aloqili.com
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

aloqili.com

سيرة نبوية - تاريخ القبائل - انساب العقلييين - انساب الهاشمين - انساب المزورين
 
السياسة الدوليةالرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأربعاء فبراير 19, 2014 8:50 am

ووصل خبرهم إلى هارون الشاري فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد الحصن أولأن فإذا فرغوا منه ساروا إلى محمد بن عباده، فجمع أصحابه، فبلغوا مائة راجل وألفاً ومائتي فارس، وسار إليه مبادرأن وأحدق به وحصره؛ ومحمد بن عبادة في قيراثا لا يعلم بذلك.
وجد هارون في قتال الحصن، وكان معه سلاليم قد أخذهأن وزحف إليه، وكان أصحابه قد منعوا أحداً يخرج رأسه من أعلى السور، فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني زهير الأمان بغير أمر هارون، فشق عليه، ولم يقدر على تغيير ذلك، إلا أنه قتل أبا هلال بن محمد بن عبادة ونفراً معه قبل الأمان، وفتحوا الحصن وملكوا ما فيه.
وساروا إلى محمد، وهوبقبراثأن فلقوه وهوفي أربعة آلاف رجل، فاقتتلوأن فانهزم هارون ومن معه، فوقف بعض أصحابه ونادى رجالاً بأسمائهم فاجتمعوا نحوأربعين رجلأن وحملوا على ميمنة محمد بن عبادة، فانهزمت الميمنة، وعادت الحرب، فانهزم محمد ومن معه، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم ألفاً وأربع مائة رجل، وحجز بينهم الليل، وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه، وانهزم محمد إلى آمد، فأخذه صاحبها أحمد ابن عيسى بن الشيخ، بعد حرب، فظفر به، فأخذه أسيرأن وسيره إلى المعتضد، فسلخ جلده كما يسلخ الشاة.
ذكر عدة حوادثلما افتتح محمد بن أبي الساج مراغة، بعد حرب شديدة وحصار عظيم، أخذ عبد الله الحسين، بعد أن أمنه وأصحابه، وقيده وحبسه، وقرره بجميع أمواله ثم قتله.
وفيها مات أحمد بن ثور عمان وبعث برؤوس جماعة من أهلها.
وفيها توفي جعفر بن المعتمد في ربيع الآخر، وكان ينادم المعتضد.
وفيها دخل عمروبن الليث نيسابور في جمادى الأولى.
وفيها وجه محمد بن أبي الساج ثلاثين نفساً من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق أكثرهم، وحبس الباقون.
وفيها دخل أحمد بن أبا طرسوس للغزاة من قبل خمارويه بن أحمد ابن طولون، ودخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعاً مع العجيفي أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسون.
وفيها غزا إسماعيل بن أحمد الساماني بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم، وأسر أباه وامرأته خاتون ونحواً من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وغمن من الدواب ما لا يعلم عددأن وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم.
وفيها توفي راشد مولى الموفق بالدينور، وحمل إلى بغداد في رمضان.
وفي شوال مات مسرور والبلخي.
وفيها غارت المياه بالري وطبرستان، حتى بلغ الماء أرطال بدرهم، وغلت الأسعار.
وفي شوال انكسف القمر، وأصبح أهل دبيل والدنيا مظلمة، ودامت الظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل، فلما كان ثلث الليل زلزلوا فخربت المدينة، ولم يبق من منازلهم إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك مس مرار، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفاً كلهم موتى.
وحج بالناس هذه السنة أبوبكر محمد بن هارون بن إسحاق المعروف بابن ترنجة.
وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن يوسف أبوإسماعيل الترمذي في رمضان، وله تصنيف حسنة؛ واحمد بن سيار بن أيوب الفقيه المروزي، وكان زاهداً عالماً؛ وأبوجعفر أحمد بن أبي عمران الفقيه الحنفي بمصر.
حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر مسير المعتضد إلى ما ردين
وملكه إياها
وفيها خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل، قاصداً لحمدان بن حمدون، لأنه بلغه أن حمدان مال إلى هارون الشاري، ودعا له، فلما بلغ الأعراب والأكراد مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوأن وعبوا عسكرهم، وسار المعتضد إليهم في خيله جريدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق منهم في الزاب خلق كثير.
وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين، وكانت لحمدان بن حمدون، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بهأن فنازلها المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك، فلما كان من الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة، وصاح: يا بن حمدان! فأجابه، فقال: افتح الباب، ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمهأن ثم وجه خلف ابن حمدون، وطلب اشد الطلب، وأخذت أموال له، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده إلى بغداد.
وفي عوده قصد السنية وبها رجل كردي يقال له شداد، في جيش كثير، قيل كانوا عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة، فظفر به المعتضد وهدم قلعته.

ذكر عدة حوادث
وفيها ورد ترك بن العباس، عامل المعتضد على ديار مضر، من الجزيرة إلى بغداد، ومعه نيف وأربعون من أصحاب ابن الأغر، صاحب سميساط، على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير، فمضى بهم إلى الحبس، وعاد إلى داره.
وفيها كانت وقعة لوصيف خادم ابن أبي الساج لعمر بن عبد العزيز، فهزمه، ثم سار وصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج.
وفيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزوالصائفة من قبل خمارويه ابن احمد بن طولون فبلغ طرابزون، وفتح بلودية في جمادى الآخرة.
وفيها مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى.
وفيها غارت المياه بالري وطبرستان.
وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل، وقصد الدينور، وولى ابنه عليأن وهوالمكتفي، الري، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وهمذان، والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز ابن أبي دلف أصبهان، ونهاوند، والكرج، وعاد إلى بغداد لأجل غلاء السعر.
وفيها استأمن الحسن بن علي كورة، عامل رافع على الري، إلى علي بن المعتضد في زهاء ألف رجل، فوجهه ومن معه إلى أبيه.
وفيها دخل الأعراب سامرأن فقتلوا ابن سيما في ذي القعدة.
وفيها غزا المسلمون الروم، فدامت الحرب بينهم اثني عشر يومأن فظفر المسلمون وغمنوا غنيمة كثيرة وعادوا.
وفيها توفي عبيد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيأن صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة.
حوادث سنة اثنتين وثمانين ومائتين
ذكر النيروز المعتضدي
فيها أمر المعتضد بالكتابة إلى الأعمال كلها جميعها بترك افتتاح الخراج في النيروز العجمي، وتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسماه النيروز المعتضدي، وأنشئت الكتب بذلك من الموصل، والمعتضد بهأن وأراد بذلك الترفيه عن الناس، والرفق بهم.
ذكر قصد حمدان وانهزامه
وعوده إلى الطاعة
في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب، وحمدان بن حمدون، بالمسير إليه، وهوفي الموصل، فبادر إسحاق، وتحصن حمدان بقلاعه، وأودع أمواله وحرمه، فسير المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير، ونصر القشوري، وغيرهمأن فصادفوا الحسن بن علي كورة وأصحابه متحصنين بموضع يعرف بدير الزعفران، من أرض الموصل.
وفيها وصل الحسين بن حمدان بن حمدون، فلما رأى الحسين أوائل العسكر طلب الأمان، فأمن، وسير إلى المعتضد، وسلم القلعة، فأمر المعتضد بهدمهأن وسار وصيف في طلب حمدان، وكان بباسورين، فواقعه وصيف، وقتل من أصحابه جماعة، وانهزم حمدان في زورق كان له في دجلة، وحمل معه مالاً كان له، وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة، فصار في ديار ربيعة.
وعبر نفر من الجند، فاقتصوا أثره، حتى أشرفوا على دير قد نزله، فلما رآهم هرب، وترك ماله، فأخذ وأتي به المعتضد، وسار أولئك في طلب حمدان، فضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق بن أيوب، وهومع المعتضد، واستجار به، فأحضره إسحاق عند المعتضد، فأمر بالاحتفاظ به، وتتابع رؤساء الأكراد في طلب الامان، وكان ذلك في المحرم.
ذكر انهزام هارون الخارجي من عسكر الموصلكان المعتضد بالله قد خلف بالموصل نصراً القشوري يجبي الأموال ويعين العمال على جبايتهأن فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج، فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل وفرق بينهم، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهومن أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه قتله، وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد.
فكتب نصر القشوري إلى هارون الخارجي كتاباً يتهدده بقرب الخليفة، وأنه إن هم به أهلكه وأهلك أصحابه، وأنه لا يغتر بمن سار إلى حربه، فعاد عنه بمكر وخديعة، فكتب إليه هارون كتاباً منه: أما ما ذكرت ممن أراد قصدي، ورجع عني، فإنهم لما رأوا جدنا واجتهادنا كانوا بإذن الله فراشاً متتابعأن وقصباً أجوف، ومن صبر لنا منهم ما زاد على الاستتار بالحيطان، ونحن على فرسخ منهم، وما غرك إلا ما أصبت به صاحبنأن فظننت أن دمه مطلول أوأن وتره متروك لك، كلا إن الله تعالى من ورائك، وآخذ بناصيتك، ومعين على إدراك الحق منك، ولم تعيرنا بغيرك وتدع أن يكون ذلك إبداء صفحتك، وإظهار عداوتك؟ وإنا كما قيل:
فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا ... إلينا سواداً نلقه بسواد

ولعمر الله ما ندعوإلى البراز ثقة بأنفسنأن ولا عن ظن أن الحول والقوة لنأن لكن ثقة بربنأن واعتماداً على جميل عوائده عندنا.
وأما ما ذكرت من أمر سلطانك، فإن سلطانك لا يزال منا قريبأن وبحالنا عالمأن فلا قدم أجلاً ولا أخره، ولا بسط رزقاً ولا قبضه قد بعثنا على مقابلتك، وستعلم عن قريب إن شاء الله تعالى.
فعرض نصر كتاب هارون على المعتضد، فجد في قصده، وولى الحسن بن علي كورة الموصل، وأمره بقصد الخوارج، وأمر مقدمي الولايات والأعمال كافة بطاعته، فجمعهم، وسار إلى أعمال الموصل، وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلاتهم، ثم سار إلى الخوارج، وعبر الزاب إليهم، فلقيهم قريباً من المغلة، وتصافوا للحرب، فاقتلوا قتالاً شديدأن وانكشف الخوارج عنه ليفرقوا جمعيته ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم، ففعلوأن فرجع الخوارج وحملوا عليهم سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن، وقتل من أصحابه، وثبت هو، فحمل الخوارج عليه حملة رجل واحد، فثبت لهم وضرب على رأسه عدة ضربات فلم تؤثر فيه.
فلما رأى أصحابه ثباته تراجعوا إليه وصبروأن فانهزم الخوارج أقبح هزيمة وقتل منهم خلق كثير، وفارقوا موضع المعركة، ودخلوا أذربيجان.
وأما هارون فإنه تحير في أمره، وقصد البرية، ونزل عند بني تغلب، ثم عاد إلى معلثايأن ثم عاد إلى البرية، ثم رجع عبر دجلة إلى حزة، وعاد إلى البرية.
وأما وجوه أصحابه، فإنهم لما رأوا إقبال دولة المعتضد وقوته، وما لحقهم في هذه الوقعة، راسلوا المعتضد يطلبون الأمان فأمنهم، فأتاه كثير منهم، يبلغون ثلاثمائة وستين رجلأن وبقي معه بعضهم يجول بهم في البلاد، إلى أن قتل سنة ثلاث وثمانين على ما نذكره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة في ربيع الأول قبض على تكتمر بن طاشتمر، وقيد وأخذ ماله؛ وكان أميراً على الموصل، واستعمل بعده عليها الحسن بن علي الخراساني، ويعرف بكورة.
وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه، زوجة المعتضد، ومعها أحد عمومتها، وكان المعتضد بالموصل.
وفيها عاد المعتضد إلى بغداد، وزفت إليه ابنة خمارويه في ربيع الآخر.
وفيها سار المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالاً لابن أبي دلف، وكتب إلى عمروبن عبد العزيز يطلب منه جوهراً كان عنده، فوجه به إليه، وتنحى من بين يديه.
وفيها أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون، وحمل على دواب وبغال.
وفيها وجه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مدداً لفتح القلانسي، غلام الموفق، فهرب يوسف فيمن أطاعه إلى أخيه محمد بمراغة، ولقي مالاً للمعتضد فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إمام الهدى أنصاركم آل طاهر ... بلا سبب تخفون والدهر يذهب
وقد خلطوا شكراً بصبر ورابطوا ... وغيرهم يعطي ويجبي ويهرب
وفيها وجه المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه الري وعاد منها.
وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ببغداد، والكوفة، والمدينة، فسعي به إلى المعتضد، فأحضر محمد عنه بدر، وسئل عن ذلك، فأقر أنه يوجه إليه كل سنة مثل ذلك، ففرقه، وأنهى بدر إلى المعتضد ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ قال: لا ، يا أمير المؤمنين؛ قال: رأيت في النوم كأني أريد ناحية انهروان، وأنا في جيشي، إذ مررت برجل واقف على تل يصلي ولا يلتفت إلي، فعجبت، فلما فرغ من صلاته قال لي: أقبل، قأقبلت إليه، فقال لي: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا علي بن أبي طالب، خذ هذه فاضرب بها الأرض، بمسحاة بين يديه، فأخذتهأن فضربت بها ضربات، فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بعدد الضربات، فأوصهم بولدي خيراً.
وأمر بدراً بإطلاق المال والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يريد ظاهرأن وأن يفرق ما يأتيه ظاهرأن وتقدم بمعونته على ذلك.
وفيها توفي أبوطلحة منصور ين مسلم في حبس المعتضد.
وفيها ولدت جارية اسمها شغب للمعتضد ولداً سماه جعفرأن وهوالمقتدر.
وفيها قتل خمارويه بن احمد بن طولون، ذبحه بعض خدمه على فراشه في ذي الحجة بدمشق، وقتل من خدمه الذين اتهموا نيف وعشرون نفساً.

وكان سبب قتله أنه سعى إليه بعض الناس وقال له إن جواري داره قد اتخذت كل واحدة منهم خصيأن من خصيان داره، لها كالزوج، وقال: إن شئت أن تعلم صحة ذلك فأحضر بعض الجواري فاضربهأن وقررهأن حتى تعلم صحة ذلك. فبعث من وقته إلى نائبه بمصر يأمره بإحضار عدة من الجواري ليعلم الحال منهن، فاجتمع جماعة من الخدم، قرروا بينهم الاتفاق على قتله، خوفاً من ظهور ما قيل له، وكانوا خاصته، فذبحوه ليلاً وهربوا.
فلما قتل اجتمع القواد وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه في الإمارة، وكان معه بدمشق، وهوأكبر ولده، فبايعوه ففرقت فيهم الأموال، وكان صبياً غراً.
وفيها توفي عثمان بن سعيد بن خالد أبوسعيد الداري، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي، والأجرب عن ابن الأعرابي.
وفيها توفي أبوحنيفة أحمد بن داود الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات وغيره.
وفيها توفي الحارث بن أبي أسامة، وله مسند يروى غالباً في زماننا هذا؛ وأبوالعيناء محمد بن القاسم وكان يروي عن الأصمعي.
حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائتين
ذكر الظفر بهارون الخارجي
في هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري وظفر به.
وسبب الظفر به أنه وصل إلى تكريت وأقام بهأن وأحضر الحسين بن حمدان التغلبي وسيره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعة من الفرسان والرجالة، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين؛ قال: اذكرها! قال: إحداهن إطلاق أبي، وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به. فقال له المعتضد: لك ذلك. فانتخب ثلاثمائة فارس، وسار بهم، معهم وصيف بن موشكير، فقال به الحسين: تأمره بطاعتي، يا أمير المؤمنين. فأمره بذلك.
وسار بهم الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن معه: ليقفوا هناك، فإنه ليس له طريق إن هرب غير هذأن فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه عن العبور، وأجيء أنأن أويبلغكم أني قتلت.
ومضى حسين في طلب هارون، فلقيه، وواقعه وقتل بينهما قتلى، وأنهزم هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنأن ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري، فيكون له الفتح دوننأن والصواب أن منضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى.
وجاء هارون منهزماً إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفاً وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهم خبرأن فعبر في أثر هارون، وجاء إلى حي من أحياء العرب، فسأل عنه، فكتموه، فتهددهم، فاعلموه أنه اجتاز بهم، فتبعه حتى لحقه بعد أيام، وهارون في نحومائة رجل، فناشده الشاري ووعده، وأبى حسين إلا محاربته، فحاربه، فألقى الحسين نفسه عليه، فأخذه أسيراً وجاء به إلى المعتضد، فانصرف المعتضد إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من ربيع الأول.
وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان وطوقه، وخلع على إخوته، وأدخل هارون على الفيل، وأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه والإحسان إليه، ووعد بإطلاقه.
ولما أركبوا هارون على الفيل أرادوا أن يلبسوه ديباجاً مشهرأن فامتنع وقال: هذا لا يحل؛ فألبسوه كارهأن ولما صلب نادى بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، ولوم كره المشركون؛ وكان هارون صفرياً.
ذكر عصيان دمشق على جيش بن خمارويه وخلاف جنده عليه وقتلهفي هذه السنة خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه عليه، وجاهروا بالمخالفة، وقالوا: لا نرضى بك أميرأن فاعتزلنا حتى نولي عمك الإمارة.
وكان سبب ذلك أنه لما ولي وكان صبياً قرب الأحداث والسفل، وأخلد إلى استماع أقوالهم، فغيروا نيته على قواده وأصحابه، وصار يقع فيهم ويذمهم، ويظهر العزم على الاستبدال بهم، وأخذ نعمهم وأموالهم؛ فاتفقوا عليه ليقتلوه ويقيموا عمه، فبلغه ذلك، فلم يكتمه بل أطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، وخلعه طغج بن جف أمير دمشق.

وسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وخاقان المفلحي وبدر بن جف، أخوطغج،وغيرهم من قواد مصر، فسلكوا البرية، وتركوا أهاليهم وأموالهم، فتاهوا أيامأن ومات من أصحابهم جماعة من العطش، وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، واحسن إليهم، وبقي سائر الجنود بمصر على خلافهم ابن خمارويه، فسألهم كاتبه علي بن أحمد الماذرائي أن ينصرفوا يومهم ذلك، فرجعوأن فقتل جيش عمين له، وبكر الجند إليه، فرمى بالراسين إليهم، فهجم الجند عليه فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وأحرقوهأن وأقعدوا أخاه هارون في الإمرة بعده، فكانت ولايته تسعة أشهر.
ذكر حصر الصقالبة القسطنطينيةوفي هذه السنة سارت الصقالبة إلى الروم، فحصروا القسطنطينية، وقتلوا من أهلها خلقاً كثيرأن وخربوا البلاد، فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصاً جمع من عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبة، ففعلوا وكشفوا الصقالبة وأزاحوهم عن القسطنطينية، ولما رأى ملك الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه، فردهم، وأخذ السلاح منهم، وفرقهم في البلاد حذراً من جنايتهم عليه.
ذكر الفداء بين المسلمين والرومفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فكان جملة من فدي به من المسلمين الرجال، والنساء، والصبيان، ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس.
ذكر الحرب بين عسكر المعتضد وأولاد أبي دلفوفيها سار عبيد الله بن سليمان إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بالجبل، فسار عمر إليه بالأمان في شعبان، فأذعن بالطاعة، فخلع عليه وعلى أهل بيته.
وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز بالأمان إلى عبيد الله بن سليمان، وبدر، فولياه عمل أخيه على أن يسير إليه فيحاربه، فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في الطاعة، وإمنا وليناك عمله على أنه عاص، والمعتضد يفعل في أمركما ما يراه، فامضيا إلى بابه.
وولي النوشري أصبهان، وأظهر أنه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز، فكتب عبيد الله إلى المعتضد بذلك، فكتب إلى بدر ليقيم بمكانه إلى أن يعرف حال بكر.
وسار الوزير إلى علي بن المعتضد بالري، ولحق بكر بن عبد العزيز بالأهواز، فسير المعتضد إليه وصيف بن موشكير، فسار إليه، فلحقه بحدود فارس، وباتا متقابلين، وارتحل بكر إلى أصبهان ليلأن فلم يتبعه وصيف، بل رجع إلى بغداد، وسار بكر إلى أصبهان، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه، فأمر بدر عيسى النوشري بذلك، فقال بكر:
عني ملامك ليس حين ملام ... هيهات أجدب زائد الأيام
ظأرت عنايات الصبا عن مفرقي ... ومضى أوان شراستي وغرامي
ألقى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام
وتقاذفت بأخي النوى ورمت به ... رمي العبيد قطيعة الأرحام
فلأقرعن صفاة دهر نابهم ... قرعاً يهز رواسي الأعلام
ولأضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار نقيعة القدام
ولأتركن الواردين حياضهم ... بقرارة لمواطئ الأقدام
يا بدر إنك لوشهدت مواقفي ... والموت يلحظ والسيوف دوامي
لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ... ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي
حركتني بعد السكون وإمنا ... حركت من حصن جبال تهام
وعجمتني فعجمت مني من حمى ... خشن المناكب كل يوم زحام
قل للأمير أبي محمد الذي ... يجلوبغرته دجى الإظلام
أسكنتني ظل العلا فسكنته ... في عيشة رغد وعز نام
حتى إذا خليت عني نابني ... نوب أتت وتنكرت أيامي
فلأشكرن جميل ما أوليتني ... ما غردت في الأيك ورق حمام
هذا أبوحفص يدي وذخيرتي ... للنائبات وعدتي وسنامي
ناديته فأجابني وهززته ... فهززت حد الصارم الصمصام

من رام أن يغضي الجفون على القذى ... أويستكين يروم غير مرام
ويخيم حين يرى الأسنة شرعاً ... والبيض مصلتة لضرب الهام
ثم إن النوشري انهزم عن بكر، فقال بكر يذكر هربه، ويعير وصيفاً بالإحجام عنه، ويتهدد بدراً في أبيات منها:
قد أرى النوشري حين التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفر
جاء في قسطل لهام فصلنا ... صولة دونها الكماة تهر
ولواء النوشري آثار نار ... رويت عند ذاك بيض وسمر
غر بدراً حلمي وفضل آتاني ... واحتمالي للعبء مما يغر
سوف يأتيه من خيولي قب ... لاحقات البطون جون وشقر
يتنادون كالسعالي عليها ... من بني وائل اسود تكر
لست بكراً إن لم أدعهم حديثاً ... ما سرى كوكب وما كر دهر
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أمر المعتضد بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث.
وفيهأن في شوال مات علي بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وكانت ولايته لقضاء بمدينة المنصور ستة أشهر.
وفيها قدم عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بغداد، فأمر المعتضد الناس والقواد باستقباله، وقعد له المعتضد، فدخل عليه، وأكرمه وخلع عليه.
وفيهأن في رمضان، تحارب عمروبن الليث الصفار ورافع بن هرثمة، فانهزم رافع، وكان سبب ذلك أن عمراً فارق نيسابور، فخالفه إليها رافع وملكها وخطب فيها لمحمد بن زيد العلوي، فرجع عمرومن مروإلى نيسابور فحصرهأن فانهزم رافع منهأن ووجه عمروفي طلبه عسكراً فلحقوه بطوس، فانهزم منهم إلى خوارزم، فلحقوه بهأن فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى المعتضد، فوصله سنة أربع وثمانين في المحرم، أمر بنصبه ببغداد وخلع على القاصد به.
وفيها مات البحتري الشاعر، واسمه الوليد بن عبادة، بمنبج، أوحلب، وكان مولده سنة ست ومائتين.
وفيها توفي محمد بن سليمان أبوبكر المعروف بابن الباغندي، وأبوالحسن علي بن العباس بن جريج الشاعر المعروف بابن الرومي، وقيل: توفي سنة أربع وثمانين، وديوانه معروف، رحمه الله تعالى.
وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع السري، ومولده سنة مائتين، وقيل ومائتين.
حوادث سنة أربع وثمانين ومائتينفي هذه السنة كان فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة.
وكان سبب ذلك أن راغباً ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، ودعا لبدر مولى المعتضد، واختلف هووأحمد بن طوغان، فلما انصرف أحمد بن طوغان من الفداء سنة ثلاث وثمانين ركب البحر ومضى، ولم يدخل طرسوس، وخلف دميانة بها لقيام بأمرهأن وأمده ابن طوغان، فقوي بذلك، وأنكر ما كان يفعله راغب، فوقعت الفتنة، فظفر بهم راغب، فحمل دميانة إلى بغداد.
وفيها أوقع عيسى بن النوشري ببكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بنواحي أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، ونجا بكر في نفر يسير من أصحابه، فمضى إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان، وأقام عنده إلى سنة خمس وثمانين ومات، ولما وصل خبر موته إلى المعتضد أعطى القاصد به ألف دينار.
وفيهأن في ربيع الأول، قلد أبوعمر يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة المنصور مكان علي بن أبي الشوارب.
وفيها أخذ خادم نصراني لغالب النصراني وشهد عليه أنه شتم النبي، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهل بغداد، وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، فلم يفعل، فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد، فسئلوا عن حالهم، فذكروه للمعتضد، فأرسل معهم إلى القاضي أبي عمر، فكادوا يقتلونه من كثرة ازدحامهم، فدخل باباً وأغلقه، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا للعامة ذكر اجتماع في أمره.
وفيها قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم واليأن وكانوا قد أخرجوا عامل ابن طولون، فسير إليهم المعتضد ابن الإخشيد أميراً.
وفيهأن في ربيع الآخر، ظهرت بمصر ظلمة وحمرة في السماء شديدة، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمد، فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه.

وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، وهوكتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا تصح وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بني أمية، وعملت به نسخ قرئت بجانبي بغداد، ومنع القضاة والعامة من القعود بالجامعين ورحابهمأن ونهى عن الاجتماع على قاض لمناظرة، أوجدل في أمر الدين، ونهى الذين يسقون الماء في الجامعين أن يترحموا على معاوية أويذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنا نخاف اضطراب العامة وإثارة الفتنة، فلم يسمع منه، وحذره اضطراب العامة، فلم يلتفت، فقال: يا أمير المؤمنين! فما نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس لقرابتهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من إطرائهم كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة وأظهر حجة فيهم اليوم. فامسك المعتضد، ولم يأمر في الكتاب بعد ذلك بشيء، وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي، عليه السلام.
وفيها سير المعتضد إلى عمروبن الليث الخلع والواء بولاية الري وهدايا.
وفيها فتحت قرة من بلد الروم على بد راغب مولى الموفق وابن كلوب في رجب.
وفيهأن في شعبان، ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه، وهر بالخادم، ودخل الشخص في زرع البستان فتوارى فيه، فطلب باقي ليلته، ومن الغد، فلم يعرف له خبر، فاستوحش المعتضد، وكثر الناس في أمره بالظنون حتى قالوا: إنه من الجن، وظهر مراراً كثيرة، حتى وكل المعتضد بسور داره، وأحكمه بالظنون حتى قالوا: ثم أحضر المجانين والمعزمين بسبب ذلك الشخص، فسألهم عنه فقال المعزمون: نحن نعزم على بعض المجانين، فإذا سقط الجني عنه فاخبره خبره؛ فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعاضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف.
وفيها وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة، فقروا بالضرب فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم، فقبض عليه وحبسه.
وفيها وثب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز قد أخذه وقيده وحبسه في قلعته زر، ووكل به شفيعاً الخادم، ومعه جماعة من غلمان عمر، فلما استأمن عمر إلى المعتضد وهرب بكر بقيت القلعة بما فيها من الأموال بيد شفيع، فكلمه أبوليلى في إطلاقه، فلم يفعل، وطلب من غلام كان يخدمه مبردأن فادخله في الطعام، فبرد مسمار قيده.
وكان شفيع في كل ليلة يأتي إلى أبي ليلى يفتقده ويمضي ينام وتحت رأسه سيف مسلول، فجاء شفيع في ليلة إليه، فحادثه، فطلب منه أن يشرب معه أقداحأن وقام الخادم لحاجته، فجعل أبوليلى في فراشه ثياباً تشبه إنساناً نائمأن وغطاها باللحاف، وقال لجارية كانت تخدمه: إذا عاد شفيع قولي له هونائم. ومضى أبوليلى فاختفى ظاهر الدار، وقد اخرج قيده من رجله، فلما عاد شفيع قالت له الجارية: هونائم! فأغلق الباب ومشى إلى داره ونام فيها. فخرج أبوليلى وأخذ السيف من عند شفيع وقتله، فوثب الغلمان، فقال لهم أبوليلى: قد قتلت شفيعأن ومن تقدم إلي قتلته، فأنتم آمنون! فخرجوا من الدار، واجتمع الأنس إليه فكلمهم، ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الإيمان، وجمع الأكراد وغيرهم، وخرج مخالفاً على المعتضد، وكان قتل شفيع في ذي القعدة.
ولما خرج أبوليلى على اللطان قصده عيسى النوشري، فاقتتلوأن فأصاب أبا ليلى في حلقه سهم فنحره، فسقط عن دابته، وانهزم أصحابه، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد.
وفيها كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير، وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة الأنهار والعيون، فقحط الناس، وقلت الأمطار، وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، فاستسقوا ببغداد مرات.

وفيها ظهر اختلال حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلفت القواد، وطمعوأن فانحل النظام، وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا على أن جعلوا مدير دولته أبا جعفر بن أبأن وكان عند والده وجده مقدمأن كبير القدر، فأصلح من الأحوال ما استطاع، وكم جهد الصناع إذ اتسع الخرق، وكان من بدمشق من الجند قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنأن فلما تولى أبوجعفر الأمور سير جيشاً إلى دمشق عليهم بدر الحمامي، والحسين بن أحمد الماذرائي، فأصلحا حالها وقررا أمور الشام، واستعملا على دمشق طغج بن جف واستعملا على سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر والأمور فيها اختلال، والقواد قد استولى كل واحد منهم على طائفة من الجند وأخذهم إليه، وهكذا يكون انتقاض الدول، وإذا أراد الله أمراً فلا مرد لحكمه وهوسريع الحساب.
وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبويعقوب الاسفرايني، الفقيه الشافعي، والغياثي واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد غياث بن أسيد، بفتح الهمزة وكسر السين.
وفيها أيضاً توفي أبوعبد الله محمد بن الوضاح بن ربيع الأندلسي، وكان من العلماء المشهورين.
حوادث سنة خمس وثمانين ومائتينفيها قطع صالخ بن مدرك الطائي الطريق على الحاج بالأجفر في المحرم، فحاربه حبي الكبير، وهوأمير القافلة، فلم يقوبه وبمن معه من الأعراب، وظفر بالحج ومن معه بالقافلة، فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، وأخذوا جماعة من النساء، والجواري، والمماليك، فكانت قيمة ما أخذوه ألفي ألف دينار.
وفيها ولي عمروبن الليث ما وراء النهر، وعزل إسماعيل بن أحمد.
وفيها كان بالكوفة ريح صفراء، فبقيت إلى المغرب ثم اسودت، فتضرع الناس، ثم مطروا مطراً شديداً برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمداباذ ونواحيها أحجار بيض وسود مختلة الألوان، في أوساطها طبق، وحمل منها إلى بغداد فرآه الناس.
وفيها سار فاتك مولى المعتضد إلى الموصل لينظر في أعمالها وأعمال الجزيرة والثغور الشامية والجزرية وإصلاحهأن مضافاً إلى ما كان يتقلده من البريد بها.
وفيها كان بالبصرة ريح صفراء، ثم عادت خضراء، ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثله، ثم وقع برد كبار، وزن البردة مائة وخمسون درهماً فيما قيل.
وفيها مات الخليل بن رمال بحلوان.
وفيها ولى المعتضدمحمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها وخالف؛ وبعث إليه بخلع.
وفيها غزا راغب مولى الموفق في البحر، فغمن مراكب كثيرة، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم كانوا فيهأن وأحرق المراكب، وفتح حصوناً كثيرة، وعاد سالماً ومن معه.
وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليهأن على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد بالعساكر، ومعه ابنه أبومحمد علي المكتفي في ذي الحجة، وجعل طريقه على الموصل، فوصل آمد، وحصرها إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ومائيتن، ونصب عليها المجانيق، فأرسل محمد بن أحمد بن عيسى يطلب الأمان لنفسه، ولمن معه، ولأهل البلد، فأمنهم المعتضد، فخرج إليه وسلم البلد، فخلع عليه المعتضد وأكرمه، وهدم سورها.
ثم بلغه أن محمد بن الشيخ يريد الهرب، فقبض عليه وعلى آله.
وفيها وجه هارون بن خمارويه إلى المعتضد ليسأله أن يقاطعه على ما في يده ويد نوابه من مصر والشام، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد، ويحمل كل سنة أربع مائة ألف وخمسين ألف دينار، وفأجابه إلى ذلك، وسار من آمد، واستخلف فيها ابنه المكتفي، ووصل إلى قنسرين والعواصم، فتسلمها من أصحاب هارون، وكان ذلك سنة ست وثمانين ومائيتن.
وفيها غزا ابن الأخشيد بأهل طرسوس، فتح اله على يديه، وبلغ إسكندرون؛ وحج بالناس محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي.
وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق الحربي ببغداد، وهومن أعيان المحدثين، وإسحاق بن إبراهيم الديري صاحب عبد الرزاق بصنعاء، وهوآخر من روى عن عبد الرزاق.
الدبري بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء.
وفيها توفي أبوالعباس محمد بن يزيد الأزدي اليماني الخوي، المعروف بالمبرد، وكان قد أخذ النحوعن أبي عثمان المازني.
حوادث سنة ست وثمانين ومائيتن

وفي هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج المعروف بأبي المسافر إلى بغداد برهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة.
وفيها أرسل عمروبن الليث هدية إلى المعتضد من نيسابور، فكانت قيمتها أربعة آلاف درهم.
ذكر ابتداء أمر القرامطة بالبحرينوفيها ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وقوي أمره، فقتل ما حوله من أهل القرى، ثم سار إلى القطيف فقتل ممن بهأن واظهر أنه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي، وكان متولي البصرة، إلى المعتضد بذلك، فأمره بعمل سورة على البصرة، وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار.
وكان ابتداء القرامطة بناحية البحرين أن رجلاً يعرف بيحيى بن المهدي قصد القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلي بن حمدان، مولى الزياديين، وكان مغالياً في التشيع، فاظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب؛ فوجه علي بن المعلي إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم، وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي، فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا اظهر أمره، ووجه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه.
وكان فيمن أجابه أبوسعيد الجنابي، وكان يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم بيعهم، ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة، ثم رجع معه كتاب يزعم أنه من المهدي إلى شيعته؛ فيه: قد عرفني رسولي يحيى بن امهدي مسارعتكم إلى أمري، فليدفع إليه كل منكم ستة دنانير وثلثين؛ ففعلوا ذلك.
ثم غاب عنهم وعاد ومعه كتاب فيه: أن ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا إليه الخمس، وكان يحيى يتردد في قبائل قيس ويورد إليهم كتباً يزعم أنها من المهدي، وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة.
وحكى إنسان منهم يقال له إبراهيم الصائغ أنه كان عند أبي سعيد الجنابي، وأتاه يحيى، فأكلوا طعامأن فلما فرغوا خرج أبوسعيد من بيته، وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى وأن لا تمنعه إن أراد، فانتهى هذا الخبر إلى الوالي، فأخذ يحيى فضربه، وحلق رأسه ولحيته، وهرب أبوسعيد الجنابي إلى جنابأن وسار يحيى بن المهدي إلى بني كلاب وعقيل والخريس، فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد، فعظم أمر أبي سعيد وكان منه ما يأتي ذكره.
ذكر عدة حوادثوفيها سار المعتضد من آمد بعد أن ملكهأن كما ذكرناه، إلى الرقة، فولى ابنه علياً المكتفي قنسرين، والعواصم، والجزيرة، وكاتبه النصراين واسمه الحسين بن عمرو، فكان ينظر في الأموال، فقال الخليع في ذلك:
حسين ن عمروعدوالقرآن ... يصنع في العرب ما يصنع
يقوم لهيبته المسلمون ... صفوفاً لفرد إذا يطلع
فإن قيل قد أقبل الجاثليق ... تحفى له ومشى يظلع
وفيها توفي ابن الإخشيد أمير طرسوس واستخلف أبا ثابت على طرسوس.
وفيها سار إلى الأنبار جماعة أعراب من بني شيبان، وأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، وأخذوا المواشي، فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشجور متوليهأن فلم يطقهم، فكتب إلى المعتضد بذلك، فأمده بجيش، فأدركوا الأعراب وقاتلوهم، فهزمهم الأعراب وقتلوا فيهم، وغرق أكثرهم وتفرقوأن وعاث الأعراب في تلك الناحية. وبلغ خبر الهزيمة إلى المعتضد، فسير جيشاً آخر، فرحل الأعراب إلى عين التمر فأفسدوا وعاثوأن وذلك في شعبان وشهر رمضان، فوجه إليهم عسكراً آخر إلى عين التمر، فسلكوا البرية إلى نواحي الشام، فعاد العسكر إلى بغداد ولم يلقهم.
وفيها استدعى المعتضد راغباً مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وهوبالرقة، فحبسه وأخذ جميع ما كان له، فمات بعد أيام من حبسه، وكان ذلك في شعبان، وقبض على بكنون غلام راغب، وأخذ ما له بطرسوس. وفيها قلد المعتضد ديوان المشرق محمد بن داود بن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود ابن الجراح.
وفيها توفي أبوجعفر بن إبراهيم الأمناطي، المعروف بمربع، صاحب يحيى بن معين، وكان حافظاً لحديث؛ ومحمد بن يونس الكريمي البصري.
حوادث سنة سبع وثمانين ومائتين
ذكر قتل أبي ثابت أمير طرسوس
وولاية ابن الأعرابي

في هذه السنة اجتمعت الروم، وحشدت في ربيع الآخر، ووافت باب قلمية من طرسوس، فنفر أبوثابت أمير طرسوس بعد كوت ابن الإخشيد، وكان استخلفه عند موته، فبلغ أبوثابت في نفيره إلى نهر الرجان في طلبهم، فاسر أبوثابت، وأصيب الناس معه.
وكان ابن كلوب غازياً في ردب السلامة، فلما عاد جمع مشايخ الثغر ليتراضوا بأمير، فأجمعوا رأيهم على ابن الأعرابي، فولوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر ظفر المعتضد بوصيف ومن معهفي هذه السنة هرب وصيف خادم محمد بن أبي الساج من برذعة إلى ملطية من أعمال مولاه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور، فأخذ رسله وقررهم عن سبب مفارقة وصيف مولاه، فذكروا له أنه فارقه على مواطأة منهما أنه متى ولي وصيف الثغور سار إليه مولاه، وقصدا ديار مصر وتغلبا عليها.
فسار المعتضد نحوه، فنزل العين السوداء وأراد الرحيل في طريق المصيصة، فأتته العيون فأخبروه أن وصيفاً يريد عين زربة، فسأل أهل المعرفة بذلك الطريق، وسألهم عن أقرب الطرق إلى لقاء وصيف، فأخذوه وساروا به نحوه، وقدم جمعاً من عسكره بين يديه، فلقوا وصيفاً فقاتلوه، وأخذوه أسيرأن فأحضروه عند المعتضد فحبسه، وأمر فنودي في أصحاب وصيف بالأمان، وأمر العسكر برد ما نهبوه منهم، ففعلوا ذلك.
وكانت الوقعة لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة؛ فلما فرغ منه رحل إلى المصيصة، واحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفأن وأمر بإحراق مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيهأن وجميع آلاتهأن وكان من جملتها نحومن خمسين مركباً قديمة قد أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، ولا يمكن عمل مثلهأن فأضر ذلك المسلمين، وفت في أعضادهم، وأمر الروم أن يغزوا في البحر، وكان إحراقها بإشارة دميانة غلام بازمار لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة، وسار المعتضد إلى أنطاكية وحلب وغيرهمأن وعاد إلى بغداد.
وفيها توفيت ابنة خمارويه زوج المعتضد.
ذكر أمر القرامطة وانهزام العباس الغنوي منهمفي هذه السنة، في ربيع الآخر، عظم أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد، فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل، وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى البصرة، وعزل العباس بن عمرواللغوي عن بلاد فارس، وأقطعه اليمامة والبحرين، وأمره بمحاربة القرامطة وضم إليه زهاء ألفي رجل، فسار إلى البصرة، واجتمع إليه جمع كثير من المتطوعة والجند والخدم.
ثم سار إلى أبي سعيد الجنابي، فلقوه مساء، وتناوشوا القتال، وحجز بينهم الليل، فلما كان الليل انصرف عن العباس من كان معه من أعراب بني ضبة وكانوا ثلاثمائة إلى البصرة، وتبعهم مطوعة البصرة، فلما أصبح العباس باكر الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديدأن ثم حمل نجاح غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل على ميمنة أبي سعيد، فتوغلوا فيهم، فقتلوا عن آخرهم، وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب العباس، فانهزموا وأسر العباس، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره، فلما كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعاً وحرقهم، وكانت الوقعة آخر شعبان.
ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة، فدخلها وأمن أهلهأن وانصرف من سلم من المنهزمين، وهم قليل، نحوالبصرة بغير زاد، فخرج إليهم من البصرة نحوأربعمائة رجل على الرواحل، ومعهم الطعام والكسوة والماء، فلقوا بها المنهزمين، فخرج عليهم بنوأسد وأخذوا الرواحل وما عليهأن وقتلوا من سلم من المعركة، فاضطربت البصرة لذلك، وعزم أهلها على الانتقال منهأن فمنعهم الواثقي.
وبقي العباس عند الجنابي أياماً ثم أطلقه، وقال له: امض إلى صاحبك وعرفه ما رأيت؛ وحمله على رواحل، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافى الأبلة، ثم سار منها إلى بغداد فوصلها في رمضان، فدخل على المعتضد فخلع عليه.
بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: عجائب الدنيا ثلاث: جيش العباس بن عمرو يؤسر وحده، وينجووحده، ويقتل جميع جيشه؛ وجيش عمروبن الصفار يؤسر وحده، ويسلم جميع جيشه؛ وأنا أنزل في بيتي، وتولى ابني أبوالعباس الجسرين ببغداد.

ولما أطلق أبوسعيد العباس أعطاه درجاً ملصقاً وقال له: أوصله إلى المعتضد فإن لي فيه أسراراً. فلما دخل العباس على المعتضد عاتبه المعتضد، فأوصل إليه العباس الكتاب، فقال: والله ليس فيه شيء، وإمنا أراد أن يعلمني أني أنفذتك إليه في العدد الكثير، فردك فردتً؛ وفتح الكتاب وإذ ليس فيه شيء.
وفيهأن في ذي القعدة، أوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة، على غرة منهم، فنواحي ميسن وغيرهمأن وقتل منهم مقتلة، ثم تركهم خوفاً أن تخرب السواد، وكانوا فلاحية، وطلب رؤساءهم فقتل من ظفر به منهم.
ذكر أسر عمرو الصفار
وملك إسماعيل خراسان
في هذه السنة، في ربيع الأول، أسر عمروبن الليث الصفار؛ وكان سبب ذلك أن عمراً أرسل إلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة، وطلب منه أن يوليه ما وراء النهر، فوجه إليه الخلع والواء بذلك، وهوبنيسابور، فوجه لمحاربة إسماعيل بن أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، محمد بن بشير، وكان خليفته وحاجبه، وأخص أصحابه بخدمته، وأكبرهم عنده، وغيره من قواده إلى آمل، فعبر إليهم إسماعيل جيجون، فحاربهم، فهزمهم، وقتل محمد بن بشير في نحوستة آلاف رجل.
وبلغ المنهزمون إلى عمرو، وهو بنيسابور، وعاد إسماعيل إلى بخارى فتجهز عمرولقصد إسماعيل، فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش، ولا يخاطر بنفسه، فلم يقبل منهم، وسار عن نيسابور نحوبلخ، فأرسل إليه إسماعيل: أنك قد وليت دنيا عريضة، وأما في يدي ما وراء النهر، وأنا في يغر، فاقنع بما في يدك، واركني في هذا الثغر. فأبى، فذكر لعمرووأصحابه شدة العبور بنهر بلخ، فقال: لوشئت أن أسكره ببذر الأموال واعبره لفعلت.
فسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمروفنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي لكثرة جمعه، وصار عمروكالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه، فاقتتلوأن فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم عمروفولى هاربأن ومر بأجمة في طريقه، فقيل له: إنها أقرب الطرق، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح؛ وسار هوفي نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت به دابته فلم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يعرجوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرأن فسيره إسماعيل إلى سمرقند.
ولما وصل الخبر إلى المعتضد ذم عمراً ومدح إسماعيل، ثم إن إسماعيل خبير عمراً بين مقامه عنده، أوإنفاذه إلى المعتضد، فاختار المقام عند المعتضد، فسيره إليه، فوصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين، فلما وصل ركب على جمل وأدخل بغداد، ثم حبس، فبقي محبوساً حتى قتل سنة تسع وثمانين على ما نذكره.
وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بالخلع، وولاه ما كان بيد عمرو، وخلع على نائبه بالحضرة المعروف بالمرزباني، واستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده.
وكان عمروأعور شديد السمرة، عظيم السياسة، قد منع أصحابه وقواده أن يضرب أحد منهم غلاماً إلا بأمره، أويتولى عقوبة الغلام نائبه، أوأحد حجابه، وكان يشتري المماليك الصغار، ويربيهم، ويهبهم لقواده ويجري عليهم الجرايات الحسنة سرأن ليطالعوا بأحوال قواده، ولا ينكتم عنه من أخبارهم شيء، ولم يكونوا يعلمون من ينقل إليه عنهم، فكان أحدهم يحذره وهووحده.
حكي عنه أنه كان له عامل بفارس يقال له أبوحصين، فسخط عليه بمرو، وألزمه أن يبيع أملاكه ويوصل ثمنها إليه، ففعل ذلك، ثم طلب منه مائة ألف درهم، فإن أداها في ثلاثة أيام وإلا قتله، فلم يقدر على شيء منهأن فأرسل إلى أبي سعيد الكاتب يطلب منه أن يجتمع به، فأذن له، فاجتمع به، وعرفه ضيق يده وسأله أن يضمنه ليخرج من محبسه ويسعى في تحصيل المبلغ المطلوب منه، ففعل وأخرجه، فلم يفتح عليه بشيء، فعاد إلى أبي سعيد الكاتب، فبلغ خبره عمرأن فقال: والله ما أدري من أيهما أعجب، من أبي سعيد فيما فعل من بذل مائة ألف درهم، أم من أي حصين كيف عاد وقد علم أنه القتل! ثم أمر بإطلاق ما عليه ورده إلى منزله.

وحكي عنه أنه كان يحمل أحمالاً كثيرة من الجرب، ولا يعلم أحد ما مراده، فاتفق في بعض السنين أنه قصد طائفة من العصاة عليه للإيقاع بهم، فسلك طريقاً لا تظن العصاة أنهم يؤتون منه، وكان في طريقه واد، فأمر بتلك الجرب فملئت تراباً وحجارأن ونضد بعضها إلى بعض، وجعلها طريقاً في الوادي، فعبر أصحابه عليهأن وأتاهم وهم آمنون فأثخن فيهم وبلغ منهم ما أراد.
وحكي أيضاً أن أكفر حجابه كان اسمه محمد بن بشير، وكان يخلفه في كثير من أموره العظام، فدخل عليه يومأن وأخذ يعدد عليه ذنوبه، فحلف محمد بالله والطلاق والعتق أنه لا يملك إلا خمسين بدرة، وهويحملها إلى الخزانة، ولا يجعل له ذنباً لم يعلمه، فقال عمرو: ما أعقلك من رج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأربعاء فبراير 19, 2014 8:52 am

ذكر أخبار القرامطة بالشام
في هذه السنة ظهر بالشام رجل من القرامطة، وجمع جموعاً من الأعراب، وأتى دمشق، وأميرها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، وكانت بينهما وقعات.
وكان ابتداء حال هذا القرمطي أن زكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه داعية قرمط هذأن لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد الكوفة من القرامطة، فإن القتل قد أبادهم، سعي باستغواء من قرب من الكوفة عن الأعراب: أسد وطي وغيرهم، فلم يجبه منهم أحد، فأرسل أولاده إلى كلب بن وبرة فاستعوزهم، فلم يجبهم منهم إلا الفخذ المعروف ببني العليص بن ضمضم بن عدي بن خباب ومواليهم خاصة، فبايعوا في سنة تسع وثمانين ومائتين، بناحية السماوة، ابن زكرويه، المسمى بيحيى، المكنى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله، وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا تبعوها في مسيرها نصروأن وأظهر عضداً له ناقصة وذكر أنه ابنه، وأتاه جماعة من بني الأصبع، وسموا الفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم شبل غلام المعتضد من ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه، وأحرقوا مسجد الرصافة، واعترضوا كل قرية اجتازوا بهأن حتى بلغوا هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جف، فأكثروا القتل بها والغارة، فقاتلهم طغج، فهزموه غير مرة.
ذكر أخبار القرامطة بالعراقوفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة، فوجه المعتضد شبلاً غلام أحمد بن محمد الطائي، وظفر بهم، وأخذ رئيساً لهم يعرف بأبي الفوارس، فسيره إلى المعتضد، فأحضره بين يديه وقال له: أخبرني! هل تزعمون أن روح الله تعالى وروح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا إن حلت روح الله فينا فيما يضرك؟ وإن حلت روح إبليس فما ينفعك؟ فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك.
فقال: ما تقول فيما يخصني؟ قال أقول: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ت وأبوكم العباس حي، فهل طالب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبوبكر فاستخلف عمر، وهويرى موضع العباس، ولم يوص إليه، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق الصحابة على دفع جدل عنها.
فأمر به المعتضد فعذب، وخلعت عظامه، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم قتل.
ذكر وفاة المعتضدفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي المعتضد بالله أبوالعباس أحمد بن الموفق بن المتوكل ليلة الاثنين لثمان بقين منه، وكان مولده في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
ولما اشتد مرضه اجتمع القواد منهم يونس الخادم، وموشكير وغيرهمأن وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله ليجدد البيعة للمكتفي، وقالوا: إنا لا نأمن فتنة، فقال: إن هذا المال لأمير المؤمنين ولولده من بعده، وأخاف أن أطلق فيبرأ من علته فينكر علي ذلك.
فقال: إن برئ من مرضه فنحن المحتجون، والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنأن ونحن نطلب الأمر له.

فأطلق المال وجدد عليه البيعة، وأحضر عبد الواحد بن الموفق وأخذ عليه البيعة فوكل به وأحضر ابن المعتز، ومضى ابن المؤيد وعبد العزيز بن المعتمد ووكل بهم.
فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب وأبا حازم وأبا عمر محمد بن يوسف بن يعقوب، فتولى غسله محمد بن يوسف، وصلى عليه الوزير، ودفن ليلاً في دار محمد بن طاهر، وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء. وجدد البيعة للمكتفي.
وكانت أم المعتضد، واسمها ضرار، قد توفيت قبل خلافته، وكانت خلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً؛ وخلف من الولد الذكور: علياً وهوالمكتفي، وجعفراً وهوالمقتدر، وهارون، ومن البنات إحدى عشرة بنتأن وقيل سبع عشرة، ولما حضرته الوفاة أنشد:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمن الدهر إن قد أمتنه فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقاً
قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدواً ولم أمهل على طغيه خلقا
وأخلبت دار الملك من كل نازع ... فشردتهم غرباً ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت راقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلاً ألقي
ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي الملك والأحياء في حسنها رفقا
فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى؟ ... إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى
ذكر صفته وسيرتهكان المعتضد اسمر، نحيف الجسم، معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، وكان شهمأن شجاعأن مقدامأن وكان ذا عزم، وكان فيه شح بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج وعليه قباء اصفر، فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد، فدخل أنطاكية وعليه القباء، فقال بعض أهلها: الخليفة بغير سواد؛ فقال بعض أصحابه: إنه سار فيه، ولم ينزعه إلى الآن. وكان عفيفاً.
حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود فجلست، فلما تفرق الناس قال: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي على غير حلال قط.
وكان مهيباً عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفاً منه.
ذكر خلافة المكتفي باللهولما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي بن المعتضد، وهوالمكتفي بالله، يعرفه بذلك بأخذ البيعة له، وكان بالرقة، فلما وصله الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، ووضع لهم العطاء وسار إلى بغداد، ووجه إلى النواحي من ديار ربيعة ومضر ونواحي العرب من يحفظهأن ودخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأولى، فلما سار إلى منزله أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم.
ذكر قتل عمرو بن الليث الصفاروفي هذا اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداد قتل عمروبن الليث بن الصفار، ودفن من الغد. وكان المعتضد، بعدما امتنع من الكلام، أمر صافياً الخرمي بقتل عمروابن الليث بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه بأن اذبح الأعور، وكان عمروأعور، فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بقرب وفاة المعتضد، وكره قتل عمرو، فلما وصل المكتفي بغداد سأل الوزير عنه، فقال، هوحي، فسر بذلك، وأراد الإحسان إليه لأنه كان يكثر من الهدية إليه لما كان بالري، فكره الوزير ذلك، فبعث إليه من قتله.
ذكر استيلاء محمد بن هارون على الريوفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد ابن زيد العلوي، وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد، وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة إسماعيل، فسأله أهل الري المسير إليهم ليسلموها إليه.
وكان سبب ذلك أن الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم، فسار محمد بن هارون إليهم فحاربه واليها وهوالدتمش التركي، فقتله محمد وقتل ابنين وأخا كيغلغ، وهومن قواد الخليفة، ودخل محمد بن هارون الري، واستولى عليها في رجب.
ذكر قتل بدر

وفيها قتل بدر غلام المعتضد؛ وكان سبب ذلك أن القاسم الوزير كان قد هم بنقل الخلافة عن ولده المعتضد بعده، فقال لبدر في ذلك في حياة المعتضد بعد أن استخلفه واستكتمه، فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي؛ فلم يمكنه مخالفة بدر، إذ كان صاحب الجيش، وحقدها على بدر، فلما مات المعتضد كان بدر بفارس، فعقد القاسم البيعة لمكتفي، وهوبالرقة.
وكان المكتفي أيضاً مباعداً لبدر في حياة أبيه، وعمل القاسم في هلاك بدر خوفاً على نفسه أن يذكر ما كان منه للمكتفي، فوجه المكتفي محمد بن كشتمر برسائل إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر، ففارقه جماعة منهم العباس بن عمروالغنوي، ومحمد بن إسحاق بن كنداج، وخاقان المفلحي وغيرهم، فاحسن إليهم المكتفي، وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره، وقبض على أصحابه وقواده وحبسهم، وأمر بمحواسم بدر من التراس والأعلام، وسير الحسين بن علي كورة في جيش إلى واسط.
وأرسل إلى بدر يعرض عليه أي النواحي شاء، فأبى ذلك، وقال: لا بد لي من المسير إلى باب مولاي؛ فوجد القاسم مساغاً للقول، وخوف المكتفي عائلته، وبلغ بدراً ما فعل بأهله وأصحابه، وأرسل من يأتيه بولده هلال سرأن فعلم الوزير بذلك، فاحتاط عليه، ودعا أبا حازم، قاضي الشرقية، وأمره بالمسير إلى بدر، وتطيب نفسه عن المكتفي، وإعطائه الأمان عنه لنفسه وولده وماله، فقال أبوحازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين؛ فصرفه ودعا أبا عمر القاضي، وأمره بمثل ذلك فأجابه، وسار ومعه كتاب الأمان، فسار بدر عن واسط نحوبغداد، فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما أيقن بالقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، فصلاهمأن ثم ضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ رأسه وتركت جثته هنالك، فوجه عياله من أخذها سراً وجعلوها في تابوت، فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة، فدفنوها بهأن وكان أوصى بذلك وأعتق قبل أن يقتل كل مملوك كان له.
ورجع أبوعمر إلى داره كئيباً حزيناً لما كان منه، وقال الناس فيه أشعارأن وتكلموا فيه، ففما قيل فيه:
قل لقاضي مدينة المنصور ... بم أحللت أخذ رأس الأمير
عند إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور
أين أيمانك التي شهد الل ... ه على أنها يمين فجو
إن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى ، ترى عليل السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الام ... ة يا شاهداً شهادة زور
ليس هذا فعل القضاة ولا يح ... سن أمثاله ولاة الجسور
أي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء منه في خير هذي الشهور
قد مضى من قتلت في رمضا ... ن صائماً بعد سجدة التعفير
يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور
بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياة هذا الوزير
فأعدوا الجواب للحكم العد ... ل ومن بعد منكر ونكير
أنتم كلكم فدىً لأبي حا ... زم المستقيم كل الأمور
ذكر ولاية أبي العباس إفريقيةقد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد، أمير إفريقية، عهد إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين، وتوفي فيهأن فلما توفي والده قام بالملك بعده، وكان أديبأن لبيبأن شجاعأن أحد الفرسان المذكورين، مع علمه بالحرب وتصرفها.
وكان عاقلأن عالمأن له نظر حسن في الجدل، وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي فأرسل أخاه الأحول، ولم يكن أحول، وإمنا لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائماً ربما كسر جفنه، فلقب بالأحول، إلى قتال أبي عبد الله الشيعي، فلما بلغه حركته إليهم في جموع كثيرة والتقوا عند كموشة، فقتل بينهم خلق عظيم، وانهزم الأحوال، إلا أنه أقام في مقابلة أبي عبد الله.

وكان أبوالعباس أيام أبيه على خوف شديد منه بسوء أخلاقه، واستعمله أبوه على صقلية، ففتح فيها مواضع متعددة، وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده، ولما ولي أبوالعباس إفريقية كتب إلى العمال كتاباً يقرأ على العامة يعدهم فيه الإحسان، والعدل، والرفق، والجهاد، ففعل ما وعد من نفسه، وأحضر من العلماء ليعينوه على أمر الرعية.
وله شعر، فمن ذلك قوله بصقلية، وقد شرب دواء:
شربت الدواء على غربة ... بعيداً من الأهل والمنزل
وكنت إذا ما شربت الدوا ... أطيب بالمسك والمندل
وقد صار شربي بحار الدما ... ونقع العجاجة والقسطل
واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على اللهو، وإدمانه شرب الخمر، فعزله وولى محمد بن السرقوسي، وحبس ولده، فلما كان ليلة الأرعاء آخر شعبان من سنة تسعين ومائتين قتل أبوالعباس، قتله ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده، وحملوا رأسه إلى ولده أبي مضر، وهوفي الحبس، فقتل الخدم وصلبهم، وكان هوالذي وضعهم، فكانت إمارته سنة اثنين وخمسين يوماً، وكان سكناه وقتله، رحمه الله، بمدينة تونس.
وكان كثير العدل، أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل، ويعرفوه من أحوال الناس ما يفعل فيه على سبيل الإنصاف، وأمر الحاكم في بلده أن يقضي عليه، وعلى جميع أهله، وخواص أصحابه، ففعل ذلك، ولما قتل ولي ابنه أبومضر، وكان من أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ومائتين.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، منتصف رمضان، قتل عبد الواحد بن الموفق، وكانت والدته إذا سألت عنه قيل لها إنه في دار المكتفي، فلما مات المكتفي أيست منه، فأقامت عليه مأتماً.
وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين ابن جستان الديلمي بطبرستان، فانهزم ابن جستان.
وفيها لحق إسحاق الفرغاني، وهومن أصحاب بدر، بالبادية، واظهر الخلاف على الخليفة المكتفي، فحاربه أبوالأغر، فهزمه إسحاق، وقتل من أصحابه جماعة.
وفيها سير خاقان المفلحي إلى الري في جيش كثيف ليتولاها.
وفيها صلى الناس العصر بحمص وبغداد في الصيف، ثم هب هواء من ناحية الشمال، فبرد الوقت، واشتد البرد حتى احتاج الناس إلى النار ولبس الجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء.
وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد وبين محمد بن هارون بالري، فانهزم محمد، ولحق بالديلم مستجيراً بهم، ودخل إسماعيل الري.
وفيها زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعاً.
وفيها خلع المكتفي على هلال بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى.
وفيها هبت ريح عاصف بالبصرة، فقلعت كثيراً من نخلهأن وخسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس، وزلزلت بغداد، في رجب، عدة مرات، فتضرع أهلها في الجامع فكشف عنهم.
وفيها مات أبوحمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي، وهومن أقران سري السقطي.
حوادث سنة تسعين ومائتين
ذكر أخبار القرامطة
في هذه السنة، في ربيع الآخر، سير طغج بن جف جيشاً من دمشق إلى القرمطي، عليهم غلام له اسمه بشير، فهزمهم القرمطي وقتل بشيراً.
وفيها حصر القرمطي دمشق، وضيق على أهلهأن وقتل أصحاب طغج، ولم يبق منه إلا القليل، واشرف أهلها على الهلكة، فاجتمع جماعة من أهل بغداد، وانهوا ذلك إلى الخليفة فوعدهم النجدة، وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد، فقاتلوا الشيخ مقدم القرامطة، فقتل على باب دمشق، رماه بعض المغاربة بمزراق، وزرقه نفاط بالنار فاحترق، وقتل منهم خلق كثير.
وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه انهزموا؛ ولما قتل يحيى المعروف بالشيخ، وقتل أصحابه، اجتمع من بقي منهم على أخيه الحسين، وسمى نفسه أحمد، وكناه أبا العباس، ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم، فاشتدت شوكته، وأظهر شامة في وجه، وزعم أنها آيته، فسار إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه وانصرف عنهم.
ثم سار إلى أطراف حمص، فغلب عليهأن وخطب له على منابرها، وتسمي المهدي أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن المهدي، المسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، فلقبه المدثر، وعهد إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ولقب غلاماً من أهله المطوق، وقلده قتل أسرى المسلمين.

ولما أطاعه أهل حمص، وفتحوا له بابها خوفاً منه، سار إلى حماه، ومعرة النعمان، وغيرهمأن فقتل أهلهأن وقتل النساء والصبيان، ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلهأن ولم يبق منهم إلا اليسير، ثم سار إلى سلمية فمنعه أهلهأن ثم صالحهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابهأن فبدأ بمن فيها من بني هاشم، وكانوا جماعة، فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم، والصبيان بالمكاتب ثم خرج منها وليس بها عين تطرف.
وسار فيها حولها من القرى يسبي، ويقتل، ويخيف السبيل، فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد، وقالت: أريد أن تعالج جرحاً في كتفي؛ فقلت: ها هنا امرأة تعالج النساء، فانتظرتهأن فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها قالت: كان لي ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره، فخرجت من الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، فشكوت إليه حالي وحال أخواته، فقال: دعيني من هذأن أخبريني ما دينك؟ فقلت: أما تعرف ما ديني؟ فقال: ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه اليوم؛ فعجبت من ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ولحم، فلم أمسه حتى عاد فأصلحه.
وأتاه رجل من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئأن فقلت: نعم، فأدخلني دارأن فإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديهأن وجعلت أكلمها ولا تكلمني، حتى ولدت غلامأن فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني، فسألتها عن حالهأن فقالت: أنا امرأة هاشمية، أخذنا هؤلاء أقوام، فذبحوا أبي وأهلي جميعأن وأخذني صاحبهم، فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من قواده، فوهبني لهم، وكنت معهم، فوالله ما ادري ممن هذا الولد منهم.
قالت: فجاء رجل فقالت لي: هنيه، فهنيته، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهني كل واحد منهم، ويعطيني سبيكة فضة، ثم جاء الرابع ومعه جماعة، فهنيته، فأعطاني ألف درهم، وبتنأن فلما أصبحنا قلت للمرأة: قد وجب حقي عليك فالله الله خلصني! قالت: ممن أخلصك؟ فأخبرتها خبر ابني، فقالت: عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم، فأقمت يومي، فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له، وقبلت يده ورجله، ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي؛ فدعا قوماً من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكن ذكره، وقال: اتركوها فيه وارجعوا؛ فساروا بين عشرة فراسخ، فلحقنا ابني، فضربني بالسيف فجرحني، ومنعه القوم، وساروا بي إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم، وتركوني وجئت إلى هاهنا.
قالت: ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأساري رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس، وهويبكي، فقلت: لا خفف الله عنك ولا خلصك! ثم إن كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من القتل، والسبي، وتخريب البلاد، فأمر الجند بالتأهب، وخرج من بغداد ف برمضان، وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل، فنزل قريباً من حلب، فكبسهم القرمطي، صاحب الشامة، فقتل منهم خلقاً كثيرأن وسلم أبوالأغر، فدخل حلب في ألف رجل، وكانت هذه الوقعة في رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب، فحاربه أبوالأغر بمن بقي معه، وأهل البلد، فرجع عنهم.
وسار المكتفي حتى نزل الرقة، وسير الجيوش إليه، وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب.
وفيهأن في شوال تحارب القرمطي صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطي وقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى من سلم منهم نحوالبادرية، فوجه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان وغيره من القواد.
وفيها كبس ابن بانوا أمير البحرين حصناً للقرامطة، فظفر بمن فيه، وواقع قرابة أبي سعيد الجنابي، فهزمه ابن بانوأن وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف، وهوولي عهد أبي سعيد، ثم إنه وجد بعدما انهزم أصحابه قتيلاً فاخذ رأسه وسار ابن بانوا إلى القطيف فافتتحها.
ذكر أسر محمد بن هارون

وفيها اخذ محمد بن هارون أسيراً؛ وكان سبب ذلك أن المكتفي أنفذ عهداً إلى إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الري، فسار إليهأن وبها محمد بن هارون، فسار عنها إلى محمد إلى قزوين وزنجاز، ثم عاد إلى طبرستان، فاستعمل إسماعيل ابن احمد على جرجان بارس الكبير، وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسرأن أوصلحأن وكاتبه بارس وضمن له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل، فقبل محمد قوله، وانصرف عن جستان الديلمي، وقصد بخارى، فلما بلغ مروقيد بهأن وذلك في شعبان سنة تسعين ومائتين، ثم حمل إلى بخارى فأدخلها على جمل وحبس بها فمات بعد شهرين محبوساً.
وكان ابتداء أمره أنه كان خياطأن ثم جمع جمعاً من الرعاع وأهل الفساد، فقطع الطريق بمفازة سرخس مدة، ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة، وبقي معه إلى أن انهزم عمروالصفار، فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، بعد قتل رافع، فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن زيد، على ما تقدم ذكره، وقد ذكره الخوافي في شعره فقال:
كان ابن هارون خياطاً له إبر ... وراية سامها عشراً بقيراط
فانسل في الأرض يبغي الملك في عصب ... زط ونوب وأكراد وأنباط
أنى ينال الثريا كف ملتزق ... بالترب عن ذروة العلياء هباط
صبراً أميرك إسماعيل منتقم ... منه ومن كل غدار وخياط
رأيت عيراً سما جهلاً على أسد ... يا عين ويحك ما أشقاك من شاطي
ذكر عدة حوادثوفيهأن في ربيع الآخر، خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه.
وفيها قوطع طاهر بن محمد بن عمروبن الليث على مال يحمله عن بلاد فارس، وعقد له المكتفي عليها.
وفيهأن في جمادى الأولى، هرب القائد أبوسعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى الخليفة، وأخذ نحوطريق الموصل، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون بتكريت، وهويتولى تلك النواحي، فعارضه عبد الله، واجتمع به، فخدعه أبوسعيد وقتله، وسار نحوشهرزور، واجتمع هووابن الربيع الكردي على عصيان الخليفة.
وفيها أراد المكتفي البناء بسامرأن وخرج إليها ومعه الصناع، فقدروا له ما يحتاج، وكان مالاً جليلأن وطولوا له مدة الفراغ، فعظم الوزير ذلك عليه، وصرفه إلى بغداد.
وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الواحد ين عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
وفيها توفي محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني، وكان قد تفقه على المزني صاحب الشافعي؛ وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حوادث سنة إحدى وتسعين ومائيتن
ذكر أخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة
قد ذكرنا مسير المكتفي إلى الرقة، وإرساله الجيوش إلى صاحب الشامة، وتولية حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب، فلما كانت هذه السنة أمر محمد بن سليمان بمناهضة صاحب الشامة، فسار إليه في عساكر الخليفة، حتى لقوه وأصحابه بمكان بينهم وبين حماة اثنا عشر ميلاً لست خلون من المحرم، فقدم القرمطي أصحابه إليهم، وبقي في جماعة من أصحابه، معه مال كان جمعه، وسواد عسكره والتحمت الحرب بين أصحاب الخليفة والقرامطة، واشتدت، وانهزمت القرامطة وقتلوا كل قتلة وأسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادي، وتبعهم أصحاب الخليفة.

فلما رأى صاحب الشامة ما نزل بأصحابه حمل أخاً له يكنى أبا الفضل مالأن وأمره أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر بمكان فيسير إليه، وركب هووابن عمه المسمى بالمدثر، والمطوق صاحبه، وغلام له رومي، واخذ دليلاً وسار يريد الكوفة عرضاً في البرية، فانتهى إلى الدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض أصحابه إلى الدالية المعروفة بابن طوق ليشتري لهم ما يحتاجون إليه، فأنكروا رأيه، فسألوه عن حاله فكتمه، فرفعوه إلى متولي تلك الناحية خليفة أحمد بن محمد بن كشمرد، فسأله عن خبره، فأعلمه أن صاحب الشامة خلف رابية هناك مع ثلاثة نفر، فمضى إليهم وأخذهم، وأحضرهم عند ابن كشمرد، فوجه بهم إلى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروأن وكان أكثر الأنس أثراً في الحرب الحسين بن حمدان، وكتب محمد بن سليمان يثني عليه وعلى بني شيبان، فإنهم اصطلحوا الحرب، وهزموا القرامطة، واكثروا القتل فيهم والأسر، حتى لم ينج منهم إلا قليل.
وفي يوم الاثنين لأربع بقين من المحرم أدخل صاحب الشامة الرقة ظاهراً على فالج وهوالجمل ذوالسنامين وبين يديه المدثر والمطوق؛ وسار المكتفي إلى بغداد ومعه صاحب الشامة وأصحابه، وخلف العساكر مع محمد بن سليمان، وأدخل القرمطي بغداد على فيل، وأصحابه على الجمل، ثم أمر المكتفي بحبسهم إلى أن يقدم محمد بن سليمان، فقدم بغداد، وقد استقصى في طلب القرامطة، فظفر بجماعة من أعيانهم ورؤوسهم، فأمر المكتفي بقطع أيديهم وأرجلهم، وضرب أعناقهم بعد ذلك، واخرجوا من الحبس، وفعل بهم ذلك، وضرب صاحب الشامة مائتي سوط، وقطعت يداه، وكوي، فغشي عليه، وأخذوا خشباً وجعلوا فيه نارأن ووضعوه على خواصره، فجعل يفتح عينه ويغمضهأن فلما خافوا موته ضربوا عنقه، ورفعوا رأسه على خشبة، فكبر الناس لذلك، ونصب على الجسر.
وفيها قدم رجل من بني العليص من وجوه القرامط، يسمى إسماعيل ابن النعمان، وكان نجا في جماعة لم ينج من رؤسائهم غيره، فكاتبه المكتفي وبذل له الأمان، فحضر في الأمان هوونيف ومائة وستون نفسأن فأمنوا واحسن إليهم ووصلوا بمال، وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيمأن وهي من عمله، فأقاموا معه مدة، ثم أرادوا الغدر بالقاسم، وعزموا على أن يثبوا بالرحبة يوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة، وكان قد صار معهم جماعة كبيرة، فعلم بذلك، فقتلهم، فارتدع من كان بقي من موالي بني العيص، وذلوأن وألزموا السماوة، حتى جاءهم كتاب من الخبيث زكرويه يعلمهم أنه مما أوحي إليه أن صاحب الشامة وأخاه المعروف بالشيخ يقتلان، وأن إمامه الذي هوحي يظهر بعدهما ويظفر.
ذكر عدة حوادثوفيها جاءت أخبار أن حوى وما يليها جاءها سيل فغرق نحومن ثلاثين فرسخأن وغرق خلق كثير، وغرقت المواشي والغلات وخربت القرى، واخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم.
وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان، كاتب الجيش، وعلى جماعة من القواد، وأمرهم بالمسير إلى الشام ومصر لأخذ الأعمال من هارون بن خمارويه، لما ظهر من عجزه، وذهاب رجاله بقتل القرمطي، فسار عن بغداد في رجب وهوفي عشرة آلاف رجل، وجد في السير.
وفيها خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر، وكان في عسكرهم سبع مائة قبة تركية، ولا يكون إلا للرؤساء منهم، فوجه إليهم إسماعيل بن احمد جيشاً كثيرأن وتبعهم من المتطوعة خلق كثير، فساروا نحوالترك، فوصلوا إليهم وهم غارون، فكبسهم المسلمون مع الصبح، فقتلوا منهم خلقاً عظيماً لا يحصون، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وعاد المسلمون سالمين غامنين.
وفيها خرج من الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور، فقصد جماعة منهم إلى الحدث فأغاروا وسبوا واحرقوا.
وفيها سار المعروف بغلام زرافة من طرسوس نحوبالد الروم، ففتح مدينة أنطاكية، وهي تعادل القسطنطينية، فتحها بالسيف عنوة، فقتل خمسة آلاف رجل، وأسر مثلهم، واستنقذ من الأسارى خمسة آلاف، وأخذ لهم ستين مركباً فحمل فيها ما غمن لهم من الأموال والمتاع والرقيق، وقدر نصيب كل رجل ألف دينار، وهذه المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمون بذلك.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس.

وفيها توفي القاسم بن عبيد الله، وزير الخليفة، في ذي القعدة، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً، ولما مات قال ابن سيار:
أمات ليحيأن فما إن حيي، ... وأفنى ليبقى، فما إن بقي
ومازال في كل يوم يرى ... أمارة حتف وشيك وحي
وما زال يسلح من دبره ... إلى أن خزي النفس فيما خري
وفيها مات أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد ين عبد الرحمن الماستواي الفقيه بنيسابور، ومحمد بن الجزوعي، قاضي الموصل ببغداد.
وفيها توفي أبوالعباس أحمد بن يحيى الشيباني النحوي، وكان عالماً بنحوالكوفيين، وكان موته ببغداد.
حوادث سنة اثنتين وتسعين ومائتين
ذكر استيلاء المكتفي على الشام ومصر
وانقراض ملك الطولونية
وفي المحرم منها سار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون.
وسبب ذلك أن محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي، وعاد عن محاربة القرامطة، واستقصى محمد في طلبهم، فلما بلغ ما أراد عزم على العود إلى العراق، فأتاه كتاب بدر الحمامي غلام ابن طولون، وكتاب فائق، وهما بدمشق، يدعوانه إلى قصد البلاد بالعساكر بساعداه على أخذهأن فلما عاد إلى بغداد أنهى ذلك إلى المكتفي، فأمره بالعود، وسير معه الجنود، والأموال، ووجه المكتفي دميانة غلام بازمار، وأمره بركوب البحر إلى مصر، ودخول النيل، وقطع المواد عن مصر، ففعل، وضيق عليهم.
وزحف إليهم محمد بن سليمان في الجوش، في البر، حتى دنا من مصر وكاتب من بها من القواد، وكان أول من خرج إليه بدر الحمامي، وكان رئيسهم، فكسرهم ذلك، وتتابعه المستأمنة من قواد المصريين، فلما رأى ذلك هارون، في بعض الأيام، عصبية، فاقتتلوأن فخرج هارون يسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمرزاق معه فقتله، فلما قتل قام عمه شيبان بالأمر من بعده، وبذل المال للجند، فأطلقوه وقاتلوا معه، فأتتهم كتب بدر يدعوهم إلى الأمان، فأجابوه إلى ذلك.
فلما علم محمد ين سليمان الخبر سار إلى مصر، فأرسل إليه شيبان يطلب الأمان، فأجابه، فخرج إليه ليلاً، ولم يعلم به أحد من الجند، فلما أصبحوا قصدوا داره ولم يجدوه، فبقوا حيارى، ولما وصل محمد مصر دخلهأن واستولى على دور طولون وأموالهم، وأخذهم جميعأن وهم بضعة عشر رجلأن فقيدهم، وحبسهم واستقصى أموالهم، وكان ذلك في صفر، وكتب بالفتح إلى المكتفي، فأمره بإشخاص آل طولون وأسبابهم من مصر والشام إلى بغداد، ولا يترك منهم أحدأن ففعل ذلك، وعاد إلى بغداد، وولى معونة مصر عيسى النوشري.
ثم ظهر بمصر إنسان يعرف بالخلنجي، وهومن قوادهم، وكان تخلف عن محمد بن سليمان، فاستمال جماعة، وخالف على السلطان، وكثر جمعه وعجز النوشري عنه، فسار إلى الإسكندرية، ودخل إبراهيم الخلنجي مصر، وكتب النوشري إلى المكتفي بالخبر، فسير إليه الجنود مع فاتك، مولى المعتضد، وبدر الحمامي، فساروا في شوال نحومصر.
ذكر عدة حوادثوفيها أخذ بالبصرة رجل ذكروا أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده وتسعة وثلاثون رجلأن وحملوا إلى بغداد، فكانوا يبكون، ويستغيثون، ويحلفون انهم برآء، فأمر بهم المكتفي فحبسوا.
وفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ونواحيهأن فنفر أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب أبوالرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين، فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور، واستعمل عليهم رستم بن بردوا.
وفيها كان الفداء على ي رستم، فكان جملة من فودي به من المسلمين ألف نفس ومائتي نفس.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عباس بن محمد.
وفيها زادت دجلة زيادة مفرطة، حتى تهدمت الدور التي على شاطئها بالعراق.
وفيهأن في العشرين من أيار، طلع كوكب له ذنب عظيم جداً في برج الجوزاء.
وفيها وقع الحريق ببغداد بباب الطاق من الجانب الشرقي إلى طرق الصفارين، فاحترق ألف دكان مملوءة متاعاً للتجار.
وفيها توفي أبومسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، ويقال الكشي.
وفيها توفي القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز أبوحازم، قاضي المعتضد بالله، ببغداد، وكان من أفاضل القضاة.
حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائتين
ذكر أول إمارة بني حمدان بالموصل
وما فعلوه بالأكراد

في هذه السنة ولى المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي، فسار إليهأن فقدمها أول المحرم، فأقام بها يومه، وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه، والذين بالموصل، فأتاه الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية، ومقدمهم محمد بن بلال، قد أغاروا على البلد، وغمنوا كثيراً منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه، فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما الحمداني، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة، فأتته النجدة بعد شهور كثيرة، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين.
ففي ربيع الأول منها سار فيمن معه إلى الهدباينة، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلما رأوا جدة في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق، وهومضيق في جبل عال مشرف على شهرزور، فامتنعوا وغار مقدمهم محمد بن بلال، وقرب من ابن حمدان، وراسله في أن يطيعه، ويحضر هووأولاده، ويجعلهم عنده يكونون رهينة، ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك، فرجع محمد ليأتي بمن ذكر، فحث أصحابه على المسير نحوأذربيجان، وغمنا أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد في الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيروا آمنين.
فلما تأخر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده، فجرد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان، وداود، وسعيد، وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن يسيروا معه، فتثبطوأن فتركهم وسار يقفوا أثرهم، فلحقهم وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وصعدوا ذروة الجبل، وانصرف ابن حمدان عنهم، ولحق الأكراد بأذربيجان، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السلق، وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد، فدخله ابن حمدان، والجواسيس بين يديه، خوفاً من كمين يكون فيه، وتقدم من بين يدي أصحابه، وهم يتبعونه، فلم يتخلف منهم أحد، وجاوزوا الجبل، وقاربوا الأكراد، وسقط عليهم الثلج، واشتد البرد، وقلت الميرة والعلف عندهم، وأقام على ذلك عشرة أيام، وبلغ الحمل التبن ثلاثين درهمأن ثم عدم عندهم وهوصابر.
فلما رأى الأكراد صبرهم وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال وأولاده ومن لحق به، واستولى ابن حمدان على بيوتهم، وسوادهم، وأهلهم، وأموالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم، وأبقى عليهم، وردهم إلى بلد حزة، وورد عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل منهم غير رجل واحد، وهوالذي قتل صاحبه سيما الحمداني، وأمنت البلاد معه، واحسن السيرة في أهلها.
ثم إن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمنه وحضر عنده، وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميدية، وأهل جبل داسن إليه بالأمان، فأمنت البلاد واستقامت.
ذكر الظفر بالخلنجيفي هذه السنة، في صفر، وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر، وتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب جماعة من القواد إليهم ببغداد، وفيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا في ربيع الأول وساروا نحومصر.
واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي، فبرز المكتفي إلى باب الشماسية ليسير إلى مصر في رجب، فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى الخلنجي، وكانت بينهم حروب كثيرة قتل بينهم فيها خلق كثير، فإن آخر حرب كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخلنجي، وانهزم الباقون، وظفروا بهم، وغمنوا عسكرهم، وهرب الخلنجي، فدخل فسطاط مصر، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، فدخلنا المدينة، فدلونا عليه، فأخذناه ومن استتر عنده، وهم في الحبس.
فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى بغداد، وعاد المكتفي بغداد، وأمر برد خزائنه، وكانت قد بلغت تكريت، فوجه فاتك الخلنجي إلى بغداد، فدخلها هوومن معه في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم.
ذكر أمر القرامطة

فيها انفذ زكروية بن مهرويه، بعد قتل صاحب الشامة، رجلاً كان يعلم الصبيان بالرافوفة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غامن، فسمي نصرأن وقيل كان المنفذ ابن زكرويه، فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد، إلا رجلاً من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال، واستقوى بطوائف من الأصبغيين المنتمين إلى الفواطم، وغيرهم من العليصيين، وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، والعامل بدمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وهوبمصر يحارب الخلنجي، فاغتمن ذلك عبد الله بن سعيد، وسار إلى بصرى وأذرعات والبثينة، فحارب أهلهأن ثم أمنهم، فلما استسلموا إليه قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم واخذ أموالهم.
ثم قصد دمشق، فخرج إليهم نائب ابن كيغلغ، وهوصالح بن الفضل، فهزمه القرامطة، وأثخنوا فيهم، ثم أمنوهم وغدروهم بالأمان، وقتلوا صالحأن وفضوا عسكره، وساروا إلى دمشق، فمنعهم أهلهأن فقصدوا طبرية، وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتتنوا به، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي، وهوخليفة أحمد بن كيغلغ بالأردن، فهزموه، وبذلوا له الأمان، وغدروا به، وقتلوه، ونهبوا طبرية، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها وسبوا النساء.
فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم، فوردوا دمشق، فلما علم بهم القرامطة رجعوا نحوالسماوة، وتبعهم الحسين في السماوة وهم ينتقلون في المياه ويغورونهأن حتى لجؤوا إلى ماءين يعرف أحدهما بالدمعانة، والآخر بالحبالة، وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، وعاد إلى الرحبة، وأسرى القرامطة مع نصر إلى هيت وأهلها غافلون، فنهبوا ربضهأن وامتنع أهل المدينة بسورهم، ونهبوا السفن، وقتلوا من أهل المدينة مائتي نفس، ونهبوا الأموال والمتاع، وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة.
وبلغ الخبر إلى المكتفي فسير محمد بن إسحاق بن كنداج، فلم يقيموا لمحمد، ورجعوا إلى الماءين فنهض محمد خلفهم، فوجدهم قد غوروا المياه، فأنفذ إليه من بغداد الأزواد والدواب، وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرحبة ليجتمع هوومحمد على الإيقاع بهم، ففعل ذلك.
فلما أحس الكبيون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه، قتله رجل منهم يقال له الذئب ابن القائم، وسار برأسه إلى المكتفي متقرباً بذلك، مستأمنأن فأجيب إلى ذلك، وأجيز بجائزة سنية، وأمر بالكف عن قومه.
واقتتلت القرامطة بعد نصر حتى صارت بينهم الدماء، وسارت فرقة كرهت أمورهم إلى بني أسد بنواحي عين التمر، واعتذروا إلى الخليفة، فقبل عذرهم، وبقي على المائين بقيتهم ممن له بصيرة في دينه، فكتب الخليفة إلى ابن حمدان يأمره بمعاودتهم، واجتثاث أصلهم، فأرسل إليهم زكرويه ابن مهرويه داعية له يسمى القاسم بن أحمد، ويعرف بأبي محمد، وأعلمهم أن فعل الذئب قد نفره منهم، وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفأن وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في شأن موسى، صلى الله عليه وسلم، وعدوه فرعون إذ (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) طه: 59، ويأمرهم أن يخفوا أمرهم، وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة يوم النحر سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منهأن وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذي يعدهم إياه، وأن يحملوا إليه القاسم بن احمد.
فامتثلوا رأيه، ووافوا باب الكوفة وقد انصرف عن مصلاهم، وعاملهم إسحاق بن عمران، ووصلوها في ثماني مائة فارس عليهم الدروع، والجواشن، والآلات الحسنة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد قبة، وقالوا هذا أثر رسول الله. ونادوا: يا لثارات الحسين، يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداد، وشعارهم: يا أحمد، يا محمد، يعنون ابني زكرويه المقتولين، فأظهروا الأعلام البيض، وأرادوا استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك، فلم يمل إليهم أحد، فأوقع القرامطة من أهل الكوفة، وقتلوا نحواًمن عشرين نفساً.
وبادر الناس الكوفة، وأخذوا السلاح، ونهض بهم إسحاق، ودخل مدينة الكوفة القرامطة مائة فارس، فقتل منهم عشرون نفسأن وأخرجوا عنهأن وظهر إسحاق، وحاربهم إلى العصر، ثم انصرفوا نحوالقادسية، وكان فيمن يقاتلهم مع إسحاق جماعة من الطالبية.

وكتب إسحاق إلى الخليفة يستمده، فأمده بجماعة من قواده، منهم: وصيف بن صوارتكين التركي، والفضل بن موسى بن بغأن وبشر الخادم الأفشيني، ورائق الحري، مولى أمير المؤمنين، وغيرهم من الغلمان الحجرية، فساروا منتصف ذي الحجة حتى قاربوا القادسية فنزلوا بالصوان، فلقيهم زكرويه.
وأما القرامطة فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعاً فيه سنين كثيرة، بقرية الدرية، وكان على الجب باب حديد محكم العمل، وكان زكرويه إذا خاف الطلب جعل تنوراً هناك على باب الجب، وقامت امرأة تسجره، فلا يفطن إليه، وكان ربما أخفي في بيت خلف باب الدار التي كان بها ساكنأن فإذا انفتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل الدار فلا يرى شيئأن فلما استخرجوه حملوه على أيديهم، وسموه ولي الله، ولما رأوه سجدوا له، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصته، وأعلمهم أن القاسم بن أحمد من أعظم الناس عليهم ذمة ومنة، وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم عنه، وأنهم إن امتثلوا أوامره أنجز موعدهم وبلغوا آمالهم، ورمز لهم رموزاً ذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، فاعترف له من رسخ حب الكفر في قلبه أنه رئيسهم وكهفهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل.
وسار بهم وهومحجوب يدعونه ولا يبرزونه، والقاسم يتولى الأمور، وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام بسقي الفرات عدة أيام، فلم يصل إليه منهم إلا خمس مائة رجل، ثم وافته الجنود المذكورة من عند الخليفة، فلقيهم زكرويه بالصوان، وقالتهم واشتدت الحرب بينهم، وكانت الهزيمة أول النهار على القرامطة، وكان زكرويه قد كمن لهم كميناً من خلفهم، فلم يشعر أصحاب الخليفة إلا والسيف فيهم من ورائهم، فانهزموا أقبح هزيمة، ووضع القرامطة السيف فيهم، فقتلوهم كيف شاءوأن وغمنوا سوادهم، ولم يسلم من أصحاب الخليفة إلا من دابته قوية، أومن أثخن بالجراح، فوضع نفسه بين القتلى، فتحاملوا بعد ذلك، وأخذ للخليفة في هذا العسكر أكثر من ثلاثمائة جمازة عليها المال والسلاح، وخمس مائة بغل، وقتل من أصحاب الخليفة، سوى الغلمان ألف وخمس مائة رجل، وقوي القرامطة بما غمنوا.
ولما ورد خبر هذه الوقعة إلى بغداد أعظمها الخلفة والناس، وندب إلى القرامطة محمد بن إسحاق بن كنداج، وضم إليه من الأعراب بني شيبان وغيرهم أكثر من ألفي رجل، وأعطاهم الأرزاق، ورحل زكرويه من مكانه إلى نهر المثنية لنتن القتلى.
ذكر عدة حوادثوفيهأن في ربيع الآخر، قدم إلى بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمد ابن عمروبن الليث مستأمنأن ويعرف بأبي قابوس.
وسبب ذلك أن طاهراً تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سجستان للصيد والتنزه، فغلب على الأمر بفارس الليث بن علي بن الليث، وسبكرى مولى عمروبن الليث، فوقع بينهما وبين هذا القائد تباعد، ففارقهم، ووصل إلى بغداد، فخلع عليه الخليفة وأحسن إليه، فكتب طاهر بن محمد يسأل رد أبي قابوس، ويذكر أنه جبى المال وأخذه، ويقول له: إما أن ترد إليه، أوتحتسب له بما ذهب معه من المال من جملة القرار الذي عليه، لم يجبه الخليفة إلى ذلك.
وفيها صارت الداعية التي للقرامطة باليمن إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلهأن فظفر بهم وقتلهم، فلم يفلت إلا اليسير، وتغلب على سائر مدن اليمن، ثم اجتمع أهل صنعاء وغيرهأن فحاربوا الداعية، فهزموه، فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، وبلغ الخبر الخليفة، فخلع على المظفر بن حاج في شوال، وسيره إلى عمله باليمن، وأقام بها إلى أن مات.
وفيها أغارت الروم على قورس، من أعمال حلب، فقاتلهم أهلها قتالاً شديدأن ثم انهزموأن وقتلوا أكثرهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعهأن وساقوا من بقي من أهلها.
وفيها فتح إسماعيل بن أحمد الساماني، ملك ما وراء النهر، مواضع من بلاد الترك ومن بلاد الديلم؛ وحج بالناس محمد بن عبد الملك الهاشمي.
وفيها توفي نصر بن احمد الحافظ في رمضان، وأبوالعباس عبد الله بن محمد الناشي الشاعر الكاتب الأنباري.
حوادث سنة أربع وتسعين ومائتين
ذكر أخبار القرامطة وأخذهم الحاج

في هذه السنة، في المحرم، أرتحل زكرويه من نهر المثنية يريد الحاج، فبلغ السلمان، وأقام ينتظرهم، فبلغت القافلة الأولى واقصة سابع المحرم، فأنذرهم أهلها وأخبروهم بقرب القرامطة، فارتحلوا لساعتهم.
وسار القرامطة إلى واقصة، فسألوا أهلها عن الحاج، فأخبروهم أنهم ساروأن فاتهمهم زكرويه، فقتل العلافة، وأحرق العلف، وتحصن أهل واقصة في حصنهم، فحصرهم أياماً ثم ارتحل عنهم نحوزبالة، وأغار في طريقه على جماعة من بني أسد.
ووصلت العساكر المنفذة من بغداد إلى عيون الطف، فبلغهم مسير زكرويه من السلمان، فانصرفوأن وسار علان بن كشمرد جريدة، فنزل واقصة بعد أن جازت القافلة الأولى، ولقي زكرويه القرمطي قافلة الخراسانية بعقبة الشيطان راجعين من مكة، فحاربهم حرباً شديدة، فلما رأى شدة حربهم سألهم: هل فيكم نائب للسلطان؟ فقالوا: ما معنا أحد. قال: فلست أريدكم؛ فاطمأنوا وساروأن فلما ساروا أوقع بهم، وقتلهم عن آخرهم، ولم ينج إلا الشريد، وسبوا من الناس ما أرادوأن وقتلوا منهم.
ولقي بعض المنهزمين علان بن كشمرد، فأخبروه خبرهم، وقالوا له: ما بينك وبينهم إلا القليل، ولورأوك لقوزويت نفوسهم، فالله الله فيهم! فقال: لا أعرض أصحاب السلطان للقتل. ورجع هووأصحابه. وكتب من نجا من الحجاج من هذه القافلة الثانية إلى رؤساء القافلة الثالثة من الحجاج يعلمونهم ما جرى من القرامطة، ويأمرونهم بالتحذر، والعدول عن الجادة نحوواسط والبصرة، والرجوع إلى فيد والمدينة إلى أن تأتيهم جيوش السلطان، فلم يسمعوأن ولم يقيموا.
وسارت القرامطة من العقبة بعد اخذ الحاج، وقد طموا الآبار والبرك بالجيف، والأراب، والحجارة، بواقصة، والثعلبية، والعقبة، وغيرها من المناهل في جميع طريقهم، وأقام بالهيبر ينتظر القافلة الثالثة، فساروا فصادفوه هناك، فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيام، وهم على غير ماء، فاستسلموا لشدة العطش، فوضع فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم، وجمع القتلى كالتل، وأرسل خلف المنهزمين من يبذل لهم الأمان، فلما رجعوا قتلهم، وأن في القتلى مبارك القمي، وولده أبوالعشائر بن حمدان.
وكان نساء القرامطة يطفن بالماء بين القتلى يعرضن عليهم الماء، فمن كلمهن قتلنه، فقيل إن عدة القتلى بلغت عشرين ألفأن ولم ينج إلا من كان بين القتلى فلم يفطن له فنجا بعد ذلك، ومن هرب عند اشتغال القرامطة بالقتل والنهب، فكان من مات من هؤلاء أكثر ممن سلم ومن استعبدوه، وكان مبلغ ما أخذوه من هذه ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأربعاء فبراير 19, 2014 8:54 am

بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين
ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز
وفي هذه السنة اجتمع القوّاد، والقضاة، والكتّاب، مع الوزير العبّاس بن الحسن، على خلع المقتدر، والبيعة لابن المعتزّ، وأرسلوا إلى ابن المعتز في ذلك، فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم، ولا حرب، فأخبروه باجتماعهم عليه، وأنّهم ليس لهم منازعٌ ولا محاربٌ.
وكان الرأس في ذلك العبّاس بن الحسن، ومحمّد بن داود بن الجَرّاح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي؛ ومن القوّاد الحسين بن حمدان، وبدر الأعجميُّ، ووصيف بن صوارتكين.
ثمّ إنّ الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر، وأنّه على ما يحبّ، فبدا له في ذلك، فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولى قتله منهم الحسين ابن حّمدان، وبدر الأعجميّ، ووصيف، ولحقوه، وهو سائر إلى بستان له، فقتلوه في طريقه، وقتلوا معه فاتكاً المعتضديَّ، وذلك في العشرين من ربيع الأوّل، وخُلع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتّز.
وركض الحسين بن حَمدان إلى الحَلبة ظنّاً منه أنّ المقتدر يلعب هناك بالكرة، فيقتله، فلم يصادفه، لأنّه كان هناك، فبلغه قتل الوزير وفاتك، فركض دابّته فدخل الدار، وغُلّقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر.
وأحضروا ابن المعتّز وبايعوه بالخلافة، وكان الذي يتولّى أخذ البيعة له محمّد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس، والقوّاد، وأصحاب الدواوين، سوى أبي الحسن بن الفُرات، وخواصّ المقتدر، فإنّهم لم يحضروا، ولُقّب ابنُ المعتزّ المرتضي بالله، واستوزر محمّد بن داود بن الجرّاح، وقلّد عليّ بن عيسى الدواوين، وكُتبت الكتبُ إلى البلاد من أمير المؤمنين المرتضي بالله أبي العبّاس عبدالله بن المعتزّ بالله، ووجّه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر التي كان مقيماً فيها، لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى الليل.
وعاد الحسين بن حَمدان بُكرة غد إلى دار الخلافة، فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء الستور عامّة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار، فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وكلّ ما له إلى الموصل، لا يُدرى لِمَ فعل ذلك؛ ولم يكن بقي مع المقتدر من القوّاد غير مُؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغريب الخال وحاشية الدار.
فلمّا همّ المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نُبلي عّذراً، ونجتهد في دفع ما أصابنا؛ فأجمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتزّ بالحرم يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديّات وغير ذلك، وركبوا السُّمَيريّات، وأصعدوا في الماء، فلمّا رآهم مَن عند ابن المعتزّ هالهم كثرتهم، واضطربوا، وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه.
ولمّا رأى ابن المعتزّ ذلك ركب ومعه وزيره محمّد بن داود وهربا، وغلام له ينادي بين يديه: يا معشر العامّة، ادعوا لخليفتكم السنّيّ البربهاريّ، وإنّما نسبت هذه النسبة لأنّ الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهاريّ كان مقدّم الحَنابلة والسُّنّة من العامّة، ولهم فيه اعتقاد عظيم، فأراد استمالتهم بهذا القول.

ثمّ إنّ المعتزّ ومَن معه ساروا نحو الصحراء، ظنّاً منهم أنّ مَن بايعه من الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد، فكانوا عزموا أن يسيروا إلى سُرَّ من رأى بمن يتبعهم من الجند، فيشتدّ سلطانهم، فلمّا رأوا أنّهم لم يأتهم أحدٌ رجعوا عن ذلك الرأي، واختفى محمّد بن داود في داره ونزل ابن المعتزّ عن دابّته، ومعه غلامه يَمِن، وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصّاص، فاستجار به، واستتر أكثر مَن بايع ابن المعتزّ، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيّارون والسُّفّل ينهبون الدور.
وكان ابن عمرَويْه، صاحب الشُّرطة، ممّن بايع ابن المعتزّ، فلمّا هرب جمع ابن عمرّويْه أصحابه، ونادى بشعار المقتدر، يدلّس بذلك، فناداه العامّة: يا مرائي، يا كذّاب ! وقاتلوه، فهرب واستتر، وتفرّق أصحابه، فهجاه يحيى بن عليّ بأبياتٍ منها:
بايعوه فلم يكن عند الأن ... وك إلاّ التغييرُ والتخبيط
رافضيّون بايعوا أنْصَبَ الأ ... مَة هذا لعَمْريَ التخليطُ
ثمّ ولَّى من زَعْقَةٍ ومحامو ... ومن خلفهم لهم تَضريطُ
وقلّد المقتدر، تلك الساعة، الشُّرطة مؤنساً الخازن، وهُو غير مؤنس الخادم، وخرج بالعسكر، وقبض على وصيف بن صُوارتكين وغيره، فقتلهم، وقبض على القاضي أبي عُمر، وعليّ بن عيسى، والقاضي محمّد ابن خلف وكيع، ثمّ أطلقهم، وقبض على القاضي المثنّى أحمد بن يعقوب، فقتله لأنّه قيل له: بايع المقتدر، فقال: لا أبايع صبيّاً، فذُبح.
وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن بن الفُرات، وكان مختفياً، فاحضره واستوزره، وخلع عليه.
وكان في هذه الحادثة عجائب منها: أنّ الناس كلّهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لأبن المعتزّ، فلم يتمّ ذلك، بل كان على العكس من إرادتهم، وكان أمر الله مفعولاً.
ومنها أنّ ابن حَمدان، على شدّة تشيّعه وميله إلى عليّ، عليه السلام، وأهل بيته، يسعى في البيعة لابن المعتزّ على انحرافه عن عليّ وغلوّه في النصْب إلى غير ذلك.
ثمّ إنّ خادماً لابن الجَصّاص، يُعرف بسوسن، أخبر صافياً الحرميَّ بأنّ ابن المعتزّ عند مولاه، ومعه جماعة، فكُبست دار ابن الجَصّاص، وأُخذ ابن المعتزّ منها، وحُبس إلى الليل، وعُصِرتْ خصيتاه حتّى مات، ولُفّ في كساء، وسُلّم إلى أهله.
وصودر ابن الجَصّاص على مال كثير، وأُخذ محمّد بن داود وزير ابن المعتزّ، وكان مستتراً، فقُتل، ونُفي عليُّ بن عيسى إلى واسط، فأرسل إلى الوزير ابن الفُرات يطلب منه أن يأذن له في المسير إلى مكّة، فأذن له في ذلك فسار إليها على طريق البصرة وأقام بها.
وصودر القاضي أبو عُمر على مائة ألف دينار، وسُيّرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حَمدان فتبعوه إلى الموصل، ثمّ إلى بَلَد فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن حمدان، وهو الأمير على الموصل، يأمره بطلبه، فسار إليه إلى بَلَد، ففارقها الحسين إلى سِنجار، وأخوه في أثره، فدخل البرّيّة فتبعه أخوه عشرة أيّام، فادركه، فاقتتلوا، فظفر أبو الهيجاء، وأسر بعض أصحابه، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وعاد عنه إلى الموصل، ثمّ انحدر إلى بغداد، فلمّا كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين، فبيّته، فقتل منهم قتلى، وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد.
وأرسل الحسين إلى ابن الفُرات، وزير المقتدر، يسأله الرضى عنه، فشفع فيه إلى المقتدر بالله ليرضى عنه، وعن إبراهيم بن كَيْغَلَغ، وابن عمرَوَيْه صاحب الشُّرطة وغيرهم، فرضي عنهم، ودخل الحسين بغداد، فرد عليه أخوه ما أخذ منه، وأقام الحسين ببغداد إلى أن وليّ قُمّ فسار إليها، وأخذ الجرائد التي فيها أسماء مَن أعان على المقتدر، فغرَّقها في دجلة، وبسط ابن الفُرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للعبّاسيّين والطالبيّين، وأرضى القوّاد بالأموال، ففرّق معظم ما كان في بيوت الأموال.
ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط من مثلها ويفعل فيها مثل فعل صاحبها

كان سليمان بن الحسن بن مخلَّد متّصلاً بابن الفرات، وبينهما مودّة وصداقة، فوجد الوزير كتب البيعة لابن المعتزّ بخطّ سليمان، وقلّده الأعمال، فسعى سليمان بابن الفرات إلى المقتدر، وكتب بخطّه مطالعة تتضمّن ذكر أملاك الوزير وضياعه ومستغلاته وما يتعلّق بأسبابه، وأخذ الرقعة ليوصلها إلى المقتدر، فلم يتهيّأ له ذلك.
وحضر دارَ الوزير وهي معه، وسقطت من كمّه، فظفر بها بعضُ الكتّاب فأوصلها إلى الوزير، فلمّا قرأها قبض على سليمان، وجعله في زورق، وأحضره إلى واسط، ووكّل به هناك، وصادره، ثمّ أراد العفو عنه، فكتب إليه: نظرتُ، أعزّك الله، في حقّك عليّ وجرمك إليّ، فرأيتُ الحقّ مُوفياً على الجرم، وتذكّرتُ من سالف خدمتك ما عطفني عليك، وثناني إليك وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت؛ وأطلق له عشرة آلاف درهم، وعفا عنه، واستعمله وأكرمه.
ذكر ولاية أبي مضر إفريقية وهربه إلى العراق وما كان من أمرهفي هذه السنة، مستهلّ شهر رمضان، وليّ أبو مُضر زيادة الله بن أبي العبّاس بن عبدالله إفريقية، بعد قتل أبيه، فعكف على اللذّات والشهوات وملازمة الندماء والمضحكين، وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعيّة، وأرسل كتاباً يوم وُلّي إلى عمّه الأحول على لسان أبيه يستعجله في القدوم عليه، ويحثّه على السُّرعة، فسار مجدّاً ولم يعلم بقتل أبي العبّاس، فلمّا وصل قتله، وقتل مَن قدر عليه من أعمامه وإخوته.
واشتدّت شوكة أبي عبدالله الشيعيّ في أيّامه، وقوي أمرُه، وكان الأحوال قبالته، فلمّا قُتل صفتْ له البلاد، ودانت له الأمصار والعباد، فسيّر إليه زيادة الله جيشاً مع إبراهيم بن أبي الأغلب، وهو من بني عمّه، بلغت عدّتهم أربعين ألفاً سوى من انضاف إليه، فهزمه أبو عبدالله الشيعيُّ على ما ذكرناه آنفاً؛ فلمّا اتّصل بزيادة الله خبر الهزيمة علم أنّه لا مقام له لأن هذا الجمع هو آخر ما انتهت قدرته إليه، فجمع ما عزّ عليه من أهل ومال وغير ذلك، وعزم على الهرب إلى بلاد الشرق، وأظهر للناس أنّه قد جاءه خبرُ هزيمة أبي عبدالله الشيعيّ، وأمر بإخراج رجال من الحبس، فقتلهم، وأعلم خاصّته حقيقة الحال، وأمرهم بالخروج معه.
فأشار عليه بعض أهل دولته بأن لا يفعل ولا يترك ملكه. قال له: إنّ أبا عبدالله لا يجسر عليك، فشتمه، وردّ عليه رأيه، وقال: أحبّ الأشياء إليك أن يأخذني بيدي. وانصرف كلّ واحد من خاصّته وأهله يتجهّز للمسير معه، وأخذ ما أمكنه حمله.
وكانت دولة آل الأغلب بإفريقية قد طالت مدّتها، وكثرت عبيدها وقوي سلطانها، وسار عن إفريقية إلى مصر في سنة ستّ وتسعين ومائتين، واجتمع معه خلق عظيم، فلم يزل سائراً حتّى وصل طرابلس، فدخلها، فأقام بها تسعة عشر يوماً، ورأى بها أبا العبّاس أخا أبي عبدالله الشيعيّ، وكان محبوساً بالقيروان، حبسه زيادة الله، فهرب إلى طرابلس، فلمّا رآه أحضره وقرّره: هل هو أخو أبي عبدالله ؟ فأنكر وقال: أنا رجل تاجر قيل عنّي إنّني أخو أبي عبدالله فحبستَني. فقال له زيادة الله: أنا أطلقك، فإن كنت صادقاً في أنّك تاجر فلا نأثم فيك، وإنّ كنتَ كاذباً، وأنت أخو أبي عبدالله، فليكن للصنيعة عندك موضع، وتحفظنا فيمن خلّفناه. وأطلقه.
وكان من كبار أهله وأصحابه إبراهيم بن أبي الأغلب، فأراد قتله وقتل رجل آخر كانا قد عرضا أنفسهما على ولاية القيروان، فعلما ذلك، وهربا إلى مصر، وقدما على العامل بها وهو عيسى النُّوشريُّ، فتحدّثا معه، وسعيا بزيادة الله، وقالا له: إنّه يُمنيّ نفسه بولاية مصر، فوقع ذلك في نفسه، وأراد منعه عن دخول مصر إلاّ بأمر الخليفة من بغداد، فوصل زيادة الله ليلاً، وعبر الجسر إلى الجيزة قهراً، فلمّا رأى ذلك النُّوشريُّ لم يمكنه منعه، فأنزله بدار ابن الجصّاص، ونزل أصحابه في مواضع كثيرة، فأقام ثمانية أيّام، ورحل يريد بغداد، فهرب عنه بعض أصحابه، وفيهم غلام له، وأخذ منه مائة ألف دينار، فأقام عند النُّوشريِّ، فأسرل النُّوشريُّ إلى الخليفة، وهو المقتدر بالله، يعرّفه حال زيادة الله وحال من تخلّف بمصر، فأمره بردّ من تخلّف عنه إليه مع المال، ففعل.

وسار زيادة الله حتّى بلغ الرَّقّة وكتب إلى الوزير، وهو ابن الفرات، يسأله في الإذن له لدخول بغداد، فأمره بالتوقّف، فبقي على ذلك سنة، فتفرّق عنه أصحابه، وهو مع هذا مُدمن الخمر، واستماع الملاهي، وسُعي به إلى المقتدر، وقيل له يُرَدّ إلى المغرب يطلب بثأره، فكتب إليه بذلك وكتب إلى النوشري بإنجاده بالرجال والعُدد والأموال من مصر ليعود إلى المغرب، فعاد إلى مصر، فأمره النُّوشريُّ بالخروج إلى ذات الحمّام ليكون هناك إلى أن يجتمع إليه ما يحتاج إليه من الرجال والمال، ففعل، ومطله، فطال مُقامه، وتتابعت به الأمراض، وقيل بل سمّه بعض غلمانه، فسقط شعر لحيته، فعاد إلى مصر، وقصد البيت المقدّس، فتوفّي بالرملة ودُفن بها.
فسبحان الحيّ الذي لا يموت، ولا يزول ملكه، ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد، وكانت مدّة ملكهم مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وكانوا يقولون: إنّنا نخرج إلى مصر والشام، ونربط خيلنا في زيتون فلسطين؛ فكان زيادة الله هو الخارج إلى فلسطين على هذه الحال لا على ما ظّنوه.
ذكر ابتداء الدولة العلويّة بإفريقية
هذه دولة اتّسعت أكناف مملكتها، وطالت مدّتها، فإنّها ملكت إفريقية هذه السنة، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة، فنحتاج أن نستقصي ذكرها فنقول: أوّل مَن وليَ منهم أبو محمّد عبيد الله، فقيل هو محمّد بن عبد الله بن ميمون بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب، رضي الله عنهم، ومَن ينسب هذا النسب يجعله عبد الله بن ميمون القدّاح الذي يُنسب إليه القدّاحيّة، وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني ابن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب، رضي الله عنهم.
وقد اختلف العلماء في صحّة نسبه، فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته: إنّ نسبه صحيح على ما ذكرناه، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويّين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضاً، ويشهد بصحّة هذا القول ما قاله الشريف الرَّضيُّ:
ما مُقامي على الهوان وعندي ... مِقْوَلٌ صارمٌ، وأنْفٌ حميُّ
ألبَسُ الذُّلّ في بلاد الأعادي؛ ... وبمصر الخليفةُ العَلَويُّ
مَنْ أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيدُ القَصيُّ
لفّ عرقي بعرقه سيّدَا النّا ... س جميعاً: محمّدٌ، وعليُّ
إنّ ذُلّي بذلك الجَوّ عزٌّ ... وأُوامي بذلك النّقْعِ ريُّ
وإنّما لم يودعها في بعض ديوانه خوفاً، ولا حجّة بما كَتبه في المحضر المتضمّن القدح في أنسابهم، فإنّ الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنّه قد ورد ما يصدّق ما ذكرتُه، وهو أنّ القادر بالله لمّا بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر بن الباقلانيّ، فأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسويّ، والد الشريف الرضيّ، يقول له: قد عرفتَ منزلتك منّا، وما لا نزال عليه من الاعتداد بك بصدق الموالاة منك، وما تقدّم لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه، ويكون ولدك على ما يضادّها، وقد بلغنا أنّه قال شعراً، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعري على أيّ مقام ذلٍّ أقام، وهو ناظر في النّقابة والحجّ، وهما من أشرف الأعمال، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا؛ وأطال القول، فحلف أبو أحمد أنّه ما علم بذلك.
وأحضر ولده وقال له في المعنى فأنكر الشعر، فقال له: اكتب خطّك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أنّ نسب المصريّ مدخولٌ، وأنّه مدّع في نسبه؛ فقال: لا أفعل ! فقال أبوه: تكذّبني في قولي ؟ فقال: ما أكذبك، ولكنيّ أخاف من الديلم، أخاف من المصريّ ومن الدُّعاة في البلاد؛ فقال أبوه: أتخاف ممّن هو بعيد عنك، وتراقبه، وتُسخط من هو قريب، وأنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك ؟ وتردّد القول بينهما، ولم يكتب الرضيُّ خطّه، فحرد عليه أبوه وغضب وحلف أنّه لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أنّ حلف الرضيُّ أنّه ما قال هذا الشعر واندرجت القصّة على هذا.
ففي امتناع الرضيّ من الاعتذار، ومن أن يكتب طعناً في نسبهم مع الخوف، دليلٌ قويٌّ على صحّة نسبهم.

وسألتُ أنا جماعة من أعيان العلويّين في نسبه، فلم يرتابوا في صحّته، وذهب غيرهم إلى أنّ نسبه مدخول ليس بصحيح، وعدا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديّاً، وقد كُتب في الأيّام القادريّة محضر يتضمّن القدح في نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويّين وغيرهم أنّ نسبه إلى أمير المؤمنين عليّ غير صحيح.
فممن كتب فيه من العلويّين المرتضى، وأخوه الرضيُّ، وابن البطحاوي، وابن الأزرق العلويّان، ومن غيرهم ابن الأكفانيّ وابن الخرزيّ، وأبو العبّاس الأبيورديُّ، وأبو حامد، والكشفليُّ، والقدوريُّ، والصَّيْمريُّ، وأبو الفضل النسويُّ، وأبو جعفر النسفيُّ، وأبو عبدالله بن النُّعمان، فقيه الشيعة.
وزعم القائلون بصحّة نسبه أنّ العلماء ممّن كتب في المحضر إنّما كتبوا خوفاً وتقيّة، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله.
وزعم الأمير عبد العزيز، صاحب تاريخ إفريقية والمغرب، أنّ نسبه مُعرِقٌ في إليهوديّة، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذكر ابتداء دولتهم، وبالغ.
وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال: لّما بعث الله تعالى سيّد الأوّلين والآخرين محمّداً، صلى الله عليه وسلم، عظم ذلك على إليهود والنصارى والروم والفرس وقريش، وسائر العرب، لأنّه سفَّه أحلامهم، وعاب أديانهم وآلهتهم، وفرَّق جمعهم، فاجتمعوا يداً واحدةً عليه، فكفاه الله كيدهم، ونصره عليهم، فأسلم منهم مَن هداه الله تعالى؛ فلمّا قُبض، صلى الله عليه وسلم، نجم النفاق، وارتدّت العرب، وظنّوا أنّ الصحابة يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر، رضي الله عنه، في سبيل الله، فقتل مُسَيْلمة، وردّ الرِّدّة، وأذلّ الكفر، ووطّأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلمّا حضرتْه الوفاة ظنّوا أن بوفاته ينتقص الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطّاب، فأذلّ فارس والروم، وغلب على ممالكها، فدسّ عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنّاً منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام، فوليَ بعده عثمان، فزاد في الفتوح، واتّسعت مملكة الإسلام، فلمّا قُتل ووليَ بعده أمير المؤمنين عليٌّ قام بالأمر أحسن قيام، فلمّا يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوّة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم، بأمور قد ضبطها المحدّثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه.
فكان أوّل من فعل ذلك أبو الخطّاب محمّج بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان، صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة، وغيرهما، فألقوا إلى من وثقوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطناً، وأنّ الله تعالى لم يوجب على أوليائه، ومن عرف الأئمّة والأبواب، صلاة، ولا زكاة، ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئاً، وأباحوا لهم نكاح الأمّهات والأخوات، وإنّما هذه قيود للعامّة ساقطة عن الخاصّة.
وكانوا يظهرون التشيّع لآل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامّة، وتفرّق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرّون الناس بذلك وهم على خلافه، فقُتل أبو الخطّاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: إنّا نخاف الجند؛ فقال لهم: إنّ أسلحتهم لا تعمل فيكم؛ فلمّا ابتدأوا في ضرب أعناقهم قال له أصحابه: ألم تقُلْ إنّ سيوفهم لا تعمل فينا ؟ فقال: إذا كان قد أراد اللهُ فما حيلتي ؟ وتفرّقت هذه الطائفة في البلاد وتعلّموا الشعبذة، والنارنجيات، والزرق، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما يتّفق عليهم وعلى العامّة بإظهار الزهد.
ونشأ لأبن ديصان ابن يقال له عبدالله القدّاح، علّمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النِّحلة، فحذق وتقدّم.

وكان بنواحي كرْخ وأصبهان رجل يُعرف بمحمّد بن الحسين ويلقّب بدندان يتولّى تلك المواضع، وله نيابة عَظيمة، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القدّاح، وعرّفه من ذلك ما زاد به محلّه، وأشار عليه أن لا يُظهر ما في نفسه، إنّما يكتمه، ويُظهر التشيّع والطعن على الصحابة، فإنّ الطعن فيهم طعن في الشريعة، فإنّ بطريقهم وصلتَ إلى من بعدهم. فاستحسن قوله وأعطاه مالاً عظيماً ينفقه على الدُّعاة إلى هذا المذهب، فسيّره إلى كُوَر الأهواز، والبصرة، والكوفة، وطالقان، وخُراسان، وسلميّة، من أرض حِمص، وفرّقه في دعاته؛ وتوفّي القدّاح، ودندان.
وإنّما لُقّب القدّاح لأنّه كان يعالج العيون ويقدحها. فلمّا توفّي القدّاح قام بعده ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين ابن حوشب بن داذان النجّار، من أهل الكوفة، فكانا يقصدان المشاهد، وكان باليمن رجل اسمه محمّد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجَنَد، يتشيّع، فجاء إلى مشهد الحسين بن عليّ يزوره، فرآه أحمد ورستم يبكي كثيراً، فلمّا خرج اجتمع به أحمد، وطمع فيه لما رأى من بكائه، وألقى إليه مذهبه، فقبله، وسيّر معه النّجّار إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعوة الناس إلى المهديّ وأنّه خارج في هذا الزمان باليمن، فسار النّجار إلى اليمن، ونزل بعدن، بقرب قوم من الشيعة يُعرفون ببني موسى، وأخذ في بيع ما معه.
وأتاه بنو موسى، وقالوا له: فِيمَ جئتَ ؟ قال: للتجارة. قالوا: لستَ بتاجر، وإنّما أنت رسول المهديّ، وقد بلغنا خبرُك، ونحن بنو موسى، ولعلّك قد سمعتَ بنا، فانبسطْ، ولا تحتشم، فإنّا إخوانك. فأظهر أمره، وقوّي عزائمهم، وقرب أمر المهديّ فأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح، وأخبرهم أنّ هذا أوان ظهور المهديّ، ومن عندهم يظهر.
واتّصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه فكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى مَن بالكوفة من ولد عبدالله القدّاح هدايا عظيمة، وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلينْ أحدهما يُعرف بالحلوانيّ، والآخر يعرف بأبي سفيان، وقالوا لهما: إنّ المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجيء صاحب البدر؛ فسارا فنزل أحدهما بأرض كُتامة ببلد يسمّى مَرْمجَنّة والآخر بسوق حمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة، وماتا، وكان أحدهما قريب الوفاة من الآخر.
ذكر إرسال أبي عبد الله الشيعيّ إلى المغرب
كان أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّاء الشيعيُّ من أهل صنعاء، وقد سار إلى ابن حوشب النجّار، وصحبه بعدن، وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلمّا أتى خبر وفاة الحلوانيّ وأبي سفيان إلى ابن حوشب قال لأبي عبد الله الشيعيّ: إنّ أرض كُتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيُّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادِرْ، فإنّها موطَّأة ممهّدة لك.
فخرج أبو عبدالله إلى مكّة، وأعطاه ابن حوشب مالاً، وسيّر معه عبد الله بن أبي ملاحف، فلمّا قدم أبو عبدالله مكّة سأل عن حُجّاج كُتامة فأُرشد إليهم، فاجتمع به، ولم يعرّفهم قصده، وجلس قريباً منهم، فسمعهم يتحدّثون بفضائل أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدثهم بما لم يُعلموه، فلمّا أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والأنبساط معه، فأذن لهم في ذلك، فسألوه أين مقصده، فقال: أُريد مصر؛ ففرحوا بصحبته.
وكان من رؤساء الكُتاميّين بمكّة رجل اسمه حُرَيْث الجُميليُّ، وآخر اسمه موسى بن مكاد، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر لهم العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبةً، وخدموه، وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيّام. قال: أفتحملون السلاح ؟ قالوا: هو شغلنا؛ ولم يزل يتعرّف أحوالهم، حتّى وصلوا إلى مصر، فلمّا أراد وداعهم قالوا له: أيّ شيء تطلب بمصر ؟ قال: أطلب التعليم بها، قالوا: إذا كنتَ تقصد هذا فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقّك؛ ولم يزالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع والسؤال، فسار معهم.

فلمّا قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبره، فرغبوا في نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيفه منهم ثم رحلوا حتّى وصلوا إلى أرض كُتامة، منتصف شهر ربيع الأوّل سنة ثمانين ومائتين، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتّى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فجّ الأخيار ؟ فتعجّبوا من ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان. فقال: إليه نقصد، ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم؛ فأرضى بذلك الجميع.
وسار إلى جبل يقال له إنْكِجان، وفيه فجّ الأخيار، فقال: هذا فجّ الأخيار، وما سُمّي إلاّ بكم، ولقد جاء في الآثار: إنّ للمهديّ هِجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم مشتقٌ اسمهم من الكِتمان، فإنّهم كُتامة، وبخروجكم من هذا الفجّ يسمّى فجّ الأخيار.
فتسامعتِ القبائل، وصنع من الحيل والمَكِيدات والنارنجيات ما أذهل عقولهم، وأتاه البربر من كلّ مكان، وعظم أمره إلى أن تقاتلتْ كُتامة عليه مع قبائل البربر، وسلم من القتل مراراً، وهو في كلّ ذلك لا يذكر اسم المهديّ، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فلم يتركه الكُتاميّون يناظرهم، وكان اسمه عندهم أبا عبدالله المشرقيّ.
وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل إلى عامله على مدينة ميْلَةَ يسأله عن أمره، فصغّره وذكر له أنّه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه.
ثمّ إنّه قال للكُتاميّين. أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلوانيُّ؛ فازدادت محبّتهم له، وتعظيمهم لأمره، وتفرّقت كلمة البربر وكُتامة بسببه، فأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتّصل الخبر بإنسان اسمه الحسن بنهارون، وهو من أكابر كُتامة، فأخذ أبا عبدالله إليهن ودافع عنه، ومضيا إلى مدينة ناصرون، فأتته القبائل من كلّ مكان وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبدالله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهر الحروب، فكان الظفر له فيها، وغنم الأموال، وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها، فزحفت قبائل البربر إليها، واقتتلوا، ثمّ اصطلحوا، ثمّ أعادوا القتال، وكان بينهم وقائع كثيرة، وظفر بهم، وصارت إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامّة كُتامة.
ذكر ملكه مدينة مِيْلَةَ وانهزامه
فلمّا تمّ لأبي عبد الله ذلك زحف إلى مدين مِيْلة، فجاءه منها رجل اسمه الحسن بن أحمد، فأطلعه على غرّة البلد، فقاتل أهله قتالاً شديداً، وأخذ الأرباض، فطلبوا منه الأمان فأمّنهم، ودخل مدينة مِيلة، وبلغ الخبر أمير إفريقية، وهو حينئذٍ إبراهيم بن أحمد، فنفّذ ولده الأحول في اثني عشر ألفاً، وتبعه مثلهم، فالتقيا، فاقتتل العسكران، فانهزم أبو عبد الله، وكثر القتل في أصحابه، وتبعه الأحول، وسقط ثلج عظيم حال بينهم، وسار أبو عبد الله إلى جبل إنِكجَان، فوصل الأحوال إلى مدينة ناصرون، فأحرقها، وأحرق مدينة مِيلَة، ولم يجد بها أحداً.
وبنى أبو عبد الله بإنْكِجَانَ دار هجرة، فقصدها أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية، فسار أبو عبد الله بعد رحيلهم، فغنم ما رأى ممّا تخلّف عنهم؛ وأتاه خبر وفاة إبراهيم، فسُرّ به، ثمّ أتاه خبر قتل أبي العبّاس ولده، وولاية زيادة الله، واشتغاله باللهو اللعب، فاشتدّ سروره.
وكان الحول قد جمع جيشاً كثيراً أيّام أخيه أبي العبّاس، ولقي أبا عبد الله، فانهزم الأحول.
وبقي الأحول قريباً منه يقاتله ويمنعه من التقدّم، فلمّا وليَ أبو مُضر زيادة الله إفريقية أحضر الأحولَ وقتله، كما ذكرناه؛ ولم يكن أحولَ، وإنّما كان يكسر عينه إذا أدام النظر فلُقّب بهِ، فلمّا قُتل انتشرت حينئذ جيوش أبي عبدالله في البلاد، وصار أبو عبدالله يقول: المهديُّ يخرج في هذه الأيّام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني ! ويغري الناس بأبي مُضر، ويعيبه.
وكان كلّ مَن عنده زيادة الله من الوزراء شيعة، فلا يسوءهم أن يظفر أبو عبدالله لا سيّما مع ما كان يُذْكَر لهم من الكرامات التي للمهديّ من إحياء الموتى، وردّ الشمس من مغربها، وملكه الأرض بأسرها ! وأبو عبد الله يرسل إليهم، ويسحرهم، ويعدهم.
ذكر سبب اتّصال المهديّ عبيد الله بأبي عبد الله الشيعيّ ومسيره إلى سِجِلْماسة

لمّا توفّي عبد الله بن ميمون القدّاح ادّعى ولده أنهم من ولد عَقِيل بن أبي طالب، وهم مع هذا يسترون، ويُسِرّون أمرهم، ويخُفون أشخاصهم.
وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفّي وخلّف ولَدهُ محمّداً، وكان هو الذي يكاتبه الدعاة في البلاد، وتوفّي محمّد وخلّف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سَلَمِيّة من أرض حِمص، وله بها ودائع وأموال من ودائع جدّه عبدالله القدّاح، ووكلاء، وغلمان، وبقي ببغداد من أولاد القدّاح أبو الشلَغْلَغ.
وكان الحسين يدّعي أنّه الوصيّ وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه؛ واتّفق أنّه جرى بحضرته حديث النساء بسَلَمِيّة، فوصفوا له امرأة رجل يهوديّ حدّاد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الحسن، فتزوّجها، ولها ولد من الحدّاد يماثلها في الجمال، فأحبّها وحسُن موقعها معه، وأحبّ ولدها، وأدّبه، وعلّمه، فتعلّم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمّة كبيرة.
فمن العلماء من أهل هذه الدعوة مَن يقول: إنّ الإمام الذي كان بسَلَمِيّة، وهو الحسين، مات ولم يكن له ولدٌ، فعهد إلى ابن إليهوديّ الحدّاد، وهو عبيدالله، وعرّفه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدُّعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدّم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنّه الإمام والوصيّ، وزوّجه ابنة عمّه أبي الشلَغْلَغ. وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلويّ وغيره، وجعل لنفسه نسباً، وهو عبيدالله بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ ابن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
وبعض الناس يقولون، وهم قليل: إنّ عبيدالله هذا من ولد القدّاح، وهذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعري ما الذي حمل أبا عبدالله الشيعيّ وغيره ممّن قام بإظهار هذه الدعوة، حتّى يخرجوا هذا الأمر من أنفسهم، ويسلّموه إلى ولد يهوديّ، وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده ديناً يثاب عليه ؟ قال: فلمّا عهد الحسين إلى عبيدالله قال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محناً شديدةً؛ فتوفّي الحسين، وقام بعده عبيدالله، وانتشرت دعوته، وبذل الأموال خلاف مَن تقدّم، وأرسل إليه أبو عبدالله رجالاً من كُتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنّهم ينتظرونه.
وشاع خبره عند الناس أيّام المكتفي فطُلب، فهرب هو وولده أبو القاسم نزار الذي وليّ بعده، وتلقّب بالقائم، وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصّته وموإليه يريد المغرب، وذلك أيّام زيادة الله، فلمّا انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزيّ التجار، وكان عامل مصر حينئذ عيسى النُّوشريّ، فأتته الكتب من الخليفة بصفته وحليته، وأمر بالقبض عليه وعلى كلّ مَن يشبهه.
وكان بعض خاصّة عيسى متشيّعاً، فأخبر المهديَّ وأشار عليه بالانصراف، فخرج من مصر مع أصحابه، ومعه أموال كثيرة، فأوسع النفقة على مَن صحبه، فلمّا وصل الكتاب إلى النُّوشريّ فرّق الرسل في طلب المهديّ وخرج بنفسه فلحقه، فلمّا رآه لم يشكّ فيه، فقبض عليه، ونزل ببستان، ووكّل به، فلمّا حضر الطعام دعاه ليأكل، فأعلمه أنّه صائم، وفرّق له، وقال له: أعلمني بحقيقة حالك حتّى أُطلقك؛ فخوّفه بالله تعالى، وأنكر حاله، ولم يزل يخوّفه ويتلطّفه فأطلقه، وخلّى سبيله، وأراد أن يرسل معه مَن يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة بي إلى ذلك، ودعا له.
وقيل: إنّه أعطاه في الباطن مالاً حتّى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النُّوشريّ عليه اللوم، فندم على إطلاقه، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردّوه، وكان المهديُّ لمّا لحق أصحابه رأى أبنه أبا القاسم قد ضيّع كلباً كان له يصيد به، وهو يبكي عليه، فعرّفه عبيده أنّهم تركوه في لبستان الذي كانوا فيه، فرجع المهديُّ بسبب الكلب، حتّى دخل البستان ومعه عبيده، فرآهم لنُّوشريُّ فسأل عنهم فقيل: إنّه فلان، وقد عاد بسبب كذا وكذا؛ فقال النُّوشريُّ لأصحابه: فبحكم الله ! أردتم أن تحملوني على قتل هذا حتّى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو كان مُريباً كان يطوي المراحل، ويخفي نفسه، وما كان رجع في طلب كلب؛ وتركه.
وجدّ المهديُّ في الهرب، فلحقه لصوصٌ بموضع يقال له الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه، فأُخذت، فعظم أمرها عليه، فيقال إنّه لمّا خرج ابنه أبو القاسم في المرّة الأولى إلى الديار المصريّة أخذها من ذلك المكان.

وانتهى المهديُّ وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرّق مَن صحبه من التجار، وكان في صحبته أبو العبّاس أخو أبي عبدالله الشيعيّ، فقدّمه المهديًُّ إلى القَيروان ببعض ما معه، وأمره أن يلحق بكُتامة. فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القَيروان وجد الخبر قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهديّ، فسأل عنه رفقته، فأخبروا أنّه تخلّف بطرابلس، وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقَيروان، فأُخذ أبو العبّاس، وقُرّر فأنكر وقال: إنّما أنا رجل تاجر صحبتُ رجلاً في القفل؛ فحبسه.
وسمع المهديُّ، فسار إلى قَسطيلة، ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بأخذه، وكان المهديُّ قد أهدى له واجتمع به، فكتب العامل يخبره أنّه قد سار ولم يدركه، فلمّا وصل المهديُّ إلى قَسطيلة ترك قصد أبي عبد الله الشيعيّ، لأن أخاه أبا العبّاس كان قد أُخذ، فعلم أنّه إذا قصد أخاه تحقّقوا الأمر وقتلوه، فتركه وسار إلى سِجِلْماسة، ولّما سار من قَسطيلة وصل الرسل في طلبه فلم يوجد، ووصل إلى سِجِلماسة، فأقام بها؛ وفي كلّ ذلك عليه العيون في طريقه.
وكان صاحب سِجِلماسة رجلاً ألِيْسَع بن مدرار، فأهدى له المهديُّ، وواصله، فقرّب ألِيْسَع، وأحبّه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرّفه أنّه الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعيُّ، فقبض عليه وحبسه، فلم يزل محبوساً حتّى أخرجه أبو عبد الله على ما نذكره.
ذكر استيلاء أبي عبد الله على إفريقية وهرب زيادة الله أميرهاقد ذكرنا من حال أبي عبد الله ما تقدّم، ثمّ إنّ زيادة الله لما رأى استيلاء أبى عبد الله على البلاد، وأنّه قد فتح مدينة مِيْلة ومدينة سَطيف، وغيرهما، أخذ في جمع العساكر، وبذل الأموال، فاجتمعت إليه عساكر عظيمة، فقدّم عليهم إبراهيم بن خُنَيْش وهو من أقاربه، وكان لا يعرف الحرب، فبلغت عدّة جيشه أربعين ألفاً، وسلّم إليه الأموال والعُدد، ولم يترك بإفريقية شجاعاً إلاّ أخرجه معه، وسار إليه، فانضاف إليه مثل جيشه، فلّما وصل قسطنطينية الهواء، وهي مدينة قديمة حصينة، نزل بها، وأتاه كثير من كُتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، فقتل في طريقه كثيراً من أصحاب أبي عبدالله، وخاف أبو عبد الله منه، وجميع كُتامة، وأقام بقُسطنطينية ستّة أشهر، وأبو عبدالله متحصّن في الجبل.
فلمّا رأى إبراهيم أنّ أبا عبد الله لا يتقدّم إليه بادر وزحف بالعساكر المجتمعة إلى بلد اسمه كرمة، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلاً اختارها ليختبر نزوله، فوافاها بالموضع المذكور، فلمّا رأى إبراهيم الخيل قصد إليها بنفسه، ولم يصحبه إليها أحدٌ من جيشه، وكانت أثقال العسكر على ظهور الدوابّ لم تحطّ، ونشبت الحرب، واقتتلوا قتالاً شديداً.
واتّصل الخبر بأبي عبدالله، فزحف بالعساكر، فوقعت الهزيمة على إبراهيم ومَن معه، فجُرح، وعُقر فرسه، وتمّت الهزيمة على الجيش جميعه، وأسلموا الأثقال بأسرها، فغنمها أبو عبدالله، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وتمّ أمر إبراهيم إلى القَيروان، فشاشت بلاد إفريقية، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرّت دولته، وكتب أبو عبد الله كتاباً إلى المهديّ، وهو في سجن سِجِلماسة، يبشّره، وسيّر الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل السجن في زيّ قصّاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرّفه ذلك.
وسار أبو عبد الله إلى مدينة طُبْنَة، ونصب عليها الدبابات، ونقب برجاً وبدنة، فسقط السور بعد قتال شديد، وملك البلد، فاحتمى المقدّمون بحصن البلد، فحصرهم، فطلبوا الأمان، فأمّنهم، وأمّن أهل البلد، وسار إلى مدينة بَلَزْمة، وكان قد حصرها مراراً كثيرة فلم يظفر بها، فلمّا حصرها الآن ضيّق عليها، وجدّ في القتال، ونصب عليها الدبابات، ورماها بالنار، فأحرقها، وفتحها بالسيف وقتل الرجال، وهدم الأسوار.

واتّصلت الأخبار بزيادة الله، فعظم عليه وأخذ في الجمع والحشد، فجمع عسكراً عدّتهم اثنا عشر ألفاً، وأمرّ عليهم هارونَ بن الطُّبنيّ، فسار، واجتمع معه خلق كثير، وقصد مدينة دار ملوك، وكان أهلها قد أطاعوا أبا عبدالله، فقتل هارون أهلها، وهدم الحصن، ولقيه في طريقه خيل لأبي عبدالله كان قد أرسلها ليختبروا عسكره، فلمّا رآها العسكر اضطربوا، وصاحوا صيحة عظيمة، وهربوا من غير قتال، فظنّ أصحاب أبي عبدالله أنّها مكيدة، فلمّا ظهر أنّها هزيمة استدركوا الأمر، ووضعوا السيف، فما يحصى مَن قتلوا، وقُتل هارون أمير العسكر، وفتح أبو عبدالله مدينة تيجس صلحاً، فاشتدّ الأمر حينئذ على زيادة الله، وأخرج الأموال، وجيّش الجيوش، وخرج بنفسه إلى محاربة أبي عبدالله، فوصل إلى الأُرْبُس في سنة خمس وتسعين ومائتين، فقال له وجوه دولته: إنّك تغرّر بنفسك، فإن يكن عليك لا يبقى لنا ملجأ والرأي أن ترجع إلى مستقرّ ملكك، وترسل الجيش مع مَن تثق به، فإن كان الفتح لنا فنصل إليك، وإن كان غير ذلك فتكون ملجأ لنا.
ورجع ففعل ذلك، وسيّر الجيش، وقدّم عليه رجلاً من بني عمّه يقال له إبراهيم بن أبي الأغلب، وكان شجاعاًن وبلغ أبا عبدالله الخبر، وكان أهل باغاية قد كاتبوه بالطاعة، فسار إليهم، فلمّا قر منها هرب عاملها إلى الاُربُس، فدخلها أبو عبدالله، وترك بها جنداً، وعاد إلى إنكِجَان، ووصل الخبر إلى زيادة الله، فزاده غمّاً وحوناً، فقال له إنسان كان يضحّكه: يا مولانا لقد عملتُ بيت شعر، فعسى تجعل من يلحّنه وتشرب عليه واترك هذا الحزن؛ فقال: ما هو ؟ فقال المضحك للمغّنين: غنّوا شعراً كذا، وقولوا بعد فراغ كلّ بيت:
اشرب واسقينا من القرن يكفينا
فلمّا غنّوا طرب زيادة الله، وشرب، وانهمك في الأكل والشرب والشهوات، فلمّا رأى ذلك أصحابه ساعدوه على مراده.
ثمّ إنّ أبا عبدالله أخرج إلى مدينة مَجَانةَ فافتتحها عنوةً، وقتل عاملها، وسيّر عسكراً آخر إلى مدينة تيفاش، فملكها وأمّن أهلها.
وقصد جماعة من رؤساء القبائل أبا عبدالله يطلبون منه الأمان فأمّنهم، وسار بنفسه إلى مسكيانة ثمّ إلى تَبِسّةَ، ثم إلى مدبرة، فوجد فيها أهل قصر الإفريقي ومدينة مَرمَجَنّة، ومدينة مَجَانَة، وأخلاطاً من الناس قد التجأوا إليها وتحصّنوا فيها، وهي حصينة، فنزل عليها، وقاتلها، فأصابه علّة الحصى، وكانت تعتاده، فشغل بنفسه، وطلب أهلها الأمان فأمّنهم بعض أهل العسكر، ففتحوا الحصن، فدخلها العسكر، ووضعوا السيف، وانتهبوا.
وبلغ ذلك أبا عبدالله، فعظم عليه، ورحل، فنزل على القصرين من قمودة وطلب أهلها الأمان فأمّنهم، وبلغ إبراهيم بن أبي الأغلب، أمير الجيش الذي سيره زيادة الله، أنّ أبا عبدالله يريد أنت يقصد زيادة الله برَقّادةَ، ولم يكن مع زيادة الله كبير عسكر، فخرج من الأُربُس ونزل دردمين، وسيّر أبو عبدالله سرّية إلى دردمين، فجرى بينهما وبين أصحاب زيادة الله قتال، فقُتل من أصحاب أبي عبدالله جماعة، وانهزم الباقون.
واستبطأ أبو عبدالله خبرهم، فسار في جميع عساكره، فلقي أصحابه منهزمين، فلمّا رأوه قويت قلوبهم، ورجعوا، وكرّوا على أصحاب إبراهيم، وقتلوا منهم جماعة، وحجز الليل بينهم.
ثمّ سار أبو عبدالله إلى قَسطيلة، فحصرها، فقاتله أهلها، ثمّ طلبوا الأمان فأمّنهم، وأخذ ما كان لزيادة الله فيها من الأموال والعُدد، ورحل إلى قَفْصَةَ، فطلب أهلها الأمان فأمّنهم، ورجع إلى باغاية، فترك بها جيشاً، وعاد إلى جبل إنكِجَان.
فسار إبراهيم بن أبي الأغلب في جيشه إلى باغاية وحصرها، فبلغ الخبر أبا عبدالله، فجمع عسكره وسار مجدّاً إليها، ووجّه اثني عشر ألف فارس، وأمر مقدّمهم أن يسير إلى باغاية، فإن كان إبراهيم قد رحل عنها فلا يجاوز فجّ العَرعار، فمضى الجيشُ، وكان أصحاب أبي عبد الله الذين في باغاية قد قاتلوا عسكر إبراهيم قتالاً شديداً، فلمّا رأى صبرهم عجب هو وأصحابه منهم، فأرعب ذلك قلوبهم؛ ثمّ بلغهم قرب العسكر منهم، فعاد إبراهيم بعساكره، فوصل عسكر أبي عبدالله، فلم يرَ واحداً، فنهبوا ما وجدوا وعادوا.

ورجع إبراهيم إلى الأُربُس. ولمّا دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبدالله عساكره، فبلغت مائتَيْ ألف فارس وراجل، واجتمع من عساكر زيادة الله بالأُربُس مع إبراهيم ما لا يُحصى، وسار أبو عبدالله، أوّل جُمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين ومائتين، فالتقوا، واقتتلوا أشدّ قتال، وطال زمانه، وظهر أصحاب زيادة الله، فلمّا رأى ذلك أبو عبدالله اختار من أصحابه ستّمائة راجل، وأمرهم أن يأتوا عسكر زيادة الله من خلفهم، فمضوا لما أمرهم في الطريق الذي أمرهم بسلوكه.
واتّفق أنّ إبراهيم فعل مثل ذلك، فالتقى الطائفتان، فاقتتلوا في مضيق هناك فانهزم أصحاب إبراهيم، ووقع الصوت في عسكره بكمين أبي عبدالله وانهزموا، وتفرّقوا، وهرب كلّ قوم إلى جهة بلادهم، وهرب إبراهيم وبعض من معه إلى القَيروان، وتبعهم أصحاب أبي عبدالله يقتلون ويأسرون، وغنموا الأموال والخيل والعُدَد، ودخل أصحابه مدينة الأُربُس فقتلوا بها خلقاً عظيماً، ودخل كثير من أهلها الجامع فقُتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد، وكانت الوقعة أواخر جمادى الآخرة، وانصرف أبو عبدالله إلى قمودة.
فلمّا وصل خبر الهزيمة إلى زيادة الله هرب إلى الديار المصريّة، وكان من أمره ما تقدّم ذكره، ولمّا هرب زيادة الله هرب أهل مدينة رقّادة على وجوههم، في الليل، إلى القصر القديم، وإلى القيروان، وسُوسة، ودخل أهل القَيروان رقّادة ونهبوا ما فيها، وأخذ القويُّ الضعيفَ، ونُهبت قصور بني الأغلب، وبقي النهب ستّة أيّام.
ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القَيروان، فقصد قصر الإِمارة، واجتمع إليه أهل القَيروان، ونادى مناديه بالأمان، وتسكين الناس، وذكر لهم أحوال زيادة الله، وما كان عليه، حتّى أفسد ملكه؛ وصغّر أمر أبي عبد الله الشيعيّ، ووعدهم أن يقاتل عنهم، ويحمي حريمهم وبلدهم، وطلب منهم المساعدة بالسمع والطاعة والأموال، فقالوا: إنّما نحن فقهاء، وعامّة، وتجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، وليس لنا بالقتال طاقة؛ فأمرهم بالانصراف، فلمّا خرجوا من عنده وأعلموا الناس بما قاله صاحوا به: اخرج عنّا، فما لك عندنا سمع ولا طاعة ! وشتموه، فخرج عنهم وهم يرجمونه.
ولمّا بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سَبِيبَةَ، ورحل فنزل بوادي النمل، وقدّم بين يديه عروبة بن يوسف، وحسن بن أبي خنزير، في ألف فارس إلى رقّادة، فوجدوا الناس ينهبون ما بقي من الأمتعة والأثاث، فأمّنوهم ولم يتعرّضوا لأحد، وتركوا لكلّ واحد ما حمله، فأتى الناس إلى القَيروان، فأخبروه الخبر، ففرح أهلها.
وخرج الفقهاء ووجوه البلد إلى لقاء أبي عبدالله، فلقوه، وسلّموا عليه، وهنّأوه بالفتح، فردّ عليهم ردّاً حسناً، وحدّثهم، وأعطاهم الأمان، فأعجبهم ذلك وسرّهم، وذمّوا زيادة الله، وذكروا مساوئه، فقال لهم: ما كان إلاّ قويّاً، وله مَنَعة، ودولة شامخة، وما قصرّ في مدافعته، ولكنّ أمر الله لا يُعانَد ولا يُدافَع ! فأمسكوا عن الكلام، ورجعوا إلى القَيروان.
ودخل رقّادة يوم السبت، مستهلّ رجب من سنة ستّ وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرّق دورها على كُتامة، ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها، وأمر فنودي بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمّال إلى البلاد، وطلب أهلَ الشرّ فقتلهم، وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال، والسلاح، وغير ذلك، فاجتمع كثير منه، وفيه كثير من الجواري لهنّ مقدار وحظّ من الجمال، فسأل عمّن يكفلهنّ، فذُكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله، فأحضرها، وأحسن إليها، وأمر بحفظهنّ، وأمر لهنّ بما يصلحهنّ ولم ينظر إلى واحدة منهنّ.
ولمّا حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقَيروان ورَقّادة، فخطبوا ولم يذكروا أحداً، وأمر بضرب السكّة، وأن لا يُنقش عليها اسمٌ، ولكنّه جعل مكان الاسم من وجه: بلغت حجّة الله؛ ومن الوجه الآخر: تفرّق أعداء الله؛ ونقش على السلاح: عُدّةٌ في سبيل الله؛ ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله؛ وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن، والقليل من الطعام الغليظ.
ذكر مسير أبي عبد الله إلى سِجِلماسة وظهور المهديّ

لمّا استقرّت الأمور لأبي عبد الله في رقّادة وسائر بلاد أفريقية أتاه أخوه أبو العبّاس محمّد، ففرح به، وكان هو الكبير، فسار أبو عبد الله في رمضان من السنة من رقّادة، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العبّاس، وأبا زاكي، وسار في جيوش عظيمة، فاهتزّ المغرب لخروجه، وخافته زَناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وجاءته رسلهم ودخلوا في طاعته.
فلمّا قر من سِجِلْماسة، وانتهى خبره إلى ألِيْسَع بن مِدرار، أمير سجلماسة، أرسل إلى المهديّ، وهو في حبسه، على ما ذكرناه، يسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبو عبد الله ؟ فحلف له المهديّ أنّه ما رأى أبا عبدالله؛ ولا عرفه، وإنّما أنا رجل تاجر؛ فاعتُقل في دار وحدة، وكذلك فعل بولده أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس، وقرّر ولده أيضاً، فما حال عن كلام أبيه، وقرّر رجلاً كانوا معه، وضربهم، فلم يقرّوا بشيء.
وسمع أبو عبد الله ذلك، فشقّ عليه، فأرسل إلى ألِيْسَع يتلطّ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأربعاء فبراير 19, 2014 8:56 am

وكان معهم رجل يُظهر أنّه منهم، وينقل ما يجري إلى المهديّ، ودخلوا عليه مراراً فلم يجسروا على قتله، فاتّفق أنّهم اجتمعوا ليلة عند أبي زاكي، فلمّا أصبحوا لبس أبو عبدالله ثوبه مقلوباً ودخل على المهديّ، فرأى ثوبه، فلم يعرّفه به، ثمّ دخل عليه ثلاثة أيّام والقميص بحاله، فقال له المهديُّ: ما هذا الأمر الذي أذهلك عن إصلاح ثوبك ؟ فهو مقلوب منذ ثلاثة أيّام فعلمتُ أنّك ما نزعتَه؛ فقال: ما علمتُ بذلك إلاّ ساعتي هذه؛ قال: أين كنتَ البارحة والليالي قبلها ؟ فسكت أبو عبدالله؛ فقال: أليس بتّ في دار أبي زاكي ؟ قال: بلى. قال: وما الذي أخرجك من دارك ؟ قال: خفتُ. قال: وهل يخاف الإنسان إلا من عدوّه ؟ فعلم أنّ أمره ظهر للمهديّ، فخرج وأخبر أصحابه، وخافوا، وتخلّفوا عن الحضور.
فذُكر ذلك للمهديّ، وعنده رجل يقال له ابن القديم، كان من جملة القوم، وعنده أموال كثيرة، من أموال زيادة الله، فقال: يا مولاي إن شئتِ أتيتُك بهم، ومضى فجاء بهم، فعلم المهديُّ صحّة ما قيل عنه، فلاطفهم وفرّقهم في البلاد، وجعل أبا زاكي والياً على طرابلس، وكتب إلى عاملها أن يقتله عند وصوله، فلمّا وصلها قتله عاملها، وأرسل رأسه إلى المهديّ، فهرب ابن القديم، فأُخذ، فأمر المهديُّ بقتله فقُتل.
وأمر المهديُّ عُرُوبة ورجالاً معه أن يرصدوا أبا عبدالله وأخاه أبا العبّاس، ويقتلوهما، فلمّا وصلا إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبدالله، فقال: لا تفعل يا بنيّ ! فقال: الذي أمَرتَنا بطاعته أمرنا بقتلك؛ فقُتل هو وأخوه، وكان قتلهما في اليوم الذي قُتل فيه أبو زاكي، فقيل: إنّ المهديّ صلّى على أبي عبدالله، وقال: رحمك الله: أبا عبدالله، وجزاك خيراً بجميل سعيك.
وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرّد أصحابهما السيوف، فركب المهديُّ وأمّن الناس، فسكنوا، ثمّ تَتّبعهم حتّى قتلهم.
وثارت فتنة ثانية بين كُتامة وأهل القَيروان، قُتل فيها خلق كثير، فخرج المهديُّ وسكّن الفتنة، وكفّ الدعاة عن طلب التشيّع من العامّة.
ولمّا استقامت الدولة للمهديّ عهد إلى ولده أبي القاسم نِزار بالخلافة، ورجعت كُتامة إلى بلادهم، فأقاموا طفلاً وقالوا: هذا هو المهديُّ، ثمّ زعموا أنّه نبيّ يوحى إليه، وزعموا أنّ أبا عبدالله لم يمُتْ، وزحفوا إلى مدينة مِيلة، فبلغ ذلك المهديَّ فأخرج ابنه أبا القاسم، فحصرهم، فقاتلوه فهزمهم واتّبعهم حتّى أجلاهم إلى البحر، وقتل منهم خلقاً عظيماً، وقتل الطفل الذي أقاموه.
وخالف عليه أهل صقلّية مع ابن وهب، فأنفذ إليهم أسطولاً، ففتحها وأتى بابن وهب فقتله.

وخالف عليه أهل تاهَرت، فعزاها، ففتحها، وقتل أهل الخلاف، وقتل جماعة من بني الأغلب برقّادة كانوا قد رجعوا إليها بعد وفاة زيادة الله.
ذكر عدّة حوادث
فيها سُيّر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلب الحسين بن حَمدان، فساروا حتّى بلغوا قَرِقِيسياء والرَّحَبة، فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وهو الأمير بالموصِل، يأمره بطلب أخيه الحسين، فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تَكريت، فانهزم الحسين، فأرسل أخاه إبراهيم بن حَمدان يطلب الأمان، فأُجيب إلى ذلك، ودخل بغداد، وخُلع عليه، وعُقد له على قُمّ وقاشان، فسار غليها وصرف عنها العبّاس بن عمرو.
وفيها وصل بارس غلام إسماعيل السامانيّ، وقُلّد ديار ربيعة، وقد تقدّم ذكره.
وفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث وبين سُبكرى غلام عمرو، فأسر طاهراً ووجّهه وأخاه يعقوب بن محمّد بن عمرو إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ، فأُدخلا بغداد أسيرين، فحُبسا، وكان سُبكرى قد تغلّب على فارس بغير أمر الخليفة، فلمّا وصل كاتبه قرّر أمره على مال يحمله، وكان وصوله إلى بغداد سنة سبع وتسعين.
وفيها خُلع على مؤنس المظفَّر الخادم، وأُمر بالمسير إلى غزو الروم، فسار في جمع كثيف، فغزا من ناحية مَلَطْية، ومعه أبو الأغر السلميُّ، فظفر وغنم وأسر منهم جماعة وعاد.
وفيها قّلّد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار، فسار إليها من الدَّينَور.
وفيها سقط ببغداد ثلج كثير من بُكرة إلى العصر، فصار على الأرض أربع أصابع، وكان معه برد شديد، وجمد الماء والخلّ والبيض والأدهان، وهلك النخل، وكثير من الشجر؛ وحجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها توفّي محمّد بن طاهر بن عبدالله بن طاهر.
وفيها قُتل سَوْسَن حاجب المقتدر، وسبب ذلك أنّه كان له أثر في أمر ابن المعتزّ، فلمّا بويع ابن المعتّز واستحجب غيره لزم المقتدر، فلمّا استوزر ابن الفرات تفرّد بالأمور، فعاداه سوسن، وسعى في فساد حاله، فأعلم ابنُ الفرات المقتدر بالله بحال سوسن، وأنّه كان ممّن أعان ابن المعتّز فقبض عليه وقتله.
وفيها توفّي محمّد بن داود بن الجرّاح عمّ عليّ بن عيسى الوزير، وكان عالماً بالكتابة.
وفيها توفّي عبدالله بن جعفر بن خاقان، وأبو عبد الرحمن الدهكانيُّ.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين
ذكر استيلاء الليث على فارس وقتله
في هذه السنة سار الليث بن عليّ بن الليث من سِجِستان إلى فارس في جيش وأخذها، واستولى عليها، وهرب سُبكرى عنها إلى أرّجان، فلمّا بلغ الخبر المقتدر جهّز مؤنساً الخادم وسيّره إلى فارس، معونة لسُبكرى، فاجتمعا بأرّجان.
وبلغ خر اجتماعهما الليثَ، فسار إليهما، فأتاه الخبر بمسير الحسين ابن حَمدان من قُمّ إلى البيضاء، معونة لمؤنس، فسيّر أخاه في بعض جيشه إلى شيراز ليحفظها، ثمّ سار في بعض جنده في طريق مختصر ليواقع الحسين ابن حَمدان، فأخذ به الدليل في طريق الرجّالة، فهلك أكثر دوابّه، ولقي هو وأصحابه مشقّة عظيمة، فقتل الدليل، وعدل عن ذلك الطريق، فأشرف على عسكر مؤنس، فظنّه هو وأصحابه أنّه عسكره الذي سُيّر مع أخيه إلى شيراز، فكبّروا، فثار إليهم مؤنس وسُبكرى في جندهما، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الليث، وأُخذ هو أسيراً.
فلمّا أسره مؤنس قال له أصحابه: إنّ المصلحة أن نقبض على سُبكرى، ونستولي على بلاد فارس، ونكتب إلى الخليفة ليقرّها عليك؛ فقال: سأفعل غداً، إذا صار إلينا على عادته، فلمّا جاء الليل أرسل مؤنس إلى سُبكرى سرّاً يعرّفه ما أشار به أصحابه، وأمره بالمسير من ليلته إلى شِيراز، ففعل، فلمّا أصبح مؤنس قال لأصحابه: أرى سُبكرى قد تأخّر عنّا، فتعرّفوا خبره؛ فسار إليه بعضهم، وعاد فأخبره أنّ سُبكرى سار من ليلته إلى شِيراز، فلام أصحابه، وقالب: من جهتكم بلغه الخبر حتّى استوحش؛ وعاد مؤنس ومعه الليث إلى بغداد، وعاد الحسين بن حَمدان إلى قمّ.
ذكر أخذ فارس من سُبكرى

لمّا عاد مؤنس عن سُبكرى استولى كاتبه عبد الرحمن بن جعفر على الأمور، فحسده أصحاب سُبكرى، فنقلوا عنه أنّه كاتب الخليفة، وأنّه قد حلّف أكثر القوّاد له، فقبض عليه وقيّده وحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل ابن إبراهيم البمّيّ، فحمله على العصيان ومَنْع ما كان يحمله إلى الخليفة، ففعل ذلك.
فكتب عبد الرحمن بن جعفر إلى ابن الفرات، وزير الخليفة، يعرّفه ذلك، وأنّه لمّا نهى سُبكرى عن العصيان قبض عليه، فكتب ابن الفرات إلى مؤنس، وهو بواسط، يأمره بالعود إلى فارس، ويعجزه حيث لم يقبض على سُبكرى، ويحمله مع الليث إلى بغداد؛ فعاد مؤنس إلى الأهواز.
وأرسل سُبكرى مؤنساً، وهاداه، وسأله أن يتوسّط حاله مع الخليفة، فكتب في أمره، وبذل عنه مالاً، فلم يستقرّ بينهم شيء؛ وعلم ابن الفرات أنّ مؤنساً يميل إلى سُبكرى، فأنفذ وصيفاً كاتبه، وجماعة من القوّاد، ومحمّد بن جعفر الفريابيّ، وعوّل عليه في فتح فارس، وكتب إلى مؤنس يأمره باستصحاب الليث معه إلى بغداد، فعاد مؤنس.
وسار محمّد بن جعفر إلى فارس، وواقع سُبكرى على باب شيراز، فانهزم سُبكرى إلى بمّ وتحصّن بها، وتبعه محمّد بن جعفر وحصره بها، فخرج إليه سُبكرى وحاربه مرة ثانية، فهزمه محمّد ونهب ماله ودخل سُبكرى مفازة خراسان، فظفر به صاحب خُراسان، على ما نذكره، واستولى محمّد ابن جعفر على فارس فاستعمل عليها قنبجاً خادم الأفشين، والصحيح أنّ فتح فارس كان سنة ثمان وتسعين.
ذكر عدّة حوادث
وفيها وجّه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة؛ وحجّ بالناس الفضل ابن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها توفّي عيسى النُّوشريُّ في شعبان بمصر، بعد موت أبي العبّاس ابن بِسطام بعشرة أيّام، ودُفن بالبيت المقدّس، واستعمل المقتدر مكانه تكين الخادم، وخلع عليه منتصف شهر رمضان.
وفيها توفّي أبو عبدالله محمّد بن سالم، صاحب سهل بن عبد الله التُّستريّ.
وفيها توفّي الفيض بن الخضر، وقيل ابن محمّد أبو الفيض الأولاشيُّ الطَّرسوسيُّ، وأبو بكر محمّد بن داود بن عليّ الأصفهانيُّ الفقيه الظاهريُّ، وموسى بن إسحاق القاضي، والقاضي أبو محمّد يوسف بن يعقوب بن حمّاد وله تسع وثمانون سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتينذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سِجِستان
في هذه السنة، في رجب، استولى أبو نصر أحمد بن إسماعيل السامانيُّ على سِجِستان.
وسبب ذلك أنّه لمّا استقرّ أمره، وثبت ملكه، خرج في سنة سبع وتسعين ومائتين إلى الرَّيّ، وكان يسكن بخارى، ثمّ سار إلى هراة، فسيّر منها جيشاً في المحرّم سنة ثمان وتسعين إلى سِجِستان، وسيّر جماعة من أعيان قوّاده وأمرائه، منهم أحمد بن سهل، ومحمّد بن المظفَّر، وسيمجور الدواتيُّ، وهو والد آل سيمجور ولاة خُراسان للسامانيّة، وسيرد ذكرهم، واستعمل أحمد على هذا الجيش الحسينَ بن عليّ المَروَرُوذيَّ، فساروا حتّى أتوا سجستان، وبها المعدَّل بن عليّ بن الليث الصَّفّار وهو صاحبها.
فلمّا بلغ المعدَّل خبرهم سيّر أخاه أبا عليّ محمّد بن عليّ بن الليث إلى بُست والرُخَّج ليحمي أموالها، ويرسل منها الميرة إلى سجستان، فسار المير أحمد بن إسماعيل إلى أبي عليّ ببُست، وجاذبه، وأخذه أسيراً، وعاد به إلى هَراة.
وأمّا الجيش الذي بسجستان فإنّهم حصروا المُعدَّل، وضايقوه، فلمّا بلغه أنّ أخاه أبا عليّ محمّداً قد أُخذ أسيراً، صالح الحسينَ بن عليّ، واستأمن إليه، فاستولى الحسين على سجستان، فاستعمل عليها الأميرَ أحمد أبا صالح منصور بن إسحاق، وهو ابن عمّه، وانصرف الحسين عنها ومعه المعدّل إلى بخارى؛ ثمّ إنّ سجستان خالف أهلها سنة ثلاثمائة على ما نذكره.
ولمّا استولى السامانيّة على سجستان بلغهم خبر مسير سُبكرى في المفازة من فارس إلى سجستان، فسيّروا إليه جيشاً، فلقوه وهو وعسكره قد أهلكهم التعب، فأخذوه أسيراً، واستولوا على عسكره، وكتب الأمير أحمد إلى المقتدر بذلك، وبالفتح، فكتب إليه يشكره على ذلك، ويأمره بحمل سُبكرى، ومحمّد بن عليّ بن الليث، إلى بغداد، فسيّرهما، وأُدخلا بغداد مشهورَيّن على فيلَينْ، وأعاد المقتدر رسل أحمد، صاحب خُراسان، ومعهم الهدايا والخلع.؟
ذكر عدّة حوادث

فيها أطلق الأمير أحمد بن إسماعيل عمّه إسحاق بن أحمد من محبسه، وأعاده إلى سَمَرْقَنْد وفَرْغانة.
وفيها توفّي محمّد بن جعفر الفريابيُّ، وقنبج الخادم أمير فارس، فاستعمل عليها عبدَ الله بن إبراهيم المِسْمعيَّ، وأضاف إليه كَرْمان.
وفيها جُعلت أمُّ موسى الهاشميّة قَهرمانة دار المقتدر بالله، فكانت تؤدّي الرسائل من المقتدر وأمّه إلى الوزير، وإنّما ذكرناها لأنّ لها فيما بعد من الحكم في الدولة ما أوجب ذكرها، وإلاّ كان الإضراب عنها أولى.
وفيها غزا القاسم بن سيما الصائفة.
وفيها، في رجب، توفّي المظفَّر بن جاخ، أمير اليمن، وحُمل إلى مكّة ودُفن بها، واستعمل الخليفة على اليمن بعده ملاحظاً؛ وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ.
وفيها، في شعبان، أُخذ جماعة ببغداد، قيل إنّهم أصحاب رجل يدّعي الربوبيّة، يُعرف بمحمّد بن بشر.
وفيها هبّت ريح شديدة حارة صفراء بحديثة الموصل، فمات لشدّة حرّها جماعة كثيرة.
وفيها توفّي أبو القاسم جُنَيْد بن محمّد الصُّوفُّي، وكان إمام الدنيا في زمانه، وأخذ الفقه عن أبي ثور، صاحب الشافعيّ، والتصوّف عن سريّ السقطيّ.
وفيها توفّي أبو برزة الحاسب، واسمه الفضل بن محمد.
وفيها توفّي القاسم بن العبّاس أبو محمّد المعشريُّ، وإنّما قيل له المعشريُّ لأنّه ابن بنت أبي معشر نجيح المدنيّ، وكان زاهداً فقيهاً.
وفيها توفّي أحمد بن سعيد بن مسعود بن عصام أبو العبّاس، ومحمّد بن إياس والد أبي زكرياء، صاحب تاريخ الموصل، وكان خيّراً فاضلاً، وهو أزديّ.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين
ذكر القبض على ابن الفرات
ووزارة الخاقاني
ّ
في هذه السنة قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجّة، وكان قد ظهر، قبل القبض عليه بمدة يسيرة، ثلاثة كواكب مذنّبة، أحدها ظهر آخر رمضان في بُرج الأسد، والآخر ظهر في ذي القعدة في المشرق، والثالث ظهر في المغرب في ذي القعدة أيضاً في برج العقرب.
ولمّا قبض على الوزير وكّل بداره، وهتك حُرمه، ونهب ماله، ونُهبت دور أصحابه ومَن يتعلّق به، وافتتنت بغداد لقبضه، ولقي الناس شدّة ثلاثة أيّام، ثمّ سكنوا.
وكانت مدّة وزارته هذه السنة، وهي الوزارة الأولى، ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوماً، وقُلّد أبو عليّ محمّد بن يحيى بن عبيدالله بن يحيى بن خاقان الوزارة، فرتّب أصحاب الدواوين؛ وتولّى مناظرة ابن الفرات أبو الحسين أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وكان أخوه أبو الحسن بن أبي البغل مقيماً بأصبهان، فسعى أخوه له في الوزارة هو وأمّ موسى القهرمانة، فأذن المقتدر في حضوره ليتولّى الوزارة، فحضر، فلّما بلغ ذلك الخاقانيَّ انحلّت أموره، فدخل على الخليفة وأخبره بذلك، فأمره بالقبض على أبي الحسن، وأبي الحسين أخيه، فقبض على أبي الحسن وكتب في القبض على أبي الحسين، فقُبض أيضاً، ثمّ خاف القهرمانة، فأطلقهما واستعملهما.
ثمّ إنّ أمور الخاقانيّ انحلّتْ لأنّه كان ضجوراً، ضيّق الصدر مهملاً لقراءة كتب العُمّال، وجباية الأموال، وكان يتقرّب إلى الخاصّة والعامّة، فمنع خدم السلطان وخواصّه أن يخاطبوه بالعبد، وكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامّة يصلّون جماعة، ينزل ويصلّي معهم، وإذا سأله أحدٌ حاجةً دقّ صدره وقال، نعم وكرامة، فسُمّي: دقّ صدره، إلاّ أنّه قصّر في إطلاق الأموال للفرسان والقوّاد، فنفروا عنه واتّضعت الوزارة بفعله ما تقدّم.
وكان أولاده قد تحكّموا عليه، فكلّ منهم يسعى لمن يرتشي منه، وكان يولّي في الأيّام القليلة عدّة من العُمّال، حتّى إنّه ولَّى بالكوفة، في مدّة عشرين يوماً، سبعةً من العُمّال، فاجتمعوا في الطريق، فعرَضوا توقيعاتهم، فسار الخير منهم، وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فيه:
وزيرٌ قد تكاملَ في الرّقاعهْ ... يولّي ثمّ يَعْزِلُ بَعْدَ ساعَهْ
إذا أهل الرُّشى اجتمعوا لدَيهِ ... فخَيرُ القَومِ اوفَرُهُم بضاعَهْ
وليسَ يُلامُ في هذا بحالٍ ... لأنّ الشيخَ أفلَتَ من مَجَاعَهْ

ثمّ زاد الأمر، حتّى تحكّم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال، فانحلّت القواعد، وخبثت النيّات، واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم، والرجوع إلى قول النساء والخدم، والتصرّف على مقتضى آرائهم، فخرجت الممالك، وطمع العمّال في الأطراف، وكان ما نذكره فيما بعد.
ثمّ إنّ الخليفة أحضر الوزر ابن الفُرات من محبسه، فجعله عنده في بعض الحُجر مكرماً، فكان يَعِرض عليه مطالعات العمّال وغير ذلك، وأكرمه، وأحسن إليه، بعدَ أن أخذ أمواله.
ذكر عدّة حوادث
فيها غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طَرَسُوس، ومعه دميانة، فحصر حصن مَليح الأرمنيّ، ثمّ دخل بلده وأحرقه.
وفيها دخل بغداد العظيم والأغبر وهما من قوّاد زكرويه القُرمطيّ، دخلا بالأمان؛ وحجّ بالناس الفضل بن عبد الملك.
وفيها جاء نفر من القَرامطة من أصحاب أبي سعيد الجنّابيّ إلى باب البصرة، وكان عليها محمّد بن إسحاق بن كنداجيق، وكان وصولهم يوم الجمعة، والناس في الصلاة، فوقع الصوت بمجيء القَرامطة، فخرج إليهم الموكَّلون بحفظ باب البصرة، فرأوا رجلَيْن منهم، فخرجوا إليهما، فقتل القرامطة منهم رجلاً وعادوا فخرج إليهم محمّد بن إسحاق في جمع، فلم يرهم، فسيّر في أثرهم جماعة، فأدركوهم، وكانوا نحو ثلاثين رجلاًن فقاتلوهم، فقُتل بينهم جماعة، وعاد ابن كنداجيق وأغلق أبواب البصرة، ظنّاً منه أنّ أولئك القرامطة كانوا مقدّمة لأصحابهم، وكاتب الوزير ببغداد يعرّفه وصول القرامطة ويستمدّه، فلمّا أصبح ولم يرَ للقرامطة أثراً ندم على ما فعل، وسيّر إليه من بغداد عسكراً مع بعض القوّاد.
وفيها خالف أهل طرابلس الغرب على المهديّ، عبيدالله العلويّ، فسيّر إليها عسكراً فحاصرها، فلم يظفر بها، فسيّر إليها المهديُّ ابنَهُ أبا القاسم في جُمادى الآخرة سنة ثلاثمائة، فحاصرها، وصابرها، واشتدّ في القتال، فعدمت الأقوات في البلد حتّى أكل أهله الميتة. ففتح البلد عنفاً، وعفا عن أهله، وأخذ أموالاً عظيمة من الذين أثاروا الخلاف وغرّم أهل البلد جميع ما أخرجه على عسكره، وأخذ وجوه البلد رهائن عنده، واستعمل عليه عاملاً وانصرف.
وفيها كانت زلازل بالقَيروان لم يُرَ مثلها شدّة وعظمة، وثار أهل القَيروان، فقتلوا من كُتامة نحو ألف رجل.
وفيها توفّي محمّد بن أحمد بن كَيسان أبو الحسن النحويُّ، وكان عالماً بنحو البصريّين والكوفيّين، لأنّه أخذه عن ثعلب والمبرّد.
وفيها توفّي محمّد بن السريّ القنطريُّ، وأبو صالح الحافظ، وأبو عليّ ابن سيبويه، وأبو يعقوب إسحاق بن حُنَينْ الطبيب.
ثم دخلت سنة ثلاثمائةذكر عزل الخاقانيّ عن الوزارة
ووزارة عليّ بن عيسى
في هذه السنة ظهر للمقتدر تخليط الخاقانيّ، وعجزه في الوزارة، فأراد عزله، وإعادة أبي الحسن بن الفرات إلى الوزارة، فمنعه مؤنس الخادم عن ابن الفرات لنفوره عنه لأمور، منها: إنفاذ الجيش إلى فارس مع غيره، وإعادته إلى بغداد، وقد ذكرناه، فقال للمقتدر: متى أعدتَه ظنّ الناس أنّك إنّما قبضتَ عليه شرهاً في ماله، والمصلحة أن تستدعي عليَّ بن عيسى من مكّة وتجعله وزيراً، فهو الكافي الثقة، الصحيح العمل، المتين الدين.

فأمر المقتدر بإحضاره، فأنفذ مَن يحضره، فوصل إلى بغداد أوّل سنة إحدى وثلاثمائة، وجلس في الوزارة، وقُبض على الخاقانيّ وسُلّم إليه، فأحسن قبضه، ووسّع عليه، وتولّى عليُّ بن عيسى، ولازم العمل والنظر في الأمور، وردّ المظالم، وأطلق من المكوس شيئاً كثيراً بمكّة وفارس، وأطلق المواخير والمُفسدات بدوْبق، وأسقط زيادات كان الخاقانيُّ قد زادها للجند، لأنّه عمل الدخل والخرج، فرأى الخرج أكثر، فأسقط أولئك، وأمر بعمارة المساجد والجوامع، وتبييضها وفرشها بالحصر، وإشعال الأضواء فيها، وأجرى للأئمة، والقراء، والمؤذنين، أرزاقاً، وأمر بإصلاح البيمارستانات، وعمل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وقرّر فيها فضلاء الأطبّاء، وأنصف المظلومين، وأسقط ما زيد في خراج الضياع، ولمّا عُزل الخاقانيُّ أكثر الناس التزوير على خطّه بمسامحات وإدرارات، فنظر عليُّ بن عيسى في تلك الخطوط، فأنكرها، وأراد إسقاطها، فخاف ذمّ الناس، ورأى أن ينفذها إلى الخاقانيّ ليميّز الصحيح من المزوّر عليه، فيكون الذمّ له، فلمّا عُرضت تلك الخطوط عليه قال: هذه جميعها خطّي وأنا أمرتُ بها؛ فلمّا عاد الرسول إلى عليّ بن عيسى بذلك قال: والله لقد كذب، وقد علم المزوَّر من غيره، ولكنّه اعترف بها ليحمده الناس ويذمّوني؛ وأمر بها فأُجيزتْ.
وقال الخاقانيُّ لولده: يا بنيّ هذه ليست خطّي، ولكنّه أنفذها أليّ وقد عرف الصحيح من السقيم، ولكنّه أراد أن يأخذ الشوك بأيدينا، ويبغّضنا إلى الناس، وقد عكست مقصوده.
ذكر خلاف سجستان وعودها إلى طاعة أحمد ابن إسماعيل السامانيّ
وفي هذه السنة أنفذ الأمير أبو نصر أحمد بن إسماعيل السامانيُّ عسكراً إلى سِجِستان ليفتحها ثانياً، وكانت قد عصتْ عليه، وخالف مَن بها.
وسبب ذلك أنّ محمَد بن هُرمُز، المعروف بالمولى الصندليّ، كان خارجيّ المذهب، وكان قد أقام ببخارى وهو من أهل سِجِستان، وكان شيخاً كبيراً، فجاء يوماً إلى الحسين بن عليّ بن محمّد العارض يطلب رزقه، فقال له: إنّ الأصلح لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطاً يعبد الله فيه، حتّى يوافيه أجله؛ فغاظه ذلك، فانصرف إلى سِجِستان والوالي عليها منصور بن إسحاق، فاستمال جماعةً من الخوارج، ودعا إلى الصَّفّار، وبايع في السرّ لعمرو بن يعقوب بن محمّد بن عمرو بن الليث، وكان رئيسهم محمّد بن العبّاس، المعروف بابن الحَفّار، وكان شديد القوّة، فخرجوا، وقبضوا على منصور بن إسحاق أميرهم وحبسوه في سجن أرْكٍ وخطبوا لعمرو بن يعقوب، وسلّموا إليه سجستان.
فلمّا بلغ الخبر إلى المير أحمد بن إسماعيل سيّر الجيوش مع الحسين ابن عليّ، مرّةً ثانية إلى زَرَنْجَ، في سنة ثلاثمائة، فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوماً محمّد بن هُرمُز الصندليُّ إلى السور، وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ لا يصلح إلا للزوم رباط ؟ يذكرهم بما قاله العارض ببخارى؛ واتّفق أنّ الصندلي مات، فاستأمن عمرو بن يعقوب الصَّفّار وابن الحفّار إلى الحسين بن عليّ، وأطلقوا عن منصور بن إسحاق، وكان الحسين بن عليّ يكرم ابن الحفّار ويقرّبه، فواطأ ابن الحفّار جماعة على الفتك بالحسين، فعلم الحسين ذلك، وكان ابن الحفّار يدخل على الحسين، لا يحجب عنه، فدخل إليه يماً وهو مشتمل على سيف، فأمر الحسين بالقبض عليه، وأخذه معه إلى بخارى.
ولمّا انتهى خبر فتح سِجِستان إلى المير أحمد استعمل عليها سيمجورَ الدواتيَّ، وأمر الحسينَ بالرجوع إليهن فرجع ومعه عمرو بن يعقوب وابن الحفّار وغيرهما، وكان عوده في ذي الحجّة سنة ثلاثمائة، واستعمل الأمير أحمدُ منصوراً ابن عمّه إسحاق على نَيسابور وأنفذه إليها، وتوفّي ابن الحفّار.
ذكر طاعة أهل صقلّية للمقتدر
وعودهم إلى طاعة المهديّ العلويّ
قد ذكرنا سنة سبع وتسعين ومائتين استعمال المهديّ عليَّ بن عمر على صِقلّية، فلمّا وليها كان شيخاً ليّناً، فلم يرض أهل صِقلّية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولّوا على أنفسهم أحمد بن قرهب، فلمّا وليّ سيّر سريّة إلى أرض قِلُّورِيَةَ، فغنموا منها، وأسروا من الروم وعادوا.

وأرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليّاً إلى قلعة طَبَرْمين في جيش، وأمره بحصرها، وكان غرضه إذا ملكها أن يجعل بها ولده وأمواله وعبيده، فإذا رأى من أهل صقلّية ما يكره امتنع بها، فحصرها ابنه ستّة أشهر، ثمّ اختلف العسكر عليه، وكرهوا المُقام، فأحرقوا خيمته، وسواد العسكر، وأرادوا قتله، فمنعهم العرب.
ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخَطب له بصِقلّية، وقَطع خطبة المهديّ، وأخرج ابن قرهب جيشاً في البحر إلى ساحل أفريقية، فلقوا هناك أسطول المهديّ ومقدّمه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلّيُّ إلى مدينة سَفَاقُس، فخرّبوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهديّ، فعادوا.
ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثمّ أخرج مراكب فيها جيش إلى قِلُّورِيَةَ، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا؛ وسيّر أيضاً اسطولاً إلى إفريقية، فخرج عليه أسطول المهديّ، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه.
وخاف منه أهل جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهديّ، فلمّا رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهديَّ أيضاً، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيراً سنة ثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهديّ مع جماعة من خاصّته، فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير، فقُتلوا، واستعمل على صقلّية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسيّر معه جماعة كثيرة من شيوخ كُتامة، فوصلوا إلى طَرَابُنُش.
وسبب إرسال العسكر معه أنّ ابن قرهب كان قد كتب إلى المهديّ يقول له: إنّ أهل صقلّية يكثرون الشغب على أمرائهم، ولا يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا يزول ذلك إلاّ بعسكر يقهرهم ويزيل الرئاسة عن رؤسائهم، ففعل المهديُّ ذلك، فلمّا وصل معه العسكر خاف منه أهل صقلّية، فاجتمع عليه أهل جرجنت وأهل المدينة وغيرها، فتحصّن منهم أبو سعيد وعمل على نفسه سوراً إلى البحر، وصار المرسى معه، فاقتتلوا، فانهزم أهل صقلّية، وقُتل جماعة من رؤسائهم، وأُسر جماعة، وطل أهل المدينة الأمان، فأمّنهم إلا رجلَيْن هما أثارا الفتنة، فرضوا بذلك وتسلّم الرجلَيْن، وسيّرهما إلى المهديّ بإفريقية، وتسلّم المدينة، وهدم أبوابها، وأتاه كتاب المهديّ يأمره بالعفو عن العامّة.
ذكر وفاة عبد الله بن محمّد صاحب الأندلس وولاية عبد الرحمن الناصر
وفيها توفّي عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأمويُّ، صاحب الأندلس، في ربيع الأوّل، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وكان أبيض، أصهب، أزرق، ربعة، يخضب بالسواد، وكانت ولايته خمساً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً، وخلّف أحد عشر ولداً ذكراً، أحدهم محمّد المقتول، قتله في حدّ من الحدود، وهو والد عبد الرحمن الناصر.
ولمّا توفّي وليَ بعده ابن ابنه هذا محمّد، واسمه عبد الرحمن بن محمّد ابن عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هِشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ابن معاوية بن هِشام بن عبد الملك بن مَروان بن الحاكم الأمويّ، وأمّه أمّ ولد تسمّى مرتة، وكان عمره لمّا قُتل أبوه عشرين يوماً.
وكانت ولايته من المستطرف لأنّه كان شاباً، وبالحضرة أعمامه وأعمام أبيه، فلم يختلفوا عليه، ووُلِّيَ الإمارة والبلاد كلّها، وقد اختلف عليهم قبله، وامتنع حصون بكورة رَيّة وحصن بُبَشْتَر فحاربه، حتّى صلحت البلاد بناحيته، وكان مَن بطُليطُلة أيضاً قد خالفوا، فقاتلهم حتّى عادوا إلى الطاعة، ولم يزل يقاتل المخالفين حتّى أذعنوا له، وأطاعوه نيّفاً وعشرين سنة، فاستقامت البلاد، وأمنت في دولته، ومضى لحال سبيله.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة عُزل عبد الله بن إبراهيم المِسْمعيُّ عن فارس وكَرمان واستُعمل عليها بدر الحمّاميُّ، وكان بدر يتقلّد أصبهان، واستُعمل بعده على أصبهان عليُّ بن وهسوذان الديلميُّ.
وفيها ورد الخبر إلى بغداد، ورسوله من عامل بَرقة، وهي من عمل مصر وما بعدها بأربعة فراسخ لمصر وما وراء ذلك من عمل المغرب، بخبر خارجيّ خرج عليهم، وأنهم ظفروا به وبعسكره، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ووصل على يد الرسول من أنوفهم وآذانهم شيء كثير.

وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد.
وفيها كلبت الكلاب والذئاب بالبادية، فأهلكت خلقاً كثيراً.
وفيها وُلِّيَ بشر الأفشينيُّ طَرَسُوس.
وفيها قُلّد مؤنس المظفَّر الحرمَينْ والثغور.
وفيها انقضّت الكواكب انقضاضاً كثيراً إلى جهة المشرق.
وفيها مات أسكندروس بن لاون ملك الروم، وملك بعده ابنه، واسمه قسطنطين، وعمره اثنتا عشرة سنة.
وفيها توفّي عبيدالله بن عبدالله بن طاهر بن الحسين، وكان مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وفيها توفّي أحمد بن عليّ الحدّاد، وقيل سنة تسع وتسعين ومائتين، وهو الصحيح.
وفيها توفّي أحمد بن يعقوب ابن أخي العرق المقرئ، والحسين بن عمر بن أبي الأخوص، وعليُّ بن طيفور النشويُّ، وأبو عمر القتّات.
وفيها، في ربيع الآخر، توفّي يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم المعروف بالنديم.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائةفي هذه السنة خُلع على الأمر أبي العبّاس بن المقتدر بالله، وقُلد أعمال مصر والمغرب، وعمره أربع سنين، واستخلف له على مصر مؤنس الخادم، وأبو العبّاس هذا هو الذي وليَ الخلافة بعد القاهر بالله، ولُقّبَ الراضي بالله.
وخُلع أيضاً على الأمير عليّ بن المقتدر، ووليَ الرّيّ، ودنباوند، وقزوين، وزنجان، وأبهر.
وفيها أُحضر بدار عيسى رجل يُعرف بالحلاّج ويكنّى أبا محمّد، وكان مشعبذاً في قول بعضهم، وصاحب حقيقة في قول بعضهم، ومعه صاحب له، فقيل، إنّه يدّعي الربوبيّة، وصُلب هو وصاحبه ثلاثة أيّام، كلّ يوم من بُكرة إلى انتصاف النهار، ثمّ يؤمَرُ بهما إلى الحبس، وسنذكر أخباره واختلاف الناس فيه عند صلبه.
وفيها، في صفر، عُزل أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان عن الموصل، وقُلّد يُمن الطولونيُّ المعونة بالموصل، ثمّ صُرف عنها في هذه السنة، واستُعمل عليها نحرير الخادم الصغير.
وفيها خالف أبو الهيجاء عبدُ الله بن حَمدان على المقتدر فسُيّر إليه مؤنس المظفَّر، وعلى مقدّمته بنّيّ بن نفسي، خرج إلى الموصل منتصف صفرٍ ومعه جماعة من القوّاد، وخرج مؤنس في ربيع الأوّل، فلمّا علم أبو الهيجاء بذلك قصد مؤنساً مستأمناً من تلقاء نفسه، وورد معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه.
وفيها توفّي دميانة أمير الثغور وبحر الروم، وقُلّد مكانه ابن بلك.
ذكر قتل الأمير أبي نصر الساماني
وولاية ولده نصر
وفي هذه السنة قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد السامانيُّ صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مولعاً بالصيد، فخرج إلى فربر متصيّداً، فلمّا انصرف أمر بإحراق ما اشتمل عليه عسكره، وانصرف، فورد عليه كتاب نائبه بطبرستان، وهو أبو العبّاس صعلوك، وكان يليها بعد وفاة ابن نوح بها، يخبره بظهور الحسن بن عليّ العلويّ الأطروش بها، وتغلّبه عليها، وأنّه أخرجه عنها، فغمّ ذلك أحمد، وعاد إلى معسكره الذي أحرقه فنزل عليه فتطيّر الناس من ذلك.
وكان له أسدٌ يربطه كلّ ليلة على باب مبيته، فلا يجسر أحد أن يقربه، فأغفلوا إحضار الأسد تلك الليلة، فدخل إليه جماعة من غلمانه، فذبحوه على سريره وهربوا، وكان قَتْله ليلة الخميس لسبع بقين من جُمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة، فحُمل إلى بخارى فدُفن بها، ولُقّب حينئذ بالشهيد، وطُلب أولئك الغلمان، فأُخذ بعضهم فقُتل.
ووليَ الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر بن أحمد، وهو ابن ثماني سنين، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوماً، وكان موته في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ولُقّب بالسعيد، وبايعه أصحاب أبيه ببخارى بعد دفن أبيه، وكان الذي تولّى ذلك أحمد بن محمّد بن الليث، وكان متولّي أمر بخارى، فحمله على عاتقه، وبايع له الناس، ولّما حمله خدم أبيه ليظهر للناس خافهم وقال: أتريدون أن تقتلوني كما قتلتم أبي ؟ فقالوا: لا إنّما نريد أن تكون موضع أبيك أميراً؛ فسكن روعه.

واستصغر الناس نصراً، واستضعفوه، وظنّوا أنّ أمره لا ينتظم مع قوّة عمّ أبيه الأمير إسحاق بن أحمد، وهو شيخ السامانيّة، وهو صاحب سَمَرْقند، ومَيْل الناس بما وراء النهر سوى بخارى إليه وإلى أولاده، وتولّى تدبير دولة السعيد نصر بن أحمد أبو عبدالله محمّد بن أحمد الجَيْهانيُّ، فأمضى الأمور، وضبط المملكة، واتّفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه، ومع هذا، فإنّ أصحاب الأطراف طمعوا في البلاد، فخرجوا من النواحي على ما نذكره.
فممنّ خرج عن طاعته سِجِستان، وعمّ أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد بسَمرقند، وابناه منصور وإلياس ابنا إسحاق، ومحمّد بن ا لحسين بن مت، وأبو الحسن بن يوسف، والحسين بن عليّ المَرْورُوذيُّ، ومحمّد بن جيد، وأحمد بن سهل، وليلى بن نعمان، صاحب العلويّين بَطَبِرستان، ووقّعه سيمجور مع أبي الحسن بن الناصر، وقراتكين، وما كان بن كالي، وخرج عليه إخوته يحى ومنصور وإبراهيم، أولاد أحمد بن إسماعيل، وجعفر بن أبي جعفر، وابن داود، ومحمّد بن إلياس، ونصر بن محمّد بن مت، ومرداويج ووشمكير ابنا زيار، وكان السعيد مظفَّراً منصوراً عليهم.
ذكر أمر سجستانولّما قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل خالف أهل سجِستان على ولده نصر، وانصرف عنها سيمجور الدواتيٌّ، فولاّها المقتدر بالله بدراً الكبير، فأنفذ إليها الفضلَ بن حميد، وأبا يزيد خالد بن محمد المروزيّ، وكان عُبيد الله بن أحمد الجَيْهانيُّ ببُستَ، والرُّخَّج، وسعد الطالقانيُّ بغَزنة من جهة السعيد نصر بن أحمد، فقصدهما الفضل خالد، وانكشف عنهما عبيدالله، وقبضا على سعد الطالقانيّ وأنفذاه إلى بغداد، واستولى الفضل وخالد على غزنة وبُست، ثمّ اعتلَّ الفضل، وانفرد خالد بالأمور، وعصى على الخليفة، فأنفذ إليه دركاً أخا نجح الطولونيّ، فقاتله فهزمه خالد.
وسار خالد إلى كَرمان، فأنفذ إليه بدر جيشاً، فقاتلهم خالد، فجُرح، وانهزم أصحابه، وأُخذ هو أسيراً، فمات، فحُمل رأسه إلى بغداد.
ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابن إلياسوفي هذه السنة، وهي إحدى وثلاثمائة، خرج على السعيد نصر بن أحمد ابن إسماعيل عمّ أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد وابنه إلياس، وكان إسحاق بسَمَرْقَنْد لّما قُتل أحمد بن إسماعيل ووليَ ابنه نصر بن أحمد، فلمّا بلغه ذلك عصى بها، وقام ابنه إلياس يأمر الجيش، وقوي أمرهما، فساروا نحو بخارى، فسار إليه حمويه بن عليّ في عسكر، وكان ذلك في شهر رمضان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم إسحاق إلى سَمَرْقَنْد، ثمّ جمع وعاد مرّة ثانية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم إسحاق أيضاً، وتبعه حموية إلى سَمَرْقَنْد فملكها قهراً.
واختفى إسحاق، وطلبه حموية، ووضع عليه العيون والرصد، فضاق بإسحاق مكانه، فأظهر نفسه، واستأمن إلى حموية فأمّنه وحمله إلى بخارى فأقام بها إلى أن مات.
وأمّا ابنه إلياس فإنّه سار إلى فرغانة، وبقي بها إلى أن خرج ثانياً.
ذكر ظهور الحسن بن عليّ الأطروش
وفيها استولى الحسن بن عليّ بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب على طَبَرِسْتان، وكان يلقّب بالناصر.
وكان سبب ظهوره ما نذكره، وقد ذكرنا فيما تقدّم عصيان محمّد ابن هارون على أحمد بن إسماعيل، وهربه منه، وغير ذلك، ثمّ إنّ الأمير أحمد بن إسماعيل استعمل على طبرستان أبا العبّاس عبدالله بن محمّد بن نوح، فأحسن فيهم السيرة، وعدل فيهم، وأكرم مَن بها من العلويّين، وبالغ في الإحسان إليهم، وراسل رؤساء الديلم، وهاداهم، واستمالهم.
وكان الحسن بن عليّ الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمّد بن زيد، وأقام بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويقتصر منهم على العشر، ويدافع عنهم ابن حسّان ملكهم، فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا عليه، وبنى في بلادهم مساجد.
وكان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل: قَزوين، وسالوس، وغيرهما، وكان بمدينة سالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل؛ ثمّ إنّه جعل يدعوهم إلى الخروج معه إلى طبرستان، فلا يجيبونه إلى ذلك لإحسان ابن نوح، فاتّفق أنّ الأمير أحمد عزل ابنَ نوح عن طبرستان وولاّها سلاماً، فلم يحسن سياسة أهلها، وهاج عليه الديلم، فقاتلهم وهزمهم، واستقال عن ولايتها، فعزله الأمير أحمد، وأعاد إليها ابن نوح، فصلحت البلاد معه.

ثمّ إنّه مات بها، واستعمل عليها أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم صُعلوك، فغيّر رسوم ابن نوح، وأساء السيرة، وقطع عن رؤساء الديلم ما كان يهديه إليهم ابن نوح، فانتهز الحسن بن عليّ الفرصة، وهيّج الديلم عليه ودعاهم إلى الخروج معه، فأجابوه وخرجوا معه، وقصدهم صُعلوك، فالتقوا بمكان يسمّى نَوْرُوز وهو على شاطئ البحر، على يوم من سالوس، فانهزم ابن صُعلوك، وقُتل من أصحابه نحو أربعة آلاف رجل، وحصر الأطروش الباقين ثمّ أمّنهم على أموالهم وأنفسهم وأهليهم، فخرجوا إليه، فأمّنهم وعاد عنهم إلى آمل، وانتهى إليهم الحسن بن القاسم الداعي العلويُّ، وكان ختَن الأطروش، فقتلهم عن آخرهم لأنّه لم يكن أمّنهم، ولا عاهدهم، واستولى الأطروش على طبرستان.
وخرج صعلوك إلى الرَّيّ، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، ثمّ سار منها إلى بغداد، كان الأطروش قد أسلم على يده من الديلم الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ناحية آمل، وهم يذهبون مذهب الشيعة.
وكان الأطروش زيديَّ المذهب، شاعراً مفلقاً، ظريفاً، علاّمة، إماماً في الفِقه والدين، كثير المُجون، حسن النادرة.
حُكي عنه أنّه استعمل عبدالله بن المبارك على جُرجان، وكان يُرمى بالأُبنة، فاستعجزه الحسن يوماً في شغل له وأنكره عليه، فقال: أيّها الأمير ! أنا أحتاج إلى رجال أجلاد يعينونني؛ فقال: قد بلغني ذلك.
وكان سبب صممه أنّه ضُرب على رأسه بسيف في حرب محمّد بن زيد فطرش؛ وكان له من الأولاد أبو الحسن، وأبو القاسم، وأبو الحسين، فقال يوماً لأبنه أبي الحسن: يا بنيّ ! ها هنا شيء من الغراء نلصق به كاغداً ؟ فقال: لا، إنّما ها هنا بالخاء، فحقدها عليه، ولم يولّه شيئاً، وولّى ابنيه أبا القاسم والحسين، وكان أبو الحسن ينكر تركه معزولاً، ويقول: أنا أشرف منهما لأنّ أمّي حسنيّة، وأمّهما أمَة.
وكان أبو الحسن شاعراً، وله مناقضات مع ابن المعتزّ، ولحق أبو الحسن بابن أبي الساج، فخرج معه يوماً متصيّداً، فسقط عن دابّته فبقي راجلاً، فمرّ به ابن أبي الساج فقال له: اركب معي على دابّتي ! فقال: أيّها الأمير لا يصلح بطلان على دابّة.
ذكر القرامطة وقتل الجُنّابيّ
في هذه السنة قُتل أبو سعيد الحسن بن بَهرام الجُنّابيُّ كبير القرامطة، قتله خادم له صَقلبيّ، في الحمّام، فلمّا قتله استدعى رجلاً من أكابر رؤسائهم وقال له: السيّد يستدعيك؛ فلمّا دخل قتله، ففعل ذلك بأربعة نفر من رؤسائهم، واستدعى الخامس، فلمّا دخل فطن لذلك، فأمسك بيد الخادم وصاح، فدخل الناس، وصاح النساء، وجرى بينهم وبين الخادم مناظرات ثمّ قتلوه.
وكان أبو سعيد قد عهد إلى ابنه سعيد، وهو الأكبر، فعجز عن الأمر، فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان، وكان شهماً شجاعاً، ويرد من أخباره ما يُعلم به محلّه.
ولّما قُتل أبو سعيد كان قد استولى على هَجَر والإحساء والقَطيف والطائف، وسائر بلاد الحرين؛ وكان المقتدر قد كتب إلى أبي سعيد كتاباً ليّناً في معنى مَن عندّه من أسرى المسلمين، ويناظره، ويقيم الدليل على فساد مذهبه، ونفّذه مع الرسل، فلمّا وصلوا إلى البصرة بلغهم خبر موته، فأعلموا الخليفة بذلك، فأمرهم بالمسير إلى ولده، فأتوا أبا طاهر بالكتاب، فأكرم الرسل، وأطلق الأسرى، ونفّذهم إلى بغداد، وأجاب عن الكتاب.
ذكر مسير جيش المهديّ إلى مصر
في هذه السنة جهّز المهديُّ العساكر من إفريقية، وسيّرها مع ولده أبي القاسم إلى الديار المصريّة، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجّة، وساروا إلى مصر، فملك الإسكندريّة والفيّوم، وصار في يده أكثر البلاد، وضيّق على أهلها، فسيّر إليها المقتدر بالله مؤنساً الخادم في جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر، فعادوا إلى المغرب مهزومين.
ذكر عدّة حوادث
وفي هذه السنة كثرت الأمراض الدموية بالعراق، ومات بها خلق كثير، وأكثرهم بالحربيّة، فإنّها أُغلقت بها دور كثيرة لفناء أهلها.
وفيها توفّي جعفر بن محمّد بن الحسن الفريابيُّ ببغداد، والقاضي أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن محمّد بن أبي بكر المقدّميُّ الثقفيُّ.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة

في هذه السنة أُمر عليُّ بن عيسى الوزير بالمسير إلى طَرَسُوس لغزو الصائفة، فسار في ألفَيْ فارس معونةً لبشر الخادم والي طَرَسُوس، فلم يتيسّر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج.
وفيها تنحّى الحسن بن عليّ الأطروش العلويُّ عن آمل، بعد غلبته عليها، كما ذكرناه، وسار إلى سالوس، ووجّه إليه صُعلوك جيشاً من الرَّيّ، فلقيهم الحسن، وهزمهم، وعاد إلى آمل.
وكان الحسن بن عليّ حسن السيرة، عادلاً، ولم يرَ الناس مثله في عدله، وحُسن سيرته، وإقامته الحقّ، وقد ذكره ابن مِسكويه في كتاب تجارب الأمم فقال: الحسن بن عليّ الداعي، وليس به، إنّما الداعي عليُّ بن القاسم، وهو ختَن هذا على ما ذكرناه.
وفيها قبض المقتدر على أبي عبدالله الحسين بن عبدالله المعروف بابن الجصّاص الجوهريّ، وأخذ ما في بيته من صنوف الأموال، وكان قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وكان هو يدّعي أنّ قيمة ما أُخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ذلك.
ذكر مخالفة منصور بن إسحاقوفي هذه السنة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد على الأمير نصر بن أحمد، ووافقه على المخالفة الحسينُ بن عليّ المَرْورُوذيُّ، ومحمّد ابن حَيد.
وكان سبب ذلك أنّ الحسين بن عليّ لّما افتتح سِجِسْتان، الدفعة الأولى على ما ذكرناه، للأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولاها، فوليها منصور بن إسحاق هذا، فخالف أهلها، وحبسوا منصوراً، فأنفذ الأمير أحمد عليّاً أيضاً، فافتتحها ثانياً، وطمع أن يتولاّها فوليها سيمجور، وقد ذكرنا هذا جميعه.
فلمّا وليها سيمجور استوحش عليٌّ لذلك، ونفر منه، وتحدّث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد، وتكون إمارة خراسان لمنصور، ويكون الحسين بن عليّ خليفته على أعماله، فاتّفقا على ذلك فلمّا قُتل الأمير أحمد بن إسماعيل كان منصور بن إسحاق بنيسابور، والحسين بهرَاة، فأظهر الحسين العصيان، وسار إلى منصور يحثّه على ما كانا اتّفقا عليه، فخالف أيضاً، وخطب لمنصور بنيسابور فتوجه إليها من بخارى حموية بن علي في عسكر ضخم لمحاربتهما، فاتّفق أنّ منصوراً مات، فقيل إنّ الحسين بن عليّ سمّه، فلمّا قاربه حموية سار الحسين بن عليّ عن نَيسابور إلى هَراة وأقام بها.
وكان محمّد بن حَيد على شُرطة بخارى مدّة طويلة، فسُيّر من بخارى إلى نَيسابور لشغل يقوم به، فوردها، ثمّ عاد عنها بغير أمر، فكتب إليه من بخارى بالإنكار عليه، فخاف على نفسه، فعدل عن الطريق إلى الحسين بن عليّ بهراة، فسار الحسين بن عليّ من هراة إلى نَيسابور، واستخلف بهراة أخاه منصور بن عليّ، واستولى على نَيسابور، فسُيّر من بخارى إليه أحمد بن سهل لمحاربته، فابتدأ أحمد بهراء فحصرها وأخذها، واستأمن إله منصور بن عليّ، وسار أحمد من هراة إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في ربيع الأوّل سنة ستّ وثلاثمائة، فنازل الحسين، وحصره، وقاتله، فانهزم أصحاب الحسين، وأُسر الحسين بن عليّ، وأقام أحمد بن سهل بنَيسابور.
وكان ينبغي أن نذكر استيلاء أحمد على نَيسابور، وأسر الحسين سنة ستّ وثلاثمائة، لكن رأينا أن نجمع سياق الحادثة لئلاّ يُنسى أوّلها.
وأمّا ابن حَيد فإنّه كان بمرو، فلمّا بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نَيسابور، وأسره الحسين بن عليّ، سار إليه، فقبض عليه أحمد وأخذ ماله وسواده، وسيّره والحسين بن عليّ إلى بخارى، فأمّا ابن حَيد فإنّه سُيّر إلى خُوارزم فمات بها.
وأمّا الحسين بن عليّ فإنّه حُبس ببخارى إلى أن خلَّصه أبو عبدالله الجيهانيُّ، وعاد إلى خدمة الأمير نصر بن أحمد، فبينما هو يوماً عنده إذ طلب الأمير نصر ماء، فأُتي بماء في كوز غير حسن الصنعة، فقال الحسين بن عليّ لأحمد بن حموية، وكان حاضراً: ألا يهدي والدك إلى الأمير من نَيسابور من هذه الكيزان اللطاف النظاف ؟ فقال أحمد: إنّما يُهدي أبي إلى الأمير مثلك ومثلَ أحمد بن سهل، ومثلَ ليلة الديلميّ، لا الكيزان؛ فأطرق الحسين مُفحَماً، وأعجب نصراً قوله.
ذكر خبر مصر مع العلويّ المهديّ
وفيها أنفذ أبو محمّد عبيدُ الله العلويُّ الملقّب بالمهديّ جيشاً من إفريقية مع قائد من قوّاده يقال له حُباسة إلى الإسكندريّة، فغلب عليها.

وكان مسيره في البحر، ثمّ سار منها إلى مصر، فنزل بين مصر والإسكندريّة، فبلغ ذلك المقتدر، فأرسل مؤنساً الخادم في عسكر إلى مصر لمحاربة حُباسة، وأمدّه بالسلاح والمال، فسار إليها، فالتقى العسكران في جُمادى الأولى، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقُتل من الفريقَيْن جمع كثير، وجُرح مثلهم، ثمّ كان بينهم وقعة أخرى بنحوها، ثمّ وقعة ثالثة ورابعة، فانهزم فيها المغاربة أصحاب العلويّ، وقُتلوا، وأُسروا، فكان مبلغ القتلى سبعة آلاف مع الأسرى وهرب الباقون.
وكانت هذه الوقعة سلخ جمادى الآخرة، وعادوا إلى الغرب، فلمّا وصلوا إلى الغرب قتل المهديُّ حُباسةَ.
وفيها خالف عروبة بن يوسف الكُتاميُّ على المهديّ بالقَيروان، واجتمع إليه خلق كثير من كُتامة والبرابر، فأخرج المهديُّ إليهم مولاه غالباً، فاقتتلوا قتالاً شديداً في محضر القَيروان، فقُتل عروبة وبنو عمّه، وقُتل معهم عالم لا يحصون، وجُمعت رؤوس مقدّميهم في قفّة وحُملت إلى المهديّ، فقال: ما أعجب أمور الدنيا ؟؟؟! قد جمعت هذه القفّة رؤوس هؤلاء، وقد كان يضيق بعساكرهم فضاء المغرب.
ذكر عدة حوادثفيها غزا بشر الخادم والي طَرَسُوس بلاد الروم، ففتح فيها وغنم وسبى، وأسر مائة وخمسين بطريقاً، وكان السبي نحواً من ألفَيْ رأس.
وفيها أوقع مؤنس الخادم بناحية وادي الذئاب بمن هنالك من الأعراب من بني شيبان، فقتل منهم خلقاً كثيراً، ونهب بيوتهم فأصاب فيها من أموال التجار التي كانوا أخذوها بقطع الطريق ما لا يحصى.
وفيها في ذي الحجّة ماتت بدعة المغنّية، مولاة عَريب مولى المأمون.
وفيها، في ذي الحجّة، خرجت الأعراب من الحاجر على الحجّاج، فقطعوا عليهم الطريق، وأخذوا من العين وما معهم من الأمتعة والجمال ما أرادوا، وأخذوا مائتين وخمسين امرأة؛ وحجّ بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك.
وفيها قُلّد أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان الموصل.
وفيها مات الشاه بن ميكال.
وفيها، في ليلة الأضحى، انقضّ ثلاثة كواكب كبار اثنان أوّل ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأربعاء فبراير 19, 2014 8:57 am

ثمّ وثب أحمد بن مسافر، صاحب الطرم، على ابن أخيه عليّ بن وهسوذان وهو مقيم بناحية قزوين، فقتله على فراشه، وهرب إلى بلده، فاستعمل مكان عليّ بن وهسوذان وصيفاً البكتمريَّ، وقلّد محمّد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج بها.
وسار أحمد بن عليّ بن صعلوك من قُمّ إلى الريّ، فدخلها، فأنفذ الخليفة ينكر عليه ذلك ويأمره بالعود إلى قمّ فعاد، ثمّ إنّه أظهر الخلاف، وصرف عمّال الخراج عن قمّ، واستعدّ للمسير إلى الريّ، فكوتب نحرير الصغير، وهو على هَمذان، ليسير هو ووصيف إلى الريّ لمنع أحمد بن عليّ عنها فساروا إليها، فلقيهم أحمد بن عليّ على باب الريّ، فهزمهم أحمد، وقُتل محمّد ابن سليمان، واستولى أحمد على الريّ، وكاتب نصراً الحاجب ليصلح أمره مع الخليفة، ففعل ذلك، وأصلح أمره، وقرّر عليه عن الريّ ودنباوند وقَزوين وزنجان وأبهر مائة وستّين ألف دينار محمولة كلّ سنة إلى بغداد، فنزل أحمد عن قمّ، فاستعمل الخليفة عليها من ينظر فيها.

ذكر تغلّب كثير بن أحمد على سجستان ومحاربته
كان كثير بن أحمد بن شهفور قد تغلّب على أعمال سجستان، فكتب الخليفة إلى بدر بن عبدالله الحمّاميّ، وهو متقلّد أعمال فارس، يأمره أن يرسل جيشاً يحاربون كثيراً، ويؤمّر عليهم دردا، ويستعمل على الخراج بها زيد ابن إبراهيم، فجهّز بدر جيشاً كثيفاً وسيّرهم، فلمّا وصلوا قاتلهم كثير، فلم يكن له بهم قوّة، وضعف أمره وكادوا يملكون البلد، فبلغ أهل البلد أنّ زيداً معه قيود وأغلال لأعيانهم، فاجتمعوا مع كثير، وشدّوا منه، وقاتلوا معه، فهزموا عسكر الخليفة، وأسروا زيداً، فوجدوا معه القيود والأغلال، فجعلوها في رجليه وعنقه.
وكتب كثير إلى الخليفة يتبرّأ من ذلك، ويجعل الذنب فيه لأهل البلد، فأرسل الخليفة إلى بدر الحمّاميّ يأمره أن يسير بنفسه إلى قتال كثير، فتجهّز بدر، فلمّا سمع كثير ذلك خاف، فأرسل يطلب المقاطعة على مال يحمله كل سنة، فأُجيب إلى ذلك، وقوطع على خمسمائة ألف درهم، وقُرّرت البلاد عليه.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في الصيف، خافت العامّة ببغداد من حيوان كانوا يسمّونه الزبزب، ويقولون إنّهم يرونه في الليل على سطوحهم، وإنّه يأكل أطفالهم، وربّما عضّ يد الرجل وثَدْيَ المرأة فقطعهما وهرب بهما، فكان الناس يتحارسون، ويتزاعقون، ويضربون بالطشوت والصوانيّ وغيرها ليفزعوه، فارتجَّتْ بغداد لذلك. ثم إنّ أصحاب السلطان صادوا ليلة حيواناً أبلق بسواد، قصير اليدين والرجلين، فقالوا: هذا هو الزبزب، وصلبوه على الجسر، فسكن الناس، وهذه دابّة تسمّى طبرة، وأصحاب اللصوص حاجتهم لاشتغال الناس عنهم.
وفيها توفّي الناصر العلويُّ، صاحب طَبَرِسْتان، في شعبان وعمره تسع وسبعون سنة، وبقيت طبرستان في أيدي العلويّة إلى أن قُتل الداعي، وهو الحسن بن القاسم، سنة ستّ عشرة وثلاثمائة على ما نذكره.
وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمّد المادرائيُّ على المقتدر بالله بكرمان، وكان يتولّى الخراج، وسار منها إلى شيراز يريد التغلّب على فارس، فخرج إله بدر الحمّاميُّ فحاربه وقتله، وحُمل رأسه إلى بغداد وطيف به.
وفيها سار مؤنس المظفَّر إلى بلاد الروم لغزاة الصائفة، فلمّا صار بالموصل قلّد سُبُك المفلحي بازَبْدَى وقَرْدَى، وقلّد عثمانَ العنزيَّ مدينة بلد، وباعيناثا، وسنجار، وقلّد وصيفاً البكتمريَّ باقي بلاد ربيعة، وسار مؤنس إلى مَلَطْية وغزا فيها، وكتب إلى أبي القاسم عليّ بن أحمد ابن بِسطام أن يغزو من طَرَسُوس في أهلها، ففعل.
وفتح مؤنس حصوناً كثيرة من الروم، وأثر آثاراً جميلة، وعتب عليه أهل الثغور وقالوا: لو شاء لفعل أكثر من هذا؛ وعاد إلى بغداد، فأكرمه الخليفة وخلع عليه.
وفيها توفّي يَمُوتُ بن المزرّع العبديُّ، وهو ابن أخت الجاحظ، وسليمان بن محمّد بن أحمد أبو موسى النحويُّ المعروف بالحامض أخذ العلم عن ثعلب، وكانت وفاته في ذي الحجّة، وكان من أصحاب ثعلب، ويوسف ابن الحسين بن عليّ، أبو يعقوب الرازيّ، وهو من أصحاب ذي النون المصريّ، وهو صاحب قصّة الفأرة معه.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرّم، وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء، فأُكرما إكراماً كثيراً، وأُدخلا على الوزير وهو في أكمل أُبّهة، وقد صفّ الأجناد بالسلاح والزينة التامّة، وأدّيا الرسالة إليه؛ ثمّ إنّهما دخلا على المقتدر، وقد جلس لهما، واصطفّ الأجناد بالسلاح والزينة التامّة، وأدّيا الرسالة، فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، وسيّر مؤنساً الخادم ليحضر الفداء، وجعله أميراً على كلّ بلد يدخله يتصرّف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وسيّر معه جمعاً من الجنود، وأطلق لهم أرزاقاً واسعة، وأنفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسرى المسلمين، وسار مؤنس والرسل، وكان الفداء على يد مؤنس.
وفيها أُطلق أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان، وإخوته، وأهل بيته من الحبس، وكانوا محبوسين بدار الخليفة، وقد تقدّم ذكر حبسهم وسببه.
وفيها مات العبّاس بن عمرو الغنويُّ وكان متقلّداً أعمال الحرب بديار مضر، فجُعل مكانه وصيف البكتمريُّ، فلم يقدر على ضبط العمل، فعُزل، وجُعل مكانه جنّي الصفوانيُّ، فضبطه أحسن ضبط.

وفي هذه السنة كانت بالبصرة فتنة عظيمة، وسببها أنّه كان الحسن ابن الخليل بن رمال متقلّداً أعمال الحرب بالبصرة، وأقام بها سنين، وجرت بينه وبين العامّة من مضر وربيعة فتن كثيرة، وسكنت، ثمّ ثارت بينهم فتنة اتّصلت، فلم يمكنه الخروج من منزله برحبة بني نمر، واجتمع الجند كلّهم معه، وكان لا يوجد أحد منهم في طريق إلاّ قُتل، حتّى حوصرت، وغُوّرت القناة التي يجري فيها الماء إلى بني نُمير، فاضطّر إلى الركوب إلى المسجد الجامع، فقتل من العامّة خلقاً كثيراً.
فلمّا عجز عن إصلاحهم خرج هو ومعه الأعيان من أهل البصرة إلى واسط، فعُزل عنها، واستعمل أبو دلف هاشم بن محمّد الخزاعيُّ عليها فبقي نحو سنة وصُرف عنها، ووليها سُبُك المفلحيُّ نيابة عن شفيع المقتدريّ.
وفيها عُقد لثمال الخادم على الغزاة في بحر الروم، وسار.
وفيها غزا جنّي الصفوانيُّ بلاد الروم، فغنم ونهب وسبَى وعاد سالماً.
وفي هذه السنة مات أبو خليفة المحدّثُ البصريُّ.
وفيها، في جُمادى الأولى، مات أبو جعفر بن محمّد بن عثمان العسكريُّ المعروف بالسَّمّان، ويُعرف أيضاً بالعمريّ، رئيس الإماميّة، وكان يدّعي أنّه الباب إلى الإمام المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن الحسين بن روح.
وفي آخرها توفّي أحمد بن محمّد بن شُريح وكان عالماً بمذهب الشافعيَّ.
ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة
ذكر عزل ابن الفرات
ووزارة حامد بن العبّاس
في هذه السنة، في جُمادى الآخرة، قُبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات، وكانت مدّة وزارته هذه، وهي الثانية، سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً.
وكان سبب ذلك أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتجّ عليهم بضيق الأموال، وأنّها أُخرجت في محاربة ابن أبي الساج، وأنّ الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال الريّ وأعمالها، فشغب الجند شغباً عظيماً، وخرجوا إلى لمصلّى، والتمس ابن الفرات من المقتدر إطلاق مائتَيْ ألف دينار من بيت المال الخاص ليضيف إليها مائتَيْ ألف دينار يحصلها، ويصرف الجميع في أرزاق الجند، فاشتدّ ذلك على المقتدر، وأرسل إليه: إنّك ضمنتَ أنّك ترضي جميع الأجناد، وتقوم بجميع النفقات الراتبة على العادة الأولى وتحمل بعد ذلك ما ضمنت أنّك تحمله يوماً بيوم، فأراك تطلب من بيت المال الخاص؛ فاحتجّ بقلّة الارتفاع، وما أخذه ابن أبي الساج من الارتفاع وما خرج على محاربته؛ فلم يسمع المقتدر حجّته وتنكّر له عليه.
وقيل: كان سبب قبضة أنّ المقتدر قيل له: إنّ ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه، وإذا صار عنده اتّفقا عليك؛ ثمّ إنّ ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج، فقتل ابنَ حمدان في جمادى الأولى، وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة.
ثمّ إنّ بعض العُمّال ذكر لابن الفرات ما يتحصّل لحامد بن العبّاس من أعمال واسط زيادة على ضمانه، فاستكثره، وأمره أن يكاتبه بذلك، فكاتبه، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب بذلك المال، فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والدة المقتدر، وضمن لهما مالاً ليتحدّثا له في الوزارة، فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه، وكثرة أتباعه، وأنّه له أربع مائة مملوك يحملون السلاح؛ واتّفق ذلك عند نفرة المقتدر عن ابن الفرات، فأمره بالحضور من واسط، فحضر، وقبض على ابن الفرات وولده المحسن وأصحابهما وأتباعهما.
ولّما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيّام في دار الخليفة، فكان يتحدّث مع الناس، ويضاحكهم، ويقوم لهم، فبان للخدم ولأبي القاسم بن الحواريّ وحاشية الدار قلّة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه: يا مولانا ! الوزير يحتاج إلى لُبْسه، وجَلْسه، وعَبْسه؛ فقال له: تعني أن تلبس، وتقعد، فلا تقوم لأحد، ولا تضحك في وجه أحد، ولا تحدّث أحداً ؟ قال: نعم.
قال حامد: إنّ الله أعطاني وجهاً طلقاً، وخَلقاً حسناً، وما كنتُ بالذي أعبس وجهي، وأقبح خَلقي لأجل الوزارة؛ فعابوه عند المقتدر، ونسبوه إلى الجهل بأمور الوزارة، فأمر المقتدر بإطلاق عليّ بن عيسى من محبسه، وجعله يتولّى الدواوين شبه النائب عن حامد، فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه، ثمّ إنّه استبدّ بالأمر دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعليّ، حتّى قيل فيهما:
هذا وزيرٌ بلا سوادٍ ... وذا سوادٌ بلا وزير

ثمّ أنّ حامداً أحضر ابن الفرات ليقابله على أعماله، ووكّل بمناظرته عليَّ ابن أحمد المادرائي ليصحّح عليه الأموال، فلم يقدر على إثبات الحجّة عليه، فانتدب له حامد، وسبّه، ونال منه، وقام إليه فلكمه.
وكان حامد سفيهاً فقال له ابن الفرات: أنت على بساط السلطان، وفي دار المملكة، وليس هذا الموضع ممّا تعرفه من بَيْدَرٍ تقسمه، أو غلّة تستفضل في كيلها، ولا هو مثل أكار تشتمه؛ ثمّ قال لشفيع اللؤلؤيّ: قل لأمير المؤمنين عني أنّ حامداً إنّما حمله على الدخول في الوزارة، وليس من أهلها، إنّني أوجبت عليه أكثر من ألفَيّ ألف دينار من فضل ضمانه، وألححت في مطالبته بها، فظنّ أنّها تندفع عنه بدخوله في الوزارة، وأنه يضيف إليها غيرها، فاستشاط حامد، وبالغ في شتمه، فأنفذ المقتدر، فأقام ابن الفرات من مجلسه، وردّه إلى محبسه، وقال عليُّ بن عيسى، ونصر الحاجب لحامد: قد جنَيتَ علينا وعلى نفسك جناية عظيمة بما فعلتَه بابن الفرات، وأيقظت منه شيطاناً لا ينام.
ثمّ إنّ ابن الفرات صودر على مال عظيم، وضرب ولده المحسن وأصحابه، وأخذ منهم أموالاً جمة.
وفي هذه السنة عُزل نِزال عن شُرطة بغداد، وجُعل فيها نجح الطولونيُّ، وجُعل في الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشُّرطة بفتواهم، فضعفت هيبة السلطنة بذلك، وطمع اللصوص والعيّارون، وكثرت الفتن وكُبست دور التجار، وأُخذت بنات الناس في الطريق المنقطعة، وكثر المفسدون.
ذكر إرسال المهديّ العلويّ العساكر إلى مصر
وفي هذه السنة جهّز المهديُّ صاحب إفريقية جيشاً كثيفاً مع ابنه أبي القاسم، وسيّرهم إلى مصر، وهي المرّة الثانية، فوصل إلى الإِسكندريّة في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة، فخرج عامل المقتدر عنها، ودخلها القائم، ورحل إلى مصر، فدخل الجيزة، وملك الأشمونين وكثيراً من الصعيد، وكتب إلى أهل مكّة يدعوهم إلى الدخول في طاعته فلم يقبلوا منه.
ووردت بذلك الأخبار إلى بغداد، فبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في شعبان، وجدّ في السير فوصل إلى مصر، وكان بينه وبين القائم عدّة وقعات، ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم، فأرست بالإِسكندريّة، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكُتاميُّ، وكانا شجاعين، فأمر المقتدر بالله أنّ يسيّر مراكب طَرَسُوس إليهم، فسار خمسة وعشرون مركباً، وفيها النفط والعُدد، ومقدّمها أبو اليمن، فالتقت المراكب بالمراكب، واقتتلوا على رشيد، فظفر أصحاب مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيراً من مراكب إفريقية، وهلك أكثر أهلها، وأُسر منهم كثير، وفي الأسرى سليمان الخادم، ويعقوب، فقُتل من الأسرى كثير، وأُطلق كثير، ومات سليمان في الحبس بمصر، وحُمل يعقوب إلى بغداد، ثمّ هرب منها وعاد إلى أفريقية.
وأمّا عسكر القائم فكان بينه وبين مؤنس وقعات كثيرة، وكان الظفر لمؤنس فلُقّب حينئذ بالمظفَّر.
ووقع الوباء في عسكر القائم، والغلاء، فمات منهم كثير من الناس والخيل، فعاد من سلم إلى إفريقية. وسار عسكر مصر في أثرهم، حتّى أبعدوا، فوصل القائم إلى المهديّة في رجب من السنة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا بشر الأفشينيُّ بلاد الروم، فافتتح عدّة حصون، وغنم، وسلم؛ وغزا ثمل في بحر الروم، فغنم، وسبى، وعاد؛ وكان على الموصل أبو أحمد بن حماد الموصليُّ.
وفيها دخل جنّيّ الصفوانيُّ بلاد الروم، فنهب، وخرّب، وأحرق، وفتح وعاد، فقرئت الكتب على المنابر ببغداد بذلك.
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين العامّة والحنابلة، فأخذ الخليفة جماعة منهم وسيّرهم إلى البصرة فحُبسوا.
وفيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان، فبُني، وأُجري عليه النفقات الكثيرة، وكان يسمّى البيمارستان المقتدريّ.
وفيها توفّي القاضي محمّد بن خلف بن حيّان أبو بكر الضَّبّيُّ المعروف بوكيع، وكان عالماً بأخبار الناس وغيرها، وله تصانيف حسنة؛ والقاضي أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج الفقيه الشافعيُّ وله سبع وخمسون سنة.
وفيها مات كُنَيْز المغنّي، وهو مشهور بالحذق في الغناء. كُنيز بضمّ الكاف وفتح النون وآخرها زاي.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائةفي هذه السنة ضمن حامد بن العبّاس أعمال الخراج، والضياع الخاصّة، والعامّة، والمستحدثة، والفراتيّة بسواد بغداد، والكوفة، وواسط، والبصرة، والأهواز، وأصبهان.

وسبب ذلك أنّه لمّا رأى أنّه قد تعطّل عن الأمر والنهب وتفرّد به عليُّ ابن عيسى شرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي، واستأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ليدبّر أمر ضمانه الأوّل، فأذن له في ذلك، فانحدر إليها واسم الوزارة عليه، وعليُّ بن عيسى يدبّر الأمور، وأظهر حامد زيادة ظاهرة في الأموال، وزاد زيادة متوفّرة، فسُرّ المقتدر بذلك، وبسط يد حامد في الأعمال، حتّى خافه عليُّ بن عيسى.
ثمّ إنّ السعر تحرّك ببغداد، فثارت العامّة والخاصّة لذلك، واستغاثوا، وكسروا المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القوّاد، ونُهبت عدّة من دكاكين الدقّاقين، فأمر المقتدر بإحضار حامد بن العبّاس، فحضر من الأهواز، فعاد الناس إلى شغبهم، فأنفذ حامد لمنعهم، فقاتلوهم، وأحرقوا الجسرين، وأخرجوا المحبَّسين من السجون، ونهبوا دار صاحب الشُّرطة، ولم يتركوا له شيئاً، فأنفذ المقتدر جيشاً مع غريب الخال، فقاتل العامّة، فهربوا من بين يديه، ودخلوا الجامع بباب الطاق، فوكّل بأبواب الجامع، وأخذ كلّ من فيه فحبسهم، وضرب بعضهم،، وقطع أيدي من يُعرف بالفساد.
ثمّ أمر المقتدرُ من الغد، فنودي في الناس بالأمان، فسكنت الفتنة، ثمّ إنّ حامداً ركب إلى دار المقتدر في الطيّار، فرجمه العامّة، ثمّ أمر المقتدرُ بتسكينهم فسكنوا، وأمر المقتدرُ بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد، ولأمّ المقتدر، وغيرهما، وبيع ما فيها، فرخصت الأسعار، وسكن الناس، فقال عليُّ بن عيسى للمقتدر: إنّ سبب غلاء الأسعار إنما هو ضمان حامد لأنّه منع من بيع الغلال في البيادر وخزنها، فأمر بفسخ الضمان عن حامد، وصرف عُمّاله عن السواد، وأمر عليَّ بن عيسى أن يتولّى ذلك، فسكن الناس واطمأنّوا؛ وكان أصحاب حامد يقولون إنّ ذلك الشغب كان بوضع من عليّ بن عيسى.
ذكر أمر أحمد بن سهلفي هذه السنة ظفر الأمير نصر بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر بأحمد بن سهل، ونحن نذكر حاله من أوّله.
كان أحمد بن سهل هذا من كبار قوّاد الأمير إسماعيل بن أحمد، وولده أحمد بن إسماعيل، وولده نصر بن أحمد، وقد تقدّم من ذكر تقدُّمه على الجيوش في الحروب ما يدلّ على علوّ منزلته.
وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن جبَلة بن كامكار بن يزدجرد ابن شهريار الملك، وكان كامكار دهقاناً بنواحي مرو، وإليه يُنسب الورد الكامكاريُّ، وهو الشديد الحمرة، وهو الذي يسمّى بالرَّيّ القصرانيّ، وبالعراق والجزيرة والشام الجُوريّ، يُنسب إلى قصران، وهي قرية بالرَّيّ، وإلى مدينة جور، وهي من مدن فارس.
وكان لأحمد إخوة يقال لهم محمّد، والفضل، والحسين، قُتلوا في عصبية العرب والعجم بمَرو، وكان أحمد خليفة عمرو بن الليث على مَرو، فقبض عليه عمرو، ونقله إلى سِجِسْتان، فحبسه بها، فرأى وهو في السجن كأنّ يوسف النبيّ، عليه السلام، على باب السجن، فقال له: ادعُ الله أن يخلّصني ويولّيني ! فقال له: قد أذن الله في خلاصك، لكنّك لا تلي عملاً برأسك.
ثمّ إنّ أحمد طلب الحمّام فأُدخل إليه، فأخذ النورة فطلى بها رأسه ولحيته فسقط شعره، وخرج من الحمّام ولم يعرفه أحد، فاختفى، فطلبه عمرو فلم يظفر به، ثمّ خرج من سِجِسْتان نحو مرو، فقبض على خليفة عمرو واستولى عليها، واستأمن إلى إسماعيل بن أحمد بخارى، فأكرمه، وقدّمه، ورفع قدره، وكان عاقلاً كتوماً لأسراره.
فلمّا عصى الحسين بن عليّ سيّر إليه أحمد، فظفر به على ما ذكرناه، وضمن له الأمير نصر أشياء لم يفِ له بها، فاستوحش من ذلك، فأتاه يوماً بعض أصحاب أبي جعفر صعلوك، فحادثه، فأنشده أحمد بن سهل، وقد ذكر حاله، وأنّهم لم يفوا له بما وعدوه:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتَني ... يميَنك، فانظر أيّ كفّيْك تُبدلُ
وفي الناس أن رثّت حبالُك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار العُلى متحوَّلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاك وجدتَه ... على طرَف الهِجران إن كان يعقِلُ
وتركبُ حدّ السيفِ من أن تُضيمَه ... إذا لم يكن عن شَفرَةِ السيفِ مرحلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشيء لم تكدْ ... إليه بوجهٍ، آخرَ الدهرِ، تُقُبِلُ

قال: فعلمت أنّه قد أضمر المخالفة، فلم تمض إلا أيّام حتّى خالفه بنَيسابور واستولى عليها وأسقط خطبة السعيد نصر بن أحمد، وأنفذ رسولاً إلى بغداد يخطب له أعمال خُراسان.
وسار من نَيسابور إلى جُرجان وبها قراتكين، فحاربه، واستولى عليها، وأخرج قراتكين عنها، ثمّ عاد إلى خُراسان، وقصد مرو فاستولى عليها، وبنى عليها سوراً وتحصّن بها، فأرسل إليه السعيد نصر الجيوش مع حموية بن عليّ من بخارى، فوافى مرو الرُّوذ، فأقام بنواحيها ليخرج إليه أحمد بن سهل منها، فلم يفعل.
ودخل بعض أصحاب أحمد عليه يوماً، وهو يفكر بعد نزول حموية عليه، فقال له صاحبه: لا شكّ أنّ الأمير مشغول القلب لهذا الخطب، فما هو رأي الأمير ؟ فقال: ليس بي ما تظنّ، ولكن ذكرتُ رؤيا رأيتُها في حبس سِجِسْتان، وذكر قول يوسف الصِّدِّيق، عليه السلام: إنّك لا تلي عملاً برأسك. قال: فقلت له: إنّ القوم يغتنمون سلمك، ويعطونك ما تريد، فإن رأيت أن يتوسّط الحال فعلنا؛ فأنشد:
سأغسلُ عنّي العارَ بالسيفِ جالباً ... عليَّ قضاءُ الله ما كانَ جالبا
ولّما رأى حموية أنّه لا يخرج إليه من مرو عمل الحيلة في ذلك، فجعل يقول: قد أدخلتُ ابن سهل في جحر فأرٍ، وسددتُ عليه وجوه الفرار؛ وأشباه هذا من الكلام ليغضب أحمد فيخرج، فلم يفعل ذلك، فحينئذ أمر حموية جماعة من ثقات قوّاده، فكاتبوا أحمد بن سهل سرّاً، وأظهروا له الميل، ودعوه إلى الخروج من مَرْو ليسلّموا إليه حموية، فأجابهم إلى ذلك، لما في نفسه من الغيظ على حموية، فخرج عن مَرْو نحو حموية، فالتقوا على مرحلة من مرو الرُّوذ في رجب سنة سبع وثلاثمائة، فانهزم أصحاب أحمد، وحارب هو إلى أن عجزت دابّته، فنزل عنها واستأمن، فأخذوه أسيراً، وأنفذوه إلى بخارى، فمات بها في الحبس في ذي الحجّة من سنة سبع وثلاثمائة.
وكان الأمير احمد بن إسماعيل بن أحمد يقول: لا ينبغي لأحمد بن سهل أن يغيب عن باب السلطان، فإنّه أن غاب عنه أثار شغلاً عظيماً، كأنّه كان يتوسّم فيه ما فعل، فهكذا ينبغي أن تكون فراسة الملك.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة وقع حريق بالكرخ من بغداد، فاحترق فيه كثير من الدور والناس.
وفيها قُلّد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وقُلّد بنّيّ بن نفسي شهرزور، فامتنعت عليه، فاستمدّ المقتدر، فسيّر إليه جيشاً، فحصرها ولم يفتحها، وقُلّد القتال بالموصل وأعمالها.
وفيها أوقع ثمل متولِّي الغزو في البحر بمراكب للمهديّ العلويّ، صاحب إفريقية، وقتل جماعة ممّن فيها، وأسر خادماً له.
وفيها انقضّ كوكب عظيم فاشتدّ ضوءُه وعظم، وتفرّق ثلاث فرق، وسمع عند انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم.
وفيها كانت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين الأساكفة، واحترق سوق الأساكفة وما فيه، وكان الوالي على الموصل وأعمالها العبّاس بن محمّد بن إسحاق بن كنداج، وكان خارجاً عن البلد، فسمع بالفتنة، فرجع ليوقع بأهل الموصل، فعزموا على قتاله، وحصنوا البلد، وسدّوا الدروب، فلمّا علم بذلك ترك قتالهم، وأمر الأعراب بتخريب الأعمال، فصاروا يقطعون الطريق على الجسر وفي الميدان، ويقاسمونه، فخرب البلد، فبلغ الخبر إلى الخليفة، فعزله سنة ثمان وثلاثمائة، واستعمل بعده عبدالله بن محمّد الفتّان، وكان عفيفاً، صارماً، كفّ الأعراب عن البلد.
وفيها توفّي أبو يعلى أحمد بن عليّ بن المُثنّى الموصليُّ، صاحب المسند بها.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائةفي هذه السنة خلع المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقُلّد طريق خُراسان والدِّيَنور، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا.
وفيها وصل رسول أخي صعلوك بالمال، والهدايا، والتُّحف، ويخبر باستمراره على الطاعة للمقتدر بالله.
وفيها توفّي إبراهيم بن حَمدان في المحرم.
وفيها قُلّد بدر الشرابيُّ دقوقا، وعُكْبَرا، وطريق الموصل.
وفيها توفّي إبراهيم بن محمّد بن سفيان صاحب مسلم بن الحجّاج، ومن طريقه يُروى صحيح مسلم إلى اليوم.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائةذكر قتل ليلى بن النُّعمان الديلميّ

في هذه السنة قُتل ليلى بن النُّعمان الديلميُّ، وكان ليلى هذا أحد قوّاد أولاد الأُطروش العلويّ، وكان إليه ولاية جُرجان، وكان قد استعمله عليها الحسن ابن القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة، وكان أولاد الأُطروش يكاتبونه: المؤيِّد لدين الله المنتصر لآل رسول الله، صلى الله علية وسلم، ليلى بن النُّعمان؛ وكان كريماً، بذّالاً للأموال، شجاعاً، مقداماً على الأهوال.
وسار من جُرجان إلى الدَّامغان، فحاربه أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد إلى جُرجان، فابتنى أهل الدَّامغان حصناً يَحميهم، وسار قراتكين إليه بجُرجان، فحاربه على نحو عشرة فراسخ من جُرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه بارس إلى ليلى ومعه ألف فارس، فأكرمه ليلى، وزوّجه أخته، واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت أحمد بن سهل، فأكرمه ليلى.
ثمّ إنّ الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان، فضاقت الأموال عليه، فسار نحو نَيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي، وتحريض أبي القاسم بن حفص، وكان بها قراتكين، فوردها في ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثمائة، وأقام بها الخطبة للداعي، وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حموية بن عليّ، فالتقوا بطوس، واقتتلوا، فانهزم أكثر أصحاب حموية بن عليّ حتّى بلغوا مَرْو، وثبت حموية، ومحمّد بن عبدالله البلغميُّ، وأبو جعفر صعلوك، وخوارزم شاه، وسيمجور الدواتيُّ فاقتتلوا، فانهزم بعض أصحاب ليلى، ومضى ليلى منهزماً، فدخل ليلى سكّة لم يكن له فيها مخرج، ولحقه بغرا فيها، فلم يقدر ليلى على الهرب، فنزل وتوارى في دار، فقبض عليه بغرا، وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك، فأنفذ من قطع رأس ليلى، ونصبه على رمح، فلمّا رآه أصحابه طلبوا الأمان فأُمّنُوا.
ثمّ قال حموية للجند: قد مكّنكم الله من شياطين الجيل والدَّيلم، فأبيدوهم واستريحوا منهم أبد الدهر؛ فلم يفعلوا، وحامى كلّ قائد جماعة، فخرج منهم من خرج بعد ذلك، وكان قتل ليلى في ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثمائة، وحُمل رأسه إلى بغداد، وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان.
وقيل إنّ حموية لمّا سار إلى قتال ليلى قيل له: أنّ ليلى يستبطئك في قصده، فقال: إنّي البس أحدَ خُفَّيّ للحرب العامَ، والآخر في العام المقبل؛ فبلغ قوله ليلى، فقال: لكنّي ألبس أحد خُفّيّ للحرب قاعداً، والثاني قائماً وراكباً، فلمّا قُتل قال حموية: هكذا مَن تعجّل إلى الحرب.
ذكر قتل الحسين الحلاّج
في هذه السنة قُتل الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ وأُحرق، وكان ابتداء حاله أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف، ويُظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: (قل هو الله أحد)، ويسمّيها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه السلام، فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ، ويدّعي فيه الربوبيّة، ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى، وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومِن قائل إنّه مشعبذ، وممَخرق، وساحر كذّاب، ومتكهّن، والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.
وكان قدم من خُراسان إلى العراق وسار إلى مكّة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظلّ تحت سقف شتاءً ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له القوّام كوز ماء، وقرصاً، فيشربه، وبعض من القرص ثلاث عضّات من جوانبه، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى الغد آخر النهار.
وكان شيخ الصوفيّة يومئذ بمكّة عبدالله المغربيّ، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاّج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل أبي قُبَيس؛ فصعد إليه، فرآه على صخرة حافياً، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلّمه، فقال: هذا يتصبّر ويتقوّى على قضاء الله، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد.

وأمّا سبب قتله فإنّه نُقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد ابن العبّاس أنّه أحيا جماعة، وأنّه يحيي الموتى، وأنّ الجنّ يخدمونه، وأنّهم يُحضرون عنده ما يشتهي، وأنّه قد موّه على جماعة من حواشي الخليفة، وأنّ نصراً الحاجب قد مال إليه وغيره، فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلّم إليه الحلاّج وأصحابه، فدفع عنه نصر الحاجب، فألحّ الوزير، فأمر المقتدر بتسليمه إليه، فأخذه، وأُخذ معه إنسان يُعرف بالشمريّ، وغيره، قيل إنّهم يعتقدون أنّه إلهٌ، فقرّرهم، فاعترفوا أنّهم قد صحّ عندهم أنّه إلهٌ، وأنّه يحيي الموتى، وقابلوا الحلاّج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادّعي الربوبيّة، أبو النّبّوة، وإنّما أنا رجل أعبد الله، عزّ وجلّ! فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا جعفر بن البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء، إلاّ أن يصحّ عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول مَن يدّعي عليه ما ادعاه إلا ببيّنة إقرار.
وكان حامد يخرج الحلاّج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة.
وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجدّ في أمره، وجرى له معه قصص يطول شرحها، وفي آخرها أنّ الوزير رأى له كتاباً حكى فيه أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ، ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاجّ بمكّة، ثمّ يجمع ثلاثين يتيماً، ويعمل أجود طَعامٍ يمكنه، ويُطعمُهُم في ذلك البيت، ويَخدُمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، وأعطى كلّ واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمَنْ حجّ.
فلمّا قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاّج: من أين لك هذا ؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصريّ؛ قال له القاضي: كذبتَ يا حلالَ الدم ! قد سمعناه بمكّة وليس فيه هذا؛ فلمّا قال له: يا حَلالَ الدمِ، وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا؛ فدافعه أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس.
ولّما سمع الحلاّج ذلك قال: ما يحلّ لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السُّنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي ! وتفرّق الناس.
وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلّمه الوزير إلى صاحب الشّرطة، فضربه ألف سوط فما تأوّه، ثمّ قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثمّ رجله، ثمّ قُتل وأُحرق بالنار، فلمّا صار رماداً أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنّه لم يُقتل، وإنّما أُلقي شبه على دابّة، وإنّه يجيء بعد أربعين يوماً؛ وبعضهم يقول: لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان، وإنّه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلتُ.
ذكر عدّة حوادث
وفيها، في ربيع الأوّل، وقع حريق كبير في الكرخ، فاحترق فيه بشر كثير.
وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمّد بن نصر الحاجب، في جُمادى الأولى، وسار إلها فيه، فلمّا وصل إليها أوقع بمن خالفه من الأكراد المارانيّة، فقتل، وأسر، وأرسل إلى بغداد نيّفاً وثمانين أسيراً، فشُهروا.
وفيها قُلّد داود بن حمدان ديار ربيعة.
وفيها توفّي أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سهل بن عطاء الآدميُّ الصوفيُّ من كبار مشايخهم وعُمائهم، وأبو إسحاق إبراهيم بن هارون الحرّانيُّ الطبيب، وأبو محمّد عبدالله بن حمدون النديم.
ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة
ذكر حرب سيمجور
مع أبي الحسين بن العلوي
ّ
قد ذكرنا قتل ليلى بن النُّعمان، وأنّ جُرجان تخلّف بها بارس غلام قراتكين، فلمّا قُتل ليلى بن النُّعمان عاد قراتكين إلى جُرجان، فاستأمن إليه غلامه ارس، فقتله قراتكين، وانصرف عن جُرجان، وقدمها أبو الحسين ابن الحسن بن عليّ الأُطروش العلويّ، الملقّب والده بالناصر، وأقام بها، فأنفذ إليه السعيد نصر بن أحمد سيمجورَ الدواتيَّ في أربعة آلاف فارس، فنزل على فرسخين من جُرجان، وحاصر أبا الحسين نحو شهر من هذه السنة.

وخرج إليه أبو الحسين في ثمانية آلاف رجل من الدَّيلم، والجُرجانيّة، وصاحب جيشه سُرخاب بن وهسوذان ابن عمّ ما كان بن كالي الديلميّ، فتحاربا حرباً عظيمة، وكان سيمجور قد جعل كميناً من أصحابه، فأبطأوا عنه، فانهزم سيمجور، ووقع أصحاب أبي الحسين في عسكر سيمجور، واشتغلوا بالنهب والغارة، فخرج عليهم الكمين بعد الظفر، فقتلوا من الديلم والجُرجانيّة نحو أربعة آلاف رجل، وانهزم أبو الحسين، وركب في البحر ثمّ عاد إلى أسّتراباذ، واجتمع إليه فلّ أصحابه.
وكان سُرخاب قد تبع سيمجور في هزيمته، فلمّا عاد رأى أصحابه مقتّلين مشرّدين، فسار إلى استراباذ، واستصحب معه عيال أصحابه ومخلّفيهم، وأقام بها مع أبي الحسين بن الناصر، ثم سمع سيمجور بظفر أصحابه، فعاد إليهم، وأقام بجرجان، ثمّ اعتلّ سُرخاب ومات، ورجع ابن الناصر إلى سارية، واستخلف ما كانَ بن كالي على استراباذ، فاجتمع إليه الديلم، وقدّموه، وأمّروه على أنفسهم.
ثمّ سار محمّد بن عبيد الله البلغميُّ وسيمجور إلى باب استراباذ، وحاربوا ما كان بن كالي، فلمّا طال مقامهم اتّفقوا معه على أن يخرج عن استراباذ إلى سارية، وبذلوا له على هذا مالاً ليظهر للناس أنّهم قد افتتحوها، ثمّ ينصرفون عنها ويعود إليها، ففعل وسار إلى سارية، ثمّ رحلوا عن استراباذ إلى جُرجان، ثمّ إلى نَيسابور، وجعلوا بُغرا باستراباذ، فلمّا ساروا عنها عاد إليها ما كان بن إلى، ففارقها بغرا أليلأ جُرجان، وأساء السيرة في أهلها، وخرج إليه ما كان، فرجع بُغرا إلى نَيسابور، وأقام ما كان بجرجان؛ ونحن نذكر ابتداء حال ما كان، وننقلها عند قتله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أحمد بن أسد السامانيّ
ثمّ خرج إلياس بن إسحاق بن أحمد، المقدَّم ذكره أنّه خرج مع أبيه، وانهزم إلى فرغانة، فلمّا بلغ فرغانة أقام بها إلى أن خرج ثانياً، واستعان عند خروجه بمحمّد بن الحسين بن متّ، وجمع من الترك، فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد سَمَرْقَنْد مشاقّاً للسعيد نصر بن أحمد، فسيّر إليه نصر أبا عمرو محمّد بن أسد وغيره في ألفين وخمسمائة رجل، فكمنوا خارج سَمَرْقَنْد يوم ورود إلياس، فلمّا وردها، واشتغل هو ومَن معه بالنزول، خرج الكمين عليه من بين الشجر، ووضعوا السيوف فيهم، فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة، ووصل ابن متّ إلى اسبيجاب، ومنها إلى ناحية طراز، فكوتب دهقان الناحية التي نزلها، وأُطمع، وقَبض عليه، وقتلهن وأنفذ رأسه إلى بخارى.
وكان ابن متّ شجاعاً، وكان قد سخّر جمالاً عند خروجه، فجاء أصحابه يطلبونها منه، فقال: سأردّها عليكم ببغداد، يعني أنّه لا يردّ شيئاً من بغداد، ثقةً بكثرة جمعه وقوّته، فجاءت الأقدار بما لم يكن في الحسا.
ثمّ عاد إلياس فخرج مرّة ثالثة، وأعانه أبو الفضل بن أبي يوسف، صاحب الشاش، فسيّر إليه محمّد بن ألِيسَع، فحاربهم، فانهزم إلياس إلى كاشْغَر، وأُسر أبو الفضل، وحُمل إلى بخارى فمات بها.
وأمّا إلياس فصاهر دهقان كاشْغَر طغانتكين، واستقرّ بها، ثمّ وليَ محمّد بن المظفَّر فرغانة، فرجع إليها إلياس بن إسحاق معانداً، فحاربه محمّد ابن المظفَّر، فهزمه مرّة أخرى، فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمّد بن المظفّر، واستماله، ولطف به، فأمن إلياس إليهن وحضره إلى بخارى، فأكرمه السعيد، وصاهره، وأقام معه.
ذكر وفاة محمّد بن جرير الطبريّ
وفي هذه السنة توفّي محمّد بن جرير الطبريُّ، صاحب التاريخ، ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلاً بداره، لأنّ العامّة اجتمعت، ومنعت من دفنه نهاراً، وادعو عليه الرفض، ثمّ ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان عليٌّ بن عيسى يقولك والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، وهكذا ذكره ابن مِسكويه صاحب تجارب الأمم، وحُوشي ذلك الإمام عن مثل هذه الأشياء.
وأمّا ما ذكره عن تعصّب العامّة، فليس الأمر كذلك، وأنّما بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبَب، وهو أنّ الطبريّ جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حَنبَل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً، وإنّما كان محدّثاً، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا:

حَسدوا الفَتى إذ لم ينالوا سَعيّة ... فالناسُ أعداءٌ له وخُصومُ
كضرائرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها ... حسَداً وبَغياً إنّه لَدَمِيمُ
وقد ذكرت شيئاً من كلام الأئمّة في أبي جعفر يُعلم منه محلّه في العلم، والثقة، وحسن الاعتقاد، فمن ذلك ما قاله الإمام أبو بكر الخطيب، بعد أن ذكر مَن روى الطبريُّ عنه، ومَن روى عن الطبريّ، فقال: وكان أحد أئمّة العلماء يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقاويل الصحابة والتابعين، ومَن بعدّهم في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، خبيراً بأيّام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، والكتاب الذي في التفسير لم يصنّف مثله، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وأخبار من أقاويل الفقهاء؛ وتفرّد بمسائل حُفظتْ عنه.
وقال أبو أحمد الحسين بن عليّ بن محمّد الرازيُّ: أوّل ما سألني الإمام أبو بكر بن خُزَيمة قال لي: كتبتَ عن محمّد بن جرير الطبريّ ؟ قلتُ: لا ! قال: لِمَ ؟ قلتك لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه؛ فقال: بئس ما فعلت ! ليتك لم تكتب عن كلّ مَن كتبت عنه؛ وسمعت عن أبي جعفر، وقال حسين: واسمه الحسين بن عليّ التميميُّ، عن ابن خُزَيمة نحو ما تقدم.
وقال ابن خُزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبريّ: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبي جعفر، ولقد ظلمتْه الحنابلة.
وقال أبو محمّد عبدالله بن أحمد الفرغانيُّ، بعد أن ذكر تصانيفه: وكان أبو جعفر ممّن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يعدل، في علمه وتبيانه، عن حقّ يلزمه لربّه للمسلمين، إلى باطل لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل، وحاسد، وملحد.
وأمّا أهل الدين والورع فغير منكرين علمه، وفضله، وزهده، وتركه الدنيا مع إقبالها عليه، وقناعته بما كان يرد عليه من قرية خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة؛ ومناقبه كثيرة لا يحتمل ها هنا أكثر من هذا.
ذكر عدة حوادثفيها أطلق المقتدر يوسفَ بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم وحُمل إليه، ودخل إلى المقتدر، وخلع عليه، ثمّ عقد له على الرّيّ، وقَزوين، وأبهر، وزنجان، وأذربيجان، وقرّر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة كلّ سنة إلى بيت المال سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد.
وخلع في هذا اليوم على وصيف البكتمريّ، وعلى طاهر ويعقوب ابنَيْ محمّد بن عمرو بن الليث.
وتجهّز يوسف، وضمّ إليه المقتدرُ بالله العساكر مع وصيف البكتمريّ، وسار عن بغداد في جمادى الآخرة إلى أذربيجان، وأمر أن يجعل طريقه على الموصل، وينظر في أمر ديار ربيعة، فقدم إلى الموصل، ونظر في الأعمال، وسار إلى أذربيجان، فرأى غلامه سُبُكاً قد مات.
وفيها قُلّد نازوك الشُّرطة ببغداد.
وفيها وصلت هدية إلى أبي زبور الحسين بن أحمد الماذرائي من مصر وفيها بغلة، ومعها فِلْوٌ يتبعها، ويرضع منها، وغلام طويل اللسان، ويلحق لسانه أرنبة أنفه.
وفيها قبض المقتدر على أمّ موسى القهرمانة، وكان سبب ذلك أنّها زوّجت ابنة أختها من أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان محسناً، له نعمة ظاهرة، ومروءة حسنة، وكان يرشّح للخلافة، فلمّا صاهرتْه أكثرت من النثار والدعوات، وخسّرت أموالاً جليلة، فتكلّم أعداؤها، وسعوا بها إلى المقتدر، وقالوا إنّها قد سعت لأبي العبّاس في الخلافة، وحلّفت له القوّاد؛ وكثر القول عليها، فقبض عليها، وأخذ منها أموالاً عظيمة وجواهر نفيسة. وفيها غزا المسلمون في البرّ والبحر، فغنموا وسلموا.
وفيها كان بالموصل شغب من العامّة، وقتلوا خليفة محمّد بن نصر الحاجب بها، فتجهّز العسكر من بغداد إلى الموصل.
وفيها، في جُمادى الآخرة، انقضّ كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج السنبلة، طوله نحو ذراعَينْ.
وفيها سار محمّد بن نصر الحاجب من الموصل إلى الغزاة على قَالِيقَلا، فغزا الروم من تلك الناحية، ودخل أهل طَرَسُوس ملَطْية، فظفروا، وبلغوا من بلاد الروم والظفر بهم ما لم يظنّوه وعادوا.

وفيها توفّي أبو عبد الله محمّد بن العبّاس بن محمّد بن أبي محمّد اليزيديُّ الأديب، أخذ العلم عن ثعلب والرياشيّ. وحج بالناس هذه السنة إسحاق عبد الملك الهاشمي.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
ذكر عزل حامد وولاية ابن الفرات
في هذه السنة، في ربيع الآخر، عزل المقتدرُ حامدَ بن العبّاس عن الوزارة، وعليَّ بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبي الحسين بن الفرات، وأعيد إلى الوزارة.
وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد، والحُرَم، والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم، فإنّ عليّ بن عيسى كان يؤخّرها، فإذا اجتمع عدّة شهور أعطاهم البعض، وأسقط البعض، وحطّ من أرزاق العمّال في كلّ سنة شهرَيْن، وغيرهم ممّن له رزق، فزادت عداوة الناس له.
وكان حامد بن العبّاس قد ضجر من المُقام ببغداد، وليس إليه من الأمر شيء غير لبس السواد، وأنف من طّراح عليّ بن عيسى بجانبه، فإنّه كان يُهينه في توقيعاته بالإطلاق عليه لضامنه بعض الأعمال، وكان يكتب: ليطلق جهبذ الوزير أعزّه الله، وليبادر نائب الوزير.
وكان إذا شكا إليه بعض نوّاب حامد يكتب على القصّة: إنّما عقد الضمان، على النائب الوزيريّ، عن الحقوق الواجبة السلطانيّة، فليتقدّم إلى عمّاله بكفّ الظلم عن الرعيّة. فاستأذن حامد، وسار إلى واسط لينظر في ضمانه، فأذن له، وجرى بين مفلح الأسود وبين حامد كلام، قال له حامد: لقد هممتُ أن أشتري مائة خادم أسود، وأسمّيهم مُفلحاً، وأهبهم لغلماني؛ فحقده مُفلح، وكان خصّيصاً بالمقتدر، فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة، وضمن أموالاً جليلة، وكتب على يد رقعة يقول: أن يُسلّم الوزير، وعليّ بن عيسى، وابن الحواريّ، وشفيع اللؤلؤيّ، ونصر الحاجب، وأمّ موسى القهرمانة، والمادرانيّون يستخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار.
وكان المحسن مطلقاً، وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواريّ كلّ سنة من المال، فاستكثره، فقبض على عليّ بن عيسى في ربيع الآخر، وسُلّم إلى زيدان القهرمانة، فحبسته في الحجرة التي كان ابن الفرات محبوساً فيها، وأُطلق ابن الفرات، وخُلع عليه، وتولّى الوزارة، وخُلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات.
وكان أبو عليّ بن مقلة قد سعى بابن الفرات، وكان يتقلّد بعض الأعمال أيّام حامد، فحضر عند ابن الفرات، وكان ابن الفرات هو الذي قدّم ابن مقلة، وربّاه، وأحسن إليه، ولّما قيل عنه إنّه سعى به لم يصدق ذلك، حنّى تكرّر ذلك منه.
ثمّ إنّ حامداً صعد من واسط، فسيّر إليه ابن الفرات من يقبض عليه في الطريق وعلى أصحابه، فقبض على بعض أصحابه، وسمع حامد فهرب واختفى ببغداد؛ ثمّ إنّ حامداً لبس زيّ راهب، وخرج من مكانه الذي اختفى فيه، ومشى إلى نصر الحاجب، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل عليه، وسأله إيصال حاله إلى الخليفة، فاستدعى نصر مفلحاً الخادم وقال: هذا يستأذن إلى الخليفة، إذا كان عند حرمه.
فلمّا حضر مُفلح فرأى حامداً قال: أهلاً بمولانا الوزير؛ أين مماليكك السودان الذين سمّيتَ كلّ واحد منهم مُفلحاً ؟ فسأله نصر أن لا يؤاخذه، وقال له: حامد يسأل أن يكون محبسه في دار الخليفة، ولا يُسلّم إلى ابن الفرات.

فدخل مُفلح، وقال ضدّ ما قيل له، فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، فأُرسل إليه، فحبسه في دار حسنة، وأجرى عليه من الطعام، والكسوة، والطيب، وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثمّ أحضره، وأحضر الفقهاء والعمّال، وناظره على ما وصل إليه من المال، وطالبه به، فأقرّ بجهات تقارب ألف ألف دينار وضمنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من المقتدر بخمسمائة ألف دينار، فسلّمه إليه، فعذّبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ما له بواسط، وأمرهم بأن يسقوه سمّاً، فسقوه سمّاً في بيض مشوي، وكان طلبه، فأصابه إسهال، فلمّا وصل إلى واسط أفرط الإغيام به، وكان قد تسلّمه محمّد بن علي البَزَوْفريُّ، فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أن ليس له في أمره صنع، فلمّا حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقوني سمّاً في بيض مشوي، فأنا أموت منه، وليس لمحمّد في أمري صنع، لكنّه قد أخذ قطعة من أموالي وأمتعتي، وجعل يحشوها في المَساور، وتباع المِسْوَرةُ في السوق بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم، ووضع عليها مَن يشتريها ويحملها إليه، فيكون فيها أمتعة تساوي ثلاثة آلاف دينار، فاشهدوا على ذلك.
وكان صاحب الخبر حاضراً، فكتب ذلك، وسيّره، وندم البزوفريُّ على ما فعل، ثمّ مات حامد في رمضان من هذه السنة، ثمّ صودر عليُّ بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار، فأخذه المحسن بن الفرات ليستوفي منه المال، فعذّبه وصفعه فلم يؤدّ إليه شيئاً.
وبلغ الخبر الوزير أبا الحسن بن الفرات، فأنكر على ابنه ذلك، لأنّ عليّاً كان محسناً إليهم أيّام ولايته، وكان قد أعطى المحسن، وقت نكبته، عشرة آلاف درهم، وأدّى عليُّ بن عيسى مال المصادرة، وسيّره ابن الفرات إلى مكّة وكتب إلى أمير مكّة لِيُسيّره إلى صنعاء، ثمّ قبض ابن الفرات على أبي عليّ بن مقلة، ثمّ أطلقه؛ وقبض على ابن الحواريّ، وكان خِصّيصاً بالمقتدر، وسلّمه إلى ابنه المحسن، فعذّبه عذاباً شديداً، وكان المحسن وقحاً، سيئ الأدب ظالماً، ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمّونه الخبيث بن الطيّب؛ وسيّر ابن الحواريّ إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال التي له، فضربه الموكَّل به حتّى مات.
وقبض أيضاً على الحسين بن أحمد، ومحمّد بن عليّ المادرانيّين، وكان الحسين قد تولّى مصر والشام، فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، ثمّ صادر جماعة من الكتّاب ونكبهم.
ثمّ إنّ ابن الفرات خوّف المقتدر من مؤنس الخادم، وأشار عليه بأن يسيّره عن الحضرة إلى الشام ليكون هنالك، فسمع قوله، وأمره بالمسير، وكان قد عاد من الغزاة، فسأل أن يقيم عدّة أيّام بقيت من شهر رمضان، فأُجيب إلى ذلك، وخرج في يوم شديد المطر.
وسبب ذلك أنّ مؤنساً لمّا قدم ذكر للمقتدر ما اعتمده ابن الفرات من مصادرات الناس، وما يفعله ابنه من تعذيبهم وضربهم، إلى غير ذلك من أعمالهم، فخافه ابن الفرات، فأبعده عن المقتدر،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 1:49 am

ومن محاسنه أنّه جرى ذكر أصحاب الأدب، وطلبة الحديث، وما هم عليه من الفقر والتعفّف، فقال: أنا أحقّ مَن أعانهم؛ وأطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم، وللشعراء عشرين ألف درهم، ولأصحاب الأدب عشرين ألف درهم، وللفقهاء عشرين ألف درهم، وللصوفيّة عشرين ألف درهم، فذلك مائة ألف درهم.
وكان إذا وليَ الوزارة ارتفعت أسعار الثلج، والشمع، والسكر، والقراطيس، لكثرة ما كان يستعملها ويخرج من داره للناس، ولم يكن فيه ما يعاب به إلاّ أن أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون، ويظلمون، فلا يمنعهم، فمن ذلك أنّ بعضهم ظلم امرأة في ملك لها، فكتبت إليه تشكو منه غير مرّة، وهو لا يردّ لها جواباً، فلقيته يوماً، وقالت له: أسألك بالله أن تسمع منيّ كلمة ! فوقف لها، فقالت: قد كتبتُ إليك في ظُلامتي غير مرّة، ولم تُجبني، وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعالى. فلمّا كان بعد أيّام، ورأى تغيّر حاله، قال لمن معه من أصحابه: ما أظن إلاّ جواب رقعة تلك المرأة المظلومة قد خرج؛ فكان كما قال.
ذكر دخول القرامطة الكوفةوفي هذه السنة دخل أبو طاهر القُرمطيُّ إلى الكوفة، وكان سبب ذلك أنّ أبا طاهر أطلقَ مَن كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحّجّاج، وفيهم ابن حمدان وغيره، وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من هَجَر يريد الحاجّ.
وكان جعفر بن ورقاء الشيبانيُّ متقلّداً أعمال الكوفة وطريق مكّة، فلمّا سار الحُجّاج من بغداد سار جعفر بين أيديهم خوفاً من أبي طاهر، ومعه ألف رجل من بني شيبان، وسار مع الحُجّاج من أصحاب السلطان ثَمل صاحب البحر، وجنّيّ الصفوانيُّ، وطريف السبكريُّ وغيرهم، في ستّة آلاف رجل، فلقي أبو طاهر القُرمطيُّ جعفراً الشيبانيَّ، فقاتله جعفر.
فبينما هو يقاتله إذ طلع جمع من القرامطة عن يمينه، فانهزم من بين أيديهم، فلقي القافلة الأولى وقد انحدرت من العقبة، فردّهم إلى الكوفة ومعهم عسكر الخلفية، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة، فقاتلهم، فانهزم عسكر الخليفة، وقتل منهم، وأسر جنّيّاً الصفوانيَّ، وهرب الباقون والحُجّاج من الكوفة، ودخلها أبو طاهر، وأقام ستّة أيّام بظاهر الكوفة يدخل البلد نهاراً فيقيم في الجامع إلى الليل، ثمّ يخرج يبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك، وعاد إلى هَجَر.
ودخل المنهزمون بغداد، فتقدّم المقتدر إلى مؤنس المظفَّر بالخروج إلى الكوفة، فسار إليها، فبلغها وقد عاد القرامطة عنها، فاستخلف عليها ياقوتاً، وسار مؤنس إلى واسط خوفاً عليها من أبي طاهر، وخاف أهل بغداد، وانتقل الناس إلى الجانب الشرقيّ؛ ولم يحجّ في هذه السنة من الناس أحد.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة خلع المقتدر على نُجح الطولونيّ، ووليّ أصبهان.
وفيها ورد رسول ملك الروم بهدايا كثيرة، ومعه أبو عمر بن عبد الباقي، فطلبا من المقتدر الهدنة وتقرير الفداء، فأجيبا إلى ذلك بعد غزاة الصائفة.
وفي هذه السنة خُلع على جنّيّ الصفوانيّ بعد عوده من ديار مصر.
وفيها استُعمل سعيد بن حمدان على المعاون والحرب بنهاوند.
وفيها دخل المسلمون بلاد الروم، فنهبوا، وسبوا، وعادوا.
وفيها ظهر عند الكوفة رجل ادّعى أنه محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وهو رئيس الإسماعيليّة، وجمع جمعاً عظيماً من الأعراب وأهل السواد، واستفحل أمره في شوّال، فسُيّر إليه جيش من بغداد، فقاتلوه، فظفروا به وانهزم، وقُتل كثير من أصحابه.
وفيها، في شهر ربيع الأوّل، توفّي محمّد بن نصر الحاجب، وقد كان استعمل على الموصل، وتقدّم ذلك.
وفيها توفّي شفيع اللؤلؤيُّ وكان على البريد وغيره من الأعمال، فوليَ ما كان عليه شفيع المقتدريُّ.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائةذكر عزل الخاقانيّ عن الوزارة
ووزارة الخصيبيّ
في هذه السنة، في شهر رمضان، عُزل أبو القاسم الخاقانيُّ عن وزارة الخليفة.

وكان سبب ذلك أنّ أبا العبّاس الخصيبيَّ علم بمكان امرأة المحسن بن الفرات، فسأل أن يتولّى النظر في أمرها، فأذن له المقتدر في ذلك، فاستخلص منها سبع مائة ألف دينار وحملها إلى المقتدر، فصار له معه حديث، فخافه الخاقانيُّ، فوضع مَن وقع عليه وسعى به، فلم يصغ المقتدر إلى ذلك، فلمّا علم الخصيبيُّ بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معايب الخاقانيّ وابنه عبد الوهّاب وعجزهما، وضياع الأموال، وطمع العمّال.
ثمّ إنّ الخاقانيَّ مرض مرضاً شديداً، وطال به، فوقفت الأحوال، وطلب الجند أرزاقهم، وشغبوا، فأرسل المقتدر إليه في ذلك، فلم يقدر على شيء، فحينئذ عزله، واستوزر أبا العبّاس الخصيبيَّ وخلع عليه، وكان يكتب لأمّ المقتدر، فلمّا وزَر كتب لها بعده أبو يوسف عبد الرحمن بن محمّد، وكان قد تزهّد وترك عمل السلطان، ولبس الصوف والفوط، فلمّا أُسند إليه هذا العمل ترك ما كان عليه من الزهد، فسمّاه الناس المرتدّ.
فلمّا وليَ الخصيبيُّ أقرّ عليَّ بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام، فكان يتردّد من مكّة إليها في الأوقات، واستعمل العُمّال في الأعمال، واستعمل أبا جعفر محمّد بن القاسم الكرخيَّ بعد إن صادره بثمانية وخمسين ألف دينار على الإشراف على الموصل وديار ربيعة.
ذكر ما فتحه أهل صقلّية
في هذه السنة سار جيش صِقلّية مع أميرهم سالم بن راشد وأرسل إليهم المهديُّ جيشاً من إفريقية، فسار إلى أرض انكبردة، ففتحوا غيران وأبرجة، وغنموا غنائم كثيرة، وعاد جيش صقلّية، وساروا إلى أرض قِلَّوريَة، وقصدوا مدينة طارنت، فحصروها وفتحوها بالسيف في شهر رمضان ووصلوا إلى مدينة أدرنت، فحصروها، وخرّبوا منازلها، فأصاب المسلمين مرض شديد كبير، فعادوا، ولم يزل أهل صقلّية يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلّية، وقِلّوريَة، وينهبون ويخربون.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة فتح إبراهيم المِسْمعيُّ ناحية القُفص، وهي من حدود كَرْمان، وأسر منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس وباعهم.
وفيها كثرت الأرطاب ببغداد، حتّى عملوا منها التمور، وحُملت إلى واسط والبصرة، فنُسب أهل بغداد إلى البغي.
وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه، فإن فعلوا، وإلاّ قصدهم فقتل الرجال، وسبى الذريّة، وقال: إنّني صحّ عندي صعف ولاتكم؛ فلم يفعلوا ذلك، فسار إليهم، وأخرب البلاد، ودخل مَلَطْيَة في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فأخربوها، وسبوا منها، ونهبوا، وأقام فيها ستة عشر يوماً.
وفيها اعترض القرامطة الحاجَّ بزبالة فقاتلهم أصحاب الخليفة، فانهزموا، ووضع القرامطة على الحاجّ قطيعة، فأخذوها، وكفوا عنهم، فساروا إلى مكّة.
وفيها انقضّ كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد، وضوء عظيم أضاءت له الدنيا.
وفيها توفّي محمّد بن محمّد بن سليمان الباغنديُّ في ذي الحجّة، وهو من حفّاظ المحدّثين، وأبو العبّاس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السرّاج النَّيسابوريُّ وعمره تسع وتسعون سنة، وكان من العلماء الصالحين، وعبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البَغَويُّ، توفّي ليلة الفِطر، وكان عمره مائة سنة وسنتين، وهو ابن بنت أحمد بن منيع.
وفيها توفّي عليُّ بن محمّد بن بشّار أبو الحسن الزاهد.
ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة
ذكر مسير ابن أبي الساج إلى واسط
وفي هذه السنة قلّد المقتدرُ يوسفَ بن أبي الساج نواحي المشرق، وأذن له في أخذ أموالها وصرفها إلى قوّاده وأجناده، وأمره بالقدوم إلى بغداد من أذربيجان، والمسير إلى واسط، ليسير إلى هَجَر لمحاربة أبي طاهر القُرمطيّ، فسار إلى واسط، وكان بها مؤنس المظفَّر، فلمّا قاربها يوسف صعد مؤنس إلى بغداد ليقيم بها، وجعل له أموال الخراج بنواحي هَمذان، وساوةَ، وقُمّ، وقَاشان، وماه البَصرة، وماه الكوفة، وماسَبَذان، لينفقها على مائدته، ويستعين بذلك على محاربة القرامطة؛ وكان هذا كلّه من تدبير الخصيبيّ.
ذكر الحرب بين عبد الله بن حَمدان والأكراد والعرب

وفي هذه السنة أفسد الأكراد والعرب بأرض الموصل وطريق خُراسان، وكان عبد الله بن حَمدان يتولّى الجميع وهو ببغداد، وابنه ناصر الدولة بالموصل، فكتب إليه أبوه يأمره بجمع الرجال، والانحدار إلى تكريت، ففعل وسار إليها، فوصل إليها في رمضان، واجتمع بأبيه، وأحضر العرب، وطالبهم بما أحدثوا في عمله بعد أن قتل منهم، ونكّل ببعضهم، فردّوا على الناس شيئاً كثيراً، ورحل بهم إلى شَهرزور، فوطئ الأكراد الجلالّية فقاتلهم، وانضاف إليهم غيرهم، فاشتدّت شوكتهم، ثمّ إنّهم انقادوا إليه لّما رأوا قوّته، وكفّوا عن الفساد والشرّ.
ذكر عزل الخصيبيّ
ووزارة عليّ بن عيسى
في هذه السنة، في ذي القعدة، عزل المقتدر أبا العبّاس الخصيبيَّ عن الوزارة.
وكان سبب ذلك أنّ الخصيبيّ أضاف إضافة شديدة، ووقفت أمور السلطان لذلك، واضطرب أمر الخصيبيّ.
وكان حين وليَ الوزارة قد اشتغل بالشرب كلّ ليلة؛ وكان يصبحُ سكران لا قصد فيه لعمل وسماع حديث؛ وكان يترك الكتب الواردة الدواوين لا يقرأها إلاّ بعد مدة ويهمل الأجوبة عنها، فضاعت الأموال، وفاتت المصالح، ثمّ إنّه لضجره وتبرُّمه بها وبغيرها من الأشغال، وكَل الأمورَ إلى نوابه، وأهمل الاطلاع عليها، فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم.
فلمّا صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفَّر بعزله، وولاية عليّ ابن عيسى، فقَبض عليه، وكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحُبسوا، وأرسل المقتدر بالله بالغد إلى دمشق يستدعي عليَّ بن عيسى، وكان بها. وأمر المقتدر أبا القاسم عبيدالله بن محمّد الكلوذانيَّ بالنيابة عن عليّ ابن عيسى إلى أن يحضر، فسار عليُّ بن عيسى إلى بغداد، فقدمها أوائل سنة خمس عشرة، واشتغل بأمور الوزارة، ولازم النظر فيها، فمشت الأمور، واستقامت الأحوال.
وكان من أقوم الأسباب في ذلك أنّ الخصيبيّ كان قد اجتمع عند رقاع المصادرين، وكفالات مَن كفل منهم، وضمانات العمّال بما ضمنوا من المال بالسواد، والأهواز، وفارس، والمغرب، فنظر فيها عليٌّ، وأرسل في طلب تلك الأموال، فأقبلت إليه شيئاً بعد شيء، فأدّى الأرزاق، وأخرج العطاء، وأسقط من الجند مَن لا يحمل السلاح، ومن أولاد المرتزقة من هو في المهد، فإنّ آباءهم أثبتوا أسماءهم، ومن أرزاق المغنّين، والمساخرة، والندماء، والصفاعنة، وغيرهم، مثل الشيخ الهرم، ومن ليس له سلاح، فإنّه أسقطهم، وتولّى الأعمال بنفسه ليلاً ونهاراً، واستعمل العمّال في الولايات، واختار الكفاة.
وأمر المقتدر بالله بمناظرة أبي العبّاس الخصيبيّ، فأحضره، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتّاب وغيرهم، وكان عليٌّ وقوراً لا يسفه، فسأله عما صحّ من الأموال من الخراج، والنواحي، والأصقاع والمصادرات والمتكلّفين بها، ومن البواقي القديمة إلى غير ذلك، فقال: لا أعلمه.
وسأله عن الإخراجات، والواصل إلى المخزن، فقال: لا أعرفه؛ وقال له: لِمَ أحضرت يوسف بن أبي الساج، وسلّمت إليه أعمال المشرق، سوى أصبهان، وكيف تعتقد أنّه يقدر هو وأصحابه، وهم قد ألفوا البلاد الباردة الكثيرة المياه، على سلوك البرية القفراء، والصبر على حرّ بلاد الإحساء والقطيف، ولِمَ لَمْ تجعل معه منفقاً يخرج المال على الأجناد ؟ فقال: ظننتُ أنّه يقدر على قتال القرامطة، وامتنع من أن يكون معه منفق.
فقال له: كيف استجزتَ في الدين والمروءة ضرب حُرِمَ المصادَرين وتسليمهنّ إلى أصحابك، كامرأة ابن الفرات وغيره، فإن كانوا فعلوا ما لا يجوز ألستَ أنت السبب في ذلك ؟ ثمّ سأله عن الحاصل له، وعن إخراجاته، فخلّط في ذلك، فقال له: غرّرت بنفسك، وغرّرتَ بأمير المؤمنين، ألا قلت له إنّني لا أصلح للوزارة، فقد كان الفُرس، إذا أرادوا أن يستوزروا وزيراً، نظروا في تصرّفه لنفسه فإن وجدوه حازماً، ضابطاً، ولّوه، وإلاّ قالوا: من لا يحسن يدبّر نفسه فهو من غير ذلك أعجز، وتركوه؛ ثم أعاده إلى محبسه.
ذكر استيلاء السامانيّة على الرَّيّ

لّما استدعى المقتدرُ يوسفَ بن أبي الساج إلى واسط كتب إلى السعيد نصر ابن أحمد السامانيّ بولاية الرَّيّ، وأمره بقصدها، وأخذها من فاتك، غلام يوسف، فسار نصر بن أحمد إليها، أوائل سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فوصل إلى جبل قارن، فمنعه أبو نصر الطبريُّ من العبور، فأقام هناك، فراسله، وبذل له ثلاثين ألف دينار حتّى مكّنه من العبور، فسار حتّى قارب الرَّيّ، فخرج فاتك عنها، واستولى نصر بن أحمد عليها في جمادى الآخرة، وأقام بها شهرَيْن، وولّى عليها سيمجور الدواتيَّ وعاد عنها.
ثمّ استعمل عليها محمّد بن عليّ صعلوك، وسار نصر إلى بخارى، ودخل صعلوك الرَّيّ، فأقام بها إلى أوائل شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة فمرض، فكاتب الحسنَ الدَّاعي، وما كان بن كالي في القدوم عليه ليسلّم الريّ إليهما، فقدما عليه، فسلّم الريّ إليهما وسار عنها، فلّما بلغ الدامغان مات.
ذكر عدّة حوادث
وفي هذه السنة ضمن أبو الهيجاء عبدُ الله بن حمدان أعمال الخراج والضِّياع بالموصل، وقَرْدَى، وبازَبْدَى، وما يجري معها.
وفيها سار ثمل إلى عمله بالثغور، وكان في بغداد.
وفيها، في ربيع الآخر، خرجت الروم إلى مَلَطْية وما يليها مع الدُّمُسْتُق، ومعه مليح الأرمنيُّ صاحب الدُّروب، فنزلوا على مَلَطْية، وحصروها، فصبر أهلها، ففتح الروم أبواباً من الربض، فدخلوا، فقاتلهم أهله، وأخرجوهم منه، ولم يظفروا من المدينة بشيء، وخرّبوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الموتى، ومثلوا بهم، ورحلوا عنهم؛ وقصد أهل مَلَطْية بغداد مستغيثين، في جُمادى الأولى، فلم يعانوا، فعادوا بغير فائدة، وغزا أهل طَرَسُوس صائفة، فغنموا وعادوا.
وفيها جمدت دجلة عند الموصل من بلدَ إلى الحَدِيثة، حتّى عبر عليها الدّواب لشدّة البرد.
وفيها توفّي الوزر أبو القاسم الخاقانيُّ، وهرب ابنه عبد الوهّاب، ولم يحضر غسل أبيه ولا الصلاة عليه، وكان الوزير قد أُطلق من محبسه قبل موته.
وفيها توجّه أبو طاهر القُرمُطيُّ نحو مكّة،؛ فبلغ خبره إلى أهلها، فنقلوا حُرَمَهم وأموالهم إلى الطائف وغيره خوفاً منه.
وفيها كتب الكلوذانيُّ إلى الوزير الخصيبيّ، قبل عزله، بأنّ أبا طالب النُّوبَنْدَجَانيَّ قد صار يجري مجرى أصحاب الأطراف، وأنّه قد تغلّب على ضياع السلطان، واستغل منها جملة عظيمة، فصودر أبو طالب على مائة ألف دينار.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة
ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر ومؤنس
في هذه السنة هاجت الروم، وقصدوا الثغور، ودخلوا سُمَيساط، وغنموا جميع ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك، وضربوا في الجامع بالناقوس أوقاتَ الصلوات.
ثمّ إنّ المسلمين خرجوا في أثر الروم، وقاتلوهم، وغنموا منهم غنيمة عظيمة، فأمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفَّر، وخلع المقتدر عليه، في ربيع الآخر، ليسير، فلمّا لم يبق إلاّ الوداع امتنع مؤنس من دخول دار الخليفة للوداع، واستوحش من المقتدر بالله وظهر ذلك.
وكان سببه أنّ خادماً من خدّام المقتدر حكى لمؤنس أنّ المقتدر بالله أمر خواصّ خدمه أن يحفر واجُبّاً في دار الشجرة، ويغطوه ببُراية وتراب، وذكر أنّه يجلس فيه لوداع مؤنس، فإذا حضر وقاربها ألقاه الخدم فيها، وخنقوه، وأظهروه ميّتاً، فامتنع مؤنس من دخول دار الخليفة، وركب إليه جميع الأجناد، وفيهم عبدالله بن حَمدان وإخوته، وخلت دار الخليفة، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك إلى أن تنبت لك لحية، فوجّه إليه المقتدر رقعة بخطّة يحلف له على بطلان ما بلغه، فصرف مؤنس الجيش، وكتب الجواب أنه العبد المملوك، وأنّ الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه مَن يريد إيحاشه من مولاه، وأنّه ما استدعى الجند، وإنّما هم حضروا، وقد فرَّقهم.
ثمّ إنّ مؤنساً قصد دار المقتدر في جمع من القوّاد، ودخل غليه، وقبّل يده، وحلف المقتدر على صفاء نيّته له، وودّعه وسار إلى الثغر في العشر الآخر من ربيع الآخرة، وخرج لوداعه أبو العبّاس بن المقتدر، وهو الراضي بالله، والوزير عليُّ بن عيسى.
ذكر وصول القرامطة إلى العراق
وقتل يوسف بن أبي الساج

في هذه السنة وردت الأخبار بمسير أبي طاهر القُرامُطيّ من هَجَر نحو الكوفة، ثم وردت الأخبار من الصرة بأنّه اجتاز قريباً منهم نحو الكوفة. فكتب المقتدر إلى يوسف بن أبي الساج يعرّفه هذا الخبر، ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة، فسار إليها عن واسط، آخر شهر رمضان، وقد أعدّ له بالكوفة الأنزال له ولعسكره، فلمّا وصلها أبو طاهر الهجَريُّ هرب نوّاب السلطان عنها، واستولى عليها أبو طاهر، وعلى تلك الأنزال والعلوفات، وكان فيها مائة كرّ دقيقاً، وألف كرّ شعيراً، وكان قد فني ما معه من الميرة والعلوفة، فقووا بما أخذوه.
ووصل يوسف إلى الكوفة بعد وصول القُرمُطيّ بيوم واحد، فحال بينه وبينها، وكان وصوله يوم الجمعة ثامن شوّال، فلمّا وصل إليهم أرسل إليهم يدعوهم إلى طاعة المقتدر، فإن أبوا فموعدهم الحرب يوم الأحد؛ لا طاعة علينا إلاّ لله تعالى، والموعد بيننا للحرب بُكرة غد.
فلمّا كان الغد ابتدأ أوباش العسكر بالشتم ورمي الحجارة، ورأى يوسف قلّة القَرامطة، فاحتقرهم، وقال: إنّ هؤلاء الكلاب بعد ساعة في يدي ! وتقدّم بأن يكتب كتاب الفتح والبشارة بالظفر قبل اللقاء تهاوناً بهم.
وزحف الناس بعضهم إلى بعض، فسمع أبو طاهر أصوات البوقات والزعقات، فقال لصاحب له: ما هذا ؟ فقال: فشل ! قال: أجَلْ، لم يزد على هذا. فاقتتلوا من ضحوة النهار، يوم السبت، إلى غروب الشمس، وصبر الفريقان، فلمّا رأى أبو طاهر ذلك باشر الحرب بنفسه، ومعه جماعة يثق بهم، وحمل بهم، فطحن أصحاب يوسف، ودقّهم، فانهزموا بين يديه، وأسر يوسفَ وعدداً كثيراً من أصحابه، وكان أسره وقت المغرب، وحملوه إلى عسكرهم، ووكّل به أبو طاهر طبيباً يعالج جراحه.
وورد الخبر إلى بغداد بذلك، فخاف الخاصّ والعامّ من القرامطة خوفاً شديداً، وعزموا على الهرب إلى حُلوان وهَمَذان، ودخل المنهزمون بغداد، أكثرهم رجّالة، حفاة، عراة، فبرز مؤنس المظفَّر ليسير إلى الكوفة، فأتاهم الخبر بأنّ القرامطة قد ساروا إلى عين التمر، فأنفذ من بغداد خمس مائة سُمَيريّة فيها المقاتلة لتمنعهم من عبور الفرات، وسيّر جماعة من الجيش إلى الأنبار لحفظها، ومنع القرامطة من العبور هنالك.
ثمّ إنّ القرامطة قصدوا الأنبار، فقطع أهلها الجسر، ونزل القرامطة غرب الفرات، وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن، ولم يعلم أهل الأنبار بذلك، وعبر فيها ثلاثمائة رجل من القرامطة، فقاتلوا عسكر الخليفة، فهزموهم، وقتلوا منهم جماعة، واستولى القرامطة على مدينة الأنبار، وعقدوا الجسر، وعبر أبو طاهر جريدة وخلّف سواده بالجانب الغربيّ.
ولّما ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار، خرج نصر الحاجب في عسكر جرّار، فلحق بمؤنس المظفَّر، فاجتمعا في نيّف وأربعين ألف مقاتل، سوى الغلمان ومَن يريد النَّهب، وكان ممّن معه أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان، ومن إخوته أبو الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم، وساروا حتّى بلغوا نهر زبارا، على فرسخين من بغداد، عند عَقْرَقُوف، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القَنطرة التي عليه، فقطعوها، وسار أبو طاهر ومَن معه نحوهم، فبلغوا نهر زبارا، وفي أوائلهم رجل أسود، فما زال الأسود يدنو من القنطرة، والنشاب يأخذه، ولا يمتنع، حتّى أشرف عليها، فرآها مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ.
وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم لأن النهر لم يكن فيه مخاضة، ولّما أشرفوا على عسكر الخليفة هرب منهم خلق كثير إلى بغداد من غير أن يلقوهم، فلّما رأى ابن حَمدان ذلك قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم ؟ فوالله لو عبر القرامطة النهر لأنهزم كلّ مَن معك ولأخذوا بغداد؛ ولّما رأى القرامطة ذلك عادوا إلى الأنبار، وسيّر مؤنس المظفَّر صاحبَهُ بُليقاً، في ستّة آلاف مقاتل، إلى عسكر القرامطة، غربيّ الفرات، ليغنموه ويخلصوا ابن أبي الساج، فبلغوا إليهم، وقد عبر أبو طاهر الفرات في زورق صيّاد، وأعطاه ألف دينار، فلمّا رآه أصحابه قويت قلوبهم، ولّما أتاهم عسكر مؤنس كان أبو طاهر عندهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الخليفة.

ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج وهو قد خرج من الخيمة ينظر ويرجو الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج ! فلّما انهزموا أحضره وقتله، وقتل جميع الأسرى من أصحابه. وسلمت بغداد من نهب العيّارين، لأنّ نازوك كان يطوف هو وأصحابه ليلاً ونهاراً، ومَن وجدوه بعد العَتمة قتلوه، فامتنع العيّارون، واكترى كثير من أهل بغداد سفناً، ونقلوا إليها أموالهم، وربطوها لينحدروا إلى واسط، وفيهم مَن نقل متاعه إلى واسط إلى حُلوان ليسيروا إلى خُراسان. وكان عدّة القرامطة ألف رجل وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل، وقيل كانوا ألفَينْ وسبعمائة.
وقصد القرامطة مدينة هَيت، وكان المقتدر قد سيّر إليها سعيد بن حمدان، وهارون بن غريب، فلّما بلغها القرامطة رأوا عسكر الخليفة قد سبقهم، فقاتلوهم على السور، فقتلوا من القرامطة جماعة كثيرة، فعادوا عنها.
ولّما بلغ أهلَ بغداد عودهم من هَيت سكنت قلوبهم؛ ولّما علم المقتدر بعدّة عسكره وعسكر القرامطة قال: لعن الله نيّفاً وثمانين ألفاً يعجزون عن ألفين وسبعمائة.
وجاء إنسان إلى عليّ بن عيسى، وأخبره أنّ في جيرانه رجلاً من شِيراز على مذهب القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار، فأحضره، وسأله واعترف، وقال: ما صحبتُ أبا طاهر إلا لما صحّ عندي أنّه على الحقّ وأنت وصاحبك كفّار تأخذون ما ليس لكم، ولا بدّ لله من حجّة في أرضه، وإمامنا المهديُّ محمّد بن فلان بن فلان بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب، ولسنا كالرافضة والاثني عشريّة الذين يقولون بجهلهم إن لهم إماماً ينتظرونه، ويكذب بعضهم لبعض فيقول: قد رأيتُه وسمعتُه وهو يقرأ، ولا ينكرون بجهلهم وغباوتهم أنه لا يجوز أن يعطى من العمر ما يظنّونه، فقال له: قد خالطتَ عسكرنا وعرفتهم، فمن فيهم على مذهبك ؟ فقال: وأنت بهذا العقل تدبّر الوزارة، كيف تطمع مني أنّني أسلّم قوماً مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم ؟ لا أفعل ذلك. فأمر به فضرب ضرباً شديداً، ومُنع الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة أيّام.
وقد كان ابن أبي الساج قبل قتاله القرامطة قد قبض على وزيره محمّد ابن خلف النِّيرَمانيّ وجعل مكانه أبا عليّ الحسن بن هارون، وصادر محمّداً على خمسمائة ألف دينار، وكان سبب ذلك أنّ النِّيرَمانيَّ عظم شأنه، وكثر ماله، فحدّث نفسه بوزارة الخليفة، فكتب إلى نصر الحاجب يخطب الوزارة، ويسعى بابن أبي الساج، ويقول له: إنّه قُرمُطيٌّ يعتقد إمامة العلويّ الذي بإفريقية، وإنّني ناظرتُه على ذلك، فلم يرجع عنهن وإنّه لا يسير إلى قتال أبي طاهر القُرمُطيّ، وإنّما يأخذ المال بهذا السبب، ويقوى به على قصد حضرة السلطان، وإزالة الخلافة عن بني العبّاس؛ وطوّل في ذلك وعرّض.
وكان لمحمّد بن خلف أعداء قد أساء إليهم من أصحاب ابن أبي الساج فسعوا به، فأعلموا يوسفَ بن أبي الساج ذلك، وأروه كتباً جاءته من بغداد في المعنى من نصر الحاجب، وفيها رموز إلى قواعد قد تقدّمت وتقرّرت، وفيها الوعد له بالوزارة، وعزْل عليّ بن عيسى الوزير، فلمّا علم ذلك ابن أبي الساج قبض عليه، فلمّا أُسر ابن أبي الساج تخلّص من الحبس؛ وكان ابن أبي الساج يسمّى الشيخ الكريم لما جمع الله فيه من خلال الكمال والكرم.
ذكر استيلاء أسفار على جرجانفي هذه السنة استولى أسفار بن شيرويه الدّيلَميُّ على جُرجان، وكان ابتداء أمره أنّه كان من أصحاب ما كان بن كالي الديلميّ، وكان سيئ الخُلق والعِشْرة، فأخرجه ما كان من عسكره، فاتّصل ببكر بن محمّد بن ألِيسَعَ، وهو بنَيسابور، وخدمه، فسيّره بكر بن محمّد إلى جُرجان ليفتحها.

وكان ما كان بن كالي، ذلك الوقت، بطَبرِستان، وأخوه أبو الحسن بن كالي بجُرجان، وقد اعتقل أبا عليّ بن أبي الحسين الأطروش العلويّ عنده، فشرب أبو الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرّقهم، وبقي في بيت هو والعلويُّ، فقام إلى العلويُّ ليقتله، فظفر به العلويُّ وقتلهن وخرج من الدار واختفى، فلّما أصبح أرسل إلى جماعة من القوّاد يعرّفهم الحال، ففرحوا بقتل أبي الحسن بن كالي، وأخرجوا العلويَّ، وألبسوه القَلَنْسُوة وبايعوه، فأمسى أسيراً، وأصبح أميراً، وجعل مقدّم جيشه عليَّ بن خرشيد، ورضي به الجيش، وكاتبوا أسفار بن شيرويه، وعرّفوه الحال، واستقدموه إليهم، فاستأذن بكرَ بن محمّد وسار إلى جُرجان، واتّفق مع عليّ بن خرشيد، وضبطوا تلك الناحية، فسار إليهم ما كان بن كالي، من طبرستان، في جيشه، فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طَبَرستان، وأقاموا بها ومعهم العلويُّ، فلعب يوماً بالكرة، فسقط عن دابّته فمات.
ثمّ مات عليُّ بن خرشيد صاحب الجيش، وعاد ما كان بن كالي إلى أسفار، فحاربه، فانهزم أسفار منه، ورجع إلى بكر بن محمّد بن ألِيسَعَ، وهو بجُرجان، وأقام بها إلى أن توفّي بكر بها، فولاّها الأميرُ السعيد نصرُ بن أحمد أسفارَ بن شيرويه، وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وأرسل أسفار إلى مَرداويج بن زيار الجيليّ يستدعيه، فحضر عنده، وجعله أمير الجيش، وأحس إليه، وقصدوا طَبرستان واستولوا عليها.
ونحن نذكر حال ابتداء مرداويج وكيف تقلّبت به الأحوال.
ذكر الحرب بين المسلمين والرومفي هذه السنة خرجت سَرِيّة من طَرَسُوس إلى بلاد الروم، فوقع عليها العدوّ، فاقتتلوا فاستظهر الروم وأسروا من المسلمين أربعمائة رجل، فقُتلوا صبراً.
وفيها سار الدُّمُسْتُق في جيش عظيم من الروم إلى مدينة دَبيل، وفيها نصر السُّبُكيُّ في عسكر يحميها، وكان مع الدُّمُستُق دَبابات ومجانيق معه مِزراق يزرق بالنار عدّة اثنى عشر رجلاً، فلا يقر بين يديه أحد من شدّة ناره واتّصاله، فكان من أشدّ شيء على المسلمين.
وكان الرامي به، مباشرُ القتال من أشجعهم، فرماه رجل من المسلمين بسهم فقتله، وأراح الله المسلمين من شرّه.
وكان الدمستق يجلس على كرسي عالٍ يشرف على البلد وعلى عسكره، فأمرهم بالقتال على ما يراه، فصبر له أهل البلد، وهو ملازم القتال، حتى وصلوا إلى سور المدينة، فنقبوا فيه نقوباً كثيرة، ودخلوا المدينة، فقاتلهم أهلها ومَن فيها من العسكر قتالاً شديداً، فانتصر المسلمون، وأخرجوا الروم منها، وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل.
وفيها، في ذي القعدة، عاد ثمل إلى طَرَسُوس من الغزاة الصائفة سالماً هو ومَن معه فلقوا جمعاً كثيراً من الروم، فاقتتلوا فانتصر المسلمون عليهم وقتلوا من الروم كثيراً، وغنموا ما لا يحصى.
وكان من جملة ما غنموا أنّهم ذبحوا من الغنم في بلاد الروم ثلاثمائة ألف رأس، سوى ما سلم معهم، ولقيهم رجل يُعرف بابن الضحّاك، وهو من رؤساء الأكراد، وكان له حصن يُعرف بالجعفريّ، فارتدّ عن الإسلام وصار إلى ملك الروم فأجزل له العطية، وأمره بالعود إلى حصنه، فلقيه المسلمون، فقاتلوه، فأسروه، وقتلوا كلّ مَن معه.
ذكر مسير جيش المهديّ إلى المغرب
في هذه السنة سيّر المهديُّ العلويُّ، صاحب أفريقية، ابنه أبا القاسم من المهديّة إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، لسبب محمّد بن خرز، الزناتيّ، وذلك أنّه ظفر بعسكر من كُتامة، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فعظم ذلك على المهديّ، فسيّر ولده، فلمّا خرج تفرّق الأعداء، وسار حتّى وصل إلى ما وراء تاهَرت، فلّما عاد من سفرته هذه خطّ برُمحه في الأرض صفة مدينة وسمّاها المحمدّية، وهي المسيلة.
وكانت خطّته لبني كملان، فأخرجهم منها، ونقلهم إلى فَحص القَيروان، كالمتوقّع منهم أمراً، فلذلك أحبذ أن يكونوا قريباً منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجيّ، وانتقل خلق كثير إلى المحمّديّة، وأمر عاملها أن يُكثر من الطعام ويخزنه ويحتفظ به ففعل ذلك، فلم يزل مخزناً إلى أن خرج أبو يزيد ولقيه المنصور، ومن المحمّديّة كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها.
ذكر عدّة حوادث

في هذه السنة مات إبراهيم بن المسمعي من حمّى حادّة، وكان موته بالنُّوبَنْدَجان، فاستعمل المقتدر مكانه على فارس ياقوتاً، واستعمل عوضه على كَرْمان أبا طاهر محمّد بن عبد الصمد، وخلع عليهما.
وفيها شغب الفرسان ببغداد، وخرجوا إلى المصلّى، ونهبوا القصر المعروف بالثريا، وذبحوا ما كان فيه من الوحش، فخرج إليهم مؤنس، وضمن لهم أرزاقهم، فرجعوا إلى منازلهم.
وفيها ظفر عبد الرحمن بن محمّد بن عبدالله الناصر لدين الله الأمويُّ، صاحب الأندلس، بأهل طُليطُلة وكان قد حصرها مدّة لخلاف كان عليه فيها، فلّما ظفر بهم أخرب كثيراً من عماراتها وشعّثها، وكانت حينئذ دار إسلام.
وفيها قصد الأعراب سواد الكوفة فنهبوه خرّبوه، ودخلوا الحيرة فنهبوها، فسيّر إليهم الخليفة جيشاً فدفعوهم عن البلاد.
وفيها، في ربيع الأوّل، انقضّ كوكب عظيم، وصار له صوت شديد على ساعتين بقيتا من النهار.
وفيها، في جُمادى الآخرة، احترق كثير من الرُّصافة ووصيف الجوهريُّ ومُرَبّعة الخُرسي ببغداد.
وفيها توفّي أبو بكر محمّد بن السرّيّ، المعروف بابن السرّاج النحويَّ، صاحب كتاب الأصول في النحو وقيل توفّي سنة ست عشرة.
وفيها، في شعبان، توفّي أبو الحسن عليُّ بن سليمان الأخفش فجأة.
ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة
ذكر أخبار القرامطة
لّما سار القرامطة من الأنبار عاد مؤنس الخادم إلى بغداد، فدخلها ثالث المحرّم، وسار أبو طاهر القُرمُطيُّ إلى الدالية من طريق الفرات، فلم يجد فيها شيئاً، فقتل من أهلها جماعة، ثم سار إلى الرحبة، فدخلها ثامن المحرّم، بعد أن حاربه أهلها، فوضع فيهم السيف بعد أن ظفر بهم، فأمر مؤنس المظفَّر بالمسير إلى الرَّقّة، فسار إليها في صفر، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في ربيع الأوّل، ونزل بها، وأرسل أهل قَرقِيسيا يطلبون من أبي طاهر الأمان، فأمّنهم وأمرهم أ، لا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوه إلى ذلك.
وسيّر أبو طاهر سريّة إلى الأعراب بالجزيرة، فنهبوهم، وأخذوا أموالهم، فخافه الأعراب خوفاً شديداً وهربوا من بين يديه، وقرّر عليهم إتاوة على كلّ رأس دينار يحملونه إلى هَجَر، ثمّ أصعد أبو طاهر من الرَّحبة إلى الرَّقّة، فدخل أصحابه الربض وقتلوا منهم ثلاثين رجلاً، وأعان أهلُ الرّقّة أهلّ الربض، وقتلوا من القرامطة جماعة، فقاتلهم ثلاثة أيّام، ثمّ انصرفوا آخر ربيع الآخر.
وبثّت القرامطة سريّة إلى رأس عين، وكفر توثا، فطلب أهلها الأمان، فأمّنوهم، وساروا أيضاً إلى سنجار، فنهبوا الجبال، ونازلوا سِنجار، فطلب أهلها الأمان، فأمّنوهم.
وكان مؤنس قد وصل إلى الموصل، فبلغه قصد القرامطة إلى الرَّقّة فجدّ السير إليها، فسار أبو طاهر عنها، وعاد إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرّقّة بعد انصراف القرامطة عنها، ثمّ إنّ القرامطة ساروا إلى هَيت، وكان أهلها قد أحكموا سورها، فقاتلوه، فعاد عنهم إلى الكوفة؛ فبلغ الخبر إلى بغداد، فأُخرج هارون بن غريب، وبنّيّ بن نفيس ونصر الحاجب إليها، ووصلت خيل القُرمُطيّ إلى قصر ابن هُبَرة، فقتلوا منه جماعة.
ثمّ إنّ نصراً الحاجب حُمّ في طريقه حمّى حادّى، فتجلّد وسار، فلمّا قاربهم القُرمطيُّ لم يكن في نصر قوة على النهوض والمحاربة، فاستخلف أحمد بن كَيْغَلَغ، واشتدّ مرض نصر، وأمسك لسانه لشدّة مرضهن فردّوه إلى بغداد، فمات في الطريق أواخر شهر رمضان، فجُعل مكانه على الجيش هارون بن غريب، ورُتّب ابنه أحمد بن نصر في الحجبة للمقتدر مكان أبيه، فانصرف القرامطة إلى البرّية، وعاد هارون إلى بغداد في الجيش، فدخلها لثمان بقين من شوّال.
ذكر عزل عليّ بن عيسى
ووزارة أبي عليّ بن مقلة
في هذه السنة عُزل عليُّ بن عيسى عن وزارة الخليفة، ورُتّب فيها أبو عليّ بن مقلة.
وكان سبب ذلك أنّ عليّاً لّما رأى نقص الارتفاع، واختلال الأعمال بوزارة الخاقانيّ والخُصيبيّ، وزيادة النفقات، وأنّ الجند لّما عادوا من الأنبار زادهم المقتدر في أرزاقهم مائتَيْ ألف وأربعين ألف دينار في السنة، ورأى أيضاً كثرة النفقات للخدم والحُرَم، لا سيّما والدة المقتدر، هاله ذلك، وعظم عليه.

ثمّ إنّه رأى نصراً الحاجب يقصده، وينحرف عنه لميل مؤنس إليه، فإنّ نصراً كان يخالف مؤنساً في جميع ما يشير به، فلمّا تبينّ له ذلك استعفى من الوزارة، واحتجّ بالشيخوخة وقلّة النهضة، فأمره المقتدر بالصبر، وقال له: أنت عندي بمنزلة والدي المعتضد؛ فألحّ عليه في الاستعفاء، فشاور مؤنساً في ذلك، وأعلمه أنّه قد سُمّي للوزارة ثلاثة نفر: الفضل بن جعفر بن الفُرات الذي أمّه حيرانة، وأخته زوجة المحسن بن الفرات، وأبو عليّ بن مقلة، ومحمّد بن خلف النِّيرَمانيّ الذي كان وزير ابن أبي الساج؛ فقال مؤنس: أمّ الفضل فقد قتلنا عمّه الوزير أبا الحسن، وابن عمّه زوج أخته المحسن ابن الوزير، وصادرنا أخته فلا نأمنه؛ وأمّا ابن مقلة فحدَثٌ غِرٌ لا تجربَة له بالوزارة، ولا يصلح لها؛ وأمّا محمّد بن خلف فجاهل متهوّر لا يُحسن شيئاً، والصواب مداراة عليّ بن عيسى.
ثمّ لقي مؤنس عليَّ بن عيسى، وسكّنه، فقال عليٌّ: لو كنتَ مقيماً لاستعنتُ بك، ولكنّك سائرٌ إلى الرَّقّة ثمّ إلى الشام.
وبلغ الخبر أبا عليّ بن مقلة، فجدّ في السعي، وضمن على نفسه الضمانات، وشاور المقتدرُ نصراً الحاجب في هؤلاء الثلاثة، فقال: أمّا الفضل بن الفرات فلا يُدفع عن صناعة الكتابة، والمعرفة، والكفاية، ولكنّك بالأمس قتلتَ عمّه وابن عمّه وصهره، وصادرتَ اخته وأمّه؛ ثمّ إنّ بني الفرات يدينون بالرفض، ويُعرفون بولاء آل عليّ وولده، وأمّا أبو عليّ بن مقلة فلا هيبة له في قلوب الناس، ولا يُرجَع إلى كفاية، ولا تجربة، وأشار بمحمّد بن خلف لمودّة كانت بينهما، فنفر المقتدر من محمّد بن خلف لما علمه من جهله وتهوّره، وواصل ابن مقلة بالهديّة إلى نصر الحاجب، فأشار على المقتدر به، فاستوزره.
وكان ابن مقلة لّما قرب الهَجَريُّ من الأنبار قد أنفذ صاحباً له معه خمسون طائراً، وأمره بالمقام بالأنبار، وإرسال الأخبار إليه وقتاً بوقت، ففعل ذلك، فكانت الأخبار ترد من جهته إلى الخليفة على يد نصر الحاجب، فقال نصر: هذا فعله فيما لا يلزمه، فكيف يكون إذا اصطنعته ! فكان ذلك من أقوى الأسباب في وزارته.
وتقدّم المقتدر في منتصف ربيع الأوّل بالقبض على الوزير عليّ بن عيسى، وأخيه عبد الرحمن، وخلع على أبي عليّ بن مقلة، وتولّى الوزارة، وأعانه عليها أبو عبدالله البريديُّ لمودّة كانت بينهما.
ذكر ابتداء حال أبي عبد الله البريديّ وإخوته
لّما وليَ عليُّ بن عيسى الوزارة كان أبو عبد الله بن البريديّ قد ضمن الخاصّة، وكان أخوه أبو يوسف على سُرّق، فلمّا استعمل عليُّ بن عيسى العمّال، ورتّبهم في الأعمال، قال أبو عبد الله: تُقلِّد مثل هؤلاء على هذه الأعمال الجليلة، وتقتصر بي على ضمان الخاصّة بالأهواز، وبأخي أبي يوسف على سُرق ! لعن الله مَن يقنع بهذا منك، فإنّ لطبلي صوتاً سوف يُسْمع بعد أيّام.
فلمّا بلغه اضطراب أمر عليّ بن عيسى أرسل أخاه أبا الحسين إلى بغداد وأمره أن يخطب له أعمال الأهواز وما يجري معها إذا تجدّدت وزارة لمن يأخذ الرّشى، ويرتفق؛ فلمّا وزَر أبو عليّ بن مقلة بذل له عشرين ألف دينار على ذلك، فقلّد أبا عبد الله الأهواز جميعها، سوى السُّوس وجُنْدَيْسابور، وقلّد أخاه أبا الحسين الفراتيّة، وقلّد أخاهما أبا يوسف الخاصّة والأسافل، على أن يكون المال في ذمّة أبي أيّوب السمسار إلى أن يتصرّفوا في الأعمال.
وكتب أبو عليّ بن مقلة إلى أبي عبد الله في القبض على ابن أبي السلاسل، فسار بنفسه فقبض عليه بتُستَر، وأخذ منه عشرة آلاف دينار ولم يوصلها، وكان متهوّراً لا يفكّر في عاقبة أمر، وسيرد من أخبراه ما يُعلم به دهاؤه، ومكره، وقلّة دينه، وتهوّره.
ثمّ إنّ أبا عليّ بن مقلة جعل أبا محمّد الحسين بن أحمد الماذرائي مشرفاً على أبي عبدالله، فلم يلتفت إليه.
البريديُّ بالباء الموحدة والراء المهملة منسوب إلى البَريد، هكذا ذكره الأمي ابن ماكولا، وقد ذكره ابن مِسكويه بالياء المعجمة باثنتين من تحت، والزي، وقال: كان جدّه يخدم يزيد بن منصور الحميريّ، فنُسب إليه، والأوّل أصحّ، وما ذكرنا قول ابن مِسكويه إلاّ حتّى لا يظنّ ظانّ أنّنا لم نقف عليه، وأخطأنا الصواب.
ذكر من ظهر بسواد العراق من القرامطة

لّما كان من أمر أبي طاهر القُرمُطيّ ما ذكرناه، اجتمع من كان بالسواد ممّن يعتقد مذهب القرامطة فيكتم اعتقاده خوفاً، فأظهروا اعتقادهم، فاجتمع منهم بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف رجل، وولّوا أمرَهم رجلاً يُعرف بحُرَيث بن مسعود، واجتمع طائفة أخرى بعين التمر ونواحيها في جمع كثير، وولّوا أمرَهم إنساناً يسمّى عيسى بن موسى، وكانوا يدعون إلى المهديّ.
وسار عيسى إلى الكوفة، ونزل بظاهرها، وجبى الخراج، وصرف العمّال عن السواد.
وسار حُريث بن مسعود إلى أعمال الموفقي وبنى بها داراً سمّاها دار الهجرة، واستولى على تلك الناحية، فكانوا ينهبون، ويسبون، ويقتلون، وكان يتقلّد الحرب بواسط بنّيّ بن نفيس، فقاتلهم، فهزموه، فسيّر المقتدر بالله إلى حُريث ابن مسعود ومَن معه هارونَ بن غريب، وإلى عيسى بن موسى ومَن معه بالكوفة صافياً البصريَّ، فأوقع بهم هارون، وأوقع صافي بمن سار إليهم، فانهزمت القرامطة، وأُسر منهم كثير، وقُتل أكثر ممّن أُسر، وأُخذت أعلامهم، وكانت بيضاً، وعليها مكتوب: (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين) القصص:5 فأُدخلت بغداد منكوسة، واضمحل أمر من بالسواد منهم، وكفى الله الناس شرّهم.
ذكر الحرب بين نازوك وهارون بن غريبوفيها وقعت الفتنة بين نازوك، صاحب الشُّرطة، وهارون بن غريب.
وسبب ذلك أنّ ساسة دوابّ هارون بن غريب وساسة نازوك تغايروا على غلام أمرد، وتضاربوا بالعصى، فحبس نازوك ساسة دوابّ هارون، بعد أن ضربهم، فسار أصحاب هارون إلى محبس الشُّرطة، ووثبوا على نائب نازوك به، وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب نازوك، وشكا إلى المقتدر وقال: كلاكما عزيز عليّ ولست أدخل بينكما؛ فعاد وجمع رجاله، وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون، فأغلق بابه، وبقي بعض أصحابه خارج الدار، فقتل منهم أصحاب نازوك، وجرحوا، ففتح هارون الباب، وخرج أصحابه، فوضعوا السلاح في أصحاب نازوك فقتلوا منهم، وجرحوا، واشتبكت الحرب بينهم، فكفّ نازوك أصحابه.
وأرسل الخليفة إليهما ينكر عليهما ذلك، فكفّا، وسكنت الفتنة، واستوحش نازوك، واستدّل بذلك على تغيّر المقتدر، ثمّ ركب إليه هارون وصالحه، وخرج بأصحابه، ونزل بالبستان النجميّ ليبعد عن نازوك، فأكثر الناس الأراجيف وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء؛ فعظم ذلك على أصحاب مؤنس، وكتبوا إليه بذلك، وهو بالرَّقّة، فأسرع العود إلى بغداد فنزل بالشّمّاسيّة في أعلى بغداد، ولم يلق المقتدر، فصعد إليه الأمير أبو العبّاس ابن المقتدر، والوزير ابن مقلة، فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له، وعاد فاستشعر كلّ واحد من المقتدر ومؤنس من صاحبه، وأحضر المقتدر هارون ابن غريب، وهو ابن خاله، فجعله معه في داره، فلمّا علم مؤنس بذلك ازداد نفوراً واستيحاشاً، وأقبل أبو الهيجاء بن حَمدان من بلاد الجبل، فنزل عند مؤنس ومعه عسكر كبير، وصارت المراسلات بين الخليفة ومؤنس تتردّد، والأمراء يخرجون إلى مؤنس، وانقضت السنة وهم على ذلك.
ذكر قتل الحسن بن القاسم الداعيفي هذه السنة قُتل الحسن بن القاسم الداعي العلويُّ، وقد ذكرنا استيلاء أسفار بن شيرويه الدَّيلميّ على طَبَرِستان، ومعه مرداويج، فلمّا استولوا عليها كان الحسن بن القاسم بالرَّيّ، واستولى عليها، وأخرج منها أصحاب السعيد نصر بن أحمد، واستولى على قَزوين، وزنجان، وأبهر، وقُمّ، وكان معه ما كان بن كالي الديلميُّ، فسار نحو طَبَرستان، والتقوا هم وأسفار عند سارية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الحسن وما كان بن كالي، فلُحق الحسن فقُتل، وكان انهزام معظم أصحاب الحسن على تعمُّدٍ منهم للهزيمة.
وسبب ذلك أنّه كان يأمر أصحابه بالاستقامة، ومنعهم عن ظلم الرعبّية، وشرب الخمور، وكانوا يبغضونه لذلك، ثمّ اتّفقوا على أن يستقدموا هروسندان وهو أحد رؤساء الجيل، وكان خال مردوايج ووشمكير، ليقدّموه عليهم، ويقبضوا على الحسن الداعي، وينصِّبوا أبا الحسين بن الأطروش، ويخطبوا له.

وكان هروسندان مع أحمد الطويل بالدَّامَغان بعد موت صُعلوك، فوقف أحمد على ذلك، فكتب إلى الحسن الداعي يعلمه، فأخذ حذره، فلمّا قدم هروسندان لقيه مع القوّاد، وأخذهم إلى قصره بجرجان ليأكلوا طعاماً، ولم يعلموا أنّه قد اطلع على ما عزموا عليه، وكان قد وافق خواصّ أصحابه على قتلهم، وأمرهم بمنع أصحاب أولئك القوّاد من الدخول؛ فلمّا دخلوا داره قابلهم على ما يريدون أن يفعلوه، وما أقدموا عليه من المنكرات التي أحلّت له دماءهم، ثمّ أمر بقتلهم عن آخرهم، وأخبر أصحابهم الذين ببابه بقتلهم، وأمرهم بنهب أموالهم، فاشتغلوا بالنهب، وتركوا أصحابهم، وعظم قتلهم على أقربائهم ونفروا عنه، فلمّا كانت هذه الحادثة تخلّوا عنه حتّى قُتل.
ولّما قُتل استولى أسفار على بلاد طَبرستان، والرَّيّ، وجُرجان، وقَزوين، وزنجان، وأبهر، وقُمّ، والكَرْخ، ودعا لصاحب خُراسان، وهو السعيد نصر بن أحمد، وأقام بسارية، واستعمل على آمل هارون بن بَهرام، وكان هارون يحتاج أن يُخطب فيها لأبي جعفر العلويّ، وخاف أسفار ناحية أبي جعفر أن يجدّد له فتنة وحرباً، فاستدعى هارون إليه، وأمره أن يتزوّج إلى أحد أعيان آمل، ويُحضر عرسه أبا جعفر وغيره من رؤساء العلويّين، ففعل ذلك في يوم ذكره أسفار، ثمّ سار أسفار من سارية مجدّاً فوافى آمل وقت الموعد، وهجم على دار هارون على حين غفلة، وقبض على أبي جعفر وغيره من أعيان العلويّين، وحملهم إلى بخارى، فاعتُقلوا بها إلى أن خلصوا أيّام فتنة أبي زكرياء، على ما نذكره.
ولّما فرغ أسفار من أمر طَبَرِستان سار إلى الرَّيّ، وبها ما كان بن كالي، فأخذها منه، واستولى عليها، وسار ما كان إلى طَبرستان، فأقام هناك.
وأحبّ أسفار أن يستولي على قلعة أَلُموت، وهي قلعة على جبل شاهق من حدود الديلم، وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي، ومعناه الأسود العين لأنّه كان على إحدى عينَيْه شامة سوداء، فراسله أسفار وهنّأه، فقدم عليه، فسأله أن يجعل عياله في قلعة أَلُموت، وولاّه قَزوين، فأجابه إلى ذلك، فنقلهم إليها، ثمّ كان يرسل إليهم من يثق به من أصحابه، فلمّا حصل فيها مائة رجل استدعاه من قَزوين فلمّا حضر عنده قبض عليه، وقتله بعد أيّام.
وكان أسفار لّما اجتاز بسُمْنَان استأمن إليه ابن أمير كان صاحب جبل دنباوند، وامتنع محمّد بن جعفر السُّمنانيُّ من النزول إليهن وامتنع بحصن بقرية رأس الكلب، فحقدها عليه أسفار، فلمّا استولى على الرَّيّ أنفذ إليه جيشاً يحصرونه، وعليهم إنسان يقال له عبد الملك الديلميُّ، فحصروه، ولم يمكنهم الوصول إليه، فوضع عليه عبد الملك مَن يشير عليه بمصالحته، ففعل، وأجابه عبد الملك إلى المسألة، ثمّ وضع عليه من يحسّن له أن يضيف عبد الملك، فأضافه، فحضر في جماعة من شجعان أصحابه، فتركهم تحت الحسن، وصعد وحده إلى محمّد بن جعفر، فتحادثا ساعة، ثمّ استخلاه عبد الملك ليشير إليه شيئاً، ففعل ذلك، ولم يبق عندهما أحد غير غلام صغير، فوثب عليه عبد الملك فقتله، وكان محمّد منقرساً زمناً، وأخرج حبل إبرِيسَم كان قد أعدّه فشدّه في نافذة في تلك الغرفة ونزل وتخلّص.
واستغاث ذلك الغلام، فجاء أصحاب محمّد بن جعفر وكسروا الباب، وكان عبد الملك قد أغلقه، فلمّا دخلوا رأوه مقتولاً، فقتلوا به كلّ من عندهم من الديلم، وحفظوا نفوسهم.
وعظمت جيوش أسفار، وجلّ قدره، فتجبّر وعصى على الأمير السعيد، صاحب خُراسان، وأراد أن يجعل على رأسه تاجاً وينصب بالرَّيّ سرير ذهب للسلطنة، ويحارب الخليفة، وصاحب خُراسان، فسير المقتدر إليه هارون بن غريب في عسكر نحو قَزوين، فحاربه أصحاب أسفار بها، فانهزم هارون، وقُتل من أصحابه جمع كثير بباب قَزوين، وكان أهل قزوين قد ساعدوا أصحاب هارون، فحقدها عليهم أسفار.
ثمّ إنّ الأمير السعيد، صاحب خُراسان، سار من بخارى قاصداً نحو أسفار ليأخذ بلاده، فبلغ نَيسابور، فجمع أسفار عسكره وأشار على أسفار وزيره مُطَرّف بن محمّد الجُرجانيُّ بمراسلة صاحب خُراسان، والدخول في طاعته، وبذل المال له، فإنّ أجاب، وإلاّ فالحرب بين يديه.

وكان في عسكره جماعة من أتراك صاحب خُراسان قد ساروا معه، فخوّفه وزيره منهم، فرجع إلى رأيه وراسله، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وعزم على المسير إليه، فأشار عليه أصحابه أن يقبل الأموال، وإقامة الخطبة له، وخوّفوه الحرب وأنّه لا يدري لمن النصر، فرجع إلى قولهم، وأجاب أسفار إلى ما طلب، وشرط عليه شروطاً من حمل الأموال وغر ذلك، واتّفقا، فشرع أسفار بعد إتمام الصلح، وقسّط على الريّ وأعمالها، على كلّ رجل ديناراً، سوا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 1:52 am

ذكر خلع المقتدر
في هذه السنة خُلع المقتدر بالله من الخلافة، وبويع أخوه القاهر بالله محمّد ابن المعتضد، فبقي يومَيْن ثمّ أُعيد المقتدر.

وكان سبب ذلك ما ذكرنا في السنة التي قبلها من استيحاش مؤنس ونزوله بالشَّمّاسيّة، وخرج إليه نازوك، صاحب الشُّرطة، في عسكره، وحضر عنده أبو الهيجاء بن حَمدان في عسكره من بلد الجبل، وبنّيّ بن نفيس، وكان المقتدر قد أخذ منه الدِّينَور، فأعادها إليه مؤنس عند مجيئه إليه.
وجمع المقتدر عنده، في داره، هارون بن غريب، وأحمد بن كَيْغَلَغ، والغلمان الحجريّة، والرجّالة المصافيّة، وغيرهم، فلّما كان آخر النهار ذلك اليوم انقضّ أكثر مَن عند المقتدر، وخرجوا إلى مؤنس، وكان ذلك أوائل المحرّم.
ثم كتب مؤنس إلى المقتدر رقعة يذكر فيها أنّ الجيش عاتبٌ منكرٌ للسرف فيما يُطلق باسم الخدم والحُرَم من الأموال والضِّياع، ولدخولهم في الرأي وتدبير المملكة، ويطالبون بإخراجهم من الدار، وأخذ ما في أيديهم من الأموال والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار.
فأجابه المقتدر أنّه يفعل من ذلك ما يمكنه فعله، ويقتصر على ما لا بدّ له منه، واستعطفهم، وذكّرهم بيعته في أعناقهم مرّة بعد أخرى، وخوّفهم عاقبة النكث، وأمر هارون بالخروج من بغداد، وأقطعه الثغور الشاميّة والجزريّة، وخرج من بغداد تاسع المحرّم من هذه السنة، وراسلهم المقتدر، وذكّرهم نعمه عليهم وإحسانه إليهم، وحذرهم كفر إحسانه، والسعي في الشرّ والفتنة.
فلمّا أجابهم إلى ذلك دخل مؤنس وابن حَمدان ونازوك إلى بغداد، وأرجف الناس بأنّ مؤنساً ومن معه قد عزموا على خلع المقتدر وتولية غيره، فلمّا كان الثاني عشر من المحرّم خرج مؤنس والجيش إلى باب الشَّمّاسيّة، فتشاوروا ساعة، ثم رجعوا إلى دار الخليفة بأسرهم، فلّما زحفوا إليها، وقربوا منها، وهرب المظفَّر بن ياقوت، وسائر الحجّاب والخدم وغيرهم، والفرّاشون، وكلّ مَن في الدار؛ وكان الوزير أبو عليّ بن مقلة حاضراً، فهرب ودخل مؤنس والجيش دار الخليفة، وأخرج المقتدر، ووالدته، وخالته، وخواصّ جواريه، وأولاده، من دار الخلافة، وحُملوا إلى دار مؤنس، فاعتُقلوا بها.
وبلغ الخبر هارون بن غريب، وهو بقُطْرَبُّل، فدخل بغداد واستتر، ومضى ابن حَمدان إلى دار ابن طاهر، فأحضر محمّد بن المعتضد، وبايعوه بالخلافة، ولقّبوه القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهد عليه بالخلع، وعنده مؤنس، ونازوك، وابن حَمدان، وبنّيّ بن نفيس، فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة، فأشهد عليه القاضي بالخلع، فقام ابن حَمدان وقال للمقتدر: يا سيّدي يعزّ عليّ أن أراك على هذه الحال، وقد كنتُ أخافها عليك، وأحذرها، وأنصح لك، وأحذّرك عاقبة القبول من الخدم، والنساء، فتؤثر أقوالهم على قولي، وكأنّي كنتُ أرى هذا، وبعد، فنحن عبيدك وخدمك.
ودمعت عيناه وعينا المقتدر، وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع، وأودعوا الكتاب بذلك عند القاضي أبي عمر، فكتمه ولم يُظهر عليه أحداً، فلمّا عاد المقتدر إلى الخلافة سلّمه إليه، وأعلمه أنّه لم يطلع عليه غيره، فاستحسن ذلك منه، وولاّه قضاء القضاة.
ولّما استقرّ الأمر للقاهر أخرج مؤنس المظفَّر عليَّ بن عيسى من الحبس، ورتّب أبا عليّ بن مقلة في الوزارة، وأضاف إلى نازوك مع الشُّرطة حجبة الخليفة، وكتب إلى البلاد بذلك، وأقطع ابن حَمدان، مضافاً إلى ما بيده من أعمال طريق خُراسان، وحُلوان، والدينور، وهَمَذان، وكَنكور، وكَرْمان، وشاهان، والرّاذنات، ودقُوقَا، وخَانيجار، ونَهاوَنْد، والصّيمرة، والسِّيروان، وماسَبَذان وغيرها، ونُهبت دار الخليفة، ومضى بنّيّ بن نفيس إلى تربة لوالدة المقتدر، فأخرج من قبر فيها ستّمائة ألف دينار، وحملها إلى دار الخليفة.
وكان خلع المقتدر النصف من المحرّم، ثمّ سكن النهب، وانقطعت الفتنة؛ ولّما تقلّد نازوك حجبة الخليفة أمر الرجّالة المصافيّة بقلع خيامهم من دار الخليفة، وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا بمكان المصافيّة، فعظم ذلك عليهم، وتقدّم إلى خلفاء الحجّاب أن لا يمكنوا أحداً من الدخول إلى دار الخليفة، إلاّ من له مرتبة، فاضطربت الحجبة من ذلك.
ذكر عود المقتدر إلى الخلافة

لّما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرّم بكّر الناس إلى دار الخليفة لأنّه يوم موكب دولة جديدة، فامتلأت الممرّات، والمراحات، والرَّحاب، وشاطئ دجلة من الناس، وحضر الرجّالة المصافيّة في السلاح الشاكّ، يطالبون بحقّ البيعة، ورزق سنة، وهم حنقون بما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفَّر ذلك اليوم.
وارتفعت زعقات الرجّالة، فسمع بها نازوك، فأشفق أن يجري بينهم وبين أصحابه فتنة وقتال، فتقدّم إلى أصحابه، وأمرهم أن لا يعرضوا لهم، ولا يقاتلوهم، وزاد شغب الرجّالة، وهجموا يريدون الصحن التسعينيّ، فلم يمنعهم أصحاب نازوك، ودخل من كان على الشطّ بالسلاح، وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله، وعنده أبو عليّ بن مقلة الوزير، ونازوك، وأبو الهيجاء بن همدان، فقال القاهر لنازوك: اخرج إليهم فسكّنهم، وطيّب قلوبهم ! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور، وقد شرب طول ليلته، فلمّا رآه الرجّالة تقدّموا إليه ليشكوا حالهم إليه في معنى أرزاقهم، فلمّا رآهم بأيديهم السيوف يقصدونه خافهم على نفسه فهرب، فطمعوا فيه، فتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سدّة أمس، فأدركوه عنده، فقتلوه عند ذلك الباب، وقتلوا قبله خادمه عجيباً، وصاحوا: أي مقتدر، يا منصور ! فهرب كلّ مَن كان في الدار من الوزير، والحجّاب، وسائر الطبقات وبقيت الدار فارغة، وصلبوا نازوك وعجيباً بحيث يراهما مَن على شاطئ دجلة.
ثمّ صار الرجّالة إلى دار مؤنس يصيحون، ويطالبونه بالمقتدر، وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار الخليفة، وكانوا جميعهم خدم المقتدر، ومماليكه، وصنائعه، وأراد أبو الهيجاء بن حَمدان أن يخرج من الدار، فتعلق به القاهر وقال: أنا في ذمامك؛ فقال: والله لا أسلّمك أبداً؛ وأخذ بيد القاهر وقال: قم بنا نخرج جميعاً، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون معك ودونك.
فقاما ليخرجا، فوجدا الأبواب مغلقة، فتبعهما فائق وجه القصعة يمشي معهما، فأشرف القاهر من سطح، فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق، فقال ابن حَمدان للقاهر، قف حتّى أعود إليك؛ ونزع سواده وثيابه، وأخذ جبّة صوف لغلام هناك، فلبسها ومشى نحو باب النوبى، فرآه مغلقاً والناس من ورائه، فعاد إلى القاهر، وتأخّر عنهما وجه القصعة ومَن معه من الخدم، فأمرهم وجه القصعة بقتلهما أخذاً بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه بيده، ونزع الجبّة الصوف، وأخذها بيده الأخرى، وحمل عليهم، فانجفلوا بين يديه، وغشيهم، فرموه بالنشاب ضرورة، فعاد عنهم، وانفرد عنه القاهر ومشى إلى آخر البستان فاختفى فيه.
ودخل أبو الهيجاء إلى بيت من ساج، وتقدّم الخدم إلى ذلك البيت، فخرج إليهم أبو الهيجاء، فولّوا هاربين، ودخل إليهم بعض أكابر الغلمان الحجريّة، ومعه أسودان بسلاح، فقصدوا أبا الهيجاء، فخرج إليهم فرُمي بالسهام فسقط، فقصده بعضُهم فضربه بالسيف فقطع يده اليمنى، وأخذ رأسه فحمله بعضهم، ومشى وهو معه.
وأمّا الرجّالة فإنّهم لّما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال: ما الذي تريدون ؟ فقيل له: نريد المقتدر؛ فأمر بتسليمه إليهم، فلمّا قيل للمقتدر ليخرج خاف على نفسه أن تكون حيلة عليه، فامتنع، وحُمل وأُخرج إليهم، فحمله الرجّالة على رقابهم حتّى أدخلوه دار الخلافة، فلمّا حصل في الصحن التسعينيّ اطمأنّ وقعد، فسأل عن أخيه القاهر، وعن ابن حَمدان، فقيل: هما حيّان؛ فكتب لهما أماناً بخطّه، وأمر خادماً بالسُّرعة بكتاب الأمان لئلاّ يحدث على أبي الهيجاء حادث، فمضى بالخطّ إليه، فلقيه الخادم الآخر ومعه رأسه، فعاد معه، فلمّا رآه المقتدر، وأخبره بقتله، قال: أنا لله وإنّا إليه راجعون ! مَن قتله ؟ فقال الخدم: ما نعرف قاتله؛ وعظم عليه قتله: وقال: ما كان يدخل عليّ ويسلّيني، ويُذهب عنّي الغمّ هذه الأيّام غيره.

ثمّ أُخذ القاهر وأُحضر عند المقتدر، فاستدناه، فأجلسه عنده وقبّل جبينه وقال له: يا أخي قد علمتُ أنّه لا ذنب لك، وأنّك قُهرتَ، ولو لقّبوك بالمقهور لكان أولى من القاهر؛ والقاهر يبكي ويقولك يا أمير المؤمنين ! نفسي، نفسي، اذكر الرّحِم التي بيني وبينك ! فقال له المقتدر: وحقّ رسول الله لا جرى عليك سوءٌ منّي أبداً، ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حيّ ! فسكن، وأُخرج رأس نازوك، ورأس أبي الهيجاء، وشُهرا، ونودي عليهما: هذا جزاء من عصى مولاه.
وأمّا بني بن نفيس فإنّه كان من أشدّ القوم على المقتدر، فأتاه الخبر برجوعه إلى الخلافة، فركب جواداً وهرب عن بغداد، وغيّر زيّه، وسار حتى بلغ الموصل، وسار منها إلى أرمينية، وسار حتّى دخل القسطنطينيّة وتنصّر.
وهرب أبو السَّرايا نصر بن حَمدان أخو أبي الهيجاء إلى الموصل، وسكنت الفتنة، وأحضر المقتدر أبا عليّ بن مقلة، وأعاده إلى وزارته، وكتب إلى البلاد بما تجدّد له، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم، وباع ما في الخزائن من الأمتعة والجواهر، وأذن في بيع الأملاك من الناس، فبيع ذلك بأرخص الأثمان، ليتم أعطيات الجند.
وقد قيل إنّ مؤنساً المظفَّر لم يكن مؤثراً لما جرى على المقتدر من لخلع، وإنّما وافق الجماعة مغلوباً على رأيه، ولعلمه أنّه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر، ووافقهم ليؤمنوه، وسعى مع الغلمان المصافيّة والحجريّة، ووضع قوّادهم على أن عملوا ما عملوا، وأعادوا المقتدر إلى الخلافة، وكان هو قد قال للمقتدر، لمّا كان في داره: ما تريدون أن نصنع ؟ فلهذا أمّنه المقتدر، ولّما حملوه إلى دار الخلافة من دار مؤنس ورأى فيها كثرة الخلق والاختلاف عاد إلى دار مؤنس لثقته به، واعتماده عليه، ولولا هوى مؤنس مع المقتدر لكان حضر عند القاهر مع الجماعة، فإنّه لم يكن معهم كما ذكرناه، ولكان أيضاً قتل المقتدر لّما طُلب من داره ليعاد إلى الخلافة.
وأمّا القاهر فإنّ المقتدر حبسه عند والدته، فأحسنت إليه، وأكرمته، وسعت عليه النفقة، واشترت له السراري والجواري للخدمة، وبالغت في إكرامه والإحسان إليه بكلّ طريق.
ذكر مسير القرامطة إلى مكّة
وما فعلوه بأهلها وبالحجّاج وأخذهم الحجر الأسود
حجّ بالناس في هذه السنة منصور الديلميُّ، وسار بهم من بغداد إلى مكّة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطيُّ بمكّة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجّاج، وقتلوهم حتّى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفّذه إلى هَجَر، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة، في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفّعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قُتلوا بغير كفن، ولا غسل، ولا صُلّي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكّة.
فلّما بلغ ذلك المهديَّ أبا محمّد عبيدالله العلويَّ بأفريقية كتب إليه ينكر عليه ذلك، ويلومه، ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققتَ على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإِلحاد بما فعلتَ، وإن لم تردّ على أهل مكّة وعلى الحجّاج وغيرهم ما أخذتَ منهم، وتردّ الحجر الأسود إلى مكانه، وتردّ كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة.
فلمّا وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود على ما نذكره، واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكّة، فردّه، وقال: إنّ الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأوال الحُجّاج، ولا أقدر على منعهم.
ذكر خروج أبي زكريّاء وإخوته بخراسان
في هذه السنة خرج أبو زكرياء يحيى، وأبو صالح منصور، وأبو إسحاق إبراهيم، وأولاد أحمد بن إسماعيل السامانيّ، على أخيهم السعيد نصر ابن أحمد، وقيل كان ذلك سنة ثماني عشرة وهو الصحيح.

وكان سبب ذلك أنّ أخاهم نصراً كان قد حبسهم في القَهندز ببخارى، ووكّل بهم مَن يحفظهم، فتخلّصوا منه؛ وكان سبب خلاصهم أنّ رجلاً يُعرف بأبي بكر الخبّاز الأصبهانيّ كان يقول، إذا جرى ذكر السعيد نصر بن أحمد: أنّ له منّي يوماً طويلاً البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نَيسابور، واستخلف ببخارى أبا العبّاس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تُحمل إليهم من عند أبي بكر الخبّاز هذا وهم في السجن، فسعى لهم أبو بكر مع جماعة من أهل العسكر ليخرجوهم، فأجابوه إلى ذلك، وأعلمهم ما سعى لهم فيه.
فلمّا سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القَهندز يوم جمعة، وكان الرسم أن لا يفتح باب القهندز أيّام الجمع إلاّ بعد العصر، فلّما كان الخميس دخل أبو بكر الخبّاز إلى القهندرّ قبل الجمعة التي اتّعدوا الإِجتماع فيها بيوم، فبات فيه، فلّما كان الغد، وهو الجُمعة، جاء الخبّاز إلى باب القهندز، وأظهر للبّواب زهداً وديناً، وأعطاه خمسة دنانير ليفتح له الباب ليخرجه لئلاّ تفوته الصلاة، ففتح له الباب، فصاح أبو بكر الخبّاز بمن وافقه على إخراجهم، وكانوا على الباب، فأجابوه، وقبضوا على البوّاب، ودخلوا وأخرجوا يحيى، ومنصوراً، وإبراهيم بني أحمد بن إسماعيل من الحبس، مع جميع مَن فيه من الديلم، والعلويّين، والعيّارين، فاجتمعوا، واجتمع إليهم من كان وافقهم من العسكر، ورأسهم شروين الجيليُّ وغيره من القوّاد.
ثمّ إنّهم عظمت شوكتهم، ونبهوا خزائن السعيد نصر بن أحمد ودوره وقصوره، واختصّ يحيى بن أحمد أبا بكر الخبّاز وقدّمه وقوّده، وكان السعيد إذ ذاك بنَيسابور، وكان أبو بكر محمّد بن المظفَّر، صاحب جيش خُراسان، بجُرجان، فلمّا خرج يحيى وبلغ خبره السعيد، عاد من نَيسابور إلى بخارى، وبلغ الخبز إلى محمّد بن المظفَّر، فراسل ما كان بن كالي، وصاهره، وولاّه نَيسابور، وأمره بمنعها مّمن يقصدها، فسار ما كان إليها، وكان السعيد قد سار من نَيسابور إلى بخارى، وكان يحيى وكّل بالنهر أبا بكر الخبّاز، فأخذه السعيد أسيراً، وعبر النهر إلى بخارى فبالغ في تعذيب الخبّاز، ثم ألقاه في التنور الذي كان يخبز فيه، فاحترق.
وسار يحيى من بخارى إلى سَمَرْقَنْد، ثمّ خرج منها واجتاز بنواحي الصَّغانيان وبها أبو عليّ بن أبي بكر محمّد بن المظفَّر، وسار يحيى إلى ترمذ، فعبر النهر إلى بلَخ وبها قراتكين، فوافقه قراتكين، وخرجا إلى مرو، ولّما ورد محمد بن المظفَّر بِنَيسابور كاتبه يحيى، واستماله، فأظهر له محمّد الميل إليه، ووعده المسير نحوه، ثمّ سار عن نَيسابور، واستخلف بها ما كان بن كالي، وأظهر أنّه يريد مَرو، ثمّ عدل عن الطريق نحو بوشنج وهَراة مسرعاً في سيره واستولى عليهما.
وسار محمّد عن هراة نحو الصَّغانيان على طريق غَرِشسْتان، فبلغ خبره يحيى فسيّر إلى طريقه عسكراً فلقيهم محمّد فهزمهم وسار عن غَرشِستان، واستمدّ ابنه أبا عليّ من الصغانيان، فأمدّه بجيش، وسار محمّد بن المظفّر إلى بلخ، وبها منصور بن قراتكين، فالتقيا، واقتتلا قتالاً شديداً، فانهزم منصور إلى جَوزَجان، وسار محمّد إلى الصغانيان، فاجتمع بولده، وكتب إلى السعيد بخبره، فسرّه ذلك وولاّه بلخ، وطُخَارِستان واستقدمه فولاّهما محمّدٌ ابنه أبا علي أحمد، وأنفذه إليهما، ولحق محمّد بالسعيد، فاجتمع به ببلخ رستاق، وهو في أثر يحيى وهو بهَراة.
وكان يحيى قد سار إلى نَيسابور، وبها ما كان بن كالي، فمنعه عنها، ونزلوا عليها، فلم يظفروا بها، وكان مع يحيى محمّد بن إلياس، فاستأمن إلى ما كان، واستأمن منصور وإبراهيم أخو يحيى إلى السعيد نصر، فلمّا قارب السعيد هراة، وبها يحيى وقراتكين، وسارا عن هراة إلى بلخ، فاحتال قراتكين ليصرف السعيد عن نفسه، فأنفذ يحيى من بلخ إلى بخارى، وأقام هو ببلخ، فعطف السعيد إلى بخارى، فلمّا عبر النهر هرب يحيى من بخارى إلى سَمَرْقَنْد، قمّ عاد من سَمَرْقَنْد ثانياً، فلم يعاونه قراتكين، فسار إلى نَيسابور، وبها محمّد بن إلياس قد قوي أمره، وسار عنها ما كان إلى جُرجان؛ ووافقه محمّد بن إلياس، وخطب له، وأقاموا بنَيسابور.

وكان السعيد في أثر يحيى لا يمكنه من الاستقرار، فلمّا بلغهم خبر مجيء السعيد إلى نَيسابور تفرّقوا، فخرج ابن إلياس إلى كَرْمان وأقام بها، وخرج قراتكين ومعه يحيى إلى بست والرخجّ، فأقاما بها، ووصل نصر بن أحمد نَيسابور في سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ إلى قراتكين، وولاّه بلخ، وبذل الأمان ليحيى، فجاء إليه، وزالت الفتنة، وانقطع الشر وكان قد دام هذه المدّة كلها.
وأقام السعيد بنَيسابور إلى أن حضر عنده يحيى، فأكرمه، وأحسن إليه، ثمّ مضى بها لسبيله هو وأخوه أبو صالح منصور، فلمّا رأى أخوهما إبراهيم ذلك هرب من عند السعيد إلى بغداد، ثمّ منها إلى الموصل، وسيأتي خبره إنّ شاء الله تعالى.
وأمّا قراتكين فإنّه مات ببُست، ونُقل إلى أسبيجاب، فدُفن بها في رباطه المعروف برباط قراتكين، ولم يملك ضيعة قطّ، وكان يقول: ينبغي للجنديّ أن يصحبه كلّ ما ملك أين سار، حتّى لا يعتقله شيء.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، منتصف المحرّم، وقعت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين أهل المربّعة والبزّازين، فظهر أصحاب الطعام عليهم أوّل النهار، فانضمّ الأساكفة إلى أهل المربّعة والبزّازين فاستظهروا بهم، وقهروا أصحاب الطعام وهزموهم وأحرقوا أسواقهم.
وتتابعت الفتنة بعد هذه الحادثة واجترأ أهل الشر، وتعاقد أصحاب الخُلقان والأساكفة على أصحاب الطعام، واقتتلوا قتالاً شديداً دام بينهم، ثمّ ظفر أصحاب الطعام فهزموا الأساكفة ومَن معهم، وأحرقوا سوقهم، وقتلوا منهم، وركب أمير الموصل، وهو الحسن بن عبد الله بن حَمدان الذي لُقّب بعدُ بناصر الدولة ليسكن الناس، فلم يسكنوا ولا كفّوا، ثمّ دخل بينهم ناس من العلماء وأهل الدين، فأصلحوا بينهم.
وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَرْوَزيّ الحَنبليّ وبين غيرهم من العامّة، ودخل كثير من الجند فيها؛ وسبب ذلك أنّ أصحاب المَرْوَزيّ قالوا في تفسير قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) الاسراء:79؛ هو أنّ الله سبحانه يُقعد النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، معه على العرش؛ وقالت الطائفة الأخرى: إنّما هو الشفاعة، فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقُتل بينهم قتلى كثيرة.
نوفيها ضعفت الثغور الجزريّة عن دفع الروم عنهم، منها مَلَطْية وميّافارقين وآمِد وأرزَن وغيرها، وعزموا على طاعة ملك الروم والتسليم إليه لعجز الخليفة المقتدر بالله عن نصرهم، وأرسلوا إلى بغداد يستأذنون في التسليم، ويذكرون عجزهم، ويستمدّون العساكر لتمنع عنهم، فلم يحصلوا على فائدة، فعادوا.
وفيها قُلّد القاضي أبو عمر محمّدُ بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن حمّاد بن زيد قضاء القضاة. وفيها قُلّد ابنا رائق شُرطة بغداد مكان نازوك.
وفيها مات أحمد بن منيع، وكان مولده سنة أربع عشرة ومائتين.
وفيها أقرّ المقتدر بالله ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان على ما بيده من أعمال قَرْدَى وبازَبْدَى، وعلى إقطاع أبيه وضياعه.
وفيها قُلّد نحرير الصغير أعمال الموصل، فسار إليها، فمات بها في هذه السنة، ووليها بعده ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حَمدان في المحرّم من سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.
وفيها سار حاجّ العراق إلى مكّة على طريق الشام فوصلوا إلى الموصل أوّل شهر رمضان، ثمّ منها إلى الشام، لانقطاع الطريق بسبب القُرمطّي، وكانت كسوة الكعبة مع ابن عبدوس الجهشياريّ لأنّه كان من أصحاب الوزير.
وفيها، في شعبان، ظهر بالموصل خارجيٌّ يُعرف بابن مطر، وقصد نَصِيبين، فسار إليها ناصر الدولة بن حَمدان، فقاتله، فأسره. وظهر فيها أيضاً خارجيٌّ اسمه محمّد بن صالح بالبوازيج، فسار إليه أبو السرايا نصر بن حَمدان، فأخذه أيضاً.
وفيها التقى مفلح الساجيُّ والدّمُسْتُق، فاقتتلا، فانهزم الدمستق ودخل مُفلح وراءه إلى بلاد الروم.
وفيها، آخر ذي القعدة، انقضّ كوكب عظيم، وصار له ضوء عظيم جدّاً.
وفيها هبّت ريح شديدة، وحملت رملاً أحمر شديد الحمرة، فعمّ جانبَيْ بغداد، وامتلأت منه البيوت والدروب؛ يشبه رمل طريق مكّة.
وفيها توفّي أبو بكر أحمد بن الحسن بن الفرج بن سقير النجويُّ، كان عالماً بمذهب الكوفّيين، وله فيه تصانيف.
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائةذكر هلاك الرجّالة المصافيّة

في هذه السنة، في المحرّم، هلك الرجّالة المصافيّة، وأُخرجوا من بغداد، بعد ما عظم شرّهم، وقوي أمرهم.
وكان سبب ذلك أنّهم لّما أعادوا المقتدر إلى الخلافة، على ما ذكرناه، زاد إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء، منها أنّهم يقولون: مَن أعان ظالماً سلّطه الله عليه، ومن يُصعد الحمار إلى السطح يقدر يحطّه، وأن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقّهُ، قاتلناه بما يستحقّ، إلى غير ذلك.
وكثر شغبهم ومطالبتهم، وأدخلوا في الأرزاق أولادهم، وأهليهم، ومعارفهم، وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار.
واتّفق أن شغب الفرسان في طلب أرزاقهم، فقيل لهم: إنّ بيت المال فارغ وقد انصرف الأموال إلى الرجّالة، فثار بهم الفرسان، فاقتتلوا، فقُتل من الفرسان جماعة، واحتجّ المقتدر بقتلهم على الرجّالة، وأمر محمّد بن ياقوت فركب، وكان قد استعمل على الشُّرطة؛ فطرد الرجّالة عن دار المقتدر، ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد، ومن أقام قُبض عليه وحُبس؛ وهُدمت دور زُعمائهم، وقُبضت أملاكهم، وظَفر، بعد النداء، بجماعة منهم، فضربهم، وحلق لحاهم، وشهّر بهم.
وهاج السودان تعصُّباً للرجّالة، فركب محمّد أيضاً في الحجريّة، وأوقع بهم، وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة كثيرة منهم، ومن أولادهم، ومن نسائهم، فخرجوا إلى واسط، واجتمع بها منهم جمع كثير، وتغلّبوا عليها، وطرحوا عامل الخليفة، فسار إليهم مؤنس، فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم، فلم تقم لهم بعدها راية.
ذكر عزل ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل وولاية عمّيه سعيد ونصر
في هذه السنة، في ربيع الأوّل، عُزل ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حمدان عن الموصل، ووليها عمّاه سعيد ونصر ابنا حمدان، ووليَ ناصر الدولة ديار ربيعة، ونَصِيبين، وسِنجار، والخابور، ورأس عين، ومعها، من ديار بكر، ميّافَارقين وأرزن، ضمن ذلك بمال مبلغه معلوم، فسار إليها، ووصل سعيد إلى الموصل في ربيع الآخر.
ذكر عزل ابن مقلة
ووزارة سليمان بن الحسن
وفي هذه السنة عُزل الوزير أبو عليّ محمّد بن مقلة من وزارة الخليفة.
وكان سبب عزله أنّ المقتدر كان يتّهمه بالميل إلى مؤنس المظفَّر، وكان المقتدر مستوحشاً من مؤنس، ويُظهر له الجميل، فاتّفق أنّ مؤنساً خرج إلى أوانا، وعُكبرا، فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى، فقُبض عليه.
وكان بين محمّد بن ياقوت وبين ابن مقلة عداوة، فأنفذ إلى داره بعد أن قبض عليه، وأحرقها ليلاً.
وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبدالله، وكان مؤنس قد عاد فأنفذ إلى المقتدر مع عليّ بن عيسى يسأل أن يُعاد ابن مقلة، فلم يجب المقتدر إلى ذلك، وأراد قتل ابن مقلة، فردّه عن ذلك، فسأل مؤنس أن لا يستوزر الحسين، فتركه، واستوزر سليمان بن الحسن منتصف جمادى الأولى، وأمر المقتدر بالله عليَّ بن عيسى بالاطلاّع على الدواوين، وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء، وصودر أبو عليّ بن مقلة بمائتَي ألف دينار، وكانت مدّة وزارته سنتَين وأربعة أشهر وثلاثة أيّام.
ذكر القبض على أولاد البريديّ
كان أولاد البريديّ، وهم أبو عبدالله، وهم أبو عبدالله، وأبو يوسف، وأبو الحسين، قد ضمنوا الأهواز، كما تقدّم، فلمّا عُزل الوزير ابن مقلة كتب المقتدر بخطّ يده إلى أحمد بن نصر القشوريّ الحاجب يأمره بالقبض عليهم، ففعل، وأودعهم عنده في داره. ففي بعض الأيّام سمع ضجّة عظيمة، وأصواتاً هائلة، فسأل: ما الخبر ؟ فقيل: إنّ الوزير قد كتب بإطلاق بني البريديّ، وأنفذ إليه أبو عبدالله كتاباً مزوّراً يأمره فيه بإطلاقهم، وإعادتهم إلى أعمالهم، فقال لهم أحمد: هذا كتاب الخليفة بخطّه، يقول فيه: لا تطلقهم حتّى يأتيك كتاب آخر بخطيّ.
ثمّ ظهر أنّ الكتاب مزوَّر، ثمّ أنفذ المقتدر فاستحضرهم إلى بغداد، وصودروا على أربعمائة ألف دينار، وكان لا يطمع فيها منهم، وإنّما طلب منهم هذا القدر ليجيبوا إلى بعضه، فأجابوا إليه جميعه ليتخلّصوا ويعودوا إلى عملهم.
ذكر خروج صالح والأغرّ

وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خرج خارجيٌّ من بجيلة، من أهل البوازيج، اسمه صالح بن محمود، وعبر إلى البريّة، واجتمع إليه جماعة من بني مالك، وسار إلى سِنجار فأخذ من أهلها مالاً، فلقيه قوافل، فأخذ عُشرها، وخطب بسنجار، فذكّر بأمر الله، وحذّر، وأطال في هذا، ثمّ قال: نتولّى الشيخَيْن، ونبرأ من الخبيثَيْن، ولا نرى المسح على الخفّيْن.
وسار منها إلى الشجاجية، من أرض الموصل، فطالب أهلَها وأهل أعمال الفَرَج بالعُشر، وأقام أيّاماً، وانحدر إلى الحديثة، تحت الموصل، فطالب المسمين بزكاة أموالهم، والنصارى بجزية رؤوسهم، فجرى بينهم حرب، فقُتل من أصحابه جماعة، ومنعوه من دخولها، فأحرق لهم ستّ عُروب، وعبر إلى الجانب الغربيّ، وأسر أهلُ الحديثة ابناً لصالح اسمه محمّد، فأخذه نصر بن حمدان بن حمدون، وهو الأمير بالموصل، فأدخله إليها، ثمّ سار صالح إلى السنّ، فصالحه أهلها على مال أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج، وسار منها إلى تلْ خوسا، قرية من أعمال الموصل عند الزاب الأعلى، وكاتب أهل الموصل في أمر ولده، وتهدّدهم أن لم يردّوه إليه، ثمّ رحل إلى السلاميّة، فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، ففارقها صالح إلى البوازيج، فطلبه نصر، فأدركه بها، فحاربه حرباً شديدة قُتل فيها من رجال صالح نحو مائة رجل، وقُتل من أصحاب نصر جماعة، وأُسر صالح ومعه ابنان له، وأُدخلوا إلى الموصل، وحُملوا إلى بغداد فأُدخلوا مشهورين.
وفيها، في شعبان، خرد بأرض الموصل خارجيٌّ اسمه الأغر بن مطرة الثعلبيُّ، وكان يذكر أنّه من ولد عتّاب بن كلثوم التغلبي أخي عمرو بن كلثوم الشاعر، وكان خروجه بنواحي رأس العين، وقصد كفَر توثا وقد اجتمع معه نحو ألفَيْ رجل، فدخلها ونهبها وقتل فيها.
وسار إلى نَصِيبين، فنزل بالقرب منها، فخرج إليه وإليها ومعه جمع من الجند ومن العامّة، فقاتلوه، فقتل الشاريُّ منهم مائة رجل، وأسر ألف رجل، فباعهم نفوسهم، وصالحه أهل نصيبين على أربعمائة ألف درهم.
وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان، وهو أمير ديار ربيعة، فسيّر إليه جيشاً، فقاتلوه، فظفروا به وأسروه، وسيّره ناتصر الدولة إلى بغداد.
ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفركان جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود مقيماً بالخُتَّل، والياً عليها للسامانيّة، فبدت منه أمور نُسبت بسببها إلى الإستعصاء، فكوتب أبو عليّ أحمد بن محمّد بن المظفَّر بقصده، فسار إليه، وحاربه، فقبض عليه، وحمله إلى بخارى، وذلك قبل مخالفة أبي زكرياء يحيى، فلّما حُمل إلى بخارى حُبس فيها، فلمْا خالف أبو زكرياء يحيى أخرجه من الحبس وصحبه، ثمّ استأذنه في العود إلى ولاية الخُتَّل وجمْع الجيوش له بها، فأذن له فسار إليها، وأقام بها، وتمسّك بطاعة السعيد نصر بن أحمد، فصلح حاله، وذلك سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.
الخُتَّل بالخاء المعجمة والتاء فوقها نقطتان والخاء مضمومة والتاء مشدّدة مفتوحة.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة شغب الفرسان، وتهدّدوا بخلع الطاعة، فأحضر المقتدر قوّادهم بين يديه، ووعدهم الجميل، وأن يطلق أرزاقهم في الشهر المقبل، فسكنوا، ثمّ شغب الرجّالة، فأُطلقت أرزاقهم.
وفيها خلع المقتدر على ابنه هارون، وركب معه الوزير، والجيش، وأعطاه ولاية فارس وكَرْمَان وسِجِستان ومكران.
وفيها أيضاً خلع على ابنه أبي العبّاس، وأقطعه بلاد الغرب، ومصر، والشام، وجعل مؤنساً المظفَّر يخلفه فيها.
وفيها صُرف ابنا رائق عن الشُّرطة، وقُلّدها أبو بكر محمّد بن ياقوت.
وفيها وقعت فتنة بنَصِيبين بين أهل باب الروم والباب الشرقيّ، واقتتلوا قتالاً شديداً، وأدخلوا إليهم قوماً من العرب والسواد، فقُتل بينهم جماعة، وأُحرقت المنازل والحوانيت، ونُهبت الأموال، ونزل بهم قافلة عظيمة تريد الشام، فنهبوها.
وفيها توفّي يحيى بن محمّد بن صاعد البغداديُّ وكان عمره تسعين سنة، وهو من فضلاء المحدّثين، والقاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيُّ الفقيه الحنفيُّ، وكان عالماً بالأدب ونحو الكوفّيين، وله شعر حسن.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائةذكر تجدُّد الوحشة بين مؤنس والمقتدر
في هذه السنة تجدّدت الوحشة بين مؤنس المظفَّر وبين المقتدر بالله.

وكان سببها أنّ محمّد بن ياقوت كان منحرفاً على الوزير سليمان، ومائلاً إلى الحسين بن القاسم، وكان مؤنس يميل إلى سليمان، بسبب عليّ بن عيسى، وثقتهم به، وقوي أمر محمّد بن ياقوت، وقُلّد، مع الشُّرطة، الحِسبة، وضمّ إليه رجالاً، فقوي بهم، فعظم ذلك على مؤنس، وسأل المقتدر صرف محمّد عن الحسبة، وقال: هذا شغل لا يجوز أن يتولاّه غير القضاة والعدول؛ فأجابه المقتدر.
وجمع مؤنس إليه أصحابه، فلمّا فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار السلطان، وفي دار محمّد بن ياقوت، وقيل لمؤنس: إنّ محمّد بن ياقوت قد عزم على كبس دارك ليلاً؛ ولم يزل به أصحابه حتّى أخرجوه إلى باب الشَّمّاسيّة فضربوا مضاربهم هناك، وطالب المقتدر بصرف ياقوت عن الحجبة وصرف ابنه عن الشُّرطة، وإبعادهما عن الحضرة، فأُخرجا إلى المدائن.
وقلّد المقتدر ياقوتاً أعمال فارس وكرمان، وقلّد ابنه المظفَّر بن ياقوت أصبهان، وقلّد أبا بكر محمّد بن ياقوت سِجِستان، وتقلّد ابنا رائق إبراهيم ومحمّد مكان ياقوت وولده الحجبة والشُّرطة، وأقام ياقوت بشِيراز مدّة.
وكان عليُّ بن خلف بن طياب ضامناَ أموال الضياع والخراج بها، فتظافرا، وتعاقدا، وقطعا الحمل على المقتدر، إلى أن ملك عليُّ بن بُوَيْه الديلميُّ بلاد فارس سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
ذكر قبض الوزير سليمان
ووزارة أبي القاسم الكلوذاني
ّ
وفي هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان بن الحسن.
وكان سبب ذلك أن سليمان ضاقت الأموال عليه إضافة شديدة، وكثرت عليه المطالبات، ووقفت وظائف السلطان، واتّصلت رقاع مَن يُرَشّح نفسه للوزارة بالسعاية به، والضمان بالقيام بالوظائف، وأرزاق الجند، وغير ذلك، فقبض عليه، ونقله إلى داره.
وكان المقتدر كثير الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة، فامتنع مؤنس من ذلك، وأشار بوزارة أبي القاسم الكلْوذانيّ، فاضطر المقتدر إلى ذلك، فاستوزره لثلاث بقين من رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهَريْن، وكانت وزارته غير متمكّنة أيضاً، فإنّه كان عليُّ بن عيسى معه على الدواوين وسائر الأمور، وأُفرد عليُّ بن عيسى عنه بالنظر في المظالم، واستعمل على ديوان السواد غيره، فانقطعت موادّ الوزير، فإنّه كان يقيم مِن قبله من يشتري توقيعات أرزاق جماعة لا يمكنهم مفارقة ما هم عليه بصدده من الخدمة، فكان يعطيهم نصف المبلغ، وكذلك إدرارات الفقهاء وأرباب البيوت إلى غير ذلك.
وكان أبو بكر بن قرابة منتمياً إلى مُفلح الخادم، فأوصله إلى المقتدر، فذكر له أنّه يعرف وجوه مرافق الوزراء، فاستعمله عليها ليصلحها للخليفة، فسعى في تحصيل ذلك من العمّال، والضُّمّان، والتُّنّاء وغيرهم، فأخلق بذلك الخلافة، وفضح الديوان، ووقفت أحوال الناس، فإنّ الوزراء وأرباب الولايات لا يقومون بأشغال الرعايا والتعب معهم إلاّ لرفق يحصل لهم، وليس لهم من الدين ما يحملهم على النظر في أحوالهم، فإنّه بعيد منهم، فإذا منعوا تلك المرافق تركوا الناس يضطربون، ولا يجدون مَن يأخذ بأيديهم، ولا يقضي حوائجهم، فإنّي قد رأيتُ هذا عياناً في زماننا هذا، وفات به من المصالح العامّة والخاصّة ما لا يحصى.
ذكر الحرب بين هارون وعسكر مرداويجقد ذكرنا فيما تقدّم قتل أسفار وملك مرداويج، وأنّه استولى على بلد الجبل والرَّيّ وغيرهما، وأقبلت الدَّيلم إليه من كلّ ناحية لبذله وإحسانه إلى جنده، فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخرج عليه، فلم يكفه ما في يده، ففرّق نوّابه في النواحي المجاورة له.
فكان مّمن سيّره إلى همَذان ابن أخت له في جيش كثير، وكان بها أبو عبد الله محمّد بن خلف في عسكر الخليفة، فتحاربوا حروباً كثيرة، وأعان أهل همذان عسكر الخليفة، فظفروا بالديلم، وقُتل ابن أخت مرداويج، فسار مرداويج من الرَّيّ إلى همذان، فلمّا سمع أصحاب الخليفة بمسيره انهزموا من همذان، فجاء إلى همذان، ونزل على باب الأسد، فتحصّن منه أهلها، فقاتلهم، فظفر بهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأحرق وسبى، ثم رفع السيف عنهم وأمّن بقيتهم.

فأنفذ المقتدر هارونَ بن غريب الخال في عساكر كثيرة إلى محاربته، فالتقوا بنواحي همذان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم هارون وعسكر الخلية، واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وما وراء همذان، وسيّر قائداً كبيراً من أصحابه يُعرف بابن علاّن القزوينيّ إلى الدّينَور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيراً من أهلها، وبلغت عساكره إلى نواحي حُلوان، فغنمت، ونهبت، وقتلت، وسبت الأولاد والنساء، وعادوا إليه.
ذكر ما فعله لشكري من المخالفةكان لشكري الديلميُّ من أصحاب أسفار، واستأمن إلى الخليفة، فلمّا انهزم هارون بن غريب من مرداويج سار معه إلى قَرْمِيسين، وأقام هارون بها، واستمدّ المقتدر ليعاود محاربة مرداويج وسيّر هارون لشكري هذا إلى نهاوند لحمل مالٍ بها إليه، فلمّا صار لشكري بنَهاوند، ورأى غنى أهلها طمع فيهم، وصادرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، واستخرجها في مدّة أُسبوع، وجنّد بها جُنداً، ثمّ مضى إلى أصبهان هارباً من هارون في الجند الذين انضمّوا إليه في جُمادى الآخرة.
وكان الوالي على أصبهان حينئذ أحمد بن كَيْغَلغ، وذلك قبل استيلاء مرداويج عليها، فخرج إليه أحمد فحاربه، فانهزم أحمد هزيمة قبيحة، وملك لشكري أصبهان، ودخل أصحابه إليها، فنزلوا في الدور والخانات وغيرها ولم يدخل لكري معهم؛ ولّما انهزم أحمد نجا إلى بعض قرى أصبهان في ثلاثين فارساً، وركب لشكري يطوف بسُور أصبهان من ظاهره، فنظر إلى أحمد في جماعته، فسأل عنه فقيل: لا شكّ أنه من أصحاب أحمد ابن كَيْغَلغ، فسار فيمن معه من أصحابه نحوهم، وكانوا عدّة يسيرة، فلمّا قرب منهم تعارفوا، فاقتتلوا، فقُتل لشكري، قتله أحمد بن كَيْغَلغ، ضربه بالسيف على رأسهن فقدّ المغفر والخّوذة، ونزل السيف حتّى خالط دماغه، فسقط ميّتاً.
وكان عمر أحمد إذ ذاك قد جاوز السبعين؛ فلمّا قُتل لشكري انهزم مَن معه، فدخلوا أصبهان، وأعلموا أصحابهم، فهربوا على وجوههم، وتركوا أثقالهم وأكثر رحالهم، ودخل أحمد إلى أصبهان، وكان هذا قبل استيلاء مرداويج على أصبهان؛ وكان هذا من الفتح الظريف، وكان جزاؤه أن صُرف عن أصبهان، ووليَ عليها المظفَّر بن ياقوت.
ذكر ملك مرداويج أصبهانثمّ أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصبهان، فملكوها واستولوا عليها، وبنوا له فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العِجليّ، والبساتين، فسار مرداويج إليها فنزلها وهو في أربعين ألفاً، وقيل خمسين ألفاً، وأرسل جمعاً آخر إلى الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال هذه البلاد والنواحي، وقسمها في أصحابه، وجمع منها الكثير فاذخره.
ثمّ إنّه أرسل إلى المقتدر رسولاً يقرّر على نفسه مالاً على هذه البلاد كلّها، ونزل للمقتدر عن هَمذان وماه الكوفة، فأجابه المقتدر إلى ذلك، وقوطع على مائتَيْ ألف دينار كلّ سنة.
ذكر عزل الكَلْوَذانيّ ووزارة الحسين بن القاسم
في هذه السنة عُزل أبو القاسم الكّلْوذانيُّ عن وزارة الخليفة ووزر الحسين ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب.
وكان سبب ذلك أنّه كان ببغداد إنسان يُعرف بالدانياليّ، وكان زرّاقاً، ذكيّاً محتالاً، وكان يعتّق الكاغد، ويكتب فيه بخطّة ما يشبه الخطّ العتيق، ويذكر فيه إشارات ورموزاً يودعها أسماء أقوام من أرباب الدولة، فيحصل له بذلك رفق كثير.
فمن جملة ما فعله أنّه وضع في جملة كتاب: ميم ميم ميم، يكون منه كذا وكذا، وأحضره عند مفلح، وقال: هذا كناية عنك، فإنّك مفلح مولى المقتدى، وذكر له علامات تدلّ عليه، فأغناه، فتوصّل الحسين بن القاسم معه، حتّى جعل اسمه في كتاب وضعه، وعتّقه، وذكر فيه علامة وجهه، وما فيه من الآثار، ويقول إنّه يزر للخليفة الثامن عشر من خلفاء بني العبّاس، وتستقيم الأمور على يدَيْه، ويقهر الأعادي، وتتعمّر الدنيا في أيّامه، وجعل هذا كلّه في جملة كتاب ذكر فيه حوادث قد وقعت، وأشياء لم تقع بعد، ونسب ذلك إلى دانيال، وعتّق الكتاب وأخذه وقرأه على مفلح، فلمّا رأى ذلك أخذ الكتاب وأحضره عنده المقتدر وقال له: أتعرف في الكُتّاب من هو بهذه الصفة ؟ فقال: ما أعرفه إلاّ الحسين بن القاسم؛ فقال: صدقت وإنّ قلبي ليميل إليه، فإن جاءك منه رسول برقعة فاعرضها عليّ، واكتم حاله ولا تطلع على أمره أحداً.

وخرج مفلح إلى الدانياليّ فسأله: هل تعرف أحداً من الكتّاب بهذه الصفة ؟ فقال: لا أعرف أحداً؛ قال: فمن أين وصل إليك هذا الكتاب ؟ فقال: من أبي، وهو ورثه من آبائه، وهو من ملاحم دانيال، عليه السلام؛ فأعاد ذلك على المقتدر، فقبله، فعرّف الدانياليُّ ذلك الحسين بن القاسم، فلمّا أعلمه كتب رقعة إلى مفلح، فأوصلها إلى المقتدر، ووعده الجميل، وأمره بطلب الوزارة وإصلاح مؤنس الخادم، فكان ذلك من أعظم الأسباب في وزارته مع كثرة الكارهين له.
ثمّ اتفق أنّ الكَلْوذانيَّ عمل حِسْبةً بما يحتاج إليه من النفقات، وعليها خطّ أصحاب الديوان، فبقي محتاجاً إلى سبعمائة ألف دينار، وعرضها على المقتدر، وقال: ليس لهذه جهة إلاّ ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه، فعظم ذلك على المقتدر.
وكتب الحسين بن القاسم لّما بلغه ذلك يضمن جميع النفقات، ولا يطالبه بشيء من بيت المال، وضمن أنّه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت المال، فعُرضت رقعته على الكَلْوذانيّ فاستقال، وأذن في وزارة الحسين، ومضى الحسين إلى بُلَيق، وضمن له مالاً ليصلح له قلب مؤنس، ففعل، فعُزل الكَلْوذانيُّ في رمضان، وتولّى الحسين الوزارة لليلتَينْ بقيتا من رمضان أيضاً، وكانت ولاية الكَلْوذانيّ شهرَيْن وثلاثة أيّام، واختصّ بالحسين بنو البَرِيديّ وابنُ قَرابة، وشرط أن لا يطلع معه عليّ بن عيسى، فأُجيب إلى ذلك، وشرع في إخراجه من بغداد، فأُجيب إلى ذلك، فأُخرج إلى الصافية.
ذكر تأكّد الوحشة بين مؤنس والمقتدر
في هذه السنة، في ذي الحجّة، تجدّدت الوحشة بين مؤنس والمقتدر، حتى آل ذلك إلى قتل المقتدر.
وكان سببها ما ذكرنا أوّلاً في غير موضع، فلمّا كان الآن بلغ مؤنساً أنّ الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القوّاد في التدبير عليه، فتنكّر له مؤنس، وبلغ الحسين أنّ مؤنساً قد تنكّر له، وأنّه يريد أن يكبس داره ليلاً ويقبض عليه، فتنقّل في عدة مواضع، وكان لا يحضر داره إلاّ بُكرة، ثمّ إنّه انتقل إلى داره الخلافة، فطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته، فأجاب إلى عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم بيته، فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي في وزارته.
وأوقع الحسين عند المقتدر أنّ مؤنساً يريد أخذ ولده أبي العبّاس، وهو الراضي، من داره بالمخرّم، والمسير به إلى الشام، والبيعة له، فردّه المقتدر إلى دار الخلافة، فعلم ذلك أبو العبّاس؛ فلمّا أفضت الخلافة إليه فعل بالحسين ما نذكره.
وكتب الحسن إلى هارون، وهو بدير العاقول، بعد انهزامه من مرداويج، ليتقدمه إلى بغداد، وكتب إلى محمّد بن ياقوت، وهو بالأهواز، يأمره بالإسراع إلى بغداد، فزاد استشعار مؤنس، وصح عنده أنّ الحسين يسعى في التدبير عليه، وسنذكر تمام أمره سنة عشرين وثلاثمائة.
ذكر الحروب بين المسلمين والرومفي هذه السنة، في ربيع الأوّل، غزا ثمل والي طَرَسُوس بلاد الروم، فعبر نهراً، ونزل عليهم ثلجٌ إلى صدور الخيل، وأتاهم جمع كثير من الروم، فواقعوهم، فنصر الله المسلمين، فقتلوا من الروم ستّمائة، وأسروا نحواً من ثلاثة آلاف، وغنموا من الذهب والفضّة والديباج وغيره شيئاً كثيراً.
وفيها في رجب عاد ثمل إلى طَرَسُوس، ودخل بلاد الروم صائفة في جمع كثير من الفارس والراجل، فبلغوا عَمّورية، وكان قد تجمّع إليها كثير من الروم، ففارقوها لّما سمعوا خبر ثمل، ودخلها المسلمون، فوجدوا فيها من الأمتعة والطعام شيئاً فأخذوه، وأحرقوا ما كانوا عمّروه منها، وأوغلوا في بلاد الروم ينهبون، ويقتلون ويخرّبون، حتى بلغوا أنقِرَة، وهي التي تسمّى الآن أنكورية، وعادوا سالمين لم يلقوا كيداً، فبلغت قيمة السبي مائة ألف دينار وستّة وثلاثين ألف دينار، وكان وصولهم إلى طَرَسُوس آخر رمضان.

وفيها كاتب ابن الدَّيرانيّ وغيره من الأرمن، وهم بأطراف أرمينية، الروم، وحثّوهم على قصد بلاد الإسلام، ووعدوهم النصرة، فسارت الروم في خلق كثير، فخرّبوا بَزكرى وبلاد خلاط وما جاورها، وقُتل من المسلمين خلق كثير، وأسروا كثيراً منهم، فبلغ خبرهم مُفلحاً، غلام يوسف بن أبي الساج، وهو والي أذربيجان، فسار في عسكر كبير، وتبعه كثير من المتطوّعة إلى أرمينية، فوصلها في رمضان، وقصد بلد ابن الدَّيرانيّ ومن وافقه لحربه، وقتل أهله، ونهب أموالهم، وتحصّن ابن الدًَّيرانيّ بقلعة له، وبالغ الناس في كثرة القتلى من الأرمن، حتّى قيل إنّهم كانوا مائة ألف قتيل، والله أعلم.
وسارت عساكر الروم إلى سُمَيساط فحصروها، فاستصرخ أهلها بسعيد بن حَمدان، وكان المقتدر قد ولاّه الموصل وديار ربيعة، وشرط عليه غزو الروم، وأن يستنقذ مَلَطْية منهم، وكان أهلها قد ضعفوا، فصالحوا الروم، وسلّموا مفاتيح البلد إليهم، فحكموا على المسلمين، فلمّا جاء رسول أهل سُمَيساط إلى سعيد بن حمدان تجهّز وسار إليهم مسرعاً، فوصل وقد كاد الروم يفتحونها، فلمّا قاربهم هربوا منه، وسار منها إلى مَلَطية وبها جمع من الروم ومن عسكر مليح الأرمنيّ ومعهم بنْيّ بن نفيس، صاحب المقتدر، وكان قد تنصّر، وهو مع الروم، فلمّا أحسّوا بإقبال سعيد خرجوا منها، وخافوا أن يأتيهم سعيد في عسكره من خارج المدينة، ويثور أهلها بهم فيهلكوا، ففارقوها.
ودخلها سعيد ثمّ استخلف عليها أميراً، وعاد عنها، فدخل بلد الروم غازياً في شوّال، وقدّم بين يديه سَريّتَيْن فقتلتا من الروم خلقاً كثيراً قبل دخوله إليها.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في شوّال، جاء إلى تكريت سيل كبير من المطر نزل في البرّ، فغرق منها أربعمائة دار ودكّان، وارتفع الماء في أسواقها أربعة عشر شبراً، وغرق خلق كثير من الناس ودُفن المسلمون والنصارى مجتمعين لا يُعرف بعضهم من بعض.
وفيها هاجت بالموصل ريح شديد فيها حمرة شديدة، ثمّ اسودّت حتّى لا يعرف الإنسان صاحبه، وظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، ثمّ جاء الله تعالى بمطر فكشف ذلك.
وفيها توفّي أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود البلخيُّ في شعبان، وهو من متكلّمي المعتزلة البغداديّين.
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 1:53 am

ذكر مسير مؤنس إلى الموصل
في هذه السنة، في المحرّم، سار مؤنس المظفَّر إلى الموصل مغاضباً للمقتدر.
وسبب مسيره أنّه لّما صحّ عنده إرسال الوزير الحسين بن القاسم إلى هارون ابن غريب ومحمّد بن ياقوت يستحضرهما، زاد استيحاشه، ثم سمع بأنّ الحسين قد جمع الرجال والغلمان الحجريّة في دار الخليفة، وقد اتّفق فيهم، وأنَّ هارون بن غريب قد قرب من بغداد، فأظهر الغضب، وسار نحو الموصل ووجّه خادمه بُشرى برسالة إلى المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة، فقال: لا أذكرها إلاّ لأمير المؤمنين؛ فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر ما معه من الرسالة للوزرن فامتنع، وقال: ما أمرني صاحبي بهذا؛ فسبّه الوزير، وشتم صاحبه، وأمر بضربه، وصادره بثلاثمائة ألف دينار، وأخذ خطّه بها، وحبسه ونهب داره.
فلمّا بلغ مؤنساً ما جرى على خادمه، وهو ينتظر أن يطيّب المقتدر قلبه، ويعيده، فلمّا علم ذلك سار نحو الموصل ومعه جميع قُوّاده، فكتب الحسين إلى القوّاد والغلمان يأمرهم بالرجوع إلى بغداد، فعاد جماعة، وسار مؤنس نحو الموصل في أصحابه ومماليكه، ومعه من الساجيّة ثماني مائة رجل، وتقدّم الوزير بقبض إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك مَن معه، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وتمكّن من الوزارة، وولّى وعزل.
وكان فيمن تولّى أبو يوسف يعقوب بن محمّد البريديُّ، ولاّه الوزر البصرة وجميع أعمالها بمبلغ لا يفي بالنفقات على البصرة وما يتعلّق بها، بل فضل لأبي يوسف مقدار ثلاثين ألف دينار أحاله الوزير بها، فلّما علم ذلك الفضل بن جعفر بن محمّد بن الفرات استدرك على أبي يوسف، وأظهر له الغلط في الضمان، وأنّه لا يمضيه، فأجاب إلى أن يقوم بنفقات البصرة، ويحمل إلى بيت المال كلّ سنة ثمانين ألف دينار، وانتهى ذلك إلى المقتدر، فحسُن موقعه عنده، فقصده الوزير، فاستتر، وسعى بالوزير إلى المقتدر إلى أن أفسد حاله.
ذكر عزل الحسين عن الوزارة

وفيها عُزل الحسين بن القاسم عن الوزارة. وسبب ذلك أنّه ضاقت عليه الأموال، وكثرت الإخراجات، فاستسلف في هذه السنة جملة وافرة أخرجها في سنة تسع عشرة، فأنهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتّب معه الخصيبيّ، فلمّا تولّى معه نظر في أعماله، فرآه قد عمل حِسبة إلى المقتدر ليس فيها عليه وجه، وموّه وأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتّاب وكشف الحال، فحضروا، واعترفوا بصدق الخصيبيّ بذلك، وقابلوا الوزير بذلك، فقُبض عليه في شهر ربيع الآخر، وكانت وزارته سبعة أشهر، واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر، وسلّم إليه الحسين، فلم يؤاخذه بإساءتهِ.
ذكر استيلاء مؤنس على الموصلقد ذكرنا مسير مؤنس إلى الموصل فلمّا سمع الحسين الوزير بمسيره كتب إلى سعيد وداود ابنَيْ حمدان، وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن بن عبد الله ابن حمدان، يأمرهم بمحاربة مؤنس، وصدّه عن الموصل.
وكان مؤنس كتب في طريقه إلى رؤساء العرب يستدعيهم، ويبذل لهم الأموال والخِلع، ويقول لهم: إنّ الخليفة قد ولاّه الموصل وديار ربيعة.
واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس، إلاّ داود بن حمدان فإنّه امتنع من ذلك لإحسان مؤنس إليه، فإنّه كان قد أخذه بعد أبيه، وربّاه في حجره، أحسن إليه إحساناً عظيماً، فلمّا امتنع من محاربته لم يزل به إخوته حتّى وافقهم على ذلك، وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابنَيْ حمدان إلى المقتدر مرّةً بعد مرّة، وأنّهم يريدون أن يغسلوا تلك السيّئة، ولّما أجابهم قال لهم: والله إنّكم لتحملونني على البغي وكفران الإحسان، وما آمن أن يجيئني سهم عائر فيقع في نحري فيقتلني؛ فلمّا التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله.
وكان مؤنس إذا قيل له: إنّ داود عازم على قتالك، ينكره ويقول: كيف يقاتلني وقد أخذتُه طفلاً وربّيته في حجري ! ولّما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة فارس، واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفاً، والتقوا واقتتلوا، فانهزم بنو حمدان، ولم يُقتل منهم غير داود، وكان يلقّب بالمجفجف وفيه يقول بعض الشعراء وقد هجا أميراً:
لو كنتَ في ألف ألف كلّهم بطلٌ ... مِثل المُجَفْجَفِ داود بن حمدانِ
وتحتكَ الريحُ تجري حيثُ تأمرُها، ... وفي يمينك سيفَ غيرُ خَوَّان
لكنتَ أوّل فَرّارٍ إلى عَدَنٍ ... إذا تحرّك سيفٌ من خُراسانِ
وكان داود هذا من أشجع الناس، ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر، واستولى على أموال بني حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد، والشام، ومصر، من أصناف الناس لإحسانه الذي كان إليهم، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان، فصار معه، وأقام بالموصل تسعة أعر، وعزم على الانحدار إلى بغداد.
ذكر قتل المقتدرلّما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له: اذهبْ بنا إلى الخليفة، فإنا أنصفنا، وأجرى أرزاقنا، وإلاّ قاتلناه؛ فانحدر مؤنس من الموصل في شوّال، وبلغ خبره جند بغداد، فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرّق المقتدر فيهم أموالاً كثيرة، إلاّ أنّه لم يسعهم، وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حَمدان وصافياً البصريّ في خيل عظيمة إلى سُرّ من رأى، وأنفذ أبا بكر محمّد بن ياقوت في ألفَيْ فارس، ومعه الغلمان الحجريّة، إلى المعشوق.
فلمّا وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه، فلمّا قربوا من المعشوق جعل العسكرُ الذين مع ابن ياقوت يتسلّلون ويهربون إلى بغداد، فلمّا رأى ذلك رجع إلى عُكْبَرا، وسار مؤنس، فتأخّر ابن ياقوت وعسكره، وعادوا إلى بغداد، فنزل مؤنس بباب الشّمّاسيّة ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم، واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن غريب ليخرج، فلم يفعل، وقال: أخاف من عسكري، فإنّ بعضهم أصحاب مؤنس، وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج، فأخاف أن يسلّموني وينهزموا عنّي؛ فأنفذ إليه الوزير، فلم يزل به حتّى أخرجه، وأشاروا على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضى الجند، ومتى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرّقوا عنه واضطرّ إلى الهرب؛ فقال: لم يبق ولا لوالدتي جهة شيء.

وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط، ويكاتب العساكر من جهة البصرة، والأهواز، وفارس، وكرمان، وغيرها، ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع عليه العساكر، ويعود إلى قتاله، فردّه ابن ياقوت عن ذلك، وزيّن له اللقاء، وقوّى نفسه بأنّ القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه، فرجع إلى قوله وهو كاره.
ثم أشار عليه بحضور الحرب، فخرج وهو كاره، وبين يديه الفقهاء، والقراء معهم المصاحف مشهورة، وعليه البردة، والناس حوله، فوقف على تلّ عالٍ بعيد عن المعركة، فأرسل قوّاد أصحابه يسألونه التقدّم مرّة بعد أخرى، وهو واقف، فلمّا ألحّوا عليه تقدّم من موضعه، فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم، وكان قد أمر فنودي: مَن جاء بأسير فله عشرة دنانير، ومَن جاء برأس فله خمسة دنانير، فلمّا انهزم أصحابه لقيه عليُّ بن بُليق، وهو من أصحاب مؤنس، فترجّل وقبّل الأرض وقال له: إلى أين تمضي ؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك بالحضور ! فأراد الرجوع، فلقيه قوم من المغاربة والبربر، فتركه عليٌّ معهم وسار عنه، فشهروا عليه سيوفهم، فقال: ويحكم أنا الخليفة ! فقالوا: قد عرفناك يا سِفْلَةُ، أنت خليفة إبليس، تبذل في كلّ رأس خمسة دنانير، وفي كلّ أسير عشرة دنانير ! وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم، فقيل إنّ عليَّ بن بليق غمز بعضهم فقتله.
وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثّة، فلمّا قتلوه رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتّى سراويله، وتركوه مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة، فستره بحشيش، ثم حفر له موضعه، ودُفن، وعُفي قبره.
وكان مؤنس في الراشديّة لم يشهد الحرب، فلمّا حُمل رأس المقتدر إليه بكى، ولطم وجهه ورأسه، وقال: يا مفسدون ! ما هكذا أوصيتُكم؛ وقال: قتلتموه، وكان هذا آخر أمره، والله لنُقتَلنّ كلّنا، وأقلّ ما في الأمر أنّكم تُظهرون أنّكم قتلتموه خطأ، ولم تعرفوه.
وتقدّم مؤنس إلى الشّمّاسيّة، وأنفذ إلى دار الخليفة مَن يمنعها من النهب، ومضى عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومحمّد بن ياقوت، وابنا رائق إلى المدائن، وكان ما فعله مؤنس سبباً لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بالٍ، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة حتّى صار الأمر إلى ما نحكيه.
على أن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيراً، وحكّم فيها النساء والخدم، وفرّط في الأموال، وعزل من الوزراء وولّى ممّا أوجب طمع أصحاب الأطراف والنوّاب، وخروجهم عن الطاعة.
وكان جملة ما أخرجه من الأموال، تبذيراً وتضييعاً في غير وجه، نيِّفاً وسبعين ألف ألف دينار، سوى ما أنفقه في الوجوه الواجبة؛ وإذا اعتبرت أحوال الخلافة في أيّامه وأيّام أخيه المكتفي ووالده المعتضد، رأيت بينهم تفاوتاً بعيداً، وكانت مدّة خلافته أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستّة عشر يوماً؛ وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة ونحواً من شهرين.
ذكر خلافة القاهر باللهلّما قُتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس، وقال: الرأي أن ننصِّب ولده أبا العبّاس أحمد في الخلافة، فإنّه تربيتي، وهو صبيّ عاقل، وفيه دين وكرم، ووفاء بما يقول، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدّته، والدة المقتدر، وإخوته، وغلمان أبيه ببذل الأموال، ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان؛ فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّوبختيُّ وقال: بعد الكدّ والتعب استرحنا من خليفة له أمّ، وخالة، وخدم يدبّرونه، فنعود إلى تلك الحال ! والله لا نرضى إلاّ برجل كامل، يدبّر نفسه، ويدبّرنا. وما زال حتّى ردّ مؤنساً عن رأيه، وذكر له أبو منصور محمّد بن المعتضد، فأجابه مؤنس إلى ذلك، وكان النُّوبختيُّ في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتله، كما نذكره (وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ) البقرة: 216.
وأمر مؤنس بإحضار محمّد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة لليلَتين بقيتا من شوّال، ولقّبوه القاهر بالله، وكان مؤنس كارهاً لخلافته، والبيعة له، ويقول: إنّني عارف بشرّه، وسوء نيّته، ولكن لا حيلة.

ولّما بويع استحْلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بُلَيق، ولعلّي بن بليق، وأخذوا خطّة بذلك، واستقرّت الخلافة له، وبايعه الناس، واستوزر أبا عليّ بن مُقلة، وكان بفارس، فاستقدمه، ووزَر له، واستحجب القاهرُ عليَّ بن بُلَيق، وتشاغل القاهر بالبحث عمّن استتر من أولاد المقتدر وحُرَمه، وبمناظرة والدة المقتدر، وكانت مريضة قد ابتدأ بها الاستسقاء، وقد زاد مرضها بقتل ابنها، ولّما سمعت أنّه بقي مكشوف العورة جزعت جزعاً شديداً، وامتنعت عن المأكول والمشروب حتّى كادت تهلك، فوعظها النساء حتّى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والملح.
ثمّ أحضرها القاهر عنده، وسألها عن مالها، فاعترفت له بما عندها من المَصُوغ والثياب، ولم تعترف بشيء من المال والجوهر، فضربها أشدّ ما يكون من الضرب، وعلّقها برجلها، وضرب المواضع الغامضة من بدنها، فحلفت أنّها لا تملك غير ما أطلعته عليه، وقالت: لو كان عندي مال لما أسلمتُ ولدي للقتل؛ ولم تعترف بشيء.
وصادر جميع حاشية المقتدر وأصحابه، وأخرج القاهر والدة المقتدر لتُشهد على نفسها القضاة والعدول بأنّها قد حلّت أوقافها، ووكّلت في بيعها، فامتنعت عن ذلك، وقالت: قد أُوقفها على أبواب البرّ والقرب بمكّة والمدينة والثغور، وعلى الضعفى والمساكين، ولا أستحلّ حلّها ولا بيعها، وإنّما أوكل على بيع أملاكي.
فلمّا علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول، وأشهدهم على نفسه أنّه قد حلّ وقوفها جميعها، ووكّل في بيعها، فبيع ذلك جميعه مع غيره، واشتراه الجند من أرزاقهم؛ وتقدّم القاهر بكبس الدور التي سُعي إليه أنّه اختفى فيها ولد المقتدر، فلم يزل كذلك إلى أن وجدوا منهم أبا العبّاس الراضي، وهارون، وعليّاً، والعبّاس، وإبراهيم، والفضل، فحُملوا إلى دار الخليفة، فصودروا على مالٍ كثير، وسلّمهم عليُّ بن بُليق إلى كاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم.
واستقرّ أبّو عليّ بن مقلة في الوزارة، وعزل وولّى، وقبض على جماعة من العمّال، وقبض على بني البريدي، وعزلهم عن أعمالهم وصادرهم.
ذكر وصول وشمكير إلى أخيه مرداويجوفيها أرسل مرداويج إلى أخيه وشمكير، وهو ببلاد جِيلان، يستدعيه إليه، وكان الرسول بن الجعد، قال: أرسلني مرداويج، وأمرني بالتلطّف لإخراج أخيه وشمكير إليه، فلمّا وصلتُ سألتُ عنه، فدُللتُ عليه، فإذا هو مع جماعة يزرعون الأرزّ، فلمّا رأوني قصدوني وهم حفاة عراة، عليهم سراويلات ملوّنة الخرق، وأكيسة ممزقة، فسلّمتُ عليه، وأبلغتهُ رسالة أخيه، وأعلمتُه بما ملك من البلاد والأموال وغرها، فضرط بفمه في لحية أخيه وقال: إنّه لبس السواد، وخدم المسوِّدة، يعني الخلفاء من بني العبّاس.
فلم أزل أمنّيه وأطمعه حتّى خرج معي، فلمّا بلغنا قَزوين اجتهدتُ به ليلبس السواد، فامتنع ثمّ لبس بَعد الجهد. قال: فرأيتُ من جهله أشياء أستحيي من ذكرها، ثمّ أعطته السعادة ما كان له في الغيب، فصار من أعرف الملوك بتدبير الممالك وسياسة الرعايا.
ذكر عدّة حوادث
فيها توفّي القاضي أبو عمر محمّد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل ابن حمّاد بن زيد، وكان عالماً فاضلاً حليماً، وأبو عليّ الحسين بن صالح ابن خيران الفقيه الشافعيُّ، وكان عابداً ورِعاً، أُريد على القضاة، فلم يفعل.
وفيها توفّي أبو نعيم عبد الملك بن محمّد بن عديّ الفقيه الشافعيُّ الجرجانيُّ، المعروف بالأسْتراباذيّ.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
ذكر حال عبد الواحد بن المقتدر
ومن معه
قد ذكرنا هرب عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومفلح، ومحمّد بن ياقوت، وابني رائق، بعد قتل المقتدر، إلى المدائن، ثمّ إنّهم انحدروا منها إلى واسط، وأقاموا بها، وخافهم الناس؛ فابتدأ هارون بن غريب وكتب إلى بغداد يطلب الأمان، ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه، وينزل عن الأملاك التي استأجرها، ويؤدّي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة؛ فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك، وكتبا له كتاب أمان وقُلّد أعمال ماه الكوفة، وماسَبَذان، ومهرجان قذَق، وسار إلى بغداد.
وخرج عبد الواحد بن المقتدر من واسط فيمن بقي معه، ومضوا إلى السُّوس وسوق الأهواعز، وجبوا المال، وطردوا العمّال، وأقاموا بالأهواز، فجهّز مؤنس إليهم جيشاً كثيفاً، وجعل عليهم بُليقاً.

وكان الذي حرّضهم على إنفاذ الجيش أبو عبدالله البرِيديُّ، فإنّه كان قد خرج من الحبس فخوّفهم عاقبةَ إهمال عبد الواحد ومَن معه، وبذلل مساعدة معجّلة خمسية ألفَ دينار على أن يتولّى الأهواز، وعند استقراره بتلك البلاد يعجّل باقي المال، وأمر مؤنس بالتجهّز، وأنفق ذلك المال، وسار العسكر وفيهم أبو عبدالله.
وكان محمّد بن ياقوت قد استبدّ بالأموال والأمر، فنفرت لذلك قلوب مَن معه من القوّاد والجند، فلمّا قرب العسكر من واسط أظهر مَن معه من القوّاد ما في نفوسهم، وفارقوه، ولّما وصل بُليق إلى السُّوس فارق عبدُ الواحد ومحمّد بن ياقوت الأهواز وسارا إلى تُستَر، فعمل القراريطيُّ، وكان مع العسكر، فأهل الأهواز ما لم يفعله أحد: نهب أموالهم، وصادرهم جميعهم، ولم يسلم منهم أحد.
ونزل عبد الواحد وابن ياقوت بتُستر، وفارقهما من معهما من القوّاد إلى بُلّيق بأمان، وبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد، فقالا لمحمّد بن ياقوت: أنت معتصم بهذه المدينة، وبمالك ورجالك، ونحن فلا مال معنا، ولا رجال، ومقامنا معك يضرّك ولا ينفعك، وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر؛ فأذن لهما في ذلك، فكتبا إلى بليق فأمّنهم، فعبروا إليه وبقي محمّد بن ياقوت منفرداً، فضعفت نفسه، وتحيّر، فتراسل هو وبُليق، واستقرّ بينهما أنّه يخرج إلى بُلَيق على شرط أنّه يؤمِّنه، ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل ذلك وحلف له، وخرج محمّد بن ياقوت معه إلى بغداد، واستولى أبو عبدالله البريديُّ على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار، وعمل بأهل البلاد ما لا يعلمه الفرنج، ولم يمنعه أحد عمّا يريد؛ ولم يكن عنده من الدين ما يزعه عن ذلك، وعاد إخوته إلى أعمالهم؛ ولّما عاد عبد الواحد ومحمّد بن ياقوت وفي لهم القاهر، وأطلق لعبد الواحد أملاكه، وترك لوالدته المصادرة التي صادرها بها.
ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهرفي هذه السنة استوحش مؤنس المظفَّر وبُليق الحاجب وولده عليّ والوزير أبو عليّ بن مقلة من القاهر، وضيّقوا عليه وعلى أسبابه.
وكان سبب ذلك أنّ محمّد بن ياقوت تقدّم عند القاهر، وعلت منزلته، وصار يخلو به ويشاورهن فغلظ ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبين محمّد، فألقى إلى مؤنس أنّ محمّداً يسعى به عند القاهر، وأنّ عيسى الطبيب يسفر بينهما في التدبر عليه، فوجّه مؤنس عليَّ بن بُليق لإحضار عيسى الطبيب، فوجده بين يدي القاهر، فأخذه وأحضره عند مؤنس، فسيّره من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع بمحمّد بن ياقوت، وكان في الخيام، فركب عليُّ بن بُليق في جنده ليكبسه، فوجده قد اختفى، فنهب أصحابه واستتر محمّد بن ياقوت.
ووكّل عليُّ بن بُليق على دار الخليفة أحمدَ بن زيرك، وأمرهُ بالتضييق على القاهر، وتفتيش كلّ من يدخل الدار ويخرج منها، وأن يكشف وجوه النساء المنقّبات، وإن وجد مع أحد رقعة دفعها إلى مؤنس، ففعل ذلك، وزاد عليه، حتّى إنّه حُمل إلى دار الخليفة لبَن، فأدخل يدَه فيه لئلاّ يكون فيه رقعة، ونقل بُليق من كان بدار القاهر محبوساً إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها، وقطع أرزاق حاشيته.
فأمّا والدة المقتدر فإنّها كانت قد اشتدّت علّتها لشدّة الضرب الذي ضربها القاهر، فأكرمها عليُّ بن بُليق وتركها عند والدته، فماتت في جمادى الآخرة، وكانت مكرّمة مرفّهة، ودُفنت بتربتها بالرُّصافة.
وضيّق عليُّ بن بُليق على القاهر، فعلم لقاهر أنّ العتاب لا يفيد، وأن ذلك بأري مؤنس وابن مقلة، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم.
وكان قد عرف فساد قلب طريق السبكريّ وبشرى خادم مؤنس لبليق وولده عليّ، وحسدهما على مراتبهما، فشرع في أغرائهما ببليق وابنه.

وعلم أيضاً أنّ مؤنساً وبُليقاً أكثر اعتمادهما على الساجيّة، أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمانه المنتقلين إليهما بعده، وكانا قد وعدا الساجيّة بالموصل مواعيد أخلفاها، فأرسل القاهر إليهم يغريهم بمؤنس وبُليق، ويحلف لهم على الوفاء بما أخلفاهم، فتغيّرت قلوب الساجيّة، ثمّ إنّه راسل أبا جعفر محمّد بن القاسم بن عُبيد الله، وكان من أصحاب ابن مقلة وصاحب مشورته، ووعده الوزارة، فكان يطالعه بالأخبار، وبلغ ابن مقلة أنّ القاهر قد تغيّر عليه، وأنّه مجتهد في التدبير عليه وعلى مؤنس، وبليق، وابنه عليّ، والحسن ابن هارون، فأخبرهم ابن مقلة بذلك.
ذكر القبض على مؤنس وبُليق
في هذه السنة، أوّل شعبان، قبض القاهر بالله على بُليق وابنه، ومؤنس المظفَّر.
وسبب ذلك أنّه لّما ذكر ابن مقلة لمؤنس وبُليق ما هو عليه القاهر من التدبير في استئصالهم خافوه، وحملهم الخوف على الجدّ في خلعه، واتّفق رأيهم على استخلاف أبي أحمد بن المكتفي وعقدوا له الأمر سرّاً، وحلف له بُليق وابنه عليٌّ، والوزير أبو عليّ بن مقلة، والحسن بن هارون، وبايعوه، ثمّ كشفوا الأمر لمؤنس فقال لهم: لستُ أشكّ في شرّ القاهر وخبثه، ولقد كنتُ كارهاً لخلافته، وأشرتُ بابن المقتدر، فخالفتم وقد بالغتم الآن في الاستهانة به، وما صبر على الهوان إلاّ من خبث طويّته ليدبّر عليكم، فلا تعجلوا على أمر حتّى تؤنسوه وينبسط إليكم، ثم فتّشوا لتعرفوا من مواطأة من القوّاد ومن الساجيّة والحجريّة، ثم اعملوا على ذلك، فقال عليُّ بن بُليق، والحسن بن هارون: ما يحتاج إلى هذا التطويل، فإنّ الحجبة لنا، والدار في أيدينا، وما يحتاج أن نستعين في القبض عليه بأحدٍ لأنّه بمنزلة طائر في قفص.
وعملوا على معاجلته، فاتّفق أن سقط بُليق من الدابّة، فاعتلّ ولزم منزله، واتّفق ابنه علٌّيُّ وأبو عليّ بن مقلة وزيّنا لمؤنس خلع القاهر، هوّنا عليه الأمر، فأذن لهما، فاتّفق رأيهما على أن يُظهروا أنّ أبا طاهر القرمطيّ قد ورد الكوفة في خلق كثير، وأنّ عليَّ بن بُليق سائر إليه في الجيش ليمنعه عن بغداد، فإذا دخل على القاهر ليودّعه ويأخذ أمره فيما يفعل قبض عليه.
فلمّا اتّفقا على ذلك جلس ابن مقلة، وعنده الناس، فقال لأبي بكر ابن قرابة: أعلمتَ أنّ القُرمُطيَّ قد دخل الكوفة في ستّة آلاف مقاتل بالسلاح التامّ ؟ قال: لا ! قال ابن مقلة: قد وصلَنا كتب النوّاب بها بذلك؛ فقال ابن قرابة: هذا كذب ومُحال، فإنّ في جوارنا إنساناً من الكوفة، وقد أتاه اليوم كتاب على جَناح طائر تاريخه اليوم يخبر فيه بسلامته، فقال له ابن مقلة: سبحان الله، أنتم أعرف منّا بالأخبار ؟ فسكت ابن قرابة، وكتب ابن مقلة إلى الخليفة يعرّفه ذلك، ويقول له: إنّي قد جهّزت جيشاً مع عليّ بن بُليق ليسير يومنا هذا، والعصرَ يحضر إلى الخدمة ليأمره مولانا بما يراه، فكتب القاهر في جوابه يشكره، ويأذن له في حضور ابن بُليق، فجاءت رقعة القاهر وابن مقلة نائم، فتركوها ولم يوصلوها إليه، فلمّا استيقظ عاد وكتب رقعة أخرى في المعنى، فأنكر القاهر الحال، حيث قد كتب جوابه، وخاف أن يكون هناك مكرٌ.
وهو في هذا إذ وصلت رقعة طريق السبكريّ يذكر أنّ عنده نصيحة، وأنّه قد حضر في زيّ إمرأة لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما قد عزموا عليه، وما فعلوه من التدبير ليقبض ابن بليق عليه إذا اجتمع به، وأنّهم قد بايعوا أبا أحمد بن المكتفي، فلمّا سمع القاهر ذلك أخذ حذره، وأنفذ إلى الساجيّة فأحضرهم متفرّقين، وكمّنهم في الدهاليز، والممرّات، والرواقات، وحضر عليُّ بن بُليق بعد العصر، وفي رأسه نبيذ، ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف، في طيارة، وأمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة، وصعد من الطيارة، وطلب الإذن، فلم يأذن له القاهر، فغضب وأساء أدبه، وقال: لا بدّ من لقائه شاء أو أبى.
وكان القاهر قد أحضر الساجيّة، كما ذكرنا، وهم عنده في الدار، فأمرهم القاهر بردّه، فخرجوا إليه وشتموه وشتموا أباه، وشهروا سلاحهم وتقدّموا إليه جميعهم ففرّ أصحابه عنه، وألقى نفسه في الطيارة وعبر إلى الجانب الغربيّ واختفى من ساعته، فبلغ ابن مقلة الخبر، فاستتر واستتر الحسن بن هارون أيضاً.

فلمّا سمع طريق الخبر ركب في أصحابه، وعليهم السلاح، وحضروا دار الخليفة، ووقف القاهر، فعظم الأمر حينئذٍ على ابن بُليق وجماعتهم، وأنكر بُليق ما جرى على ابنه، وسبّ الساجيّة، وقال: لا بدّ من المضي إلى دار الخليفة، فإن كان الساجيّة فعلوا هذا بغير تقدُّم قابلتُهم بما يستحقّونه، وإن كان بتقدم سألته عن سبب ذلك.
فحضر دار الخليفة ومعه جميع القوّاد الذين بدار مؤنس، فلم يوصله القاهر إليه، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وأمر بالقبض على أحمد بن زيرك، صاحب الشُّرطة، وحصل الجيش كلّهم في الدار، فأنقذ القاهر وطيّب نفوسهم، ووعدهم الزيادة، وأنّه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثمّ يطلقهم ويحسن إليهم، فعادوا، وراسل القاهر مؤنساً يسأله الحضور عنده ليعرض عليه ما رفع عليهم ليفعل ما يراه، وقال: إنّه عندي بمنزلة الوالد، وما أُحبُّ أن أعمل شيئاً إلاّ عن رأيه؛ فاعتذر مؤنس عن الحركة، ونهاه أصحابه عن الحضور عنده.
فلمّا كان الغد أحضر القاهر طريفاً السبكريَّ وناوله خاتمه وقال له: قد فوّضتُ إلى ولدي عبد الصمد ما كان المقتدر فوّضه إلى ابنه محمّد، وقلّدتُك خلافته، ورئاسة الجيش، وإمارة الأمراء، وبيوت الأموال، كما كان ذلك إلى مؤنس، ويجب أن تمضي إليه وتحمله إلى الدار، فإنّه ما دام في منزله يجتمع إليه من يريد الشرّ ولا نأمن تولُّد شغل، فيكون ها هنا مرفهاً، ومعه من أصحابه من يخدمه على عادته.
فمضى إلى دار مؤنس، وعنده أصحابه في السلاح، وهو قد استولى عليه الكبر والضعف، فسأله أصحاب مؤنس عن الحال، فذكر سوء صنيع بُليق وابنه، فكلّهم سبّهما، وعرّفهم ما أخذ لهم من الأمان والعهود، فسكتوا، ودخل إلى مؤنس وأشار عليه بالحضور عند القاهر، وحمله عليه، وقال له: إنّ تأخّرت طمع، ولو رآك نائماً ما تجاسر أن يوقظك؛ وكان موافقاً على مؤنس وأصحابه لما نذكره، فسار مؤنس إليه، فلمّا دخل الدار قبض القاهر عليه وحبسه ولم يره.
قال طريف: لّما أعلمتُ القاهر بمجيء مؤنس ارتعد، وتغيّرتْ أحواله، وزحف من صدر فراشه، فخفتُه أن أكلّمه في معناه، وعلمتُ أنّني قد أخطأتُ، وندمتُ، وتيقّنتُ أنّني لاحق بالقوم عن قريب، وذكرتُ قول مؤنس فيه إنّه يعرفه بالهوج، والشرّ، ولإقدام، والجهل؛ وكان أمر الله مقدوراً؛ وكانت وزارة ابن مقلة هذه تسعة أشهر وثلاثة أيّام.
واستوزر القاهر أبا جعفر محمّد بن القاسم بن عبيدالله، مستهلّ شعبان، وخلع عليه، وأنفذ القاهر وختم على دور مؤنس، وبُليق وابنه عليّ، وابن مقلة، وأحمد بن زيرك، والحسن بن هارون، ونقل دوابّهم، ووكّل بحرمهم، وأنفذ فاستقدم عيسى المتطّبب من الموصل، وأمر بنقل ما في دار ابن مقلة وإحراقها، فنُهبت وأُحرقت، ونُهبت دور المتعلّقين بهم، وظهر محمّد ابن ياقوت وقام بالحجبة، ثمّ رأى كراهية طريق السبكريّ والساجيّة له، فاختفى وهرب إلى أبيه بفارس، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب، وقلّده كور الأهواز.
وكان السبب في ميل طريف السبكريّ، والساجيّة، والحجريّة، إلى القاهر، ومواطأتهم على مؤنس وبُليق وابنه ما نذكره، وهو أن طريفاً كان قد أخذ قوّاد مؤنس وأعلاهم منزلة، وكان بُليق وابنه ممّن يقبّل يده ويخدمه، فلمّا استخلف القاهر بالله تقدّم بُليق وابنه، وحكما في الدولة كما ذكرناه، وأهمل ابن بُليق جانب طريف، وقصده وعطله من أكثر أعماله؛ فلمّا طالت عُطلته استحيا منه بُليق، وخاف جانبه، فعزم على استعماله على ديار مصر ليقضي حقّه، ويبعده، ومعه أعيان رفقائه ليأمنهم، وقال ذلك للوزير أبي عليّ بن مقلة، فرآه صواباً، فاعتذر بُليق إلى طريق لسبب عُطلته، وأعلمه بحديث مصر، فشكره، وشكر الوزير أيضاً، فمنع عليَّ بن بُليق من إتمامه، وتولّيى هو العمل، وأرسل إليه من يخلفه فيه، فصار طريف عدوّاً يتربّص بهم الدوائر.
وأمّا الساجيّة فإنّهم كانوا عُدّة مؤنس وعضده، وساروا معه إلى الموصل، وعادوا معه إلى قتال المقتدر، ووعدهم مؤنس المظفَّر بالزيادة؛ فلمّا قُتل المقتدر لم يروا لميعاده وفاء، ثناه عنه ابن بُليق، وطرّحهم ابن بُليق أيضاً، وأعرض عنهم.

وكان من جملتهم خادم أسود اسمه صندل، وكان من أعيانهم، وكان له خادم اسمه مؤتَمَن، فباعه، فاتّصل بالقاهر قبل خلافته، فلمّا استخلف قدّمه وجعله لرسائله، فلمّا بُلي القاهر بابن بُليق وسوء معاملته كان كالغريق يتمسّك بكلّ شيء، وكان خبيراً بالدهاء والمكر، فأمر مؤتمناً أن يقصد صَندلاً الساجيَّ الذي باعه، ويشكو من القاهر، فإن رأى منه ردّاً لما يقوله أعلمه بحال القاهر وما يقاسي من ابن بُليق وابنه، وإن رأى منه خلاف ذلك سكت، فجاء إليه وفعل ما أمره.
فلمّا شكا قال له صندل: وفي أيّ شيء هو الخليفة حتّى يعطيك، ويوسّع عليك ؟ إن فرّج الله عنه من هذا المفسد احتجتُ أنا وغيري إليك، ولله عليّ صوم وصدقة أن ملك الخليفة أمره، واستراح، وأراحنا من هذا الملعون؛ فأعاد المؤتمن الحديث على القاهر، فأرسل على يده هدية جميلة من طيب وغيره، إلى زوجة صندل، وقال له: تحمله إليها، وزوجها غائب عنها، وتقول لها: إنّ الخليفة قسم فينا شيئاً، وهذا من نصيبي أهديتُه إليكم، ففعل هذا، فقبلته، ثمّ عاد إليها من الغد وقال: أيّ شيء قال صندل لّما رأى انبساطي عليكم ؟ فقالت: اجتمع هو وفلان وفلان، وذكرتْ ستّة نفر من أعيانهم، ورأوا ما أهديتَ إلينا فاستعملوا منه ودعوا للخليفة.
فبينما هو عندها إذ حضر زوجها، فشكر مؤتمناً، وسأله عن أحوال الخليفة، فأثنى عليه، ووصفه بالكرم، وحُسن الأخلاق، وصلابته في الدين، فقال صندل إنّ ابن بليق نسبَه إلى قلّة الدين، ويرميه بأشياء قبيحة، فحلف مؤتمن على بُطلان ذلكن وأن جميعه كذبٌ.
ثمّ أمر القاهر مؤتّمناً أن يقصد زوجة صندل، ويستدعيها إلى قهرمانة القاهر، فتحضر متنكرة على أنّها قابلة يأنس بها مَن عند القاهر، لّما كانوا بدار ابن طاهر، وقد حضرت لحاجة بعض أهل الدار إليها، ففعلت ذلك، ودخلت الدار وباتت عندهم، فحملها القاهر رسالة إلى زوجها ورفقائه، وكتب إليهم رقعة بخطّة يعدهم بالزيادة في الإقطاع والجاري، وأعطاها لنفسها مالاً، فعادت إلى زوجها وأخبرته بما كان جميعه، فوصل الخبر إلى ابن بُليق أنّ امرأة من دار ابن طاهر دخلت إلى دار الخليفة، فلهذا منع ابن بُليق من دخول امرأة حتّى تُبصَر وتُعرف.
وكان للساجيّة قائد كبير اسمه سيما، وكلّهم يرجعون إلى قوله، فاتّفق صندل ومَن معه على إعلام سيما بذلك إذ لا بدّ لهم منه، وأعلموه برسالة القاهر إليهم، فقال: هذا صواب، والعاقبة فيه جميلة، ولكن لا بدّ من أن يُدخلوا في الأمر بعض هؤلاء القوم، يعني أصحاب بُليق ومؤنس، وليكن من أكابرهم، فاتّفقوا على طريق السبكريّ، وقالوا: هو أيضاً متسخّط؛ فحضروا عنده وشكوا إليه ما هم فيه، وقالوا: لو كان الأستاذ، يعنون مؤنساً، يملك أمره لبلغنا مرادنا، ولكن قد عجز وضعف، واستبدّ عليه ابن بُليق بالأمور؛ فوجدوا عنده من كراهتهم أضعاف ما أرادوا، فأعلموه حينئذ حالهم، فأجابهم إلى موافقتهم، واستحلفهم أنّه لا يلحق مؤنساً وبُليقاً وابنه مكروه وأذى في أنفسهم وأبدانهم وأموالهم، وإنّما يلزم بُليق وابنه بيوتهم، ويكون مؤنس على مرتبته لا يتغيّر، فحلفوا على ذلك، وحلف لهم على الموافقة، وطلب خطّ القاهر بما طلب، فأرسلوا إلى القاهر بما كان، فكتب إليهم بما أرادوا، وزاد بأن قال: إنّه يصلّي بالناس، ويخطب أيّام الجمع، ويحجّ بهم، ويغزو معهم، ويقعد للناس، ويكشف مظالمهم إلى غير ذلك من حُسن السيرة.
ثم إنّ طريفاً اجتمع بجماعة من رؤساء الحجريّة، وكان ابن بُليق قد أبعدهم عن الدار وأقام بها أصحابه، فهم حنقون عليه، فلمّا أعلمهم طريف الأمر أجابوه إليه، فظهر شيء من هذا الحديث إلى ابن مقلة وابن بليق، ولم يعلموا تفصيله، فاتّفقوا على أن يقبضوا على جماعة من قوّاد الساجيّة والحجريّة، فلم يقدموا عليهم خوف الفتنة.

وكان القاهر قد أظهر مرضاً من دماميل وغيرها، فاحتجب عن الناس خوفاً منهم، فلم يكن يراه أحدٌ إلاّ خواصّ خدمه من الأوقات النادرة، فتعذّر على ابن مقلة وابن بليق الاجتماع به ليبلغوا منه ما يريدون، فوضعا ما ذكرناه من أخبار القرامطة ليظهروا لهم ويفعلوا به ما أرادوا؛ ولّما قبض القاهر على مؤنس وجماعته استعمل القاهرّ على الحجَبة سلامة الطولونيَّ، وعلى الشُّرطة أبا العبّاس أحمد بن خاقن، واستوزر أبا جعفر محمّد بن القاسم ابن عبيدالله، وأمر بالنداء على المستترين، وأباحة مال من أخفاهم وهدْم داره، وجدّ في طلب أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبنى عليه حائطاً وهو حيّ فمات، وظفر بعليّ بن بليق فقتله.
ذكر قتل مؤنس وبُليق
وولده عليّ والنوبختيّ
وفيها، في شعبان، قتل القاهر مؤنساً المظفَّر، وبُليقاً، وعليَّ بن بُليق.
وكان سبب قتلهم أنّ أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، وأحرقوا روشَن دار الوزير أبي جعفر، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا: لا نرضى إلاّ بإطلاق مؤنس.
وكان القاهر قد ظفر بعليّ بن بليق، وأفرد كلّ واحد منهم في منزل، فلمّا شغب الجند دخل القاهر إلى عليّ بن بليق، فأمر به فذُبح واحتُزّ رأسه، فوضعوه في طشت، ثم مضى القاهر والطشت يُحمَل بين يديه حتّى دخل على بليق فوضع الطشت بين يديه، وفيه رأسه ابنه، فلمّا رآه بكى، وأخذه يقبّله ويترشفه، فأمر به القاهر فذُبح أيضاً، وجُعل رأسه في طشت، وحُمل بين يدي القاهر، ومضى حتّى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه، فلمّا رأى الرأسَيْن تشهَّد واسترجع، ولعن قاتلهما؛ فقال القاهر: جُرّوا برجل الكلب الملعون ! فجرّوه وذبحوه وجعلوا رأسه في طشت، وأمر فطيفَ بالرؤوس في جانبَيْ بغداد، ونودي عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ويسعى في فساد دولته؛ ثم أُعيدت ونُظِّفت وجُعلت في خزانة الرؤوس، كما جرت العادة.
وقيل إنّه قتل يُليقاً وابنه مستخفٍ، ثمّ ظفر بابنه بعد ذلك، فأمر به فضُرب، فأقبل ابن بُليق على القاهر، وسبّه أقبح سبّ، وأعظم شتم، فأمر به القاهر فقُتل، وطيف برأسه في جانبَيْ بغداد، ثمّ أرسل إلى ابن يعقوب النّوبختيّ، وهو في مجلس وزيره محمّد بن القاسم، فأخذه وحبسه؛ ورأى الناس من شدّة القاهر ما علموا معه أنّهم لا يسلمون من يده، وندم كلّ من أعانه من سُبُك، والساجيّة، والحجريّة، حيث لم ينفعهم الندم.
ذكر وزارة محمّد بن القاسم للخليفة
وعزله ووزارة الخصيبيّ
لّما قبض القاهر بالله على مؤنس وبُليق وابنه سأل عمّن يصلح للوزارة، فدُل على أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيدالله، فاستوزره، فبقي وزيراً إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة، فأرسل القاهر فقبض عليه، وعلى أولاده، وعلى أخيه عبيدالله، وحُرَمه، وكان مريضاً بقُولَنْج، فبقي محبوساً ثمانية عشر يوماً، ومات، فحُمل إلى منزله، وأطلق أولاده، واستوزر أبا العبّاس أحمد بن عبيدالله بن سليمان الخصيبيّ، وكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر واثني عشر يوماً.
ذكر القبض على طريف السبكريّ
لّما تمكّن القاهر، وقبض على مؤنس وأصحابه، وقتلهم، ولم يقف على اليمين والأمان اللذين كتبهما لطريف، وكان القاهر يُسمع طريفاً ما يكره، ويستخفّ به، ويعرض له بالأذى، فلمّا رأى ذلك خافه، وتيقّن القبض عليه والقتل، فوصَّى وفرغ من جميع ما يريده.
واشتغل القاهر عنه بقبض مَن قبض عليه من وزير وغيره، ثم أحضره بعد أن قبض على وزيره أبي جعفر، فقبض عليه، فتيقّن القتل أُسوةً بمن قتل من أصحابه ورفقائه، فبقي محبوساً يتوقّع القتل صباحاً ومساء إلى أن خُلع القاهر.
ذكر أخبار خُراسان
في هذه السنة سار مرداويج من الرَّيّ إلى جُرجان، وبها أبو بكر محمّد ابن المظفَّر مريضاً، فلمّا قصده مرداويج عاد إلى نَيسابور، وكان السعيد نصر بن أحمد بنَيسابور، فلمّا بلغها محمّد بن المظفّر سار السعيد نحو جُرجان، وكاتب محمّدُ بن عبيدالله البلغميُّ مطرفَ بن محمّد وزير مرداويج، واستماله، فمال إليه، فانتهى الخبر بذلك إلى مرداويج، فقبض على مطرف وقتله.

وأرسل محمّدُ بن عبيدالله البلغميُّ إلى مرداويج يقول له: أنا أعلم أنّك لا تستحسن كفر ما يفعله معك الأمير السعيد، وأنّك أنّما حملك على قصد جُرجان وزيرك مطرفٌ ليرى أهلُها محلّه منك، كما فعله أحمد بن أبي ربيعة كاتب عمرو بن الليث، حمل عَمراً على قصد بلْخْ ليشاهد أهلها منزلته من عمرو، فكان منه ما بلغك، وأنا لا أرى لك مناصبة ملكٍ يطيف به مائة ألف رجل من غلمانه ومواليه وموالي أبيه، والصواب أنّك تترك جُرجان له، وتبذل عن الريّ مالاً تصالحه عليه؛ ففعل مرداويج ذلك، وعاد من جُرجان، وبذل عن الريّ مالاً، وعاد إليها، وصالحه السعيد عليها.
ذكر ولاية محمّد بن المظفَّر على خُراسان
ولّما فرغ السعيد من أمر جُرجان، وأحكمه، استعمل أبا بكر محمّد ابن المظفَّر بن محتاج على جيوش خراسان، وردّ إليه تدبير الأمور بنواحي خراسان جميعها، وعاد إلى بخارى مقرّ عزّه، وكرسيّ ملكه.
وكان سبب تقدُّم محمّد بن المظفَّر أنّه كان يوماً عند السعيد، وهو يحادثه في بعض مهمّاته خالياً، فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدّة لسعات، فلم يتحرّك، ولم يظهر عليه أثر ذلك، فلمّا فرغ من حديثه، وعاد محمّد إلى منزله، نزع خفّه فرأى العقرب فأخذها.
فانتهى خبر ذلك إلى السعيد، فأُعجب به وقال: ما عجبتُ إلاّ من فراغ بالك لتدبير ما قلتُه لك، فهلاّ قمتَ وأزلتَها ! فقال: ما كنت لأقطعَ حديث الأمير بسبب عقرب، وإذا لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب فكيف أصبر، وأنا بعيد منك، على حدّ سيوف أعداء دولتك إذا دفعتهم عن مملكتك ؟ فعظم محلّه عنده، وأعطاه مائتَيْ ألف درهم.
ذكر ابتداء دولة بني بُوَيْه
وهم عماد الدولة أبو الحسن عليّ، وركن الدولة أبو عليّ الحسن، ومعزّ الدولة أبو الحسن أحمد، أولاد أبي شجاع بُوَيه بن فنّاخَسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شير كنده بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه ابن شيرويه بن سشتان شاه بن سيس فيروز بن شيروزيل بن سنباد ابن بهرام جول الملك ابن يزدجرد الملك ابن هُرمُز الملك ابن شابور الملك ابن شابور ذي الأكتاف، وباقي النسب قد تقدّم في أوّل الكتاب عند ذكر ملوك الفرس؛ هكذا ساق نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا، رحمه الله.
وأمّا ابن مِسكويه فإنه قال إنّهم يزعمون أنّهم من ولد يزدجُرد بن شَهريَار، آخر ملوك الفرس، إلاّ أنّ النفس أكثر ثقة بنقل ابن ماكولا لأنّه الإمام العالم بهذه الأمور، وهذا نسب عريق في الفرس، ولا شكّ أنّهم نُسبوا إلى الديلم حيث طال مقامهم ببلادهم.
وأمّا ابتداء أمرهم، فإنّ والدهم أبا شجاع بُوَيه كان متوسّط الحال، فماتت زوجته وخلّفت له ثلاثة بنين، وقد تقدّم ذكرهم، فلمّا ماتت اشتدّ حزنه عليها، فحكى شهريار بن رستم الديلميّ قال: كنتُ صديقاً لأبي شجاع بويه، فدخلتُ إليه يوماً فعذلتُه على كثرة حزنه، وقلتُ له: أنت رجل يحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وربّما مات أحدهم، فيجدّد ذلك من الأحزان ما ينسيك المرأة؛ وسلّيتُه بجهدي، وأخذتُه ففرّجته، وأدخلتُه ومعه أولاده إلى منزلي ليأكلوا طعاماً، وشغلتُه عن حزنه.
فبينما هم كذلك اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: أنّه منجّم، ومعزّم، ومعبّر للمنَامات، ويكتب الرُّقى والطلّسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع وقال له: رأيتُ في منامي كأنّني أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة استطالت وعلت حتّى كادت تبلغ السماء، ثم انفجرت فصارت ثلاث شعب، وتولّد من تلك الشعب عدّة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران.
فقال المنجّم: هذا مَنام عظيم لا أفسّره إلاّ بخلعة، وفرس، ومركب؛ فقال أبو شجاع: والله ما أملك إلاّ الثياب التي على جسدي، فإن أخذتَها بقيتُ عرياناً؛ قال المنجّم: بعشرة دنانير؛ قال: والله ما أملك ديناراً فكيف عشرة ! فأعطاه شيئاً، فقال المنجّم: اعلم أنّه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومَن عليها، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيتَ من تلك الشعب.
فقال أبو شجاع: أما تستحي تسخر منّا ؟ أنا رجل فقير وأولادي هؤلاء فقراء مساكين كيف يصيرون ملوكاً ؟ ؟

فقال المنجّم: أخبرني بوقت ميلادهم؛ فأخبره، فجعل يحسب، ثم قبض على يد أبي الحسن عليّ فقبّلها وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا من بعده، وقبض على يد أخيه أبي عليّ الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع، وقال لأولاده: إصفعوا هذا الحكيم، فقد أفرط في السخرية بنا ! فصفعوه، وهو يستغيث، ونحن نضحك منه، ثم أمسكوا، فقال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتُكم وأنتم ملوك؛ فضحكنا منه وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم.
ثم خرج من بلاد الديلم جماعة تقدّم ذكرهم ليملك البلاد منهم ما كان بن كالي، وليلى بن النُّعمان، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج بن زيار، وخرج مع كلّ واحد منهم خلق كثير من الدَّيلم، وخرج أولاد أبي شجاع في جملة من خرج، وكانوا من جملة قوّاد ما كان بن كالي، فلمّا كان من أمر كان ما ذكرناه من الإتفاق ثم الإختلاف، بعد قتل أسفار، واستيلاء مرداويج على ما كان بيد ما كان من طَبَرِستان وجُرجان، وعود ما كان مرّة أخرى إلى جُرجان والدامغان، وعوده إلى نَيسابور مهزوماً.
فلمّا رأى أولاد بُويه ضعفه وعجزه قال له عماد الدولة وركن الدولة: نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلاً عليك وعيالاً، وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفّف عنك مؤونتنا، فإذا صلح أمرنا عُدنا إليك؛ فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة من قوّاده ما كان وتبعوهما، فلمّا صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابني بويه، وأكرمهما، وقلّد كلّد واحد من قوّاد ما كان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل، فأمّا عليُّ بن بويه فإنّه قلّده كَرَج.
ذكر سبب تقدُّم عليّ بن بويه
كان السبب في ارتفاع عليّ بن بويه من بينهم، بعد الأقدار، أنّه كان سَمحاً، حليماً، شجاعاً، فلمّا قلّده مرداويج كَرَج، وقلّد جماعة القوّاد المستأمنة معه الأعمال، وكتب لهم العهود، ساروا إلى الريّ، وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج، ومعه الحسين بن محمّد الملقّب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الذي وزر لركن الدولة بن بويه، وكان العميد يومئذ وزير مرداويج.
وكان مع عماد الدولة بغلة شهباء من أحسن ما يكون، فعرضها للبيع، فبلغ ثمنها مائتَيْ دينار، فعُرضت على العميد فأخذها وأنفذ ثمنها، فلمّا حمل الثمن إلى عماد الدولة أخذ منه عشرة دنانير وردّ الباقي، وجعل معه هدية جميلة.
ثم أنّ مرداويج ندم على ما فعل من تولية أولئك القوّاد البلاد، فكتب إلى أخيه وشمكر وإلى العميد يأمرهما بمنعهم من المسير إلى أعمالهم، وأن كان بعضهم قد خرج فيردّ.
وكانت الكتب تصل إلى العميد قبل وشمكير، فيقراها ثمّ يعرضها على وشمكير، فلمّا وقف العميد على هذا الكتاب أنفذَ إلى عماد الدولة يأمره بالمسير من ساعته إلى عمله، ويطوي المنازل، فسار من وقته، وكان المغرب، وأمّا العميد فلمّا أصبح عرض الكتاب على وشمكير، فمنع سائر القوّاد من الخروج من الريّ، واستعاد التوقيعات التي معهم بالبلاد، وأراد وشمكير أن يُنفذ خلف عماد الدولة من يردّه، فقال العميد: إنّه لا يرجع طوعاً، وربّما قاتل من يقصده وخرج عن طاعتنا؛ فتركه.
وسار عماد الدولة إلى كَرَج، وأحسن إلى الناس، ولطف بعمّال البلاد، فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه، ويصفون ضبطه البلد، وسياسته، وافتتح قِلاعاً كانت للخُرّميّة، وظفر منها بذخائر كثيرة صرفها جميعها إلى استمالة الرجال، والصلات، والهبات، فشاع ذكره، وقصده الناس وأحبّوه.
وكان مرداويج ذلك الوقت بَطَبرِستان، فلمّا عاد إلى الريّ أطلق مالاً لجماعة من قوّاده على كَرَج، فاستمالهم عماد الدولة، ووصلهم، وأحسن إليهم، حتّى مالوا إليه، وأحبّوا طاعته.

وبلغ ذلك مرداويج، فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القوّاد إلى الكرج، فكتب إلى عماد الدولة وأولئك يستدعيهم إليه، وتلطّف بهم، فدافعه عماد الدولة، واشتغل بأخذ العهود عليهم، وخوّفهم من سطوة مرداويج، فأجابوه جميعهم، فجبى مال كرَج، واستأمن إليه شيرزاد، وهو من أعيان قوّاد الدَّيلم، فقويت نفسه بذلك، وسار بهم عن كرج إلى أصبهان، وبها المظفَّر ابن ياقوت، في نحو من عشرة آلاف مقاتل، وعلى خراجها أبو عليّ بن رستم، فأرسل عماد الدولة إليهما يستعطفهما، ويستأذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، ليمضي إلى الحضرة ببغداد، فلم يجيباه إلى ذلك، وكان أبو عليّ أشدّهما كراهة، فاتّفق للسعادة أنّ أبا عليّ مات في تلك الأيّام، وبرز ابن ياقوت عن أصبهان ثلاثة فراسخ، وكان في أصحابه جيل وديلم مقدار ستمائة رجل، فاستأمنوا إلى عماد الدولة لما بلغهم من كرمه، فضعف قلب ابن ياقوت، وقوي جنان عماد الدولة، فواقعه، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن ياقوت، واستولى عماد الدولة على أصبهان، وعظم في عيون الناس لأنّه كان في تسعمائة رجل هزم بهم ما يقارب عشرة آلاف رجل، وبلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه، وخاف على ما بيده من البلاد واغتم لذلك غمّاً شديداً.
ذكر استيلاء ابن بُوَيْه على أرّجان
وغيرها وملك مرداويج أصبهانلّما سار الرسول جهّز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبس ابن بويه، وهو مطمئن إلى الرسالة التي تقدّمت، فعلم ابن بويه بذلك، فرحل عن أصبهان بعد أن جباها شهرَيْن، توجّه إلى أرّجان، وبها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم أبو بكر من غير قتال، وقصد رامهرمُز، واستولى ابن بويه على أرّجان في ذي الحجّة؛ ولّما سار عن أصبهان دخلها وشمكير وعسكر أخيه مرداويج وملكوها، فلّما سمع القاهر أرسل إلى مرداويج قبل خلعه ليمنع أخاه عن أصبهان ويسلّمها إلى محمّد بن ياقوت، ففعل ذلك ووليها محمّد.
وأمّا ابن بويه فإنّه لّما ملك أرّجان استخرج منها أموالاً فقوي بها، ووردت عليه كتب أبي طالب زيد بن عليّ النوبندجانيّ يستدعيه ويشير عليه بالمسير إلى شِيراز، ويهوّن عليه أمر ياقوت وأصحابه، ويعرّفه تهوره، واشتغاله بجباية الأموال، وكثرة مؤونته ومؤونة أصحابه، وثقل وطأتهم على الناس، مع فشلهم وجُبنهم، فخاف ابن بويه أن يقصد ياقوتاً مع كثرة عساكره وأمواله، ويحصل بين ياقوت وولده، فلم يقبل مشورته، ولم يبرح من مكانه، فعاد أبو طالب وكتب إليه يشجّعه، ويعلمه أنّ مرداويج قد كتب إلى ياقوت يطلب مصالحته، فإنّ تمّ ذلك اجتمعا على محاربته، ولم يكن له بهما طاقة، ويقول له إنّ الرأي لمن كان في مثل حاله أن يعاجل مَن بين يديه، ولا ينتظر بهم الاجتماع والكثرة وأن يحدقوا به من كلّ جانب، فإنّه إذا هزم مَن بين يديه خافه الباقون ولم يقدموا عليه.
ولم يزل أبو طالب يراسله إلى أن سار نحو النُّوبَندجان في ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 1:54 am

ثمّ صار يذمّهم في مجلسه، ويُظهر كراهتهم، حتّى تبيّنوا ذلك في وجهه وحركاته معهم، فأظهروا أنّ لبعض قوّادهم عرساً، فاجتمعوا بحجّته، وقرّروا بينهم ما أرادوا، وافترقوا، وأرسلوا إلى سابور خادم والدة لمقتدر، فقالوا له: قد علمتَ ما فعله بمولاتك، وقد ركبتَ في موافقته كلّ عظيم، فإنّ وافقتنا على ما نحن عليه، وتقدّمتَ إلى الخدم بحفظه، فعفا الله عمّا سلف منك، وإلاّ فنحن نبدأ بك؛ فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنّه موافقهم، وكان ابن مقلة مع هذا يصنع عليه ويسعى فيه إلى أن خُلع، كما ذكرنا، وكانت خلافته سنة واحدة وستّة أشهر وثمانية أيّام
ذكر خلافة الراضي باللههو أبو العبّاس أحمد بن المقتدر بالله، ولّما قُبض القاهر سألوا الخدم عن المكان الذي فيه أبو العبّاس بن المقتدر، فدلّوهم عليه، وكان هو ووالدته محبوسين، فقصدوه، وفتحوا عليه ودخلوا فسلّموا عليه بالخلافة، وأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الأولى، ولقبوه بالراضي بالله، وبايعه القوّاد والناس، وأمر بإحضار عليّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وصدر عن رأيهما فيما يفعله، واستشارهما وأراد عليَّ بن عيسى على الوزارة، فامتنع لكبره، وعجزه، وضعفه، وأشار بابن مقلة.
ثم إنّ سيما قال للراضي: إنّ الوقت لا يحتمل أخلاق عليّ، وابن مقلة أليق بالوقت؛ فكتب له أماناً وأحضره واستوزره، فلمّا وزر أحسن إلى كلّ مَن أساء إليه، وأحسن سيرته، وقال: عاهدت الله عند استتاري بذلك؛ فوفى به، وأحضر الشهود والقضاة وأرسلهم إلى القاهر ليشهدوا عليه بالخلع، فلم يفعل، فسُمل، من ليلته، فبقي أعمى لا يبصر.
وأرسل ابن مقلة إلى الخصيبيّ وعيسى المتطبب بالأمان فظهرا وأحسن إليهما واستعمل الخصيبيَّ وولاّه؛ واستعمل الراضي بالله على الشُّرطة بدراً الخَرشَنيَّ، واستعمل ابنُ مقلة أبا الفضل بن جعفر بن الفرات، في جمادى الأولى، نائباً عنه على سائر العمّال بالموصل، وقَرْدَى، وبازَبْدي، وماردين، وطور عَبدين، وديار الجزيرة، وديار بكر، وطريق الفرات، والثغور الجزريّة والشاميّة، وأجناد الشام، وديار مصر، يصرف من يرى، ويستعمل مَن يرى في الخراج، والمعاون، والنفقات، والبريد وغير ذلك.
وأرسل إلى محمّد بن رائق يستدعيه ليولّيه الحجبة، وكان قد استولى على الأهواز وأعمالها، ودفع عنها ابن ياقوت، ولم يبق بيد ابن ياقوت من تلك الولاية إلاّ السُّوس، وجُندَيسابور، وهو يريد المسير إلى أصبهان أميراً عليها، على ما ذكرناه، وكان ذلك آخر أيّام القاهر، فلمّا وليَ الراضي، واستحضره، سار إلى واسط، وأرسل محمّد بن ياقوت يخطب الحجبة، فأُجيب إليها فسار في أثر ابن رائق؛ وبلغ ابن رائق الخبر، فلم يقف، وسار من واسط مصعداً إلى بغداد يسابق ابن ياقوت، فلمّا وصل إلى المدائن لقيه توقيع الراضي يأمره بترك دخول بغداد، وتقليده الحرب، والمعاون بواسط، مضافاً إلى ما بيده من البصرة وغيرها، فعاد منحدراً في دجلة، ولقيه ابن ياقوت مصعداً فيها أيضاً، فسلّم بعضهم على بعض، وأصعد ابن ياقوت إلى بغداد فتولّى الحجبة على ما نذكره.
ذكر وفاة المهديّ صاحب إفريقية
وولاية ولده القائمفي هذه السنة، في شهر ربيع الأوّل، توفّي المهديُّ أبو محمّد عبيدالله العلويُّ بالمهديّة، واخفى ولده أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، وكان يخاف أن يختلف الناس عليه إذا علموا بموته، وكان عمر المهديّ لّما توفّي ثلاثاً وستّين سنة، وكانت ولايته منذ دخل رقّاده ودُعي له بالإمامة إلى أن توفّي أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً.
ولّما توفّي ملك بعده ابنه أبو القاسم محمّد، وكان أبوه قد عهد إليه، ولّما أظهر وفاة والده كان قد تمكّن وفرغ من جميع ما أراده، واتَّبع سُنّة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكّن منهم؛ وكان من أشدّهم رجل يقال له ابن طالوت القرشيُّ، في ناحية طرابلس، ويزعم أنّه ولد المهديّ، فقاموا معه، وزحف إلى مدينة طرابلس، فقاتله أهلها، ثم تبينّ للبربر كذبه، فقتلوه وحملوا رأسه إلى القائم.

وجهّز القائم أيضاً جيشاً كثيفاً مع ميسور الفتى إلى المغرب، فانتهى إلى فاس، وإلى تَكرور، وهزم خارجيّاً هناك، وأخذ ولده أسيراً، وسيّر أيضاً جيشاً في البحر وقدّم عليهم رجلاً اسمه يعقوب بن إسحاق إلى بلد الروم، فسبى، وغنم في بلد جَنَوة؛ وسيّر جيشاً آخر مع خادمه زيدان، وبالغ في النفقة عليهم وتجهيزهم، إلى مصر، فدخلوا الإسكندريّة، فأخرج إليهم محمّد الإخشيد عسكراً كثيفاً، فقاتلهم، وهزموا المغاربة، وقتلوا فيهم، وأسروا، وعاد المغاربة مفلولين.
ذكر استيلاء مرداويج على الأهوازلما بلغ مَرداويجَ استيلاء عليّ بن بويه على فارس اشتدّ ذلك عليه، فسار إلى أصبهان للتدبير على ابن بويه، فرأى أن ينفذ عسكراً إلى الأهواز ليستولي عليها، ويسدّ الطريق على عماد الدولة بن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق إلى الخليفة، ويقصده هو من ناحية أصبهان، ويقصده عسكره من ناحية الأهواز، فلا يثبت لهم.
فسارت عساكر مرداويج في شهر رمضان، حتّى بلغت إيذَجَ، فخاف ياقوت أن يحصل بينهم وبين ابن بويه، فسار إلى الأهواز ومعه ابنه المظفَّر، وكتب إلى الراضي ليقلّده أعمال الأهواز، فقلّده ذلك، وصار أبو عبدالله ابن البريديّ كاتبه مضافاً إلى ما بيده من أعمال الخراج بالأهواز، وصار أخوه أبو الحسين يخالف ياقوتاً ببغداد.
ثم استولى عسكر مَرداويج على رامهرمز، أوّل شوّال من هذه السنة، وساروا نحو الأهواز، فوقف لهم ياقوت على قنطرة أرْبَقَ، فلم يمكنهم من العبور لشدة جرية الماء، فأقاموا بإزائه أربعين يوماً، ثم رحلوا فعبروا على الأطواف نهر المسرُقان، فبلغ الخبر إلى ياقوت، وقد أتاه مدد من بغداد قبل ذلك بيومَيْن، فسار بهم إلى قرية الرِّيخ، وسار منها إلى واسط، وبها حينئذ محمّد بن رائع، فأخلى له غربيَّ واسط، فنزل فيه ياقوت.
ولّما بلغ عمادَ الدولة استيلاءُ مرداويج على الأهواز كاتب نائب مرداويج يستميله، ويطلب منه أن يتوسّط الحال بينه وبين مرداويج، ففعل ذلك، وسعى فيه، فأجابه مرداويج إلى ذلك على أن يطيعه ويخطب له، فاستقرّ الحال بينهما، وأهدى له ابن بويه هدية جليلة، وأنفذ أخاه ركن الدولة رهينة، وخطب لمرداويج في بلاده، فرضي مرداويج منه، واتّفق أنّه قُتل على ما نذكره، فقوي أمر ابن بويه.
ذكر عود ياقوت إلى الأهوازولّما وصل ياقوت إلى واسط أقام بها إلى أن قُتل مرداويج، ومعه أبو عبد الله البريديُّ يكتب له، فلمّا قُتل مرداويج عاد ياقوت إلى الأهواز، واستولى على تلك الولاية، ولّما وصل ياقوت إلى عسكر مُكْرَم، بعد قتل مرداويج، كانت عساكر ابن بويه قد سبقته، فالتقوا بنواحي أرّجان، وكان ابن بويه قد لحق بأصحابه، واشتدّ قتالهم بين يديه، فانهزم ياقوت، ولم يفلح بعدها.
وراسل أبو عبدالله البريديُّ ابنَ بُوَيه في الصلح، فأجاب إلى ذلك، وكتب به إلى الراضي، فأجاب إلى ذلك، وقرّر بلاد فارس على ابن بُوَيه، واستقرّ بشِيراز، واستقرّ ياقوت بالأهواز ومعه ابن البريديّ.
وكان محمّد بن ياقوت قد سَار إلى بغداد وتولّى الحجبة، وخلع الراضي عليه، وتولّى مع الحجبة رئاسة الجيش، وأدخل يده في أمر الدواوين، وتقدّم إليهم بأن لا يقبلوا توقيعاً بولاية ولا عزْل وإطلاق إلاّ إذا كان خطّه عليه، وأمرهم بحضور مجلسه، فصبر أبو عليّ بن مقلة على ذلك، وألزم نفسه بالمصير إلى دار ابن ياقوت، في بعض الأوقات، وبقي كالمتعطّل.
ولقد كان في هذه الأيّام القليلة حوادث عظيمة منها: انصراف وشمكير أخي مرداويج عن أصبهان بكتاب القاهر، بعد أن ملكها، واستعمال القاهر محمّد بن ياقوت عليها، وخلع القاهر، وخلافة الراضي، وأمر الحجبة لمحمّد ابن رائق، ثم انفساخه، ومسير محمّد بن ياقوت من رامَهُرْمُز إلى بغداد، وولايته الحجبة، بعد أن كان سائراً إلى أصبهان ليتولاّها، وإعادة مرداويج أخاه وشمكير إليها؛ وملك عليُّ بن بويه أرّجان؛ هذا جميعه في هذه اللحظة القريبة في سبعين يوماً، فتبارك الله الذي بيده الملك والملكوت يُصرِّف الأمور كيف يشاء، لا أله إلاّ هو.
ذكر قتل هارون بن غريب

في هذه السنة قُتل هارون بن غريب، وكان سبب قتله أنّه كان، كما ذكرنا، قد استعمله القاهر على ماه الكوفة، وقصبتها الدِّينَور، وعلى ماسَبذان وغيرها، فلمّا خُلع القاهر واستُخلف الراضي رأى هارون أنّه أحقّ بالدولة من غيره لقرابته من الراضي، حيث هو ابن خال المقتدر، فكاتب القوّاد ببغداد يعدهم الإحسان والزيادة في الأرزاق، ثمّ سار من الدِّينَور إلى خانِقين، فعظم ذلك على ابن مقلة وابن ياقوت والحجريّة والساجيّة، واجتمعوا، وشكوه إلى الراضي، فأعلمهم أنّه كاره له، وأذن لهم في منعه، فراسلوه أوّلاً، وبذلوا له طريق خراسان زيادة على ما في يده، فلم يقنع به، وتقدّم إلى النَّهروان، وشرع في جباة الأموال، وظلم الناس، وعسفهم، وقويت شوكته.
فخرج إليه محمّد بن ياقوت في سائر جيوش بغداد، ونزل قريباً منه، ووقعت الطلائع بعضها على بعض، وهرب بعض أصحاب محمّد بن ياقوت إلى هارون، وراسله محمّد يستميله، ويبذل له، فلم يجب إلى ذلك، وال: لا بدّ من دخول بغداد.
فلمّا كان يوم الثلاثاء لست بقين من جمادى الآخرة تزاحف العسكران، واشتدّ القتال، واستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، فانهزم أكثر أصحاب ابن ياقوت ونُهب أكثر سوادهم، وكثر فيهم الجراح والقتل، فسار محمّد بن ياقوت حتّى قطع قنطرة نهر بين، فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفرداً عن أصحابه، طمعاً في قتل محمّد بن ياقوت، أو أسره، فتقنطر به فرسه، فسقط عنه في ساقية، فلحقه غلام له اسمه يمن، فضربه بالطَّبرِزين حتّى أثخنه، وكسّر عظامه، ثم نزل إليه فذبحه ثم رفع رأسه وكبّر، فانهزم أصحابه وتفرّقوا، ودخل بعضهم بغداد سرّاً، ونهب سواد هارون، وقتل جماعة من قوّاده وأسر جماعة.
وسار محمّد إلى موضع جثّة هارون، فأمر بحملها إلى مضربه، وأمر بغسله وتكفينه، ثم صلّى عليه ودفنه، وأنفذ إلى داره من بحفظها من النهب، ودخل بغداد ورأس هارون بين يديه ورؤوس جماعة من قوّاده، فنُصب ببغداد.
ذكر ظهور إنسان ادّعى النبوّة
في هذه السنة ظهر بباسِند، من أعمال الصغانيان، رجل ادّعى النبوة، فقصده فوج بعدَ فوج، واتّبعه خلق كثير، وحارب من خالفه، فقتل خلقاً كثيراً مّمن كذّبه، فكثر أتباعه من أهل الشاش خصوصاً.
وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده في حوض ملآن ماء، فيخرجها مملوءة دنانير، إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه، فأنفذ إليه أبو عليّ بن محمّد بن المظفَّر جيشاً، فحاربوه، وضيّقوا عليه، وهو فوق جبل عالٍ، حتّى قبضوا عليه وقتلوه وحملوا رأسه إلى أبي عليّ، وقتلوا خلقاً كثيراً مّمن اتّبعه وآمن به؛ وكان يدّعي أنّه متى مات عاد إلى الدنيا، فبقي بتلك الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه مدّة طويلة ثم اضمحلّوا وفنوا.
ذكر قتل الشَّلمغانيّ وحكاية مذهبه
وفي هذه السنة قُتل أبو جعفر محمّد بن عليّ الشَّلمغانيُّ المعروف بابن أبي القراقر، وشلْمَغانُ التي يُنسب إليها قرية بنواحي واسط.
وسبب ذلك أنّه قد أحدث مذهباً غالياً في التشيع، والتناسخ، وحلول الإلهيّة فيه، وإلى غير ذلك ممّا يحكيه، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين ابن رَوْح، الذي تسمّيه الإمامية الباب، متداول وزارة حامد بن العبّاس، ثم اتّصل أبو جعفر الشلمغانيُّ بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة حامد بن العبّاس، ثم اتّصل أبو جعفر الشلمغانيُّ بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة أبيه الثالثة، ثم إنّه طُلب في زارة الخاقانيّ، فاستتر وهرب إلى الموصل، فبقي سنين عند ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حَمدان في حياة أبيه عبدالله بن حَمدان، ثم انحدر إلى بغداد واستتر، وظهر عنه ببغداد أنّه يدّعي لنفسه الربوبيّة، وقيل أنّه اتّبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبدالله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر بالله، وأبو جعفر، وأبو عليّ ابنا بِسطام، وإبراهيم ابن محمّد بن أبي عون، وابن شبيب الزيّات، وأحمد بن محمّد بن عبدوس، كانوا يعتقدون ذلك فيه، وظهر ذلك عنهم، وطُلبوا أيّام وزارة ابن مقلة للمقتدر بالله، لم يوجدوا.

فلمّا كان في شوّال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر الشلمغانيُّ، فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه، وكبس داره فوجد فيها رقاعاً وكتباً مّمن يدّعي عليه أنّه على مذهبه، يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم بعضاً، وفيها خطّ الحسين بن القاسم، فعُرضت الخطوط فعرفها الناس، وعُرضت على الشلمغانيّ فأقرّ أنّها خطوطهم، وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام، وتبرّأ ممّا يقال فيه، وأُخذ ابن أبي عون، وابن عبدوس معه، وأُحضروا معه عند الخليفة، وأُمرا بصفعه فامتنعا، فلمّا أُكرها مدّ ابن عبدوس يده وصفعه، وأمّا ابن أبي عون فأنّه مدّ يده إلى لحيته ورأسه، فارتعدت يده، فقبّل لحية الشلمغانيّ ورأسه، ثم قال: ألهي، وسيدي، ورازقي؛ فقال له الراضي: قد زعمتَ أنّك لا تدّعي الإلهيّة، فما هذا ؟ فقال: وما عليّ من قول ابن أبي عون والله يعلم أنّني ما قُلتُ له أنّني إله قط ! فقال ابن عبدوس: إنّه لم يدّع الإلهيّة وإنّما ادّعى أنّه الباب إلى الإمام المنتظر، مكان ابن رَوْح، وكنتُ أظنّ أنّه يقول ذلك تقيّةٍ، ثم أُحضروا عدّة مرّات، ومعهم الفقهاء، والقضاة، والكتّاب، والقوّاد، وفي آخر الأيّام أفتى الفقهاء بإباحة دمه، فصُلب ابن الشلمغانيّ، وابن أبي عون، في ذي القعدة فأُحرقا بالنار.
وكان من مذهبه أنّه إله الآلهة يحقّ الحقّ، وأنّه الأوّل القديم، الظاهر، الباطن، الرازق، التامّ، المومأ إليه بكلّ معنى؛ وكان يقول: إنّ الله، سبحانه وتعالى، يحلّ في كلّ شيء على قدر ما يحتمل، وإنّه خلق الضدّ ليدلّ على لمضدود، فمن ذلك أنّه حلّ في آدم لّما خلقه، وفي إبليسه أيضاً، وكلاهما ضدّ لصاحبه لمضادته إيّاه في معناه، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحقّ، وإنّ الضدّ أقرب إلى الشيء من شبهه، وإنّ الله عز وجلّ، إذا حلّ في جسد ناسوتيّ ظهر من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو، وإنّه لّما غاب آدم ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتيّة، كلّما غاب منهم واحد ظهر مكانه آخر، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتيّة في إدريس وإبليسه، وتفرّقت بعدهما كما تفرّقت بعد آدم، واجتمعت في نوح، عليه السّلام، وإبليسه، وتفرّقت بعدهما كما تفرّقت بعد آدم، واجتمعت في نوح، عليه السّلام، وإبليسه، وتفرّقت عند غيبتهما، واجتمعت في هود وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في صالح، عليه السّلام، وإبليسه عاقر الناقة، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم، عليه السّلام، وإبليسه نمرود، وتفرّقت لّما غاب واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في سليمان وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، واجتمعت في عيسى وإبليسه، فلمّا غابا تفرّقت في تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت في عليّ ابن أبي طالب وإبليسه.
ثمّ أنّ الله يظهر في كلّ شيء، وكلّ معنى، وإنّه في كلّ أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصوّر له ما يغيب عنه، حتّى كأنّه يشاهده؛ وإن الله اسم لمعنى وأنّ من احتاج الناس إليه فهو إلهٌ، ولهذا المعنى يستوجب كلّ أحد أن يسمّى إلهاً، وإنّ كّل أحد من أشياعه يقول: إنّه ربّ لمن هو في دون درجته، وإنّ الرجل منهم يقول: أنا ربّ لفلان، وفلان ربّ لفلان، وفلان ربّ ربّي، حتّى يقع الانتهاء إلى ابن أبي القراقر فيقول: أنا ربّ الأرباب، لا ربوبيّة بعده.
ولا ينسبون الحسن والحسين، رضي الله عنهما، إلى عليّ، كرّم الله وجهه، لأنّ من اجتمعت له الربوبيّة لا يكون له ولد، ولا والد، وكانوا يسمّون موسى ومحمّداً، صلى الله عليه وسلم، الخائنين، لأنّهمِ يدّعون أنّ هارون أرسل موسى، وعليّاً أرسل محمّداً، فخاناهما، ويزعمون أنّ عليّاَ أمهل محمّداَ عدّة سني أصحاب الكهف، فإذا انقضت هذه العدّة، وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، انتقلت الشريعة؛ ويقولون أنّ الملائكة كلّ من ملك نفسه، وعرف الحقّ، وإنّ الجنّة معرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم، والعدول عن مذهبهم.

ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقد، ويبيحون الفروج، ويقولون إنّ محمّداً، صلى الله عليه وسلم، بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، ونفوسهم أبيّة، فأمرهم بالسجود، وإنّ الحكمة الآن أن يمتحن الناس بأباحة فروج نسائهم، وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وحرم صديقه، وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، وإنّه لا بدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، ومن امتنع من ذلك قُلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأةً، إذ كان مذهبهم التناسخ، وكانوا يعتقدون أهلاك الطالبيّين والعبّاسيّين، تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً.
وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيريّة، ولعلّها هي هي، فإن النصيرية يعتقدون في ابن الفرات،! ويجعلونه رأساً في مذهبهم.
وكان الحسين بن القاسم بالرَّقّة، فأرسل الراضي بالله إليه، فقُتل آخر ذي القعدة، وحُمل رأسه إلى بغداد.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة أرسل محمّد بن ياقوت حاجب الخليفة رسولاً إلى أبي طاهر القُرمُطيّ يدعوه إلى طاعة الخلفة، ليقرّه على ما بيده من البلاد، ويقلّده بعد ذلك ما شاء من البلدان، ويحسن إليه، ويلتمس منه أن يكفّ عن الحاجّ جميعهم، وأن يردّ الحجر الأسود إلى موضعه بمكّة، فأجاب أبو طاهر إلى أنّه لا يتعرّض للحاجّ، ولا يصيبهم بمكروه، ولم يجْب إلى ردّ الحجر الأسود إلى مكّة، وسأل أن يطلق له الميرة من البصرة ليخطب للخليفة في أعمال هجَر، فسار الحاجّ إلى مكّة وعاد ولم يتعرّض لهم القرامطة.
وفيها، في ذي القعدة، عزم محمّد بن ياقوت على المسير إلى الأهواز لمحاربة عسكر مرداويج، فتقدّم إلى الجند الحجريّة والساجيّة بالتجهّز للمسير معه، وبذل مالاً يتجهّزون به، فامتنعوا وتجمّعوا وقصدوا دار محمّد بن ياقوت، فأغلظ لهم في الخطاب، فسبّوا، ورموا داره بالحجارة، ولّما كان الغد قصدوا داره أيضاً، وأغلظوا له في الخطاب، وقاتلوا من بادره من أصحابه، فرماهم أصحابه وغلمانه بالنشاب، فانصرفوا وبطلت الحركة إلى الأهواز.
وفيها سار جماعة من أصحاب أبي طاهر القرمطي إلى نواحي تَوّج في مراكب وخرجوا منها إلى تلك الأعمال، فلمّا بعدوا عن المراكب أرسل الوالي في البلاد إلى المراكب وأحرقها، وجمع الناس وحارب القرامطة، فقتل بعضاً، وأسر بعضاً، فيهم ابن الغمر، وهو من أكابر دُعاتهم، وسيّرهم إلى بغداد أيّام القاهر، فدخلوها مشهورين، وسُجنوا، وكان من أمرهم ما ذكرناه في خلع القاهر.
وفيها قتل القاهرُ بالله إسحاق بن إسماعيل النوبختيَّ، وهو الذي أشار باستخلافه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وقتل أيضاً أبا السرايا بن حَمدان، وهو أصغر ولد أبيه؛ وسبب قتلهما أنّه أراد أن يشتري مغنّيتَيْن قبل أن يلي الخلافة، فزادا عليه في ثمنهما، فحقد ذلك عليهما، فلمّا أراد قتلهما استدعاهما للمنادمة، فتزيّنا، وتطيّبا، وحضرا عنده فأمر بإلقائهما إلى بئر في الدار، وهو حاضر، فتضرّعا وبكيا، فلم يلتفت إليهما وألقاهما فيها وطمّها عليهما.
وفيها أُحضر أبو بكر بن مُقسم ببغداد في دار سلامة الحاجب، وقيل له إنّه قد ابتدع قِراءة لم تُعرف، وأُحضر ابن مجاهد والقضاة والقراء وناظروه، فاعترف بالخطإ وتاب منه، واحترقت كتبه.
وفيها سار الدّمُسْتُق قَرَقَاش في خمسين ألفاً من الروم، فنازل مَلَطْية وحصرها مدّة طويلة، وهلك أكثر أهلها بالجوع، وضرب خيمتَيْن على إحداهما صليب، وقال: من أراد النصرانيّة انحاز إلى خيمة الصليب ليردّ عليه أهله وماله، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى، وله الأمان على نفسه ونبلغه مأمنه؛ فانحاز أكثر المسلمين إلى الخيمة التي عليها الصليب، طمعاً في أهليهم وأموالهم، وسيّر مع الباقين بطريقاً يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان، مستهلّ جمادى الآخرة، يوم الأحد، وملكوا سُمَيساط، وخرّبوا الأعمال، وأكثروا القتل، وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد في أيديهم.
وفيها توفّي عبد الملك بن محمّد بن عديّ أبو نُعيم الفقيه الجرجانيُّ الاستراباذيُّ، وأبو عليّ الروذباريُّ الصوفيُّ، واسمه محمّد بن أحمد بن القاسم، وقيل توفّي سنة ثلاث وعشرين.

وفيها توفّي خير بن عبدالله النسّاج الصوفيُّ من أهل سامرّا، وكان من الأبدال، ومحمّد بن عليّ بن جعفر أبو بكر الكنانيُّ الصوفيُّ المشهور، وهو من أصحاب الجُنيد، وأبي سعيد الخرّاز الخرّاز بالخاء المعجمة والراء والزاي.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
ذكر قتل مرداويج
في هذه السنة قُتل مرداويج الديلميُّ صاحبُ بلاد الجبل وغيرها.
وكان سبب قتله أنّه كان كثير الإساءة للأتراك، وكان يقول أنّ رُوح سليمان بن داود، عليه السلام، حلّت فيه، وإنّ الأتراك هم الشياطين والمردة، فإن قهرهم، وإلاّ أفسدوا؛ فثقلت وطأته عليهم وتمنّوا هلاكه.
فلمّا كان ليلة الميلاد من هذه السنة، وهي ليلة الوَقود، أمر بأن يُجمع الحطب من الجبال والنواحي، وأن يُجعل على جانَبي الوادي المعروف بزندروذ كالمنابر والقباب العظيمة، ويُعمل مثل ذلك على الجبل المعروف بكريم كوه المشرف على أصبهان، من أسفله إلى أعلاه، بحيث إذا اشتعلت تلك الأحطاب يصير الجبل كلّه ناراً، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك، وأمر فجُمع له النِّفط ومن يلعب به، وعمل من الشموع ما لا يحصى، وصِيدَ له من الغِربان والحدإ زيادة على ألفَيْ طائر ليجعل في أرجلها النِّفط وترسل لتطير بالنار في الهواء، وأمر بعمل سماط عظيم كان من جملة ما فيه: مائة فرس، ومئتان من البقر مشوية، صحاحاً، سوى ما شُوي من الغنم فإنّها كانت ثلاثة آلاف رأس، سوى المطبوخ، وكان فيه من الدجاج وغيره من أنواع الطير زيادة على عشرة آلاف عدد، وعمل من ألوان الحَلواء ما لا يُحدّ، وعزم على أن يجمع الناس على ذلك السماط، فإذا فرغوا قام إلى مجلس الشراب ويشعل النيران فيتفرّج.
فلمّا كان آخر النهار ركب وحده، وغلمانه رجّالة، وطاف بالسماط ونظر إليه وإلى تلك الأحطاب، فاستحقر الجميع لسعة الصحراء، فتضجّر وغضب، ولعن من صنعه ودبّره، فخافه من حضر، فعاد ونزل ودخل خركاة له فنام، فلم يجسر أحد أن يكلّمه.
واجتمع الأمراء والقوّاد وغيرهم، وأرجفوا عليه، فمن قائل أنّه غضب لكثرته لأنّه كان بخيلاً، ومن قائل أنّه قد اعتراه جنون؛ وقيل بل أوجعه فؤاده؛ وقيل غير ذلك، وكادت الفتنة تثور.
وعرف العميد وزره صورة الحال فأتاه ولم يزل حتّى استيقظ وعرّفه ما الناس فيه، فخرج وجلس على الطعام، وأكل ثلاث لقم ثم قام ونهب الناس الباقي، ولم يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، وبقي في معسكره بظاهر أصبهان ثلاثة أيّام لا يظهر.
فلمّا كان اليوم الرابع تقدّم بإسراج الدوابّ ليعود من منزلته إلى داره بأصبهان، فاجتمع ببابه خلق كثير، وبقيت الدوابّ مع الغلمان، وكثر صهيلها ولعبها، والغلمان يصيحون بها لتسكن من الشغب، وكانت مزدحمة فارتفع من الجميع أصوات هائلة.
وكان مرداويج نائماً، فاستيقظ، فصعد فنظر فرأى ذلك، فسأل فعرف الحال، فازداد غضباً، وقال: أما كفى من خرق الحرمة ما فعلوه في ذلك الطعام، وما أرجعوا به، حتّى انتهى أمري إلى هؤلاء الكلاب ؟ ثم سأل عن أصحاب الدوابّ، فقيل: أنّها للغمان الأتراك، وقد نزلوا إلى خدمتك، فأمر أن تُحطّ السروج عن الدوابّ وتجعل على ظهور أصحابها الأتراك، ويأخذوا بأرسان الدوابّ إلى الإسطبلات، ومن امتنع من ذلك ضربه الدَّيلم بالمقارع حتّى يطيع، ففعلوا ذلك بهم وكانت صورة قبيحة يأنف منها أحقر الناس.
ثم ركب هو بنفسه مع خاصّته، وهو يتوعّد الأتراك، حتّى صار إلى داره قرب العِشاء، وكان قد ضرب قبل ذلك جماعة من أكابر الغلمان الأتراك، فحقدوا عليه، وأرادوا قتله، فلم يجدوا أعواناً، فلمّا جرت هذه الحادثة انتهزوا الفرصة، وقال بعضهم: ما وجه صبرنا على هذا الشيطان ؟ فاتّفقوا، وتحالفوا على الفتك به، فدخل الحمّام، وكان كورتكين، يحرسه في خلواته وحمّامه، فأمره ذلك اليوم أن لا يتبعه، فتأخرّ عنه مغضباً، وكان هو الذي يجمع الحرس، فلشدة غضبه لم يأمر أحداً أن يحضر حراسته؛ وإذا أراد الله أمراً هيّأ أسبابه.

وكان له أيضاً خادم أسود يتولى خدمته بالحمّام، فاستمالوه، فمال إليهم، فقالوا للخادم ألاّ يحمل معه سلاحاً، وكانت العادة أن يحمل معه خنجراً طوله نحو ذراع ملفوفاً في منديل، فلمّا قالوا ذلك للخادم قال: ما أجسر؛ فاتّفقوا على أن كسروا حديد الخنجر وتركوا النصاب في الغلاف بغير حديد، فلفّوه في المنديل كما جرت العادة لئلاَّ ينكر الحال.
فلمّا دخل مرداويج الحمّام فعل الخادم ما قيل له، وجاء خادم آخر، وهو أستاذ داره، فجلس على باب الحمّام، فهجم الأتراك إلى الحمّام، فقام أستاذ داره ليمنعهم، وصاح بهم، فضربه بعضهم بالسيف فقطع يده، فصاح بالأسود وسقط، وسمع مرداويج الضجة، فبادر إلى الخنجر ليدفع به عن نفسه، فوجده مكسوراً، فأخذ سريراً من خشب كان يجلس عليه إذا اغتسل، فترّس به باب الحمّام من داخل، ودفع الأتراك الباب، فلم يقدروا على فتحه، فصعد بعضهم إلى السطح، وكسروا الجامات، ورموه بالنشاب، فدخل البيت الحارّ، وجعل يتلطّفهم، ويحلف لهم على الإحسان، فلم يلتفتوا إليه، وكسروا باب الحمّام ودخلوا عليه فقتلوه.
وكان الذين ألّبوا الناس عليه وشرعوا في قتله توزون، وهو الذي صار أمير العساكر ببغداد وياروق، وابن بغرا، ومحمّد بن ينال الترجمان، ووافقهم بجكم، وهو الذي وليَ أمر العراق قبل توزون، وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله تعالى. فلمّا قتلوه بادروا فأعلموا أصحابهم، فركبوا ونهبوا قصره وهربوا، ولم يعلم بهم الديلم لأنّ أكثرهم كانوا قد دخلوا المدينة ليلحق بهم وتخلف الأتراك معه لهذا السبب.
فلمّا علم الديلم والجيل ركبوا في أثرهم، فلم يلحقوا منهم إلاّ نفراً يسيراً وقفت دوابّهم، فقتلوهم، وعادوا لينهبوا الخزائن، فرأوا العميد قد ألقى النار فيها، فلم يصلوا إليها، فبقيت بحالها.
ومن عجيب ما يحكى أنّ العساكر في ذلك اليوم لّما رأوا غض مرداويج قعدوا يتذاكرون ما هم فيه معه من الجور، وشدّة عتوّه، وتمرّده عليهم، ودخل بينهم رجل شيخ لا يعرفه منهم أحد، وهو راكب، فقال: قد زاد أمر هذا الكافر، واليوم تكفنونه ويأخذه الله؛ ثمّ سار، فلحقت الجماعة دهشة، ونظر بعضهم في وجوه بعض، ومرّ الشيخ، فقالوا: المصلحة أنّنا نتبعه ونأخذه ونستعيده الحديث، لئلاّ يسمع مرداويج ما جرى، فلا نلقى منه خيراً؛ فتبعوه فلم يروا أحداً.
وكان مرداويج قد تجبّر قبل أن يُقتل وعتا، وعمل له كرسيّاً من ذهب يجلس عليه، وعمل كراسي من فضّة يجلس عليها أكابر قوّاده، وكان قد عمل تاجاً مرصّعاً على صفة تاج كسرى، وقد عزم على قصد العراق والاستيلاء عليه، وبناء المدائن ودور كسرى ومساكنه، وأن يخاطَب، إذا فُعل ذلك، بشاهنشاه، فأتاه أمرُ الله وهو غافل عنه، واستراح الناس من شرّه، ونسأل الله تعالى أن يريحَ الناس من كلّ ظالم سريعاً.
ولّما قُتل مرداويج اجتمع أصحابه الديلم والجيل وتشاوروا، وقالوا: إن بقينا بغير رأس هلكنا؛ فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير بن زيار، وهو والد قابوس، وكان بالرَّيّ، فحملوا تابوت مرداويج، وساروا نحو الريّ، فخرج من بها من أصحابه مع أخيه وشمكير، فالتقوه على أربعة فراسخ مشاة، حفاة، وكان يوماً مشهوداً.
وأمّا أصحابه الذين كانوا بالأهواز وأعمالها فإنّهم لّما بلغهم الخبر كتموه، وساروا نحو الريّ، فأطاعوا وشمكير أيضاً، واجتمعوا عليه.
ولذما قُتل مرداويج كان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده، كما ذكرناه، فبذل للموكّلين مالاً فأطلقوه، فخرج إلى الصحراء ليفكّ قيوده، فأقبلت بغال عليها تبن، وعليها أصحابه وغلمانه، فأُلقي التبن، وكسر أصحابه قيودَه، وركبوا الدوابّ، ونجوا إلى أخيه عماد الدولة بفارس.
ذكر ما فعله الأتراك بعد قتلهلّما قتل الأتراك مرداويج هربوا وافترقوا فرقَتيْن، ففرقة سارت إلى عِماد لدولة بن بُوَيه مع خَجخج الذي سلمه تُوزون فيما بعد، وسنذكره.

وفرقة سارت نحو الجبل مع بَجكم، وهي أكثرها، فجبَوا خراج الدّيَنور وغيرِها، وساروا إلى النَّهروان، فكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد، فأذن لهم، فدخلوا بغداد، فظنّ الحجريّة أنّها حيلة عليهم، فطلبوا ردّ الأتراك إلى بلد الجبل، فأمرهم ابن مُقلة بذلك، وأطلق لهم مالاً، فلم يرضوا به، وغضبوا، فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط، وله البصرة أيضاً، فاستدعاهم، فمضوا إليه، وقدّم عليهم بجكم، وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج، فكاتبهم، فأتاه منهم عدّة وافرة، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، وإلى بجكم خاصّة، وأمره أن يكتب إلى الناس بجكم الرائقيّ، فأقام عنده، وكان من أمرهما ما نذكره.
ذكر حال وشمكير بعد قتل أخيهوأمّا وشمكير فإنّه لَما قُتل أخوه، وقصدته العساكر التي كانت لأخيه، وأطاعته، أقام بالريّ، فكتب الأمير نصر بن أحمد السامانيُّ إلى أمير جيشه بخُراسان، محمّد بن المظفَّر بن محتاج، بالمسير إلى قُومِس، وكتب إلى ما كان ابن كالي، وهو بكَرمان، بالمسير عنها إلى محمّد بن المظفَّر، ليقصدوا جُرجان والرَّيّ.
فسار ما كان إلى الدامغان على المفازة، فتوجّه إليه بانجين الديلميُّ، من أصحاب وشمكير، في جيش كثيف، واستمدّ ما كان محمّدَ بن المظفّر، وهو ببِسطام، فأمدّه بجمع كثير أمرهم بترك المحاربة إلى أن يصل إليهم، فخالفوه وحاربوا بانجين، فلم يتعاونوا، وتخاذلوا فهزمهم بانجين، فرجعوا إلى محمّد بن المظفّر، وخرجوا إلى جُرجان، فسار إليهم بانجين ليصدّهم عنها، فانصرفوا إلى نَيسابور وأقاموا بها وجُعلت ولايتها لما كان ابن كالي وأقام بها، وكان ذلك آخر سنة ثلاث وعشرين وأوّل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ولّما سار ما كان عن كَرمان عاد إليها أبو عليّ محمّد بن إلياس فاستولى عليها، وصفت له بعد حروب له مع جنود نصر بكَرمان، وكان الظفر له أخيراً، وسنذكر باقي خبرهم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر القبض على ابنَيْ ياقوت
في هذه السنة، في جمادى الأولى، قبض الراضي بالله على محمّد والمظفَّر ابنَيْ ياقوت.
وكان سبب ذلك أنّ الوزير أبا عليّ بن مُقلة كان قد قلق لتحكّم محمّد بن ياقوت في المملكة بأسرها، وأنّه هو ليس له حكم في شيء، فسعى به الراضي، وأدام السعاية، فبلغ ما أراده.
فلّما كان خامس جمادى الأولى ركب جميع القوّاد إلى دار الخليفة على عادتهم، وحضر الوزير، وأظهر الراضي أنّه يريد أن يقلّد جماعة من القوّاد أعمالاً، وحضر محمّد بن ياقوت للحجبة، ومعه كاتبه أبو إسحاق القراريطيُّ، فخرج الخدم إلى محمّد بن ياقوت فاستدعوه إلى الخليفة، فدخل مبادراً، فعدلوا به إلى حجرة هناك، فحبسوه فيها، ثم استدعوا القراريطيَّ فدخل فعدلوا به إلى حجرة أُخرى، ثمّ استدعوا المظفَّر بن ياقوت من بيته، وكان مخموراً، فحضر، فحبسوه أيضاً.
وأنفذ الوزير أبو عليّ بن مُقلة إلى دار محمّد يحفظها من النهب، وكان ياقوت حينئذ مقيماً بواسط، فلمّا بلغه القبض على ابَنيه انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بُوَيه، وكتب إلى الراضي يستعطفه، ويسأله إنفاذ ابنَيْه ليساعداه على حروبه، فاستبدّ ابن مقلة بالأمر.
ذكر حال البريديّ
وفيها قوي أمر عبدالله البريديَّ، وعظم شأنه.
وسبب ذلك أنّه كان ضامناً أعمال الأهواز، فلمّا استولى عليها عسكر مرداويج وانهزم ياقوت، كما ذكرنا، عاد البريديُّ إلى البصرة، وصار يتصرّف في أسافل أعمال الأهواز، مضافاً إلى كتابة ياقوت، وسار إلى ياقوت فأقام معه بواسط.
فلمّا قبض على ابنَيْ ياقوت كتب ابن مُقلة إلى ابن البريديّ يأمره أن يسكّن ياقوتاً، ويعرّفه أنّ الجند اجتمعوا وطلبوا القبض على ولدَيْه، فقُبضا تسكيناً للجند، وأنّهما يسيران إلى أبيهما عن قريب، وأنّ الرأي أن يسير هو لفتح فارس، فسار ياقوت من واسط على طريق السُّوس، وسار البريديُّ على طريق الماء إلى الأهواز، وكان إلى أخويه أبي الحسين وأبي يوسف ضمان السوس وجُندَيسَابور، وادّعيا أنّ دَخْل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج، وأنّ دَخْل سنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء لأنّ نوّاب مرداويج ظلموا الناس، فلم يبق لهم ما يزرعونه.

وكان الأمر بضدّ ذلك في السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مُقلة، فأنفذ نائباً له ليحقّق الحال، فواطأ ابنَي البريديّ، وكتب يصدّقهم، فحصل لهم بذلك مال عظيم، وقويت حالهم، وكان مبلغ ما أخذوه أربعة آلاف ألف دينار.
وأشار ابن البريديّ على ياقوت بالمسير إلى أرّجان لفتح فارس، وقام هو بجباية الأموال من البلاد، فحصل منها ما أراد.
فلمّا سار ياقوت إلى فارس في جموعه لقيه ابن بُويه بباب أرّجان، فانهزم أصحاب ياقوت، وبقي إلى آخرهم، ثم انهزم وسار ابن بُويه خلفه إلى رَامَهُرْمُز، وسار ياقوت إلى عسكر مُكرَم، وأقام ابن بويه برَامَهُرْمُز إلى أن وقع الصلح بينهما.
ذكر فتنة الحنابلة ببغدادوفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامّة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنيّة ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.
فركب بدر الخرشَنيُّ، وهو صاحب الشُّرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة، ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلاّ إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءَين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مرّ بهم شافعيُّ المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتّى يكاد يموت.
فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلَيْن والنعلَيْن المُذهّبَين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون، علوّاً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمّة، ونسبتكم شيعة آل محمّد، صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمّة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوامّ ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه.
وأمير المؤمنين يقسم بالله قسماً جهداً إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالّكم.
ذكر قتل أبي العلاء بن حمدانوفيها قتل ناصرُ الدولة أبو محمّد الحسن بن عبدالله بن حَمدان عمّه أبا العلاء بن حمدان.
وسبب ذلك أنّ أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة سرّاً، وكان بها ناصر الدولة ابن أخيه أميراً، فسار عن بغداد في خمسين رجلاً، وأظهر أنّه متوجّه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه، فلمّا وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه إلى تلقّيه، وقصد مخالفة طريقه، فوصل أبو العلاء، ودخل دار ابن أخيه، وسأل عنه فقيل: إنّه خرج إلى لقائك، فقعد ينتظره، فلمّا علم ناصر الدولة بمقامه في الدار أنفذ جماعة من غلمانه، فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه.
ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل وما كان بينه وبين ناصر الدولةلّما قتل ناصر الدولة عمّه أبا العلاء واتّصل خبره بالراضي عظم ذلك عليه وأنكره، وأمر ابن مُقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في العسكر، في شعبان، فلمّا قارها رحل عنها ناصر الدولة بن حَمدان، ودخل الزَّوَزَان، وتبعه الوزير إلى جبل التِّنّين، ثم عاد عنه وأقام بالموصل يجبي مالها.

ولما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير، وكان ينوب عنه في الوزارة ببغداد، فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه يستدعيه، فكتب إليه يقول إنّ الأمور بالحضرة قد اختلّت، وإن تأخّر لم يأمن حدوث ما يبطل به أمرهم، فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل عليَّ بن خلف بن طباب وماكرد الديلميَّ، وهو من الساجيّة، وانحدر إلى بغداد منتصف شوّال.
فلمّا فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان فاقتتل هو وماكرد الديلميُّ، فانهزم ابن حمدان، ثم عاد وجمع عسكراً آخر، فالتقوا على نصيبين في ذي الحجّة، فانهزم ماكرد إلى الرَّقّة، وانحدر منها إلى بغداد، وانحدر أيضاً ابن طبّاب، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد، وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح، وأن يضمن البلاد، فأُجيب إلى ذلك واستقرّت البلاد عليه.
ذكر فتح جنوة وغيرهافي هذه السنة سيّر القائم العلويُّ جيشاً من إفريقية في البحر إلى ناحية افرنج، ففتحوا مدينة جَنوة ومرّوا بسَردَانية فأوقعوا بأهلها، وأحرقوا مراكب كثيرة، ومرّوا بقَرقِيسيا فأحرقوا مَراكبها وعادوا سالمين.
ذكر القرامطةفي هذه السنة خرج الناس إلى الحجّ، فلمّا بلغوا القادسية اعترضهم أبو طاهر القُرمُطيُّ ثاني عشر ذي القعدة، فلم يعرفوه، فقاتله أصحاب الخليفة، وأعانهم الحجّاج، ثم التجأوا إلى القادسية، فخرج جماعة من العلويّين بالكوفة إلى أبي طاهر، فسألوه أن يكفّ عن الحجّاج، فكفّ عنه من وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداد، فرجعوا، ولم يحجّ بهذه السنة من العراق أحد، وسار أبو طاهر إلى الكوفة فأقام بها عدّة أيّام ورحل عنها.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة، في المحرّم، قلّد الراضي بالله ولدَيه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتَي المشرق والمغرب ممّا بيده، وكتب بذلك إلى البلاد.
وفيها، في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة، وهي الليلة التي أوقع القُرمُطيُّ بالحجّاج، انقضّت الكواكب من أوّل الليل إلى آخره انقضاضاً دائماً مسرفاً جدّاً لم يُعهد مثله.
وفيها مات أبو بكر محمّد بن ياقوت، في الحبس، بنفث الدم، فأحضر القاضي والشهود، وعُرض عليهم، فلم يروا به أثر ضرب ولا خنق، وجذبوا شعره فلم يكن مسموماً، فسُلّم إلى أهله، وأخذوا ماله وأملاكه ومعامليه ووكلاءه وكلّ من يخالطه.
وفيها كان بخراسان غلاء شديد، ومات من أهلها خلق كثير من الجوع، فعجز الناس عن دفنهم، فكانوا يجمعون الغرباء والفقراء في دار إلى أن يتهيّأ لهم تكفينهم ودفنهم.
وفيها جهّز عماد الدولة بن بويه أخاه ركن الدولة الحسن إلى بلاد الجبل، وسيّر معه العساكر بعد عوده لّما قُتل مرداويج، فسار إلى أصبهان، فاستولى عليها، وأزال عنها وعن عدّة من بلاد الجبل نوّاب وشمكير، وأقبل وشمكير وجهّز العساكر نحوه، وبقي هو ووشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي أصبهان، وهَمَذان، وقُمّ، وقاجَان، وكرَج، والرَّيّ، وكنكور، وقَزوين وغيرها.
وفيها، في آخر جمادى الآخرة، شغب الجند ببغداد، وقصدوا دار الوزير أبي عليّ بن مقلة وابنه، وزاد شغبهم، فمنعهم أصحاب ابن مقلة، فاحتال الجند ونقبوا دار الوزير من ظهرها، ودخلوها، وملكوها وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربيّ، فلمّا سمع الساجيّة بذلك ركبوا إلى دار الوزير، ورفقوا بالجند فردّوهم، وعاد الوزير وابنه إلى منازلهما.
واتّهم الوزير بإثارة هذه الفتنة بعض أصحاب ابن ياقوت، فأمر فنودي أن لا يقيم أحد منهم بمدينة السلام، ثم عاود الجند الشغب حادي عشر ذي الحجّة، ونقبوا دار الوزير عدّة نقوب، فقاتلهم غلمانه ومنعوهم، فركب صاحب الشُّرطة، وحفظ السجون حتّى لا تُفتح، ثم سكنوا من الشغب.
وفي هذه السنة أُطلق المظفَّر بن ياقوت من حبس الراضي بالله بشفاعة الوزير ابن مقلة، وحلف للوزير أنّه يواليه ولا ينحرف عنه، ولا يسعى له ولا لولده بمكروه، فلم يفِ له ولا لولده ووافق الحجريّة عليه، فجرى في حقّه ما يكره.
وكان المظفَّر حقد على الوزير حين قُتل أخوه لأنّه اتّهمه أنّه سمّه.

وفيها أرسل ابن مقلة رسولاً إلى محمّد بن رائق بواسط، وكان قد قطع الحمل عن الخليفة، فطالبه بارتفاع البلاد واسط والبصرة وما بينهما، فأحسن إلى الرُّسل وردّهم برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة مغالطة، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي بالله وحده، مضمونها أنّه إن استدعي إلى الحضرة وفُوّضت إليه الأمور وتدبير الدولة قام بكلّ ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند، فلمّا سمع الخليفة الرسالة لم يُعد إليه جوابها.
وفيها توفّي أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس الهذليُّ من ولد عتبة بن مسعود بالكوفة، وهو من نَيسابور، وإبراهيم بن محمّد بن عرفة المعروف بنفطويه النحويّ، وله مصنّفات، وهو من ولد المهلَّب بن أبي صُفرة.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
ذكر القبض على ابن مقلة
ووزارة عبد الرحمن بن عيسى
لّما عاد الرُّسل من عند ابن رائق بغير مال رأى الوزير أن يسيّر ابنه، فتجهّز، وأظهر أنّه يريد الأهواز، فلمّا كان منتصف جمادى الأولى حضر الوزر دار الراضي لينفذ رسولاً إلى ابن رائق يُعرّفه عزمه على قصد الأهواز لئلاّ يستوحش لحركته فيحتاط، فلمّا دخل الدار قبض عليه المظفَّر بن ياقوت والحجريّة، وكان المظفَّر قد أُطلق من محبسه على ما نذكره.
ووجهوا إلى الراضي يعرّفونه ذلك، فاستحسن فعلهم، واختفى أبو الحسين بن أبي عليّ بن مقلة وسائر أولاده وحُرَمه وأصحابه، وطلب الحجريّة والساجيّة من الراضي أن يستوزر وزيراً، فردّ الأختيار إليهم، فأشاروا بوزارة عليّ بن عسى، فأحضره الراضي للوزارة، فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره، وسلّم إليه ابن مقلة فصادره وصرف بدراً الخَرشنيَّ عن الشُّرطة، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه، فاستعفى من الوزارة.
ذكر القبض على عبد الرحمنووزارة أبي جعفر الكَرخيّ
لّما ظهر عجز عبد الرحمن للراضي، ووقوف الأمور، قبض عليه وعلى أخيه عليّ بن عيسى، فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار.
ذكر قتل ياقوتوفي هذه السنة قُتل ياقوت بعسكر مُكَرم. وكان سبب قتله ثقته بأبي عبدالله البريديّ فخانه، وقابل إحسانه بالإساءة على ما نذكره.
وقد ذكرنا أنّ أبا عبدالله ارتسم بكتابة ياقوت مع ضمان الأهواز، فلمّا كتب إليه وثق به وعوّل على ما يقوله، وكان إذا قيل له شيء في أمره وخُوّف من شرّه يقول: أنّ أبا عبدالله ليس كما تظنّون، لأنّه لا يحدّث نفسه بالإمرة، وقود العساكر، وإنّما غايته الكتابة. فاغترّ بهذا منه.
وكان، رحمه الله، سليم القلب، حسن الاعتقاد، فلهذا لم يخرج عن طاعة الخليفة حين قبض على ولدَيْه بل دام على الوفاء.
فأمّا حاله مع البريديّ، فإنّه لّما عاد مهزوماً من عماد الدولة بن بويه إلى عسكر مُكرَم كتب إليه أبو عبدالله أن يقيم بعسكر مُكرَم ليستريح، ويقع التدبير بعد ذلك، وكان بالأهواز، وهو يكره الاجتماع معه في بلد واحد، فسمع ياقوت قوله وأقام، فأرسل إليه أخاه أبا يوسف البريديَّ يتوجّع له ويهنّيه بالسلامة، وقرّر القاعدة على أن يحمل له أخوه من مال الأهواز خمسين ألف دينار، واحتجّ بأنّ عنده من الجند خلقاً كثيراً منهم البربر، والشفيعيّة، والنازوكيّة، والبليقيّة، والهارونيّة. كان ابن مقلة قد ميّز هذه الأصناف من عسكر بغداد وسيّرهم إلى الأهواز ليخفّ عليه مؤونتهم، فذكر أبو يوسف أنّ هؤلاء متى رأوا المال يخرج عنهم إليك شغبوا، ويحتاج أبو عبدالله إلى مفارقة الأهواز، ثم يصير أمرهم إلى أنّهم يقصدونك ولا نعلم كيف يكون الحال؛ ثم قال له: إنّ رجالك مع سوء أثرهم يقنعون بالقليل.
فصدّقه ياقوت فيما قال، وأخذ ذلك المال وفرّقه، وبقي عدّة شهور لم يصله منه شيء، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين فضاق الرزق على أصحاب ياقوت، واستغاثوا، وذكروا ما فيه أصحاب البريديّ بالأهواز من السعة، وما هم فيه من الضيق.
وكان قد اتّصل بياقوت طاهر الجيليُّ، وهو من كبار أصحاب ابن بويه، في ثمانمائة رجل، وهو من أرباب المراتب العالية، وممّن يسمو إلى معالي الأمور.

وسبب اتّصاله به خوفه من ابن بويه أن يقبض عليه خوفاً منه، فلمّا رأى حال ياقوت انصرف عنه إلى غربيّ تُستَر، وأراد أن يتغلّب على ماه البصرة، وكان معه أبو جعفر الصَّيمريُّ، وهو كاتبه، فسمع به عماد الدولة بن بويه، فكبسه، فانهزم هو وأصحابه، واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه، وأسر الصَّيمريَّ، فأطلقه الخيّاط وزير عماد الدولة بن بويه، فمضى إلى كَرمان، واتّصل بالأمير معزّ الدولة أبي الحسن بن بويه وكان ذلك سبب أقباله.
ف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 1:55 am

ووزارة سليمان بن الحسن
لّما تولّى الوزير أبو جعفر الكرخيُّ، على ما تقدّم، رأى قلّة الأموال وانقطاع الموادّ، فازداد عجزاً إلى عجزه، وضاق عليه الأمر.

وما زالت الإضافة تزيد، وطمع مَن بين يديه من المعاملين فيما عنده من الأموال، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريديُّ حمل الأهواز وأعمالها، وكان ابن بويه قد تغلّب على فارس، فتحيّر أبو جعفر، وكثرت المطالبات عليه، ونقصت هيبته، واستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فلمّا استتر استوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن، فكان في الوزارة كأبي جعفر في وقوف الحال وقلّة المال.
ذكر استيلاء ابن رائق على أمر العراق وتفرّق البلاد
لّما رأى الراضي وقوف الحال عنده ألجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمّد بن رائق، وهو بواسط، يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد، فلمّا أتاه الرسول بذلك فرح به، وشرع يتجهّز للمسير إلى بغداد، فأنفذ إليه الراضي الساجيّة، وقلّده إمارة الجيش، وجعله أمير الأمراء، وولاّه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين، وأمر بأن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخِلَع.
وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتّاب والحجّاب، وتأخّر الحجريّة عن الانحدار، فلمّا استقرّ الذين انحدروا إلى واسط قبض ابن رائق على الساجيّة سابع ذي الحجّة، ونهب رحلهم ومالهم ودوابّهم، وأظهر أنّه إنّما فعل ذلك لتتوفّر أرزاقهم على الحجريّة، فاستوحش الحجريّة من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغداً لنا؛ وخيّموا بدار الخليفة، فأُصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، وخلع الخليفة عليه أواخر ذي الحجّة، وأتاه الحجريّة يسلّمون عليه، فأمرهم بقلع خيامهم، فقلعوها وعادوا إلى منازلهم.
وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، وبطلت الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها، وكذلك كلّ من تولّى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تُحمل إلى خزائنهم فيتصرّفون فيها كما يريدون ويطلقون للخليفة ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال، وتغلب أصحاب الأطراف، وزالت عنهم الطاعة، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم.
وأمّا باقي الأطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق؛ وخوزستان في يد البريديّ؛ وفارس في يد عماد الدولة بن بويه؛ وكرمان في يد أبي عليّ محمّد بن إلياس؛ والرَّيّ وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكر أخي مرداوجي يتنازعان عليها؛ والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حَمدان؛ ومصر والشام في يد محمّد بن طُغْج؛ والمغرب وإفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهديّ العلويّ، وهو الثاني منهم، ويلقّب بأمير المؤمنين؛ والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمّد الملقّب بالناصر الأموي؛ وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد السامانيّ؛ وطبرستان وجُرجان في يد الديلم؛ والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القُرمُطيّ.
ذكر مسير مُعزّ الدولة بن بويه إلى كرمان وما جرى عليه بها
في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بُويه، الملقّب بمُعزّ الدولة، إلى كَرمان.
وسبب ذلك أنّ عماد الدولة بن بويه وأخاه ركن الدولة لّما تمكّنا من بلاد فارس وبلاد الجبل، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبدّ بها، رأيا أن يسيّراه إلى كَرمان، ففعلا ذلك، وسار إلى كَرمان في عسكر ضخم شجعان،؛ فلمّا بلغ السيرجان استولى عليها، وجبى أموالها وأنفقها في عسكره.
وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتيُّ يحاصر محمّد بن إلياس بن ألِيسع بقلعة هناك، بعساكر نصر بن أحمد صاحب خُراسان، فلمّا بلغه إقبال معزّ الدولة سار عن كَرمان إلى خُراسان، ونفّس عن محمّد بن إلياس، فتخلّص من القلعة، وسار إلى مدينة بَمّ، وهي على طرف المفازة بين كَرمان وسِجشسْتان، فسار إليه أحمد بن بويه، فرحل من مكانه إلى سِجِسْتان بغير قتال، فستار أحمد إلى جِيرَفْت، وهي قصبة كَرمان، واستخلف على بَمّ بعض أصحابه.

فلمّا قارب جِيرفت أتاه رسول عليّ بن الزنجيّ المعروف بعليّ كلويه، وهو رئيس القُفْص، والبَلُوص، وكان هو وأسلافه متغلّبين على تلك الناحية، إلاّ أنّهم يجاملون كلّ سلطان يرد البلاد، ويطيعونه، ويحملون إليه مالاً معلوماً ولا يطأون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع أحمد من قبوله إلاّ بعد جِيرَفت، فتأخّر عليُّ بن كلويه نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل أحمد بن بويه جِيرَفت واصطلح هو وعليّ، وأخذ رهائنه وخطب له.
فلمّا استقرّ الصلح وانفصل الأمر أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد عليّاً ويغدر به، ويسري إليه سرّاً على غفلة، وأطمعه في أمواله، وهوّن عليه أمره بسكونه إلى الصلح، فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك، لحداثة سنّه، وجمع أصحابه وأسرى نحوهم جريدة.
وكان عليّ محترزاً ومَن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه، فساعة تحرّك بلغتْه الأخبار، فجمع أصحابه ورتّبهم بمضيق على الطريق، فلمّا اجتاز بهم ابن بويه ثاروا به ليلاً من جوانبه، فقتلوا في أصحابه، وأسروا، ولم يُفلت منهم إلاّ اليسير، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة، ووقعت ضربة منها في يده اليسرى فقطعتها من نصف الذراع، وأصاب يده اليمنى ضربة أخرى سقط منها بعض أصابعه، وسقط مثخناً بالجراح بين القتلى، وبلغ الخبر بذلك إلى جِيرَفت فهرب كلّ من كان بها من أصحابه.
ولّما أصبح عليّ كلويه تتّبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين قد أشرف على التلف، فحمله إلى جِيرَفت، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن بويه، ويعرّفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقرّ بينهما الصلح، وأطلق عليّ كلّ مَن عنده من الأسرى وأحسن إليهم.
ووصل الخبر إلى محمّد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه، فسار من سِجِستان إلى البلد المعروف بجنّابة، فتوجّه إليه ابن بويه، وواقعه ودامت الحرب بينهما عدّة أيّام، فانهزم ابن إلياس، وعاد أحمد بن بويه ظافراً، وسار نحو عليّ كلويه لينتقم منه، فلمّا قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجّالة، فكبسوا عسكره ليلاً في ليلة شديدة المطر، فأثّروا فيهم وقتلوا ونهبوا وعادوا، وبقي ابن بويه باقي ليلته؛ فلمّا أصبح سار نحوهم، فقتل منهم عدداً كثيراً، وانهزم عليّ كلويه.
وكتب ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس وهزيمته، فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائداً من قوّاده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويُلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده بإصطَخْر إلى أن قصدهم أبو عبدالله البريديُّ منهزماً من ابن رائق وبجكم، فأطمع عماد الدولة في العراق، وسهّل عليه ملكه، فسيّر معه أخاه معزّ الدولة أبا الحسين، على ما نذكره سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة.
ذكر استيلاء ما كان على جُرجان
وفي هذه السنة استولى ما كان بن كالي على جُرجان.
وسبب ذلك أنّنا ذكرنا أوّلاً ما كان لّما عاد من جرجان أقام بنَيسابور، وأقام بانجين بجُرجان، فلمّا كان بعد ذلك خرج بانجين يلعب بالكرة، فسقط عن دابّته فوقع ميّتاً.
وبلغ خبره ما كان بن كالي، وهو بنَيسابور، وكان قد استوحش من عارض جيش خراسان، فاحتجّ على محمّد بن المظفّر صاحب الجيش بخراسان بأنّ بعض أصحابه قد هرب منه، وأنّه قد يخرج في طلبه، فأذن له في ذلك، وسار عن نَيسابور إلى أسفرايين، فأنفذ جماعة من عسكره إلى جُرجان واستولوا عليها، فأظهر العصيان على محمّد بن المظفَّر، وسار من أسفرايين إلى نَيسابور، مغافصةً، وبها محمّد بن المظفّر، فخذل محمّداً أصحابُه ولم يعاونوه، وكان في قلّة من العسكر غير مستعدّ له، فسار نحو سَرْخَس، وعاد ما كان من نَيسابور خوفاً من اجتماع العساكر عليه، وكان ذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر وزراة الفضل بن جعفر للخليفةوفيها كتب ابن رائق كتاباً عن الراضي إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات يستدعيه ليجعله وزيراً، وكان يتولّى الخراج بمصر والشام؛ وظنّ ابن رائق أنّه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر، فقدم إلى بغداد، ونفذت له الخلع قبل وصوله، فلقيته بهَيْت، فلبسها ودخل بغداد، وتولّى وزراة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعاً.

ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة قلّد الراضي محمّدَ بن طُغْج أعمال مصر مضافاً إلى ما بيده من الشام، وعزل أحمد بن كَيْغَلَغ عن مصر.
وفيها انخسف القمر جميعه ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من ربيع الأوّل، وانخسف جميعه أيضاً لأربع عشرة خلت من شوّال.
وفيها قُبض على أبي عبدالله بن عبدوس الجهشياريّ، وصودر على مائتَيْ ألف دينار.
وفيها وُلد عضد الدولة أبو شجاع فنّاخَسرُو بن ركن الدولة أبي عليّ الحسن بن بويه بأصبهان.
وفيها توفّي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، المعروف بجحظه، وله شِعر مطبوع، وكان عارفاً بفنون شتّى من العلوم.
وفيها توفّي أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد في شعبان، وكان إماماً في معرفة القراءات؛ وعبد الله بن أحمد بن محمّد بن المغلِّس أبو الحسن الفقيه الظاهريُّ، صاحب التصانيف المشهورة.
وفيها توفّي عبدالله بن محمّد بن زياد بن واصل أبو بكر النَّيسابوريُّ الفقيه الشافعيُّ في ربيع الأوّل، وكان مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان قد جالس الربيع بن سليمان والمزنيَّ ويونس بن عبد الأعلى أصحاب الشافعيّ، وكان إماماً.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
ذكر مسير الراضي بالله إلى حرب البريدي
ّ
في هذه السنة أشار محمّد بن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى واسط ليقرب من الأهواز، ويراسل أبا عبدالله بن البريديّ، فإن أجاب إلى ما يطلب منه، وإلاّ قرّب قصده عليه، فأجاب الراضي إلى ذلك، وانحدر أوّل المحرّم، فخالف الحجريّة وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجيّة؛ فلم يلتفت ابن رائق إليهم، وانحدر، وتبعه بعضهم، ثمّ انحدروا بعده، فلمّا صاروا بواسط اعترضهم ابن رائق، فأسقط أكثرهم، فاضطروا وثاروا، فقاتلهم قتالاً شديداً، فانهزم الحجريّة، وقتل منهم جماعة.
ولّما وصل المنهزمون إلى بغداد ركب لؤلؤ صاحب الشُّرطة ببغداد ولقيهم، فأوقع بهم، فاستتروا، فنُهبت دورهم، وقُبضت أموالهم وأملاكهم، وقُطعت أرزاقهم.
فلّما فرغ منهم ابن رائق قتل من كان اعتقله من الساجيّة سوى صافي الخازن، وهارون بن موسى، فلّما فرغ أخرج مضاربه ومضار الراضي نحو الأهواز لإجلاء ابن البريديّ عنها، فأرسل إليه في معنى تأخير الأموال، وما قد ارتكبه من الاستبداد بها وإفساد الجيوش وتزيين العصيان لهم، إلى غير ذلك من ذكر معايبه، ثم يقول بعد ذلك: وإنّه إن حمل الواجب عليه وسلّم الجند الذين أفسدهم أُقرّ على عمله، وإن أبى قوبل بما استحقّه.
فلمّا سمع الرسالة جدّد ضمان الأهواز، كل سنة بثلاثمائة وستّين ألف دينار، يحمل كلّ شهر بقسطه، وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمر بتسليمهِ إليه مّمن يسير به إلى قتال ابن بوَيْه، إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضيق الأموال بها واختلاف الكلمة، فكتب الرسل ذلك إلى ابن رائق، فعرضه على الراضي، وشاور فيه أصحابه، فأشار الحسين بن عليّ النُّوبختيُّ بأن لا يقبل منه ذلك، فإنّه خداع ومكر للقرب منه، ومتى عُدتم عنه لم يقف على ما بذله.
وأشار أبو بكر بن مقابل بإجابته إلى ما التمس من الضمان، وقال: إنّه لا يقوم غيره مقامه، وكان يتعصّب للبريديّ، فسمع قوله وعقد الضمان على البريديّ وعاد هو والراضي إلى بغداد، فدخلاها ثامن صفر.
فأمّا المال فما حمل منه ديناراً واحداً، وأمّا الجيش فإنّ ابن رائق أنفذ جعفر بن ورقاء ليتسلّمه منه وليسير بهم إلى فارس، فلّما وصل إلى الأهواز لقيه ابن البريديّ في الجيش جمعيه، ولّما عاد سار الجيش مع البريديّ إلى داره واستصحب معه جعفراً وقدّم لهم طعاماً كثيراً، فأكلوا وانصرفوا، وأقام جعفر عدّة أيّام.
ثم إنّ جعفراً أمر الجيش فطالبوه بمال يفرّقه فيهم ليتجهّزوا به إلى فارس، فلم يكن معه شيء، فشتموه وتهدّدوه بالقتل، فاستتر منهم ولجأ إلى البريديّ، وقال له البريديُّ: ليس العجب ممّن أرسلك، وإنّما العجب منك كيف جئتَ بغير شيء، فلو أن الجيش مماليك لما ساروا إلاّ بمال ترضيهم به؛ ثم أخرجه ليلاً وقال: انجُ بنفسك؛ فسار إلى بغداد خائباً.

ثم إنّ ابن مقاتل شرع مع ابن رائق في عزل الحسين بن عليّ النوبختيّ وزيره، وأشار عليه بالاعتضاد بالبريديّ، وأن يجعله وزيراً له عوض النوبختيّ، وبذل له ثلاثين ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، فلم يزل ابن مقاتل يسعى ويجتهد إلى أن أجابه إليه، فكان من أعظم الأسباب في بلوغ ابن مقاتل غرضه أنّ النوبختيّ كان مريضاً، فلّما تحدّث ابن مقاتل مع ابن رائق في عزله امتنع من ذلك، وقال له: عليّ حقّ كثير، هو الذي سعى لي حتّى بلغتُ هذه الرتبة، فلا أبتغي به بديلاً.
فقال ابن مقاتل: فإنّ النوبختيّ مريض لا مطمع في عافيته.
قال له ابن رائق: فإنّ الطبيب قد أعلمني أنّه قد صلح وأكل الدُّرّاج.
فقال: إنّ الطبيب يعلم منزلته منك وأنّه وزير الدولة فلا يلقاك في أمره بما تكره، ولكن أحضر ابن أخي النوبختيّ وصهره عليَّ بن أحمد واسأله عنه سرّاً، فهو يخبرك بحاله.
فقال: أفعل.
وكان النوبختيُّ قد استناب ابن أخيه هذا عند ابن رائق ليقوم بخدمته في مرضه، ثم إنّ مقاتل فارق ابن رائق على هذا، واجتمع بعليّ بن أحمد وقال له: قد قرّرت لك مع الأمير ابن رائق الوزارة، فإذا سألك عن عمّك فأعلمه أنّه على الموت ولا يجيء منه شيء لتتمّ لك الوزارة.
فلّما اجتمع ابن رائق بعليّ بن أحمد سأله عن عمّه، فغشي عليه، ثم لطم برأسه ووجهه وقال: يبقي الله الأمير ويعظّم أجره فيه، فلا يعدّه الأمير إلاّ في الأموات ! فاسترجع وحوقل وقال: لو فُدي بجميع ما أملكه لفعلتُ.
فلمّا حضر عنده ابن مقاتل قال له ابن رائق: قد كان الحقّ معك، وقد يئسنا من النوبختيّ فاكتب إلى البريديّ ليرسل من ينوب عنه في وزارتي؛ ففعل وكتب إلى البريديّ بإنفاذ أحمد بن عليّ الكوفيّ لينوب عنه في وزارة ابن رائق، فأنفذه، فاستولى على الأمور، وتمشّى حال البريديّ بذلك، فإنّ النوبختيَّ كان عارفاً به لا يتمشّى معه محاله.
فلّما استولى الكوفّي وابن مقاتل شرعاً في تضمين البصرة من أبي يوسف ابن البريديّ، أخي أبي عبدالله، فامتنع ابن رائق من ذلك، فخدعاه إلى أن أجاب إليه، وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمّد بن يزداد، وقد أساس السيرة وظلم أهلها، فلّما ضمنها البريديُّ حضر عنده بالأهواز جماعة من أعيان أهلها، فوعدهم ومنّاهم، وذمّ ابن رائق عندهم بما كان يفعله ابن يزداد، فدعوا له.
ثم أنفذ البريديُّ غلامه إقبالاً في ألفَيْ رجل، وأمرهم بالمقام بحصن مهديّ إلى أن يأمرهم بما يفعلون، فلّما علم ابن يزداد بهم قامت قيامته من ذلك وعلم أنّ البريديَّ يريد التغلّب على البصرة، وإلاّ لو كان يريد التصرّف في ضمانه لكان يكفيه عامل في جماعته.
وأمر البريديُّ بإسقاط بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، حتّى اطمأنّوا، وقاتلوا معه عسكر ابن رائق، ثم عطف عليهم، فعمل بهم أعمالاً تمدنوا معها أيّام ابن رائق وعدّوها أعياداً.
ذكر ظهور الوحشة بين ابن رائق والبريديّ والحرب بينهما
في هذه السنة أيضاً ظهرت الوحشة بين ابن رائق والبريديّ، وكان لذلك عدّة أسباب منها أنّ رائق لّما عاد من واسط إلى بغداد أمر بظهور مَن اختفى من الحجريّين، فظهروا، فاستخدم منهم نحو ألفَيْ رجل، وأمر الباقين بطلب الرزق أين أرادوا، فخرجوا من بغداد، واجتمعوا بطريق خراسان، ثم ساروا إلى أبي عبدالله البريديّ فأكرمهم وأحسن إليهم، وذمّ ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداد يعتذر عن قبولهم، ويقول: إنّني خفتهم، فلهذا قبلتُهم، وجعلهم طريقاً إلى قطع ما استقرّ عليه من المال، وذكر أنّهم اتّفقوا مع الجيش الذي عنده ومنعوه من حمل المال الذي استقرّ عليه، فأنفذ إليه ابن رائق يُلزمه بإبعاد الحجريّة، فاعتذر ولم يفعل.
ومنها أنّ ابن رائق بلغه ما ذمّه به ابن الريديّ عند أهل البصرة، فساءه ذلك، وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهديّ، فعظم عليه، واتّهم الكوفيَّ بمحاباة البريديّ، وأراد عزله، فمنعه عنه أبو بكر محمّد بن مقاتل، وكان مقبول القول عند ابن رائق، فأمر الكوفيَّ أن يكتب إلى البريديّ يعاتبه على هذه الأشياء، ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهديّ، فكتب إليه في ذلك، فأجاب بأنّ أهل البصرة يُخفون القرامطة، وابن يزداد عاجز عن حمايتهم، وقد تمسّكوا بأصحابي لخوفهم.

وكان أبو طاهر الهجريُّ قد وصل إلى الكوفة في الثالث والعشرين من ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في عساكره إلى قصر ابن هُبيرة، وأرسل إلى القُرمُطيّ، فلم يستقرّ بينهم أمر، فعاد القُرمُطيُّ إلى بلده؛ فعاد حينئذ ابن رائق وسار إلى واسط، فبلغ ذلك البريديَّ، فكتب إلى عسكره بحصن مهديّ يأمرهم بدخول البصرة، وقتال مَن منعهم، وأنفذ إليهم جماعة من الحجريّة معونة لهم، فأنفذ ابن يزداد جماعة من عنده ليمنعهم من دخول البصرة، فاقتتلوا بنهر الأمير، فانهزم أصحاب ابن يزداد، فأعادهم، وزاد في عدّتهم كلّ متجنّد بالبصرة، واقتتلوا ثانياً فانهزموا أيضاً.
ودخل إقبال وأصحاب البريديّ البصرة، وانهزم ابن يزداد إلى الكوفة، وقامت القيامة على ابن رائق، وكتب إلى أبي عبدالله البريديّ يتهدّده، ويأمره بإعادة أصحابه من البصرة، فاعتذر ولم يفعل، وكان أهل البصرة في أوّل الأمر يريدون البريديَّ لسوء سيرة ابن يزداد.
ذكر استيلاء بجكم على الأهوازلّما وصل جواب الرسالة من البريديّ إلى ابن رائق بالمغالطة عن إعادة جنده من البصرة، استدعى بدراً الخَرشنيَّ وخلع عليه، وأحضر بجكم أيضاً وخلع عليه، وسيّرهما في جيش، وأمرهم أن يقيموا بالجامدة، فبادر بجكم، ولم يتوقف على بدر ومَن معه، وسار إلى السُّوس.
فبلغ ذلك البريديَّ، فأخرج إليه جيشاً كثيفاً في ثلاثة آفلا مقاتل، ومقدّمهم غلامه محمّد المعروف بالحمّال، فاقتتلوا بظاهر السُّوس، وكان مع بجكم مائتان وسبعون رجلاً من الأتراك، فانهزم أصحاب البريديّ وعادوا إليه، فضرب البريديُّ محمّداً الحمّال وقال: انهزمتَ بثلاثة آلاف من ثلاثمائة ؟ فقال له: أنت ظنَنتَ أنّك تحارب ياقوتاً المدبر، قد جاءك خلاف ما عهدتَ؛ فقام إليه وجعل يلكمه بيديه.
ثم رجع عسكره، وأضاف إليهم من لم يشهد الوقعة، فبلغوا ستّة آلاف رجل، وسيّرهم مع الحمّال أيضاً، فالتقوا عند نهر تُستَر، فبادر بجكم فعبر النهر هو وأصحابه، فلّما رآه أصحاب البريديِّ انهزموا من غير حرب، فلّما رآهم أبو عبدالله البريديُّ ركب هو وإخوته ومن يلزمه في السفن، فأخذ معه ما بقي عنده من المال، وهو ثلاثمائة ألف دينار، فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغوّاصون وقد كادوا يغرقون، وأُخرج بعض المال، وأُخرج باقي المال لبجكم، ووصلوا إلى البصرة، فأقاموا بالأُبُلّة، وأعدّوا المراكب للهرب أن انهزم إقبال.
وسيّر أبو عبدالله البريديُّ غلامه إقبالاً إلى مطارا، وسيّر معه جمعاً من فتيان البصرة، فالتقوا بمطارا مع أصحاب ابن رائق، فانهزمت الرائقيّة، وأُسر منهم جماعة، فأطلقهم البريديُّ، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة من أعيان أهل البصرة، فلم يجبهم، وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا معه، ويساعدوه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنّها، ويقتل كلّ من فيها، فازدادوا بصيرة في قتاله.
واطمأنَّ البريدّيون بعد انهزام عسكر ابن رائق، وأقاموا حينئذ بالبصرة، واستولى بجكم على الأهواز، فلّما بلغ ابن رائق هزيمة أصحابه جهّز جيشاً آخر وسيّره إلى البرّ والماء، فالتقى عسكره الذي على الظهر مع عسكر البريديّ، فانهزم الرائقيّة، وأمّا العسكر الذي في الماء فإنّهم استولوا على الكلاّء، فلمّا رأى ذلك أبو عبدالله البريديُّ ركب في السفن وهرب إلى جزيرة أُوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة في عسكر يحميها، فخرج أهل البصرة مع أبي الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاّء، فقاتلوهم حتّى أجلوهم عنه.
فلّما اتصل ذلك بابن رائق سار بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر، وكتب إلى بَجكم ليلحق به، فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدموا وقاتلوا أهل البصرة، فاشتدّ القتال، وحامى أهل البصرة، وشتموا ابن رائق، فلّما رأى بجكم ذلك هاله، وقال لابن رائق: ما الذي عملتَ بهؤلاء القوم حتى أحوجتَهم إلى هذا ؟ فقال: والله لا أدري ! وعاد ابن رائق وبجكم إلى معسكرهما.
وأمّا أبو عبدالله البريديُّ فأنّه سار من جزيرة أوال إلى عماد الدولة ابن بويه، واستجار به، وأطمعه في العراق، وهوّن عليه أمر الخليفة وإبن رائق، فنفّذ معه أخاه معزّ الدولة على ما نذكره.
فلّما سمع ابن رائق بإقبالهم من فارس إلى الأهواز سيّر بجكم إليها، فامتنع من المسير إلاّ أن يكون إليه الحرب والخراج، فأجابه إلى ذلك وسيّره إليها.

ثم إن جماعة من أصحاب البريديّ قصدوا عسكر ابن رائق ليلاً، فصاحوا في جوانبه، فانهزموا، فلّما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديُّ، وسار إلى الأهواز جريدة، فأشار جماعة على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، وأقام ابن رائق أيّاماً، وعاد إلى واسط، وكان باقي عسكره قد سبقوه إليها.
ذكر الفتنة بين أهل صقلّية وأمرائهم
في هذه السنة خالف أهل جُرجنت، وهي من بلاد صِقلّية، على أميرهم سالم بن راشد، وكان استعمله عليهم القائم العلويُّ، صاحب أفريقية، وكان سيئ السيرة في الناس، فأخرجوا عامله عليهم، فسيّر إليهم سالم جيشاً كثيراً من أهل صِقلّية وأفريقية، فاقتتلوا أشدّ قتال، فهزمهم أهل جرجنت، وتبعهم فخرج إليهم سالم، ولقيهم، واشتدّ القتال بينهم وعظم الخطب، فانهزم أهل جرجنت في شعبان.
فلمّا رأى أهل المدينة خلاف أهل جرجنت خرجوا أيضاً على سالم، وخالفوه، وعظم شغبهم عليه، وقاتلوه في ذي القعدة من هذه السنة، فهزمهم، وحصرهم بالمدينة، فأرسل إلى القائم بالمهديّة يعرّفه أنّ أهل صِقلّية قد خرجوا عن طاعته، وخالفوا عليه، ويستمدّه، فأمدّه القائم بجيش، واستعمل عليهم خليل بن إسحاق، فساروا حتّى وصلوا إلى صِقلّية، فرأى خليل من طاعة أهلها ما سرّه، وشكوا إليه مِن ظُلم سالم وجوره، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، فرقّ الناس لهم، وبكوا لبكائهم.
وجاء أهل البلاد إلى خليل وأهل جرجنت، فلمّا وصلوا اجتمع بهم سالم، وأعلمهم أنّ القائم قد أرسل خليلاً لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، فعاودوا الخلاف، فشرع خليل في بناء مدينة على مَرسى المدينة، وحصّنها، ونقض كثيراً من المدينة، وأخذ أبوابها، وسمّاها الخالصة.
ونال الناس شدّة في بناء المدينة، فبلغ ذلك أهل جرجنت، فخافوا، وتحقّق عندهم ما قال لهم سالم، وحصّنوا مدينتهم واستعدّوا للحرب، فسار إليهم خليل في جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، وحصرهم، فخرجوا إليه، والتحم القتال، واشتدّ الأمر، وبقي محاصراً لهم ثمانية أشهر لا يخلو يوم من قتال، وجاء الشتاء فرحل عنهم في ذي الحجّة إلى الخالصة فنزلها.
ولّما دخلت سنة سبع وعشرين خالف على خليل جميع القلاع وأهل مَازَر، كلّ ذلك بسعي أهل جرجنت، وبثّوا سراياهم، واستفحل أمرهم، وكاتبوا ملك القُسطنطينيّة يستنجدونه، فأمدّهم بالمراكب فيها الرجال والطعام، فكتب خليل إلى القائم يستنجده، فبعث إليه جيشاً كثيراً، فخرج خليل بمن معه من أهل صِقلّية فحصروا قلعة أبي ثَور، فملكوها وكذلك أيضاً البلّوط ملكوها، وحصروا قلعة أبلاطنوا، وأقاموا عليها حتّى انقضت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
فلمّا دخلت سنة ثمان وعشرين رحل خليل عن أبلاطنوا، وحصر جرجنت وأطال الحصار، ثم رحل عنها وترك عليها عسكراً يحاصرها، مقدّمهم أبو خلف بن هارون، فدام الحصار إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار كثير من أهلها إلى بلاد الروم، وطلب الباقون الأمان، فأمّنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلمّا نزلوا غدر بهم وحملهم إلى المدينة.
فلمّا رأى أهل سائر القلاع ذلك أطاعوا، فلمّا عادت البلاد الإسلامية إلى طاعته رحل إلى إفريقية في ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ معه وجوه أهل جرجنت، وجعلهم في مركب، وأمر بنقبه وهو في لّجة البحر فغرقوا.
ذكر عدّة حوادث
في هذه السنة خرجت الفرنج إلى بلاد الأندلس التي للمسلمين، فنهبوا وقتلوا وسبوا، ومّمن قُتل من المشهورين جحّاف بن يُمن قاضي بلنسية.
وفيها توفّي عبدالله بن محمّد بن سفيان أبو الحسين الجزّاز النحوي في ربيع الأول، وكان صحب ثعلباً والمُبرد، وله تصانيف في علوم القرآن.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائةذكر استيلاء معزّ الدولة على الأهواز
في هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز وتلك البلاد، فملكها واستولى عليها.

وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبدالله البريديّ إلى عماد الدولة، كما سبق، فلّما وصل إليه أطمعه في العراق والاستيلاء عليه، فسير معه أخاه معز الدولة إلى الأهواز، وترك أبو عبدالله البريدي، ولديه: أبا الحسن محمداً، وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة بن بويه رهينةً وساروا، فبلغ الخبر إلى بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم، فانهزم من بين أيديهم.
وكان سبب الهزيمة أن المطر اتصل أياماً كثيرة، فعطلت أوتار قسي الأتراك، فلم يقدروا على رمي النشاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره بعسكر مكرم، فقاتلوا معز الدولة بها ثلاثة عشر يوماً، ثم انهزموا إلى تستر، فاستولى معز الدولة على عسكر مكرم؛ وسار بجكم إلى تستر من الأهواز، وأخذ معه جماعة من أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل من الطريق إلى ابن رائق يعلمه الخبر، ويقول له: إن العسكر محتاج إلى المال، فإن كان معك مائتا ألف دينار، فتقيم بواسط حتى نصل إليك، وتنفق فيهم المال، وإن كان المال قليلاً فالرأي أنك تعود إلى بغداد لئلا يجري من العسكر شغب.
فلما بلغ الخبر إلى ابن رائق عاد من واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط فأقام بها، واعتقل من معه من الأهوازيين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان فيهم أبو زكرياء يحيى بن سعيد السوسي.
قال أبو زكرياء: أردت أن أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذت إليه أقول: عندي نصيحة، فأحضرني عنده، فقتل: أيها الأمير أنت تحدث نفسك بمملكة الدنيا، وخدمة الخلافة، وتدبير الممالك، كيف يجوز أن تعتقل قوماً منكوبين قد سلبوا نعمتهم وتطالبهم بمال وهم في بلد غربة، وتأمر بتعذيبهم حين جعل أمس طشت فيه نار على بطن بعضهم ؟ أما تعلم أن هذا إذا سمع عنك استوحش منك الناس وعاداك من لا يعرفك ؟ وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة، أتراه أساء إلى جميعهم ؟ لا والله، بل أساء إلى بعضهم، فأبغضوه كلهم، وعوام بغداد لا تحتمل أمثال هذا. وذكرت له فعل مرداويج، فلما سمع ذلك قال: قد صدقتني، ونصحتني؛ ثم أمر بإطلاقهم.
ولّما استولى ابن بويه والبريدي على عسكر مكرم سار أهل الأهواز إلى البريدي يهنونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريدي يحم بحمى الربع، فقال لذلك الطبيب: أما ترى يا أبا زكرياء حالي وهذه الحمى ؟ فقال له: خلطٌ، يعني في المأكول، فقال له: أكثر من هذا التخليط، قد رهجت الدنيا.
ثم ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوماً، ثم هرب البريدي من ابن بويه إلى الباسيان، فكاتبه بعتب كثير، ويذكر غدره في هربه.
وكان سبب هربه أن ابن بويه طلب عسكره الذين بالبصرة ليسيروا إلى أخيه ركن الدولة بأصبهان، معونةً له على حرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف، فلما حضروا قال لمعز الدولة: إن أقاموا وقع بينهم وبين الديلم فتنة، والرأي أن يسيروا إلى السوس ثم يسيروا إلى أصبهان؛ فأذن له في ذلك، ثم طالبه بأن يحضر عسكره الذين بحصن مهدي ليسيرهم في الماء إلى واسط، فخاف البريدي أن يعمل به مثل ما عمل هو بياقوت.
وكان الديلم يهينونه ولا يلتفتون إليه، فهرب وأمر جيشه الذي بالسوس فساروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة بالافراج له عن الأهواز حتّى يتمكن من ضمانه، فأنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة بن بويه، كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفاً من أخيه عماد الدولة لئلا يقول له: كسرت المال؛ فانتقل البريدي إلى بناباذ، وأنفذ خليفته إلى الأهواز، وأنفذ إلى معز الدولة يذكر له حاله وخوفه منه، ويطلب أن ينتقل إلى السوس من عسكر مكرم ليبعد عنه ويأمن بالأهواز.
فقال له أبو جعفر الصيمري وغيره: إن البريدي يريد أن يفعل بك كما فعل بياقوت، ويفرق أصحابك عنك، ثم يأخذك فيتقرب بك إلى بجكم وابن رائق، ويستعيد أخاك لأجلك؛ فامتنع معز الدولة من ذلك.

وعلم بجكم بالحال، فأنفذ جماعة من أصحابه، فاستولوا على السوس وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبق بيد معز الدولة من كور الأهواز إلا عسكر مكرم، فاشتد الحال عليه، وفارقه بعض جنده، وأرادوا الرجوع إلى فارس، فمنعم أصفهدوست وموسى قياده، وهما من أكابر القواد، وضمنا لهم أرزاقهم ليقيموا شهراً، فأقاموا وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه حاله، فأنفذ له جيشاً، فقوي بهم، وعاد فاستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى البصرة واستقر فيها فاستقر ابن بويه بالأهواز.
وأقام بجكم بواسط طامعاً في الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، ولا يظهر له شيئاً من ذلك، وأنفذ ابن رائق علي بن خلف بن طياب إلى بجكم ليسير مع إلى الأهواز ويخرج منها ابن بويه، فإذا فعل ذلك كانت ولايتها لبجكم والخراج إلى علي بن خلف، فلما وصل عليٌ إلى بجكم بواسط استوزره بجكم، وأقام معه، وأخذ بجكم جميع مال واسط.
ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق في مصر والشام، وصاهره، وعقد بينه وبين ابن طغج عهداً وصهراً، وقال لابن رائق: أنا أجبي إليك مال مصر والشام أن سيرتني إليهما، فأمره بالتجهز للحركة، ففعل وسار أبو الفتح إلى الشام في ربيع الآخر.
ذكر الحرب بين بجكم والبريدي والصلح بعد ذلكلما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق لأنه ظن ما فعله بجكم من التغلب على العراق، فراسل أبا عبدالله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم، فإذا انهزم تسلم البريدي واسطاً وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة على أن ينفذ أبو عبدالله عسكراً.
فسمع بجكم بذلك، فخاف واستشار أصحابه في الذي يفعله، فأشاروا عليه بأن يبتديء بأبي عبدالله البردي، وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة، ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ من البريدي، فجمع عسكره، وسار إلى البصرة يريد البريدي، فسير أبو عبدالله جيشاً بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل، عليهم غلامه أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر البريدي، ولم يتبعهم بجكم بل كف عنهم.
وكان البريديون بمطارا ينتظرون ما ينكشف من الحال، فلما انهزم عسكرهم خافوا، وضعفت نفوسهم، إلا أنه لما رأى عسكره سالماً لم يقتل منهم أحد ولا غرق طاب قلبه.
وكانت نية بجكم إذلال البريدي وقطعه عن ابن رائق، ونفسه معلقة بالحضرة، فأرسل ثاني يوم الهزيمة إلى البريدي يعتذر إليه مما جرى، ويقول له: أنت بدأت وتعرضت بي، وقد عفوت عنك وعن أصحابك، ولو تبعتهم لغرق وقتل أكثرهم، وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطاً إذا ملكت الحضرة، وأصاهرك؛ فسجد البريدي شكراً لله تعالى، وحلف لبجكم وتصالحا، وعاد إلى واسط، وأخذ في التدبير على ابن رائق، والاستيلاء على الحضرة ببغداد.
ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانهفي هذه السنة، في منتصف شوال، قطعت يد الوزير أبي عليّ بن مقلة.
وكان سبب قطعها أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام استوزر الخليفة الراضي بالله أبا علي بن مقلة، وليس له من الأمر شيء إنما الأمر جميعه إلى ابن رائق، وكان ابن رائق قبض أموال ابن مقلة وأملاكه، وأملاك ابنه، فخاطبه فلم يردها، فاستمال أصحابه، وسألهم مخاطبته في ردها، فوعدوه، فلم يقضوا حاجته، فلما رأى ذلك سعى بابن رائق، فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير بمثل ذلك، وهو بالري، وكتب إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار عليه باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق، فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضي، ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداد.

وطلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتفقا عليه، فأذن له في ذلك، فحضر متنكراً ليلة من رمضان، وقال: أن القمر تحت الشعاع، وهو يصلح للأسرار؛ فكان عقوبته حيث نظر إلى غير الله أن ذاع سره وشهر أمره، فلما حصل بدار الخليفة لم يوصله الراضي إليه، واعتقله في حجرة، فلما كان الغد أنفذ إلى ابن رائق يعرفه الحال، ويعرض عليه خط ابن مقلة، فشكر الراضي، وما زالت الرسل تتردد بينهما في معنى ابن مقلة إلى منتصف شوال، فأُخرج ابن مقلة من محبسه، وقطعت يده ثم عولج فبرأ، فعاد يكاتب الراضي، ويخطب الوزارة، ويذكر أن قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب.
فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك، فقال: أن وصل بجكم فهو يخلصني، وأكافئ ابن رائق؛ وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضي وإلى ابن رائق، فأمرا بقطع لسانه، ثم نقل إلى محبس ضيق، ثم لحقه ذرب في الحبس، ولم يكن عنده من يخدمه، فآل به الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه، ولحقه شقاء شديد إلى أن مات ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه، فنبش وسلم إليهم، فدفنوه في داره، ثم نبش فنقل إلى دار أخرى.
ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء، وسافر ثلاث سفرات: اثنتين منفياً إلى شيراز، وواحدة في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخص به من خدمة ثلاثة.
ذكر استيلاء بجكم على بغدادوفي هذه السنة دخل بجكم بغداد، ولقي الراضي، وقلد إمرة الأمراء مكان ابن رائق، ونحن نذكر ابتداء أمر بجكم، وكيف بلغ إلى هذه الحال، فإن بعض أمره قد تقدم، وإذا افترق لم يحصل الغرض منه.
كان بجكم هذا من غلمان أبي علي العارض، وكان وزيراً لما كان بن كالي الديلمي، فطلبه منه ما كان، فوهبه له، ثم إنه فارق ما كان مع من فارقه من أصحابه والتحق بمرداويج، وكان في جملة من قتله، وسار إلى العراق، واتصل بابن رائق، وسيره إلى الأهواز فاستولى عليها وطرد البريدي عنها.
ثم خرج البريدي مع معز الدولة بن بويه من فارس إلى الأهواز، فأخذوها من بجكم، وانتقل بجكم من الأهواز إلى واسط، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلاً، فلما استقر بواسط تعلقت همته بالاستيلاء على حضرة الخليفة، وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي، فلما وصلته كتب ابن مقلة يعرفه أنه قد استقر مع الراضي أن يقلده إمرة الأمراء، طمع في ذلك، وكاشف ابن رائق، ومحا نسبته إليه من أعلامه، وسار من واسط نحو بغداد غرة ذي القعدة.
واستعد ابن رائق له، وسأل الراضي أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط، فكتب الراضي إليه، وسير الكتاب، فلما قرأه ألقاه عن يده ورمى به، وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي، وكان أصحاب ابن رائق على غربيه، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم في الماء فانهزم أصحاب ابن رائق، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد، وخرج ابن رائق عنها إلى عكبرا ودخل بجكم بغداد ثالث عشر ذي القعدة، ولقي الراضي من الغد، وخلع عليه، وجعله أمير الأمراء، وكتب كتباً عن الراضي إلى القواد الذين مع ابن رائق يأمرهم بالرجوع إلى بغداد، ففارقوه جميعهم وعادوا.
فلما رأى ابن رائق ذلك عاد إلى بغداد واستتر، ونزل بجكم بدار مؤنس، واستقر أمره ببغداد، فكانت مدة إمارة أبي بكر بن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، ومن مكر بجكم أنه كان يراسل ابن رائق على لسان أبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، قال أبو زكرياء: أشرت على بجكم أنه لا يكاشف ابن رائق، فقال: لم أشرت بهذا ؟ فقلت له: أنه قد كان له عليك رئاسة وإمرة، وهو أقوى منك وأكثر عدداً، والخليفة معه، والمال عنده كثير؛ فقال: أما كثرة رجاله فهم جوز فارغ، وقد بلوتهم، فما أبالي بهم قلوا أم كثروا؛ وأما كون الخليفة معه، فهذا لا يضرني عند أصحابي؛ وأما قلة المال معي فليس الأمر كذلك، وقد وفيت أصحابي مستحقهم، ومعي ما يستظهر به، فكم تظن مبلغه ؟ فقلت: لا أدري ؟! فقال: على كل حال؛ فقلت: مائة ألف درهم؛ فقال: غفر الله لك، معي خمسون ألف دينار لا أحتاج إليها.

فلما استولى على بغداد قال لي يوماً: أتذكر إذ قلت لك: معي خمسون ألف دينار ؟ والله لم يكن معي غير خمسة آلاف درهم؛ فقلت: هذا يدلّ على قلة ثقتك بي؛ قال: لا ولكنك كنت رسولي إلى ابن رائق، فإذا علمت قلة المال معي ضعفت نفسك فطمع العدو فينا فأردت أن تمضي إليه بقلب قوي، فتكلمه بما تخلع به قلبه وتضعف نفسه. قال: فعجبت من مكره وعقله.
ذكر استيلاء لشكري على أذربيجان وقتلهوفيها تغلب لشكري بن مردى على أذربيجان، ولشكري هذا أعظم من الذي تقدم ذكره، فإن هذا كان خليفة وشمكير على أعمال الجبل، فجمع مالاً ورجالاً وسار إلى أذربيجان، وبها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي، وهو من أصحاب ابن أبي الساج، فجمع عسكراً وتحارب هو ولشكري، فانهزم ديسم، ثم عاد وجمع، وتصافا مرة ثانية، فانهزم أيضاً واستولى لشكري على بلاده، إلا أردبيل، فإن أهلها امتنعوا بها لحصانتها، ولهم بأس ونجدة، وهي دار المملكة بأذربيجان، فراسلهم لشكري، ووعدهم الإحسان لما كان يبلغهم من سوء سيرة الديلم مع بلاد الجبل همذان وغيرها، فحصرهم وطال الحصار، ثم صعد أصحابه السور ونقبوه أيضاً في عدة مواضع ودخلوا البلد.
وكان لشكري يدخله نهاراً، ويخرج منه ليلاً إلى عسكره، فبادر أهل البلد وأصلحوا ثلم السور، وأظهروا العصيان، وعاودوا الحرب، فندم على التفريط وإضاعة الحزم؛ فأرسل أهل أردبيل إلى ديسم يعرفونه الحال ويواعدونه يوماً يجيء فيه ليخرجوا فيه إلى قتال لشكري، ويأتي هو من ورائه، ففعل وسار نحوهم، وظهروا يوم الموعد في عدد كثير، وقاتلوا لشكري، وأتاه ديسم من خلف ظهره، فانهزم أقبح هزيمة، وقتل من أصحابه خلق كثير، وانحاز إلى موقان، فأكرمه أصبهبذها ويعرف بابن دولة، وأحسن ضيافته.
وجمع لشكري وسار نحو ديسم، وساعده ابن دولة، فهرب ديسم وعبر نهر أرس، وعبر بعض أصحاب لشكري إليه، فانهزم ديسم، وقصد وشمكير، وهو بالري، وخوفه من لشكري، وبذل له مالاً كل سنة ليسير معه عسكراً، فأجابه إلى ذلك وسير معه عسكراً، وكاتب عسكر لكشري وشمكير يعلمونه بما هم عليه من طاعته، وأنهم متى رأوا عسكره صاروا معه على لشكري، فظفر لشكري بالكتب، فكتم ذلك عنهم، فلما قرب منه عسكر وشمكير جمع أصحابه وأعلمهم ذلك وأنه لا يقوى بهم، وأنه يسير بهم نحو الزوزان، وينهب من على طريقه من الأرمن، ويسير نحو الموصل ويستولي عليها وعلى غيرها، فأجابوه إلى ذلك، فسار بهم إلى أرمينية وأهلها غافلون، فنهب وغنم وسبى، وانتهى إلى الزوزان ومعهم الغنائم؛ فنزل بولاية إنسان أرمني، وبذل له مالاً ليكف عنه وعن بلاده، فأجابه إلى ذلك.
ثم إن الأرمني كمن كميناً في مضيق هناك، وأمر بعض الأرمن أن ينهب شيئاً من أموال لشكري ويسلك ذلك المضيق، ففعلوا، وبلغ إلى لشكري، فركب في خمسة أنفس، فسار وراءهم، فخرج عليه الكمين فقتلوه ومن معه، ولحقه عسكره، فرأوه قتيلاً ومن معه، فعادوا وولوا عليهم ابنه لشكرستان، واتفقوا على أن يسيروا على عقبة التنين، وهي تجاوز الجودي، ويحرزوا سوادهم، ويرجعوا إلى بلد الأمني فيدركوا آثارهم، فبلغ ذلك طرم فرتب الرجال على تلك المضايق يرمونهم بالحجارة، ويمنعونهم العبور، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وسلم القليل منهم، وفيمن سلم لشكرستان، وسار فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فأقام بعضهم عنده وانحدر بعضهم إلى بغداد.
فأما الذين أقاموا بالموصل فسيرهم مع ابن عم أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان إلى ما بيده من أذربيجان لما أقبل نحوه ديسم ليستولي عليه، وكان أبو عبدالله من قبل ابن عمه ناصر الدولة على معاون أذربيجان، فقصده ديسم وقاتله فلم يكن لابن حمدان به طاقة، ففارق أذربيجان واستولى عليها ديسم.
ذكر اختلال أمور القرامطةفي هذه السنة فسد حال القرامطة، وقتل بعضهم بعضاً.

وسبب ذلك أنه كان رجل منهم يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبي سعيد القرمطي والمطلعين على سره وكان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصبهان وقال له: إذا ملكتك أمر القرامطة أريد منك أن تقتل عدوي أبا حفص؛ فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار أبي سعيد، وعلامات كان يذكر أنها في صاحبهم الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعو إليه؛ فأطاعوه، ودانوا له، حتى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره رجلاً يقول له إنه مريض، يعني أنه قد شك في دينه، ويأمر بقتله.
وبلغ أبا طاهر أن الأصبهاني يريد قتله ليتفرد بالملك، فقال لإخوته: لقد أخطأنا في هذا الرجل، وسأكتشف حاله، فقال له: إن لنا مريضاً، فانظر إليه ليبرأ، فحضروا وأضجعوا والدته وغطوها بإزار، فلما رآها قال: أن هذا المريض لا يبرأ فاقتلوه ! فقالوا له: كذبت، هذه والدته؛ ثم قتلوه بعد أن قتل منهم خلق كثير من عظمائهم وشجعانهم. وكان هذا سبب تمسكهم بهجر، وترك قصد البلاد، والإفساد فيها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان القيم به ابن ورقاء الشيباني، وكان عدة من فودي من المسلمين ستة آلاف وثلاثمائة من بين ذكر وأنثى، وكان الفداء على نهر البدندون.
وفيها ولد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
ذكر مسير الراضي وبجكم إلى الموصل
وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام
في هذه السنة، في المحرم، سار الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة.
وسبب ذلك أن ناصر الدولة بن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان البلاد التي بيده، فاغتاظ الراضي منه لسبب ذلك، فسار هو وبجكم إلى الموصل، ومعهما قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد، فلما بلغوا تكريت أقام الراضي بها، وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بالكحيل على ستة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم أصحاب ناصر الدولة، وساروا إلى نصيبين، وتبعهم بجكم ولم ينزل بالموصل.
فلما بلغ نصيبين سار ابن حمدان إلى آمد، وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح، فسار من تكريت في الماء يريد الموصل، وكان مع الراضي جماعة من القرامطة، فانصرفوا عنه إلى بغداد قبل وصول كتاب بجكم، وكان ابن رائق يكاتبهم، فلما بلغوا بغداد ظهر ابن رائق من استتاره واستولى على بغداد، ولم يعرض لدار الخليفة.
وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء إلى البر، سار إلى الموصل، وكتب إلى بجكم بذلك، فعاد عن نصيبين، فلما بلغ خبر عوده إلى ناصر الدولة سار من آمد إلى نصيبين، فاستولى عليها وعلى ديار ربيعة، فقلق بجكم لذلك، وتسلل أصحابه إلى بغداد، فاحتاج أن يحفظ أصحابه، وقال: قد حصل الخليفة وأمير الأمراء على قصبة الموصل حسب.
وأنفذ ابن حمدان قبل أن يتصل به خبر ابن رائق، يطلب الصلح ويعجل خمسمائة ألف درهم، ففرح بجكم بذلك، وأنهاه إلى الراضي، فأجاب إليه، واستقر الصلح بينهم، وانحدر الراضي وبجكم إلى بغداد. وكان قد راسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يلتمس الصلح، فسار إليهم إلى الموصل وأدى الرسالة إلى بجكم، فأكرمه بجكم وأنزله معه، وأحسن إليه، وقدمه إلى الراضي فأبلغه الرسالة أيضاً، فأجابه الراضي وبجكم إلى ما طلب وأرسل في جواب رسالته قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد، وقلده طريق الفرات وديار مضر: حران والرها وما جاورها وجند قنسرين والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضاً إلى هذه القاعدة، وسار عن بغداد إلى ولايته، ودخل الراضي وبجكم بغداد تاسع ربيع الآخر.
ذكر وزارة البريدي للخليفةفي هذه السنة مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة، وقد ذكرنا سبب مسيره إلى الشام، فكانت وزارته سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً، ولما سار إلى الشام استناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري.

وكان بجكم قد قبض على وزيره علي بن خلف بن طباب، فاستوزر أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، فسعى أبو جعفر في الصلح بين بجكم والبريدي، فتم ذلك، ثم ضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة، ثم شرع ابن شيرزاد أيضاً، بعد موت أبي الفتح الوزير بالرملة، في تقليد أبي عبدالله البريدي الوزارة؛ فأرسل إليه الراضي في ذلك، فأجاب إليه في رجب، واستناب بالحضرة عبدالله بن علي النقري أيضاً كما كان يخلف أبا الفتح.
ذكر مخالفة بالبا على الخليفةكان بجكم قد استناب بعض قواد الأتراك ويعرف بب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:03 am

ذكر موت الراضي بالله
في هذه السنة مات الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر، منتصف ربيع الأول، وكانت خلافته ست سنين وعشرين أشهر وعشرة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وشهوراً، وكانت علته الاستسقاء، وكان أديباً شاعراً، فمن شعره:
يصفرّ وجهي إذا تأمّله ... طرفي ويحمرّ وجهه خجلا

حتّى كأنّ الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا
وله أيضاً يرثي أباه المقتدر:
ولو أنّ حيّاً كان قبراً لميّتٍ ... لصيّرت أحشائي لأعظمه قبرا
ولو أنّ عمري كان طوع مشيئتي ... وساعدني التقدير قاسمته العمرا
بنفس ثرىً ضاجعت في تربه البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا
ومن شعره أيضاً:
كلّ صفوٍ إلى كدر ... كلّ أمنٍ إلى حذر
ومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكبر
درّ درّ المشيب من ... واعظ ينذر البشر
أيّها الآمل الذي ... تاه في لجّة الغرر
أين من كان قبلها ... درس العين والأثر
سيردّ المعاد من ... عمره كلّه خطر
ربّ إنّي ذخرت عن ... دك أرجوك مدّخر
إنّني مؤمن بما بيّ ... ن الوحي في السّور
واعترافي بترك نف ... عي وإيثاري الضّرر
ربّ، فاغفر لي الخطي ... ئة يا خير من غفر
وكان الراضي أيضاً سمحاً، يحبّ محادثة الأدباء والفضلاء، والجلوس معهم.
ولّما مات أحضر بجكم ندماءه وجلساءه وطمع أن ينتفع بهم، فلم يفهم منهم ما ينتفع به، وكان منهم سنان بن ثابت الصابي الطبيب، فأحضره وشكا إليه غلبة القوة الغضبية عليه، وهو كاره لها، فما زال معه في تقبيح ذلك عنده، وتحسين ضده من الحلم، والعفو، والعدل، وتوصل معه حتى زال أكثر ما كان يجده، وكف عن القتل والعقوبات.
وكان الراضي أسمر، أعين، خفيف العارضين، وأمه أم ولد اسمها ظلوم، وختم الخلفاء في أمور عدة، فمنها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة خطب كثيراً على منبر، وإن كان غيره قد خطب نادراً لا اعتبار به، وكان آخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت له نفقته، وجوائزه، وعطاياه، وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، ومجالسه، وخدمه، وحجابه، وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين.
ذكر خلافة المتقي للهلّما مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة موقوفاً انتظاراً لقدوم أبي عبد الله الكوفي، كاتب بجكم، من واسط، وكان بجكم بها.
واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، كل من تقلد الوزارة، وأصحاب الدواوين، والعلويون، والقضاة، والعباسيون، ووجوه البلد، ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقته، فجمعهم الكوفي واستشارهم، فذكر بعضهم إبراهيم بن المقتدر، وتفرقوا على هذا، فلما كان الغد اتفق الناس عليه، فأحضر في دار الخلافة، وبويع له في العشرين من ربيع الأول، وعرضت عليه ألقاب، فاختار المتقي لله، وبايعه الناس كافة، وسير الخلع واللواء إلى بجكم بواسط.
وكان بجكم، بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي، قد أرسل إلى دار الخلافة فأخذ فرشاً وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجبه، وأقر سليمان على وزارته، وليس من الوزارة إلا اسمها، وإنما التدبير كله إلى الكوفي كاتب بجكم.
ذكر قتل ماكان بن كالي واستيلاء أبي علي بن محتاج على الريقد ذكرنا مسير أبي علي بن محمد بن المظفر بن محتاج إلى جرجان، وإخراج ما كان عنها، فلما سار عنها ما كان قصد طبرستان وأقام بها، وأقام أبو علي بجرجان يصلح أمرها، ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، وسار نحو الري في المحرم من هذه السنة، فوصلها في ربيع الأول، وبها وشمكير بن زيار، أخو مرداويج.
وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي، ويحثانه على قصد وشمكير، ويعدانه المساعدة، وكان قصدهما أن تؤخذ الري من وشمكير، فإذا أخذها أبو علي لا يمكنه المقام بها لسعة ولايته بخراسان، فيغلبان عليها.

وبلغ أمر اتفاقهم إلى وشمكير. وكاتب ما كان بن كالي يستخدمه ويعرفه الحال، فسار ما كان بن كالي من طبرستان إلى الري، وسار أبو علي وأتاه عسكر ركن الدولة بن بويه، فاجتمعوا معه بإسحاقاباذ، والتقوا هم ووشمكير، ووقف ما كان بن كالي في القلب وباشر الحرب بنفسه، وعبأ أبو علي أصحابه كراديس، وأمر من بإزاء القلب أن يلحوا عليهم في القتال، ثم يتطاردوا لهم ويستجروهم، ثم وصى من بأزاء الميمنة والميسرة أن يناوشوهم مناوشة بمقدار ما يشغلونهم عن مساعدة من في القلب، ولا يناجزوهم، ففعلوا ذلك.
وألح أصحابه على قلب وشمكير بالحر، ثم تطاردوا لهم، فطمع فيهم ما كان ومن معه، فتبعوهم، وفارقوا مواقفهم، فحينئذ أمر أبو علي الكراديس التي بإزاء الميمنة والميسرة أن يتقدم بعضهم، ويأتي من في قلب وشمكير من ورائهم، ففعلوا ذلك، فلما رأى أبو علي أصحابه قد أقبلوا من وراء ما كان ومن معه من أصحابه أمر المتطاردين بالعود والحملة على ما كان وأصحابه، وكانت نفوسهم قد قويت بأصحابهم، فرجعوا وحملوا على أولئك، وأخذهم السيف من بين أيديهم ومن خلفهم فولوا منهزمين.
فلما رأى ما كان ذلك ترجل، وأبلى بلاء حسناً، وظهرت منه شجاعة لم ير الناس مثلها، فأتاه سهم غرب، فوقع في جبينه، فنفذ في الخوذة والرأس حتى طلع من قفاه، وسقط ميتاً، وهرب وشمكير ومن سلم معه إلى طبرستان، فأقم بها، واستولى أبو علي على الري، وأنفذ رأ ما كان إلى بخارى والسهم فيه، ولم يحمل إلى بغداد حتى قتل بجكم لأن بجكم كان من أصحابه، وجلس للعزاء لما قتل، فلما قتل بجكم حمل الرأس من بخارى إلى بغداد فيه وفي الخوذة، وأنفذ أبو علي الأسرى إلى بخارى أيضاً، وكانوا بها حتى دخل وشمكير في طاعة آل سامان، وسار إلى خراسان فاستوهبهم، فأطلقوا له على ما نذكره سنة ثلاثين.
ذكر قتل بجكموفي هذه السنة قتل بجكم.
وكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي أنفذ جيشاً من البصرة إلى مذار، فأنفذ بجكم جيشاً إليهم عليهم توزون، فاقتتلوا قتالاً شديداً كان أولاً على توزون، فكتب إلى بجكم يطلب أن يلحق به، فسار بجكم إليهم من واسط، منتصف رجب، فلقيه كتاب توزون بأنه ظفر بهم وهزمهم، فأراد الرجوع إلى واسط، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يتصيد، فقبل منه، وتصيد حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكراداً لهم مال وثروة، فشرهت نفسه إلى أخذه، فقصدهم في قلة من أصحابه بغير جنة تقية، فهرب الأكراد من بين يديه، ورمى هو أحدهم فلم يصه، فرمى آخر فأخطأه أيضاً، وكان لا يخيب سهمه، فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه في خاصرته، وهو لا يعرفه، فقتله وذلك لأربع بقين من رجب، واختلف عسكره، فمضى الديلم خاصة نحو البريدي، وكانوا ألفاً وخمسمائة، فأحسن إليهم، وأضعف أرزاقهم، وأوصلها إليهم دفعة واحدة.
وكان البريدي قد عزم على الهرب من البصرة هو وإخوته، وكان بجكم قد راسل أهل البصرة وطيب قلوبهم، فمالوا إليه فأتى البريديين الفرج من حيث لم يحتسبوا، وعاد أتراك بجكم إلى واسط، وكان تكينك محبوساً بها، حبسه بجكم، وأخرجوه من محبسه، فسار بهم إلى بغداد، وأظهروا طاعة المتقي لله.
وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون يدبر الأمور، واستولى المتقي على دار بجكم، فأخذ ماله منها، وكان قد دفن فيها مالاً كثيراً، وكذلك أيضاً في الصحراء لأنه خاف أن ينكب فلا يصل إلى ماله في داره.
وكان مبلغ ما أخذ من ماله ودفائنه ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.
ذكر إصعاد البريديين إلى بغدادلما قتل بجكم اجتمعت الديلم على بلسواز بن مالك بن مسافر، فقتله الأتراك، فانحدر الديلم إلى أبي عبدالله البريدي، وكانوا منتخبين ليس فيهم حشو، فقوي بهم، وعظمت شوكته، فأصعده من البصرة إلى واسط في شعبان، فأرسل المتقي لله إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا، فقالوا: نحن محتاجون إلى مال، فإن أنفذ لنا منه شيء لم نصعد؛ فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال الأتراك للمتقي: نحن نقاتل بني البريدي، فأطلق لنا مالاً وانصب لنا مقدماً؛ فأنفق فيهم مالاً، وفي أجناد بغداد القدماء، أربعمائة ألف دينار من المال الذي أخذ لبجكم، وجعل عليهم سلامة الطولوني، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان.

وسار البريدي من واسط إلى بغداد، ولم يقف على ما استقر معه، فلما قرب من بغداد اختلف الأتراك البجكمية، واستأمن بعضهم إلى البريدي، وبعضهم سار إلى الموصل، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبدالله الكوفي، ولم يحصل الخليفة إلا على إخراج المال، وهم أرباب النعم والأموال، بالانتقال من بغداد خوفاً من البريدي وظلمه وتهوره.
ودخل أبو عبدالله البريدي بغداد ثاني عشر رمضان، ونزل بالشفيعي، ولقيه الوزير أبو الحسين، والقضاة، والكتاب، وأعيان الناس، وكان معه من أنواع السفن ما لا يحصى كثرةً، فأنفذ إليه المتقي يهنيه بسلامته، وأنفذ إليه طعاماً وغيره عدة ليال، وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير الخليفة أيضاً، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارة أبي الحسين ثلاثة وثلاثين يوماً، ثم قبض أبو عبدالله البريدي على أبي الحسين وسيره إلى البصرة وحبسه بها إلى أن مات في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة من حمى حادة.
ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطل خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند، فامتنع عليه، فأرسل إليه يتهدده، ويذكره ما جرى على المعتز، والمستعين، والمهتدي، وترددت الرسل، فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار ولم يلق البريدي المتقي لله مدة مقامه ببغداد.
ذكر عود البريدي إلى واسطكان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ الخليفة إليه المال المذكور انصرفت أطماع الجند عن الخليفة إلى البردي وعادت مكيدته عليه، فشغب الجند عليه، وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي وقدم الأتراك على أنفسهم تكينك التركي غلام بجكم، وثار الديلم إلى دار البريدي، فأحرقوا دار أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها، ونفروا عن البريدي وانضاف تكينك إليهم، وصارت أيديهم واحدة، واتفقوا على قصد البريدي ونهب ما عنده من الأموال، فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة، فقطع البريدي الجسر، ووقعت الحرب في الماء ووثب العامة بالجانب الغربي على أصحاب البريدي، فهرب هو وأخوه وابنه أبو القاسم وأصحابه، وانحدروا في الماء إلى واسط، ونهبت داره في النجمي ودور قواده؛ وكان هربه سلخ رمضان، وكانت مدة مقامه أربعة وعشرين يوماً.
ذكر إمارة كورتكين الديلميلما هرب البريدي استولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل إلى المتقي لله، فقلده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن بن عيسى، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسمية بوزارة، ثم إن كورتكين قبض تكينك التركي خامس شوال، وغرقه، وتفرد بالأمر، ثم أن العامة اجتمعوا يوم الجمعة سادس شوال، وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم، فلم ينكر ذلك، فمنعت العامة الخطيب من الصلاة، واقتتلوا هم والديلم، فقتل من الفريقين جماعة.
ذكر عود ابن رائق إلى بغدادفي هذه السنة عاد أبو بكر محمد بن رائق من الشام إلى بغداد، وصار أمير الأمراء.
وكان سبب ذلك أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من القواد توزون، وخجخج، ونوشتكين، وصيغون، فلما وصلوا إليه أطمعوه في العود إلى العراق، ثم وصلت إليه كتب المتقي يستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من رمضان، واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل، فلما وصل إلى الموصل تنحى عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا، واتفقا على أن يتصالحا، وحمل ابن حمدان إليه مائة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداد، فقبض كورتكين على القراريطي الوزير، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي في ذي القعدة، وكانت وزارة القراريطي ثلاثة وأربعين يوماً، وبلغ خبر ابن رائق إلى أبي عبدالله البريدي، فسير إخوته إلى واسط فدخلوها، وأخرجوا الديلم عنها، وخطبوا له بواسط، وخرج كورتكين عن بغداد إلى عكبرا، ووصل إليه ابن رائق، فوقعت الحرب بينهم، واتصلت عدة أيام.

فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة سار ابن رائق ليلاً من عكبرا هو وجيشه، فأصبح ببغداد، فدخلها من الجانب الغربي هو وجميع جيشه، ونزل في النجمي، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقيه، وركب المتقي لله معه في دجلة، ثم عاد ووصل هذا اليوم بعد الظهر كورتكين مع جميع جيشه من الجانب الشرقي، وكانوا يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون: أين نزلت هذه القافلة الواصلة من الشام ؟ ونزلوا بالجانب الشرقي.
ولما دخل كورتكين بغداد أيس ابن رائق من ولايتها فأمر بحمل أثقاله والعود إلى الشام، فرفع الناس أثقالهم، ثم إنه عزم أن يناوشهم شيئاً من قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا الأتراك من ورائهم، ثم إنه ركب في سميرية، وركب معه عدة من أصحابه في عشرين سميرية، ووقفوا يرمون الأتراك بالنشاب. وصل أصحابه وصاحوا من خلفهم، واجتمعت العامة مع أصحاب ابن رائق يضجون، فظن كورتكين أن العسكر قد جاءه من خلفه ومن بين يديه، فانهزم هو وأصحابه، واختفى هو، ورجمهم العامة بالآجر وغيره.
وقوي أمر ابن رائق، وأخذ من استأمن إليه من الديلم فقتلهم عن آخرهم وكانوا نحو أربعمائة، فلم يسلم منهم غير رجل واحد اختفى بين القتلى، وحمل معهم في الجواليق، وألقي في دجلة فسلم وعاش بعد ذلك دهراً؛ وقتل الأسرى من قواد الديلم، وكانوا بضعة عشر رجلاً، وخلع المتقي على ابن رائق، وجعله أمير الأمراء، وأمر أبا جعفر الكرخي بلزوم بيته، وكانت وزارته ثلاثة وثلاثين يوماً، واستولى أحمد الكوفي على الأمر فدبره، ثم ظفر ابن رائق بكورتكين فحبس بدار الخليفة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بالعراق غلاء شديد، فاستسقى الناس في ربيع الأول، فسقوا مطراً قليلاً لم يجر منه ميزاب، ثم اشتد الغلاء والوباء، وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعة في القبر الواحد ولا يغسلون، ولا يصلى عليهم، ورخص العقار ببغداد والأثاث حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم. وانقضى تشرين الأول، وتشرين الثاني، والكانونان، وشباط، ولم يجيء غير المطرة التي عند الاستسقاء، ثم جاء المطر في آذار ونيسان.
وفيها، في شوال، استوزر المتقي لله أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي، بعد عود بني البريدي من بغداد، وجعل بدراً الخرشني حاجبه، فبقي وزيراً إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة، فقبض عليه كورتكين، وكانت وزارته ثلاثة وأربعين يوماً، واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، فبقي وزيراً إلى الثامن والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فعزله ابن رائق لما استولى على الأمور ببغداد، فكانت وزارته اثنين وثلاثين يوماً، ودبر الأمور أبو عبدالله الكوفي كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة.
وفيها عاد الحجاج إلى العراق، ولم يصلوا إلى المدينة بل سلكوا الجادة بسبب طالبي ظهر بتلك الناحية وقوي أمره.
وفيها كثرت الحميات ووجع المفاصل في الناس، ومن عجل الفصاد بريء وإلا طال مرضه.
وفي أيام الراضي توفي أبو بشر أخو متى بن يونس الحكيم الفيلسوف، وله تصانيف في شرح كتب أرسطاطاليس.
وفيها، في ذي الحجة، مات بختيشوع بن يحيى الطبيب.
وفيها مات محمد بن عبدالله البلغمي، وزير السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان، وكان من عقلاء الرجال، وكان نصر قد صرفه عن وزارته سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وجعل مكانه محمد بن محمد الجيهاني.
وفيها توفي أبو كر محمد بن المظفر بن محتاج ودفن بالصغانيان؛ وأبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، رئيس الحنابلة، توفي مستتراً، ودفن في تربة نصر القشوري، وكان عمره ستاً وسبعين سنة.
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
ذكر وزارة البريدي
في هذه السنة وزر أبو عبدالله البريدي للمتقي لله.
وكان سبب ذلك أن ابن رائق استوحش من البريدي لأنه أخر حمل المال، وانحدر إلى واسط عاشر المحرم، فهرب بنو البريدي إلى البصرة، وسعى لهم أبو عبدالله الكوفي حتى عادوا وضمنوا بقايا واسط بمائة وتسعين ألف دينار، وضمنوها كل سنة بستمائة ألف دينار.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:09 am

وعاد ابن رائق إلى بغداد، فشغب الجند عليه ثاني ربيع الآخر، وفيهم توزون وغيره من القواد، ورحلوا في العشر الآخر من ربيع الآخر إلى أبي عبدالله البريدي بواسط، فلما وصلوا إليه قوي بهم، فاحتاج ابن رائق إلى مداراته، فكاتب أبا عبدالله البريدي بالوزارة، وأنفذ له الخلع، واستخلف أبا عبدالله بن شيرزاد، ثم وردت الأخبار إلى بغداد بعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد، فأزال ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطي، ولعن بني البريدي على المنابر بجانبي بغداد.
ذكر استيلاء البريدي على بغداد
وإصعاد المتقي إلى الموصل
وسير أبو عبدالله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداد في جميع الجيش من الأتراك والديلم، وعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخليفة، فأصلح سورها، ونصب عليه العرادات والمنجنيقات، وعلى دجلة، وانهض العامة، وجند بعضهم، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً.
وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم أبو الحسين عنده في الماء والبر، واقتتل الناس، وكانت العامة على شاطئ دجلة في الجانبين يقاتلون من في الماء من أصحاب البريدي، وانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب البريدي على دار الخليفة، ودخلوا إليها في الماء وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين فارساً، ولحق بهما ابن رائق في جيشه، فساروا جميعاً نحو الموصل، واستتر الوزير القراريطي، وكانت مدة وزارته الثانية أربعين يوماً، وإمارة ابن رائق ستة أشهر، وقتل أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوها، ونهبوا دور الحرم.
وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً، وأخذوا كورتكين من حبسه، وأنفذه أبو الحسين إلى أخيه بواسط فكان آخر العهد به، ولم يتعرضوا للقاهر بالله، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق وعظم النهب، فأقام أبو الحسين توزون على الشرطة بشرقي بغداد، وجعل نوشتكين على شركة الجانب الغربي، فسكن الناس شيئاً يسيراً، وأخذ أبو الحسين البريدي رهائن القواد الذين مع توزون وغيره، وأخذ نساءهم وأولادهم فسيرهم إلى أخيه أبي عبدالله بواسط.
ذكر ما فعله البريدي ببغدادلما استولى على بغداد أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب، وجعلوا طلبها طريقاً إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها ونزلت، وعظم الأمر، وجعل على كر من الحنطة، والشعير، وأصناف الحبوب، خمسة دنانير، وغلت الأسعار فبيع كر الحنطة بثلاثمائة وستة عشر ديناراً، والخبز الخشكوار رطلين بقيراطين صحيح أميري، وحبط أهل الذمة، وأخذ القوي بالضعيف، وورد من الكوفة وسوادها خمسمائة كر من الحنطة والشعير، فأخذه جميعه وادعى أنه للعامل بتلك الناحية.
ووقعت الفتن بين الناس، فمن ذلك أنه كان معه طائفة من القرامطة، فجرى بينهم وبين الأتراك حرب قتل فيها جماعة، وانهزم القرامطة، وفارقوا بغداد، ووقعت حرب بين الديلم والعامة قتل فيها جماعة من حد نهر طابق إلى القنطرة الجديدة.
وفي آخر شعبان زاد البلاء على الناس، فكبسوا منازلهم ليلاً ونهاراً، واستتر أكثر العمال لعظيم ما طولبوا به مما ليس في السواد، وافترق الناس، فخرج الناس وأصحاب السلطان إلى قرب من بغداد، فحصدوا ما استحصدوا من الحنطة والشعير، وحملوه بسنبله إلى منازلهم، وكان مع ذلك ينهب ويعسف أهل العراق ويظلمهم ظلماً لم يسمع بمثله قط، والله المستعان.
وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا أن لم يتركوه لله سبحانه وتعالى.
ذكر قتل ابن رائق
وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء

كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريديين، فأرسل أخاه سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان نجدةً له في جيش كثيف، فلقي المتقي وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدولة للمتقي خدمة عظيمة، وسار معه إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقي، وتوجه نحو معلثايا، وترددت الرسل بينه وبين ابن رائق، حتى تعاهدا واتفقا، فحضر ناصر الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن المتقي وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقي، فلما أرادوا الانصراف من عنده ركب ابن المتقي، وأراد ابن رائق الركوب، فقال له ناصر الدولة: تقيم اليوم عندي لنتحدث فيما نفعله؛ فاعتذر ابن رائق بابن المتقي، فألح عليه ابن حمدان، فاستراب به، وجذب كمه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشب به الفرس فسقط، فصاح به ابن حمدان بأصحابه: أقتلوه ! فقتلوه، وألقوه في دجلة.
وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله، ففعل به ما فعل؛ فرد عليه المتقي رداً جميلاً، وأمره بالمسير إليه، فسار ابن حمدان إلى المتقي لله، فخلع عليه، ولقبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين علي، ولقبه سيف الدولة.
وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب، ولما قتل ابن رائق سار الإخشيد من مصر إلى دمشق، وكان بها محمد بن يزداد، خليفة ابن رائق، فاستأمن إلى الإخشيد، وسلم إليه دمشق فأقره عليها، ثم نقله عنها إلى مصر وجعله على شرطتها، ويقال إن لابن رائق شعراً منه:
يصفّر وجهي إذا تأمّله ... طرفي ويحمرّ وجهه خجلا
حتّى كأنّ الذي بوجنته ... من دم قلبي إليه قد نقلا
وقد قيل إنها للراضي بالله وقد تقدم.
ذكر عود المتقي إلى بغداد
وهرب البريدي عنها
لما استولى أبو الحسين البريدي على بغداد، وأساء السيرة كما ذكرناه، نفرت عنه قلوب الناس العامة والأجناد، فلما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدي، فهرب خجخج إلى المتقي، وكان قد استعمله البريدي على الراذانات وما يليها، ثم تحالف توزون، ونوشتكين، والأتراك على كبس أبي الحسين البريدي، فغدر نوشتكين فأعلم البريدي الخبر، فاحتاط، وأحضر الديلم عنده، وقصده توزون، فحاربه الديلم، وعلم توزون غدر نوشتكين به، فعاد ومعه جملة وافرة من الأتراك، وسار نحو الموصل خامس رمضان، فقوي بهم ابن حمدان، وعزم على الانحدار إلى بغداد، وتجهز وانحدر هو والمتقي، واستعمل على أعمال الخراج والضياع بديار مضر، وهي الرها وحران والرقة، أبا الحسن علي بن طياب، وسيره من الموصل.
وكان على ديار مضر أبو الحسين أحمد بن علي بن مقاتل خليفة لابن رائق، فاقتتلوا، فقتل أبو الحسين بن مقاتل واستولى ابن طياب عليها، فلما قارب المتقي لله وناصر الدولة بن حمدان بغداد هرب أبو الحسين منها إلى واسط، واضطرت العامة ببغداد، ونهب الناس بعضهم بعضاً، وكان مقام أبي الحسين ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ودخل المتقي لله إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي، وقلد توزون شرطة جانبي بغداد، وذلك في شوال.
ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريديلما هرب أبو الحسين البريدي إلى واسط، ووصل بنو حمدان والمتقي إلى بغداد، خرج بنو حمدان عن بغداد نحو واسط، وكان أبو الحسين قد سار من واسط إليهم ببغداد، فأقام ناصر الدولة بالمدائن، وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان في الجيش إلى قتال أبي الحسين، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين، واقتتلوا عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة، وكان توزون وخجخج والأتراك مع ابن حمدان، فانهزم سيف الدولة ومن معه إلى المدائن، وبها ناصر الدولة، فردهم وأضاف إليهم من كان عنده من الجيش، فعاودوا القتال، فانهزم أبو الحسين البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل جماعة، وعاد أبو الحسين البريدي منهزماً إلى واسط، ولم يقدر سيف الدولة على اتباعه إليها لما في أصحابه من الوهن والجراح.

وكان المتقي قد سير أهله من بغداد إلى سر من رأى، فأعادهم، وكان أعيان الناس قد هربوا من بغداد، فلما انهزم البريدي عادوا إليها، وعاد ناصر الدولة بن حمدان إلى بغداد، فدخلها ثالث عشر ذي الحجة، وبين يديه الأسرى على الجمال، ولما استراح سيف الدولة وأصحابه انحدروا من موضع المعركة إلى واسط، فرأوا البريديين قد انحدروا إلى البصرة، فأقام بواسط ومعه الجيش، وسنذكر من أخباره سنة إحدى وثلاثين.
ولما عاد ناصر الدولة إلى بغداد نظر في العيار، فرآه ناقصاً، فأمر بإصلاح الدنانير، فضرب دنانير سماها الإبريزية، عيارها خير من غيرها، فكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع هذا الدينار بثلاثة عشر درهماً.
ذكر استيلاء الديلم على أذربيجانكانت أذربيجان بيد ديسم بن إبراهيم الكردي، وكان قد صحب يوسف ابن أبي الساج، وخدم وتقدم حتى استولى على أذربيجان، وكان يقول بمذهب الشراة هو وأبوه، وكان أبوه من أصحاب هارون الشاري، فلما قتل هارون هرب إلى أذربيجان، وتزوج ابنة رئيس من أكرادها، فولدت له ديسم، فانضم إلى أبي الساج، فارتفع وكبر شأنه، وتقدم إلى أن ملك أذربيجان بعد يوسف بن أبي الساج، وكان معظم جيوشه الأكراد، إلا نفراً يسيراً من الديلم، من عسكر وشمكير، أقاموا عنده حين صحبوه إلى أذربيجان.
ثم إن الأكراد تقووا، وتحكموا عليه، وتغلبوا على بعض قلاعه وأطراف بلاده، فرأى أن يستظهر عليهم بالديلم، فاستكثر ذلك منهم، وكان فيهم صعلوك بن محمد بن مسافر، وعلي بن الفضل وغيرهما، فأكرمهم ديسم، وأحسن إليهم، وانتزع من الأكراد ما تغلبوا عليه من بلاده، وقبض على جماعة من رؤسائهم.
وكان وزيره أبا القاسم علي بن جعفر، وهو من أهل أذربيجان، فسعى به أعداؤه، فأخافه ديسم، فهرب إلى الطرم إلى محمد بن مسافر، فلما وصل إليه رأى ابنيه وهسوذان والمرزبان قد استوحشا منه، واستوليا على بعض قلاعه، وكان سبب وحشتهما سوء معاملته معهما ومع غيرهما، ثم إنهما قبضا على أبيهما محمد بن مسافر، وأخذا أمواله وذخائره، وبقي في حصن آخر وحيداً فريداً بغير مال ولا عدة، فرأى علي بن جعفر الحال فتقرب إلى المرزبان وخدمه وأطمعه في أذربيجان، وضمن له تحصيل أموال كثيرة يعرف هو وجوهها، فقلده وزارته.
وكان يجمعهما مع الذي ذكرنا أنهما كانا من الشيعة، فإن علي بن جعفر كان من دعاة الباطنية، والمرزبان مشهور بذلك، وكان ديسم كما ذكرنا يذهب إلى مذهب الخوارج في بغض علي، عليه السلام، فنفر عنه من عنده من الديلم، وابتدأ علي بن جعفر فكاتب من يعلم أنه يستوحش من ديسم يستميله، إلى أن أجابه أكثر أصحابه، وفسدت قلوبهم على ديسم، وخاصة الديلم، وسار المرزبان إلى أذربيجان، وسار ديسم إليه، فلما التقيا للحرب عاد الديلم إلى المرزبان، وتبعهم كثير من الأكراد مستأمنين، فحمل المرزبان على ديسم، فهرب في طائفة يسيرة من أصحابه إلى أرمينية، واعتصم بحاجيق بن الديراني، لمودة بينهما، فأكرمه، واستانف ديسم يؤلف الأكراد، وكان أصحابه يشيرون عليه بإبعاد الديلم لمخالفتهم أياه في الجنس والمذهب، فعصاهم، وملك المرزبان أذربيجان، واستقام أمره إلى أن فسد ما بينه وبين وزيره علي ابن جعفر.
وكان سبب الوحشة بينهما أن علياً أساء السيرة مع أصحاب المرزبان، فتضافروا عليه، فأحس بذلك، فاحتال على المرزبان، فأطمعه في أموال كثيرة يأخذها له من بلد تبريز، فضم إليه جنداً من الديلم وسيرهم إليها، فاستمال أهل البلد، فعرفهم أن المرزبان إنما سيره إليهم ليأخذ أموالهم، وحسن لهم قتل من عندهم من الديلم، ومكاتبة ديسم ليقدم عليهم، فأجابوه إلى ذلك.
وكاتب ديسم، ووثب أهل البلد بالديلم فقتلوهم، وسار ديسم فيمن اجتمع إليه من العسكر إلى تبريز، وكان المرزبان قد ساء إلى من استأمن إليه من الأكراد، فلما سمعوا بديسم أنه يريد تبريز ساروا إليه، فلما اتصل ذلك بالمرزبان ندم على إيحاش علي بن جعفر، ثم جمع عسكره وسار إلى تبريز، فتحارب هو وديسم بظاهر تبريز، فانهزم ديسم والأكراد، وعادوا فتحصنوا بتبريز، وحصرهم المرزبان وأخذ في إصلاح علي بن جعفر ومراسلته، وبذل له الأيمان على ما يريده، فأجابه علي: إنني لا أريد من جميع ما بذلته إلى السلامة وترك العمل؛ فأجابه إلى ذلك وحلف له.

واشتد الحصار على ديسم، فسار من تبريز إلى أردبيل، وخرج علي ابن جعفر إلى المرزبان، فساروا إلى أردبيل وترك المرزبان على تبريز من يحصرها، وحصر هو ديسم بأردبيل، فلما طال الحصار عليه طلب الصلح، وراسل المرزبان في ذلك، فأجابه إليه، فاصطلحا وتسلم المرزبان أردبيل، فأكرم ديسم وعظمه، ووفى له بما حلف له عليه، ثم إن ديسم خاف على نفسه من المرزبان، فطلب منه أن يسيره إلى قلعته بالطرم فيكون فيها هو وأهله، ويقنع بما يتحصل له منها، ولا يكلفه شيئاً آخر، ففعل المرزبان ذلك، وأقام ديسم بقلعته هو وأهله.
ذكر استيلاء أبي علي بن محتاج على بلد الجبل وطاعة وشمكير للسامانيةقد ذكرنا سنة تسع وعشرين مسير أبي علي بن محتاج صاحب جيوش خراسان للسامانية إلى الري، وأخذها من وشمكير، ومسير وشمكير إلى طبرستان، وأقام أبو علي بالري، بعد ملكها، تلك الشتوة، وسير العساكر إلى بلد الجبل، فافتتحها، واستولى على زنكان، وأبهر، وقزوين، وقم، وكرج، وهمذان، ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال، وجبى أموالها.
وكان الحسن بن الفيرزان بسارية، فقصده وشمكير وحصره، فسار إلى أبي علي واستنجده وأقام وشمكير متحصناً بسارية، فسار إليه أبو علي ومعه الحسن وحصراه بها سنة ثلاثين وضيق عليه، وألح عليه بالقتال كل يوم، وهم في شتاء شاتٍ كثير المطر، فسأل وشمكير المواعدة، فصالحه أبو علي، وأخذ رهائنه على لزوم طاعة الأمير نصر بن أحمد الساماني، ورحل عنه إلى جرجان في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فأتاه موت الأمير نصر بن أحمد، فسار عنها إلى خراسان.
ذكر استيلاء الحسن بن الفيرزان على جرجانكان الحسن بن الفيرزان عم ما كان بن كالي، وكان قريباً منه في الشجاعة، فلما قتل ما كان راسله وشمكير ليدخل في طاعته، فلم يفعل، وكان بمدينة سارية، وصار يسب وشمكير، وينسبه إلى المواطأة على قتل ما كان، فقصده وشمكير، فسار الحسن من سارية إلى أبي علي صاحب جيوش خراسان، فسار معه أبو علي من الري، فحصر وشمكير بسارية، وأقام يحاصره إلى سنة إحدى وثلاثين، واصطلحا.
وعاد أبو علي إلى خراسان، وأخذ ابناً لوشمكير، اسمه سالار، رهينة، وصحبه الحسن بن الفيرزان، وهو كاره للصلح، فبلغه وفاة السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان، فلما سمع الحسن ذلك عزم على الفتك بأبي علي، فثار به وبعسكره، فسلم أبو علي، ونهب الحسن سواده، وأخذ ابن وشمكير، وعاد إلى جرجان فملكها، وملك الدامغان وسمنان، ولما وصل أبو علي إلى نيسابور رأى إبراهيم بن سيمجور الدواتي قد امتنع عليه بها وخالفه، فترددت الرسل بينهم فاصطلحوا.
ذكر ملك وشمكير الريلما انصرف أبو علي إلى خراسان، وجرى عليه من الحسن ما ذكرناه، وعاد إلى جرجان، سار وشمكير من طبرستان إلى الري فملكها واستولى عليها، وراسله الحسن بن الفيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سالار الذي كان عند أي علي رهينة، وقصد أن يتقوى به على الخراسانية أن عادوا إليه، فألان له وشمكير الجواب، ولم يصرح بما يخالف قاعدته مع أبي علي.
ذكر استيلاء ركن الدولة على الريلما سمع ركن الدولة وأخوه عماد الدولة ابنا بويه بملك وشمكير الري طمعا فيه لأن وشمكير كان قد ضعف، وقلت رجاله وماله بتلك الحادثة مع أبي علي، فسار ركن الدولة الحسن بن بويه إلى الري واقتتل هو وشمكير، فانهزم وشمكير، واستأمن كثير من رجاله إلى ركن الدولة، فسار وشمكير إلى طبرستان، فقصده الحسن بن الفيرزان، فاستأمن إليه كثير من عسكره أيضاً، فانهزم وشمكير إلى خراسان.
ثم إن الحسن بن الفيرزان راسل ركن الدولة وواصله، فتزوج ركن الدولة بنتاً للحسن، فولدت له ولده فخر الدولة علياً.
وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث بعد وفاة السعيد نصر بن أحمد وإنما ذكرناها هاهنا ليتلو بعضها بعضاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة صرف بدر الخرشني عن حجبة الخليفة، وجعل مكانه سلامة الطولوني.
وفيها ظهر كوكب، في المحرم، بذنب عظيم في أول برج القوس، وآخر برج العقرب بين الغرب والشمال، وكان رأسه في المغرب وذنبه في المشرق، وكان عظيماً منتشر الذنب، وبقي ظاهراً ثلاثة عشر يوماً، وسار في القوس والجدي ثم اضمحل.

وفيها اشتد الغلاء لا سيما بالعراق، وبيع الخبز أربعة أرطال بقيراطين صحيح أميري، وأكل الضعفاء الميتة، وكثر الوباء والموت جداً.
وفيها، في ربيع الآخر، وصل الروم إلى قرب حلب، ونهبوا وخربوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان.
وفيها دخل الثملي من ناحية طرسوس إلى بلاد الروم، فقتل، وسبى، وغنم وعاد سالماً، وقد أسر عدة من بطارقتهم المشهورين.
وفيها، في ذي القعدة، قلد المتقي لله بدراً الخرشني طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد مستأمناً فقلده بلدة دمشق، فلما كان بعد مدة حم ومات بها.
وفيها، في جمادي الآخرة، ولد أبو منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه وهو مؤيد الدولة.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبدالله المعروف بالصيرفي، الفقيه الشافعي، وله تصانيف في أصول الفقه وفيها توفي القاضي أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل المحاملي، الفقيه الشافعي، وهو من المكثرين في الحديث، وكان مولده سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان على قضاء الكوفة وفارس، فاستعفى من القضاء وألح في ذلك، فأجيب إليه.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري المتكلم صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي موسى الأشعري.
وفيها مات محمد بن محمد الجيهاني وزير السعيد نصر بن أحمد تحت الهدم.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي، الفقيه الشافعي، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتعلم منه.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
ذكر ظفر ناصر الدولة بعدل البجكمي
في هذه السنة ظفر أبو عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان بعدل حاجب بجكم، وسلمه، وسيره إلى بغداد.
وسبب ذلك أن عدلاً صار بعد قتل بجكم مع ابن رائق، وسار معه إلى بغداد، وأصعد معه إلى الموصل، فلما قتل ناصر الدولة أبا بكر بن رائق، كما ذكرناه، صار عدل في جملة ناصر الدولة، فسيره ناصر الدولة مع علي ابن خلف بن طياب إلى ديار مضر، والشام الذي كان بيد ابن رائق، وكان بالرحبة من جهة ابن رائق رجل يقال له مسافر بن الحسن، فلما قتل ابن رائق استولى مسافر هذا على الناحية، ومنع منها، وجبى خراجها، فأرسل إليه ابن طياب عدلاً في جيش ليخرجه عن الرحبة، فلما سار إليها فارقها مسافر من غير قتال، وملك عدل الحاجب البلد، وكاتب من بغداد من البجكمية، فقصدوه مستخفين، فقوي أمره بهم، واستولى على طريق الفرات، وبعض الخابور.
ثم إن مسافراً جمع جمعاً من بني نمير وسار إلى قرقيسيا، فأخرج منها أصحاب عدل وملكها، فسار إليها، واستتر عنها، وعزم عدل على قصد الخابور وملكه، فاحتاط أهله منه، واستنصروا ببني نمير، فلما علم ذلك عدل ترك قصدهم.
ثم صار يركب كل يوم قبل العصر بساعة في جميع عسكره ويطوف صحاري قرقيسيا إلى آخر النهار، وعيونه تأتيه من أهل الخابور بأنهم يحذرون كلما سمعوا بحركته، ففعل ذلك أربعين يوماً، فلما رأى أهل الخابور اتصل ركوبه، وأنه لا يقصدهم، فرقوا جمعهم وأمنوه، فأتته عيونه بذلك على رسمه، فلما تكامل رجاله أمرهم بالمسير، وأن يرسلوا غلمانهم في حمل أثقالهم، وسار لوقته فصبح الشمسانية، وهي من أعظم قرى الخابور وأحصنها، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم ونقب السور وملكها وقتل فيها، وأخذ من أهلها مالاً كثيراً، وأقام بها أياماً، ثم سار إلى غيرها، فبقي في الخابور ستة أشهر، فجبى الخراج والأموال العظيمة، واستظهر بها، وقوي أصحابه بما وصل إليهم أيضاً، وعاد إلى الرحبة، واتسعت حاله، واشتد أمره، وقصده العساكر من بغداد، فعظم حاله.
ثم إنه سار يريد نصيبين لعلمه ببعد ناصر الدولة عن الموصل والبلاد الجزيرية، ولم يمكنه قصد الرقة وحران لأنها كان بها يأنس المؤنسي في عسكر ومعه جمع من بني نمير، فتركها وسار إلى رأس عين، ومنها إلى نصيبين، فاتصل خبره بالحسين بن حمدان، فجمع الجيش وسار إليه إلى نصيبين، فلما قرب منه لقيه عدل في جيشه، فلما التقى العسكران استأمن أصحابه من عدل إلى ابن حمدان، وبقي معه منهم نفر يسير من خاصته، فأسره ابن حمدان، وأسر معه ابنه، فسمل عدلاً وسيرهما إلى بغداد، فوصلها في العشرين من شعبان، فشهر هو وابنه فيها.
ذكر حال سيف الدولة بواسط

قد ذكرنا مقام سيف الدولة علي بن حمدان بواسط، بعد انحدار البريديين عنها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريدي، ولا يمكنه لقلة المال عنده، ويكتب إلى أخيه في ذلك، فلا ينفذ إليه شيئاً، وكان توزون وخجخج يسيئان الأدب ويتحكمان عليه.
ثم إن ناصر الدولة أنفذ إلى أخيه مالاً مع أبي عبدالله الكوفي ليفرقه في الأتراك، فأسمعه توزون وخجخج المكروه، وثارا به، فأخذه سيف الدولة وغيبه عنهما وسيره إلى بغداد، وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر خجخج أن يسير إلى مذار ويحفظها ويأخذ حاصلها.
وكان سيف الدولة يزهد بالأتراك في العراق، ويحسن لهم قصد الشام معه الاستيلاء عليه وعلى مصر، ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه في أخيه، ولا يجيبونه إلى المسير إلى الشام معه، ويتسحبون عليه، وهو يجيبهم إلى الذي يريدونه.
فلما كان سلخ شعبان ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلاً، فهرب من معسكره إلى بغداد، ونهب سواده، وقتل جماعة من أصحابه.
وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه أبو عبدالله الكوفي وأخبره الخبر برز ليسير إلى الموصل، فركب المتقي إليه، وسأله التوقف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد، ثم سار إلى الموصل ونهبت داره، وثار الديلم والأتراك، ودبر الأمر أبو إسحاق القراريطي من غير تسمية بوزارة.
وكانت إمارة ناصر الدولة أبي محمد الحسين بن عبدالله بن حمدان ببغداد ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيام، ووزارة أبي العباس الأصبهاني أحداً وخمسين يوماً؛ ووصل سيف الدولة إلى بغداد.
ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولةلما هرب سيف الدولة من واسط عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وخجخج، وتنازعا الإمارة، ثم استقر الحال على أن يكون توزون أميراً وخجخج صاحب الجيش، وتصاهرا.
وطمع البريدي في واسط، فأصعد إليها، فأمر توزون خجخج بالمسير إلى نهر أبان، وأرسل البريدي إلى توزون يطلب أن يضمنه واسط، فرد رداً جميلاً، ولم يفعل. ولما عاد الرسول أتبع توزون بجاسوس يأتيه بخبره مع خجخج، فعاد الجاسوس فأخبر توزون بأن الرسول اجتمع هو وخجخج وطال الحديث بينهما، وأن خجخج يريد أن ينتقل إلى البريدي، فسار توزون إليه جريدة في مائتي غلام يثق بهم، وكبسه في فراشه ليلة الثاني عشر من رمضان، فلما أحس به ركب دابته بقميص، وفي يده لت، ودفع عن نفسه قليلاً، ثم أخذ وحمل إلى توزون فحمله إلى واسط، فسلمه وأعماه ثاني يوم وصوله إليها.
ذكر عود سيف الدولة إلى بغداد
وهربه عنها
لما هرب سيف الدولة، على ما ذكرنا، لحق بأخيه، فبلغه خلاف توزون وخجخج، فطمع في بغداد، فعاد ونزل بباب حرب، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالاً ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربع مائة ألف درهم، ففرقها في أصحابه، وظهر من كان مستخفياً ببغداد وخرجوا إليه، وكان وصوله ثالث عشر رمضان.
ولما بلغ توزون وصول سيف الدولة إلى بغداد خلف بواسط كيغلغ في ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من باب حرب فيمن انضم إليه من أجناد بغداد، وفيهم الحسن بن هارون.
ذكر إمارة توزونقد ذكرنا مسير سيف الدولة من بغداد، فلما فارقها دخلها توزون، وكان دخلوها بغداد في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي لله، وجعله أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخي ينظر في الأمور كما كان الكوفي ينظر فيها.
ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدي، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد، ولم يمكن توزون المبادرة إلى واسط إلى أن تستقر الأمور ببغداد، فأقام إلى أن مضى بعض ذي القعدة.
وكان توزون قد أسر غلاماً عزيزاً على سيف الدولة قريباً منه، يقال له ثمال، فأطلقه وأكرمه وأنفذه إليه، فحسن موقع ذلك من بني حمدان، ثم إن توزون انحدر إلى واسط لقصد البريدي، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هارباً من البريدي، فقبله، وفرح به، وقلد أموره كلها.
ذكر مسير صاحب عمان إلى البصرةفي هذه السنة، في ذي الحجة، سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب كثيرة يريد البصرة، وحارب البريدي، فملك الأبلة، وقوي قوة عظيمة، وقار أن يملك البصرة، فأشرف البريدي وإخوته على الهلاك.

وكان له ملاح يعرف بالرنادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فوعد الإحسان العظيم، وأخذ الملاح زورقين فملأهما سعفاً يابساً، ولم يعلم به أحد، وأحدرهما في الليل حتى قارب الأبلة.
وكانت مراكب ابن وجيه تشد بعضها إلى بعض في الليل، فتصير كالجسر، فلما انتصف الليل أشعل ذلك الملاح النار في السعف الذي في الزورقين، وأرسلهما مع الجزر والنار فيهما، فأقبلا أسرع من الريح، فوقعا في تلك السفن والمراكب، فاشتعلت واحترقت قلوبها، واحترق من فيها، ونهب الناس منها مالاً عظيماً، ومضى يوسف بن وجيه هارباً في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وأحسن البريدي إلى ذلك الملاح، وفي هذه الفتنة هرب ابن شيرزاد من البريدي وأصعد إلى توزون.
ذكر الوحشة بين المتقي لله وتوزونكان محمد بن ينال الترجمان من أكبر قواد توزون، وهو خليفته ببغداد، فلما انحدر توزون إلى واسط سعى بمحمد إليه، وقبح ذكره عنده، فبلغ ذلك محمداً فنفر منه.
وكان الوزير أبو الحسين بن مقلة قد ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد، فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون، فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مصيره إلى توزون باتفاق من البريدي، فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبوا إلى ابن حمدان لينفذ عسكراً يسيراً صحبة المتقي لله إليه، وقالوا للمتقي: قد رأيت ما فعل معك البريدي! بالأمس أخذ منك خمسمائة ألف دينار، وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدي من توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى، زعم أنها في يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدي؛ فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد في ثلاثمائة رجل جريدة.
ذكر موت السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيلفي هذه السنة توفي السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل، صاحب خراسان وما وراء النهر، في رجب، وكان مرضه السل، فبقي مريضاً ثلاثة عشر شهراً، ولم يكن بقي من مشايخ دولتهم أحد، فإنهم كانوا قد سعى بعضهم ببعض، فهلك بعضهم، ومات بعضهم، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثين يوماً، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة.
وكان حليماً، كريماً، عاقلاً، فمن حلمه أن بعض الخدم سرق جوهراً نفيساً وباعه من بعض التجار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنه قد اشترى جوهراً نفيساً لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر عنده، فحين رآه عرفه أنه كان له وقد سرق، فسأله عن ثمنه، ومن أين اشتراه، فذكر له الخادم والثمن، فأمر فأحضر ثمنه في الحال، وأربحه ألفي درهم زيادة.
ثم إن التاجر سأله في دم الخادم، فقال: لا بد من تأديبه، وأما دمه فهو لك؛ فأحضره وأدبه، ثم أنفذه إلى التاجر وقال: كنا وهبنا لك دمه، فقد أنفذناه إليك؛ فلو أن صاحب الجوهر بعض الرعايا لقال: هذا مالي قد عاد إلي وخذ أنت مالك ممن سلمته إليه.
وحكي أنه استعرض جنده، وفيهم إنسان اسمه نصر بن أحمد، فلما بلغه العرض سأله عن اسمه فسكت، فأعاد السؤال فلم يجبه، فقال بعض من حضر: اسمه نصر بن أحمد، وإنما سكت إجلالاً للأمير؛ فقال السعيد: إذاً يوجب حقه، ونزير في رزقه؛ ثم قربه وزاد في أرزاقه.
وحكي عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو زكرياء نهب خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا ماله، فلم يعرض إليهم، وأخبروه أن بعض السوقة اشترى منها سكيناً نفيساً بمائتي درهم، فأرسل إليه وأعطاه مائتي درهم وطلب السكين، فأبى أن يبيعه إلا بألف درهم، فقال: ألا تعجبون من هذا ؟ أرى عنده مالي، فلم أعاقبه، وأعطيته حقه، فاشتط في الطلب؛ ثم أمر برضائه.
وحكي أنه طال مرضه فبقي به ثلاثة عشر شهراً، فأقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له في قصره بيتاً وسماه بيت العبادة، فكان يلبس ثياباً نظافاً، ويمشي إليه حافياً، ويصلي فيه، ويدعو ويتضرع، ويجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ودفن عند والده.
ذكر ولاية ابنه الأمير نوح بن نصرلما مات نصر بن أحمد تولى بعده خراسان وما وراء النهر ابنه نوح، واستقر في شعبان من هذه السنة، وبايعه الناس، وحلفوا له، ولقب بالأمير الحميد، وفوض أمره وتدبير مملكته إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الحاكم، وصدر عنه رأيه.

ولما ولي نوح هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمويه، وهو من أكابر أصحاب أبيه، وكان سبب ذلك أن السعيد نصراً كان قد ولى ابنه إسماعيل بخارى، وكان أبو الفضل يتولى أمره وخلافته، فأساء السيرة مع نوح وأصحابه، فحقد ذلك عليه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه.
وكان نصر يميل إلى أبي الفضل ويؤثره، فقال له: إذا حدث علي حادث الموت فانج بنفسك، فإني لا آمن نوحاً عليك؛ فلما مات الأمير نصر سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون، وورد آمل، وكاتب أبا علي بن محتاج، وهو بنيسابور، يعرفه الحال، وكان بينهما مصاهرة، فكتب إليه أبو علي ينهاه عن الإلمام بناحيته لمصلحة.
ثم إن الأمير نوحاً أرسل إلى أبي الفضل كتاب أمان بخطه، فعاد إليه فأحسن الفعل معه، وولاه سمرقند، وكان أبو الفضل معرضاً عن محمد بن أحمد الحاكم، ولا يلتفت إليه، ويسميه الخياط، فأضمر الحاكم بغضه والإعراض عنه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في المحرم، وصل معز الدولة بن بويه إلى الصرة، فحارب البريديين، وأقام عليهم مدة، ثم استأمن جماعة من قواده إلى البريديين، فاستوحش من الباقين، فانصرف عنهم.
وفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقي بابنة ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف دينار.
وفيها قبض ناصر الدولة على الوزير أبي إسحاق القراريطي، ورتب مكانه أبا العباس أحمد بن عبدالله الأصبهاني في رجب، وكان أبو عبدالله الكوفي هو الذي يدبر الأمور، وكانت وزارة القراريطي ثمانية أشهر وستة عشر يوماً، وكان ناصر الدولة ينظر في قصص الناس وتقام الحدود بين يديه، ويفعل ما يفعل صاحب الشرطة.
وفيها كانت الزلزلة المشهورة بناحية نسا من خراسان، فخربت قرى كثيرة، ومات تحت الهدم عالم عظيم، وكانت عظيمة جداً.
وفيها استقدم الأمير نوح محمد بن أحمد النسفي البردهي، وكان قد طعن فيه عنده، فقتله وصلبه، فسرق من الجذع، ولم يعلم من سرقه.
وفيها استوزر المتقي لله أبا الحسين بن مقلة، ثامن شهر رمضان، بعد إصعاد ناصر الدولة من بغداد إلى الموصل، وقبل إصعاد أخيه سيف الدولة من واسط إلى بغداد.
وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقي لله يطلب منديلاً زعم أن المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وأنه في بيعة الرها. وذكر أنه إن أرسل المنديل أطلق عدداً كثيراً من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي لله القضاة والفقهاء، واستفتاهم، فاختلفوا، فبعض رأى تسليمه إلى الملك وإطلاق الأسرى، وبعض قال إن هذا المنديل لم يزل من قديم الدهر في بلاد الإسلام لم يطلبه ملك من ملوك الروم، وفي دفعه إليهم غضاضة.
وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير، فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر ومن الضر والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل؛ فأمر الخليفة بتسليمه إليهم، وإطلاق الأسرى، ففعل ذلك، وأرسل إلى الملك من يتسلم الأسرى من بلاد الروم فأطلقوا.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر الدقاق، وهو مشهور بين المشايخ.
وفيها توفي محمد بن يزداد الشهرزوري، وكان يلي إمرة دمشق لمحمد بن رائق، ثم اتصل بالإخشيد فجعله على شرطته بمصر.
وفيها توفي سنان بن ثابت بن قرة، مستهل ذي القعدة، بعلة الذرب، وكان حاذقاً في الطب، فلم يغن عنه عند دنو الأجل شيئاً.
وفيها أيضاً مات أبو عبدالله محمد بن عبدوس الجهشياري.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
ذكر مسير المتقي إلى الموصل
في هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل.
وسبب ذلك ما ذكرناه أولاً من سعاية ابن مقلة والترجمان مع المتقي بتوزون وابن شيرزاد، ثم إن ابن شيرزاد وصل خامس المحرم إلى بغداد في ثلاث مائة غلام جريدةً، فازداد خوف المتقي، وأقام ببغداد يأمر وينهى، ولا يراجع المتقي في شيء.

وكان المتقي قد أنفذ يطلب من ناصر الدولة بن حمدان إنفاذ جيش إليه ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه أبي عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان، فلما وصلوا إلى بغداد نزلوا بباب حرب، واستتر ابن شيرزاد، وخرج المتقي إليهم في حرمه، وأهله، ووزيره، وأعيان بغداد، مثل سلامة الطولوني، وأبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، وأبي محمد المارداني، وأبي إسحاق القراريطي، وأبي عبدالله الموسوي، وثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، وأبي نصر محمد بن ينال الترجمان، وغيرهم.
ولما سار المتقي من بغداد ظلم ابن شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم وأرسل إلى توزون، وهو بواسط، يخبره بذلك، فلما بلغ توزون الخبر عقد ضمان واسط على البريدي وزوجه ابنته، وسار إلى بغداد، وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتقي لله بتكريت، فأرسل المتقي إلى ناصر الدولة يستدعيه ويقول له: لم يكن الشرط معك إلا أن تنحدر إلينا؛ فانحدر، فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وركب المتقي إليه، فلقيه بنفسه، وأكرمه.
وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الآخر، وغنم توزون والأعراب سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت إلى الموصل ومعهما المتقي لله.
وشغب أصحاب توزون فعاد إلى بغداد، وعاد سيف الدولة وانحدر فالتقى هو وتوزون بحربي، في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرة ثانية، وتبعه توزون.
ولما بلغ سيف الدولة إلى الموصل سار عنها هو وأخوه ناصر الدولة والمتقي لله ومن معهم إلى نصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار المتقي إلى الرقة، ولحقه سيف الدولة، وأرسل المتقي إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدي، وأنهما صارا يداً واحدة، فإن آثر رضاه يصالح سيف الدولة وناصر الدولة ليعود إلى بغداد، وتردد أبو عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي من الموصل إلى توزون في ذلك فتم الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة لما بيده من البلاد ثلاث سنين، كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعاد توزون إلى بغداد، وأقام المتقي عند بني حمدان بالموصل، ثم ساروا عنها إلى الرقة فأقاموا بها.
ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وديالي وعودهوفي هذه السنة بلغ معز الدولة أبا الحسين بن بويه إصعاد توزون إلى الموصل، فسار هو إلى واسط لميعاد من البريديين، وكانوا قد وعدوه أن يمدوه بعسكر في الماء، فأخلفوه.
وعاد توزون من الموصل إلى بغداد، وانحدر منها إلى لقاء معز الدولة، والتقوا سابق عشر ذي القعدة بقباب حميد، وطالت الحرب بينهما بضعة عشر يوماً، إلا أن أصحاب توزون يتأخرون، والديلم يتقدمون، إلى أن عبر توزون نهر ديالي، ووقف عليه، ومنع الديلم من العبور.
وكان مع توزون مقابلة في الماء في دجلة، فكانوا يودون أن الديلم يستولون على أطرافهم، فرأى ابن بويه أن يصعد على ديالي ليبعد عن دجلة وقتال من بها، ويتمكن من الماء، فعلم توزون بذلك، فسير بعض أصحابه، وعبروا ديالي وكمنوا، فلما سار معز الدولة مصعداً وسار سواده في أثره خرج الكمين عليه، فحالوا بينهما، ووقعوا في العسكر وهو على غير تعبية.
وسمع توزون الصياح، فتعجل، وعبر أكثر أصحابه سباحة، فوقعوا في عسكر ابن بويه يقتلون ويأسرون حتى ملوا، وانهزم ابن بويه ووزيره الصيمري إلى السوس رابع ذي الحجة ولحق به من سلم من عسكره، وكان قد أسر منهم أربعة عشر قائداً منهم ابن الداعي العلوي، واستأمن كثير من الديلم إلى توزون؛ ثم إن توزون عاوده ما كان يأخذه من الصرع، فشغل بنفسه عن معز الدولة وعاد إلى بغداد.
ذكر قتل أبي يوسف البريديفي هذه السنة قتل أبو عبدالله البريدي أخاه أبا يوسف.

نوكان سبب قتله أن أبا عبدالله البريدي كان قد نفذ ما عنده من المال في محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط، وفي محاربة توزون، فلما رأى جنده قلة ماله مالوا إلى أخيه أبي يوسف لكثرة ماله، فاستقرض أبو عبدالله من أخيه أبي يوسف مرة بعد مرة، وكان يعطيه القليل من المال، ويعيبه ويذكر تضييعه وسوء تدبيره، وجنونه وتهوره، فصح ذلك عند أبي عبدالله، ثم صح عنده أنه يريد القبض عليه أيضاً، والاستبداد بالأمر وحده، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه.
ثم إن أبا عبدالله أنفذ إلى أخيه جوهراً نفيساً كان بجكم قد وهبه لبنته لما تزوجها البريدي، وكان قد أخذه من دار الخلافة، فأخذه أبو عبدالله منها حين تزوجها، فلما جاءه الرسول وأبلغه ذلك وعرض عليه الجوهر أحضر الجوهريين ليثمنوه، فلما أخذوا في وصفه أنكر عليهم ذلك، وحرد، ونزل في ثمنه إلى خمسين ألف درهم، وأخذ في الوقيعة في أخيه أبي عبدالله وذكر معايبه وما وصل إليه من المال، وأنفذ مع الرسول خمسين ألف درهم، فلما عاد الرسول إلى أبي عبدالله أبلغه ذلك، فدمعت عيناه: ألا قلت له: جنوني وقلة تحصيلي أقعدك هذا المقعد وصيرك كقارون ! ثم عدد ما عمله معه من الإحسان.
فلما كان بعد أيام أقام غلمانه في طريق مسقف بين داره والشط، وأقبل أخوه أبو يوسف من الشط، فدخل في ذلك الطريق، فثاروا به فقتلوه وهو يصيح: يا أخي، يا أخي، قتلوني ! وأخوه يسمعه ويقول: إلى لعنة الله ! فخرج أخوهما أبو الحسين من داره، وكان بجنب داره أخيه أبي عبدالله، وهو يستغيث: يا أخي قتلته ! فسبه وهدده، فسكت، فلما قتل دفنه وبلغ ذلك الخبر الجند، فثاروا وشغبوا ظناً منهم أنه حي، فأمر به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا، فأمر به فدفن، وانتقل أبو عبدالله إلى دار أخيه أبي يوسف، فأخذ ما فيها، والجوهر في جملته، ولم يحصل من مال أخيه على طائل، فإن أكثره انكسر على الناس، وذهبت نفس أخيه.
ذكر وفاة أبي عبد الله البريديوفيها، في شوال، مات أبو عبدالله البريدي بعد أ، قتل أخاه بثمانية أشهر بحمى حادة، واستقر في الأمر بعده أخوه أبو الحسين، فأساء السيرة إلى الأجناد، فثاروا به ليقتلوه ويجعلوا أبا القاسم ابن أخيه أبي عبدالله مكانه، فهرب منهم إلى هجر، واستجار بالقرامطة فأعانوه، وسار معه إخوان لأبي طاهر القرمطي في جيش إلى البصرة فرأوا أبا القاسم قد حفظها، فردهم عنها، فحصروه مدة ثم ضجروا وأصلحوا بينه وبين عمه وعادوا، وخل أبو الحسين البصرة، فتجهز منها، وسار إلى بغداد فدخل علت توزون.
ثم طمع يأنس مولى أبي عبدالله البريدي في التقدم، فواطأ قائداً من قواد الديلم على أن تكون الرئاسة بينهما، ويزيلا أبا القاسم مولاه، فاجتمعت الديلم عند ذلك القائد، فأرسل أبو القاسم إليهم يأنس، وهو لا يشعر بالأمر، فلما أتاهم يأنس أشار عليهم بالتوقف، فطمع فيه ذلك القائد الديلمي، وأحب التفرد بالرئاسة، فأمر به فضرب بزوبين في ظهره فجرح، وهرب يأنس واختفى.
ثم إن الديلم اختلفت كلمتهم، فتفرقوا، واختفى ذلك القائد، فأخذ ونفي، وأمر أبو القاسم البريدي بمعالجة يأنس، وقد ظهر له حاله، فعولج حتى برأ، ثم قبض عليه أبو القاسم بعد نيف وأربعين يوماً، وصادره على مائة ألف دينار، وقتله، واستقام أمر أبي القاسم إلى أن أتاه أمر الله على ما نذكره.
ذكر مراسلة المتقي توزون في العودوفيها أرسل المتقي لله إلى توزون يطلب منه العود إلى بغداد.
وسبب ذلك أنه رأى من بني حمدان تضجراً به، وإيثار المفارقة، فاضطر إلى مراسلة توزون، فأرسل الحسن بن هارون وأبا عبدالله بن أبي موسى الهاشمي إليه في الصلح، فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية الرغبة فيه والحرص عليه، فاستوثقا من توزون وحلفاه للمتقي لله، وأحضر لليمين خلقاً كثيراً، من القضاة، والعدول، والعباسيين، والعلويين، وغيرهم من أصناف الناس، وحلف توزون للمتقي والوزير، وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان من أمر المتقي لله ما نذكره سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر ملك الروس مدينة بردعة

في هذه السنة خرجت طائفة من الروسية في البحر إلى نواحي أذربيجان، وركبوا في البحر في نهر للكر، وهو نهر كبير، فانتهوا إلى بردعة، فخرج إليهم نائب المرزبان بردعة في جمع الديلم والمطوعة يزيدون على خمسة آلاف رجلن فلقوا الروس، فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم المسلمون منهم، وقتل الديلم عن آخرهم، وتبعهم الروس إلى البلد، فهرب من كان له مركوب وترك البلد، فنزله الروس ونادوا فيه بالأمان فأحسنوا السيرة.
وأقبت العساكر الإسلامية من كل ناحية فكانت الروس تقاتلهم، فلا يثبت المسلمون لهم، وكان عامة البلد يخرجون ويرجمون الروس بالحجارة، ويصيحون بهم، فينهاهم الروس عن ذلك، فلم ينتهوا، سوى العقلاء فإنهم كفوا أنفسهم وسائر العامة والرعاع لا يضبطون أنفسهم، فلما طال ذلك عليهم نادى مناديهم بخروج أهل البلد منه، وأن لا يقيموا بعد ثلاثة أيام، فخرج من كان له ظهر يحمله، وبقي أكثرهم بعد الأجل، فوضع الروسية فيهم السلاح فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسروا بعد القتل بضعة عشر ألف نفس، وجمعوا من بقي بالجامع، وقالوا: اشتروا أنفسكم وإلا قتلناكم؛ وسعى لهم إنسان نصراني، فقرر عن كل رجل عشرين درهماً، فلم يقبل منهم إلا عقلاؤهم، فلما رأى الروسية انه لا يحصل منهم شيء قتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا أموال أهلها واستعبدوا السبي، واختاروا من النساء من استحسنوها.
ذكر مسير المرزبان إليهم والظفر بهملما فعل الروس بأهل بردعة ما ذكرناه استعظمه المسلمون، وتنادوا بالنفير، وجمع المرزبان بن محمد الناس واستنفرهم فبلغ عدة من معه ثلاثين ألفاً، وسار بهم، فلم يقاوم الروسية، وكان يغاديهم القتال ويراوحهم، فلا يعود إلا مفلولاً، فبقوا كذلك أياماً كثيرة، وكان الروسية قد توجهوا نحو مراغة، فأكثروا من أكل الفواكه، فأصابهم الوباء، وكثرت الأمراض والموت فيهم.
ولما طال الأمر على المرزبان أعمل الحيل، فرأى أن يكمن كميناً، ثم يلقاهم في عسكره، ويتطارد لهم، فإذا خرج الكمين عاد عليهم، فتقدم إلى أصحابه بذلك، ورتب الكمين ثم لقيهم، واقتتلوا، فتطارد لهم المرزبان وأصحابه، وتبعهم الروسية حتى جازوا موضع الكمين، فاستمر الناس على هزيمتهم لا يلوي أحد على أحد.
فحكى المرزبان قال: صحت بالناس ليرجعوا، فلم يفعلوا لما تقدم في قلوبهم من هيبة الروسية، فعلمت أنه استمر الناس على الهزيمة قتل الروس أكثرهم، ثم عادوا إلى الكمين ففطنوا بهم، فقتلوهم عن آخرهم.
قال: فرجعت وحدي وتبعني أخي وصاحبي، ووطنت نفسي على الشهادة، فحينئذ عاد أكثر الديلم استحياء فرجعوا وقاتلناهم، ونادينا بالكمين بالعلامة بيننا، فخرجوا من ورائهم، وصدقناهم القتال، فقتلنا منهم خلقاً كثيراً منهم أميرهم، والتجأ الباقون إلى حصن البلد، ويسمى شهرستان، وكانوا قد نقلوا إليه ميرة كثيرة، وجعلوا معهم السبي والأموال، فحاصرهم المرزبان وصابرهم، فأتاه الخبر بأن أبا عبدالله الحسين بن سعيد بن حمدان قد سار إلى أذربيجان، وأنه واصل إلى سلماس، وكان ابن عمه ناصر الدولة قد سيره ليستولي على أذربيجان، فلما بلغ الخبر إلى المرزبان ترك على الروسية من يحاصرهم وسار إلى ابن حمدان، فاقتتلوا، ثم نزل الثلج، فتفرق أصحاب ابن حمدان لأن أكثرهم أعراب، ثم أتاه كتاب ناصر الدولة يخبره بموت توزون، وأنه يريد الانحدار إلى بغداد، ويأمره بالعود إليه، فرجع.
وأما أصحاب المرزبان فأنهم أقاموا يقاتلون الروسية، وزاد الوباء على الروسية فكانوا إذا دفنوا الرجل دفنوا معه سلاحه، فاستخرج المسلمون من ذلك شيئاً كثيراً بعد انصراف الروس، ثم إنهم خرجوا من الحسن ليلا وقد حملوا على ظهورهم ما أرادوا من الأموال وغيرها، ومضوا إلى الكر، وركبوا في سفنهم ومضوا، وعجز أصحاب المرزبان عن أتباعهم وأخذ ما معهم، فتركوهم وطهر الله البلاد منهم.
ذكر خروج ابن أشكام على نوحوفي هذه السنة خالف عبدالله بن أشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، فسار نوح من بخارى إلى مرو بسببه، وسير إليه جيشاً، وجعل عليهم إبراهيم ابن بارس، وساروا نحوه، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن أشكام ملك الترك، وراسله، واحتمى به.

وكان لملك الترك ولد في يد نوح، وهو محبوس ببخارى، فراسل نوح أباه في إطلاقه ليقبض على ابن أشكام، فأجابه ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن أشكام الحال عاد إلى طاعة نوح، وفارق خوارزم، فأحسن إليه نوح وأكرمه وعفا عنه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في رمضان، مات أبو طاهر الهجري رئيس القرامطة، أصابه جدر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:10 am

وبلغ ذلك أبا يزيد، وقد أتاه ولده فضل بعسكر من القيروان، فوجههم إلى قتال كتامة، وقد عليهم ابنه، فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا، وبلغ الخبر أبا يزيد، فركب بجميع من بقي معه، فلقي أصحابه منهزمين، وقد قتل كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وأبو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح، واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح، فأشرف أبو يزيد على المهدية ثم رجع إلى منزله، ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة، فأتى باب الفتح، ووجه زويلة إلى باب بكر، ثم وقف هو على الخندق المحدث، وبه جماعة من العبيد، فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق، ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه البحر، فبلغ الماء صدور الدواب، حتى جاوزوا السور المحدث، فانهزم العبيد، وأبو يزيد في طلبهم.
ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية، عند المصلى الذي للعيد، وبينه وبين المهدية رمية سهم، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون، وأهلها يطلبون الأمان، والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، فهزموهم، وقتلوا فيهم، وسمع أبو يزيد بذلك، ووصل زيري بن مناد في صنهاجة، فخاف المقام، فقصد باب الفتح ليأتي زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده، فلما رأى أهل الأرباض ذلك ظنوا أن القائم قد خرج بنفسه من المهدية، فكبروا وقويت نفوسهم، واشتد قتالهم، فتحير أبو يزيد، وعرفه أهل تلك الناحية، فمالوا عليه ليقتلوه، فاشتد القتال عنده، فهدم بعض أصحابه حائطاً وخرج منه فتخلص، ووصل إلى منزله بعد المغرب، وهم يقاتلون العبيد، فلما رأوه قويت قلوبهم، وانهزم العبيد وافترقوا.
ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة، وحفر على عسكره خندقاً، واجتمع إليه خلق عظيم من إفريقية، والبربر، ونفوسة، والزاب، وأقاصي المغرب، فحصر المهدية حصاراً شديداً، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها، ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه، حتى وصل إلى قرب الباب، فعرفه بعض العبيد، فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد فاقتلوه ! فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد فقطع يده وخلص أبو يزيد.
فلما رأى شدة قتال أصحاب القائم كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، فوصلوا إليه، فزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد انهزم فيه أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل فيه جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان، ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى منزله، وكثر خروج الناس من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها المهدي وملأها طعاماً، وفرق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج ويقتلونهم ويشقون بطونهم طلباً للذهب.
ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، فسار رجل من عسكره في جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم إلى كتامة، فقاتلهم فهزمهم، فتفرقوا، وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية، وينهبون، ويقتلون، ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان في إفريقية فلما لم يبق ما ينهب توقفوا عن المجيء إليه فلم يبق معه سوى أهل أوراس وبني كملان.
فلما علم القائم تفرق عساكره أخرج عسكره إليه، وكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثم صبحوهم من الغد، فلم يخرج إليهم أحد، وكان أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس، ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واقتتلوا، واشتد بينهم القتال، فقتل من أصحاب أبي يزيد جماعة منهم رجل من وجوه أصحابه، فعظم قتله عليه، ودخل خندقه ثم عاود القتال، فهبت ريح شديدة مظلمة، فكان الرجل لا يبصر صاحبه، فانهزم عسكر القائم وقتل منهم جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم.

وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أي يزيد جموع عظيمة، وتقدم إلى المهدية فقاتل عليها، فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس، فحملوا حملة رجل واحد، فقتلوا في أصحابه كثيراً، وأسروا مثلهم، وكادوا يصلون إليه، فقاتل أصحابه دونه وخلصوه، وفرح أهل المهدية، وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية، ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية.
وفي المحرم منها ظهر بإفريقية لأجل يدعو الناس إلى نفسه، فأجابه خلق كثير وأطاعوه، وادعى أنه عباسي ورد من بغداد ومعه أعلام سود فظفر به بعض أصحاب أبي يزيد وقبض عليه، وسيره إلى أبي يزيد فقتله، ثم إن بعض أصحاب أبي يزيد هرب إلى المهدية بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه، فخرجوا من المهدية مع أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب أبي يزيد، فظفروا، فتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان، وكان اعتماده عليهم.
ذكر رحيل أبي يزيد عن المهديةلما تفرق أصحابه عنه، كما ذكرنا، اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا وقالوا: نمضي إلى القيروان، ونجمع البربر من كل ناحية، ونرجع إلى أبي يزيد، فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا؛ فركبوا ومضوا، ولم يشاوروا أبا يزيد، ومعهم أكثر العسكر، فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم، فلم يقبلوا منه، فرحل مسرعاً في ثلاثين رجلاً، وترك جميع أثقاله، فوصل إلى القيروان سادس صفر، فنزل المصلى، ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله، وخرج الصبيان يلعبون حوله ويضحكون منه.
وبلغ القائم رجوعه، فخرج الناس إلى أثقاله، فوجدوا الطعام والخيام وغير ذلك على حاله، فأخذوه وحسنت أحوالهم، واستراحوا من شدة الحصار، ورخصت الأسعار، وأنفذ القائم إلى البلاد عمالاً يطردون عمال أبي يزيد عنها، فلما رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم، فأرادوا أن يقبضوا أب يزيد، ثم هابوه، فكاتبوا القائم يسألونه الأمان، فلم يجبهم.
وبلغ أبا يزيد الخبر، فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل والشرب وغير ذلك، وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد، ففعل ذلك، وألان لهم القول، وخوفهم القائم، فخرجوا إليه.
وتسامع الناس في البلاد بذلك، فأتاه العساكر من كل ناحية، وكان أهل المدائن والقرى لما سمعوا تفرق عساكره عنه أخذوا عماله فمنهم من قتل، ومنهم من أرسل إلى المهدية.
وثار أهل سوسة، فقبضوا على جماعة من أصحابه فأرسلوهم إلى القائم، فشكر لهم ذلك، وأرسل إليهم سبعة مراكب من الطعام، فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبي والنهب والخراب وإحراق المنازل، فوصل عسكره إلى تونس، فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفاء، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، ونجا كثير من الناس إلى البحر فغرق.
فسير إليهم القائم عسكراً إلى تونس، فخرج إليهم أصحاب أبي يزيد، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر القائم هزيمة قبيحة، وحال بينهم الليل، والتجأوا إلى جبل الرصاص، ثم إلى اصطفورة، فتبعهم عسكر أبي يزيد، فلحقوهم واقتتلوا، وصبر عسكر القائم، فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير، وقتلوا، حتى دخلوا تونس خامس ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن قتلوا أكثرهم، وأخذ لهم من الطعام شيء كثير.
وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب، فلما بلغه الخبر أخرج معه عسكراً كثيراً، فاجتمع مع من سلم من ذلك الجيش، ورجعوا إلى تونس فقتلوا من عاد إليها وأحرقوا ما بقي فيها، وتوجه إلى باجة فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها، وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف.
واتفق جماعة على قتل أبي يزيد، وأرسلوا إلى القائم فرغبهم ووعدهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد فقتلهم، وهجم رجال من البربر في الليل على رجل من أهل القيروان وأخذوا ماله وثلاث بنات أبكار، فلما اصبح واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به، فقام الناس معه وصاحوا، فاجتمع الخلق العظيم، ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاماً غليظاً، فاعتذر إليهم ولطف بهم وأمر برد البنات.

فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلاً مقتولاً، فسألوا عنه، فقيل إن فضل بن أبي يزيد قتله وأخذ امرأته، وكانت جميلة، فحمل الناس المقتول إلى الجامع وقالوا: لا طاعة إلا للقائم ! وأرداوا الوثوب بأبي يزيد، فاجتمع أصحاب أبي يزيد عنده ولاموه وقالوا: فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم قريب منا؛ فجمع أهل القيروان، واعتذر إليهم، وأعطاهم العهود أنه لا يقتل، ولا ينهب، ولا يأخذ الحريم، فأتاه سبي أهل تونس، وهم عنده، فوثبوا إليهم وخلصوهم.
وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره بجمع العساكر ومن قدر عليه من المسيلة، فجمع منها ومن سطيف وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، وتبعه بعض بني هراس، فقصد المهدية، فسمع به أيوب بن أبي يزيد، وهو بمدينة باجة، ولم يعلم به علي ن حمدون، فسار إليه أيوب وكبسه واستباح عسكره، وقتل فيهم وغنم أثقالهم، وهرب عليٌ المذكور، ثم سير أيوب جريدة خيل إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس، فساروا واجتمعوا، ووقع بعضهم على بعض فكان بين الفريين قتال عظيم قتل فيه جمع كثير وانهزم عسكر القائم، ثم عادوا ثانية وثالثة، وعزموا على الموت، وحملوا حملة رجل واحد، فانهزم أصحاب أبي زيد وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأخذت أثقالهم وعددهم، وانهزم أيوب وأصحابه إلى القيروان في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
فعظم ذلك على أبي يزيد، وأراد أن يهرب عن القيروان، فأشار عليه أصحابه بالتوقف وترك العجلة، ثم جمع عسكراً عظيماً، وأخرج ابنه أيوب ثانية لقتال علي بن حمدون بمكان يقال له بلطة، وكانوا يقتتلون، فمرة يظفر أيوب، ومرة يظفر عليٌ، وكان عليٌ قد وكل بحراسة المدينة من يثق به، وكان يحرس باباً منها رجل اسمه أحمد، فراسل أيوب في التسليم إليه على مال يأخذه، فأجابه أيوب إلى ما طلب، وقاتل على ذلك الباب، ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد، فقتلوا من كان بها، وهرب عليٌ إلى بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل، وكتب إلى قبائل كتامة ونقرة ومزاتة وغيرهم، فاجتمعوا وعسكروا على مدينة القسطنطينة.
ووجه عسكراً إلى هوارة، فقتلوا هوارة، وغنموا أموالهم، وكان اعتماد أبي يزيد عليهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد، فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضها بعضاً، وكان بينهم حروب كثيرة والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم، وملك مدينة تيجس ومدينة باغاية وأخذهما من أبي يزيد.
ذكر محاصرة أبي يزيد سوسة
وانهزامه منها
لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من الهزيمة جد في أمره، فجمع العساكر وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة، وبها جيش كثير للقائم، فحصرها حصراً شديداً، فكان يقاتلها كل يوم، فمرة له، ومرة عليه، وعمل الدبابات والمنجنيقات، فقتل من أقل سوسة خلق كثير وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد إلى ولده إسماعيل المنصور في شهر رمضان، وتوفي القائم وملك الملك ابنه المنصور، على ما نذكره، وكتم موت أبيه خوفاً من أبي يزيد لقربه، وهو على مدينة سوسة.
فلما ولي عمل المراكب، وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، واستعمل عليها رشيقاً الكاتب، ويعقوب بن إسحاق، ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما، ثم سار من الغد يريد سوسة، ولم يعلم أصحابه ذلك، فلما انتصف الطريق علموا فتضرعوا إليه، وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه، فعاد وأرسل إلى رشيق ويعقوب بالجد في القتال، فوصلوا إلى سوسة وقد أعد أبو يزيد الحطب لإحراق السور، وعمل دبابة عظيمة، فوصل أسطول المنصور إلى سوسة، واجتمعوا بمن فيها، وخرجوا إلى قتال أبي يزيد، فركب بنفسه، واقتتلوا، واشتدت الحرب، وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى دخلوا المدينة، فألقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه أبو يزيد، وفي الدبابة، فأظلم الجو بالدخان، واشتعلت النار.
فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا، وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد هلكوا فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم ير بعضهم بعضاً، فانهزم أبو يزيد وأصحابه، وخرجت عساكر المنصور، فوضعوا السيف فيمن تخلف من البربر، وأحرقوا خيامه.
وجد أبو يزيد هارباً حتى دخل القيروان من يومه، وهرب البربر على وجوههم فمن سلم من السيف مات جوعاً وعطشاً.

ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان أراد الدخول إليها، فمنعه أهلها، ورجعوا إلى دار عامله، فحصروه، وأرادوا كسر الباب، فنثر الدنانير على رؤوس الناس فاشتغلوا عنه، فخرج إلى أبي يزيد، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه أصحابه بعيالاتهم، ورحلوا إلى ناحية سبيبة، وهي على مسافة يومين من القيروان، فنزلوها.
ذكر ملك المنصور مدينة القيروان وانهزام أبي يزيدلما بلغ المنصور الخبر سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال من السنة، فنزل خارجاً منها، وسر بما فعله أهل القيروان، فكتب إليهم كتاباً يؤمنهم فيه، لأنه كان واجداً عليهم لطاعتهم أبا يزيد، وأرسل من ينادي في الناس بالأمان، وطابت نفوسهم، ورحل إليهم، فوصلها يوم الخميس لست بقين من شوال، وخرج إليه أهلها، فأمنهم ووعدهم خيراً.
ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده جماعة، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق.
ثم إن أبا يزيد جمع عساكره، وأرسل سرية إلى القيروان يتخبرون له، فاتصل خبرهم بالمنصور، فسير إليهم سرية، فالتقوا واقتتلوا، وكان أصحاب أبي يزيد قد جعلوا كميناً، فانهزموا، وتبعهم أصحاب المنصور، فخرج الكمين عليهم، فأكثر فيهم القتل والجراح.
فلما سمع الناس ذلك سارعوا إلى أبي يزيد، فكثر جمعه، فعاد ونازل القيروان، وكان المنصور قد جعل خندقاً على عسكره، ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث فرق، وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور، فاقتتلوا، وعظم الأمر، وكان الظفر للمنصور، ثم عاودوا القتال، فباشر المنصور القتال بنفسه، وجعل يحمل يميناً وشمالاً، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه خمسمائة فارس، وأبو يزيد في مقدار ثلاثين ألفاً، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ونهبوا، وبقي المنصور في نحو عشرين فارساً.
وأقبل أبو يزيد قاصداً إلى المنصور، فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه وجمل بنفسه على أبي يزيد حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هارباً، وقتل المنصور من أدرك منهم، وأرسل من يرد عسكره فعادوا، وكانوا قد سلكوا طريق المهدية وسوسة، وتمادى القتال إلى الظهر فقتل منهم خلق كثير وكان يوماً من الأيام المشهودة لم يكن في ماضي الأيام مثله.
ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت هيبته في قلوبهم، ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ثم عاد إليها فلم يخرج إليه أحد، ففعل ذلك غير مرة، ونادى المنصور: من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار؛ وأذن الناس في القتال، فجرى قتال شديد، فانهزم أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم رجعت الهزيمة على أبي يزيد، فافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وقتل بينهم جمع عظيم، وعادت الحرب مرة لهذا ومرة لهذا، وصار أبو يزيد يرسل السرايا، فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة.
ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأله أن يسلم إليه حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، فإن فعل ذلك دخل في طاعته على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف له بأغلظ الأيمان على ذلك، فأجابه المنصور إلى ما طلب، وأحضر عياله وسرهم إليه مكرمين، بعد أن وصلهم، وأحسن كسوتهم، وأكرمهم، فلما وصلوا إليه نكث جميع ما عقده، وقال: إنما وجههم خوفاً مني، فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة؛ ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهم على حالهم في القتال.
ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير، فلما انتصف المحرم عبأ المنصور عسكره، فجعل في الميمنة أهل أفريقية، وكتامة الميسرة، وهو في عبيده وخاصته في القلب، فوقع بينهم قتال شديد، فحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها، ثم حمل على القلب، فبادر إليه المنصور وقال: هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى ! وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وهرب أبو يزيد على وجهه فقتل من أصحابه ما لا يحصى، فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس، وسار أبو يزيد إلى تاه مديت.
ذكر قتل أبي يزيد

لما تمت على أبي يزيد وأقام المنصور يتجهز للمسير في أثره، ثم رحل، أواخر شهر ربيع الأول من السنة، واستخلف على البلد مذاماً الصقلي، فأدرك أبا يزيد وهو محاصر مدينة باغاية لأنه أراد دخولها لما انهزم، فمنع من ذلك، فحصرها، فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها، فلما قرب منه هرب أبو يزيد وجعل كلما قصد موضعاً يتحصن فيه سبقه المنصور، حتى وصل طبنة، فوصلت رسل محمد بن خزر الزناتي، وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد، يطلب الأمان، فأمنه المنصور، وأمره أن يرصد أبا يزيد، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر ويسمى برزال، وأهله على مذهبه، وسلك الرمال ليختفي أثره، فاجتمع معه خلق كثير، فعاد إلى نواحي مقبرة والمنصور بها، فكمن أبو يزيد أصحابه، فلما وصل عسكر المنصور رآهم فحذروا منهم، فعبأ حينئذ أبو يزد أصحابه، واقتتلوا، فانهزمت ميمنة المنصور، وحمل هو بنفسه ومن معه، فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، ورحل المنصور في أثره، فدخل مدينة المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه فعرفه الأدلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط، واشتد الأمر على أهل العسكر، فبلغ عليق كل دابة ديناراً ونصفاً، وبلغت قربة الماء ديناراً، وأن ما وراء ذلك رمال وقفار بلاد السودان، ليس فيها عمارة، وإن أبا يزيد اختار الموت جوعاً وعطشاً على القتل بالسيف.
فلما سمع ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فوصل إلى موضع يسمى قرية دمره، فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة، وزيري هذا هو جد بني باديس ملوك أفريقية، كما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور وأحسن إليه، ووصل كتاب محمد بن خزر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد من الرمال.
ومرض المنصور مرضاً شديداً أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب، وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه مرض المنصور، وحصرها، فلما قصده المنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فأبى ذلك بنو كملان وهوارة وخدعوه، وصعد إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم، فتحصن بها واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون يتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد، وأسلم أولاده وأصحابه، ولحقه فارسان فعقرا فرسه فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه، ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه، وكثر القتال عليه، فخلصه أصحابه وخلصوا معه، وتبعهم أصحاب المنصور، فقتلوا منهم ما يزيد على عشرة آلاف.
ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان، فاقتتلوا أيضاً أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان خشونته، ثم انهزم أبو يزيد أيضاً، واحترقت أثقاله وما فيها، وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر، وأحاط القتال بالمنصور وتواخذوا بالأيدي، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء، والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة، وهي منيعة، فاحتمى بها.
وفي ذلك اليوم أتى إلى المنصور جند له من كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى البربوبية، فأمر المنصور بقتله، وأقبلت هوارة وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان، فأمنهم المنصور، وسار إلى قلعة كتامة، فحصر أبا يزيد فيها، وفرق جنده حولها، فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرة، ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة، وألقوا فيها النيران، وانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلاً ذريعاً، ودخل أبو يزيد وأولاده وأعيان أصحابه إلى قصر في القلعة، فاجتمعوا فيه، فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل، فأمر المنصور بإشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو يزيد، فصار الليل كالنهار.

فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فنجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا، فأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور بطلبه وقال: ما أظنه ألا قريباً منا؛ فبينما هم كذلك إذ أتى بأبي يزيد، وذلك أن ثلاثة من أصحابه حملوه من المعركة ثم ولوا عنه، وإنما حملوه لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر، فسقط في مكان صعب، فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكراً لله تعالى، والناس يكبرون حوله، وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فمات من الجراح التي به، فأمر بإدخاله في قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده وحشاه تبناً، وأمر بالكتب إلى سائر البلاد بالبشارة.
ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر، فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان يريد نصرة أبي يزيد؛ وخرج أيضاً بن أبي يزيد، وأفسد وقطع الطريق، فغدر به بعض أصحابه وقتله، وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست وثلاثين أيضاً، وعاد المنصور إلى المهدية، فدخلها في شهر رمضان من السنة.
ذكر قتل أبي الحسين البريدي وإحراقهفي هذه السنة، في ربيع الأول، قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمناً إلى توزون، فأمنه، وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره، وأكرمه، وطلب أن يقوي يده على ابن أخيه، وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالاً كثيراً، فوعدوه النجدة والمساعدة، فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالاً كثيراً خدم به توزون وابن شيرزاد، فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله.
فلما علم أبو الحسين بذلك سعى في أن يكتب لتوزون، ويقبض على ابن شيرزاد، فعلم ابن شيرزاد بذلك، فسعى به إلى أن قبض عليه، وقيد وضرب ضرباً عنيفاً، وكان أبو عبدالله بن أبي موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه، فأحضرها وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة، وأخرج أبو الحسين، وسئل الفقهاء عن الفتاوى، فاعترفوا أنهم أفتوا بذلك، فأمر بضرب رقبته، فقتل وصلب، ثم أنزل وأحرق، ونهبت داره، وكان هذا آخر أمر البريديين، وكان قتله منتصف ذي الحجة.
وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر، وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفاً بقطن جبة، وفي رجله قبقاب خشب.
ذكر مسير أبي علي إلى الري وعوده قبل ملكهالما استقر الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخراسان أمر أبا علي ابن محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة ابن بويه، فسار في جمع كثير، فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمر نوحاً، فسيره إليه، وكان نوح حينئذ بمرو، فلما قدم عليه أكرمه وأنزله، وبالغ في إكرامه والإحسان إليه.
وأما أبو علي فأنه سار نحو الري، فلما نزل ببسطام خالف عليه بعض من معه، وعادوا عنه مع منصور بن قراتكين، وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه، فساروا نحو جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فصدهم الحسن عنها، فانصرفوا إلى نيسابور، وسار أبو علي نحو الري فيمن بقي معه، فخرج إليه ركن الدولة محارباً، فالتقوا على ثلاثة فراسخ من الري، وكان مع أبي علي جماعة كثيرة من الأكراد، فغدروا به، واستأمنوا إلى ركن الدولة، فانهزم أبو علي، وعاد نحو نيسابور وغنموا بعض أثقاله.
ذكر استيلاء وشمكير على جرجانلما عاد أبو علي إلى نيسابور لقيه وشمكير، وقد سيره الأمير نوح، ومعه جيش فيهم مالك بن شكرتكين، وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير، فوجه فيمن معه إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الحسن، واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر استيلاء أبي علي على الريفي هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح، وهو بمرو، فاجتمع به، فأعاده إلى نيسابور، وأمره بقصد الري، وأمده بجيش كثير، فعاد إلى نيسابور، وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة، وبها ركن الدولة، فلما علم ركن الدولة بكثرة جموعه سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال، وأنفذ نوابه إلى الأعمال، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة.

ثم إن الأمير نوحاً سار من مرو إلى نيسابور، فوصل إليها في رجب، وأقام بها خمسين يوماً، فوضع أعداء أبي علي جماعة من الغوغاء والعامة، فاجتمعوا واستغاثوا عليه، وشكوا سوء سيرته وسيرة نوابه، فاستعمل الأمير نوح على نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها إلى بخارى في رمضان، وكان مرادهم بذلك أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان ليقيم بالري وبلاد الجبل، فاستوحش أبو علي لذلك، فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال، فلما عزل شق ذلك عليه، ووجه أخاه أبا العباس الفضل ابن محمد إلى كور الجبال، وولاه همذان، وجعله خليفة على من معه من العساكر، فقصد الفضل نهاوند والدينور وغيرهما واستولى عليها، واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك الناحية، وأنفذوا إليه رهائنهم.
ذكر وصول معز الدولة إلى واسط
وعوده عنها
في هذه السنة، آخر رجب، وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى مدينة واسط، فسمع توزون به، فسار هو والمستكفي بالله من بغداد إلى واسط، فلما سمع معز الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان، ووصل الخليفة وتوزون إلى واسط، فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة، فأجابه توزون إلى ذلك وضمنه، وسلمها إليه، وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداد، فدخلاها ثامن شوال من السنة.
ذكر ملك سيف الدولة مدينة حلف وحمصفي هذه السنة سار سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان إلى حلب، فملكها واستولى عليها، وكان مع المتقي لله بالرقة، فلما عاد المتقي إلى بغداد، وانصرف الإخشيد إلى الشام، بقي يأنس المؤسي بحلب، فقصده سيف الدولة، فلما نازلها فارقها يأنس وسار إلى الإخشيد، فملكها سيف الدولة، ثم سار منها إلى حمص، فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج، صاحب الشام ومصر، مع مولاه كافور، واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وكافور، وملك سيف الدولة مدينة حمص، وسار إلى دمشق فحصرها، فلم يفتحها أهلها له فرجع.
وكان الأخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة، فالتقيا بقنسرين، فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما عاد الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب، ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها، فخرج إليهم، فقاتلهم بالقرب منها، فظفر بهم وقتل منهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، ثامن جمادى الأولى، قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي عبدالله بن أبي سليمان وعلى أخيه، واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي على خاص أمره، وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل يكتب لناصر الدولة، فلما بلغه خبر تقلده الخلافة انحدر إلى بغداد لأنه كان يخدم المستكفي بالله، ويكتب له، وهو في دار ابن طاهر.
وفيها، في رجب، سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل، وقصد ناصر الدولة لأنه كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلماناً هربوا من توزون، وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحداً من عسكر توزون.
فلما خرج الخليفة وتوزون من بغداد ترددت الرسل في الصلح، وتوسط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر، وانقاد ناصر الدولة لحمل المال، وكان أبو القاسم ابن مكرم، كاتب ناصر الدولة، هو الرسول في ذلك، ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا بغداد.
وفيها في سابع ربيع الآخر قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج السرمرائي، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، وكانت مدة وزارته اثنين وأربعين يوماً.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر موت توزون وإمارة ابن شيرزاد
في هذه السنة، في المحرم، مات توزون في داره ببغداد، وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوماً، وكتب له ابن شيرزاد مدة إمارته، غير ثلاثة أيام.

ولما مات توزون كان ابن شيرزاد بهيت لتخليص أموالها، فلما بلغه الخبر عزم على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج عليه الأجناد جميعهم، واجتمعوا عليه، وحلفوا له، ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف له، فأجابه إلى ذلك، وحلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد، وعاد مكرماً يخاطب بأمير الأمراء، وزاد الأجناد زيادة كثيرة، فضاقت الأموال عليه، فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي، وهو بالموصل، يطالبه بحمل المال، ويعده برد الرئاسة إليه، وأنفذ له خمسمائة ألف درهم وطعاماً كثيراً، ففرقها في عسكره، فلم يؤثر، فقسط الأموال على العمال والكتاب والتجار وغيرهم لأرزاق الجند وظلم الناس ببغداد.
وظهر اللصوص، وأخذوا الأموال، وجلا التجار، واستعمل على واسط ينال كوشة، وعلى تكريت اللشكري، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه، واستقدمه، وصار معه، وأما الفتح اللشكري فإنه سار إلى ناصر الدولة بالموصل، وصار معه، فأقره على تكريت.
ذكر استيلاء معز الدولة على بغدادلما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه، وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، وسار معز الدولة نحوه، فاضطرب الناس ببغداد، فلما وصل إلى باجسرى اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، فلما استتر سار الأتراك إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفي وعاد إلى بغداد إلى دار الخلافة، وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، صاحب معز الدولة، إلى بغداد، فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الذي استتر فيه ثم اجتمع بالمستكفي، فأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ليتفرقوا فيحصل الأمر لمعز الدولة بلا قتال.
ووصل معز الدولة إلى بغداد حادي عشر جمادى الأولى، فنزل ببال الشماسية، ودخل من الغد على الخليفة المستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي، وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور، وأن يأذن أن يستكتبه، فأجاب إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد، ولقي معز الدولة، فولاه الخراج، وجباية الأموال، وخلع الخليفة، على معز الدولة، ولقبه ذلك اليوم معز الدولة، ولقب أخاه علياً عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم.
ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة، وصار رسماً عليهم بعد ذلك، وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله، وأقيم للمستكفي بالله كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكانت ربما تأخرت عنه، فأقرت له مع ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه.
ذكر خلع المستكفي باللهوفي هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة.
وكان سبب ذلك أن علماً القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الديلم والأتراك، فاتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفي ويزيلوا معز الدولة، فساء ظنه لذلك لما رأى من إقدام علم، وحضر أصفهدوست عند معز الدولة، وقال: قد راسلني الخليفة في أن ألقاه متنكراً.
فلما مضى اثنان وعشرون يوماً من جمادى الآخرة حضر معز الدولة والناس عند الخليفة، وحضر رسول صاحب خراسان، ومعز الدولة جالس، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم يصيحان، فتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فمدها إليهما، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة، واضطرب الناس، ونهبت الأموال، وساق الديلميان المستكفي بالله ماشياً إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي، وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها.
وكانت مدة خلافة المستكفي سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوباً على أمره مع توزون وابن شيرزاد، ولما بويع المطيع لله سلم إليه المستكفي، فسلمه وأعماه، وبقي محبوساً إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكان مولده ثالث عشر صفر سنة ست وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها غصن، وكان أبيض، حسن الوجه، قد وخطه الشيب.
ذكر خلافة المطيع لله

لما ولي المستكفي بالله الخلافة خافه المطيع، وهو أبو القاسم الفضل بن المقتدر، لأنه كان بينهما منازعة، وكان كل منهما يطلب الخلافة، وهو يسعى فيها، فلما ولي المستكفي خافه واستتر منه، فطلبه المستكفي أشد الطلب، فلم يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد قيل إن المطيع انتقل إليه، واستتر عنده، وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسلمه، فلما قبض المستكفي بويع للمطيع لله بالخلافة يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، ولقب المطيع لله، وأحضر المستكفي عنده، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع.
وازداد أمر الخلافة أدباراً، ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة، وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل، والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كان أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد.
وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم كانوا يتشيعون، ويغالون في التشيع، ويعتقدون أن العباسيين قد غضبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة، حتى لقد بلغني أن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي، أو لغيره من العلويين، فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال: ليس هذا برأي، فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من يعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن ذلك؛ فهذا كان من أعظم الأسباب في زوال أمرهم ونهبهم مع حب الدنيا وطلب التفرد بها.
وتسلم معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق بيد الخليفة منه شيء البتة، إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته.
ذكر الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولةوفيها، في رجب، سير معز الدولة عسكراً فيهم موسى فيادة وينال كوشة إلى الموصل في مقدمته، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشة بموسى فيادة، ونهب سواده، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل نحو العراق، ووصل ناصر الدولة إلى سامرا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معز الدولة بعكبرا.
وفي رمضان سار معز الدولة مع المطيع لله إلى عكبرا، فلما سار عن بغداد لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عسكر لناصر الدولة، فاستولوا عليها، ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن ناصر الدولة، وناصر الدولة يحارب معز الدولة، فلما كان عاشر رمضان سار ناصر الدولة من سامرا إلى بغداد فأقام بها، فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد الخليفة معه إلى بغداد، فنزلوا بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب للمطيع ببغداد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:11 am

ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي، فمنعوا أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف، فغلت الأسعار على الديلم، حتى بلغ الخبز عندهم كل رطل بدرهم وربع، وكان السعر عند ناصر الدولة رخيصاً، كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل، فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال بدرهم.
ومنع ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع، وضرب دنانير ودراهم على سكة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وعليها اسم المتقي لله، واستعان ابن شيرزاد بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة، فكان يركب في الماء، وهم معه، ويقاتل الديلم.
وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معز الدولة، فلقيهم أسفهدوست فهزمهم، وكان من أعظم الناس شجاعة، وضاق الأمر بالديلم حتى عزم معز الدولة على العود إلى الأهواز، وقال: نعمل معهم حيلة هذه المرة، فإن أفادت وإلا عدنا؛ فرتب ما معه من المعابر بناحية الثمارين، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري وأسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه باقي العسكر، وأظهر أنه يعبر في قطربل، وسار ليلاً ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمري وأسفهدوست من العبور، فعبروا وتبعهم أصحابهم.

فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه، فعلموا بحيلته، فلقيهم ينال كوشة في جماعة أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة خمس وثلاثين وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداد، فكان مقدار ما غنموه ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معز الدولة برفع السيف والكف عن النهب وأمن الناس فلم ينتهوا، فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري، فركب وقتل، وصلب جماعة وطاف بنفسه فامتنعوا.
واستقر معز الدولة ببغداد، وأقام ناصر الدولة بعكبرا، وأرسل في الصلح بغير مشورة من الأتراك التوزونية، فهموا بقتله، فسار عنهم مجداً نحو الموصل، ثم استقر الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم سنة خمس وثلاثين.
ذكر وفاة القائم وولاية المنصورفي هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيدالله المهدي العلوي صاحب إفريقية لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل وتلقب المنصور بالله، وكتم موته خوفاً أن يعلم بذلك أبو يزيد، وهو بالقرب منه على سوسة، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولم يغير السكة، ولا الخطبة، ولا البنود، وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موته، وتسمى بالخلافة، وعمل آلات الحرب والمراكب، وكان شهماً شجاعاً وضبط الملك والبلاد.
ذكر إقطاع البلاد وتخريبهافيها شغب الجند على معز الدولة بن بويه، وأسمعوه المكروه، فضمن لهم إيصال أرزاقهم في مدة ذكرها لهم، فاضطر إلى خبط الناس، وأخذ الأموال من غير وجوهها، وأقطع قواده وأصحابه القرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك، فبطل لذلك أكثر الدواوين، وزالت أيدي العمال، وكانت البلاد قد خربت من الاختلاف، والغلاء، والنهب، فأخذ القواد القرى العامرة، وزادت عمارتها معهم، وتوفر دخلها بسبب الجاه، فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك.
وأما الأتباع فإن الذي أخذوه ازداد خراباً، فردوه وطلبوا العوض عنه، فعوضوا، وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها، فهلكت وبطل الكثير منها.
وأخذ غلمان المقطعين في ظلم وتحصيل العاجل، فكان أحدهم إذا عجز الحاصل تممه بمصادراتها.
ثم إن معز الدولة فوض حماية كل موضع إلى بعض أكابر أصحابه فاتخذه مسكناً وأطمعه، فاجتمع إليهم الإخوة، وصار القواد يدعون الخسارة في الحاصل، فلا يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك، فإن اعترضهم معترض صاروا أعداء له، فتركوا وما يريدون، فازداد طمعهم، ولم يقفوا عند غاية، فتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة تكون للنوائب والحوادث، وأكثر من إعطاء غلمانه الأتراك والزيادة لهم في الإقطاع، فحسدهم الديلم وتولد من ذلك الوحشة والمنافرة، فكان من ذلك ما نذكره.
ذكر موت الإخشيد
وملك سيف الدولة دمشق
في هذه السنة، في ذي الحجة، مات الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج، صاحب ديار مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان موته بدمشق، وقيل مات سنة خمس وثلاثين، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وغلب أبا الاسم واستضعفه وتفرد بالولاية؛ وكافور هذا هو الذي مدحه المتنبي ثم هجاه.
وكان أبو القاسم صغيراً، وكان كافور أتابكه، فلهذا استضعفه، وحكم عليه، فسار كافور إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق، فملكها وأقام بها، فاتفق أنه كان يسير هو والشريف العقيلي بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد؛ فقال له العقيلي: هي لأقوام كثيرة؛ فقال سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين السلطانية لينبرون منها، فأعلم العقيلي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف الدولة فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثم استقر الأمر بينهما، وعاد أنوجور إلى مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيراً، وولي عليها بدر الإخشيدي، ويعرف ببدير، وعاد إلى مصر، فبقي بدير على دمشق سنة، ثم وليها أبو المظفر بن طغج وقبض على بدير.
ذكر مخالفة أبي علي على الأمير نوح

وفي هذه السنة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير نوح، صاحب خراسان وما وراء النهر.
وسبب ذلك أن أبا علي لما عاد من مرو إلى نيسابور وتجهز للمسير إلى الري أنفذ إليه الأمير نوح عارضاً يستعرض العسكر، فأساء العارض السيرة معهم، وأسقط منهم ونقص، فنفرت قلوبهم، فساروا وهم على ذلك وانضاف إلى ذلك أن نوحاً أنفذ معهم من يتولى أعمال الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق بعد أ، كان جميعه أيام السعيد نصر بن أحمد إلى أبي علي، فنفر قلبه لذلك، ثم إنه عزل عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور كما ذكرناه.
ثم إن المتولي أساء إلى الجند في معاملاتهم وحوائجهم وأرزاقهم، فازدادوا نفوراً، فشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذاك بهمذان، واتفق رأيهم على مكاتبة إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل عم نوح، واستقدامه إليهم ومبايعته وتمليكه البلاد. وكان إبراهيم حينئذ بالموصل في خدمة ناصرا الدولة، وكان سبب مسيره إليها ما ذكرناه قبل، فلما اتفقوا على ذلك أظهروا عليه أبا علي، فنهاهم عنه، فتوعدوه بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوا، فكاتبوا إبراهيم وعرفوه حالهم، فسار إليهم في تسعين فارساً، فقدم عليهم في رمضان من هذه السنة، ولقيه أبو علي بهمذان وساروا معه إلى الري في شوال، فلما وصلوا إليها اطلع أبو علي من أخيه الفضل على كتاب كتبه إلى الأمير نوح يطلعه على حالهم، فقبض عليه وعلى ذلك المتولي الذي أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور واستخلف على الري والجبل نوابه.
وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فتجهز وسار إلى مرو من بخارى، وكان الأجناد قد ملوا من محمد بن أحمد الحاكم المتولي للأمور، لسوء سيرته، فقالوا لنوح: إن الحاكم أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علي إلى العصيان، وأوحش الجنود، وطلبوا تسليمه إليهم، وإلا ساروا إلى عمه إبراهيم وأبي علي، فسلمه إليهم، فقتلوه في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ولما وصل أبو علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور، ومنصور ابن قراتكين، وغيرهما من القواد، فاستمالهما أبو علي، فمالا إليه وصارا معه، ودخلها في المحرم سنة خمسة وثلاثين ثم ظهر له من منصور ما يكره فقبض عليه.
ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين إلى مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبي علي من محبسه، احتال على الموكلين به وهرب إلى قوهستان فأقام بها، وسار أبو علي إلى مرو، فلما قاربها أتاه كثير من عسكر نوح، وسار نوح عنها إلى بخارى، واستولى أبو علي على مرو في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وأقام بها أياماً، وأتاه أكثر أجناد نوح وسار نحو بخارى، وعبر النهر إليها، ففارقها نوح وسار إلى سمرقند، ودخل أبو علي بخارى في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وخطب فيها لإبراهيم العم، وبايع له الناس.
ثم إن أبا علي اطلع من إبراهيم على سوء قد أضمره له، ففارقه وسار إلى تركستان، وبقي إبراهيم في بخارى، وفي خلال ذلك أطلق أبو علي منصور بن قراتكين فسار إلى الأمير نوح.
ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على أن يخلع نفسه من الأمر ويرده إلى ولد أخيه الأمير نوح، ويكون هو صاحب جيشه، ويتفق معه على قصد أبي علي، ودعا أهل بخارى إلى ذلك، فأجابوه واجتمعوا وخرجوا إلى أبي علي وقد تفرق عنه أصحابه، وركب إليهم في خيل، فردهم إلى البلد أقبح رد، وأراد إحراق البلد، فشفع إليه مشايخ بخارى، فعفا عنهم وعاد إلى مكانه، واستحضر أبا جعفر محمد بن نصر بن أحمد، وهو أخو الأمير نوح، وعقد له الإمارة وبايع له، وخطب له في النواحي كلها.
ثم ظهر لأبي علي فساد نيات جماعة من الجند، فرتب أبا جعفر في البلد، ورتب ما يجب ترتيبه، وخرج عن البلد يظهر المسير إلى سمرقند، ويضمر العود إلى الصغانيان، ومنها إلى نسف، فلما خرج من البلد رد جماعة من الجند والحشم إلى بخارى، وكاتب نوحاً بإفراجه عنها.
ثم سار إلى الصغانيان في شعبان، ولما فارق أبو علي بخارى خرج إبراهيم وأبو جعفر محمد بن نصر إلى سمرقند مستأمنين إلى نوح، مظهرين الندم على ما كان منهم، فقربهم وقبلهم ووعدهم وعاد إلى بخارى في رمضان، وقتل نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمه إبراهيم، وأخويه أبا جعفر محمداً وأحمد، وعادت الجيوش فاجتمعت عليه والأجناد، وأصلح الفساد.

وأما الفضل بن محمد أخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه كما ذكرناه ولحق بقوهستان، جمع جمعاً كثيراً وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزاق من قبل أبي علي، فخرج منها إلى الفضل، فالتقيا وتحاربا، فانهزم الفضل ومعه فارس واحد، فلحق ببخارى فأكرمه الأمير نوح، وأحسن إليه وأقام في خدمته.
ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسانلما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وأصلح البلاد، وكان أبو علي بالصغانيان، وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني، فرأى نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش خراسان، فولاه ذلك، وسيره إلى مرو، وبها أبو أحمد، وقد غور المناهل ما بين آمل ومرو، ووافق أبا علي ثم تخلى عنه.
وسار إليه منصور جريدة في ألفي فارس، فلم يشعر القزويني إلا بنزول منصور بكشماهن على خمسة فراسخ من مرو، واستولى منصور على مرو، واستقبله أبو أحمد القزويني فأكرمه، وسيره إلى بخارى مع ماله وأصحابه، فلما بلغها أكرمه الأمير نوح وأحسن إليه إلا أنه وكل به، فظفر بعض الأيام برقعة قد كتبها القزويني بما أنكره، فأحضره وبكته بذنوبه، ثم قتله.
ذكر مصالحة أبي علي مع نوحثم إن أبا علي أقام بالصغانيان، فبلغه أن الأمير نوحاً قد عزم على تسيير عسكر إليه، فجمع أبو علي الجيوش وخرج إلى بلخ وأقام بها، وأتاه رسول الأمير نوح في الصلح، فأجاب إليه، فأبى عليه جماعة ممن معه من قواد نوح الذين انتقلوا إليه، وقالوا: نحب أن تردنا إلى منازلنا، ثم صالح فخرج أبو علي نحو بخارى، فخرج إليه الأمير نوح في عساكره، وجعل الفضل بن محمد أخا أبي علي صاحب جيشه، فالتقوا بجرجيك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتحاربوا قبيل العصر، فاستأمن إسماعيل بن الحسن الداعي إلى نوح، وتفرق العسكر عن أبي علي فانهزم ورجع إلى الصغانيان.
ثم بلغه أن الأمير نوحاً قد أمر العساكر بالميسر إليه من بخارى وبلخ وغيرهما، وأن صاحب الختل قد تجهز لمساعدة أصحاب أبي علي، فسار أبو علي في جيشه إلى ترمذ، وعبر جيحون، وسار إلى بلخ، فنازلها، واستولى عليها وعلى طخارستان، وجبى مال تلك الناحية.
وسار من بخارى عسكر جرار إلى الصغانيان، فأقاموا بنسف ومعهم الفضل بن محمد بن أخو أبي علي، فكتب جماعة من قواد العسكر إلى الأمير نوح بأن الفضل قد اتهموه بالميل إلى أخيه، فأمرهم بالقبض عليه، فقبضوا عليه وسيروه إلى بخارى.
وبلغ خبر العسكر إلى أبي علي، وهو بطخارستان، فعاد إلى الصغانيان، ووقعت بينهم حروب، وضيق عليهم أبو علي في العلوفة، فانتقلوا إلى قرية أخرى على فرسخين من الصغانيان، فقاتلهم أبو علي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين قتالاً شديداً، فقهروه، وسار إلى شومان، وهي على ستة عشر فرسخاً من الصغانيان، ودخل عسكر نوح إلى الصغانيان، فأخربوا قصور أبي علي ومساكنه، وتبعوا أبا علي، فعاد إليهم واجتمع إليه الكتيبة، وضيق على عسكر نوح، وأخذ عليهم المسالك، فانقطعت عنهم أخبار بخارى، وأخبارهم عن بخارى، نحو عشرين يوماً، فأرسلوا إلى أبي علي يطلبون الصلح، فأجابهم إليه، واتفقوا على إنفاذ ابنه أبي المظفر عبدالله رهينة إلى الأمير نوح، واستقر الصلح بينهما في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
وسير ابنه إلى بخارى، فأمر نوح باستقباله، فأكرمه وأحسن إليه، وكان قد دخل إليه بعمامة، فخلع عليه القلنسوة، وجعله من ندمائه، وزال الخلف.
وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث في السنين التي هي فيها كانت، وإنما أوردناها متتابعة في هذه السنة لئلا يتفرق ذكرها.
هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانيين، وقد ذكر العراقيون هذه الحوادث على غير هذه السياقة، وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم، ونحن نذكر ما ذكره العراقيون مختصراً، قالوا: إن أبا علي لما سار نحو الري في عساكر خراسان كتب ركن الدولة إلى أخيه عماد الدولة يستمده، فأرسل إليه يأمره بمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك، ففعل ركن الدولة ذلك.

ودخل أبو علي الري، فكتب عماد الدولة إلى نوح سرّاً يبذل له في الري في كل سنة زيادة على ما بذله أبو علي مائة ألف دينار، ويعجل ضمان سنة، ويبذل من نفسه مساعدته على أبي علي حتى يظفر به وخوفه منه، فاستشار نوح أصحابه، وكانوا يحسدون أبا علي ويعادونه، فأشاروا عليه بإجابته؛ فأرسل نوح إلى ابن بويه من يقرر القاعدة ويقبض المال، فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل، وأرسل إلى أبي علي يعلمه خبر هذه الرسالة، وأنه مقيم على عهده ووده، وحذره من غدر الأمير نوح، فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم، وهو بالموصل، يستدعيه ليملكه البلاد، فسار إبراهيم، فلقيه أبو علي بهمذان، وساروا إلى خراسان.
وكتب عماد الدولة إلى أخيه ركن الدولة يأمره بالمبادرة إلى الري، فعاد إليه، واضطربت خراسان، ورد عماد الدولة رسول نوح بغير مال، وقال: أخاف أن أنفذ المال فيأخذه أبو علي؛ وأرسل إلى نوح يحذره من أبي علي ويعده المساعدة عليه، وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له، ويشير عليه بسرعة اللقاء، وإن نوحاً سار فالتقى هو وأبو علي بنيسابور، فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند، واستولى أبو علي بخارى، وإن أبا علي استوحش من إبراهيم فانقبض عنه.
وجمع نوح العساكر وعاد إلى بخارى، وحارب عمه إبراهيم، فلما التقى الصفان عاد جماعة من قواد إبراهيم إلى نوح، وانهزم الباقون، وأخذ إبراهيم أسيراً، فسمل هو وجماعة من أهل بيته، سلمهم نوح.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة اصطلح معز الدولة وأبو القاسم البريدي، وضمن أبو القاسم مدينة واسط وأعمالها منه.
وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة، والكلاب، والسنانير، وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله، وأكل الناس خروب الشوك فأكثروا منه، وكانوا يسلقون حبه ويأكلونه، فلحق الناس أمراض وأورام في أحشائهم، وكثر فيهم الموت، حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانت الكلاب تأكل لحومهم، وانحدر كثير من أهل بغداد إلى البصرة، فمات أكثرهم في الطريق، ومن وصل منهم مات بعد مديدة يسيرة، وبيعت الدور والعقار بالخبز، فلما دخلت الغلات انحل السعر.
وفيها توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير وله تسعون سنة، وقد تقدم من أخباره ما يدل على دينه وكفايته.
وفيها توفي أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبدالله الخرقي الفقيه الحنبلي ببغداد، وأبو بكر الشبلي الصوفي، توفي في ذي الحجة، ومحمد بن عيسى أبو عبدالله، ويعرف بابن أبي موسى الفقيه الحنفي، في ربيع الأول.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرم، استقر معز الدولة ببغداد، وأعاد المطيع لله إلى دار الخلافة، بعد أن استوثق منه، وقد تقدم ذلك مفصلاً.
وفيها اصطلح معز الدولة وناصر الدولة، وكانت الرسل تتردد بينهما بغير علم من الأتراك التوزونية، وكان ناصر الدولة نازلاً شرقي تكريت، فلما علم الأتراك بذلك ثاروا بناصر الدولة، فهرب منهم وعبر دجلة إلى الجانب الغربي، فنزل على ملهم والقرامطة، فأجاروه، وسيروه ومعه ابن شيرزاد إلى الموصل.
ذكر حرب تكين وناصر الدولةلما هرب ناصر الدولة من الأتراك، ولم يقدروا عليه، اتفقوا على تأمير تكين الشيرازي، وقبضوا على ابن قرابة، وعلى كتاب ناصر الدولة ومن تخلف من أصحابه، وقبض ناصر الدولة على ابن شيرزاد عند وصوله إلى جهينة، ولم يلبث ناصر الدولة بالموصل بل سار إلى نصيبين، ودخل تكين والأتراك إلى الموصل، وساروا في طلبه، فمضى إلى سنجار، فتبعه تكين إليها، فسار ناصر الدولة من سنجار إلى الحديثة، فتبعه تكين.
وكان ناصر الدولة قد كتب إلى معز الدولة يستصرخه، فسير الجيوش إليه فسار ناصر الدولة من الحديثة إلى السن، فاجتمع هناك بعسكر معز الدولة، وفيهم وزيره أبو جعفر الصيمري، وساروا بأسرهم إلى الحديثة لقتال تكين، فالتقوا بها، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم تكين والأتراك بعد أن كادوا يستظهرون، فلما انهزموا تبعهم العرب من أصحاب ناصر الدولة، فأدركوهم وأكثروا القتل فيهم، وأسروا تكين الشيرازي وحملوه إلى ناصر الدولة، فسلمه في الوقت فأعماه، وحمله إلى قلعة من قلاعه فسجنه بها.

وسار ناصر الدولة والصيمري إلى الموصل، فنزلوا شرقيها، وركب ناصر الدولة إلى خيمة الصيمري، فدخل إليه ثم خرج من عنده إلى الموصل، ولم يعد إليه، فحكي عن ناصر الدولة أنه قال: ندمت حين دخلت خيمته، فبادرت وخرجت.
وحكي عن الصيمري أنه قال: لما خرج ناصر الدولة من عندي ندمت حيث لم أقبض عليه؛ ثم تسلم الصيمري بن شيرزاد من ناصر الدولة ألف كر حنطة وشعيراً وغير ذلك.
ذكر استيلاء ركن الدولة على الريلما كان من عساكر خراسان ما ذكرناه من الاختلاف، وعاد أبو علي إلى خراسان، رجع ركن الدولة إلى الري واستولى عليها وعلى سائر أعمال الجبل وأزال عنها الخراسانية، وعظم ملك بني بويه، فأنهم صار بأيديهم أعمال الري، والجبل، وفارس، والأهواز، والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل، وديار بكر، وديار مضر من الجزيرة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة اختلف معز الدولة بن بويه وأبو القاسم بن البريدي والي البصرة، فأرسل معز الدولة جيشاً إلى واسط، فسير إليهم ابن البريدي جيشاً من البصرة في الماء، وعلى الظهر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب البريدي، وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة.
وفيها كان الفداء بالثغور بين المسلمين والروم على يد نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدة الأسرى ألفين وأربعمائة أسير وثمانين أسيراً من ذكر وأنثى، وفضل للروم على المسلمين مائتان وثلاثون أسيراً لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف الدولة.
وفيها، في شعبان، قبض سيف الدولة بن حمدان على أبي إسحاق محمد القراريطي، وكان استكتبه استظهاراً على أبي الفرج محمد بن علي السر من رائي، واستكتب أبا عبدالله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي.
وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن بحر أبو عبدالله الفارسي، الفقيه الشافعي، في شوال، ومحمد بن يحيى بن عبدالله بن العباس بن محمد بن صول أبو بكر الصولي، وكان عالماً بفنون الآداب والأخبار.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
ذكر استيلاء معز الدولة على البصرة
في هذه السنة سار معز الدولة ومعه المطيع لله إلى البصرة لاستنقاذها من يد أي القاسم عبدالله بن أبي عبدالله البريدي، وسلكوا البرية إليها، فأرسل القرامطة من هجر إلى معز الدولة ينكرون عليه مسيره إلى البرية بغير أمرهم، وهي لهم، فلم يجبهم عن كتابهم، وقال للرسول: قل لهم من أنتم حتى تستأمروا، وليس قصدي من أخذ البصرة غيركم، وستعلمون ما تلقون مني.
ولما وصل معز الدولة إلى الدرهمية استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي، وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، وملك معز الدولة البصرة، فانحلت الأسعار ببغداد انحلالاً كثيراً.
وسار معز الدولة من البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وأقام الخليفة وأبو جعفر الصيمري بالبصرة، وخالف كوركير، وهو من أكابر القواد، على معز الدولة، فسير إليه الصيمري، فقاتله فانهزم كوركير وأخذ أسيراً، فحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز، ولقي معز الدولة أخاه عماد الدولة بأرجان في شعبان، وقبل الأرض بين يديه، وكان يقف قائماً عنده، فيأمره بالجلوس، فلا يفعل، ثم عاد إلى بغداد، وعاد المطيع أيضاً إليها، وأظهر معز الدولة أنه يريد أن يسير إلى الموصل، فترددت الرسل بينه وبين ناصر الدولة، واستقر الصلح وحمل المال إلى معز الدولة فسكت عنه.
ذكر مخالفة محمد بن عبد الرزاق بطوسكان محمد بن عبد الرزاق بطوس وأعمالها، وهي في يده ويد نوابه، فخالف على الأمير نوح بن نصر الساماني، وكان منصور بن قراتكين، صاحب جيش خراسان، بمرو عند نوح، فوصل إليهما وشمكير منهزماً من جرجان، وقد غلبه عليها الحسن بن الفيرزان، فأمر نوح منصوراً بالمسير إلى نيسابور، ومحاربة محمد بن عبد الرزاق وأخذ ما بيده من الأعمال، ثم يسير مع وشمكير إلى جرجان، فسار منصور ووشمكير إلى نيسابور، وكان بها محمد بن عبد الرزاق، ففارقها نحو أستوا، فاتبعه منصور، فسار محمد إلى جرجان، وكاتب ركن الدولة بن بويه، واستأمن إليه، فأمره بالوصول إلى الري.

وسار منصور من نيسابور إلى طوس، وحصروا رافع بن عبد الرزاق بقلعة شميلان، فاستأمن بعض أصحاب رافع إليه، فهرب رافع من شميلان إلى حصن درك، فاستولى منصور على شميلان، وأخذ ما فيها من مال وغيره، واحتمى رافع بدرك، وبها أهله ووالدته، هي على ثلاثة فراسخ من شميلان، فأخرب منصور شميلان، وسار إلى درك فحاصرها، وحاربهم عدة أيام، فتغيرت المياه بدرك، فاستأمن محمد بن عبد الرزاق إلى منصور في جماعة من بني عمه وأهله، وعمد أخوه رافع إلى الصامت من الأموال، والجواهر، وألقاها في البسط إلى تحت القلعة، ونزل هو وجماعة فأخذوا تلك الأموال وتفرقوا في الجبال.
واحتوا منصور على ما كان في قلعة درك، وأنفذ عيال محمد بن عبد الرزاق ووالدته إلى بخارى فاعتقلوا بها، وأما محمد بن عبد الرزاق فإنه سار من جرجان إلى الري، وبها ركن الدولة بن بويه، فأكرمه ركن الدولة، وأحسن إليه، وحمل إليه شيئاً كثيراً من الأموال وغيرها، وسرحه إلى محاربة المرزبان على ما نذكره.
ذكر ولاية الحسن بن علي صقليةفي هذه السنة استعمل المنصور الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلي على جزيرة صقلية، وكان له محل كبير عند المنصور، وله أثر عظيم في قتال أبي يزيد.
وكان سبب ولايته أن المسلمين كانوا قد استضعفهم الكفار بها، أيام عطاف لعجزه وضعفه، وامتنعوا من إعطاء مال الهدنة؛ وكان بصقلية بنو الطبري من أعيان الجماعة، ولهم أتباع كثيرون، فوثبوا بعطاف أيضاً، وأعيانهم أهل المدينة عليه يوم عيد الفطر سنة خمس وثلاثين وقتلوا جماعة من رجاله، وأفلت عطاف هارباً بنفسه إلى الحصن، فأخذوا أعلامه وطبوله وانصرفوا إلى ديارهم، فأرسل أبو عطاف إلى المنصور يعلمه الحال ويطلب المدد.
فلما علم المنصور ذلك استعمل على الولاية الحسن بن علي، وأمره بالمسير، فسار في المراكب، فأرسى بمدينة مازر، فلم يلتفت إليه أحد، فبقي يومه، فأتاه في الليل جماعة من أهل أفريقية، وكتامة، وغيرهم، وذكروا أنهم خافوا الحضور عنده من ابن الطبري ومن اتفق معه من أهل البلاد، وأن علي ابن الطبري، ومحمد بن عبدون، وغيرهما قد ساروا إلى أفريقية، وأوصوا بنيهم ليمنعوه من دخول البلد، ومفارقة مراكبه إلى أن تصل كتبهم بما يلقون من المنصور، وقد مضوا يطلبون أن يولي المنصور غيره.
ثم أتاه نفر من أصحاب ابن الطبري ومن معه ليشاهدوا من معه، فرأوه في قلة، فطمعوا فيه، وخادعوه وخادعهم، ثم عادوا إلى المدينة، وقد وعدهم أنه يقيم بمكانه إلى أن يعودوا إليه، فلما فارقوه جد السير إلى المدينة قبل أن يجمعوا أصحابهم ويمنعوه، فلما انتهى إلى البيضاء أتاه حاكم البلد وأصحاب الدواوين، وكل من يريد العافية، فلقيهم وأكرمهم، وسألهم عن أحوالهم، فلما سمع إسماعيل بن الطبري بخروج هذا الجمع إليه اضطر إلى الخروج إليه، فلقيه الحسن وأكرمه وعاد إلى داره، ودخل الحسن البلد، ومال إليه كل منحرف عن بني الطبري ومن معهم.
فلما رأى ابن الطبري ذلك أمر رجلاً صقلياً، فدعا بعض عبيد الحسن وكان موصوفاً بالشجاعة، فلما دخل بيته خرج الرجل يستغيث ويصيح ويقول: إن هذا دخل بيتي، وأخذ امرأتي بحضرتي غصباً، فاجتمع أهل البلد لذلك، وحركهم ابن الطبري وخوفهم وقال: هذا فعلهم؛ ولم يتمكنوا من البلد، وأمر الناس بالحضور عند الحسن ظناً منه أنه لا يعاقب مملوكه، فيثور الناس به، فيخرجونه من البلد.
فلما اجتمع الناس، وذلك الرجل يصيح ويستغيث، أحضره الحسن عنده، وسأله عن حاله، فحلفه بالله تعالى على ما يقول، فحلف، فأمر بقتل الغلام، فقتل، فسر أهل البلد وقالوا: الآن طابت نفوسنا، وعلمنا أن بلدنا يتعمر، ويظهر فيه العدل؛ فانعكس الأمر على ابن الطبري، وأقام الحسن وهو خائف منهم.

ثم إن المنصور أرسل إلى الحسن يعرفه أنه قبض على علي بن الطبري، وعلى محمد بن عبدون، ومحمد بن جنا، ومن معهم، ويأمره بالقبض على إسماعيل بن الطبري، ورجاء بن جنا ومحمد.. ومخلفي الجماعة المقبوضين، فاستعظم الأمر، ثم أرسل إلى ابن الطبري يقول له: كنت قد وعدتني أن نتفرج في البستان الذي لك، فتحضر لنمضي إليه؛ وأرسل إلى الجماعة على لسان ابن الطبري يقول: تحضرون لنمضي مع الأمير إلى البستان، فحضروا عنده، وجعل يحادثهم ويطول إلى أن أمسوا، فقال: قد فات الليل، وتكونون أضيافنا؛ فأرسل إلى أصحابهم يقول: إنهم الليلة في ضيافة الأمير، فتعودون إلى بيوتهم إلى الغد؛ فمضى أصحابهم، فقبض عليهم، وأخذ جميع أموالهم، وكثر جمعه، واتفق الناس عليه وقويت نفوسهم، فلما رأى الروم ذلك أحضر الراهب مال الهدنة لثلاث سنين.
ثم إن ملك الروم أرسل بطريقاً في البحر، في جيش كثير، إلى صقلية، واجتمع هو والسردغوس، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فأرسل إليه أسطولاً فيه سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل، سوى البحرية، وجمع الحسن إليهم جمعاً كثيراً، وسار في البر والبحر، فوصل إلى مسيني، وعدت العساكر الإسلامية، إلى ريو، وبث الحسن السرايا في أرض قلورية، ونزل الحسن على جراجة وحاصرها أشد حصار، وأشرفوا على الهلاك من شدة العطش، فوصلهم الخبر أن الروم قد زحفوا إليه، فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم، وسار إلى لقاء الروم، ففروا من غير حرب إلى مدينة بارة، ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه إلى قلورية وأقام عليها شهراً، فسألوه الصلح، فصالحهم على مال أخذه منهم.
ودخل الشتاء، فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى الأسطول بها، فأرسل المنصور يأمره بالرجوع إلى قلورية، فسار الحسن، وعدا المجاز إلى جراجة، فالتقى المسلمون والسردغوس ومعه الروم يوم عرفه سنة أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزمت الروم، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وأكثروا القتل فيهم، وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين فقصد الحسن جراجة فحصرها، فأرسل إليه قسطنطين ملك الروم يطلب منه الهدنة، فهادنه، وعاد الحسن إلى ريو وبنى بها مسجداً كبيراً في وسط المدينة، وبنى في أحد أركانه مأذنة، وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين فهو آمن سواء كان مرتداً أو مقيماً على دينه، وإن أخرجوا حجراً منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وإفريقية، فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغاراً، وبقي الحسن بصقلية إلى أن توفي المنصور وملك المعز، فسار إليه وكان ما نذكره.
ذكر عصيان جمان بالرحبة وما كان منهكان جمان هذا من أصحاب توزون، وصار في جمة ناصر الدولة بن حمدان، فلما كان ناصر الدولة ببغداد، في الجانب الشرقي، وهو يحارب معز الدولة ضم ناصر الدولة جميع الديلم الذين معه إلى جمان لقلة ثقته بهم، وقلده الرحبة وأخرجه إليها، فعظم أمره هناك، وقصده الرجال، فأظهر العصيان على ناصر الدولة، وعزم على التغلب على الرقة وديار مضر، فسار إلى الرقة فحصرها سبعة عشر يوماً، فحاربه أهلها وهزموه، ووثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله، فقتلوهم لشدة ظلمهم، وسوء معاملتهم.
فلما عاد من الرقة وضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة، فأرسل إليه ناصر الدولة حاجبه ياروخ في جيش، فاقتتلوا على شاطئ الفرات، فانهزم جمان، فوقع في الفرات فغرق، واستأمن أصحابه إلى ياروخ، وأخرج جمان من الماء فدفن مكانه.
ذكر ملك ركن الدولة طبرستان وجرجانوفيها، في ربيع الأول، اجتمع ركن الدولة بن بويه، والحسن بن الفيرزان، وقصدا بلاد وشمكير، فالتقاهما وشمكير وانهزم منهما، وملك ركن الدولة طبرستان، وسار منها إلى جرجان فملكها، واستأمن من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائداً، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان مستجيراً ومستنجداً لإعادة بلاده، فكان ما نذكره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في صفر، ظهر كوكب له ذنب طوله نحو ذراعين في المشرق، وبقي نحو عشرة أيام واضمحل.

وفيها مات سلامة الطولوني الذي كان حاجب الخلفاء، فأخذ ماله وعياله، وسار إلى الشام أيام المستكفي، فمات هناك، ولما سار عن بغداد أخذ ماله في الطريق ومات هو الآن، فذهبت نعمته ونفسه حيث ظن السلامة، ولقد أحسن القائل حيث يقول:
وإذا خشيت من الأمور مقدّراً ... فهربت منه، فنحوه تتقدّم
وفيها توفي محمد بن أحمد بن حماد أبو العباس الأثرم المقرئ.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر ملك معز الدولة الموصل
وعوده عنها
في هذه السنة سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل قاصداً لناصر الدولة، فلما سمع ناصر الدولة بذلك سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل معز الدولة فملك الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر الدعاء عليه.
وأراد معز الدولة أن يملك جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان والري، ويستمده ويطلب منه العساكر، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسل بينهما في ذلك، واستقر الصلح بينهما على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة كلها، والشام، كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، ويخطب في بلاده لعماد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة بني بويه، فلما استقر الصلح عاد معز الدولة إلى بغداد فدخلها في ذي الحجة من السنة.
ذكر مسير عسكر خراسان إلى جرجانفي هذه السنة سار منصور بن قراتكين في جيوش خراسان إلى جرجان، صحبة وشمكير، وبها الحسن بن الفيرزان، وكان منصور منحرفاً عن وشمكير في السير، فتساهل لذلك مع الحسن، وصالحه وأخذ ابنه رهينة.
ثم بلغ منصوراً أن الأمير نوحاً اتصل بابنة ختكين، مولى قراتكين، وهو صاحب بست والرخج، فساء ذلك منصوراً وأقلقه، وكان نوح قد زوج قبل ذلك بنتاً لمنصور من بعض مواليه، اسمه فتكين، فقال منصور: يتزوج الأمير بابنة مولاي، وتزوج ابنتي من مولاه ؟ فحمله ذلك على مصالحة الحسن بن الفيرزان وأعاد عليه ابنه، وعاد عنه إلى نيسابور، وأقام الحسن بزوزن، وبقي وشمكير بجرجان.
ذكر مسير المرزبان إلى الريفي هذه السنة سار المرزبان محمد بن مسافر، صاحب أذربيجان، إلى الري.
وسبب ذلك أنه بلغه خروج عساكر خراسان إلى الري، وأن ذلك يشغل ركن الدولة عنه، ثم إنه كان أرسل رسولاً إلى معز الدولة، فحلق معز الدولة لحيته، وسبه وسب صاحبه، وكان سفيهاً، فعظم ذلك على المرزبان، وأخذ في جميع العساكر، واستأمن إليه بعض قواد ركن الدولة، وأطمعه في الري، وأخبره أن من وراءه من القواد يريدونه، فطمع لذلك، فراسله ناصر الدولة يعد المساعدة، ويشير عليه أن يبتدئ ببغداد، فخالفه، ثم أحضر أباه وأخاه وهسوذان، واستشارهما في ذلك، فنهاه أبوه عن قصد الري، فلم يقبل، فلما ودعه بكى أبوه وقال: يا بني أين أطلبك بعد يومي هذا ؟ قال: إما في دار الإمارة بالري، وإما بين القتلى.
فلما عرف ركن الدولة خبره كتب إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة يستمدهما، فسير عماد الدولة ألفي فارس، وسير إليه معز الدولة جيشاً مع سبكتكين التركي، وأنفذ عهداً من المطيع لله لركن الدولة بخراسان، فلما صاروا بالدينور خالف الديلم على سبكتكين، وكبسوه ليلاً، فركب فرس النوبة ونجا، واجتمع الأتراك عليه، فعلم الديلم أنهم لا قوة لهم به، فعادوا إليه وتضرعوا، فقبل عذرهم.
وكان ركن الدولة قد شرع مع المرزبان في المخادعة، وإعمال الحيلة، فكتب إليه يتواضع له ويعظمه، ويسأله أن ينصرف عنه على شرط أن يسلم إليه ركن الدولة زنجان، وأبهر، وقزوين، وترددت الرسل في ذلك إلى أن وصله المدد من عماد الدولة ومعز الدولة، وأحضر معه محمد بن عبد الرزاق، وأنفذ له الحسن بن الفيرزان عسكراً مع محمد بن ما كان، فلما كثر جمعه قبض على جماعة ممن كان يتهمهم من قواده وسار إلى قزوين، فعلم المرزبان عجزه عنه، وأنف من الرجوع، فالتقيا، فانهزم عسكر المرزبان، وأخذ أسيراً، وحمل إلى سميرم فحبس بها، وعاد ركن الدولة، ونزل محمد بن عبد الرزاق بنواحي أذربيجان.

وأما أصحاب المرزبان فإنهم اجتمعوا على أبيه محمد بن مسافر، وولوه أمرهم، فهرب منه ابنه وهسوذان إلى حصن له، فأساء محمد السيرة مع العسكر، فأرادوا قتله، فهرب إلى ابنه وهسوذان، فقبض عليه، وضيق عليه حتى مات، ثم تحير وهسوذان في أمره، فاستدعى ديسم الكردي لطاعة الأكراد له، وقواه، وسيره إلى محمد بن عبد الرزاق، فالتقيا، فانهزم ديسم، وقوي ابن عبد الرزاق فأقام بنواحي أذربيجان يجبي أموالها ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الأمير نوحاً، وأهدى له هدية، وسأله الصفح، فقبل عذره، وكاتب وشمكير بمهادنته، فهادنه، ثم عاد محمد إلى طوس سنة تسع وثلاثين لما خرج منصور إلى الري.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم، فلقيه الروم، واقتتلوا، فانهزم سيف الدولة، وأخذ الروم مرعش، وأوقعوا بأهل طرسوس. وفيها قبض معز الدولة على أسفهدوست وهو خال معز الدولة، وكان من أكابر قواده، وأقر الناس إليه. وكان سبب ذلك أنه كان يكثر الدالة عليه، ويعيبه في كثير من أفعاله، ونقل عنه أنه كان يراسل المطيع لله في قتل معز الدولة، فقبض عليه، وسيره إلى رامهرمز فسجنه بها.
وفيها استأمن أبو القاسم البريدي إلى معز الدولة، وقدم بغداد فلقي معز الدولة، فأحسن إليه وأقطعه.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة
ذكر حال عمران بن شاهين
في هذه السنة استفحل أمر عمران بن شاهين، وقوي شأنه، وكان ابتداء حاله أنه من أهل الجامدة، فجبى جبايات، فهر إلى البطيحة خوفاً من السلطان، وأقام بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء قوتاً، ثم صار يقطع الطريق على من يسلك البطيحة، واجتمع إليه جماعة من الصيادين، وجماعة من اللصوص، فقوي بهم، وحمى جانبه من السلطان، فلما خاف أن يقصد استأمن إلى أبي القاسم البريدي، فقلده حماية الجامدة ونواحي البطائح، وما زال يجمعه الرجال إلى أن كثر أصحابه، وقوي واستعد بالسلاح، واتخذ معاقل على التلول التي بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي.
فلما اشتد أمره سير معز الدولة إلى محاربته وزيره أبا جعفر الصيمري، فسار إليه في الجيوش، وحاربه مرة بعد مرة، واستأسر أهله وعياله، وهرب عمران بن شاهين واستتر، وأشرف على الهلاك.
فاتفق أن عماد الدولة بن بويه مات، واضطرب جيشه بفارس، فكتب معز الدولة إلى الصيمري بالمبادرة إلى شيراز لإصلاح الأمور بها، فترك عمران وسار إلى شيراز، على ما نذكره في موت عماد الدولة، فلما سار الصيمري عن البطائح ظهر عمران بن شاهين من استتاره، وعاد إلى أمره، وجمع من تفرق عنه من أصحابه، وقوي أمره، وسنذكر من أخباره فيما بعد ما تدعو الحاجة إليه.
ذكر موت عماد الدولة بن بويهفي هذه السنة مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز في جمادى الآخرة، وكانت علته التي مات بها قرحة في كليته طالت به، وتوالت عليه الأسقام والأمراض، فلما أحس بالموت أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ينفذ إليه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله ولي عهده، ووارث مملكته بفارس، لأن عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذ ركن الدولة ولده عضد الدولة، فوصل في حياة عمه قبل موته بسنة، وسار في جملة ثقات أصحاب ركن الدولة، فخرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عسكره، وأجلسه في داره على السرير، ووقف هو بين يديه، وأمر الناس بالسلام على عضد الدولة والانقياد له، وكان يوماً عظيماً مشهوداً.
وكان في قواد عماد الدولة جماعة من الأكابر يخافهم، ويعرفهم بطلب الرئاسة، وكانوا يرون أنفسهم أكبر منه نفساً وبيتاً، وأحق بالتقدم، وكان يداريهم، فلما جعل ولد أخيه في الملك خافهم عليه، فأفناهم بالقبض، وكان منهم قائد كبير يقال له شيرنحين، فقبض عليه، فشفع فيه أصحابه وقواده، فقال لهم: أني أحدثكم عنه بحديث فإنه رأيتم أن أطلقه فعلت؛ فحدثهم أنه كان في خراسان في خدمة نصر بن أحمد، ونحن شرذمة قليلة من الديلم، ومعنا هذا، فجلس يوماً نصر وفي خدمته من مماليكه ومماليك أبيه بضعة عشر ألفاً سوى سائر العسكر، فرأيت شيرنحين هذا قد جرد سكيناً معه ولفه في كسائه، فقلت: ما هذا ؟ فقال: أريد أن أقتل هذا الصبي، يعني نصراً، ولا أبالي بالقتل بعده، فإني قد أنفت نفسي من القيام في خدمته.

وكان عمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سنة، وقد خرجت لحيته، فعلمت أنه إذا فعل ذلك لم يقتل وحده بل نقتل كلنا، فأخذت بيده وقلت له: بيني وبينك حديث؛ فمضيت به إلى ناحية، وجمعت الديلم، وحدثتم حديثه، فأخذوا منه السكين، فتريدون مني بعد أن سمعتم حديثه في معنى نصر أن أمكنه من الوقوف بين يدي هذا الصبي، يعني ابن أخي ؟ فأمسكوا عنه، وبقي محبوساً حتى مات في محبسه.
ومات عماد الدولة وبقي عضد الدولة بفارس، فاختلف أصحابه، فكتب معز الدولة إلى وزيره الصيمري بالمسير إلى شيراز، وترك محاربة عمران بن شاهين، فسار إلى فارس، ووصل ركن الدولة أيضاً، واتفقا على تقرير قاعدة عضد الدولة، وكان ركن الدولة قد استخلف على الري علي بن كامة، وهو من أعيان أصحابه، ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه بإصطخر، فمشى حافياً حاسراً ومعه العساكر على حاله، ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد الأكابر ليرجع إلى المدينة، فرجع إليها، وأقام تسعة أشهر، وأنفذ إلى أخيه معز الدولة شيئاً كثيراً من المال والسلاح وغير ذلك.
وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء؛ وكان معز الدولة هو المستولي على العراق والخلافة، وهو كالنائب عنهما؛ وكان عماد الدولة كريماً حليماً عاقلاً حسن السياسة للملك والرعية، وقد تقدم من أخباره ما يدل على عقله وسياسته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، قلد أبو السائب عتبة بن عبدالله قضاء القضاة ببغداد.
وفيها، في ربيع الآخر، مات المستكفي بالله في دار السلطان، وكانت علته نفث الدم.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
ذكر موت الصيمري ووزارة المهلبي
في هذه السنة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري، وزير معز الدولة بأعمال الجامدة، وكان قد عاد من فارس إليها، وأقام يحاصر عمران ابن شاهين، فأخذته حمى حادة مات منها.
واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي في جمادى الأولى وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة، فعرف أحوال الدولة والدواوين، فامتحنه معز الدولة، فرأى فيه ما يريده من الأمانة، والكفاية، والمعرفة بمصالح الدولة، وحسن السيرة، فاستوزره، ومكنه من وزارته فأحسن السيرة، وأزال كثيراً من المظالم، خصوصاً بالبصرة، فإن البريديين كانوا قد أظهروا فيها كثيراً من المظالم، فأزالها، وقرب أهل العلم والأدب، وأحسن إليهم، وتنقل في البلاد لكشف ما فيها من المظالم، وتخليص الأموال، فحسن أثره، رحمه الله تعالى.
ذكر غزو سيف الدولة بلاد الرومفي هذه السنة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم، فغزا، وأوغل فيها، وفتح حصوناً كثيراً، وسبى وغنم، فلما أراد الخروج من بلد الروم أخذوا عليه المضايق فهلك من كان معه من المسلمين أسراً وقتلاً، واسترد الروم الغنائم والسبي، وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم، ونجا سيف الدولة في عدد يسير.
ذكر إعادة القرامطة الحجر الأسودفي هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وقالوا: أخذناه بأمر، وأعدناه بأمر.
وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، وردوه الآن بغير شيء في ذي القعدة، فلما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، وعلقه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، وكانوا أخذوه من ركن البيت الحرام سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة.
ذكر مسير الخراسانيين إلى الريفي هذه السنة سار منصور بن قراتكين من نيسابور إلى الري في صفر، أمره الأمير نوح بذلك، وكان ركن الدولة ببلاد فارس على ما ذكرناه، فوصل منصور إلى الري وبها علي بن كامة، خليفة ركن الدولة، فسار علي عنها إلى أصبهان، ودخل منصور الري واستولى عليها، وفرق العساكر في البلاد، فملكوا بلاد الجبل إلى قرميسين، وأزالوا عنها نواب ركن الدولة، واستولوا على همذان وغيرها.

فبلغ الخبر إلى ركن الدولة، وهو بفارس، فكتب إلى أخيه معز الدولة يأمره بإنفاذ عسكر يدفع تلك العساكر عن النواحي المجاورة للعراق، فسير سبكتكين الحاجب في عسكر ضخم من الأتراك، والديلم، والعرب، فلما سار سبكتكين عن بغداد خلف أثقاله، وأسرى جريدة إلى من بقرميسين من الخراسانيين، فكبسهم وهم غارون، فقتل فيهم، وأسر مقدمهم من الحمام واسمه بجكم الخمارتكيني، فأنفذه مع الأسرى إلى معز الدولة، فحبسه مدة ثم أطلقه. فلما بلغ الخراسانية ذلك اجتمعوا إلى همذان، فسار سبكتكين نحوهم، ففارقوا همذان ولم يحاربوه، ودخل سبكتكين همذان، وأقام بها إلى أن ورد عليه ركن الدولة في شوال.
وسار منصور من الري في العساكر نحو همذان، وبها ركن الدولة، فلما بقي بينهما مقدار عشرين فرسخاً عدل منصور إلى أصبهان، ولو قصد همذان لانحاز ركن الدولة عنه، وكان ملك البلاد بسبب اختلاف كان في عسكر ركن الدولة، ولكنه عدل عنه لأمر يريده الله تعالى، وتقدم ركن الدولة إلى سبكتكين بالمسير في مقدمته، فلما أراد المسير شغب عليه بعض الأتراك مرة بعد أخرى، فقال ركن الدولة: هؤلاء أعداؤنا، ومعنا، والرأي أن نبدأ بهم؛ فواقعهم واقتتلوا، فانهزم الأتراك.
وبلغ الخبر إلى معز الدولة، فكتب إلى ابن أبي الشوك الكردي وغيره يأمرهم بطلبهم والإيقاع بهم، فطلبوهم، وأسروا منهم وقتلوا، ومضى من سلم منهم إلى الموصل، وسار ركن الدولة نحو أصبهان، ووصل ابن قراتكين إلى أصبهان، فانتقل من كان بها من أصحاب ركن الدولة، وأهله وأسبابه، وركبوا الصعب والذلول، حتى البقر والحمير، وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان مائة درهم، وهي على تسعة فراسخ من أصبهان، فلم يمكنهم مجاورة ذلك الموضع، ولو سار إليهم منصور لغنمهم، وأخذ ما معهم، وملك ما وراءهم، إلا أنه دخل أصبهان وأقام بها.
ووصل ركن الدولة، فنزل بخان لنجان، وجرت بينهما حروب عدة أيام، وضاقت الميرة على الطائفتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، ولكنه تعذر عليه ذلك، واستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا الله تعالى، فانو للمسلمين خيراً، وصمم العزم على حسن السيرة، والإحسان إليهم، فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا، وأن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا، فلا يفلت منا أحد؛ فقال له: قد سبقتك إلى هذا.
فلما كان الثلث الأخير من الليل أتاهم الخبر أن منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً، إلا أن الديلم كانوا يصبرون، ويقنعون بالقليل من الطعام، وإذا ذبحوا دابة أو جملاً اقتسمه الخلق الكثير منهم، وكان الخراسانية بالضد منهم لا يصبرون، ولا يكفيهم القليل، فشغبوا على منصور، واختلفوا، وعادوا إلى الري، فكان عودهم في المحرم سنة أربعين، فأتى الخبر ركن الدولة فلم يصدقه حتى تواتر عنده، فركب هو وعسكره، واحتوى على ما خلفه ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:16 am

ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة
ذكر وفاة منصور بن قراتكين
وأبي المظفر بن محتاج
في هذه السنة مات منصور بن قراتكين، صاحب الجيوش الخراسانية، في شهر ربيع الأول، بعد عوده من أصبهان إلى الري، فذكر العراقيون أنه أدمن الشرب عدة أيام بلياليها، فمات فجأةً، وقال الخراسانيون إنه مرض ومات، والله أعلم.
ولما مات رجعت العساكر الخراسانية إلى نيسابور، وحمل تابوت منصور، ودفن إلى جانب والده باسبيجاب.
ومن عجيب ما يحكى أن منصوراً لما سار من نيسابور إلى الري سير غلاماً له إلى اسبيجاب ليقيم في رباط والده قراتكين الذي فيه قبره، فلما ودعه قال. كأنك بي قد حملت في تابوت إلى تلك البرية؛ فكان كما قال بعد قليل، مات وحمل تابوته إلى ذلك الرباط، ودفن عند قبر والده.
وفيها توفي أبو المظفر بن أبي علي بن محتاج ببخارى، كان قد ركب دابة أنفذها إليه أبوه، فألقته وسقطت عليه فهشمته، ومات من يومه، وذلك في ربيع الأول، وعظم موته على الناس كافة، وشق موته على الأمير نوح، وحمل إلى الصغانيان إلى والده أبي علي وكان مقيماً بها.
ذكر عود أبي علي إلى خراسانوفي هذه السنة أعيد أبو علي بن محتاج إلى قيادة الجيوش بخراسان، وأمر بالعود إلى نيسابور.

وكان سبب ذلك أن منصور بن قراتكين كان قد تأذى بالجند، واستصعب إيالتهم، وكانوا قد استبدوا بالأمور دونه، وعاثوا في نواحي نيسابور، فتواترت كتبه إلى الأمير نوح بالاستعفاء من ولايتهم، ويطلب أن يقتصر به على هراة، ويولى ما بيده من أراد نوح، فكان نوح يرسل إلى أبي علي يعده بإعادته إلى مرتبته، فلما توفي منصور أرسل الأمير نوح إلى أبي علي الخلع واللواء وأمره بالمسير إلى نيسابور، وأقطعه الري وأمره بالمسير إليها، فسار عن الصغانيان في شهر رمضان، واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ووصل إلى مرو وأقام بها إلى أن أصلح أمر خوارزم، وكانت شاغرة، وسار إلى نيسابور، فوردها في ذي الحجة فأقام بها.
ذكر الحرب بصقلية بين المسلمين والرومكان المنصور العلوي، صاحب إفريقية، قد استعمل على صقلية، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، فدخلها واستقر بها كما ذكرناه، وغزا الروم الذين بها عدة غزوات، فاستمدوا ملك قسطنطينية فسير إليهم جيشاً كثيراً، فنزلوا أذرنت، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فسير إليه جيشاً كثيفاً مع خادمه فرح، فجمع الحسن جنده مع الواصلين وسار إلى ريو، وبث السرايا في أرض قلورية، وحاصر الحسن جراجة أشد حصار، فأشرف أهلها على الهلاك من شدة العطش، ولم يبق إلا أخذها، فأتاه الخبر أن عسكر الروم واصل إليه، فهادن أهل جراجة على مال يؤدونه، وسار إلى الروم، فلما سمعوا بقربه منهم انهزموا بغير قتال، وتركوا أذرنت.
ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه تنهب، فصالحه أهل قسانة على مالٍ، ولم يزل كذلك إلى شهر ذي الحجة، وكان المصاف بين المسلمين وعسكر قسطنطينية ومن معه من الروم الذين بصقلية، ليلة الأضحى، واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم الروم، وركبهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، وغنموا جميع أثقالهم، وسلاحهم، ودوابهم، وسير الرؤوس إلى مدائن صقلية، وإفريقية، وحصر الحسن جراجة، فصالحوه على مال يحملونه، ورجع عنهم، وسير سرية إلى مدينة بطرقوقة، ففتحوها، وغنموا ما فيها، ولم يزل الحسن بجزيرة صقلية إلى سنة إحدى وأربعين، فمات المنصور، فسار عنها إلى إفريقية، واتصل بالمعز بن المنصور، واستخلف على صقلية ابنه أبا الحسين أحمد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة رفع إلى المهلبي أن رجلاً يعرف بالبصري مات ببغداد، وهم مقدم القراقرية، يدعي أن روح أبي جعفر محمد بن علي بن أبي القراقر قد حلت فيه، وأنه خلف مالاً كثيراً كان يجيبه من هذه الطائفة، وأن له أصحاباً يعتقدون ربوبيته، وأن أرواح الأنبياء والصديقين حلت فيهم، فأمر بالختم على التركة، والقبض على أصحابه، والذي قام بأمرهم بعده، فلم يجد إلا مالاً يسيراً، ورأى دفاتر فيها أشياء من مذاهبهم.
وكان فيهم غلام شاب يدعي أن روح علي بن أبي طالب حلت فيه، وامرأة يقال لها فاطمة تدعي أن روح فاطمة حلت فيها، وخادم لبني بسطام يدعي أنه ميكائيل، فأمر بهم المهلبي فضربوا ونالهم مكروه، ثم إنهم توصلوا بمن ألقى إلى معز الدولة أنهم من شيعة علي بن أبي طالب، فأمر بإطلاقهم، وخاف المهلبي أن يقيم على تشدده في أمرهم فينسب إلى ترك التشيع، فسكت عنهم.
وفي هذه السنة توفي عبدالله بن الحسين بن لال أبو الحسن الكرخي الفقيه الحنفي المشهور، في شعبان، ومولده سنة ستين ومائتين، وكان عابداً معتزلياً.
وفيها توفي أبو جعفر الفقيه ببخارى.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة
ذكر حصار البصرة
في هذه السنة سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان، في البحر والبر إلى البصرة فحصرها.
وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة، وأرسل القرامطة ينكرون عليه ذلك، وأجابهم بما ذكرناه، علم يوسف بن وجيه استيحاشهم من معز الدولة، فكتب إليهم يطمعهم في البصرة، وطلب منهم أن يمدوه من ناحية البر، فأمدوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر، فبلغ الخبر إلى الوزير المهلبي وقد فرغ من الأهواز والنظر فيها، فسار مجداً في العساكر إلى البصرة، فدخلها قبل وصول يوسف إليها، وشحنها بالرجال، وأمده معز الدولة بالعساكر وما يحتاج إليه، وتحارب هو وابن وجيه أياماً، ثم انهزم ابن وجيه، وظفر المهلبي بمراكبه وما معه من سلاح وغيره.
ذكر وفاة المنصور العلوي

وملك ولده المعز
في هذه السنة توفي المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن عبيدالله المهدي، سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوماً وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة، وكان خطيباً بليغاً، يخترع الخطبة لوقته، وأحواله مع أبي يزيد الخارجي وغيره تدل على شجاعة وعقل.
وكان سبب وفاته أنه خرج إلى سفاقس وتونس ثم إلى قابس، وأرسل إلى أهل جزيرة جربة يدعوهم إلى طاعته، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ منهم رجالاً معه وعاد، وكانت سفرته شهراً، وعهد إلى ابنه معد بولاية العهد، فلما كان رمضان خرج متنزهاً أيضاً إلى مدينة جلولاء، وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يرى مثله في عظمه، يكون شيء يحمل الجمل منه أربع أترجات، فحمل منه إلى قصره.
وكان للمنصور جارية حظية عنده، فلما رأته استحسنته، وسألت المنصور أن تراه في أغصانه، فأجابها إلى ذلك ورحل إليها في خاصته، وأقام بها أياماً، ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه في الطريق ريح شديدة وبرد ومطر، ودام عليه فصبر وتجلد، وكثر الثلج، فمات جماعة من الذين معه، واعتل المنصور علة شديدة، لأنه لما وصل إلى المنصورية أراد دخول الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل منه، ودخل الحمام، ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالج المرض، والسهر باقٍ بحاله، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض الخدم: أما في القيروان طبيب غير إسحاق يخلصني من هذا الأمر ؟ قال: ها هنا شاب قد نشأ الآن اسمه إبراهيم؛ فأمر بإحضاره، وشكا إليه ما يجده من السهر، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار، وكلفه شمها، فلما أدمن شمها نام.
وخرج إبراهيم وهو مسرور بما فعل، وبقي المنصور نائماً، فجاء إسحاق فطلب الدخول عليه، فقيل: هو نائم؛ فقال: إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات؛ فدخلوا عليه فوجدوه ميتاً، فدفن في قصره، وأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ما له ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرفتموه، وذلك أنني كنت في معالجته أنظر في تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بالأشياء المطفئة لها علمت أنه قد مات.
ولما مات ولي الأمر بعده ابنه معد، وهو المعز لدين الله، وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة، فأذن للناس فدخلوا عليه، وجلس لهم، فسلموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعاً وعشرين سنة.
فلما دخلت سنة ست وأربعين صعد جبل أوراس، وجال فيه عسكره، وهو ملجأ كل منافق على الملوك، وكان فيه بنو كملان، ومليلة، وقبيلتان من هوارة، لم يدخلوا في طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وأمر نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم أحد إلا أتاه، وأحسن إليهم المعز، وعظم أمره، ومن جملة من استأمن إليه محمد بن خزر الزناتي، أخو معبد، فأمنه المعز وأحسن إليه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الأول، ضرب معز الدولة وزيره أبا محمد المهلبي بالمقارع مائة وخمسين مقرعة، ووكل به في داره، ولم يعزله من وزارته، وكان نقم عليه أموراً ضربه بسببها.
وفيها، في ربيع الآخر، وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء، فاحترق فيه للناس ما لا يحصى.
وفي هذه السنة ملك الروم مدينة سروج، وسبوا أهلها، وغنموا أموالهم وأخربوا المساجد.
وفيها سار ركن الدولة من الري إلى طبرستان وجرجان، فسار عنها إلى ناحية نسا، وأقام بها، واستولى ركن الدولة على تلك البلاد، وعاد عنها إلى الري، واستخلف بجرجان الحسن بن فيرزان وعلي بن كامة، فلما رجع ركن الدولة عنها قصدها وشمكير، فانهزموا منه، واستردها وشمكير.
وفيها ولد أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وهو فخر الدولة.
وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار النحوي المحدث، وهو من أصحاب المبرد، وكان مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، وكان مكثراً من الحديث.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
ذكر هرب ديسم عن أذربيجان
في هذه السنة هرب ديسم بن إبراهيم أبو سالم عن أذربيجان، وكنا قد ذكرنا استيلاءه عليها.

وأما سبب هربه عنها فإنه كان ركن الدولة بن بويه قد قبض على بعض قواده، واسمه علي بن ميسكي، فأفلت من الحبس وقصد الجبل، وجمع جمعاً وسار إلى وهسوذان أخي المرزبان، فاتفق معه وتساعدا على ديسم.
ثم إن المرزبان استولى على قلعة سميرم على ما نذكره، ووصلت كتبه إلى أخيه وعلي بن ميسكي بخلاصه، وكاتب الديلم واستمالهم، ولم يعلم ديسم بخلاصه، إنما كان يظن أن وهسوذان وعلي بن ميسكي يقاتلانه.
وكان له وزير يعرف بأبي عبدالله النعيمي، فشره إلى ماله وقبض عليه، واستكتب إنساناً كان يكتب للنعيمي، فاحتال النعيمي بأن أجابه إلى كل ما التمس منه، وضمن منه ذلك الكاتب بمال، فأطلقه ديسم، وسلم إليه كاتبه وأعاده إلى حاله.
ثم سار ديسم وخلفه بأردبيل ليحصل المال الذي بذله، فقتل النعيمي ذلك الكاتب وهرب بما معه من المال إلى علي بن ميسكي، فبلغ الخبر ديسم بقرب زنجان، فعاد إلى أردبيل، فشغب الديلم عليه، ففرق فيهم ما كان له من مال، وأتاه الخبر بمسير علي بن ميسكي إلى أردبيل في عدة يسيرة، فسار نحوه، والتقيا واقتتلا، فانحاز الديلم إلى علي، وانهزم ديسم إلى أرمينية في نفر من الأكراد، فحمل إليه ملوكها ما تماسك به.
وورد عليه الخبر بمسير المرزبان عن قلعة سميرم إلى أردبيل، واستيلاء على أذربيجان، وإنفاذه جيشاً نحوه، فلم يمكنه المقام، فهرب عن أرمينية إلى بغداد، فكان وصوله هذه السنة، فلقيه معز الدولة، وأكرمه، وأحسن إليه، فأقام عنده في أرغد عيش.
ثم كاتبه أهله وأصحابه بأذربيجان يستدعونه، فرحل عن بغداد سنة ثلاث وأربعين وطلب من معز الدولة أن ينجده بعسكر، فلم يفعل لأن المرزبان كان قد صالح ركن الدولة وصاهره، فلم يمكن معز الدولة مخالفة ركن الدولة، فسار ديسم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل يستنجده، فلم ينجده، فسار إلى سيف الدولة بالشام، وأقام عنده إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
واتفق أن المرزبان خرج عليه جمع بباب الأبواب، فسار إليهم، فأرسل مقدم من أكراد أذربيجان إلى ديسم يستدعيه إلى أذربيجان ليعاضده على ملكها، فسار إليها، وملك مدينة سلماس، فأرسل إليه المرزبان قائداً من قواده، فقاتله، فاستأمن أصحاب القائد إلى ديسم، فعاد القائد منهزماً، وبقي ديسم بسلماس.
فلما فرغ المرزبان من أمر الخوارج عليه عاد إلى أذربيجان، فلما قرب من ديسم فارق سلماس وسار إلى أرمينية وقصد ابن الديراني وابن حاجيق لثقته بهما، فكتب المرزبان إلى ابن الديراني يأمره بالقبض على ديسم، فدافعه، ثم قبض عليه خوفاً من المرزبان، فلما قبض عليه أمره المرزبان بأن يحمله إليه، فدافعه ثم اضطر إلى تسليمه، فلما تسلمه المرزبان سلمه وأعماه، ثم حبسه، فلما توفي المرزبان قتل ديسم بعض أصحاب المرزبان خوفاً من عائلته.
ذكر استيلاء المرزبان على سميرمقد ذكرنا أسر المرزبان وحبسه بسميرم؛ وأما سبب خلاصه فإن والدته، وهي ابنة جستان بن وهسوذان الملك، وضعت جماعة للسعي في خلاصه، فقصدوا سميرم، وأظهروا أنهم تجار، وأن المرزبان قد أخذ منهم أمتعة نفيسة ولم يوصل ثمنها إليهم، واجتمعوا بمتولي سميرم، ويعرف ببشير أسفار، وعرفوه ما ظلمهم به المرزبان، وسألوه أن يجمع بينهم ليحاسبوه وليأخذوا خطه إلى والدته بإيصال مالهم إليهم، فرق لهم بشير أسفار، وجمع بينهم، فطالبوه بمالهم، فأنكر المرزبان ذلك، فغمزه أحدهم، ففطن لهم واعترف لهم، وقال: حتى أتذكر مالكم، فإنني لا أعرف مقداره؛ فأقاموا هناك، وبذلوا الأموال لبشير أسفار والأجناد، وضمنوا لهم الأموال الجليلة إذا خلص مالهم عند المرزبان، فصاروا لذلك يدخلون الحصن بغير إذن، وكثر اجتماعهم بالمرزبان وأوصلوا إليه أموالاً من عند والته، وأخذوا منه ما عنده من الأموال.
وكان لبشير أسفار غلام أمرد، جميل الوجه، يحمل ترسه وزوبينه، فأظهر المرزبان لذلك الغلام محبة شديدة وعشقاً، وأعطاه مالاً كثيراً مما جاءه من والدته، فواطأه على ما يريد، وأوصل إليه درعاً ومبارد، فبرد قيده، واتفق المرزبان وذلك الغلام والذين جاؤوا لتخليص المرزبان على أن يقتلوا بشير أسفار في يوم ذكروه.

وكان بشير أسفار يقصد المرزبان كل أسبوع ذلك اليوم يفتقده وقيوده ويصبره ويعود، فلما كان يوم الموعد دخل أحد أولئك التجار، فقعد عند المرزبان، وجلس آخر عند البواب، وأقام الباقون عند باب الحصن ينتظرون الصوت، ودخل بشير أسفار إلى المرزبان، فتلطف به المرزبان، وسأله أن يطلقه، وبذل له أموالاً جليلة وإقطاعاً كثيراً، فامتنع عليه وقال: لا أخون ركن الدولة أبداً ؟؟! فنهض المرزبان وقد أخرج رجله من قيده وتقدم إلى الباب، فأخذ الترس والزوبين من ذلك الغلام، وعاد إلى بشير أسفار فقتله هو وذلك التاجر الذي عنده، وثار الرجل الذي عند البواب به فقتله ودخل من كان عند باب الحصن إلى المرزبان.
وكان أجناد القلعة متفرقين، فلما وقع الصوت اجتمعوا فرأوا صاحبهم قتيلاً، فسألوا الأمان، فأمنهم المرزبان، وأخرجهم من القلعة، واجتمع إليه أصحابه وغيرهم، وكثر جمعه، وخرج فلحق بأمه وأخيه، واستولى على البلاد، على ما ذكرناه قبل.
ذكر مسير أبي علي إلى الريلما كان من أمر وشمكير وركن الدولة ما ذكرناه، كتب وشمكير إلى الأمير نوح يستمده، فكتب نوح إلى أبي علي بن محتاج يأمره بالمسير في يجوش خراسان إلى الري وقتال ركن الدولة، فسار أبو علي في جيوش كثيرة، واجتمع معه وشمكير، فسارا إلى الري في شهر ربيع الأول من هذه السنة.
وبلغ الخبر إلى ركن الدولة، فعلم أنه لا طاقة له بمن قصده، فرأى أن يحفظ بلده، ويقاتل عدوه من وجه واحد، فحارب الخراسانيين بطبرك، وأقام عليه أبو علي عدة شهور يقاتله، فلم يظفر به، وهلكت دواب الخراسانية، وأتاهم الشتاء وملوا فلم يصبروا، فاضطر أبو علي إلى الصلح، فتراسلوا في ذلك، وكان الرسول أبا جعفر الخازن، صاحب كتاب زيج الصفائح، وكان عارفاً بعلوم الرياضة، وكان المشير به محمد بن عبد الرزاق المقدم ذكره، فتصالحا، وتقرر على ركن الدولة كل سنة مائتا ألف دينار، وعاد أبو علي إلى خراسان.
وكتب وشمكير إلى الأمير نوح يعرفه الحال، ويذكر له أن أبا علي لم يصدق في الحرب وأنه مالأ ركن الدولة، فاغتاظ نوح من أبي علي، وأما ركن الدولة فإنه لما عاد عنه أبو علي سار نحو وشمكير، فانهزم وشمكير من بين يديه إلى أسفرايين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.
ذكر عزل أبي علي عن خراسانلما اتصل خبر عود أبي علي عن الري إلى الأمير نوح ساءه ذلك، وكتب وشمكير إلى نوح يلزم الذنب فيه أبا علي، فكتب إلى أبي علي بعزله عن خراسان، وكتب إلى القواد يعرفهم أنه قد عزله عنهم، فاستعمل على الجيوش بعده أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، فأنفذ أبو علي يعتذر، وراسل جماعةً من أعيان نيسابور يقيمون عذره، ويسألون أن لا يعزل عنهم، فلم يجابوا إلى ذلك، وعزل أبو علي عن خراسان، وأظهر الخلاف، وخطب لنفسه بنيسابور.
وكتب نوح إلى وشمكير والحسن بن فيرزان يأمرهما بالصلح، وأن يتساعدا على من يخالف الدولة، ففعلا ذلك، فلما علم أبو علي باتفاق الناس مع نوح عليه كاتب ركن الدولة في المصير إليه لأنه علم أنه لا يمكنه المقام بخراسان، ولا يقدر على العود إلى الصغانيان، فاضطر إلى مكاتبة ركن الدولة في المصير إليه، فأذن له في ذلك.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في الحادي والعشرين من شباط، ظهر بسواد العراق جراد كثير أقام أياماً، وأثر في الغلاء آثاراً قبيحة، وكذلك ظهر بالأهواز، وديار الموصل، والجزيرة والشام، وسائر النواحي، ففعل مثل ما فعله بالعراق.
وفيها عاد رسل كان الخليفة أرسلهم إلى خراسان للصلح بين ركن الدولة ونوح صاحب خراسان، فلما وصل إلى حلوان خرج عليهم ابن أبي الشوك في أكراده، فنهبهم، ونهب القافلة التي كانت معهم، وأسر الرسل، ثم أطلقهم، فسير معز الدولة عسكراً إلى حلوان، فأوقعوا بالأكراد، وأصلحوا البلاد هناك وعادوا.
وفيها سير الحجاج الشريفان أبو الحسن محمد بن عبدالله، وأبو عبدالله أحمد بن عمر بن يحيى العلويان، فجرى بينهما وبين عساكر المصريين من أصحاب ابن طغج حرب شديدة، وكان الظفر لهما، فخطب لمعز الدولة بمكة، فلما خرجا من مكة لحقهما عسكر مصر، فقاتلهما، فظفرا به أيضاً.
وفيها توفي علي بن أبي الفهم داود أبو القاسم جد القاضي علي بن الحسن ابن علي التنوخي في ربيع الأول، وكان عالماً بأصول المعتزلة والنجوم وله شعر.

وفيها، في رمضان، مات الشريف أبو علي عمر بن علي العلوي الكوفي ببغداد بصرع لحقه.
وفيها، في شوال، مات أبو عبدالله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي.
وفيها مات أبو الفضل العباس بن فسانجس بالبصرة من ذرب لحقه، وحمل إلى الكوفة، فدفن بمشهد أمير المؤمنين علي، وتقلد الديوان بعده ابنه أبو الفرج، وجرى على قاعدة أبيه.
وفيها في ذي القعدة ماتت بدعة المغنية المشهورة المعروفة ببدعة الحمدونية عن اثنتين وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة
ذكر حال أبي علي بن محتاج
قد ذكرنا من أخبار أبي علي ما تقدم، فلما كتب إلى ركن الدولة يستأذنه في المصير إليه أذن له، فسار إلى الري، فلقيه ركن الدولة وأكرمه، وأقام الأتراك الضيافة له ولمن معه، وطلب أبو علي أن يكتب له عهداً من جهة الخليفة بولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى معز الدولة في ذلك، فسير له عهداً بما طلب، وسير له نجدةً من عسكره، فسار أبو علي إلى خراسان واستولى على نيسابور، وخطب للمطيع بها وبما استولى عليه من خراسان، ولم يكن يخطب له بها قبل ذلك.
ثم إن نوحاً مات في خلال ذلك، وتولى بعده ولده عبد الملك. فلما استقر أمره سير بكر بن مالك إلى خراسان من بخارى وجعله مقدماً على جيوشها، وأمره بإخراج أبي علي من خراسان، فسار في العساكر نحو أبي علي، فتفرق عن أبي علي أصحابه وعسكره وبقي معه من أصحابه مائتا رجل سوى من كان عنده من الديلم نجدة له، فاضطر إلى الهرب، فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الري، واستولى ابن مالك على خراسان، فأقام بنيسابور وتتبع أصحاب أبي علي.
ذكر موت الأمير نوح بن نصر وولاية ابنه عبد الملكوفي هذه السنة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكان يلقب بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق، ولما توفي ملك بعده ابنه عبد الملك، وكان قد استعمل بكر بن مالك على جيوش خراسان، كما ذكرنا، فمات قبل أن يسير بكر إلى خراسان، فقام بكر بأمر عبد الملك ابن نوح، وقرر أمره، فلما استقر حاله وثبت ملكه أمر بكراً بالمسير إلى خراسان، فسار إليها، وكان من أمره مع أبي علي ما قدمنا ذكره.
ذكر غزاة لسيف الدولة بن حمدانفي هذه السنة، في شهر ربيع الأول، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فقتل، وأسر، وسبى، وغنم، وكان فيمن قتل قسطنطين بن الدمستق، فعظم الأمر على الروم، وعظم الأمر على الدمستق، فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار وغيرهم وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، فالتقوا عند الحدث في شعبان، فاشتد القتال بينهم وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى نصر المسلمين، فانهزم الروم، وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته وعاد الدمستق مهزوماً مسلولاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بخراسان والجبال وباء عظيم هلك فيه خلق كثير لا يحصون كثرةً.
وفيها صرف الابرعاجي عن شرطة بغداد، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، ورتب مكانه بكبيك نقيب الأتراك.
وفيها سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو علي بن محتاج، فدخلها بغير حرب، وانصرف وشمكير عنها إلى خراسان.
وفيها وقعت الحرب بمكة بين أصحاب معز الدولة وأصحابه ابن طغج من المصريين، فكانت الغلبة لأصحاب معز الدولة، فخطب بمكة والحجاز لركن الدولة ومعز الدولة وولده عز الدولة بختيار، وبعدهم لابن طغج.
وفيها أرسل معز الدولة سبكتكين في جيش إلى شهرزور، في رجب، ومعه المنجنيقات لفتحها، فسار إليها، وأقام بتلك الولاية إلى المحرم من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فعاد ولم يمكنه فتحها لأنه اتصل به خروج عساكر خراسان إلى الري، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فعاد إلى بغداد، فدخلها في المحرم.
وفيها، في شوال، مات أبو الحسين محمد بن العباس بن الوليد المعروف بابن النحوي الفقيه.
وفيها، في شوال أيضاً، مات أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة
ذكر مرض معز الدولة
وما فعله ابن شاهين

كان قد عرض لمعز الدولة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين مرض يسمى فريافسمس، وهو دوام الإنعاظ مع وجع شديد في ذكره، مع توتر أعصابه، وكان معز الدولة خواراً في أمراضه، فأرجف الناس به، واضطربت بغداد، فاضطر إلى الركوب، فركب في ذي الحجة على ما به من شدة المرض، فلما كان في المحرم من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة أوصى إلى ابن بختيار، وقلده الأمر بعده، وجعله أمير الأمراء.
وبلغ عمران بن شاهين أن معز الدولة قد مات، واجتاز عليه مال يحمل إلى معز الدولة من الأهواز، وفي صحبته خلق كثير من التجار، فخرج عليهم فأخذ الجميع، فلما عوفي معز الدولة راسل ابن شاهين في المعنى، فرد عليه ما أخذه له، وحصل له أموال التجار، وانفسخ الصلح بينهما، وكان ذلك في المحرم.
ذكر خروج الخراسانية إلى الري وأصبهانفي هذه السنة خرج عسكر خراسان إلى الري، وبها ركن الدولة وكان قد قدمها من جرجان أول المحرم، فكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده، فأمده بعسكر مقدمهم الحاجب سبكتكين، وسير من خراسان عسكراً آخر إلى أصبهان على طريق المفازة، وبها الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة.
فلما بلغه خبرهم سار عن أصبهان بالخزائن والحرم التي لأبيه، فبلغوا خان لنجان، وكان مقدم العسكر الخراساني محمد بن ما كان، فوصلوا إلى أصبهان، فدخلوها، وخرج ابن ما كان منها في طلب بويه، فأدرك الخزائن فأخذها وسار في أثره، وكان من لطف الله به أن الأستاذ أبا الفضل بن العميد، وزير ركن الدولة، اتصل بهم في تلك الساعة، فعارض ابن ما كان وقاتله، فانهزم أصحاب ابن العميد عنه، واشتغل أصحاب ابن ما كان بالنهب.
قال ابن العميد: فبقيت وحدي وأردت اللحاق بأصحابي، ففكرت وقلت: بأي وجه ألقى صاحبي وقد أسلمت أولاده، وأهله، وأمواله، وملكه، ونجوت بنفسي ؟ فرأيت القتل أيسر علي من ذلك، فوقفت، وعسكر ابن ما كان ينهب أثقالي وأثقال عسكري، فلحق بابن العميد نفر من أصحابه، ووقفوا معه، وأتاهم غيرهم فاجتمع معهم جماعة، فحمل على الخراسانيين وهم مشغولون بالنهب، وصاحوا فيهم، فانهزم الخراسانيون فأخذوا من بين قتيل وأسير، وأسر ابن ما كان وأحضر عند ابن العميد، وسار ابن العميد إلى أصبهان فأخرج من كان بها من أصحاب ابن ما كان، وأعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصبهان، واستنقذ أمواله.
ثم إن ركن الدولة راسل بكر بن مالك صاحب جيوش خراسان، واستماله فاصطلحا على مال يحمله ركن الدولة إليه، ويكون الري وبلد الجبل بأسره مع ركن الدولة، وأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة يطلب خلعاً ولواء بولاية خراسان لبكر بن مالك، فأرسل إليه ذلك.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقع بالري وباء كثير مات فيه من الخلق ما لا يحصى، وكان فيمن مات أبو علي بن محتاج الذي كان صاحب جيوش خراسان، ومات معه ولده، وحمل أبو علي الصغانيان، وعاد من كان معه من القواد إلى خراسان.
وفيها وقع الأكراد بناحية ساوة على قفل من الحجاج فاستباحوه.
وفيها خرج بناحية دينوند رجل ادعى النبوة، فقتل، وخرج بأذربيجان رجل آخر يدعي أنه يحرم اللحوم وما يخرج من الحيوان، وأنه يعلم الغيب، فأضافه رجل أطعمه كشكية بشحم، فلما أكلها قال له: ألست تحرم اللحم، وما يخرج من الحيوان، وأنك تعلم الغيب ؟ قال: بلى ! قال: فهذه الكشكية بشحم، ولو علمت الغيب لما خفي عليك ذلك؛ فأعرض الناس عنه.
وفيها أنشأ عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مركباً كبيراً لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة إلى بلاد الشرق، فلقي في البحر مركباً فيه رسول من صقلية إلى المعز، فقطع عليه أهل المركب الأندلسي، وأخذوا ما فيه، وأخذوا الكتب التي إلى المعز، فبلغ ذلك المعز، فعمر أسطولاً واستعمل عليه الحسن ابن علي صاحب صقلية، وسيره إلى الأندلس، فوصلوا إلى المرية، فدخلوا المرسى، وأحرقوا جميع ما فيه من المراكب، وأخذوا ذلك المركب، وكان قد عاد من الإسكندرية، وفيه أمتعة لعبد الرحمن، وجوارٍ مغنيات، وصعد من في الأسطول إلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إلى المهدية.
ولما سمع عبد الرحمن الأموي سير أسطولاً إلى بعض بلاد إفريقية، فنزلوا ونهبوا، فقصدتهم عساكر المعز فعادوا إلى مراكبهم، ورجعوا إلى الأندلس وقد قتلوا وقتل منهم خلق كثير.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة

ذكر عصيان روزبهان على معز الدولة
في هذه السنة خرج روزبهان بن ونداد خرشيد الديلمي على معز الدولة، وعصى عليه، وخرج أخوه بلكا بشيراز، وخرج أخوهما أسفار بالأهواز، ولحق به روزبهان إلى الأهواز، وكان يقاتل عمران بالبطيحة، فعاد إلى واسط، وسار إلى الأهواز في رجب، وبها الوزير المهلبي، فأراد محاربة روزبهان، فاستأمن رجاله إلى روزبهان، فانحاز المهلبي عنه.
ووردا لخبر بذلك إلى معز الدولة فلم يصدقه لإحسانه إليه، لأنه رفعه بعد الضعة، ونوه بذكره بعد الخمول، فتجهز معز الدولة إلى محاربته، ومال الديلم بأسرهم إلى روزبهان، ولقوا معز الدولة بما يكره، واختلفوا عليه، وتتابعوا على المسير إلى روزبهان، وسار معز الدولة عن بغداد خامس شعبان، وخرج الخليفة المطيع لله منحدراً إلى معز الدولة، لأنه ناصر الدولة لما بلغه الخبر سر العساكر من الموصل مع ولده أبي المرجى جابر لقصد بغداد والاستيلاء عليها، فلما بلغ ذلك الخليفة انحدر من بغداد فأعاد معز الدولة الحاجب سبكتكين وغيره ممن يثق بهم من عسكره إلى بغداد، فشغب الديلم الذين ببغداد، فوعدوا بأرزاقهم فسكنوا وهم على قنوط من معز الدولة.
وأما معز الدولة فإنه سار إلى أن بلغ قنطرة أربق، فنزل هناك، وجعل على الطريق من يحفظ أصحاب الديلم من الأستئمان إلى روزبهان، لأنهم كانوا يأخذون العطاء منه ثم يهربون عنه، وكان اعتماد معز الدولة على أصحابه الأتراك ومماليكه ونفر يسير من الديلم.
فلما كان سلخ رمضان أراد معز الدولة العبور هو وأصحابه الذين يثق بهم إلى محاربة روزبهان، فاجتمع الديلم وقالوا لمعز الدولة: إن كنا رجالك فأخرجنا معك نقاتل بين يديك، فإنه لا صبر لنا على القعود مع الصبيان والغلمان، فإن ظفرت كان الاسم لهؤلاء دوننا، وإن ظفر عدوك لحقنا العار؛ وإنما قالوا هذا الكلام خديعة ليمكنهم من العبور معه فيتمكنوا منه، فلما سمع قولهم سألهم التوقف، وقال: إنما أريد أن أذوق حربهم ثم أعود، فإذا كان الغد لقيناهم بأجمعنا وناجزناهم؛ وكان يكثر لهم العطاء فأمسكوا عنه.
وعبر معز الدولة، وعبأ أصحابه كراديس تتناوب الحملات، فما زالوا كذلك إلى غروب الشمس، ففني نشاب الأتراك وتعبوا، وشكوا إلى معز الدولة ما أصابهم من التعب، وقالوا: نستريح الليلة ونعود غداً؛ فعلم معز الدولة أنه إن رجع زحف إليه روزبهان والديلم، وثار معهم أصحابه الديلم، فيهلك، ولا يمكنه الهرب، فبكى بين يدي أصحابه، وكان سريع الدمعة، ثم سألهم أن تجمع الكراديس كلها ويحملوا حملة واحدة، وهو في أولهم، فإما أن يظفروا وإما أن يقتل أول من يقتل، فطالبوه بالنشاب، فقال: قد بقي مع صغار الغلمان نشاب، فخذوه واقسموه.
وكان جماعة صالحة من الغلمان الأصاغر تحتهم الخيل الجياد، وعليهم اللبس الجيد، وكانوا سألوا معز الدولة أن يأذن لهم في الحرب، فلم يفعل، وقال: إذا جاء وقت يصلح لكم أذنت لكم في القتال؛ فوجه إليهم تلك الساعة من يأخذ منهم النشاب، وأومأ معز الدولة إليهم بيده أن اقبلوا منه وسلموا إليه النشاب، فظنوا أنه يأمرهم بالحملة، فحملوا وهم مستريحون، فصدموا صفوف روزبهان فخرقوها، وألقوا بعضها فوق بعض، فصاروا خلفهم، وحمل معز الدولة فيمن معه باللتوت، فكانت الهزيمة على روزبهان وأصحابه، وأخذ روزبهان أسيراً وجماعة من قواده، وقتل من أصحابه خلق كثير، وكتب معز الدولة بذلك، فلم يصدق الناس لما علموا من قوة روزبهان وضعف معز الدولة، وعاد إلى بغداد ومعه روزبهان ليراه الناس، وسير سبكتكين إلى أبي المرجى بن ناصر الدولة، وكان بعكبرا، فلم يلحقه لأنه لما بلغه الخبر عاد إلى الموصل، وسجن معز الدولة روزبهان، فبلغه أن الديلم قد عزموا على إخراجه قهراً والمبايعة له، فأخرجه ليلاً وغرقه.
وأما أخو روزبهان الذي خرج بشيراز، فإن الأستاذ أبا الفضل بن العميد سار إليه في الجيوش، فقاتله، فظفر به، وأعاد عضد الدولة بن ركن الدولة إلى ملكه، وانطوى خبر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار.
وقبض معتز الدولة على جماعة من الديلم، وترك من سواهم، واصطنع الأتراك وقدمهم، وأمرهم بتوبيخ الديلم والاستطالة عليهم، ثم أطلق للأتراك إطلاقات زائدة على واسط والبصرة، فساروا لقبضها مدلين بما صنعوا، فأخرجوا البلاد، ونهبوا الأموال وصار ضررهم أكثر من نفعهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:17 am

ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم
في هذه السنة، في رجب، سار سيف الدولة بن حمدان في جيوش إلى بلاد الروم وغزاها، حتى بلغ خرشنة، وصارخة، وفتح عدة حصون وسبى، وأسر، وأحرق، وخرب، وأكثر القتل فيهم، ورجع إلى أذنه فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس، فخلع عليه، وأعطاه شيئاً كثيراً، وعاد إلى حلب.
فلما سمع الروم بما فعل جمعوا وساروا إلى ميافارقين، وأحرقوا سوادها ونهبوه، وخربوا، وسبوا أهله، ونهبوا أموالهم وعادوا.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقعة الفتنة بأصبهان بين أهلها وبين أهل قم بسبب المذاهب، وكان سببها أنه قيل عن رجل قمي إنه سب بعض الصحابة، وكان من أصحاب شحنة أصبهان، فثار أهلها، واستغاثوا بأهل السواد، فاجتمعوا في خلق لا يحصون كثرة، وحضروا دار الشحنة، وقتل بينهم قتلى، ونهب أهل أصبهان أموال التجار من أهل قم، فبلغ الخبر ركن الدولة، فغضب لذلك، وأرسل إليها فطرح على أهلها مالاً كثيراً.
وفيها توفي محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد، غلام ثعلب، في ذي القعدة.
وفيها كانت الزلزلة بهمذان، وأستراباذ ونواحيها، وكانت عظيمة أهلكت تحت الهدم خلقاً كثيراً، وانشقت منها حيطان قصر شيرين من صاعقة.
وفيها، في جمادى الآخرة، سار الروم في البحر، فأوقعوا بأهل طرسوس، وقتلوا منهم ألفاً وثمانمائة رجل، وأحرقوا القرى التي حولها.
وفيها سار الحسن بن علي صاحب صقلية على أسطول كثير إلى بلاد الروم.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة
ذكر موت المرزبان
في هذه السنة، في رمضان، توفي السلار المرزبان بأذربيجان، وهو صاحبها، فلما يئس من نفسه أوصى إلى أخيه وهسوذان بالملك، وبعده لابنه جستان ابن المرزبان.
وكان المرزبان قد تقدم أولاً إلى نوابه بالقلاع أن لا يسلموه بعده إلا إلى ولده جستان، فإن مات فإلى ابنه إبراهيم، فإن مات فإلى ابنه ناصر، فإن لم يبق منهم أحد فإلى أخيه وهسوذان، فلما أوصى هذه الوصية إلى أخيه عرفه علامات بينه وبين نوابه في قلاعه ليتسلمها منهم، فلما مات المرزبان أنفذ أخوه وهسوذان خاتمه وعلاماته إليهم، فأظهروا وصيته الأولى، فظن وهسوذان أخاه خدعه بذلك، فأقام مع أولاد أخيه، فاستبدوا بالأمر دونه، فخرج من أردبيل كالهارب إلى الطرم، فاستبد جستان بالأمر، وأطاعه إخوته، وقلد وزارته أبا عبدالله النعيمي، وأتاه قواد أبيه إلا جستان بن شرمزن فإنه عزم على التغلب على أرمينية، وكان والياً عليها.
وشرع وهسوذان في الإفساد بين أولاد أخيه، وتفريق كلمتهم، وإطماع أعدائهم فيهم، حتى بلغ ما أراد وقتل بعضهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كثر ببغداد ونواحيها أورام الحلق والماشرا، وكثر الموت بهما، وموت الفجأة، وكل من افتصد انصب إلى ذراعيه مادة حادة عظيمة، تبعها حمى حادة، وما سلم أحد ممن افتصد، وكان المطر معدوماً.
وفيها تجهز معز الدولة وسار نحو الموصل لقصد ناصر الدولة بسبب ما فعله، فراسله ناصر الدولة، وبذل له مالاً، وضمن البلاد منه كل سنة بألفي ألف درهم، وحمل إليه مثلها، فعاد معز الدولة بسبب خراب بلاده للفتنة المذكورة، ولأنه لم يثق بأصحابه.
ثم إن ناصر الدولة منع حمل المال، فسار إليه معز الدولة على ما نذكره.
وفيها نقص البحر ثمانين باعاً، فظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك.
وفيها توفي أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الأموي النيسابوري المعروف بالأصم، وكان عالي الإسناد في الحديث، وصحب الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وروى عنه كتب الشافعي.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إسحاق الفقيه البخاري الأمين.
وفيها كانت بالعراق وبلاد الجبال وقم ونواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت نحو أربعين يوماً تسكن وتعود، فتهدمت الأبنية، وغارت المياه، وهلك تحت الهدم من الأمم الكثير؛ وكذلك كانت زلزلة بالري ونواحيها، مستهل ذي الحجة، أخربت كثيراً من البلد، وهلك من أهلها كثير؛ وكذلك أيضاً كانت الزلزلة بالطالقان ونواحيها عظيمة جداً أهلكت أمماً كثيرةً.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة
ذكر استيلاء معز الدولة على الموصل
وعوده عنها

قد ذكرنا صلح معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، فلما كان هذه السنة أخر ناصر الدولة حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل وسار نحوها، منتصف جمادى الأولى، ومعه وزيره المهلبي، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، واستولى معز الدولة على الموصل.
فكان من عادة ناصر الدولة إذا قصده أحدٌ سار عن الموصل واستصحب معه جميع الكتاب، والوكلاء، ومن يعرف أبواب المال، ومنافع السلطان، وربما جعلهم في قلاعه كقلعة كواشى، والزعفران، وغيرهما، وكانت قلعة كواشى تسمى ذلك الوقت قلعة أردمشت، وكان ناصر الدولة يأمر العرب بالإغارة على العلافة ومن يحمل الميرة، فكان الذي يقصد بلاد ناصر الدولة يبقى محصوراً مضيفاً عليه.
فلما قصده معز الدولة هذه المرة فعل ذلك به، فضاقت الأقوات على معز الدولة وعسكره، وبلغه أن بنصيبين من الغلات السلطانية شيئاً كثيراً، فسار عن الموصل نحوها، واستخلف بالموصل سبكتكين الحاجب الكبير، فلما توسط الطريق بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجى وهبة الله بسنجار في عسكر، فسير إليهم عسكراً، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلا وهو معهم، فجعلوا عن أخذ أثقالهم، فركبوا دوابهم وانهزموا ونهب عسكر معز الدولة ما تركوه، ونزلوا في خيامهم، فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم وهم غارون، فوضعوا السيف فيهم، فقتلوا، وأسروا، وأقاموا بسنجار.
وسار معز الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، ففارقه أصحابه وعادوا إلى معز الدولة مستأمنين، فلما رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فلما وصل خرج إليه ولقيه، وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه، حتى إنه نزع خفه بيديه.
وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد الموصل، والجزيرة، يغيرون على أصحاب معز الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون منهم، ويقطعون الميرة عنهم.
ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة في الصلح، وترددت الرسل في ذلك، فامتنع معز الدولة في تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة بعد أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف درهم وتسع مائة ألف درهم، وإطلاق من أسر من أصحابه بسنجار وغيرها، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين.
وإنما أجاب معز الدولة إلى الصلح بعد تمكنه من البلاد لأنه ضاقت عليه الأموال، وتقاعد الناس في حمل الحراج، واحتجوا بأنهم لا يصلون إلى غلاتهم، وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة، فاضطر معز الدولة إلى الانحدار، وأنف من ذلك، فلما وردت عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها، وأجابه إلى ما طلبه من الصلح، ثم انحدر إلى بغداد.
ذكر مسير جيوش المعز العلوي إلى أقاصي المغربوفيها عظم أمر أبي الحسن جوهر عند المعز بإفريقية، وعلا محله، وصار في رتبة الوزارة، فسيره المعز في صفر في جيش كثيف منهم زيري بن مناد الصنهاجي وغيره، وأمره بالمسير إلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت، فحضره عنده يعلى بن محمد الزناتي، فأكرمه وأحسن إليه، ثم خالف على جوهر، فقبض عليه، وثار أصحابه، فقاتلهم جوهر، فانهزموا وتبعهم جوهر إلى مدينة أفكان، فدخلها بالسيف، ونهبها، ونهب قصور يعلى، وأخذ ولده، وكان صبياً، وأمر بهدم أفكان وإحراقها بالنار، وكان ذلك في جمادى الآخرة.
ثم سار منها إلى فاس، وبها صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، فنازلها جوهر، وقاتلها مدة، فلم يقدر عليها، وأتته هدايا الأمراء الفاطميين بأقاصي السوس، وأشار على جوهر وأصحابه بالرحيل إلى سجلماسة، وكان صاحبها محمد بن واسول قد تلقب بالشاكر لله، ويخاطب بأمير المؤمنين، وضرب السكة باسمه، وهو على ذلك ست عشرة سنة، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أراد الرجوع إلى سجلماسة، فلقيه أقوام، فأخذوه أسيراً، وحملوه إلى جوهر.

ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط، فأمر أن يصطاد له من سمكه، فاصطادوا له، فجعله في قلال الماء وحمله إلى المعز، وسلك تلك البلاد جميعها فافتتحها وعاد إلى فاس، فقاتلها مدة طويلة، فقام زيري بن مناد فاختار من قومه رجالاً لهم شجاعة، وأمرهم أن يأخذوا السلاليم، وقصدوا البلد، فصعدوا إلى السور الأدنى في السلاليم وأهل فاس آمنون، فلما صعدوا على السور قتلوا من عليه، ونزلوا إلى السور الثاني، وفتحوا الأبواب، وأشعلوا المشاعل، وضربوا الطبول، وكانت الإمارة بين زيري وجوهر، فلما سمعها جوهر ركب في العساكر فدخل فاساً، فاستخفى صاحبها، وأخذ بعد يومين، وجعل مع صاحب سجلماسة، وكان فتحها في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فحملهما في قفصين إلى المعز بالمهدية، وأعطى تاهرت لزيري ابن مناد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان ببلاد الجبل وباء عظيم مات فيه أكثر أهل البلاد، وكان أكثر من مات فيه النساء، والصبيان، وتعذر على الناس عيادة المرضى، وشهود الجنائز لكثرتها.
وفيها انخسف القمر جميعه.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي بنيسابور، وهو أحد المشهورين منهم؛ وأبو الحسن محمد بن الحسن بن عبدالله بن أبي الشوارب، قاضي بغداد، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين؛ وأبو علي الحسين بن علي بن يزيد الحافظ النيسابوري في جمادى الأولى.
وفيها توفي عبدالله بن جعفر بن درستويه أبو محمد الفارسي النحوي في صفر وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين، وأخذ النحو عن المبرد.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائةفي هذه السنة، في المحرم، تم الصلح بين سيف الدولة ومعز الدولة، وعاد معز الدولة إلى العراق، ورجع ناصر الدولة إلى الموصل.
وفيها أنفذ الخليفة لواء وخلعة لأبي علي بن إلياس صاحب كرمان.
وفيها مات أبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي، كاتب معز الدولة، وكتب بعده أبو بكر بن أبي سعيد.
وفيها كانت حرب شديدة بين علي بن كامة، وهو ابن أخت ركن الدولة، وبين بيستون بن وشمكير، فانهزم بيستون.
وفيها غرق من حجاج الموصل في الماء بضعة عشر زورقاً.
وفيها غزت الروم طرسوس والرها، فقتلوا، وسبوا، وغنموا، وعادوا سالمين.
وفيها سار مؤيد الدولة بن ركن الدولة من الري إلى بغداد، فتزوج بابنة عمه معز الدولة، ونقلها معه إلى الري، ثم عاد إلى أصبهان.
وفيها، في جمادى الأولى، وقعت حرب شديدة بين عامة بغداد، وقتل فيها جماعة، واحترق من البلد كثير.
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن، الفقيه الحنبلي المعروف بالنجاد، وكان عمره خمساً وتسعين سنة؛ وجعفر بن محمد بن نصير الخلدي الصوفي، وهو من أصحاب الجنيد، فروى الحديث وأكثر.
وفيها انقطعت الأمطار، وغلت الأسعار في كثير من البلاد، فخرج الناس يستسقون في كانون الثاني في البلاد، ومنها بغداد، فما سقوا، فلما كان في آذار ظهر جراد عظيم، فأكل ما كان قد نبت من الخضراوات وغيرها، فاشتد الأمر على الناس.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
ذكر ظهور المستجير بالله
في هذه السنة ظهر بأذربيجان وجل من أولاد عيسى بن المكتفي بالله، وتلقب بالمستجير بالله، وبايع للرضا من آل محمد، ولبس الصوف وأظهر العدل، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وكثر أتباعه.
وكان السبب في ظهوره أن جستان بن المرزبان، صاحب أذربيجان، ترك سيرة والده في سياسة الجيش، واشتغل باللعب، ومشاورة النساء، وكان جستان بن شرمزن بأرمية متحصناً بها، وكان وهسوذان بالطرم يضرب بين أولاد أخيه ليختلفوا.
ثم إن جستان بن المرزبان قبض على وزيره النعيمي، وكان بينه وبين وزير جستان بن شرمزن مصاهرة، وهو أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن حمدويه، فاستوحش أبو الحسن لقبض النعيمي، فحمل صاحبه ابن شرمزن على مكاتبة إبراهيم بن المرزبان، وكان بأرمينية، فكاتبه، وأطمعه في املك، فسار إليه، فقصدوا مراغة واستولوا عليها، فلما علم جستان بن المرزبان بذلك راسل ابن شرمزن ووزيره أبا الحسن، فأصلحهما، وضمن لهما إطلاق النعيمي، فعاد عن نصرة إبراهيم، وظهر له ولأخيه نفاق ابن شرمزن، فتراسلا واتفقا عليه.

ثم إن النعيمي هرب من حبس جستان بن المرزبان، وسار إلى موقان، وكاتب ابن عيسى بن المكتفي بالله، وأطمعه في الخلافة، وأن يجمع له الرجال، ويملك له أذربيجان، فإذا قوي قصد العراق فسار إليه في نحو ثلاثمائة رجل، وأتاه جستان بن شرمزن فقوي به، وبايعه الناس، واستفحل أمره، فسار إليهم جستان وإبراهيم ابنا المرزبان قاصدين قتالهم، فلما التقوا انهزم أصحاب المستجير، وأخذ أسيراً فعدم فقيل إنه قتل وقيل بل مات.
ذكر استيلاء وهسوذان على بني أخيه وقتلهموأما وهسوذان فإنه لما رأى اختلاف أولاد أخيه، وأن كل واحد منهم قد انطوى على غش صاحبه، راسل إبراهيم، بعد وقعة المستجير، واستزاره، فزاره، فأكرمه عمه، ووصله بما ملأ عينه، وكاتب ناصراً ولد أخيه أيضاً، واستغواه، ففارق أخاه جستان وصار إلى موقان، فوجده الجند طريقاً إلى تحصيل الأموال، ففارق أكثرهم جستان وصاروا إلى أخيه ناصر، فقوي بهم على أخيه جستان، واستولى على أردبيل.
ثم إن الأجناد طالبوا ناصراً بالأموال، فعجز عن ذلك، وقعد عمه وهسوذان عن نصرته، فعلم أنه كان يغويه، فراسل أخاه جستان، وتصالحا واجتمعا، وهما في غاية ما يكون من قلة الأموال واضطراب الأمور، وتغلب أصحاب الأطراف على ما بأيديهم، فاضطر جستان وناصر ابنا المرزبان إلى المسير إلى عمهما وهسوذان مع والدتهما، فراسلاه في ذلك، وأخذا عليه العهود، وساروا إليه، فلما حصلوا عنده نكث، وغدر بهم، وقبض عليهم، وهم جستان وناصر ووالدتهما، واستولى على العسكر، وعقد الإمارة لابنه إسماعيل، وسلم إليه أكثر قلاعه، وأخرج الأموال وأرضى الجند.
وكان إبراهيم بن المرزبان قد سار إلى أرمينية، فتأهب لمنازعة إسماعيل، واستنقاذ أخويه من حبس عمهما وهسوذان، فلما علم وهسوذان ذلك ورأى اجتماع الناس عليه بادر فقتل جستان وناصراً ابني أخيه وأمهما، وكاتب جستان بن شرمزن، وطلب إليه أن يقصد إبراهيم، وأمده بالجند والمال، ففعل ذلك، واضطر إبراهيم إلى الهرب والعود إلى أرمينية، واستولى ابن شرمزن على عسكره وعلى مدينة مراغة مع أرمية.
ذكر غزو سيف الدولة بلاد الرومفي هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم في جميع كثير، فأثر فيها آثاراً كثيرة، وأحرق، وفتح عدة حصون، وأخذ من السبي والغنائم والأسرى شيئاً كثيراً، وبلغ إلى خرشنة، ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق، فلما أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس: إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على العود منه، والرأي أن ترجع معنا؛ فلم يقبل منهم، وكان معجباً برأيه يحب أن يستبد ولا يشاور أحداً لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره، وعاد في الدرب الذي دخل منه، فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم، وأخذوا أثقاله، ووضعوا السف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً وأسراً، وتخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد ومشقة وهذا من سوء رأي كل من يجهل آراء الناس العقلاء، والله أعلم بالصواب.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، وما وراء النهر، على رجل من أكابر قواده وأمرائه يسمى نجتكين، وقتله، فاضطربت خراسان.
وفيها استأمن أبو الفتح، المعروف بابن العريان، أخو عمران بن شاهين، صاحب البطيحة، إلى معز الدولة بأهله وماله، وكان خاف أخاه، فأكرمه معز الدولة وأحسن إليه.
وفيها مات أبو القاسم عبدالله بن أي عبدالله البريدي.
وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاة.
وفيها انصرف حجاج مصر من الحج، فنزلوا وادياً وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلاً فأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم فألقاهم في البحر.
وفيها سار ركن الدولة من الري إلى جرجان، فلقيه الحسن بن الفيرزان، وابن عبد الرزاق، فوصلهما بمال جليل.
وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، وكان أكثره بالموصل فبلغ الكر من الحنطة ألفاً ومائتي درهم، والكر من الشعير ثمانمائة درهم، وهر أهلها إلى الشام والعراق.
وفيها، خامس شعبان، كان ببغداد فتنة عظيمة بين العامة، وتعطلت الجمعة من الغد لاتصال الفتنة في الجانبين، سوى مسجد براثا فإن الجمعة تمت فيه، وقبض على جماعة من بني هاشم اتهموا أنهم سبب الفتنة، ثم أطلقوا من الغد.
وفيها توفي أبو الخي الأقطع التيناتي، أو قريباً من هذه السنة، وكان عمره مائة وعشرين سنة، وله كرامات مشهورة مسطورة.

التيناتي بالتاء المكسورة المعجمة باثنتين من فوق، ثم الياء المعجمة باثنتين من تحت، ثم بالنون والألف ثم بالتاء المثناة من فوق أيضاً.
وفيها مات أو إسحاق بن ثوابة كاتب الخليفة ومعز الدولة، وقلد ديوان الرسائل بعده إبراهيم بن هلال الصابي.
وفيها، في آخرها، مات أنوجور بن الإخشيد صاب مصر، وتقلد أخوه علي مكانه.
ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة
ذكر بناء معز الدولة دوره ببغداد
في هذه السنة، في المحرم، مرض معز الدولة، وامتنع عليه البول، ثم كان يبول بعد جهد ومشقة دماً، وتبعه البول، والحصى، والرمل، فاشتد جزعه وقلقه، وأحضر الوزير المهلبين والحاجب سبكتكين، فأصلح بينهما، ووصاهما بابنه بختيار، وسلم جميع ماله إليه.
ثم إنه عوفي، فعزم على المسير إلى الأهواز لأنه اعتقد أن ما اعتاده من الأمراض إنما هو بسبب مقامه ببغداد، وظن أنه إن عاد إلى الأهواز عاوده ما كان فيه من الصحة، ونسي الكبر والشباب، فلما انحدر إلى كلواذى ليتوجه إلى الأهواز أشار عليه أصحابه بالمقام، وأن يفكر في هذه الحركة ولا يعجل، فأقام بها، ولم يؤثر أحد من أصحابه انتقاله لمفارقة أوطانهم وأسفاً على بغداد كيف تخرب بانتقال دار الملك عنها، فأشاروا عليه بالعود إلى بغداد، وأن يبني بها له داراً في أعلى بغداد لتكون أرق هواء، وأصفى ماء، ففعل، وشرع في بناء داره في موضع المسناة المعزية، فكان مبلغ ما خرج عليها إلى أن مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادره جماعة من أصحابه.
ذكر موت الأمير عبد الملك بن نوحفي هذه السنة سقط الفرس تحت الأمير عبد الملك بن نوح، صاحب خراسان، فوقع إلى الأرض، فمات من سقطته، وافتتنت خراسان بعده، وولي بعده أخوه منصور بن نوح، وكان موته يوم الخميس حادي عشر شوال.
ذكر وفاة عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس وولاية ابنه الحاكمفي هذه السنة توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله صاحب الأندلس، الملقب بالناصر لدين الله، في رمضان، فكانت إمارته خمسين سنة وستة أشهر، وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة، وكان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين، كان ركاب سرجه يقارب الشبر، وكان طويل الظهر، وهو أول من تلقب من الأمويين بألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير المؤمنين، وخلف أحد عشر ولداً ذكراً، وكان من تقدمه من آبائه يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف.
وبقي هو كذلك إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق وظهور العلويين بإفريقية، ومخاطبتهم بأمير المؤمنين، أمر حينئذ أن يلقب الناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين؛ ويقول أهل الأندلس إنه أول خليفة ولي بعد جده، وكانت أمه أم ولد اسمها مزنة، ولم يبلغ أحد ممن تلقب بأمير المؤمنين مدته في الخلافة غير المستنصر العلوي صاحب مصر، فإن خلافته كانت ستين سنة.
ولما مات ولي الأمر بعده ابنه الحاكم بن عبد الرحمن، وتلقب بالمستنصر، وأمه أم ولد تسمى مرجانة، وخلف الناصر عدة أولاد منهم عبدالله، وكان شافعي المذهب عالماً بالشعر والأخبار وغيرهما، وكان ناسكاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار قفل عظيم من إنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب إنطاكية، فخرج عليهم كمين للروم فأخذ من كان فيها من المسلمين، وقتل كثيراً منهم، وأفلت صاحب إنطاكية وبه جراحات.
وفيها، في رمضان، دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم من ناحية ميافارقين غازياً، وإنه في رمضان غنم ما قيمته قيمة عظيمة، وسبى، وأسر، وخرج سالماً.
وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبدالله، وقبضت أملاكه، وتولى قضاء القضاة أبو العباس بن عبدالله بن الحسن بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة، ولم يسمع بذلك قبله، فلم يأذن له الخليفة المطيع لله بالدخول عليه، وأمر بأن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد.
وفيها وصل أبو القاسم أخو عمران بن شاهين إلى معز الدولة مستأمناً.
وفيها توفي القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، وهو من أصحاب الطبري، وكان يروي تاريخه.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
ذكر استيلاء الروم على عين زربة

في هذه السنة، في المحرم، نزل الروم مع الدمستق على عين زربة، وهي في سفح جبل عظيم، وهو مشرف عليها، وهم في جمع عظيم، فأنفذ بعض عسكره فصعدوا الجبل فملكوه، فلما رأى ذلك أهلها، وأن الدمستق قد ضيق عليهم ومعه الدبابات، وقد وصل إلى السور، وشرع في النقب، طلبوا الأمان فأمنهم الدمستق، وفتحوا له باب المدينة، فدخلها، فرأى أصحابه الذين في الجبل قد نزلوا إلى المدينة، فندم على إجابتهم إلى الأمان.
ونادى في البلد، أول الليل، بأن يخرج جميع أهله إلى المسجد الجامع، ومن تأخر في منزله قتل، فخرج من أمكنه الخروج فلما أصبح أنفذ رجالته في المدينة، وكانوا ستين ألفاً، وأمرهم بقتل من وجدوه في منزله، فقتلوا خلقاً كثيراً من الرجال والنساء والصبيان، وأمر بجمع ما في البلد من السلاح، فجمع، فكان شيئاً كثيراً.
وأمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاؤوا، يومهم ذلك، ومن أمسى قتلن فخرجوا مزدحمين، فمات بالزحمة جماعة، ومروا على وجوههم لا يدرون أين يتوجهون، فماتوا في الطرقات، وقتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر النهار، وأخذوا كل ما خلفه الناس من أموالهم وأمتعتهم، وهدموا سوري المدينة.
وأقام الدمستق في بلد الإسلام أحداً وعشرين يوماً، وفتح حول عين زربة أربعة وخمسين حصناً للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وإن حصناً من تلك الحصون التي فتحت بالأمان أمر أهله بالخروج منه فخرجوا، فتعرض أحد الأرمن لبعض حرم المسلمين، فلحق المسلمين غيرة عظيمة، فجردوا سيوفهم، فاغتاظ الدمستق لذلك فأمر بقتل جميع المسلمين وكانوا أربعمائة رجل، وقتل النساء والصبيان، ولم يترك إلا من يصلح أن يسترق.
فلما أدركه الصوم انصرف على أن يعود بعد العيد، وخلف جيشه بقيسارية، وكان ابن الزيات، صاحب طرسوس، قد خرج في أربعة آلاف رجل من الطرسوسيين، فأوقع بهم الدمستق، فقتل أكثرهم، وقتل أخاً لابن الزيات، فعاد إلى طرسوس، وكان قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن حمدان، فلما أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة وراسلوه بذلك، فلما علم ابن الزيات حقيقة الأمر صعد إلى روشن في داره فألقى نفسه منه إلى نهر تحته. فغرق وراسل أهل بغراس الدمستق، وبذلوا له مائة ألف درهم، فأقرهم وترك معارضتهم.
ذكر استيلاء الروم على مدينة حلب
وعودهم عنها بغير سبب
في هذه السنة استولى الروم على مدينة حلب دون قلعتها.
وكان سبب ذلك أن الدمستق سار إلى حلب، ولم يشعر به المسلمون، لأنه كان قد خلف عسكره بقيسارية ودخل بلادهم كما ذكرناه، فلما قضى صوم النصارى خرج إلى عسكره من البلاد جريدة، ولم يعلم به أحد، وسار هم عند وصوله، فسبق خبره، وكبس مدينة حلب، ولم يعلم به سيف الدولة ابن حمدان ولا غيره.
فلما بلغها وعلم سيف الدولة الخبر أعجله الأمر عن الجمع والاحتشاد، فخرج إليه فيمن معه، فقاتله فلم يكن له قوة الصبر لقلة من معه، فقتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، قتلوا جميعهم، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير، وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب، تسمى الدارين، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ له ألفاً وأربعمائة بغل، ومن خزائن السلاح ما لا يحصى، فأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة، فقاتله أهلها.
وهدم الروم في السور ثلمة، فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم كثير، ودفعوهم عنها، فلما جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك تأخروا إلى جبل جوشن.
ثم إن رجالة الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها، فلحق الناس أموالهم ليمنعوها، فخلا السور منهم، فلما رأى الروم السور خالياً من الناس قصدوه وقربوا منه، فلم يمنعهم أحد، فصعدوا إلى أعلاه فرأوا الفتنة قائمة في البلد بين أهله، فنزلوا وفتحوا الأبواب، ودخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا السيف إلى أن تعبوا وضجروا.

وكان في حلب ألف وأربعمائة من الأسرى، فتخلصوا، وأخذوا السلاح، وقتلوا الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرةً، فلما لم يبق مع الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق الباقي، وأحرق المساجد، وكان قد بذل لأهل البلد الأمان على أن يسلموا إليه ثلاثة آلاف صبي وصبية ومالاً ذكره، وينصرف عنهم، فلم يجيبوه إلى ذلك، فملكهم كما ذكرنا، وكان عدة عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن، وثلاثون ألفاً للهدم وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك الحديد.
ولما دخل الروم البلد قصد الناس القلعة، فمن دخلها نجا بحشاشة نفسه، وأقام الدمستق تسعة أيام، وأراد الانصراف عن البلد بما غنم، فقال له ابن أخت الملك، وكان معه: هذا البلد قد حصل في أيدينا، وليس من يدفعنا عنه، فلأي سبب ننصرف عنه ؟ فقال الدمستق: قد بلغنا ما لم يكن الملك يؤمله، وغنمنا، وقتلنا، وخربنا، وأحرقنا، وخلصنا أسراناً، وبلغنا ما لم يسمع بمثله؛ فتراجعا الكلام إلى أن قال له الدمستق: انزل على القلعة فحاصرها، فإنني مقيم بعسكري على باب المدينة؛ فتقدم ابن أخت الملك إلى القلعة، ومعه سيف وترس، وتبعه الروم، فلما قرب من باب القلعة ألقي عليه حجر فسقط، ورمي بخشب فقتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى الدمستق، فلما رآه قتيلاً قتل من معه من أسرى المسلمين، وكانوا ألفاً ومائتي رجل، وعاد إلى بلاده، ولم يعرض لسواد حلب، وأمر أهله بالزراعة والعمارة ليعود إليهم بزعمه.
ذكر استيلاء ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجانفي هذه السنة، في المحرم، سار ركن الدولة إلى طبرستان، وبها وشمكير، فنزل على مدينة سارية فحصرها وملكها، ففارق حينئذ وشمكير طبرستان وقصد جرجان، فأقام ركن الدولة بطبرستان إلى أن ملكها كلها، وأصلح أمورها، وسار في طلب وشمكير إلى جرجان، فأزاح وشمكير عنها، واستولى عليها، واستأمن إليه من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل، فازداد قوة، وازداد وشمكير ضعفاً ووهناً فدخل بلاد الجيل.
ذكر ما كتب على مساجد بغدادفي هذه السنة، في ربيع الآخر، كتب عامة الشيعة ببغداد، بأمر معز الدولة، على المساجد ما هذه صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة، رضي الله عنها، فدكاً، ومن منع من أن يدفن الحسن عند قبر جده، عليه السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك.
فلما كان الليل حكه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، وأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحداً في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك.
ذكر فتح طبرمين من صقليةوفي هذه السنة سارت جيوش المسلمين بصقلية، وأميرهم حينئذ أحمد ابن الحسن بن علي بن أبي الحسين، إلى قلعة طبرمين من صقلية أيضاً، وهي بيد الروم، فحصروها، وهي من أمنع الحصون وأشدها على المسلمين، فامتنع أهلها، ودام الحصار عليهم، فلما رأى المسلمون ذلك عمدوا إلى الماء الذي يدخلها فقطعوه عنها، وأجروه إلى مكان آخر، فعظم الأمر عليهم، وطلبوا الأمان، فلم يجابوا إليه، فعادوا وطلبوا أن يؤمنوا على دمائهم، ويكونوا رقيقاً للمسلمين، وأموالهم فيئاً، فأجيبوا إلى ذلك، وأخرجوا من البلد، وملكه المسلمون في ذي القعدة.
وكانت مدة الحصار سبعة أشهر ونصفاً، وأسكنت القلعة نفراً من المسلمين، وسميت العزية، نسبة إلى المعز العلوي صاحب إفريقية، وسار جيش إلى رمطة مع الحسن بن عمار، فحصروها وضيقوا عليها، فكان ما نذكره سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الأول، أرسل الأمير منصور بن نوح، صاحب خراسان وما وراء النهر، إلى بعض قواده الكبار، واسمه الفتكين، يستدعيه، فامتنع، فأنفذ إليه جيشاً، فلقيهم الفتكين فهزمهم، وأسر وجوه القواد منهم، وفيهم خال منصور.
وفيها، في منتصف ربيع الأول أيضاً، انخسف القمر جميعه وفيها، في جمادى الأولى، كانت فتنة بالبصرة وبهمذان أيضاً بين العامة بسبب المذاهب، قتل فيها خلق كثير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:18 am

وفيها أيضاً فتح الروم حصن دلوك وثلاثة حصون مجاورة له بالسيف.

وفيها لقب الخليفة المطيع لله فناخسرو بن ركن الدولة بعضد الدولة.
وفيها، في جمادى الآخرة، أعاد سيف الدولة بناء عين زربة، وسير حاجبه في جيش مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم، فغنموا، وقتلوا، وسبوا وعادوا، فقصد الروم حصن سيسية فملكوه.
وفيها سار نجا غلام سيف الدولة في جيش إلى حصن زياد، فلقيه جمع من الروم، فهزمهم، واستأمن إليه الروم من خمسمائة رجل.
وفيها، في شوال، أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلداً لها، وله ديوان شعر جيد.
وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة أقريطش، فأرسل أهلها إلى المعز لدين الله العلوي صاحب إفريقية يستنجدونه، فأرسل إليهم نجدة، فقاتلوا الروم، فانتصر المسلمون، وأسر من كان بالجزيرة من الروم.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش المقرئ، صاحب كتاب شفاء الصدور؛ وعبد الباقي بن قانع مولى بني أمية، وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائتين؛ ودعلج بن أحمد السجزي العدل؛ وأبو عبدالله محمد بن أبي موسى الهاشمي.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
ذكر عصيان أهل حران
في هذه السنة، في صفر، امتنع أهل حران على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وعصوا عليه.
وسبب ذلك أنه كان متقلداً لها ولغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة، فعسفهم نوابه وظلموهم، وطرحوا الأمتعة على التجار من أهل حران، وبالغوا في ظلمهم.
وكان هبة الله عند عمه سيف الدولة بحلب، فثار أهلها على نوابه وطردوهم، فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم وحاربهم، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه أكثر من شهرين، فقتل منهم خلق كثير، فلما رأى سيف الدولة شدة الأمر واتصال الشر قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما يريدون، فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، وهرب منه العيارون خوفاً من هبة الله.
ذكر وفاة الوزير أبي محمد المهلبيفي هذه السنة سار الوزير أبو محمد المهلبي، وزير معز الدولة، في جمادى الآخرة، في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان، وحمل تابوته إلى بغداد فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وكل ما كان له، وأخذ أهله وأصحابه وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوماً واحداً، فقبض عليهم وحبسهم، فاستعظم الناس ذلك واستقبحوه.
وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان كريماً فاضلاً ذا عقل ومروة، فمات بموته الكرم.
ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي، وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس من غير تسمية لأحدهما بوزارة.
ذكر غزوة إلى الروم وعصيان حرانفي هذه السنة، في شوال، دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها أيضاً نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من درب آخر، ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه، فإنه كان قد لحقه، قبل ذلك بسنتين، فالج، فأقام على رأس دربٍ من تلك الدروب، فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتى وصلوا إلى قونية، وعادوا، فرجع سيف الدولة إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن دنجا النصراني فقتله، وكان خصيصاً بسيف الدولة، وإنما قتله لأنه كان يتعرض لغلام له، فغار لذلك.
ثم أفاق سيف الدولة، فلما علم هبة الله أن عمه لم يمت هرب إلى حران، فلما دخلها أظهر لأهلها أن عمه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلماً لمن سالمه، وحرباً لن حاربه، فحلفوا له، واستثنوا عمه في اليمن، فأرسل سيف الدولة غلامه نجا إلى حران في طلب هبة الله، فلما قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل، فنزل نجا على حران في السابع والعشرين من شوال، فخرج أهلها إليه من الغد، فقبض عليهم، وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكل بهم حتى أدوها في خمسة أيام، بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كل ما يساوي ديناراً بدرهم، لأن أهل البلد كلهم كانوا يبيعون ليس فيهم من يشتري لأنهم مصادرون، فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد، وسار نجا إلى ميافارقين، وترك حران شاغرة بغير والٍ، فتسلط العيارون على أهلها، وكان من أمر نجا ما نذكره سنة ثلاث وخمسين.
ذكر عدة حوادث

في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة، ولأن السلطان معهم.
وفيها، في ربيع الأول، اجتمع من رجالة الأرمن جماعة كثيرة، وقصدوا الرها فأغاروا عليها، فغنموا، وأسروا، وعادوا موفورين.
وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن قضاء بغداد، وتقلد مكانه أبو بشر عمرو ابن أكثم، وعفي عما كان يحمله ابن أبي الشوارب من الضمان عن القضاء، وأمر بإبطال أحكامه وسجلاته.
وفيها، في شعبان، ثار الروم بملكهم فقتلوه وملكوا غيره، وصار ابن شمشقيق دمستقاً، وهو الذي يقوله العامة ابن الشمشكي.
وفيها، في ثامن عشر ذي الحجة، أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، وأشعلت النيران بمجلس الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل، كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ذلك فرحاً بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات، وكان يوماً مشهوداً.
وفيها، في ذي الحجة الواقع في كانون الثاني، خرج الناس في العراق للاستسقاء لعدم المطر.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
ذكر عصيان نجا وقتله
وملك سيف الدولة بعض أرمينية
قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بأهل حران، وما أخذه من أموالهم، فلما اجتمعت عنده تلك الأموال قوي بها وبطر، ولم يشكر ولي نعمته بل كفره، وسار إلى ميافارقين، وقصد بلاد أرمينية، وكان قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد، فقاتله نجا، فقتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خلاط وملازكرد وموش وغيرها، وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير، فأظهر العصيان على سيف الدولة.
فاتفق أن معز الدولة بن بويه سار من بغداد إلى الموصل، ونصيبين، واستولى عليها، وطرد عنها ناصر الدولة على ما ذكرناه آنفاً، فكاتبه نجا وراسله، وهو بنصيبين، يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلما عاد معز الدولة إلى بغداد واصطلح هو وناصر الدولة سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه، وخروجه عن طاعته، فلما وصل إلى ميافارقين هرب نجا من بين يديه، فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه جماعة من أصحاب نجا فقتلهم، واستأمن إليه أخو نجا، فأحسن إليه وأكرمه، وأرسل إلى نجا يرغبه ويرهبه إلى أن حضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته.
ثم إن غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين، في ربيع الأول سنة أربع وخمسين، فقتلوه بين يديه، فغشي على سيف الدولة، وأخرج نجا فألقي في مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن.
ذكر حصر الروم المصيصة ووصول الغزاة من خراسانفي هذه السنة حصر الروم مع الدمستق المصيصة، وقاتلوا أهلها، ونقبوا سورها، واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم عنه بعد قتال عظيم، وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنه وطرسوس لمساعدتهم أهلها، فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل، وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوماً لم يقصدهم من يقاتلهم، فعادوا لغلاء الأسعار وقلة الأقوات.
ثم إن إنساناً وصل إلى الشام من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف رجل، وكان طريقهم على أرمينية وميارفارقين، فلما وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين، فوجدوا الروم قد عادوا، فتفرق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء، وعاد أكثرهم إلى بغداد ومنها إلى خراسان.
ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم أرسل إلى أهل المصيصة وأذنه وطرسوس: إني منصرف عنكم لا لعجز، ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء، وأنا عائد إليكم، فمن انتقل منكم فقد نجا، ومن وجدته بعد عودي قتله.
ذكر ملك معز الدولة الموصل
وعوده عنها
في هذه السنة، في رجب، سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل وملكها.

وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ألف ألف درهم يحملها ناصر الدولة كل سنة، فلما حصلت الإجابة من معز الدولة بذل زيادة ليكون اليمين أيضاً لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه، وأن يحلف معز الدولة لهما، فلم يجب إلى ذلك، وتجهز معز الدولة وسار إلى الموصل في جمادى الآخرة، فلما قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين، ووصل معز الدولة إلى الموصل وملكها في رجب، وسار يطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان، واستخلف على الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج، وخلف بكتوزون وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد.
فلما قارب معز الدولة نصيبين فارقها ناصر الدولة، وملك معز الدولة نصيبين، ولم يعلم أي جهة قصد ناصر الدولة، فخاف أن يخالفه إلى الموصل، فعاد عن نصيبين نحو الموصل، وترك بها من يحفظها، وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل، وحارب من بها من أصحاب معز الدولة، وكانت الدائرة عليه، فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز الدولة وأصحابه.
ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه، وأقام ببرقعيد يتوقع أخبار ناصر الدولة، فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر، فرحل عن برقعيد إليها، فوصلها سادس شهر رمضان، فلم يجد بها ناصر الدولة، فملكها، وسأل عن ناصر الدولة فقيل: إنه بالحسنية، ولم يكن كذلك، وإنما كان قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل، فأوقع بمن فيها من أصحاب معز الدولة، فقتل كثيراً منهم، وأسر كثيراً، وفي الأسرى أبو العلاء، وسبكتكين، وبكتوزون، وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك، وحمل جميعه مع الأسرى إلى قلعة كواشى.
فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة سار يقصده، فرحل ناصر الدولة إلى سنجار، فلما وصل معز الدولة بلغه مسير ناصر الدولة إلى سنجار، فعاد إلى نصيبين، فسار أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من أصحاب معز الدولة، فلما سمع معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها، ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب فأقام عنده، وراسل معز الدولة في الصلح، فأجابه لأنه علم أنه متى فارق الموصل عادوا وملكوها، ومتى أقام بها لا يزال متردداً وهم يغيرون على النواحي، فأجابه إلى ما التمسه، وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره، وأن يطلق من عندهم من الأسرى، فاستقرت القواعد على ذلك، ورحل معز الدولة إلى بغداد، وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة.
ذكر حال الداعي العلويكان قد هرب أبو عبدالله محمد بن الحسين المعروف بابن الداعي من بغداد، وهو حسني من أولاد الحسن بن علي، رضي الله عنهما، وسار نحو بلاد الديلم، وترك أهله وعياله ببغداد، فلما وصل إلى بلاد الديلم اجتمع عليه عشرة آلاف رجل، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه، وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين الله، وعظم شأنه، وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه.
ذكر حصر الروم طرسوس والمصيصةوفي هذه السنة أيضاً نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها، وجرى بينهم وبين أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض، وكاد يؤسر، فقاتل عليه الروم وخلصوه، وأسر أهل طرسوس بطريقاً كبيراً من بطارقة الروم، ورحل الروم عنهم، وتركوا عسكراً على المصيصة مع الدمستق، فحصرها ثلاثة أشهر لم يمنعهم منها أحد، فاشتد الغلاء على الروم، وكان شديداً قبل نزولهم، فلهذا طمعوا في البلاد لعدم الأقوات عندهم، فلما نزل الروم زاد شدةً، وكثر الوباء أيضاً، فمات من الروم كثير فاضطروا إلى الرحيل.
ذكر فتح رمطة والحرب بين المسلمين والروم بصقليةقد ذكرنا سنة إحدى وخمسين فتح طرمين وحصر رمطة والروم فيها، فلما رأى الروم ذلك خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال، ويطلبون منه أن ينجدهم بالعساكر، فجهز إليهم عسكراً عظيماً يزيدون على أربعين ألف مقاتل، وسيردهم في البحر، فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية، فأرسل إلى المعز بإفريقية يعرفه ذلك ويستمده، ويسأل إرسال العساكر إليه سريعاً، وشرع هو في إصلاح الأسطول، والزيادة فيه، وجمع الرجال المقاتلة في البر والبحر.

وأما المعز فإنه جمع الرجال، وحشد، وفرق فيهم الأموال الجليلة، وسيرهم مع الحسن بن علي، والد أحمد، فوصلوا إلى صقلية في رمضان، وسار بعضهم إلى الذين يحاصرون رمطة، فكانوا معهم على حصارهم.
فأما الروم فإنهم وصلوا أيضاً إلى صقلية، ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال، وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل صقلية مثلها إلى رمطة، فلما سمع الحسن بن عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون رمطة ذلك، جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون من يخرج منها، وبرز بالعساكر للقاء الروم وقد عزموا على الموت، ووصل الروم وأحاطوا بالمسلمين.
ونزل أهل رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم، فقاتلهم الذين جعلوا هناك لمنعهم، وصدوهم عما أرادوا، وتقدم الروم إلى القتال، وهم مدلون بكثرتهم وبما معهم من العدد وغيرها، والتحم القتال وعظم الأمر على المسلمين، وألحقهم العدو بخيامهم، وأيقن الروم بالظفر، فلما رأى المسلمون عظم ما نزل بهم اختاروا الموت، ورأوا أنه أسلم لهم وأخذوا بقول الشاعر:
تأخّرت أستبقي الحياة، فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدّما
فحمل بهم الحسن بن عمار أميرهم، وحمي الوطيس حينئذ، وحرضهم على قتال الكفار، وكذلك فعل بطارقة الروم، حملوا، وحرضوا عساكرهم.
وحمل منويل مقدم الروم، فقتل في المسلمين، فطعنه المسلمون، فلم يؤثر فيه لكثرة ما عليه من اللباس، فرمى بعضهم فرسه فقتله، واشتد القتال عليه، فقتل هو وجماعة من بطارقته، فلما قتل انهزم الروم أقبح هزيمة، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة، فسقطوا فيها من خوف السيف، فقتل بعضهم بعضاً حتى امتلأت، وكانت الحرب من بكرة إلى العصر، وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية، وغنموا من السلاح والخيل، وصنوف الأموال، ما لا يحد.
وكان في جملة الغنيمة سيف هندي عليه مكتوب: هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً طالما ضرب به بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرؤوس، وسار من سلم من الروم إلى ريو.
وأما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم، وكانت الأقوات قد قلت عندهم، فأخرجوا من فيها من الضعفاء، وبقي المقاتلة، فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى الليل، ولزموا القتال في الليل أيضاً، وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة، وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار، وغنموا ما فيها، وكان شيئاً كثيراً عظيماً، ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ويقيم فيها.
ثم إن الروم تجمع من سلم منهم، وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ريو منهم، وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم، فركب الأمير أحمد في عساكره وأصحابه في المراكب أيضاً، وزحف إليهم في الماء وقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وألقى جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء، وخرقوا كثيراً من المراكب التي للروم، فغرقت، وكثر القتل في الروم، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، وسارت سرايا المسلمين في مدائن الروم، فغنموا منها، فبذل أهلها لهم من الأموال، وهادنوهم، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهذه الوقعة الأخيرة هي المعروفة بوقعة المجاز.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، عاشر المحرم، أغلقت الأسواق ببغداد، يوم عاشوراء، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة جرح فيها كثير، ونهبت الأموال.
وفيها، في ذي الحجة، ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي، وكان مبرقعاً، فوقع بينه وبينه أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع، فلما عاد معز الدولة من الموصل هرب المبرقع.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس
في هذه السنة فتح الروم المصيصة وطرسوس.
وكان سبب ذلك أن نقفور ملك الروم بنى بقيسارية مدينة ليقرب من بلاد الإسلام، وأقام بها، ونقل أهله إليها، فأرسل إليه أهل طرسوس والمصيصة يبذلون له إتاوة، ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه يقيم عندهم، فعزم على إجابتهم إلى ذلك.

فأتاه الخبر بأنهم قد ضعفوا وعجزوا، وأنهم لا ناصر لهم، وأن الغلاء قد اشتد عليهم، وقد عجزوا عن القوت، وأكلوا الكلاب والميتة، وقد كثر فيهم الوباء، فيموت منهم في اليوم نحو ثلاثمائة نفس، فعاد نقفور عن إجابتهم، وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على رأسه، واحترقت لحيته، وقال لهم أنتك كالحية، في الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان، وأحسن إليها، وادفأها انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتكم حتى تستقيم أحوالكم تأذيت بكم.
وأعاد الرسول، وجمع جيوش الروم وسار إلى المصيصة بنفسه، فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم، كانوا نحو مائتي ألف إنسان.
ثم سار طرسوس فحصرها، فأذعن أهلها بالطاعة، وطلبوا الأمان، فأجابهم إليه، وفتحوا البلد، فلقيهم بالجميل، وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي، ففعلوا ذلك، وساروا براً وبحراً، وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا إنطاكية.
وجعل الملك المسجد الجامع إصطبلاً لدوابه، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس وحصنها، وجلب الميرة إليها حتى رخصت الأسعار، وتراجع إليها كثير من أهلها، ودخلوا في طاعة الملك، وتنصر بعضهم.
وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام، ثم عاد إلى القسطنطينية، وأراد الدمستق، وهو ابن الشمشقيق، أن يقصد ميافارقين، وبها سيف الدولة، فأمره الملك باتباعه إلى القسطنطينية، فمضى إليه.
ذكر مخالفة أهل إنطاكية على سيف الدولةوفي هذه السنة عصى أهل إنطاكية على سيف الدولة بن حمدان.
وكان سبب ذلك أن إنساناً من أهل طرسوس كان مقدماً فيها، يسمى رشيقاً النسيمي، كان في جملة من سلمها إلى الروم وخرج إلى إنطاكية، فلما وصلها خدمه إنسان يعرف بابن الأهوازي كان يضمن الأرحاء بإنطاكية، فسلم إليه ما اجتمع عنده من حاصل الأرحاء، وحسن له العصيان، وأعلمه أن سيف الدولة بميافارقين قد عجز عن العود إلى الشام فعصى واستولى على إنطاكية، وسار إلى حلب، وجرى بينه وبين النائب عن سيف الدولة، وهو قرعويه، حروب كثيرة، وصعد قرعويه إلى قلعة حلب، فتحصن بها، وأنفذ سيف الدولة عسكراً مع خادمه بشارة نجدة لقرعويه، فلما علم بهم رشيق انهزم عن حلب، فسقط عن فرسه، فنزل إليه إنسان عربي فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى قرعويه وبشارة.
ووصل ابن الأهوازي إلى إنطاكية، فأظهر إنساناً من الديلم اسمه دزبر، وسماها الأمير، وتقوى بإنسان علوي ليقيم له الدعوة، وتسمى هو بالأستاذ، فظلم الناس، وجمع الأموال، وقصد قرعويه إلى إنطاكية، وجرت بينهما وقعة عظيمة فكانت على ابن الأهوازي أولاً، ثم عادت على قرعويه، فانهزم وعاد إلى حلب.
ثم إن سيف الدولة عاد عن ميافارقين عند فراغه من الغزاة إلى حلب، فأقام بها ليلة، وخرج من الغد، فواقع دزبر وابن الأهوازي، فقاتل من بها فانهزموا، وأسر دزبر وابن الأهوازي، فقتل دزبر، وسجن ابن الأهوازي مدة ثم قتله.
ذكر عصيان أهل سجستانوفي هذه السنة عصى أهل سجستان على أميرهم خلف بن أحمد، وكان خلف هذا هو صاحب سجستان حينئذ، وكان عالماً محباً لأهل العلم، فاتفق أنه حج سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، واستخلف على أعماله إنساناً من أصحابه يسمى طاهر بن الحسين، فطمع في الملك، وعصى على خلف لما عاد من الحج، فسار خلف إلى بخارى، واستنصر بالأمير منصور بن نوح، وسأله معونته، ورده إلى ملكه، فأنجده وجهز معه العساكر، فسار بهم نحو سجستان، فلما أحس بهم طاهر فارق مدينة خلف وتوجه نحو اسفرار، وعاد خلف إلى قراره وملكه وفرق العساكر.
فلما علم طاهر بذلك عاد إليه، وغلب على سجستان، وفارقها خلف، وعاد إلى حضرة الأمير منصور أيضاً ببخارى، فأكرمه وأحسن إليه، وأنجده بالعساكر الكثيرة، ورده إلى سجستان، فوافق وصوله موت طاهر، وانتصاب ابنه الحسين مكانه، فحاصره خلف وضايقه، وكثر بينهم القتلى، واستظهر خلف عليه، فلما رأى ذلك كتب إلى بخارى يعتذر ويتنصل، ويظهر الطاعة، ويسأل الإقالة، فأجابه الأمير منصور إلى ما طلبه، وكتب في تمكينه من المسير إليه، فسار من سجستان إلى بخارى، فأحسن الأمير منصور إليه.

واستقر خلف بن أحمد بسجستان، ودامت أيامه فيها، وكثرت أمواله ورجاله، فقطع ما كان يحمله إلى بخارى من الخلع والخدم والأموال التي استقرت القاعدة عليها، فجهزت العساكر إليه، وجعل مقدمها الحسين بن طاهر بن الحسين المذكور، فساروا إلى سجستان، وحصروا خلف بن أحمد بحصن أرك، وهو من أمنع الحصون وأعلاها محلاً وأعمقها خندقاً، فدام الحصار عليه سبع سنين.
وكان خلف يقاتلهم بأنواع السلاح، ويعمل بهم أنواع الحيل، حتى إنه كان يأمر بصيد الحيات ويجعلها في جراب ويقذفها في المنجنيق إليهم، فكانوا ينتقلون لذلك من مكان إلى مكان.
فلما طال ذلك الحصار، وفنيت الأموال والآلات، كتب نوح بن منصور إلى أبي الحسن بن سيمجور الذي كان أمير جيوش خراسان، وكان حينئذ قد عزل عنها على ما سنذكره، يأمره بالمسير إلى خلف ومحاصرته، وكان بقوهستان، فسار منها إلى سجستان، وحصر خلفاً، وكان بينهما مودة، فأرسل إليه أبو الحسن يشير عليه بالنزول عن حصن أرك وتسليمه إلى الحسين بن طاهر، ليصير لمن قد حصره من العساكر طريق وحجة يعودون بها إلى بخارى، فإذا تفرقت العساكر عاود هو محاربة الحسين وبكر بن الحسين مفرداً من العساكر، فقبل خلف مشورته، وفارق حصن أرك إلى حصن الطارق، ودخل أبو الحسن السيمجوري إلى أرك، وأقام به الخطبة للأمير نوح، وانصرف عنه، وقرر الحسين بن طاهر فيه.
وسنورد ما يتجدد فيما بعد، وكان هذا أول وهن دخل على دولة السامانية، فطمع أصحاب الأطراف فيهم لسوء طاعة أصحابهم لهم، وقد كان ينبغي أن نورد كل حادثٍ من هذه الحوادث في سنته، لكننا جمعناه لقلته، فإنه كان ينسي أوله لبعد ما بينه وبين آخره.
ذكر طاعة أهل عمان معز الدولة وما كان منهموفيها سير معز الدولة عسكراً إلى عمان، فلقوا أميرها، وهو نافع مولى يوسف بن وجيه، وكان يوسف قد هلك، وملك نافع البلد بعده، وكان أسود، فدخل نافع في طاعة معز الدولة، وخطب له، وضرب له اسمه على الدينار والدرهم، فلما عاد العسكر عنه وثب به أهل عمان فأخرجوه عنهم، وأدخلوا القرامطة الهجريين إليهم وتسلموا البلد، فكانوا يقيمون فيه نهاراً ويخرجون ليلاً إلى معسكرهم، وكتبوا إلى أصحابهم بهجر يعرفونهم الخبر ليأمروهم بما يفعلون.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ليلة السبت رابع عشر صفر انخسف القمر جميعه.
وفيها نزلت طائفة من الترك على بلاد الخزر، فانتصر بأهل خوارزم فلم ينجدوهم وقالوا: أنتم كفار، فإن أسلمتم نصرناكم؛ فأسلموا إلا ملكهم، فنصرهم أهل خوارزم، وأزالوا الترك عنهم، ثم أسلم ملكهم بعد ذلك.
وفيها، رابع جمادى الآخرة، تقلد الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي والمرتضى نقابة العلويين، وإمارة الحاج، وكتب له منشور من ديوان الخليفة.
وفيها أنفذ القرامطة سرية إلى عمان، والشراة في جبالها كثير، فاجتمعوا، فأوقعوا بالقرامطة، فقتلوا كثيراً منهم، وعاد الباقون.
وفيها ثار إنسان من القرامطة الذين استأمنوا إلى سيف الدولة، واسمه مروان وكان يتقلد السواحل لسيف الدولة، فلما تمكن ثار بحمص فملكها، وملك غيرها، فخرج إليه غلام لقرعويه، حاجب سيف الدولة، اسمه بدر، وواقع القرمطي عدة وقعات، ففي بعضها رمى بدر مروان بنشابة مسمومة، واتفق أن أصحاب مروان أسروا بدراً، فقتله مروان، ثم عاش بعد قتله أياماً ومات.
وفيها قتل المتنبي الشاعر، واسمه أبو الطيب أحمد بن الحسين الكندي، قريباً من النعمانية، وقتل معه ابنه، وكان قد عاد من عند الدولة بفارس، فقتله الأعراب هناك وأخذوا ما معه.
وفيها توفي محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم البستي، صاحب التصانيف المشهورة؛ وأبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم المفسر النحوي المقرئ، وكان عالماً بنحو الكوفيين، وله تفسير كبير حسن؛ ومحمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر الشافعي في ذي الحجة، وكان عالماً بالحديث عالي الإسناد.
حبان بكسر الحاء والباء الموحدة.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
ذكر ما تجدد بعمان
واستيلاء معز الدولة عليه

قد ذكرنا في السنة التي قبل هذه خبر عمان ودخول القرامطة إليها، وهرب نافع عنها، فلما هرب نافع، واستولى القرامطة على البلد، كان معهم كاتب يعرف بعلي بن أحمد ينظر في أمر البلد، وكان بعمان قاضٍ له عشيرة وجاه، فاتفق هو وأهل البلد أن ينصبوا في الإمرة رجلاً يعرف بابن طغان، وكان من صغار القواد بعمان، وأدناهم مرتبةً، فلما استقر في الإمرة خاف ممن فوقه من القواد، فقبض على ثمانين قائداً، فقتل بعضهم، وغرق بعضهم.
وقدم البلد ابنا أخت لرجل ممن قد غرقهم، فأقاما مدة، ثم إنهما دخلا على طغان يوماً من أيام السلام، فسلما عليه، فلما تقوض المجلس قتلاه، فاجتمع رأي الناس على تأمير عبد الوهاب بن أحمد بن مروان، وهو من أقارب القاضي، فولي الإمارة بعد امتناع منه، واستكتب علي بن أحمد الذي كان مع الهجريين، فأمر عبد الوهاب كاتبه علياً أن يعطي الجند أرزاقهم صلة، ففعل ذلك، فلما انتهى إلى الزنج، وكانوا ستة آلاف رجل، ولهم بأس وشدة، قال لهم علي: إن الأمير عبد الوهاب أمرني أن أعطي البيض من الجند كذا وكذا، وأمر لكم بنصف ذلك؛ فاضطربوا وامتنعوا، فقال لهم: هل لكم أن تبايعوني فأعطيكم مثل سائر الأجناد ؟ فأجابوه إلى ذلك، وبايعوه، وأعطاهم مثل البيض من الجند، فامتنع البيض من ذلك، ووقع بينهم حرب، فظهر الزنج عليهم، فسكنوا، واتفقوا مع الزنج، وأخرجوا عبد الوهاب من البلد، فاستقر في الإمارة علي بن أحمد.
ثم إن معز الدولة سار إلى واسط لحرب عمران بن شاهين، ولإرسال جيش إلى عمان، فلما وصل إلى واسط قدم عليه نافع الأسود الذي كان صاحب عمان، فأحسن إليه، وأقام للفراغ من أمر عمران بن شاهين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وانحدر من واسط إلى الأبلة، في شهر رمضان، فأقام بها يجهز الجيش والمراكب ليسيروا إلى عمان، ففرغ منه، وساروا منتصف شوال، واستعمل عليهم أبا الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، وكانوا في مائة قطعة، فلما كانوا بسيراف انضم إليهم الجيش الذي جهزه عضد الدولة من فارس نجدةً لعمة معز الدولة، فاجتمعوا وساروا إلى عمان، ودخلها تاسع ذي الحجة، وخطب لمعز الدولة فيها، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقت مراكبهم، وهي تسعة وثمانون مركباً.
ذكر هزيمة إبراهيم بن المرزبانفي هذه السنة انهزم إبراهيم بن المرزبان عن أذربيجان إلى الري وسبب ذلك أن إبراهيم لما انهزم من جستان بن شرمزن، على ما ذكرناه سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، قصد أرمينية، وشرع يستعد ويتجهز للعود إلى أذربيجان، وكانت ملوك أرمينية من الأرمن والأكراد، وراسل جستان ابن شرمزن، وأصلحه، فأتاه الخلق الكثير.
واتفق أن إسماعيل ابن عمه وهسوذان توفي، فسار إبراهيم إلى أردبيل فملكها، وانصرف أبو القاسم بن مسيكي إلى وهسوذان، وصار معه، وسار إبراهيم إلى عمه وهسوذان يطالبه بثأر إخوته، فخافه عمه وهسوذان، وسار هو وابن مسيكي إلى بلد الديلم، واستولى إبراهيم على أعمال عمه، وخبط أصحابه، وأخذ أمواله التي ظفر بها.
وجمع وهسوذان الرجال وعاد إلى قلعته بالطرم، وسير أبا القاسم بن مسيكي في الجيوش إلى إبراهيم، فلقيهم إبراهيم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم إبراهيم، وتبعه الطلب فلم يدركوه، وسار وحده حتى وصل إلى الري، إلى ركن الدولة، فأكرمه ركن الدولة وأحسن إليه، وكان زوج أخت إبراهيم، فبالغ في إكرامه لذلك، وأجزل له الهدايا والصلات.
ذكر خبر الغزاة الخراسانية مع ركن الدولةفي هذه السنة، في رمضان، خرج من خراسان جمع عظيم يبلغون عشرين ألفاً إلى الري بنية الغزاة، فبلغ خبرهم إلى ركن الدولة، وكثرة جمعهم، وما فعلوه في أطراف بلاده من الفساد، وأن رؤساءهم لم يمنعوهم عن ذلك، فأشار عليه الأستاذ أبو الفضل بن العميد، وهو وزيره، بمنعهم من دخول بلاده مجتمعين، فقال: لا تتحدث الملوك أنني خفت جمعاً من العزاة؛ فأشار عليه بتأخيرهم إلى أن يجمع عسكره، وكانوا متفرقين في أعمالهم، فلم يقبل منه، فقال له: أخاف أن يكون لهم مع صاحب خراسان مواطأة على بلادك ودولتك؛ فلم يلتفت إلى قوله.

فلما وردوا الري اجتمع رؤساؤهم، وفيهم القفال الفقيه، وحضروا مجلس ابن العميد، وطلبوا مالاً ينفقونه، فوعدهم، فاشتطوا في الطلب وقالوا: نريد خراج هذه البلاد جميعها، فإنه لبيت المال، وقد فعل الروم بالمسلمين ما بلغكم، واستولوا على بلادكم، وكذلك الأرمن، ونحن غزاة، وفقراء، وأبناء سبيل، فنحن أحق بالمال منكم؛ وطلبوا جيشاً يخرج معهم، واشتطوا في الاقتراح، فعلم ابن العميد حينئذ خبث سرائرهم، وتيقن ما كان ظنه فيهم، فرفق بهم وداراهم، فعدلوا عنه إلى مشاتمة الديلم، ولعنهم، وتكفيرهم، ثم قاموا عنه، وشرعوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسلبون العامة بحجة ذلك، ثم إنهم أثاروا الفتنة، وحاربوا جماعة من الديلم إلى أن حجز بينهم الليل، ثم باكروا القتال ودخلوا المدينة، ونهبوا دار الوزير ابن العميد، وجرحوه، وسلم من القتل.
وخرج ركن الدولة إليهم في أصحابه، وكان في قلة، فهزمه الخراسانية، فلو تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه، لكنهم عادوا عنه لأن الليل أدركهم، فلما أصبحوا راسلهم ركن الدولة، ولطف بهم، لعلهم يسيرون من بلده، فلم يفعلوا، وكانوا ينتظرون مدداً يأتيهم من صاحب خراسان، فإنهم كان بينهم مواعدة على تلك البلاد.
ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه، فخرج ركن الدولة إليهم فقاتلهم، وأمر نفراً من أصحابه أن يسيروا إلى مكان يراهم، ثم يثيروا غبرة شديدة، ويرسلوا إليه من يخبره أن الجيوش قد أتته، ففعلوا ذلك.
وكان أصحابه قد خافوا لقلتهم، وكثرة عدوهم، فلما رأوا الغبرة وأتاهم من أخبرهم أن أصحابهم لحقوهم قويت نفوسهم، وقال لهم ركن الدولة: احملوا على هؤلاء لعلنا نظفر بهم قبل وصول أصحابنا، فيكون الظفر والغنيمة لنا؛ فكبروا، وحملوا حملة صادقة، فكان لهم الظفر، وانهزم الخراسانية، وقتل منهم خلق كثير، وأسر أكثر ممن قتل، وتفرق الباقون، فطلبوا الأمان، فأمنهم ركن الدولة، وكان قد دخل البلد جماعة منهم يكبرون كأنهم يقاتلون الكفار، ويقتلون كل من رأوه بزي الديلم، ويقولون هؤلاء رافضة، فبلغهم خبر انهزام أصحابهم، وقصدهم الديلم ليقتلوهم، فمنعهم ركن الدولة وأمنهم، وفتح لهم الطريق ليعودوا، ووصل بعهم نحو ألفي رجل بالعدة والسلاح، فقاتلهم ركن الدولة، فهزمهم وقتل فيهم، ثم أطلق الأسرى، وأمر لهم بنفقات، وردهم إلى بلادهم، وكان إبراهيم بن المرزبان عند ركن الدولة، فأثر فيهم آثاراً حسنة.
ذكر عود إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجانفي هذه السنة عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها.
وكان سبب ذلك أنه لما قصد ركن الدولة، على ما ذكرناه، جهز العساكر معه، وسير الأستاذ أبا الفضل بن العميد ليرده إلى ولايته، ويصلح له أصحاب الأطراف، فسار معه إليها، واستولى عليها، وأصلح له جستان بن شرمزن، وقاده إلى طاعته، وغيره من طوائف الأكراد، ومكنه من البلاد.
وكان ابن العميد لما وصل إلى تلك البلاد، رأى كثرة دخلها، وسعة مياهها، ورأى ما يتحصل لإبراهيم منها، فوجده قليلاً لسوء تدبيره، وطمع الناس فيه لاشتغاله بالشرب والنساء، فكتب إلى ركن الدولة يعرفه الحال، ويشير بأن يعوضه من بعض ولايته بمقدار ما يتحصل له من هذه البلاد، ويأخذها منه، فإنه لا يستقيم له حال مع الذين بها وإنها تؤخذ منه، فامتنع ركن الدولة من قبول ذلك منه، وقال: لا يتحدث الناس عني أني استجار بي إنسان وطمعت فيه؛ وأمر أبا الفضل بالعود عنه وتسليم البلاد إليه، ففعل وعاد، وحكى لركن الدولة صورة الحال، وحذره خروج البلاد من يد إبراهيم، وكان الأمر كما ذكره، حتى أخذ إبراهيم وحبس، على ما نذكره.
ذكر خروج الروم إلى بلاد الإسلاموفي هذه السنة، في شوال، خرجت الروم، فقصدوا مدينة آمد، ونزلوا عليها، وحصروها، وقاتلوا أهلها، فقتل منهم ثلاثمائة رجل، وأسر نحو أربعمائة أسير، ولم يمكنهم فتحها، فانصرفوا إلى دارا، وقربوا من نصيبين، ولقيهم قافلة واردة من ميافارقين، فأخذوها، وهرب الناس من نصيبين خوفاً منهم، حتى بلغت أجرة الدابة مائة درهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 2:20 am

وراسل سيف الدولة الأعراب ليهرب معهم، وكان في نصيبين، فاتفق أن الروم عادوا قبل هربه، فأقام بمكانه، وساروا من ديار الجزيرة إلى الشام، فنازلوا إنطاكية، فأقاموا عليها مدة طويلة يقاتلون أهلها، فلم يمكنهم فتحها، فخربوا بلدها ونهبوه وعادوا إلى طرسوس.
ذكر ما جرى لمعز الدولة مع عمران بن شاهينقد ذكرنا انحدار معز الدولة إلى واسط لأجل قصد ولاية عمران بن شاهين بالبطائح، فلما وصل إلى واسط أنفذ الجيش مع أبي الفضل العباس بن الحسن، فساروا، فنزلوا الجامدة، وشرعوا في سد الأنهار التي تصب إلى البطائح.
وسار معز الدولة إلى الأبلة، وأرسل الجيش إلى عمان، على ما ذكرناه، وعاد إلى واسط لإتمام حرب عمران وملك بلده، فأقام بها، فمرض، وأصعد إلى بغداد لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ست وخمسين وهو عليل، وخلف العسكر بها، ووعدهم أنه يعود إليهم، فلما وصل إلى بغداد توفي، على ما نذكره، فدعت الضرورة إلى مصالحة عمران والانصراف عنه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خرجت بنو سليم على الحجاج السائرين من مصر والشام، وكانوا عالماً كثيراً، ومعهم من الأموال ما لا حد عليه لأن كثيراً من الناس من أهل الثغور والشام هربوا، من خوفهم من الروم، بأموالهم وأهليهم، وقصدوا مكة ليسيروا منها إلى العراق، فأخذوا، ومات من الناس في البرية ما لا يحصى، ولم يسلم إلا القليل.
وفيها عظم أمر أبي عبدالله الداعي بالديلم، ولبس الصوف، وأظهر النسك والعبادة، وحارب ابن وشمكير، فهزمه وعزم على المسير إلى طبرستان، وكتب إلى العراق كتاباً يدعوهم فيه إلى الجهاد.
وفيها تم الفداء بين سيف الدولة والروم، وسلم سيف الدولة ابن عمه أبا فراس بن حمدان، وأبا الهيثم ابن القاضي أبي الحصين.
وفيها انخسف القمر جميعه ليلة السبت ثالث عشر شعبان، وغاب منخسفاً.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم المعروف بابن الجعابي الحافظ البغدادي بها، وكان يتشيع؛ وأبو عبدالله محمد بن الحسين بن علي ابن الحسين بن الوضاح الوضاحي، الشاعر الأنباري.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة
ذكر موت معز الدولة
وولاية ابنه بختيار
في هذه السنة، ثالث عشر ربيع الآخر، توفي معز الدولة بعلة الذرب وكان بواسط، وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين، فابتدأ به الإسهال، وقوي عليه، فسار نحو بغداد، وخلف أصحابه، ووعدهم أنه يعود إليهم لأنه رجا العافية، فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه، وصار لا يثبت في معدته شيء، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه عز الدولة بختيار، وأظهر التوبة، وتصدق بأكثر ماله، وأعتق مماليكه، ورد شيئاً كثيراً على أصحابه، وتوفي ودفن بباب التبن في مقابر قريش، فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً ويومين.
وكان حليماً كريماً عاقلاً، ولما مات معز الدولة وجلس ابنه عز الدولة في الإمارة مطر الناس ثلاثة أيام بلياليها مطراً دائماً منع الناس من الحركة، فأرسل إلى القواد فأرضاهم، فانجلت السماء، وقد رضوا فسكنوا ولم يتحرك أحد.
وكتب عز الدولة إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين، ففعلوا وعادوا.
وكانت إحدى يدي معز الدولة مقطوعة، واختلف في سببها قطعها، فقيل قطعت بكرمان لما سار إلى قتال من بها، وقد ذكرناه، وقيل غير ذلك، وهو الذي أحدث أمر السعاة، وأعطاهم عليه الجرايات الكثيرة، لأنه أراد أن يصل خبره إلى أخيه ركن الدولة سريعاً، فنشأ في أيامه فضل ومرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان كل واحد منهما يسير في اليوم نيفاً وأربعين فرسخاً، وتعصب لهما الناس، وكان أحدهما ساعي السنة، والأخر ساعي الشيعة.
ذكر سوء سيرة بختيار وفساد حالهلما حضرت معز الدولة الوفاة وصى ولده بختيار بطاعة عمه ركن الدولة، واستشارته في كل ما يفعله، وبطاعة عضد الدولة ابن عمه لأنه أكبر منه سناً، وأقوم بالسياسة، ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس بن الحسين، وأبي الفرج محمد بن العباس لكفايتهما وأمانتهما، ووصاه بالديلم والأتراك وبالحاجب سبكتكين، فخالف هذه الوصايا جميعها، واشتغل باللهو واللعب، وعشرة النساء، والمساخر، والمغنين، وشرع في إيحاش كاتبيه وسبكتكين، فاستوحشوا، وانقطع سبكتكين عنه فلم يحضر داره.

ونفى كبار الديلم عن مملكته شرهاً إلى إقطاعتهم وأموالهم وأموال المتصلين بهم، فاتفق أصاغرهم عليه، وطلبوا الزيادات، واضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم الأتراك فعملوا مثل ذلك، ولم يتم له على سبكتكين ما يريد لاحتياطه، واتفق الأتراك معه، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالعوا بختيار بإعادة من أسقط منهم، فاحتاج أن يجيبهم لتغير سبكتكين عليه، وفعل الأتراك أيضاً مثل فعلهم.
واتصل خبر موت معز الدولة بكاتبه أبي الفرج محمد بن العباس وهو متولي أمر عمان، فسلمها إلى نواب عضد الدولة وسار نحو بغداد.
وكان سبب تسليمها إلى عضد الدولة أن بختيار لما ملك بعد موت أبيه تفرد أبو الفضل بالنظر في الأمور، فخاف أبو الفرج أن يستمر انفراده عنه، فسلم عمان إلى عضد الدولة لئلا يؤمر بالمقام فيها لحفظها وإصلاحها، وسار إلى بغداد، فلم يتمكن من الذي أراد، وتفرد أبو الفضل بالوزارة.
ذكر خروج عساكر خراسان وموت وشمكيروفي هذه السنة جهز الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر الجيوش إلى الري.
وكان سبب ذلك أن أبا علي بن إلياس سار من كرمان إلى بخارى ملتجئاً إلى الأمير منصور، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فلما ورد عليه أكرمه وعظمه، فأطمعه في ممالك بني بويه، وحسن له قصدها، وعرفه أن نوابه لا يناصحونه، وأنهم يأخذون الرشي من الديلم، فوافق ذلك ما كان يذكره له وشمكير، فكاتب الأمير منصور وشمكير، والحسن بن الفيرزان، يعرفهما ما عزم عليه من قصد الري، ويأمرهما بالتجهز لذلك ليسيرا مع عسكره.
ثم إنه جهز العساكر وسيرها مع صاحب جيوش خراسان، وهو أبو الحسن محمد بن إبراهيم سيمجور الدواتي، وأمره بطاعة وشمكير، والانقياد له، والتصرف بأمره، وجعله مقدم الجيوش جميعها.
فلما بلغ الخبر إلى ركن الدولة أتاه ما لم يكن في حسابه، وأخذه المقيم المقعد. وعلم أن الأمر قد بلغ الغاية، فسير أولاده وأهله إلى أصبهان، وكاتب ولده عضد الدولة يستمده، وكاتب ابن أخيه عز الدولة بختيار يستنجده أيضاً.
فأما عضد الدولة فإنه جهز العساكر وسيرهم إلى طريق خراسان، وأظهر أنه يريد قصد خراسان لخلوها من العساكر، فبلغ الخبر أهل خراسان فأحجموا قليلاً، ثم ساروا حتى بلغوا الدامغان، وبرز ركن الدولة في عساكره من الري نحوهم، فاتفق موت وشمكير، فكان سبب موته أنه وصله من صاحب خراسان هدايا من جملتها خيل، فاستعرض الخيل، واختار أحدها وركبه للصيد، فعارضه خنزير قد رمي بحربة، وهي ثابتة فيه، فحمل الخنزير على وشمكير، وهو غافل، فضرب الفرس، فشب تحته، فألقاه إلى الأرض وخرج الدم من أذنيه وأنفه، فحمل ميتاً، وذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين، وانتقض جميع ما كانوا فيه وكفى الله ركن الدولة شرهم.
ولما مات وشمكير قام ابنه بيستون مقامه، وراسل ركن الدولة وصالحه، فأمده ركن الدولة بالمال والرجال.
ومن أعجب ما يحكى مما يرغب في حسن النية وكرم المقدرة أن وشمكير لما اجتمعت معه عساكر خراسان وسار كتب إلى ركن الدولة يتهدده بضروب من الوعيد والتهديد، ويقول: والله لئن ظفرت بك لأفعلن بك ولأصنعن، بألفاظ قبيحة، فلم يتجاسر الكاتب أن يقرأه، فأخذه ركن الدولة فقرأه وقال للكاتب: اكتب إليه: أما جمعك وأحشادك فما كنت قط أهون منك علي الآن؛ وأما تهديدك وإيعادك فوالله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضده، ولأحسنن إليك ولأكرمنك؛ فلقي وشمكير سوء نيته، ولقي ركن الدولة حسن نيته.
وكان بطبرستان عدو لركن الدولة يقال له نوح بن نصر، شديد العداوة له، لا يزال يجمع له ويقصد أطراف بلاده، فمات الآن، وعصى عليه بهمذان إنسان يقال له أحمد بن هارون الهمذاني لما رأى خروج عساكر خراسان، وأظهر العصيان، فلما أتاه خبر موت وشمكير مات لوقته، وكفى الله ركن الدولة هم الجميع.
ذكر القبض على ناصر الدولة بن حمدانفي هذه السنة قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه، وحبسه في القلعة، ليلة الست لست بقين من جمادى الأولى.
وكان سبب قبضه أنه كان قد كبر وساءت أخلاقه، وضيق على أولاده وأصحابه، وخالفهم في أغراضهم للمصلحة، فضجروا منه.

وكان فيما خالفهم فيه أنه لما مات معز الدولة عزم أولاده على قصد العراق وأخذه من بختيار، فنهاهم وقال لهم: إن معز الدولة قد خلف مالاً يستظهر به ابنه عليكم، فاصبروا حتى يفرق ما عنده من المال ثم اقصدوه وفرقوا الأموال، فإنكم تظفرون به لا محالة؛ فوثب عليه أبو تغلب، فقبضه، ورفعه إلى القلعة، ووكل به من يخدمه ويقوم بحاجاته وما يحتاج إليه.
فلما فعل ذلك خالفه بعض إخوته، وانتشر أمرهم الذي كان يجمعهم، وصار قصاراهم حفظ ما في أيديهم، واحتاج أبو تغلب إلى مداراة عز الدولة بختيار، وتجديد عقد الضمان ليحتج بذلك على إخوته، ومن خالفه، فضمنه البلاد بألف ألف مائتي ألف درهم كل سنة.
ذكر من مات من الملوكمات فيها وشمكير بن زيار، كما ذكرناه؛ ومعز الدولة، وقد ذكرناه؛ والحسن بن الفيرزان، وكافور الإخشيدي، ونقفور ملك الروم، وأبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان، وسيف الدولة بن حمدان.
فأما سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان بن حمدون التغلبي فإنه مات بحلب في صفر، وحمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها، وكانت علته الفالج، وقيل عسر البول، وكان مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان جواداً، كريماً، شجاعاً، وأخباره مشهورة في ذلك، وكان يقول الشعر، فمن شعره في أخيه ناصر الدولة:
وهبت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
وما كان بي عنها نكولٌ وإنما ... تجاوزت عن حقّي فتمّ لك الحقّ
أما كنت ترضى أن أكون مصلّياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السّبق
وله أيضاً
قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه
ردّ عنه الطّرف منك فقد ... جرحته منك أسهمه
كيف يستطيع التجلّد من ... خطرات الوهم تؤلمه
ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده بعده ابنه أبو المعالي شريف.
وأما أبو علي بن إلياس فسيرد ذكر موته سنة سبع وخمسين.
وأما كافور فإنه كان صاحب مصر، وكان من موالي الإخشيد محمد ابن طغج، واستولى على مصر ودمشق بعد موت الإخشيد لصغر أولاده، وكان خصياً أسود، وللمتنبي فيه مديح وهجو، وكان قصده إلى مصر، وخبره معه مشهور، ولما دفن كتب على قبره:
انظر إلى غير الأيّام ما صنعت ... أفنت أناساً بها كانوا وقد فنيت
دنياهم ضحكت أيّام دولتهم ... حتّى إذا انقرضوا ناحت لهم وبكت
وفيها توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصبهاني الأموي، وهو من ولد محمد بن مروان بن الحكم الأموي، وكان شيعياً، وهذا من العجب، وهو صاحب كتاب الأغاني وغيره.
وفيها توفي يوسف بن عمر بن أبي عمر القاضي، وكان مولده سنة خمس وثلاثمائة، وولي قضاء بغداد في حياة أبيه وبعده.
وفيه توفي أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم صاحب سهل التستري رضي الله عنه
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
ذكر عصيان حبشي
ابن معز الدولة على بختيار بالبصرة وأخذه قهرا
ً
في هذه السنة عصى حبشي بن معز الدولة على أخيه بختيار، وكان بالبصرة لما مات والده، فحسن له من عنده من أصحابه الاستبداد بالبصرة، وذكروا له أن أخاه بختيار لا يقدر على قصده، فشرع في ذلك، فانتهى الخبر إلى أخيه، فسير وزيره أبا الفضل العباس بن الحسين إليه، وأمره بأخذه كيف أمكن، فأظهر الوزير أنه يريد الانحدار إلى الأهواز.
ولما بلغ واسط أقام بها ليصلح أمرها، وكتب إلى حبشي يعده أنه يسلم إليه البصرة سلماً، ويصالحها عليها، ويقول له: إنني قد لزمني مال على الوزارة، ولا بد من مساعدتي، فأنفذ إليه حبشي مائتي ألف درهم، وتيقن حصول البصرة له، فوصلها هو وعسكر الأهواز لميعادهم، فلم يتمكن حبشي من إصلاح شأنه وما يحتاج إليه، فظفروا به وأخذوه أسيراً وحبسوه برامهرمز، فأرسل عمه ركن الدولة وخلصه فسار إلى عضد الدولة، فأقطعه إقطاعاً وافراً، وأقام عنده إلى أن مات في آخر سنة تسع وستين وثلاثمائة، وأخذ الوزير من أمواله بالبصرة شيئاً كثيراً، ومن جملة ما أخذ له خمسة عشر ألف مجلد سوى الأجزاء والمسرس وما ليس له جلد.
ذكر البيعة لمحمد بن المستكفي

في هذه السنة ظهر ببغداد، بين الخاص والعام، دعوة إلى رجل من أهل البيت، اسمه محمد بن عبدالله، وقيل إنه الدجال الذي وعد به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجدد ما عفا من أمور الدين، فمن كان من أهل السنة قيل له: إنه عباسي، ومن كان أهل الشيعة قيل له: إنه علوي، فكثرت الدعاة إليه، والبيعة له.
وكان الرجل بمصر، وقد أكرمه كافور الإخشيدي وأحسن إليه، وكان في جملة من بايع له سبكتكين العجمي، وهو من أكابر قواد معز الدولة، وكان يتشيع، فظنه علوياً، وكتب إليه يستدعيه من مصر، فسار إلى الأنبار، وخرج سبكتكين إلى طريق الفرات، وكان يتولى حمايته، فلقي ابن المستكفي، وترجل له وخدمه، وأخذه وعاد إلى بغداد، وهو لا يشك في حصول الأمر له.
ثم ظهر لسبكتكين أن الرجل عباسيٌ، فعاد عن ذلك الرأي، ففطن ابن المستكفي وخاف هو وأصحابه، فهربوا وتفرقوا، فأخذ ابن المستكفي ومعه أخ له، وأحضر عند بختيار، فأعطاهما الأمان، ثم إن المطيع تسلمه من بختيار، فجدع أنفه، ثم خفي خبره.
ذكر استيلاء عضد الدولة على كرمانفي هذه السنة ملك عضد الدولة بلاد كرمان.
وكان سبب ذلك أن أبا علي بن إلياس كان صاحبها مدة طويلة، على ما ذكرناه، ثم إنه أصابه فالج خاف منه على نفسه، فجمع أكابر أولاده، وهم ثلاثة: إليسع وإلياس وسليمان، فاعتذر إلى إليسع من جفوة كانت منه له قديماً، وولاه الأمر، ثم بعده أخاه إلياس، وأمر سليمان بالعود إلى بلادهم، وهي بلاد الصغد، وأمره بأخذ أموال له هناك، وقصد إبعاده عن إليسع لعدواة كانت بينهما.
فسار من عند أبيه، واستولى على السيرجان، فلما بلغ أباه ذلك أنفذ إليه إليسع في جيش، وأمره بمحاربته وإجلائه عن البلاد، ولم يمكنه من قصد الصغد إن طلب ذلك، فسار إليه، وحصره، واستظهر عليه، فلما رأى سليمان ذلك جمع أمواله وسار نحو خراسان، واستقر أمر إليسع بالسيرجان وملكها وأمر بنهبها، فنهبت، فسأله القاضي وأعيان البلد العفو عنهم، فعفا.
ثم إن جماعة من أصحاب والده خافوه، فسعوا به إلى أبيه، فقبض عليه وسجنه في قلعة له، فمشت والدته إلى والدة أخيه إلياس وقالت لها: إن صاحبها قد فسخ ما كان عقده لولدي، وبعده يفعل بولدك مثله، ويخرج الملك عن آل إلياس، والرأي أن تساعديني على تخليص ولدي ليعود الأمر إلى ما كان عليه.
وكان والده أبو علي تأخذه غشية في بعض الأوقات، فيمكث زماناً طويلاً لا يعقل، فاتفقت المرأتان وجمعتا الجواري في وقت غشيته، وأخرجن إليسع من حبسه ودلينه من ظهر القلعة إلى الأرض، فكسر قيده، وقصد العسكر، فاستبشروا به وأطاعوه، وهرب منه من كان أفسد حاله مع أبيه، وأخذ بعضهم، ونجا بعضهم؛ وتقدم إلى القلعة ليحصرها.
فلما أفاق والده وعرف الصورة راسل ولده، وسأله أن يكف عنه ويؤمنه على ماله وأهله حتى يسلم إليه القلعة وجميع أعمال كرمان، ويرحل إلى خراسان، ويكون عوناً له هناك، فأجابه إلى ذلك، وسلم إليه القلعة وكثيراً من المال، وأخذ معه ما أراد، وسار إلى خراسان وقصد بخارى، فأكرمه الأمير منصور بن نوح، وأحسن إليه وقربه منه، فحمل منصوراً على تجهيز العساكر إلى الري وقصد بني بويه، على ما ذكرناه، وأقام عنده إلى أن توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة بعلة الفالج، على ما ذكرناه.
وكان ابنه سليمان ببخارى أيضاً، وأما إليسع فإنه صفت له كرمان، فحمله ترف الشباب وجهله على مغالبة عضد الدولة على بعض حدود عمله، وأتاه جماعة من أصحاب عضد الدولة وأحسن إليهم، ثم عاد بعضهم إلى عضد الدولة، فاتهم إليسع الباقين، فعاقبهم، ومثل بهم.
ثم إن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى عضد الدولة، فأحسن إليهم وأكرمهم ووصلهم، فلما رأى أصحابه تباعد ما بين الحالين تألبوا عليه، وفارقوه متسللين إلى عضد الدولة، وأتاه منهم في دفعة واحدة نحو ألف رجل من وجوه أصحابه، فبقي في خاصته، وفارقه معظم عسكره.

فلما رأى ذلك أخذ أمواله وأهله وسار بهم نحو بخارى لا يلوي على شيء، وسار عضد الدولة إلى كرمان فاستولى عليها وملكها وأخذ ما بها من أموال آل إلياس، وكان ذلك في شهر رمضان، وأقطعها ولده أبا الفوارس، وهو الذي لقب بعد ذلك شرف الدولة، وملك العراق، واستخلف عليها كورتكين ابن جستان، وعاد إلى فارس وراسله صاحب سجستان، وخطب له بها، وكان هذا أيضاً من الوهن على بني سامان ومما طرق الطمع فيهم.
وأما إليسع فإنه لما وصل إلى بخارى أكرمه وأحسن إليه، وصار يذم أهل سامان في قعودهم عن نصره، وإعادته إلى ملكه، فنفي عن بخارى إلى خوارزم.
وبلغ أبا علي بن سيمجور خبره، فقصد ماله وأثقاله، وكان خلفها ببعض نواحي خراسان، فاستولى على ذلك جميعه، وأصاب إليسع رمد شديد بخوارزم، فأقلقه، فحمله الضجر وعدم السعادة إلى أن قلع عينه الرمدة بيده، وكان ذلك سبب هلاكه، ولم يعد لآل إلياس بكرمان دولة، وكان الذي أصابه لشؤم عصيان والده وثمرة عقوقه.
ذكر قتل أبي فراس بن حمدانفي هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل أبو فراس بن أبي العلاء سعيد بن حمدان.
وسبب ذلك أنه كان مقيماً بحمص، فجرى بينه وبين أي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان وحشة، فطلبه أبو المعالي، فانحاز أبو فراس إلى صدد، وهي قرية في طرف البرية عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وسيرهم في طلبه مع قرعويه، فأدركه بصدد، فكبسوه، فاستأمن أصحابه، واختلط هو بمن استأمن منهم، فقال قرعويه لغلام له: اقتله، فقتله وأخذ رأسه وتركت جثته في البرية، حتى دفنها بعض الأعراب.
وأبو فراس هو خال أبي المعالي بن سيف الدولة، ولقد صدق من قال: إن الملك عقيم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، منتصف شعبان، مات المتقي لله إبراهيم بن المقتدر في داره، ودفن فيها.
وفيها، في ذي القعدة، وصلت سرية كثيرة من الروم إلى إنطاكية فقتلوا في سوادها وغنموا، وسبقوا اثني عشر ألفاً من المسلمين.
وفيها كان بين هبة الرفعاي وبني أسد بن وزير الغبري حرب، فاستمدت أسد خزر اليشكري الذي مع عمران بن شاهين، صاحب البطائح، وأوقع بهبة، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وهزمه، واستولى على جنبلا وقسين من أرض العراق، فسار سبكتكين العجمي إلى خزر، وضيق عليه، فمضى إلى البصرة واستأمن إلى الوزير أبي الفضل.
وفيها عمل أهل بغداد يوم عاشوراء وغدير خم، كما جرت به عادتهم من إظهار الحزن يوم عاشوراء، والسرور يوم الغدير؛ وتوفي علي بن بندار ابن الحسين أبو الحسن الصوفي المعروف بالصيرفي النيسابوري.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة
ذكر ملك المعز العلوي مصر
في هذه السنة سير المعز لدين الله أبو تميم معد بن إسماعيل المنصور بالله القائد أبا الحسن جوهراً، غلام والده المنصور، وهو رومي، في جيش كثيف إلى الديار المصرية، فاستولى عليها.
وكان سبب ذلك أنه لما مات كافور الإخشيدي، صاحب مصر، اختلفت القلوب فيها، ووقع بها غلاء شديد، حتى بلغ الخبز كل رطل بدرهمين، والحنطة كل ويبة بدينار وسدس مصري، فلما بلغ الخبر بهذه الأحوال إلى المعز، وهو بإفريقية، سير جوهراً إليها، فلما اتصل خبر مسيره إلى العساكر الإخشيدية بمصر هربوا عنها جميعهم قبل وصوله.
ثم إنه قدمها سابع عشر شعبان، وأقيمت الدعوة للمعز بمصر في الجامع العتيق في شوال، وكان الخطيب أبا محمد عبدالله بن الحسين الشمشاطي.
وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين سار جوهر إلى جامع ابن طولون، وأمر المؤذن فأذن بحي على خير العمل، وهو أول ما أذن بمصر، ثم أذن بعده في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة.
ذكر ملك عسكر المعز دمشق
وغيرها من بلاد الشام

لما استقر جوهر بمصر، وثبت قدمه، سير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام في جمع كبير، فبلغ الرملة، وبها أبو محمد الحسن بن عبدالله بن طغج، فقاتله في ذي الحجة من السنة، وجرت بينهما حروب كان الظفر فيها لجعفر ابن فلاح، وأسر ابن طغج وغيره من القواد فسيرهم إلى جوهر، وسيرهم جوهر إلى المعز بإفريقية، ودخل ابن فلاح البلد عنوةً، فقتل كثيراً من أهله، ثم أمن من بقي، وجبى الخراج وسار إلى طبرية، فرأى ابن ملهم قد أقام الدعوة للمعز لدين الله، فسار عنها إلى دمشق، فقاتله أهلها، فظفر بهم وملك البلد، ونهب بعضه وكف عن الباقي، وأقام الخطبة للمعز يوم الجمعة لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين وقطعت الخطبة العباسية.
وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، وكان جليل القدر، نافذ الحكم في أهلها، فجمع أحداثها ومن يريد الفتنة، فثار بهم في الجمعة الثانية، وأبطل الخطبة للمعز لدين الله وأعاد خطبة المطيع لله، ولبس السواد وعاد إلى داره، فقاتله جعفر بن فلاح ومن معه قتالاً شديداً، وصبر أهل دمشق، ثم افترقوا آخر النهار، فلما كان الغد تزاحف الفريقان واقتتلوا ونشبت الحرب بينهما، وكثر القتلى من الجانبين ودام القتال، فعاد عسكر دمشق منهزمين، والشريف ابن أبي يعلى مقيم على باب البلد يحرض الناس على القتال، ويأمرهم بالصبر.
وواصل المغاربة الحملات على الدماشقة حتى ألجأوهم إلى باب البلد، ووصل المغاربة إلى قصر حجاج، ونهبوا ما وجدوا، فلما رأى ابن أبي يعلى الهاشمي والأحداث لقي الناس من المغاربة خرجوا من البلد ليلاً، فأصبح الناس حيارى، فدخل الشريف الجعفري، وكان خرج من البلد إلى جعفر بن فلاح في الصلح، فأعاده وأمره بتسكين الناس وتطييب قلوبهم، ووعدهم بالجميل، ففعل ما أمره، وتقدم إلى الجند والعامة بلزوم منازلهم، وأن لا يخرجوا منها إلى أن يدخل جعفر بن فلاح البلد ويطوف فيه ويعود إلى عسكره، ففعلوا ذلك.
فلما دخل المغاربة البلد عاثوا فيه، ونهبوا قطراً منه، فثار الناس وحملوا عليهم، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم جماعة، وشرعوا في تحصين البلد وحفر الخنادق، وعزموا على اصطلاء الحرب، وبذل النفوس في الحفظ، وأحجمت المغاربة عنهم، ومشى الناس إلى الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى، فطلبوا منه أن يسعى فيما يعود بصلاح الحال، ففعل، ودبر الحال إلى أن تقرر الصلح يوم الخميس لست عشرة خلت من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكان الحريق قد أتى على عدة كثيرة من الدور وقت الحرب.
ودخل صاحب الشرطة جعفر بن فلاح البلد يوم الجمعة فصلى مع الناس وسكنهم وطيب قلوبهم، وقبض على جماعة من الأحداث في المحرم سنة ستين وثلاثمائة، وقبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى الهاشمي المذكور، وسيره إلى مصر، واستقر أمر دمشق.
وكان ينبغي أن يؤخر ملك ابن فلاح دمشق إلى آخر السنة، وإنما قدمته ليتصل خبر المغاربة بعضه ببعض.
ذكر اختلاف أولاد ناصر الدولة وموت أبيهمكان سبب إختلاف أولاد ناصر الدولة أنه كان قد أقطع ولده حمدان مدينة الرحبة وماردين وغيرهما وكان أبو تغلب وأبو البركات وأختهما جميلة أولاد ناصر الدولة من زوجته فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر ناصر الدولة، فاتفقت مع ابنها أبي تغلب، وقبضوا على ناصر الدولة، على ما ذكرناه، فابتدأ ناصر الدولة يدبر في القبض عليهم، فكاتب ابنه حمدان يستدعيه ليتقوى به عليهم، فظفر أولاده بالكتاب، فلم ينفذوه، وخافوا أباهم وحذروه، فحملهم خوفه على نقله إلى قلعة كواشى.
واتصل ذلك بحمدان، فعظم عليه، وصار عدواً مبايناً، وكان أشجعهم، وكان قد سار عند وفاة عمه سيف الدولة من الرحبة إلى الرقة فملكها، وسار إلى نصيبين وجمع من أطاعه، وطالب إخوته بالإفراج عن والده وإعادته إلى منزله، فسار أبو تغلب إليه ليحاربه، فانهزم حمدان قبل اللقاء إلى الرقة، فنازله أبو تغلب وحصره ثم اصطلحا عن دخن وعاد كل واحد منهما إلى موضعه.

وعاش ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان بن حمدون التغلبي شهوراً، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ودفن بتل توبة، شرقي الموصل، وقبض أبو تغلب أملاك أخيه حمدان، وسير أخاه أبا البركات إلى حمدان، فلما قرب من الرحبة استأمن إليه كثير من أصحاب حمدان، فانهزم حينئذ، وقصد العراق مستأمناً إلى بختيار، فوصل بغداد في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فأكرمه بختيار وعظمه، وحمل إليه هدية كثيرة جليلة المقدار، ومعها كل ما يحتاج إليه مثله، وأرسل إلى أبي تغلب النقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه، فاصطلحا، وعاد حمدان إلى الرحبة، وكان مسيره من بغداد في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
فلما سمع أبو البركات بمسير أخيه حمدان على هذه الصورة فارق الرحبة، ودخلها حمدان، وراسله أخوه أبو تغلب في الاجتماع به، فامتنع من ذلك، فعاد أبو تغلب وسير إليه أبا البركات، فلما علم حمدان بذلك فارقها، فاستولى أبو البركات عليها، واستناب بها من يحفظها في طائفة من الجيش، وعاد إلى الرقة ثم منها إلى عربان.
فلما سمع حمدان بعوده عنها، وكان ببرية تدمر، عاد إليها في شعبان، فوافاها ليلاً، فأصعد جماعة من غلمانه السور، وفتحوا له باب البلد فدخله، ولا يعلم من به من الجند بذلك، فلما صار في البلد وأصبح أمر بضرب البوق، فبادر من بالرحبة من الجند منقطعين يظنون أن صوت البوق من خارج البلد، وكل من وصل إلى حمدان أسره، حتى أخذهم جميعهم، فقتل بعضاً واستبقى بعضاً، فلما سمع أبو البركات بذلك عاد إلى قرقيسيا، واجتمع هو وأخوه حمدان منفردين، فلم يستقر بينهما قاعدة، فقال أبو البركات لحمدان: أنا أعود إلى عربان، وأرسل إلى أبي تغلب لعله يجيب إلى ما تلتمسه منه.
فسار عائداً إلى عربان، وعبر حمدان الفرات من مخاضة بها، وسار في أثر أخيه أبي البركات، فأدركه بعربان وهو آمن، فلقيهم أبو البركات بغير جنة ولا سلاح، فقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وحمل أبو البركات بنفسه في وسطهم، فضربه أخوه حمدان فألقاه وأخذه أسيراً، فمات من يومه، وهو ثالث رمضان، فحمل في تابوت إلى الموصل، ودفن بتل توبة عند أبيه.
وتجهز أبو تغلب ليسير إلى حمدان، وقدم بين يديه أخاه أبا الفوارس محمداً إلى نصيبين، فلما وصلها كاتب أخاه حمدان ومالأ على أبي تغلب، فبلغ الخبر أبا تغلب، فأرسل إليه يستدعيه ليزيد في إقطاعه، فلما حضر عنده قبض عليه وسيره إلى قلعة كواشى، من بلد الموصل، وأخذ أمواله، وكانت قيمتها خمسمائة ألف دينار.
فلما قبض عليه سار إبراهيم والحسين ابنا ناصر الدولة إلى أخيهما حمدان، خوفاً من أبي تغلب، فاجتمعا معه، وساروا إلى سنجار، فسار أبو تغلب إليهم من الموصل في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة، ولم يكن لهم بلقائه طاقة، فراسله أخواه إبراهيم والحسين يطلبان العود إليه خديعة منهما ليؤمنهما ويفتكا به، فأجابهما إلى ذلك، فهربا إليه، وتبعهما كثير من أصحاب حمدان، فعاد حمدان حينئذ من سنجار إلى عربان، واستأمن إلى أبي تغلب، صاحب حمدان، وأطلعه على حيلة أخويه عليه، وهما إبراهيم والحسين، فأراد القبض عليهما، فحذرا وهربا.
ثم إن نما غلام حمدان ونائبه بالرحبة أخذ جميع ماله بها وهرب إلى أصحاب أبي تغلب بحران، وكانوا مع صاحبه سلامة البرقعيدي، فاضطر حمدان إلى العود إلى الرحبة، وسار أبو تغلب إلى قرقيسيا، وأرسل سرية عبروا الفرات وكبسوا حمدان بالرحبة، وهو لا يشعر، فنجا هارباً، واستولى أبو تغلب عليها، وعمر سورها، وعاد إلى الموصل، ودخلها في ذي الحجة سنة ستين وثلاثمائة.
وسار حمدان إلى بغداد، فدخلها آخر ذي الحجة سنة ستين ملتجئاً إلى بختيار معه أخوه إبراهيم، وكان أخوهما الحسين قد عاد إلى أخيه أبي تغلب مستأمناً؛ وحمل بختيار إلى حمدان وأخيه إبراهيم هدايا جليلة كثيرة المقدار، وأكرمهما واحترمهما.
ذكر ما فعله الروم بالشام والجزيرةوفي هذه السنة دخل ملك الروم الشام، ولم يمنعه أحد، ولا قاتله، فسار في البلاد إلى طرابلس، وأحرق بلدها، وحصر قلعة عرقة، فملكها ونهبها وسبى من فيها.
وكان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها لشدة ظلمه، فقصد عرقة، فأخذه الروم وجميع ماله، وكان كثيراً.

وقصد ملك الروم حمص، وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها، فأحرقها ملك الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهباً وتخريباً، وملك ثمانية عشر منبراً، فأما القرى فكثير لا يحصى، وأقام في الشام شهرين يقصد أي موضع شاء، ويخرب ما شاء، ولا يمنعه أحد إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطرافهم، فأتاه جماعة منهم وتنصروا وكادوا المسلمين من العرب وغيرهم، فامتنعت العرب من قصدهم، وصار للروم الهيبة العظيمة في قلوب المسلمين، فأراد أن يحضر إنطاكية وحلب، فبلغه أن أهلها قد أعدوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه، فامتنع من ذلك وعاد ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس، ولم يأخذ إلا الصبيان، والصبايا، والشبان، فأما الكهول، والشيوخ، والعجائز، فمنهم من قتله، ومنهم من أطلقه.
وكان بحلب قرعويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، وقد أخرج أبا المعالي بن سيف الدولة منها، على ما نذكره، فصانع الروم عليها، فعادوا إلى بلادهم، فقيل كان سبب عودهم كثرة الأمراض والموت، وقيل ضجروا من طول السفر والغيبة عن بلادهم، فعادوا على عزم العود.
وير ملك الروم سرية كثيرة إلى الجزيرة، فبلغوا كفر توثا، ونهبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك نكير ولا أثر.
ذكر استيلاء قرعويه على حلب وإخراج أبي المعالي بن حمدان منهافي هذه السنة أيضاً استولى قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان على حلب، وأخرج منها أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، فسار أبو المعالي إلى حران، فمنعه أهلها من الدخول إليهم، فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن يدخلوا فيتزودوا منها يومين فأذنوا لهم، ودخل إلى والدته بميافارقين، وهي ابنة سعيد بن حمدان، وتفرق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى أبي تغلب بن حمدان.
فلما وصل إلى والدته بلغها أن غلمانه وكتابه قد عملوا على القبض عليها وحبسها، كما فعل أبو تغلب بأبيه ناصر الدولة، فأغلقت أبواب المدينة ومنعت ابنها من دخولها ثلاثة أيام، حتى أبعدت من تحب إبعاده، واستوثقت لنفسها، وأذنت له ولمن بقي معه في دخول البلد، وأطلقت لهم الأرزاق، وبقيت حران لا أمير عليها، ولكن الخطبة فيها لأبي المعالي بن سيف الدولة، وفيها جماعة من مقدمي أهلها يحكمون فيها، ويصلحون من أمور الناس.
ثم إن أبا المعالي عبر الفرات إلى الشام، وقصد حماة فأقام بها، على ما نذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
ذكر خروج أبي خزر بإفريقيةفي هذه السنة خرج بإفريقية أبو خزر الزناتي، واجتمع إليه جموع عظيمة من البربر والنكار، فخرج المعز إليه بنفسه يريد قتاله، حتى بلغ مدينة باغاية، وكان أبو خزر قريباً منها، وهو يقاتل نائب المعز عليها، فلما سمع أبو خزر بقرب المعز تفرقت عنه جموعه، وسار المعز في طلبه، فسلك الأوعار، فعاد المعز وأمر أبا الفتوح يوسف بلكين بن زيري بالمسير في طلبه أين سلك، فسار في أثره حتى خفي عليه خبره، ووصل المعز إلى مستقره بالمنصورية.
فلما كان ربيع الآخر من سنة تسع وخمسين وصل أبو خزر الخارجي إلى المعز مستأمناً، ويطلب الدخول في طاعته، فقبل منه المعز ذلك وفرح به، وأجرى عليه رزقاً كثيراً.
ووصله، عقيب هذه الحال، كتب جوهر بإقامة الدعوة له في مصر والشام، ويدعوه إلى المسير إليه، ففرح المعز فرحاً شديداً أظهره للناس كافةً ومدحه الشعراء، فممن ذكر ذلك محمد بن هانئ الأندلسي، فقال:
يقول بنو العبّاس: قد فتحت مصر، ... فقل لبني العبّاس: قد قضي الأمر
ذكر قصد أبي البركات بن حمدان ميّافارقين وانهزامه
في هذه السنة، في ذي القعدة، سار أبو البركات بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكره إلى ميافارقين، فأغلقت زوجة سيف الدولة أبواب البلد في وجهه، منعته من دخوله، فأرسل إليها يقول: إنني ما قصدت إلا الغزاة؛ ويطلب منها ما يستعين به، فاستقر بينهما أن تحمل إليه مائتي ألف درهم، وتسلم إليه قرايا كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين.

ثم ظهر لها أنه يعمل سراً في دخول البلد، فأرسلت إلى من معه من غلمانه سيف الدولة تقول لهم: ما من حق مولاكم أ، تفعلوا بحرمه وأولاده هذا؛ فنكلوا عن القتال والقصد لها، ثم جمعت رجالة وكبست أبا البركات ليلاً، فانهزم ونهب سواده وعسكره، وقتل جماعة من أصحابه وغلمانه، فراسلها: إنني لم أقصد لسوء؛ فردت رداً جميلاً، وأعادت إليه بعض ما نهب منه، وحملت إليه مائة ألف درهم، وأطلقت الأسرى، فعاد عنها.
وكان ابنها أبو المعالي بن سيف الدولة على حلب يقاتل قرعويه غلام أبيه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، عاشر المحرم، عمل أهل بغداد ما قد صار لهم عادة من إغلاق الأسواق، وتعطيل المعاش، وإظهار النوح والمأتم، بسبب الحسين بن علي، رضوان الله عليهما.
وفيها أرسل القرامطة رسلاً إلى بني نمير وغيرهم من العرب يدعونهم إلى طاعتهم، فأجابوا إلى ذلك، وأخذت عليهم الأيمان بالطاعة، وأرسل أبو تغلب ابن حمدان إلى القرامطة بهجر هدايا جميلة خمسون ألف درهم.
وفيها طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه والجيش، وذكر أن أباه عهد إليه بذلك، فحبسوه في داره، ووكلوا به، ثم أخرج ميتاً في نصف رمضان، فدفن ومنع أهله من البكاء عليه، ثم أذن لهم بعد أسبوع أن يعملوا ما يريدون.
وفيها، ليلة الخميس رابع عشر رجب، انخسف القمر جميعه، وغاب منخسفاً.
وفيها، في شعبان، وقعت حرب بين أبي عبدالله بن الداعي العلوي وبين علوي آخر يعرف بأميرك، وهو أبو جعفر الثائر في الله، قتل فيها خلق كثير من الديلم والجيل، وأسر أبو عبدالله بن الداعي، وسجن في قلعة، ثم أطلق في المحرم سنة تسع وخمسين وعاد إلى رئاسته، وصار أبو جعفر صاحبه جيشه.
وفيها قبض بختيار على وزيره أبي الفضل العباس بن الحسين، وعلى جميع أصحابه، وقبض أموالهم وأملاكهم، واستوزر أبا الفرج محمد بن العباس، ثم عزل أبا الفرج وأعاد أبا الفضل.
وفيها اشتد الغلاء بالعراق، واضطرب الناس، فسعر السلطان الطعام، فاشتد البلاء، فدعته الضرورة إلى إزالة التسعير، فسهل الأمر، وخرج الناس من العراق إلى الموصل والشام وخراسان من الغلاء.
وفيها نفي شيرزاد، وكان قد غلب على أمر بختيار، وصار يحكم على الوزير والجند وغيرهم، فأوحش الأجناد، وعزم الأتراك على قتله، فمنعهم سبكتكين وقال لهم: خوفوه ليهرب؛ فهرب من بغداد، وعهد إلى بختيار ليحفظ ماله وملكه، فلما سار عن بغداد قبض بختيار أمواله وأملاكه ودوره وكان هذا مما يعاب به بختيار.
ثم إن شيرزاد سار إلى ركن الدولة ليصلح أمره مع بختيار، فتوفي بالري عند وصوله إليها.
وفيها توفي عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي، المعروف بجخجخ.
وفيها مات عيسى الطبيب الذي كان طبيب القاهر بالله، والحاكم في دولته، وكان قد عمي قبل موته بسنتين، وكان مولده سنة إحدى وسبعين ومائتين.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية
في هذه السنة، في المحرم، ملك الروم مدينة إنطاكية.
وسبب ذلك أنهم حصروا حصناً بالقرب من إنطاكية يقال له حصن لوقا، وأنهم وافقوا أهله، وهم نصارى، على أن يرتحلوا منه إلى إنطاكية، ويظهروا أنهم إنما انتقلوا منه خوفاً من الروم، فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها، وانصرف الروم عنهم بعد موافقتهم على ذلك، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية بالقرب من الجبل الذي بها.
فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخي نقفور الملك، وكانوا نحو أربعين ألف رجل، فأحاطوا بسور إنطاكية، وصعدوا الجبل إلى الناحية التي بها أهل حصن لوقا، فلما رآهم أهل البلد قد ملكوا تلك الناحية طرحوا أنفسهم من السور، وملك الروم البلد، ووضعوا في أهله السيف، ثم أخرجوا المشايخ، والعجائز، والأطفال من البلد، وقالوا لهم: اذهبوا حيث شئتم؛ فأخذوا الشباب من الرجال، والنساء، والصبيان، والصبايا، فحملوهم إلى بلاد الروم سبياً، وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان، وكان حصرهم له في ذي الحجة.
ذكر ملك الروم مدينة حلب
وعودهم عنها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:51 am

لما ملك الروم إنطاكية أنفذوا جيشاً كثيفاً إلى حلب، وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة محاصراً لها، وبها قرعويه السيفي متغلباً عليها. فلما سمع أبو المعالي خبرهم فارق حلب وقصد البرية ليبعد عنهم، وحصروا البلد، وفيه قرعويه وأهل البلد قد تحصنوا بالقلعة، فملك الروم المدينة، وحصروا القلعة، فخرج إليهم جماعة من أهل حلب، وتوسطوا بينهم وبين قرعويه، وترددت الرسل، فاستقر الأمر بينهم على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعويه إليهم، وأن يكون للروم إذا أرادوا الغزاة أن لا يمكن قرعويه أهل القرايا من الجلاء عنها ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه منها.
وكان مع حلب حماة، وحمص، وكفر طاب، والمعرة، وأفامية، وشيزر، وما بين ذلك من الحصون والقرايا، وسلموا الرهائن إلى الروم، وعادوا عن حلب وتسلمها المسلمون.
ذكر ملك الروم ملازكردوفيها أرسل ملك الروم جيشاً إلى ملازكرد من أعمال أرمينية، فحصروها، وضيقوا على من بها من المسلمين، وملكوها عنوة وقهراً، وعظمت شوكتهم، وخافهم المسلمون في أقطار البلاد، وصار كلها سائبة لا تمتنع عليهم يقصدون أيها شاؤوا.
ذكر مسير ابن العميد إلى حسنويهوفي هذه السنة جهز ركن الدولة وزيره أبا الفضل بن العميد في جيش كثيف، وسيرهم إلى بلد حسنويه.
وكان سبب ذلك أن حسنويه بن الحسين الكردي كان قد قوي واستفحل أمره لاشتغال ركن الدولة بما هو أهم منه، ولأنه كان يعين الديلم على جيوش خراسان إذا قصدتهم، فكان ركن الدولة يراعيه لذلك، ويغضي على ما يبدو منه؛ وكان يتعرض إلى القوافل وغيرها بخفارة، فبلغ ذلك ركن الدولة، فسكت عنه.
فلما كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف أدى إلى أن قصده سهلان وحاربه، وهزمه حسنويه، فانحاز هو وأصحابه إلى مكان اجتمعوا فيه، فقصدهم حسنويه وحصرهم فيه، ثم إنه جمع من الشوك والنبات وغيره شيئاً كثيراً، وفرقه في نواحي أصحاب سهلان وألقى فيه النار، وكان الزمان صيفاً، فاشتد عليهم الأمر حتى كادوا يهلكون، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأمنهم، فأخذهم عن آخرهم.
وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يحتمله له، فحينئذ أمر ابن العميد بالمسير إليه، فتجهز وسار في المحرم ومعه ولده أبو الفتح، وكان شاباً مرحاً، قد أبطره الشباب والأمر والنهي، وكان يظهر منه ما يغضب بسببه والده، وازدادت علته، وكان به نقرس وغيره من الأمراض. فلما وصل إلى همذان توفي بها، وقام ولده مقامه، فصالح حسنويه على مالٍ أخذه منه، وعاد إلى الري إلى خدمة ركن الدولة.
وكان والده يقول عند موته: ما قتلني إلا ولدي، وما أخاف على بيت العميد أن يخرب ويهلكوا إلا منه. فكان على ما ظن.
وكان أبو الفضل بن العميد من محاسن الدنيا قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير، وسياسة الملك، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع.
وكان عالماً في عدة فنون منها الأدب، فإنه كان من العلماء به، ومنها حفظ أشعار العرب، فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله؛ ومنها علوم الأوائل فإنه كان ماهراً فيها مع سلامة اعتقاد، إلى غير ذلك من الفضائل، ومع حسن خلق، ولين عشرة مع أصحابه وجلسائه، وشجاعة تامة، ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات، وبه تخرج عضد الدولة، ومنه تعلم سياسة الملك، ومحبة العلم والعلماء، وكان عمر ابن العميد قد زاد على ستين سنة يسيراً، وكانت وزارته أربعاً وعشرين سنة.
ذكر قتل تقفور ملك الرومفي هذه السنة قتل تقفور ملك الروم، ولم يكن من أهل بيت المملكة، وإنما كان دمستقاً، والدمستق عندهم الذي كان يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج القسطنطينية، وأكثرها اليوم بيد أولاد تلج أرسلان، وكان كل من يليها يلقب بالدمستق، وكان تقفور هذا شديداً على المسلمين، وهو الذي أخذ حلب أيام سيف الدولة فعظم شأنه عند الروم، وهو أيضاً الذي فتح طرسوس، والمصيصة، وأذنة، وعين زربة، وغيرها.
ولم يكن نصراني الأصل، وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر، وكان ابنه هذا شهماً، شجاعاً، حسن التدبير لما يتولاه. فلما عظم أمره وقوي شأنه قتل الملك الذي كان قبله، وملك الروم بعده. وقد ذكرنا هذا جميعه.

فلما ملك تزوج امرأة الملك المقتول على كره منها، وكان لها من الملك المقتول ابنان، وجعل تقفور همته قصد بلاد الإسلام والاستيلاء عليها، وتم له ما أراد باشتغال ملوك الإسلام بعضهم ببعض، فدوخ البلاد، وكان قد بنى أمره على أن يقصد سواد البلاد فينهبه ويخربه، فيضعف البلاد فيملكها، وغلب على الثغور الجزرية والشامية وسبى، وأسر ما يخرج عن الحصر، وهابه المسلمون هيبة عظيمة، ولم يشكوا في أنه يملك جميع الشام، ومصر، والجزيرة وديار بكر لخلوا الجميع من مانع.
فلما استفحل أمره أتاه أمر الله من حيث لم يحتسب، وذلك أنه عزم على أن يخصي ابني الملك المقتول لينقطع نسلهما، ولا يعارض أحد أولاده في الملك، فلما علمت أمهما ذلك قلقت منه، واحتالت على قتله، فأرسلت إلى ابن الشمشقيق، وهو الدمستق حينئذ، ووافقته على أن يصير إليها في زي النساء ومعه جماعة، وقالت لزوجها إن نسوةً من أهلها قد زاروها، فلما صار إليها هو ومن معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك، وكان ابن الشمشقيق شديد الخوف منه لعظم هيبته، فاستجاب للمرأة إلى ما دعته إليه، فلما كان ليلة الميلاد من هذه السنة نام تقفور، فقتل منهم نيف وسبعون رجلاً، وأجلس في الملك الأكبر من ولدي الملك المقتول، وصار المدبر له ابن الشمشقيق، ويقال إن تقفور ما بات قط إلا بسلاح إلا تلك الليلة لما يريده الله تعالى من قتله وفناء أجله.
ذكر ملك أبي تغلب مدينة حرانفي هذه السنة، في الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سار أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان إلى حران، فرأى أهلها قد أغلقوا أبوابها، وامتنعوا منه، فنازلهم وحصرهم، فرعى أصحابه زروع تلك الأعمال، وكان الغلاء في العسكر كثيراً، فبقي كذلك إلى ثالث عشر جمادى الآخرة، فخرج إليه نفران من أعيان أهلها ليلاً وصالحاه، وأخذ الأمان لأهل البلد وعادا.
فلما أصبحا أعلما أهل حران ما فعلاه، فاضطربوا، وحملوا السلاح وأرادوا قتلهما، فسكنهم بعض أهلها، فسكنوا، واتفقوا على إتمام الصلح، وخرجوا جميعهم إلى أبي تغلب، وفتحوا أبواب البلد ودخله أبو تغلب وإخوته وجماعة من أصحابه، وصلوا به الجمعة، وخرجوا إلى معسكرهم، واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي لأنه طلبه أهله لحسن سيرته، وكان إليه أيضاً عمل الرقة، وهو من أكابر أصحاب بني حمدان، وعاد أبو تغلب إلى الموصل ومعه جماعة من أحداث حران، وسبب سرعة عوده أن بني نمير عاثوا في بلد الموصل، وقتلوا العامل ببرقعيد، فعاد إليهم ليكفهم.
ذكر قتل سليمان بن أبي علي بن إلياسفي هذه السنة قتل سليمان بن أبي علي بن إلياس الذي كان والده صاحب كرمان.
وسبب ذلك أنه ذكر للأمير منصور بن نوح صاحب خراسان أن أهل كرمان من القفص والبلوص معه وفي طاعته، وأطعمه في كرمان، فسير معه عسكراً إليهما، فلما وصل إليها وافقه القفص والبلوص وغيرهما من الأمم المفارقة لطاعة عضد الدولة، فاستفحل أمره، وعظم جمعه، فلقيه كوركير ابن جستان، خليفة عضد الدولة بكرمان، وحاربه، فقتل سليمان وابنا أخيه إليسع، وهما بكر والحسين، وعدد كثير من القواد والخراسانية، وحملت رؤوسهم إلى عضد الدولة بشيراز، فسيرها إلى أبيه ركن الدولة، فأخذ منهم جماعة كثيرة أسرى.
ذكر الفتنة بصقليةوفي هذه السنة استعمل المعز لدين الله الخليفة العلوي، على جزيرة صقلية، يعيش مولى الحسن بن علي بن أبي الحسين، فجمع القبائل في دار الصناعة، فوقع الشر بين موالي كتامة والقبائل، فاقتتلوا، فقتل من موالي كتامة كثير، وقتل من الموالي بناحية سرقوسة جماعة.
وازداد الشر بينهم، وتمكنت العدواة، وسعى يعيش في الصلح، فلم يوافقوه، وتطاول أهل الشر من كل ناحية، ونهبوا وأفسدوا، واستطالوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع المستأمنة، فبلغ الخبر إلى المعز، فعزل يعيش، واستعمل أبا القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين نيابة عن أخيه أحمد، فسار إليها، فلما وصل فرح به الناس، وزال الشر من بينهم، واتفقوا على طاعته.
ذكر حصر عمران بن شاهين

في هذه السنة، في شوال، انحدر بختيار إلى البطيحة لمحاصرة عمران بن شاهين، فأقام بواسط يتصيد شهراً، ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى الجامدة، وطفوف البطيحة، وبنى أمره على أن يسد أفواه الأنهار ومجاري المياه إلى البطيحة، ويردها إلى دجلة والفاروث، وربع طير، فبنى المسنيات التي يمكن السلوك عليها إلى العراق، فطالت الأيام، وزادت دجلة فخرجت ما عملوه.
وانتقل عمران إلى معقل آخر من معاقل البطيحة، ونقل كل ماله إليه، فلما نقصت المياه، واستقامت الطرق، وجدوا مكان عمران بن شاهين فارغاً، فطالت الأيام، وضجر الناس من المقام، وكرهوا تلك الأرض من الحر، والبق والضفادع، وانقطاع المواد التي ألفوها، وشغب الجند على الوزير، وشتموه، وأبوا أن يقيموا، فاضطر بختيار إلى مصالحة عمران على مال يأخذه منه.
وكان عمران قد خافه في الأول، وبذل له خمسة آلاف ألف درهم، فلما رأى اضطراب أمر بختيار بذل ألفي ألف درهم في نجوم، ولم يسلم إليهم رهائن، ولا حلف لهم على تأدية المال، ولما رحل العسكر تخطف عمران أطراف الناس فغنم، وفسد عسكر بختيار، وزالت عنهم الطاعة والهيبة، ووصل بختيار إلى بغداد في رجب سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الآخر، اصطلح قرعويه، غلام سيف الدولة ابن حمدان، وأبو المعالي بن سيف الدولة، وخطب لأبي المعالي بحلب، وكان بحمص، وخطب هو وقرعويه في أعمالهما للمعز لدين الله العلوي، صاحب المغرب ومصر.
وفيها، في رمضان، وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء، فاحترق جماعة رجال ونساء، وأما الرحال وغيرها فكثير، ووقع الحريق أيضاً في أربعة مواضع من الجانب الغربي فيها أيضاً.
وفيها كانت الخطبة بمكة للمطيع لله وللقرامطة الهجريين، وخطب بالمدينة للمعز لدين الله العلوي، وخطب أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي خارج المدينة للمطيع لله.
وفيها مات عبيد بن عمر بن أحمد أبو القاسم العبسي المقرئ الشافعي بقرطبة، وله تصانيف كثيرة، وكان مولده ببغداد سنة خمس وتسعين ومائتين؛ وأبو بكر محمد بن داود الدينوري الصوفي، المعروف بالرقي، وهو من مشاهير مشايخهم، وقيل مات سنة اثنتين وستين.
وفيها توفي القاضي أبو العلاء محارب بن محمد بن محارب الفقيه الشافعي في جمادى الآخرة، وكان عالماً بالفقه والكلام.
ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة
ذكر عصيان أهل كرمان على عضد الدولة
لما ملك عضد الدولة كرمان، كما ذكرناه، اجتمع القفص والبلوص، وفيهم أبو سعيد البلوصي وأولاده، على كلمة واحدة في الخلاف، وتحالفوا على الثبات والاجتهاد، فضم عضد الدولة إلى كوركير بن جستان عابد ابن علي فسارا إلى جيرفت فيمن معهما من العساكر، فالتقوا عاشر صفر، فاقتتلوا، وصبر الفريقان ثم انهزم القفص ومن معهم، فقتل منهم خمسة آلاف من شجعانهم ووجوههم، وقتل ابنان لأبي سعيد.
ثم سار عابد بن علي يقص آثارهم ليستأصلهم، فأوقع بهم عدة وقائع، وأثخن فيهم، وانتهى إلى هرموز فملكها، واستولى على بلاد التيز ومكران، وأسر ألفي أسير، وطلب الباقون الأمان، وبذلوا تسليم معاقلهم وجبالهم، على أن يدخلوا في السلم، وينزعوا شعار الحرب، ويقيموا حدود الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم.
ثم سار عابد إلى طوائف أخر يعرفون بالحرومية والحاسكية يخيفون السبيل في البحر والبر، وكانوا قد أعانوا سليمان بن أبي علي بن إلياس، وقد تقدم ذكرهم، فأوقع بهم، وقتل كثيراً منهم، وأنفذهم إلى عضد الدولة، فاستقامت تلك الأرض مدة من الزمان.
ثم لم يلبث البلوص أن عادوا إلى ما كانوا عليه من سفك الدم وقطع الطريق، فلما فعلوا ذلك تجهز عضد الدولة وسار إلى كرمان في ذي القعدة، فلما وصل إلى السيرجان رأى فسادهم وما فعلوه من قطع الطريق بكرمان وسجستان وخراسان، فجرد عابد بن علي في عسكر كثيف، وأمره باتباعهم، فلما أحسوا به وأوغلوا في الهرب إلى مضايق ظنوا أن العسكر لا يتوغلها، فأقاموا آمنين.

فسار في آثارهم، فلم يشعروا إلا وقد أطل عليهم، فلم يمكنهم الهرب، فصبروا يومهم، وهو تاسع عشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم انهزموا آخر النهار، وقتل أكثر رجالهم المقاتلة، وسبى الذراري والنساء، وبقي القليل، وطلبوا الأمان فأجيبوا إليه، ونقلوا عن تلك الجبال، وأسكن عضد الدولة مكانهم الأكرة والزراعين، حتى طبقوا تلك الأرض بالعمل وتتبع عابد تلك الطوائف براً وبحراً حتى أتى عليهم وبدد شملهم.
ذكر ملك القرامطة دمشقفي هذه السنة، في ذي القعدة، وصل القرامطة إلى دمشق فملكوها، وقتلوا جعفر بن فلاح.
وسبب ذلك أنهم لما بلغهم استيلاء جعفر بن فلاح على الشام أهمهم وأزعجهم وقلقوا لأنه قد تقرر بينهم وبين ابن طغج أن يحمل إليهم كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على قصد الشام، وصاحبهم حينئذ الحسين بن أحمد بن بهرام القرمطي، فأرسل إلى عز الدولة بختيار يطلب منه المساعدة بالسلاح والمال، فأجابه إلى ذلك، واستقر الحال أنهم إذا وصلوا إلى الكوفة سائرين إلى الشام حمل الذي استقر، فلما وصلوا إلى الكوفة أوصل إليهم ذلك، وساروا إلى دمشق.
وبلغ خبرهم إلى جعفر بن فلاح، فاستهان بهم ولم يحترز منهم، فلم يشعر بهم حتى كبسوه بظاهر دمشق وقتلوه وأخذوا ماله وسلاحه ودوابه، وملكوا دمشق، وأمنوا أهلها، وساروا إلى الرملة، واستولوا على جميع ما بينهما.
فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ساروا عنها إلى يافا فتحصنوا بها، وملك القرامطة الرملة، وساروا إلى مصر، وتركوا على يافا من يحصرها، فلما وصلوا إلى مصر اجتمع معهم خلق كثير من العرب والجند والإخشيدية والكافورية، فاجتمعوا بعين شمس عند مصر، واجتمع عساكر جوهر وخرجوا إليهم، فاقتتلوا غير مرة، الظفر في جميع تلك الأيام للقرامطة، وحصروا المغاربة حصراً شديداً، ثم إن المغاربة خرجوا في بعض الأيام من مصر، وحملوا على ميمنة القرامطة، فانهزم من بها من العرب وغيرهم، وقصدوا سواد القرامطة فنهبوه، فاضطروا إلى الرحيل، فعادوا إلى الشام، فنزلوا الرملة.
ثم حصروا يافا حصراً شديداً، وضيقوا على من بها، فسير جوهر من مصر نجدة إلى أصحابه المحصورين بيافا، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركباً، فأرسل القرامطة مراكبهم إليها، فأخذوا مراكب جوهر، ولم ينج منها غير مركبين، فغنمهما مراكب الروم.
وللحسين بن بهرام مقدم القرامطة شعر، فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين الله:
زعمت رجال الغرب أنّي هبتها ... فدمي إذاً ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروي ثراك فلا سقاني النّيل
ذكر قتل محمد بن الحسين الزناتّي
في هذه السنة قتل يوسف بلكين بن زيري محمد بن الحسين بن خزر الزناتي وجماعةً من أهله وبني عمه، وكان قد عصى على المعز لدين الله بإفريقية، وكثر جمعه من زناتة والبربر، فأهم المعز أمره لأنه أراد الخروج إلى مصر، فخاف أن يخلف محمداً في البلاد عاصياً، وكان جباراً عاتياً طاغياً.
وأما كيفية قتله فإنه كان يشرب هو وجماعة من أهله وأصحابه، فعلم يوسف به، فسار إليه جريدة متخفياً، فلم يشعر به محمد حتى دخل عليه، فلما رآه محمد قتل نفسه بسيفه، وقتل يوسف الباقين وأسر منهم، فحل ذلك عند المعز محلاً عظيماً، وقعد للهناء به ثلاثة أيام.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض عضد الدولة على كوركير بن جستان قبضاً فيه إبقاء وموضع للصلح.
وفيها تزوج أبو تغلب بن حمدان ابنة عز الدولة بختيار، وعمرها ثلاث سنين، على صداق مائة ألف دينار؛ وكان الوكيل في قبول العقد أبا الحسن علي بن عمرو بن ميمون صاحب أبي تغلب بن حمدان، ووقع العقد في صفر.
وفيها قتل رجلان بمسجد دير مار ميخائيل بظاهر الموصل، فصادر أبو تغلب جماعة من النصارى.
وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم بن عباد، وأصلح أموره كلها.
وفيها مات أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة بأصبهان وكان عمره مائة سنة، وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري بمكة، وهما من حفاظ المحدثين.
وفيها توفي السري بن أحمد بن السري أبو الحسن الكندي الرفا، الشاعر الموصلي، ببغداد.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة

ذكر ما فعله الروم بالجزيرة
في هذه السنة، في المحرم، أغار ملك الروم على الرها ونواحيها، وسار في ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، فغنموا، وسبوا، وأحرقوا وخربوا البلاد، وفعلوا مثل ذلك بديار بكر، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة، ولا سعي في دفعه، لكنه حمل إليه مالاً كفه به عن نفسه.
فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين، وقاموا في الجوامع والمشاهد، واستنفروا المسلمين، وذكروا ما فعله الروم من النهب، والقتل، والأسر، والسبي، فاستعظمه الناس، وخوفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم، وأنهم لا مانع لهم عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداد، وقصدوا دار الخليفة الطائع لله، وأرادوا الهجوم عليه، فمنعوا من ذلك، وأغلقت الأبواب، فأسمعوا ما يقبح ذكره.
وكان بختيار حينئذ يتصيد بنواحي الكوفة، فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين، منكرين عليه اشتغاله بالصيد، وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم، وترك جهاد الروم، ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها، فوعدهم التجهز للغزاة، وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز للغزو وأن يستنفر العامة، ففعل سبكتكين ذلك، فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة، وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، يأمره بإعداد الميرة والعلوفات، ويعرفه عزمه على الغزاة، فأجابه بإظهار الفرح، وإعداد ما طلب منه.
ذكر الفتنة ببغدادفي هذه السنة وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وأظهروا العصبية الزائدة، وتحزب الناس، وظهر العيارون وأظهروا الفساد، وأخذوا أموال الناس.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه من استنفار العامة للغزاة، فاجتمعوا وكثروا فتولد بينهم من أصناف البنوية، والفتيان، والسنة، والشيعة، والعيارين، فنهبت الأموال، وقتل الرجال، وأحرقت الدور، وفي جملة ما احترق محلة الكرخ، وكانت معدن التجار والشيعة، وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة.
ثم إن بختيار أنفذ إلى المطيع لله يطلب منه مالاً يخرجه في الغزاة، فقال المطيع: إن الغزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح المسلمين، تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبي إلي الأموال، وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك، وإنما يلزم من البلاد في يده، وليس لي إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت.
وترددت الرسائل بينهما، حتى بلغوا إلى التهديد، فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم، فاحتاج إلى بيع ثيابه، وأنقاض داره، وغير ذلك، وشاع بين الناس من العراقيين وحجاج خراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر. فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحه، وبطل حديث الغزاة.
ذكر مسير المعز لدين الله العلوي من الغرب إلى مصرفي هذه السنة سار المعز لدين الله العلوي من إفريقية يريد الديار المصرية، وكان أول مسيره أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكان أول رحيله من المنصورية، فأقام بسردانية، وهي قرية قريبة من القيروان، ولحقه بها رجاله، وعماله، وأهل بيته، وجميع ما كان له في قصره من أموال وأمتعة وغير ذلك، حتى إن الدنانير سبكت وجعلت كهيئة الطواحين وحمل كل طاحونتين على جمل.
وسار عنها واستعمل على بلاد إفريقية يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري، إلا أنه لم يجعل له حكماً على جزيرة صقلية، ولا على مدينة طرابلس الغرب، ولا على أجدابية، وسرت، وجعل على صقلية حسن بن علي بن أبي الحسين، على ما قدمنا ذكره، وجعل على طرابلس عبدالله بن يخلف الكتامي، وكان أثيراً عنده، وجعل على جباية أموال إفريقية زيادة الله بن القديم، وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني، وحسين بن خلف الموصدي، وأمرهم بالانقياد ليوسف بن زيري.
فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد، ثم رحل عنها، ومعه يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله، ونحن نذكر من سلف يوسف بلكين وأهله ما تمس الحاجة إليه، ورد يوسف إلى أعماله، وسار إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه، فهرب منه بها جمع من عسكره إلى جبال نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم.

ثم سار إلى مصر، فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي، قتل غيلة، فرؤي ملقىً على جانب البحر قتيلاً لا يدرى من قتله، وكان قتله أواخر رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وكان من الشعراء المجيدين إلا أنه غالى في مدح المعز حتى كفره العلماء، فمن ذلك قوله:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهّار
وقوله:
ولطال ما ... زاحمت حول ركابه جبريلا
ومن ذلك ينسب إليه ولم أجدها في ديوانه قوله:
حلّ برقّادة المسيح ... حلّ بها آدمٌ ونوح
حلّ بها الله ذو المعالي ... فكلّ شيء سواه ريح
ورقادة اسم مدينة بالقرب من القيروان، إلى غير ذلك، وقد تأوّل ذلك من يتعصّب له، والله أعلم، وبالجملة فقد جاز حد المديح.
ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية أواخر شعبان من السنة، وأتاه أهل مصر وأعيانها، فلقيهم، وأكرمهم، وأحسن إليهم، وسار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار، وبقي كثير منهم في الخيام.
وأما يوسف بلكين فإنه لما عاد من وداع المعز أقام بالمنصورية يعقد الولايات للعمال على البلاد، ثم سار في البلاد، وباشر الأعمال، وطيب قلوب الناس، فوثب أهل باغاية على عامله فقاتلوه فهزموه، فسير إليهم يوسف جيشاً فقاتلهم فلم يقدر عليهم، فأرسل إلى يوسف يعرفه الحال، فتأهب يوسف، وجمع العساكر ليسير إليهم، فبينما هو في التجهز أتاه الخبر عن تاهرت أن أهلها قد عصوا، وخالفوا، وأخرجوا عامله، فرحل إلى تاهرت فقاتلها، فظفر بأهلها، وخرها، فأتاه الخبر بها أن زناتة قد نزلوا على تلمسان، فرحل إليهم، فهربوا منه، وأقام على تلمسان فحصرها مدة ثم نزلوا على حكمه فعفا عنهم، إلا أنه نقلهم إلى مدينة أشير، فبنوا عندها مدينة سموها تلمسان.
ثم إن زيادة الله بن القديم جرى بينه وبين عامل آخر كان معه، اسمه عبد الله بن محمد الكاتب، منافسة صارت إلى محاربة، واجتمع مع كل واحد منهما جماعة، وكان بينهما حروب عدة دفعات، وكان يوسف بلكين مائلاً مع عبدالله لصحبة قديمة بينهما، ثم إن أبا عبدالله قبض على ابن القديم وسجنه واستبد بالأمور بعده، وبقي ابن القديم محبوساً حتى توفي المعز بمصر، وقوي أمر يوسف بلكين.
وفي سنة أربع وستين طلع خلف بن حسين إلى قلعة منيعة، فاجتمع إليه خلق كثير من البربر وغيرهم، وكان من أصحاب ابن القديم المساعدين له، فسمع يوسف بذلك، فسار إليه ونازل القلعة وحاربه، فقتل بينهما عدة قتلى، وافتتحها، وهرب خلف بن حين، وقتل ممن كان بها خلق كثير، وبعث إلى القيروان من رؤوسهم سبعة آلاف رأس، ثم أخذ خلف وأمر به فطيف به على جمل، ثم صلب، وسير رأسه إلى مصر، فلما سمع أهل باغاية بذلك خافوا، فصالحوا يوسف ونزلوا على حكمه، فأخرجهم من باغاية وخرب سورها.
ذكر خبر يوسف بلكين بن زيري بن مناد وأهل بيتههو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري، اجتمعت صنهاجة ومن والاها بالمغرب على طاعته، قبل أن يقدمه المنصور، وكان أبوه مناد كبيراً في قومه، كثير المال والولد، حسن الضيافة لمن يمر به، ويقدم ابنه زيري في أيامه، وقاد كثيراً من صنهاجة، وأغار بهم، وسبى، فحسدته زناتة، وجمعت له لتسير إليه وتحاربه، فسار إليهم مجداً، فكبسهم ليلاً وهم غارون بأرض مغيلة، فقتل منهم كثيراً، وغنم ما معهم، فكثر تبعه، فضاقت بهم أرضهم، فقالوا له: لو اتخذت لنا بلداً غير هذا؛ فسار بهم إلى موضع مدينة أشير، فرأى ما فيه من العيون، فاستحسنه، وبنى فيه مدينة أشير، وسكنها هو وأصحابه، وكان ذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة.
وكانت زناتة تفسد في البلاد، فإذا طلبوا احتموا بالجبال والبراري، فلما بنيت أشير صارت صنهاجة بين البلاد وبين زناتة والبربر، فسر بذلك القائم.
وسمع زيري بغمارة وفسادهم، واستحلالهم المحرمات، وأنهم قد ظهر فيهم نبي، فسار إليهم، وغزاهم، وظفر بهم، وأخذ الذي كان يدعي النبوة أسيراً، وأحضر الفقهاء فقتله.
ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد الخارجي، وحمل الميرة إلى القائم بالمهدية، فحسن موقعها منه.

ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير، فجمع لهم زيري جموعاً كثيرة، وجرى بينهم عدة وقعات قتل فيها كثير من الفريقين، ثم ظفر بهم واستباحهم.
ثم ظهر بجبل أوراس رجل، وخالف على المنصور، وكثر جمعه، يقال له سعيد بن يوسف، فسير إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف، فلقيه عند باغاية، واقتتلوا، فقتل الخارجي ومن معه من هوارة وغيرهم، فزاد محله عند المنصور، وكان له في فتح مدينة فاس أثر عظيم، على ما ذكرناه.
ثم إن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر الزناتي، وقد خرج عن طاعة المعز، وكثر جمعه، وعظم شأنه، فظفر به يوسف بلكين، وأكثر القتل في أصحابه، فسر المعز بذلك سروراً عظيماً لأنه كان يريد أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته، وكثرة أتباعه، وكان يخاف أن يتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر. فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبه على البلاد.
ثم إن جعفر بن علي، صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب، كان بينه وبين زيري محاسدة، فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفراً، ففارق بلاده ولحق بزناتة فقبلوه قبولاً عظيماً، وملكوه عليهم عداوةً لزيري، وعصى على المعز، فسار زيري إليه في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم فالتقوا في شهر رمضان، واشتد القتال بينهم، فكبا بزيري فرسه فوقع فقتل، ورأى جعفر من زناتة تغيرً عن طاعته، وندماً على قتل زيري، فقال لهم: إن ابنه يوسف بلكين لا يترك ثأر أبيه، ولا يرضى بمن قتل منكم، والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة، والأوعار؛ فأجابوه إلى ذلك، فحمل ماله وأهله في المراكب، وبقي هو مع الزناتيين، وأمر عبيده في المراكب أن يعملوا في المراكب فتنة، فعلوا وهو يشاهدهم من البر، فقال لزناتة: أريد أن أنظر ما سبب هذا الشر؛ فصعد المركب، ونجا معهم، وسار إلى الأندلس إلى الحاكم الأموي، فأكرمه، وأحسن إليه، وندمت زناتة كيف لم يقتلوه ويغنموا ما معه.
ذكر الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولةفي هذه السنة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني، صاحب خراسان وما وراء النهر، وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة، على أن يحمل ركن الدولة وعضد الدولة إليه كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوج نوح بابنة عضد الدولة، وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله، وكتب بينهم كتاب صلح، وشهد فيه أعيان خراسان، وفارس، والعراق.
وكان الذي سعى في هذا الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيوش خراسان من جهة الأمير منصور.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في صفر، انقض كوكب عظيم، وله نور كثير، وسمع له عند انقضاضه صوت كالرعد، وبقي ضوءه.
وفي شوال منها ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين، سلمها إليه نائب أخيه حمدان، فأخذ أبو تغلب كل ما كان لأخيه فيها من أهل ومال وأثاث وسلاح، وحمل الجميع إلى الموصل.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
ذكر انهزام الروم وأسر الدمستق
في هذه السنة كانت وقعة بين هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وبين الدمستق بناحية ميافارقين.
وكان سببها ما ذكرناه من غزو الدمستق بلاد الإسلام، ونهبه ديار ربيعة وديار بكر، فلما رأى الدمستق أنه لا مانع له عن مراده قوي طمعه على أخذ آمد، فسار إليها وبها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان، فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه ويستنجده، ويعلمه الحال، فسير إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة، واجتمعا على حرب الدمستق، وسار إليه فلقياه سلخ رمضان، وكان الدمستق في كثرة لكن لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل، والروم على غير أهبة، فانهزموا، وأخذ المسلمون الدمستق أسيراً، ولم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فبالغ أبو تغلب في علاجه، وجمع الأطباء له، فلم ينفعه ذلك ومات.
ذكر حريق الكرخفي هذه السنة، في شعبان، احترق الكرخ حريقاً عظيماً.

وسبب ذلك أن صاحب المعونة قتل عامياً، فثار به العامة والأتراك، فهرب ودخل دار بعض الأتراك، فأخرج من فيها، فركب الوزير أبو الفضل لأخذ الجناة، وأرسل حاجباً له يسمى صافياً في جمع لقتال العامة بالكرخ، وكان شديد العصبية للسنة، فألقى النار في عدة أماكن من الكرخ، فاحترق حريقاً عظيماً، وكان عدة من احترق فيه سبعة عشر ألف إنسان، وثلاثمائة دكان، وكثير من الدور، وثلاثة وثلاثين مسجداً، ومن الأموال ما لا يحصى.
ذكر عزل أبي الفضل من وزارة عز الدولة ووزارة ابن بقيةوفيها أيضاً عزل الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين من وزارة عز الدولة بختيار في ذي الحجة، واستوزر محمد بن بقية، فعجب الناس لذلك لأنه كان وضيعاً في نفسه، من أهل أوانا، وكان أبوه أحد الزراعين، لكنه كان قريباً من بختيار، وكان يتولى له المطبخ، ويقدم إليه الطعام ومنديل الخوان على كتفه، إلى أن استوزر.
وحبس الوزير أبو الفضل، فمات عن قريب، فقيل إنه مات مسموماً، وكان في ولايته مضيعاً لجانب الله. فمن ذلك أنه أحرق الكرخ ببغداد، فهلك فيه من الناس والأموال ما لا يحصى؛ ومن ذلك أنه ظلم الرعية، وأخذ الأموال ليفرقها على الجند ليسلم، فما سلمه الله تعالى، ولا نفعه ذلك، وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس).
وكان ما فعله من ذلك أبلغ الطرق التي سلكها أعداؤه من الوقيعة فيه، والسعي به، وتمشى لهم ما أرادوا لما كان عليه من تفريطه في أمر دينه، وظلم رعيته، وعقب ذلك أن زوجته ماتت وهو محبوس وحاجبه وكاتبه، فخرجت داره، وعفي أثرها، نعوذ بالله من سوء الأقدار، ونسأله أن يختم بخير أعمالنا، فإن الدنيا إلى زوال ما هي.
وأما ابن بقية فإن استقامت أموره، ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه من أموال أبي الفضل، وأموال أصحابه، فلما فني ذلك عاد إلى ظلم الرعية، فانتشرت الأمور على يده، وخربت النواحي، وظهر العيارون، وعملوا ما أرادوا، وزاد الاختلاف بين الأتراك وبين بختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال مع بختيار وسبكتكين، فاصطلحوا، وكانت هدنة على دخن وركب سبكتكين إلى بختيار ومعه الأتراك، فاجتمع به، ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد.
وسبب ذلك أن ديلمياً اجتاز بدار سبكتكين وهو سكران، فرمى الروشن بزوبين في يده، فأثبته فيه، وأحس به سبكتكين، فصاح بغلمانه فأخذوه، وظن سبكتكين أنه قد وضع على قتله، فقرره فلم يعترف، وأنفذه إلى بختيار وعرفه الحال، فأمر به فقتل، فقوي ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه، وإنما قتله لئلا يفشي ذلك، وتحرك الديلم لقتله، وحملوا السلاح، ثم أرضاهم بختيار فرجعوا.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ذي الحجة، أرسل عز الدولة بختيار الشريف أبا أحمد الموسوي، والد الرضي والمرتضى، في رسالة إلى أبي تغلب بن حمدان بالموصل، فمضى إليه، وعاد في المحرم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وفيها توفي أبو العباس محمد بن الحسن بن سعيد المخرمي الصوفي صاحب الشبلي بمكة.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة
ذكر استيلاء بختيار على الموصل
وما كان من ذلك
في هذه السنة، في ربيع الآخر، سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى أعمالها وما بيد أبي تغلب بن حمدان وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه إبراهيم إلى بختيار، واستجارتهما به، وشكواهما إليه من أخيهما أبي تغلب، فوعدهما أن ينصرهما ويخلص أعمالهما وأموالهما منه، وينتقم لهما، واشتغل عن ذلك بما كان منه في البطيحة وغيرها، فلما فرغ من جميع أشغاله عاود حمدان وإبراهيم الحديث معه، وبذل له حمدان مالاً جزيلاً، وصغر عنده أمر أخيه أبي تغلب، وطلب أن يضمنه بلاده ليكون في طاعته، ويحمل إليه الأموال ويقيم له الخطبة.
ثم إن الوزير أبا الفضل حسن ذلك، وأشار به ظناً منه أن الأموال تكثر عليه فتمشي الأمور بين يديه، ثم إن إبراهيم بن ناصر الدولة هرب من عند بختيار، وعاد إلى أخيه أبي تغلب، فقوي عزم بختيار على قصد الموصل أيضاً، ثم عزل أبا الفضل الوزير واستوزر ابن بقية، فكاتبه أبو تغلب، فقصر في خطابه، فأغرى به بختيار، وحمله على قصده، فسار عن بغداد، ووصل إلى الموصل تاسع عشر ربيع الآخر ونزل بالدير الأعلى.

وكان أبو تغلب بن حمدان قد سار عن الموصل لما قرب منه بختيار، وقصد سنجار، وكسر العروب، وأخلى الموصل من كل ميرة، وكاتب الديوان، ثم سار من سنجار يطلب بغداد، ولم يعرض إلى أحد من سوادها بل كان هو وأصحابه يشترون الأشياء بأوفى الأثمان. فلما سمع بختيار بذلك أعاد وزيره ابن بقية، والحاجب سبكتكين إلى بغداد، فأما ابن بقية فدخل إلى بغداد، وأما سبكتكين فأقام بحربى، وكان أبو تغلب قد قارب بغداد، فثار العيارون بها، وأهل الشر بالجانب الغربي، ووقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، وحمل أهل سوق الطعام، وهم من السنة، امرأة على جمل وسموها عائشة، وسمى بعضهم نفسه طلحة، وبعضهم الزبير، وقاتلوا الفرقة الأخرى، وجعلوا يقولون: نقاتل أصحاب علي بن أبي طالب، وأمثال هذا من الشر.
وكان الجانب الشرقي آمناً، والجانب الغربي مفتوناً، فأخذ جماعة من رؤساء العيارين وقتلوا، فسكن الناس بعض السكون. وأما أبو تغلب فإنه لما بلغه دخول ابن بقية بغداد، ونزول سبكتكين الحاجب بحربى، عاد عن بغداد، ونزل بالقرب منه، وجرى بينهما مطاردة يسيرة، ثم اتفقا في السر على أن يظهرا الاختلاف إلى أن يتمكنا من القبض على الخليفة والوزير ووالدة بختيار وأهله، فإذا فعلوا ذلك انتقل سبكتكين إلى بغداد، وعاد أبو تغلب إلى الموصل، فيبلغ من بختيار ما أراد، ويملك دولته.
ثم إن سبكتكين خاف سوء الأحدوثة، فتوقف وسار الوزير ابن بقية إلى سبكتكين، فاجتمع به، وانفسخ ما كان بينهما، وتراسلوا في الصلح على أن أبا تغلب يضمن البلاد على ما كانت معه، وعلى أن يطلق لبختيار ثلاثة آلاف كر غلة عوضاً عن مؤونة سفره، وعلى أن يرد على أخيه حمدان أملاكه وإقطاعه، إلا ماردين.
ولما اصطلحوا أرسلوا إلى بختيار بذلك ليرحل عن الموصل، وعاد أبو تغلب إليها، ودخل سبكتكين بغداد، وأسلم بختيار. فلما سمع بختيار بقرب أبي تغلب منه خافه لأن عسكره كان قد عاد أكثره مع سبكتكين، وطلب الوزير ابن بقية من سبكتكين أن يسير نحو بختيار، فتثاقل، ثم فكر في العواقب، فسار على مضض، وكان أظهر للناس ما كان هم به.
وأما بختيار فإنه جمع أصحابه وهو بالدير الأعلى؛ ونزل أبو تغلب بالحصباء، تحت الموصل، وبينهما عرض البلد، وتعصب أهل الموصل لأبي تغلب، وأظهروا محبته لما نالهم من بختيار من المصادرات وأخذ الأموال، ودخل الناس بينهما في الصلح، فطلب أبو تغلب من بختيار أن يلقب لقباً سلطانياً، وأن يسلم إليه زوجته ابنة بختيار، وأن يحط عنه من ذلك القرار. فأجابه بختيار خوفاً منه، وتحالفا، وسار بختيار عن الموصل عائداً إلى بغداد، فأظهر أهل الموصل السرور برحيله، لأنه كان قد أساء معهم السيرة وظلمهم.
فلما وصل بختيار إلى الكحيل بلغه أن أبا تغلب قد قتل قوماً كانوا من أصحابه، وقد استأمنوا إلى بختيار، فعادوا إلى الموصل ليأخذوا ما لهم بها من أهل وما فقتلهم. فلما بلغه ذلك اشتد عليه، وأقام بمكانه، وأرسل إلى الوزير أبي طاهر بن بقية والحاجب سبكتكين يأمرهما بالإصعاد إليه، وكان قد أرسل إليهما يأمرهما بالتوقف، ويقول لهما إن الصلح قد استقر، فلما أرسل إليهما يطلبهما أصعدا إليه في العساكر، فعادوا جميعهم إلى الموصل، ونزلوا بالدير الأعلى أواخر جمادى الآخرة، وفارقها أبو تغلب إلى تل يعفر، وعزم عز الدولة على قصده وطلبه أين سلك، فأرسل أبو تغلب كاتبه وصاحبه أبا الحسن علي بن أبي عمرو إلى عز الدولة فاعتقله، واعتقل معه أبا الحسن ابن عرس، وأبا أحمد بن حوقل.
وما زالت المراسلات بينهما، وحلف أبو تغلب أنه لم يعلم بقتل أولئك، فعاد الصلح واستقر، وحمل إليه ما استقر من المال. فأرسل عز الدولة الشريف أبا أحمد الموسوي، والقاضي أبا بكر محمد بن عبد الرحمن، فحلفا أبا تغلب، وتجدد الصلح، وانحدر عز الدولة عن الموصل سابع عشر رجب، وعاد أبو تغلب إلى بلده.
ولما عاد بختيار عن الموصل جهز ابنته وسيرها إلى أبي تغلب، وبقيت معه إلى أن أخذت منه، ولم يعرف لها بعد ذلك خبر.
ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابهفي هذه السنة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز، فعمت العراق جميعه، واشتدت.

وكان سبب ذلك أن عز الدولة بختيار قلت عنده الأموال، وكثر إدلال جنده عليه، واطراحهم لجانبه، وشغبهم عليه، فتعذر عليه القرار، ولم يجد ديوانه ووزيره جهة يحتال منها بشيء، وتوجهوا إلى الموصل لهذا السبب، فلم ينفتح عليهم، فرأوا أن يتوجهوا إلى الأهواز، ويتعرضوا لبختكين آزادرويه، وكان متوليها، ويعملوا له حجة يأخذون منه مالاً ومن غيره، فسار بختيار وعسكره، وتخلف عنه سبكتكين التركي، فلما وصلوا إلى الأهواز خدم بختيار وحمل له أموالاً جليلة المقدار، وبذل له من نفسه الطاعة، وبختيار يفكر في طريق يأخذه به.
فاتفق أنه جرى فتنة بين الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل داراً بالأهواز، ونزل قريباً منه بعض الأتراك، وكان هناك لبن موضوع، فأراد غلام الديلمي أن يبني منه معلفاً للدواب، فمنعه غلام التركي، فتضاربا، وخرج كل واحد من التركي والديلمي إلى نصرة غلامه، فضعف التركي عنه، فركب واستنصر بالأتراك، فركبوا وركب الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بينهم بعض قواد الأتراك، وطلب الأتراك بثأر صاحبهم، وقتلوا به من الديلم قائداً أيضاً، وخرجوا إلى ظاهر البلد.
واجتهد بختيار في تسكين الفتنة، فلم يمكنه ذلك، فاستشار الديلم فيما يفعله، وكان أذناً يتبع كل قائل، فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك لتصفو له البلاد، فأحضروا آزادرويه وكاتبه سهل بن بشر، وسباشى الخوارزمي بكتيجور، وكان حماً لسبكتكين، فحضروا، فاعتقلهم وقيدهم، وأطلق الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم وقتل بينهم قتلى، وهرب الأتراك، واستولى بختيار على إقطاع سبكتكين فأخذه، وأمر فنودي بالبصرة بإباحة دم الأتراك.
ذكر حيلة لبختيار عادت عليهكان بختيار قد واطأ والدته وإخوته أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك يظهرون أن بختيار قد مات، ويجلسون للعزاء، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا عليه، فلما قبض بختيار على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور يعرفهم ذلك، فلما وقفوا على الكتب وقع الصراخ في داره، وأشاعوا موته، ظناً منهم أن سبكتكين يحضر عندهم ساعة يبلغه الخبر، فلما سمع الصراخ أرسل يسأل عن الخبر، فأعلموه، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر، فلم يجد نقلاً يثق القلب به، فارتاب بذلك.
ثم وصله رسله الأتراك بما جرى، فعلم أن ذلك كان مكيدة عليه، ودعاه الأتراك إلى أن يتأمر عليهم، فتوقف، وأرسل إلى أبي إسحاق بن معز الدولة يعلمه أن الحال قد انفسد بينه وبين أخيه، فلا يرجى صلاحه، وأنه لا يرى العدول عن طاعة مواليه وإن أساءوا إليه، ويدعوه إلى أن يعقد الأمر له. فعرض قوله على والدته، فمنعته.
فلما رأى سبكتكين ذلك ركب في الأتراك، وحصر دار بختيار يومين، ثم أحرقها ودخلها، وأخذ أبا إسحاق وأبا طاهر ابني معز الدولة ووالدتهما ومن كان معهما، فسألوه أن يمكنهم من الانحدار إلى واسط، ففعل، وانحدروا، وانحدر معهم المطيع لله في الماء، فأنفذ سبكتكين فأعاد ورده إلى داره، وذلك تاسع ذي القعدة، واستولى على ما كان لبختيار جميعه ببغداد، ونزل الأتراك في دور الديلم وتتبعوا أموالهم وأخذوها، وثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن، فخلع عليهم، وجعل لهم العرفاء والقواد، فثاروا بالشيعة وحاربوهم وسفكت بينهم الدماء، وأحرقت الكرخ حريقاً ثانياً، وظهرت السنة عليهم.
ذكر خلع المطيع وخلافة الطائع للهوفي هذه السنة، منتصف ذي القعدة، خلع المطيع لله، وكان به مرض الفالج، وقد ثقل لسانه، وتذرت الحركة عليه، وهو يستر ذلك، فانكشف حاله لسبكتكين هذه الدفعة، فدعاه إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى ولده الطائع لله، واسمه أبو الفضل عبد الكريم، ففعل ذلك، وأشهد على نفسه بالخلع ثالث عشر ذي القعدة. وكانت مدة خلافته تسعاً وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام، وبويع للطائع لله بالخلافة، واستقر أمره.
ذكر الحرب بين المعز لدين الله العلوي والقرامطةفي هذه السنة سار القرامطة، ومقدمهم الحسن بن أحمد، من الأحساء إلى ديار مصر فحصرها، ولما سمع المعز لدين الله صاحب مصر بأنه يريد قصد مصر كتب إليه كتاباً يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته وأن الدعوة واحدة، وأن القرامطة إنما كانت دعوتهم إليه، وإلى آبائه من قبله، ووعظه وبالغ، وتهدده، وسير الكتاب إليه.

فكتب جوابه: وصل كتابك الذي قل تحصيله وكثر تفضيله، ونحن سائرون إليك على أثره، والسلام.
وسار حتى وصل إلى مصر، فنزل على عين شمس بعسكره، وأنشب القتال، وبث السرايا في البلاد ينهبونها، فكثرت جموعه، وأتاه من العرب خلق كثير، وكان ممن أتاه حسان بن الجراح الطائي، أمير العرب بالشام، ومعه جمع عظيم.
فلما رأى المعز كثرة جموعه استعظم ذلك وأهمه، وتحير في أمره، ولم يقدم على إخراج عسكره لقتاله، فاستشار أهل الرأي من نصائحه، فقالوا: ليس حيلة غير السعي في تفريق كلمتهم، وإلقاء الخلف بينهم، ولا يتم ذلك إلا بابن الجراح؛ فراسله المعز واستماله، وبذل له مائة ألف دينار إن هو خالف على القرمطي، فأجابه ابن الجراح إلى ما طلب منه، فاستحلفوه، فحلف أنه إذا وصل إليه المال المقرر انهزم بالناس.
فاحضروا المال، فلما رأوه استكثروه، فضربوا أكثرها دنانير من صفر، وألبسوها الذهب، وجعلوها في أسافل الأكياس، وجعلوا الذهب الخالص على رؤوسها، وحمل إليه، فأرسل إلى المعز أن يخرج في عسكره يوم كذا ويقاتلوه وهو في الجهة الفلانية فإنه ينهزم، المعز ذلك فانهزم وتبعه العرب كافة، فلما رآه الحسن القرمطي منهزماً تحير في أمره، وثبت، وقاتل بعسكره، إلا أن عسكر المعز طمعوا فيه وتابعوا الحملات عليه من كل جانب، فأرهقوه، فولى منهزماً، واتبعوا أثره، وظفروا بمعسكره فأخذوا من فيه أسرى، وكانوا نحو ألف وخمسمائة أسير، فضربت أعناقهم، ونهب ما في المعسكر.
وجرد المعز القائد أبا محمد بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل، وأمره باتباع القرامطة والإيقاع بهم، فاتبعهم، وتثاقل في سيره خوفاً أن ترجع القرامطة إليه؛ وأما هم فإنهم ساروا حتى نزلوا أذرعات، وساروا منها إلى بلدهم الأحساء، ويظهرون أنهم يعودون.
ذكر ملك المعز دمشق وما كان فيها من الفتنلما بلغ المعز انهزام القرمطي من الشام، وعوده إلى بلاده، أرسل القائد ظالم بن موهوب العقيلي والياً على دمشق، فدخلها، وعظم حاله، وكثرت جموعه وأمواله وعدته، لأن أبا المنجى وابنه صاحبي القرمطي كانا بدمشق، ومعهما جماعة من القرامطة، فأخذهم ظالم وحبسهم، وأخذ أموالهم وجميع ما يملكونه.
ثم إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد وصول ظالم إليها بأيام قليلة، فخرج ظالم متلقياً له مسروراً بقدومه، لأنه كان مستشعراً من عود القرمطي إليه، فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق، ففعل، وسلم إليه أبا المنجى وابنه ورجلاً آخر يعرف بالنابلسي، وكان هرب من الرملة، وتقرب إلى القرمطي، فأسر بدمشق أيضاً، فحملهم أبو محمد إلى مصر، فسجن أبو المنجى وابنه، وقيل للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحداً في الروم ؟ فاعترف، فسلخ جلده وحشي تبناً وصلب.
ولما نزل أبو محمود بظاهر دمشق امتدت أيدي أصحابه بالعيث والفساد، وقطع الطريق، فاضطرب الناس وخافوا، ثم إن صاحب الشرطة أخذ إنساناً من أهل البلد فقتله، فثار به الغوغاء والأحداث، وقتلوا أصحابه، وأقام ظالم بين الرعية يداريهم، وانتزح أهل القرى منها لشدة نهب المغاربة أموالهم، وظلمهم لهم، ودخلوا البلد، فلما كان نصف شوال من السنة وقعت فتنة عظيمة بين عسكر أبي محمود وبين العامة، وجرى بين الطائفتين قتال شديد، وظالم مع العامة يظهر أنه يريد الإصلاح، ولم يكاشف أبا محمود، وانفصلوا.
ثم إن أصحاب أبي محمود أخذوا من الغوطة قفلاً من حوران، وقتلوا منه ثلاثة نفر، فأخذهم أهلوهم وألقوهم في الجامع، فأغلقت الأسواق، وخاف الناس، وأرادوا القتال، فسكنهم عقلاؤهم.
ثم إن المغاربة أرادوا نهب قينية واللؤلؤة، فوقع الصائح في أهل البلد، فنفروا، وقاتلوا المغاربة في السابع عشر ذي القعدة، وركب أبو محمود في جموعه وزحف الناس بعضهم إلى بعض، فقوي المغاربة، وانهزم العامة إلى سور البلد، فصبروا عنده، وخرج إليهم من تخلف عنهم، وكثر النشاب على المغاربة فأثخن فيهم، فعادوا، فتبعهم العامة، فاضطروهم إل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:53 am

لما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متولياً لها، فلما بلغه قبض والده امتنع فيها على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على والده وعميه من عضد الدولة ومن أبي الفتح بن العميد، ويذكر له الحيلة التي تمت عليه، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه عن سريره إلى الأرض وتمرغ عليها، وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام، ومرض مرضاً لم يستقل منه باقي حياته.
وكان محمد بن بقية، بعد بختيار، قد خدم عضد الدولة، وضمن منه مدينة واسط وأعمالها، فلما صار إليها خلع طاعة عضد الدولة، وخالف عليه، وأظهر الامتعاض لقبض بختيار، وكاتب عمران بن شاهين، وطلب مساعدته، وحذره مكر عضد الدولة، فأجابه عمران إلى ما التمس.
وكان عضد الدولة قد ضمن سهل بن بشر، وزير الفتكين، بلد الأهواز، وأخرجه من حبس بختيار، فكاتبه محمد بن بقية واستماله، فأجابه، فلما عصى ابن بقية أنفذ إليه عضد الدولة جيشاً قوياً، فخرج إليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر قد سيره إليه عمران، فانهزم أصحاب عضد الدولة أقبح هزيمة، وكاتب ركن الدولة بحاله وحال بختيار، فكتب ركن الدولة إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممن احتمى لبختيار، يأمرهم بالثبات والصبر، ويعرفهم أنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة وإعادة بختيار.
فاضطربت النواحي على عضد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار أبيه عليه، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداد، وطمع فيه العامة، وأشرف على ما يكره، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له وما فرق من الأموال، وضعف بختيار عن حفظ البلاد، وإن أعيد إلى حاله خرجت المملكة والخلافة عنهم، وكان بوارهم، ويسأله ترك نصرة بختيار. وقال لأبي الفتح: فإن أجاب إلى ما تريد منه، وإلا فقل له: إنني أضمن منك أعمال العراق، وأحمل إليك منها كل سنة ثلاثين ألف ألف درهم، وأبعث بختيار وأخويه إليك لتجعلهم بالخيار، فإن اختاروا أقاموا عندك، وإن اختاروا بعض بلاد فارس سلمته إليهم، ووسعت عليهم، وإن أحببت أنت أن تحضر في العراق لتلي تدبير الخلافة، وتنفذ بختيار إلى الري وأعود أنا إلى فارس فالأمر إليك.
وقال لابن العميد: فإن أجاب إلى ما ذكرت له، وإلا فقل له: أيها السيد الوالد، أنت مقبول الحكم والقول، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه، فتنتشر الكلمة، ويختلف أهل هذا البيت أبداً، فإن قبلت ما ذكرته فأنا العبد الطائع، وإن أبيت، وحكمت بانصرافي، فإني سأقتل بختيار وأخويه، وأقبض على كل من أتهمه بالميل إليهم، وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سائبة ليدبرها من اتفقت له.
فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة، وأشار أن يسير بها غيره، ويسير هو بعد ذلك، ويكون كالمشير على ركن الدولة بإجابته إلى ما طلب، فأرسل عضد الدولة رسولاً بهذه الرسالة، وسير بعده ابن العميد على الجمازات، فلما حضر الرسول عند ركن الدولة، وذكر بعض الرسالة، وثب إليه ليقتله، فهرب من بين يديه، ثم رده بعد أن سكن غضبه، وقال: قل لفلان، يعني عضد الدولة، وسماه بغير اسمه، وشتمه، خرجت إلى نصرة ابن أخي وللطمع في مملكته، أما عرفت أني نصرت الحسن بن الفيرزان، وهو غريب مني، مراراً كثيرة أخاطر فيها بملكي ونفسي، فإذا ظفرت أعدت له بلاده، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد. ثم نصرت إبراهيم بن المرزبان، وأعدته إلى أذربيجان، وأنفذت وزيري وعساكري في نصرته، ولم آخذ منه درهماً واحداً، كل ذلك طلباً لحسن الذكر، ومحافظة على الفتوة، تريد أن تمن أنت علي بدرهمين أنفقتهما أنت علي وعلى أولاد أخي، ثم تطمع في ممالكهم وتهددني بقتلهم ! فعاد الرسول ووصل ابن العميد، فحجبه عنه، ولم يسمع حديثه، وتهدده بالهلاك، وأنفذ إليه يقول له: لأتركنك وذلك الفاعل، يعني عضد الدولة، تجتهدان جهدكما، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمازة وعليها الرجال، ثم اثبتوا إن شئتم، فوالله لا قاتلتكما إلا بأقرب الناس إليكما.
وكان ركن الدولة يقول: إنني أرى أخي معز الدولة كل ليلة في المنام يعض على أنامله ويقول: يا أخي هكذا ضمنت لي أن تخلفني في ولدي. وكان ركن الدولة يحب أخاه محبة شديدة لأنه رباه، فكان عنده بمنزلة الولد.

ثم إن الناس سعوا لابن العميد، وتوسطوا الحال بينه وبين ركن الدولة، وقالوا: إنما تحمل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقاً للخلاص من عضد الدولة، والوصول إليك لتأمر بما تراه. فأذن له في الحضور عنده، فاجتمع به، وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس، وتقرير بختيار بالعراق، فرده إلى عضد الدولة، وعرفه جلية الحال.
فلما رأى عضد الدولة انحراف الأمور عليه من كل ناحية أجاب إلى المسير إلى فارس وإعادة بختيار، فأخرجه من محبسه، وخلع عليه، وشرط عليه أن يكون نائباً عنه بالعراق، ويخطب له، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار، ورد عليهم عضد الدولة جميع ما كان لهم، وسار إلى فارس في شوال من هذه السنة، وأمر أبا الفتح بن العميد، وزير أبيه، أن يلحقه بعد ثلاثة أيام.
فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار متشاغلاً باللذات، وبما هو بختيار مغرى به من اللعب، واتفقا باطناً على أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له. واتصل ذلك بعضد الدولة، فكان سبب هلاك ابن العميد، على ما نذكره.
واستقر بختيار ببغداد، ولم يقف لعضد الدولة على العهود. فلما ثبت أمر بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، وأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة، وثارت الفتنة بعد مسير عضد الدولة، واستمال ابن بقية الأجناد، وجبى كثيراً من الأموال إلى خزانته، وكان إذا طالبه بختيار بالمال وضع الجند على مطالبته، فثقل على بختيار، فاستشار في مكروه يوقعه به، فبلغ ذلك ابن بقية، فعاتب بختيار عليه، فأنكره وحلف له، فاحترز ابن بقية منه.
ذكر اضطراب كرمان على عضد الدولة وعودها لهفي هذه السنة خالف أهل كرمان على عضد الدولة.
وسبب ذلك أن رجلاً من الجرومية، وهي البلاد الحارة، يقال له طاهر ابن الصمة، ضمن من عضد الدولة ضمانات، فاجتمع عليه أموال كثيرة، فطمع فيها، وكان عضد الدولة قد سار إلى العراق، وسير وزيره المطهر بن عبدالله إلى عمان ليستولي عليها، فخلت كرمان من العساكر، فجمع طاهر الرجال الجرومية وغيرهم، فاجتمع له خلق كثير.
واتفق أن بعض الأتراك السامانية، اسمه يوزتمر، كان قد استوحش من أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيش خراسان للسامانية، فكاتبه طاهر، وأطعمه في أعمال كرمان، فسار إليه، واتفقا، وكان يوزتمر هو الأمير، فاتفق أن الرجال الجرومية شغبوا على يوزتمر، فظن أن طاهراً وضعهم، فاختلفا واقتتلا، فظفر يوزتمر بطاهر وأسره، وظفر بأصحابه.
وبلغ الخبر إلى الحسين بن أبي علي بن إلياس، وهو بخراسان، فطمع في البلاد، فجمع جمعاً وسار إليها، فاجتمع عليه بها جموع كثيرة. ثم إن المطهر بن عبدالله استولى على عمان وجبالها، وأوقع بالشراة فيها وعاد، فوصله كتاب عضد الدولة من بغداد يأمره بالمسير إلى كرمان، فسار إليها مجداً، وأوقع في طريقه بأهل العيث والفساد، وقتلهم، وصلبهم، ومثل بهم، ووصل إلى يوزتمر على حين غفلة منه، فاقتتلوا بنواحي مدينة بم، فانهزم يوزتمر ودخل المدينة، وحصره المطهر في حصن في وسط المدينة، فطلب الأمان فأمنه، فخرج إليه ومعه طاهر، فأمر المطهر بطاهر فشهر، ثم ضرب عنقه.
وأما يوزتمر فإنه رفعه إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد به، وسار المطهر إلى الحسين بن إلياس، فرأى كثرة من معه، فخاف جانبهم، ولم يجد من اللقاء بداً، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الحسين على باب جيرفت، وانهزم عسكره فمنعهم سور المدينة من الهرب، فكثر فيهم القتل، وأخذ الحسين أسيراً، وأحضر عند المطهر، فلم يعرف له بعد خبر، وصلحت كرمان لعضد الدولة.
ذكر ولاية الفتكين دمشق وما كان منه إلى أن ماتقد ذكرنا ما كان من انهزام الفتكين التركي، مولى معز الدولة بن بويه، من مولاه بختيار بن معز الدولة، ومن عضد الدولة في فتنة الأتراك بالعراق، فلما انهزم منهم سار في طائفة صالحة من الجند الترك، فوصل إلى حمص، فنزل بالقرب منها، فقصده ظالم بن موهوب العقيلي الذي كان أمير دمشق للمعز لدين الله ليأخذه، فلم يتمكن من أخذه، فعاد عنه وسار الفتكين إلى دمشق فنزل بظاهرها.

وكان أميرها حينئذ ريان الخادم للمعز، وكان الأحداث قد غلبوا عليها، وليس للأعيان معهم حكم، ولا للسلطنة عليهم طاعة، فلما نزل خرج أشرافها شيوخها إليه، وأظهروا له السرور بقدومه، وسألوه أن يقيم عندهم، ويملك بلدهم، ويزيل عنهم سمة المصريين، فإنهم يكرهونها بمخالفة الاعتقاد، ولظلم عمالهم، ويكف عنهم شر الأحداث. فأجابهم إلى ذلك؛ واستحلفهم على الطاعة والمساعدة، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره، ودخل البلد، وأخرج عنه ريان الخادم، وقطع خطبة المعز، وخطب للطائع لله في شعبان، وقمع أهل العيث والفساد، وهابه الناس كافة، وأصلح كثيراً من أمورهم.
فكانت العرب قد استولت على سواد البلد وما يتصل به، فقصدهم وأوقع بهم، وقتل كثيراً منهم، وأبان عن شجاعة، وقوة نفس، وحسن تدبير، فأذعنوا له، وأقطع البلاد، وكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه.
وكاتب المعز بمصر يداريه، ويظهر له الانقياد، فشكره، وطلب منه أن يحضر عنده ليخلع عليه، ويعيده والياً من جانبه، فلم يثق به، وامتنع من المسير، فتجهز المعز، وجمع العساكر لقصده، فمرض ومات، على ما نذكره سنة خمس وستين وثلاثمائة، وولي بعده ابنه العزيز بالله، فأمن الفتكين بموته جهة مصر، فقصد بلاد العزيز التي بساحل الشام، فعمد إلى صيدا فحصرها وبها ابن الشيخ، ومعه رؤوس المغاربة، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي، فقاتلهم وكانوا في كثرة، فطمعوا فيه وخرجوا إليه فاستجرهم حتى أبعدوا، ثم عاد عليهم فقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل.
وطمع في أخذ عكا، فتوجه إليها، وقصد طبرية، ففعل فيها من القتل والنهب مثل صيدا، وعاد إلى دمشق.
فلما سمع العزيز بذلك استشار وزيره يعقوب بن كلس فيما يفعل، فأشار بإرسال جوهر في العساكر إلى الشام فجهزه وسيره. فلما سمع الفتكين بمسيره جمع أهل دمشق وقال: قد علمتم أنني ما وليت أمركم إلا عن رضىً منكم، وطلب من كبيركم وصغيركم لي، وإنما كنت مجتازاً وقد أظلكم هذا الأمر، وأنا سائر عنكم لئلا ينالكم أذىً بسببي. فقالوا: لا نمكنك من فراقنا، ونحن نبذل الأنفس والأموال في هواك، وننصرك، ونقو معك؛ فاستحلفهم على ذلك، فحلفوا له، فأقام عندهم. فوصل جوهر إلى البلد في ذي القعدة من سنة خمس وستين وثلاثمائة، فحصره، فرأى من قتال الفتكين ومن معه ما استعظمه، ودامت الحرب شهرين، قتل فيها عدد كثير من الطائفتين.
فلما رأى أهل دمشق طول مقام المغاربة عليهم أشاروا على الفتكين بمكاتبة الحسن بن أحمد القرمطي، واستنجاده، ففعل ذلك، فسار القرمطي إليه من الأحساء، فلما قرب منه رحل جوهر عن دمشق، خوفاً أن يبقى بين عدوين، وكان مقامه عليها سبعة أشهر، ووصل القرمطي واجتمع هو والفتكين، وسارا في أثر جوهر، فأدركاه وقد نزل بظاهر الرملة، وسير أثقاله إلى عسقلان، فاقتتلوا، فكان جمع الفتكين والقرمطي كثيراً من رجال الشام والعرب وغيرهم، فكانوا نحو خميسن ألف فارس وراجل، فنزلوا على نهر الطواحين، على ثلاثة فراسخ من البلد، ومنه ماء أهل البلد، فقطعوه عنهم، فاحتج جوهر ومن معه إلى ماء المطر في الصهاريج، وهو قليل لا يقوم بهم، فرحل إلى عسقلان، وتبعه الفتكين والقرمطي فحصراه بها، وطال الحصار، فقلت الميرة، وعدمت الأقوات، وكان الزمان شتاء، فلم يمكن حمل الذخائر في البحر من مصر وغيرها، فاضطروا إلى أكل الميتة، وبلغ الخبز كل خمسة أرطال، بالشامي، بدينار مصري.
وكان جوهر يراسل الفتكين، ويدعوه إلى الموافقة والطاعة، ويبذل له البذول الكثيرة، فيهم أن يفعل، فيمنعه القرمطي ويخوفه منه، فزادت الشدة على جوهر ومن معه، فعاينوا الهلاك، فأرسل إلى الفتكين يطلب منه أن يجتمع به، فتقدم إليه واجتمعا راكبين. فقال له جوهر: قد عرفت ما يجمعنا من عصمة الإسلام وحرمة الدين، وقد طالت هذه الفتنة، وأريقت فيها الدماء، ونهبت الأموال، ونحو المؤاخذون بها عند الله تعالى، وقد دعوتك إلى الصلح والطاعة والموافقة، وبذلت لك الرغائب، فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة، فراقب الله تعالى، وراجع نفسك، وغلب رأيك على هوى غيرك.
فقال الفتكين: أنا والله واثق بك في صحة الرأي والمشورة منك، لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه بسبب القرمطي الذي أحوجتني أنت إلى مداراته والقبول منه.

فقال جوهر: إذا كان الأمر على ما ذكرت فإنني أصدقك الحال تعويلاً على أمانتك، وما أجده من الفتوة عندك؛ وقد ضاق الأمر بنا، وأريد أن تمن علي بنفسي وبمن معي من المسلمين، وتذم لنا، وأعود إلى صاحبي شاكراً لك، وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف.
فأجابه إلى ذلك، وحلف له على الوفاء به، وعاد واجتمع بالقرمطي وعرفه الحال فقال: لقد أخطأت، فإن جوهراً له رأي وحزم ومكيدة، وسيرجع إلى صاحبه فيحمله على قصدنا بما لا طاقة لنا به، والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعاً، ونأخذهم بالسيف؛ فامتنع الفتكين من ذلك وقال: لا أغدر به؛ وأذن لجوهر ولمن معه بالمسير إلى مصر، فسار إليه، واجتمع بالعزيز، وشرح له الحال وقال: إن كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك، وإلا فهم واصلون على أثري؛ فبرز العزيز، وفرق الأموال، وجمع الرجال، وسار وجوهر على مقدمته.
وورد الخبر إلى الفتكين والقرمطي فعادا إلى الرملة، وجمعا العرب وغيرها، وحشدا، ووصل العزيز فنزل بظاهر الرملة، ونزلا بالقرب منه، ثم اصطفوا للحرب في المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة، فرأى العزيز من شجاعة الفتكين ما أعجبه، فأرسل إليه في تلك الحال يدعوه إلى طاعته، ويبذل له الرغائب والولايات، وأن يجعله مقدم عسكره، والمرجوع إليه في دولته، ويطلب أن يحضر عنده، ويسمع قوله، فترجل وقبل الأرض بين الصفين، وقال للرسول: قل لأمير المؤمنين: لو قدم هذا القول لسارعت وأطعت، وأما الآن فلا يمكن إلا ما ترى. وحمل على الميسرة فهزمها، وقتل كثيراً منها، فلما رأى العزيز ذلك حمل من القلب، وأمر الميمنة فحملت، فانهزم القرمطي والفتكين ومن معهما، ووضع المغاربة السيف، فأكثروا القتل، وقتلوا نحو عشرين ألفاً.
ونزل العزيز في خيامه، وجاءه الناس بالأسرى، فكل من أتاه بأسير خلع عليه، وبذل لمن أتاه بالفتكين أسيراً مائة ألف دينار، وكان الفتكين قد مضى منهزماً، فكظه العطش، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي وكان بينهما أنس قديم، فطلب منه الفتكين ماء، فسقاه، وأخذه معه إلى بيته فأنزله وأكرمه، وسار إلى العزيز بالله فأعلمه بأسر الفتكين، وطلب منه المال، فأعطاه ما ضمنه، وسير معه من تسلم الفتكين منه، فلما وصل الفتكين إلى العزيز لم يشك أنه يقتله لوقته، فرأى من إكرام العزيز له والإحسان إليه ما أعجزه، وأمر له بالخيام فنصبت، وأعاد إليه جميع من كان يخدمه، فلم يفقد من حاله شيئاً، وحمل إليه من التحف والأموال ما لم ير مثله، وأخذه معه إلى مصر وجعله من أخص خدمه وحجابه.
وأما الحسن القرمطي فإنه وصل منهزماً إلى طبرية، فأدركه رسول العزيز يدعوه إلى العود إليه ليحسن إليه، ويفعل معه أكثر مما فعل مع الفتكين، فلم يرجع، فأرسل إليه العزيز عشرين ألف دينار، جعلها له كل سنة، فكان يرسلها إليه، وعاد إلى الأحساء.
ولما عاد العزيز إلى مصر أنزل الفتكين عند قصره، وزاد أمره، وتحكم، فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس، وترك الركوب إليه، فصار بينهما عداوة متأكدة، فوضع عليه من سقاه سماً فمات، فحزن عليه العزيز واتهم الوزير فحبسه نيفاً وأربعين يوماً، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ثم وقفت أمور دولة العزيز باعتزال الوزير، فخلع عليه، وأعاده إلى وزارته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار الحجاج إلى سميراء فرأوا هلال ذي الحجة بها، والعادة جارية بأن يرى الهلال بأربعة أيام، وبلغهم أنهم لا يرون الماء إلى غمرة، وهو بها أيضاً قليل، وبينهما نحو عشرة أيام، فغدوا إلى المدينة فوقفوا بها وعادوا، فكانوا أول المحرم في الكوفة.
وفيها ظهر بإفريقية كوكب عظيم من جهة المشرق، وله ذؤابة وضوء عظيم، فبقي يطلع كذلك نحواً من شهر، ثم غاب فلم ير وفيها توفي أبو القاسم عبد السلام بن أبي موسى المخرمي الصوفي نزيل مكة، وكان قد صحب أبا علي الروذباري وطبقته وغيره.
ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة
ذكر وفاة المعز لدين الله العلوي
وولاية ابنه العزيز بالله

في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيدالله العلوي الحسيني بمصر، وأمه أم ولد، وكان موته سابع عشر شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريباً.
وكان سبب موته أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولاً كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: أتذكر إذ أتيتني رسولاً، وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلن علي وأنا بمصر مالكاً لها ؟ قال: نعم ! وأنا أقول لك: لتدخلن علي ببغداد وأنا خليفة.
فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي، ولم تغضب، قلت لك ما عندي. قال له المعز: قل وأنت آمن؛ قال: بعثني إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك، فرأيت عليه نوراً عظيماً غطى بصري، ثم دخلت عليك، فرأيتك على سريرك، فظننتك خالقاً، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن، فما رأيت من ذلك شيئاً، وأشرفت على مدينتك، فكانت في عيني سوداء مظلمة، ثم دخلت عليك، فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمراً مقبلاً وإنه الآن بضد ما كان عليه.
فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات.
وكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها: مقامه بمصر سنتان وتسعة أشهر، والباقي بإفريقية، وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر، وخرج إليها، وكان مغرىً بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين. قال له منجمه: إن عليه قطعاً في وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره وأحضر قواده، فقال لهم: إن بيني وبين الله عهداً أنا ماضٍ إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارا، يعني العزيز، فاسمعوا له وأطيعوا.
ونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحاباً نزل وأومأ بالسلام إليه، ظناً منه أن العز فيه. فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مديدة، ومرض وتوفي، فستر ابنه العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزى بأبيه.
وكان المعز عالماً، فاضلاً، جواداً، شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه، إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به.
ولما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر، فاجتمعوا عليه، وكان هو يدبر الأمور منذ مات أبوه إلى أن أظهره، ثم سير إلى الغرب دنانير عليها اسمه، فرقت في الناس، وأقر يوسف بلكين على ولاية إفريقية، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهي طرابلس، وسرت، وأجدابية، فاستعمل عليها يوسف عماله، وعظم أمره حينئذ، وأمن ناحية العزيز، واستبد بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة، ومراقبة لا طائل وراءها.
ذكر حرب يوسف بلكين مع زناتة
وغيرها بإفريقية
في هذه السنة جمع خزرون بن فلفول بن خزر الزناتي جمعاً كبيراً، وسار إلى سجلماسة، فلقيه صاحبها في رمضان فقتله خزرون، وملك سجلماسة، وأخذ منها، من الأموال والعدد، شيئاً كثيراً، وبعث برأس صاحبها إلى الأندلس، وعظم شأنه زناتة، واشتد ملكهم.
وكان بلكين عند سبتة، وكان قد رحل إلى فاس وسجلماسة وأرض الهبط، وملكه كله، وطرد عنه عمال بني أمية وهربت زناتة منه، فلجأ كثير منهم إلى سبتة، وهي للأموي صاحب الأنلدس، وكان في طريقه شعاري مشتبكة، ولا تسلك، فأمر بقطعها وإحراقها، فقطعت وأحرقت حتى صارت للعسكر طريقاً.
ثم مضى بنفسه حتى أشرف على سبتة من جبل مطل عليها، فوقف نصف نهار لينظر من أي جهة يحاصرها ويقاتلها، فرأى أنها لا تؤخذ إلا بأسطول، فخافه أهلها خوفاً عظيماً، ثم رجع عنها نحو البصرة، وهي مدينة حسنة تسمى بصرة في المغرب، فلما سمعت به زناتة رحلوا إلى أقاصي الغرب في الرمال والصحاري هاربين منه، فدخل يوسف البصرة، وكان قد عمرها صاحب الأندلس عمارة عظيمة، فأمر بهدمها ونهبها، ورحل إلى بلد برغواطة.

وكان ملكهم عبس بن أم الأنصار، وكان مشعبذاً، ساحراً، وادعى النبوة، فأطاعوه في كل ما أمرهم به، وجعل لهم شريعة، فغزاه بلكين، وكانت بينهم حروب عظيمة لا توصف، كان الظفر في آخرها لبلكين، وقتل الله عبس بن أم الأنصار، وهزم عساكره، وقتلوا قتلاً ذريعاً، وسبى من نسائهم وأبنائهم ما لا يحصى، وسيره إلى إفريقية، فقال أهل إفريقية: إنه لم يدخل إليهم من السبي مثله قط؛ وأقام يوسف بلكين بتلك الناحية قاهراً لأهلها، وأهل سبتة منه خائفون، وزناتة هاربون في الرمال إلى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
ذكر حصر كسنتة وغيرهافي هذه السنة سار أمي صقلية، وهو أبو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين، في عساكر المسلمين، ومعه جماعة من الصالحين والعلماء، فنازل مدينة مسيني في رمضان، فهرب العدو عنها، وعدا المسلمون إلى كسنتة فحصروها أياماً، فسأل أهلها الأمان، فأجابهم إليه، وأخذ منهم مالاً، ورحل عنها إلى قلعة جلوا، ففعل كذلك بها وبغيرها، وأمر أخاه القاسم أن يذهب بالأسطول إلى ناحية بربولة ويبث السرايا في جميع قلورية، ففعل ذلك فغنم غنائم كثيرة، وقتل وسبى، وعاد هو وأخوه إلى المدينة.
فلما كان سنة ست وستين وثلاثمائة أمر أبو القاسم بعمارة رمطة، وكانت قد خربت قبل ذلك، وعاود الغزو وجمع الجيوش، وسار فنازل قلعة إغاثة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم، وسلموا إليه القلعة بجميع ما فيها، ورحل إلى مدينة طارنت، فرأى أهلها قد هربوا منها وأغلقوا أبوابها، فصعد الناس السور، وفتحوا الأبواب، ودخلها الناس، فأمر الأمير بهدمها فهدمت وأحرقت، وأرسل السرايا فبلغوا أذرنت وغيرها، ونزل هو على مدينة عردلية، فقاتلها، فبذل أهلها له مالاً صالحهم عليه وعاد إلى المدينة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خطب للعزيز العلوي بمكة، حرسها الله تعالى، بعد أن أرسل جيشاً إليها، فحصروها، وضيقوا على أهلها، ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقي أهلها شدة شديدة.
وفيها أقام بسلس بن أرمانوس ملك الروم ورداً، المعروف بسقلاروس، دمستقاً، فلما استقر في الولاية استوحش من الملك، فعصى عليه، واستظهر بأبي تغلب بن حمدان، وصاهره، ولبس التاج وطلب الملك.
وفيها توفي أبو أحمد بن عدي الجرجاني في جمادى الآخرة، وهو إمام مشهور؛ ومحمد بن بدر الكبير الحمامي، غلام ابن طولون، وكان قد ولي فارس بعد أبيه.
وفيها، في ذي القعدة، توفي ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي، صاحب التاريخ.
ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة
ذكر وفاة ركن الدولة
وملك عضد الدولة
في هذه السنة، في المحرم، توفي ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه، واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة، وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ابن أخيه معز الدولة، وكان ابنه عضد الدولة قد عاد من بغداد، بعد أن أطلق بختيار على الوجه الذي ذكرناه.
وظهر عند الخاص والعام غضب والده عليه، فخاف أن يموت أبوه وهو على حال غضبه فيختل ملكه، وتزول طاعته، فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد، وزير والده، يطلب منه أن يتوصل مع أبيه وإحضاره عنده، وأن يعهد إليه بالملك بعده. فسعى أبو الفتح في ذلك، فأجابه إليه ركن الدولة، وكان قد وجد نفسه خفة، فسار من الري إلى أصبهان، فوصلها في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة، وأحضر ولده عضد الدولة من فارس، وجمع عنده أيضاً سائر أولاده بأصبهان، فعمل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها ركن الدولة وأولاده، والقواد والأجناد.
فلما فرغوا من الطعام عهد ركن الدولة إلى ولده عضد الدولة بالملك بعده، وجعل لولده فخر الدولة أبي الحسن علي همذان وأعمال الجبل، ولولده مؤيد الدولة أصبهان وأعمالها، وجعلهما في هذه البلاد بحكم أخيهما عضد الدولة.
وخلع عضد الدولة على سائر الناس، ذلك اليوم، الأقبية والأكسية على زي الديلم، وحياه القواد وإخوته بالريحان على عادتهم مع ملوكهم، وأوصى ركن الدولة أولاده بالاتفاق وترك الاختلاف، وخلع عليهم.
ثم سار عن أصبهان في رجب نحو الري، فدام مرضه إلى أن توفي، فأصيب به الدين والدنيا جميعاً لاستكمال جميع خلال الخير فيه، وكان عمره قد زاد على سبعين سنة، وكانت إمارته أربعاً وأربعين سنة.
ذكر بعض سيرته

كان حليماً، كريماً وصلى الله عليه وسلم اسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه وجنده، رؤوفاً بهم، عادلاً في الحكم بينهم، وكان بعيد الهمة، عظيم الجد والسعادة، متحرجاً من الظلم، مانعاً لأصحابه منه، عفيفاً عن الدماء، يرى حقنها واجباً إلا فيما لا بد منه؛ وكان يحامي على أهل البيوتات، وكان يجري عليهم الأرزاق، ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة، في أشهر الصيام، للصلاة، وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام.
قال له بعض أصحابه في ذلك، وذكر له شدة مرداويج على أصحابه، فقال: أنظر كيف احترم، ووثب عليه أخص أصحابه به، وأقربهم منه لعنفه وشدته، وكيف عمرت، وأحبني الناس للين جانبي.
وحكي عنه أنه سار في سفر، فنزل في خركاة قد ضربت له قبل أصحابه، وقدم إليه طعام، فقال لبعض أصحابه: لأي شيء قيل في المثل: خير الأشياء في القرية الإمارة ؟ فقال صاحبه: لقعودك في الخركاة، وهذا الطعام بين يديك، وأنا لا خركاة ولا طعام؛ فضحك وأعطاه الخركاة والطعام، فانظر إلى هذا الخلق ما أحسنه وما أجمله.
وفي فعله في حادثة بختيار ما يدل على كمال مروءته، وحسن عهده، وصلته لرحمه، رضي الله عنه وأرضاه، وكان له حسن عهد ومودة وإقبال.
ذكر مسير عضد الدولة إلى العراقفي هذه السنة تجهز عضد الدولة وسار يطلب العراق لما كان يبلغه عن بختيار وابن بقية من استمالة أصحاب الأطراف كحسنويه الكردي، وفخر الدولة بن ركن الدولة، وأبي تغلب بن حمدان، وعمران بن شاهين، وغيرهم، والاتفاق على معاداته، ولما كانا يقولانه من الشتم القبيح له، ولما رأى من حسن العراق وعظم مملكته إلى غير ذلك.
وانحدر بختيار إلى واسط على عزم محاربة عضد الدولة، وكان حسنويه وعده أنه يحضر بنفسه لنصرته، وكذلك أبو تغلب بن حمدان، فلم يف له واحد مهما.
ثم سار بختيار إلى الأهواز، أشار بذلك ابن بقية، وسار عضد الدولة من فارس نحوهم، فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا، فخامر على بختيار بعض عسكره، وانتقلوا إلى عضد الدولة، فانهزم بختيار، وأخذ ماله ومال ابن بقية، ونهبت الأثقال وغيرها؛ ولما وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة مالاً، وسلاحاً، وغير ذلك من الهدايا النفيسة، ودخل بختيار إليه، فأكرمه، وحمل إليه مالاً جليلاً، وأعلاقاً نفيسة، وعجب الناس من قول عمران: إن بختيار سيدخل منزلي وسيستجير بي؛ فكان كما ذكر. ثم أصعد بختيار إلى واسط.
وأما عضد الدولة فإنه سير إلى البصرة جيشاً فملكوها. وسبب ذلك أن أهلها اختلفوا، وكانت مضر تهوى عضد الدولة، وتميل إليه لأسباب قررها معهم، وخالفتهم ربيعة، ومالت إلى بختيار، فلما انهزم ضعفوا، وقويت مضر، وكاتبوا عضد الدولة، وطلبوا منه إنفاذ جيش إليهم، فسير جيشاً تسلم البلد وأقام عندهم.
وأقام بختيار بواسط، وأحضر ما كان له ببغداد والبصرة من مال وغيره ففرقه في أصحابه، ثم إنه قبض على ابن بقية لأنه اطرحه واستبد بالأمور دونه، وجبى الأموال إلى نفسه، ولم يوصل إلى بختيار منها شيئاً، وأراد أيضاً التقرب إلى عضد الدولة بقبضه لأنه هو الذي كان يفسد الأحوال بينهم.
ولما قبض عليه أخذ أمواله ففرقها، وراسل عضد الدولة في الصلح، وترددت الرسل بذلك، وكان أصحاب بختيار يختلفون عليه، فبعضهم يشير به، وبعضهم ينهى عنه، ثم إنه أتاه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه في نحو ألف فارس معونةً له، فلما وصلا إليه أظهر المقام بواسط ومحاربة عضد الدولة. فاتصل بعضد الدولة أنه نقض الشرط، ثم بدا لبختيار في المسير، فسار إلى بغداد، فعاد عنه ابنا حسنويه إلى أبيهما، وأقام بختيار ببغداد، وانقضت السنة وهو بها، وسار عضد الدولة إلى واسط، ثم سار منها إلى البصرة، فأصلح بين ربيعة ومضر، وكانوا في الحروب والاختلاف نحو مائة وعشرين سنة.

ومن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثة أنه كان له غلام تركي يميل إليه، فأخذ في جملة الأسرى، وانقطع خبره عن بختيار، فحزن لذلك، وامتنع من لذاته والاهتمام بما رفع إليه من زوال ملكه وذهاب نفسه، حتى قال على رؤوس الأشهاد: إن فجيعتي بهذا الغلام أعظم من فيجعتي بذهاب ملكي، ثم سمع أنه في جملة الأسرى، فأرسل إلى عضد الدولة يبذل له ما أحب في رده إليه، فأعاده عليه، وسارت هذه الحادثة عنه، فازداد فضيحة وهواناً عند الملوك وغيرهم.
ذكر وفاة منصور بن نوح وملك ابنه نوحفي هذه السنة مات الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان، وما وراء النهر، منتصف شوال، وكان موته ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم نوح، وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة، ولقب بالمنصور.
ذكر وفاة القاضي منذر البلوطيفي هذه السنة، في ذي القعدة، مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي، أبو الحاكم قاضي قضاة الأندلس، وكان إماماً فقيهاً، خطيباً، شاعراً، فصيحاً، ذا دين متين، دخل يوماً على عبد الرحمن الناصر، صاحب الأندلس، بعد أن فرغ من بناء الزهراء وقصورها، وقد قعد في قبة مزخرفة بالذهب، والبناء البديع الذي لم يسبق إليه، ومعه جماعة من الأعيان، فقال عبد الرحمن الناصر: هل بلغكم أن أحداً بنى مثل هذا البناء ؟ فقال له الجماعة: لم نر، ولم نسمع بمثله؛ وأثنوا، وبالغوا، والقاضي مطرق، فاستنطقه عبد الرحمن، فبكى القاضي، وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن أن الشيطان، أخزاه الله تعالى، يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله، وفضلك به، حتى أنزلك منازل الكافرين.
فقال له عبد الرحمن: انظر ما تقول، وكيف أنزلني منزل الكافرين ؟ فقال: قال الله تعالى: (وَلَوْلاَ أنْ يَكُونَ النّاس أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَن لِبُيُوتِهمْ سُقُفاً مِنْ فِضّةٍ، وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُون، وَلِبُيُوتِهمْ أبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفاً)، إلى قوله: (وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الزخرف: 33 - 35.
فوجم عبد الرحمن وبكى، وقال: جزاك الله خيراً، وأكثر في المسلمين مثلك وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جداً، ومنها: أنه قحط الناس وأرادوا الخروج للاستسقاء، فأرسل إليه عبد الرحمن يأمره بالخروج، فقال القاضي للرسول: يا ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير يومنا هذا ؟ فقال: ما رأيته قط أخشع منه الآن، قد لبس خشن الثياب، وافترش التراب، وجعله على رأسه ولحيته، وبكى، واعترف بذنوبه، ويقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب هذا الخلق لأجلي ؟ فقال القاضي: يا غلام احمل الممطر معك، فقد أذن الله بسقيانا، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء؛ فخرج واستسقى بالناس، فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بأبصارهم قال: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأصْلَحَ) الأنعام: 54 الآية، وكررها، فضج الناس بالبكاء والتوبة، وتمم خطبته فسقي الناس.
ذكر القبض على أبي الفتح بن العميدفي هذه السنة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد، وزير أبيه، وسمل عينه الواحدة وقطع أنفه.
وكان سبب ذلك أن أبا الفتح لما كان ببغداد مع عضد الدولة، على ما شرحناه، وسار عضد الدولة نحو فارس تقدم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن بغداد إلى الري، فخالفه وأقام، وأعجبه المقام ببغداد، وشرب مع بختيار، ومال في هواه، واقتنى ببغداد أملاكاً ودوراً على عزم العود إليها إذا مات ركن الدولة، ثم صار يكاتب بختيار بأشياء يكرهها عضد الدولة.
وكان له نائب يعرضها على بختيار، فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة ساعة فساعة، فلما ملك عضد الدولة، بعد موت أبيه، كتب إلى أخيه فخر الدولة بالري يأمره بالقبض عليه وعلى أهله وأصحابه، ففعل ذلك، وانقلع بيت العميد على يده كما ظنه أبوه أبو الفضل.
وكان أبو الفتح ليلة قبض قد أمسى مسروراً، فأحضر الندماء والمغنين، وأظهر من الآلات الذهبية، والزجاج المليح، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا، وعمل شعراً وغني له فيه وهو:

دعوت المنى ودعوت العلى ... فلمّا أجابا دعوت القدح
وقلت لأيّام شرخ الشباب ... إليّ فهذا أوان الفرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
فلما غني في الشعر استطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، وقام وقال لغلمانه: اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غداً؛ وقال لندمائه: بكروا إلي غداً لنصطبح، ولا تتأخروا. فانصرف الندماء، ودخل هو إلى بيت منامه، فلما كان السحر دعاه مؤيد الدولة فقبض عليه، وأرسل إلى داره فأخذ جميع ما فيها ومن جملته ذلك المجلس بما فيه.
ذكر وفاة الحاكم وولاية ابنه هشاموفي هذه السنة توفي الحاكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبد الرحمن المستنصر بالله الأموي، صاحب الأندلس، وكانت إمارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وعمره ثلاثاً وستين سنة وسبعة أشهر، وكان أصهب أعين، أقنى، عظيم الصوت، ضخم الجسم، أفقم، وكان محباً لأهل العلم، عالماً، فقيهاً في المذاهب، عالماً بالأنساب والتواريخ، جماعاً للكتب والعلماء، مكرماً لهم، محسناً إليهم، أحضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم.
ولما توفي ولي بعده انه هشام بعهد أبيه، وله عشر سنين، ولقب المؤيد بالله، واختلفت البلاد في أيامه، وأخذ وحبس، ثم عاد إلى الإمارة.
وسببه أنه لما ولي المؤيد تحجب له المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري، وابناه المظفر والناصر، فلما حجب له أبو عامر حجبه عن الناس، فلم يكن أحد يراه، ولا يصل إليه، وقام بأمر دولته القيام المرضي، وعدل في الرعية، وأقبلت الدنيا إليه، واشتغل بالغزو، وفتح من بلاد الأعداء كثيراً، وامتلأت بلاد الأندلس بالغنائم والرقيق، وجعل أكثر جنده منهم كواضح الفتى وغيره من المشهورين، وكانوا يعرفون بالعامريين.
وأدام الله له الحال ستاً وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزاة ما بين صائفة وشاتية، وتوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان حازماً، قوي العزم، كثير العدل والإحسان، حسن السياسة.
فمن محاسن أعماله: أنه دخل بلاد الفرنج غازياً، فجاز الدرب إليها، وهو مضيق بين جبلين، وأوغل في بلاد الفرنج يسبي، ويخرب، ويغنم، فلما أراد الخروج رآهم قد سدوا الدرب، وهم عليه يحفظونه من المسلمين، فأظهر أنه يريد المقام في بلادهم، وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلات، وأحضروا الحطب، والتبن، والميرة، وما يحتاجون إليه، فلما رأوا عزمه على المقام مالوا إلى السلم، فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده، فقال: أنا عازم على المقام؛ فتركوا له الغنائم، فلم يجبهم إلى الصلح، فبذلوا له مالاً، ودواب تحمل له ما غنمه من بلادهم، فأجابهم إلى الصلح، وفتحوا له الدرب، فجاز إلى بلاده.
وكان أصله من الجزيرة الخضراء، وورد شاباً إلى قرطبة، طالباً للعلم والأدب وسماع الحديث، فبرع فيها وتميز، ثم تعلق بخدمة صبح والدة المؤيد، وعظم محله عندها، فلما مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيراً، فخيف على الملك أن يختل، فضمن لصبح سكون البلاد، وزوال الخوف، وكان قوي النفس، وساعدته المقادير، وأمدته الأمراء بالأموال، فاستمال العساكر، وجرت الأمور على أحسن نظام.
وكانت أمه تميمية، وأبوه معافرياً، بطن من حمير، فلما توفي ولي بعده ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر، فسار كسيرة أبيه، وتوفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فكانت ولايته سبع سنين.
وكان سبب موته أن أخاه عبد الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم أحد جانبيها، فناول أخاه ما يلي الجانب المسموم، وأخذ هو ما يلي الجانب الصحيح، فأكله بحضرته، فاطمأنه المظفر، وأكل ما بيده منها فمات.
فلما توفي ولي بعده أخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر، فسلك غير طريق أبيه وأخيه، وأخذ في المجون، وشرب الخمور، وغير ذلك، ثم دس إلى المؤيد من خوفه منه إن لم يجعله ولي عهده، ففعل ذلك، فحقد الناس وبنو أمية عليه ذلك، وأبغضوه، وتحركوا في أمره إلى أن قتل.

وغزا شاتية، وأوغل في بلاد الجلالقة، فلم يقدم ملكها على لقائه، وتحصن منه في رؤوس الجبال، ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار، وكثرة الثلوج، فأثخن في البلاد التي وطئها، وخرج موفوراً، فبلغه في طريقه ظهور محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله بقرطبة، واستيلاؤه عليها، وأخذه المؤيد أسيراً، فتفرق عنه عسكره، ولم يبق معه إلا خاصته، فسار إلى قرطبة ليتلافى ذلك الخطب، فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة فطافوا به؛ وكان قتله سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ثم صلبوه.
ذكر ظهور محمد بن هشام بقرطبةوفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ظهر بقرطبة محمد بن هشان بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الأموي، ومعه اثنا عشر رجلاً، فبايعه الناس، وكان ظهوره سلخ جمادى الآخرة، وتلقب بالمهدي بالله، وملك قرطبة، وأخذ المؤيد فحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات.
وكان قد مات إنسان نصراني يشبه المؤيد، فأبرزه للناس في شعبان من هذه السنة، وذكر لهم أنه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه، ودفنوه في مقابر المسلمين، ثم إنه أظهره، على ما نذكره، وأكذب نفسه، فكانت مدة ولاية المؤيد هذه إلى أن حبس ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ونقم الناس على ابن عبد الجبار أشياء منها أنه كان يعمل النبيذ في قصره، فسموه نباذاً، ومنها فعله بالمؤيد، وأنه كان كذاباً، متلوناً، مبغضاً للبربر، فانقلب الناس عليه.
ذكر خروج هشام بن سليمان عليهلما استوحش أهل الأندلس من ابن عبد الجبار، وأبغضوه، قصدوا هشام ابن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، فأخرجوه من داره وبايعوه، فتلقب بالرشيد، وذلك لأربع بقين من شوال سنة تسع وتسعين، واجتمعوا بظاهرة قرطبة، وحصروا ابن عبد الجبار، وترددت الرسل بينهم ليخلع ابن عبد الجبار من الملك على أن يؤمنه وأهله وجميع أصحابه.
ثم إن ابن عبد الجبار جمع أصحابه وخرج إليهم فقاتلهم، فانهزم هشام وأصحابه، وأخذ هشام أسيراً، فقتله ابن عبد الجبار، وقتل معه عدة من قواده، واستقر أمر ابن عبد الجبار، وكان عم هشام.
ذكر خروج سليمان عليه أيضاً
ولما قتل ابن عبد الجبار هشام بن سليمان بن الناصر وانهزم أصحابه انهزم معهم سليمان بن الحاكم بن سليمان بن الناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول، فبايعه أصحاب عمه، وأكثرهم البربر، بعد الوقعة بيومين، ولقبوه المستعين بالله، ثم لقب بالظاهر بالله، وساروا إلى النصارى فصالحوهم واستنجدوهم وأنجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة، فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج، وهي الوقعة المشهورة غزوا فيها، وقتل ما لا يحصى، فانهزم ابن عبد الجبار، وتحصن بقصر قرطبة، ودخل سليمان البلد، وحصره في القصر.
فلما رأى ابن عبد الجبار ما نزل به أظهر المؤيد ظناً منه أنه يخلع هو وسليمان ويرجع الأمر إلى المؤيد، فلم يوافقه أحد ظناً منهم أن المؤيد قد مات. فلما أعياه الأمر احتار في الهرب، فهرب سراً واختفى، ودخل سليمان القصر، وبايعه الناس بالخلافة في شوال سنة أربعمائة، وبقي بقرطبة أياماً؛ وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة وثلاثين ألفاً، وأغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا وأسروا عدداً عظيماً.
ذكر عود ابن عبد الجبار وقتله وعود المؤيدلما اختفى ابن عبد الجبار سار سراً إلى طليطلة، وأتاه واضح الفتى العامري في أصحابه، وجمع له النصارى وسار بهم إلى قرطبة، فخرج إليهم سليمان فالتقوا بقرب عقبة البقر، واقتتلوا أشد قتال، فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة أربعمائة، ومضى سليمان إلى شاطبة، ودخل ابن عبد الجبار قرطبة وجدد البيعة لنفسهن وجعل الحجابة لواضح وتصرف بالاختيار.

ثم إن جماعة من الفتيان العامريين، منهم عنبر، وخيرون، وغيرهما، كانوا مع سليمان، فأرسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم، وأن يجعلهم في جملة رجاله، فأجابهم إلى ذلك، وإنما فعلوا ذلك مكيدة به ليقتلوه، فلما دخلوا قرطبة استمالوا واضحاً فأجابهم إلى قتله، فلما كان تاسع ذي الحجة سنة أربعمائة اجتمعوا في القصر فملكوه، وأخذوا ابن عبد الجبار أسيراً، وأخرجوا المؤيد بالله فأجلسوه مجلس الخلافة وبايعوه، وأحضروا ابن عبد الجبار بين يديه، فعدد ذنوبه عليه، ثم قتل، وطيف برأسه في قرطبة، وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وأمه أم ولد.
وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث متأخرة، وإنما قدمناها لتعلق بعضها ببعض، ولأن كل واحد منهم ليس له من طول المدة ما تؤخر أخباره وتفرق.
ذكر عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى ملك حلبفي هذه السنة عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان ملك حلب.
وكان سببه أن قرعويه لما تغلب عليها أخرج منها مولاه أبا المعالي، كما ذكرناه سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فسار أبو المعالي إلى والدته بميافارقين، ثم أتى حماة، وهي له، فنزل بها، وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها، وقد ذكر أيضاً، فنزل إليه يا رقتاش مولى أبيه، وهو بحصن برزويه، وخدمه، وعمر له مدينة حمص، فكثر أهلها.
وكان قرعويه قد استناب بحلب مولىً له اسمه بكجور، فقوي بكجور، واستفحل أمره، وقبض على مولاه قرعويه، وحبسه في قلعة حلب، وأقام بها نحو ست سنين، فكتب من بحلب من أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي بن سيف الدولة ليقصد حلب ويملكها، فسار إليها، وحصرها أربعة أشهر، وملكها.
وبقيت القلعة بيد بكجور، فترددت الرسل بينهما، فأجاب إلى التسليم على أن يؤمنه في نفسه وأهله وماله، ويوليه حمص، وطلب بكجور أن يحضر هذا الأمان والعهد وجوه بني كلاب، ففعل أبو المعالي ذلك، وأحضرهم الأمان والعهد، وسلم قلعة حلب إلى أبي المعالي، وسار بكجور إلى حمص فوليها لأبي المعالي، وصرف همته إلى عمارتها، وحفظ الطرق، فازدادت عمارتها، وكثر الخير بها، ثم انتقل منها إلى ولاية دمشق، على ما نذكره سنة ست وسبعين وثلاثمائة.
ذكر ابتداء دولة آل سبكتكينفي هذه السنة ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها، وكان ابتداء أمره أنه كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين، صاحب جيش غزنة للسامانية، وكان مقدماً عنده، وعليه مدار أمره، وقدم إلى بخارى، أيام الأمير منصور بن نوح، مع أبي إسحاق، فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل، والعفة، وجودة الرأي والصرامة، وعاد معه إلى غزنة، فلم يلبث أبو إسحاق أن توفي، ولم يخلف من أهله وأقاربه من يصلح للتقدم، فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم، ويجمع كلمتهم، فاختلفوا ثم اتفقوا على سبكتكين، لما عرفوه من عقله، ودينه، ومروءته، وكمال خلال الخير فيه، فقدموه عليهم، وولوه أمرهم، وحلفوا له، وأطاعوه، فوليهم، وأحسن السيرة فيهم، وساس أمورهم سياسةً حسنةً، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال، وكان يذخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاماً لهم في كل أسبوع مرتين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:55 am

ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهداً، وجرى بينه وبين الهنود حروب يشيب لها الوليد، وكشف بلادهم، وشن الغارات عليها، وطمع فيها، وخافه الهنود، ففتح من بلادهم حصوناً ومعاقل، وقتل منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء.
واتفق له في بعض غزواته أن الهنود اجتمعوا في خلق كثير، وطاولوه الأيام، وماطلوه القتال، فعدم الزاد عند المسلمين، وعجزوا عن الامتيار، فشكوا إليه ما هم فيه، فقال لهم: إني استصحبت لنفسي شيئاً من السويق استظهاراً، وأنا أقسمه بينكم قسمة عادلة على السواء إلى أن يمن الله بالفرج؛ فكان يعطي كل إنسان منهم ملء قدح معه، ويأخذ لنفسه مثل أحدهم، فيجتزئ به يوماً وليلة، وهم مع ذلك يقاتلون الكفار، فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم، فقتلوا منهم وأسروا خلقاً كثيراً.
ذكر ولاية سبكتكين على قصدار وبستثم إن سبكتكين عظم شأنه، وارتفع قدره، وحسن بين الناس وذكره، وتعلقت الأطماع بالاستعانة به، فأتاه بعض الأمراء الكبار، وهو صاحب بست واسمه طغان، مستعيناً به مستنصراً.

وسبب ذلك أنه خرج عليه أمير يعرف ببابي تور، فملك مدينة بست عليه، وأجلاه عنها بعد حرب شديدة، فقصد سبكتكين مستنصراً به، وضمن له مالاً مقرراً، وطاعة يبذلها له، فتجهز وسار معه حتى نزل على بست، وخرج إليه بابي تور، فقاتله قتالاً شديداً، ثم انهزم بابي تور وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد.
فلما استقر فيه طالبه بكتكين بما استقر عليه من المال، فأخذ في المطل، فأغلظ له في القول لكثرة مطله، فحمل طغان جهله على أن سل السيف فضرب يد سبكتكين فجرحها، فأخذ سبكتكين السيف وضربه أيضاً فجرحه، وحجز العسكر بينهما، وقامت الحرب على ساق، فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست.
ثم إنه سار إلى قصدار، وكان متوليها قد عصى عليه لصعوبة مسالكها، وحصانتها، وظن أن ذلك يمنعه، فسار إليه جريدة مجداً، فلم يشعر إلا والخيل معه، فأخذ من داره، ثم إنه من عليه ورده إلى ولايته، وقرر عليه مالاً يحمله إليه كل سنة.
ذكر مسير الهند إلى بلاد الإسلام
وما كان منهم مع سبكتكين
لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند، فافتتح قلاعاً حصينة على شواهق الجبال، وعاد سالماً ظافراً.
ولما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه، وأن بلاده تملك من أطرافها، أخذه ما قدم وحدث، فحشد وجمع واستكثر من الفيول، وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين، وقد باض الشيطان في رأسه وفرخ، فسار سبكتكين عن غزنة إليه ومعه عساكره وخلق كثير من المتطوعة، فالتقوا واقتتلوا أياماً كثيرة، وصبر الفريقان.
وكان بالقرب منهم عقبة غورك، وفيها عين ماء لا تقبل نجساً ولا قذراً، وإذا لقي فيه شيء من ذلك اكفهرت السماء، وهبت الرياح، وكثر الرعد والبرق والأمطار، ولا تزال كذلك إلى أن تطهر من الذي ألقي فيها، فأمر سبكتكين بإلقاء نجاسة في تلك العين، فجاء الغيم والرعد والبرق، وقامت القيامة على الهنود لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وتوالت عليهم الصواعق والأمطار، واشتد البرد، حتى هلكوا، وعميت عليهم المذاهب، واستسلموا لشدة ما عاينوه.
وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح، وترددت الرسل، فأجابهم إليه بعد امتناع من ولده محمود، على مال يؤديه، وبلاد يسلمها، وخمسين فيلاً يحملها إليه، فاستقر ذلك، ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد، وسير معه سبكتكين من يتسلمها، فإن المال والفيلة كانت معجلة، فلما أبعد جيبال ملك الهند قبض على من معه من المسلمين وجعلهم عنده عوضاً عن رهائنه.
فلما سمع سبكتكين بذلك جمع العساكر وسار نحو الهند، فأخرب كل ما مر عليه من بلادهم، وقصد لمغان، وهي من أحصن قلاعهم، فافتتحها عنوةً وهدم بيوت الأصنام وأقام فيها شعار الإسلام، وسار عنها يفتح البلاد، ويقتل أهلها، فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة.
فلما بلغ الخبر إلى جيبال سقط في يده، وجمع العساكر وسار في مائة ألف مقاتل، فلقيه سبكتكين، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع الهنود، ففعلوا ذلك، فضجر الهنود من دوام القتال معهم، وحملوا حملة واحدة، فعند ذلك اشتد الأمر وعظم الخطب، وحمل أيضاً المسلمون جميعهم، واختلط بعضهم ببعض، فانهزم الهنود، وأخذهم السيف من كل جانب، وأسر منهم ما لا يعد، وغنم أموالهم وأثقالهم ودوابهم الكثيرة.
وذل الهنود بعد هذه الوقعة، ولم يكن لهم بعدها راية، ورضوا بأن لا يطلبوا في أقاصي بلادهم، ولما قوي سبكتكين، بعد هذه الوقعة، أطاعه الأفغانية والخلج وصاروا في طاعته.
ذكر ملك قابوس بن وشمكير جرجانفي هذه السنة توفي ظهير الدولة بيستون بن وشمكير بجرجان؛ وكان قابوس أخوه زائراً خاله رستم بجبل شهريار؛ وخلف بيستون ابناً صغيراً بطبرستان مع جده لأمه، فطمع جده أن يأخذ الملك، فبادر إلى جرجان، فرأى بها جماعة من القواد قد مالوا إلى قابوس، فقبض عليهم، وبلغ الخبر إلى قابوس فسار إلى جرجان، فلما قاربها خرج الجيش إليه، وأجمعوا عليه، وملكوه، وهرب من كان مع ابن بيستون، فأخذه عمه قابوس وكفله، وجعله أسوة أولاده، واستولى على جرجان وطبرستان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في جمادى الأولى، نقلت ابنة عز الدولة بختيار إلى الطائع لله، وكان تزوجها.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبدالله بن زكرياء بن حيويه في رجب.

في صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ المعروف بالخلال، صاحب المراثي الكثيرة في أهل البيت.
وفيها توفي أبو يعقوب بن الحسن الجنابي صاحب هجر، وكان مولده سنة ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر شركة، وسموا السادة، وكانوا متفقين.
ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة
ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق
في هذه السنة سار عضد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أي جهة أراد، وضمن مساعدته بما يحتاج إليه من مال وسلاح وغير ذلك.
فاختلف أصحاب بختيار عليه في الإجابة إلى ذلك، إلا أنه أجاب إليه لضعف نفسه، فأنفذ له عضد الدولة خلعة، فلبسها، وأرسل إليه يطلب منه ابن بقية، فقلع عينيه وأنفذه إليه.
وتجهز بختيار بما أنفذه إليه عضد الدولة، وخرج عن بغداد عازماً على قصد الشام، وسار عضد الدولة فدخل بغداد، وخطب له بها، ولم يكن قبل ذلك يخطب لأحد ببغداد، وضرب على بابه ثلاث نوب، ولم تجر بذلك عادة من تقدمه، وأمر بأن يلقى ابن بقية بين قوائم الفيلة لتقتله، ففعل به ذلك، وخبطته الفيلة حتى قتلته، وصلب على رأس الجسر في شوال من هذه السنة، فرثاه أبو الحسين الأنباري بأبيات حسنة في معناها وهي:
علوٌّ في الحياة وفي الممات ... لحقٌّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات
كأنّك قائمٌ فيهم خطيباً، ... وكلّهم قيامٌ للصّلاة
مددت يديك نحوهم اقتفاءً، ... كمدّهما إليهم في الهبات
ولّما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك، واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحرّاسٍ وحفّاظٍ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيّام الحياة
ولم أر قبل جذعك قطّ جذعاً ... تمكّن من عناق المكرمات
ركبت مطّيةً من قبل زيدٌ ... علاها في السّنين الذّاهبات
وهي كثيرة؛ قوله زيد علاها يعني زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، لما قتل وصلب أيام هشام بن عبد الملك، وقد ذكر؛ وبقي ابن بقية مصلوباً إلى أيام صمصام الدولة فأنزل من جذعه ودفن.
ذكر قتل بختيارلما سار بختيار عن بغداد عزم على قصد الشام ومعه حمدان بن ناصر الدولة ابن حمدان، فلما صار بختيار بعكبرا حسن له حمدان قصد الموصل، وكثرة أموالها، وأطمعه فيها، وقال إنها خير من الشام وأسهل.
فسار بختيار نحو الموصل، وكان عضد الدولة قد حلفه أنه لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان لمودة ومكاتبة كانت بينهما، فنكث وقصدها، فلما صار إلى تكريت أتته رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ويسلمه إيه، وإذا فعل سار بنفسه وعساكره إليه، وقاتل معه عضد الدولة، وأعاده إلى ملكه بغداد، فقبض بختيار على حمدان وسلمه إلى نواب أبي تغلب، فحبسه في قلعة له، وسار بختيار إلى الحديثة، واجتمع مع أبي تغلب، وسارا جميعاً نحو العراق، وكان مع أبي تغلب نحو من عشرين ألف مقاتل.
وبلغ ذلك عضد الدولة، فسار عن بغداد نحوهما، فالقوا بقصر الجص بنواحي تكريت ثامن عشر شوال، فهزمهما، وأسر بختيار، وأحضر عند عضد الدولة، فلم يأذن بإدخاله إليه، وأمر بقتله فقتل، وذلك بمشورة أبي الوفاء طاهر بن إبراهيم، وقتل من أصحابه خلق كثير، واستقر ملك عضد الدولة بعد ذلك، وكان عمر بختيار ستاً وثلاثين سنة، وملك إحدى عشرة سنة وشهوراً.
ذكر استيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدانلما انهزم أبو تغلب وبختيار سار عضد الدولة نحو الموصل، فملكها ثاني عشر ذي القعدة، وما يتصل بها، وظن أبو تغلب أنه يفعل كما كان غيره يفعل، يقيم يسيراً، ثم يضطر إلى المصالحة، ويعود.
وكان عضد الدولة أحزم من ذلك، فإنه لما قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات، ومن يعرف ولاية الموصل وأعمالها، وأقام بالموصل مطمئناً، وبث السرايا في طلب أبي تغلب، فأرسل أبو تغلب يطلب أن يضمن البلاد، فلم يجبه عضد الدولة إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحب إلي من العراق.

وكان مع أبي تغلب المرزبان بن بختيار، وأبو إسحاق، وأبو طاهر ابنا معز الدولة، ووالدتهما، وهي أم بختيار، وأسبابهم، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، فسير عضد الدولة سرية عليها حاجبه أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، وسير في طلب أبي تغلب سرية، واستعمل عليها أبا الوفاء طاهر ابن محمد، على طريق سنجار، فسار أبو تغلب مجداً، فبلغ ميافارقين، وأقام بها ومعه أهله، فلما بلغه مسير أبي الوفاء إليه سار نحو بدليس ومعه النساء وغيرهم من أهله، ووصل أبو الوفاء إلى ميافارقين، فأغلقت دونه، وهي حصينة منيعة من حصون الروم القديمة، وتركها وطلب أبا تغلب.
وكان أبو تغلب قد عدل من أرزن الروم إلى الحسنية من أعمال الجزيرة وصعد إلى قلعة كواشى وغيرها من قلاعه، وأخذ ما له فيها من الأموال، وعاد أبو الوفاء إلى ميافارقين وحصرها.
ولما اتصل بعضد الدولة مجيء أبي تغلب إلى قلاعه سار إليه بنفسه، فلم يدركه، ولكنه استأمن إليه أكثر أصحابه، وعاد إلى الموصل، وسير في أثر أبي تغلب عسكراً مع قائد من أصحابه يقال له طغان، فتعسف أبو تغلب إلى بدليس، وظن أنه لا يتبعه أحدٌ، فتبعه طغان، فهرب من بدليس وقصد بلاد الروم ليتصل بملكهم المعروف بورد الرومي، وليس من بيت الملك، وإنما تملك عليهم قهراً، واختلف الروم عليه، ونصبوا غيره من أولاد ملوكهم، فطالت الحرب بينهم، فصاهر ورد هذا أبا تغلب ليتقوى به، فقدر أن أبا تغلب احتاج إلى الأعتضاد به.
ولما سار أبو تغلب من بدليس أدركه عسكر عضد الدولة، وهم حريصون على أخذ ما معه من المال، فإنهم كانوا قد سمعوا بكثرته، فلما وقعوا عليه نادى أميرهم: لا تتعرضوا لهذا المال، فهو لعضد الدولة؛ ففتروا عن القتال.
فلما رآهم أبو تغلب فاترين حمل عليهم فانهزموا، فقتل منهم مقتلة عظيمة ونجا منهم، فنزل بحصن زياد، ويعرف الآن بخرتبرت، وأرسل ورد المذكور فعرفه ما هو بصدده من اجتماع الروم عليه، واستمده، وقال: إذا فرغت عدت إليك. فسير إليه أبو تغلب طائفة من عسكره، فاتفق أن ورداً انهزم، فلما علم أبو تغلب بذلك يئس من نصره، وعاد إلى بلاد الإسلام، فنزل بآمد، وأقام بها شهرين إلى أن فتحت ميافارقين.
ذكر عدة حوادثفيها ظهر بإفريقية في السماء حمرة بين المشرق والشمال، مثل لهب النار، فخرج الناس يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه، وكان بالمهدية زلازل وأهوال أقامت أربعين يوماً، حتى فارق أهلها منازلهم، وأسلموا أمتعتهم.
وفيها سير العزيز بالله العلوي صاحب مصر وإفريقية أميراً على الموسم ليحج بالناس، وكانت الخطبة له بمكة، وكان الأمير على الموسم باديس بن زيري أخا يوسف بلكين، خليفته بإفريقية، فلما وصل إلى مكة أتاه اللصوص بها فقالوا له: نتقبل منك الموسم بخمسين ألف درهم، ولا تتعرض لنا؛ فقال لهم؛ أفعل ذلك، اجمعوا إلي أصحابكم حتى يكون العقد مع جميعكم، فاجتمعوا فكانوا نيفاً وثلاثين رجلاً، فقال: هل بقي منك أحد ؟ فحلفوا أنه لم يبق منهم أحد، فقطع أيديهم كلهم.
وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، وغرقت كثيراً من الجانب الشرقي ببغداد، وغرقت أيضاً مقابر بباب التبن بالجانب الغربي منها، وبلغت السفينة أجرة وافرة، وأشرف الناس على الهلاك، ثم نقص الماء فأمنوا.
وفيها توفي القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة، وله نوادر مجموعة، وعمره خمس وستون سنة.
وفيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد بالري، وولي القضاء بها وبما تحت حكم مؤيد الدولة من البلاد، وهو من أئمة المعتزلة، ويرد في تراجم تصانيفه قاضي القضاة، ويعني به قاضي قضاة أعمال الري، وبعض من لا يعلم ذلك يظنه قاضي القضاة مطلقاً وليس كذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة
ذكر فتح ميافارقين وآمد
وغيرهما من ديار بكر على يد عضد الدولة

لما عاد أبو الوفاء من طلب أبي تغلب نازل ميافارقين، وكان الوالي عليها هزارمرد، فضبط البلد، وبالغ في قتال أبي الوفاء ثلاثة أشهر، ثم مات هزارمرد، فكوتب أبو تغلب بذلك، فأمر أن يقام مقامه غلام من الحمدانية اسمه مؤنس فولي البلد، ولم يكن لأبي الوفاء فيه حيلة، فعدل عنه، وراسل رجلاً من أعيان البلد اسمه أحمد بن عبيدالله، واستماله فأجابه، وشرع في استمالة الرعية إلى أبي الوفاء، فأجابوه إلى ذلك، وعظم أمره، وأرسل إلى مؤنس يطلب منه المفاتيح، فلم يمكنه منعه لكثرة أتباعه، فأنفذها إليه، وسأله أن يطلب له الأمان، فأرسل أحمد بن عبيدالله إلى أبي الوفاء في ذلك فأمنه، وأمن سائر أهل البلد، ففتح له البلد وسلمه إليه.
وكان أبو الوفاء مدة مقامه على ميافارقين قد بث سراياه في تلك الحصون المجاورة لها، فافتتحها جميعها، فلما سمع أبو تغلب بذلك سار عن آمد نحو الرحبة، هو وأخته جميلة، وأمر بعض أهله بالاستئمان إلى أبي الوفاء، ففعلوا، ثم إن أبا الوفاء سار إلى آمد فحصرها، فلما رأى أهلها ذلك سلكوا مسلك أهل ميافارقين، فسلموا البلد بالأمان، فاستولى أبو الوفاء على سائر ديار بكر، وقصده أصحاب أبي تغلب وأهله مستأمنين إليه، فأمنهم، وأحسن إليهم، وعاد إلى الموصل.
وأما أبو تغلب فإنه لما قصد الرحبة أنفذ رسولاً إلى عضد الدولة يستعطفه، ويسأله الصفح، فأحسن جواب الرسل، وبذل له إقطاعاً يرضيه، على أن يطأ بساطه، فلم يجبه أبو تغلب إلى ذلك، وسار إلى الشام، إلى العزيز بالله صاحب مصر.
ذكر فتح ديار مضر على يد عضد الدولةكان متولي ديار مضر لأبي تغلب بن حمدان سلامة البرقعيدي، فأنفذ إليه سعد الدولة بن سيف الدولة من حلب جيشاً، فجرت بينهم حروب، وكان سعد الدولة قد كاتب عضد الدولة، وعرض نفسه عليه، فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا أحمد، والد الرضي، إلى البلاد التي بيد سلامة، فتسلمها بعد حرب شديدة، ودخل أهلها في الطاعة، فأخذ عضد الدولة لنفسه الرقة حسب، ورد باقيها إلى سعد الدولة فصارت له.
ثم استولى عضد الدولة على الرحبة، وتفرغ بعد ذلك لفتح قلاعه وحصونه، وهي قلعة كواشى، وكانت فيها خزائنه وأمواله، وقلعة هرور والملاسي وبرقى والشعباني وغيرها من الحصون، فلما استولى على جميع أعمال أبي تغلب استخلف أبا الوفاء على الموصل، وعاد إلى بغداد في سلخ ذي القعدة، ولقيه الطائع لله، وجمع من الجند وغيرهم.
ذكر ولاية قسام دمشقلما فارق الفتكين دمشق، كما ذكرناه، تقدم على أهلها قسام، وكان سبب تقدم قسام أن الفتكين قربه ووثق إليه، وعول في كثير من أموره عليه، فعلا ذكره وصيته، وكثر أتباعه من الأحداث، فاستولى على البلد وحكم فيه.
وكان القائد أبو محمود قد عاد إلى البلد والياً عليه للعزيز، فلم يتم له مع قسام أمر، وكان لا حكم له، ولم يزل أمر قسام على دمشق نافذاً، وهو يدعو للعزيز بالله العلوي.
ووصل إليه أبو تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، منهزماً، كما ذكرناه، فمنعه قسام من دخول دمشق، وخافه على البلد أن يتولاه، إما غلبةً، وإما بأمر العزيز، فاستوحش أبو تغلب وجرى بين أصحابه وأصحاب أبي تغلب شيء من قتال، فرحل أبو تغلب إلى طبرية.
وورد من عند العزيز قائد اسمه الفضل في جيش، فحصر قساماً بدمشق، فلم يظفر به، فعاد عنه، وبقي قسام كذلك إلى سنة تسع وستين وثلاثمائة، فسير من مصر أميراً إلى دمشق اسمه سلمان بن جعفر بن فلاح، فوصل إليها، فنزل بظاهرها، ولم يتمكن من دخولها، وأقام في غير شيء، فنهى الناس عن حمل السلاح، فلم يسمعوا منه، ووضع قسام أصحابه على سلمان، فقاتلوه وأخرجوه من الموضع الذي كان فيه. وكان قسام بالجامع، والناس عنده، فكتب محضراً وسيره إلى العزيز يذكر أنه كان بالجامع عند هذه الفتنة، ولم يشهدها، وبذل من نفسه أنه إن قصده عضد الدولة بن بويه أو عسكر له قاتله، ومنعه من البلد، فأغضى العزيز لقسام على هذه الحال لأنه كان يخاف أن يقصد عضد الدولة الشام، فلما فارق سلمان دمشق عاد إليها القائد أبو محمود، ولا حكم له، والحكم جميعه لقسام، فدام ذلك.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كانت زلازل شديدة كثيرة، وكان أشدها بالعراق.

وفيها توفي القاضي أبو سعيد الحسن بن عبدالله السيرافي النحوي مصنف شرح كتاب سيبويه، وكان فقيهاً، فاضلاً، مهندساً، منطيقياً، فيه كل فضيلة، وعمره أربع وثمانون سنة، وولي بعده أبو محمد بن معروف الحاكم بالجانب الشرقي ببغداد.
ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة
ذكر قتل أبي تغلب بن حمدان
في هذه السنة، في صفر، قتل أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان.
وكان سبب قتله أنه سار إلى الشام، على ما تقدم ذكره، ووصل إلى دمشق، وبها قسام قد تغلب عليها، كما ذكرناه، فلم يمكن أبا تغلب من دخولها، فنزل بظاهر البلد، وأرسل رسولاً إلى العزيز بمصر يستنجده ليفتح له دمشق، فوقع بين أصحابه وأصحاب قسام فتنة، فرحل إلى نوى، وهي من أعمال دمشق، فأتاه كتاب رسوله من مصر يذكر أن العزيز يريد أن يحضر هو عنده بمصر ليسير معه العساكر، فامتنع، وترددت الرسل، ورحل إلى بحيرة طبرية، وسير العزيز عسكراً إلى دمشق مع قائد اسمه الفضل، فاجتمع بأبي تغلب عند طبرية، ووعده، عن العزيز، بكل ما أحب، وأراد أبو تغلب المسير معه إلى دمشق، فمنعه بسبب الفتنة التي جرت بين أصحابه وأصحاب قسام، لئلا يستوحش قسام، وأراد أخذ البلد منه سلماً، ورحل الفضل إلى دمشق فلم يفتحها.
وكان بالرملة دغفل بن المفرج بن الجراح الطائي قد استولى على هذه الناحية، وأظهر طاعة العزيز من غير أن يتصرف بأحكامه، وكثر جمعه، وسار إلى أحياء عقيل المقيمة بالشام ليخرجها من الشام، فاجتمعت عقيل إلى أبي تغلب وسألته نصرتها، وكتب إليه دغفل يسأله أن لا يفعل، فتوسط أبو تغلب الحال، فرضوا بما يحكم به العزيز.
ورحل أبو تغلب، فنزل في جوار عقيل، فخافه دغفل، والفضل صاحب العزيز، وظنا أنه يريد أخذ تلك الأعمال. ثم إن أبا تغلب سار إلى الرملة في المحرم سنة تسع وستين، فلم يشك ابن الجراح والفضل أنه يريد حربهما، وكانا بالرملة، فجمع الفضل العساكر من السواحل، وكذلك جمع دغفل من أمنه جمعه، وتصاف الناس للحرب، فلما رأت عقيل كثرة الجمع انهزمت، ولم يبق مع أبي تغلب إلا نحو سبعمائة رجل من غلمانه وغلمان أبيه، فانهزم ولحقه الطلب، فوقف يحمي نفسه وأصحابه، فضرب على رأسه فسقط، وأخذ أسيراً، وحمل إلى دغفل فأسره وكتفه.
وأراد الفضل أخذه وحمله إلى العزيز بمصر، فخاف دغفل أن يصطنعه العزيز، كما فعل بالفتكين، ويجعله عنده، فقتله، فلامه الفضل على قتله، وأخذ رأسه وحمله إلى مصر، وكان مع أخته جميلة بنت ناصر الدولة وزوجته، وهي بنت عمه سيف الدولة، فلما قتل حملهما بنو عقيل إلى حلب إلى سعد الدولة بن سيف الدولة، فأخذ أخته، وسير جميلة إلى الموصل، فسلمت إلى أبي الوفاء نائب عضد الدولة، فأرسلها إلى بغداد، فاعتقلت في حجرة في دار عضد الدولة.
ذكر محاربة الحسن بن عمران بن شاهين مع جيوش عضد الدولةفي هذه السنة توفي عمران بن شاهين، فجأةً، في المحرم، وكانت ولايته، بعد أن طلبه الملوك والخلفاء وبذلوا الجهد في أخذه، وأعملوا الحيل، أربعين سنة، فلم يقدرهم الله عليه، ومات حتف أنفه.
فلما مات ولي مكانه ابنه الحسن، فتجدد لعضد الدولة طمع في أعمال البطيحة، فجهز العساكر مع وزيره المطهر بن عبدالله، فأمدهم بالأموال والسلاح والآلات، وسار المطهر في صفر، فلما وصل شرع في سد أفواه الأنهار الداخلة في البطائح، فضاع فيها الزمان والأموال، وجاءت المدود، وبثق الحسن بن عمران بعض تلك السدود، فأعانه الماء فقلعها.
وكان المطهر إذا سد جانباً انفتحت عدة جوانب، ثم جرت بينه وبين الحسن وقعة في الماء فاستظهر عليه الحسن، وكان المطهر سريعاً قد ألف المناجزة، ولم يألف المصابرة، فشق ذلك عليه.
وكان معه في عسكره أبو الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتهمه بمراسلة الحسن، وإطلاعه على أسراره، وخاف المطهر أن تنقص منزلته عند عضد الدولة، ويشمت به أعداؤه، كأبي الوفاء وغيره، فعزم على قتل نفسه، فأخذ سكيناً وقطع شرايين ذراعه، فخرج الدم منه، فدخل فراش له، فرأى الدم فصاح، فدخل الناس فرأوه، وظنوا أن أحداً فعل به ذلك، فتكلم، وكان بآخر رمق، وقال: إن محمد بن عمر أحوجني إلى هذا؛ ثم مات، وحمل إلى بلده كازرون، فدفن فيها.

وأرسل عضد الدولة من حفظ العسكر، وصالح الحسن بن عمران على مال يؤديه، وأخذ رهائنه، وانفرد نصر بن هارون بوزارة عضد الدولة، وكان مقيماً بفارس فاستخلف له عضد الدولة بحضرته أبا الريان حمد بن محمد.
ذكر الحرب بين بني شيبان وعسكر عضد الدولةفي هذه السنة، في رجب، سير عضد الدولة جيشاً إلى بني شيبان، وكانوا قد أكثروا الغارات على البلاد والفساد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا بينهم وبين أكراد شهرزور مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر عضد الدولة عسكره بمنازلة شهرزور لينقطع طمع بني شيبان عن التحصن بها، فاستولى أصحابه عليها وملكوها، فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل من بني شيبان فيها خلق كثير، ونهبت أموالهم ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير وحملوا إلى بغداد.
ذكر وصول ورد الرومي إلى ديار بكر وما كان منهفي هذه السنة وصل ورد الرومي إلى ديار بكر مستجيراً بعضد الدولة، وأرسل إليه يستنصره على ملوك الروم، ويبذل له الطاعة إذا ملك وحمل الخراج.
وكان سبب قدومه أن أرمانوس ملك الروم لما توفي خلف ولدين له صغيرين، فملكا بعده، وكان نقفور، وهو حينئذ الدمستق، قد خرج إلى بلاد الإسلام فنكى فيها وعاد، فلما قارب القسطنطينية بلغه موت أرمانوس، فاجتمع إليه الجند وقالوا له: إنه لا يصلح للنيابة عن الملكين غيرك، فإنهما صغيران؛ فامتنع، فألحوا عليه فأجابهم، وخدم الملكين، وتزوج بوالدتهما، ولبس التاج.
ثم إنه جفا والدتهما، فراسلت ابن الشمشقيق في قتل نقفور وإقامته مقامه، فأجابها إلى ذلك، وسار إليها سراً هو وعشرة رجال، فاغتالوا الدمستق فقتلوه، واستولى ابن الشمشقيق على الأمر، وقبض على لاون أخي الدمستق، وعلى ورديس ابن لاون، واعتقله في بعض القلاع، وسار إلى أعمال الشام فأوغل فيها، ونال من المسلمين ما أراد، وبلغ إلى طرابلس فامتنع عليه أهلها فحصرهم.
وكان لوالدة الملكين أخ خصي، وهو حينئذ الوزير، فوضع على ابن الشمشقيق من سقاه سماً، فلما أحس به أسرع العود إلى القسطنطينية، فمات في طريقه.
وكان ورد بن منير من أكابر أصحاب الجيوش وعظماء البطارقة، فطمع في الأمر، وكاتب أبا تغلب بن حمدان وصاهره، واستجاش بالمسلمين من الثغور، فاجتمعوا عليه، فقصد الروم، فأخرج إليه الملكان جيشاً بعد جيش وهو يهزمهم، فقوي جنانه وعظم شأنه، وقصد القسطنطينية، فخافه الملكان، فأطلقا ورديس بن لاون، وقدماه على الجيوش، وسيراه لقتال ورد، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وطال الأمر بينهما، ثم انهزم ورد إلى بلاد الإسلام، فقصد ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، وراسل عضد الدولة، وأنفذ إليه أخاه يبذل الطاعة والاستنصار به، فأجابه إلى ذلك ووعده به.
ثم إن ملكي الروم راسلا عضد الدولة واستمالاه، فقوي في نفسه ترجيح جانب الملكين، وعاد عن نصرة ورد، وكاتب أبا علي التميمي، وهو حينئذ ينوب عنه بديار بكر، بالقبض على ورد وأصحابه، فشرع يدبر الحيلة عليه، واجتمع إلى ورد أصحابه وقالوا له: إن ملوك الروم قد كاتبوا عضد الدولة وراسلوه في أمرنا، ولا شك أنهم يرغبونه في المال وغيره فيسلمنا إليهم، والرأي أن نرجع إلى بلاد الروم على صلح إن أمكننا، أو على حرب نبذل فيها أنفسنا، فإما ظفرنا أو متنا كراماً.
فقال: ما هذا رأي، ولا رأينا من عضد الدولة إلا الجميل، ولا يجوز أن ننصرف عنه قبل أن نعلم ما عنده؛ ففارقه كثير من أصحابه، فطمع فيه أبو علي التميمي، وراسله في الاجتماع، فأجابه إلى ذلك، فلما اجتمع به قبض عليه، وعلى ولده وأخيه، وجماعة من أصحابه، واعتقلهم بميافارقين ثم حملهم إلى بغداد، فبقوا في الحبس إلى أن فرج الله عنهم، على ما نذكره، وكان قبضه سنة سبعين وثلاثمائة.
ذكر عمارة عضد الدولة بغداد

في هذه السنة شرع عضد الدولة في عمارة بغداد، وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها، وعمر مساجدها وأسواقها، وأدر الأموال على الأئمة، والمؤذنين، والعلماء، والقراء، والغرباء، والضعفاء، الذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار، وأعاد حفرها وتسويتها، وأطلق مكوس الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، شرفها الله تعالى، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهدي على والحسين، عليهما السلام، وسكن الناس من الفتن، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، والنحاة، والشعراء، والنسابين، والأطباء، والحساب، والمهندسين، وأذن لوزيره نصر بن هارون، وكان نصرانياً، في عمارة البيع والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم.
ذكر وفاة حسنويه الكرديفي هذه السنة توفي حسنويه بن الحسين الكردي البرزيكاني بسرماج، وكان أميراً على جيش من البرزيكان يسمون البرزينية، وكان خالاه ونداد وغانم ابنا أحمد أميرين على صنف آخر منهم يسمون العيشانية، وغلبا على أطراف نواحي الدينور، وهمذان، ونهاوند، والصامغان، وبعض أطراف أذربيجان إلى حد شهرزور نحو خمسين سنة.
وكان يقود كل واحد منهما عدة ألوف، فتوفي غانم سنة خمسين وثلاثمائة، فكان ابنه أبو سالم ديسم بن غانم مكانه بقلعته قسان، إلى أن أزاله أبو الفتح بن العميد، واستصفى قلاعه المسماة قسنان، وغانم آباذ وغيرهما.
وتوفي ونداد بن أحمد سنة تسع وأربعين، فقام مقام ابنه أبو الغنائم عبد الوهاب إلى أن أسره الشاذنخان وسلموه إلى حسنويه، فأخذ قلاعه وأملاكه.
وكان حسنويه مجدوداً، حسن السياسة والسيرة، ضابطاً لأمره، ومنع أصحابه من التلصص، وبنى قلعة سرماج بالصخور المهندمة، وبنى بالدينور جامعاً على هذا البناء، وكان كثير الصدقة بالحرمين، إلى أن مات في هذه السنة، وافترق أولاده من بعده، فبعضهم انحاز إلى فخر الدولة، وبعضهم إلى عضد الدولة، وهم أبو العلاء، وعبد الرزاق، وأبو النجم بدرٌ، وعاصم، وأبو عدنان، وبختيار، وعبد الملك.
وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عضد الدولة ورغب في طاعته، ثم تلون عنه وتغير، فسير عضد الدولة إليه جيشاً فحصره وأخذ قلعته، وكذلك قلاع غيره من إخوته، واصطنع من بينهم أبا النجم بدر ابن حسنويه، وقواه بالرجال، فضبط تلك النواحي، وكف عادية من بها من الأكراد، واستقام أمره، وكان عاقلاً.
ذكر قصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة وأخذ بلادهفي هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلاد الجل، فاحتوى عليها.
وكان سبب ذلك أن بختيار بن معز الدولة كان يكاتب ابن عمه فخر الدولة، بعد موت ركن الدولة، ويدعوه إلى الاتفاق معه على عضد الدولة، فأجابه إلى ذلك واتفقا.
وعلم عضد الدولة به، فكتم ذلك إلى الآن، فلما فرغ من أعدائه كأبي تغلب، وبختيار، وغيرهما، ومات حسنويه بن الحسين، ظن عضد الدولة أن الأمر يصلح بينه وبين أخويه، فراسل أخويه فخر الدولة، ومؤيد الدولة، وقابوس بن وشمكير.
فأما رسالته إلى أخيه مؤيد الدولة، فيشكره على طاعته وموافقته، فإنه كان مطيعاً له غير مخالف.
وأما إلى فخر الدولة، فيعاتبه ويستميله، ويذكر له ما يلزمه به الحجة.
وأما إلى قابوس، فيشير عليه بحفظ العهود التي بينهما.
فأجاب فخر الدولة جواب المناظر المناوئ، ونسي كبر السن، وسعة الملك وعهد أبيه.
وأما قابوس فأجاب جواب المراقب. وكان الرسول خواشاده، وهو من أكابر أصحابه، فاستمال أصحاب فخر الدولة، فضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، فلما عاد الرسول برز عضد الدولة من بغداد على عزم المسير إلى الجبل وإصلاح تلك الأعمال، وابتدأ فقدم العساكر بين يديه يتلو بعضها بعضاً، منهم أبو الوفاء على عسكر، وخواشاده على عسكر، وأبو الفتح المظفر بن محمد في عسكر، فسارت هذه العساكر، وأقام هو بظاهر بغداد.

ثم سار عضد الدولة، فلقيته البشائر بدخول جيوشه همذان، واستئمان العدد الكثير من قواد فخر الدولة ورجال حسنويه، ووصل إليه أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن حمدويه وزير فخر الدولة، ومعه جماهير أصحابه، فانحل أمر فخر الدولة، وكان بهمذان، فخاف من أخيه، وتذكر قتل ابن عمه بختيار، فخرج هارباً، وقصد بلد الديلم، ثم خرج منها إلى جرجان، فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير، والتجأ إليه فأمنه وآواه، وحمل إليه فوق ما حدث به نفسه، وشركه فيما تحت يده من ملك وغيره.
وملك عضد الدولة ما كان بيد فخر الدولة همذان، والري، وما بينهما من البلاد وسلمها إلى أخيه مؤيد الدولة بن بويه، وجعله خليفته ونائبه في تلك البلاد، ونزل الري، واستولى على تلك النواحي.
ثم عرج عضد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي، فقصد نهاوند، وكذلك الدينور، وقلعة سرماج، وأخذ ما فيها من ذخائر حسنويه، وكانت جليلة المقدار، وملك معها عدة من قلاع حسنويه، ولحقه في هذه السفرة صرع، وكان هذا قد أخذه بالموصل، وحدث به فيها، فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهدٍ، وكتم ذلك أيضاً، وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد.
وأتاه أولاد حسنويه، فقبض على عبد الرزاق، وأبي العلاء، وأبي عدنان، وأحسن إلى بدر بن حسنويه، وخلع عليه، وولاه رعاية الأكراد؛ هذا آخر ما في تجارب الأمم تأليف أبي علي بن مسكويه.
ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكاريةفي هذه السنة سير عضد الدولة جيشاً إلى الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، فأوقع بهم وحصر قلاعهم، وطال مقام الجند في حصرها.
وكان من بالحصون من الأكراد ينتظرون نزول الثلج لترحل العساكر عنهم، فقدر الله تعالى أن الثلج تأخر نزوله في تلك السنة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجيبوا إلى ذلك، وسلموا قلاعهم، ونزلوا مع العسكر إلى الموصل، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل الثلج.
ثم إن مقدم الجيش غدر بهم، وصلبهم على جانبي الطريق من معلثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ وكف الله شرهم عن الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ورد رسول العزيز بالله صاحب مصر إلى عضد الدولة برسائل أداها.
وفيها قبض عضد الدولة على محمد بن عمر العلوي وأنفذه إلى فارس، وكان سبب قبضه ما تكلم به المطهر في حقه عند موته، وأرسل إلى الكوفة فقبض أمواله، فوجد له من المال والسلاح والذخائر ما لا يحصى، واصطنع عضد الدولة أخاه أبا الفتح أحمد، وولاه الحج بالناس.
وفيها تجددت وصلة بين الطائع لله وبين عضد الدولة، فتزوج الطائع ابنته، وكان غرض عضد الدولة أن تلد ابنته ولداً ذكراً فيجعله ولي عهده، فتكون الخلافة في ولد لهم فيه نسب، وكان الصداق مائة ألف دينار.
وفيها كانت فتنة عظيمة ين عامة شيراز من المسلمين وبين المجوس، نهبت فيها دور المجوس، وضربوا، وقتل منهم جماعة، فسمع عضد الدولة الخبر، فسير إليهم من جمع كل من له أثر في ذلك، وضربهم، وبالغ في تأديبهم وزجرهم.
وفيها أرسل سرية إلى عين التمر، وبها ضبة بن محمد الأسدي، وكان يسلك سبيل اللصوص وقطاع الطريق، فلم يشعر إلا والعساكر معه، فترك أهله وماله ونجا بنفسه فريداً، وأخذ ماله وأهله، وملكت عين التمر، وكان قبل ذلك قد نهب مشهد الحين، صلوات الله عليه، فعوقب بهذا.
وفيها قبض عضد الدولة على النقيب أبي أحمد الحسين الموسوي، والد الشريف الرضي، وعلى أخيه أبي عبدالله، وعلى قاضي القضاة أبي محمد وسيرهم إلى فارس، واستعمل على قضاء القضاة أبا سعد بشر بن الحسين، وهو شيخ كبير، وكان مقيماً بفارس، واستناب على القضاء ببغداد.
وفيها توفي أبو عبدالله أحمد بن عطاء بن أحمد بن محمد بن عطاء الروذباري، الصوفي، بنواحي عكا، وكان قد انتقل من بغداد إلى الشام.
وفيها، في ذي الحجة، توفي محمد بن عيسى بن عمرويه أبو أحمد الجلودي الزاهد، راوي صحيح مسلم عن ابن سفيان، ودفن بالحيرة في نيسابور وله ثمانون سنة.
الجلودي بفتح الجيم، وقيل بضمها، وهو قليل، والحيرة بكسر الحاء المهملة وبالراء المهملة، وهي محلة بنيسابور.
وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن زكرياء بن فارس اللغوي، صاحب كتاب المجمل وغيره. وله شعر، فمن ذلك قوله قبل وفاته بيومين:
يا ربّ إنّ ذنوبي قد أحطت بها ... علماً، وبي وبإعلاني وإسراري

أنا الموحّد لكنّي المقرّ بها، ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
وفي شوال توفي أبو الحسن ثابت بن إبراهيم الحراني المتطبب، الصابي، ومولده بالرقة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وكان عارفاً حاذقاً في الطب.
ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:56 am

ذكر إقطاع مؤيد الدولة همذان
في هذه السنة أرسل الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد إلى عضد الدولة بهمذان رسولاً من عند أخيه مؤيد الدولة يبذل له الطاعة والموافقة، فالتقاه عضد الدولة بنفسه، وأكرمه، وأقطع أخاه مؤيد الدولة همذان وغيرها، وأقام عند عضد الدولة إلى أن عاد إلى بغداد، فرده إلى مؤيد الدولة، فأقطعه إقطاعاً كثيراً، وسير معه عسكراً يكون عند مؤيد الدولة في خدمته.
ذكر قتل أولاد حسنويه سوى بدرلما خلع عضد الدولة على بدر وأخويه عاصم وعبد الملك، وفضل بدراً عليهما وولاه الأكراد حسده أخواه، فشقا العصا، وخرجا عن الطاعة، واستمال عاصم جماعة الأكراد المخالفين، فاجتمعوا عليه، فسير إليه عضد الدولة عسكراً، فأوقعوا بعاصم ومن معه، فانهزموا، وأسر عاصم، وأدخل همذان على جمل، ولم يعرف له خبر بعد ذلك اليوم، وقتل أولاد حسنويه، إلا بدراً فإنه ترك على حاله، وأقر على عمله، وكان عاقلاً، لبيباً، حازماً، كريماً، حليماً، وسيرد من أخباره ما يعلم به ذلك، إن شاء الله تعالى.
ذكر ملك عضد الدولة قلعة سندةوفيها استولى عضد الدولة على قلاع أبي عبدالله المري بنواحي الجبل، وكان منزله بسندة، وله فيها مساكن نفيسة، وكان قديم البيت، فقبض عليه وعلى أولاده واعتقلهم، فبقوا كذلك إلى أن أطلقهم الصاحب بن عباد فيما بعد، واستخدم ابنه أبا طاهر، واستكتبه، وكان حسن الخط واللفظ.
ذكر الحرب بين عسكر العزيز وابن جراح وعزل قسام عن دمشقفي هذه السنة سيرت العساكر من مصر لقتال المفرج بن جراح.
وسبب ذلك أن ابن جراح عظم شأنه بأرض فلسطين، وكثر جمعه، وقويت شوكته، وبالغ هو في العيث والفساد، وتخريب البلاد، فجهز العزيز بالله العساكر وسيرها، وجعل عليها القائد يلتكين التركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه من العرب، من قيس وغيرها، جمع كثير، وكان مع ابن جراح جمع يرمون بالنشاب، ويقاتلون قتال الترك، فالتقوا ونشبت الحرب بينهما، وجعل يلتكين كميناً، فخرج على عسكر ابن جراح، من وراء ظهورهم، عند اشتداد الحرب، فانهزموا وأخذتهم سيوف المصريين، ومضى ابن جراح منهزماً إلى إنطاكية، فاستجار بصاحبها فأجاره؛ وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر عظيمة يريد بلاد الإسلام، فخاف ابن جراح، وكاتب بكجور بحمص والتجأ إليه.
وأما عسكر مصر فإنهم نازلوا دمشق، مخادعين لقسام، لم يظهروا له إلا أنهم جاؤوا لإصلاح البلد، وكف الأيدي المتطرقة إلى الأذى؛ وكان القائد أبو محمود قد مات سنة سبعين وهو والي البلد، ولا حكم له، وإنما الحكم لقسام، فلما مات قام بعده في الولاية جيش بن الصمصامة، وهو ابن أخت أبي محمود، فخرج إلى يلتكين وهو يظن أنه يريد إصلاح البلد، فأمره أن يخرج هو ومن معه وينزلوا بظاهر البلد، ففعلوا. وحذر قسام، وأمر من معه بمباشرة الحرب، فقاتلوا دفعات عدة؛ فقوي عسكر يلتكين، ودخلوا أطراف البلد، وملكوا الشاغور، وأحرقوا ونهبوا، فاجتمع مشايخ البلد عند قسام، وكلموه في أن يخرجوا إلى يلتكين، ويأخذوا أماناً لهم وله، فانخذل وذل، وخضع بعد تجبره وتكبره وقال: افعلوا ما شئتم.
وعاد أصحاب قسام إليه، فوجدوه خائفاً، ملقياً بيده، فأخذ كل لنفسه. وخرج شيوخ البلد إلى يلتكين، فطلبوا منه الأمان لهم ولقسام، فأجابهم إليه وقال: أريد أن أتسلم البلد اليوم؛ فقالوا: افعل ما تؤمر ! فأرسل والياً يقال له ابن خطلخ، ومعه خيل ورجل.
وكان مبدأ هذه الحرب والحصر في المحرم سنة سبعين لعشر بقين منه، والدخول إلى البلد لثلاث بقين منه، ولم يعرض لقسام ولا لأحد من أصحابه، وأقام قسام في البلد يومين ثم استتر، فأخذ كل ما في داره وما حولها من دور أصحابه وغيرهم، ثم خرج إلى الخيام، فقصد حاجب يلتكين وعرفه نفسه، فأخذه وحمله إلى يلتكين، فحمله يلتكين إلى مصر، فأطلقه العزيز، واستراح الناس من تحكمه عليهم، وتغلبه بمن تبعه من الأحداث من أهل العيث والفساد.
ذكر عدة حوادث

وفيها توفي علي بن محمد الأحدب المزور، وكان يكتب على خط كل واحد فلا يشك المكتوب عنه أنه خطه؛ وكان عضد الدولة إذا أراد الإيقاع بين الملوك أمره أن يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد إفساد الحال بينهما، ثم يتوصل ليصل المكتوب إليه، فيفسد الحال. وكان هذا الأحدب ربما ختمت يده لهذا السبب.
وفيها زادت الفرات زيادة عظيمة جاوزت المألوف، وغرق كثير من الغلات، وتمردت الصراة، وخربت قناطرها العتيقة والجديدة، وأشفى أهل الجانب الغربي من بغداد على الغرق، وبقيت الزيادة بها وبدجلة ثلاثة أشهر ثم نقصت.
وفيها زفت ابنة عضد الدولة إلى الخليفة الطائع، ومعها من الجواهر شيء لا يحصى.
وفيها ورد على عضد الدولة هدية من صاحب اليمن فيها قطعة واحدة من عنبر وزنها ستة وخمسون رطلاً؛ وحج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوي، وخطب بمكة والمدينة للعزيز بالله صاحب مصر العلوي.
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن علي الرازي، إمام الفقهاء الحنفية في زمانه، وطلب ليلي قضاء القضاة، فامتنع، وهو من أصحاب الكرخي.
وفيها توفي الزبير بن عبد الواحد بن موسى أبو يعلى البغدادي، سمع البغوي وابن صاعد، وسافر إلى أصبهان وخراسان وأذربيجان وغيرها، وسمع فيها الكثير، وتوفي بالموصل هذه السنة؛ ومحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد أبو بكر المفيد، المعروف بغندر، توفي بمفازة بخارى؛ وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس؛ وأبو محمد علي بن الحسن الأصبهاني؛ والحسن ابن بشر الآمدي.
وفيها توفي القائد أبو محمود إبراهيم بن جعفر والي دمشق للعزيزي، وقام بعده جيش بن الصمصامة.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
ذكر عزل ابن سيمجور عن خراسان
في هذه السنة عزل أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان، واستعمل عوضه حسام الدولة أبو العباس تاش.
وكان سبب ذلك أن الأمير نوح بن منصور لما ملك خراسان وما وراء النهر، وهو صبي، استوزر أبا الحسين العتبي، فقام في حفظ الدولة القيام المرضي؛ وكان محمد بن سيمجور قد استوطن خراسان، وطالت أيامه فيها، فلا يطيع إلا فيما يريد، فعزله أبو الحسين العتبي عنها، واستعمل مكانه حسام الدولة أبا العباس تاش، وسيره من بخارى إلى نيسابور في هذه السنة، فاستقر بها ودبر خراسان، ونظر في أمورها، وأطاعه جندها.
ذكر استيلاء عضد الدولة على جرجانفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، استولى عضد الدولة على بلاد جرجان وطبرستان، وأجلى عنها صاحبها قابوس بن وشمكير.
وسبب ذلك أن عضد الدولة لما استولى على بلاد أخيه فخر الدولة انهزم فخر الدولة، فلحق بقابوس، كما ذكرناه، وبلغ ذلك عضد الدولة، فأرسل إلى قابوس يبذل له الرغائب من البلاد، والأموال، والعهود، وغير ذلك، ليسلم إليه أخاه فخر الدولة، فامتنع قابوس من ذلك، ولم يجب إليه. فجهز عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة، وسيره، ومعه العساكر، والأموال، والعدد، إلى جرجان.
وبلغ الخبر قابوساً، فسار إليه، فلقيه بنواحي أستراباذ، فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر، فانهزم قابوس وأصحابه في جمادى الأولى، وقصد قابوس بعض قلاعه التي فيها ذخائره وأمواله، فأخذ ما أراد وسار نحو نيسابور، فلما وردها لحق به فخر الدولة، وانضم إليهما من تفرق من أصحابهما.
وكان وصولهما إليها. عند ولاية حسام الدولة أبي العباس تاش خراسان، فكتب حسام الدولة إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور يعرفه خبر وصولهما، وكتبا أيضاً إلى نوح يعرفانه حالهما، ويستنصرانه على مؤيد الدولة. فوردت كتب نوح على حسام الدولة يأمره بإجلال محلهما، وإكرامهما، وجمع العساكر والمسير معهما، وإعادتهما إلى ملكهما، وكتب وزيره أبو الحسين بذلك أيضاً.
ذكر مسير حسام الدولة وقابوس إلى جرجان

فلما وردت الكتب من الأمير نوح على حسام الدولة بالمسير بعساكر خراسان جميعها مع فخر الدولة وقابوس، جمع العساكر وحشد، فاجتمع بنيسابور عساكر سدت الفضاء، وساروا نحو جرجان فنازلوها وحصروها، وبها مؤيد الدولة، ومعه من عساكره وعساكر أخيه عضد الدولة جمع كثير، إلا أنهم لا يقاربون عساكر خراسان، فحصرهم حسام الدولة شهرين يغاديهم القتال ويراوحهم، وضاقت الميرة على أهل جرجان، حتى كانوا يأكلون نخالة الشعير معجونة بالطين، فلما اشتد عليهم الأمر خرجوا من جرجان، في شهر رمضان، على عزم صدق القتال إما لهم وإما عليهم. فلما رآهم أهل خراسان ظنوها كما تقدم من الدفعات، يكون قتال، ثم تحاجز، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فرأوا الأمر خلاف ما ظنوه.
وكان مؤيد الدولة قد كاتب بعض قواد خراسان، يسمى فائق الخاصة، وأطعمه ورغبه، فأجابه إلى الأنهزام عند اللقاء؛ وسيرد من أخبار فائق هذا ما يعرف به محله من الدولة.
فلما خرج مؤيد الدولة، هذا اليوم، حمل عسكره على فائق وأصحابه، فانهزم هو ومن معه، وتبعه الناس، وثبت فخر الدولة، وحسام الدولة في القلب، واشتد القتال إلى آخر النهار، فلما رأوا تلاحق الناس في الهزيمة لحقوا بهم، وغنم أصحاب مؤيد الدولة منهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وأخذوا من الأقوات شيئاً كثيراً.
وعاد حسام الدولة، وفخر الدولة، وقابوس إلى نيسابور، وكتبوا إلى بخارى بالخبر، فأتاهم الجواب يمنيهم، ويعدهم بانفاذ العساكر والعود إلى جرجان والري، وأمر الأمير نوح سائر العساكر بالمسير إلى نيسابور، فأتوها من كل حدبٍ ينسلون، فاجتمع بظاهر نيسابور من العساكر أكثر من المرة الأولى، وحسام الدولة ينتظر تلاحق الأمداد ليسير بهم، فأتاهم الخبر بقتل الوزير أبي الحسين العتبي، فتفرق ذلك الجمع، وبطل ذلك التدبير.
وكان سبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع جماعة من المماليك على قتله، فوثبوا به فقتلوه، فلما قتل كتب الرضي نوح بن منصور إلى حسام الدولة يستدعيه إلى بخارى ليدبر دولته، ويجمع ما انتشر منها بقتل أبي الحسين، فسار عن نيسابور إليها، وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسين، وكان قتله سنة اثنتين وسبعين.
ذكر قتل الأمير أبي القاسم أمير صقلية وهزيمة الفرنجفي هذه السنة، في ذي القعدة، سار الأمير أبو القاسم، أمير صقلية، من المدينة يريد الجهاد.
وسبب ذلك أن ملكاً من ملوك الفرنج، يقال له بردويل، خرج في جموع كثيرة من الفرنج إلى صقلية، فحصر قلعة ملطة وملكها، وأصاب سريتين للمسلمين، فسار الأمير أبو القاسم بعساكره ليرحله عن القلعة، فلما قاربها خاف وجبن، فجمع وجوه أصحابه، وقال لهم: إني راجع من مكاني هذا فلا تكسروا علي رأيي. فرجع هو وعساكره.
وكان أسطول الكفار يساير المسلمين في البحر، فلما رأوا المسلمين راجعين أرسلوا إلى بردويل، ملك الروم، يعلمونه ويقولون له: إن المسلمين خائفون منك، فالحق بهم فإنك تظفر. فجرد الفرنجي عسكره من أثقالهم، وسار جريدة، وجد في السير، فأدركهم في العشرين من المحرم سنة اثنتين وسبعين، فتعبأ المسلمون للقتال، واقتتلوا، واشتدت الحرب بينهم، فحملت طائفة من الفرنج على القلب والأعلام، فشقوا العسكر ووصلوا إليها، وقد تفرق كثير من المسلمين عن أميرهم، واختل نظامهم، فوصل الفرنج إليه، فأصابته ضربة على أم رأسه فقتل، وقتل معه جماعة من أعيان الناس وشجعانهم.
ثم إن المنهزمين من المسلمين رجعوا مصممين على القتال ليظفروا أو يموتوا، واشتد حينئذ الأمر، وعظم الخطب على الطائفتين، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل، وأسر من بطارقتهم كثير وتبعوهم إلى أن أدركهم الليل، وغنموا من أموالهم كثيراً. وأفلت ملك الفرنج هارباً ومعه رجل يهوديٌ كان خصيصاً به، فوقف فرس الملك، فقال له إليهودي: اركب فرسي، فإن قتلت فأنت لولدي؛ فركبه الملك وقتل إليهودي، فنجا الملك إلى خيامه وبها زوجته وأصحابه فأخذهم وعاد إلى رومية.
ولما قتل الأمير أبو القاسم كان معه ابنه جابر، فقام مقام أبيه، ورحل بالمسلمين لوقتهم، ولم يمكنهم من إتمام الغنيمة، فتركوا كثيراً منها، وسأله أصحابه ليقيم إلى أن يجمع السلاح وغيره ويعمر به الخزائن، فلم يفعل.

وكانت ولاية أبي القاسم على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان عادلاً، حسن السيرة، كثير الشفقة على رعيته والإحسان إليهم، عظيم الصدقة، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا عقاراً، فإنه كان قد وقف جميع أملاكه على الفقراء وأبواب البر.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقع حريق بالكرخ ببغداد فاحترق فيها مواضع كثيرة هلك فيها خلق كثير من الناس، وبقي الحريق أسبوعاً.
وفيها قبض عضد الدولة على القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي، وألزمه منزله، وعزله عن أعماله التي كان يتولاها، وكان حنفي المذهب، شديد التعصب على الشافعي يطلق لسانه فيه، قاتله الله ! وفيها أفرج عضد الدولة عن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب، وكان القبض عليه سنة سبع وستين.
وكان سبب قبضه أنه كان يكتب عن بختيار كتباً في معنى الخلف الواقع بينه وبين عضد الدولة، فكان ينصح صاحبه، فمما كتبه عن الخليفة الطائع إلى عضد الدولة في المعنى، وقد لقب عز الدولة بشاهنشاه، فتزحزح له عن سنن المساواة، فنقم عليه عضد الدولة ذلك، وهذا من أعجب الأشياء، فإنه كان ينبغي أن يعظم في عينه لنصحه لصاحبه، فلما أطلقه أمره بعمل كتاب يتضمن أخبارهم ومحاسنها، فعمل التاجي في دولة الديلم.
وفيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت منه، فلما وصل إلى الملك قيل له ليقبل الأرض بين يديه، فلم يفعل، فقيل: لا سبيل إلى الدخول إلا مع تقبيل الأرض؛ فأصر على الامتناع، فعمل الملك باباً صغيراً يدخل منه القاضي منحنياً ليرهم الحاضرين أنه قبل الأرض، فلما رأى القاضي الباب علم ذلك، فاستدبره ودخل منه، فلما جازه استقبل الملك وهو قائم، فعظم عندهم محله.
وفيها فتح المارستان العضدي، غربي بغداد، ونقل إليه جميع ما يحتاج إليه من الأدوية.
وفي هذه السنة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الاسماعيلي الجرجاني، الفقيه الشافعي، وكان عالماً بالحديث وغيره من العلوم؛ والإمام محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد أبو زيد المروزي الفقيه الشافعي الزاهد، يروي صحيح البخاري عن الفربري، وتوفي في رجب؛ وأبو عبدالله محمد بن خفيف الشرازي، شيخ الصوفية في وقته، صحب الجريري وابن عطاء وغيرهما.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن إبراهيم الصوفي المعروف بالحصري.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
ذكر ولاية بكجور دمشق
قد ذكرنا سنة ست وستين ولاية بكجور حمص لأبي المعالي ابن سيف الدولة بن حمدان، فلما وليها عمرها؛ وكان بلد دمشق قد خربه العرب وأهل العيث والفساد مدة تحكم قسام عليها، وانتقل أهله إلى أعمال حمص، فعمرت، وكثر أهلها والغلات فيها، ووقع الغلاء والقحط بدمشق، فحمل بكجور الأقوات من حمص إليها وتردد الناس في حمل الغلات وحفظ الطرق وحماها.
وكاتب العزيز بالله بمصر، وتقرب إليه، فوعده ولاية دمشق، فبقي كذلك إلى هذه السنة.
ووقعت وحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة وبين بكجور، فأرسل سعد الدولة يأمره بأن يفارق بلده، فأرسل بكجور إلى العزيز بالله يطلب نجاز ما وعده من إمارة دمشق. وكان الوزير ابن كلس يمنع العزيز من ولايته إلى هذه الغاية.
وكان القائد يلتكين قد ولي دمشق بعد قسام، كما ذكرناه، فهو مقيم بها. فاجتمع المغاربة بمصر على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله، فدعته الضرورة إلى أن يستحضر يلتكين من دمشق، فأمره العزيز بإحضاره وتسليم دمشق إلى بكجور. فقال: إن بكجور إن وليها عصى فيها. فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إلى يلتكين يأمره بقصد مصر، وتسليم دمشق إلى بكجور، ففعل ذلك ودخلها في رجب من هذه السنة والياً عليها، فأساء السيرة إلى أصحاب الوزير ابن كلس والمتعلقين به، حتى إنه صلب بعضهم، وفعل مثل ذلك في أهل البلد، وظلم الناس، وكان لا يخلوا من أخذ مالٍ، وقتلٍ، وصلبٍ، وعقوبة، فبقي كذلك إلى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وسنذكر هناك عزله، إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة عضد الدولةفي هذه السنة، في شوال، اشتدت علة عضد الدولة، وهو ما كان يعتاده من الصرع، فضعفت قوته عن دفعه، فخنقه، فمات منه ثامن شوال ببغداد، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، فدفن به.

وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفاً. ولما توفي جلس ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزياً، وكان عمر عضد الدولة سبعاً وأربعين سنة. وكان قد سير ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكاً لها، قبل أن يشتد مرضه، وقيل إنه لما احتضر لم نطلق لسانه إلا بتلاوة (مَا أَغْنْى عَنِّي مَاليه هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) الحاقة: 28.
وكان عاقلاً، فاضلاً، حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأي، محباً للفضائل وأهلها، باذلاً في مواضع العطاء، مانعاً في أماكن الحزن، ناظراً في عواقب الأمور.
قيل: لما مات عضد الدولة بلغ خبره بعض العلماء، وعنده جماعة من أعيان الفضلاء، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحماء عند موت الإسكندر، وقد ذكرتها في أخباره، فقال بعضهم: لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عنكم. فقال أحدهم: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، وطلب الربح فيها فخسر روحه فيها.
وقال الثاني: من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم فيها فهذا انتباهه.
وقال الثالث: ما رأيت عاقلاً في عقله، ولا غافلاً في غفلته مثله، لقد كان ينقض جانباً وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يظن أنه غانم.
وقال الرابع: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغباً عنها جدت له.
وقال الخامس: ترك هذا الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.
وقال السادس: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحاً زعزعت هذا الركن لعصوفٌ.
وقال السابع: إنما سلبك من قدر عليك.
وقال الثامن: أما إنه لو كان معتبراً في حياته لما صار عبرةً في مماته.
وقال التاسع: الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال، والنازل في درجاتها إلى تعال.
وقال العاشر: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنةً تقيك، إن في ذلك لعبرة للمعتبرين، وإنك لآية للمستبصرين.
وبنى على مدينة النبي، صلى الله علية وسلم، سوراً. وله شعر حسن، فمن شعره لما أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته بختيار، ويطلب الأمان، فقال عضد الدولة:
أأفاق حين وطئت ضيق خناقه ... يبغي الأمان، وكان يبغي صارما
فلأركبنّ عزيمةً عضديّةً، ... تاجيّة، تدع الأنوف رواغما
وقال أبياتاً منها بيت لم يفلح بعده، وهي هذه:
ليس شرب الكأس إلاّ في المطر، ... وغناءٍ من جوارٍ في السّحر
غانياتٍ، سالباتٍ للنّهى، ... ناغماتٍ في تضاعيف الوتر
مبرزات الكاس من مطلعها، ... ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها،، ... ملك الأملاك غلاّب القدر
وهذا البيت هو المشار إليه.
وحكي عنه أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم إلى الخازن بأن يسلم جامكية الغلمان إلى نقيبهم في شهر قد بقي منه ثلاثة أيام. قال أبو نصر: فأنسيت ذلك أربعة أيام، فسألني عضد الدولة عن ذلك فقلت: أنسيته؛ فأغلظ لي، فقلت: أمس استهل الشهر، والساعة نحمل المال، وما ها هنا ما يوجب شغل القلب.
فقال: المصيبة بما لا تعلمه من الغلط أكثر منها في التفريط، ألا تعلم أنا إذا أطلقنا لهم مالهم قبل محله كان الفضل لنا عليهم، فإذا أخرنا ذلك عنهم، حتى استهل الشهر الآخر، حضروا عند عارضهم وطالبوه، فيعدهم فيحضرونه في اليوم الثاني، فيعدهم، ثم يحضرونه في اليوم الثالث؛ ويبسطون ألسنتهم، فتضيع المنة، وتحصل الجرأة، ونكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح.
وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقاً إلى معارضة من ليس من جنس الشافع، ولا فيما يتعلق به.
حكي عنه أنه مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال: ليس هذا من أشغالك، إنما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل مرتبة جندي، وما يتعلق بهم، وأما الشهادة وقبولها فهو إلى القاضي وليس لنا ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير شفاعة.

وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئاً كثيراً من الأموال للصدقة والبر في سائر بلاده، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه.
وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به إذا عملوا.
وكان محباً للعلوم وأهلها، مقرباً لهم، محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها الإيضاح في النحو، والحجة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ، إلى غير ذلك، وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات والقناطر غير ذلك من المصالح العامة، إلا أنه أحدث في آخر أيام رسوماً جائرة في المساحة، والضرائب على بيع الدواب، وغيرها من الأمتعة، وزاد على ما تقدم، ومنع من عمل الثلج، والقز، وجعلهما متجراً للخاص، وكان يتوصل إلى أخذ المال بكل طريق.
ولما توفي عضد الدولة قبض على نائبه أبي الريان من الغد، فأخذ من كمه رقعة فيها:
أيا واثقاً بالدهر عند انصرافه ! ... رويدك إنّي بالزمان أخو خبر
ويا شامتاً مهلاً، فكم ذي شماتةٍ ... تكون له العقبى بقاصمة الظّهر
ذكر ولاية صمصام الدولة العراق وملك أخيه شرف الدولة بلاد فارسلما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ولده أبي كاليجار المرزبان، فبايعوه وولوه الإمارة، ولقبوه صمصام الدولة، فلما ولي خلع على أخويه أبي الحسين أحمد، وأبي طاهر فيروزشاه، وأقطعهما فارس، وأمرهما بالجد في السير ليسبقا أخاهما شرف الدولة أبا الفوارس شيرزيل إلى شيراز.
فلما وصلا إلى أرجان أتاهما خبر وصول شرف الدولة إلى شيراز، فعادا إلى الأهواز. وكان شرف الدولة بكرمان، فلما بلغه خبر وفاة أبيه سار مجداً إلى فارس فملكها، وقبض على نصر بن هارون النصراني، وزير أبيه، وقتله لأنه كان يسيء صحبته أيام أبيه، وأصلح أمر البلاد، وأطلق الشريف أبا الحسين محمد بن عمر العلوي، والنقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي، والقاضي أبا محمد بن معروف، وأبا نصر خواشاذه، وكان عضد الدولة حبسهم، وأظهر مشاقة أخيه صمصام الدولة، وقطع خطبته، وخطب لنفسه، وتلقب بتاج الدولة، وفرق الأموال، وجمع الرجال، وملك البصرة وأقطعها أخاه أبا الحسين، فبقي كذلك ثلاث سنين إلى أن قبض عليه شرف الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
فلما سمع صمصام الدولة بما فعله شرف الدولة سير إليه جيشاً، واستعمل عليهم الأمير أبا الحسن بن دبعش، حاجب عضد الدولة، فجهز تاج الدولة عسكراً واستعمل عليهم الأمير أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدي، فالتقيا بظاهر قرقوب، واقتتلوا، فانهزم عسكر صمصام الدولة، وأسر دبعش فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عضد الدولة على الأهواز، وأخذ ما فيها وفي رامهرمز، وطمع في الملك، وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
ذكر قتل الحسين بن عمران بن شاهينفي هذه السنة قتل الحسين بن عمران بن شاهين، صاحب البطيحة، قتله أخوه أبو الفرج واستولى على البطيحة.
وكان سبب قتله أنه حسده على ولايته ومحبة الناس له، فاتفق أن أختاً لهما مرضت، فقال أبو الفرج لأخيه الحسين: إن أختنا مشفية، فلو عدتها؛ ففعل وسار إليها، ورتب أبو الفرج في الدار نفراً يساعدونه على قتله، فلما دخل الحسين الدار تخلف عنه أصحابه، ودخل أبو الفرج معه وبيده سيفه، فلما خلا به قتله، ووقعت الصيحة، فصعد إلى السطح وأعلم العسكر بقتله، ووعدهم الإحسان فسكتوا، وبذل لهم المال، فأقروه في الأمر، وكتب إلى بغداد يظهر الطاعة، ويطلب تقليده الولاية، وكان متهوراً جاهلاً.
ذكر عود ابن سيمجور إلى خراسانلما عزل أبو الحسن بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان ووليها أبو العباس سار ابن سيمجور إلى سجستان فأقام بها، فلما انهزم أبو العباس عن جرجان، على ما ذكرناه، ورأى الفتنة قد رفعت رأسها، سار عن سجستان نحو خراسان، وأقام بقهستان. فلما سار أبو العباس إلى بخارى، وخلت منه خراسان، كاتب ابن سيمجور فائقاً يطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان، فأجابه إلى ذلك، واجتمعا بنيسابور، واستوليا على تلك النواحي.

وبلغ الخبر إلى أبي العباس فسار عن بخارى في جمع كثير إلى مرو، وترددت الرسل بينهم، فاصطلحوا على أن تكون نيسابور وقيادة لأبي العباس، وتكون بلخ لفائق، وتكون هراة لأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور، وتفرقوا على ذلك، وقصد كل واحد منهم ولايته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي نقيب النقباء أبو تمام الزينبي، وولي النقابة بعد ابنه أبو الحسن؛ وتوفي محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرة في صفر ببغداد، وتوفي في جمادى الأولى منصور بن أحمد بن هارون الزاهد وهو ابن خمس وستين سنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
ذكر موت مؤيد الدولة
وعود فخر الدولة إلى مملكته
في هذه السنة، في شعبان، توفي مؤيد الدولة أبو منصور بويه بن ركن الدولة بجرجان، وكانت علته الخوانيق، وقال له الصاحب بن عباد: لو عهدت إلى أحد؛ فقال: أنا في شغل عن هذا، ولم يعهد بالملك إلى أحد؛ وكان عمره ثلاثاً وأربعين سنة.
وجلس صمصام الدولة للعزاء ببغداد، فأتاه الطائع لله معزياً، فلقيه في طيارة. لما مات مؤيد الدولة تشاور أكابر دولته فيمن يقوم مقامه، فأشار الصاحب إسماعيل بن عباد بإعادة فخر الدولة إلى مملكته، إذ هو كبير البيت، ومالك تلك البلاد قبل مؤيد الدولة، ولما فيه من آيات الإمارة والملك. فكتب إليه واستدعاه، وهو بنيسابور، وأرسل الصاحب إليه من استخلفه لنفسه، وأقام في الوقت خسرو فيروز بن ركن الدولة ليسكن الناس إلى قدوم فخر الدولة.
فلما وصلت الأخبار إلى فخر الدولة سار إلى جرجان، فلقيه العسكر بالطاعة، وجلس في دست ملكي في رمضان بغير منةٍ لأحدٍ، فسبحان من إذا أراد أمراً كان.
ولما عاد إلى مملكته قال له الصاحب: يا مولانا قد بلغك الله، وبلغني فيك ما أملته، ومن حقوق خدمتي لك إجابتي إلى ترك الجندية، وملازمة داري والتوفر على أمر الله. فقال: لا تقل هذا، فما أريد الملك إلا لك، ولا يستقيم لي أمر إلا بك، وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهتها أنا أيضاً وانصرفت.
فقبل الأرض، وقال الأمر لك؛ فاستوزره وأكرمه وعظمه، وصدر عن رأيه في جليل الأمور وصغيرها.
وسيرت الخلع من الخليفة إلى فخر الدولة، والعهد واتفق فخر الدولة وصمصام الدولة فصار يداً واحدةً.
ذكر عزل أبي العباس عن خراسان
وولاية ابن سيمجور
لما عاد أبو العباس عن بخارى إلى نيسابور، كما ذكرناه، استوزر الأمير نوح عبدالله بن عزيز، وكان ضداً لأبي الحسين العتبي، وأبي العباس، فلما ولي الوزارة بدأ بعزل أبي العباس عن خراسان، وإعادة أبي الحسن بن سيمجور إليها، فكتب من بخراسان من القواد إليه يسألونه أن يقر أبا العباس على عمله، فلم يجبهم إلى ذلك، فكتب أبو العباس إلى فخر الدولة بن بويه يستمده، فأمده بمال كثير وعسكر، فأقاموا بنيسابور، وأتاهم أبو محمد عبدالله بن عبد الرزاق معاضداً لهم على ابن سيمجور.
وكان أبو العباس حينئذ بمرو، فلما سمع أبو الحسن بن سيمجور وفائق بوصول عسكر فخر الدولة إلى نيسابور قصدوهم، فانحاز عسكر فخر الدولة عبد الرزاق، وأقاموا ينتظرون أبا العباس، ونزل ابن سيمجور ومن معه بظاهر نيسابور، ووصل أبو العباس فيمن معه واجتمع بعسكر الديلم، ونزل بالجانب الآخر، وجرى بينهم حروب عدة أيام، وتحصن ابن سيمجور بالبلد، وأنفذ فخر الدولة إلى أبي العباس عسكراً آخر، أكثر من ألفي فارس، فلما رأى ابن سيمجور قوة أبي العباس انحاز عن نيسابور، فسار عنها ليلاً، وتبعه عسكر أبي العباس، فغنموا كثيراً من أموالهم ودوابهم، واستولى أبو العباس على نيسابور، وراسل الأمير نوح بن منصور يستميله ويستعطفه، ولج ابن عزيز في عزله، ووافقه على ذلك والدة الأمير نوح، وكانت تحكم في دولة ولدها، وكانوا يصدرون عن رأيها، فقال بعض أهل العصر في ذلك:
شيئان يعجز ذو الرّياضة عنهما: ... رأي النّساء، وإمرة الصّبيان
أمّا النساء فميلهنّ إلى الهوى، ... وأخو الصّبا يجري بغير عنان
ذكر انهزام أبي العباس إلى جرجان
ووفاته

لما انهزم ابن سيمجور أقام أبو العباس بنيسابور يستعطف الأمير نوحاً ووزيره ابن عزيز، وترك اتباع ابن سيمجور وإخراجه من خراسان، فتراجع إلى ابن سيمجور أصحابه المنهزمون، وعادت قوته، وأتته الأمداد من بخارى، وكاتب شرف الدولة أبا الفوارس بن عضد الدولة، وهو بفارس، يستمده، فأمده بألفي فارس مراغمةً لعمه فخر الدولة، فلما كثف جمعه قصد أبا العباس، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً إلى آخر النهار، فانهزم أبو العباس وأصحابه، وأسر، منهم جماعة كثيرة.
وقصد أبو العباس جرجان، وبها فخر الدولة، فأكرمه وعظمه، وترك له جرجان ودهستان وأستراباذ صافية له ولمن معه، وسار عنها إلى الري، وأرسل إليه من الأموال والآلات ما يجل عن الوصف.
وأقام أبو العباس بجرجان هو وأصحابه، وجمع العساكر وسار نحو خراسان، فلم يصل إليها، وعاد إلى جرجان وأقام بها ثلاث سنين، ثم وقع بها وباء شديد مات فيه كثير من أصحابه، ثم مات هو أيضاً، وكان موته سنة سبع وسبعين، وقيل: إنه مات مسموماً.
وكان أصحابه قد أساؤوا السيرة مع أهل جرجان، فلما مات ثار بهم أهلها ونهبوهم، وجرت بينهم وقعة عظيمة أجلت عن هزيمة الجرجانية، وقتل منهم خلق كثير، وأحرقت دورهم، ونهبت أموالهم، وطلب مشايخهم الأمان، فكفوا عنهم، وتفرق أصحابه، فسار أكثرهم إلى خراسان، واتصلوا بأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور، وكان حينئذ صاحب الجيش مكان أبيه، وكان والده قد توفي فجأةً، وهو يجامع بعض حظاياه، فمات على صدرها، فلما مات قام بالأمر بعد ابنه أبو علي، واجتمع إخوته على طاعته، منهم أخوه أبو القاسم وغيره، فنازعه فائق الولاية، وسنذكر ذلك سنة ثلاث وثمانين عند ملك الترك بخارى، إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل أبي الفرج محمد بن عمران
وملك أبي المعالي ابن أخيه الحسن
في هذه السنة قتل أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة، وولي أبو المعالي ابن أخيه الحسن.
وسبب قتله أن أبا الفرج قدم الجماعة الذين ساعدوه على قتل أخيه، ووضع من حال مقدمي القواد، فجمعهم المظفر بن علي الحاجب، وهو أكبر قواد أبيه عمران وأخيه الحسن، وحذرهم عاقبة أمرهم، فاجتمعوا على قتل أبي الفرج، فقتله المظفر وأجلس أبا المعالي مكانه، وتولى تدبيره بنفسه، وقتل كل من كان يخافه من القواد، ولم يترك معه إلا من يثق به، وكان أبو المعالي صغيراً.
ذكر استيلاء المظفر على البطيحةلما طالت أيام علي المظفر بن علي الحاجب، وقوي أمره، طمع في الاستقلال بأمر البطيحة، فوضع كتاباً عن لسان صمصام الدولة إليه يتضمن التعويل عليه في ولاية البطيحة، وسلمه إلى ركابي غريب، وأمره أن يأتيه إذا كان القواد والأجناد عنده، ففعل ذلك، وأتاه وعليه أثر الغبار، وسلم إليه الكتاب، فقبله وفتحه، وقرأه بمحضر من الأجناد، وأجاب بالسمع والطاعة، وعزل أبا المعالي، وجعله مع والدته، وأجرى عليهما جراية، ثم أخرجهما إلى واسط، وكان يصلهما بما ينفقانه، واستبد بالأمر، وأحسن السيرة، وعدل في الناس مدةً.
ثم إنه عهد إلى ابن أخته أبي الحسن علي بن نصر الملقب بمهذب الدولة، وكان يلقب حينئذ بالأمير المختار، وبعده إلى أبي الحسن علي بن جعفر، وهو ابن أخته الأخرى، وانقرض بيت عمران بن شاهين، وكذلك الدنيا دول، وما أشبه حاله بحال باذٍ، فإنه ملك، وانتقل الملك إلى ابن أخته ممهد الدولة ابن مروان.
ذكر عصيان محمد بن غانموفيها عصى محمد بن غانم البرزيكاني بناحية كوردر، من أعمال قم، على فخر الدولة، وأخذ بعض غلات السلطان، وامتنع بحصن الهفتجان، وجمع البرزيكاني إلى نفسه، فسارت إليه العساكر، في شوال، لقتاله، فهزمها، وأعيدت إليه من الري مرة أخرى فهزمها.
فأرسل فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه ينكر ذلك عليه، ويأمره بإصلاح الحال معه، ففعل، وراسله، فاصطلحوا أول سنة أربع وسبعين وبقي إلى سنة خمس وسبعين، فسار إلى جيش لفخر الدولة، فقاتله، فأصابته طعنة، وأخذ أسيراً، فمات من طعنته.
ذكر انتقال بعض صنهاجة من إفريقية إلى الأندلس وما فعلوهفي هذه السنة انتقل أولاد زيري بن مناد، وهم زاوي وجلالة وماكسن إخوة بلكين، إلى الأندلس.

وسبب ذلك أنهم وقع بينهم وبين أخيهم حماد حروب وقتال على بلاد بينهم، فغلبهم حماد، فتوجهوا إلى طنجة ومنها إلى قرطبة، فأنزلهم محمد بن أبي عامر وسر بهم، وأجرى عليهم الوظائف وأكرمهم، وسألهم عن سبب انتقالهم، فأخبروه، وقالوا له: إنما اخترناك على غيرك، وأحببنا أن نكون معك نجاهد في سبيل الله. فاستحسن ذلك منهم، ووعدهم ووصلهم، فأقاموا أياماً.
ثم دخلوا عليه وسألوه إتمام ما وعدهم به من الغزو، فقال: انظروا ما أردتم من الجند نعطكم؛ فقالوا: ما يدخل معنا بلاد العدو غيرنا إلا الذين معنا من بني عمنا، وصنهاجة وموالينا؛ فأعطاهم الخيل والسلاح والأموال، وبعث معهم دليلاً، وكان الطريق ضيقاً، فأتوا أرض جليقية، فدخلوها ليلاً، وكمنوا في بستان بالقرب من المدينة، وقتلوا كل من به وقطعوا أشجاره. فلما أصبحوا خرج جماعة من البلد فضربوا عليهم وأخذوهم وقتلوهم جميعهم ورجعوا.
وتسامع العدو، فركبوا في أثرهم، فلما أحسوا بذلك كمنوا وراء ربوة، فلما جاوزهم العدو خرجوا عليهم من وراءهم، وضربوا في ساقتهم وكبروا، فلما سمع العدو تكبيرهم ظنوا أن العدد كثير، فانهزموا، وتبعهم صنهاجة، فقتلوا خلقاً كثيراً، وغنموا دوابهم وسلاحهم وعادوا إلى قرطبة، فعظم ذلك عند ابن أبي عامر، ورأى من شجاعتهم ما لم يره من جند الأندلس، فأحسن إليهم وجعلهم بطانته.
ذكر غزو ابن أبي عامر إلى الفرنج بالأندلسلما رأى أهل الأندلس فعل صنهاجة حسدوهم، ورغبوا في الجهاد، وقالوا للمنصور بن أبي عامر: لقد نشطنا هؤلاء للغزو. فجمع الجيوش الكثيرة من سائر الأقطار، وخرج إلى الجهاد، وكان رأى في منامه، تلك الليالي، كأن رجلاً أعطاه الأسبراج، فأخذه من يده وأكل منه، فعبره على ابن أبي جمعة، فقال له: اخرج إلى بلد إليون فإنك ستفتحها؛ فقال: من أين أخذت هذا ؟ فقال: لأن الأسبراج يقال له في المشرق الهليون، فملك الرؤيا قال لك: هاليون.
فخرج إليها ونازلها، وهي من أعظم مدائنهم، واستمد أهلها الفرنج، فأمدوهم بجيوش كثيرة، واقتتلوا ليلاً ونهاراً، فكثر القتل فيهم، وصبرت صنهاجة صبراً عظيماً، ثم خرج قومص كبير من الفرنج لم يكن لهم مثله، فجال بين الصفوف وطلب البراز، فبرز إليه جلالة بن زيري الصنهاجي فحمل كل واحد منهما على صاحبه، فطعنه الفرنجي فمال عن الطعنة وضربه بالسف على عاتقه فأبان عاتقه، فسقط الفرنجي إلى الأرض، وحمل المسلمون على النصارى، فانهزموا إلى بلادهم، وقتل منهم ما لا يحصى وملك المدينة.
وغنم ابن أبي عامر غنيمة عظيمة لم ير مثلها، واجتمع من السبي ثلاثون ألفاً، وأمر بالقتلى فنضدت بعضها على بعض، وأمر مؤذناً أذن فوق القتلى المغرب، وخرب مدينة قامونة، ورجع سالماً وهو وعساكره.
ذكر وفاة يوسف بلكين
وولاية ابنه المنصور
في هذه السنة، لسبع بقين من ذي الحجة، توفي يوسف بلكين بن زيري صاحب إفريقية بوارقلين.
وسبب مضيه إليها أن خزرون الزناتي دخل سجلماسة، وطرد عنها نائب يوسف بلكين، ونهب ما فيها من الأموال والعدد، وتغلب على فارس زيري ابن عطية الزناتي، فرحل يوسف إليها، فاعتل في الطريق بقولنج، وقيل خرج في يده بثرة فمات منها، فأوصى بولاية ابنه المنصور، وكان المنصور بمدينة أشير، فجلس للعزاء بأبيه، وأتاه أهل القيروان وسائر البلاد يعزونه بأبيه وينهونه بالولاية، فأحسن إلى الناس وقال لهم: إن أبي يوسف وجدي زيري كانا يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب، يعني أن الخليفة بمصر لا يقدر على عزله بكتاب.
ثم سار إلى القيروان، وسكن برقادة، وولي الأعمال، واستعمل الأمراء وأرسل هدية عظيمة إلى العزيز بالله بمصر، قيل: كانت قيمتها ألف ألف دينار، ثم عاد إلى أشير، واستخلف على جباية الأموال بالقيروان، والمهدية، وجميع إفريقية إنساناً يقال له عبدالله بن الكاتب.
ذكر أمر باذ الكردي بني مروان وملكه الموصل

في هذه السنة قوي أمر باذ الكردي، واسمه أبو عبدالله الحسين بن دوستك وهو من الأكراد الحميدية، وكان ابتداء أمره أنه كان يغزو بثغور ديار بكر كثيراً، وكان عظيم الخلقة، له بأس وشدة، فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده، فلما رأى عضد الدولة خافه وقال: ما أظنه يبقي علي؛ فهرب حين خرج من عنده، وطلبه عضد الدولة بعد خروجه ليقبض عليه، وقال: له بأسٌ وشدة، وفيه شر، ولا يجوز الإبقاء على مثله؛ فأخبر بهربه، فكف عن طلبه.
وحصل بثغور ديار بكر، وأقام بها إلى أن استفحل أمره وقوي، وملك ميافارقين وكثيراً من ديار بكر بعد موت عضد الدولة، ووصل بعض أصحابه إلى نصيبين، فاستولى عليها، فجهز صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن أردشير، فواقعه، فانهزم بهرام وأسر جماعة من أصحابه، وقوي أمر باذ، فأرسل صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمد الحاجب في عسكر كثير، فالتقوا بباجلايا على خابور الحسينية، من بلد كواشى، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير من الديلم، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير من الديلم، فقتل وأسر، ثم قتل الأسرى صبراً. وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسين البشنوي:
بباجلايا جلونا عنه غمّته، ... ونحن في الروع جلاّؤون للكرب
يعنى باذاً، وسنذكر سببه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، إن شاء الله تعالى.
ولما هزم باذ الديلم وسعداً، وفعل بهم ما تقدم ذكره، سبقه سعد فدخل الموصل، وسار باذ في أثره، فثار العامة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم، فنجا منهم بنفسه، ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها، وقويت شوكته، وحدث نفسه بالتغلب على بغداد وإزالة الديلم عنها، وخرج من حد المتطرفين، وصار في عداد أصحاب الأطراف. فخافه صمصام الدولة، وأهمه أمره وشغله عن غيره، وجمع العساكر ليسيرها إليه، فانقضت السنة.
وقد حدثني بعض أصدقائنا من الأكراد الحميدية ممن يعتني بأخبار باذ أن باذاً كنيته أبو شجاع، واسمه باذ، وأن أبا عبدالله هو الحسين بن دوستك، وهو أخو باذ، وكان ابتداء أمره أنه كان يرعى الغنم، وكان كريماً جواداً، وكان يذبح الغنم التي له ويطعم الناس، فظهر عنه اسم الجود، فاجتمع عليه الناس، وصار يقطع الطريق، وكلما حصل له شيء أخرجه، فكثر جمعه، وصار يغزو، ثم إنه دخل أرمينية، فملك مدينة أرجيش، وهي أول مدينة ملكها، فقوي بها، وسار منها إلى ديار بكر، فملك مدينة آمد، ثم ملك مدينة ميافارقين وغيرها من ديار بكر، وسار إلى الموصل فملكها كما ذكرناه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استعمل العزيز بالله الخليفة العلوي على دمشق وأعمالها بكجور التركي مولى قرعويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان، وكان له حمص، فسار منها إلى دمشق، وظلم أهلها، وعسفهم وأساء السيرة فيهم، وقد ذكرناه سنة اثنتين وسبعين مستقصىً.
وفيها وزر أبو محمد علي بن العباس بن فسانجس لشرف الدولة.
وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم أضاءت له الدنيا، وسمع له مثل دوي الرعد الشديد.
وفيها غلت الأسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد، وعدمت الأقوات، فمات كثير من الناس جوعاً.
وفيها وزر أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن سعدان لصمصام الدولة.
وفيها ورد القرامطة إلى قريب بغداد، وطمعوا بموت عضد الدولة، فصولحوا على مال أخذوه وعادوا.
وفيها، في جمادى الآخرة، توفي سعيد بن سلام أبو عثمان المغربي بنيسابور، ومولده بالقيروان، ودخل الشام، فصحب الشيوخ منهم أبو الخير الأقطع وغيره، وكان من أرباب الأحوال.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة
ذكر عود الديلم إلى الموصل
وانهزام باذ
لما استولى باذ الكردي على الموصل اهتم صمصام الدولة ووزيره ابن سعدان بأمره، فوقع الاختيار على إنفاذ زيار بن شهراكويه، وهو أكبر قوادهم، فأمره بالمسير إلى قتاله، وجهزه، وبالغ في أمره، وأكثر معه الرجال والعدد والأموال، وسار إلى باذ، فخرج إليهم، ولقيهم في صفر من هذه السنة، فأجلت الوقعة عن هزيمة باذ وأصحابه وأسر كثير من عسكره وأهله، وحملوا إلى بغداد فشهروا بها، وملك الديلم الموصل.

وأرسل زيار عسكراً مع سعد الحاجب في طلب باذ، فسلكوا على جزيرة ابن عمر، وأرسل عسكراً آخر إلى نصيبين، فاختلفوا على مقدميهم، فلم يطاوعوهم على المسير إليه، وكان باذ بديار بكر قد جمع خلقاً كثيراً فكتب وزير صمصام الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وبذل له تسليم ديار بكر إليه، فسير إليها جيشاً، فلم يكن لهم قوة بأصحاب باذ، فعادوا إلى حلب، وكانوا قد حصروا ميافارقين، فلما شاهد سعد ذلك من عسكره أعمل الحيلة في قتل باذ، فوضع رجلاً على ذلك، فدخل الرجل خيمة باذ ليلاً، وضربه بالسيف، وهو يظن أنه يضرب رأسه، فوقعت الضربة على ساقه، فصاح، وهرب ذلك الرجل، فمرض باذ من تلك الضربة، فأشفى على الموت، وكان قد جمع معه من الرجال خلقاً كثيراً، فراسل زياراً وسعداً يطلب الصلح، فاستقر الحال بينهم، واصطلحوا على أن تكون داير بكر لباذ، والنصف من طور عبدين أيضاً، وانحدر زيار إلى بغداد، وأقام سعد بالموصل.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قلد أبو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الكوفة، وهي أول إمارة بني ثمال.
وفيها خطب أبو الحسين بن عضد الدولة بالأهواز لفخر الدولة، وخطب له أبو طاهر بن عضد الدولة بالبصرة، ونقشا اسمه على السكة.
وفيها خطب لصمصام الدولة بعمان، وكانت لشرف الدولة، ونائبه بها أستاذ هرمز، فصار مع صمصام الدولة، فلما بلغ الخبر إلى شرف الدولة أرسل إليه جيشاً، فانهزم أستاذ هرمز وأخذ أسيراً، وعادت عمان إلى شرف الدولة، وحبس أستاذ هرمز في بعض القلاع وطولب بمال كثير.
وفيها توفي علي بن كامة، مقدم عسكر ركن الدولة.
وفيها أفرج شرف الدولة عن أبي منصور بن صالحان واستوزره، وقبض على وزيره أبي محمد بن فسانجس.
وفيها أرسل شرف الدولة رسولاً إلى القرامطة، فلما عاد قال: إن القرامطة سألوني عن الملك فأخبرتهم بحسن سيرته فقالوا: من ذلك أنه استوزر ثلاثة في سنة لغير سبب، فلم يغير شرف الدولة بعد هذا على وزيره أبي منصور بن صالحان.
وفي هذه السنة توفي أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي، الحافظ المشهور، وقيل في سنة تسع وستين، وكان ضعيفاً في الحديث.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
ذكر الفتنة ببغداد
في هذه السنة جرت فتنة ببغداد بين الديلم، وكان سببها أن أسفار بن كردويه، وهو من أكابر القواد، استنفر من صمصام الدولة، واستمال كثيراً من العسكر إلى طاعة شرف الدولة، واتفق رأيهم على أن يولوا الأمير بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة العراق نيابةً عن أخيه شرف الدولة.
وكان صمصام الدولة مريضاً، فتمكن أسفار من الذي عزم عليه، وأظهر ذلك، وتأخر عن الدار، وراسله صمصام الدولة يستميله ويسكنه، فما زاده إلا تمادياً، فلما رأى ذلك من حاله راسل الطائع يطلب منه الركوب معه، وكان صمصام الدولة قد أبل من مرضه، فامتنع الطائع من ذلك، فشرع صمصام الدولة، واستمال فولاذ زماندار، وكان موافقاً لأسفار إلا أنه كان يأنف من متابعته لكبر شأنه. فلما راسله صمصام الدولة أجابه، واستحلفه على ما أراد، وخرج من عنده، وقاتل أسفار، فهزمه فولاذ، وأخذ الأمير أبو نصر أسيراً، وأحضر عند أخيه صمصام الدولة، فرق له، وعلم أنه لا ذنب له، فاعتقله مكرماً، وكان عمره حينئذ خمس عشرة سنة.
وثبت أمر صمصام الدولة، وسعي إليه بابن سعدان الذي كان وزيره، فعزله، وقيل إنه كان هواه معهم، فقتل ومضى أسفار إلى الأهواز، واتصل بالأمير أبي الحسين بن عضد الدولة، وخدمه، وسار باقي العسكر إلى شرف الدولة.
ذكر أخبار القرامطةفي هذه السنة ورد إسحاق وجعفر البحريان، وهما من الستة القرامطة الذين يلقبون بالسادة، فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما في النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان لهم من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار أقطعاهم الكثير.
وكان نائبهم ببغداد يعرف بأبي بكر بن شاهويه، يتحكم تحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما، ويسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم بلاده، وبثا أصحابهما، وجبيا المال.

ووصل أبو قيس الحسن بن المنذر إلى الجامعين، وهو من أكابرهم، فأرسل صمصام الدولة العساكر، ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه، فانهزم عنهم، وأسر أبو قيس وجماعة من قوادهم، فقتلوا، فعاد القرامطة وسيروا جيشاً آخر في عدد كثير وعدة، فالتقوا هم وعساكر صمصام الدولة بالجامعين أيضاً، فأجلت الوقعة عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمهم وغيره، وأسر جماعة، ونهب سوادهم، فلما بلغ المنهزمون إلى الكوفة رحل القرامطة، وتبعهم العسك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:58 am

ذكر انهزام عساكر المنصور من صاحب سجلماسة
قد ذكرنا استيلاء خزرون وزيري الزناتيين على سجلماسة وفاس، وموت يوسف بلكين لما قصدهما، فلما مات تمكنا من تلك البلاد؛ فلما استقر المنصور سير جيشاً كثيفاً إليهما ليردهما إلى طاعته، فلما صار الجيش قريب فاس خرج إليهم صاحبها زيري بن عطية الزناتي، المعروف بالقرطاس، في عساكره، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر المنصور، وقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة كثيرة، وثبت قدمه في ولايته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خرج بعمان طائر من البحر كبير، أكبر من الفيل، ووقف على تل هناك، وصاح بصوت عالٍ، ولسان فصيح: قد قرب، قد قرب، قد قرب، ثلاثاً ثم غاص في البحر، ففعل ذلك ثلاثة أيام، ثم غاب ولم ير بعد ذلك.
وفيها جدد صمصام الدولة ببغداد على الثياب الإبرسيم والقطن المبيعة ضريبة مقدارها عشر الثمن، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع الصلاة، وكاد البلد يفتتن، فأعفوا من ذلك.
وفيها توفي ابن مؤيد الدولة بن بويه، فجلس صمصام الدولة للعزاء، فأتاه الطائع لله معزياً.
وفيها توفي أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي المشهور؛ وأبو القاسم عبد العزيز بن عبدالله الداركي وكان رئيس أصحاب الشافعي بالعراق، وتوفي في شوال وله نيف وسبعون سنة؛ وأبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد بن صالح الفقيه المالكي، ومولده سنة سبع وثمانين ومائتين، وسئل أن يلي قضاء القضاة فامتنع؛ والوليد بن أحمد بن محمد بن الوليد أبو العباس الزوزني الصوفي المحدث، كان من العلماء في الحقائق، وله تصانيف حسنة.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة
ذكر ملك شرف الدولة العراق
وقبض صمصام الدولة
في هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط فملكها، فأرسل إليه صمصام الدولة أخاه أبا نصر يستعطفه بإطلاقه، وكان محبوساً عنده، فلم يتعطف له، واتسع الخرق على صمصام الدولة، وشغب عليه جنده، فاستشار أصحابه في قصد أخيه والدخول في طاعته، فنهوه عن ذلك، وقال بعضهم: الرأي أننا نصعد إلى عكبرا لنعلم بذلك من هو لنا ممن هو علينا، فإن رأينا عدتنا كثيرة قاتلناهم وأخرجنا الأموال، وإن عجزنا سرنا إلى الموصل، فهي وسائر بلاد الجبل لنا، فيقوى أمرنا، ولا بد أن الديلم والأتراك تجري بينهم منافسة ومحاسدة ويحدث اختلال فنبلغ الغرض.
وقال بعضهم: الرأي أننا نسير إلى قرميسين تكاتب عمك فخر الدولة وتستنجده، وتسير على طريق خراسان وأصبهان إلى فارس، فتتغلب عليها، على خزائن شرف الدولة وذخائره، فما هناك ممانع ولا مدافع، فإذا فعلنا ذلك لا يقدر شرف الدولة على المقام بالعراق، فيعود حينئذ فيقع الصلح.
فأعرض صمصام الدولة عن الجميع، وسار في طيار إلى أخيه شرف الدولة في خواصه، فوصل إلى أخيه شرف الدولة، فلقيه وطيب قلبه. فلما خرج من عنده قبض عليه، وأرسل إلى بغداد من يحتاط على دار المملكة، وسار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، فنزل بالشفيعي، وأخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال، وكانت إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهراً.
ذكر الفتنة بين الأتراك والديلمفي هذه السنة جرت فتنة بين الديلم والأتراك الذين مع شرف الدولة ببغداد. وسببها أن الديلم اجتمعوا مع شرف الدولة في خلق كثير بلغت عدتهم خمسة عشرة ألف رجل، وكان الأتراك في ثلاثة آلاف، فاستطال عليهم الديلم، فجرت منازعة بين بعضهم في دار وإصطبل، ثم صارت إلى المحاربة، فاستظهر الديلم لكثرتهم، وأرادوا إخراج صمصام الدولة وإعادته إلى ملكه.
وبلغ شرف الدولة الخبر، فوكل بصمصام الدولة من يقتله إن هم الديلم بإخراجه. ثم إن الديلم لما استظهروا على الأتراك تبعوهم، فتشوشت صفوفهم، فعادت الأتراك عليهم من أمامهم وخلفهم، فانهزموا وقتل منهم زيادة على ثلاثة آلاف، ودخل الأتراك البلد، فقتلوا من وجدوه منهم، ونهبوا أموالهم، وتفرق الديلم، فبعضهم اعتصم بشرف الدولة، وبعضهم سار عنه.
فلما كان الغد دخل شرف الدولة بغداد والديلم المعتصمون به معه، فخرج الطائع لله ولقيه وهنأه بالسلامة، وقبل شرف الدولة الأرض، وأخذ الديلم يذكرون صمصام الدولة، فقيل لشرف الدولة: اقتله، وإلا ملكوه الأمر.

ثم إن شرف الدولة أصلح بين الطائفتين، وحلف بعضهم لبعض، وحمل صمصام الدولة إلى فارس، فاعتقل في قلعةٍ هناك، فرد شرف الدولة على الشريف محمد بن عمر جميع أملاكه وزاده عليها، وكان خراج أملاكه كل سنة ألفي ألف وخمس مائة ألف درهم، ورد على النقيب أبي أحمد الموسوي أملاكه، وأقر الناس على مراتبهم، ومنع الناس من السعايات ولم يقبلها، فأمنوا وسكنوا. ووزر له أبو منصور بن صالحان.
ذكر ولاية مهذب الدولة البطيحةفي هذه السنة توفي المظفر بن علي، وولي بعده ابن أخته أبو الحسن علي ابن نصر بالعهد المذكور، وكتب إلى شرف الدولة يبذل له الطاعة، ويطلب التقليد، فأجيب إلى ذلك، ولقب بمهذب الدولة، فأحسن السيرة، وبذل الخير والإحسان، فقصده الناس، وأمن عنده الخائف.
وصارت البطيحة معقلاً لكل من قصدها، واتخذها الأكابر وطناً، وبنوا فيها الدور الحسنة، ووسعهم بره وإحسانه، وكاتب ملوك الأطراف وكاتبوه، وزجه بهاء الدولة ابنته، وعظم شأنه إلى أن قصده القادر بالله فحماه، وبقي عنده إلى أن أتته الخلافة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، المنجم لعضد الدولة، وكان مولده بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين.
وفيها كان بالموصل زلزلة شديدة تهدم بها كثير من المنازل، وهلك كثير من الناس.
وفيها قتل المنصور بن يوسف، صاحب إفريقية، عبدالله الكاتب، وقام على ولاية الأعمال بإفريقية عوضه يوسف بن أبي محمد، وكان والي قفصة قبل ذلك.
وفيها كان بالعراق غلاء شديد جلا لشدته أكثر أهله.
وفيها توفي أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول التنوخي الأزرق، الأنباري الكاتب.
وأحمد بن الحسين بن علي أبو حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري الفقيه الحنفي، تفقه ببغداد على أبي الحسن الكرخي، وولي قضاء القضاة بخراسان، ومات في صفر، وكان عابداً محدثاً ثقة.
وإسحاق بن المقتدر بالله أو محمد والد القادر، ومولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه القادر وهو حينئذ أمير.
وأبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، صاحب الإيضاح؛ قيل كان معتزلياً وقد جاوز تسعين سنة.
وأبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين بن الغطريف الجرجاني، توفي في رجب، وهو عالي الإسناد في الحديث.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة
الحرب بين ابن حسنويه وشرف الدولة
ذكر الحرب بين بدر بن حسنويه وعسكر شرف الدولة
في هذه السنة جهز شرف الدولة عسكراً كثيفاً مع قراتكين الجهشياري، وهو مقدم عسكره وكبيرهم، وأمرهم بالمسير إلى بدر بن حسنويه وقتاله.
وسبب ذلك أن شرف الدولة كان مغيظاً حنقاً على بدر لانحرافه عنه، وميله إلى عمه فخر الدولة، فلما استقر ملكه ببغداد وأطاعه الناس شرع في أمره بدر، وكان قراتكين قد جاوز الحد في التحكم والإدلال، وحماية الناس على نواب شرف الدولة، فرأى أن يخرجه في هذا الوجه، فإن ظفر ببدر شفى غيظه منه، وإن ظفر به بدر استراح منه.
فساروا نحو بدر، وتجهز بدر وجمع العساكر، وتلاقيا على الوادي بقرميسين، فلما اقتتلوا انهزم بدر حتى توارى عنه، وظن قراتكين وأصحابه أنه مضى على وجهه، فنزلوا عن خيولهم وتفرقوا في خيامهم، فلم يلبثوا إلا ساعة حتى كر بدر راجعاً إليهم، وأكب عليهم، وأعجلهم عن الركوب، وقتل منهم مقتلة عظيمة، واحتوى على جميع ما في عسكرهم، ونجا قراتكين في نفرٍ من غلمانه، فبلغ جسر النهروان، وأقام به حتى اجتمع إليه المنهزمون، ودخل بغداد.
واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها، وقويت شوكته.
وأما قرتكين فإنه لما عاد من الهزيمة زاد إدلاله وتجنيه، وأغرى العسكر بالشغب، والتوثب على الوزير أبي منصور بن صالحان، فلقوه بما يكره، فلاطفهم ودفعهم، وأصلح شرف الدولة بين الوزير وبين قراتكين، وشرع في إعمال الحيلة على قراتكين، فلم تمض غير أيام حتى قبض عليه وعلى جماعة من أصحابه وكتابه، وأخذ أموالهم، وشغب الجند لأجله، فقتله شرف الدولة، فسكنوا، وقدم عليهم طغان الحاجب، فصلحت طاعته.
ذكر مسير المنصور بن يوسف لحرب كتامةفي هذه السنة جمع المنصور، صاحب إفريقية، عساكره وسار إلى كتامة قاصداً حربها.

وسبب ذلك أن العزيز بالله العلوي بمصر كان قد أرسل داعياً له إلى كتامه، يقال له أبو الفهم، واسمه حسن بن نصر، يدعوهم إلى طاعته، وغرضه أن تميل كتامة إليه وترسل إليه جنداً يقاتلون المنصور، ويأخذون إفريقية منه، لما رأى من قوته. فدعاهم أبو الفهم، فكثر تبعه، وقاد الجيوش، وعظم شأنه، وعزم المنصور على قصده، فأرسل إلى العزيز بمصر يعرفه الحال، فأرسل العزيز رسولين إلى المنصور ينهاه عن التعرض لأبي الفهم وكتامة، وأمرهما أن يسيرا إلى كتامة بعد الفراغ من رسالة المنصور.
فلما وصلا إلى المنصور وأبلغاه رسالة العزيز أغلظ القول لهما وللعزيز أيضاً، وأغلظا له، فأمرهما بالمقام عنده بقية شعبان ورمضان، ولم يتركهما يمضيان إلى كتامة، وتجهز لحرب كتامة وأبي الفهم، وسار بعد عيد الأضحى، فقصده مدينة ميلة، وأراد قتل أهلها وسبي نسائهم وذراريهم، فخرجوا إليه يتضرعون ويبكون فعفا عنهم، وخرب سورها، وسار منها إلى كتامة والرسولان معه.
فكان لا يمر بقصر ولا منزل إلا هدمه، حتى بلغ مدينة سطيف، وهي كرسي عزهم، فاقتتلوا عندها قتالاً عظيماً، فانهزمت كتامة، وهرب أبو الفهم إلى جبل وعرٍ فيه ناس من كتامة يقال لهم بنو إبراهيم، فأرسل إليهم المنصور يتهددهم إن لم يسلموه، فقالوا: هو ضيفنا ولا نسلمه، ولكن أرسل أنت إليه فخذه ونحن لا نمنعه. فأرسل فأخذه، وضربه ضرباً شديداً، ثم قتله وسلخه، وأكلت صنهاجة وعبيد المنصور لحمه، وقتل معه جماعة من الدعاة ووجوه كتامة، وعاد إلى أشير، ورد الرسولين إلى العزيز فأخبراه بما فعل بأبي الفهم، وقالا: جئنا من عند شياطين يأكلون الناس. فأرسل العزيز إلى المنصور يطيب قلبه، وأرسل إليه هدية، ولم يذكر له أبا الفهم.
ذكر معاودة باذ القتالفي هذه السنة تجدد لباذ الكردي طمع في بلاد الموصل وغيرها.
وسبب ذلك أن سعداً الحاجب الذي تقدم ذكره توفي بالموصل، فسير إليها شرف الدولة أبا نصر خواشاذه، وجهز إليه العساكر، وكتب يستمد من شرف الدولة العساكر والأموال، فتأخرت الأموال عنه، فأحضر العرب من بني عقيل وأقطعهم البلاد ليمنعوا عنها، وانحدر باذ فاستولى على طور عبدين، ولم يقدر على النزول إلى الصحراء، وأرسل أخاه في عسكر، فقاتلوا العرب، فقتل أخوه وانهزم عسكره، وأقام بعضهم مقابل بعض.
فبينما هم كذلك أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فعاد خواشاذه إلى الموصل وأظهر موته، وأقامت العرب بالصحراء تمنع باذاً من النزول إليها، وباذ بالجبل، وكان خواشاذه يصلح أمره ليعاود حرب باذ، فأتاه إبراهيم وأبو الحسين ابنا ناصر الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة جلس الطائع لله لشرف الدولة جلوساً عاماً وحضره أعيان الدولة، وخلع عليه، وحلف كل واحد منهما لصاحبه.
وفيها ولد الأمير أبو علي الحسن بن فخر الدولة في رجب.
وفيها سار الصاحب بن عباد إلى طبرستان فأصلحها، ونفى المتغلبين عنها، وفتح عدة حصون منها: حصن قريم، وعاد في سنته.
وفيها عصى الأمير أبو منصور بن كوريكنج، صاحب قزوين، على فخر الدولة، فلاطفه فخر الدولة، وبذل له الأمان والإحسان، فعاد إلى طاعته.
وفيها، في رمضان، حدثت فتنة شديدة بين الديلم والعامة بمدينة الموصل، قتل فيها مقتلة عظيمة، ثم أصلح الحال بين الطائفتين.
وفيها تأخر المطر حتى انتصف كانون الثاني، وغلت الأسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد، واستسقى الناس مرتين فلم يسقوا، حتى جاء المطر سابع عشر كانون الثاني، وزال القنوط، وتتابعت الأمطار.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة
ذكر القبض على شكر الخادم
في هذه السنة قبض شرف الدولة على شكرٍ الخادم، وكان أخص الناس عند والده عضد الدولة وأقربهم إليه، يرجع إلى قوله ويعول عليه.
وكان سبب قبضه أنه كان أيام والده يقصد شرف الدولة ويؤذيه، وهو الذي تولى إبعاده إلى كرمان من بغداد، وقام بأمر صمصام الدولة، فحقد عليه شرف الدولة ذلك، فلما ملك شرف الدولة العراق اختفى شكر، فطلبه أشد الطلب فلم يوجد، وكان له جارية حبشية قد تزوجها، فطلبها إليه، فأقامت عنده مدة تخدمه.

وكان قد علق بقلبها غيره، فصارت تأخذ المأكول وغيره وتحمله إلى حيث شاءت، فأحس بها شكر، فلم يحتملها، فضربها، فخرجت غضبى إلى باب دار شرف الدولة، فأخبرت بحال شكرٍ، فأخذ وأحضر عند شرف الدولة، فأراد قتله، فشفع فيه نحرير الخادم، فوهبه له، وأستأذنه في الحج، فأذن له، فسار إلى مكة ثم منها إلى مصر، فنال هناك منزلةً كبيرةً، وسيرد خبره إن شاء الله تعالى.
ذكر عزل بكجور عن دمشقفي هذه السنة عزل بكجور عن دمشق.
وسبب ذلك أنه أساء السيرة في دمشق، وفعل الأعمال الذميمة، وكان الوزير يعقوب بن كلس منحرفاً عنه، يسيء الرأي فيه، وانضاف إلى ذلك ما فعله بأصحابه بدمشق على ما ذكرناه. فلما بلغه فعله بدمشق تحرك في عزله، وقبح ذكره عند العزيز بالله، فأجابه إلى ذلك، فجهزت العساكر من مصر مع القائد منير الخادم، فساروا إلى الشام.
فجمع بكجور العرب وغيرها وخرج، فلقي العسكر المصري عند داريا، وقاتلهم، فاشتد القتال بينهم، فانهزم بكجور وعسكره، وخاف من وصول نزال والي طرابلس، وكان قد كوتب من مصر بمعاضدة منير، فلما انهزم بكجور خاف أن يجيء نزال فيؤخذ، فأرسل يطلب الأمان ليسلم البلد إليهم، فأجابوه إلى ذلك، فجمع ماله جميعه وسار، وأخفى أثره لئلا يغدر المصريون به، وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها، وتسلم منير البلد، ففرح به أهله وسرهم ولايته، وسنذكر سنة إحدى وثمانين باقي أخباره وقتله، إن شاء الله تعالى.
ذكر ظفر الأصفر بالقرامطةفي هذه السنة جمع إنسان يعرف بالأصفر من بني المنتفق جمعاً كثيراً، وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقتل منهم، وأسر كثير.
وسار الأصفر إلى الأحساء، فتحصن منه القرامطة، فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأموالهم ومواشيهم وسار بها إلى البصرة.
ذكر نكتة حسنةفي هذه السنة أهدى الصاحب بن عباد، أول المحرم، إلى فخر الدولة ديناراً وزنه ألف مثقال، وكان على أحد جانبيه مكتوب:
وأحمر يحكي الشمس شكلاً وصورةً ... فأوصافه مشتقّةٌ من صفاته
فإن قيل دينارٌ فقد صدق اسمه، ... وإن قيل ألفٌ كان بعض سماته
بديعٌ، ولم يطبع على الدهر مثله، ... ولا ضربت أضرابه لسراته
فقد أبرزته دولةٌ فلكيّةٌ ... أقام بها الإقبال صدر قناته
وصار إلى شاهانشاه انتسابه، ... على أنّه مستصغرٌ لعفاته
يخبّر أن يبقى سنين كوزنه ... لتستبشر الدنيا بطول حياته
تأنّق فيه عبده، وابن عبده، ... وغرس أياديه، وكافي كفاته
وكان على الجانب الآخر سورة الإخلاص، ولقب الخليفة الطائع لله، ولقب فخر الدولة، واسم جرجان لأنه ضر بها. قوله: دولة فكلية يعني أن لقب فخر الدولة كان فلك الأمة. وقوله: وكافي كفاته، فإن الصاحب كان لقبه كافي الكفاة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة تتابعت الأمطار، وكثرت البروق والرعود، والبرد الكبار، وسالت منه الأودية، وامتلأت الأنهار والآبار ببلاد الجبل، وخربت المساكن، وامتلأت الأقناء طيناً وحجارةً، وانقطعت الطرق.
وفيها عصى نصر بن الحسن بن الفيرزان بالدامغان على فخر الدولة، واجتاز به أحمد بن سعيد الشبيبي الخراساني مقبلاً من الري ومعه عسكر من الديلم لمحاربته، فلما رأى الجد في أمره راسل فخر الدولة، وعاود طاعته، فأجابه إلى قبول ذلك منه وأقره على حاله؛ وفيها توفي الأمير أبو علي بن فخر الدولة في رجب.
وفيها وقع الوباء بالبصرة والبطائح من شدة الحر، فمات خلق كثير حتى امتلأت منهم الشوارع.
وفي شعبان كثرت الرياح العواصف، وجاءت وقت العصر، خامس شعبان، ريح عظيمة بفم الصلح، فهدمت قطعة من الجامع، وأهلكت جماعة من الناس، وغرقت كثيراً من السفن الكبار المملوءة، واحتملت زورقاً منحدراً فيه دواب، وعدة من السفن، وألقت الجميع على مسافة من موضعها.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب المفيد، كان محدثاً مكثراً، ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين.
وأبو حامد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم النيسابوري، في ربيع الأول، وهو صاحب التصانيف المشهورة.

ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
ذكر سمل صمصام الدولة
كان نحرير الخادم يشير على شرف الدولة بقتل أخيه صمصام الدولة، وشرف الدولة يعرض عن كلامه، فلما اعتقل شرف الدولة واشتدت علته ألح عليه نحرير وقال له: الدولة معه على خطرٍ، فإن لم تقتله فاسلمه. فأرسل في ذلك محمداً الشيرازي الفراش، فمات شرف الدولة قبل أن يصل الفراش إلى صمصام الدولة، فلما وصل الفراش إلى القلعة التي بها صمصام الدولة لم يقدم على سلمه، فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بذلك، فسلمه. وكان صمصام الدولة يقول: ما أعماني إلا العلاء لأنه أمضى في حكم سلطان قد مات.
ذكر وفاة شرف الدولة
وملك بهاء الدولة
في هذه السنة، مستهل جمادى الآخرة، توفي الملك شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقياً، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، فدفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتين وثمانية أشهر، وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة وخمسة أشهر.
ولما اشتدت علته سير ولده أبا على إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن والعدد وجماعة كثيرة من الأتراك، فلما أيس أصحابه منه اجتمع إليه أعيانهم وسألوه أن يملك أحداً، فقال: أنا في شغل عما تدعونني إليه. فقالوا له ليأمر أخاه بهاء الدولة أبا نصر أن ينوب عنه إلى أن يعافى ليحفظ الناس لئلا تثور فتنة، ففعل ذلك، وتوقف بهاء الدولة ثم أجاب إليه.
فلما مات جلس بهاء الدولة في المملكة، وقعد للعزاء، وركب الطائع لله أمير المؤمنين إلى العزاء في الزبزب، فتلقاه بهاء الدولة، وقبل الأرض بين يديه، وانحدر الطائع لله إلى داره، وخلع على بهاء الدولة خلع السلطنة، وأقر بهاء الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته.
ذكر مسير الأمير أبي علي بن شرف الدولة إلى فارس وما كان منه مع صمصام الدولة
لما اشتد مرض شرف الدولة جهز ولده الأمير أبا علي وسيره إلى فارس ومعه والدته وجواريه، وسير معه من الأموال والجواهر والسلاح أكثرها. فلما بلغ البصرة أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فسير ما معه في البحر إلى أرجان، وسار هو مجداً إلى أن وصل إليها، واجتمع معه من بها من الأتراك، وساروا نحو شيراز، وكاتبهم متوليها وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليسلمها إليهم، وكان المرتبون في القلعة التي بها صمصام الدولة وأخوه أبو طاهر قد أطلقوهما ومعهما فولاذ وساروا إلى سيراف.
واجتمع على صمصام الدولة كثير من الديلم. وسار الأمير أبو علي إلى شيراز، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك والديلم، وخرج الأمير أبو علي من داره إلى معسكر الأتراك، فنزل معهم، واجتمع الديلم وقصدوا ليأخذوه ويسلموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القناع، ونابذوا الأتراك، وجرى بينهم قتال عدة أيام.
ثم سار أبو علي والأتراك إلى فسا، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من مال، وقتلوا من بها من الديلم، وأخذوا أموالهم وسلاحهم فقووا بذلك.
وسار أبو علي إلى أرجان، وعاد الأتراك إلى شيراز، فقاتلوا صمصام الدولة ومن معه من الديلم، ونهبوا البلد، وعادوا إلى أبي علي بأرجان، وأقاموا معه مديدةً.
ثم وصل رسول من بهاء الدولة إلى أبي علي وأدى الرسالة، وطيب قلبه ووعده، ثم إنه راسل الأتراك سراً، واستمالهم إلى نفسه، وأطعمهم، فحسنوا لأبي علي المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه، فلقيه بواسط منتصف جمادى الآخرة سنة ثمانين وثلاثمائة، فأنزله وأكرمه، وتركه عدة أيام، وقبض عليه، ثم قتله بعد ذلك بيسير، وتجهز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصد بلاد فارس.
ذكر الفتنة ببغداد بين الأتراك والديلموفي هذه السنة أيضاً وقعت الفتنة ببغداد بين الأتراك والديلم، واشتد الأمر، ودام القتال بينهم خمسة أيام، وبهاء الدولة في داره يراسلهم في الصلح، فلم يسمعوا قوله، وقتل بعض رسله.
ثم إنه خرج إلى الأتراك، وحضر القتال معهم، فاشتد حينئذ الأمر، وعظم الشر، ثم إنه شرع في الصلح، ورفق بالأتراك، وراسل الديلم، فاستقر الحال بينهم، وحلف بعضهم لبعض، وكانت مدة الحرب اثني عشر يوماً.
ثم إن الديلم تفرقوا، فمضى فريق بعد فريق، وأخرج بعضهم، وقبض على البعض، فضعف أمرهم، وقويت شوكة الأتراك، واشتدت حالهم.

ذكر مسير فخر الدولة إلى العراق وما كان منه
وفي هذه السنة سار فخر الدولة بن ركن الدولة من الري إلى همذان، عازماً على قصد العراق والاستيلاء عليها.
وكان سبب حركته أن الصاحب بن عباد كان يحب العراق لا سيما بغداد، ويؤثر التقدم بها، ويرصد أوقات الفرصة، فلما توفي شرف الدولة علم أن الفرصة قد أمنت، فوضع على فخر الدولة من يعظم عنده ملك العراق، ويسهل أمره عليه، ولم يباشر هو ذلك خوفاً من خطر العاقبة، إلى أن قال له فخر الدولة: ما عندك في هذا الأمر ؟ فأحال على أن سعادته تسهل كل صعب، وعظم البلاد؛ فتجهز وسار إلى همذان، وأتاه بدر بن حسنويه، وقصده دبيس بن عفيف الأسدي، فاستقر الأمر على أن يسير الصاحب بن عباد وبدر إلى العراق على الجادة، ويسير فخر الدولة على خوزستان. فلما سار الصاحب حذر فخر الدولة من ناحيته، وقيل له ربما استماله أولاد عضد الدولة، فاستعاده إليه، وأخذه معه إلى الأهواز فملكها، وأساء السيرة مع جندها، وضيق عليهم، ولم يبذل الماء، فخابت ظنون الناس فيه، واستشعر منه أيضاً عسكره، وقالوا: هكذا يفعل بنا إذا تمكن من إرادته، فتخاذلوا.
وكان الصاحب قد أمسك نفسه تأثراً بما قيل عنه من اتهامه، فالأمور بسكوته غير مستقيمة. فلما سمع بهاء الدولة بوصولهم إلى الأهواز سير إليهم العساكر، والتقوا هم وعساكر فخر الدولة.
فاتفق أن دجلة الأهواز زادت ذلك الوقت زيادة عظيمة وانفتحت البثوق منها، فظنها عسكر فخر الدولة مكيدة، فانهزموا، فقلق فخر الدولة من ذلك، وكان قد استبد برأيه، فعاد حينئذ إلى رأي الصاحب، فأشار ببذل المال، واستصلاح الجند، وقال له: إن الرأي في مثل هذه الأوقات إخراج المال وترك مضايقة الجند، فإن أطلقت المال ضمنت لك حصول أضعافه بعد سنة. فلم يفعل ذلك، وتفرق عنه كثير من عسكر الأهواز، واتسع الخرق عليه، وضاقت الأمور به، فعاد إلى الري، وقبض في طريقه على جماعة من القواد الرازيين، وملك أصحاب بهاء الدولة الأهواز.
ذكر هرب القادر بالله إلى البطيحةفي هذه السنة هرب القادر بالله من الطائع لله إلى البطيحة فاحتمى فيها.
وكان سبب ذلك أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفي جرى بين القادر وبين أخت له منازعة في ضيعة وطال الأمر بينهما. ثم إن الطائع لله مرض مرضاً أشفى منه، ثم أبل، فسعت إليه بأخيه القادر وقالت له: إنه شرع في طلب الخلافة عند مرضك؛ فتغير رأيه فيه، فأنفذ أبا الحسن بن النعمان وغيره للقبض عليه، وكان بالحريم الطاهري، فأصعدوا في الماء إليه.
وكان القادر قد رأى في منامه كأن رجلاً يقرأ عليه: (الَّذِينَ قَاَلَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمٍ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ) آل عمران: 173 فهو يحكي هذا المنام لأهله ويقول: أنا خائف من طالب يطلبني؛ ووصل أصحاب الطائع لله إليه واستدعوه، فأراد لبس ثيابه، فلم يمكنوه من مفارقتهم، فأخذه النساء منهم قهراً، وخرج عن داره واستتر، ثم سار إلى البطيحة، فنزل على مهذب الدولة، فأكرم نزله، ووسع عليه، وحفظه، وبالغ في خدمته، ولم يزل عنده إلى أن أتته الخلافة، فلما وليها جعل علامته: (حَسْبُنَا اللُه وَنِعْمَ الوَكِيلُ) آل عمران: 173.
ذكر عود بني حمدان إلى الموصلفي هذه السنة ملك أبو طاهر إبراهيم وأبو عبدالله الحسين ابنا ناصر الدولة ابن حمدان الموصل.
وسبب ذلك أنهما كانا في خدمة شرف الدولة ببغداد، فلما توفي وملك بهاء الدولة استأذنا في الإصعاد إلى الموصل، فأذن لهما، فأصعدا، ثم علم القواد الغلط في ذلك، فكتب بهاء الدولة إلى خواشاذه، وهو يتولى الموصل، يأمره بدفعهما عنها، فأرسل إليهما خواشاذه يأمرهما بالعود عنه، فأعادا جواباً جميلاً، وجدا في السير حتى نزلا بالدير الأعلى بظاهر الموصل.
وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك، فنهبوهم، وخرجوا إلى بني حمدان، وخرج الديلم إلى قتالهم، فهزمهم المواصلة وبنو حمدان، وقتل منهم خلق كثير، واعتصم الباقون بدار الإمارة، وعزم أهل الموصل على قتلهم والاستراحة منهم، فمنعهم بنو حمدان عن ذلك، وسيروا خواشاذه ومن معه إلى بغداد، وأقاموا بالموصل، وكثر العرب عندهم.
ذكر خلاف كتامة على المنصور

وفي هذه السنة خرج إنسان آخر من كتامة يقال له أبو الفرج، لا يعرف من أي موضعٍ هو، وزعم أن أباه ولد القائم العلوي، جد المعز لدين الله، فعمل أكثر مما عمله أبو الفهم، واجتمعت إليه كتامة، واتخذ البنود والطبول، وضرب السكة، وجرت بينه وبين نائب المنصور وعساكره بمدينة ميلة وسطيف حروب كثيرة ووقعات متعددة، فسار المنصور إليه في عساكره، وزحف هو إلى المنصور في عساكر كتامة، فكان بينهما حرب شديدة، فانهزم أبو الفرج وكتامة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، واختفى أبو الفرج في غارٍ في جبل، فوثب عليه غلامان كانا له فأخذاه وأتيا به المنصور، فسره ذلك وقتله شر قتلة.
وشحن المنصور بلاد كتامة بالعساكر، وبث عماله فيها، ولم يدخلها عامل قبل ذلك، فجبوا أموالها، وضيقوا على أهلها.
ورجع المنصور إلى مدينة أشير، فأتاه سعيد بن خزرون الزناتي، وكان أبوه قد تغلب على سجلماسة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وصار في طاعة المنصور، واختص به، وعلت منزلته عنده، فقال له المنصور يوماً: يا سعيد هل تعرف أحداً أكرم مني ؟ وكان قد وصله بمال كثير، فقال: نعم ! أنا أكرم منك. فقال المنصور: وكيف ذلك ؟ قال: لأنك جدت علي بالمال، وأنا جدت عليك بنفسي. فاستعمله المنصور على طبنة، وزوج ابنه ببعض بنات سعيد. فلامه على ذلك بعض أهله، فقال: كان أبي وجدي يستتبعانهم بالسيف، وأما أنا فمن رماني برمح رميته بكيس، حتى تكون مودتهم طبعاً واختياراً.
ورجع سعيد إلى أهله، وبقي إلى سنة إحدى وثمانين، ثم عاد إلى المنصور زائراً، فاعتل سعيد أياماً، وتوفي أول رجب. ثم قدم فلفل بن سعيد على المنصور، فأحسن إليه، وحمل إليه مالاً كثيراً، فرده إلى طبنة ولاية أبيه.
ذكر خلاف عم المنصور عليهوفي هذه السنة أيضاً خالف أبو البهار عم المنصور بن يوسف بلكين، صاحب إفريقية، عليه لشيء جرى عليه من المنصور لم يحمله له لعزة نفسه، فسار المنصور إليه بتاهرت، ففارقها عمه إلى الغرب بمن معه من أهله وأصحابه، ودخل عسكر المنصور تاهرت فانتهبوها، ثم طلب أهلها الأمان فأمنهم، ثم سار في طلب عمه حتى جاوز تاهرت سبع عشرة مرحلة، ولقي العسكر شدة.
وقصد عمه زيري بن عطية، صاحب فاس، فأكرمه، وأعلى محله، وبقي جنده يغيرون على نواحي المنصور.
وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قصدوا النواحي المجاورة لفاس، فأوقعوا بأصحاب المنصور بها واستولوا عليها. ثم ندم أبو البهار، فسار إلى المنصور معتذراً مما جرى منه، فقبله المنصور، وأحسن إليه وأكرمه، وحمل إليه كل ما يحتاج إليه من مالٍ وغيره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبي الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي، وكان قد عظم شأنه مع شرف الدولة، واتسع جاهه، وكثرت أمواله، فلما ولي بهاء الدولة سعى به أبو الحسن المعلم إليه، وأطمعه في أمواله وملكه، وعظم ذلك عنده وقبض عليه.
وفيها أسقط بهاء الدولة ما كان يؤخذ من المراعي من سائر السواد.
وفيها ولد الأمير أبو طالب رستم بن فخر الدولة.
وفيها خرج ابن الجراح الطائي على الحجاج بين سميراء وفيد ونازلهم، فصالحوه على ثلاثمائة ألف درهم، وشيء من الثياب، فأخذها وانصرف.
وفيها بني جامع القطيعة ببغداد.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن العباس بن أحمد بن جلاد أبو العباس السلمي النقاش، كان من متكلمي الأشعرية، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان الكلام، وكان ثقةً في الحديث.
ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة
ذكر قتل باذ
في هذه السنة قتل باذ الكردي، صاحب ديار بكر.
وكان سبب قتله أن أبا طاهر والحسين ابني حمدان لما ملكا الموصل طمع فيها باذ، وجمع الأكراد فأكثر، وممن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك، وكانوا كثيراً، ففي ذلك يقول الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعتد عليهم بنجدتهم خالهم باذاً من قصيدة:
البشنويّة أنصارٌ لدولتكم، ... وليس في ذا خفاً في العجم والعرب
أنصار باذٍ بأرجيشٍ وشيعته، ... بظاهر الموصل الحدباء في العطب
بباجلايا جلونا عنه غمته ... ونحن في الروع جلاؤون للكرب

وكاتب أهل الموصل فاستمالهم، فأجابه بعضهم فسار إليهم، ونزل بالجانب الشرقي، فضعفا عنه، وراسلا أبا الذواد محمد بن المسيب، أمير بني عقيل، واستنصراه، فطلب منهما جزيرة ابن عمر، ونصيبين، وبلداً، وغير ذلك، فأجاباه إلى ما طلب، واتفقوا، وسار إليه أبو عبدالله بن حمدان وأقام أبو طاهر بالموصل يحارب باذاً.
فلما اجتمع أبو عبدالله وأبو الذواد سارا إلى بلد، وعبرا دجلة، وصارا مع باذ على أرض واحدة وهو لا يعلم، فأتاه الخبر بعبورهما وقد قارباه، فأراد الانتقال إلى الجبل لئلا يأتيه هؤلاء من خلفه وأبو طاهر من أمامه، فاختلط أصحابه، وأدركه الحمدانية، فناوشوهم القتال، وأراد باذ الانتقال من فرس إلى آخر، فسقط واندقت ترقوته، فأتاه ابن أخته أبو علي ابن مروان، وأراده على الركوب فلم يقدر، فتركوه وانصرفوا واحتموا بالجبل.
ووقع باذ بين القتلى فعرفه بعض العرب فقتله وحمل رأسه إلى بني حمدان وأخذ جائزةً سنيةً، وصلبت جثته على دار الإمارة، فثار العامة وقالوا: رجل غازٍ، ولا يحل فعل هذا به؛ وظهر منهم محبة كثيرة له، وأنزلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه.
ذكر ابتداء دولة بني مروانلما قتل باذ سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن كيفا، وهو على دجلة، وهو من أحصن المعاقل، وكان به امرأة باذ وأهله، فلما بلغ الحصن قال لزوجة خاله: قد أنفذني خالي إليك في مهم؛ فظنته حقاً، فلما صعد إليها أعلمها بهلاكه، وأطمعها في التزوج بها، فوافقته على ملك الحصن وغيره، ونزل وقصد حصناً حصناً، حتى ملك ما كان لخاله، وسار إلى ميافارقين؛ وسار إليه أبو طاهر وأبو عبدالله ابنا حمدان طمعاً فيه، ومعهما رأس باذ، فوجدا أبا علي قد أحكم أمره، فتصافوا واقتتلوا، وظفر أبو علي وأسر أبا عبدالله بن حمدان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر، وهو بآمد يحصرها، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان، فلم يفعل، واضطر أبو عبدالله إلى موافقته، وسارا إلى ابن مروان فواقعاه، فهزمها، وأسر أبا عبدالله أيضاً فأساء إليه وضيق عليه، إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع فيه فأطلقه، ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب، وأقام بتلك الديار إلى أن توفي.
وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذواد فأسره وعلياً ابنه والمزعفر أمير بني نمير، وقتلهم صبراً.
وأقام ابن مروان بديار بكر وضبطها، وأحسن إلى أهلها، وألان جانبه لهم، فطمع فيه أهل ميافارقين، فاستطالوا على أصحابه، فأمسك عنهم إلى يوم العيد، وقد خرجوا إلى المصلى، فلما تكاملوا في الصحراء وافى إلى البلد، وأخذ أبا الصقر شيخ البلد فألقاه من على السور، وقبض على من كان معه، وأخذ الأكراد ثياب الناس خارج البلد، وأغلق أبواب البلد، وأمر أهله أن ينصرفوا حيث شاءوا، ولم يمكنهم من الدخول فذهبوا كل مذهب.
وكان قد تزوج ست الناس بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فأتته من حلب، فعزم على زفافها بآمد، فخاف شيخ البلد، واسمه عبد البر، أن يفعل بهم مثل فعله بأهل ميافارقين، فأحضر ثقاته وحلفهم على كتمان سره، وقال لهم: قد صح عزم الأمير على أن يفعل بكم مثل فعله بأهل ميافارقين، وهو يدخل من باب الماء ويخرج من باب الجهاد، فقفوا له في الدركاه، وانثروا عليه هذه الدراهم، ثم اعتمدوا بها وجهه، فإنه سيغطيه بكمه، فاضربوه بالسكاكين في مقتله؛ ففعلوا.
وجرت الحال كما وصف، وتولى قتله إنسان يقال له ابن دمنة كان فيه إقدام وجرأة، فاختبط الناس وماجوا، فرمى برأسه إليهم فأسرعوا السير إلى ميافارقين.
وحدث جماعة من الأكراد نفوسهم بملك البلد، فاستراب بهم مستحفظ ميافارقين لإسراعهم، وقال: إن كان الأمير حياً فادخلوا معه، وإن كان قتل فأخوه مستحق لموضعه فما كان بأسرع من أن وصل ممهد الدولة أبو منصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين، ففتح له باب البلد فدخله وملكه، ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة لما نذكره.
وأما عبد البر فاستولى على آمد، وزوج ابن دمنة، الذي قتل أبا علي ابنته فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله، وملك آمداً، وعمر البلد، وبنى لنفسه قصراً عند السور، وأصلح أمره مع ممهد الدولة، وهادى ملك الروم، وصاحب مصر، وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره.

وأما ممهد الدولة فإنه كان معه إنسان من أصحابه يسمى شروة، حاكماً في مملكته، وكان لشروة غلام قد ولاه الشرطة، وكان ممهد الدولة يبغضه، ويريد قتله، ويتركه احتراماً لصاحبه، ففطن الغلام لذلك، فأفسد ما بينهما، فعمل شروة طعاماً بقلعة الهتاخ، وهي إقطاعه، ودعا إليها ممهد الدولة، فلما حضر عنده قتله، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة، وخرج من الدار إلى بني عم ممهد الدولة، فقبض عليهم وقيدهم، وأظهر أن ممهد الدولة أمره بذلك، ومضى إلى ميافارقين وبين يديه المشاعل، ففتحوا له ظناً منهم أنه ممهد الدولة، فملكها، وكتب إلى أصحاب القلاع يستدعيهم، وأنفذ إنساناً إلى أرزن ليحضر متوليها، ويعرف بخواجه أبي القاسم، فسار خواجه نحو ميافارقين، ولم يسلم القلعة إلى القاصد إليه.
فلما توسط الطريق سمع بقتل ممهد الدولة، فعاد إلى أرزن، وأرسل إلى أسعرد، فأحضر أبا نصر بن مروان أخا ممهد الدولة، وكان أخوه قد أبعده عنه، وكان يبغضه لمنام رآه، وهو أنه رأى كأن الشمس سقطت في حجره، فنازعه أبو نصر عليها وأخذها، فأبعده لهذا، وتركه بأسعرد مضيقاً عليه، فلما استدعاه خواجه قال له دبير: تفلح ؟ قال: نعم.
وكان شروة قد أنفذ إلى أبي نصر، فوجدوه قد سار إلى ارزن، فعلم حينئذ انتقاض أمره. وكان مروان والد ممهد الدولة قد أضر، وهو بأرزن، عند قبر ابنه أبي علي، هو وزوجته، فأحضر خواجه أبا نصر عندهما، وحلفه على القبول منه، والعدل، وأحضر القاضي والشهود على اليمين وملكه أرزن، ثم ملك سائر بلاد ديار بكر، فدامت أيامه، وأحسن السيرة، وكان مقصداً للعلماء من سائر الآفاق، وكثروا ببلاده.
وممن قصده أبو عبدالله الكازروني، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر، وقصده الشعراء وأكثروا مدحه وأجزل جوائزهم، وبقي كذلك من سنة اثنتين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين، فتوفي فيها، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، وكانت الثغور معه آمنة، وسيرته في رعيته أحسن سيرةٍ، فلما مات ملك بلاده ولده.
ذكر ملك آل المسيب الموصللما انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي علي بن مروان، كما ذكرناه، سار إلى نصيبين في قلة من أصحابه، وكانوا قد تفرقوا، فطمع فيه أبو الذواد محمد ابن المسيب، أمير بني عقيل، وكان صاحب نصيبين حينئذ، كما ذكرناه، فثار بأبي طاهر، فأسره وأسر ولده وعدة من قوادهم، وقتلهم، وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها، وكاتب بهاء الدولة يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه يتولى الأمور، فسير إليه قائداً من قواده.
وكان هاء الدولة قد سار من العراق إلى الأهواز، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأقام نائب بهاء الدولة، وليس له من الأمر شيء ولا يحكم إلا فيما يريده أبو الذواد، وسيرد من ذكره وذكر عقبه ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
ذكر مسير بهاء الدولة إلى الأهواز وما كان منه ومن صمصام الدولةفي هذه السنة سار بهاء الدولة عن بغداد إلى خوزستان عازماً على قصد فارس، واستخلف ببغداد أبا نصر خواشاذه، ووصل إلى البصرة ودخلها، وسار عنها إلى خوزستان، فأتاه نعي أخيه أبي طاهر، فجلس للعزاء به، ودخل أرجان فاستولى عليها وأخذ ما فيها من الأموال، فكان ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، ومن الثياب والجواهر ما لا يحصى، فلما علم الجند بذلك شغبوا شغباً متتابعاً فأطلقت تلك الأموال كلها لهم ولم يبق منها إلا القليل. ثم سارت مقدمته وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبندجان، وبها عساكر صمصام الدولة، فهزمهم، وبث أصحابه في نواحي فارس، فسير إليهم صمصام الدولة عسكراً وعليهم فولاذ زماندار، فواقعهم، فانهزم أبو العلاء وعاد مهزوماً.
وكان سبب الهزيمة أنه كان بين العسكرين وادٍ وعليه قنطرة، وكان أصحاب أبي العلاء يعبرون القنطرة ويغيرون على أثقال الديلم، عسكر صمصام الدولة، فوضع فولاذ كميناً عند القنطرة، فلما عبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا عليهم فقتلوهم جميعهم، وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه، ثم سار إليه وكبسه، فانهزم من بين يديه وعاد إلى أرجان مهزوماً، وغلت الأسعار بها.

ولما بلغ الخبر إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ، وترددت الرسل في الصلح، فتم على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان، ولبهاء الدولة خوزستان والعراق، وأن يكون لكل واحدٍ منهما إقطاع في بلد صاحبه، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز.
ولما سار بهاء الدولة عن بغداد ثار العيارون بجانبي بغداد، ووقعت الفتن بين السنة والشيعة، وكثر القتل بينهم، وزالت الطاعة، وأحرق عدة محال، ونهبت الأموال، وأخربت المساكن، ودام ذلك عدة شهور إلى أن عاد بهاء الدولة إلى بغداد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض بهاء الدولة على وزيره أبي منصور بن صالحان، واستوزر أبا نصر سابور بن أردشير قبل ميره إلى خوزستان، وكان المدبر لدولة بهاء الدولة أبا الحسين المعلم، وإليه الحكم.
وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وزير العزيز، صاحب مصر، وكان كامل الأوصاف، متمكناً من صاحبه، فلما مرض عاده العزيز صاحب مصر، وقال: وددت أنك تباع فأبتاعك بملك، فهل من حاجة ترضى بها ؟ فبكى، وقبل يده، ووضعها على عينه، وقال: أما فيما يخصني فإنك أرعى لحقي من أن أوصيك بمخلفي، ولكن فيما يتعلق بدولتك سالم الحمدانية ما سالموك، واقنع منهم بالدعة، وإن ظفرت بالمفرج فلا تبق عليه.
فلما مات حزن العزيز عليه، وحضر جنازته، وصلى عليه، وألحده بيده في قصره، وأغلق الدواوين عدة أيام، واستوزر بعده أبا عبدالله الموصلي، ثم صرفه، وقلد عيسى بن نسطورس النصراني، فمال إلى النصارى وولاهم، واستناب بالشام يهودياً يعرف بمنشا، ففعل مع إليهود مثل ما فعل عيسى بالنصارى، وجرى على المسلمين تحامل عظيم.
وفيها، في ربيع الأول، قلد الشريف أبو أحمد والد الرضي نقابة العلويين والمظالم، وإمارة الحج، وحج الناس أبو عبدالله أحمد بن محمد بن عبدالله العلوي نيابةً عن النقيب أبي أحمد الموسوي.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الفقيه الحنفي، ومولده سنة عشرين وثلاثمائة.
وفيها توفي عبدالله محمد بن عبد البر النمري بالأندلس، والد الإمام أبي عمر بن عبد البر.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 5:59 am

ذكر القبض على الطائع لله
في هذه السنة قبض الطائع لله، قبضه بهاء الدولة، وهو الطائع لله أبو كر عبد الكريم بن الفضل المطيع لله بن جعفر المقتدر بالله بن المعتضد بالله ابن أبي أحمد الموفق بن المتوكل.
وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة قلت عنده الأموال، فكثر شغب الجند، فقبض على وزيره سابور، فلم يغن عنه ذلك شيئاً.
وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة، وحكم في مملكته، فحسن له القبض على الطائع، وأطمعه في ماله، وهون عليه ذلك وسهله، فأقدم عليه بهاء الدولة، وأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحضور في خدمته ليجدد العهد به، فأذن له في ذلك، وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كثير، فلما دخل قبل الأرض، وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد أن يقبل يد الخليفة فجذبه، فأنزله عن سريره، والخليفة يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)؟! وهو يستغيث ولا يلتفت إليه، وأخذ ما في دار الخليفة من الذخائر فمشوا به في الحال، ونهب الناس بعضهم بعضاً، وكان من جملتهم الشريف الرضي فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتاً من جملتها:
من بعد ما كان ربّ الملك مبتسماً ... إليّ أدنوه في النجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه، ... لقد تقارب بين العزّ والهون
ومنظرٌ كان بالسّراء يضحكني؛ ... يا قرب ما عاد بالضّراء يبكيني
هيهات أغترّ بالسّلطان ثانيةً، ... قد ضلّ ولاّج أبواب السلاطين
ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، وكان مدة خلافته سبع عشرة سنة وثمانية شهور وستة أيام، وحمل إلى القادر بالله لما ولي الخلافة، فبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين، ليلة الفطر، وصلى عليه القادر بالله، وكبر عليه خمساً.
وكان مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان أبيض، مربوعاً، حسن الجسم؛ وكان أنفه كبيراً جداً، وكان شديد القوة، كثير الإقدام، اسم أمه عتب، وعاشت إلى أن أدركت أيامه، ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته.

ذكر خلافة القادر بالله
لما قبض على الطائع لله ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة، فاتفقوا على القادر بالله وهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد، وأمه أم ولد اسمها دمنة، وقيل تمنى، وكان بالبطيحة، كما ذكرناه، فأرسل إليه بهاء الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداد ليتولى الخلافة، فانحدروا إليه، وشغب الديلم ببغداد، ومنعوا من الخطبة، فقيل على المنبر: اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله، ولم يذكروا اسمه، وأرضاهم بهاء الدولة.
ولما وصل الرسل إلى القادر بالله كان تلك الساعة يحكي مناماً رآه تلك الليلة، وهو ما حكاه هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال: كنت أحضر عند القادر بالله كل أسبوع مرتين، فكان يكرمني، فدخلت عليه يوماً فوجدته قد تأهب تأهباً لم تجر به عادته، ولم أر منه ما ألفته من إكرامه، واختلفت بي الظنون، فسألته عن سبب ذلك، فإن كان لزلة مني اعتذرت عن نفسي. فقال: بل رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا، نهر الصليق، قد اتسع، فصار مثل دجلة، دفعات، فسرت على حافته متعجباً منه، ورأيت قنطرة عظيمة، فقلت: من قد حدث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم ؟ ثم صعدتها، وهي محكمة، فبينا أنا عليها أتعجب منها إذ رأيت شخصاً قد تأملني من ذلك الجانب، فقال: أتريد أن تعبر ؟ قلت نعم فمد يده حتى وصلت إلي، فأخذني وعبرني، فهالني وتعاظمني فعله، قلت: من أنت ؟ قال: علي بن أبي طالب، وهذا الأمر صائر إليك، ويطول عمرك فيه، فأحسن إلى ولدي وشيعتي.
فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم، وسألنا عن ذلك، وإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة، فخاطبته بإمرة المؤمنين وبايعته، وقام مهذب الدولة بخدمته أحسن قيام، وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك للخلفاء وشيعه. فسار القادر بالله إلى بغداد، فلما دخل جبل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس لاستقباله، وساروا في خدمته، فدخل دار الخلافة ثاني عشر رمضان، وبايعه بهاء الدولة والناس، وخطب له ثالث عشر رمضان، وجدد أمر الخلافة، وعظم ناموسها، وسيرد من أخباره، إن شاء الله تعالى، وما يعلم به ذلك، وحمل إليه بعض ما نهب من دار الخلافة، وكانت مدة مقامه في البطيحة سنتين وأحد عشر شهراً ولم يخطب له في جميع خراسان، كانت الخطبة فيها للطائع لله.
ذكر ملك خلف بن أحمد كرمانفي هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد، صاحب سجستان، وهو ابن بانوا بنت عمرو بن الليث الصفار، ابنه عمراً إلى كرمان فملكها.
وكان سبب ذلك أنه كان لما قوي أمره، وجمع الأموال الكثيرة، حدث نفسه بملك كرمان، ولم يتهيأ له ذلك لهدنة كانت بينه وبين عضد الدولة. فلما مات عضد الدولة، وملك شرف الدولة، واستقر أمره وانتظم، وأمن ملكه، لم يتحرك بشيء من ذلك. فلما توفي شرف الدولة، واضطرب ملوك بني بويه، ووقع الخلف بين صمصام الدولة وبهاء الدولة، قوي طمعه، وانتهز الفرصة، وجهز ولده عمراً، وسيره في عسكر كثير إلى كرمان، وبها قائد يقال له تمرتاش كان قد استعمله شرف الدولة، فلم يشعر تمرتاش إلا وعمرو قد قاربه، فلم يكن له ولمن معه حيلة إلا الدخول إلى بردسير، وحملوا ما أمكنهم حمله، وغنم عمروا الباقي، وملك كرمان ما عدا بردسير، وصادر الناس وجبى الأموال.
فلما وصل الخبر إلى صمصام الدولة، وهو صاحب فارس، جهز العساكر وسيرها إلى تمرتاش، وقدم عليهم قائداً يقال له أبو جعفر، وأمره بالقبض على تمرتاش عند الاجتماع به، لأنه اتهمه بالميل إلى أخيه بهاء الدولة. فسار أبو جعفر، فلما اجتمع بتمرتاش أنزله عنده بعلة الاجتماع على ما يفعلانه، ! وقبض عليه وحمله إلى شيراز، فسار أبو جعفر بالعسكر جميعه يقصد عمرو ابن خلف ليحاربه، فالتقوا بدارزين واقتتلوا، فانهزم أبو جعفر والديلم، وعادوا على طريق جيرفت.

وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة وأصحابه، فانزعجوا لذلك، ثم اجمعوا أمرهم على إنفاذ العباس بن أحمد في عسكر أكثر من الأول، فسيروه في عدد كثير وعدة ظاهرة، فسار حتى بلغ عمراً، فالتقوا بقرب السيرجان، واقتتلوا فكانت الهزيمة على عمرو بن خلف وأسر جماعة من قواده وأصحابه، وكان هذا في المحرم سنة اثنتين وثمانين، وعاد عمرو إلى أبيه بسجستان مهزوماً، فلما دخل عليه لامه ووبخه، ثم حبسه أياماً، ثم قتله بين يديه وتولى غسله والصلاة عليه، ودفنه في القلعة. فسبحان الله ما كان أقسى قلب هذا الرجل مع علمه ومعرفته ! ثم إن صمصام الدولة عزل العباس عن كرمان واستعمل عليها أستاذ هرمز، فلما وصل إلى كرمان خافه خلف بن أحمد، فكاتبه في تجديد الصلح، واعتذر عن فعله، فاستقر الصلح، وأنفذ خلف قاضياً كان بسجستان يعرف بأبي يوسف كان له قبول عند العامة والخاصة، ووضع عليه إنساناً يكون معه وأمره أن يسقيه سماً إذا صار عند أستاذ هرمز ويعود مسرعاً ويشيع بأن أستاذ هرمز قتله.
فسار أبو يوسف إلى كرمان، فصنع له أستاذ هرمز طعاماً، فحضره وأكل منه، فلما عاد إلى منزله سقاه ذلك الرجل سماً فمات منه، وركب جمازة وسار مجداً إلى خلف، فجمع له خلف وجوه الناس ليسمعوا له، فذكر أن أستاذ هرمز قتل القاضي أبا يوسف، وبكى خلف وأظهر الجزع عليه، ونادى في الناس بغزو كرمان والأخذ بثأر أبي يوسف، فاجتمع الناس واحتشدوا، فسيرهم مع ولده طاهر، فوصلوا إلى نرماسير، وبها عسكر الديلم، فهزموهم وأخذوا البلد منهم.
ولحق الديلم بجيرفت، فاجتمعوا بها، وجعلوا ببردسير من يحميها، وهي أصل بلاد كرمان ومصرها، فقصدها طاهر وحصرها ثلاثة أشهر، فضاق بأهلها، وكتبوا إلى أستاذ هرمز يعلمونه حالهم، وأنه إن لم يدركهم سلموا البلد. فركب الخطر وسار مجداً في مضايق وجبال وعرة، حتى أتى بردسير، فلما وصل إليها رحل طاهر ومن معه عنها، وعادوا إلى سجستان، واستقرت كرمان للديلم، وكان ذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ذكر عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتلهلما وصل بكجور إلى الرقة منهزماً من عساكر مصر بدمشق وأقام، على ما ذكرناه، واستولى على الرحلة وما يجاور الرقة، راسل الملك بهاء الدولة ابن بويه بالانضمام إليه، وكاتب أيضاً باذاً الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل بالمسير إليه، وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب، بأن يعود إلى طاعته على قاعدته الأولى ويقطعه منه مدينة حمص كما كانت له، فليس فيهم من أجابه إلى شيء مما طلب، فبقي في الرقة يراسل جماعة رفقاء من مماليك سعد الدولة، ويستميلهم، فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة، وأخبروه أنه مشغول بلذاته وشهواته عن تدبير الملك؛ فأرسل حينئذ بكجور إلى العزيز بالله، صاحب مصر، يطمعه في حلب، ويقول له إنها دهليز العراق، ومتى أخذت كان ما بعدها أسهل منها، ويطلب الإنجاد بالعساكر. فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل إلى نزال، والي طرابلس، وإلى ولاة غيرها من البلاد الشامية يأمرهم بتجهيز العساكر مع نزال إلى بكجور، والتصرف على ما يأمرهم به من قتال سعد الدولة وقصد بلاده.
وكتب عيسى بن نسطورس النصراني، وزير العزيز، إلى نزال يأمره بمدافعة بكجور، وإطماعه في المسير إليه، فإذا تورط في قصد سعد الدولة تخلى عنه.
وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنه كان بينه وبين بكجور عداوة مستحكمة، وولي الوزارة بعد وفاة ابن كلس، فكتب إلى نزال ما ذكرناه. فلما وصل أمر العزيز إلى نزال بإنجاد بكجور كتب إليه يعرفه ما أمر به من نجدته بنفسه وبالعساكر معه، وقال له بكجور: مسيرك عن الرقة يوم كذا، ومسيري أنا عن طرابلس يوم كذا، ويكون اجتماعنا على حلب يوم كذا؛ وتابع رسله إليه بذلك، فسار مغتراً بقوله إلى بالس، فامتنعت عليه، فحصرها خمسة أيام فلم يظفر بها فسار عنها.
وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة، فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير، ومولى أبيه سيف الدولة، وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه إلى الموادعة، ورعاية حق الرق والعبودية، ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فلم يقبل منه ذلك.

وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده، فسير إليه جيشاً كثيراً من الروم، وكاتب أيضاً من مع بكجور من العرب يرغبهم في الإقطاع، والعطاء الكثير، والعفو عن مساعدتهم بكجور، فمالوا إليه، ووعدوه الهزيمة بين يديه، فلما التقى العسكران اقتتلوا، واشتد القتال، فلما اختلط الناس في الحرب وشغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه، واستأمنوا إلى سعد الدولة، فلما رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمائة رجل، وعزم على أ، يقصد موقف سعد الدولة ويلقي نفسه عليه، فإما له وإما عليه، فهرب واحد ممن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرفه ذلك، فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن يتحرك من موقفه ويقف مكانه، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع. فحمل بكجور ومن معه، فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد عج الناس منه واستعظموه كلهم، فلما رأى لؤلؤاً ألقى نفسه عليه وهو يظنه سعد الدولة، فضربه على رأسه، فسقط إلى الأرض، فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه، ففرح به أصحابه وقويت نفوسهم، وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال، فمضى منهزماً هو وعامة أصحابه، وتفرقوا، وبقي منهم معه سبعة أنفس، وكثر القتل والأسر في الباقين.
ولما طال الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار، فوقف فرسه، فنزل عنه وسار راجلاً، فلحقه نفر من العرب، فأخذوا ما عليه، وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه، وضمن له حمل بعير ذهباً ليوصله إلى الرقة، فلم يصدقه لبخله المشهور عنه، فتركه في بيته وتوجه إلى سعد الدولة فعرفه أن بكجور عنده، فحكمه سعد الدولة في مطالبه، فطلب مائتي فدان ملكاً، ومائة ألف درهم، ومائة جمل تحمل له حنطة، وخمسين قطعة ثياباً، فأعطاه ذلك أجمع وزيادة وسير معه سرية، فتسلموا بكجور وأحضروه عند سعد الدولة، فلما رآه أمر بقتله، فقتل، ولقي عاقبة بغيه وكفره. إحسان مولاه.
فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها، وبها سلامة الرشيقي، ومعه أولاد بكجور وأبو الحسن علي بن الحسين المغربي وزير بكجور، فسلموا البلد إليه بأمان وعهود أكدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم، وللوزير المغربي، ولسلامة الرشيقي، ولأموالهم، فلما خرج أولاد بكجور بأموالهم رأى سعد الدولة ما معهم، فاستعظمه واستكثره.
وكان عند القاضي ابن أبي الحصين، فقال سعد الدولة: ما كنت أظن أن بكجور يملك هذا جميعه؛ فقال له القاضي: لم لا تأخذه ؟ فهو لكلأنه مملوك لا يملك شيئاً، ولا حرج عليك ولا حنث. فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم، وهرب الوزير المغربي إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم، فأرسل إليه يشفع فيهم، ويأمره أن يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن لم يفعل. فأهان الرسول وقال له: قل لصاحبك أنا سائر إليك. وسير مقدمته إلى حمص ليلحقهم.
ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدانفلما برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه قولنج، فعاد إلى حلب ليتداوى، فزال ما به وعوفي، وعزم على العود إلى معسكره، وحضر عند إحدى سراريه فواقعها فسقط عنها وقد فلج وبطل نصفه، فاستدعى الطبيب، فقال له: أعطني يدك لآخذ محبسك؛ فأعطاه اليسرى، فقال: أعطني اليمين؛ فقال: لا تركت لي اليمين يميناً، يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه، وقد ذكر ذلك، وندم عليه حيث لم تنفعه الندامة، وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي الفضائل، وصى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله.
فلما توفي قام أبو الفضائل، وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد، وتراجعت العساكر إلى حلب.
وكان الوزير أبو الحسن المغربي قد سار من مشهد علي، عليه السلام، إلى العزيز بمصر، وأطمعه في حلب، فسير جيشاً وعليهم منجوتكين أحد أمرائه إلى حلب، فسار إليها في جيش كثيف فحصرها، وبها أبو الفضائل ولؤلؤ، فكتبا إلى بسيل ملك الروم يستنجدانه، وهو يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه بأنطاكية يأمره بإنجاد أبي الفضائل، فسار في خمسين ألفاً، حتى نزل على الجسر الجديد بالعاصي، فلما سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل، وعبر إليهم العاصي، وأوقعوا بالروم فهزموهم وولوا الأدبار إلى إنطاكية، وكثر القتل فيهم.

وسار منجوتكين إلى إنطاكية، فنهب بلدها وقراها وأحرقها، وأنفذ أبو الفضائل إلى بلد حلب، فنقل ما فيه من الغلال، وأحرق الباقي إضراراً بعساكر مصر، وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها، فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي وغيرهم وبذل لهم مالاً ليردوا منجوتكين عنهم، هذه السنة، بعلة تعذر الأقوات، ففعلوا ذلك، وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب، فأجابهم إليه وسار إلى دمشق.
ولما بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب، وإبعاد المغربي، وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس، ومنها إلى العسكر، فنازل العسكر حلب، وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهراً، فقلت الأقوات بحلب.
وعاد إلى مراسلة ملك الروم والاعتضاد به، وقال له: متى أخذت حلب أخذت إنطاكية وعظم عليك الخطب. وكان قد توسط بلاد البلغار، فعاد وجد في السير، وكان الزمان ربيعاً، وعسكر مصر قد أرسل إلى منجوتكين يعرفه الحال، وأتته جواسيسه بمثل ذلك، فأخرب ما كان بناه من سوق وحمام وغير ذلك، وسار كالمنهزم عن حلب، ووصل ملك الروم فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ، وعاد إلى حلب، ورحل بسيل إلى الشام، ففتح حمص وشيزر ونهبهما، وسار إلى طرابلس فنازلها، فامتنعت عليه، وأقام عليها نيفاً وأربعين يوماً، فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم.
ولما بلغ الخبر إلى العزيز عظم عليه، ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم، وبرز من القاهرة، وحدث به أمراض منعته، وأدركه الموت، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل المنصور، صاحب إفريقية، نائبه في البلاد يوسف، واستعمل بعده على البلاد أبا عبدالله محمد بن أبي العرب.
وفيها توفي القائد جوهر، بعد عزله، وجوهر هذا هو الذي فتح مصر للمعز العلوي.
وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي نصر سابور بالأهواز، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف.
وفيها أيضاً قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه وأبي عبدالله بن طاهر، بعد عوده من خوزستان، وكان سب قبضهما أن أبا نصر كان شحيحاً، فلم يواصل ابن المعلم بخدمه وهداياه، فشرع في القبض عليه.
وفيها هرب فولاذ زماندر من عند صمصام الدولة إلى الري، وكان سبب هربه أنه تحكم على صمصام الدولة تحكماً عظيماً أنف منه، فأراد القبض عليه، فعلم به فهرب منه.
وفيها كتب أهل الرحبة إلى بهاء الدولة يطلبون إنفاذ من يسلمون إليه الرحبة، فأنفذ خمارتكين الحفصي إلى الرحبة فتسلمها، وسار منها إلى الرقة، وبها بدر غلام سعد الدولة بن حمدان، فجرت بينهما وقعات، فلم يظفر بها، وبلغه اختلاف ببغداد، فعاد، فخرج عليه بعض العرب، فأخذوه أسيراً، ثم افتدى منهم بمال كثير.
وفيها حلف بهاء الدولة للقادر بالله على الطاعة، والقيام بشروط البيعة، وحلف له القادر بالوفاء والخلوص، وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه.
وفيها كثرت الفتن بين العامة ببغداد، وزالت هيبة السلطنة، وتكرر الحريق في المحال، واستمر الفساد.
وفيها توفي قاضي القضاة عبيدالله بن أحمد بن معروف أبو محمد، ومولده سنة ست وثلاثمائة، وكان فاضلاً، عفيفاً، نزيهاً، وكان معتزلياً؛ ومحمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان أبو بكر المعروف بابن المقري الأصبهاني، وله ست وتسعون سنة، وهو راوي مسند أبي يعلى الموصلي عنه.
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة
ذكر عود الديلم إلى الموصل
كان بهاء الدولة قد أنفذا أبا جعفر الحجاج بن هرمز في عسكر كثير إلى الموصل، فملكها آخر سنة إحدى وثمانين، فاجتمعت عقيل، وأميرهم أبو الذواد محمد بن المسيب، على حربه، فجرى بينهم عدة وقائع ظهر من أبي جعفر فيها بأس شديد، حتى إنه كان يضع له كرسياً بين الصفين ويجلس عليه، فهابه العرب، واستمد من بهاء الدولة عسكراً، فأمده بالوزير أبي القاسم علي بن أحمد، وكان مسيره أول هذه السنة، فلما وصل إلى العسكر كتب بهاء الدولة إلى أبي جعفر بالقبض عليه، فعلم أبو جعفر إنه إن قبض عليه اختلف العسكر، وظفر به العرب، فتراجع في أمره.

وكان سبب ذلك أن ابن المعلم كان عدواً له، فسعى به عند بهاء الدولة، فأمر بقبضه، وكان بهاء الدولة أذناً يسمع ما يقال له ويفعل به، وعلم الوزير الخبر، فشرع في صلح أبي الذواد وأخذ رهائنه والعود إلى بغداد، فأشار عليه أصحابه باللحاق بأبي الذواد، فلم يفعل أنفةً، وحسن عهدٍ، فلما وصل إلى بغداد رأى ابن المعلم قد قبض وقتل وكفي شره.
ولما أتاه خبر قبض ابن المعلم وقتله ظهر عليه الانكسار، فقال له خواصه: ما هذا الهم وقد كفيت شر عدوك ؟ فقال: إن ملكاً قرب رجلاً كما قرب بهاء الدولة ابن المعلم، ثم فعل به هذا، لحقيق بأن تخاف ملابسته.
وكان بهاء الدولة قد أرسل الشريف أبا أحمد الموسوي رسولاً إلى أبي الذواد، فأسره العرب، ثم أطلقوه فورد إلى الموصل وانحدر إلى بغداد.
ذكر تسليم الطائع إلى القادر
وما فعله معه
في هذه السنة، في رجب، سلم بهاء الدولة الطائع لله إلى القادر بالله، فأنزله حجرةً، من خاص حجره، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته، وأحسن ضيافته، وكان يطلب الزيادة في الخدمة كما كان أيام الخلافة، فيؤمر له بذلك.
حكي عنه أن القادر بالله أرسل إليه طيباً فقال: من هذا يتطيب أبو العباس ؟ يعني القادر، فقالوا: نعم ! فقال: قولوا له عني: في الموضع الفلاني كندوج أستعمله، فليرسل إلي بعضه ويأخذ الباقي لنفسه. ففعل ذلك. وأرسل إليه يوماً القادر بالله عدسية، فقال: ما هذا ؟ فقالوا: عدس وسلق، فقال: أوقد أكل أبو العباس من هذا ؟ نعم؛ قال: له عني: لما أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت، فما كانت العدسية تعوزك، ولم تقلدت هذا الأمر ؟ فأمر حينئذ القادر أن يفرد له جارية من طباخاته تطبخ له ما يلتمسه كل يوم؛ فأقام على هذا إلى أن توفي.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبي الحسن بن المعلم، وكان قد استولى على الأمور كلها، وخدمه الناس كلهم، حتى الوزراء، فأساء السيرة مع الناس، فشغب الجند في هذا الوقت، وشكوا منه، وطلبوا منه تسليمه إليهم، فراجعهم بهاء الدولة، ووعدهم كف يده عنهم، فلم يقبلوا منه، فقبض عليه وعلى جميع أصحابه، فظن أن الجند يرجعون، فلم يرجعوا، فسلمه إليهم، فسقوه السم مرتين، فلم يعمل فيه شيئاً، فخنقوه ودفنوه.
وفيها، في شوال، تجددت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم، واشتد الحال، فركب أبو الفتح محمد بن الحسن الحاجب، فقتل وصلب، فسكن البلد.
وفيها غلت الأسعار ببغداد، فبيع رطل الخبز بأربعين درهماً.
وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي القاسم علي بن أحمد المذكور، وكان سبب قبضه أن بهاء الدولة اتهمه بمكاتبة الجند في أمر ابن المعلم، واستوزر أبا نصر بن سابور، وأبا منصور بن صالحان، جمع بينهما في الوزارة.
وفيها قبض صمصام الدولة على وزيره أبي القاسم العلاء بن الحسن بشيراز، وكان غالباً على أمره، وبقي محبوساً إلى سنة ثلاث وثمانين، فأخرجه صمصام الدولة واستوزره، وكان يدبر الأمر مدة حبسه أبو القاسم المدلجي.
وفيها نزل ملك الروم بأرمينية، وحصر خلاط، وملازكرد، وأرجيش، فضعفت نفوس الناس عنه، ثم هادنه أبو علي الحسن بن مروان مدة عشر سنين، وعاد ملك الروم.
وفيها، في شوال، ولد الأمير أبو الفضل بن القادر بالله.
وفيها سار بغراخان ايلك، ملك الترك، بعساكره إلى بخارى، فسير الأمير نوح بن منصور جيشاً كثيراً، ولقيهم ايلك وهزمهم، فعادوا إلى بخارى مفلولين، وهو في أثرهم، فخرج نوح بنفسه وسائر عسكره، ولقيه فاقتتلوا قتالاً شديداً وأجلت المعركة عن هزيمة ايلك، فعاد منهزماً إلى بلاساغون، وهي كرسي مملكته.
وفيها توفي أبو عمرو محمد بن العباس بن حسنويه الخزار، ومولده سنة خمس وتسعين ومائتين.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
ذكر خروج أولاد بختيار
في هذه السنة ظهر أولاد بختيار من محبسهم، واستولوا على القلعة التي كانوا معتقلين بها.
وكان سبب حبسهم أن شرف الدولة أحسن إليهم، بعد والده، وأطلقهم، وأنزلهم بشيراز، وأقطعهم، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا مستحفظها ومن معه من الديلم، فأفرجوا عنهم، وأنفذوا إلى أهل تلك النواحي، وأكثرهم رجالة، فجمعوهم تحت القلعة.

وعرف صمصام الدولة الحال، فسير أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر، فلما قاربهم تفرق من معهم من الرجالة، وتحصن بنو بختيار، وكانوا ستة، ومن معهم من الديلم بالقلعة، وحصرهم أبو علي، وراسل أحد وجوه الديلم وأطمعه في الإحسان، فأصعدهم إلى القلعة سراً، فملكوها، وأخذوا أولاد بختيار أسراء، فأمر صمصام الدولة بقتل اثنين منهم وحبس الباقين، ففعل ذلك بهم.
ذكر ملك صمصام الدولة خوزستانفي هذه السنة ملك صمصام الدولة خوزستان.
وكان سبب نقض الصلح أن بهاء الدولة سير أبا العلاء عبدالله بن الفضل إلى الأهواز، وتقدم إليه بأن يكون مستعداً لقصد بلاد فارس، وأعلمه أنه يسير إليه العساكر متفرقين، فإذا اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتةً، فلا يشعر صمصام الدولة إلا وهم معه في بلاده.
فسار أبو العلاء، ولم يتهيأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر، وظهر الخبر، فجهز صمصام الدولة عسكره وسيرهم إلى خوزستان، وكتب أبو العلاء إلى بهاء الدولة بالخبر وبطلب إمداده بالعساكر، فسير إليه عسكراً كثيراً، ووصلت عساكر فارس، فلقيهم أبو العلاء، فانهزم هو وأصحابه وأخذ أسيراً وحمل إلى صمصام الدولة، فألبس ثياباً مصبغة وطيف به، وسألت فيه والدة صمصام الدولة، فلم يقتله، واعتقله.
ولما سمع بهاء الدولة بذلك أزعجه وأقلقه، وكانت خزانته قد خلت من الأموال، فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ليحصل ما أمنه، وأعطاه رهوناً من الجواهر والأعلاق النفسية ليقترض عليها من مهذب الدولة، صاحب البطيحة، فلما وصل إلى واسط تقرب منها إلى مهذب الدولة، وترك ما معه من الرهون بحاله، وأرسل بهاء الدولة ورهنها واقترض عليها.
ذكر ملك الترك بخارىفي هذه السنة ملك مدينة بخارى شهاب الدولة هارون بن سليمان ايلك المعروف ببغراخان التركي، وكان له كاشغر وبلاساغون إلى حد الصين.
وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور لما مات وولي ابنه أبو علي خراسان بعده، كاتب الأمير الرضي نوح بن منصور يطلب أن يقره على ما كان أبوه يتولاه، فأجيب إلى ذلك، وحملت إليه الخلع، وهو لا يشك أنها له، فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل إليها، وبها فائق، فأوصل الخلع والعهد بخراسان إليه، فعلم أبو علي أنهم مكروا به، وأن هذا دليل سوء يريدونه به، فلبس فائق الخلع وسار عن هراة نحو أبي علي فبلغه الخبر، فسار جريدة في نخبة أصحابه، وطوى المنازل حتى سبق خبره، فأوقع بفائق فيما بين بوشنج وهراة، فهزم فائقاً وأصحابه، وقصدوا مرو الروذ.
وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك، وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفائق، فعاد أبو علي إلى نيسابور ظافراً وجبى أموال خراسان، فكتب إليه نوح يستنزله عن بعضها ليصرفه في أرزاق جنده، فاعتذر إليه ولم يفعل، وخاف عاقبة المنع، فكتب إلى بغراخان المذكور يدعوه إلى أن يقصد بخارى ويملكها على السامانية، وأطمعه فيهم، واستقر الحال بينهما على أن يملك بغراخان ما وراء النهر كله، ويملك أبو علي خراسان، فطمع بغراخان في البلاد، وتجدد له إليها حركة.
وأما فائق فإنه أقام بمرو الروذ حتى انجبر كسره واجتمع إليه أصحابه وسار نحو بخارى من غير إذن، فارتاب الأمير نوح به، فسير إليه الجيوش وأمرهم بمنعه، فلما لقوه قاتلوه، فانهزم فائق وأصحابه، وعاد على عقبيه، وقصد ترمذ. فكتب الأمير نوح إلى صاحب الجوزجان من قبله، وهو أبو الحرث أحمد بن محمد الفريغوني، وأمره بقصد فائق، فجمع جمعاً كثيراً وسار نحوه، فأوقع بهم فائق فهزمهم وغنم أموالهم.
وكاتب أيضاً بغراخان يطمعه في البلاد، فسار نحو بخارى، وقصد بلاد السامانية، فاستولى عليها شيئاً بعد شيء. فسير إليه نوح جيشاً كثيراً، واستعمل عليهم قائداً كبيراً من قواده اسمه انج، فلقيهم بغراخان، فهزمهم وأسر انج وجماعة من القواد، فلما ظفر بهم قوي طمعه في البلاد، وضعف نوح وأصحابه، وكاتب الأمير نوح أبا علي بن سيمجور يستنصره، ويأمره بالقدوم إليه بالعساكر، فلم يجبه إلى ذلك، ولا لبى دعوته، وقوي طمعه في الاستيلاء على خراسان.

وسار بغراخان نحو بخارى، فلقيه فائق، واختص به، وصار في جملته، ونازلوا بخارى، فاختفى الأمير نوح، وملكها بغراخان ونزلها، وخرج نوح منها مستخفياً فعبر النهر إلى آمل الشط، وأقام بها، ولحق به أصحابه، فاجتمع عنده منهم جمع كثير، وأقاموا هناك.
وتابع نوحٌ كتبه إلى أبي علي ورسله يستنجده ويخضع له، فلم يصغ إلى ذلك. وأما فائق فإنه استأذن بغراخان في قصد بلخ والاستيلاء عليها، فأمره بذلك، فسار نحوها ونزلها.
ذكر عود نوح إلى بخارى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
الشيخ عودة
الشيخ عودة
الشيخ عودة



عدد المساهمات : 1748
تاريخ التسجيل : 28/09/2008
العمر : 74

كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير - صفحة 5 Emptyالأحد فبراير 23, 2014 6:00 am

وموت بغراخان
لما نزل بغراخان بخارى وأقام بها استوخمها، فلحقه مرض ثقيل، فانتقل عنها نحو بلاد الترك، فلما فارقها ثار أهلها بساقة عسكره ففتكوا بهم وغنموا أموالهم، ووافقهم الأتراك الغزية على النهب والقتل لعسكر بغراخان.
فلما سار بغراخان عن بخارى أدركه أجله فمات، ولما سمع الأمير نوح بمسيره عن بخارى بادر إليها فيمن معه من أصحابه، فدخلها، وعاد إلى دار ملكه وملك آبائه، وفرح أهلها به وتباشروا بقدومه.
وأما بغراخان فإنه لما مات عاد أصحابه إلى بلادهم، وكان ديناً، خيراً، عادلاً، حسن السيرة، محباً للعلماء وأهل الدين، مكرماً لهم، وكان يحب أن يكتب عنه: مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وولي أمر الترك بعده أيلك خان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كثر شغب الديلم على بهاء الدولة، ونهبوا دار الوزير أبي نصر ابن سابور، واختفى منهم، واستعفى ابن صالحان من الأنفراد بالوزارة فأعفي، واستوزر أبا القاسم علي بن أحمد، ثم هرب، وعاد سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم.
وفيها جلس القادر بالله لأهل خراسان، بعد عودهم من الحج، وقال لهم في معنى الخطبة له، وحملوا رسالة وكتباً إلى صاحب خراسان في المعنى.
وفيها عقد النكاح للقادر على بنت بهاء الدولة بصداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان العقد بحضرته، والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى، والد الرضي، وماتت قبل النقلة.
وفيها كان بالعراق غلاء شديد فبيعت كارة الدقيق بمائتين وستين درهماً، وكر الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم غياتية. وفيها بنى أبو نصر سابور بن أردشير ببغداد داراً للعلم، ووقف فيها كتباً كثيرة على المسلمين المنتفعين بها.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الماسرجسي، الفقيه الشافعي، شيخ أبي الطيب الطبري بنيسابور، وأبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر.
وأبو طالب عبد السلام بن الحسن المأموني، وهو من أولاد المأمون، وكان فاضلاً حسن الشعر.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
ذكر ولاية محمود بن سبكتكين خراسان
وإجلاء أبي علي عنها
في هذه السنة ولى الأمير نوح محمود بن سبكتكين خراسان وكان سبب ذلك أن نوحاً لما عاد إلى بخارى، على ما تقدم ذكره، سقط في يد أبي علي، وندم على ما فرط فيه من ترك معونته عند حاجته إليه.
وأما فائق فإنه لما استقر نوح ببخارى حدث نفسه بالمسير إليه، والاستيلاء عليه، والحكم في دولته، فسار عن بلخ إلى بخارى. فلما علم نوح بذلك سير إليه الجيوش لترده عن ذلك، فلقوه واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم فائق وأصحابه، ولحقوا بأبي علي، ففرح بهم، وقوي جنانه بقربهم، واتفقوا على مكاشفة الأمير نوح بالعصيان، فلما فعلوا ذلك كتب الأمير نوح إلى سبكتكين، وهو حينئذ بغزنة، يعرفه الحال، ويأمره بالمسير إليه لينجده، وولاه خراسان.
وكان سبكتكين في هذه الفتن مشغولاً بالغزو، غير ملتفت إلى ما هم فيه، فلما أتاه كتاب نوح ورسوله أجابه إلى ما أراد، وسار نحو جريدة، واجتمع به، وقررا بينهما ما يفعلانه، وعاد سبكتكين فجمع العساكر وحشد. فلما بلغ أبا علي وفائقاً الخبر جمعا، وراسلا فخر الدولة بن بويه يستنجدانه، ويطلبان منه عسكراً، فأجابهما إلى ذلك، وسير إليهما عسكراً كثيراً، وكان وزيره الصاحب بن عباد هو الذي قرر القاعدة في ذلك.

وسار سبكتكين من غزنة، ومعه ولده محمود، نحو خراسان، وسار نوح فاجتمع هو وسبكتكين، فقصدوا أبا علي وفائقاً، فالتقوا بنواحي هراة، واقتتلوا، فانحاز دارا بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبي علي إلى نوح ومعه أصحابه، فانهزم أصحاب أبي علي، وركبهم أصحاب سبكتكين يأسرون، ويقتلون، ويغنمون، وعاد أبو علي وفائق نحو نيسابور، وأقام سبكتكين ونوح بظاهر هراة حتى استراحوا وساروا نحو نيسابور، فلما علم بهم أبو علي سار هو وفائق نحو جرجان، وكتبا إلى فخر الدولة بخبرهما، فأرسل إليهما الهدايا والتحف والأموال، وأنزلهما بجرجان.
واستولى نوح على نيسابور، واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، ولقبه سيف الدولة، ولقب أباه سبكتكين ناصر الدولة، فأحسنا السيرة، وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وأقام محمود بنيسابور.
ذكر عود الأهواز إلى بهاء الدولةفي هذه السنة ملك بهاء الدولة الأهواز.
وكان سببه أنه أنفذ عسكراً إليها، عدتهم سبع مائة رجل، وقدم عليهم طغان التركي، فلما بلغوا السوس رحل عنها أصحاب صمصام الدولة، فدخلها عسكر بهاء الدولة، وانتشروا في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم من الترك، فعلت كلمتهم على الديلم، وتوجه صمصام الدولة إلى الأهواز ومعه عساكر الديلم وتميم وأسد. فلما بلغ تستر رحل ليلاً ليكبس الأتراك من عسكر بهاء الدولة، فضل الأدلاء في الطريق، فأصبح على بعدٍ منهم، ورأتهم طلائع الأتراك، فعادوا بالخبر، فحذروا، واجتمعوا، واصطفوا، وجعل مقدمهم، واسمه طغان، كميناً، فلما التقوا واقتتلوا خرج الكمين على الديلم، فكانت الهزيمة، وانهزم صمصام الدولة ومن معه من الديلم، وكانوا ألوفاً كثيرة، واستأمن منهم أكثر من ألفي رجل، وغنم الأتراك من أثقالهم شيئاً كثيراً.
وضرب طغان للمستأمنة خيماً يسكنونها، فلما نزلوا اجتمع الأتراك وتشاوروا وقالوا: هؤلاء أكثر من عدتنا، ونحن نخاف أن يثوروا بنا؛ واستقر رأيهم على قتلهم، فلم يشعر الديلم إلا وقد ألقيت الخيام عليهم، ووقع الأتراك فيهم بالعمد حتى أتوا عليهم فقتلوا كلهم.
وورد الخبر على بهاء الدولة، وهو بواسط، قد اقترض مالاً من مهذب الدولة، فلما سمع ذلك سار إلى الأهواز، وكان طغان والأتراك قد ملكوها قبل وصوله إليها.
وأما صمصام الدولة فإنه لبس السواد وسار إلى شيراز فدخلها، فغيرت والدته ما عليه من السواد، وأقام يتجهز للعود إلى أخيه بهاء الدولة بخوزستان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عقد النكاح لمهذب الدولة على ابنة بهاء الدولة، وللأمير أبي منصور بويه بن بهاء الدولة على ابنة مهذب الدولة، وكان الصداق من كل جانب مائة ألف دينار.
وفيها قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه.
وفيها عاد الحجاج من الثعلبية، ولم يحج من العراق والشام أحد، وسبب عودهم أن الأصيفر، أمير العرب، اعترضهم وقال: إن الدراهم التي أرسلها السلطان عام أول كانت نقرة مطلية، وأريد العوض؛ فطالت المخاطبة والمراسلة وضاق الوقت على الحجاج فرجعوا.
وفيها توفي أبو القاسم النقيب الزينبي، وولي النقابة بعده ابنه أبو الحسن.
وفيها ولي نقابة الطالبيين أبو الحسن النهرسابسي، وعزل عنها أبو أحمد الموسوي، وكان ينوب عنه فيها ابناه المرتضى والرضي.
وفيها توفي عبدالله بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، وكان من الصالحين، حج من نيسابور ماشياً، وبقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط ولا إلى مخدة؛ وعلي بن الحسين بن جموية بن زيد أبو الحسين الصوفي، سمع الحديث، وحدث وصحب أبا الخير الأقطع وغيره، وعلي ابن عيسى بن علي بن عبدالله أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، ومولده سنة ست وتسعين ومائتين، روى عن أبن دريد وغيره، وله تفسير كبير؛ ومحمد بن العباس بن أحمد بن القزاز أبو الحسن، سمع الكثير، وكتب الكثير، وخطه حجة في صحة النقل وجودة الضبط؛ وأبو عبيدالله محمد بن عمران المرزباني الكاتب؛ والمحسن بن علي بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو علي التنوخي القاضي، ومولده سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وكان فاضلاً.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، الكاتب المشهور، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد زمن، وضاقت به الأمور، وقلت عليه الأموال.

وفيها اشتد أمر العيارين ببغداد، ووقعت الفتنة بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة، واحترق كثير من المحال، ثم اصطلحوا.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
ذكر عود أبي علي إلى خراسان
لما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وسبكتكين إلى هراة، وبقي محمود بنيسابور، طمع أبو علي وفائق في خراسان، فسارا عن جرجان إلى نيسابور في ربيع الأول، فلما بلغ محموداً خبرهما كتب إلى أبيه بذلك، وبرز هو فنزل بظاهر نيسابور وأقام ينتظر المدد، فأعجلاه، فصبر لهما، فقاتلاه، وكان في قلة من الرجال، فانهزم عنهما نحو أبيه، وغنم أصحابهما منه شيئاً كثيراً، وأشار أصحاب أبي علي عليه باتباعه، وإعجاله ووالده عن الجميع والاحتشاد، فلم يفعل، وأقام بنيسابور، وكاتب الأمير نوحاً يستميله، ويستقيل من عثرته وزلته، وكذلك كاتب سبكتكين بمثل ذلك، وأحال بما جرى على فائق، فلم يجيباه إلى ما أراد.
وجمع سبكتكين العساكر، فأتوه على كل صعبٍ وذلولٍ، وسار نحو أبي علي، فالتقوا بطوس في جمادى الآخرة، فاقتتلوا عامة يومهم، وأتاهم محمود بن سبكتكين في عسكر ضخم من ورائهم، فانهزموا وقتل من أصحابهم خلق كثير، ونجا أبو علي وفائق، فقصدا أبيورد، فتبعهم سبكتكين، واستخلف ابنه محموداً بنيسابور، فقصدا مرو ثم آمل الشط، وراسلا الأمير نوحاً يستعطفانه، فأجاب أبا علي إلى ما طلب من قبول عذره إن فارق فائقاً ونزل بالجرجانية، ففعل ذلك، فحذره فائق، وخوفه من مكيدتهم به ومكرهم، فلم يلتفت لأمر يريده الله، عز وجل، ففارق فائقاً وسار نحو الجرجانية فنزل بقرية بقرب خوارزم تسمى هزار أس، فأرسل إليه أبو عبدالله خوارزمشاه من أقام له ضيافة، ووعده أنه يقصده ليجتمع به، فسكن إلى ذلك.
فلما كان الليل أرسل إليه خوارزمشاه جمعاً من عسكره فأحاطوا به وأخذوه أسيراً في رمضان من هذه السنة، فاعتقله في بعض دوره، وطلب أصحابه، فأسر أعيانهم وتفرق الباقون.
وأما فائق فإنه سار إلى ايلك خان بما وراء النهر، فأكرمه وعظمه، ووعده أن يعيده إلى قاعدته، وكتب إلى نوح يشفع في فائق وأن يولى سمرقند، فأجابه إلى ذلك، وأقام بها.
ذكر خلاص أبي علي
وقتل خوارزمشاه
لما أسر أبو علي بلغ خبره إلى مأمون بن محمد، والي الجرجانية، فقلق لذلك وعظم عليه، وجمع عساكره وسار نحو خوارزمشاه، وعبر إلى كاث، وهي مدينة خوارزمشاه، فحصروها وقاتلوها، وفتحوها عنوةً، وأسروا أبا عبدالله خورازمشاه، وأحضروا أبا علي ففكوا عنه قيده وأخذوه وعادوا إلى الجرجانية، واستخلف مأمون بخوارزم بعض أصحابه، وصارت في جملة ما بيده، وأحضر خوارزمشاه وقتله بين يدي أبي علي بن سيمجور.
ذكر قبض أبي علي بن سيمجور
وموته
لما حصل أبو علي عند مأمون بن محمد بالجرجانية كتب إلى الأمير نوح يشفع فيه، ويسأل الصفح عنه، فأجيب إلى ذلك، وأمر أبا علي بالمسير إلى بخارى، فسار إليها فيمن بقي معه من أهله وأصحابه، فلما بلغوا بخارى لقيهم الأمراء والعساكر، فلما دخلوا على الأمير نوح أمر بالقبض عليهم.
وبلغ سبكتكين أن ابن عزير، وزير الأمير نوح، يسعى في خلاص أبي علي، فأرسل إليه يطلب أبا علي إليه، فحبسه، فمات في حبسه سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان ذلك خاتمة أمره، وآخر حال بيت سيمجور جزاءً لكفران إحسان مولاهم، فتبارك الحي الدائم الباقي الذي لا يزول ملكه.
وكان ابنه أبو الحسن قد لحق بفخر الدولة بن بويه، فأحسن إليه وأكرمه، فسار عنه سراً إلى خراسان لهوىً كان له بها، وظن أن أمره يخفى، فظهر حاله، فأخذ أسيراً وسجن عند والده.
وأما أبو القاسم أخو أبي علي فإنه أقام في خدمة سبكتكين مدة يسيرة، ثم ظهر منه خلاف الطاعة، وقصد نيسابور، فلم يتم له ما أراد، وعاد محمود ابن سبكتكين إليه، فهرب منه وقصد فخر الدولة وبقي عنده، وسيرد باقي أخباره، إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة الصاحب بن عبادفي هذه السنة مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، وزير فخر الدولة بالري، وكان واحد زمانه علماً، وفضلاً، وتدبيراً، وجودة رأي، وكرماً، عالماً بأنواع العلوم، عارفاً بالكتابة وموادها، ورسائله مشهورة مدونة، وجمع من الكتب ما لم يجمعه غيره، حتى إنه كان يحتاج في نقلها إلى أربع مائة جمل.

ولما مات وزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب بالكافي.
ولما حضره الموت قال لفخر الدولة: قد خدمتك خدمةً استفرغت فيها وسعي، وسرت سيرةً جلبت لك حسن الذكر، فإن أجريت الأمور على ما كانت عليه نسب ذلك الجميل إليك وتركت أنا، وإن عدلت عنه كنت أنا المشكور ونسبت الطريقة الثانية إليك، وقدح ذلك في دولتك. فكان هذا نصحه له إلى أن مات.
فلما توفي أنفذ فخر الدولة من احتاط على ماله وداره، ونقل جميع ما فيها إليه، فقبح الله خدمة الملوك، هذا فعلهم مع من نصح لهم، فكيف مع غيره ! ونقل الصاحب بعد ذلك إلى أصبهان، وكثير ما بين فعل فخر الدولة مع ابن عباد وبين العزيز بالله العلوي مع وزيره يعقوب بن كلس وقد تقدم.
وكان الصاحب بن عباد قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، وقدمه، وولاه قضاء الري وأعمالها، فلما توفي قال عبد الجبار: لا أرى الترحم عليه، لأنه مات عن غير توبة ظهرت منه، فنسب عبد الجبار إلى قلة الوفاء.
ثم إن فخر الدولة قبض على عبد الجبار وصادره، فباع في جملة ما باع ألف طيلسان، وألف ثوب صوف رفيع، فلم لا نظر لنفسه، وتاب عن أخذ مثل هذا واذخاره من غير حله ؟ ثم إن فخر الدولة قبض على أصحاب ابن عباد وأبطل كل مسامحة كانت منه، وقرر هو ووزراؤه المصادرات في البلاد، فاجتمع له منها شيء كثير، ثم تمزق بعد وفاته في أقرب مدة، وحصل بالوزر وسوء الذكر.
ذكر إيقاع صمصام الدولة بالأتراكفي هذه السنة أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك، فقتل منهم جماعة، وهرب الباقون فعاثوا في البلاد، وانصرفوا إلى كرمان، ثم منها إلى بلاد السند، واستأذنوا ملكها في دخول بلاده، فأذن لهم وخرج إلى تلقيهم ووافق أصحابه على الإيقاع بهم، فلما رآهم جعل أصحابه صفين، فلما حصل الأتراك في وسطهم أطبقوا عليهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر جرحى وقعوا بين القتلى وهربوا تحت الليل.
ذكر وفاة خواشاذهفي هذه السنة توفي أبو نصر خواشاذه بالبطائح، وكان قد هرب إليها بعد أن قبض، وكاتبه بهاء الدولة، وفخر الدولة، وصمصام الدولة، وبدر بن حسنويه، كل منهم يستدعيه، ويبذل له ما يريده وقال له فخر الدولة: لعلك تسيء الظن بما قدمته في خدمة عضد الدولة، وما كنا لنؤاخذك بطاعة من قدمك ومناصحته، وقد علمت ما عملته مع الصاحب بن عباد، وتركنا ما فعله معنا. فعزم على قصده، فأدركه أجله قبل ذلك، وتوفي، وكان من أعيان قواد عضد الدولة.
ذكر عود عسكر صمصام الدولة إلى الأهوازفي هذه السنة جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسن، واتفق أن طغان، نائب بهاء الدولة بالأهواز، توفي، وعزم من معه من الأتراك على العود إلى بغداد، وكتب من هناك إلى بهاء الدولة بالخبر، فأقلقه ذلك وأزعجه، فسير أبا كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز نائباً عنه وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى الفتكين، وهو برامهرمز، قد عاد من بين يدي عسكر صمصام الدولة إليها، يأمره بالمقام بموضعه، فلم يفعل، وعاد إلى الأهواز، فكتب إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال، وسار بعدهم بهاء الدولة نحو خوزستان، فكاتبه العلاء، وسلك طريق اللين والخداع.
ثم سار على نهر المسرقان إلى أن حصل بخان طوق، ووقعت الحرب بينه وبين أبي محمد بن مكرم والفتكين، وزحف الديلم بين البساتين، حتى دخلوا البلد، وانزاح عنه ابن مكرم والفتكين، وكتبا إلى بهاء الدولة يشيران عليه بالعبور إليها، فتوقف عن ذلك ووعدهما به، وسير إليهما ثمانين غلاماً من الأتراك، فعبروا وحملوا على الديلم من خلفهم، فأفرج لهم الديلم، فلما توسطوا بينهم أطبقوا عليهم فقتلوهم.
فلما عرف بهاء الدولة ذلك ضعفت نفسه، وعزم على العود، ولم يظهر ذلك، فأمر بإسراج الخيل وحمل السلاح، ففعل ذلك، وسار نحو الأهواز يسيراً، ثم عاد إلى البصرة فنزل بظاهرها. فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد إلى عسكر مكرم، وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها، فنزلوا براملان بين عسكر مكرم وتستر، وتكررت الوقائع بين الفريقين مدةً.

وكان بيد الأتراك، أصحاب بهاء الدولة، من تستر إلى رامهرمز، ومع الديلم منها إلى أرجان، وأقاموا ستة أشهر، ثم رجعوا إلى الأهواز، ثم عبر بهم النهر إلى الديلم، واقتتلوا نحو شهرين، ثم رحل الأتراك وتبعهم العلاء، فوجدهم قد سلكوا طريق واسط، فكف عنهم، وأقام بعسكر مكرم.
ذكر حادثة غريبة بالأندلسفي هذه السنة سير المنصور محمد بن أبي عامر، أمير الأندلس لهشام المؤيد، عسكراً إلى بلاد الفرنج للغزاة، فنالوا منهم وغنموا، وأوغلوا في ديارهم، وأسروا غرسية، وهو ملك للفرنج ابن ملك من ملوكهم يقال له شانجة، وكان من أعظم ملوكهم وأمنعهم، وكان من القدر أن شاعراً للمنصور، يقال له أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي، قد قصده من بلاد الموصل، وأقام عنده، وامتدحه قبل هذا التاريخ، فلما كان الآن أهدى أبو العلاء إلى المنصور أيلاً، وكتب معه أبياتاً منها:
يا حرز كلّ مخوّفٍ، وأمان كلّ ... مشرّدٍ، ومعزّ كلّ مذلّل
جدواك إن تخصص به فلأهله، ... وتعمّ بالإحسان كلّ مؤمّل
يقول فيها:
مولاي مؤنس غربتي، متخطّفي ... من ظفر أيّامي، ممنّع معقلي
عبدٌ رفعت بضبعه، وغرسته ... في نعمةٍ أهدى إليك بأيّل
سمّيته غرسيّة، وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي
فلئن قبلت، فتلك أسنى نعمةٍ ... أسدى بها ذو نعمةٍ وتطوّل
فسمى هذا الشاعر الأيل غرسية تفاؤلاً بأسر ذلك غرسية، فكان أسره في اليوم الذي أهدى فيه الأيل، فانظر إلى هذا الاتفاق ما أعجبه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ورد الوزير أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي من البطيحة إلى بهاء الدولة، بعد عوده من خوزستان، وكان قد التجأ إلى مهذب الدولة، فأرسل بهاء الدولة يطلبه ليستوزره، فحضر عنده، فلم يتم له ذلك، فعاد إلى البطيحة، وكان الفاضل، وزير بهاء الدولة، معه بواسط، فلما علم الحال استأذن في الإصعاد إلى بغداد، فأذن له فأصعد، فعاد بهاء الدولة وطلبه ليرجع إليه، فغالطه ولم يعد.
وفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد ابن أيوب المعروف بابن شاهين الواعظ، مولده في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين، وكان مكثراً من الحديث ثقةً.
وفيها، في ذي القعدة، توفي الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي المعروف بالدارقطني الإمام المشهور.
وفيها، في ربيع الأول، توفي محمد بن عبدالله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن المهدي بالله، وكان منحرفاً عن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكان خبيث اللسان يتقى سفهه، ومن جيد شعره:
في وجه إنسانةٍ كلفت بها ... أربعةٌ ما اجتمعن في أحد
الوجه بدرٌ والصدغ غاليةٌ، ... والرّيق خمرٌ، والثّغر من برد
وفيها توفي يوسف بن عمر بن مسروق، أبو الفتح القواس، الزاهد، في ربيع الأول، وله خمس وخمسون سنة.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة
ذكر وفاة العزيز بالله
وولاية ابنه الحاكم وما كان من الحروب إلى أن استقر أمره
في هذه السنة توفي العزيز أبو منصور نزال بن المعز أبي تميم معد العلوي، صاحب مصر، لليلتين بقيتا من رمضان، وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر ونصف، بمدينة بلبيس، وكان برز إليها لغزو الروم، فلحقه عدة أمراض منها النقرس والحصا والقولنج، فاتصلت به إلى أن مات.
وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً، ومولده بالمهدية من إفريقية.
وكان أسمر طويلاً، أصهب الشعر، عريض المنكبين، عارفاً بالخيل والجوهر، قيل إنه ولى عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهودياً اسمه منشا، فاعتز بهما النصارى وإليهود، وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس، فيها: بالذي أعز إليهود بمنشا والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي؛ وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما قرأ ما فيها، ورأى الصورة من قراطيس، علم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار، ومن إليهودي شيئاً كثيراً.

وكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن ابن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس، وزير العزيز، وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبدالله الحسين القيرواني، فقال:
قل لأبي نصرٍ صاحب القصر، ... والمتأتّي لنقض ذا الأمر
انقض عرى الملك للوزير تفز ... منه بحسن الثناء والذّكر
وأعط، وامنع، ولا تخف أحداً، ... فصاحب القصر ليس في القصر
وليس يدري ماذا يراد به، وهو إذا ما درى، فما يدري
فشكاه ابن كلس إلى العزيز، وأنشده الشعر، فقال له: هذا شيء اشتركنا فيه في الهجاء فشاركني في العفو عنه. ثم قال هذا الشاعر أيضاً وعرض بالفضل القائد:
تنصّر، فالتنصّر دين حقٍّ، ... عليه زماننا هذا يدلّ
وقل بثلاثةٍ عزّوا وجلّوا، ... وعطّل ما سواهم فهو عطل
فيعقوب الوزير أبٌ، وهذا ... العزيز ابنٌ، وروح القدس فضل
فشكاه أيضاً إلى العزيز، فامتعض منه إلا أنه قال: اعف عنه؛ فعفا عنه.
ثم دخل الوزير على العزيز، فقال: لم يبق للعفو عن هذا معنىً، وفيه غضٌّ من السياسة، ونقضٌ لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن زبارج نديمك، وسبك بقوله:
زبارجيٌّ نديمٌ وكلّسيٌّ وزير، ... نعم على قدو الكلب يصلح الساجور
فغضب العزيز، وأمر بالقبض عليه، فقبض عليه، لوقته، ثم بدا العزيز إطلاقه، فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير عين في القصر، فأخبره بذلك، فأمر بقتله فقتل.
فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعاً، فعاد إليه فأخبره، فاغتم له.
ولما مات العزيز ولي بعده ابنه أبو علي المنصور، ولقب الحاكم بأمر الله، بعهد من أبيه، فولي وعمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وأوصى العزيز إلى أرجوان الخادم، وكان يتولى أمر داره، وجعله مدبر دولة ابنه الحاكم، فقام بأمره، وبايع له، وأخذ له البيعة على الناس، وتقدم الحسن ابن عمار، شيخ كتامة وسيدها، وحكم في دولته، واستولى عليها، وتلقب بأمين الدولة، وهو أول من تلقب في دولة العلويين المصريين، فأشار عليه ثقاته بقتل الحاكم، وقالوا: لا حاجة بنا إلى من يتعبدنا؛ فلم يفعل احتقاراً له، واستصغاراً لسنه.
وانبسطت كتامة في البلاد، وحكموا فيها، ومدوا أيديهم إلى أموال الرعية وحريمهم، وأرجوان مقيم مع الحاكم في القصر يحرسه، واتفق معه شكر خادم عضد الدولة، وقد ذكرنا قبض شرف الدولة عليه ومسيره إلى مصر، فلما اتفقا، وصارت كلمتهما واحدة، كتب أرجوان إلى منجوتكين يشكو ما يتم عليه من ابن عمار، فتجهز وسار من دمشق نحو مصر، فوصل الخبر إلى ابن عمار، فأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم، وندب العساكر إلى قتاله، وسير إليه جيشاً كثيراً، وجعل عليهم أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي، فساروا إليه، فلقوه بعسقلان، فانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفا رجل، وأسر منجوتكين وحمل إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمار، وأطلقه استمالةً للمشارقة بذلك.
واستعمل ابن عمار على الشام أبا تميم الكتامي، واسمه سليمان بن جعفر، فسار إلى طبرية، فاستعمل على دمشق أخاه علياً، فامتنع أهلها عليه، فكاتبهم أبو تميم يتهددهم فخافوا وأذعنوا بالطاعة، واعتذروا من فعل سفهائهم، وخرجوا إلى علي فلم يعبأ بهم وركب ودخل البلد فأحرق وقتل وعاد إلى عسكره.
وقدم عليهم أبو تميم فأحسن إليهم وأمنهم، وأطلق المحبسين، ونظر في أمر الساحل، واستعمل أخاه علياً على طرابلس، وعزل عنها جيش بن الصمصامة الكتامي، فمضى إلى مصر، واجتمع مع أرجوان على الحسن بن عمار، فانتهز أرجوان الفرصة ببعد كتامة عن مصر مع أبي تميم، فوضع المشارقة على الفتك بمن بقي بمصر منهم، وبابن عمار معهم.
فبلغ ذلك ابن عمار، فعمل على الإيقاع بأرجوان وشكر العضدي، فأخبرهما عيون لهما على ابن عمار بذلك، فاحتاطا ودخلا قصر الحاكم باكين، وثارت الفتنة، واجتمعت المشارقة، ففرق فيهم المال، وواقعوا ابن عمار ومن معه، فانهزم واختفى.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://arabelalekat.yoo7.com
 
كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 8انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8  الصفحة التالية
 مواضيع مماثلة
-
» مسلم بن عقيل في الكامل في التاريخ
» كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري
» كتاب:بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية المؤلف : شيخ الإسلام ابن تيمية
» معركة كربلاء - من كتاب معارك فاصلة في التاريخ الاسلامي
» 168 - النويري المكي، تاج الدين أبو الفضل محمد بن محمد

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
aloqili.com :: منتدي الكتب التاريخية-
انتقل الى: