخف: يريد الابل.
والحافر: يعني الخيل.
(2) في ابن هشام: فاغدوا.
(3) في ابن هشام: ليال.
(4) في ابن هشام: أبنيتهم.
والخبر في السيرة ج 3 / 241 - 244.
(5) العبارة في الدلائل: فقال: إنه والله مالك طاقة بالقوم وقد تحزبوا عليك، وهم معاجلوك، وقد بعثوا إلى بني قريظة انه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا، وقد أجبنا ان نعاجل محمدا وأصحابه فنستريح منهم.
فأرسلت إليهم بنو قريظة: ان نعم ما رأيتم فإذا شئتم فابعثوا بالرهن ثم لا يحبسكم إلا أنفسكم..(الدلائل ج 3 / 404) .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل